منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
505

و لا مبلغ علمنا، و لا تسلّط علينا من لا يرحمنا». (ت، ك؛ عن ابن عمر).

67- «اللّهمّ؛ أحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، و أجرنا من خزي الدّنيا مرخّص فيه، بل مستحبّ؛ على ما صرّح به القاضي عياض، و المضرّ الانهماك.

(و لا مبلغ علمنا)- بفتح الميم و اللّام، بينهما موحدة ساكنة-: و هو الغاية التي يبلغها الماشي و المحاسب فيقف عندها، أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم و لا نتفكّر إلا في أحوال الدنيا، بحيث تكون جميع معلوماتنا الطرق المحصّلة للدنيا، و العلوم الجالبة لها، بل اجعلنا متفكّرين في أمر العقبى، متفحّصين عن العلوم الفاخرة المتعلّقة بأمور الآخرة.

و مجمله: لا تجعل علمنا غير متجاوز عن الدنيا مقصورا عليها؛ بل اجعله متجاوزا عنها إلى الآخرة.

(و لا تسلّط علينا من لا يرحمنا»)؛ أي: لا تجعلنا مغلوبين للظّلمة و الكفرة و الفجرة، و لا تجعلهم علينا حاكمين. و يجوز حمله على ملائكة العذاب في القبر؛ أو في النار، و لا مانع من إرادة الجميع.

(ت، ك)؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «الدعوات»، و قال: حديث حسن، و أخرجه الحاكم في «المستدرك»، و قال: صحيح على شرط البخاريّ.

(عن ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهما)؛ قال: قلّما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقوم من مجلس حتّى يدعو بهذه الدّعوات. و رواه عنه أيضا النسائيّ، و فيه عبد اللّه بن زحر: ضعّفوه، فالحديث لأجله حسن؛ لا صحيح. انتهى «مناوي».

67- ( «اللّهمّ؛ أحسن عاقبتنا)؛ أي: آخرة أمرنا (في الأمور كلّها)؛ أي:

اجعل آخر كلّ عمل لنا حسنا، فإنّ الأعمال بخواتيمها.

(و أجرنا من خزي الدّنيا)؛ أي: رزاياها و مصائبها و خدعها، و تسلّط الأعداء

506

و عذاب الآخرة». (حم، حب، ك؛ عن بسر بن أرطأة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

68- «يا وليّ الإسلام و أهله ...

و شماتتهم، (و عذاب الآخرة») زاد الطبرانيّ: فمن كان هذا دعاءه مات قبل أن يصيبه البلاء، و هذا من جنس استغفار الأنبياء؛ مع كونهم علموا أنّهم مغفور لهم!!

قال الشوكانيّ: هذا الدعاء من جوامع الكلم، لأنّه إذا أحسن اللّه تعالى عاقبة العبد في الأمور كلّها فاز في جميع أموره، و وقعت أعماله مرضيّة مقبولة، و جنّبه ما لا يرضيه، و وفّقه و سدّده و ثبّته حتى تحسن عاقبة أموره.

و في الحديث دليل على مشروعيّة سؤال اللّه عزّ و جلّ أن يحسّن للداعي عاقبة أموره كلّها، و أعظم الأمور و أجلّها و أهمّها: حسن خاتمة عمره، فإنّه يلقى ربّه على ما ختم له به؛ إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ. انتهى.

(حم، حب، ك)؛ أي: أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، و ابن حبّان و صحّحه: و الحاكم في «مستدركه» و صحّحه كلهم؛ (عن بسر)- بضم الموحدة و سكون المهملة- (بن أرطاة). قال المناوي: صوابه ابن أبي أرطاة؛ كما في «الإصابة»، قال ابن حبّان: و من قال: ابن أرطاة فقد وهم.

و هو قرشيّ عامريّ، مختلف في صحبته، ولّاه معاوية اليمن؛ فأفسد و عتا و تجبّر. قال ابن عساكر: له باليمن آثار غير محمودة. و قتل عبد الرحمن و قثم:

ابني عبيد اللّه بن عبّاس، و خلقا، حتّى من لم يبلغ الحلم؛ كولد زينب بنت فاطمة بنت عليّ كرم اللّه وجهه. قال يحيى بن معين: كان بسر رجل سوء، و أهل المدينة ينكرون سماعه من النّبي صلى اللّه عليه و سلم. انتهى ملخصا؛ ذكره المناوي.

و أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»، قال في «مجمع الزوائد»: و إسناد أحمد و أحد إسنادي الطبرانيّ ثقات. انتهى.

68- ( «يا وليّ)؛ أي: يا ناصر (الإسلام و أهله؛) يا متولّي أمور العالم‏

507

ثبّتني به حتّى ألقاك». (طب؛ عن أنس).

69- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة؛ و خير الدّعاء، و خير النّجاح، و خير العمل، و خير الثّواب، و خير الحياة، و خير الممات، و ثبّتني و ثقّل موازيني، و حقّق إيماني، و ارفع درجتي، و قائما بها (ثبّتني به)؛ أي: الإسلام، أي: عليه بأن أكون متمسّكا به، و متّصفا به‏ (حتّى ألقاك»)؛ أي: حتّى تتوفّاني على الإسلام.

(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»؛ (عن أنس) (رضي الله عنه).

69- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة): و هو أقواها تأثيرا في الإجابة، و أحسنها جمعا للمطلوب الذي العبد أحوج إليه من غيره، و هكذا قوله:

(و خير الدّعاء)، و المراد أنّه طلب من اللّه تعالى أن يرشده إلى خير المسألة التي يسأل بها عزّ و جلّ، و إلى خير الدّعاء الذي يدعى به سبحانه و تعالى.

(و خير النّجاح)؛ أي: التمام و الكمال، (و خير العمل) الذي أعمله، و هو أكثر الأعمال ثوابا. (و خير الثّواب) الذي يثاب به العباد على أعمالهم.

(و خير الحياة)؛ و هو: أن يكون في طاعة الربّ سبحانه و تعالى، مجتنبا معاصيه. (و خير الممات)؛ و هو: أن يموت مرضيّا عنه، مغفورا له، مثابا، متثبّتا، مختوما له بالسعادة؛ و بكلمة الشهادة.

(و ثبّتني) في جميع الأفعال و الأقوال، (و ثقّل موازيني) بكثرة الحسنات حتّى ترجح على السيئات؛ فبذلك يكون الفوز و السعادة.

(و حقّق إيماني) بأن تجعله ثابتا قويّا، فإنّ قوّة الإيمان سبب للرّضا بالقضاء، و للإذعان لأحكام القدر، و ذلك أصل كبير يوجب الفوز بالسعادة.

(و ارفع درجتي) في الدار الآخرة. و يمكن أن يكون المقصود رفعها في الدارين؛ لأنّ رفعها في الدنيا لمثل الأنبياء و الصالحين يكون سببا لقبول قولهم‏

508

و تقبّل صلاتي، و اغفر خطيئتي، و أسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك فواتح الخير، و خواتمه و جوامعه، و أوّله و آخره، و ظاهره و باطنه، و الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك خير ما آتي، و خير ما أفعل، و خير ما أعمل، و خير ما بطن، و خير ما ظهر، و الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك أن ترفع ذكري، ...

و امتثال ما يرشدون إليه من الحقّ.

(و تقبّل صلاتي)، لأنها رأس الإيمان و أساسه، و قبولها يستلزم قبول غيرها.

(و اغفر خطيئتي)؛ أي: ذنبي، لأنّ ذلك من أعظم المطالب.

(و أسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك فواتح الخير، و خواتمه)؛ جمع بذلك بين طرفي الخير.

(و جوامعه)، سأل الجوامع!! لأنّ ما يجمع الأمر المتفرّق هو أقرب إلى ضبطه، و أسهل لتيسّره، و أقرب لحصوله، ثمّ أكّد الطلب بقوله:

(و أوّله و آخره، و ظاهره و باطنه، و الدّرجات العلى من الجنّة. آمين) و تمّمه بالتّأمين تأكيدا لما قبله.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك خير ما آتي) من جميع الأمور، فيشمل الأقوال و الأفعال. (و خير ما أفعل، و خير ما أعمل، و خير ما بطن، و خير ما ظهر)- من عطف الخاصّ على العامّ- (و الدّرجات العلى من الجنّة. آمين) كرّر سؤال الدرجات العلى في الجنّة!! لأنّها المقصود بالذات، و ما سواها وسيلة إليها.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك أن ترفع ذكري)؛ أي: تجعل لي ثناء حسنا في الناس،

509

و تضع وزري، و تصلح أمري، و تطهّر قلبي، و تحصّن فرجي، و تنوّر قلبي، و تغفر لي ذنبي، و أسألك الدّرجات العلى من الجنّة.

آمين.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك أن تبارك لي في سمعي، و في بصري، لأنّه يترتّب على ذلك مصالح؛ منها: انقياد النّاس له إلى الحقّ، و منها: امتثال موعظته و أوامره بالخير. و قد سأل ذلك خليل اللّه إبراهيم (عليه الصلاة و السلام)، كما حكى اللّه ذلك عنه بقوله: وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ (84) [الشعراء]. و قد امتنّ اللّه سبحانه و تعالى نبيّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فقال‏ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ (4) [الشرح‏].

(و تضع وزري)؛ أي: تغفر ذنوبي و تعفو عن قبائحي، (و تصلح أمري) مفرد مضاف فيشمل جميع الأمور. (و تطهّر قلبي) من النّفاق، و الحقد، و الحسد، و الكبر، و سائر الأخلاق الذميمة، لأنّ القلب إذا تطهّر أبصر الحقّ فتبعه، و عرف الباطل فاجتنبه. و عبّر ب «تطهّر»!! إشارة أنّ هذه الأخلاق الذميمة نجاسات، فما دام القلب متلطّخا بها؛ فهو متنجّس، و صلاح القلب بزوالها عنه.

(و تحصّن فرجي)؛ أي: تحفظه من الوقوع في المحرّمات التي سببها النّظر المحرّم، (و تنوّر قلبي)، لأنّ تنوير القلب يستلزم الهداية إلى الحقّ و اتّباعه، و اجتناب الباطل و النفور عنه.

(و تغفر لي ذنبي)، لأنّ بمغفرة الذّنوب فوز العبد في الدار الآخرة.

(و أسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك أن تبارك لي في سمعي، و في بصري)، سأله أن يبارك له في سمعه و بصره!! لأنّ بالسمع تلقّي جميع المسموعات، و بالبصر إدراك جميع المبصرات، و إذا بورك له فيهما قبل الحقّ و ردّ الباطل، و هكذا المباركة في الرّوح المذكور في قوله:

510

و في روحي، و في خلقي، و في خلقي، و في أهلي، و في محياي، و في مماتي، و في عملي، ...

(و في روحي)، فإنّ الرّوح إذا كانت مباركة كانت جميع الأعمال الصادرة عنها مباركة جارية على الصّواب؛ ماشية على الصّراط المستقيم. و قد يراد بالروح هنا نفس الشّخص، ليكون من عطف العامّ على الخاصّ.

(و في خلقي)- بفتح الخاء المعجمة و إسكان اللّام-: هو جمال الصورة الظاهرة، (و في خلقي)- بضمتين-: الصورة الباطنة في الإنسان، و إذا بورك فيهما كان سببا لجلب الخير و دفع الشرّ.

و قد ورد في حسن الأخلاق أدلّة ليس هذا موضع بسطها، و يغني عن ذلك ما وصف اللّه سبحانه و تعالى نبيّه صلى اللّه عليه و سلم بقوله‏ وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ (4) [4/ القلم‏]. فإذا كان الرسول صلى اللّه عليه و سلم على خلق عظيم، و مدحه اللّه تعالى على ذلك؛ فينبغي لكلّ مقتد به أن يكون على خلق عظيم.

(و في أهلي)، لأنّه إذا بارك اللّه له في الأهل كانوا له قرّة عين، و مسرّة قلب، و جرت أموره على الصلاح و السداد، و تمسّكوا بهدي صالح العباد.

و أهل الرّجل عشيرته و ذوو قرباه، و منه قوله تعالى‏ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها [35/ النساء]. و من المجاز «الأهل للرّجل»: زوجته، و يدخل فيه الأولاد، و لا مانع من إرادة هذه المعاني.

و قال الراغب- و تبعه المناوي-: أهل الرجل من يجمعه و إيّاهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما؛ من صناعة و بيت و بلد، فأهل الرجل من يجمعه و إيّاهم مسكن واحد، ثمّ تجوّز فقيل: أهل بيته من يجمعه و إياهم نسب أو ما ذكر، و تعورف في أسرة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم مطلقا.

(و في محياي؛ و في مماتي)، لأنّ من بورك له فيهما فاز بخيري الدنيا و الآخرة. (و في عملي)، لأنّ العمل إذا بورك فيه تكاثر ثوابه، و تضاعف أجره.

511

و تقبّل حسناتي، و أسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين».

(ك، طب؛ عن أمّ سلمة).

70- «يا من لا تراه العيون، ...

(و تقبّل حسناتي)، لأنّها إذا كانت مقبولة كانت ذخيرة لصاحبها؛ يستحقّ ثوابها.

(و أسألك الدّرجات العلى من الجنّة. آمين») ختم الدعاء بذلك!! لأنّه من أعظم مقاصد أنبياء اللّه تعالى و صالح عباده.

(ك، طب)؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك»، و الطبرانيّ في «الكبير»، أي: و «الأوسط»: كلهم؛ من حديث أمّ سلمة (رضي الله تعالى عنها)؛ عن النّبي صلى اللّه عليه و سلم قالت: هذا ما سأل محمّد صلى اللّه عليه و سلم ربّه: اللّهمّ؛ إنّي أسألك خير المسألة» ... الحديث.

هكذا ساقه الحاكم في «المستدرك» بهذا اللّفظ الذي ذكره المصنّف من حديثها، و ساقه الطبرانيّ من حديثها ببعض هذه الألفاظ، و بألفاظ أخر. قال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد»: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ و رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن زنبور و عاصم بن عبيد، و هما من الثّقات. و ساقه الطبرانيّ في «الكبير»؛ من طريق آخر (عن أمّ سلمة) (رضي الله تعالى عنها).

انتهى. من «تحفة الذاكرين».

70- ( «يا من لا تراه العيون)؛ أي: في الدنيا، و أمّا في الآخرة! فقد صحّت السنّة المتواترة بأنّ العباد يرون ربّهم عزّ و جلّ، و لا التفات إلى المجادلة الواقعة بين منكري الرؤية، فكلّها خيالات مختلّة، و علل معتلّة.

و ما تمسّكوا به من الدليل القرآني!! فهو معارض بمثله من القرآن، و الرجوع إلى السنّة المتواترة واجب على كلّ مسلم.

و أمّا ما تمسّكوا به من الأدلّة العقليّة!! فهو السراب الذي يحسبه الظمان ماء

512

و لا تخالطه الظّنون، و لا يصفه الواصفون، و لا تغيّره الحوادث، و لا يخشى الدّوائر، يعلم مثاقيل الجبال، و مكاييل البحار، ...

حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!! و ليس لنا في هذا إلّا ما جاءنا من طريق رسوله صلى اللّه عليه و سلم، و قد جاءنا بما لا تبقى معه شبهة، و لا يرفعه شكّ، و لا يدخله خيال. انتهى.

(تحفة الذاكرين) للشوكاني (رحمه الله تعالى).

(و لا تخالطه الظّنون)، قال الشوكانيّ: أي: أنّ علمه عزّ و جلّ عن يقين، فهو العالم بخفيّات الأمور و دقائقها؛ كما يعلم بظواهرها و جلياتها. انتهى.

و قال ابن الجزري: أي لا يدخل في علمه شكّ، بل يعلم الجزئيّات على وجه التحقيق.

و قال عليّ القاري: و الأولى أن يقال: المعنى: لا تبلغ كنه ذاته و صفاته الأوهام و الظنون، حتى يناسب ما قبله و ما بعده. و قيل: معناه يعلم الكليّات و الجزئيّات؛ إجمالا و تفصيلا، و لا يدخل في علمه شكّ و لا ظنّ و لا وهم، بل هو يعلم الكليّات جميعا على ما هي عليه.

(و لا يصفه الواصفون)؛ أي: يعجز الواصفون عن وصف حقيقته تبارك و تعالى، كما يعجز العادّون عن إحصاء نعمته؛ أي: لا يقدرون على ذلك، كما قال عزّ و جلّ‏ وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) [طه‏]. فلا أحد من عباده يقدر على إحصاء الثناء عليه و الوصف له، بل: هو كما أثنى على نفسه.

(و لا تغيّره الحوادث) الكائنة في الزمان على اختلاف أنواعها، لأنه إنّما تغيّر بتغيّرها العالم الحادث؛ لا القديم الواجب الوجود و البقاء سبحانه و تعالى.

(و لا يخشى الدّوائر)؛ أي: لا يخاف عواقب الأمور و حوادث الدّهور.

و قال ابن الجزري: أي: دوائر الزمان و تقلّباته.

(يعلم مثاقيل الجبال)؛ أي: مقادير وزنها و عدد حصيّاتها.

(و) يعلم‏ (مكاييل البحار)؛ أي: مقدارها كيلا و عدد قطراتها.

513

و عدد قطر الأمطار، و عدد ورق الأشجار، و عدد ما أظلم عليه اللّيل و أشرق عليه النّهار، ...

(و) يعلم‏ (عدد قطر الأمطار)؛ أي: قطراتها النازلة من السماء، فوق الجبال و البحار، و البراري و القفار و غيرها. و القطر: جمع قطرة- على ما في «الصحاح»- و الأصحّ: أنّه اسم جنس جمعيّ يفرّق بينه و بين مفرده بالتاء، واحده قطرة.

(و) يعلم‏ (عدد ورق): اسم جنس جمعيّ؛ واحده ورقة. (الأشجار) و النبات و الأزهار، و الأشجار: جمع شجر، و واحد الشجر شجرة: و هي ما له ساق من نبات الأرض.

(و) يعلم‏ (عدد ما أظلم) فعل لازم‏ (عليه اللّيل): هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، و قيل: إلى طلوع الشمس، و أظلم اللّيل: اشتدّ ظلامه، و عدد ما أظلم عليه، أي: عدد ما اشتمل عليه ظلامه، أو اشتمل عليه بظلامه.

(و أشرق) فعل لازم‏ (عليه النّهار): هو عند العرب من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، و قيل: من طلوع الشّمس، و اليوم من طلوع الفجر، و معنى أشرق عليه النهار: اشتمل عليه بنوره و إسناد الإشراق إلى النّهار مجازيّ؛ من باب الإسناد إلى الزمان، و هو في الحقيقة للشّمس.

و الواو في «أشرق»: الأقرب أنّها بمعنى «أو»، فيعمّ ما بقي حتى اشتمل عليه اللّيل و النهار معا، و ما اشتمل عليه أحدهما فقط؛

1- كالأجرام التي لا توجد في أحدهما و تعدم فيه.

و 2- كالأغراض و لا سيّما على القول بأنّ العرض لا يبقى زمانين، و هذا هو المناسب للمقام.

و 3- المعدودات التي يمرّ عليها اللّيل و النهار: هي الموجودات التي في عالم الملك، و هي جميع هذا العالم الكائن بالأرض؛ من حيوان و جماد، لأنّ اللّيل و النّهار إنّما يجريان بالأرض.

514

و لا تواري منه سماء سماء، و لا أرض أرضا، و لا بحر ما في قعره، و لا جبل ما في وعره .. اجعل خير عمري آخره، و خير عملي خواتمه، و خير أيّامي يوم ألقاك فيه» ...

(و لا تواري)؛ أي: لا تخفي و لا تستر و لا تحجب‏ (منه)؛ أي: من اللّه‏ (سماء سماء)، أي: سماء فوقها أو تحتها، فإنّ علمه سبحانه و تعالى يستوي فيه جميع الأشياء من العلويّات و السفليّات، و الجزئيّات و الكليّات؛ في عالم الملك و الملكوت، و الغيب و الشهادة.

(و لا) تواري منه‏ (أرض أرضا، و لا بحر) يواري‏ (ما في قعره): نهاية أسفله؛ من الجواهر و الحيوانات و النباتات. (و لا جبل) يواري‏ (ما في وعره)، أي: جوفه؛ من المعادن و الينابيع و غيرهما. قال اللّه تعالى‏ وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (8) [النحل‏].

و المعنى: أنّ علمه تعالى محيط بجميع الموجودات و المعدومات، الواجبات و الجائزات و المستحيلات، يعلم الأشياء كما هي عليه في الواقع؛ فلا يحجبها عنه حاجب، و لا يحول بينه و بينها حائل؛ لا سماء و لا أرض، و لا بحر و لا جبل.

قال اللّه سبحانه و تعالى‏ وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ [61/ يونس‏].

(اجعل خير عمري آخره)؛ لأنّه وقت الضعف و العجز عن الكسب، (و) اجعل‏ (خير عملي خواتمه)، لأنّ دوائر السعادة و الشقاوة تدور على الخاتمة كما تدل عليه الأحاديث-.

(و) اجعل‏ (خير أيّامي يوم ألقاك فيه»)؛ أي: وقت أحضر عندك بالموت؛ أو بالبعث.

سأل اللّه تعالى أن يكون خير أيّامه يوم يلقاه سبحانه و تعالى!! لأنّ ذلك الوقت‏

515

(طب؛ عن أنس).

هو وقت الظّفر بالرحمة الواسعة، و الفوز بما لا خير يساويه، و لا نعمة تضاهيه.

و كون ذلك اليوم خير أيّامه يستلزمه أن يكون ينال فيه ما يرجوه و يظفر بما يطلبه، لأنّه لو لم يحصل له ذلك لم يكن خير أيّامه.

و قد سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هذا الدعاء و قرّره؛ فكان الدعاء به من السّنّة، و قد تقرّر أنّ السنّة قوله صلى اللّه عليه و سلم و فعله و تقريره.

(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»؛ (عن أنس) (رضي الله تعالى عنه) قال: إنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم مرّ بأعرابيّ؛ و هو يدعو في صلاته، و هو يقول: يا من لا تراه العيون ... إلى آخر الدعاء.

قال أنس: فوكل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالأعرابيّ رجلا؛ فقال: «إذا صلّى فأتني به»، فلمّا صلّى أتاه الأعرابيّ- و قد كان أهدي لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ذهب من بعض المعادن-، فلمّا أتاه الأعرابيّ وهب له الذهب، و قال: «ممّن أنت؛ يا أعرابيّ؟!» قال: من بني عامر بن صعصعة؛ يا رسول اللّه. قال:

«يا أعرابيّ؛ هل تدري لم وهبت لك الذّهب!؟» قال: للرّحم بيننا و بينك، قال: «إنّ للرّحم حقّا، و لكن وهبت لك الذّهب لحسن ثنائك على اللّه تعالى».

قال في «مجمع الزوائد»: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، و رجاله رجال الصحيح غير عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن الأذرمي: و هو ثقة. انتهى.

و في «حياة الحيوان» للكمال الدّميري (رحمه الله تعالى):

فائدة: روى ابن بشكوال بسنده إلى أحمد بن محمد العطّار؛ عن أبيه قال:

كان لنا جار فأسر، و أقام في الأسر عشرين سنة؛ و أيس أن يرى أهله. قال:

فبينما أنا ذات ليلة أفكّر فيمن خلّفت من صبياني و أبكي؛ و إذا أنا بطائر سقط فوق حائط السّجن يدعو بهذا الدعاء!. قال: فتعلّمته من الطائر، ثمّ دعوت اللّه به ثلاث ليال متتابعات، ثمّ نمت، فما استيقظت؛ إلّا و أنا في بلدي فوق سطح داري. قال:

516

..........

فنزلت إلى عيالي فسرّوا بي بعد أن فزعوا منّي؛ لمّا رأوني و رأوا ما بي من تغير الحال و الهيئة، ثمّ إنّي حججت من عامي، فبينا أنا أطوف و أدعو بهذا الدعاء إذا أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي؛ و قال لي: من أين لك هذا الدعاء؟! فإن هذا الدّعاء لا يدعو به إلا طائر ببلاد الرّوم. [قلت‏]: تعلّمت الدعاء من الطائر!! فقال:

صدقت. فسألت الشيخ عن اسمه فقال: أنا الخضر. و هو هذا الدعاء:

«اللّهمّ إنّي أسألك؛ يا من لا تراه العيون، و لا تخالطه الظّنون، و لا يصفه الواصفون، و لا تغيّره الحوادث و لا الدّهور، يعلم مثاقيل الجبال، و مكاييل البحار، و عدد قطر الأمطار، و عدد ورق الأشجار، و عدد ما يظلم عليه اللّيل و يشرق عليه النّهار، و لا تواري منه سماء سماء، و لا أرض أرضا، و لا جبل إلّا يعلم ما في وعره و سهله، و لا بحر إلّا يعلم ما في قعره و ساحله.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك أن تجعل خير عملي آخره، و خير أيّامي يوم ألقاك فيه، إنّك على كلّ شي‏ء قدير. اللّهمّ من عاداني فعاده، و من كادني فكده، و من بغى عليّ بهلكة فأهلكه، و من أرادني بسوء فخذه، و أطفئ عنّي نار من أشبّ لي ناره، و اكفني همّ من أدخل عليّ همّه، و أدخلني في درعك الحصينة، و استرني بسترك الواقي؛ يا من كفاني كلّ شي‏ء، اكفني ما أهمّني من أمر الدّنيا و الآخرة، و صدّق قولي و فعلي بالتّحقيق؛ يا شفيق، يا رفيق؛ فرّج عنّي كلّ ضيق، و لا تحمّلني ما لا أطيق، أنت إلهي الحقّ الحقيق، يا مشرق البرهان، يا قويّ الأركان، يا من رحمته في كلّ مكان؛ و في هذا المكان، يا من لا يخلو منه مكان، احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني في كنفك الّذي لا يرام.

إنّه قد تيقّن قلبي أن لا إله إلّا أنت، و أنّي لا أهلك و أنت معي؛ يا رجائي، فارحمني بقدرتك؛ يا عليّ، يا عظيما يرجى لكلّ عظيم، يا عليم يا حليم، أنت بحاجتي عليم، و على خلاصي قدير، و هو عليك يسير، فامنن عليّ بقضائها؛

517

الثّلاثة الأخيرة من «الحصن الحصين».

يا أكرم الأكرمين، يا أجود الأجودين، يا أسرع الحاسبين، يا قويّ يا متين، يا ربّ العالمين، ارحمني و ارحم جميع المذنبين من أمّة سيّدنا محمّد صلى اللّه عليه و سلم إنّك على كلّ شي‏ء قدير.

اللّهمّ؛ استجب لنا كما استجبت لهم برحمتك، و عجّل علينا بفرج من عندك، بجودك و كرمك، و ارتفاعك في علوّ سمائك، يا أرحم الرّاحمين؛ إنّك على ما تشاء قدير.

و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد، خاتم النّبيّين، و على آله و صحبه أجمعين».

و هذا الدعاء: روى الطبرانيّ بإسناد صحيح قطعة منه؛ عن أنس: أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم مرّ بأعرابيّ ...» إلى آخر ما تقدّم. انتهى كلام «حياة الحيوان» للدّميري في الكلام على الطائر صفحة 591 ج 1 حرف الطاء.

(الثّلاثة) الأحاديث‏ (الأخيرة) التي أوّلها: «يا وليّ الإسلام» ... الخ مأخوذة (من) كتاب‏ ( «الحصن الحصين) من كلام سيّد المرسلين» للشيخ الحافظ المحدّث المقرئ: شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف؛ ابن الجزري العمري؛ الدمشقيّ، ثمّ الشيرازيّ؛ الشافعيّ، المتوفى سنة 833-: ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة هجريّة، (رحمه الله تعالى).

و هو من الكتب الجامعة للأدعية و الأوراد و الأذكار الواردة في الأحاديث و الآثار، و ذكر فيه مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدّعاء و الذكر و آدابه و أوقات الإجابة و أمكنتها، ثمّ الاسم الأعظم و الأسماء الحسنى، ثمّ ما يقال في الصباح و المساء، و في الحياة و الممات، ثمّ الذكر العامّ، ثمّ الاستغفار، ثم فضل القرآن، ثمّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

و لقد أحسن من قال:

إن نابك الأمر المهو * * * ل اذكر إله العالمينا

و إذا بغى باغ عليك‏ * * * فدونك الحصن الحصينا

518

..........

تتمّة في آداب الدعاء: و آكدها: 1- تجنّب الحرام؛ مأكلا و مشربا و ملبسا، و 2- الإخلاص للّه، و 3- تقديم عمل صالح، و 4- الوضوء، و 5- استقبال القبلة، و 6- الصلاة، و 7- الجثو على الركب، و 8- الثناء على اللّه تعالى، و 9- الصلاة على نبيّه أوّلا و آخرا، و 10- بسط يديه و رفعهما حذو منكبيه و كشفها؛ مع التأدّب و الخشوع و المسكنة و الخضوع، و 11- أن يسأل اللّه تعالى بأسمائه العظام الحسنى؛ و الأدعية المأثورة. و 12- يتوسّل إلى اللّه بأنبيائه و الصالحين؛ بخفض صوت و اعتراف بذنب، و 13- يبدأ بنفسه، و لا يخصّ نفسه؛ إن كان إماما، و 14- يسأل بعزم و رغبة؛ و جدّ و اجتهاد، و 15- يحضر قلبه و يحسن رجاءه، و 16- يكرّر الدعاء؛ و يلحّ فيه، و 17- لا يدعو بإثم؛ و لا قطيعة رحم؛ و لا بأمر قد فرغ منه؛ و لا بمستحيل، و 18- لا يتحجّر؛ و يسأل حاجاته كلّها، و 19- يؤمّن الداعي و المستمع، و 20- يمسح وجهه بيديه بعد فراغه، و 21- لا يستعجل أو يقول:

دعوت فلم يستجب لي. ذكره في «عدّة الحصن الحصين» للعلامة ابن الجزري، (رحمه الله تعالى).

و قال الغزاليّ في «إحياء علوم الدين»: آداب الدعاء عشرة:

الأول: أن يترصّد الأزمان الشريفة؛ كيوم عرفة، و شهر رمضان، و يوم الجمعة، و الثلث الأخير من اللّيل، و وقت الأسحار.

الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة؛ كحالة السجود، و التقاء الجيوش، و نزول الغيث، و إقامة الصلاة و بعدها، و حالة رقّة القلب.

الثالث: استقبال القبلة، و رفع اليدين، و يمسح بهما وجهه في آخره.

الرابع: خفض الصوت بين المخافتة و الجهر.

الخامس: أن لا يتكلّف السجع.

519

و صلّى اللّه على نبيّنا محمّد .. كلّما ذكره الذّاكرون، و غفل عن ذكره الغافلون.

السادس: التضرّع و الخشوع و الرهبة.

السابع: أن يجزم بالطلب، و يوقن بالإجابة و يصدّق رجاءه فيها.

الثامن: أن يلحّ في الدعاء، و يكرّره ثلاثا، و لا يستبطئ الإجابة.

التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر اللّه تعالى، أي: و بالصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعد الحمد للّه تعالى و الثناء عليه، و يختمه بذلك كلّه أيضا.

العاشر:- و هو أهمّها؛ و الأصل في الإجابة- هو التوبة، و ردّ المظالم، و الإقبال على اللّه تعالى. انتهى. و اللّه أعلم.

(و صلّى اللّه على نبيّنا)، الصلاة منه: رحمة مقرونة بتعظيم، و لفظها مختصّ بالمعصوم؛ من نبي و ملك تعظيما لهم، و تمييزا لمراتبهم عن غيرهم.

(محمّد): علم منقول من اسم المفعول المضعّف، سمّي به نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم- مع أنّه لم يؤلف قبل أوان ظهوره- بإلهام من اللّه لجدّه عبد المطلب!! إشارة إلى كثرة خصاله المحمودة، و رجاء أن يحمده أهل الأرض و السماء، و قد حقّق اللّه تعالى رجاءه.

قيل: و كما اشتملت ذاته على كمال سائر الأنبياء و المرسلين اشتمل اسمه الشريف بحساب الجمّل على عدّة الرسل؛ بناء على أنّهم ثلاثمائة و أربعة عشر.

(كلّما): ظرف زمان، و سرت الظرفية إلى «كلّ»!! لإضافته إلى «ما» المصدريّة الظرفية؛ أي: كل وقت.

(ذكره الذّاكرون) ذكرا لسانيا، بأن أجروا اسمه الشريف على ألسنتهم في الصلاة عليه، أو الحكاية عنه، أو غير ذلك. و يحتمل: ذكره الذاكرون ذكرا قلبيا؛ و هو الاستحضار، و الأوّل هو المتبادر.

(و غفل عن ذكره الغافلون). و قوله: «عن ذكره»: يعيّن أنّ المراد الذّكر

520

و صلّى عليه في الأوّلين ...

اللّسانيّ؛ أو يكاد، حيث قال ذلك و لم يقل: غفل عنه!!.

و القول بأنّ المراد الذكر القلبيّ ربّما يرشّحه مقابلة الذكر بالغافلة، و محلّها القلب، فيكون محلّ الذكر أيضا القلب، لأن الضدّين يجب اتّحاد محلّهما.

و أمّا اللّساني!! فضدّه السكوت و محلّه اللسان أيضا، إلّا أن يقصد بالغافلة الترك تجوّزا. و الضمير في «ذكره»؟! يحتمل عوده على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم- كما قرّرناه-، و يصح عوده على اللّه سبحانه.

روى جماعة؛ عن عبد اللّه بن عبد الحكم أنّه قال:

رأيت الشافعيّ (رحمه الله تعالى) في النّوم فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال:

رحمني و غفر لي، و رفعت إلى الجنّة كما يزفّ العروس، و نثر عليّ كما ينثر عليه.

فقلت له: بم بلغت هذه الحالة!؟ فقال: قال لي قائل: «بقولك في كتاب «الرسالة»: و صلى اللّه على محمّد كلّما ذكره الذاكرون، و غفل عن ذكره الغافلون».

قال: فلمّا أصبحت نظرت «الرسالة»؛ فوجدت الأمر كما رأيت.

و في «الإحياء» لحجّة الإسلام الغزاليّ (رضي الله تعالى عنه):

روي عن أبي الحسن الشافعيّ قال: رأيت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في المنام فقلت:

يا رسول اللّه؛ بم جوزي الشافعيّ عنك، حيث يقول في كتاب «الرسالة»: و صلى اللّه على سيدنا محمّد كلّما ذكره الذاكرون، و غفل عن ذكره الغافلون!؟ فقال صلى اللّه عليه و سلم:

جوزي عنّي أنّه لا يوقف للحساب؛ ذكره الفاسي في «شرح الدلائل».

(و صلّى) اللّه‏ (عليه)؛ أي: رحمه رحمة مقرونة بالتعظيم.

(في الأوّلين)؛ أي: المتقدّمين بالزمان على هذه الأمّة من أهل الإيمان في الأمم الماضية، أو المراد أوّل هذه الأمّة، هذا إذا كانت الأوّليّة باعتبار زمان وجودهم.

521

و الآخرين .. أفضل و أكثر و أزكى ما صلّى على أحد من خلقه.

و زكّانا بالصّلاة عليه .. أفضل ما زكّى أحدا من أمّته بصلاته عليه.

و السّلام عليه و رحمة اللّه و بركاته، و جزاه اللّه عنّا .. أفضل ما جزى مرسلا عمّن أرسل إليه.

و يحتمل أن تكون الأوّليّة باعتبار الصلاة، و المعنى: صلّ عليه في أوّل من تصلي عليه، و في آخر من تصلّي عليه، و إن كان المذكورون مصلى عليهم!!

(و الآخرين): هم هذه الأمّة، أو آخرها على مقابلة ما تقدّم في الأوّلين.

(أفضل و أكثر): أوفر (و أزكى): أنمى‏ (ما) صلاة (صلّى)- بحذف الضمير المنصوب- (على أحد من خلقه، و زكّانا)؛ أي: طهّرنا و صفّانا من كدورات البشريّة بتنوير قلوبنا (بالصّلاة عليه)؛ أي: بسبب الصلاة عليه، حتّى ننسب إلى زكاء العمل و زيادة الخير و الطاعة (أفضل ما زكّى أحدا من أمّته) صلى اللّه عليه و سلم‏ (بصلاته عليه. و السّلام): مرفوع مبتدأ، و خبره قوله: (عليه)؛ أي: كائن عليه.

و أتى بالسلام بعد الصلاة!؟ خروجا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر- كما قيل-.

(و رحمة اللّه) عليه. و فيه دليل للدّعاء له بالرحمة، لكن بالتّبع لغيرها كما هنا. (و بركاته) عليه.

(و جزاه)؛ أي: أعطاه‏ (اللّه) في مقابلة ما قام به من هدايتنا و إرشادنا.

(عنّا) معشر أهل الإسلام، لأنّه هو السبب في نجاتنا و معرفة ربّنا.

(أفضل ما جزى مرسلا عمّن أرسل إليه)؛ أي: عن أمّته التي أرسل إليها فاتّبعته فأفلحت.

522

..........

و المطلوب هنا للنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: أن يجزى أفضل ما جري به مرسل عمّن أرسل إليهم، فالمسؤول له: إعطاء مثل أفضل جزائهم.

يبقى أنّه صلى اللّه عليه و سلم أفضلهم و مستحقّ لأفضل من جزائهم، فكيف يطلب له أفضل جزائهم فقط؛ لا أفضل من جزائهم؟!

فيحتمل أن يقال: إنّه لا بأس بالدّعاء له صلى اللّه عليه و سلم بنحو هذا، إذ هو صلى اللّه عليه و سلم أهل أن يعطى ما ذكر؛ و لأن يعطى أكثر منه. و اقتصر على سؤال ما ذكر له صلى اللّه عليه و سلم!؟ لأنّه لا يلزم منه نفي الأكثر.

و يحتمل أن يكون المراد طلب ذلك مضافا إلى ما يستحقّه هو، و ما هو أهل له. و اللّه أعلم.

قال الشافعيّ (رضي الله تعالى عنه): ما من خير عمله أحد من أمّة محمد صلى اللّه عليه و سلم إلّا و النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أصل فيه.

قال في «المواهب»: قال في «تحقيق النصرة»: فجميع حسنات المؤمنين و أعمالهم الصالحة في صحائف نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم؛ زيادة على ما له من الأجر، مع مضاعفة لا يحصرها إلّا اللّه تعالى، لأنّ كلّ مهتد و عامل إلى يوم القيامة يحصل له أجر، و يتجدّد لشيخه مثل ذلك، و لشيخ شيخه مثلاه، و للشّيخ الثالث أربعة، و للرّابع ثمانية، و هكذا تضعيف كلّ مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

و بهذا يعلم تفضيل السّلف على الخلف، فإذا فرضت المراتب عشرة بعد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان للنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم من الأجر ألف و أربعة و عشرون، فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر؛ صار أجر النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ألفين و ثمانية و أربعين، و هكذا كلّما ازداد واحد يتضاعف ما كان قبله أبدا- كما قال بعض المحققين-. انتهى.

و للّه درّ القائل- و هو سيّدي محمّد وفا- نفعنا اللّه ببركاته:

فلا حسن إلّا من محاسن حسنه‏ * * * و لا محسن إلّا له حسناته‏

523

و الحمد للّه ربّ العالمين على جميع نعمه، ما علمت منها و ما لم أعلم، و لا سيّما نعمة ...

انتهى الغرض من كلام صاحب «المواهب».

و قال البوصيري (رحمه الله تعالى):

و المرء في ميزانه أتباعه‏ * * * فاقدر إذن قدر النّبيّ محمّد!!

(و الحمد)؛ أي: الوصف بالجميل ثابت‏ (للّه ربّ): مالك‏ (العالمين):

الأنس و الجنّ و الملائكة و غيرهم.

(على جميع نعمه؛ ما علمت منها، و ما لم أعلم، و لا سيّما نعمة)- ذكروا في الاسم الواقع بعد «لا سيّما»: جواز الرّفع و النّصب و الجرّ؛ إن كان نكرة، أمّا إن كان معرفة- كما هنا-! فيجوز رفعه و جرّه، و لا يجوز نصبه.

و توجيه ذلك: أنّ «لا»: عاملة عمل «إنّ» و «سيّ»: بمعنى؛ مثل:

اسمها، و خبرها محذوف؛ أي: موجود، و «ما»: اسم موصول بمعنى «الذي» مضاف إلى «سيّ»، أو نكرة موصوفة، و الاسم المرفوع بعد «سيّما»:

خبر لمبتدإ محذوف، و التقدير لا مثل الذي هو نعمة الإيمان و الإسلام ... الخ، أو لا مثل شي‏ء هو نعمة الإيمان و الإسلام، فالجملة صلة؛ أو صفة.

و أمّا على جرّ ما بعد «سيّما»- سواء كان معرفة؛ أو نكرة-!! فتكون «ما»:

زائدة، و «سيّ» مضاف إلى ما بعده، و لكون «سيّ» بمعنى مثل؛ لا تتعرّف بالإضافة صحّ عمل «لا» فيها، و الجرّ أرجح من الرفع، لما في الرفع من حذف صدر الصّلة بلا طول و فتحة «سيّ» إعراب، لأنّها مضافة.

و أمّا النصب! فلا يجوز، إلّا إن كان ما بعد «سيّما» نكرة، لأنّه على التمييز، و التمييز لا يكون إلّا نكرة، و حينئذ تكون «ما» كافّة عن الإضافة، و الفتحة في «سيّ» فتحة بناء مثلها في «لا رجل»، و أمّا نصب المعرفة! فمنعه الجمهور.

524

الإيمان و الإسلام، ...

(الإيمان و الإسلام) اللّذين هما أجلّ النّعم الدنيويّة و الأخرويّة، و أساسها كما هو ظاهر لا يخفى-، و فيه التبرّي ممّا قد يتوهّم نسبته لأوصاف العبد، و قد قال تعالى‏ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ‏ [17/ الحجرات‏]، و قال تعالى‏ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ‏ [7/ الحجرات‏]، و قال تعالى‏ وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ‏ [56/ الروم‏]، و قال تعالى‏ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ‏ [22/ المجادلة].

و قال‏ أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ‏ [22/ الروم‏] ... إلى غير ذلك من الآيات و الأحاديث الدّالّة على أنّ هداية الإيمان بيد اللّه وحده لا شريك له.

قال الشيخ أبو طالب المكّيّ في «قوت القلوب»: و ادّعاء أنّ الإيمان عن كسب معقول، و استطاعة بقوّة و حول هو كفر نعمة، و أخاف على من توهّم ذلك أن يسلب الإيمان، لأنّه بدّل شكر نعمة اللّه كفرا!!. انتهى.

و الإيمان- لغة-: هو التّصديق، و- شرعا-: تصديق القلب بما علم مجي‏ء الرّسول صلى اللّه عليه و سلم به؛ من عند اللّه ضرورة، أي: الإذعان و القبول له، و لا يعتبر التصديق إلّا بالعمل بتلك الأحكام.

و الإسلام: هو الخضوع و الانقياد، و لا يتحقّق إلّا بقبول الأحكام، و هي أعمال الجوارح، و إنّما يظهر قبولها في العمل بها؛ فلذلك يفسّر بها فيقال:

الإسلام شرعا: أعمال الجوارح من الطّاعات؛ كالتّلفّظ بالشهادتين، و الصلاة، و الزكاة، و نحو ذلك. فلو لم يقبل أحكام الشريعة و أبى من التزامها لم يكن خاضعا للألوهيّة، و لا منقادا مستسلما لتدبيرها و أحكامها؛ فلم يكن مسلما.

و لا تعتبر الأعمال المذكورة إلّا مع التصديق المذكور الذي هو الإيمان، فلا يصحّ الإيمان إلّا بالإسلام، و لا الإسلام إلّا بالإيمان، فأحدهما مستلزم للآخر، و الإيمان و الإسلام شرعا واحد، و المؤمن شرعا مسلم، و المسلم شرعا مؤمن، فتساويا مصدوقا؛ و إن تغايرا مفهوما!!.

525

و توفيقه لجمع هذا الكتاب.

و أسأله سبحانه أن ينفعني به ...

و إنّما ذكرهما المؤلّف معا!؟ اعتبارا بحقيقتهما و مفهومهما، لأنّه في مقام الحمد، و هو مقام بسط و إطناب و إكثار من عدّ النّعم، و لا شكّ أنّهما باعتبار المفهوم متغايران، و كذا باعتبار ما يفسّر به الإسلام، لأنّ نعمة التصديق محلّها القلب، و نعمة الإقرار و الأعمال الصالحات محلّها الجوارح، فهي متعددة ضرورة.

على أنّ الإيمان شرعا يقال بالاشتراك‏ (1)؛

1- فتارة يطلق و يراد به العمل القلبيّ بمجرّده.

و 2- تارة يطلق عليه مع الإقرار باللّسان، و هو: إمّا شطر منه؛ أو شرط فيه!!

و3- تارة يطلق على سائر الطاعات؛ بدنيّة أو قلبيّة.

و الحاصل: أنّه قد يطلق على ما هو الأساس في النّجاة و الشّرط في مطلق السعادة، و على الكمال المنجي بالأخلاق الذي هو شرط في كمال السعادة.

و الإسلام له إطلاقات: أحدها: على مجموع الدين؛ و هو: ما يعمّ المقامات الثلاثة من الظاهر و الباطن و الإحسان في ذلك.

و الآخر: على جزئه؛ و هو المتقدّم الذكر، و هو أيضا له:

مفهوم: و هو الخضوع و الانقياد و الاستسلام.

و مظهر: و هو عمل الجوارح. فأتى المؤلّف باللّفظين!! ليشملها بجميع الإطلاقات، و يعم الظاهر و الباطن. و اللّه أعلم.

(و) نعمة (توفيقه)؛ أي: إلهامه و إقداره‏ (لجمع)؛ أي: تأليف‏ (هذا الكتاب) و بقصد قارئه جمعه له قراءة.

(و أسأله سبحانه أن ينفعني به) بأن يثيبني على جمعه، و يوفّقني للعمل بما فيه.

____________

(1) يعني: لفظ مشترك بين معان متعددة.

526

و كلّ من نظر فيه من المسلمين نفعا عظيما، يصاحبنا في الدّنيا، و يلازمنا في البرزخ، و لا يفارقنا يوم الدّين؛ بجاه خير الوسائل إليه، و أقرب المقرّبين لديه، حبيبه الأكرم، ...

(و) ينفع به‏ (كلّ من نظر فيه من المسلمين) بالمطالعة و الدراسة؛ (نفعا عظيما يصاحبنا في الدّنيا): بأن نعمل بما اشتمل عليه؛ و نتخلّق بما فيه، (و يلازمنا في البرزخ)؛ و هو: ما بين الدنيا و الآخرة قبل الحشر، من وقت الموت إلى القيامة، و من مات فقد دخله.

و المراد بملازمته في البرزخ: حصول الثّواب لمؤلّف الكتاب و النّاظر فيه، و مؤانسته لهما مدّة مقامهما في البرزخ، و لا يزال مصاحبا لهما حتّى يكون سببا لحلولهما في دار النّعيم، كما قال:

(و لا يفارقنا يوم الدّين)؛ أي: يوم الجزاء، و هو يوم القيامة.

(بجاه) الباء- في هذا و نحوه- تشبه أنّها للاستعانة.

و الجاه: هو القدر و المنزلة و الحرمة.

(خير الوسائل [إليه‏])؛ أي: خير من يتوسّل به و يتقرّب به إلى اللّه تعالى، فمن توسّل به إلى اللّه كان أسرع في نيل مطلوبه و الظفر بمرغوبه.

(و أقرب المقرّبين لديه)؛ أي: عنده‏ (حبيبه الأكرم) على اللّه من جميع المخلوقات؛ فيدخل الملائكة.

و الإجماع على أنّه صلى اللّه عليه و سلم أفضل من الملائكة، و إن اختلف في التّفاضل بين الأنبياء و الملائكة، فقد صرّحوا بأنّه صلى اللّه عليه و سلم خارج من الخلاف، و أنّه أفضل الخلق عموما.

و أفضل الخلق على الإطلاق‏ * * * نبيّنا فمل عن الشّقاق‏

527

و رسوله الأعظم: سيّدنا محمّد سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و عليهم،

(و رسوله الأعظم) منزلة و مكانة و حظّا؛ (سيّدنا محمّد) هذا الاسم الكريم الشريف هو أشهر أسمائه صلى اللّه عليه و سلم، و أخصّها و أعرفها.

و به يناديه اللّه، و يسمّيه في الدّنيا و الآخرة، و هو مختصّ بكلمة التّوحيد.

و به كنّي آدم (عليه السلام)، و به تشفّع، و عليه صلّى من مهر حواء.

و به كان يسمّي نفسه صلى اللّه عليه و سلم؛ فيقول: «أنا محمّد بن عبد اللّه»، «و الّذي نفس محمّد بيده»، و «فاطمة بنت محمّد»، و يكتب «من محمّد رسول اللّه».

و هو الثّابت في تعليم كيفيّة الصلاة عليه صلى اللّه عليه و سلم، و به يصلّي عليه المصلّون.

و به يسمّيه عيسى (عليه الصلاة و السلام) في الآخرة حين يدلّ عليه للشّفاعة.

و به كان يسمّيه جبريل (عليه السلام) في حديث المعراج و غيره.

و به سمّاه إبراهيم الخليل (عليه الصلاة و السلام) في حديث المعراج أيضا.

و به سمّاه جدّه عبد المطلب حين ولد، و به كان يدعوه قومه.

و به ناداه ملك الجبال، و به صعد ملك الموت إلى السماء باكيا لما قبض روحه ينادي‏ (وا محمّداه).

و به يسمّي نفسه لخازن الجنان حين يستفتح فيفتح له ... إلى غير ذلك ممّا لا يحضرني الآن، و اللّه أعلم.

(سيّد المرسلين): رئيسهم و زعيمهم، و المتقدّم عليهم، و عظيمهم و شريفهم و كريمهم، صلى اللّه عليه و سلم. روى البزّار: «أنّه صلى اللّه عليه و سلم قال:

ليلة أسري بي انتهيت إلى قصر من لؤلؤة يتلألأ نورا، و أعطيت ثلاثة: قيل لي:

إنّك 1- سيّد المرسلين، و 2- إمام المتّقين، و 3- قائد الغرّ المحجّلين». انتهى.

(صلّى اللّه عليه و عليهم) فيه الصّلاة على المرسلين، و قد ورد: «صلّوا على أنبياء اللّه و رسله؛ فإنّهم بعثوا كما بعثت». أخرجه الطّبرانيّ و غيره.

528

و على آلهم و أصحابهم الكرام.

(و على آلهم) آل نبيّنا- عند الشافعيّ-: مؤمنو بني هاشم و المطلب، هذا بالنّسبة لنحو الزّكاة؛ دون مقام الدعاء، و من ثمّ اختار الأزهريّ و غيره من المحققين: أنّهم هنا كلّ مؤمن تقيّ، لحديث فيه؛ أخرجه الطبرانيّ بسند واه جدّا، و لفظه: «آل محمّد كلّ مؤمن تقيّ». و آل إبراهيم: إسماعيل و إسحاق و غيرهما من المسلمين من ذرّيّته.

(و أصحابهم): واحده «صاحب» بمعنى الصحابيّ: و هو من اجتمع مؤمنا بالنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و لو لحظة و مات على الإيمان- و إن لم يره- كابن أمّ مكتوم؛ و لم يرو عنه، و سواء كان مميّزا؛ أو غير مميّز- كمحمد بن الصديق (رضي الله تعالى عنهما) و أمثاله. (الكرام)- جمع كريم- و المراد به هنا: من خرج عن نفسه و ماله للّه تعالى، و كلّ الصحابة كذلك، (رضوان الله عليهم اجمعين)؛ قاله ابن حجر الهيتمي (رحمه الله تعالى).

529

و نجز ذلك في شهر رجب من السّنة التّاسعة بعد الثّلاث مائة (1) و ألف من هجرته (عليه الصلاة و السلام).

(و نجز)؛ أي: انقضى و تمّ‏ (ذلك)؛ أي: هذا التّأليف المسمّى: «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول صلى اللّه عليه و سلم».

(في شهر رجب) الحرام‏ (من السّنة التّاسعة)- بتقديم المثنّاة على السين المهملة- (بعد الثّلاثمائة و ألف من هجرته (عليه الصلاة و السلام)).

و هذا آخر ما قصدت و تمام ما أردت من شرح هذا الكتاب المشتمل على ما تقرّ به أعين ذوي الألباب، و لا آمن من أن أكون أسقطت؛ أو حرّفت شيئا من متن الكتاب سهوا، و رحم اللّه امرأ رأى خللا فأصلح، أو عاين زللا فسمح، فإنّ الخطأ و الخلل غير مستغرب من الإنسان المطبوع على عدم الإحسان، و خصوصا مثلي، قليل العلم، قصير الباع في الحفظ و الفهم.

و أستغفر اللّه تعالى و أتوب إليه ممّا جنيته في سواد اللّيل و بياض النّهار، و أسأله العفو و الغفران عن سائر المخالفات و الأوزار.

و أستودعه الإسلام و الإيمان، و ما أنعم به عليّ و على سائر الإخوان، إذ كلّ نعمة بنا أو بسائر المخلوقات؛ إيجادا أو إمدادا، دينا و دنيا، ظاهرا و باطنا، إنّما هي منه وحده لا شريك له.

فكما أحسن أوّلا من غير سؤال؛ نسأله أن يحسن إلينا فيما بعد ذلك.

و كما ابتدأنا بنعمته من غير أهليّة و لا استحقاق؛ نسأله أن يتمّم علينا نعمته، و لا ينزع منّا صالح ما أعطانا، و أن يجعلنا لسنّة نبيّه من المتّبعين، و لذاته الكاملة من المحبّين، فإنّه على ذلك قدير، لا إله غيره، و لا خير إلّا خيره، و هو نعم المولى و نعم النّصير.

____________

(1) في «وسائل الوصول»: المائتين، و هو خطأ مطبعي.

530

..........

و الحمد للّه أوّلا و آخرا، باطنا و ظاهرا، و الصلاة على نبيّه و حبيبه، و صفيّه و خليله: سيّدنا محمّد الأمين، و خاتم النبيّين؛ عدد خلقه، و رضا نفسه، وزنة عرشه، و مداد كلماته، كلّما ذكره الذاكرون، و غفل عن ذكره الغافلون، و على جميع آله و صحبه، و وارثيه العلماء و أتباعه و حزبه. آمين.

و الحمد للّه ربّ العالمين؛ حمدا كثيرا طيّبا.

و كان انتهى تبييضه بين العشاءين؛ ليلة الثّلاثاء، الموافق الخامس عشر من شهر محرّم الحرام، سنة- 1400- أربعمائة و ألف هجريّة، بمنزلي في جبل الحفائر؛ المطل على الشبيكة بمكّة المكرّمة، جعلها اللّه آمنة مطمئنّة رخيّة و سائر بلاد المسلمين، و وفّقنا لما يحبّه و يرضاه بمنّه و كرمه. آمين.

و نسأله حسن الختام، و الموت على دين الإسلام، و لا حول و لا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم، و صلّى اللّه و سلم على سيّدنا محمّد و آله و صحبه أجمعين.

كتبه مؤلّفه، الفقير إلى اللّه تعالى و رحمته:

عبد اللّه بن سعيد محمد عبادي اللحجي رحمة اللّه تعالى عليه- المدرّس بالمدرسة الصولتية، و بالمسجد الحرام بمكّة المكرّمة.

531

فهرسة الجزء الرابع من كتاب منتهى السول شرح شمائل الرسول صلى اللّه عليه و سلم‏

الموضوع صفحة

حرف الميم 5

حرف النون 67

حرف الهاء 74

حرف الواو 76

حرف اللام ألف 84

حرف الياء 104

الباب الثامن: في طبه صلى اللّه عليه و سلم و سنه و وفاته و رؤيته في المنام و فيه ثلاثة فصول 117

الفصل الأول: في طبه صلى اللّه عليه و سلم 118

الفصل الثاني: في سنه صلى اللّه عليه و سلم و وفاته 206

الفصل الثالث: في رؤيته صلى اللّه عليه و سلم في المنام 332

الخاتمة: تشتمل على سبعين حديثا من أدعيته صلى اللّه عليه و سلم 363