الفصول الغروية في الأصول الفقهية

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني صاحب الفصول المزيد...
446 /
51

البراءة و إن أريد به نفي الحكم الوضعي بنفسه فالحق أن العقل لا يستقل بإثباته إلا حيث يعلم العدم كما سنشير إليه في محله إن شاء الله و من الواضح أن المقام ليس منه نعم ربما يمكن استفادة ذلك من النقل لكن الشأن في بيان وجهه و لا إشارة في كلامه إليه و أما التمسك بقاعدة انسداد باب العلم على حجية الظن المستفاد من الأصل على تقدير إفادته له فغير مرضي لأنه إنما يقتضي حجية الظن في أدلة الأحكام دون نفس الأحكام كما سنحققه في محله و أما جعل التكليف متعلقا بالماهيات الظنية دون الواقعية فواضح السقوط لأنه إن أراد أن التكاليف الواقعية متعلقة بالماهيات الظنية دون الواقعية فظاهر أنه خطأ عند من لا يقول بالتصويب و الأدلة التي نقررها على إبطال التصويب من الإجماع و غيره ناهضة على إبطاله و إن أراد أن التكاليف الظاهرية متعلقة بها مع تسليم أن التكاليف الواقعية متعلقة بالماهيات الواقعية ففيه أن قضية ثبوت التكليف بالماهيات الواقعية وجوب تحصيل العلم أو ما علم قيامه مقامه بحصول البراءة منها فلا يتم التمسك بأنه لا دليل أو لا إجماع على ثبوت التكليف بغير المظنون و دعوى أن التكليف بالماهيات الواقعية تكليف بالمحال بمكان من السقوط لأن ذلك إنما يلزم إذا كان التكليف بها مطلقا و أما إذا كان مشروطا بعدم تعذر معرفتها و لو بمساعدة طريق معتبر فظهر أن اعتبار الشارع في معرفة الماهيات بطرق ظنية لا يوجب أن يكون التكاليف الواقعية متعلقة بالماهيات الظنية و لا سقوط التكليف بالماهيات الواقعية مطلقا و إن لزم سقوط التكليف بها عند عدم مساعدة الطريق على معرفتها قضاء لحكم الشرطية و دعوى أن الخطابات اللفظية لا تقيد العلم بالمراد مطلقا أو غالبا حتى في حق المشافهين مجازفة بينة يشهد بفسادها الرجوع إلى المحاورات العرفية مع أنه يلزم على الأول أن تكون المسائل الشرعية بأسرها حتى الأصولية منها ظنية و فسادها مما لا يخفى على ذي مسكة السابع عموم قوله (عليه السلام) في الموثق ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و غير ذلك مما يفيده مفاده كالصحيح رفع عن أمتي تسعة و عد منها ما لا يعلمون و مثله قوله (عليه السلام) من عمل بما علم كفي ما لم يعلم فإن لفظة ما للعموم فيتناول حكم الجزء و الشرط أيضا لا يقال لا نسلم حجب العلم في المقام لقيام الدليل و هو أصل الاشتغال على وجوب الإتيان بالأجزاء و الشرائط المشكوكة لأنا نقول المراد حجب العلم بالحكم الواقعي و إلا فلا حجب في الحكم الظاهري و فيه نظر لأن ما كان لنا إليه طريق و لو في الظاهر لا يصدق في حقه حجب العلم قطعا و إلا لدلت هذه الرواية على عدم حجية الأدلة الظاهرية كخبر الواحد و شهادة العدلين و الاستصحاب و غير ذلك مما يفيد العلم بالظاهر فقط و لو التزم تخصيصها بما دل على حجية تلك الطرق تعين تخصيصها أيضا بما دل على حجية أصالة بقاء الاشتغال من عمومات أدلة الاستصحاب و وجوب مقدمة العلم بل التحقيق عندي أن يتمسك بالروايات المذكورة باعتبار دلالتها على نفي الحكم الوضعي نظرا إلى حجب العلم و انتفائه بالنسبة إلى جزئية الجزء المشكوك و شرطية الشرط المشكوك فيكون بمقتضى النص موضوعا و مرفوعا عنا في الظاهر و نكون مكفئين عنه فلا تكلف به لأن ما ثبت عدم جزئيته أو عدم شرطيته في الظاهر لا يجب الإتيان به في الظاهر قطعا كما لو قام عليه نص بالخصوص و أصل الاشتغال و وجوب مقدمة العلم لا يثبت الجزئية و الشرطية في الظاهر بل مجرد بقاء الاشتغال و عدم البراءة في الظاهر بدونهما و بالجملة فمقتضى عموم هذه الروايات أن ماهية العبادات عبارة عن الأجزاء المعلومة بشرائطها المعلومة فيتبين موارد التكليف و يرتفع عنه الإبهام و الإجمال و ينتفي الإشكال و لو تشبث مانع بضعف عموم الموصولة و ادعى أن المتبادر منها بقرينة ظاهر الوضع و الرفع إنما هو الحكم التكليفي فقط فأمكن دفعه أولا بأن الوضع و الرفع لا اختصاص لهما بالحكم التكليفي فإن المراد رفع فعلية الحكم و وضعها و هو صالح للتعميم إلى القسمين فيكون التخصيص تحكما و ثانيا بأن من الأصول المتداولة المعروفة ما يعبرون عنه بأصالة العدم و عدم الدليل دليل العدم فيستعملونه في نفي الحكم التكليفي و الوضعي و نحن قد تصفحنا فلم يجد لهذا الأصل مستندا يمكن التمسك به غير عموم هذه الأخبار فيتعين تعميمها إلى الحكم الوضعي و لو بمساعدة إفهامهم و حينئذ فيتناول الجزئية و الشرطية المبحوث عنهما في المقام و لك أن تقول بأن ضعف شمول الرواية للمقام منجبرة بالشهرة العظيمة

التي كادت أن تكون إجماعا على ما حكاه الفاضل المعاصر و ربما يظهر أيضا بالتفحص في مصنفاتهم و التتبع في مطاوي كلماتهم نعم ينبغي تخصيصه بالموارد التي تعتضد فيها بالأمارات الموجبة للظن بمقتضاه و كان كلام الأصحاب ناظر إليه لأنا نراهم قد يتمسكون بأصل الاشتغال و الاحتياط أيضا و التنزيل على ذلك طريق جمع بينهما و ربما يؤكد ذلك أن مرجعه حينئذ إلى حصول الظن بوضع اللفظ و قد جرى طريقتهم على الاعتداد به غالبا في إثبات اللغة و قد يتوهم أن تمسكهم بالأصل المذكور دليل على مصيرهم إلى القول بأنها موضوعة بإزاء الأعم و ليس بشي‏ء كما عرفت مما ذكرناه هذا و لنا في المقام كلام آخر يأتي بيانه في الأدلة العقلية إن شاء الله و اعلم أنه يمكن أيضا أن يستدل على نفي ما شك فيه من الأجزاء و الشرائط بالأخبار الواردة في بيان العبادات فعلا أو تقريرا فإن مظاهر الاقتصار يقتضي الانحصار كالأخبار المشتملة على ذكر الوضوء البياني و كقوله الوضوء غسلتان و مسحتان و كصحيحة حماد المشتملة على بيان الصلاة إلا أنها مسوقة لبيان الأجزاء دون الشرائط و كحديثي حصر نواقضها في خمسة واردة إلا أن ظاهرهما الحصر بالنسبة إلى ما يطرأ في أثناء الصلاة إلى غير ذلك لكن ذلك لا يجدي عند التعارض و الشك في الدلالة و أما ما يقال من أن السبيل في بيان الماهية منحصر في الإجماع و يوجه مواضع الخلاف بأن المخالف إذا سلم أن دليله لو كان باطلا لكانت الماهية على حسب ما يقتضيه دليل الخصم و إن لم يصرح بذلك كفي ذلك في كون الماهية إجماعية إذا ظهر للخصم بطلان دليله ففيه أن تسليم المخالف ذلك مما لا يحصل العلم به في كل مقام إذ يحتمل أن يكون عنده دليل آخر يساعد على صحة الخصم أو يكون عنده دليل آخر كذلك يوجب المصير إلى قول آخر

52

لا يقال يمكن دفع الأول بمخالفته للظاهر من مقام الاستدلال و الثاني بأن قول الآخر حينئذ إن كان ثابتا بين الأقوال فترك الاحتجاج له به ظاهر في عدمه كما مر و إلا فهو خرق للإجماع المركب فيعلم به بطلانه و بطلان دليله لأنا نقول أما الأول فمدفوع بأن التعويل في ذلك على الظاهر يصير الإجماع ظنيا فيسقط عن الحجية و أما الثاني فالوجه الأول منه مدفوع بما مر و ندفع الثاني بأن المقصود إن كان مساعدة المخالف على حجة الخصم على تقدير فساد دليله فهو لا يثبت بالبيان المذكور لجواز عدم تحقق الإجماع عنده أو أنه على تقدير فساد دليله يرى التوقف أو الاحتياط و لا يبني على ما يقتضيه دليل الخصم على أنه لا خفاء في أن المخالف إنما يبني على ما يقتضيه دليل الخصم على تقدير بطلان دليله بحسب الواقع لا بحسب ظن الخصم غاية ما في الباب أن الخصم يظن غالبا بطلانه بحسب الواقع و هذا لا يوجب إلا الظن بمساعدة المخالف غالبا دون القطع به كما هو المعتبر في الإجماع مع أن بطلان الدليل لا يوجب بطلان المدعى فالقطع بالأول لا يوجب القطع بالثاني كيف و لو تم ذلك لكانت جميع المسائل الاجتهادية إجماعية لعين ما ذكره و لا سترة بفساده و بالجملة فالمدار في الإجماع عندنا على القطع بموافقة المعصوم و ظاهر أن الطريق المذكور بمجرده لا يوجبه‏

و هنا فوائد

الأولى [أحدث بعض متأخري المتأخرين في المقام قولا ثالثا]

أحدث بعض متأخري المتأخرين في المقام قولا ثالثا ففصل بين الأجزاء و الشرائط فاعتبر الأول في صدق الاسم دون الثاني و فرع عليه صحة التمسك بالأصل في نفي الشرط الاحتمالي دون الجزء الاحتمالي و كأنه ينظر إلى أن جزء الشي‏ء داخل في ماهيته و مقوم لحقيقته فيتعين اعتباره فيه بخلاف الشرط فإنه إنما يعتبر في المطلوبية و لا مدخل له في الصدق و أن أدلة القول بالصحة لا تساعد على اعتبار ما زاد على الأجزاء في صدق الاسم و أدلة القول بالأعم لا تنفي اعتبار ما عدا الشرائط و ضعفه ظاهر لأنه إن عول في ذلك على التبادر الظاهري فلا فرق فيه في الصدق بين فوات جزء أو شرط و إن عول على التحقيق الذي أسلفناه فهو يقتضي اعتبار الشرائط كالأجزاء و دعوى أن الأجزاء معتبرة في الماهية إن أريد بها الماهية المطلوبة فالشرائط أيضا كذلك أو مطلق الماهية فممنوع أو الماهية الموضوع لها فمصادرة

الثانية الحق أن ألفاظ المعاملات أيضا موضوعة بإزاء الصحيحة فقط

سواء قلنا بأنها أسام للآثار المخصوصة كتمليك العين في البيع و المنفعة في الإجارة أو تملكهما أو قلنا بأنها أسام للصيغ المستتبعة لها أما على الأول فظاهر إذ لا أثر في الفاسدة و ظن من لا خبرة له بالواقع به غير مجد لأن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية على ما هو التحقيق و أما على الثاني فلأن وصف كونها محصلة لها معتبر في صدق الاسم للقطع بأن مثل عقد النائم و الساهي و الهاذل ليس عقد إلا بيعا و لا صلحا و لا نكاحا إلى غير ذلك و بالجملة فالحجة على ما نختاره تبادر الصحيحة عرفا و صحة سلب الاسم عن الفاسدة و إذا ثبت ذلك عرفا ثبت لغة و شرعا بضميمة أصالة عدم النقل و أما ما ثبت لها في الشرع من شرائط مستحدثة فإنما هي شرائط لتحقق معانيها اللغوية من الآثار أو العقد المستتبع للآثار فلا ينافي ما ذكرناه من عدم النقل نعم فرق بينها و بين ألفاظ العبادات بعد مساواتها إياها في ذلك من حيث إن المرجع في هذه الألفاظ عند الإطلاق إلى المعاني المتداولة و الحقائق المعهودة بين أهل العرف بخلاف ألفاظ العبادات و منشؤه أن العبادات ماهيات مخترعة في الشريعة ليس لأهل العرف و اللغة خبرة بها و إن قلنا بأن أوضاعها لغوية كما مر فلا يمكن معرفتها إلا بتنصيص من الشارع بخلاف ألفاظ المعاملات فإن مداليلها كانت معروفة عندهم متداولة بينهم كغيرها من الألفاظ فمتى أطلقت ألفاظها لم ينصرف الذهن إلا إلى تلك المعاني فيتعين أخذها على حسب ما تداولت بينهم ما لم يقم دليل على اعتبار أمر زائد فيتبع‏

الثالثة [قول الشهيد فى القواعد]

قال الشهيد (رحمه الله) في القواعد الماهيات الجعلية كالصلاة و الصوم و سائر العقود لا يطلق على الفاسدة إلا الحج لوجوب المضي فيه فلو حلف على ترك الصلاة و الصوم اكتفي بمسمى الصحة و هو الدخول فيها فلو أفسدها بعد ذلك لم يزل الحنث و يحتمل عدمه لأنها لا تسمى صلاة شرعا و لا صوما مع الفساد و أما لو تحرم في الصلاة أو دخل في الصوم مع مانع من الدخول لم يحنث قطعا انتهى و الظاهر أنه يريد بقوله لا يطلق الإطلاق بطريق الحقيقة لا مطلق الإطلاق لأن إطلاقها على الفاسد في الجملة مما لا سبيل إلى إنكاره و لا الإطلاق في الأوامر الشرعية كما توهمه بعض المعاصرين لأنه إن أراد بالفاسد الذي منع إطلاق الاسم عليه ما يكون فاسدا على تقدير عدم تعلق الأمر به فلا ريب في أن جميع الأوامر المتعلقة بالعبادات متعلقة بما هي فاسدة بهذا المعنى ضرورة أن الصحة إنما تلحقها بعد تعلق الأمر و الطلب بها فلا يكون المنع المذكور معقولا و إن اعتبر الصحة بحسب الواقع فلمانع أن يمنع لزوم تقدمها على الأمر لجواز إنشائها به و إن أراد ما يكون فاسدا بالقياس إلى الأمر المتعلق به فما ذكره في غير الحج غير مفيد و ما ذكره فيه غير سديد لأن ما تعلق به الأمر لا يكون فاسدا بالقياس إليه بالضرورة كما يعرف من تعريفه و إن أراد ما يكون فاسدا بالقياس إلى أمر آخر فهذا مع بعده عن مساق كلامه مما لا يساعد عليه تفريع مسألة الحنث عليه كما لا يخفى هذا و فيما ذكره الشهيد نظر من وجهين أما أولا فإن وجوب المضي في فاسد الحج لا يقتضي كونه موضوعا بإزاء الأعم فإنه مع انتقاضه بفاسد الصوم حيث يجب المضي فيه مدفوع بعدم دليل يدل على الملازمة فإن قيل الحج الفاسد صحيح باعتبار الأمر الثاني لموافقته له و إن كان فاسدا باعتبار الأمر الأول فالتسمية فيه أيضا لاحقة للصحيح قلنا الأمر الثاني إنما يتعلق بإتمامه لا بتمامه لامتناع تعلق الأمر اللاحق بالفعل السابق و لا ريب أن الباقي بعض الحج فلا يكون حجا و لهذا لو نذر الحج لا تبرأ ذمته به نعم يصح وصف الأفعال التي تقع بعد الإفساد بالصحة بالقياس إلى الأمر الثاني كما يصح وصفها بالفساد بالقياس إلى الأمر الأول و أما ثانيا فلأن ما ذكره من التمثيل بمن حلف على ترك الصلاة و الصوم فارقا فيه بين ما إذا تلبس به صحيحا فيحنث أو فاسدا فلا يحنث غير مستقيم بظاهره لأن الحلف المذكور حيث ينعقد يوجب انتفاء وصف الصحة عن مورده لامتناع توارد الأمر و النهي على شي‏ء واحد فلا يتحقق الدخول فيه صحيحا و يمكن تنزيله على إرادة الصحة على تقدير عدم‏

53

الحلف و له وجه و قد تقدم و لو مثل بمن نذر أن يعطي مصليا درهما فأعطاه لمن دخل في صلاة صحيحة ثم أفسدها كان أولى هذا و قوله و سائر العقود يحتمل أن يكون عطفا على الصلاة و أن يكون عطفا على الماهيات الجعلية لكن يشكل الأول بأن ماهيات المعاملات ليست من المجعولات في هذه الشريعة بل كانت متداولة بين أهل اللغة أيضا لظهور أن معايش الأنام لا تنتظم بدونها و لهذا يرجع في تعيين مداليلها إلى العرف و اللغة بخلاف العبادات إلا أن يراد كونها مجعولة في الجملة و لو بالتقرير عليها أو باعتبار بعض الشرائط و أنها من المجعولات الشرعية في الجملة و لو في الشرائع السابقة و كيف كان فلا إشارة في كلامه إلى ثبوت الحقيقة الشرعية في الجملة و لو في الشرائع السابقة و كيف كان فلا إشارة في كلامه إلى ثبوت الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات فما زعمه الفاضل المعاصر من أن في كلامه المذكور دلالة على مصيره إلى القول بثبوت الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات ضعيف بل لم نظفر بحكاية هذا القول عن أحد نعم ذهب العلامة في تهذيبه إلى أن صيغ العقود منقولات في الشرع من معانيها اللغوية أعني الأخبار إلى معانيها الشرعية أعني الإنشاء محتجا عليه بأنه لولاه للزم الكذب أو مسبوقية كل صيغة بأخرى و يتسلسل و هذا كما ترى ليس قولا بثبوت الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات بل في خصوص الصيغ و لا يذهب عليك ضعف ما ادعاه إذ الدليل الذي تمسك به واضح الاندفاع لأن الصيغة إذا استعملت في الإنشاء مجازا بضميمة قرائن حالية أو مقالية لا يلزم على تقديره شي‏ء من المحذورين و لعله مبني على القاعدة المشهورة من أن العقود اللازمة لا تنعقد بالألفاظ المجازية و هذا على تقدير تسليمه محمول على ما يكون مجازا بمادته أو ندعي أن هذه الألفاظ قد نقلت بالغلبة في أصل اللغة إلى معنى الإنشاء و لو بالنسبة إلى مقام العقد و يؤيد ذلك عدم ملاحظة العلاقة عند الإطلاق في مقام العقد

فصل [استعمال المشترك و الأقوال فيه‏]

اختلفوا في استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد إلى أقوال ثالثها الجواز في التثنية و الجمع دون المفرد و رابعها الجواز في النفي دون الإثبات ثم من المجوزين من ذهب إلى أن ذلك بطريق الحقيقة مطلقا و من هؤلاء من زاد أنه ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرينة و قال بعضهم أنه بطريق المجاز مطلقا و منهم من فصل فجعله في التثنية و الجمع بطريق الحقيقة دون المفرد و لا بد قبل الخوض في الاستدلال من تحرير محل النزاع فنقول استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد يقع على وجوه أحدها أن يستعمل في معنى يتناول جميع معانيه أو جملة منها كمفهوم المسمى و لا نزاع في جوازه في الجملة فإن كان ذلك المعنى أحد المعاني التي وضع اللفظ بإزائها كان حقيقة و إلا كان مجازا و يعتبر حينئذ فيه العلاقة و هذا هو الذي يسمونه بعموم الاشتراك الثاني أن يستعمل و يراد به كل واحد من معانيه على وجه الترديد و البدلية كالنكرة سواء جعل الترديد شطرا من المعنى أو شرطا له و لا ريب في عدم جواز ذلك حقيقة خلافا لصاحب المفتاح ضرورة أن ما وضع له اللفظ كل واحد منها بعينه و هو يغاير كل واحد منها لا بعينه و لا مجازا لعدم العلاقة المصححة بل التحقيق أن الاستعمال على هذا الوجه غير معقول و إلحاقه بالنكرة قياس مع الفارق لتحقق قدر مشترك فيها يصح أخذ التقييد بالخصوصيات على وجه الترديد بالقياس إليه بخلاف المشترك إذ لا يصح اعتبار الترديد فيه ما لم يضمن أو يقدر معنى أزيد و هو متضح الفساد و قد ينزل كلام السكاكي على إرادة مفهوم أحد المعاني و يدعى رجوعه إلى القسم السابق و أما نحو مررت بأحدكم و بأحمد بالتنوين فمؤول بالمسمى لأن مدلول العلم حقيقة لا يحتمل النكارة الثالث أن يستعمل و يراد به مجموع معنييه أو معانيه من حيث المجموع سواء تعلق الحكم به أيضا من حيث المجموع أو تعلق به من حيث الآحاد بأن كان كل واحد منها مناطا للحكم و متعلقا للنفي و الإثبات و هذا أيضا كالوجه الأول مما لا نزاع في جوازه في الجملة فمع ثبوت الوضع يكون حقيقة و مع انتفائه يتبع العلاقة فيجوز معها مجازا كلفظ الشمس المشترك بين الجرم و النور إذا استعمل في المجموع حقيقة أو مجازا و الفرق بين الوجه الأول و هذا الوجه أن شمول المعنى المستعمل فيه لمعانيه على الأول من قبيل شمول الكلي لأفراده و على هذا من قبيل شمول الكل لأجزائه و هو ظاهر و من منع الاستعمال على الوجه الأخير مدعيا عليه الوفاق فقد سها سهوا بينا الرابع أن يستعمل في كل واحد من المعنيين أو المعاني على أن يكون كل واحد مرادا من اللفظ بانفراده كما إذا كرر اللفظ و أريد ذلك و هذا قد يكون بأن يطلق المشترك على كل واحد من المعاني بملاحظة العلاقة مع الآخر أو يلاحظ الوضع في بعض و العلاقة في آخر فيكون من استعمال اللفظ في معانيه المجازية أو الحقيقة و المجازية و سيأتي الكلام في عدم جوازهما بقول مطلق مع ما فيه في محل الفرض من اعتبار العلاقة في الاستعمال و إهمال الوضع و جوازه غير واضح و قد يكون بأن يطلق و يلاحظ جميع أوضاعه أو جملة منها و يراد بحسب كل وضع معناه و هذا محل النزاع و لا فرق حينئذ بين أن يكون كل واحد منها متعلقا للحكم و مناطا للنفي و الإثبات أو يكون المجموع كذلك كما في صورة التكرير و يظهر من صاحب المعالم أن النزاع في استعمال اللفظ المشترك في المعنيين أو المعاني على أن يكون كل منهما مناطا للحكم و متعلقا للإثبات و النفي و هو غير مستقيم طردا و عكسا لدخول استعمال المشترك في مجموع معنيين أو معان حقيقة أو مجازا أو غلطا حيث يعتبر تعلق الحكم بكل واحد من المعاني بل ربما يدخل استعماله في معنى متناول لمعانيه إذا اعتبر الحكم متعلقا بكل واحد مع أن شيئا من ذلك مما لا نزاع فيه و يخرج منه استعمال اللفظ في كل واحد من معانيه على الوجه الذي قررناه في محل النزاع إذا اعتبر تعلق الحكم بالمجموع مع أن النزاع متوجه إليه إذ العبرة في المقام بكيفية استعمال المشترك لا باعتبار تعلق الحكم به ثم النزاع في المقام ينبغي أن يكون في جواز استعمال اللفظ في معنييه أو معانيه الحقيقية حقيقة ليغاير النزاعين الآتيين و لا يكون ذلك إلا إذا أريد به تمام المعنيين أو المعاني فالقول بجوازه مجازا نظرا إلى استلزامه فوات جزء المعنى أعني قيد الوحدة

فيكون من استعمال الموضوع للكل في الجزء خروج عن محل البحث لأن مرجعه إلى جواز استعماله في‏

54

معنييه أو معانيه المجازية و هو نزاع آخر لا يختص مورده بالفرض المذكور و عند التحقيق يذهب هذا القائل إلى المنع فيما هو محل النزاع هنا فذكره من جملة القائلين بالجواز ليس على ما ينبغي نعم يمكن إلغاء جهة كون الاستعمال في المعنى الحقيقي على وجه الحقيقة في تحرير النزاع و يعتبر التغاير بين النزاعات الثلاثة بوجه آخر و ذلك بأن يقال إذا أطلق اللفظ و أريد به كل من معنييه أو معانيه على الاستقلال فلا يخلو إما أن يكون استعماله في كل واحد بملاحظة وضعه له في الجملة سواء كان الاعتماد في الاستعمال على الوضع فقط أو على مراعاة العلاقة أيضا فهذا هو النزاع في استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه الحقيقية و إما أن يكون استعماله في كل بدون هذه الملاحظة و هو النزاع في استعماله في معنييه أو معانيه المجازية أو يكون استعماله في البعض بالملاحظة المذكورة و في البعض بدونه و هو النزاع في استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و المجازي و حينئذ فيمكن أن يكون استعماله في معناه الحقيقي في القسم الأول و الأخير بطريق الحقيقة و أن يكون بطريق المجاز ثم استعمال المشترك في المثنى و المجموع في أكثر من معنى واحد يتصور على وجهين الأول أن يعتبر التعدد المقصود بالتثنية و الجمع بالنسبة إلى أفراد كل واحد من المعنيين أو المعاني المرادة من مفرده أو بالنسبة إلى لفظه المأخوذة آحاده بمعنيين أو معان من مدلوله سواء اعتبرت الفردية للمعنى معه أو لا و الأول مبني على القول باعتبار الاتحاد في معنى المفرد فإن المراد به أن يكون التعدد المستفاد من التثنية و الجمع مأخوذا بالنسبة إلى المعنى الذي أريد بالمفرد و إن تعدد لا الاتحاد حقيقة فإن ذلك لا يتم إلا على القول بعدم جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد و على هذا فمعنى عينين فردان من الجارية و فردان من الباصرة و هكذا و معنى عيون ثلاثة أفراد من كل واحد أو أكثر على حسب ما أريد من هيئة الجمع و الثاني مبني على القول بكفاية الاتحاد في اللفظ في بنائهما فيعتبر التعدد بالنسبة إليه و على هذا فمعنى عيون عين مكرر ثلاثا فما زاد فيراد بكل معنيان فصاعدا على التساوي أو الاختلاف و مثله الكلام في التثنية الثاني أن يعتبر التعدد المراد منهما بالنسبة إلى الجميع من المعنيين أو المعاني سواء اعتبرت الفردية للمعنى معه أو لا أو من اللفظين أو الألفاظ المراد بكل واحد منها معنى واحد مع اعتبار الفردية و بدونه و لا خفاء في أن النزاع فيهما على الوجه الأول بقسميه إنما يتفرع على النزاع في المفرد جوازا و حقيقة و مجازا و نزاع المفصلين بين المفرد و غيره في ذلك مبني على الوجه الثاني بل القسم الثاني منه كما يشير إليه حجتهم ثم قضية إطلاق كلماتهم و أدلتهم في المقام عدم الفرق بين ما إذا كان اللفظ مشتركا بين معنيين إفراديين أو إفرادي و تركيبي لكن قد عرفت مما مر في بعض المباحث السابقة أن القائلين بالوضع في المركبات يقولون بظهورها في المعنيين حتى إنهم يلتزمون بالتجوز فيها على تقدير عدم إرادة أحد المعنيين منها أما في مفرداتها أو في المركب حيث يقولون بتعيين استعمالها بحسب كل من الوضعين إما في الموضوع له أو في غيره و العجب أنهم لم يتفطنوا الاندراج ذلك في عنوان الباب و لا لشمول أدلته له و لهذا لم يتعرض أحد منهم لنقله في المقام ثم إنهم و إن حرروا النزاع في المشترك و فسره كثير منهم عند تقسيم اللفظ إليه و إلى غيره بما يقابل المنقول و المرتجل لكن الكلام يتسرى إليهما و إلى ما يكون فيه الوضع عاما و الموضوع له خاصا أيضا لجريان الأدلة التي تمسكوا بها في الجميع من غير فرق و لو حرروا النزاع في استعمال اللفظ في معنييه الحقيقيين فما زاد تناول الجميع من غير تكلف إذا عرفت ذلك فنقول الحق أن هذا الاستعمال غير جائز مطلقا لا في المفرد و لا في غيره لا حقيقة و لا مجازا من غير فرق بين الأقسام المذكورة لنا على أنه غير جائز في المفرد مطلقا حقيقة وجوه الأول أن الوضع على ما يساعد عليه التحقيق عبارة عن نوع تخصيص ينشئه الواضع و مرجعه إلى قصر اللفظ على المعنى و يدل عليه تعريف بعضهم له بأنه تخصيص شي‏ء بشي‏ء و هو الظاهر من تعريف آخرين له بأنه تعيين شي‏ء بشي‏ء و حينئذ فإذا وضع لفظ لمعنيين فقضية كل وضع أن لا يستعمل إلا في المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه فإذا أطلق و أريد به أحدهما صح‏

الاستعمال على ما هو قضية أحد الوضعين و إن أطلق و أريد به كلا المعنيين لم يصح لأن قضية كل من الوضعين أن لا يراد منه المعنى الآخر ففي الجمع بينهما نقض لهما فلا يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له بحسب شي‏ء من الوضعين لا يقال فعلى هذا البيان يلزم أن يمتنع الاشتراك سيما إذا كان من واضع واحد و خصوصا إذا وضع في زمن واحد لأن قضية كل وضع نفي الآخر على ما قررت من التنافي لأنا نقول الوضع تخصيص جعلي منوط بتوظيف الواضع فلا استحالة في توارد متعددة على اللفظ الواحد في نفسه لدوران تحققه مدار الجعل و التوظيف و لا من حيث الحكمة لعدم ترتب قبح عليه و لا من حيث الاستعمال لأن مراعاة ما قرره الواضع إنما يلزم المستعمل التابع لوضعه في متابعته له لا غير سواء قلنا بأن الواضع إنما يضع اللفظ الذي يستعمل على حسب وضعه أو قلنا بأنه يضع اللفظ مطلقا و أما على الأول فظاهر و أما على الثاني فلأنه و إن أطلق الوضع إلا أنه لا يقع إلا مقيدا بمعنى أن مقتضاه لا يلزم لغير المتبع له لعدم مساعدة ما يدل على اعتباره على إطلاقه و ظاهر أن الواضع لا يتبع في شي‏ء من أوضاعه وضعا آخر فلا يلزمه أحكامه هذا على ما يقتضيه النظر الصحيح في المقام و لقائل أن يقول لا نسلم أن الوضع عبارة عن قصر اللفظ على المعنى و الحد الدال عليه ممنوع أو مؤول بل عبارة عن جعل المعنى لازما للفظ و تابعا له فأثر الوضع إنما هو تحقق هذا للزوم و التبعية دون الاختصاص و على هذا فلا يكون في استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ما ينافي مقتضى الوضع لجواز أن يكون لملزوم واحد لوازم و توابع عديدة و لا يخفى بعده الثاني الاستقراء فإنا تتبعنا لغة العرب من قديمهم و حديثهم و تصفحنا في موارد استعمالاتهم و مجاري كلماتهم فلم يتحقق عندنا صدور مثل هذا الاستعمال ممن يعتد منهم بكلامه في نظم و لا نثر بل تصفحنا فلم نقف على ذلك في سائر اللغات التي‏

55

وقفنا عليها أيضا مع ما نرى من شيوع الاشتراك بينهم و مسيس الحاجة كثيرا إلى التعبير به عما زاد على معنى واحد و لا خفاء في أن عدم الوجدان في مثل ذلك بعد الاستقراء يدل على عدم الوجود و هو يوجب ظنا قويا بعدم الجواز إن لم يوجب العلم به و قد تقرر أن مثل هذا الظن حجة في مباحث الألفاظ الثالث أن الذي ثبت من الوضع جواز استعمال اللفظ في معنى واحد و أما استعماله فيما زاد عليه فلم يتبين لنا بعد الفحص ما يوجب جوازه و مجرد إطلاق الوضع على تقدير تسليمه مدفوع بعدم مساعدة الطبع عليه فقضية كون الأوضاع توقيفية الاقتصار على القدر المعلوم الرابع ما ذكره بعض المعاصرين من أن الوضع إنما صدر مع الانفراد و في حال الانفراد لا بشرط الانفراد فيلزم أن تكون الوحدة جزء للموضوع له و حينئذ فاستعماله في الزائد على المعنى الواحد إخلال بالوضع و فيه نظر لأن حال الانفراد إن اعتبرت قيدا في الوضع فهو معنى بشرط الوحدة و قد أنكره و ما زعمه من أن هذا الاشتراط يقضي بجزئية الوحدة للموضوع له فليس بشي‏ء كيف و قضيته الاشتراط خروجها عنه و إن لم تعتبر قيدا و شرطا فلا يقتضي منع الاستعمال عند عدمها ضرورة أن الأسماء تصدق عند تغير الحال في مسمياتها حيث لم يعتبر بقاؤها في التسمية الخامس أن اللفظ المشترك بين المعنيين أو المعاني إما أن يكون موضوعا للمجموع أيضا أو لا يكون فإن كان الأول فإن أريد به المجموع فقط كان مستعملا في بعض معانيه دون الجميع و لا كلام فيه و إن أريد به كل واحد أيضا لزم التناقض لأن إرادة كل واحد يقتضي الاكتفاء به و إرادة المجموع يقتضي عدم الاكتفاء به و ذلك تناقض و إن كان الثاني كان استعماله فيه استعمالا في غير ما وضع له فيكون مجازا فلا يكون مستعملا في شي‏ء من معانيه و لا كلام فيه و إن أريد به كل واحد من معانيه أيضا لزم التناقض كما مر إذ قضية إرادة أحدهما الاكتفاء به و قضية إرادة الآخر عدم الاكتفاء به و العجب من العلامة حيث ذكر هذه الحجة إلى قولنا فيكون مجازا و تمسك بها على جواز الاستعمال مجازا مع أنها لو تمت لدلت على نفيه مجازا أيضا و فيه نظر لأن النزاع على ما عرفت في استعمال اللفظ في نفس المجموع أي في كل واحد من المعاني لا المجموع من حيث المجموع و حينئذ فنختار كلا من التقديرين الأخيرين و لا إشكال إذ لا نسلم أن إرادة كل واحد يقتضي الاكتفاء به فيما أريد من اللفظ و إنما يقتضيه لو لم يكن غيره مرادا أيضا و إن أريد الاكتفاء به بحسب إرادته فلزوم التناقض ممنوع السادس ما استدل به بعضهم و محصله بعد تنقيحه و تصحيحه أنه لو جاز ذلك لكان بطريق الحقيقة و التالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة أن الفرض كون اللفظ موضوعا لكل من المعاني مستعملا فيه و لا نعني بالحقيقة إلا ذلك و أما بطلان التالي فلأن اللفظ موضوع لكل واحد من المعاني مقيدا بكونه وحده فإذا استعمل في الجميع كان المراد به كل معنى من المعاني وحده على ما يقتضيه الوضع و لا وحده على ما يقتضيه الاستعمال و ذلك تناقض و أورد عليه بعضهم بأن المراد استعماله في معنييه لا بقيد الوحدة فإن منع كونه حينئذ مستعملا في معنييه لفوات بعض المعنى منه و هو قيد الوحدة رجع البحث إلى مجرد التسمية و هو قليل الجدوى و هذا الإيراد كأصل الدليل مبني على كون الألفاظ موضوعة لمعانيها مع قيد الوحدة و هو عندنا فاسد كما سيأتي التنبيه عليه مضافا إلى ما في الإيراد من الخروج عن محل النزاع على ما عرفت و لنا على عدم جواز الاستعمال في المفرد مجازا مطلقا مضافا إلى شمول بعض الأدلة السابقة له أن الفرض استعمال اللفظ في معنييه الحقيقيين أو معانيه الحقيقية فيكون مستعملا فيما وضع له فلا يكون مجازا و لو أريد بالمعنى الحقيقي نفس المعنى و إن تجرد عن الوصف فقد عرفت في تحرير محل النزاع على أن إرادة كل واحد من المعاني منه على تقدير الجواز منوطة بملاحظة وضعه بإزائه و الاستعمال المستند إلى الوضع لا يكون مجازا على أن القائل كل واحد من المعاني منه على تقدير الجواز منوطة بملاحظة وضعه بإزائه و الاستعمال المستند إلى الوضع لا يكون مجازا على أن القائل بمجازيته إنما يقول به من جهة مصيره إلى أن اللفظ موضوع للمعنى مع قيد الوحدة فيتجرد عنها عند استعماله في أكثر من معنى واحد فيكون من استعمال‏

الموضوع للكل في الجزء و نحن سنبين فساد ذلك و نحقق أن اللفظ موضوع لنفس المعنى من غير ضميمة الوحدة فيبطل احتمال المجازية و مع الإغماض عن ذلك فالمجاز يتوقف على علاقة معتبرة و هي غير متحققة في المقام لما عرفت من بشاعة الاستعمال و قد مر في بعض الوجوه السابقة ما يدل عليه و لنا على عدم جوازه في التثنية و الجمع حقيقة أن أداتهما إنما تدل على إرادة فردين أو أفراد من معنى المفرد فمفادها التعدد في أفراد مدلول المفرد فإذا لم يكن مدلول المفرد إلا أحد المعنيين أو المعاني كما بينا لم يكن التعدد المستفاد منها إلا بحسب أحد المعنيين و لنا على عدم جوازه فيهما مجازا أن ذلك إما بالتصرف في مدلول المادة أعني المفرد و قد عرفت فساده أو بالتصرف في الأداة باستعمالها مجازا في إفادة التعدد في لفظ المفرد فيراد بحسب كل معنى أو في إفادته بالنسبة إلى ما أريد من المادة و ما لم يرد منها و كلاهما مما لا يساعد الطبع و الاستعمال على جوازه فإن معاني الحروف إنما تعتور على المعنى الذي أريد من مدخولها دون لفظه أو معنى آخر لم يرد من مدخولها أ لا ترى أن اللام مثلا في قولك العين للإشارة إلى ما أريد من لفظ العين كالباصرة و لا يصح أن يراد بها الإشارة إلى اللفظ حتى إنه لو أريد به اللفظ و الإشارة إليه من حيث إنه معناه أو معنى آخر لم يقصد في الاستعمال كالجارية و كذلك التنوين في قولك عين و على هذا القياس بقية اللواحق و لا فرق في ذلك بين أن يعتبر التعدد المستفاد من التثنية و الجمع بالنسبة إلى كل واحد من المعاني أو بالنسبة إلى الجميع فقط حجة من أجازه مجازا أن اللفظ موضوع لكل واحد من المعاني بقيد الوحدة فإذا استعمل في الجميع فلا بد من إلغاء هذا القيد دفعا للتناقض فيكون من استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء مجازا و هو غير مشروط بشي‏ء كما اشترط في عكسه و جوابه أن اللفظ غير موضوع للمعنى مع قيد الوحدة قطعا ضرورة أن دلالة الإنسان على نفس مفهومه و دلالة زيد على نفس ذاته بالمطابقة لا بالتضمن على أن الوحدة إن أريد بها ما يتصف بها المعنى في نفسه فاعتبارها مفهوما أو مصداقا مع كونه حشوا إذ كل معنى فله في حد ذاته وحدة غير مجد في ذلك ضرورة

56

جواز إرادة جميع الوحدات و كذا لو جعل اللفظ موضوعا للمعنى مع مفهوم وحدة الاستعمال أو الإرادة أو مصداقهما و إن اعتبرت معنى خبريا متعلقا بالمعنى أو بالاستعمال أو بالإرادة و ذلك بأن يكون لفظ الإنسان مثلا موضوعا لمفهومه المعروف و لمعنى آخر و هو أنه معناه وحده أي لا مع غيره أو أن اللفظ مستعمل فيه وحده أو مراد منه وحده على طريقة الإخبار صح ما ذكروه من لزوم التناقض لكن يلزم على تقديره أن يكون كل لفظ مفرد مشتملا على معنى مفرد و جملة خبرية تامة و ذلك مما لا يلتزم به ذو مسكة و مع ذلك لا يثبت به المنع من حيث الوضع و غاية توجيه كلامهم أن يقال المراد أن اللفظ موضوع للمعنى الواحد أي المنفرد عن غيره في تلك الإرادة أو ذلك الاستعمال بصفة وحدته سواء اعتبرت معنى اسميا أو حرفيا بأن أخذت آلة لملاحظة حال المعنى و اعتبرت داخلة في مدلول اللفظ كما في دخول الإشارة في مدلول اسم الإشارة فيستقيم ما ادعاه المستدل من التنافي و لا يلزم عليه الإشكال المذكور لكنهما ضعيفان لا سيما الوجه الأول لشهادة التبادر و الاستعمال على خلافه كما مر و مما ينبه عليه أنا إذا رجعنا وجداننا عند وضع اللفظ للمعنى وجدنا حصول الوضع منا لنفس المعنى من غير أن تعتبر معه الإرادة فضلا عن اعتبار الوحدة معها و نقطع بأن هذا هو الشأن في جميع الأوضاع مع أن ما ذكروه على تقدير تسليمه لا يدل على عموم المنع لأنا لو وضعنا لفظا لمعنيين على الاشتراك من غير ملاحظة أمر آخر فلا ريب في جوازه و الاعتداد به فيلزمهم الالتزام بجواز استعماله في المعنيين حقيقة لانتفاء المانع مع أن الوجدان لا يساعد عليه كما في غيره ثم لا يذهب عليك أنهم لو جعلوا اللفظ موضوعا للمعنى بشرط كونه مرادا منه أو مستعملا فيه وحده على أن يكون الشرط معتبرا فيه خارجا عنه و جعلوا إطلاقه عليه بدون الشرط حيث يراد معه غيره استعارة بعلاقة المشابهة لكان أقرب إلى السداد و أسلم من الفساد التزموا به من جزئية الوحدة و إن كان مشاركا معه في الضعف و قد يستدل على القول المذكور بأن المتبادر من استعمال اللفظ استعماله في معنى واحد و إن لم يتبادر ذلك من نفس اللفظ فيكون مجازا في المتعدد و جوابه أن الاستعمال من حيث نفسه لا وضع له و إنما الوضع للفظ المستعمل فالخروج عما هو المتبادر منه على تقدير تسليمه لا يوجب التجوز حجة من أجازه حقيقة أن اللفظ موضوع لكل من المعاني لا بشرط الوحدة و لا عدمها فيجوز أن يستعمل فيما زاد على المعنى الواحد و يصدق عليه بالنسبة إلى كل واحد من المعاني المرادة أنه استعمال اللفظ فيما وضع له فيكون حقيقة في الجميع و جوابها يظهر من تقرير الحجة على المنع و أجاب عنها في المعالم بما يرجع حاصله إلى منع الدليل في المفرد لتبادر الوحدة منه عند الإطلاق فتكون الوحدة جزء للمعنى منافية لإرادة غيره و تسليم المدعى في التثنية و الجمع لأنهما في قوة تكرير المفرد بالعطف فيجوز أخذه بمعان مختلفة و وجوه فساده واضح مما قررنا من منع تبادر الوحدة لا سيما على سبيل الجزئية ثم منافاتها لإرادة معنى آخر من حيث الوضع و عدم كون التثنية و الجمع في قوة تكرير المفرد مطلقا بل مع اتحاد معنى المكرر و نزيد الكلام على تسليمه لما ادعاه هذا القائل في التثنية و الجمع أنه في غير محله فإن القائل المذكور إن لم يعتبر الاتحاد المعنوي في التثنية و الجمع كان تجويزه للاستعمال المذكور فيهما أعم من تجويز صاحب المعالم على ما يقتضيه بيانه و إلا كان مباينا له كما يتضح مما نبهنا عليه عند تحرير محل النزاع احتج القائل بظهوره في الجميع عند عدم القرينة بأنه حينئذ إما أن يحمل على أحد المعاني لا بعينه فيلزم الإجمال أو يعين و لا مرجح له فيتعين الحمل على الجميع و لقوله تعالى و لله يسجد من في السماوات و من في الأرض إلى قوله و كثير من الناس فإن السجود مشترك بين الخضوع و وضع الجبهة على الأرض و قد استعمل فيهما أما في الأول فبدليل إسناده إلى الشجر و الدواب و أما في الثاني فبدليل إسناده إلى كثير من الناس إذ مطلق الخضوع لا يختص بالكثير و قوله تعالى إن الله و ملائكته يصلون على النبي فإن الصلاة من الله الرحمة و من غيره طلبها و هو مشترك بينهما و قد استعمل فيهما بدليل الإسناد و الجواب أما عن الأول فبأنه إنما يتفرع على تقدير صحة الاستعمال‏

بل كونه حقيقة و قد عرفت وجه المنع منها و لو سلم فمخالفة الاستعمال المذكور للأصل من حيث ندرة مورده على تقدير تحققه لا يقصر عن مخالفة الإجمال له إن لم يزد عليه فيتعارض الأصلان فيجب الوقف و أما عن الثاني فبالتزام تقدير فعل في الآيتين بقرينة المذكور فيقدر في الأول يسجد و في الثاني يصلي على حد قوله نحن بما عندنا و أنت بما عندك راض و ربما يستشكل بأن مجرد المشاركة في اللفظ لا يصلح قرينة على الحذف و فيه أن فيه أيضا مناسبة مدلول و مساعدة مقام أو نحمل السجود و الصلاة على المعنى الأعم فيراد به الخضوع و بها إظهار الشرف و وجه تخصيص الكثير أن خضوعهم لما كان أتم لمزيتهم فيه على غيرهم من حيث الإظهار على الجوارح و الجوانح ناسب ذكرهم بخصوصهم و إن اندرجوا مع غيرهم في عموم في الأرض ثم لو سلم اشتراك اللفظين و استعمالهما في الآيتين في المعنيين فليس فيه ما يوجب كونه على الحقيقة و لو سلم فهو ظهور بالقرينة فمن أين يثبت الظهور عند عدمها كما هو المدعى احتج من أجازه في المفرد مجازا و في التثنية و الجمع حقيقة أما في المفرد فبما مر في حجة القائلين بالمجازية و قد عرفت الجواب عنها و أما في التثنية و الجمع فبأنهما في قوة تكرير المفرد فكما يجوز أن يراد به عند التكرير معان متعددة كذلك يجوز فيما في قوته و أيضا لا ريب في جواز سبكهما من الأعلام و ظاهر أن الاتفاق هناك إنما هو في مجرد اللفظ و الجواب أنا لا نسلم أنهما في قوة تكرير المفرد مطلقا حتى في جواز إرادة المعاني المختلفة منهما و سبكهما من الأعلام مؤول بالمسمى مجازا و ذلك لأن أداة التثنية و الجمع كأداة العموم إنما تدل على التعدد في معنى المفرد لا في لفظه كما يشهد به التبادر فيختص لحوقها بأسماء الأجناس فإن المفهوم من قولك رجلان فردان من مفهوم رجل لا من لفظه و من قولك رجال أفراد من مفهوم رجل لا من لفظه كما في التثنية و الجمع من سائر اللغات و إلا لامتنع جريان حكم المسمى عليهما من غير تكلف و مما يدل على التأويل المذكور في الأعلام دخول لام التعريف عليها حينئذ مع امتناع دخولها على مفردها و وصفها معها بالمعرف و عند التجريد بالمنكر و أما نحن هذان رفعا

57

و هذين نصبا و جرا فهما موضوعان بوضع مستقل للإشارة في الحالتين إلى كل فردين مما يشار إليهما و ليسا بتثنية هذا لامتناعها بدون التأويل و معه يلزم عدم اختصاصه بالفردين المشار إليهما لكلية المسمى مع أن المتبادر خلافه و من اكتفي في بناء التثنية و الجمع باتحاد اللفظ فله أن يلتزم بأن كلا منهما موضوع بأداته بوضع واحد كما قررنا و أن لفظ المفرد مستعمل في لفظه و الأداة مستعملة لإفادة تعدده على أن يكون المعنى مرادا من كل واحد فيكون الحكم اللفظي متعلقا بلفظهما باعتبار تعلق الحكم المعنوي بمعنى معناهما أو أن المفرد المذكور مستعمل في معناه و الأداة مستعملة لإفادة اعتبار لفظ آخر مثله على أن يكون معناه مرادا أو موردا للحكم المذكور و ذلك لئلا يمتنع جريان حكم المسمى عليهما كما يشهد به ضرورة الاستعمال حجة من جوزه في التثنية و الجمع دون المفرد أنهما يدلان على التعدد فيجوز إرادة المعاني المختلفة منهما بخلاف المفرد و جوابه أنهما يدلان على التعدد في المعنى الذي أفاده المفرد فإذا لم يكن مدلول المفرد إلا أحد المعاني فمن أين يدلان على التعدد فيما زاد عليه حجة من خص الجواز بالنفي أن النفي يفيد العموم فيجوز أن يتعدد بخلاف الإثبات و جوابه ظاهر فإن النفي إنما يقتضي العموم فيما أفاد الإثبات فإذا كان مفاد الإثبات أحد المعاني لم يكن أثر النفي إلا إفادة العموم فيه و أيضا لو تم التعليل المذكور لزم أن لا يختص الجواز بالنفي لأن الإثبات قد يفيد العموم أيضا و لا يعم كل نفي إذ قد يكون المشترك معرفة كالعلم فلا يقتضي وقوعه في سياق النفي للعموم فإذن يكون الدليل أعم من المدعى من وجه و أخص من وجه و يمكن دفع الثاني بأن مقصود المستدل أن المشترك في صلوحه لكل معنى من معانيه على البدلية كالنكرة في صلوحها لكل فرد من أفرادها على البدلية فإذا وقع في سياق النفي أفاد العموم فيما يصلح له على البدلية كالنكرة المنفية فلا يدور مدار التنكير و يتجه عليه أن مدلول المشترك أحد المعاني بعينه فنفيه لا يقتضي إلا نفي أحد المعاني بعينه بخلاف النكرة فإن مدلولها أحد المعاني لا بعينه فنفيه يقتضي نفي الجميع و سيأتي توضيح ذلك في محله إن شاء الله و إن كان القول المذكور مبنيا على ما زعمه السكاكي فهو مع فساده في نفسه كما أشرنا إليه يوجب بظاهره الخروج عن محل البحث و اعلم أنه كما لا يجوز استعمال مشترك اللفظ في معنيين فصاعدا كذلك لا يجوز استعمال مشترك الكتابة في لفظين فصاعدا و المستند عليه ما عرفت و كذا الكلام في أبعاض اللفظ فلا يجوز في نحو ضربلال في ضرب بلال و ليس الإدغام في موارده منه لأنه في معنى حرفين و ربما يرتكب مثله في الكتابة مع أمن اللبس‏

فصل اختلفوا في جواز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و المجازي معا

فمنعه قوم مطلقا و جوزه آخرون و هم بين من يجعله مجازا و بين من يجعله حقيقة و مجازا بالاعتبارين و محل النزاع أن يطلق اللفظ و يراد به كل واحد من معنييه كما لو كرر و أريد به ذلك و ذلك إنما يكون بأن يطلق و يراد معناه الحقيقي بملاحظة الوضع و المجازي بملاحظة العلاقة و منه يظهر أن القول بكون الاستعمال المذكور مجازا نظرا إلى استلزامه إلغاء قيد الوحدة و هو جزء المعنى الحقيقي خروج عن محل البحث كما مر مثله في المسألة السابقة نعم هو من جزئيات المسألة الآتية و أما استعماله في معنى يتناول المعنيين أما تناول الكل لأجزائه أو تناول الكل لأفراده فلا ريب في جوازه مع الوضع و بدونه مع العلاقة و يسمى النوع الثاني بعموم المجاز و لا فرق في المقامين بين أن يكون كل منهما مناطا للحكم و متعلقا للإثبات و النفي و بين عدمه و تحرير بعضهم النزاع في القسم الأول غير مستقيم طردا و عكسا و قد مر التنبيه عليه في المشترك ثم قضية إطلاق كلماتهم و أدلتهم عدم الفرق بين ما إذا كان المعنى المجازي مجازيا للمعنى المراد أو لغيره و هذا ظاهر و لا بين ما إذا كان المعنيان إفراديين أو كان أحدهما إفراديا و الآخر تركيبيا فيلزم القائلين بالوضع في المركبات جواز ذلك بل التزم بعضهم بتعيينه في المجاز المركب و قد مر الإشارة إليه و الحق عندي عدم جواز ذلك مطلقا لنا أن هذا الاستعمال ليس على الحقيقة قطعا فإما أن يكون بطريق المجاز و هو غير مستقيم لأن لحوقه للاستعمال إن كان بالقياس إلى كل واحد من الاعتبار فلحوقه أن الاستعمال باعتبار الوضع مما لا وجه له و إن كان بالقياس إلى المجموع فهو مركب منه و من اعتبار الحقيقة فلا يكون بأحدهما و إما بطريق الحقيقة و المجاز و قد عرفت أن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي ينافي إرادة غيره معه للأدلة التي سبق ذكرها فلا يمكن الجمع بينهما و قد يتمسك في ذلك بما ذكره أهل البيان من أن المجاز ملزوم لقرينة معاند لإرادة المعنى الحقيقي فيعانده ضرورة أن ملزوم معاند الشي‏ء معاند له فيمتنع أن يجتمع معه و اعترض عليه بعض أهل التدقيق بأنه يمكن أن يقال المعتبر في المجاز نصب القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي بدلا عن إرادة المعنى المجازي و أما لزوم كون القرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي بإرادة أخرى منضمة إلى إرادة المعنى المجازي فممنوع بل هو عين المتنازع فيه فلا يلزم الجمع بين المتنافيين و لا يخفى ما فيه لأن المستدل إنما يتمسك على اعتبار القرينة المعاندة في المجاز بما ذكره علماء البيان و لا ريب أن المفهوم من كلامهم كونها معاندة لإرادة المعنى الحقيقي مطلقا و لو بإرادة أخرى مستقلة لا بدلا عن تلك الإرادة فقط فإن ذلك تأويل بعيد في كلامهم فلا يصغى إليه مع أن وجود القرينة المعاندة بالمعنى المذكور لا يصلح فرقا بين المجاز و الكناية على ما هو المعروف بين علماء البيان في الكناية من أنها مستعملة في الملزوم مع اللازم أو مع جواز إرادته معه فإن قرينة الكناية حينئذ مانعة من إرادة الملزوم بدلا عن إرادة اللازم و إنما يصح أن يجعل ذلك فرقا بناء على ما يذهب إليه البعض من أنها الكلمة المستعملة في اللازم مع إرادة جواز الملزوم بدله و كأنه مبني عليه نعم يرد على المستدل أمران الأول أن المراد بالمجاز المبحوث عنه هنا ما هو المعروف في مصطلح الأصوليين من اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بقرينة دالة عليه أو استعماله كذلك كما يدل عليه حصرهم له في التقسيم بينه و بين الحقيقة و عدم تعرضهم لذكر الكناية لا المجاز المصطلح عليه بين علماء البيان حيث اعتبروا فيه كون القرينة مانعة عن إرادة الحقيقة و جعلوه قسيما للكناية

58

فالاستدلال المذكور ناشئ عن الخلط بين الاصطلاحين الثاني أن قول علماء البيان بأن المجاز ملزوم لقرينة معانده لإرادة المعنى الحقيقي يحتمل وجهين الأول كونها مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي مطلقا و لو مجازا الثاني كونها مانعة عن إرادته على سبيل الحقيقة و الأول باطل قطعا لانتقاضه باللفظ الموضوع للجزء إذا استعمل في الكل مجازا كالرقبة في الإنسان فإن معناه الحقيقي مراد في ضمن الكل مجازا قطعا و إلا لم يكن مستعملا في الكل بل في جزء آخر و ظاهر أن القرينة لا تعاند لإرادته كذلك بل يستلزمها و على الثاني لا ينهض الاستدلال المذكور حجة على من أجاز الاستعمال مجازا لا يقال يمكن أن نختار الاحتمال الأول و يدفع الإشكال بأن المراد معاندتها لإرادته مطلقا بإرادة مستقلة و إرادة الجزء في الكل ضمنية فلا يتم النقض بها لأنا نقول هذا الاحتمال في كلامهم ليس بأولى من الاحتمال الثاني فعلى المستمسك به إثباته إذ الاستدلال لا يتم بمجرد الاحتمال اللهم إلا أن يجعل مقابلتها بالكناية قرينة عليه احتج المجوزون بأنه لا منافاة بين إرادة المعنيين فيجوز اجتماعهما ثم تمسك من جعله مجازا بأن المعنى المجازي لم يكن داخلا في الموضوع له فإذا اعتبر دخوله كان مجازا لأن اللفظ لم يوضع لهما و بأن اللفظ موضوع للمعنى مع قيد الوحدة فإذا أريد معه غيره وجب إلغاؤها فيكون الاستعمال باعتباره مجاز أيضا و تمسك من جعله حقيقة و مجازا بأنه مستعمل في المعنى الحقيقي و المجازي فلكل من الاعتبارين حكمه و جواب الكل يظهر مما قررناه في حجة المنع و اعلم أن من اكتفي في بناء التثنية و الجمع بمجرد اتحاد اللفظ كصاحب المعالم يلزمه القول بجواز استعمالهما في المعنى الحقيقي و المجازي حقيقة و مجازيا بالاعتبارين فإطلاقه المنع منه بالاعتبار المذكور ليس في محله‏

فصل لا يجوز استعمال اللفظ في معنييه المجازيين‏

فما زاد مطلقا بأن يكون كل منهما مرادا على الاستقلال كما مر إذ لم يعهد مثله عن اللغة و لم يساعد عليه الاستعمال و لك أن تستنبط مذاهب القوم فيه مما ذكروه في المبحثين المتقدمين و أما إذا استعمل في معنى مجازي شامل لمعنيين أو معان مجازية فلا إشكال في الجواز و لا يذهب عليك أن من قال بأن مفردات المجاز المركب مستعملة في معانيها المجازية يلزمه القول باستعمال اللفظ في معنييه المجازيين و الكلام فيه على حد و ما سبق و لا يجوز استعمال اللفظ في اللفظ باعتبار فردين منه على أن يكون كل منهما مرادا على الاستقلال لعدم مساعدة الطبع و الاستعمال عليه و أما إذا استعمل في المعنى الكلي و أريد فردان منه أو ما زاد بقرينة معينة فلا إشكال في جوازه و كذا الكلام في استعماله فيه و في معناه الحقيقي أو المجازي معا و كذا استعماله في المتعدد من بعض هذه الأقسام و المتحد من الآخر أو المتعدد منه‏

تنبيه‏

قد ورد في كثير من الأخبار أن للقرآن سبعة بطون أو سبعين بطنا و ورد في بعضها تفسير بعض البطون فربما يظن أن ذلك من باب استعمال اللفظ في معانيه الحقيقية أو المجازية أو الحقيقية و المجازية فيتمسك به على الجواز و أيضا لا إشكال على الظاهر في جواز قصد الدعاء بالقراءة فربما أمكن أن يتوهم أن ذلك من استعمال اللفظ في معنيين اللفظ حيث يقصد به اللفظ المحكي و إلا لم يكن قرآنا و المعنى على ما هو المفروض من قصد الدعاء بها و كلاهما ممنوع أما الأول فلجواز أن يكون بطون القرآن بطونا لظاهره و إن لم يساعد أفهامنا على التوفيق بينهما فتكون حينئذ مرادة بإرادته أو يكون مستعملا في معناه الظاهر و يكون دلالته على بقية المعاني من باب التنبيه و الإيماء كما في الكناية مع احتمال أن يكون القرآن عبارة عن الألفاظ المؤلفة دون استعمالها فيجوز حينئذ أن يراد بتأليفها ما يصلح له مما فوق المعنى الواحد و هو خارج عن محل البحث مع إمكان أن يكون الاستعمال متعددا على حسب تعدد البطون و ليس في تلك الأخبار دلالة على أن الكل مراد باستعمال واحد و فيه بعد و أما الثاني فلأن الحكاية فيه ليست من باب استعمال اللفظ في اللفظ و إلا لكان مفردا و لم يصح السكوت عليها من غير ضميمة يتم المعنى بها بل بمعنى استعمال اللفظ على أنه نفس اللفظ المطلق بإطلاق آخر أو مشابهة على اختلاف الاعتبارين ماهية و شخصا فيكون الاستعمال على وجه التبعية المحضة و هذا ليس من استعمال اللفظ في اللفظ و لو سلم لها حكاية بالمعنى الأول لأمكن التفصي عنه بأن المعنى يقصد من اللفظ الذي هو المعنى كما في أسماء الأفعال عند من يجعلها موضوعة لألفاظ الأفعال فلا إشكال أيضا و قد يتوهم أن مبنى الاستخدام على استعمال اللفظ في معنيين أحدهما المعنى الذي يرجع الضمير إلى اللفظ باعتباره و الآخر ما أسند إليه الحكم المتقدم أو علق عليه مما يغاير المعنى الأول و هو ضعيف بل التحقيق أن اللفظ لم يستعمل هناك إلا في معنى واحد و أن عود الضمير إليه باعتبار معنى آخر لا يقتضي استعماله فيه بل يكفي مجرد دلالته عليه و لو بالالتزام و من هنا كان الاستخدام على خلاف الأصل لأن الظاهر من الضمير عوده إلى المعنى المراد من اللفظ دون غيره و قد يظن أن التورية من هذا الباب و ليس بشي‏ء إذ المقصود بها ليس إلا المعنى المخالف للظاهر و أما المعنى الظاهر فهو غير مراد منها و إنما يتوهمه السامع تعويلا على الظاهر إذ لو أراده المتكلم أيضا لوقع في الكذب و لم ينفعه إرادة خلاف الظاهر معه‏

فصل المشتق‏

هو اللفظ المأخوذ من لفظ و يسمى الأول فرعا و الثاني أصلا و لا بد بينهما من مناسبة ليتحقق الأخذ و الاشتقاق و أقسامه ثلاثة لأن الفرع إما أن يشتمل على أصول حروف الأصل و ترتيبه أو لا و الأول هو المشتق بالاشتقاق الصغير و يقال له الأصغر أيضا و الثاني إما أن يشتمل على حروف الأصل أو لا و الأول هو المشتق بالاشتقاق الكبير كذاك و كنى و جبذ و جذب و يقال له الصغير أيضا و الثاني هو المشتق بالاشتقاق الأكبر كثلم و ثلب و حيث يطلق المشتق هنا فالمراد منه القسم الأول و حده لفظ وافق أصلا بأصول حروفه و لو حكما مع مناسبة المعنى و موافقة الترتيب فالمراد بالأصل اللفظ المأخوذ منه لفظ آخر أو الموضوع بالوضع الابتدائي من حيث اللفظ فدخل الحلب و الحلب بالسكون و التحريك بناء على أن الأول أصل للثاني و هو مشتق منه كالقتل و المقتل و منهم من أنكر الاشتقاق في ذلك و

59

و احترز عنه في الحد بإضافة الأصل إلى ضمير اللفظ و قد أشكل على هذا الحد بلزوم الدور حيث إن معرفة الأصل متوقفة على معرفة الاشتقاق و هو المقصود بمعرفة المشتق إذ الكلام في معرفة من حيث الاشتقاق فتكلف بعضهم في دفعه بأن المراد بالأصل إنما هو الأصل الجزئي فكأنه قيل ما وافق جزئيا من جزئيات الأصل معرفته إنما تتوقف على معرفة الاشتقاق الجزئي و هو غير مقصود بالتعريف و إنما المقصود تعريف ماهية الاشتقاق و فساده ظاهر لأن جزئي الأصل إنما اعتبر في الحد باعتبار كونه جزئي الأصل حيث عنون به فيتوقف على معرفة ماهيته فيلزم الدور و أيضا إذا توقف معرفة الأصل الجزئي على معرفة الاشتقاق الجزئي فمعرفة الاشتقاق الجزئي تتوقف على معرفة اشتقاق الكلي ضرورة أن معرفة الأصل الجزئي إنما يتوقف على معرفة الاشتقاق الجزئي من حيث كونه اشتقاقا جزئيا فإذا توقف معرفة الاشتقاق الكلي على معرفة الأصل الجزئي لزم الدور و أيضا الغرض من تعريف ماهية الاشتقاق إنما هو التوصل بمعرفتها إلى معرفة جزئياتها فإذا توقف معرفة جزئيات الأصل المأخوذ في تعريفها على معرفة جزئيات الاشتقاق لزم الدور و يمكن أن يجاب بأن هذا الحد تعريف لفظي لمن عرف معنى الأصل و الفرع و جهل مدلول لفظ المشتق و الاشتقاق و التحقيق أن يجاب بأن المراد بالمشتق المبحوث عنه هنا هو المشتق بالاشتقاق الصغير كما نبهنا عليه و ما يتوقف عليه معرفة الأصل و الفرع هو معرفة الاشتقاق بالمعنى الأعم فلا يلزم الدور و قولنا بأصول حروفه احتراز عن المشتق بالاشتقاق الأكبر كثلم و ثلب و عن دخول مثل الاستعجال و الاستخراج حيث يتوافقان في الحروف الزوائد و عن خروج مثل الخروج و الاستخراج حيث لا يتوافقان في الحروف الزوائد و قولنا أو حكما لدخول نحو قول و قال فإن الألف المقلوبة عن الواو في الإعلال مثلا واو حكما و كذلك عد من الوعد فإن الفاء المحذوفة بحكم المذكور و قولنا مع مناسبة المعنى احتراز عن مثل أضرب بمعنى أعرض بالنسبة إلى الضرب بمعناه المعروف و هو يتناول ما إذا اتحد المعنى فيهما كالقتل و المقتل و قد يخرج ذلك عن حد المشتق و يعتبر مخالفة ما بينهما في المعنى نظرا إلى عدم فائدة في الاشتقاق بدونها و اختلف سواء كان بالزيادة كضرب من الضرب أو بالنقص كضرب من ضرب على ما يراه الكوفيون و قولنا مع موافقة الترتيب احتراز عن المشتق بالاشتقاق الكبير فإنه و إن اشتمل على الحروف الأصلية لكنه لا يشتمل على ترتيبه و المراد به ما يتناول الترتيب الحقيقي كما مر و الحكمي كقه من الوقاية و قد يدخل في المشتق المعدول و هو ما خرج عن صيغته الأصلية و الفرق بينه و بين غيره من أنواع المشتق أن صيغته مأخوذة من صيغة أخرى على أن الأصل بقاؤه عليها بخلاف بقية المشتقات فإنها غير مأخوذة من مباديها على أن يكون الأصل بقاءها عليها و اعلم أنه لا بد في الاشتقاق من تغيير في اللفظ تحقيقا لمعنى الأصلية و الفرعية و ذلك إما بزيادة حرف أو حركة أو نقصان أحدهما أو بالمركب منهما ثنائيا أو ثلاثيا أو رباعيا فيرتقي الأقسام إلى خمسة عشر قسما و ينبغي أن يراد بالتغيير ما يعم التغيير الحقيقي و الحكمي ليدخل فيه نحو فلك مفردا و جمعا ثم البحث عن المشتق هنا ليس من حيث الاشتقاق و كيفيته فإنه موكول إلى فن الصرف و لا من حيث مفاد مبدئه فإنه محال إلى كتب اللغة بل البحث هنا في صدقه و مفاده من حيث الاشتقاق و الكلام فيه في موارد يرد عليك تفضيلها ثم اعلم أنهم أرادوا بالمشتق الذي تشاجروا على دلالته في المقام اسم الفاعل و ما بمعناه من الصفات المشبهة و ما يلحق بها على ما سنحققه و لا بأس بالتنبيه على مدلول بواقي المشتقات فمنها الفعل الماضي المتصرف و هو حقيقة في قيام المبدإ بفاعله في الزمان الماضي إما بالنسبة إلى حال النطق و ذلك إذا وقع مطلقا كضرب أو بالنسبة إلى غيرها إن اعتبر المضي بالنسبة إليه كما في قولك سيجي‏ء زيد و قد أكرم أباك و قس على ذلك الحال في الحال و الاستقبال و خرج بتقييده بالمتصرف نحو عسى و نعم و بئس إذ لا دلالة لها على زمان أصلا و إن كانت تدل عليها في أصل الوضع على ما زعمه النحاة حيث حافظوا بالتزامه على عكس حد الفعل و طرد حد الاسم و منها الفعل المستقبل و هو حقيقة في قيام المبدإ بفاعله في الحال أعني أوائل زمان الاستقبال أو الاستقبال و هي ما بعدها كما عرفت على الاشتراك اللفظي أو المعنوي‏

و الثاني أظهر على ما يساعد عليه الاعتبار نحو أكرمك الآن أو غدا و كان زيد يكرم أباك و قيل حقيقة في الاستقبال مجاز في الحال و فسر الحال بأواخر زمان الماضي و أوائل زمان الاستقبال و قد يقترن بلم و لما فيختص بالماضي كما أن الماضي قد يقترن بأدوات الشرط فيختص بالاستقبال غالبا و ظاهر كلامهم أن استعمالهما مجاز حينئذ و كان الذوق لا يساعد على ذلك و أما استعمال كل منهما بمعنى الآخر في غير ذلك فمجاز قطعا لنصهم عليه مع شهادة الاستعمال به و منها فعل الأمر و النهي و سيأتي تحقيق الكلام فيهما و منها اسم المفعول و هو حقيقة في الذات التي وقع عليها المبدأ في الحال كما أنه مجاز في الذات التي يقع عليها المبدأ في الاستقبال ثم قد يطلق و يتبادر منه ما يعم الحال و الماضي كقولك هذا مقتول زيد أو مصنوعه أو مكتوبه و قد يختص بالحال نحو هذا مملوك زيد أو مسكونه أو مقدوره و منه دابة مسرجة و ديار مزخرقة و أوراق منشورة و لم نقف فيه على ضابطة كلية فالمرجع فيه إلى العرف و يعرف بعض الكلام هنا بالمقايسة إلى ما سيأتي في اسم الفاعل و منها اسم الزمان و هو حقيقة في الزمن الذي وجد فيه المبدأ و مجاز في غيره و منه إطلاقه على يوم يشابهه من أيام السنة كقولهم مقتل الحسين (عليه السلام) ليوم عاشوراء و لا يعتبر الاستيعاب بل يكفي وجود المبدإ فيه و لو في بعض أجزائه و منها اسم المكان و هو حقيقة في المكان الذي حصل فيه المبدأ و المرجع فيه إلى العرف و الكلام فيه كالكلام في سابقه و منها اسم الآلة و هو حقيقة فيما أعد للآلية أو اختص بها سواء حصل به المبدأ أو لم يحصل و منها صيغة المبالغة و هي حقيقة في الذات التي كثر اتصافها بالمبدإ عرفا و ذلك يختلف باختلاف المبادي و لا يعتبر الاتصاف حال النطق و يظهر من بعضهم دخول ذلك في محل النزاع الآتي و هو بعيد

فصل إطلاق المشتق على الذات المتصفة بمبدئه في الحال حقيقة

اتفاقا كما أن إطلاقه على ما يتصف به في الاستقبال مجاز اتفاقا و في إطلاقه على ما اتصف به في الماضي أقوال ثالثها حقيقة إن كان مما لا يمكن بقاؤه و إلا فمجاز و رابعها حقيقة إن كان الاتصاف أكثريا بحيث لا يعتد بما يطرأ عليها من عدم الاتصاف مع عدم الإعراض‏

60

و إلا فمجاز و لا بد أولا من تحرير محل النزاع و ذلك يتم برسم أمور الأول لا خفاء في أن المشتق المبحوث عنه هنا لا يعم الأفعال و المصادر المزيدة فإن عدم مساعدة النزاع المحرر على ذلك واضح جلي و حينئذ فهل المراد به ما يعم بقية المشتقات من اسمي الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و ما بمعناها و أسماء الزمان و المكان و الآلة و صيغ المبالغة كما يدل عليه إطلاق عناوين كثير منهم كالحاجبي و غيره أو يختص باسم الفاعل و ما بمعناه كما يدل عليه تمثيلهم به و احتجاج بعضهم بإطلاق اسم الفاعل عليه دون إطلاق بقية الأسماء على البواقي مع إمكان التمسك به أيضا وجهان أظهرهما الثاني لعدم ملائمة جميع ما أوردوه في المقام على الأول و العلامة التفتازاني خص موضع النزاع باسم الفاعل الذي يكون بمعنى الحدوث دون مثل المؤمن و الكافر و الأبيض و الحر و العبد مما يعتبر في بعضه الاتصاف به مع عدم طريان المنافي و في بعضه الاتصاف به بالفعل و هو ممنوع لعدم مساعدة إطلاق عناوينهم و أمثلتهم عليه و بعضهم خصه بما إذا لم يتصف المحل بالضد الوجودي و نقل الاتفاق في المتصف به على المجازية مطلقا و احتج عليه بأن الإجماع منعقد على عدم تسمية المؤمن كافرا بالنظر إلى كفره السابق و الوجه فيه أن الكفر قد زال و اتصف محله بوصف وجودي مضاد له و فيه أن الإجماع لو كان منعقدا على ذلك لما تعسف القائلون بأنه حقيقة في الماضي مطلقا بأن المنع هناك شرعي لا وضعي و إن أريد إجماع أهل اللسان على ذلك فلا دلالة فيه على عدم وقوع الخلاف فيه و أضعف من ذلك تخصيص بعضهم للعنوان المذكور بما إذا كان المشتق محكوما به و نقل الاتفاق على كونه حقيقة مطلقا إذا كان محكوما عليه محتجا عليه باتفاق المسلمين على أن قوله تعالى الزاني و الزانية فاجلدوا كل واحد منهما السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما و اقتلوا المشركين و نحو ذلك يتناول من لم يتصف بهذه المبادي حال النزول و فيه أن الكلام في وضع المشتق من حيث نفسه لا فيما يقتضيه بحسب التراكيب و ظاهر أن وضع المشتق لا يختلف بحسب كونه محكوما عليه أو محكوما به أو غير ذلك و أما تلك الدلالة فإنما نشأت من حيث كون المشتق كليا متناولا لجميع أفراد طبيعة لا من حيث كونه محكوما عليه إذ لو كان محكوما عليه باعتبار فرد معهود و أفراد معهوده نحو المشرك أو المشركون كذا اقتضى التلبس حال النطق و لو كان كليا و لم يكن محكوما عليه اقتضى أيضا ثبوته مطلقا كما في قولك اجلد الزاني و اقطع السارق و منه و اقتلوا المشركين فاتضح أنه لو اعتبر العموم و الكلية بدل ما اعتبره من كونه محكوما عليه لكان أقرب مما ذكره مع أن انتفاء النزاع في المحكوم عليه لا يقتضي بظاهره تخصيصه بالمحكوم به كما لا يخفى الثاني الأزمنة المعتبرة في إطلاق المشتق إما أن تؤخذ بالقياس إلى النطق كما صرح به بعضهم و ربما يساعد عليه ظاهر اللفظ فيكون المراد بالحال حال النطق و بالماضي ما تقدم عليه و بالاستقبال ما تأخر عنه فيدخل في الأول نحو أكرمت أو سأكرم قائما إذا كان الاتصاف حال النطق دون حال الإكرام و يخرج نحو كان أو سيكون زيد عالما إذا لم يكن الاتصاف حال النطق فيخرج الأولان عن القسمين الأخيرين و يدخل الأخيران فيهما أو تؤخذ بالقياس إلى التلبس و الاتصاف كما صرح به بعض المحققين و هو الموافق للتحقيق فيكون المراد بإطلاقه على الحال إطلاقه على المتصف بالمبدإ باعتبار حال التلبس و على الماضي إطلاقه على المتصف به باعتبار ما بعد الاتصاف و على المستقبل إطلاقه عليه باعتبار ما قبله فيدخل في الأول نحو كان أو سيكون زيد عالما إذا أطلق عليه باعتبار زمان الاتصاف و أكرمت أو سأكرم قائما إذا كان الاتصاف حال الإكرام و يخرج منه ما لو أطلق ذلك باعتبار ما قبل زمن الاتصاف أو الإكرام أو ما بعده سواء صادف حال النطق أو لا فيدخلان في القسمين الأخيرين و من هنا يظهر أن كلا من الأزمنة الثلاثة المقيسة إلى النطق صالحة لكل من الأزمنة الثلاثة المقيسة إلى حال التلبس و الأولى أن يؤخذ الأزمنة الثلاثة باعتبار الزمن الذي أطلق المشتق على الذات باعتباره ليستقيم مقابلته بحال النطق فالماضي ما تقدم عليه حال التلبس و الحال ما قارنته و المستقبل ما تأخرت عنه و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأخير اعتباري الثالث أن مفهوم الزمان خارج عن مدلول المشتق وضعا و قيد لحدثه‏

باعتبار الصدق و الإطلاق فالفاعل مثلا إنما وضع ليطلق على الذات المتصفة بمبدئه الخاص أعني المبدأ المأخوذ باعتبار زمن الاتصاف أو الأعم منه و من ما بعده و بهذا فارق الفعل من حيث إن الزمان جزء من معناه فإن أطلق باعتبار زمن آخر أو اعتبر الزمان في مدلوله كان مجازا من غير فرق في الثاني بين زمن الحال و غيره فما ذكره النحاة من أن اسم الفاعل يعمل عمل فعله إن كان بمعنى الحال و الاستقبال و لا يعمل إن كان بمعنى الماضي لا يبتني على أخذ الزمان جزءا من معناه على ما سبق إلى بعض الأوهام إذا عرفت هذا فالحق أن المشتق إن كان مأخوذا من المبادي المتعدية إلى الغير كان حقيقة في الحال و الماضي أعني في القدر المشترك بينهما و إلا كان حقيقة في الحال فقط لنا على ذلك الاستقراء فإن الضارب و القاتل و الساكب و الكاسر و الهازم و القاطع و كذا ما أخذ من باب الإفعال و التفعيل و الاستفعال كمكرم و متصرف و مستخرج و نحوها إذا أطلقت تبادر منها ما اتصف بالمبدإ حال الاتصاف و ما بعدها و إن نحو عالم و جاهل و حسن و قبيح و طاهر و نجس و طيب و خبيث و حائض و طامث و حامل و حائل و حي و ميت و قائم و قاعد و راكع و ساجد و يقظان و نائم و معتل و منكسر و صحيح و مريض و محب و معاد و مبغض و صاحب و مالك إلى غير ذلك يتبادر منها المتصف بالمبدإ حال الاتصاف فقط و قد سبق أن التبادر من آيات الحقيقة و هذا الاختلاف هل هو ناشئ من تعدد الوضع أو من تركب الهيئة مع المواد المتعدية و الغير المتعدية وجهان و اعلم أنه قد يطلق المشتق و يراد به المتصف بشأنية المبدإ و قوته كما يقال هذا الدواء نافع لكذا و مضر و شجرة كذا مثمرة و النار محرقة إلى غير ذلك و قد يطلق و يراد به المتصف بملكة المبدإ أو باتخاذه حرفة و صناعة كالكاتب و الصانع و التاجر و الشاعر و نحو ذلك و يعتبر في المقامين حصول الشأنية و الملكة أو الاتخاذ حرفة في الزمان الذي أطلق المشتق على الذات باعتباره و في الثاني خاصة سبق مزاوله مع عدم الإعراض ثم اعلم أن الزمان الذي يطلق المشتق على الذات باعتباره قد يكون حال النطق‏

61

و ذلك فيما إذا حمل على الجزئيات نحو زيد قائم و الفاضل المعهود كريم و كذا النداء نحو يا قائم و يا قاتل و قد يكون حال وجود الموضوع و ذلك فيما إذا حمل على الطبائع و الكليات نحو الإنسان أو كل إنسان مدرك و قد يكون حال وقوع حدث و ذلك إذا تعلق فعل أو شبهه به كما في أعطيت أو سأعطي فقيرا أو ضاربا درهما فيعتبر في المبادي الغير المتعدية حصولها في تلك الأزمنة و في المتعدية حصولها فيها أو فيما قبلها حجة القول بأنه حقيقة في الماضي مطلقا أنه مستعمل فيه و الأصل في الاستعمال الحقيقة و لا يعارض بوقوعه مستعملا في المستقبل أيضا لأنه خارج بالإجماع و بأن النحاة أطبقوا على أنه اسم فاعل و ظاهر التسمية يقتضي أن يكون الموصوف فاعلا حقيقة و بأن معنى المشتق من حصل له المبدأ و خرج من قوة الاتصاف إلى الفعل و هو يتناول الماضي أيضا و بأن كلا من المؤمن و العالم يصدق على النائم و الغافل حقيقة و ليس إلا باعتبار قيام المبدإ بهما في الزمن الماضي إذ لو كان مجازا لصدق السلب و من الظاهر خلافه و الجواب أما عن الأول فبأن الاستعمال أعم من الحقيقة إن أريد به إثبات الاشتراك اللفظي و إن أريد به إثبات الاشتراك المعنوي فإنما يتم على تحقيقنا المتقدم في المشتقات المأخوذة من المبادي المتعدية حيث لم يثبت استعمالها في خصوص الحال و الماضي و إنما ثبت مجرد إطلاقها عليهما و أما فيما عدا ذلك فاستعمالها في خصوص الحال ثابت و حينئذ فلا يتم التمسك بالأصل المذكور على ما مر تحقيقه مع أنا قد بينا ما يوجب الخروج عن الأصل في المشتقات الغير المتعدية على تقدير تسليمه و أما عن الثاني فبأن المدار في التسمية عندهم على مجرد الصيغة بأي معنى استعملت كما في الماضي و المضارع و أما عن الثالث فبأن المراد من له المبدأ أو ذو المبدإ و التعبير تسامح و أما عن الرابع فبأن الإيمان عبارة عن صورة علمية و هي قائمة بالنفس حال النوم و الغفلة أيضا غاية الأمر أنه ذاهل في هاتين الحالتين عن حصولها و مثله الكلام في العالم حجة القول بأنه مجاز في الماضي أنه يصدق السلب المطلق أعني السلب في الجملة لصدق الأخص منه و هو السلب في الحال فلا يكون حقيقة فيه لا يقال ثبوته في الحال أخص من ثبوته مطلقا و نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم لأنا نقول ليس الحال قيدا للمنفي بل للنفي فليس المقصود أن نفي المقيد يستلزم نفي المطلق بل المراد أن النفي المقيد يستلزم النفي المطلق و هذا واضح فإن قيل إنما يلزم من ذلك النفي في الجملة و هو لا ينافي الثبوت في الجملة قلنا كيف لا ينافي و صريح العرف و اللغة يحكم بالتكاذب بينهما فإذا ثبت أنه ليس حقيقة فيه كان مجازا لوجود العلاقة المصححة و أجيب بأنه إن أريد الصدق بحسب اللغة فممنوع أو بحسب العقل فلا منافاة و التحقيق في الجواب أن يقال إن أريد أن صدق قولنا ليس بضارب الآن يستلزم صدق قولنا ليس بضارب فممنوع لأن ذلك سلب المطلق لا مجرد سلب مطلق لأن المنفي حيث كان موضوعا للقدر المشترك بين الماضي و الحال فنفيه لا يصدق عقلا و لغة إلا حيث ينفي بكلا فرديه فيناقض إيجاب المقيد قطعا و إن أريد أنه متى صدق قولنا الضرب منفي في الحال صدق قولنا الضرب منفي في الجملة و أنه ينافي قولنا الضرب ثابت في الجملة أو أنه ضارب فممنوع إذ لا منافاة بين ذلك لا لغة و لا عقلا حجة القول بأنه حقيقة في الماضي إذا لم يمكن البقاء أنه لو لم يكن كذلك لما كان للمتكلم و المخبر و الماشي و المتحرك و نحوها حقيقة و التالي باطل بالضرورة فكذا المقدم بيان الملازمة أن مباديها مركبة من أجزاء يمتنع اجتماعها في الوجود و أجيب بأن مبنى العرف و اللغة على التسامح في مثل ذلك فإن المتكلم ما دام متشاغلا بالكلام يصدق عليه عندهم أن مبدأ التكلم باق فيه غير منقض عنه و كذا الكلام في بواقي الصفات و الحق أن هذا القائل إن أراد أن المشتقات المأخوذة من المصادر السيالة حقيقة في الماضي ما دام الموصوف متشاغلا ببعض الأجزاء صح كلامه و رجع نزاعه إلى اللفظ حيث اعتبر البقاء بحسب العقل فنفاه و اعتبره غيره بحسب العرف فأثبته و إن أراد أنه حينئذ حقيقة في الماضي سواء بقي التشاغل بتلك الأجزاء أو لم يبق كان النزاع معنويا لكن لا ينهض دليله حينئذ على دعواه حجة القول بأنه حقيقة في‏

الماضي إذا كان الاتصاف أكثريا أنهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من غير نصب قرينة كما في لفظ الكاتب و الخياط و القاري و المتعلم و المعلم و غيرها و الجواب أن تلك المشتقات إن اعتبرت من حيث صيرورة مباديها ملكات لمحالها فصدقها بدون القرينة عليها حال عدم التشاغل بالمبادي لا يثبت المدعى و إن اعتبرت بحسب نفس مباديها فلا نسلم أنها تطلق على من قام به المبدأ في الماضي من غير قرينة مع أن ما ذكر من أغلبية الاتصاف مما لا أثر له في الأمثلة المذكورة

تنبيهات‏

الأول [فى مفهوم المشتق‏]

مفهوم المشتق عند بعض المحققين معنى بسيط منتزع من الذات باعتبار قيام المبدإ بها و متحد معها في الوجود الخارجي فما اشتهر في العبائر و الألسنة من أن معنى المشتق ذات أو شي‏ء له المبدأ فإما مسامحة منهم في التعبير و تفسير للشي‏ء بلوازمه أو وارد على خلاف التحقيق لأن المراد بالذات و الشي‏ء إن كان مفهومهما لزم دخول العرض العام في مفهوم الفصل فيكون الفصل عرضيا للنوع لأن مفهوم الذات و الشي‏ء عرضي لأفراده و المركب من الذاتي و العرضي لا يكون ذاتيا بالضرورة و إن أريد ما صدق عليه الذات أو الشي‏ء فمع أنه لا يناسب وقوعه محمولا يلزم أن ينقلب مادة الإمكان الخاص ضرورية لأن ذاتا أو شيئا له الكتابة أو الضحك هو الإنسان لا غير فيصدق كل إنسان كاتب أو ضاحك بالضرورة لأن ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري و يمكن أن يختار الوجه الأول و يدفع الإشكال بأن كون الناطق مثلا فصلا مبني على عرف المنطقيين حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات و ذلك لا يوجب أن يكون وضعه لغة كذلك و يمكن أن يختار الوجه الثاني أيضا و يجاب بأن المحمول ليس مصداق الشي‏ء و الذات مطلقا بل مقيدا بالوصف و ليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضروريا و فيه نظر لأن الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلا إن كانت مقيدة به واقعا صدق الإيجاب بالضرورة و إلا صدق السلب بالضرورة و لكن يصدق زيد الكاتب بالفعل أو بالقوة بالضرورة و لا يذهب عليك أنه يمكن التمسك بالبيان المذكور على إبطال الوجه الأول أيضا لأن لحوق مفهوم الذات أو الشي‏ء لمصاديقهما أيضا ضروري‏

62

و لا وجه لتخصيصه بالوجه الثاني ثم لا يخفى أنه لا يلزم من نفي جزئية الذات أو الشي‏ء مفهوما أو مصداقا لمدلول المشتق بساطة مدلوله فالدليل المذكور على تقدير تسليمه أخص من المدعى‏

الثاني [الفرق بين المشتق و مبدئه‏]

زعم جماعة من أهل المعقول أن الفرق بين المشتق و مبدئه هو الفرق بين الشي‏ء لا بشرط و بينه بشرط لا فحدث الضرب إن اعتبر بشرط لا كان مدلولا للفظ الضرب و امتنع حمله على الذات الموصوفة به و إن اعتبر لا بشرط كان مدلولا للفظ الضارب و صح حمله عليها و على هذا القياس فجعلوا الفرق بين العرض و العرضي كالفرق بين الهيولى و الجنس و بين الصورة و الفصل و هذا عندي غير مستقيم و تحقيق المقام أن حمل الشي‏ء على شي‏ء يستدعي أن يكون بينهما مغايرة باعتبار الذهن في لحاظ الحمل و اتحاد باعتبار الظرف الذي يعتبر الحمل بالقياس إليه من ذهن أو خارج ثم التغاير قد يكون اعتباريا و الاتحاد حقيقيا كقولك هذا زيد و الناطق حساس و قد يكون التغاير حقيقيا و الاتحاد اعتباريا و ذلك بتنزيل أشياء المتغايرة منزلة شي‏ء واحد و ملاحظتها من حيث المجموع و الجملة فيلحقه بذلك الاعتبار وحدة اعتبارية فيصح حمل كل جزء من أجزائه المأخوذة لا بشرط عليه و حمل كل واحد منها على الآخر بالقياس إليه نظرا إلى اتحادهما فيه كقولك الإنسان جسم أو ناطق فإن الإنسان مركب في الخارج حقيقة من بدن و نفس لكن اللفظ إنما وضع بإزاء المجموع من حيث كونه شيئا واحد فإن أخذ الجزءان بشرط لا كما هو مفاد لفظ البدن و النفس امتنع حمل أحدهما على الآخر و حملهما على الإنسان لانتفاء الاتحاد بينهما و إن أخذا لا بشرط كما هو مفاد الجسم و الناطق صح حمل أحدهما على الآخر و حملهما على الإنسان لتحقق الاتحاد المصحح للحمل فقد تحقق مما قررنا أن حمل أحد المتغايرين بالوجود على الآخر بالقياس إلى ظرف التغاير لا يصح إلا بشروط ثلاثة أخذ المجموع من حيث المجموع و أخذ الأجزاء لا بشرط و اعتبار الحمل بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع و لو بالاعتبار إذا تبين عندك هذا فنقول أخذ العرض لا بشرط لا يصح حمله على موضوعه ما لم يعتبر المجموع المركب منهما شيئا واحدا و يعتبر الحمل بالقياس إليه و لا خفاء في أنا إذا قلنا زيد عالم أو متحرك لم نرد بزيد المركب من الذات و صفة العلم أو الحركة و إنما نريد به الذات وحدها فيمتنع حمل العلم و الحركة عليه و إن اعتبرا لا بشرط بل التحقيق أن مفاد المشتق باعتبار هيئة مفاد ذو فلا فرق بين قولنا ذو بياض و قولنا ذو مال فكما أن المال إن اعتبر لا بشرط لا يصح حمله على صاحبه فكذلك البياض و مجرد استقلال أحدهما بالوجود دون الآخر لا يجدي فرقا في المقام فالحق أن الفرق بين المشتق و مبدئه هو الفرق بين الشي‏ء و ذي الشي‏ء فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات بملاحظة قيام المبدإ بها و لا يتوهم أن ذلك يؤدي إلى أن يكون الفصول عرضية لأنواعها لأن المراد بها معان ذاتية بها تحصل تلك الأنواع على سبيل النقل أو التجوز و التمسك في إثبات المباحث اللغوية باستعمال أهل المعقول غفلة و ذهول‏

الثالث [شرط صدق المشتق على شى‏ء حقيقة]

يشترط في صدق المشتق على شي‏ء حقيقة قيام مبدإ الاشتقاق به من دون واسطة في العروض إن كان صفة كالضارب و القاتل فإن مبدأهما الضرب و القتل بمعنى الفاعل و هما تأثير و لا قيام له إلا بالمؤثر و كالقائم و القاعد و النائم فإن مباديها آثار و صفات و إنما قيامها بالمتأثر و المتصف و أما إذا كان المبدأ ذاتا فلا يعتبر فيه القيام كما في البقال و الحداد و إنما قلنا من دون واسطة في المقام احترازا عن القائم بواسطة فإنه لا يصدق إلا مجازا كالشدة و السرعة القائمتين بالجسم بواسطة الحركة و اللون فإنه يقال الحركة سريعة أو اللون شديد و لا يقال الجسم سريع أو شديد هذا و خالف في ذلك جماعة فلم يعتبروا قيام المبدإ في صدق المشتق و استدلوا بصدق الضارب و المؤلم مع قيام الضرب و الألم بالمضروب و المؤلم و جعلوا من هذا الباب إطلاق المتكلم عليه تعالى حيث إن الكلام مخلوق في الهواء و قائم به و منشأ هذا الوهم عدم الفرق بين المصدر بمعنى الفاعل و بينه بمعنى المفعول فإن الضرب و الإيلام بمعنى الفاعل تأثير و قيامهما بالفاعل كما أنهما بمعنى المفعول أثر و قيامهما بالمفعول و كذا الكلام في المتكلم فإنه بمعنى الفاعل عبارة عن إنشاء الكلام و لا قيام له إلا بالمتكلم كما أنه بمعنى المفعول عبارة عن نفس الكلام و قيامه بجوهر الهواء و انتصر لهم بعض أفاضل المتأخرين بصدق العالم و القادر و نحوهما عليه تعالى مع عينية صفاته تعالى كما هو الحق و بصدق الخالق عليه تعالى مع عدم قيام الخلق به و كلا الوجهين ضعيف أما الأول فلأنه مشترك الورود إذ الظاهر إطباق الفريقين على أن المبدأ لا بد أن يكون مغايرا لذي المبدإ و إنما اختلفوا في وجوب قيامه به و عدمه فالوجه التزام وقوع النقل في تلك الألفاظ بالنسبة إليه تعالى و لهذا لا يصدق في حق غيره و من هذا الباب إطلاق الموجود على الشي‏ء بناء على عينية الوجود و قد يتكلف في إثبات صدق ذلك بأن مدلول المشتق واجد المبدإ و وجدان الشي‏ء لنفسه ضروري مستندا إلى ذاته فهو أولى من وجدان غيره له فهو أولى بصدق الاسم و هو كما ترى إذ ليس مبنى العرف على مراعات مثل هذه الأمور الخفية و أما الثاني فلأن الخلق إن اعتبر بمعنى الفاعل كان بمعنى الجعل و التأثير و لا نسلم عدم قيامه به تعالى لكن قياما صدوريا لا حلوليا كما في العفو و العطاء و الرزق و إن اعتبر بمعنى المفعول فليس مبدأ لصيغة الخالق فليس في عدم قيامه به تعالى ما يخل بالمقصود و مما قررنا يظهر أنه يلزم من قيام مبدإ الاشتقاق بشي‏ء صدق المشتق منه عليه فعدم إطلاق السخي و نحوه عليه تعالى إما لمنع شرعي بناء على أن أسماءه تعالى توقيفية أو لعدم قيام المبدإ به تعالى كما يظهر وجهه مما مر آنفا و سابقا

المقالة الأولى في جملة من المباحث المتعلقة بالكتاب و السنة

القول في الأمر

فصل الحق أن لفظ الأمر مشترك بين الطلب المخصوص‏

كما يقال أمره بكذا و بين الشأن كما يقال شغله أمر كذا لتبادر كل منهما من اللفظ عند الإطلاق مع مساعدة ظاهر كلام بعض اللغويين عليه و يؤيده أن الأمر بالمعنى الثاني يجمع على الأمور دون الأمر بالمعنى الأول و ذلك في غير صورة الاشتراك بعيد هذا بحسب العرف و اللغة و أما بحسب الاصطلاح فقد يطلق و يراد به الطلب المخصوص كما هو معناه الأصلي و منه قولهم الأمر بالشي‏ء هل يقتضي كذا أو لا و قد يطلق و يراد به القول المخصوص أعني ما كان على هيئة افعل و ليفعل و نظائرهما و منه قولهم الأمر حقيقة في كذا و يجمعونه على الأوامر على خلاف القياس و هذا الاصطلاح موافق لمصطلح أهل المعاني و قريب منه مصطلح النحاة فإنهم يخصونه بالنوع الأول منه ثم إن‏

63

كثيرا منهم نقلوا الاتفاق على كونه حقيقة في هذا المعنى أعني قول المخصوص و جعلوا النزاع في بقية معانيه فذهب بعضهم إلى أنه مجاز فيها لأنه أولى من الاشتراك و منهم من جعله مشتركا معنويا بينه و بين الشأن حذرا من المجاز و الاشتراك المخالفين للأصل و منهم من جعله مشتركا لفظيا و على هذا جرت كلمة من وقفنا على كلامه و هو منهم بمكانة من الوهن و منشؤه الخلط بين المعنى المصطلح عليه و بين غيره لأنا نقطع بأن الأمر لا يطلق على نفس القول لا لغة و لا عرفا إلا مجازا فإن المفهوم من قول القائل أنا آمر بكذا و زيد أمر بكذا وقوع الطلب منه دون صدور لفظ منه نعم ربما يسبق ذلك إلى الفهم في مثل الفرض الثاني نظرا إلى أنه الطريق المتداول في التأدية عن الطلب فلو سلم دلالة اللفظ عليه فإنما هو من باب الملازمة العرفية الناشئة من الغلبة دون الوضع مع أنهم لو أرادوا بالقول المخصوص نفس اللفظ أعني الملفوظ كما هو الظاهر من كلماتهم لكان بمنزلة الفعل و الاسم و الحرف في مصطلح علماء العربية فكان اللازم عدم صحة الاشتقاق منه لعدم دلالته حينئذ على معنى حدثي مع وقوعه منه بجميع تصاريفه و يمكن توجيه ما وقع في كلام الأشاعرة من تفسير الأمر باعتبار اللغة بالقول بحمله على القول النفسي بناء على ما هو المعروف من مذهبهم فيرجع إلى ما ذكرناه هذا و أما ما تمسك به القائل بمجازيته في غير القول فمدفوع بأن الأولوية إنما تصلح مستندا إذا لم يقم هناك ما يوجب الاشتراك و قد بينا ثبوته بدليل التبادر و غيره فلا سبيل إلى الاستناد إليها مع أن المجاز يتبع العلاقة و لا علاقة بين القول المخصوص و بين الشأن بحيث يعتمد عليها في الاستعمال و يعول عليها في المقال و كذا ما تمسك به القائل بالاشتراك المعنوي مدفوع على تقدير تسليم أصله بأنا لا نجد هناك قدرا مشتركا بين القول و بين الشأن إلا مفهوم أحدهما و لا ريب أن المتبادر منه عند الإطلاق ما صدق عليه مفهوم أحدهما دون نفس مفهوم أحدهما فلا يكون حقيقة فيه ثم المراد بالطلب المخصوص طلب العالي من الداني حصول الفعل على سبيل الإلزام فخرج الدعاء و الالتماس لعدم الوصفين و الندب لعدم الإلزام و دخل فيه الطلب بالقول المخصوص و بقول غيره و بغير القول كالإشارة و الكتابة و من خصه بالنوع الأول فقد تعسف لشهادة العرف على خلافه مضافا إلى تصريح أئمة اللغة به و المراد بالفعل مطلق الحدث أعني ما دل عليه لفظ المصدر فخرج الاستفهام باعتبار معناه الحرفي و إن دخل فيه باعتبار ما يلزمه من المعنى الاسمي أعني طلب الفهم كما في نحو علمني و فهمني إذا اشتمل على بقية القيود و دخل نحو اترك باعتبار الترك فإنه أمر به حقيقة و إن صدق باعتبار المقيد به أنه نهي عنه و خرج نحو لا تترك فإنه نهي عن الترك و إن صدق عليه باعتبار الفعل المقيد به أنه أمر به و بالجملة فهما داخلان في الأمر باعتبار و في النهي باعتبار و منهم من عين دخول الأول في النهي و الثاني في الأمر جمودا على ظاهر الحد نظرا إلى أن الفعل ظاهر في الأمر الوجودي و هذا منه مخالفة للغة و العرف و الاصطلاح ثم منهم من اعتبر الاستعلاء بدل العلوّ و منهم من اعتبرها معا و الحق أن اختصاص لفظ الأمر وضعا بالطلب الصادر عن العالي يوجب إظهار المستعمل و إفادته لعلو من يسنده إليه على المأمور كما أن اختصاص الدعاء بطلب السافل من العالي يوجب عكس ذلك و اختصاص الالتماس بطلب أحد المتساويين في الرتبة من الآخر يوجب إفادة تساويهما في الرتبة و على هذا فاختصاص الأمر بالعالي اختصاص وضعي و قد يسبق إلى النظر أن اختصاص الأمر بالطلب الإلزامي يقتضي اختصاصه بالعالي لأن الإلزام بمعنى جعل الشي‏ء لازما حقيقة إنما هو شأن العالي دون غيره فيفيد الاستعلاء على ما تقدم و يدفعه أنا لا نريد بالإلزام إلا طلب الفعل مع عدم الرضا بتركه و هذا لا يستلزم الإلزام الحقيقي على أن الإلزام الحقيقي لا يختص بالعالي لجواز صدوره عن المساوي و السافل كما لو التزم المولى بإنجاح حاجة لعبده و لو بعبد و شبهه أو واعده على وجه يلزمه الوفاء به عقلا فإن الإلزام يتحقق منه شرعا أو عقلا مع أنه لا يصدق الأمر ثم إن أراد القائل بأنه يدل عليها معا ما أردناه فلا مشاحة معه و إن لم يساعد لفظ الاستعلاء عليه فإن معناه طلب علو النفس و إظهاره لا ما يعم إظهار

علو الغير و إلا فندفع قوله و قول من اعتبر الاستعلاء فقط بعد عدم المأخذ بشهادة التبادر على خلافه ثم هل يعتبر في العالي أن يكون عاليا حقيقيا و لو بحسب العرف و العادة أو يكفي كونه عاليا في دعواه أو دعوى من يسند إليه الأمر أو أحدهما وجوه و أما قوله تعالى حكاية عن قول فرعون لملئه فما ذا تأمرون فإن قدرنا المفعول العساكر و الرعايا فلا إشكال في كونه حقيقة و إن قدرناه ضمير المتكلم كان مبنيا على تنزيلهم منزلة العالين استمالة لهم فيبتني كون الاستعمال حقيقة أو مجازا على الوجوه المذكورة ثم ما اعتبرناه في الحد من قيد الإلزام مما نفاه بعضهم فأدرج الندب فيه و الذي يدل على ما اخترناه بعد مساعدة التبادر عليه قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك حيث نفي الأمر مع ثبوت الاستحباب و ما نقل أن بريرة لما أراد النبي (صلى اللَّه عليه و آله) منها الرجوع إلى زوجها قالت تأمرني يا رسول الله فقال لا بل إنما أنا شافع فنفي الأمر و أثبت الشفاعة و هي للندب و يساعد عليه ظاهر بعض الآيات الآتية حيث اشتملت على تهديد مخالف الأمر و ذمه و يمكن المناقشة فيها بأن استعمال الأمر في هذه الموارد في الإيجاب لا يوجب أن يكون موضوعا له بخصوصه بل يكفي ظهوره فيه عند الإطلاق مع أن مجرد الاستعمال لا يقتضي الحقيقة و استدل بعض المعاصرين بأن دلالة الأمر على الاستعلاء تقتضي الإيجاب و الإلزام إذ لا معنى لإظهار العلو في المندوب لأنه إرشاد و ليس بشي‏ء إذ لا نعني بالاستعلاء إلا طلب العلو و إظهاره بإطلاق لفظ موضوع للعالي على ما عرفت و ظاهر أن إفادة هذا المعنى لا تقتضي أن يكون هناك حكم على المخاطب أو غيره فضلا عن كونه إيجابا و بالجملة فالعالي في أوامره الإيجابية و غيرها غير خارج عن كونه عاليا فإذا أتى بلفظ منبئ عن علوه كان ذلك منه استعلاء أ لا ترى أن التعبير عن المفرد بلفظ الجمع يفيد التعظيم لتنزيله منزلة الجماعة و لم يسبق إلى وهم أنه يقتضي حكما أو إلزاما و هذا ظاهر و أما تعليله بأن المندوب إرشاد فعري عن الجدوى لأنه إن أراد بالإرشاد الدلالة إلى ما هو طريق السداد فالإيجاب أيضا كذلك و إن أراد ما هو قسيم الطلب فظاهر الفساد احتجوا بأنهم قسموا الأمر إلى إيجاب و ندب و لا بد أن يكون‏

64

المقسم أعم و فيه أن التقسيم قرينة على أن الأمر هناك مستعمل في المعنى الأعم و الاستعمال لا يوجب الحقيقة مع أنهم قد قسموه إلى ما ليس حقيقة فيه قطعا كالإرشاد و التعجيز و التسخير و بأنه يستعمل تارة في الإيجاب و أخرى في الندب فلو كان موضوعا للقدر المشترك لم يلزم المجاز و لا الاشتراك و فيه أن الاستعمال في خصوص الإيجاب واقع و قد سبق منا أن الأصل المذكور لا ينهض دليلا على هذا التقدير على أنا قد بينا ما يوجب الخروج عنه على تقدير تسليمه و بأن فعل المندوب طاعة و كل طاعة فهو فعل المأمور به و فيه منع الكبرى إن أريد بالأمر معناه الحقيقي و إلا فلا يفيد المدعى‏

فصل اختلفوا في أن صيغة الأمر هل تقتضي الإيجاب أو لا

إلى مذاهب و منهم من عنون المبحث بقوله صيغة افعل و ما في معناها يتناول بظاهره كل ما دل على معنى افعل و لو مجازا مع أنه خارج عن المبحث قطعا إلا أن يراد بما في معناها وضعا و أيضا يتناول ما كان بمعنى الأمر من أسماء الأفعال مع أن الظاهر خروجها عن النزاع لفظا و إن دخلت فيه معنى فالتعبير عنه بما ذكرنا أسد و أولى ثم الظاهر من كلام الأكثر أن الأمر هنا بمعنى مطلق الصيغة و يظهر من بعضهم أن المراد به الصيغة الصادرة عن العالي و لا يخلو من بعد و التحقيق هو الأول نعم لما كان الغرض هنا لا يتعلق بالبحث عن الصيغة مطلقا بل من حيث وقوعها في الكتاب و السنة كما في سائر مباحثنا المتعلقة بالألفاظ لئلا يخرج عن كونها مسائل لهذا الفن فلا محيص من اعتبار صدورها عن الشارع لكن لا على أن يكون ذلك داخلا في مدلول لفظ أمر بأن يكون معناه خصوص الصيغة الواردة في الكتاب و السنة بالنقل أو التجوز بل على أن يكون ذلك مدلولا للفظ الأمر من حيث العهد أو معتبرا في البحث عن الصيغة كما في لفظ العام و الخاص و المطلق و المقيد إلى غير ذلك و مما يدل على اعتبار الحيثية المذكورة هنا مضافا إلى ما ذكرناه ظواهر الألفاظ المتداولة منهم في المقام من لفظ الوجوب و الإيجاب و الندب فإن المفهوم منهم إطلاق الوجوب على كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح و الثواب و تاركه الذم و العقاب و على قياسه الندب و هذه إنما تصلح لأن تكون معاني التزامية للصيغة إذا أخذت بالحيثية المذكورة و يحتمل أن يكون مرادهم بالوجوب و الإيجاب هنا مجرد الإلزام أعني طلب الفعل مع عدم الرضا بالترك و بالندب طلبه مع الرضا به فتدل عليه الصيغة بالتضمن و حينئذ فلا يكون له دلالة على ما ذكرناه لكنه تكلف من غير حاجة تمس إليه و أما احتجاج القائلين بدلالة الأمر على الإيجاب بذم العبد على مخالفة أمر سيده فلا ينافي أن يكون المقصود دلالته على الإلزام مطلقا كما سبق إلى بعض الأوهام فإن تخصيص البيان به إنما هو بالنظر إلى أن أثر الإلزام لا يظهر إلا في مثله ثم اعلم أن الفاضل المعاصر زعم أن نزاع القوم في صيغة الأمر يتصور على ثلاث صور الأولى أن العالي إذا أورد هذه الصيغة مجردة عن القرائن هل يفهم منها الإيجاب الاصطلاحي أعني ما يذم تاركه و يعاقب عليه أو لا الثانية أن هذه الصيغة بمجردها هل تفيد الإلزام مطلقا فيلزمها فيما إذا صدرت عن العالي إفادة الإيجاب الاصطلاحي أو لا الثالثة أن الصيغة بمجردها هل تفيد الإيجاب الاصطلاحي نظرا إلى دلالتها على الإلزام و علو المتلفظ بها ما لم ينكشف الخلاف أو لا و فرق بين الصورتين الأوليين بعد ما نفاه أولا بجواز كون دلالة الصيغة على الإلزام في الصورة الأولى مستندة إلى صدورها عن العالي فلا يفيده إذا صدرت عن غيره بخلاف الثانية فإنه قد صرح فيها بكونه مفاد الصيغة و بأنه لا تعرض في الأولى بكون الصيغة الصادرة عن غير العالي حقيقة أو مجازا و قد صرح في الثاني بكونها حقيقة و بين الصورتين الأخيرتين بأن حصول الذم و العقاب خارج عن مدلول الصيغة في أوليهما داخل فيه في الأخرى ثم اختار الصورة الأخيرة و جعل نزاعهم فيها مع اعترافه بعدم مساعدة تحرير كثير منهم لمحل النزاع على ذلك هذا ملخص كلامه و محصل مرامه و أنت خبير بأن مدلول افعل لا يزيد على طلب الفعل فقط أو مع المنع من الترك فدعوى أن الصيغة بمجردها تفيد أن المتلفظ بها عال مما لا يكاد يلتزم به من له أدنى درية بالمحاورات فرمي الأكثرين به كما هو قضية كلامه عجيب و أعجب من ذلك أنه استقرت بعد ذلك مقالتهم التي رماهم بها في الصيغة و بنى عليها متمسكا بحجتهم و كان الذي أوقعه في ذلك ما وجده في كلامهم من لفظ الوجوب و الإيجاب أو تسميتهم إياها أمرا فزعم أنهم يقولون بأن مدلول الصيغة أمر حقيقة و أن مطلق الأمر يقتضي الوجوب و الإيجاب الاصطلاحيين لغة و فساده يعرف مما مر ثم ذكر أن الاحتمالات التي قررها في صيغة الأمر تجري في لفظ الأمر أيضا و جعل الحكم فيهما واحد و التحقيق أن ما اختاره هناك من توجه النزاع إلى الصورة الأخيرة متجه هنا لكن مع تبديل علو المتلفظ بعلو المسند إليه كما عرفت و الفرق غير خفي إذا تقرر هذا فالحق عندي أن صيغة الأمر حقيقة في طلب الفعل فقط مطلقا لكن حيث يطلق الطلب يتبادر منه الإلزام‏

و عدم الرضا بالترك تبادرا إطلاقيا و لهذا نحمل الأوامر المطلقة على الإيجاب مع أنا نجعل استعمالها في الندب حقيقة أيضا و الأكثر على أنها حقيقة في الوجوب أعني الإيجاب فقط و ذهب علم الهدى إلى أنها مشتركة بينهما لفظا بحسب اللغة و أما بحسب الشرع فهي حقيقة في الوجوب فقط و مرجع كلامه إما إلى دعوى أن الشارع وضع لفظ الأمر للوجوب فقط بعد أن كان في اللغة مشتركا بينه و بين الندب فمتى ورد في كلامه حمل على مصطلحه أو أنه بنى في استعمالاته الشرعية أو مطلقا على متابعة وضعه للوجوب فقط حتى إنه لو استعمله في الندب اعتبر العلاقة بينه و بين الوجوب و هنا أقوال أخر شاذة لا ينبغي أن يلتفت إليها لنا على أن الأمر حقيقة في مطلق الطلب شهادة التبادر عليه فإنا لا نفهم من نفس الصيغة إلا مجرد الطلب و ذلك آية الحقيقة و إذا ثبت ذلك عرفا ثبت لغة و شرعا بضميمة أصالة عدم النقل و على أن الطلب المطلق ظاهر في عدم الرضا بالترك إنه حيثما ورد طلب مطلق سواء كان بصيغة افعل أو غيرها تبادر منه ذلك عرفا و لذا نجد أن العقلاء يذمون العبد على ترك ما طلب منه مولاه مطلقا كما لو صرح بالإلزام و ليس ذلك إلا لاستظهارهم منه الإلزام و لو لا ذلك لما دلت الجمل الخبرية المستعملة في‏

65

الطلب كآية الرضاع و نحوها على الوجوب لأن القرينة الصارفة إياها عن معناها الأصلي و هو لزوم الكذب على تقدير قصد الإخبار أو منافاته لمساق الكلام لا يعينها للوجوب فكان اللازم على تقدير عدم ظهور الطلب في الوجوب حملها على الندب عملا بالأصل و دعوى أن الوجوب أقرب إلى معنى الإخبار لدلالته على الوقوع و دلالة الإيجاب على لابدية الوقوع و هي أشبه بالوقوع فينصرف عند قيام الصارف إليه تكلف لا يساعد على اعتباره الوجدان و أما ما يقال من أن الطلب سواء استفيد من لفظ أو غيره كإجماع أو عقل فهو ظاهر في الوجوب أو محمول عليه فبعيد عن التحقيق إذ لا تعويل على الظواهر في غير الألفاظ و أما التعويل على ظاهر الكتابة و الإشارة فبواسطة التعويل على ظاهر مدلولهما من الألفاظ و الإشارة عند أهل العرف كاللفظ لا يقال دعوى تبادر الإلزام من الطلب هنا تنافي ما ذكر أولا من أن المتبادر من الأمر مطلق الطلب من غير تبادر الإلزام لأنا نقول قد مر الإشارة سابقا إلى أن التبادر على قسمين قسم يستند إلى اللفظ مع قطع النظر عن إطلاقه أي ترك تقييده و عن سائر القرائن اللاحقة له و هذا هو الذي ذكرناه علامة للحقيقة و قسم يستند إلى ملاحظة إطلاقه و هذا لا يقتضي الحقيقة فتبادر الطلب المطلق إنما هو بالاعتبار الأول و تبادر الإلزام منه إنما هو بالاعتبار الثاني فلا منافاة و مع التنزل نقول استعمال الصيغة في القدر المشترك ثابت و استعمالها في كل من الوجوب و الندب من حيث الخصوصية غير ثابت و إنما الثابت إطلاقها عليهما في الجملة فيلحق باللفظ للذي يتحد معناه المستعمل فيه من بين ما يحتمل أن يكون اللفظ حقيقة فيه و قد مر في المبادي أن قضية الأصل في مثل ذلك الحقيقة و ذلك لأن المعنى المشكوك فيه لا سيما بعد الفحص بمنزلة العدم كما هو الظاهر و إن علم بأصل الاستعمال في الجملة إذ لو كان مجرد احتمال تعدد المستعمل فيه قادحا لما أمكن التمسك بالأصل المذكور في موارده و فيه نظر و قد استبعد بعضهم استعمال الأمر في القدر المشترك من حيث إن الطالب إذا لم يكن غافلا عن تركه فإما أن يريد المنع منه فيكون وجوبا أو لا يريده فيكون ندبا و إنما يتصور إرادة الطلب المجرد عند الغفلة من الترك قال و حيث إن العمدة في مباحث الأمر على أوامر الشارع ففرض الاستعمال في القدر المشترك غير معقول و فيه ما لا يخفى أما أولا فلأن الإيجاب معنى بسيط و ليس المنع من الترك من أجزائه بل من توابعه و لوازمه فإن مرجع الإيجاب إلى الطلب المتأكد الذي من لوازمه المنع من الترك على تقدير التفطن له و لهذا كثيرا ما يأمر الموالي و لا يخطر ببالهم مفهوم الترك فضلا عن المنع منه و مع ذلك يستحق مماليكهم على المخالفة الذم و العقاب و لو كان الأمر حينئذ للقدر المشترك لما ترتب عليها ذلك هذا إن أريد بالمنع كراهة الفعل و مبغوضيته و إن فسر بمعنى طلب الترك المتأكد كما هو الظاهر فهو راجع إلى طلب الفعل المتأكد لأن النفي في النفي راجع إلى الإثبات و هذا لا يكون جزء من طلب الفعل بل طلب الفعل جزء منه نعم لو جعل المنع من الترك مجازا عن تأكد الطلب كان جزءا من الوجوب و فصلا له و حينئذ لكن لا ينفك تصوره عن تصور الوجوب و لا يتوقف على تصور الترك و أما ثانيا فلأن عدم انفكاك الطلب عن أحد القيدين في حق غير الغافل لا يوجب استعمال لفظه فيه مع أنه قد ورد في بعض أخبارنا المأثورة تعلق أمر واحد بأمور متعددة بعضها واجبة و بعضها مندوبة كما ورد فيها نهي واحد متعلق بأمور متعددة بعضها محظورة و بعضها مكروهة و لا بد في مثل ذلك من الحمل على القدر المشترك لئلا يلزم استعمال اللفظ في معنييه هذا و استدل بعض من وافقنا في المذهب بوجهين آخرين الأول أن الأمر قد استعمل تارة في الوجوب و أخرى في الندب فلو كان موضوعا لهما معا كان مشتركا أو لأحدهما فقط كان مجازا في الآخر و هما على خلاف الأصل فيتعين أن يكون موضوعا للقدر المشترك و هذا الوجه بظاهره غير مستقيم لأنه تمسك بالاستحسان في إثبات اللغة و يمكن توجيهه بحيث يرجع إلى ما ذكرناه و قد يعارض بأنه على تقدير كونه موضوعا للقدر المشترك يلزمه أحد المحذورين من الاشتراك و المجاز بالنسبة إلى كل من الخصوصيتين بل التجوز اللازم على تقدير وضعه للقدر المشترك أكثر لقلة استعماله فيه و شيوعه في كل من‏

القسمين فلحوق الوضع له أولى من لحوقه للقدر المشترك و هذه المعارضة بناء على ما حققناه من عدم ثبوت استعماله في كل من الخصوصيتين متضحة الاندفاع لأن المدار في ذلك ليس على إمكان الاستعمال بل على الواقع الثاني أن الرجحان ثابت بالضرورة من اللغة و أما تقييده بجواز الترك و عدم جوازه فمما لم يثبت لتكافؤ أدلة الفريقين فيه فيتعين للرجحان و هو القدر المشترك و هذا ضعيف لأن الرجحان الثابت فيه أعم من أن يكون مستقلا أو في ضمن أحدهما بخصوصه فلا يثبت أحدهما بخصوصه إلا بدليل و اعلم أن هيئة الأمر موضوعة عندنا بإزاء الطلب الصادر من الأمر لا من حيث كونه معنى مستقلا باللحاظ بل من حيث كونه آلة و مرآة لملاحظة حال المأمور به باعتبار و حال المأمور باعتبار فتكون على حد الحروف موضوعة بالوضع العام للمعنى الخاص فللأمر بحسب هذين الاعتبارين نسبتان تعليقيتان و له نسبة ثالثة إلى الأمر و هي نسبة صدورية فقولنا الأمر موضوع للقدر المشترك بين الوجوب و الندب أعني الطلب المطلق معناه أنه موضوع لخصوصيات القدر المشترك من حيث كونها خصوصيات له نظرا إلى أن العنوان الملحوظ في وضعه بإزائها هو ذلك للقدر المشترك كما أن القائل بأنه موضوع للوجوب أو الندب أو غيرهما على هذا التحقيق يريد بأنه موضوع لخصوصياته الملحوظة بذلك العنوان و على هذا فاستعماله في كل فرد من أفراد الإيجاب و الندب حقيقة إن كان من حيث كونها من أفراد الطلب و لو أريد به الفرد مع ما يلحقه بحسب المرتبة من المنع من النقيض و عدمه فلا ريب في كون الاستعمال على الثاني مجازا لأن عدم المنع أمر خارج عن ماهية الطلب و أما على الأول فإن جعلنا المنع من النقيض عبارة عن فصل الإيجاب و جعلناه من سنخ الطلب بناء على ما تقرر عند جماعة من أهل المعقول من أن العرض القوي يمايز الضعيف بفصل هو من سنخ ذلك العرض لا بأمر خارج فهو حقيقة في كل فرد من أفراد الوجوب و إن ضم إليه اعتبار المنع من النقيض و إلا كان مجازا و لك أن تنزل قولهم بأن الأمر حقيقة في الوجوب أو الندب أو القدر المشترك بينهما أو غير ذلك على ظاهره من أنه حقيقة في هذه‏

66

المفاهيم الكلية أو أفراده المستقلة لكنه على خلاف التحقيق فالحمل على ما ذكرناه أولى و اعلم أيضا أنا نريد بخصوصيات الطلب و أفراده مفهومه المقيد بالنسب الثلاث لا كل فرد من أفراده الحقيقية فيصح تعلق أمر واحد بأمور عديدة على الاستقلال كما يصح تعلقه كذلك بأمر واحد لاشتراك الجميع في كونه طلبا مقيدا بنسب ثلاث غاية الأمر أن المعنى المذكور في القسم الأول ينتزع من موارد عديدة و ذلك لا يوجب تعدد المعنى حتى يلزم استعمال لفظه في أكثر من معنى واحد و لا فرق في ذلك بين أن يكون أفراد الطلب إيجابية أو ندبية أو إيجابية و ندبية لاشتراك الطلب المقيد بالنسب الثلاث بين الجميع إذ لم يعتبر انتسابه إلى فعل واحد أو فاعل واحد فيصح إطلاقه على الواحد و المتعدد و من هنا كان نحو صلوا إذا جعل خطابا إلى من يجب عليه و من يستحب في حقه و صل الفرائض و النوافل و نحو ذلك على الحقيقة حجة المشهور أمور الأول القطع بأن المولى إذا قال لعبده افعل كذا مجردا عن القرينة فخالف عد عاصيا و ذمه العقلاء عليه و ذلك آية الوجوب و إذا ثبت عرفا ثبت لغة و شرعا لأصالة عدم النقل الثاني أن علماء الأعصار و الأمصار لم يزالوا يستدلون بظاهر الأوامر الواردة في الكتاب و السنة على الوجوب من غير نكير و ليس ذلك إلا لكونه حقيقة فيه و ذلك إجماع منهم على المدعى الثالث قوله تعالى مخاطبا لإبليس ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك فإنه إنكار منه تعالى لوجود المانع من السجود أي ما يصلح للمنع منه عقلا أو شرعا لا مطلق المانع لامتناع الترك بدونه و ذلك لامتناع حمل الاستفهام منه تعالى على حقيقته لعلمه بالمانع على تقدير تحققه و يدل مع ذلك على توبيخه و ذمه على مخالفته لأمره المشار إليه في قوله تعالى و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم و الذم و التوبيخ دليل الوجوب لا يقال امتناع حمل الاستفهام منه تعالى على حقيقته لا يعين حمله على الإنكار التوبيخي الذي لا يكون إلا على ترك الواجب أو فعل المحرم لإمكان حمله على إرادة التقرير و الاعتراف بالمانع أو على الإنكار اللومي الذي يكون على ترك المندوب أيضا و لا ينافيه اللعنة و الطرد المترتبين عليه كما يدل عليه الآية الأخرى لجواز أن يكون ذلك بسبب إنكاره لحكمة التكليف أو استكباره حيث قال أنا خير منه و أما ما يقال في دفعه من أن استكباره لم يكن عليه تعالى بل على آدم فيرجع بالنسبة إليه تعالى إلى مجرد المخالفة فليس بشي‏ء لابتنائه على أن الاستكبار و إظهاره لا سيما على مثل آدم و ترك طاعته في استحقاره لا يوجب الطرد و اللعنة لا سيما بالنسبة إلى الذين يرون أنفسهم بمكان من العبودية و الانقياد و هذا كله في محل المنع و مما يدل على حرمة استكباره قوله تعالى استكبرت أم كنت من العالين و قوله تعالى ما يكون لك أن تتكبر فيها لأنا نقول الظاهر من مساق الآية أن يكون الاستفهام للإنكار لا للتقرير بالمانع و حيث يدور الأمر بين الذم و اللوم فالمتبادر من الإطلاق هو الذم على ما يساعده عليه متفاهم العرف و السر فيه أنه الفرد المتكامل في الإنكار بخلاف اللوم فيتعين الحمل عليه فتأمل فإن قلت هذا الاستدلال مبني على أن يكون الطلب منه تعالى واقعا بهذه اللفظة و هو ممنوع لجواز أن يكون بإلهام أو وحي و لو سلم فلعله كان محفوفا بقرائن تدل على إرادة الإيجاب و لو سلم فغاية ما يترتب عليه أن يكون الأمر حقيقة في عرف الملائكة و ذلك لا يقتضي أن يكون كذلك في عرفنا قلت ظاهر الآية يقتضي صدور هذا القول أو ما يرادفه و الخروج عنه يحتاج إلى مستند و لا يكفي فيه مجرد الاحتمال و احتمال القرينة مدفوع بأصالة عدمها و بأنها لو كانت لاقتضى ظاهر الحكاية نقلها اللهم إلا أن يقال استغنى عن حكايتها بحكاية الذم على المخالفة و الاختلاف بين عرفنا و عرف الملائكة مدفوع بأصالة عدم تعدد الوضع بناء على أن الواضع هو الله تعالى و إلا أمكن دفعه بأن الحكاية ظاهرة في الموافقة للمحكي و فيه نظر يظهر مما مر و يمكن الاحتجاج بهذه الآية أيضا باعتبار إطلاق الأمر فيها على الطلب المستفاد من لفظ اسجدوا بناء على ما حققناه من أنه حقيقة في الطلب الإلزامي و يتجه عليه بعض المناقشات المتقدمة الرابع قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فإنه تعالى هدد مخالف أمره حيث أمره بالحذر عن الفتنة أو العذاب و هذا

الأمر للوجوب قطعا إذ لا معنى لندبية الحذر عن العذاب لأن المقتضي له إن كان موجودا حسن الحذر و وجب و إلا لم يحسن فلا يلزم الدور و أما ما يقال من أنه لا عموم في الأمر و لا نزاع في عدم جواز مخالفة بعض الأوامر و لو سلم فلعل المراد منه العموم المجموعي دون الأفرادي فلا يلزم المقصود إذ لا يجوز المخالفة في جميع المندوبات فمدفوع بأن الظاهر من ترتب التحذير على مخالفة مطلق الأمر دون خصوص المحفوف منه بالقرينة كون مطلقه للوجوب أو أن الأمر مصدر مضاف و هو ظاهر في العموم الأفرادي كذا قالوا و يشكل الأخير ببقاء الإشكال على تقديره إذ لا يصدق مخالفة كل أمر إلا مع مخالفة الجميع إلا أن يراد به العموم البدلي و هو بعيد و التحقيق أن المصدر المضاف لا يفيد العموم بنفسه بشي‏ء من الاعتبارين فالمعتمد هو الوجه الأول و يمكن أن يقال أيضا بأن الآية بحسب مفاهم العرف في قوة قولنا فليحذروا عن مخالفة أمره إما بتعليق الظرف المذكور بجملة فليحذر فيكون التقدير فليحذر الذين يخالفون أمره أي يريدون مخالفته أو أشرفوا على مخالفة أمره أو بتقدير عن مخالفة أمره فيكون جملة أن تصيبهم منصوبا على التعليل فيدل على وجوب الحذر عن مخالفة جنس أمره على حد غيره من المفردات المضافة فيعم الحكم مخالفة كل أمر لأن الحذر عن الجنس إنما يتحقق بالحذر عن جميع أفراده نعم لقائل أن يقول لا نسلم أن المراد بالأمر هنا نفس الصيغة بل الطلب الإلزامي كما هو معناه اللغوي و العرفي على ما مر و على تقدير التنزل فلا أقل من احتمال ذلك و هو كاف في نقض الاستدلال اللهم إلا أن يتمسك في دفعه بأن مدلول الصيغة المجردة عن القرائن الصادرة عن العالي يسمى في العرف و اللغة أمرا و إثبات هذا القدر لا يتوقف على إثبات كون الأمر أو صيغته للوجوب و أيضا المخالفة إنما تتعدى بنفسها و تعديتها بعن يقتضي تضمينها معنى الإعراض و المنع عن المخالفة على وجه الإعراض و التنفر و عدم المبالات لا يقتضي المنع عن المخالفة بدون ذلك و ما يقال في دفعه من أخذ الإعراض و اعتباره إنما هو لمجرد المحافظة على القاعدة النحوية و أنه لا يلزم من ذلك اعتباره في المعنى المراد فجدير بالإعراض عنه نعم لا يبعد أن يقال تعدية المخالفة بعن إنما

67

تقتضي تضمنها الإعراض بالمعنى الأعم أعني صرف النفس عن الامتثال فيتم المقصود إذ كل مخالفة تتضمن الإعراض بهذا المعنى ثم لا نسلم أن الفتنة و العذاب لا يترتبان على ترك المندوب لجواز أن يكون ترك المندوب مكروها و يترتب عليه فتنة أو عذاب دنيوي فيكون الأمر بالحذر أمرا ندبيا فإن قيل ظاهر العذاب في مثل المقام هو العذاب في الآخرة و لو سلم فوصفه بالأليم يمحضه لذلك فيثبت به أن الأمر للوجوب قلنا سلمنا لكن مخالف الأمر لم يوعد بإصابة العذاب فقط بل بأحد الأمرين منه و من إصابة الفتنة و هي مما يجوز أن يترتب على فعل المكروه لا سيما إذا أريد بها الابتلاء ببعض التكاليف الشاقة مع أن من عذاب الآخرة و آلاءها ما يترتب على بعض المكروهات بل المباحات أيضا كطول الحساب المترتب على جميع الحلال فلا يقتضي ترتبه على مخالفة الأمر تمحضه للوجوب و أيضا لا نسلم أن المقتضي للعذاب إذا لم يكن متحققا لم يحسن الأمر بالحذر للقطع بحسن الأمر به عند احتمال المقتضي أيضا و هذا كما ترى إنما يرد على بيان الدليل لا عليه لأن ظاهر الآية تعليل الأمر بالحذر بإصابة الفتنة و العذاب لا باحتمال إصابتهما إذ التقدير كراهة أن تصيبهم و أيضا لا تقتضي الآية أن يكون الأمر حقيقة في الوجوب لا لغة و لا شرعا غاية الأمر أن تكون قرينة عامة على أن المراد به الوجوب في الشرع و أين أحدهما من الآخر الخامس قوله تعالى و إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون فإنه ذم على مخالفتهم الأمر بالركوع و هو آية الوجوب لا يقال لا نسلم أن الآية ذم لجواز أن يكون لوما و هو يقع على ترك المندوب و لو سلم فلا نسلم أن الذم على ترك المأمور به بل على تكذيب الرسل و عدم الاعتداد بقولهم بدليل قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين و لو سلم فلعل الصيغة عند الخطاب كانت مقرونة بما يفيد الوجوب و لا نزاع على تقديره لأنا نقول المفهوم من مساق الآية أنها ذم و أنه على مجرد مخالفة الأمر بالركوع فلا يصغى إلى الاحتمالات المذكورة السادس أن تارك المأمور به عاص و كل عاص متوعد بالعذاب أما الصغرى فلقوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم و قوله تعالى حكاية عن موسى أ فعصيت أمري و المراد بالأمر قوله (عليه السلام) لأخيه هارون اخلفني في قومي و أصلح كما يدل عليه الآية السابقة و أما الكبرى فلقوله تعالى و من يعص الله و رسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها فإن من من أداة العموم فيتناول كل عاص و يرد على الصغرى أن الآية الأولى إنما تقتضي كون مخالف الأمر عاصيا لا مخالف الصيغة و قد حققنا المغايرة بينهما لغة و عرفا إلا أن يتمسك بأن الأمر يطلق على مدلول الصيغة المجردة عن القرائن الصادرة عن العالي لغة و عرفا فيتم به الاحتجاج و الآية الثانية إنما تفيد الذم و ترتب العصيان على مخالفة الصيغة المذكورة و إطلاق الأمر على مدلولها و ذلك لا يقتضي إلا مجرد كونها مستعملة في الإيجاب و مجرد الاستعمال لا يقتضي الحقيقة و يجري فيه بعض ما مر من المناقشات و على الكبرى أن الإيعاد بالخلود في النار يوجب تخصيص العصيان بالكفر و شبهه لأن فاعل غيره لا يخلد به و معه لا يثبت المطلوب و الجواب عن الكل بعد المساعدة على ما فيها من المقدمات أنها لا تقتضي أن تكون الصيغة موضوعة للإيجاب من حيث الخصوصية نعم يقتضي ظهورها فيه عند الإطلاق و هو كذلك كما مر احتج من قال بأنه حقيقة في الندب بقوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم حيث رد الأمر إلى مشيتنا و هو معنى الندب و بأن أهل اللغة قالوا لا فارق بين الأمر و السؤال إلا الرتبة و السؤال لا يدل إلا على الندب فيلزم أن لا يدل الأمر إلا عليه لئلا يبطل حصر الفرق و أجيب عن الأول بالمنع من رده إلى مشيتنا بل إلى استطاعتنا فيفيد الوجوب و فيه نظر لأن الرد إلى الاستطاعة لا دلالة له على كون الأمر للوجوب إلا إذا ثبت أن قوله فأتوا للوجوب و هو يفضي إلى الدور بل الصواب أن يقال فلا يفيد الندب أقول و لو سلم أن الاستطاعة حقيقة في المشية أيضا فكلمة ما في الرواية إما أن تكون وقتية أو موصولة أو موصوفة و على التقديرين الأخيرين إما أن يراد بها الفرد أو الجزء و على التقادير إما أن يكون المراد بالاستطاعة القدرة أو المشية فالاحتمالات عشرة و إن كان صدر الرواية كما سنذكره في‏

مبحث التكرار لا يلائم البعض و الاستدلال إنما يتم على الاحتمال الأول و الأخير من الاحتمال الأخير و هو معارض بغيره سلمنا لكن غاية ما تقتضيه الرواية كون الأمر للندب و هو غير الصيغة سلمنا لكنه إنما تقتضي كون أمره (عليه السلام) للندب و لا يقتضي كونه حقيقة فيه حتى يثبت في أمر غيره مع أن سند الرواية غير معتبر فلا يصح الاعتماد عليه و عن الثاني بأن من قال بأن الأمر يدل على الإيجاب قال بأن السؤال يدل عليه أيضا لأن صيغة افعل عنده موضوعة لطلب الفعل مع المنع من الترك لكن الإيجاب في الثاني لا يستلزم الوجوب لأنه إنما يثبت بالشرع و لهذا لا يلزم المسئول القبول و اعترض عليه أولا بأن الإيجاب و الوجوب متلازمان فدلالة السؤال على الإيجاب يستلزم دلالته على الوجوب و عدم دلالته على الوجوب يستلزم عدم دلالته على الإيجاب ففي إثبات أحدهما و نفي الآخر تدافع و ثانيا بأن المقصود دلالة الصيغة على الوجوب لغة فدعوى عدم ثبوته بغير الشرع مما لا وجه له و الجواب أما عن الأول فبأن مراد المجيب بالإيجاب طلب الفعل مع المنع من الترك بقرينة تفسيره بعد ذلك به و بالوجوب كون الفعل بحيث يستحق فاعله الثواب و تاركه العقاب بقرينة تخصيص ثبوته بالشرع و لا ملازمة بين الإيجاب و الوجوب بهذين التفسيرين و إنما الملازمة بين الإيجاب بمعنى طلب الفعل مع المنع من الترك و بين الوجوب بمعنى كون الفعل مطلوب الحصول ممنوع الترك و كذلك الحال بين الإيجاب بمعنى جعل الفعل بحيث يستحق فاعله الثواب و تاركه العقاب و بين الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحق فاعله الثواب و تاركه العقاب و أما عن الثاني فبأن المقصود بيان أن الأمر للوجوب شرعا بحسب وضعه لغة فإن الأمر إذا كان موضوعا لغة لطلب الفعل مع المنع من الترك فإذا صدر عن الشارع دل على وجوب الفعل لترتب الذم و العقاب على مخالفة منع الشارع نعم يرد على المجيب أن تخصيص الوجوب‏

68

بالشرع لا وجه له و لعله مبني على مقالة الأشاعرة و أجاب عنه في المعالم بأن النقل المذكور غير ثابت عن أهل اللغة بل صرح بعضهم بخلافه و لا يخفى ما فيه إذ التزام تعدد وضع الأمر بالنسبة إلى العالي و غيره مما يأبى عنه الذوق السليم هذا و الظاهر أن أهل اللغة أرادوا بالأمر و السؤال لفظهما لا صيغة افعل و نظائره صادرة من العالي و غيره إذ ليس شأن اللغويين إلا بيان المواد فلا يكون لما نقل عنهم تعلق بمحل البحث احتج السيد على اشتراكها لغة بين الوجوب و الندب باستعمالها في كل منهما و الأصل في الاستعمال الحقيقة و على كونه حقيقة في الوجوب فقط في عرف الشرع حمل الصحابة و التابعين أوامر الكتاب و السنة عليه من غير نكير فيهم ثم ادعى إجماع الإمامية على ذلك و جعل نزاعهم في المقام في تعيين المعنى اللغوي فقط و الجواب أما عن الأول فبما حققناه سابقا من أن المجاز أولى من الاشتراك على أنا قد بينا في المقام ما يوجب الخروج عن الأصل المذكور على تقدير صحته و أما عن الثاني فبأن حملهم إياها على الوجوب لا يقتضي أن تكون موضوعة للوجوب بخصوصه على ما عرفت‏

تذنيب‏

استشكل بعض متأخري أصحابنا في الحكم بوجوب شي‏ء بمجرد ورود الأمر به في أحاديثنا المروية عن الأئمة (عليهم السلام) نظرا إلى شيوع استعماله في عرفهم في الندب حتى صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها الحقيقة و هذا الإشكال ضعيف لأن المجاز لا يكافئ الحقيقة بمجرد الاشتهار و لا سيما إذا كان الاشتهار بالقرينة فإن الوضع يرجح الحقيقة و القرينة توهن أثر الشهرة و شهرة استعمال الأمر في الندب في الأخبار المأثورة على تقدير ثبوتها مما لا جدوى فيه ما لم يثبت الاشتهار بحسب الواقع و هو غير واضح لجواز عدم نقل جميع الأوامر الإيجابية إلينا بل الاهتمام بشأن الواجبات يقتضي تكرر الأمر في شأنها أضعاف ما ورد في المندوبات سلمنا لكن استعمال الأمر في الندب بدون قرينة مصحوبة غير ثابت و لو ثبت فنادر جدا و عدم النقل في بعض الموارد لا يقضي بالعدم لجواز الاستغناء عنها بضرورة أو إجماع أو نحوهما و مما يدل على أن الشهرة المذكورة بعد تسليمها ليست بحيث توجب القدح في دلالة الأمر على الوجوب أنا لم نقف في أصحاب الحديث و الفقهاء على من يستشكل في دلالة الأمر على الوجوب مع كونهم من أهل اللسان و وقوفهم على شهرة استعماله في الندب و قد سمعت الإجماع الذي حكيناه عن السيد على أنا نقول إن كانت الشهرة المذكورة عند هذا القائل بحيث يصلح لأن تكون قرينة صارفة للأمر عن الإيجاب إلى الندب تعين عليه أن يلتزم بحمله على الندب و لا وجه لحكمه بمساواة احتماله لاحتمال الإيجاب و إلا تعين عليه حمله على الإيجاب لأن اللفظ لا يعدل عن معناه الحقيقي ما لم يقم قرينة معينة لإرادة معناه المجازي و مجرد احتمالها غير كاف ما لم يثبت و التحقيق أن القرينة قد توجب التردد و عدم الوثوق بالحقيقة فالوجه المنع من حصول الاشتهار المؤدي إلى ذلك كما تقدم و مما يؤكد ما ذكرناه من عدم قدح الشهرة المذكورة في ظهور الأمر في الوجوب أن التخصيص قد بلغ في الاشتهار إلى حيث قيل فيه ما من عام إلا و قد خص و مع ذلك لا يتوقف القائل المذكور و لا غيره عن المحققين في دلالته على العموم عند عدم المخصص فاتضح أن مجرد الاشتهار لا ينهض قرينة على المجاز و لا موجب لمكافأته مع الحقيقة ما لم يكن بحيث يساعد عليه طباع أهل الاستعمال و مما قررناه يظهر ضعف الإشكال على الوجه الذي قررناه في الأمر أيضا

تنبيهات‏

الأول [الامر و الارادة]

مفاد الأمر فرد من الطلب أو الإلزام يوقعه الآمر و الطلب عند التحقيق نفس إرادة الفعل من الغير و الإلزام نوع منه هذا هو المعروف بين أصحابنا و ذهبت الأشاعرة إلى أنه يغاير الإرادة و قد يفارقها و ربما ساعدهم بعض المتأخرين على الأول و خالفهم في الثاني لنا أن الضرورة قاضية بعدم الفرق في محصل المعنى بين قولنا أريد منك كذا و بين قولنا أطلب منك كذا أو افعل كذا و المنازع في ذلك مكابر لا يلتفت إليه و إنما قلنا في محصل المعنى لأن أريد و أطلب يدلان على مفهوم الإرادة الكلية الملحوظة على الاستقلال و صيغة الأمر إنما تدل على ذلك باعتبار كونه آلة لملاحظة حال المادة كما هو الشأن في دلالة الأفعال على ما عدا معانيها الحدثية كالزمان و النسبة لكن ذلك لا يوجب الفرق في محصل المعنى احتجت الأشاعرة بأن الآمر قد يريد إظهار عذره في عدم طاعة المأمور فيأمره و لا يريد وقوعه منه لمنافاته لغرضه و بصحة قولنا أريد منك الفعل و لا آمرك به و بأنه تعالى أمر الكافر بالإيمان و لم يرده منه لامتناعه في حقه و الجواب عن الأول أن الأمر هناك ليس أمرا حقيقيا بل أمر صوري و الاختبار المقصود يتحقق به أيضا حيث إن المأمور لا علم له بحقيقة الأمر و لهذا يرى أن الآمر يحافظ على عدم اطلاع المأمور على حقيقة الحال لئلا ينتفي غرضه و كما يصح أن يقول حينئذ افعل كذلك يصح أن يقول أريد أو أطلب منك من غير فرق هذا و التحقيق أن الأمر هناك أمر حقيقي و اطلاع المأمور على غرض الآمر لا أثر له و وجهه أن مدلول الأمر إرادة إيقاعية أي إرادة ينشؤها الآمر و يحدثها و مرجعها إلى إرادة وقوع الفعل من المكلف و هي تغاير إرادة وقوعه منه و الفرق أن الظرف متعلق في الأول بالإرادة و في الثاني بالوقوع و جواز انفكاك إحداهما عن الأخرى و اختلاف مصالحهما أمر معلوم بالوجدان فإنا كثيرا ما نريد صدور الفعل من شخص و لا نريده منه و كذا الحال في العكس فليتأمل فإن فيه نوع غموض و خفاء و عن الثاني أن إثبات الإرادة دليل على أن المراد بنفي الأمر نفي الإلزام كما هو الظاهر منه أو مبني على ما حققناه آنفا و عن الثالث أن الممتنع باختيار المكلف مما يصح إرادته منه و التكليف به مع بقاء اختياره فيه كالواجب بالاختيار و إنما المستحيل إرادة ما امتنع أو وجب بغيره أو ما خرج عن الاختيار و يمكن تقرير الدليل بوجه آخر و هو أنه تعالى لم يرد إيمان الكافر و إلا لآمن لامتناع تخلف إرادته عن مقتضاها قال الله تعالى و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا و مع ذلك فقد أمره بالإيمان فيكون الأمر غير الإرادة و الجواب أن الإرادة على قسمين إرادة تكوينية و إرادة تكليفية و ما يمتنع تخلفه عن مقتضاه إنما هو إرادته بالمعنى الأول و هو المراد بالمشية في الآية دون الثاني و تحقيق ذلك أن الإرادة التكوينية راجعة إلى إيجاد الشي‏ء أو إيجاب أسبابه الموجبة له و لو بواسطة اختيار العبد و إرادته تعالى بهذا المعنى مما يمتنع تخلفه عن مراده و لو بواسطة اختيار العبد

69

و الإرادة التكليفية راجعة إلى الرضا بالفعل و محبوبيته كما أشار إليه تعالى بقوله و إن تشكروا يرضه لكم و إرادته تعالى بهذا المعنى يجوز تخلفها عن المراد و سيأتي ما يتضح به ذلك في مبحث القبح و الحسن إن شاء الله و العجب أن من خالفهم في إثبات الملازمة وافقهم في نفي الاتحاد على الاحتجاج بالحجة الأولى و هي كما ترى لو تمت لدلت على نفي الملازمة أيضا ثم إن الأشاعرة نفوا كون مدلول الأمر نفس الإرادة و لم يتبينوا له معنى فأورد عليهم بلزوم وضع الظاهر بإزاء المضمر و ربما فسره من وافقهم بأنه نوع من الميل و هو غير واضح ثم اعلم أن الفرق بين الوجوب و الإيجاب و اللزوم و الإلزام اعتباري فإن الصادر من الآمر أمر واحد إن قيس إليه باعتبار صدوره عنه كان إيجابا و إلزاما و إن قيس إلى الفعل باعتبار قيامه به كان وجوبا و لزوما فهما متحدان ذاتا و متغايران اعتبارا و ليس في قولك أوجبته فوجب دلالة على المغايرة الذاتية لجواز ترتب الشي‏ء باعتبار على نفسه و باعتبار على آخر و مرجعه إلى ترتب أحد الاعتبارين على الآخر و لا ينافي ذلك كون الإيجاب من مقولة الفعل و الوجوب من مقولة الانفعال و كون المنقولات متباينة لأنا لا نريد اتحاد الفعل مع الانفعال كيف و الأول قائم بالفاعل أعني الموجب و الثاني قائم بالفعل أعني الواجب و تغاير الموصوفين قاض بتغاير الوصفين و إنما نريد اتحاد المورد أعني ما انتزع منه الاعتباران مقيسا إلى غيره و كذلك الحال في الإيجاد و الوجود و التأثير و الأثر و لهذا قد ينعدم الاعتبار الأول فيبقى الاعتبار الثاني كما في كثير من التأثيرات الإعدادية

الثاني [الامر و مدلوله‏]

صيغة الأمر كاشفة عن مدلولها باعتبار دلالتها عليه على حد كشف سائر المركبات عن معانيها و مصححة لتحققه في الخارج باعتبار دلالتها عليه نظرا إلى امتناع التكليف بدون الإعلام و الإفهام و هما متغايران بحسب الزمان و أما بحسب الرتبة فالدلالة تتوقف على المدلول و هو ظاهر و لا يتوقف المدلول عليها بل يستلزمها بمعنى أنه لا يصح وقوعه في الخارج بدونها فيندفع الدور و التحقيق في دفعه أن يقال مدلول الأمر إرادة أو إلزام معلق تعلقه بالمكلف على علمه به ضرورة أن العلم من شرائط التكليف فمتى حصل العلم و لو بعد مضي زمن حال الخطاب تعلق الإلزام به على حد سائر الشرائط التي تعتبر فيه فالدلالة تتوقف على وجود المدلول و وجوده لا يتوقف على وجود الدلالة و إنما يتوقف فعليته في حق المكلف على العلم بها بهذا و مما قررنا يظهر أن الصيغة كما تكشف عن مدلول الأمر و تحققه كذلك يجوز أن يكشف عنه غيرها كالإجماع و العقل و أن تكرر الأمر للتأكيد لا يصيره مجازا كما سبق إلى بعض الأوهام حيث زعم أنه موضوع لإنشاء الطلب و إيقاعه فحيث تأتي للتأكيد لا يكون المقصود به ذلك و إلا لكان تحصيلا للحاصل فيكون مجازا لوقوعه مستعملا في غير ما وضع له و وجه دفعه أن الأمر موضوع بإزاء المعنى الذي أنشأه المتكلم في نفسه من إرادة الفعل أو الإلزام به كما يرشد إليه التبادر و اقتضاؤه وقوع الطلب به من توابعه المترتبة عليه عند عدم سبق علم المكلف به و ليس الوضع بإزائه‏

الثالث [الامر و قصد الامتثال‏]

الأمر بالفعل مطلقا هل يقتضي مطلوبيته مطلقا أو بقصد الامتثال وجهان بل قولان أقواهما الأول و يدل عليه بعد مساعدة إطلاق اللفظ عليه القطع بأن العبد المأمور بشراء اللحم مطلقا مثلا إذا أتى به لا لأمر المولى لم يعد عاصيا لمخالفة الأمر و لا يجب عليه الإتيان به ثانيا لأمره بل كان ما أتى به نفس الواجب و عين المطلوب بشهادة العقل و العرف نعم لا يترتب على فعله حينئذ مدح و لا ثواب نظرا إلى عدم قصده الامتثال به و لا ملازمة بين فعل الواجب و بين ترتب ذلك عليه و هذا واضح و يعرف بمقايسة الحال في النهي فإن المطلوب في النواهي المطلقة نفس الترك و إن تجرد عن قصد الامتثال و يتوقف ترتب المدح و الثواب عليه على قصده به هذا كله في الأمر الإيجابي أما الأمر الندبي فإن دل دليل على ترتب الثواب على مورده مطلقا كما دل عليه في بعض الواجبات كالإيمان و النية أو على كراهة تركه من حيث إيجابه لمنقصة دينية أو دنيوية موجبة لمنقصة دينية أو لخوفها لم يلزم أن يعتبر في استحبابه وقوعه بنية القربة و لا دلالة للأمر أيضا عليه و إلا لزم فيه ذلك لانتفاء رجحانه على تقدير عدم القربة و الفرق بينه و بين الواجب أن الواجب يترتب على تركه استحقاق العقوبة الموجب لمرجوحيته المستلزمة لرجحان الفعل مطلقا قضاء لحق المقابلة بخلاف المندوب الذي لا ثواب في فعله بدون القربة و لا كراهة في تركه فإنه لا رجحان في فعله بدون القربة أصلا فيتعين أن يكون استحبابه مقصورا على تقدير قصد القربة به لرجحانه حينئذ باعتبار ترتب الثواب عليه و مما حققنا يتبين أن ترك المندوب لا يستلزم الكراهة و إن استلزم المرجوحية لقضاء المقابلة به هذا و يمكن أن يوجه الوجه الثاني بأن الآمر إما أن يقصد إلزام المأمور بالفعل له أو لا له إذ لا مخرج عنهما و الثاني باطل ضرورة أن قول القائل افعل لا لي قبيح عرفا و عقلا بل ربما يعد من قبيل الإلزام بالمحال فيتعين إرادة الأول و هو المطلوب و حينئذ فلا بد من ارتكاب التأويل فيما لا يعتبر في براءة الذمة منه إلى قصد الامتثال بجعل إلزامه فيه على تقدير عدمه من باب الإسقاط و جوابه أن المطلوب في الأمر المطلق حصول الفعل مجردا عن القيدين أي من غير اعتبار شي‏ء منهما و عدم كونه مجردا عنهما في الواقع لا يستلزم أن يكون معتبرا في تعلق الطلب بالفعل و قبح التكليف به مقيدا على تقدير تسليمه لا يوجب قبحه مطلقا فإن قبح التكليف في الفرض المذكور إنما هو من حيث كون التكليف مقيدا لا من حيث كون الفعل مقيدا إذ لا استحالة في إتيان الفعل لا بقصد الامتثال و إنما يستحيل تخصيص التكليف به إن تم مما يناظر المقام في عدم جواز التكليف به مقيدا و جوازه مطلقا الواجب الذي يمكن التوصل إليه بمقدمة جائزة و مقدمة محرمة فإن التكليف به مطلقا جائز و مقيدا بالتوصل إليه بالمقدمة المحرمة قبيح هذا مع أن دعوى عدم جواز أمر الآمر بالإتيان لغيره في محل المنع كما يدل عليه وجوب الأمر بالعبادات الواجبة و الحث عليها و وجهه أن المأمور متمكن من إحداث الدعاوي الإلهية في نفسه فيصح أن يأمر بتحصيلها و احتج العلامة على القول‏

70

الثاني بقوله تعالى و ما أمروا إلا ليعبدوا اللَّه مخلصين له الدين و الاستدلال به إما من حيث إن العبادة لا تتحقق إلا بقصد الامتثال أو من حيث إن الدين عبارة عن مجموع العقائد و الأعمال الشرعية و الإخلاص بها لا يتم إلا بقصد الامتثال و برواية إنما الأعمال بالنيات حيث يدل على اعتبار النية في كل عمل و منه فعل الواجب و في معناها رواية لا عمل إلا بنية و قد يستدل أيضا بقوله تعالى أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول حيث إن الإطاعة لا تصدق إلا عند قصد الامتثال و برواية إنما لكل امرئ ما نوى و هذه الوجوه لو تمت لدلت على اعتبار قصد الامتثال شرعا فيما تعلق به أمر الشارع بالأصالة و بالعرض فيقيد بها الأوامر المطلقة حيث لا دليل على خلافه لكنها موضع نظر أما الأول فلأن الآية إنما تقتضي أن يكون السبب الداعي إلى الأمر حصول التعبد و وقوعه و ذلك أعم من حصوله به أولا كما في الأمر بالصلاة أو بواسطة كما في الأمر بمقدماتها للفرق بين قولنا ما أمروا إلا بالعبادة و بين ما أمروا إلا للعبادة فإن الأول يقتضي حصر المأمور به في العبادة دون الثاني فلا يكون لها دلالة على وجوب قصد التعبد في كل ما أمر به إلا على تقدير العلم بأن لا مدخل لمجرد وقوعه في عبادة و لو مدخلية خفية و هذا على تقدير حصوله نادر جدا مع أن الظاهر من سياقها أنها قصر إفراد وردت ردا على الكفار حيث زعموا أنهم و مأمورون بعبادة غيره تعالى أيضا و التقدير و ما أمروا العبادة إلا لعبادته تعالى ثم أكد ذلك بذكر الإخلاص في الدين و هو ما يدان اللَّه به و يعبد فلا يكون فيها شهادة على المدعى للمنع من كون المطلوب في الأوامر المطلقة عبادة و حمل الدين على ما يتناول الأعمال بعيد و دعوى الحقيقة الشرعية فيه غير ثابتة و إطلاقه عليها في بعض الموارد على تقدير ثبوته لا يصلح قرينة على إرادتها منه حيث لم يثبت فلأن تمسك بأن الظاهر من القصر أن يكون حقيقيا فلا يعدل عنه إلى الإضافي من غير دليل لتوجه عليه بلزوم التخصيص على تقديره إذ كثيرا من الواجبات مما لا يعتبر فيها قصد القربة اتفاقا و رجحان التخصيص على غيره من أنواع الخروج عن الظاهر على إطلاقه ممنوع لا سيما بعد مساعدة السياق على ما ذكرناه من الحمل على القصر الإفرادي و مع التنزل فلا أقل من تساوي الاحتمالين فيسقط الاستدلال و أما الثاني فلأن المتبادر من الأعمال في الرواية إنما هو العبادات و لو سلم فسلامة سندها غير معلومة و لا جابر لها في غير ما ذكر فيتعين الاقتصار عليه على أنا نقول إنما يدل الرواية على أن العمل لا يكون عملا إلا بنية فيدل على عدم الاعتداد بعمل الغافل و الساهي و المكره و ناوي الخلاف حتى في العقود و الإيقاعات و شبهها و لا دلالة فيها على أنه لا يكون عملا إلا بنية التقرب إذ لا شاهد فيها على هذا التقييد فلا يكون لها دلالة على المتنازع فيه فإن قلت لا يسقط التكليف بالمأمور به إلا بموافقة أمره و هو عمل فلا يكون إلا بنية قلت العمل إنما هو نفس الفعل و أما موافقته للأمر فهي من لوازمه على تقدير إطلاق الأمر و ليست بعمل و أما عن الثالث فبأن الأمر بالإطاعة مطلق و لا يتناول كل أمر و القطع بعدم إرادة إيجاد الإطاعة في الجملة و لو في ضمن أمر لا يقتضي القطع بإرادة إيجادها في ضمن كل أمر حتى في مورد النزاع و أما عن الرابع فلما مر في الوجه الثاني فإن الروايتين متقاربتان في المعنى‏

فصل اختلف القائلون بأن الأمر للوجوب فيما إذا ورد عقيب الحظر

فالأكثر على أنه حينئذ للإباحة و قيل بل للوجوب و قيل إن علق الأمر بزوال علة عروض النهي كان كما قبل النهي قال العضدي بعد نقله و هو غير بعيد ثم الظاهر من الحظر في كلامهم هو النهي النفسي و حمله على ما يتناول النهي التنزيهي و الغيري بعيد لا سيما الأول نعم لا يبعد إلحاقهما به لا سيما الثاني و في حكم سبق الخص كون المقام مظنة له أو سبق ظن المخاطب أو وهمه و لا بد في كل ذلك من اعتبار كون مساق الأمر لبيان رفع النهي أو لتأكيد ما دل عليه بحيث يستفاد ذلك منه و لو ظهورا بالفحوى و ينبغي حمل كلماتهم عليه ثم يرجع النزاع إلى أن سبق الحظر أو توهمه هل يصلح قرينة لإرادة الإباحة به أو لا و من توهم أن النزاع في تعيين ما وضع له الأمر حينئذ فقد سها سهوا بينا و التحقيق عندي أن حكم الشي‏ء قبل الحظر إن كان وجوبا أو ندبا كان الأمر الوارد بعده ظاهرا فيه فيدل على عود الحكم السابق و إن كان غير ذلك كان ظاهرا في الإباحة كما ذهب إليه الأكثرين و على هذا فلا حاجة لنا إلى تخصيص الدعوى بغير الأمر بالعبادة و يلزم القائلين بالإباحة مطلقا ذلك لأن إباحة العبادة غير معقولة لنا على ما ذكرناه في المقامين مساعدة العرف و الاستعمال عليه كما يظهر بالرجوع إلى ما يتفق من موارده في العرف و سيأتي التنبيه على بعض أمثلته مع أن ذلك هو الغالب في الأوامر الشرعية الواردة عقيب الخطر كما يشهد به الفحص و الاختبار فيتعين حمل مواضع الشك من الموارد النادرة على تقدير ثبوتها عليه فمن موارد القسم الأول قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين و أمر الحائض بالصلاة و الصوم بعد ما نهيت عنها و من القسم الثاني قوله تعالى و إذا حللتم فاصطادوا فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فإذا تطهرن فأتوهن و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها إلى غير ذلك فتعين حمل مواضع الشك من الموارد النادرة على تقدير ثبوتها عليه إلحاقا لها بالأعم الأغلب مع مساعدة الأصل في صورة إرادة الإباحة بل الندب أيضا عليه حجة القول بالإباحة مطلقا تبادرها من الأمر عند ملاحظة سبق الحظر عليه و غلبة استعماله فيها حينئذ في محاورات الشرع فيلحق به مواضع الشك و أورد عليه النقض بقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين و بأمر الحائض بالصوم و الصلاة وجوبا بعد ما نهيت عنهما فأجيب بأنه شاذ فلا يقدح في ظهور الإباحة و غلبتها و ضعفه ظاهر مما قدمنا و احتج بعضهم بأن ضدية الإباحة للحرمة توجب تبادرها من الأمر المسبوق بالحظر و ليس بشي‏ء لأن الأحكام الخمسة كلها متشاركة في الضدية احتج القائلون بالوجوب مطلقا أولا بجواز تصريح الأمر حينئذ بالوجوب فلو كان وقوعه عقيب الحظر منافيا لذلك لما جاز و الجواب أن المقصود ظهور الأمر في غير الوجوب بالنسبة إلى موارده بالنظر إلى القرينة الظاهرية و ذلك لا ينافي جواز التصريح بالخلاف و ثانيا بأن قول‏

71

المولى بعده اخرج من المحبس إلى المكتب ظاهر في الوجوب مع سبق الحظر من الخروج عليه و الجواب أن الحظر عن الخروج إن كان بعد الأمر بالذهاب إلى المكتب فلا نزاع لنا فيه كما عرفت و إن كان بدونه فلا خفاء في أنا إنما نريد كون سبق الحظر في نفسه قرينة صالحة لصرف الأمر عن الوجوب و ذلك لا ينافي قيام قرينة أخرى موجبة لخلافه فإن القرائن الظنية قد تتعارض و فهم الوجوب هناك على تقدير تسليمه مستندا إلى ما سبق العلم به أو ما هو ظاهر الحال من كون الخروج إليه مطلوبا عند عدم ما يمنع منه نظرا إلى أن العادة جارية بالاهتمام بشأنه أو لنحو ذلك و نظيره أوامر الحائك و من يقرب إليه في الصناعة لمن يعمل بين يديه حيث يأمره بالذهاب تارة و بالمجي‏ء أخرى بعد ما ينهاه عنهما و يأمره بالإرسال تارة و بالإمساك أخرى بعد ما ينهى عنهما فإن السر في فهم الإيجاب من تلك الأوامر مع سبق الحظر عليها سبق الأمر عليه مضافا إلى كون المقام مقتضيا لطلب التشاغل بالفعل و نواهيه إنما يكون على قدر الضرورة و الحاجة هذا و أجاب بعض المعاصرين عن الأمر بالخروج بأنه خارج عن محل البحث لأن الكلام فيما إذا اتحد مورد الأمر و النهي إطلاقا و تقييدا و النهي في المثال المذكور متعلق بمطلق الخروج و الأمر بالمقيد منه بالذهاب إلى المكتب فدلالته فيه على الوجوب لا ينافي المقصود هذا ما يظهر من كلامه و ضعفه ظاهر لأن النهي عن المطلق يقتضي النهي عن المقيد فيكون الأمر به عقيب الحظر عنه على أن اشتراط اتحاد المورد من حيث الإطلاق و التقييد يوجب خروج أكثر أمثلة الباب أو كلها منه كما لا يخفى و إن أراد أن النهي في المثال المذكور متعلق بالجزاء أعني الخروج و الأمر متعلق بالمجموع المركب منه و من الذهاب إلى المكتب فيتدافع قضية الجزءين فيرجح جانب الحقيقة فضعفه ظاهر لأن متفاهم أهل العرف و الاستعمال لا يساعد على الفرق أ لا ترى أن المولى إذا قال لعبده لا تأخذ هذه الخمسة ثم قال له خذ العشرة مشيرا إليها و إلى خمسة أخرى أنه لا يفهم منه الوجوب حيث لا يفهم من قوله خذ الخمسة و كذا إذا قال سائل هل يجوز بيع أحد النقدين بالآخر فقيل له بع أحدهما بالآخر و اقبض في المجلس فإنه لا يفهم منه أيضا إلا إباحة البيع على الوجه المذكور و على قياسه الحال في نظائره و من هنا يتضح أن الحكم المذكور لا يختص بالأمر بالشي‏ء بعد الحظر عنه بل يتناول الأمر الوارد في سياق الأمر المذكور أيضا نعم يعتبر أن يكون له تعلق به كما يظهر من المثال المذكور ثم اعلم أن القوم حرروا هذا النزاع على القول بأن الأمر للوجوب و لا يختص به بل يجري على سائر الأقوال في الأمر مما عدا القول بالإباحة أيضا و وجهه ظاهر

فصل الحق أن هيئة الأمر لا دلالة لها على مرة و لا تكرار

وفاقا لجماعة من المحققين و قال قوم بأنها تفيد التكرار إن أمكن و نزلوها منزلة أن يقول افعل أبدا و قال آخرون بأنها تفيد المرة و قيل باشتراكها بين المرة و التكرار و توقف جماعة و هم بين متوقف في الاشتراك و عدمه و بين متوقف في تعيين المرة و التكرار و الظاهر أن نزاعهم في الدلالة الوضعية كما يشير إليه حججهم و هو نص القول بالاشتراك و في الأوامر التي لا يكون في معنى النهي كما ترك و اجتنب فإن الكلام فيهما كالكلام في النهي و إنما حررنا النزاع في الهيئة لنص جماعة عليه و لأن الأكثر حرروا النزاع في الصيغة و هي ظاهرة بل صريحة فيها و لأنه لا كلام في أن المادة و هي المصدر المجرد عن اللام و التنوين لا تدل إلا على الماهية من حيث هي على ما حكى السكاكي وفاقهم عليه و خص نزاعهم في أن اسم الجنس هل يدل على الجنس من حيث هو أو على الفرد المنتشر بغير المصدر و يؤيد ذلك أو يدل عليه عدم احتجاج القائل بالمرة هنا بدلالة المادة عليها مع أن من المواد ما لا نزاع في دلالته على الدوام و استمر ثم هل المراد بالمرة الفرد الواحد و بالتكرار الأفراد أو المراد بها الدفعة الواحدة و بالتكرار الدفعات وجهان استظهر الأول منهما بعض المعاصرين و لم نقف له على مأخذ و التحقيق عندي هو الثاني لمساعدة ظاهر اللفظين عليه فإنه لا يقال لمن ضرب بسوطين دفعة إنه ضرب مرتين أو مكررا بل مرة واحدة على أن القائل بالتكرار يقول بوجوبه مع الإمكان على تقدير أن يكون الأمر للوجوب و لا قائل ظاهرا بوجوب الإتيان بما زاد على الفرد الواحد دفعة إذا تمكن منه و في كلامهم تلويحات إليه كقول القائل بالتكرار هو للتكرار مدة العمران أمكن و قول البعض حكاية عنهم و نزلوها منزلة أن يقول افعل أبدا إلى غير ذلك مع أنهم لو أرادوا بالمرة الفرد لكان الأنسب بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمة للمبحث الآتي من أن الأمر هل يتعلق بالطبيعة أو بالفرد فيقال عند ذلك و على تقدير تعلقه بالفرد هل يقتضي التعلق بالفرد الواحد أو المتعدد أو لا يقتضي شيئا منهما و لم يحتج إلى إفراد كل منهما بالبحث كما فعلوه و أما على ما اخترناه فلا علقة بين المسألتين فإن للقائل بأن الأمر يتعلق بالطبيعة أن يقول بأنه للمرة أو التكرار بمعنى أنه يقتضي وجوب إيجادها مرة واحدة أو مرارا بالمعنى الذي سبق و أن لا يقول بذلك و كذا القائل بأنه يتعلق بالفرد دون الطبيعة إذ ليس المراد به الفرد الواحد بل مطلق الفرد و بهذا يندفع ما أورده المحشي الشيرازي على الحاجبي حيث نفي دلالة الأمر على المرة و التكرار مع قوله بأن الأمر يتعلق بالفرد دون الطبيعة من أنهما لا يتوافقان إذ لا شك أن الجزئي هو الماهية المقيدة بوحدة ما ثم ما أجاب عنه بقوله إلا أن يقال مرادهم من المرة أن لا يكون متكررا مردود بأن ذلك مما لا إشعار به في كلامهم كما ستقف عليه بل أقول على تقدير تفسير المرة بالفرد لا منافاة بين قول الحاجبي أيضا لأن المراد بالمرة حينئذ إنما هو الفرد الواحد كما أن المراد بها على التقدير الآخر الدفعة الواحدة فقوله يتعلق الأمر بالفرد دون الطبيعة لا يقتضي القول بتعلقه بفرد واحد حتى يلتجئ في المقام إلى التزام القول بالمرة بل له أن يقول بها و بالتكرار و أن لا يقول بشي‏ء منهما بأن يجعله لطلب الفرد مجردا عن اعتبار الوصفين كما هو ظاهر مذهبه إذا عرفت هذا فلنا على القول المختار وجوه الأول التبادر فإن المفهوم من الصيغة عند الإطلاق ليس إلا طلب إيجاد الفعل و ظاهر أن المرة و التكرار خارجان عنه و إذا ثبت ذلك عرفا ثبت لغة و شرعا بضميمة أصالة عدم النقل و لا ينافي ذلك عدم انفكاك المطلوب عن أحدهما واقعا على التخيير و البدلية بناء على ما تحققه من أن المطلوب بالأمر

72

إما الوجود الخارجي أو الماهية الخارجية لأن مجرد عدم انفكاك شي‏ء لا يوجب أخذه في وضع اللفظ بإزائه الثاني أن الأمر قد يقيد بالمرة كما يقال افعله مرة و قد يقيد بالتكرار كما يقال افعله مرارا و المقيد بالقيود المتقابلة لا دلالة له على خصوص أحدها و هذا القدر من البيان ضعيف لجواز أن يكون القيد على أحد التقديرين تأكيدا و توضيحا و على الآخر بيانا لإرادة خلاف الظاهر و لو اعتبر مع ذلك تساوي نسبته إلى كل من القيدين بشهادة العرف تم و استقام و قد يتمسك في نفي الأول بأولوية التأسيس على التأكيد و الثاني بأصالة عدم مخالفة الظاهر و هو ضعيف إذ جواز التعويل على مثل ذلك في إثبات الوضع غير ثابت الثالث استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك ثابت و في خصوصية كل من المرة و التكرار و غير ثابت و إنما الثابت إطلاقها على المقيد بهما فيكون بالنسبة إلى القدر المشترك من قبيل متحد المعنى إذ المعنى المشكوك فيه بمنزلة العدم فقضية الأصل أن يكون حقيقة فيه على ما سبق تحقيقه في متحد المعنى الرابع ما ذكره العلامة من أنها تستعمل تارة في المرة و تارة في التكرار فلو كان حقيقة في أحدهما بخصوصه لزم المجاز أو فيهما معا كذلك لزم الاشتراك و هما على خلاف الأصل فيتعين أن يكون للقدر المشترك ليكون الاستعمال فيهما على الحقيقة و هذا الاستدلال عندي غير مستقيم كما مر غير مرة الخامس ما أشار إليه العلامة أيضا و هو ينهض حجة على نفي التكرار فقط و تقريره لو كان الأمر للتكرار لكان كل عبادة ناسخة لما تقدمها و التالي بإطلاقه باطل بالاتفاق بيان الملازمة أن الأمر الثاني يوجب رفع التكرار الذي أفاده الأمر الأول بحسب ما يختص به من زمن الامتثال به فيكون ناسخا له و هو المراد بالتالي و فيه نظر لأن القائل بالتكرار إنما يقول به إذا تمكن المكلف منه عقلا أو شرعا كما حكاه بعضهم و هو الظاهر من إطلاق الإمكان على ما مر في تحرير العنوان و ظاهر أن الأمر الثاني إنما يرفع تمكن المكلف في الزمن المتأخر و لا يرفع الحكم فيه إذ لا ثبوت له مع عدم التمكن حجة من قال بالتكرار وجوه الأول أنها لو لم تكن للتكرار لما تكرر الصوم و الصلاة و قد تكررا و أجيب تارة بمنع الملازمة لجواز أن يكون التكرار ثابتا فيهما بدليل آخر و أخرى بالمعارضة بالحج حيث أمر به و لا تكرار و يمكن أن يعارض أيضا بالصلاة بالنسبة إلى كل وقت من أوقاتها حيث أمر بها فيه و لا تكرار لا يقال يمكن دفع المعارضة بنحو ما مر في الوجه الأول من أن عدم التكرار هناك لعله مستفاد من دليل آخر لأنا نقول لا يستقيم الاستدلال بمجرد منع ما يوجب القدح فيه بخلاف منع بعض مقدماته فإنه يوجب القدح في الاستدلال قطعا الثاني أن النهي يقتضي التكرار و الأمر يشاركه في الدلالة على الطلب فيكون أيضا كذلك و أجيب عنه أولا بأنه قياس في اللغة و هو باطل كما مر و ثانيا ببيان الفارق و ذلك من وجهين الأول أن النهي يقتضي انتفاء الحقيقة و ذلك لا يكون إلا بانتفائها في جميع الأوقات و الأمر يقتضي إيجادها و هو يحصل و لو في ضمن المرة و يمكن دفعه بأن دلالة النهي على انتفاء الحقيقة في جميع الأوقات ليس من جهة أن انتفاء الحقيقة لا يكون إلا عند انتفائها كذلك لأن انتفاء الحقيقة كما يكون عند انتفائها في جميع الأوقات كذلك يكون عند انتفائها في بعض الأوقات فالفرق ممنوع و هنا كلام يأتي ذكره في مبحث النهي الثاني أن التكرار في الأمر مانع من فعل غير المأمور به بخلاف النهي فإن الترك يجامع غيره من الأفعال و أورد عليه بأن القائل بالتكرار لا يقول به حيث منع مما يلزم فعله شرعا أو عقلا لانتفاء التمكن الشرعي أو العقلي في ذلك و قد اعتبره فيه و هذا الإيراد مما لا مساس له بكلام المجيب إذ ليس فيه ما يقتضي تخصيص دعوى مانعية التكرار بما يلزم فعله شرعا أو عقلا و إنما أراد أن تكرار فعل المأمور به ينافي غيره من الأفعال بخلاف تكرار ترك المنهي عنه فإنه يجتمع مع غيره من الأفعال و جعل هذا فارقا بين الأمر و النهي و ليس في اعتبار التمكن ما ينافي ذلك نعم ينبغي تنزيل كلامه على إرادة الغالب لأن تكرار فعل المأمور به قد لا ينافي لغيره من الأفعال كما في الأمر بالسكوت و تكرار ترك الفعل المنهي عنه قد ينافي لبعض الأفعال كما في النهي عن مقدمة الفعل‏

التعينية و يمكن الجواب أيضا بأن النهي لا دلالة له على التكرار بل على الاستمرار و هو غير التكرار إلا أن يقال المراد بالتكرار استمرار الاشتغال بفعل المأمور به أو يقال إذا دل النهي على الاستمرار كان القياس أن يدل الأمر عليه أيضا فإذا تعذر دلالته عليه ناسب أن يدل على التكرار لأن التكرار في الفعل بمنزلة الاستمرار في الترك لكن الوجه الثاني استحسان في قياس و قد مر أنه لا تعويل عليه في مباحث الألفاظ الثالث أن الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده و النهي يقتضي دوام الترك فيلزم منه تكرار المأمور به و الجواب أن النهي عن الضد إنما يكون على حسب ما يقتضيه الأمر لأنه تابع له فإذا لم يدل الأمر على التكرار فمن أين يدل النهي على دوام ترك الضد إذ الفرع لا يزيد على أصله و اعلم أنه ينبغي حمل الضد في كلام المستدل على إرادة الترك إذ لو حمل على إرادة الأضداد الوجودية فهو مع توقفه على القول بالاقتضاء لا يقتضي وجوب التكرار و إن اقتضى وقوعه لأنه حينئذ من جملة المقارنات كما سيأتي في دفع شبهة الكعبي احتج من قال بالمرة بأن السيد إذا قال لعبده ادخل النار فدخلها مرة عد ممتثلا عرفا و ذلك آية كونه حقيقة في المرة و الجواب أن ذلك لا يقتضي كونها حقيقة في المرة بخصوصها و إنما يقتضي ظهورها فيها عند الإطلاق و نحن لا نتحاشى عن ذلك و لهذا لو قال ادخلها مرتين أو مرارا لم يكن فيه تجوز أصلا و دعوى مغايرة وضعه مطلقا لوضعه مقيدا مع مخالفتها للأصل مخالفة لما يشهد به الذوق و الوجدان هذا و المعروف بينهم في الجواب أنه إنما يعد ممتثلا لإيجاد الطبيعة لا لكون المأتي به مرة لأن الأمر ليس للمرة كما أنه ليس للتكرار بل للقدر المشترك و يحصل في ضمنهما و هذا الجواب لا يستقيم على أصلنا الآتي من أن المطلوب بالأمر إما الوجود الخارجي أو الماهية الخارجية فإن ذلك يوجب مطلوبية المرة عند عدم مطلوبية التكرار قال العضدي بعد ذكر الجواب المذكور و لو لا ذلك لما امتثل بالتكرار و اعترض عليه بعضهم بأنه في حيز المنع فإن المرة يحصل في ضمن التكرار يعني يجوز أن يتمثل بالتكرار باعتبار ما يتضمنه من المرة كما أنه يمتثل به على القول الآخر باعتبار ما يتضمنه من الطبيعة ثم قال اللهم إلا أن يراد بالمرة لزوم الاقتصار على المرة الواحدة

73

حتى يكون في الإتيان بها مرتين أو أكثر مخالفة للأمر و هذا الاعتراض بجوابه مع أصل التعليل فاسد أما فساد الاعتراض فلأن مقصود العضدي حصول الامتثال بالمرة الثانية و الثالثة فما زاد و هذا على القول بالمرة غير متجه و ما زعمه المحشي الشيرازي في دفع ذلك من أن القائل بالمرة يريد بها الطبيعة المقيدة بالوحدة المطلقة فيصدق على المأتي به ثانيا فما زاد أنه طبيعة مقيدة بالوحدة المطلقة كما يصدق عليه أنه طبيعة فالفرق بينهما في حصول الامتثال تحكم ضعيف إذ ليس المفهوم من المرة ما ذكره بل الطبيعة المقيدة بمرة شخصية أي المرة الصادقة على آحاد المرات على البدل و ما تأوله به تعسف ظاهر و أما فساد الجواب فلأن القائل بالمرة لم يزد على اعتبارها شيئا و ليس في ذلك دلالة على اعتبار النهي عما زاد عنها بل و لا عدم مطلوبية الزائد اللهم إلا إذا كان ممن يقول بحجية مفهوم القيد مطلقا فيلزمه الالتزام بالثاني و أما فساد التعليل فسيأتي بيانه احتج القائل بالاشتراك بوجهين الأول وقوع الاستعمال في كل منهما و قضية الأصل أن يكون حقيقة فيهما و الجواب ما مر من أن الاستعمال أعم من الحقيقة و لو سلم فقد بينا ما يوجب الخروج عنه الثاني حسن الاستفهام عن إرادة المرة و التكرار و ذلك آية الاشتراك و الجواب المنع من ذلك فإن الاستفهام قد يحسن لدفع الاحتمالات المرجوحة أيضا احتج المتوقفون بأنه لو ثبت فإما بالعقل و لا مدخل له فيه و إما بالنقل و هو إما بالآحاد و هي لا تفيد العلم و إما بالتواتر و هو يمنع وقوع الخلاف و قد مر هذا الاستدلال بجوابه‏

تتمة الحق أن تعليق الأمر على الشرط و الصفة بمجرده لا يفيد التكرار

بحسب تكررهما نعم كثيرا ما يستفاد ذلك من أمور خارجة كعموم الشرط أو تبادر العلية التامة من التعليق بحسب مقتضى المقام و هو شائع بل قد يستفاد منه إرادة التكرار ما دام الوصف باقيا أو بمجرد حصول الشرط و إن لم يتكرر لكن كل ذلك خارج عن المبحث و خالفنا في ذلك بعض من وافقنا في الأصل المتقدم على نفي التكرار لنا أن المتبادر من التعليق في المقامين ليس إلا تقييد الطلب و التكرار معنى خارج عنه احتجوا بأنه قد تكرر الأمر في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا و إن كنتم جنبا فاطهروا و الزاني و الزانية فاجلدوا و السارق و السارقة فاقطعوا و قد دل الاستقراء على أن منشأ فهم التكرار منها نفس التعليق و الجواب أنه إن أريد أن الاستقراء دل على أن الدال على التكرار هناك مجرد التعليق فممنوع و إن أريد أنه دل على أن الدال نفس تلك الآيات أو التعليق في الجملة فبعد تسليمه لا يثبت به المقصود لأن التعليق في مثل تلك الموارد يفيد العلية التامة عرفا و قد يستدل على الحكم الثاني بأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية اتفاقا فيجب أن يتكرر الحكم حيثما يتكرر الوصف لامتناع تخلف المعلول عن العلة و الجواب أنهم أرادوا أنه يشعر بالعلية في الجملة لا أنه يشعر بالعلية التامة فحينئذ لا يستحيل الانفكاك سلمنا لكن اطراد هذا الإشعار ممنوع كما ستقف عليه و اعلم أن بعض المعاصرين نقل عنهم الاحتجاج بالاستقراء و قرره بما حاصله أن تتبع الموارد المذكورة و غيرها مما أفاد التعليق فيه التكرار لكثرتها و غلبتها يوجب الظن بإرادة التكرار من التعليق حيث يشك فيه و أجاب بأن الغلبة في الموارد التي تستفاد منها العلية لا يوجب ثبوت الحكم في غيرها و لم نقف على هذا التقرير في كلامهم و كأنه سهو في التقرير السابق‏

تذنيب يشتمل على تنبيهين‏

الأول [صدق الامتثال على تكرار المأمور به‏]

إذا ثبت أن مدلول الأمر إنما هو طلب الحقيقة من غير دلالة على مرة و لا تكرار فإذا أتى المكلف بالفعل مرة و اقتصر عليها فلا ريب في صدق الامتثال و خروجه عن عهدة التكليف بها و لو لم يقتصر عليها فهل يصدق الامتثال على الإتيان بما زاد عليها قيل نعم لوجود الطبيعة المأمور بها فيه فإن الصيغة لما كانت للقدر المشترك بين المرة و التكرار و هو طلب الحقيقة فلا جرم يحصل الامتثال بأيهما وقع على ما يشهد به العرف و فيه نظر لأنه لا ريب في سبق المرة فلا بد من حصول الامتثال بها لكونها أحد الأمرين اللذين فرض حصول الامتثال بأيهما وقع فإذا حصل الامتثال بها لم يبق وجه للامتثال بما زاد عليها إذ الامتثال عقيب الامتثال مع وحدة الطلب غير معقول لأدائه إلى تحصيل الحاصل على أنا نقول حصول الامتثال بما زاد على المرة مبني على تعلق الطلب به إما إيجابا أو ندبا و هو بكلا قسميه باطل أما بطلان تعلق الطلب به إيجابا فلأنه يستلزم عدم الخروج عن عهدة التكليف بالمرة و هو خلاف الفرض لأنه راجع إلى القول بالتكرار و أما بطلان تعلق الطلب به ندبا فلتوقفه على القول بجواز استعمال اللفظ فيما زاد على معنى واحد و هو مع فساده في نفسه لا يصار إليه عند عدم القرينة و لا يذهب عليك أن هذا إنما يتم على القول بأنه حقيقة فيهما أو في أحدهما فقط و أما على القول بأنه حقيقة في القدر المشترك كما هو المختار أمكن اعتبار الإيجاب بالنسبة إلى المرة الأولى و الاستحباب بالنسبة إلى المرات المتأخرة من غير أن يستعمل الأمر في شي‏ء منهما كما لو تعلق بواجب و مندوب نعم يرد عليه المنع من مساعدة العرف على هذا التقدير على هذا التنزيل عند الإطلاق و التجرد عن القرائن كما هو محل البحث و أيضا إذا لم يكن مدلول الأمر عند الإطلاق إلا طلب الحقيقة كما تمسكوا به على نفي المرة و التكرار فمن أين يستفاد وجوب المرة و ندبية ما زاد عليها و هل هذا إلا تهافت هذا إذا فسرت المرة بالدفعة و أما إذا فسرت بالفرد اتجه التفصيل حينئذ بين الإتيان بما زاد على الواحد دفعة و بين الإتيان به على التعاقب فيرد عليه ما ذكرناه على التقدير الثاني دون الأول لأن الطبيعة المأمور بها متحققة في ضمن الجميع كتحققها في ضمن الواحد فلا سبيل إلى تعيينه ثم هذا كله مبني على القول بجواز تعلق الأحكام و المطلوبية بالطبائع من حيث هي كما هو مقالة البعض كالفاضل المعاصر على ما صرح به في غير المقام فإن قلت على هذا القول يكون المطلوب أيضا طبيعة الامتثال لا الفرد الحاصل منه بفعل المرة و إن كان الفرد مطلوبا تبعيا عند أهل هذا القول من باب المقدمة لأن الكلام في المطلوب الأصلي و ظاهر أن طبيعة الامتثال إذا أخذت من حيث هي لم يكن لها تعدد في صورة التكرار حتى يلزم التعاقب مع أن الامتثال عبارة عن موافقة الأمر و مرجعه إلى الإتيان بالمأمور به‏

74

على وجهه فدعوى امتناع التكرار فيه راجعة إلى دعوى امتناعه في فعل المأمور به و هي مصادرة قلت المراد بالامتثال الخروج عن عهدة التكليف بموافقة الأمر و لا ريب في حصول بالمرة الأولى فلا يعقل حصوله بالثانية فما زاد لما مر و لا سبيل إلى نقل الكلام إلى الخروج من حيث إن المطلوب منه على القول المذكور أيضا طبيعة من حيث هي و لا تعدد لها و إن تعدد أفرادها لأنا نتكلم على وقوع الخروج لا على المطلوب منه هذا و أما على ما نحققه من أنها لا تتعلق بالطبائع إلا باعتبار وجودها في الخارج فيمكن توجيه ذلك بأن الطبيعة إذا أخذت بهذا الاعتبار كانت مرددة بين المرة و التكرار بكل من التفسيرين بحيث لا يمكن اعتبار تجريدها حينئذ عنهما فحيث لا دليل على تعيين أحدهما يتعين التخيير بينهما دفعا للترجيح بلا مرجح إلا أن مرجع التخيير على تقدير تفسيرهما بالفرد و الأفراد إلى وجوب الخصوصيات لا على وجه التعين و على تقدير تفسيرهما بالدفعة و الدفعات إلى وجوب ملزومهما لا على وجه التعيين هذا إذا استلزمت الدفعة للفرد و إلا فمرجعه إلى عدم تعيين شي‏ء منهما فيتخير المأمور بينهما فيندفع الإشكالات المتقدمة أما الأول فلأن الامتثال بالمرة إنما يقع حينئذ إذا لم يتعقب التكرار و معه يقع الامتثال به لا بالمرة كما سيأتي نظيره في التخيير بين الأقل و الأكثر و أما الثاني فلأنا نختار أن الأمر يتعلق به إيجابا إن كان للإيجاب و لا يلزم منه القول بالتكرار لأن القائل بالتكرار يريد به تعيين التكرار و يجعل مطلوبية كل واحد على الاستقلال و نحن إنما نقول به على وجه التخيير فيكون مطلوبية كل واحد في صورة التكرار على وجه التبعية و أما الثالث فلأن الدلالة المذكورة غير ناشئة عن نفس الصيغة بل عن اعتبار خارج فلا ينافي ما ذكر من أن مدلول الصيغة ليس إلا طلب الحقيقة و التحقيق أن إطلاق الأمر لا يقتضي إلا مطلوبية فرد واحد لأن تعلق الطلب بالطبيعة باعتبار الخارج على تحقيقنا الآتي يرجع إلى تعلقه بها باعتبار كونها فردا و لا ريب أن أقل المراتب اعتبارها في فرد واحد لا على التعيين دفعا للترجيح بلا مرجح فيبقى الزائد مشكوكا فيه منفيا عنه الحكم بالأصل نعم إذا أتى بما زاد على الواحد دفعة واحدة وقع الجميع على وجه المطلوبية كما يأتي في الواجب المخير مع أن اعتبار التخيير بين الفرد و ما زاد و المرة و التكرار إنما يستقيم إذا اعتبر الفرد و المرة بشرط لا كما مر و ليس في إطلاق الأمر إشعار به نعم لقائل أن يقول بأن الصيغة و إن لم تفد وجوب ما زاد على المرة بحسب الوضع لكن ندعي قيام الحجة على وجوب التكرار و مطلوبيتها و تقرير الحجة من وجهين الأول أن الطبيعة المأمور بها أمر وحداني و قد اتصفت بصفة الوجوب و المطلوبية و قضية الاستصحاب بقائها بعد الإتيان بها مرة إلى أن يتبين زوالها و لا يذهب عليك أن هذا على القول بأن المطلوب بالأمر نفس الطبيعة متجه الورود لأن الأحكام اللاحقة للطبائع من حيث هي لاحقة لأفرادها بالضرورة و لا يرتفع عن البعض إلا بطريق النسخ و أما على ما نختاره من أن المطلوب به الطبيعة باعتبار الخارج فواضح السقوط كما يظهر من بياننا المتقدم الثاني قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم فإن المراد ما دمتم مستطيعين لا الذي استطعتم أو شيئا استطعتم منه سواء فسر بالفرد أو بالقدر بمعنى الأجزاء و ذلك بشهادة ما قبله عليه على ما روي من أنه خطب رسول الله (صلى اللَّه عليه و آله) فقال إن الله كتب عليكم الحج فقام عكاشة و يروى سراقة بن مالك فقال أ في كل عام يا رسول الله فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا فقال ويحك و ما يؤمنك أن أقول نعم و الله لو قلت نعم لوجب و لو وجبت ما استطعتم و لو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتم و إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم إلى أنبيائهم فإذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه لا يقال إذا من أداة الإهمال و التكرار في البعض مما لا كلام فيه و أيضا يختص الحكم المذكور بأوامر الرسول على ما يقتضيه الإسناد و المقصود أعم من ذلك لأنا نقول أما الأول فمدفوع بعد المساعدة على الدعوى بأن المقام قرينة على إرادة العموم و ذلك ظاهر و أما الثاني فيمكن دفعه بأن الظاهر عدم الفرق بين سيرة الرسول و الأئمة (عليهم السلام) في ذلك و بأن أوامرهم‏

كاشفة عن أوامر الرسول فيتبعها حكمها لكن لا يخفى أن الرواية إنما تقتضي ندب التكرار لا وجوبه و إلا لانتفي فائدة التحذير عن السؤال و حمله على قصد عدم تأكد الوجوب بعيد مع عدم مساعدة سندها على إثبات الوجوب غاية ما في الباب أن ينهض دليلا على الاستحباب تسامحا في دليله و في تسرية الحكم المذكور إلى الأوامر الندبية وجه‏

الثاني لا خفاء في ثمرة النزاع‏

بين القول بالمرة و القول بالتكرار و بين القول بالتكرار و القول بالطبيعة بناء على عدم الامتثال بما زاد على المرة مطلقا أو الامتثال به على التخيير أو الاستحباب مع كون الأمر للوجوب و أما إذا كان الأمر للندب و قلنا بندبية التكرار من حيث الآحاد لا من حيث الجملة فلا ثمرة فيه بين القولين و أما القول بالمرة و القول بالطبيعة فالثمرة بينهما ظاهرة بناء على الامتثال بما زاد على المرة و إلا فالثمرة اعتبارية من حيث كون المرة مطلوبة على القول بالمرة من حيث كونها مرة و على القول الآخر باعتبار تحقق الطبيعة في ضمنها و لا فرق في ذلك بين تفسيري البدعة و لا بين تفسيري المرة و ربما يتوهم أنه إن فسرت المرة حينئذ بالفرد ظهرت الثمرة فيما لو أتي بالزائد دفعة واحدة فإنه على القول بالطبيعة تمثيل بالجميع لأن تحقق الطبيعة في ضمن الواحد كتحققها في ضمن الأكثر و حيث لا دليل على تعيين أحدهما يتعين التخيير بينهما و أما على القول بالمرة فإنما يمتثل بأحدهما لا غير و يستخرج بالقرعة إن احتيج إلى التعيين و التحقيق أنه على القول بالمرة يمتثل بالجميع أيضا لامتناع عدم الامتثال للإتيان بالمطلوب على وجهه أو الترجيح لعدم المرجح هذا إذا اعتبرت المرة لا بشرط كما هو الظاهر و أما إذا اعتبرت بشرط لا كما زعمه بعضهم فإن فسرت المرة بالدفعة فإن أريد مجرد نفي مطلوبية الزائد فالثمرة تظهر حينئذ على تقدير تفسير البدعة بإدخال ما علم خروجه من الدين فيحرم التكرار على القول بالمرة دون الطبيعة و أما على التفسير الآخر فلا ثمرة إلا إذا التزم القائل بالطبيعة بالامتثال بالزائد فتظهر الثمرة فيه و إن أريد أن عدم التكرار شرط في مطلوبيته حتى إنه‏

75

لو وقع مكررا امتنع الامتثال مطلقا فالثمرة ظاهرة إذ على القول بالطبيعة يمتثل بالمرة في صورة التكرار بل و بالتكرار أيضا على قول البعض و على القول بالمرة لا يمتثل بالمرة و إن أريد مجرد المنع من التكرار فالثمرة تظهر على تقدير تفسير البدعة بالمعنى المعروف في مستند المنع فإنه على القول بالطبيعة كونه بدعة و على القول بالمرة ظاهر الأمر أيضا و لا خفاء في الثمرة على التفسير الآخر و إن فسرت المرة بالفرد و جي‏ء بالزائد دفعة فلا ثمرة على الاحتمال الأول لتحقق الامتثال على القولين كما نبهنا عليه في الاحتمال الظاهر على هذا القول و على الاحتمالين الأخيرين يمتثل على القول بالطبيعة و لا يمتثل على الاحتمال الأول في المرة لانتفاء الشرط و كذا على الثاني عند من يمنع من اجتماع الأمر و النهي لجهتين و أما على القول بالجواز فيمتثل بالجميع و يعصى به باعتبارين و أما ما قيل من أن المطلوب حينئذ يستخرج بالقرعة فواضح الفساد إذ لا تعلق لذلك حينئذ بمسألة الاجتماع مع أن القرعة إنما تصلح لتعيين ما هو معين في الواقع غير معين في الظاهر و ظاهر أن المقام ليس منه إذ لا تعيين في الواقع للزوم الترجيح بلا مرجح ثم هذا كله إذا فسرت الوحدة بالوحدة الشخصية بالمعنى المتقدم و أما إذا فسرت بالوحدة المطلقة كما زعمه المحشي الشيرازي لم يكن فرق بين القولين مطلقا إلا في الاعتبار إذ الفعل المأتي به في الوقت الثاني كما أنه فرد للطبيعة من حيث هي كذلك فرد للطبيعة من حيث هي كذلك فرد للطبيعة المقيدة بالوحدة المطلقة فإن قلنا بحصول الامتثال به على الأول اتجه القول به على الثاني أيضا و إن منعناه في الأول اتجه المنع في الثاني أيضا هذا محصل الكلام في ثمرة النزاع من حيث المعنى و أما من حيث اللفظ فإن كان القائلون بالمرة و التكرار يجعلونه مجازا في غيره كما هو الظاهر فالثمرة ظاهرة و إن كانوا يجعلونه ظاهرا في ذلك فلا ثمرة من حيث اللفظ لكن القول بالمرة بهذا المعنى يرجع إلى القول بالطبيعة على ما حققناه و أما القائل بالاشتراك و المتوقف فمرجعهما في مقام العمل إلى القول بالمرة و يعرف الثمرة بينهما أو بين سائر الأقوال مما مر

فصل الحق أنه لا دلالة لصيغة الأمر بمجردها على فور و لا على تراخ‏

وفاقا لجماعة من المحققين و خلافا للشيخ و جماعة حيث ذهبوا إلى أنها تقتضي الفور و التعجيل و للسيد حيث جعلها مشتركة بينه و بين التراخي و توقف جماعة و هم بين من يقول إذا بادر لم يقطع بكونه ممتثلا لجواز أن يكون المقصود هو التأخير و بين من يقول إذا بادر كان ممتثلا قطعا و إن أخر لم يقطع بخروجه عن العهدة و موضع النزاع دلالة الأمر باعتبار الصيغة أعني الهيئة كما مر في المبحث السابق و أما باعتبار المادة فلا ريب في أنه قد يقتضي أحدهما و قد لا يقتضيه و لهذا لم يوردوا على المستدلين بالآيتين على الفورية بلزوم الدور و إن أمكن دفعه بتغاير الجهة ثم المراد بالفور إما الزمن الثاني من الخطاب أو أول أزمنة الإمكان و قد وقع التفسيران في تضاعيف كلماتهم و الأول أقرب لفظا و الثاني أوفق اعتبارا و الفرق بينهما ظاهر فإن أول أزمنة الإمكان قد يكون هو الزمن الثاني من الخطاب و قد يكون غيره كما في الأوامر المشروطة بما يتراخى حصوله و كما في الأوامر المطلقة التي أريد بها الفعل بحسب زمن متراخ كما في المستطيع النائي فإن الفورية بالمعنى الأول يمتنع اعتبارها فيهما بخلافها بالمعنى الثاني نعم لو أريد بالخطاب تعلق مؤداه الفعلي انحصر التفارق في القسم الثاني و كيف كان فالمراد بها الفورية العرفية لا العقلية فإن خطابات الشرع إنما ترد على حسب أفهام العرف و يعرف الكلام في التراخي بالمقايسة ثم النزاع إما في الدلالة من حيث الوضع كما يظهر من الحجة المعروفة لمنكري الاقتضاء حيث اقتصروا فيها على نفيه و يرشد إليه القول بالاشتراك أيضا و هذا يتصور تارة بأخذ الفور أو التراخي داخلا في مدلول الصيغة بأن تكون موضوعة للمركب و أخرى يأخذه قيدا لمدلولها خارجا منها فيكون دلالته عليه بالالتزام أو في الدلالة من حيث الظهور كما يرشد إليه القول بالفورية فإنه يبعد جدا التزام كونها مجازا في التراخي و ربما يؤيده إحراز بعضهم قيد الإطلاق في عنوان النزاع حيث حرره في الأمر المطلق فإنه أراد بإطلاقه خلوه عن القرائن المفيدة لتقييده بأحد القيود الثلاثة لا مطلق الإطلاق إذ لا تعلق له بالمقام أو في إثبات الحكم و لو من حيث دليل خارجي كما يرشد إليه استدلالهم بآية المسارعة و الاستباق و بلزوم خروج الواجب عن كونه واجبا و يؤكده عدم تعرض كثير منهم في الجواب عنها بخروج قضيتها على تقدير المساعدة عليها عن محل النزاع فالمثبتون لا تخرج مقالتهم عن أحد هذه الوجوه و أما المنكرون فالظاهر أنهم ينكرون الجميع بدليل إطلاقهم القول بعدم الاقتضاء الشامل للجميع لنا أنه لو اقتضاه فإما أن يقتضيه لفظا أو معنى و التالي بقسميه باطل أما الملازمة فظاهرة و أما بطلان القسم الأول من التالي فلانتفائه بأقسامه الثلاثة أما المطابقة و التضمن فلأن المتبادر من الصيغة ليس إلا طلب الحقيقة و الفور و التراخي خارجان عنه و أما الالتزام فلأنه لا ملازمة بين طلب الفعل و بين طلب إيقاعه فورا أو متراخيا لا عقلا و لا عرفا بدليل صحة تقييده بكل منهما من غير تناقض و لو في الظاهر و لا تكرار و لو على سبيل التأكيد و أما انتفاؤه معنى فلما سنبينه من بطلان ما تمسك به الخصم و عدم ما يصلح له سواه و لنا أيضا أن استعماله في القدر المشترك ثابت و في كل من الخصوصيتين غير ثابت و إنما الثابت إطلاقه على المقيد بهما و قضية الأصل كونه حقيقة فيما ثبت استعماله فيه و أيضا لو كان موضوعا للقدر المشترك كان إطلاقه على كل من الفور و التراخي على الحقيقة من غير اشتراك و لو كان موضوعا لأحد مما لزم المجاز أو الاشتراك المخالفان للأصل و قد مر الاستدلال الأخير بما فيه و اعلم أن هذين الوجهين إنما ينهضان على بعض المقصود من نفي الاقتضاء الوضعي و الوجه الأول على ما حررناه ينهض على تمام المقصود لدلالته على نفي الاقتضاء مطلقا حيث ألحقنا فيه بنفي الاقتضاء اللفظي نفي الاقتضاء المعنوي فإن المراد به ما يعم العقلي و الشرعي و المعروف بينهم ترك هذا الإلحاق و الحجة معه قاصرة عن إفادة المقصود احتج القائلون بالفور بوجوه الأول أن المولى قال لعبده اسقني فأخر السقي عد عاصيا و ليس ذلك إلا لدلالة الصيغة على الفور و الجواب أن القرينة هناك قائمة على إفادة الفور حيث إن العادة تقضي بأن طلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة إليه و الكلام عند فقد القرينة الثاني قوله تعالى مخاطبا لإبليس ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك‏

76

حيث إنه تعالى ذمه على ترك السجود و لو لم يكن الأمر للفور لم يتوجه عليه إذ كان له أن يقول لم تأمرني بالبدار و سوف أسجد و الجواب أنه لم يؤمر بالسجود مطلقا بل في وقت مخصوص و هو إما زمان التسوية بناء على أن إذا ظرف زمان للجزاء كما يراه البصريون و إما زمان متاخم لزمان التسوية على ما تقتضيه الفاء فإنها للتعقيب من غير تراخ و لو سلم أن إذا لمجرد الشرطية أو لتعليق مفاد هيئة الأمر على الإيجاب دون مادته على حصول زمن الشرط و أن الفاء الجزائية لا تفيد التعقيب فلا نسلم أن الفورية قد استفيدت من الأمر لجواز أن تكون قد استفيدت من قرينة حالية أو مقالية مع أنا لا نسلم أن الاستفهام ذم لجواز أن يكون تقريرا على الباعث الثالث قوله تعالى و سارعوا إلى مغفرة من ربكم فإن المراد بالمغفرة ليس حقيقتها لامتناع مسارعة العبد إليها لأنها فعل الله تعالى و هو غير مقدور للعبد بل المراد سببها و هو فعل المأمور به فيدل على وجوب الفور في الإتيان بالمأمور به لما مر من أن الأمر يقتضي الوجوب لا يقال ليس المراد بالمغفرة إلا التوبة دون غيرها من الطاعات و إلا لزم ما ذهب إليه بعض المعتزلة من القول بالحبط و التكفير و أنه باطل عندنا لأنا نقول الحبط و التكفير بالمعنى الذي قال به بعض المعتزلة و قام النص و الإجماع عندنا على بطلانه هو إذهاب كل من الحسنة و السيئة على قدر ما لها من المرتبة ضعفا و قوة للأخرى مع ذهابها على قدر إذهابها و هذا غير المغفرة التي هي عبارة عن تجاوزه تعالى عن ذنوب العبد تفضلا عليه بسبب إقدامه على الطاعة من غير حبط شي‏ء من ثوابه و غير الحبط الذي هو إذهاب بعض الذنوب لجميع الحسنات أو بعضها من غير أن يذهب بذلك شي‏ء من الذنب كالكفر و الحسد فإن هذا لا يعتريه أثر الشك لدلالة الكتاب و السنة عليه فإن قيل هذا الدليل أخص من المدعى من وجهين الأول أنه لا يتناول من لا ذنب له بالأصل أو بالعارض إذ لا يتصور مغفرة في حقه الثاني أنه لا يتناول كل أمر إذ لا دليل على أن امتثال كل أمر يوجب المغفرة قلنا يمكن إتمام القول فيهما بعدم الفارق مضافا في الثاني إلى عموم قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات و لو قرر الاستدلال بقوله تعالى و جنة عرضها السماوات و الأرض كان سالما من الإشكالين و طريق الاستدلال به يعرف مما مر بل الوجه في الجواب منع عموم المغفرة و وجوب البدار إلى البعض كالتوبة مما لا ريب فيه و ما يقال من أن المغفرة وصفت بكونها من الرب و هي من صفات جنسها و النكرة إذا وصفت بصفة الجنس أفادت العموم كما في قوله تعالى و ما من دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه فمدفوع بأن المغفرة لا تختص بكونها من الرب بل قد تكون من العبد أيضا فلا يكون الصفة للجنس على أن فائدة وصف النكرة بصفة الجنس لا تنحصر في إفادة العموم بل قد تكون غيره كإفادة التعظيم و الترغيب فلعل المقام منه و لو سلم أن المراد بها العموم فلا بد من حمل الأمر بالمسارعة على مطلق الطلب و الرجحان لئلا يلزم التخصيص إلى الأفراد النادرة فإن كثيرا من أسباب المغفرة مندوبة و كثيرا مما يجب قد ثبت عدم وجوب فوريتها من الشرع و ظاهر أن حمل الأمر على مطلق الطلب أولى من ارتكاب هذا التخصيص المستبشع على تقدير صحته و تمسك العضدي تبعا للحاجبي في حمل الأمر بالمسارعة على الأفضلية بأنه لو حمل على الوجوب لوجب الفور فلم يكن مسارعا لأنه إنما يتصور في الموسع دون المضيق أ لا ترى أن العبد إذا أمره مولاه بصوم غد فصامه لا يقال إنه سارع في الامتثال و وافقه فيه صاحب المعالم (رحمه الله) إلا أنه تأمل فيه من حيث إن رفع المنافاة الحاصل بين الهيئة و المادة كما يمكن حمل الأمر على الاستحباب كذلك يمكن حمل سارعوا على معنى بادروا فيكون دليلا على الفور قال و لعل الأول أرجح و فيما ذكروه نظر للقطع بأن الآمر إذا أمر بالصوم ثم قال أوجبت المسارعة إليه كان كلامه صحيحا متجها فالمسارعة لا تنافي وجوبها و تحقيق ذلك أن المسارعة إنما تطلق حيث يكون الفعل محتملا للتقديم و التأخير في نفسه و حيث إن الصوم المقيد بكونه في الغدير محتمل لهما لم يصح هناك إطلاق المسارعة بخلاف ما فرضناه فإن الصوم بحسب أمره السابق يحتمل التقديم و التأخير فيصح إيجاب المسارعة إليه و

كذا الكلام في ندبية المسارعة إلى المندوب و ظاهر أن موضع النزاع من القسم الثاني دون الأول فلا يتم البيان فيه سيما على القول ببقاء الطلب بعد ترك المسارعة كما لا يخفى و لو قرر المنافاة بأن في لفظ المسارعة دلالة على أن الفعل المأمور به بحسب ما دل عليه الأمر صالح للتقديم و التأخير إذ لا يصدق فيما عين له وقت مضيق و هو ينافي ما يظهر من القائلين بالفورية من أنها مفاد الصيغة لتوجه عليه بأن ذلك في صورة تعيين لوقت المضيق مسلم و أما في صورة عدم التعيين فلا فيصح أن يكون الأمر بالمسارعة تصريحا بما دل عليه ظاهر الأمر من الفورية بناء على دلالته عليها و لو قلنا بعدم سقوط التكليف بعد التأخير فعدم التنافي أوضح و أما ما تأمل به صاحب المعالم في كلام العضدي و الحاجبي فليس بشي‏ء لأن سارعوا و بادروا بمعنى واحد فالتفرقة بينهما غير معقولة إلا أن يريد به معنى الاستباق فلا يفيد الفورية كما يأتي و مع ذلك يلزم التجوز في الهيئة أيضا إذ لا قائل بوجوبه الرابع قوله تعالى فاستبقوا الخيرات فإن فعل المأمور به من الخيرات فيجب الاستباق إليه و الجواب عنه ما مر في الآية السابقة من أن حمل الأمر على الأفضلية أولى من تخصيص العام إلى الفرد النادر مع أن الظاهر من الاستباق طلب السبق على الغير بل هو معناه وضعا و هو أعم من الفور من وجه و لا قائل بوجوبه من حيث نفسه كما هو مفاد اللفظ فيتعين الحمل على الاستحباب و أجاب الحاجبي و متابعوه بما مر في آية المسارعة من أن وجوب الاستباق ينافي الاستباق فيتعين الحمل على الاستحباب دفعا للتنافي بين المادة و الهيئة و ضعفه ظاهر مما بيناه الخامس لو جاز التأخير لكان إلى وقت معين و التالي منتف فكذا المقدم بيان الملازمة أنه لو لم يكن إلى وقت معين لكان إلى آخر أزمنة الإمكان اتفاقا و هو باطل لأنه غير معلوم للمكلف فيلزم التكليف بالمحال حيث يجب عليه حينئذ أن لا يؤخر الفعل عن وقت لا يعلمه و يمكن بيان ذلك بوجه آخر و هو أنه إذا أخره المكلف و الحال هذه فصادف ما يوجب الفوات فلا يخلو إما أن يعاقب على ترك الواجب أو لا لا سبيل إلى الأول لقبح العقاب على ترك‏

77

المأمور به في وقت لا يعلمه أو مع الرخصة في التأخير و لا إلى الثاني للزوم خروج الواجب عن كونه واجبا إذ ما يثاب على فعله و لا يعاقب على تركه هو المندوب لا يقال لا نسلم حينئذ لزوم خروج الواجب عن كونه واجبا لأن المكلف إن علم بآخر أزمنة الإمكان أو ظنه عوقب على تركه فيه لأنا نقول عدم الخروج حال العلم أو الظن لا يجدي في الخروج حال عدمهما فيبقى المحذور بحاله في بعض الصور و هو ما إذا لم يحصل العلم أو الظن بآخر أزمنة الإمكان و هو كاف في لزوم الإشكال إذ يكفي في فساد حكم لزوم الفساد على بعض تقاديره و أيضا هذا التحديد بظاهره يوجب سقوط التكليف فيهما إذا عصي بالتأخير و انكشف الخلاف لخروج الوقت و التزامه كما وقع عن القاضي ضعيف لأنه تقييد لإطلاق الأوامر من غير دليل فإن قيل المراد وجوب الإتيان بالفعل عند العلم أو الظن بالفوات لما دل على وجوب التعويل عليهما لأن آخر أزمنته وجوب الفعل فلا يلزم حينئذ خروج الوقت إذا انكشف الخلاف قلنا فإذن هناك أمران أحدهما طلب الفعل و المنع من تأخيره عن زمان لا يعلمه المكلف و الثاني وجوب الإتيان به عند العلم أو الظن بالفوات و الكلام إنما هو في صحة التكليف على الوجه الأول إذ منه ينشأ الإشكال و يلزم التكليف بالمحال دون الثاني و الاعتذار بأن انضمام الثاني إلى الأول يصححه و يسوغه ممنوع و أما انتفاء التالي فظاهر إذ لا إشعار في الأمر بتعيين الوقت و لا عليه دليل من خارج بحكم الفرض و الجواب أما أولا فبالنقض تارة بما لو صرح بجواز التأخير فإنه لا كلام في إمكانه و أخرى بالواجبات الموسعة التي تمتد بامتداد العمر فإن ثبوتها في الجملة و لو في النذر و شبهه ليس مما ينكر و على تقديره يلزم الإشكال المذكور بعينه بل يتجه النقض أيضا بالواجبات الموسعة إلى وقت معين إذا صارف المكلف في أثنائها ما يوجب فواتها فيلزم فيه ما ذكر من لزوم خروج الواجب عن كونه واجبا أو التكليف بالمحال و أما ثانيا فبالحل و هو أنا لا نسلم أنه يجب عليه أن لا يؤخر الفعل عن وقت لا يعلمه بل يجب عليه أن لا يؤخر إذا علم بآخر أزمنة الإمكان أو ظنه و نمنع لزوم خروج الواجب عن كونه واجبا على تقديره نظرا إلى عدم ترتب العقاب على تركه مع عدم العلم أو الظن به إذ الواجب على ما يساعده عليه التحقيق هو ما ألزم الشارع بفعله أو ما يستحق على تركه العقاب من غير بدل و لا عذر و الجهل بآخر أزمنة الإمكان عذر فلا يضر عدم الاستحقاق على تقديره و أجاب العضدي تبعا للحاجبي عن الوجه الأول بالمنع من لزوم التكليف بالمحال على تقديره فإنه إنما يلزم إذا تعين التأخير و أما إذا جاز فلا لإمكان الامتثال بالمبادرة و تبعهما على هذا الجواب صاحب المعالم و أورد عليه بعض الأفاضل بأن هذا و إن رفع التكليف بالمحال إلا أنه التزام بوجوب الفورية في العمل لتحصيل البراءة إذ جواز التأخير حينئذ مشروط بمعرفة لا يمكن تلك المعرفة فينحصر الامتثال بالمبادرة فيجب الفور و تنظر فيه بعض المدققين بأن جواز التأخير غير مشروط بمعرفة ممتنعة نعم العلم بالجواز مشروط بمعرفة ممتنعة و اللازم منه عدم حصول العلم بالجواز لا عدم الجواز في الواقع و توقف الجواز على العلم به ممنوع ثم قال فعلى هذا لو أخر و تيسر له فعله لم يأثم و إلا أثم و لا امتناع في مثل هذا التكليف و هذا النظر حكاه الفاضل المعاصر بالمعنى لكن تصرف فيه بزيادة حيث علل عدم توقف الجواز على العلم بآخر أزمنة الإمكان بأن الجواز في نفس الأمر لا يتوقف على العلم بالجواز بل يكفي فيه عدم العلم بالمنع على ما يقتضيه أصالة الإباحة و لا يخفى أن هذا التعليل لا يلائم كلام المنظر بل يفسده و ذلك لأن غرض المنظر على ما يشهد به نص كلامه أن جواز التأخير مشروط بنفس تيسر الفعل مع التأخير فإن صادف الشرط لم يعص و إلا عصي و أنه لا مدخل للعلم في ذلك فلا يلزم القول بالفورية لعدم العصيان بالتأخير حينئذ على تقدير تيسر الفعل في الزمن المتأخر و هذا كما تراه مبني على دعوى أن هناك جوازا واحدا هو الجواز الواقعي المشروط بالتيسر يناط به عصيان المكلف و عدمه و ظاهر أن أصالة عدم المانع إنما تثبت الجواز الظاهري و هو ينافي ما أراده لأنه يوجب عدم العصيان على تقدير عدم تيسر الفعل أيضا ثم ما ذكره المنظر مبني على جواز خلو

مثل تلك الواقعة عن حكم ظاهري و التزامه غير بعيد بناء على عدم الملازمة بين العقل و الشرع إذ اشتراط التكليف بالعلم على إطلاقه ممنوع و إنما المسلم منه ما أدى إلى التكليف بما لا يطاق و حصوله في المقام في محل المنع لإمكان الامتثال بالمسارعة و سيأتي لهذا مزيد تحقيق إن شاء الله عند بحث الواجب الموسع و من هنا يتبين وجه منع آخر على الوجه الأول من الوجه الثاني من بيان بطلان التالي و قد يوجه كلام المورد بوجوب الاحتياط و بأن الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني و لا يتم إلا بالمبادرة و كلاهما ضعيف لأن وجوب الاحتياط في مثل المقام ممنوع و المسلم من قضية الشغل اليقيني استدعاؤه الفراغ اليقيني بمعنى قبل ما يقطع بأنه مأمور به و هذا لا تعلق له بالمقام و اعلم أن جواز التأخير على القول بعدم وجوب الفور مشروط بحسب الواقع بتمكن المكلف عن الامتثال في الزمن المتأخر و أما بحسب الظاهر فيجوز أن يوجب الفور كما زعمه المورد فيعصى بالتأخير مطلقا و إن تيسر له الفعل أو يجوز له التأخير فلا يعصى بتأخيره مطلقا و إن فاجأه المانع أو لا يكون هناك حكم ظاهري أصلا كما زعمه المنظر فيدور عصيانه و عدمه مدار الواقع فكما أن الاحتمال الأول مناف لظاهر ما بصدده المجيب كذلك الاحتمال الأخير غير متعين عليه لجواز أن يلتزم بالوجه المختار و من هنا يتبين أن كلا من كلامي المورد و المنظر ليس على ما ينبغي السادس و السابع أن النهي يفيد الفور فكذلك الأمر قياسا عليه بجامع الطلب و أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن الضد و النهي يقتضي الفور فيلزم الفور في المأمور به و الجواب عنهما يظهر مما مر في بحث نفي التكرار التام أن الأمر فعل و قد أطبق النحاة على أن كل فعل مقترن بأحد الأزمنة بحسب أصل الوضع حتى إنهم اعتذروا عن كاد و غيرها من الأفعال المنسلخة عن الزمان بأنها كانت مقترنة بالزمان بحسب أصل الوضع ثم انسلخت عنه في الاستعمال حتى هجر معناها الأصلي فإذا ثبت أن الأمر يدل على الزمان بحسب أصل الوضع فليس إلا الحال و الأصل عدم الهجر مع أن أحدا لم يدع خلاف ذلك و الجواب أن الاتفاق المذكور غير ثابت كيف واحد أئمتهم ابن الحاجب و هو و إن وافقهم على ذلك في كافيته لكن خالفهم في مختصره حيث أخذ فيه بمقالتنا مع أن إجماعهم منقوض بمخالفة أكثر محققي علماء الأصول المؤيد

78

بشهادة الاستعمال و التبادر على أن كلامهم غير صريح في أن الزمان جزء من مدلول الفعل فيمكن توجيهه بأن المراد أن الزمان مدلوله و لو بالالتزام كما يشعر به لفظ الاقتران فيجعل الحال في الأمر ظرفا لوقوع الطلب فإن قولك افعل إنشاء لطلب حال التكلم و بهذا يرتفع الاختلاف بين كلامي الحاجبي في كتابيه و العضدي في شرحه في تقسيم الكلمة و في هذا المبحث و لا يخفى بعده حيث إنهم عرفوا الفعل بما دل على معنى في نفسه و اقترن بأحد الأزمنة و الضمير في قولهم و اقترن يرجع إلى المعنى المقيد بكونه في نفسه و ليس إلا معناه الحدثي و إرجاعه إلى مطلق المعنى تعسف واضح و الأظهر في الجواب أن يقال دلالة الأمر على الزمان لا يوجب دلالته على خصوص الحال بل الأعم منه و من الاستقبال كما مر نظيره في فعل المضارع و هذا أقرب في رفع التنافي بين كلماتهم و إن كان احتجاجهم بأن المتبادر من الأمر ليس إلا طلب الحقيقة ربما يأبى ذلك لكن ينبغي تنزيله على القصر الإضافي لعدم انحصار مدلول الأمر في طلب الماهية و يدل على ذلك ما ذكره الحاجبي و العضدي و غيرهما في الجواب عن الاحتجاج الآتي كما سيأتي فإنه يشعر بالتزامهم بدلالته على الاستقبال و منع الاختصاص بالحال هذا و التحقيق أن صيغة الأمر لا دلالة لها على الزمان وضعا أصلا و إنما يفهم منه الزمان التزاما من حيث عدم انفكاك الفعل في الخارج عنه و لو غالبا يدلك على ذلك بعد مساعدة التبادر عليه أن خصوص الفور و التراخي غير مفهومين منها قطعا و اعتبار الزمن المشترك بينهما في معناها مما لا جدوى فيه لعدم انفكاك طلب الفعل عنه لامتناع توجه الطلب إلى الزمن الماضي فهو مختص به في نفسه عقلا و عادة فلا حاجة إلى تخصيص الواضع بخلاف الماضي و المضارع فإن مفادهما الإخبار بوقوع الحدث و هو في نفسه لا يختص بزمان فاختصاص كل زمان دليل على تخصيص الواضع إياه به و على هذا فالوجه أن يمنع إجماع النحاة أو صحته و يمكن أن يجاب حينئذ بأن فعل الأمر مقترن بالزمان بحسب الأصل أما الغائب منه فظاهر و أما الحاضر فلأنه عند التحقيق فعل مضارع مصدر باللام فحذفت اللام تخفيفا و حرف المضارعة تبعا كما يقول به الكوفيون و أبو الحسن فهو بحسب الأصل دال على الزمان و إن تجرد عنه بعد دخول لام الطلب عليه لصيرورته إنشاء و الأفعال الإنشائية مجردة عن الزمان كبعت و اشتريت و نحو ذلك و هذا القول ذكره ابن هشام في بحث اللام المفردة من كتابه و وجهه بأن الأمر معنى حرفي فحقه أن يؤدى بحرف و لأنه أخو النهي و لا يدل عليه إلا بالحرف و لأنه يجزم بالحذف في معتل اللام و لم يعهد البناء بالحذف و لأنه قد ينطبق بأصله كقراءة بعضهم فبذلك فلتفرحوا و قوله لتقم أنت يا بن خير قريش و هذا قريب لكن لا يتم الوجه الثاني على هذا البيان التاسع أن كل مخبر كالقائل زيد قائم و عمرو في الدار و كل منشئ كالقائل أنت طالق و أنت حر إنما يقصد الزمان الحاضر فكذلك الأمر حملا له على الأعم الأغلب و أجيب عنه أولا بأنه قياس في اللغة حيث قيس الأمر على غيره من الخبر و الإنشاء في دلالته على الفور و هو باطل و فيه نظر لأن الدليل المذكور استقراء لا قياس كما يظهر من دعواه الأغلبية و عدم تعرضه للجامع و ثانيا ببيان الفارق و هو أن الأمر إنما يتوجه إلى الاستقبال دون الحال لامتناع تحصيل الحاصل و حينئذ فيحتمل مطلق الاستقبال و الأقرب منه إلى الحال الذي هو عبارة عن الفور فلا يصار إلى الثاني إلا بدليل و فيه أيضا نظر لأن المعتبر هي الحال العرفية و اعتبارها في كثير من الأوامر ممكن و يمكن إتمام القول في الباقي بعدم القول بالتفصيل بل التحقيق في الجواب المنع من تحقق الغلبة المذكورة بحيث يصلح مستندا للإلحاق لشيوع الإخبار عن الماضي و الاستقبال احتج السيد بأن الأمر قد استعمل تارة في الفور و أخرى في التراخي و ظاهر الاستعمال أن يكون حقيقة فيهما على حذو ما مر غير مرة و بأنه يحسن من المكلف أن يستفهم عند فقد القرائن أنه هل أريد منه الفور أو التراخي و لا يحسن الاستفهام إلا مع احتمال اللفظ و الجواب أما عن الأول فبالمنع من وقوع استعماله فيهما أولا و إنما المسلم إطلاقه على المقيد بهما و المنع من ظهور الاستعمال في الحقيقة مطلقا الثاني فبأن الاستفهام قد يحسن لدفع الاحتمالات الغير الظاهرة كما مر

إليه الإشارة هذا و لقد كان الأنسب بطريقة السيد دعوى اشتراكه بين كل من المعنيين و القدر المشترك لشيوع إطلاقه عليه أيضا

تذنيب‏

على القول بأن الأمر للفور هل يجب على المكلف إذا لم يأت بالفعل في الوقت الأول أن يأتي به في الوقت الثاني و هكذا أم لا قولان و بنى العلامة و غيره الخلاف على أن قول القائل افعل هل معناه افعل في الوقت الثاني من الأمر فإن عصيت ففي الثالث و هكذا أو معناه افعل في الزمن الثاني من غير بيان الحال الزمن الثالث و ما بعده فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الفعل في جميع الأزمان و إن قلنا بالثاني لم يقتضه فالمسألة لغوية و اعترض عليه في المعالم بأن هذا الكلام و إن كان صحيحا إلا أنه قليل الجدوى إذ الإشكال إنما هو في مدرك الوجهين اللذين بني عليهما الحكم لا فيهما فكان الواجب أن يبحث عنه و يمكن دفعه بأن ما ذكروه بيان لمدرك الوجهين فإن القائلين بالفور لما تمسكوا في إثباته بالتبادر تفرع عليه الترديد المذكور و كان المرجع في التعيين إلى أفهامهم إذ لا سبيل لمن أنكر تبادر الفور من الأمر إلى تعيين كونه على أحد الوجهين و لو بعد التنزل و التسليم و كأن هذا هو الوجه في عدم ترجيح العلامة لأحد الوجهين لكن يشكل بأنهم تمسكوا على الفور بالتبادر المستند إلى القرائن الحالية كما مر في الدليل الأول فيمكن تعيين أحد الوجهين بعد التنزل و التسليم لكون التبادر ناشئا عن نفس اللفظ أو كون التبادر مع القرينة علامة للحقيقة إلا أن يعتذر بأن القرائن الحالية لما لم تكن منضبطة لاختلافها باختلاف الموارد لم يتجه الترجيح نعم يرد على العلامة أن حجج القول بالفور لا تنحصر في التبادر فلا وجه لقصر البحث عليه و تحقيق المقام أن الوجوه التي تمسكوا بها مما عدا التبادر على تقدير تسليمها مختلفة المفاد فكثير منها بل أكثرها صالحة لكل من المذهبين فإن منها آية الذم و هي إنما تدل على عصيان إبليس بتركه السجود زمن الأمر به كما يدل عليه الآية المذكورة إن جعلنا إذ فيها زمانية أو مع الملائكة كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى ما لك أن لا تكون مع الساجدين و لا دلالة فيها على سقوط التكليف به عنه‏

79

بعد ترك البدار و لا على عدمه لا يقال تخصيص الذم بترك السجود وقت الأمر أو مع الملائكة يقتضي تعيين الوجه الأول و إلا لكان المناسب تعميمه لكونه أدخل في التشنيع عليه لأنا نقول هذا إنما يتم إذا ثبت تأخر وقوع الذم عن زمن المخالفة و هو ممنوع لجواز المقارنة و منها الدليل العقلي و هو إنما يساعد على عدم جواز الرخصة في تأخير الواجب إلى وقت غير معين و أما بقاء التكليف بالفعل بعد التأخير و عدمه فمما لا دلالة له عليه و منها إيتاء المسارعة و الاستباق و هما إنما تدلان على وجوب المسارعة إلى فعل الواجب ما دام باقيا على وجوبه لكونه حينئذ من أسباب المغفرة و من جملة الخيرات لا مطلقا و لا دلالة لهما على بقائه بعد التأخير و لا على سقوطه نعم من اعتمد على هذه الوجوه مما عدا الوجه الأول في إثبات الفور و لم يعول على غيرها من الأدلة المفيدة للسقوط لزمه القول بعدم السقوط عملا بإطلاق الأمر و من حججهم ما يفيد بظاهره البقاء على تقدير تسليمه و هو قياسه بالنهي بناء على أن النهي يفيد الدوام فيصح أن يقاس الأمر حينئذ على النهي في دلالته على الفور و عدم سقوط التكليف به على تقدير المخالفة و إن لم يلتزم ببقائه على تقدير عدمها نظرا إلى وجود المعارض و فيه إشكال ينشأ من أن عدم السقوط في النهي إنما كان متفرعا على ثبوت الدوام فيه فيبعد الإلحاق بعد تسليم عدم المساواة في العلة و أما على ما حكي عن الشيخ في العدة من مصيره إلى منع دلالة النهي على الدوام مع قوله بدلالته على الفور فالحجة المذكورة ناهضة على القول بعدم البقاء إن التزم في النهي بالسقوط و على البقاء إن التزم فيه بعدم السقوط و كذلك الحال في احتجاجهم بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده و يعرف بالقياس إلى ما سبق و من حججهم ما يفيد عدم البقاء و هو إلحاقه بالأعم الأغلب فإن الإلحاق إنما يثبت الفورية إذا لم يتضمن الأمر الأزمنة المتأخرة و إلا لاحتمل ثبوت الحكم فيها على سبيل التخيير فلا يتم التقريب و كذا الاحتجاج بالوجه الثامن إلا أنه لا إشارة إليه في كلامهم و أما ما زعمه صاحب المعالم من أن من اعتمد في استدلاله على الفور على غير الآيتين المأمور فيهما بالمسارعة و الاستباق فلا مفر له من القول بالسقوط بعد التأخير و من اعتمد عليهما فله أن يقول بعدم السقوط فواضح الضعف و السقوط مما قررناه ثم اعلم أن من قال بأن الأمر للتكرار يلزمه القول بالفورية بالنسبة إلى الفرد الأول قطعا و كذا بالنسبة إلى ما قاربه من الأفراد إن بقي صدق الفورية عرفا و يلزمه القول بالتراخي بالنسبة إلى غيرها إن فسرت الفورية بالزمن الثاني من ورود الخطاب و أما إذا فسرت بأول أزمنة الإمكان أو بالزمن الثاني من وقوع مؤدى الخطاب الفعلي و جعل التكليف باللاحق مشروطا بحضور زمانه تحققت الفورية بالنسبة إلى الجميع و ربما أمكن أن يعتبر الفورية على الوجه الأول بالنسبة إلى المجموع أيضا نظرا إلى أنها تصدق إذا تحققت بالنسبة إلى الفرد الأول و لحقته بقية الأفراد كما يصدق على العمل المتكثر الأجزاء إذا جي‏ء بجزء منه فورا و توبع بالأجزاء الأخر أو يقال الزمن الثاني من الخطاب هو الزمن الذي يوقع فيه الفعل على الوجه الذي أمر به فيدخل زمن التكرار فيه و أما على مذهب الآخرين فلا يتعين عليهم شي‏ء من الأقوال‏

تمهيد مقال لتوضيح حال‏

ينقسم الواجب ببعض الاعتبارات إلى مطلق و مشروط فالمطلق منه ما لا يتوقف وجوبه بعد حصول شرائط التكليف من البلوغ و العقل و العلم و القدرة على شي‏ء كالمعرفة و إنما اعتبرنا الإطلاق بعد التقييد بتلك الأمور لامتناع الإطلاق بالنسبة إليها عقلا أو شرعا و يقابله المشروط و هو ما يتوقف وجوبه على غيرها كالحج و قد يطلق الواجب المطلق و يراد به ما لا يتوقف تعلقه بالمكلف على حصول أمر غير حاصل سواء توقف على غير ما مر و حصل كما في الحج بعد الاستطاعة أو لم يتوقف كما مر و هو بهذا المعنى محل النزاع في المبحث الآتي و يقابله المشروط و هو ما يتوقف تعلقه بالمكلف على حصول أمر غير حاصل و النسبة بين كل من المطلقين و مشروطه تباين و بين كل منهما و كل من الآخرين عموم من وجه و قد يعتبر الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى شي‏ء معين فيقال الحج واجب مشروط بالنسبة إلى الاستطاعة و مطلق بالنسبة إلى شراء الزاد و الراحلة فالواجب بالنسبة إلى سببه التام أو الجزء الأخير منه لا يكون إلا مطلقا لئلا يلزم إيجاب الشي‏ء بشرط وجوبه فإنه يعد سفها قطعا و أما بالنسبة إلى غيره من المقدمات فيجوز أن يكون مطلقا و أن يكون مشروطا و حينئذ فهل الأصل في الأمر المطلق أي المجرد عن التقييد بالشرط أن يكون مطلقا أو يتوقف بينه و بين أن يكون مشروطا قولان الأكثر على الأول و هو المختار و ذهب السيد إلى الثاني لنا أن الظاهر من الأمر المطلق هو الإطلاق بشهادة الاعتبار و الاستعمال أ لا ترى أن السيد إذا أمر عبده بأمر فتركه نظرا إلى احتمال أن يكون مشروطا بشي‏ء ذمه العقلاء معللين ذمه بمخالفته لظاهر الأمر و إطلاقه احتج السيد بأن الأمر يستعمل تارة في الإطلاق و أخرى في التقييد فيشترك بينهما فلا بد في التعيين من قرينة و الجواب أن مجرد الاستعمال لا يوجب الاشتراك إن أراد به الاشتراك اللفظي كما هو الظاهر من كلامه و قد سبق تحقيقه و إن أراد به الاشتراك المعنوي فلا نسلم أنه يتساوى بالنسبة إلى فرديه حال الاستعمال بل ينصرف عند الإطلاق إلى الإطلاق كغيره من أنواع المطلق على ما يشهد به الاعتبار و الاستعمال و من هنا يتضح أن مطلق الأمر موضوع للأعم من القسمين و أنه حقيقة مع كل من الاعتبارين و ما يظهر من بعض المعاصرين من مجازيته في التقييد فليس بسديد و سيأتي مزيد بيان لهذا في بعض المباحث الآتية و ينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف و لا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له كالمعرفة و ليسم منجزا أو إلى ما يتعلق وجوبه به و يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له و ليسم معلقا كالحج فإن وجوبه يتعلق بالمكلف من أول زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة و يتوقف فعله على مجي‏ء وقته و هو غير مقدور له و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو أن التوقف هناك للوجوب و هنا للفعل لا يقال إذا توقف فعل الواجب على شي‏ء غير مقدور له امتنع وجوبه قبله و إلا لزم أحد الأمرين من عدم توقفه عليه حيث وجب بدونه أو التكليف بالمحال حيث ألزم المكلف بالفعل في زمن يتعذر فيه حصول ما يتوقف عليه لأنا نقول ليس المراد بوجوب الفعل قبل حصول ما يتوقف عليه‏

80

أن يكون الزمان المتقدم ظرفا للوجوب و الفعل معا بل المراد أنه يجب على المكلف في الزمان السابق أن يأتي بالفعل في الزمن اللاحق كما يجب على المكلف في المكان الممنوع من العبادة فيه مثلا أن يأتي بها خارجة فالزمن السابق ظرف للوجوب فقط و الزمن اللاحق ظرف لهما معا فإن قلت إذا وجب الفعل قبل حصول ما يتوقف عليه من الأمر الغير المقدور فوجوبه إما أن يكون مشروطا ببلوغ المكلف إلى الوقت الذي يصح وقوعه فيه أو لا يكون فإن كان الأول لزم أن لا يكون وجوب قبل البلوغ إليه كما هو قضية الاشتراط و إن كان الثاني لزم التكليف بالمحال فإن الفعل المشروط بكونه في ذلك الوقت على تقدير عدم البلوغ إليه ممتنع قلت إن أردت بالبلوغ نفسه اخترنا الشق الثاني و نمنع لزوم التكليف بالمحال على تقديره لأنه إنما يلزم إذا وجب عليه إيجاد الفعل المقيد بالزمن اللاحق على تقدير عدم بلوغه إليه و هو غير لازم من عدم اشتراطه بنفس البلوغ و إن أردت بالبلوغ ما يتناول بعض الاعتبارات اللاحقة بالقياس إليه ككونه ممن يبلغ الزمن اللاحق منعنا توقف الوجوب على سبق البلوغ أو مقارنته له بل يكفي مجرد حصوله و لو في الزمن اللاحق فيرجع الحاصل إلى أن المكلف يجب عليه الفعل قبل البلوغ إلى وقته على تقدير بلوغه إليه فيكون البلوغ كاشفا عن سبق الوجوب واقعا و عدمه كاشفا عن عدمه كذلك و مما حققنا يتبين لك الفرق بين الواجب المعلق و الواجب المشروط و أن الموقوف عليه في المشروط شرط الوجوب و في المعلق شرط الفعل فلا تكليف في الأول بالفعل و لا وجوب قبله بخلاف الثاني كما أشرنا إليه ففرق إذن بين قول القائل إذا دخل وقت كذا فافعل كذا و بين قوله افعل كذا في وقت كذا فإن الأولى جملة شرطية مفادها تعلق الأمر و الإلزام بالمكلف عند دخول الوقت و هذا قد تقارن وقت الأداء فيه لوقت تعلق الوجوب كما في المثال و قد يتأخر عنه كقولك إن زارك زيد في الغداة فزره في العشي و الثانية جملة طلبية مفادها إلزام المكلف بالفعل في الوقت الآتي و حاصل الكلام أنه ينشأ في الأول طلبا مشروطا حصوله بمجي‏ء وقت كذا و في الثاني ينشئ طلبا حاليا و المطلوب فعل مقيد بكونه في وقت كذا و من هذا النوع كل واجب مطلق توقف وجوده على مقدمات مقدورة غير حاصلة فإنه يجب قبل وجوب المقدمات إيجاد الفعل بعد زمن يمكن إيجادها فيه و إلا لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا أو التكليف بما لا يطاق و كلاهما ضروري الفساد و اعلم أنه كما يصح أن يكون وجوب الواجب على تقدير حصول أمر غير مقدور و قد عرفت بيانه كذلك يصح أن يكون وجوبه على تقدير حصول أمر مقدور فيكون بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله و على تقدير حصوله يكون واجبا قبل حصوله و ذلك كما لو توقف الحج المنذور على ركوب الدابة المغصوبة فالتحقيق أن وجوب الواجب حينئذ ثابت على تقدير حصول تلك المقدمة و ليس مشروطا بحصولها كما سبق إلى كثير من الأنظار و الفرق أن الوجوب على التقدير الأول يثبت قبل حصولها و على الثاني إنما يثبت بعد تحققها لامتناع المشروط بدون الشرط و بعبارة أخرى حصول المقدمة على الأول كاشف عن سبق الوجوب و على الثاني مثبت له كما مر و تظهر الثمرة في وجوب المقدمات التي يؤتى بها قبلها فعلى الأول يجب الإتيان بها على تقدير إتيانه بها لإطلاق الأمر حينئذ فيصح قصد القربة بها و إيقاعها على وجه الوجوب بخلاف الوجه الثاني و يظهر أيضا فيما لو كانت المقدمة المحرمة مما يعتبر حصولها في أثناء التشاغل بالواجب كالاغتراف من الآنية المغصوبة في الطهارة الحدثية مع الانحصار و كترك الواجب المتوصل به إلى فعل الضد فإن العبادة تصح على الوجه الأول لوجوبها و مطلوبيتها على تقدير حصول تلك المقدمة و على الثاني لا يصح لانتفاء الطلب و الوجوب قبلها و الذي يدل على المذهب المختار أن ما دل على عدم وجوب الواجب عند حرمة مقدمته المتعينة هو لزوم التكليف بالمحال الممتنع وقوعه بالعقل و السمع و لا ريب أنه إنما يلزم ذلك لو كلف بالواجب مطلقا على تقدير الإتيان بالمقدمة المحرمة و عدمه و أما لو كلف به مطلقا على تقدير الإتيان بها خاصة فلا فيبقى إطلاق الأمر فيه بحاله فيرجع حاصل التكليفين بملاحظة القاعدة المذكورة إلى مطلوبية ترك الحرام مطلقا لا على تقدير و مطلوبية فعل الواجب مطلقا على تقدير حصوله و لا فرق في ذلك بين أن يكون المقدمة المحرمة سببا أو غيره‏

و إن كان الحكم في السبب لا يخلو عن نوع خفاء نعم يعتبر فيه من اعتبار أمر زائد على المسبب لئلا يلزم إيجاب الشي‏ء على تقدير وجوبه فإنه مما يستقل العقل بقبحه فتوقف الواجب على حصول هذه المقدمة الاختيارية من قبيل توقفه على حصول المقدمة الغير الاختيارية كتذكر المكلف وقت الفعل و قدرته فيه بمعنى خلوه في تمام الوقت من الموانع الاضطرارية بالنسبة إلى زمن التكليف مع ثبوت الوجوب على تقدير حصولهما قبله أيضا و أما القدرة مطلقا فليس حصولها معتبرا لجواز أن يمتنع الفعل في الوقت مع ثبوت التكليف قبله كما في المتقاعد عن الحج فالموقوف عليه في الحقيقة في هذه الصور هو كون المكلف بحيث يأتي بالمقدمة المحرمة و لو في زمن لاحق أو كونه بحيث يكون وقت الفعل متذكرا خاليا من الموانع الغير المستندة إليه و هذا وصف اعتباري ينتزع من المكلف باعتبار ما يطرأ عليه في الزمن المستقبل من هذه الصفات و هو غير متأخر عن زمن الوجوب و إن تأخرت عنه الصفة التي تنتزع عنه باعتبارها و لو كان نفس العلم و الخلو من الموانع في الوقت شرطا لتأخر زمن الوجوب عن زمن الفعل فلا يبقى مورد للتكليف و من هذا القبيل كل شي‏ء يكون وقوعه مراعى بحصول شي‏ء آخر كالصحة المراعاة بالإجازة في الفضولي فإن شرط الصحة فيه كون العقد بحيث يتعقبه الإجازة و ليست مشروطة بنفس الإجازة و إلا لامتنعت قبلها و ينقسم الواجب باعتبار آخر إلى نفسي و غيري فالواجب النفسي ما تعلق الطلب به لنفسه و الواجب الغيري ما تعلق الطلب به للوصلة إلى غيره و اللام هنا للتعليل على وجه مخصوص لا لمطلق التعليل و إلا لانتقض الحدان بكثير من الواجبات النفسية و توضيح ذلك أن المطلوب من المكلف في الواجب الغيري إنما هو إيجاده للتوصل به إلى غيره على أن يكون التوصل به إليه مطلوبا منه و إن كان حاملا على الطلب أيضا و المطلوب منه في الواجب النفسي إيجاده فقط و التوصل به إلى أمر آخر أو

81

حصوله إن كان مطلوبا فهو أمر خارج عن كونه مطلوبا منه و إنما هو حامل على الطلب فالواجب النفسي ما يكون المطلوب من المكلف في إيجاده نفسه دون توصله به إلى غيره و الواجب الغيري ما يكون التوصل به إلى غيره مطلوبا من المكلف فاتضح وجه الخصوصية أيضا و إنما قيدنا المطلوب بقولنا عن المكلف احترازا عن الغايات المطلوبة في التكليف إذا لم تكن مطلوبة من المكلف إذ لا يناط الفرق بها و لا بد أن تعتبر الحيثية في الحدين لئلا ينتقضا بصورة الاجتماع ثم هل يعتبر في وقوع الواجب الغيري على صفة وجوبه أن يترتب عليه فعل الغير أو الامتثال به و إن لم يقصد به ذلك أو يعتبر قصد التوصل إليه أو إلى الامتثال به و إن لم يترتب عليه أو يعتبر الأمران أو لا يعتبر شي‏ء منهما وجوه و التحقيق من هذه الوجوه هو الوجه الأول لأن مطلوبية شي‏ء للغير يقتضي مطلوبية ما يترتب ذلك الغير عليه دون غيره لما عرفت من أن المطلوب فيه المقيد من حيث كونه مقيدا و هذا لا يتحقق بدون القيد الذي هو فعل الغير و أما القصد فلا يعقل له مدخل في حصول الواجب و إن اعتبر في الامتثال به نعم إن كان عبادة و كان مطلوبيتها من حيث كونها للغير فقط اعتبر فيه ذلك كما في الوضوء و الغسل بناء على نفي رجحانهما الذاتي و يظهر الثمرة فيما لو وجب عليه الدخول في ملك الغير بغير إذنه لإنقاذ غريق يتوقف عليه فدخله لغير ذلك فبدا له فأنقذه و كذا الحال فيما لو نذر أن لا يدخله حيث ينعقد فيه النذر أو حلف أو عاهد عليه فعلى ما حققناه ليس عليه معصية الغصب و الحنث و إنما عليه معصية التجري بيان ذلك أن التصرف في الفرض المذكور يقع تارة واجبا و هو ما إذا ترتب عليه الإنقاذ و أخرى حراما و هو ما إذا لم يترتب عليه ذلك فإذا علم من نفسه أن الذي يرتكبه من نوع الواجب و صادف الإنقاذ فلا إشكال و إن علم أنه من نوع الحرام حرم عليه الإقدام فإن أقدم و الحال هذه فإن لم ينكشف الخلاف بأن لم يترتب عليه الإنقاذ كان ما أتى به حراما و إلا كان واجبا و عصى بالتجري فقط كمن تصرف في ماله على أنه مال غيره أو أتى زوجته على أنها أجنبية إلى غير ذلك هذا إذا قلنا بأن المتجري إنما يعصي بعزمه المقرون بالعمل و لو قلنا بأنه يعصي بعمله كما هو الظاهر أمكن اعتبار الثمرة في جهة التحريم و التحقيق أن الوجوب على هذا التقدير مقصور على تقدير العلم أو الظن بالإنقاذ لانتفاء الوجوب بطريان التحريم و لو من جهة التجري لتضاد الأحكام فيرتفع المانع من ثبوت تحريمه الأصلي و أما لو أتى بالواجب الغيري للامتثال بالغير و لم يترتب عليه اختيارا كما لو نقض عزمه أو اضطرارا كما لو طرأ مانع عقلي أو شرعي لم يمتثل به من حيث كونه واجبا في الواقع نعم يمتثل في الصورة الثانية من حيث إنه ظنه واجبا و بعبارة أخرى يمتثل التكليف الظاهري و يترتب عليه آثاره من المدح و الثواب دون الواقعي فامتثاله في هذا الفرض على حد عصيانه في الفرض السابق و أما في الصورة الأولى فلا ريب في عدم استحقاقه المدح و الثواب بشهادة العقل و العادة و إلى هذا ينظر قولهم بأن الأجير على الحج من البلدان قطع المسافة و فاته الحج لموت و شبهه استحق أجرة القطع بالنسبة و إن تركه متعمدا لم يستحق شيئا و هل ذلك حبط لعمله السابق أو كاشف عن عدم مطلوبيته بحسب الظاهر أيضا لكونه مراعى بعدم ترك ذي المقدمة اختيارا وجهان و على ما قررنا فمن نذر أن يغتسل غسل الزيارة فاغتسل لها ثم بدا له فلم يزر أو منعه مانع منها لم تبرأ ذمته و كذا لو نذر أن يصلي ركعة غير الوتر انعقد نذره لو اعتبرها لا بشرط الوحدة و وجب عليه من باب المقدمة أن يأتي بالركعة الأخرى لتقع الركعة راجحة شرعا فإذا أتى بالركعة ثم بدا له قطع الصلاة فقطعها أو فاجأه بعض القواطع لم تبرأ ذمته إلى غير ذلك و ذلك لأن مطلوبية الغسل في الفرض الأول و الركعة في الفرض الثاني إنما هي للغير أعني الزيارة في الأول و المجموع في الثاني و على تقدير عدم حصوله ينكشف عدم المطلوبية فلا يقع المنذور و هذا مبني على ما هو الظاهر من لفظ الغسل و الركعة و نظائرهما أعني الصحيح الذي تعلق به الطلب الواقعي و لو أراد به مطلق الراجح منها و لو

في الظاهر برئت ذمته بالمذكور في غير صورة العمد و وجهه ظاهر و مما يتفرع أيضا على ما حققناه مسألة التيمم في سعة وقت الفريضة لغاية غيرها بناء على مراعاة التضييق فإنه إذا لم يترتب عليه الغاية كشف عن بطلانه فيبطل الفريضة أن صلاها به و لو في آخر وقتها و كذا لو تيمم للفريضة عند ضيق وقتها ففاتته نعم لو ترتب على تيممه في المقامين غاية كان تيممه حين وقوعه مطلوبا لها أيضا صح و جاز الدخول به في غاياته المتأخرة إذ قصد الغاية بالمقدمة غير معتبر في مطلوبيتها كما بيناه و يكفي في انعقاد العبادة مطلوبيتها واقعا مع قصد القربة بها فقد اتضح ما قررنا أن الواجب الغيري إذا لم يترتب عليه فعل الغير جاز أن يتصف بغير الوجوب من سائر الأحكام حتى الحرمة لانتفاء الوجوب المضاد لها حينئذ و احفظ هذا فإنه ينفعك في بعض المباحث الآتية و اعلم أن الراجح للغير يستدعي عقلا رجحان الغير بالاعتبار الذي رجح له و يكون رجحانه على حد رجحانه إن واجبا فواجبا و إن مندوبا فمندوبا على اختلاف مراتبهما ضعفا و قوة و هذا عند التأمل مما لا خفاء فيه و أما رجحان غسل اليدين للأكل و وضوء الجنب للنوم من غير فرق بين أن يكون الأكل و النوم راجحين أو مرجوحين فغير مناف لذلك لأن الأكل و النوم إذا وقعا مسبوقين بالغسل و الوضوء تجردا عن وصف منقصة و مرجوحية لهما على تقدير وقوعهما بدونهما فالغسل و الوضوء راجحان للتخلص عن تلك المنقصة و المرجوحية و كذلك كل فعل أوجب تخفيفا في كراهة فعل آخر فإنه يكون راجحا لذلك كمضمضة الجنب استنشاقه للأكل و الشرب الموجبين لتخفيف كراهتهما إلى غير ذلك و بالجملة فكما أن التخلص عن المرجوحية راجح كذلك التخلص عن تأكد المرجوحية راجح و اعلم أيضا أن الواجب النفسي قد يكون وجوبه لفائدة التهيؤ و الاستعداد لواجب آخر مشروط بشرط غير حاصل فيجوز أن يكون وجوبه‏

82

من هذه الجهة مراعى بوجوب ذلك الواجب المشروط على تقدير الإتيان بهذا الواجب و الامتثال به مراعى بوقوعه فيجوز أن يترتب على ترك مثل هذا الواجب ما يترتب على ترك الآخر إذا أدى تركه إلى عدم تحقق وجوبه لاستناد فوات فوائده إليه و ينبغي أن يجعل من هذا الباب استحقاق المرتد الذي لا يقبل توبته العقوبة على ما يفوته بالارتداد من الواجبات المشروطة بأمور غير حاصلة حال الارتداد لو قلنا بذلك و أن يجعل منه وجوب تعلم الصلاة و أحكامها قبل دخول وقتها مع أن وجوبها مشروط بدخول وقتها لو قلنا بذلك و يقرب هذا النوع من الواجبات النفسي إلى الواجب الغيري بالمعنى المتقدم لمساواته إياه في جملة من الثمرات و ربما يظن أنه منه و ليس كما يظن إذ لا يعقل الوجوب الغيري عند عدم وجوب الغير فكيف يكون من بابه نعم لو فسر الوجوب الغيري بمعنى آخر أعم من المعنى المتقدم جاز و ينقسم الواجب باعتبار آخر إلى أصلي و تبعي فالأصلي ما فهم وجوبه بخطاب مستقل أي غير لازم لخطاب آخر و إن كان وجوبه تابعا لوجوب غيره و التبعي بخلافه و هو ما فهم وجوبه تبعا لخطاب آخر و إن كان وجوبه مستقلا كما في المفاهيم و المراد بالخطاب هنا ما دل على الحكم الشرعي فيعم اللفظي و غيره و زعم بعض المعاصرين أن الواجب الأصلي هو الذي استفيد وجوبه من اللفظ و قصده المتكلم منه و التبعي بخلافه و هو غير واضح و العجب أنه خص نزاعهم الآتي في وجوب مقدمة الواجب بالواجب الأصلي بالمعنى الذي ذكره مع أن نزاعهم هناك يجري فيما ثبت وجوبه باللفظ و بغيره كالإجماع و العقل و قد صرح هو به أيضا قبل ذلك و التدافع واضح بل التحقيق أن نزاعهم هناك في وجوبها التبعي بالمعنى الذي ذكرنا و أعجب من ذلك أنه بعد أن جعل الدلالة الالتزامية البينة بنوعيها من الدلالة اللفظية ادعى كون تلك الدلالة مرادة للمتكلم من الخطاب لتكون [فيكون‏] أصلية مع ظهور أنه لا يلزم إرادته للازم في البين الأخص و لا تنبهه له في البين الأعم كالسامع فضلا عن إرادته له ثم الأصالة و التبعية قد يفترقان بالمورد و قد يفترقان بالاعتبار كما لو صرح بوجوب بعض المقدمات من الشرائط الجعلية و غيرها فإن وجوبها من حيث كونه مستفادا من وجوب ذي المقدمة و لو بعد ثبوت الشرطية تبعي و من حيث كونه مصرحا بخطاب مستقل أصلي و أنت إذا أحطت خبرا بما تلونا عليك من أقسام الواجب و أحكامها تيسر لك الاطلاع على أقسام الحرام و المندوب و المكروه و ما يتبعها من الأحكام فإنه أيضا تنقسم إلى مطلق و مشروط نفسي و غيري تنجيزي و تعليقي أصالي و تبعي و يظهر الكلام فيها بمقايسة ما مر

فصل الحق أن الأمر بالشي‏ء مطلقا يقتضي إيجاب ما لا يتم بدونه من المقدمات الجائزة

وفاقا لأكثر المحققين و إنما قيدنا الأمر بكونه مطلقا احترازا عن مقدمات الأمر المشروط قبل حصول الشرط فإنها لا تجب من حيث كونها مقدمة له إجماعا لظهور أن وجوب المقدمة على القول به يتوقف على وجوب ذي المقدمة فيمتنع بدونه و المراد بالمقدمات الجائزة ما تكون جائزة و لو حال كونها مقدمة مع قطع النظر عن أدلة التشريع فدخل مثل الدخول في الأرض المغصوبة لإنقاذ النفس المحترمة لجوازه عند عدم التمكن منه بدونه و الصلاة إلى غير جهة القبلة و في الثبوت المتنجس بغير العفو عند الاشتباه لعدم حرمتها حينئذ من غير جهة التشريع و لو قلنا بأن لها جهة تحريم مع قطع النظر عن التشريع كانت من القسم الأول أيضا و إنما قيدنا المقدمات بكونها جائزة لأمرين الأول الاحتراز عن المحرمة منها مطلقا و لو حال كونها مقدمة سواء انحصرت فيه أو لم تنحصر أما الأول فلما عرفت في التمهيد من أن الأمر على تقدير حصول المقدمة مطلق بالنسبة إليها و إن كان مشروطا بالنسبة إلى ما أضيف إليها من كونه أتيا بها على ما مر البيان مع أن الأمر بالشي‏ء يمتنع أن يقتضي الأمر بمثل هذه المقدمة لما سيأتي و لا يذهب عليك أن هذا الكلام يتمشى بالنسبة إلى المقدمة الجائزة أيضا فإن وجوب الواجب على تقديره يوجب وجوب مقدماته باعتباره على ذلك التقدير فلو وجبت هي أيضا على ذلك التقدير [أيضا فيلزم في الفرض المذكور] أن يكون وجوب المقدمة على تقدير وجودها و هو متضح الفساد لكن حيث لم نظفر بوقوعه في أصل الشرع لم نحافظ على إخراجه من العنوان و ربما أمكن وقوعه في النذر و شبهه و لو حرر النزاع في المقدمات المقدورة التي لا يكون وجوب الواجب معلقا عليها و لا على تقدير حصولها حصل الاحتراز به عن ذلك أيضا و أما الثاني فظاهر لاستحالة تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد و الثاني الاحتراز عن غير المقدورة منها سواء انحصرت فيه كحضور أيام الحج بالنسبة إلى أفعاله أو لم تنحصر كسير الزمن ماشيا مع تمكنه منه راكبا أما الأول فلما عرفت من أن الأمر مطلق بالنسبة إليها و ليس مشروطا بحصولها و إلا لما تعلق الخطاب إلا بعد حصولها فيلزم أن لا يتعلق الخطاب بالمقدمات التي قبلها تبعا للخطاب بالحج كما في الفريضة بالنسبة إلى دخول الوقت و ليس كذلك مع أن الأمر بها ممتنع و أما الثاني فلاستحالة الأمر بغير المقدور و لو على وجه التخيير و وجه الاحتراز أن الجواز حكم شرعي لأنه جنس للأحكام الأربعة و الحكم الشرعي لا يتعلق بغير المقدور و ما يقال في أخيري الأمرين من أن الواجب بالنسبة إلى المقدمة الجائزة و المقدورة مطلق و بالنسبة إلى المحرمة و غير المقدورة مشروط فيخرج عن العنوان فمما لا يصغى إليه و هذا هو السر في تقييد كثير منهم للمقدمة في العنوان بكونها مقدورة و إن قصر عن إفادة الاحتراز عن الأمر الأول اللهم إلا أن يؤول بما يتناول المقدورة شرعا أيضا فيرجع إلى ما ذكرناه و حيث خفي وجه هذا التقييد على الفاضل المعاصر تركه معترضا على من اعتبره بأنه لا وجه له إلا التوضيح فإن الأمر المطلق لا تكون مقدماته إلا مقدورة و أن الواجب بالنسبة إلى المقدمة الغير المقدورة يكون مشروطا و قد سبقه إلى ذلك غيره و هو كما ترى هذا و قال قوم بعدم الاقتضاء مطلقا و فصل جماعة فأثبتوه في السبب دون غيره و آخرون فأثبتوه في الشرط الشرعي دون غيره ثم من المثبتين من صرح بأن المراد من الاقتضاء اللزوم العقلي و منهم من أطلق و لا بد أولا من تحرير محل‏

83

النزاع فنقول كما لا نزاع في وجوب المقدمة بالوجوب العقلي بمعنى اللزوم و اللابدية إذ إنكار ذلك يؤدي إلى إنكار كون المقدمة مقدمة كذلك لا نزاع في عدم تعلق الخطاب الأصلي بها بحيث يكون الخطاب بالشي‏ء خطابا بأمرين به و بمقدمته لظهور أن معنى افعل ليس إلا طلب الفعل فقط دون ذلك مع طلب مقدماته و لا في عدم كونها مطلوبة لنفسها ضرورة أن مطلوبية شي‏ء لنفسه لا توجب مطلوبية ما يتوقف عليه لنفسه أيضا و إنما النزاع في وجوبها بالوجوب الغيري التبعي و قد عرفت تحقيق الكلام فيهما و ما قيل من أن النزاع في الوجوب بمعنى كونها بحيث يترتب عليها الثواب و العقاب أو بمعنى كونها بحيث يشتمل تركها على مفسدة فليس بسديد أما الأول فلأنه راجع إلى النزاع في الثمرة على تقدير القول به و أما الثاني فلأنه إن أريد بالمفسدة ترك الواجب أو ما يترتب على تركه فهو مما لا يقبل النزاع و إن أريد بها ترتب العقاب على تركها رجع إلى الأول و زعم الفاضل المعاصر أن القائلين بوجوب المقدمة لا بد لهم من القول بأنها مع كونها واجبة توصلية واجبة نفسية أصلية و ذلك لأنهم جعلوا ثمرة النزاع في أمرين في عدم الاجتماع مع الحرام و في ترتب الثواب و الأمر الأول لا يترتب إلا على الوجوب النفسي إذ الوجوب التوصلي يجتمع مع الحرام و الأمر الثاني لا يترتب إلا على الوجوب الأصلي إذ لا دليل على ترتبه على التبعي أقول فعلى ما زعمه قد يكون وجوب المقدمة من حيث كونها مقدمة أقوى من وجوب ذي المقدمة و هذا مما لا يمكن إسناده إلى ذي مسكة و أما ما استند إليه في إلزامهم بذلك من الأمرين المذكورين فواضح الفساد إذ ما ذكره من أن الوجوب التوصلي يجتمع مع الحرام غير سديد كيف و لزوم التكليف بالمحال على تقديره ظاهر جلي نعم يجوز أن يجتمع التوصل مع الحرام و هذا هو الذي نص بعض المحققين على جوازه و الثواب كما يترتب على الوجوب الأصلي كذلك يترتب على الوجوب التبعي كما سيأتي بيانه في بيان ثمرة النزاع ثم المقدمات منها الجزء و المعد و الشرط و السبب و لا تنحصر فيها كما يعرف من حدودها و حصر بعض المعاصرين لها في الشرط و السبب غير مستقيم و الظاهر أن نزاعهم في المقام يتوجه إلى الجميع كما يرشد إليه تعبيرهم عن محل النزاع بمقدمة الواجب أو ما لا يتم الواجب إلا بدونه أو ما يتوقف عليه الواجب و أما ما نقل عن البعض من نقل الاتفاق على وجوب أجزاء الواجب المركب فإن أراد الوجوب النفسي على البيان الآتي فخارج عن محل النزاع و إن أراد الوجوب الغيري فممنوع لما عرفت و أما الاحتجاج عليه بأن وجوب المركب يدل على وجوب أجزائه بالتضمن فخطأ لأن الوجوب النفسي لا يتركب من وجوبات غيرية نعم دلالة الواجب عليه بالتضمن و أما دلالة وجوبه على وجوبها الغيري فبالالتزام كسائر المقدمات و المراد بالمعد هنا ما يعتبر وجوده و عدمه في حصول المطلوب مع بقاء الاختيار معه على الفعل كنقل الأقدام في الوصول إلى الحج و احترزنا بالقيد الأخير عن الأسباب الإعدادية فإنها داخلة في السبب و الوجه في سائر القيود ظاهر و المراد بالشرط الخارج الذي يقتضي عدمه عدم المشروط مع عدم قيام البدل و لا يقتضي وجوده وجوده فخرج الجزء لدخوله و لوازم الشرط لعدم اقتضاء لها حقيقة و المعد لأن عدمه المقارن لا يقتضي العدم كيف و قد اعتبر في المقتضي نعم عدمه مطلقا يقتضي ذلك لكن ظاهر لفظ الحد هو الأول و قد يعرف بما يلزم من عدمه عدم المشروط و لا يلزم من وجوده وجوده و هو منقوض طردا بالمقتضي المجامع لعدم الشرط أو لوجود المانع و ببعض أجزائه و أجزاء المشروط إن كان مركبا و خروج الثلاثة الأول عن الحد الأول مبني على تعميم الاقتضاء المنفي إلى الفعلي و الشأني و الاستقلالي و الضمني و باللوازم إن لم يجعل من سببية و عكسا بالشرط المتأخر عن المقتضي كالإجازة في الفضولي على القول بحصول الأثر من حين الإجازة و قول بعض المعاصرين بدخول جميع العلل الناقصة في الشرط غريب و أغرب منه أنه عمم السبب إلى السبب الناقص و جعله في مقابلة الشرط مع أن الأسباب الناقصة علل ناقصة و السبب قد يطلق و يراد به السبب التام و يرادفه العلة التامة و قد يطلق و يراد به الجزء الأخير منه و حد بهذين الاعتبارين بما يستحيل انفكاكه عن الشي‏ء مطلقا و هو غير مطرد لدخول لوازم السبب و اللوازم المساوية للمسبب فيه و حده بعضهم بالاعتبار

الأول بما يلزم من وجوده وجود الشي‏ء و من عدمه عدمه و هو أيضا غير مطرد لدخول اللوازم و الجزء الأخير من المركب و الجزء الأخير من العلة و ما قبله إن استلزمه فيه و إن جعلت من سببيته خرجت اللوازم لكنه يوجب الدور إلا أن تجعل للسببية المطلقة و مع ذلك ينتقض عكسه بما إذا قام مقام السبب سبب آخر و الأظهر أن يحد بالخارج الذي يمتنع انفكاكه عن المسبب مع توقفه عليه فيخرج الجزء لدخوله و ما عدا الجزء الأخير لجواز الانفكاك و اللوازم لعدم التوقف و اعتبار المسبب في الحد لا يوجب الدور إذ يكفي فيه تصوره الإجمالي و تفسير السبب بأحد هذين المعينين في هذا المبحث و نظائره كما وقع عن البعض غير سديد أما الأول فلأن من قال بالوجوب في السبب دون غيره من المقدمات من حيث المجموع و هو ظاهر و أما الثاني فلأن الجزء الأخير ربما لا يكون فعلا اختياريا في نفسه و القائل بالاقتضاء في السبب إنما يقول به في السبب الاختياري على ما يساعد عليه حجته مع أن السبب قد يكون مركبا من أجزاء كصيغة العتق و هذا القائل لا يخص الوجوب بالجزء الأخير منه و كذلك من قال بأن الأمر بالمسبب راجع إلى الأمر بالسبب لا يريد به مجموع المقدمات و لا الجزء الأخير الغير الاختياري و لا الجزء الأخير من السبب الاختياري إذا كان مركبا كما يفصح عنه دليله و فسره الفاضل المعاصر بما يستلزم وجوده وجود المسبب و عدمه عدمه لذاته و قيد بقوله لذاته لئلا ينتقض عكس الحد بالسبب الذي لم يستلزم وجوده وجود المسبب لمانع كعدم الشرط أو عدمه العدم لوجود سبب آخر لتحقق استلزام الوجود في الأول و العدم في الثاني بالنظر إلى ذات السبب هذا حاصل كلامه و هو صريح في أن القيد المذكور معتبر في المقامين و أن المراد بالسبب ما يتناول السبب الناقص أيضا و فيه نظر لأن الظاهر أن من قال بالاقتضاء في السبب لم يقصد به السبب الناقص أعني ما

84

يصادف وجود المانع و لو مع العلم به لظهور أن لا غرض للآمر في فعله و كذا من يجعل الأمر بالمسبب راجعا إلى الأمر بالسبب لم يقصد به السبب الناقص كما يفصح عنه دليله مع أن إطلاق السبب على السبب الناقص مجاز و لا قرينة عليه في كلامه فلا يصح حمله عليه ثم أقول في حده إن أراد بالاستلزام دوام الاستلزام لم يتناول السبب الناقص و كذا إن أراد الاستلزام من حيث الذات كما هو الظاهر من لفظ الحد لامتناع تخلف ما بالذات عنها على ما حقق في محله و إن أراد الاستلزام في الجملة دخل الشرائط أيضا لأنها قد تستلزم و ذلك إذا أخذت بشرط المقارنة لغيرها من تتمة العلة ثم السبب بهذا المعنى أعم منه بالمعنى الأول فيرد عليه الإشكال المورد عليه على أن قوله و يلزم من عدمه العدم مستدرك لحصول الاحتراز عن المانع كما ذكره بما ذكره من الاستلزام في جانب الوجود و ما زعمه من أن تقييد الاستلزام في جانب العدم مستدرك لحصول الاحتراز عن المانع كما ذكره بما ذكره من الاستلزام في جانب الوجود و ما زعمه من أن تقييد الاستلزام في جانب العدم بقوله لذاته لإدخال الأسباب المتعددة غير سديد لأن عدم كل سبب في ذاته لا يستلزم عدم المسبب و إلا لامتنع وجوده بسبب آخر لما مر و إنما يستلزمه بشرط عدم بقية الأسباب أو يستلزمه عدم جميع الأسباب إلا أن يتعسف بحمله على الاستلزام في الجملة كما مر في بعض الوجوه و التحقيق أن المراد بالسبب هنا هو الجزء الأخير من الفعل الاختياري الخارج المقتضي وجوده وجود المسبب فخرج الغير الاختياري في نفسه لما عرفت و الأجزاء لدخولها و لوازم السبب و جزؤه إن كان مركبا و الأسباب الناقصة و المعدات و الشرائط إذ لا اقتضاء لها حقيقة و إن كان للأسباب الناقصة شأنية الاقتضاء و دخل المقتضي بواسطة مسببه لأن المقتضي للسبب مقتض لمسببه أيضا عرفا ثم اعلم أن مقدمة الواجب المطلق قد ينحصر في المقدور كالطهارات الثلاث بالنسبة إلى المتمكن و قد يشترك بينه و بين غير المقدور كتطهير الثوب فإنه يحصل تارة بغسله المقدور و أخرى بوقوعه في الماء من غير قصد و بغسل غيره له من غير إذنه إلى غير ذلك مما لا يستند إلى قدرة المكلف و لا ريب في أن وجود الواجب في مثله لا يتوقف على التقدير الأول فقط بل على أحد التقديرين منه و من التقدير الثاني فيكون مقدمة الواجب أحد الأمرين لكن الوجوب على القول به إنما يتعلق بالمقدمة المقدورة على التعيين دون غيرها و لو على التخيير لاستحالة التكليف بغير المقدور مطلقا نعم يسقط وجوب المقدورة عند القائلين به بحصول غير المقدورة و لا يلزم منه وجوبه كسقوط ما في ذمة زيد بأداء عمرو و كسقوط وجوب إزالة النجاسة عن المسجد باستباق السيل و المطر إليها مع أن الوجوب في الصورتين تعييني إذا تقرر هذا فالمستند على القول المختار وجوه الأول شهادة الضرورة بذلك فإن من راجع وجدانه حال إرادته لشي‏ء و طلبه له و قاس نفسه إلى ما يتوقف عليه من مقدماته و أنصف قطع بأنه مريد لها للوصلة إليه على حد إرادته له و قطع بأن منشأ هذه الإرادة إنما هو إرادة ذي المقدمة و أنها تستلزمها حتى إنه لو بنى على عدم إرادتها حال إرادته وجد ذلك من نفسه مجرد فرض لا حقيقة له لمخالفته مقتضى عقله و اعترض عليه بأن الأمر كثيرا ما يذهل عن تعقل المقدمات فيمتنع إرادته لها إذ تعلق الإرادة و الطلب بأمر غير معقول و الجواب أنه إن أريد امتناع ذلك في الطلب الأصلي فخارج عن محل البحث و إن أريد امتناعه في الطلب التبعي فممنوع فإن لوازم الخطاب مرادة بإرادته كتعيين أقل الحمل من الآيتين و إن قدر الذهول عنها أو نقول المقدمة مرادة على تقدير الذهول عنها بالإرادة الشأنية بمعنى أنها بحيث لو تنبه الآمر لها لأرادها و هي منزلة منزلة الإرادة الفعلية بحكم العقل و العادة كمحافظة العبد على ما يجده من مال مولاه في معرض التلف و كإنقاذه للغريق من أهله و صديقه إذا تمكن من ذلك من دون مانع فإنه يذم على الترك في ذلك قطعا و إن لم يسبق إليه خطاب به و ليس ذلك إلا لكون المقام بحيث لو اطلع عليه مولاه لألزمه به على أنه لا خفاء في أن الوجوب المتنازع فيه إنما هو الوجوب الشرعي و هو مستند إلى أمره تعالى و إرادته و يمتنع الذهول و الغفلة عليه و أما الوجوب المستند إلى أمر من يجب طاعته شرعا فراجع إلى أمره تعالى فإنه‏

تعالى حيث أمرنا بالطاعة أمرنا بمقدماتها أيضا الثاني أن صريح العقل قاض بأن اتصاف الأمر المقدور بالرجحان النفسي المانع من النقيض بالفعل يوجب اتصاف ما يتوقف عليه من مقدماته التي تقدم ذكرها بالرجحان له أعني الرجحان الغيري كذلك و قضية ما تقرر عند أهل التحسين و التقبيح من أن أحكام الشرع تابعة لما تتضمنه الأفعال من وجوه المصالح و الجهات المرجحة أن يكون الراجح النفسي مطلوبا لنفسه و الراجح الغيري مطلوبا للغير على اختلاف مراتب الطلب بحسب تفاوت مراتب الرجحان و حيث إن رجحان الواجب رجحان مانع من النقيض فلا بد أن يكون رجحان مقدماته أيضا كذلك و ذلك يستلزم وجوبها على القاعدة المذكورة و هو المطلوب الثالث أنها لو لم تجب لجاز تركها و حينئذ فإن بقي الواجب على وجوبه لزم التكليف بالمحال لامتناعه حال عدمها و إلا لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا و بطلان كل منهما ظاهر و اعترض عليه بعد التزام القسم الأول تارة بمنع بطلان التالي لجواز التكليف بالمحال إذا كان ناشئا من قبل المكلف و أخرى بمنع الملازمة لأن القدرة لا ترتفع بجواز الترك إذ تأثير الإيجاب في القدرة غير معقول و الاعتراض الأول أنسب بأن يكون قول المستدل و حينئذ بمعنى حين الترك و الثاني أنسب بأن يكون معناه حين الجواز و الجواب عن الأول أن التكليف بالمحال مما يستقل كل من العقل و النقل ببطلانه سيما إذا ترتب على أمر جائز و عن الثاني أن المقصود ليس تأثير إيجاب المقدمة في القدرة على ذي المقدمة بل في صحة التكليف به بحيث يترتب الذم على تركه لأنه إذا لم تجب المقدمة عليه لم يصح ترتب الذم عليه لعدم صدور مخالفة منه إذ حال القدرة لا يجب عليه التوصل إلى الواجب بإتيان مقدماته و بعدها لا تكليف عليه و إلا لزم التكليف بالمحال و أما ما يقال من أن اللازم على تقدير وجوب المقدمة حينئذ وقوع المخالفة فيها لا في ذي المقدمة فيبقى الإشكال فيه بحاله بناء على عدم جواز التكليف بالمحال مطلقا

85

فيمكن دفعه بأن وجوب المقدمة ليس لنفسها بل للتوصل إلى المطلوب فمرجع المخالفة فيها إلى المخالفة فيه و بهذا يندفع أيضا ما عساه يقال من أن الدليل المذكور إنما يقتضي وجوب المقدمة و لو لنفسها و المقصود إنما هو إثبات وجوبها لغيرها و إن كانت واجبة لنفسها أيضا كما في المعارف الخمس هذا غاية توجيه الدليل و التحقيق أن وجوب المقدمة لا مدخل له في ترتب الذم و العقاب على ترك ذي المقدمة بل المدار في ترتبهما على مجرد ترك الواجب مع العلم و التمكن و لو في بعض أزمنة الوجوب و الذي يفصح عن ذلك أن العقلاء يذمون تارك الواجب معللين بأنه علم و تمكن و لم يفعل فلو كان وجوب المقدمة أيضا مما يعتبر في وجوب الواجب لاعتبروه في ترتب الذم عليه كالعلم و التمكن و أيضا وجوب المقدمة من لوازم وجوب الواجب و توابعه المتوقفة عليه بالضرورة فلا يكون مما يتوقف عليه وجوب الواجب و يعتبر فيه كما يقتضيه الدليل المذكور و إلا لكان دورا و على هذا فالتحقيق أن المكلف ما دام متمكنا من ذي المقدمة فهو مأمور به و لا مدخل لوجوب المقدمة فيه و بعد ارتفاع تمكنه منه يرتفع عنه التكليف لقبح التكليف بغير المقدور فقول المستدل و إلا لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا إن أراد خروجه عنه بالنسبة إلى حال ثبوت القدرة بأن لا يكون ما فرض واجبا مطلقا حال القدرة واجبا مطلقا فيها فبطلانه واضح لأن الملازمة ممنوعة إذ لا يلزم من عدم بقاء الوجوب حال ارتفاع القدرة عدمه قبل ارتفاعها كما لا يلزم من ارتفاعه بعد فعل الواجب أو فوات وقته عدمه قبلهما و كذا نمنع الملازمة إن أراد خروجه عنه بالمعنى المذكور بالنسبة إلى حال ارتفاع القدرة إذ لا يثبت فيها وجوب حتى يتحقق الخروج عنه و لا ينافي ذلك ترتب الذم و العقاب على المخالفة إذ لا يشترط فيه استمرار التكليف إلى زمان الفعل و إن أريد بالخروج ارتفاع الوجوب المطلق عند ارتفاع القدرة فالملازمة مسلمة لكن بطلان التالي ممنوع كما أشرنا إليه الرابع أنها لو لم تجب لجاز تصريح الأمر بجواز تركها و التالي باطل بيان الملازمة أن جوازه حينئذ حكم من الأحكام فيجوز بيانه لا يقال الخطاب به عبث فلا يقع من الحكيم لأنا نقول إن كان في الوجه في ذلك ظهور الحكم فظاهر خلافه لمصير كثير من الأعلام إلى خلافه مع أن اعتضاد حكم العقل بالشرع مما لا غبار عليه و إن قدر وضوحه كما وقع في غير المقام و إن كان غير ذلك فلا بد من بيانه حتى نتكلم عليه و أما بطلان التالي فمما تشهد الضرورة به حتى اعترف به بعض المنكرين للوجوب و اعتذر عنه بأن الحكم بالجواز هنا عقلي لا شرعي و وجهه بعضهم بأن مقدمة الفعل لازمة له و حكم الشارع بجواز ترك اللازم دائما يستلزم حكمه بجواز ترك الملزوم و يدفعه أن تفكيك حكم الشرع عن حكم العقل غير سديد كما سيأتي بيانه في محله إن شاء الله و أن عدم حكم الشارع بجواز الترك إن كان مع الحكم بعدم جواز الترك فقد ثبت المطلوب و إلا فمردود بانتفاء الواسطة بين الأحكام الخمسة حجة النافين الأصل و أنه لا دلالة لصيغة الأمر على ذلك بواحدة من الثلاث أما المطابقة و التضمن فظاهر و أما الالتزام فلأنه لا ملازمة عقلا و لا عرفا بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و أنه لو استلزم لعصى بتركه و التالي باطل للقطع بأن ترك الصلاة معصية واحدة لا معاص متعددة بحسب تركها و ترك مقدماتها و أنه يجوز تصريح الأمر بعدم الوجوب كأن يقول أوجبت عليك غسل الوجه و لا أوجب عليك غسل ما زاد عليه و أن الآمر كثيرا ما يذهل عن المقدمات فيمتنع تعلق طلبه بها و أنها لو وجبت لوجبت نيتها و أنه باطل و الجواب أما عن الأول فبأن الأصل لا يعارض الدليل و أما عن الثاني فبما مر من بيان الملازمة إن أريد بها اللزوم البين بالمعنى الأعم و إن أريد بها اللزوم البين بالمعنى الأخص سلمنا انتفاء الدلالة بهذا الاعتبار لكنه لا يوجب نفي الدلالة مطلقا و قد مر ما يقتضي ثبوتها معنى و عقلا و أما عن الثالث فبمنع الملازمة فإن الظاهر من العصيان إنما هو المخالفة في الطلب الإلزامي النفسي دون الغيري و إن فسر بمخالفة مطلق الطلب الإلزامي كان بطلان التالي على تقديره ممنوعا إذ المذكور في بيانه إنما يقتضي نفي العصيان بالمعنى الأول و أما عن الرابع فبأن المنفي إن كان الوجوب النفسي فصحة التصريح به لا يثبت المدعى و إن‏

كان الوجوب الغيري أو ما يعمه فقد مر أن الضرورة تشهد بخلافه و أما المثال المذكور فليس مما نحن فيه في شي‏ء لأنه إيجاب شي‏ء و تصريح بعدم وجوب مقدمة شي‏ء آخر فإن غسل ما زاد على الوجه مقدمة للعلم بالغسل لا لنفس الغسل فنفي وجوبه ينافي تحصيل العلم بغسل تمام الوجه لا وجوب غسل تمام الوجه و أما عن الخامس فبما مر و أما عن السادس فبمنع الملازمة كما في إزالة النجاسة و نظائرها ثم هذه الأدلة كلا أو بعضا مشتركة بين الأقوال الثلاثة و احتج من خصها بغير السبب بأن وجوب السبب ليس محل خلاف يعرف بل ربما نقل الاتفاق عليه و بأن القدرة غير حاصلة مع المسببات فيبعد تعلق التكليف بها وحدها و لا يخفى ضعف الوجهين أما الأول فلأن عدم معروفية المخالف لا تعويل عليه عندنا بل و لا عند المستدل فإنه أنكر حجية عدم معلومية المخالف و هو يستلزم إنكاره لحجية عدم معروفية المخالف بطريق أولى و كذا لا تعويل عندنا على نقل الإجماع في نظائر المقام حيث إن الظاهر منه إرادة مجرد الاتفاق لا الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم أو المشتمل عليه و إن كان النقل المذكور في كلام أهل الخلاف كما هو الظاهر فعدم الاعتداد به أوضح و أما الثاني فلأن مجرد الاستبعاد لا يثبت به الحكم الشرعي و ذلك ظاهر مع أنه جار في غير السبب من المقدمات أيضا إذ القدرة غير حاصلة مع ذي المقدمة بدونها أيضا فيجري فيها الاستبعاد المذكور و اعلم أن القول بوجوب مقدمة الواجب إذا كانت سببا مبني على القول بعدم رجوع الأمر بالمسببات إلى الأمر بأسبابها إذ على تقدير الرجوع تخرج الأسباب عن كونها مقدمة للواجب كما هو محل البحث فاحتجاج الفاضل المعاصر على القول بوجوب مقدمة الواجب إذا كانت سببا بالحجة الآتية للقول برجوع الأمر بالمسببات إلى الأمر بأسبابها و تنزيله للقول المذكور على ذلك وهم واضح كيف و البحث هنا عن وجوبها الغيري التبعي و البحث هناك عن وجوبها النفسي الأصلي و لعل منشأ الوهم تعرض صاحب المعالم لنقل هذا القول و حجته في أثناء الاحتجاج فتوهم منه اتحاد القولين و احتج من خصها بغير

86

الشرط الشرعي أن الشرط الشرعي لو لم يجب لم يكن شرطا إذ بدونه يصدق أنه أتى بجميع ما أمر به فيجب صحته و هو مناف للشرطية و فيه أنه بدون الشرط لا يصدق أنه أتى بما أمر به لامتناع تحقق المشروط بدون الشرط و إن لم يجب و لو جعلنا التقييد بالشرط داخلا فالمنع أوضح و أما ما أورد على الحجة المذكورة من أنها تجري في غير الشرط الشرعي من سائر المقدمات فمما لا وجه له لعدم إمكان الإتيان بالواجب و لو صورة بدونها بخلاف الشرط الشرعي و قد يستدل بأن ترك الشرط سبب لترك الواجب فيحرم فيجب فعله و هذا مع جريانه في سائر المقدمات مبني على تحريم السبب الشأني للحرام و هو ممنوع كما يأتي ثم لا يذهب عليك أن بعض الوجوه التي أوردوها لنفي الوجوب في غير السبب و الشرط لو تم أفاد نفي الوجوب فيهما أيضا كما لا يخفى و اعلم أن القوم و إن خصوا البحث في المقام بمقدمة الواجب لكنه يجري في مقدمة المندوب أيضا و التحقيق بأنه مندوب للوصلة إليه و الكلام فيه كالكلام في مقدمة الواجب و قد يشكل ذلك باستلزامه نفي المباح إذ ما من مباح إلا و تركه مقدمة لفعل مندوب فيكون مكروها لرجحان تركه المستلزم لمرجوحية فعله و سيأتي بيان دفعه في ذيل مبحث الضد مضافا إلى ما في كلية الدعوى من وضوح توجه المنع إليها و اعلم أيضا أن الكلام في مقدمات الواجب المشروط كالكلام في مقدمات الواجب المطلق فيجب مقدماته بالوجوب الشرطي حيث يجب مقدمات الواجب المطلق بالوجوب المطلق نعم يستثنى منها المقدمة التي هي شرط الوجوب من حيث نفسه أو تقديره فإنها لا تجب بالوجوب الشرطي من حيث كونها مقدمة للواجب المشروط و إلا لزم وجوب الشي‏ء بشرط وجوده أو على تقدير وجوده و هو محال و قس على ذلك الحال في مقدمات المندوب المشروط

تنبيهات‏

الأول [أن مقدمة الواجب لا تتصف بالوجوب و المطلوبية من حيث كونها مقدمة إلا إذا ترتب عليها وجود ذي المقدمة]

قد ذكرنا أن وجوب مقدمة الواجب غيري و بينا أيضا أنه يعتبر في اتصاف الواجب الغيري بالوجوب كونه بحيث يترتب عليه الغير الذي يجب له حتى إنه لو انفك عنه كشف عن عدم وقوعه على الوجه الذي يجب فلا يتصف بالوجوب و نقول هنا توضيحا لذلك و تأكيدا له أن مقدمة الواجب لا تتصف بالوجوب و المطلوبية من حيث كونها مقدمة إلا إذا ترتب عليها وجود ذي المقدمة لا بمعنى أن وجوبها مشروط بوجوده فيلزم ألا يكون خطاب بالمقدمة أصلا على تقدير عدمه فإن ذلك متضح الفساد كيف و إطلاق وجوبها و عدمه عندنا تابع لإطلاق وجوبه و عدمه بل بمعنى أن وقوعها على الوجه المطلوب منوط بحصول الواجب حتى إنها إذا وقعت مجردة عنه تجردت عن وصف الوجوب و المطلوبية لعدم وجوبها على الوجه المعتبر فالتوصل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها لا من قبيل شرط الوجوب و هذا عندي هو التحقيق الذي لا مزيد عليه و إن لم أقف على من يتفطن له و الذي يدل على ذلك أن وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يدل عليه زائدا على القدر المذكور و أيضا لا يأبى العقل أن يقول الآمر الحكيم أريد الحج و أريد المسير الذي يتوصل به إلى فعل الحج له دون ما لا يتوصل به إليه و إن كان من شأنه أن يتوصل به إليه بل الضرورة قاضية بجواز التصريح بمثل ذلك كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقا أو على تقدير التوصل بها إليه و ذلك آية عدم الملازمة بين وجوب الفعل و وجوب مقدمته على تقدير عدم التوصل بها إليه و أيضا حيث إن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب و حصوله فلا جرم يكون التوصل إليه و حصوله معتبرا في مطلوبيتها فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه و صريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا لمجرد حصول شي‏ء لا يريده إذا وقع مجردا عنه و يلزم منه أن يكون وقوعه على الوجه المطلوب منوطا بحصوله‏

الثاني [اجزاء الواجب‏]

إذا تركب الواجب في الخارج من أجزاء كالصلاة فكل جزء من أجزائه واجب بالوجوب النفسي و الغيري باعتبارين فباعتبار كونه في ضمن المركب واجب نفسي فإن المركب عبارة عن نفس الأجزاء و إلا لم يكن مركبا فوجوبه عبارة عن وجوبها لكن تعلق الوجوب بكل جزء حينئذ ليس مستقلا بل في ضمن الكل فالدال على طلب الكل بالمطابقة دال على طلب الجزء بهذا الاعتبار أيضا بالمطابقة و إن كان الدال على متعلقه الأول أعني الكل بالمطابقة دالا على متعلقه الثاني أعني الجزء بالتضمن لا يقال هذا إنما يتم فيما إذا اجتمعت أجزاؤه في الزمان دون ما إذا تفرقت فيه كالصلاة و الحج إذ لا وجود للكل في الخارج حال وجود الجزء حتى يعتبر وجوده في ضمنه و قد تقرر في الكتاب أن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالطبائع باعتبار وجوداتها الخارجية لا غير لأنا نقول قد حققنا في محله أن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية تلحق الأفعال الخارجية في الذهن باعتبار كونها خارجية و لا ريب أن الأفعال الخارجية مجتمعة في الذهن و إن أخذت من حيث كونها خارجية فيصح اعتبار الجزء في ضمن الكل في ظرف الاتصاف و من هنا صح وصف الكل بالوجوب مع أن ثبوت الوصف فرع ثبوت الموصوف و لا وجود للكل في الخارج و إنما الموجود أجزاؤه التدريجية و ليس شي‏ء منها صالحا للاتصاف لعدم استقلاله به هذا و باعتبار كونه مما يتوصل به إلى الكل واجب غيري لتوقفه عليه ضرورة أن وجود المركب مسبوق بوجود أجزائه فيدل الأمر به على الأمر بها بالاستلزام فيتعلق الوجوب بها على الاستقلال و ليس بالتضمن لأن الوجوب النفسي بسيط و إن تعلق بمركب فلا يتركب من وجوبات غيرية و كأن من ادعى عدم الخلاف في وجوب الجزء يريد به الوجوب بالاعتبار الأول فيكون خارجا عن محل النزاع‏

الثالث [المقدمة العلمية]

المقدمة كما تكون مقدمة وجوب و مقدمة وجود كذلك قد تكون مقدمة علم كغسل جزء من الرأس لتحصيل العلم بغسل تمام الوجه فتجب حيثما يجب و مرجع هذه المقدمة عند التحقيق إلى مقدمة الوجود حيث يتوقف حصول العلم الواجب عليها فوجوبها إنما يستفاد من الخطاب بتحصيل العلم الثابت في موارده بالعقل أو السمع لا من الخطاب بالفعل إذ لا توقف له عليها و هذا ظاهر و قس على ذلك الحال في مقدمة الظن حيثما يعتبر و لا يذهب عليك أن وجوب تحصيل العلم أو الظن في موارده غيري إذ الواجب في الحقيقة هو العمل المعلوم أو المظنون وجوبه دون نفس العلم أو الظن و لهذا لا يعاقب تارك الواجب على ترك تحصيل العلم أو الظن به أيضا إذا تمهد هذا فمن‏

87

فروعه ما لو اشتبه الواجب بالجائز فعلى ما حققناه يجب الإتيان بما يعلم معه الإتيان بالواجب و ربما قيل بعدم الخلاف في وجوب مثل هذه المقدمة و أنكره بعض المعاصرين في غير ما ورد فيه نص فعلى ما ذكرنا يجب فيما لو اشتبهت جهة القبلة بغيرها أن يأتي بصلوات متعددة بحسب الجهات المشتبهة لا يقال تجب الصلاة إلى جهة القبلة و لا تجوز إلى غيرها فلا يكون من اشتباه الواجب بالجائز بل بالحرام لأنا نقول عدم جواز الصلاة إلى غير جهة القبلة إنما هو من جهة كونها بدعة من حيث عدم تعلق طلب الشارع بها و ظاهر أن هذا يختص بغير حال الاشتباه إذ حال الاشتباه يتعلق بها طلب غيري بناء على ما مر نظرا إلى إطلاق الأمر و أصالة بقاء الاشتغال فيخرج عن كونها بدعة فالمراد بالجائز ما يكون جائزا مع قطع النظر عن كونه بدعة كما مر التنبيه عليه في عنوان المبحث هذا إذا قلنا بأن حرمة الصلاة إلى غير جهة القبلة تشريعية محضة و أما إذا قلنا بأنها محرمة ذاتية كما يستفاد من بعض الأدلة فلا خفاء في أن تحريمها مقصور على غير صورة الاشتباه لعدم مساعدة دليل التحريم على ثبوته في صورة الاشتباه فيتم التفريع المذكور أيضا و على هذا فينوي عند الإتيان بكل واحد من آحاد المشتبه أنه يأتي بالواجب و لو أريد تعيين كونه نفسيا أو غيريا عينه بالنفسي الاحتمالي و الغيري القطعي و وجهه ظاهر ثم لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الواجب فعلا كما مر أو تركا كما في الحرام المشتبه بغيره مع الانحصار فيجب الاجتناب عن كل واحد من باب المقدمة لتوقف العلم بترك الحرام الواجب عليه صرح بذلك جماعة منهم العلامة و أنكره بعض المعاصرين بناء على وجوب مقدمة الواجب معللا بأن الواجب ترك ما علم حرمته لا ما كان حراما بحسب نفس الأمر إذ لا دليل عليه و هو ضعيف إذ العقل لا يفرق بين المقامين و سيأتي تحقيق الكلام فيه في محله إن شاء الله و اعلم أن هذه القاعدة تقتضي جواز الإتيان بالزائد على الواجب لتحصيل العلم بإتيانه و لو مع التمكن من تحصيل العلم بغيره إذ غاية الأمر أن يكون وجوبه على هذا التقدير تخييريا لا تعيينيا لكن الطريقة المتلقاة من صاحب الشريعة لا تساعد عليه في العبادات الموظفة عند التمكن من الاستعلام للقطع بعدم جواز الصلاة إلى الجهات الأربع أو في الثياب المتعددة مع التمكن من تعيين جهة القبلة و تحصيل الثوب الطاهر فينبغي تخصيصها فيها بصورة عدم التمكن و منه يظهر أن للصلاة الفاقدة للشرط عند التمكن جهة قبح زائد على قبح التشريع أعني فعل غير المأمور به على أنه مأمور به إذ لو انحصر فيه لزم وجوبها على وجه التخيير على ما تقتضيه الأدلة السابقة فإن قضيتها عدم انفكاك مقدمة الواجب بقيودها المعتبرة في العنوان عن الوجوب الغيري و لو على وجه التخيير حيث تعدد

الرابع تظهر ثمرة النزاع في مواضع‏

منها في صحة قصد الامتثال و القربة بفعلها من حيث كونها مقدمة فعلى القول بالوجوب يصح قصد ذلك لأن تعلق الطلب بفعل و لو للغير يوجب صحة قصد الآتي به لتعلق الطلب به إنه يأتي به لذلك فيصح وقوعها على وجه العبادة إذا كان مشروعيتها كذلك كما في الصلاة إلى الجهات و في الأثواب المشتبهة و لا يصح على القول الآخر لانتفاء الطلب و منها ترتب الثواب و قد أنكره جماعة و الحق أنهم إن أرادوا بالثواب أمرا غير المدح و القرب فربما كان له وجه نظرا إلى أن العقل لا يستقل بإثباته في جميع موارده و ثبوته في بعض الموارد شرعا كالسير إلى الجهاد و نحوه لا يثبت الكلية و قوله تعالى لا يضيع عمل عامل منكم لا دلالة له على تعيين ترتب أمر غيرهما و إن أرادوا الأعم منهما فترتب الأمر الأول أعني المدح مما لا ريب فيه لشهادة العقل و العادة به أ لا ترى أن المولى إذا أمر عبده بأمر فأخذ يسعى في تحصيل مقدماته و يرتكب المكاره في تمهيد أسبابه للوصلة إلى مطلوبة أن العقلاء يمدحونه معللين حسن مدحه بفعله ذلك للتوصل إلى مطلوب مولاه و المنع منه مكابرة لا يعبأ به و كذا الأمر الثاني على ما يشهد الفطرة السليمة إذ لا ريب في أن فعل المقدمة على الوجه المذكور إطاعة و انقياد و من البين أنهما يستلزمان القرب إلى المطاع حيث يتجردان عن الموانع الخارجية و هذا ظاهر عند من استشعر بمعنى العبودية هذا إذا أتى بالمقدمة وصلة إلى المطلوب من حيث كونه مطلوبا و أما إذا أتى بها لغيره فلا ريب في عدم ترتب الثواب عليها من هذه الجهة نعم يجوز أن يترتب عليها الثواب حينئذ من حيث نفسها إن كانت راجحة كذلك كما في الطهارة على القول برجحانها الذاتي كما يجوز أن يترتب عليها العقاب حينئذ إذا كانت محرمة في نفسها و وجب فعلها وصلة إلى ما هو أهم منها كترك الفريضة المضيقة المتوقف عليه إنقاذ الغريق إذا أتي به لغيره و بهذا التحقيق يظهر ضعف ما تمسك به بعض المعاصرين في تخصيص الثواب بالواجبات الأصلية من أنه لا دليل على ترتبها على الواجبات التبعية و أما تركها فلا يترتب عليه الذم و العقاب من حيث كونه تركا لها و إن ثبت وجوبها بخطاب أصلي أيضا على ما يساعد عليه النظر الصحيح و أما ترتب الذم و العقاب على تارك مقدمة الواجب و إن لم يصادف بعد زمن الواجب كما يشهد به العقل و العادة و لهذا يزجر و يعزر عليه فلا نسلم أنه يترتب عليه من حيث كونه تاركا لمقدمة الواجب بل من حيث كونه متجريا على ترك الواجب فإن التحقيق أن التجري على المعصية معصية أيضا لكنه إن صادفها تداخلا و عدا معصية واحدة و إنما تظهر الثمرة فيما لو تخلف عنها و أما ما ورد من أن نية السوء لا تكتب على هذه الأمة فلا ينافي ما ذكرناه لأن الاستحقاق هنا إنما هو من جهة التجري الناشئ من الترك المقرون بالنية لا من حيث نفس النية مع أن نفي المؤاخذة لا ينافي الاستحقاق و ترتب الذم كما في الصغائر لا يقال لو ترتب الثواب على فعل مقدمة الواجب من حيث كونها مقدمة و لم يترتب العقاب على تركها كذلك لم تكن واجبة بل مندوبة لأن ذلك معنى المندوب لأنا نقول حد الواجب عندنا على ما يساعد عليه التحقيق أمران أحدهما ما يخص بالواجب النفسي و هو ما يستحق العقاب على تركه من غير بدل و لا عذر و الثاني ما يتناول الواجب الغيري أيضا و هو ما ألزم الشارع بفعله و في حد المندوب أيضا أمران أحدهما ما يختص بالنفسي منه و هو ما تعلق به طلب الشارع لنفسه مع عدم المنع من تركه مطلقا الثاني ما يتناول الغيري أيضا و هو الحد المذكور بحذف قولنا لنفسه و قس على‏

88

ذلك حد الحرمة و الكراهة و حينئذ فلا يلزم خروج مقدمة الواجب عن حد الواجب و لا صدق حد المندوب عليها بهذه الحيثية إن قلنا بعدم ترتب العقاب على تركها من حيث كونه تركا لها بل من حيث ما يلزمه من التجري على ترك الواجب كما هو التحقيق و أما ما زعمه بعض المعاصرين من أن القائلين بوجوب المقدمة يقولون بترتب العقاب على تركها و استفاد ذلك من احتجاجهم على فساد ضد الواجب إذا كان عبادة بتعلق النهي به من باب المقدمة حيث زعم أن النهي المقتضي للفساد ليس إلا ما كان فاعله معاقبا ففيه ما لا يكاد يخفى بل النهي المقتضي للفساد أعم من ذلك كما سينبه عليه و زعم أيضا أن الواجب الغيري إذا كان وجوبه أصليا يترتب العقاب على تركه بخلاف التبعي و ضعفه ظاهر بل التحقيق أن الواجب الغيري لا يستحق على تركه العقاب و إن كان أصليا كما أن الواجب النفسي يستحق على تركه العقاب و إن كان تبعيا للقطع بأن المولى إذا قال لبعض عبيده اذهب إلى السوق و اشتر اللحم منه و قال لآخر اشتر اللحم منه من غير أمر بالذهاب إليه كانا متساويين في استحقاق العقوبة على المخالفة من هذه الجهة فلا يعاقبان إلا عقابا واحدا [و منها بطلان العبادة الموسعة إذا كان تركها مقدمة الواجب مضيق على ما زعمه جماعة و سيأتي تحقيق الكلام فيه‏] و منها ما ذكره بعضهم من الاجتماع مع الحرام و عدمه فعلى القول بالوجوب لا يجتمع مع الحرام و على القول الآخر يصح أن يجتمع أقول و هذه الثمرة مستدركة إذ لا خلاف ظاهرا بين من قال بوجوب المقدمة و من لم يقل بوجوبها في أن المكلف إذا توصل بالمقدمة المحرمة سقط عنه وجوب غيرها و صح منه الواجب إن تقدم فعلها عليه كالسير بالنسبة إلى الحج و أما إن قارنته فإن عول على ما نحققه من أن الواجب مطلوب حينئذ على تقدير حصول المقدمة صح على القولين و إلا بطل على القولين فغاية ما تقتضيه القاعدة المذكورة اختصاص الوجوب فيها على القول به بغير المحرم و هذا ليس ثمرة للنزاع بل تخصيص له و قد يجعل من ثمرة النزاع براءة ذمة الناذر و عدمها فيما لو نذر أن يأتي بواجب فأتى بمقدمته فإنه تبرأ ذمته بفعلها على القول بوجوب المقدمة و لا تبرأ على القول الآخر و هذا إنما يتم إذا نوى مطلق الواجب و إلا فالإطلاق ينصرف إلى الواجب النفسي الخامس زعم بعضهم أن الأمر بذي السبب الغير المقدور بنفسه راجع إلى الأمر بسببه الصادر من المكلف من غير واسطة لا مطلق السبب فيلزم ارتفاع التكليف لانتهاء الأسباب إليه تعالى فالأمر بالقتل الذي هو عبارة عن إزهاق الروح مثلا راجع إلى الأمر بقطع الأوداج و الإلقاء من شاهق أو نحو ذلك و ذلك لأن الأمر لا يتعلق بغير المقدور و القدرة لا تتعلق بغير الأسباب و ضعفه ظاهر لأن المعتبر في صحة التكليف بشي‏ء عقلا و عرفا هو كونه مقدورا و لو بالواسطة و لا ريب في أن المسببات مقدورة بواسطة أسبابها فلا باعث على صرف اللفظ عن ظاهره و قد يفرق بين ما إذا كان المسبب فعل الغير كالإحراق الذي هو فعل النار و بين غيره فيلتزم بمقالة الخصم في الأول فيجعل الأمر بالإحراق مثلا أمرا بسببه مجازا كالإلقاء في النار و مرجع هذه الدعوى إلى منع كون السبب لحصول الاحتراق مثلا مصححا لإسناد الإحراق حقيقة و أنه يتعين حينئذ أن يكون المراد فعل السبب مجازا و كلاهما ممنوع أما الأول فلأنه لو تم لجرى في جميع الأفعال الصادرة بواسطة الأسباب فيسقط الفرق بل التحقيق أن معنى الإحراق التسبب لوجود الاحتراق و لو بواسطة النار فيكون إسناده إلى المكلف حقيقة كإسناده إلى النار و على قياسه سائر الأفعال التي معناها التسبب نعم ينبغي أن يستثنى من ذلك الأفعال التوليدية التي هي فعل إنسان آخر باختياره فإن إسنادها إلى السبب مجاز كأمر السلطان للوزير ببناء دار أو صنع سرير أو فتح حصن فإن إسنادها إليه مجاز و من هنا ترى الفقهاء يقولون بأن الوكيل على أمر ليس له توكيل غيره إلا مع شهادة الحال عليه أو تصريح الموكل به و أن من آجر نفسه على أن يعمل عملا مع الإطلاق ليس له أن يستنيب غيره عليه [و أما قولهم بأن الأجير على عمل مع الإطلاق له أن يستنيب غيره عليه فمستند إلى دليل خارجي‏] و من هنا يظهر أن ما ذكره في الروضة من عدم الفرق في منع القاتل من الإرث بين المباشر و السبب في ظاهر المذهب للعموم محل نظر و أما الثاني‏

فلأنه لو سلم مجازية الإسناد فحمل الأمر على إرادة السبب بعيد بل الظاهر إرادة المسبب بالسبب لحصوله و لو بواسطة السبب مجازا فيكون فعل السبب مطلوبا غيريا لا نفسيا السادس ذكر الفاضل المعاصر في غير موضع أن الأمر بالطبيعة يقتضي الأمر بالفرد من باب المقدمة و قد سبقه إلى ذلك غيره و هو عندي غير مرضي لأن الطبيعة عين الفرد في الخارج إن فسر الفرد بالطبيعة المتشخصة كما هو الظاهر فالإتيان به عين الإتيان بالمأمور به فيمتنع التوقف عليه في الخارج [و أما حصول ما يغاير الطبيعة المأمور بها في العقل بحصوله فبالتلازم لا بالتوقف و التوصل‏] و إن فسر بالمجموع المركب من الطبيعة و التشخص فإن قلنا باتحادهما في الخارج فكما مر و لا يقدح توقف وجودها على التشخص حينئذ لأنه توقف عقلي في طوف التحليل لا خارجي و المعتبر في المقدمة هو التوقف في الخارج إذ به يناط التكليف و إن قلنا بتغايرها فيه فعدم التوقف أوضح لأن وجود الجزء لا يتوقف على وجود الكل بل الأمر على العكس و هذا بعد التنبيه عليه مما لا خفاء فيه السابع زعم جماعة أن القول بوجوب المقدمة يوجب القول بانتفاء المباح لأن ترك الحرام واجب و لا يتم إلا بفعل من الأفعال فيجب ذلك الفعل بناء على وجوب مقدمة الواجب و حيث استصعب هذه الشبهة على جماعة تفصى عنها بعضهم بإنكار المقدم كالحاجبي حتى إنه جعلها أحد الأدلة عليه و منهم من اعترف بالتالي و اشتهرت حكاية هذا القول عن الكعبي و ربما ذكروا له حجة أخرى أيضا و هي أن ترك الحرام واجب و هو مستلزم لوجود فعل من الأفعال فيجب لامتناع أن يختلف حكم المتلازمين و الجواب عن الأول أما أولا فبأن الشبهة المذكورة على تقدير صحتها لا توجب نفي المباح رأسا فإن المكلف قد لا يتمكن من الحرام فلا يجب عليه تركه لأن النهي عن الممتنع قبيح كالأمر بالواجب فلا يجب عليه مقدمته أيضا و ذلك كالتشاغل حال الغفلة عن الحرام أو تعذره منه و هذا مما لا حصر له و أما ثانيا فإن ترك الحرام إنما يتوقف على وجود الصارف فقط و لا ريب في وجوبه دون غيره من الأفعال إذ لا يتوقف عليها بل يستلزمها فإنها من لوازم وجود المكلف حينئذ بمعنى عدم إمكان انفكاكه عن جميعها على تقدير ترك الحرام و قد ظن جماعة أن ذلك مبني على القول بعدم بقاء الأكوان أو أنها على تقدير البقاء تحتاج إلى المؤثر أولا فلا ملازمة أيضا لجواز خلو المكلف عن كل فعل فلا يتحقق منه إلا الترك سواء فسر بالكف أو بنفس أن‏

89

لا تفعل و هذا التفصيل مبني على أن تكون الأكوان على تقدير عدم البقاء مستندة إلى المكلف و البقاء على تقدير الحاجة مستندا إلى علة الحدوث و إن كانت علة إعدادية و كلاهما في محل المنع لجواز أن يقال بعدم بقاء الأكوان و يلتزم بخلو المكلف عن جميع الأفعال بأن الكون الأول صادرا عنه و بقية الأكوان مستندة إلى علة أخرى كالكون الأول من حيث إعداده لحصولها أو يكون كل كون لاحق مستندا إلى الكون السابق من حيث إعداده لحصوله و هذا هو الظاهر على هذا القول بدليل صدورها حال الغفلة و عدم الشعور أيضا أو يقال بالبقاء و احتياجه إلى المؤثر و يلتزم بالخلو نظرا إلى استناد البقاء إلى غير المقتضي للحدوث أعني المكلف كما في كثير من الآثار الإعدادية و ربما يتوهم أن الشبهة المذكورة مبنية على أحد القولين الأولين إذ على التقدير الثالث ينثلم دعوى التوقف و الاستلزام فلا يتم التقريب و ليس بشي‏ء لأن ترك الحرام على هذا التقدير يتوقف على أحد الأمرين من التشاغل بفعل من الأفعال و الخلو من الجميع أو يستلزمها فإن جعلنا الخلو مما يصح أن يتعلق به التكليف كان أحد أفراد الواجب المخير و إلا تعلق الوجوب بالفرد الآخر على التعيين و إن سقط بحصول الخلو كما مر الإشارة إليه فيما لو دار المقدمة بين المقدور و غير المقدور و سيأتي لهذا زيادة توضيح في المبحث الآتي فإن قلت لا ريب في أن وجود كل فعل من الأفعال مانع من حصول الآخر كما هو شأن التضاد فيكون سببا لعدمه كما هو قضية المانعية فإذا حرم الفعل وجب الترك فيجب سببه الذي هو فعل المانع من باب المقدمة غاية الأمر أن الأسباب متعددة فيجب الكل على التخيير قلت وجوب الترك إنما يقتضي وجوب ما يستند إليه استنادا فعليا لا ما يستند إليه استنادا شأنيا لما عرفت من تحقيقنا السابق من أن مطلوبية المقدمة للغير إنما تقتضي مطلوبيتها له على تقدير ترتب الغير عليها و استناده إليها لا مطلقا و ظاهر أن ترك الحرام إنما يستند بالفعل إلى وجود الصارف دون فعل الضد لسبقه عليه كيف لا و هو من شرائط حصوله فلا يقتضي إلا وجوب الصارف و لا كلام فيه نعم لو فرض التوقف على غير الصارف أحيانا بحيث لا يتمكن من ترك الحرام إلا بالتشاغل بفعل اتجه الحكم بوجوبه كما في الساقط المحاذي لنفس محترمة إذا كان بحيث لا يمكنه التخلص من الوقوع عليها إلا بالتشبث بحبل و شبهه و لا يلزم الدور لتغاير المتوقف من الفعل و الترك للمتوقف عليه منهما و كذا لو تمكن منه بدونه لكن كان الصارف فيه ضعيفا بحيث يعلم أو يخاف وقوعه في المحرم اختيارا بدونه لقوة ما يجده في نفسه من الأمر الداعي إليه فيجب تقوية الصارف بالمجاهدة أو تضعيف الداعي بما يوجبه من الأفعال بحيث يقاومه الصارف الضعيف فيكون الفعل مقدمة بدلية فيجب عليه على وجه التخيير و إلى هذا ينظر قول الفقهاء بوجوب النكاح على من يخاف الوقوع في المحرم بتركه و على هذا لو تعذر في حقه الفعل تعين عليه الآخر من تقوية الصارف بالمجاهدة و لا عذر له في فعل المحرم مع التمكن منه هذا و قد يجاب بأن ترك الحرام لا يختص بالمباح بل قد يتم بالواجب أيضا و بأنه لو صح ذلك لزم أن يكون الحرام واجبا كالقتل لتوقف ترك السرقة مثلا عليه و أن يكون الواجب حراما إذا ترك به واجب آخر و لا يخفى ما في هذه الوجوه أما الأول فلأن الواجب المتوصل به إلى ترك الحرام عند هذا القائل أحد أفراد الواجب الغيري و أما الثاني فلأن القتل يراعى فيه الجهتان على ما قيل و هو خطأ بل ينبغي تخصيص الدعوى بغير المحرم على ما عرفت في تحرير العنوان و أما الثالث فلأن إلزام الكعبي بصيرورة الواجب محرما إنما يتجه عليه إذا التزم بكون الفعل سببا للترك و حينئذ فيلزم تحريم فعل الواجب إذ لا إشكال في تحريم سبب الحرام لكن ربما يفسد مقالته حينئذ بلزوم الدور عليه إذ كما أن وجود السبب سبب لوجود المسبب كذلك عدمه سبب لعدمه كما يدل عليه حدودهم للسبب فإذا كان فعل كل واحد من الضدين سببا لترك الآخر لزم أن يكون ترك الآخر سببا لفعله و لا يخفى ما فيه لمنع الملازمة كما في المانع و أما إذا جعل الفعل مقدمة غير سببية للترك فتوجه المنع عليه جلي إذ لا دليل على تحريم مقدمة الحرام مطلقا ما لم يقصد بها التوصل إليه و التزام التحريم على تقديره مما لا بعد فيه و إن كان مبنى الجواب على أن‏

ترك الفعل مقدمة لفعل ضده فإذا وجب مقدمة الواجب لزم تحريم الواجب في الفرض المذكور فهذا مع ما فيه كما سننبه عليه في مبحث الضد غير وارد على الكعبي لأن التزامه بتوقف ترك أحد الضدين على فعل الآخر لا يوجب التزامه بتوقف فعله على تركه و لو فرض التزامه به لكان إلزامه بشناعة الدور اللازم على هذا التقدير أولى من إلزامه بتحريم فعل الواجب و لو أورد هذان الوجهان على الوجه الثاني من الحجة لكان أولى كما لا يخفى و عن الوجه الثاني بعد تسليم الاستلزام أن دعوى امتناع اختلاف حكم المتلازمين مما لم يساعد عليه عقل و لا نقل فإن زعم أن الأحكام الخمسة متضادة و أن اجتماع اثنين منها في المتلازمين يوجب اجتماع الضدين و أنه محال ففساده واضح لأن الممتنع إنما هو اجتماع الضدين في محل واحد لا في محلين و إن كانا متلازمين و إن اعتبر التضاد من حيث اجتماعهما في المكلف صدورا أو في المكلف تعلقا فهو أيضا واضح الفساد إذ لا فرق في ذلك بين المتلازمين و غيرهما فيلزم أن لا يصدر من مكلف واحد حكمان في زمان واحد أو لا يتعلقا بمكلف واحد كذلك و هو باطل بالضرورة و إن زعم أن الحكم يتسرى من أحد المتلازمين إلى الآخر كالمقدمة لأنه لو وجب أحدهما و لم يجب الآخر لجاز تركه لكن تركه غير جائز لأنه يفضي إلى ترك الواجب فمدفوع بأن ذلك بالنسبة إلى الواجب و مقدمته متجه و أما بالنسبة إلى غيره فلا إذ لا توقف للواجب عليه و قصارى ما هناك أنه يصدر عن المكلف عند صدور الواجب عنه و ذلك لا يفيد وجوبه لا يقال إباحة الفعل عند تحريم لازمه سفه إذ لا يترتب عليها فائدتها فلا تقع من الحكيم و حينئذ فلا بد من القول بتسري حكم لازمه إليه أو يلتزم بخلوه من جميع الأحكام نظرا إلى صيرورته بالنسبة إلى تكليفه كالممتنع فلا يصلح لتعلق حكم به لأنا نقول إن فعل ملزوم الحرام و تركه عند عدم توقفه عليه متساويان بالنسبة إلى نفسه و هو ظاهر و كذا بالنسبة إلى لازمه إذ لا توقف له عليه و لا نعني بالمباح إلا ذلك و يترتب عليه ثمرته من عدم ترتب مدح و لا ذم عليه‏

90

بالاعتبارين و خلو فعل مقدور عن الأحكام الخمسة غير معقول و دعوى كونه كالممتنع ممنوعة كيف و جواز تعلق التكليف به حينئذ ضروري و مما حققنا يندفع أيضا ما زعمه بعض المتأخرين من أن انتفاء التحريم في المعلول يستلزم انتفاءه في العلة محتجا عليه باستبعاد العقل خلاف ذلك مع أن مجرد الاستبعاد على تقدير تسليمه لا ينهض حجة لا سيما في مثل هذه المسألة هذا و قد يخطر بالبال للكعبي شبهة أخرى لا بأس بالتنبيه عليها و هي أن فعل المباح عين ترك الحرام في الخارج و إن غايره بحسب العقل و لا ريب في أن ترك الحرام واجب فيجب فعل المباح من حيث اتحاده معه فإن المباح المتحد مع الواجب واجب كما أن المباح المتحد مع الحرام حرام و وجهه واضح مما نحققه في مبحث النهي و الحجة على أن ترك الحرام عين فعل الواجب [المباح‏] في الخارج أن معنى الترك التسبب لعدم الفعل و هو في الخارج عين التسبب لفعل الضد لصدقه عليه مثلا يصدق على الصدق من حيث الخارج أنه لا كذب كما يصدق على الإنسان لا شجر و لا حجر و قضية الحمل الاتحاد في الوجود فيكون التسبب لوجود الصدق عين التسبب لما يتحد معه من عدم الكذب فيكون فعل الصدق عين ترك الكذب و الجواب أما أولا فبالمنع من اتحاد الصدق و عدم الكذب في الخارج بل هما متباينان كالإنسان و الضحك و إنما الثابت اتحاده مع مفهوم عادم الكذب أو ذي عدم الكذب و قول المنطقيين الإنسان لا شجر أو لا حجر ليس معناه أنه نفس عدمهما في الخارج للقطع ببطلانه كما عرفت بل معناه أنه عادمهما أو ذو عدمهما و أما ثانيا فبأنه لا ريب في أن التارك للفعل يتصف بتركه أولا من حيث إنه تاركه مع قطع النظر عن تشاغله بأضداده و يتصف به ثانيا بواسطة اتصافه بأضداده التي هي متصفة به ضرورة أن صفة الصفة صفة بالتبع و هما متغايران قطعا لاختلافهما في القيام و لتعدد الثاني بتعدد الأفعال التي هي منشأ لانتزاعه و انتفائه بانتفاء موصوفه بخلاف الأول فإنه أمر متحد لا يتعدد إلا بتخلل الفعل و من الواضح أن المطلوب بالنهي إنما هو الأول دون الثاني لتحققه مع الفعل أيضا إذ لا يختص انتزاعه بالضد فإن لا كذب يصدق على الجلوس المجامع للكذب مع وضوح عدم مطلوبيته فسقط الوهم المذكور رأسا و اعلم أن المقالة المنقولة عن الكعبي في المقام لا تخلو عن نوع إجمال إلا أن قضية احتجاجه الأول أن يجب بالوجوب الغيري كل ضد مقارن لترك الحرام و قضية الاحتجاج الثاني أن يجب كل ضد للحرام فإن تعين فتعيينا و إلا فتخييرا و في اقتضائه للوجوب النفسي أو الغيري نظر ثم اعلم أنه لو تمت شبهة الكعبي للزم نفي المندوب و المكروه أيضا و ظاهر القوم إسناد نفي المباح إليه خاصة فيمكن أن يكون ذلك قصورا منه أو منهم في البيان لا قصرا في الحكم أو ينزل المباح فيما نقل عنه من وجوب كل مباح على معناه الأعم فيدل على نفي الأحكام الثلاثة و حينئذ لا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم في دفع التنافي في قوله بوجوب كل مباح من أن المراد وجوب ما هو مباح عند القوم أو أن ما هو مباح بالذات واجب بالعرض إلا أن بعض كلمات القوم كرد البعض له بأن ترك الحرام قد يتم بفعل الواجب يأبى عن ذلك الثامن لا ريب في وجوب مقدمة ترك الحرام فإن مرجعه إلى وجوب مقدمة الواجب فإن ترك الحرام واجب و أما مقدمة فعله فالتحقيق أن تحريم الشي‏ء لا يقتضي تحريم مقدمته و إن ترتب عليها ما لم يكن سببا فعليا أو قصد بها التوصل إليه و إن لم يترتب عليها فيحرم حينئذ من حيث التجري أما الأول فلأصالة عدم تحريمها السالم عن المعارض و الفرق بينها و بين مقدمة الواجب أن التوصل إلى الواجب لا يمكن بدون مقدمته فتستلزم مطلوبيته مطلوبيتها بخلاف ترك الحرام فإنه يمكن مع الإتيان بمقدمته و لو حرم مقدمة الحرام مطلقا لحرم جميع الأفعال أو معظمها لإمكان التوصل بها إلى محرم و بطلانه ضروري و أما الثاني فلشهادة العقل و الشرع و الظاهر أنه موضع وفاق و لهذا تراهم يحكمون بحرمة السفر الذي قصد به محرم و إن لم يترتب عليه المحرم و ظاهرهم استحقاق العقوبة عليها بل تجويز ترتبها عليها نعم يستثنى من ذلك نية المحرم فإنها بمجردها لا عقاب عليها بل الظاهر أنه لا حرمة فيها أيضا لما ورد من أن نية السوء لا تكتب على هذه الأمة تفضلا منه تعالى عليهم و ذلك لا ينافي قبحه العقلي‏

و هذا مما لا إشكال فيه على ما نحققه من أن تكاليف الشرع إنما تتبع جهات التكليف و أن منها جهات المكلف به و أما على ما هو المعروف من أنها تتبع جهات المكلف به فقط فلا محيص إلا بالمنع من قبحها العقلي أو إثبات قسم ثالث للمعصية غير الكبيرة و الصغيرة و لهذا المقام تفصيل يأتي في محله و إذا تركب المحرم فكل جزء من أجزائه إن أخذ في ضمن الكل كان محرما بحرمة الكل فإن اتصاف الكل بصفة يوجب اتصاف كل جزء منه بها في ضمن الكل و إن أخذ منفردا كان محرما إن قصد به التوصل إلى الكل أو كان بمنزلة السبب كالجزء الأخير في وجه و إلا فلا و الكلام في مقدمة المكروه كالكلام في مقدمة الحرام التاسع إذا توقف الواجب الموقت موسعا كان أو مضيقا على مقدمة مقدمة على وقته في الحصول أو توقف الموسع عليها في أول وقته كذلك وجب فيه بحكم العقل أحد الأمرين من اختصاص وجوبه في تمام الوقت أو أوله بواجد المقدمة فيكون وجوبه مشروطا بحصولها و من وجوبه و لو في حق فاقدها قبل حضور الوقت وجوبا مطلقا و لو بمقدار فعل المقدمة فيكون وجوبها حينئذ أيضا مطلقا و إلا لزم التكليف بالمحال حال صدور التكليف و وقوعه و هو محال بالضرورة فمن فروع المسألة عدم وجوب إيقاع الصلاة في أول الوقت على فاقد بعض شرائطها المعتبرة في حقه بمقدار زمن يمكن تحصيل الشرط فيه و إن وجب عليه فيه إيقاعها فيما تأخر عنه و من فروعها أيضا وجوب الغسل للصوم الواجب على المحدث بالأكبر قبل الفجر فإنه إذا ثبت وجوب الصوم من الفجر المشروط بالطهارة في حق المحدث و المتطهر ثبت وجوبه قبله و لو في حق المحدث لتحصيل الطهارة لا بمعنى أن ما قبل الفجر ظرف للواجب بل لوجوبه كما مر و لا يذهب عليك أن هذا البيان إنما يقتضي مطلوبية الصوم قبل الفجر بقدر ما يغتسل فيه و أما ما زاد عليه فلا لاندفاع التكليف بالمحال به فيمكن أن يوجه على هذا قول من قال بوجوبه إذا بقي للفجر بمقدار الغسل بأن أصحاب هذا القول قد اقتصروا في إثبات الوجوب على محل اليقين مضافا

91

إلى أصالة عدمه في غيره لكن يرد أن ذلك إنما يتم إذا لم يكن هناك ما يدل على وجوب الصوم مطلقا من غير اعتبار حضور شي‏ء من الأوقات من الآيات و الأخبار و هو غير واضح بل قضية تلك الإطلاقات إطلاق الوجوب في جميع الأوقات و الأحوال و إن كان فعل الواجب مقيدا بحضور وقت مخصوص فإذن يتجه القول بوجوب الغسل له مطلقا لكن بعد دخول الليل كما هو ظاهر آخرين و هي تضيق الوقت بتضييق الوقت نعم لا يقع فعله على وجه الوجوب الغيري إلا إذا ترتب عليه فعل الصوم الواجب كسائر المقدمات على ما مر تحقيقه فلا يجوز قصد الوجوب به مع العلم أو الظن بعدم ترتبه عليه و في الشك وجهان و حيث قد خفي هذه الدقيقة على كثير من أفاضل أصحابنا حيث لم يفرقوا بين زمن الوجوب و زمن الفعل فزعموا أن زمن الوجوب هو زمن الفعل أشكل عليهم الحال في المسألة المذكورة حتى تفصى عنه بعضهم بإلزام وجوب الغسل لنفسه مع أنه كما ترى مما لا جدوى له في ثبوت التكليف و العصيان بالصوم على تقدير المخالفة في الغسل نعم يمكن توجيهه في ترتب عقوبة عليه بالتقريب الذي مر التنبيه عليه في آخر المقصد لكن لإشارة في كلامهم إليه و المنكرون لوجوبه النفسي قد تخلصوا عنه بوجوه أخر غير موجهة منها ما حكاه بعضهم عن ابن إدريس من منع التوقف مع تسليمه لبطلان الصوم بدونه زعما منه أن الصوم الواجب يتم بالغسل بنية الندب أيضا فلا يتوقف على قصد الوجوب به و ضعفه ظاهر لورود النقض عليه بسائر المقدمات فإن فعل الواجب إنما يتوقف على فعلها لا على فعلها بنية الوجوب و الحل مشترك و هو أن المقدمة الواجبة هي ما يتوقف على فعلها فعل الواجب لا ما يتوقف فعله على فعلها بنية الوجوب و منها ما زعمه بعضهم من أنه إذا بقي لطلوع الفجر بقدر ما يغتسل فيه فهذا الزمان منزل منزلة حضور الوقت فيجب الغسل فيه و هذا أيضا ضعيف لأنه إذا كان زمن وجوب الصوم واقعا هو أول الفجر يغتسل كما هو المفروض فالتنزيل المذكور مما لا يعقل له وجه لأن الأحكام العقلية مبنية على التحقيق لا على التسامح و منها ما توهمه بعض أفاضل المتأخرين من أن وجوبه للتوطين على إدراك الفجر طاهرا و هذا أيضا ضعيف لأنه إن أراد بالتوطين التهيؤ للصوم بفعل ما يعتبر في صحته من الغسل و غيره فمصادرة و إن أراد به العزم على فعل الصوم فهذا و إن توقف في حق العالم بالحال على فعل الغسل لامتناع العزم على الصوم الصحيح مع العلم بوجود المانع إلا أن وجوب العزم تابع لوجوب الفعل و لا يعقل وجوب الصوم المشروط بالفجر في حق المحدث حتى يجب عليه العزم عليه مع أن وجوب العزم على فعل الواجب المشروط قبل حصول شرطه في محل المنع و منها ما تخيله بعض أفاضل متأخر المتأخرين و هو أن مقدمة الواجب يصح أن يتصف بالوجوب الغيري قبل أن يتصف ما وجبت له به و احتج عليه بقضاء الضرورة به حيث لا يسع وقت الفعل لفعل المقدمة كالحج بالنسبة إلى قطع المسافة و هذا أيضا ضعيف لإطباق كلمة الأصوليين على عدم وجوب مقدمة الواجب المشروط من حيث كونه مقدمة له قبل حصول شرطه فحكمه بوجوبها له حينئذ خرق لإجماعهم المطابق لما يشهد به صريح العقل كما مر بيانه و ما ذكره من مثال الحج فغير مطابق للدعوى لأن وجوب الحج غير مشروط بحضور زمانه بل بالاستطاعة و متى حصلت وجب الحج و إن تأخر زمن فعله و ما ذكره في عدم وجوب الطهارة للصلاة قبل وقتها من أنه خرج بالإجماع غير سديد لأن وجوب الواجب يقتضي وجوب جميع مقدماته المقدورة الخالية عن صفة القبح و لو بعد صيرورتها مقدمة وجوبا فعليا بقول مطلق فإن عممنا ذلك إلى الواجب المشروط امتنع تخصيصه بالطهارة لخلوها عن صفة القبح قبل دخول الوقت و إلا لم تكن مندوبة و القواعد العقلية لا تقبل التخصيص و بالجملة فمنشأ هذه الخيالات ما أشرنا إليه من عدم الفرق بين زمن الوجوب و زمن الواجب و بعد الوقوف على ذلك ببياننا المتقدم يتبين كيفية التخلص عن الإشكال المذكور بما لا مزيد عليه‏

فصل اختلفوا في أن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا

و لا بد قبل الخوض في تحرير النزاع من بيان محله فنقول ضد المأمور به هو ما لا يمكن اجتماعه معه لذاته فيتناول أضداده الوجودية و العدمية من العقلية و الشرعية و العادية و إنما قلنا لذاته احترازا عن لوازم الضد فإنها لا تسمى ضدا و إن امتنع اجتماعهما مع فعل المأمور به و من التزم بلزوم تساوي المتلازمين في الحكم مطلقا أو حيث يكون بينهما علية أو تشارك في العلة فإن التزم في المقام بالاقتضاء لزمه القول به في لوازم الضد أيضا على مقتضي أصله و حيث أفردنا بيان ذلك فلا حاجة إلى تعميم المقام إليه و قد تداول بينهم أن يعتبروا عن الترك بالضد العام و عن غيره بالضد الخاص و تسمية الأول ضدا إما حقيقة عرفية أو مجازا نظرا إلى العلاقة و زعم بعضهم أن من فسر الترك بالكف فقد استراح عن ذلك و كان الضد عنده على معناه المعروف و هو غير واضح لأن الضدين بالمعنى المعروف هما الوصفان الوجوديان اللذان يمتنع تواردهما معا على محل واحد لذاتهما و هذا يقتضي أن يصح ورود كل منهما على ما يصح ورود الآخر عليه لئلا يكون التنافي باعتبار المورد كالعلم و السواد و ظاهر أن الكف و فعل الضد لا يتوارد أن غالبا على محل واحد لأن الأول من صفات النفس و الثاني من عوارض الجوارح و كذا إن أخذا بمعنى التأثير و قلنا بأنه عين الأثر ذاتا و إلا فالمخالفة أوضح لظهور أن التأثيرين لا يتنافيان من حيث ذاتهما بل من حيث تنافي الأثرين و يمكن أخذهما بالمعنى الأول يجعل الوصف للنوع أو الفرد فيرتفع الإشكال لاتحاد الموضوعين فيه فتدبر ثم وصف الأول بالعموم و الثاني بالخصوص أما من حيث عموم الوصف المشتق منه في الأول و خصوصية في الثاني كتارك الصلاة و فاعل الأكل مثلا و أما من حيث تحقق الأول حيث يتحقق فيه الثاني من دون عكس و لو غالبا و قد يطلق الضد العام و يراد به أحد أضداده الخاصة و هذا راجع إلى الضد الخاص معنى و يترتب عليه ما يترتب عليه ثم الكلام في‏

92

المقام يجري في الواجب النفسي بجميع أنواعه بالنسبة إلى جميع أضداده عبادة كانت أو غيرها فيختلف اقتضاء الأمر للنهي عن الضد على حسب اختلاف نوعي الوجوب و الضد فقد يقتضي الأمر التخييري للنهي عن الضد على التخيير و قد يقتضيه على التعيين و هكذا و يتجه اعتبار جريانه في الواجب الغيري أيضا إلا أنه خلاف الظاهر من إطلاق عناوين المبحث و لا ثمرة له بالنسبة إلى ما يكون ضدا له و لما وجب له إلا في مجرد الاعتبار و يعرف الكلام فيه بالمقايسة ثم المراد بالنهي هنا ما يعم النهي النفسي الأصلي و الغيري التبعي فيتعين الأول حيث يدعى فيه العينية قطعا و كذا التضمن على أظهر الوجهين و الثاني حيث يدعى فيه الالتزام بالنسبة إلى غير الضد العام و من هنا يظهر أن المراد بالاقتضاء ما يعم أقسامه الثلاثة بل الأربعة لينطبق على جميع أقسام المسألة و أقوالها و زعم بعض المعاصرين أن النزاع هنا إنما هو في الواجب المضيق الذي يكون ضده واجبا موسعا و هذا خلط منه بين موضع النزاع و الموضع الذي تظهر فيه الثمرة مع أن الثمرة على ما سنبين يظهر في غير ذلك أيضا و زعم أيضا أن النزاع في استلزامه النهي الأصلي دون التبعي إذ النهي التبعي ليس محط النزاع في شي‏ء و قد سبق مثل ذلك منه في بحث المقدمة و أشرنا هناك إلى فساده ثم اعلم أن النزاع في الضد الخاص يتأتى في مقامين في أصل الاقتضاء و في كيفيته و أما الضد العام بمعنى الترك أعني عدم الفعل فإنما يتأتى النزاع فيه في كيفية الاقتضاء فقط بناء على تفسير النهي بطلب الترك بمعنى عدم الفعل إذ منع الاقتضاء فيه حينئذ مطلقا ينافي معنى الوجوب و قد يحكى عن المرتضى و بعض العامة إنكار الاقتضاء بالنسبة إليه أيضا لأن الأمير كثيرا ما يأمر و لا يتصور الترك فضلا عن النهي عنه و أنت خبير بأن هذا التعليل على تقدير تسليمه إنما يقتضي نفي الاقتضاء باللزوم البين بالمعنى الأخص دون الاقتضاء بطريق العينية في المعنى أو الجزئية أو اللزوم البين بالمعنى الأعم أو اللزوم الغير البين و كذا إن فسر الترك بمعنى الكف بناء على عدم تعلق الطلب بالأمور العدمية ثم أنه قد اضطرب كلام جماعة في تحرير محل النزاع فمنهم من أطلق لفظ الضد و منهم من جعل النزاع في الضد العام و سكت عن الضد الخاص و منهم من جعل النزاع في الخاص و نفاه عن العام لأن إنكاره يؤدى إلى خروج الواجب عن كونه واجبا و هذا التعليل لا يقتضي نفي النزاع فيه بالاعتبار الثاني فالتحقيق ما ذكرناه إذا عرفت هذا فالحق أن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده العام بمعنى الترك معنى إن فسر الترك فيه و في النهي بعدم الفعل و نفيه كما هو الظاهر و يستلزمه بالبين بالمعنى الأعم إن فسر فيهما أو في أحدهما بالكف و كذا يستلزم النهي عن ضده الخاص سواء فسر النهي بطلب الترك أو بطلب الكف ما لم يكن الضد على التفسير الأول وجود ما تعلق الأمر بعدمه و لو في ضمن الكل فيكون عين النهي عنه و لو في ضمن الكل و من هنا يتبين الحال في الأضداد العامة للأجزاء فإن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن أضداد أجزائه العامة باعتبار و يستلزمه باعتبار و ذهب قوم إلى أن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده في المعنى و آخرون إلى أنه يستلزمه و هم بين مطلق للاستلزام و مصرح ثبوته لفظا و منهم من نفي الدلالة في الضد الخاص لفظا و أثبتها معنى و ذهب بعض المتأخرين إلى نفي الاقتضاء في الضد الخاص مطلقا و أثبته في الضد العام بالتضمن لنا على أن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن الضد العام إن فسر الترك فيهما بعدم الفعل أن معنى النهي عن الترك حينئذ طلب ترك الترك لأن معنى النهي طلب الترك و طلب ترك الترك عين طلب الفعل في المعنى و ذلك ظاهر و إنما قلنا إنه عينه في المعنى إذ لا ريب في تغايرهما بحسب المفهوم كالوجود و عدم العدم و اعترض بأن النزاع يرجع حينئذ إلى اللفظ حيث سمي طلب الفعل طلبا لترك تركه فعبر عنه بالنهي عن الضد و طريق ثبوته النقل عن أهل اللغة و لم يثبت و لو ثبت فمرجعه إلى أن الأمر بالشي‏ء له عبارة أخرى كالأحجية و مثله لا يليق أن يدون في الكتب العلمية و الجواب أن الكلام في عينية المفهومين بحسب الصدق لا في التسمية إذ لم يدع أحد أن النهي عن الضد له معنى غير معناه المتداول أعني طلب الترك حتى يطالب‏

فيه بالنقل و عينيته المفهومين في الصدق و إن كانت من الأمور الواضحة إلا أن التشاجر في نظائرها غير عزيز في كتب القوم و لنا على أنه يستلزم النهي عن ضده العام إن فسر الترك فيهما أو في أحدهما بالكف أن عدم الكف أو الكف عن العدم أو الكف عن الكف حيثما يتوقف عليه فعل الواجب معتبر في حصول المأمور به فيجب له على ما عرفت في بحث المقدمة و وجوب عدم الكف هو معنى النهي عنه أو نقول ترك المأمور به حرام و الكف سببه فيحرم له و على التقديرين يكون النهي غيريا تبعيا على ما هو شأن المقدمة و إنما لم نقل أن عدم الكف سبب لحصول المأمور به ليكون الاستلزام أوضح لظهور أن الفعل لا يستند إلى مجرد عدم الكف بل إلى ملزومه من الإرادة و هذا ظاهر و لنا على أنه يستلزم النهي عن الضد الخاص حيث لا يكون الضد وجود ما تعلق الأمر بتركه و لو في ضمن الكل أن ترك الضد حينئذ مما يتوقف عليه حصول الواجب فيجب لما مر من وجوب مقدمة الواجب و وجوب الترك للتوصل إلى الواجب معنى النهي الغيري و قد يستدل على ذلك بأن فعل الضد مستلزم لترك الواجب المحرم فيحرم لاستحالة اختلاف حكم المتلازمين و قد مر ضعفه سابقا حيث بينا أن مستلزم الحرام لا يكون من حيث كونه مستلزما له حراما ما لم يكن سببا فعليا و لا ريب أن فعل الضد و إن كان لمانعيته سببا لترك الواجب إلا أنه سبب شأني غالبا لاستناد ترك الواجب إلى الصارف دون فعل الضد فيحرم الصارف دونه و كذا الحال فيما لو فسر النهي بطلب الكف حيث يتوقف فعل الواجب عليه و لنا على أنه عين النهي عن ضده الخاص حيث يكون الضد وجود ما تعلق الأمر بتركه و لو في ضمن الكل أن مطلوبية الترك عين النهي عن الفعل فإن كان الترك تمام المطلوب فلا إشكال فإن قول القائل اترك كذا أمر بترك الفعل و هو معنى النهي عنه و مثله تجنب و احترز و كف فإن المفهوم منها عرفا إنما هو طلب الترك و إن كان جزءه كما في الصوم فإن اعتبر منفردا كان واجبا غيريا من‏

93

باب المقدمة كما مر و هو معنى النهي عن فعله و إن اعتبر في ضمن الكل كان واجبا نفسيا بوجوب الكل و الأولى إخراج هاتين الصورتين عن موضع النزاع نظرا إلى أن ليس فيهما أمر بالشي‏ء و إن أمكن تعميم الشي‏ء بحمله على المفهوم و المعنى بحيث يتناول ذلك و قد نص بعضهم على الخروج في الأول و الأولى إرجاع الضد الخاص فيه إلى الضد العام لأن الفعل الذي يضاد الترك هو نفس ترك الترك و رفعه الذي هو ضد عام و إن غايره في المفهوم فينحصر اقتضاء الأمر للنهي عن الضد الخاص عندنا في الالتزام و هذا أوفق بتعميم بعض المباحث الآتية و اعلم أن قضية ما قررنا من أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص من باب المقدمة أن يكون كل واحد من آحاد الواجب المخير منهيا عنه بالنهي التخييري من باب المقدمة إذا تضادت و توقف وجود كل واحد منها على عدم الآخر و هو كذلك على ما يساعد عليه النظر الصحيح فإن ما قررناه من وجوب مقدمة الواجب المطلق ليس مخصوصا بغير هذه المقدمة لكن لقائل أن يقول قضية التخيير تساوي الآحاد في المطلوبية بمعنى أن مطلوبية كل واحد على حد مطلوبية الآخر فلا يكون تركه مطلوبا له و إلا لساواه في المطلوبية على ما مر الإشارة إليه في بحث المقدمة فيلزم تساوي فعله و تركه في المطلوبية فيرجع إلى الإباحة مع أن طلب شي‏ء لشي‏ء يستدعي رجحانه له و هو يستدعي مرجوحية الفعل و هو ينافي رحجانه فضلا عن مساواته للآخر في الرجحان و جوابه أولا بالنقض بما إذا كان الضد شرعيا كما لو خير بين الجميع و منع من الجمع فإنه لا ريب في مطلوبية ترك كل واحد للتوصل إلى الامتثال بفعل الآخر مجردا عن وصف الاجتماع فيتأتى الإشكال فيه و الفرق بينه و بين الضد العادي أو العقلي غير معقول كالفرق بين المقدمات و ثانيا بالحل أما عن الأول فبأن مطلوبية الترك التوصل إلى الفرد الآخر إنما تقتضي مطلوبية ما يتوصل به إليه لا مطلقا على ما حققناه سابقا فالتخيير بين الفعل و ترك خاص لا يكون إباحة و إنما الإباحة هو التخيير بين الفعل و مطلق الترك و أما عن الثاني فبأن رجحان الفعل على وجه التخيير لا يستلزم مرجوحية تركه مطلقا و إنما يستلزم مرجوحية تركه المجرد عن المعادل فلا ينافي رجحان تركه المتوصل به إلى المعادل و سيأتي لهذا مزيد بيان في مبحث النهي حجة من قال بأن الأمر بالشي‏ء عين النهي عن الضد أنه لو لم يكن عينه لكان أما مثله أو ضده أو خلافه و التالي بأقسامه باطل بيان الملازمة أن المتغايرين إما أن يتساويا في الصفات النفسية أو لا و المراد بالصفات النفسية ما لا يفتقر اتصاف الذات بها إلى تعقل أمر زائد على الذات كالإنسانية للإنسان و الحيوانية للحيوان فإن تساويا فمثلان كسوادين و بياضين و إلا فإن امتنع اجتماعهما في محل واحد بالنظر إلى ذاتهما فضدان كسواد و بياض و إلا فخلافان كالبياض و الحلاوة و أما بطلان التالي بأقسامه فلأنهما لو كانا مثلين أو ضدين لامتنع اجتماعهما في محل واحد لأن ذلك شأن المثلين و الضدين لكنهما يجتمعان في محل واحد مكلفا أو مكلفا أو مكلفا به أما الأولان فواضح و أما الأخير فلأن الحركة يجتمع فيها الأمر بها مع النهي عن السكون الذي هو ضدها يعني يجتمع فيها وصف كونها مأمورا بها و وصف كونها منهيا عن ضدها و من هنا يظهر فساد ما قيل من أن أحدهما باعتبار الذات و الآخر باعتبار المتعلق فليس في اجتماعهما إخلال بحقيقة الضدية كحسن زيد و قبح الغلام فإنهما يجتمعان مع أن بين وصف الحسن و القبح تضادا و ذلك لأن الكلام في حال هذا الوصف المتعلق بحال الموصوف لا نفسه و لو كانا خلافين لجاز أن يجتمع كل واحد منهما مع ضد الآخر لأن ذلك حكم الخلافين و يمتنع اجتماع الأمر بالشي‏ء مع ضد النهي عن الضد أعني الأمر بالضد لأنه تناقض أو تكليف بالمحال و أجيب بمنع ما جعله لازما للخلافين من جواز الاجتماع مع ضد الآخر لأنهما قد يكونان متلازمين كإضاءة العالم و وجود النهار أو ضدين لأمر ثالث كالعلم و القدرة المضادين للنوم فيستحيل أن يجتمع كل منهما مع ضد الآخر لأدائه إلى انفكاك المتلازمين أو اجتماع الضدين و هذا إنما يستقيم إذا انحصر الضد أو كانت الدعوى بالنسبة إلى جميع الأضداد و التحقيق أن القائل المذكور إن ادعى العينية بالنسبة إلى الضد العام بالمعنى الذي سبق أو الضد في الجملة و فسر النهي بما ذكرناه صحت دعواه لما بينا و

إن فسدت حجته لما ذكر و إلا فسدت دعواه و حجته حجة من قال بأن الأمر بالشي‏ء يتضمن النهي عن ضده العام أن ماهية الوجوب يعني الإيجاب مركبة من أمرين من طلب الفعل و المنع من الترك فصيغة الأمر الدالة على الإيجاب دالة على النهي من الترك بالتضمن و الجواب أن مدلول الأمر لا يزيد على طلب الفعل كما مر في مدلول الصيغة فالمنع من الترك إن كان بمعنى النهي عنه فطلب الفعل راجع إليه أو إلى جزء مدلوله و إن كان بمعنى تأكد الطلب فهو من عوارضه الطارية عليه بحسب بعض مراتبه و كيف كان فلا يكون المنع من الترك جزءا له حتى يدل عليه الأمر بالتضمن سلمنا أن الأمر يدل على الإيجاب لكن المنع من الترك إن فسر بطلب ترك الترك المتأكد كما هو الظاهر فهو في الحقيقة عين الإيجاب أعني طلب الفعل المتأكد و إن غايره في المفهوم فلا يكون جزءا منه و إن فسر المنع بطلب الكف أو فسر الترك بالكف ففساد مقالته أوضح فإن الأمر بالشي‏ء لا يتضمن معنى الكف فضلا عن طلب عدمه أو طلب الكف عنه كما يشهد به الاعتبار الصحيح على أنا نقول إذا كان النهي عن الترك أو الكف الذي تعلق به الطلب واجب لتحقق معناه فيه و لاستحالة اتصافه بغيره من الأحكام و إلا لم يكن الأمر للإيجاب فإذا قلنا بأن النهي عن الترك جزء من معنى الإيجاب لزم تركب كل إيجاب من إيجابات و نواه غير متناهيتين و ذلك ظاهر الفساد حجة من قال بالاستلزام وجهان الأول أن حرمة النقيض جزء من ماهية الوجوب فاللفظ الدال عليه يدل على حرمته بالتضمن و في هذا الاحتجاج إشعار بأن المأخوذ في الدعوى مطلق الاستلزام لكنه تعسف الثاني أن الإيجاب طلب فعل‏

94

يذم على تركه اتفاقا و هو إما نفس الكف أو فعل ضد غير الكف إذ لا ذم إلا على فعل لأنه المقدور و أيهما كان فالذم عليه يستلزم للنهي عنه و أجيب عن الأول بأنه إن أريد بالنقيض الترك فلا نزاع لنا في دلالة الأمر على النهي عنه بالتضمن و إن خالف فيه القائلون بالعينية و إن أريد به أحد الأضداد الوجودية فلا نسلم أنه جزء من معنى الوجوب إذ لا يزيد مفهومه على رجحان الفعل مع المنع من الترك و عن الثاني بالمنع من أنه لازم إلا على فعل بل قد يذم على عدم الفعل سلمنا لكن نقول ليس الذم على فعل الضد بل على الكف و لا نزاع فيه و أنت إذا أحطت خبرا بما ذكرنا و بما سيأتي ذكره وقفت على ما في الاحتجاجين و جوابيهما من الوهن و الضعف و احتج الفاضل المعاصر على كون الأمر بالشي‏ء مستلزما للنهي عن ضده العام استلزاما بينا بالمعنى الأعم بأن الأمر حقيقة في الطلب الحتمي و يلزمه إذا صدر من الشارع ترتب العقاب على تركه و الممنوعية منه و كأنه يزعم أن المنع من الترك مغاير للحتم و الإلزام معنى و أن الأمر موضوع للطلب المقيد بكونه حتميا على أن يكون القيد خارجا عن مدلول اللفظ كالبصر بالنسبة إلى العمى و قد صرح بهذا في بعض مقدمات مبحث المقدمة حيث جعل دلالة الأمر على الحتم و الإلزام من باب اللزوم البين بالمعنى الأخص و ضعفه ظاهر لأن المتبادر من الأمر إنما هو الإلزام بالفعل و هو نفس الحتم و الإيجاب و إليه يرجع المنع من الترك و هذا التبادر عندهم وضعي لا إطلاقي كما عرفت فلا يكون الحتم قيدا خارجا عن المدلول و أما الممنوعية من الترك بمعنى مبغوضيته فهي و إن كانت من لوازم إيجاب الفعل و الإلزام به إلا أنها خارجة عن محل البحث لأن الكلام في النهي عن الضد و مع ذلك فهي لا يختص بأمر الشارع بل يعم جميع الأوامر الإلزامية نعم لا يترتب عليها أثرها من استحقاق الذم و العقاب في غير أوامر العالي حجة من نفي الاقتضاء في الضد الخاص أنه لو اقتضاه لكان بطريق الاستلزام و التالي باطل أما الملازمة فلما مر من بطلان العينية و التضمن و انحصار طرق الاقتضاء في الثلاثة ظاهر جلي و أما بطلان التالي فلأنه لو استلزمه لكان إما من جهة أن فعل الضد يستلزم ترك الواجب و هو محرم فيحرم فعل الضد لأن مستلزم المحرم محرم و إما من جهة أن فعل الواجب يتوقف على ترك الضد فيجب من باب المقدمة و وجوب الترك في معنى حرمة الفعل و كلاهما مدفوع أما الأول فلما مر من منع لزوم تساوي المتلازمين في الحكم ما لم يكن بينهما علية على التفصيل السابق و هي في المقام ممنوعة و قد سبق منا تحقيق الكلام في ذلك و أما الثاني فلهم في دفعه وجوه الأول أن مقدمة الواجب لا تجب ما لم يكن شرطا شرعيا كما يراه الحاجبي أو سببا كما يقول به صاحب المعالم و ظاهر أن ترك الضد ليس بأحدهما و ربما يشكل على الأول بالأضداد الشرعية مع أن إطلاق كلامه يقتضي منع الاقتضاء فيها أيضا و ربما أمكن توجيهه بأن الكلام هنا في الاقتضاء من جهة الضدية و هي مغايرة لجهة الشرطية و إن استلزمها فاعترافه بالاقتضاء في الضد الشرعي بالاعتبار الثاني لا يوجب اعترافه به فيه بالاعتبار الأول و فيه تكلف و الجواب واضح مما حققناه سابقا من وجوب مقدمة الواجب مطلقا و فساد التفصيلين المذكورين فلا حاجة إلى إعادته الثاني ما ذكره بعض الأفاضل من أن ترك الضد ليس مقدمة لفعل الواجب إذ لا توقف له عليه و إنما هو يستلزمه بل توهم التوقف في عكسه أولى كما زعمه الكعبي قال و منشأ التوهم عدم انفكاكهما و لذلك يتوهم من الطرفين مع أنه محال انتهى و أراد بقوله و لذلك يتوهم من الطرفين الرد على الحاجبي و العضدي حيث التزما بالتوقف في المقامين و قوله مع أنه محال إشارة إلى لزوم الدور الظاهر على هذا التوهم و هذا الرد متضح الورود و قد أغرب الفاضل المعاصر حيث استغرب قوله مع أنه محال معترضا عليه بأن المقامين متغايران و هو مما يقتضي بعدم وقوفه على مقصوده مع أن دلالة كلامه عليه في غاية الوضوح و الظهور و إنما جعل توهم التوقف في العكس أولى لأن الفعل يستلزم الترك بخلاف الترك و الجواب قضية تضاد الأفعال و الأكوان أن يكون وجود كل فرد منها مشروطا بعدم الآخر فإن عدم الضد لمانعيته معتبر في وجود الضد الآخر بخلاف‏

عدم فرد منها فإنه لا يعتبر فيه وجود الآخر و إنما ذلك من لوازم وجود الموضوع على ما مر التنبيه عليه سابقا فالفرق بين المقامين في غاية الظهور فإن قلت قضية مانعية شي‏ء لشي‏ء أن يكون وجوده سببا لعدمه فإذا كان وجود كل من الضدين مانعا من وجود الآخر كان سببا لعدمه و هذا ينافي ما قررت من أن عدم كل منهما شرط لوجود الآخر لاستلزامه الدور قلت قضية المانعية تأثير المانع في عدم الشي‏ء لو لم يسبقه في التأثير سبب آخر لا التأثير الفعلي و ليس الشرط في وجود أحد الضدين عدم الآخر المستند إليه بل عدمه مطلقا و إن استند إلى أمر آخر كعدم الإرادة و عدم المقتضي هذا كله إذا كانت المانعية من الجانبين و أما إذا كانت من جانب واحد كالضحك و الاستدبار و الحدث و الكلام بالنسبة إلى الصلاة حيث إن تلك الأمور مانعة من وجودها بل مستلزمة لعدمها ضرورة استلزام الشي‏ء لعدم المانع فالكلام المذكور إنما يجري هناك من جهة المانع و لا يتوهم فيه الإشكال المذكور هذا و من عجائب الأوهام ما سنح للفاضل المعاصر في المقام حيث استظهر أن يكون منشأ توهم الفاضل المذكور هو أنه لما وجد أن ترك أحد الضدين يتخلف غالبا عن فعل الآخر توهم أنه لا مدخل له في فعله أو أنه لما توهم أن مقدمة الفعل عبارة عما يتوقف عليه في نظر المكلف عند التفطن و وجدان الأضداد كثيرا ما يتركها الفاعل من غير أن يتفطن بتوقفه على تركها توهم عدم كون الترك حينئذ مقدمة له ثم غفل فطرد الكلام إلى حال التفطن فمنع من كونه مقدمة له مطلقا أو أنه لما لم يجد التوقف عند ترك الضد إذ لا تحقق له حتى يتحقق هناك التوقف أنكر التوقف فيه ثم غفل فطرد الكلام إلى حال الاشتغال فتوهم عدم توقفه عليه مطلقا هذا محصل كلامه بعد تنقيحه و تصحيحه و أنت خبير بأن الفاضل المذكور بمكانة من متانة النظر فهو أجل من أن يخطر بباله هذه التوهمات الواهية فضلا من أن يعترف بصحتها و يستند إليها بل الظاهر أن منشأ توهمه على ما يستفاد من بيانه هو أنه لما وجد ترك الضد متوقفا على الصارف فقط و وجد فعل الضد من جملة المقارنات توهم مثله في جانب الترك و لم يتنبه للفرق بين المقامين هذا و أما ما استند إليه المعاصر المذكور في منع توقف ترك أحد الضدين على فعل الآخر كما ذكره الفاضل‏

95

المذكور من جواز خلو المكلف عنهما جميعا فمحل نظر لأنه إن أراد الخلو عنهما مع التشاغل بغيرهما من الأضداد ففيه أن أحدا لا يقول بتوقف ترك الضد على التشاغل بضد آخر على التعيين بل يقول بتوقفه على فعل أحد الأضداد على البدل كما مر التصريح به في حجة الكعبي فلا يقدح جواز خلوه عنهما في التوقف على فعل أحدهما كما هو مناط الإشكال و إن أراد الخلو عنهما و عن سائر الأضداد كما ذكره قبل ذلك و صرح به في دفع شبهة الكعبي أيضا و قد أخذه من صاحب المعالم و غيره ففيه أن ذلك مع ابتنائه عندهم على أصل فاسد غير مفيد لأن حالة الخلو و هي حالة التساقط و ترك النفس لتصرفاتها الإرادية في البدن حالة وجودية فيه مضادة لجميع الأفعال بالضرورة فتكون كأحد الأضداد الفعلية في توقف ترك الفعل الخاص عليها غاية ما في الباب أن لا تجب من باب المقدمة بناء على خروجها عن قدرة المكلف حينئذ لكن قد حققنا سابقا أن الواجب إذا كان له مقدمتان بدليتان إحداهما مقدورة و الأخرى غير مقدورة تعلق الوجوب بالمقدورة على التعيين و سقط عن المكلف بحصول غيرها إن اتفق فظهر أن جواز خلو المكلف عن جميع الأفعال ما لا جدوى له في منع التوقف البدلي على الأفعال و معه يبقى الإشكال بحاله على أنه لا خفاء في أن حالة الخلو و إن لم يستند وجودها إلى قدرة المكلف استنادا تاما لكن لقدرته مدخل فيها قطعا لظهور أنه مشروط بعدم إرادته رفعها و هذا القدر من الاستناد كاف في صحة التكليف كما سنشير إليه في مبحث النهي فيتساوى حالة الخلو و سائر الأحوال في ذلك و قد سبق لهذا مزيد بيان الثالث ما ذكره المعاصر المذكور من أن وجوب المقدمة أصالة كما هو محل البحث ممنوع و وجوبها لغيرها تبعا غير مقيد إذ النهي الغيري التبعي لا يوجب العقاب و لا يترتب عليه الفساد و الجواب عنه ظاهر مما مر فإنا قد بينا أن الكلام في الضد الخاص إنما هو في النهي الغيري التبعي و المنع من ترتب العقاب و الفساد عليه كلام في الثمرة و هو نزاع آخر مع أن النهي الغيري التبعي و إن لم يترتب عليه العقاب من حيث نفسه لكنه لا يجتمع مع الوجوب لامتناع توجه الأمر و النهي إلى شي‏ء واحد شخصا و جهة و الاختلاف في جهة النفسية و الغيرية و الأصالية و التبعية لا يوجب اختلافا في المتعلق لا حقيقة و لا اعتبارا و سيأتي لهذا مزيد بيان إذا تقرر هذا فاعلم أن جماعة زعموا أن ثمرة النزاع في الضد الخاص تظهر فيما إذا دار الأمر بين واجب مضيق و عبادة موسعة فإنه لو أتى حينئذ بالموسع عصى و صحت عبادته بناء على القول بعدم الاقتضاء إذ لا مانع من الصحة و بطلت على القول بالاقتضاء نظرا إلى انتفاء الرجحان الذي به قوام العبادة حيث إن تركه حينئذ راجح و يمتنع رجحان الفعل مع الترك للتناقض و لأنه منهي عنه بالنهي الغيري فلو صح لكان مأمورا به أيضا لأن صحة العبادة موافقتها للأمر فيلزم اجتماع الأمر و النهي في الواحد الشخصي و هو محال و من المتأخرين من أنكر الثمرة المذكورة حيث أثبت بطلان الضد على القول الأول أيضا نظرا إلى أن الأمر بالشي‏ء يقتضي عدم الأمر بضده و إلا لزم التكليف بالمحال لامتناع الجمع بين المتضادين فيبطل إذا كانت عبادة لأن صحتها متوقفة على تعلق الطلب بها و يمكن أن يستدل على ذلك أيضا بأن فعل الضد يتوقف على ترك الواجب و تحقق الصارف عنه و هما محرمان و يمتنع طلب الشي‏ء حال تحريم مقدمته فهذه وجوه أربعة تقتضي بطلان الضد إذا كانت عبادة يتفرع الأولان منها على القول بالاقتضاء فقط و الأخيران يتفرعان على القولين ثم إن جماعة قصروا موضع الثمرة على الصورة المذكورة و نفوها في المضيقين لأنهما إن تساويا فالتخيير و إلا تعين الأهم و امتنع الأمر بالآخر و هو ضعيف إذ ليس منشأ هذا الامتناع عند التحقيق إلا لزوم الأمر بالشي‏ء و بضده و هذا بعينه وارد في الموسع أيضا كما سننبه عليه و وجه التفصي عنه في المقامين واحد كما سنذكره بل أقول و يظهر الثمرة في غير أوامر الشرع أيضا ممن ليس له أهلية الإيجاب كأمر صاحب الدار لمن أذن له بمطلق التصرف فيها بأمر فعلى القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن أضداده الخاصة يحرم عليه جميع التصرفات المضادة له ما عدا الخروج منها إذ ليس له المنع منه فيبطل لو كانت عبادة و كذا الحال بالنسبة إلى لابس ثوب الآمر و شبهه هذا و

لما كان القول بمقتضى ذلك أعني بطلان الضد مطلقا بعيدا عن الطريقة السمحة بل مقطوعا بالعدم حيث يلزم في مثل ما لو ترك المكلف أداء دين مضيق عليه أن يفسد كل صلاة صلاها في السعة حال علمه و تذكره به بل كل عبادة منافية لأداء الدين إذا أتى بها كذلك و لو استوعب تمام عمره و المعهود من المذهب خلافه تفصى عنه بعض مشايخنا الأعلام بأن الحكم بالصحة و إن خالف القواعد المقررة لكن لا بد من القول بها لقيام الإجماع و السيرة القطعية عليها و كان غرضه أن الوجوه المذكورة لا يعتد بها لكونها شبهة في مقابلة الضرورة و إلا فالقواعد العقلية لا تقبل التخصيص و مما يعضد ما ذكره أن أهل العرف و العقلاء الذين سلمت فطرة أذهانهم عن الشبهات المذكورة لا يرتابون في أن العبد المأمور بأمرين متشاركين في بعض الوقت أحدهما مضيق و الآخر موسع أنه تمثيل إذا أتى بالموسع في وقت المضيق و إن حكموا بعصيانه من حيث مخالفته للأمر بالمضيق و كذا لو تضيق وقتهما و كان أحدهما أهم في نظر الأمر فتركه و أتى بغير الأهم و تفصى في المعالم عن إشكال منافاة مطلوبية ترك الضد بناء على وجوب المقدمة لصحته بأن الذي يقتضيه التدبر في أدلة وجوب المقدمة كون وجوبها للتوصل إلى ذي المقدمة فيختص بحال عدم الصارف عنه إذ حال وجوده لا يمكن التوصل إليه فلا معنى لوجوب المقدمة و عن منافاة حرمة مقدمة الضد لصحته بأن وجوب المقدمة ليس على حد وجوب غيرها بأن يكون المطلوب حصول نفسها بل التوصل إلى الغير فمتى حصل التوصل و لو بمقدمة محرمة حصل المطلوب و سقط وجوب غيرها كما لو سار إلى الحج على دابة غصبية فإن الحج يصح و إن وقع السير على الوجه المحرم و لا يجب عليه إعادة السير على وجه محلل و في كلا الوجهين نظر أما في الأول فلأن وجود الصارف لا يرفع تمكن المكلف من الفعل كيف و هو مكلف بالفعل في تلك الحالة فيكون مكلفا بمقدمته أيضا و الأدلة التي سبقت على وجوب المقدمة تنهض دليلا على وجوبها مع الصارف و بدونه و هذا ظاهر لا سترة عليه و ربما أمكن أن يتوهم الاحتجاج‏

96

على القول المذكور بظاهر قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا حيث علق فيها الأمر بالوضوء الذي هو مقدمة الصلاة على إرادتها بناء على أن المراد بالقيام إرادة القيام كما ذكره أهل التفسير فيدل بالمفهوم على عدم وجوب الوضوء عند عدم إرادة الصلاة و يتم الكلام في باقي المقدمات بعدم القول بالفصل و جوابه أن المفهوم من التعليق في الآية بمساعدة سياقها إنما هو مجرد اشتراط الصلاة بالوضوء و وجوبه لها لا توقف وجوبه على إرادتها كما يظهر بالرجوع إلى العرف فيها و فيما يرد من نظائرها مع أن القيام فيها مفسر في بعض الأخبار بالقيام من النوم و معه لا تعلق للآية بالمقام و مع التنزل فالآية ظاهرة في ذلك فلا تنهض دليلا في مقابلة ما قدمناه من الأدلة القاطعة و أما في الثاني فلأنه لا ينهض بدفع الإشكال على الوجه الذي قررناه من امتناع التكليف بالشي‏ء حال تحريم مقدمته إذ غاية ما يتحصل منه جواز التوصل إلى الواجب بالمقدمة المحرمة و هذا مما لا إشكال فيه و إنما الإشكال في وجوب الواجب على تقدير حرمة مقدمته و قياس ذلك بصحة الحج بالركوب على الدابة المغصوبة قياس مع الفارق لأن تلك المقدمة مقدمة في الحصول على حصول ذي المقدمة فيصح الأمر به بشرط حصولها من غير إشكال بخلاف فعل الضد فإن مقدمتيه المحرمتين مقارنتان له في الحصول مستمرتان باستمراره فيمتنع التكليف به بشرط حصولهما لوجوب مقارنة تمام الشرط لتمام المشروط و هو هنا مستحيل و قد يتفصى عن إشكال لزوم توارد الأمر و النهي في الضد بأن الأمر النفسي يجوز أن يجتمع مع النهي الغيري و إنما الممتنع اجتماعه مع النهي النفسي و هذا ضعيف بناء على ما يظهر منهم من تفسير النهي بطلب الترك المطلق لأن المانع من اجتماع النفسيين إنما هو تنافي قضيتهما فإن كون الشي‏ء الواحد بالشخص مرادا و محبوبا كما هو قضية الأمر ينافي كونه مكروها و مبغوضا كما هو قضية النهي و هذا كما ترى لا يختص بالنفسيين بل يجري فيهما و في الغيريين و الملفق منهما و هذا على ما نقول به من امتناع الاجتماع واضح و أما ما يراه جماعة من المتأخرين من جواز ذلك مع تغاير الجهتين فلانتفائه في المقام لظهور أن المأمور به بالأمر النفسي هو عين المنهي عنه بالنهي الغيري و أما جهة النفسية و الغيرية فهما لاحقتان للأمر و النهي و الاختلاف فيهما لا يوجب تغايرا في متعلقهما و لو بحسب الاعتبار و هذا واضح و أيضا لو جاز أن يجتمع الوجوب النفسي مع الحرمة الغيرية لجاز أن يجتمع الحرمة النفسية مع الوجوب الغيري إذ لا نعقل فرقا بين المقامين مع أن ظاهرهم الإطباق على المنع في الثاني حيث خصوا وجوب المقدمة بغير الفرد المحرم و أسقطوه بفعله من غير نقل خلاف فيه فيتوجه المنع إلى الأول أيضا و تظهر ثمرة النزاع فيما ذكرناه في سبب الحرام و مقدمته التي قصد بها التوصل إليه فإنهما محرمان غيريان على ما هو التحقيق و يمتنع أن يكونا مع ذلك واجبين نفسيين أو غيريين كما في الجهر بالقراءة حيث يكون سببا لتنبيه راقد محرم أو مؤديا إلى قتل شخص محترم و أما في غيره فلا ثمرة فيه على ما ستقف عليه من تحقيقنا الآتي لا يقال لا نسلم وحدة المتعلق في ذلك لأن المطلوب بالأمر نفس الفعل و المطلوب بالنهي التوصل إلى الواجب بالترك لا نفس الترك و هذا معنى مطلوبية المقدمة للتوصل فإن المطلوب ليس نفسها بل التوصل بها غاية ما في الباب أن تكون تسميته نهيا عن الضد توسعا و لا بأس بالتزامه لأنا نقول مطلوبية التوصل يوجب مطلوبية نفس المقدمة لأنها مقدمة له و لا سبيل إلى أن يجعل المطلوب حينئذ التوصل إلى التوصل دون نفس المقدمة للزوم التسلسل و مع ذلك لا يجدي لأن التوصلات الغير المتناهية إذا أخذت بأسرها كانت مستندة إلى نفس المقدمة فيلزم مطلوبيتها لها هذا و التحقيق أن مطلوبية الشي‏ء يستلزم مطلوبية ما يتوقف عليه من نفس المقدمات و أما التوصل إلى الواجب فهو عند التحقيق راجع إلى فعل الواجب و هو واجب نفسي كما أن التوصل إلى المقدمة راجع إلى إيجادها و فعلها و هو واجب غيري فاندفعت الشبهة رأسا ثم لا يخفى أن الجواب المذكور على تقدير صحته لا ينهض بدفع جميع الإشكالات السابقة هذا و قد يتفصى أيضا عن الإشكال المذكور بأن الأمر و النهي يجوز تواردهما على شي‏ء واحد إذا كانا مترتبين سواء كانا نفسيين أو غيريين أو مختلفين و إن قلنا بأن التكليف بالمحال محال مطلقا إذ لا يمتنع عند العقل أن يقول المولى الحكيم لعبده أحرم عليك‏

الكون في دار زيد مطلقا لكن لو عصيتني و كنت فيها فأنا أوجب عليك أن تكون في موضع كذا منها فأنت حال كونك في موضع كذا منها منهي عن الكون فيه مطلقا و مأمور به بشرط الكون فيها فالمكلف مأمور أولا بفعل الواجب و ترك الضد لكنه إذا عزم على المخالفة و تحقق فيه الصارف عنه وجب عليه فعل الضد مع بقائه على وصف الحرمة فوجوب الضد مشروط بحصول الصارف عن الواجب بخلاف الواجب فإن وجوبه مطلق بالنسبة إلى ذلك أقول قضية ما ذكر توجه الأمر المطلق عند وجود شرطه و ضرورة العقل قاضية بامتناع توجه الأمر و النهي إلى الشي‏ء الواحد بالشخص و الجهة مطلقا و الدليل المذكور ينهض حجة عليه حتى أنا لم نعثر في ذلك على مخالف من القائلين بامتناع التكليف بالمحال مطلقا نعم يتجه جواز ذلك عند من أجاز التكليف بالمحال إذا كان من قبل المكلف كما سيأتي لكنه غير سديد عندنا كما سننبه عليه إن شاء الله و أقول في المثال المذكور إن كان مقصود الآمر أن الكون في موضع كذا منها أقل تحريما من الكون في غيره و أطلق لفظ الوجوب عليه توسعا فخارج عن محل البحث و إن أراد أنه مع كونه مبغوضا له مطلقا مطلوب له على تقدير الكون في الدار حتى إنه يصح قصد الامتثال و التقرب به ليصح تنظيره بالمقام ففساده ضروري كما مر ثم الاعتذار بأن وجوب الضد مشروط بحصول الصارف مما لا مأخذ له أصلا و مع ذلك فستقف على ما فيه بما لا مزيد عليه و يمكن التفصي عن الوجوه المذكورة أيضا بالتزام جواز التكلف بالمحال إذا كان من قبل المكلف كما يقول به بعض المتأخرين فيمنع الوجه الأول لأن الرجحان المعتبر في العبادة إنما هو جهة مطلوبيتها و هي متحققة في فعل الضد بتعلق الأمر به و التكليف بالمحال اللازم في الوجوه المتأخرة غير مانع من الأمر بالضد لاستناده إلى المكلف حيث عصى بترك الواجب و ضعفه واضح مما نحققه من أن التكليف بالمحال محال مطلقا و أجاب الفاضل المعاصر عن الوجه الثالث بأن الذي يقتضيه الأمر بالشي‏ء مضيقا إنما هو عدم الأمر بضده مضيقا و أما عدم الأمر به موسعا فلا لأن معنى الواجب الموسع وجوب الفعل في مجموع الوقت من غير تعيين لجزء من‏

97

أجزائه و لا استحالة فيه و هو نظير ما نجوزه من اجتماع الأمر و النهي في الشي‏ء الواحد مع تعدد الجهة فإنه من سوء اختيار المكلف هذا محصل كلامه و فيه نظر أما أولا فلأن ما التزم به من البطلان فيما إذا كانا مضيقين غير مستقيم كما ستقف عليه من تحقيقنا الآتي و مع ذلك فالضرورة قاضية بعدم الفرق فيما لو ترك الإنقاذ الواجب و اشتغل بالصلاة بين ما إذا وقع ذلك في أثناء الوقت أو آخره فالتزامه البطلان في الثاني دون الأول مجازفة واضحة و يمكن التفصي عن الأخير بالفرق بين التضييق الأصلي و التضييق العارضي بسبب تأخير الموسع إلى آخر الوقت فإن الامتثال فيه أيضا ليس باعتبار إيقاعه في آخر الوقت بل في مجموع الوقت و أما ثانيا فلأن ما ذكره في الموسع مبني على أن الأمر يتعلق بالفعل الكلي في كلي ذلك الوقت فلا يضاد الواجب بهذا الاعتبار و إنما يضاده باعتبار الفردية و عدم مطلوبيته لا ينافي مطلوبيته الطبيعة لأن الفرد مقدمة للتوصل إلى الطبيعة و يجوز التوصل إلى الواجب بالمقدمة الغير المطلوبة و هذا فاسد من وجوه الأول أن المطلوب بالأمر أما الوجود أو الإيجاد الخارجيان أو الطبيعة المأخوذة من حيث الخارج و لا شي‏ء من هذه الأمور بكلي كما سيأتي تحقيقه الثاني أن الكلي عين الفرد في الخارج فلا يكون مقدمة له و قد مر بيانه الثالث أن المطلوب بالأمر الموقت إيجاد الطبيعة في الوقت الخارجي لا الوقت المفهومي و لا الذهني و ذلك واضح و ظاهر أن الوقت الخارجي جزئي مشتمل على أجزاء فقضية التوقيت التخيير بين الأجزاء فتكون الطبيعة مطلوبة في كل جزء على وجه البدلية و إن لم يعد مثل ذلك في الاصطلاح تخييرا و لا خفاء في أن الطبيعة المقيدة بوقت الواجب مضادة لفعله فيبقى الإشكال و هو الأمر بالشي‏ء مع الأمر بضده بحاله ثم أقول و التحقيق عندي أن العبادة المذكورة صحيحة على القول بالاقتضاء أيضا كما هو المختار و أن الوجوه المذكورة فاسدة لا تنهض حجة على الفساد أما إجمالا فبالنقض بالواجبات و المندوبات التخييرية المتفاوتة في الفضل أنواعا و أفرادا إذا توقف فعل غير الأرجح منها على ترك الأرجح فإنه لو تم ما ذكروه لزم بطلان كل فعل راجح عند التمكن من فعل الأرجح و التالي باطل قطعا بيان الملازمة أن الوجوه المذكورة جارية فيه فإن ترك الراجح مطلوب للتوصل إلى الأرجح و راجح له فلا يكون فعله مطلوبا و لا راجحا للتنافي و تعلق الأمر بضده على التعيين و ترك مقدمته كذلك توجب عدم تعلق الأمر به و إلا لزم الأمر بالضدين و الأمر بالشي‏ء مع النهي عن مقدمته و إن كان كل من الأمر و النهي للطلب الغير المانع من النقيض ضرورة أن التكليف بالمحال محال مطلقا و لا يذهب عليك أن هذا النقض يبتنى على أمرين الأول أن تكون مقدمات المندوب مندوبة و قد بيناه سابقا الثاني أن يكون أفضل الفردين المخير بينهما مندوبا على التعيين كما يراه بعضهم لكنه غير مرضي عندنا كما سيأتي بيانه في محله و على تقديره يكون النقض إلزاميا و أما تفصيلا فنقول في الوجه الأول أن رجحان ترك الضد للتوصل به إلى فعل الواجب لا ينافي رجحان فعله في نفسه مطلقا و لو على تقدير عدم التوصل بتركه إلى فعل الواجب و إنما ينافي رجحانه في نفسه مطلقا أو على تقدير التوصل فيقتصر على نفيه و لا ريب أن التقدير الأول من لوازم فعل الضد فلا يقع بحسب هذا الاعتبار إلا صحيحا و تحقيق المقام أن الرجحان و المرجوحية من الصفات المتنافية المتقابلة فلا يمكن تواردهما على موصوف واحد و لا تحقق أحدهما بدون الآخر و هما قد يكونان عينيين تعيينيين فيعتبران بالنسبة إلى الفعل و نقيضه و قد يكونان تخييريين أو كفائيين فيعتبران بالنسبة إلى الفعل و ما هو أخص من نقيضه و هو المجرد من البدل و قد يعتبران بالنسبة إلى فعل و فعل آخر فيقال هذا أرجح من كذا أو أشد مرجوحية منه و لا خفاء في أن الراجحية و المرجوحية المعتبرتين في ماهية الأحكام التكليفية العينية التعينية إنما هما بالاعتبار الأول و حينئذ فمتى اتصف فعل مطلق أو مقيد بالرجحان المطلق أو المقيد المأخوذ بهذا الاعتبار لزم بحكم التقابل أن يتصف تركه بالمرجوحية على حسبه إطلاقا و تقييدا و على قياسه رجحان الترك المطلق المتعلق بالفعل سواء كان الرجحان مطلقا أو معلقا و أما رجحان الترك المقيد المتعلق بالفعل فقضيته مرجوحيته ترك هذا الترك المقيد لمكان التناقض دون الفعل لعدم مناقضته معه نعم قد يكون تركه المطلق راجحا أيضا كالإفطار في شهر رمضان فيكون‏

فعله مرجوحا بهذا الاعتبار كما مر في القسم الأول و حيث إن ترك الضد كان راجحا لكونه مقدمة لفعل الواجب كان اتصافه به مشروطا بحصول التوصل به إلى فعل الواجب على ما أسلفنا تحقيقه في بحث المقدمة و قد عرفت أن قضية رجحان ترك خاص مرجوحية ترك هذا الترك الخاص دون الفعل فلا ينافي رجحانه على بعض الوجوه و قد بينا أن رجحان فعل الضد مبني على تقدير عدم التوصل بتركه إلى فعل الواجب فقضيته مرجوحية تركه على هذا التقدير لا مطلقا و مرجعه إلى مرجوحية تركه الغير المتوصل به لأن تقييد الصفة يستلزم تقييد الموصوف من حيث الاتصاف فلا ينافى رجحان الترك المتوصل به فاندفع المنافاة لأن مبناه على اجتماع وصفي الرجحان و المرجوحية في محل واحد و على ما قررنا يغاير مورد كل واحد لمورد الآخر و إنما يلزم الاجتماع إذا كان ترك الضد راجحا على الإطلاق أو راجحية فعله على الإطلاق أو على تقدير التوصل بتركه و قد بينا خلافه و نقول في الوجه الثاني أن المقام ليس من باب اجتماع الأمر و النهي الذي نقول بامتناعه إذ يعتبر في ذلك تعلق النهي بمعنى طلب الترك المطلق بمورد الأمر ليلزم منه كون الشي‏ء الواحد واجبا و حراما كما سيأتي التنبيه عليه في محله إن شاء الله و هو غير حاصل هنا إذ المطلوب بالنهي الغيري المتعلق بالضد عندنا الترك المقيد بالتوصل به لا المطلق و قضية ذلك تحريم ترك هذا الترك المقيد دون الفعل فلا يلزم من وجوبه على تقدير عدم التوصل بتركه اجتماع الوجوب و التحريم في شي‏ء منهما فإن قلت هذا الجواب راجع إلى ما ذكره جماعة من جواز اجتماع الأمر النفسي مع النهي الغيري فلم عدلت عنه قلت وجه العدول أنهم يفسرون النهي الغيري‏

98

على ما هو ظاهر كلماتهم بل صريحها بطلب الترك المطلق للغير و يزعمون أنه مما يجوز اجتماعه مع الأمر النفسي ثم كثير منهم أطلق الأمر النفسي و ربما فسره بعض الأفاضل بما إذا كان مشروطا بمخالفة النهي و نحن لا نقول بشي‏ء من ذلك و إنما يجوز اجتماع النهي الغيري بمعنى طلب الترك المقيد بقيد كالتوصل به إلى فعل الغير مع الأمر النفسي المشروط بكون المكلف بحيث لا يأتي بذلك الترك المقيد فحصل الفرق بين مقالتنا و مقالتهم من وجوه عديدة و بالجملة فلا مدخل للنفسية و الغيرية عندنا في ذلك كما زعموه و إنما العبرة بتقييد الترك في النهي و تقييد الأمر بتقدير عدمه فحيث يتحقق الأمران يجوز الاجتماع من غير فرق بين النفسيين و الغيريين و الملفق منهما و حيث ينتفي أحدهما أو كلاهما يمتنع الاجتماع مطلقا و تنقيح المقام و توضيح المرام أن الطلب العيني التعييني بكلا نوعيه من الإيجابي و التحريمي يستلزم مبغوضية نقيض مورده كالرجحان و المرجوحية فمطلوبية فعل مطلق أو مقيد مطلقا أو مقيدا يستلزم مبغوضية تركه على حسب مطلوبيته إطلاقا و تقييدا و مطلوبية الترك المطلق المتعلق بفعل مطلق أو مقيد مطلقا أو مقيدا يستلزم أيضا مبغوضية الفعل على حسبه إطلاقا و تقييدا و مطلوبية تركه المقيد المتعلق بفعل مطلق أو مقيد مطلقا أو مقيدا يستلزم مبغوضية ترك هذا الترك المقيد لمكان المناقضة دون الفعل لعدم مناقضته معه من حيث ارتفاعهما في الترك المجرد عن القيد لا يقال ترك الترك المقيد أعم من الفعل و الترك المجرد و حرمة العام يستلزم حرمة الخاص لأنا نقول العموم بحسب الوجود لا يستلزم ذلك و بحسب الصدق ممنوع و قد مر بيانه في رد شبهة الكعبي و تظهر الثمرة فيما لو نذر التعبد بترك مرجوح كالسفر منفردا فإنه يجب عليه تركه متقربا فلو عصى و سافر كان سفره مباحا و أما تحريم فعل الإفطار في شهر رمضان مع أن المطلوب تركه المقيد بالنية فليس من جهة وجوب تركه المقيد بل لوجوب تركه المطلق أيضا و لهذا يحرم عليه و إن ترك النية ابتداء أو أفطر و ربما يحرم من حيث تسببه لترك الواجب أيضا كما لو شرع في الصوم ثم بدا له الإفطار بناء على عدم العبرة بالاستدامة الحكمية في نيته و على تقدير اعتباره يعصي بنقض النية لاستناد الإبطال إليه و قد عرفت أن المطلوب في النهي عن الضد الترك المتوصل به إلى فعل الواجب و أن الأمر إنما يتعلق بفعله على تقدير عدم التوصل بتركه إليه فقضية مطلوبية ترك الضد المتوصل به مبغوضية تركه دون الفعل و قضية مطلوبية فعله على تقدير عدم التوصل مبغوضية تركه الغير المتوصل به لا الترك المتوصل به فلا منافاة في اجتماع الحكمين لعدم استلزامه اجتماع وصفي المطلوبية و المبغوضية في الشي‏ء الواحد فإن قلت فعل الضد المطلوب مطلق و إن كانت مطلوبيته مقيدة فيكون تركه المبغوض أيضا مطلقا و إن كانت مبغوضيته مقيدة لما مر من أن إطلاق أحدهما و تقييده مستلزم لإطلاق الآخر و تقييده و قضية مبغوضية ترك المطلق و لو مقيدة به بتقدير عدم التوصل مبغوضية فرديه من التوصل به و غيره و لو مقيدة بالتقدير المذكور مع أن تركه المتوصل به مطلوب على كل تقدير فيجتمع المطلوبية و المبغوضية في الترك المتوصل به على تقدير عدم التوصل و هو محال قلت تقييد الطلب يستلزم تقييد المطلوب باعتبار كونه مطلوبا ففعل الضد باعتبار كونه مطلوبا مقيد بصورة عدم التوصل بتركه فيكون مبغوضية تركه مقيدة بذلك أيضا و لو بواسطة تقييد الطلب فلا يكون مطلوبا على الإطلاق و السر فيه أن ما هو شرط لوجوب الواجب من حيث نفسه أو تقديره يمتنع أن يكون مبغوضا بالقياس إلى ذلك الواجب و كذا لوازم شرطه و إن جاز اتصافه بذلك من حيث نفسه أو لأمر آخر و قد نبهنا على ذلك لا يقال فيلزم على تقدير ترك الواجب أن يجب ترك الضد المتوصل به إلى فعل الواجب على الإطلاق كما هو قضية كونه مقدمة للواجب المطلق و أن يجب فعله على الإطلاق نظرا إلى حصول ما قرر من شرط وجوبه و هو كون المكلف بحيث لا يتوصل بتركه إلى فعل الواجب و يستحيل التكليف الفعلي بالفعل و بتركه معا لأنا نقول استحالة مثل هذا التكليف إن كان من حيث استلزامه لاجتماع وصفين متنافيين في شي‏ء واحد من كونه مطلوبا و مبغوضا أو راجحا و مرجوحا فقد عرفت خلافه حيث بينا أن مورد كل منهما مخالف لمورد الآخر و إن كان من حيث استلزامه للتكليف بالمحال حيث إن قضية فعلية التكليفين الجمع بين الضدين من الفعل و الترك و

إن اعتبرا مقيدين و أنه ممتنع ففيه أن التكليفين و إن كانا فعلين لكن ليس مقتضاهما الجمع بين الفعل و الترك حتى يلزم منه التكليف بالمحال كيف و انتفاء أحدهما معتبر في مطلوبية الآخر و إنما يمتنع التكليف بالضدين إذا آل إلى طلب الجمع بينهما و بالجملة لا يمنع العقل من التكليف بالضدين معا إذا كان التكليف بأحدهما مبنيا على تقدير الخلو من الآخر لا لجواز التكليف بالمحال إذا استند إلى المكلف بل لأن التكليف بهما على الوجه المذكور ليس تكليفا بالمحال حيث إن ثبوت أحدهما منوط بعدم وقوع الآخر فكما يصح رجحان أحد الضدين مطلقا و الآخر على تقدير عدم التشاغل به و لا يلزم منه رجحان الممتنع أعني الجمع بين الضدين فكذلك الحال بالقياس إلى التكليف و الطلب و بهذا يتبين الجواب عن الوجه الثالث أيضا و توضيحه أن ما ذكروه من لزوم التكليف بالمحال إنما يتجه إذا كان المطلوب حصول الضدين معا و أما إذا كان المطلوب أولا هو حصول أحدهما و يكون مطلوبية الآخر على تقدير المخالفة في الأول فلا استحالة لأن منشأها عدم تمكن المكلف من فعل الضد و هو مخصوص بحال التشاغل بالواجب إذ حال عدم التشاغل به يتمكن من ضده فيصح إلزامه به فإن التنافي إنما هو في فعل الضدين لا في تعلق التكليف بهما إذا لم يرجع إلى طلب الجمع بينهما و بالجملة فوجوب الواجب مطلق بمعنى أنه ليس على تقدير و وجوب الضد مقيد بمعنى أنه إنما يجب على تقدير وقوع المخالفة في الواجب و ليس مشروطا بترك الواجب و لهذا لا يعتبر في تعلقه بالضد وقوع المخالفة في الواجب بل المعتبر كونه ممن يترك الواجب و يخالف فيه و يكفي علم المكلف به بمراجعة نفسه و في كفاية الظن وجهان و لا حاجة في إفادة ذلك إلى التصريح به بل يكفي التعويل على مجرد العموم و الإطلاق و قد سبق التنبيه عليه عند بحث المقدمة و في الوجه الرابع أن الممتنع إنما هو إيجاب الشي‏ء حال تحريم مقدمته مطلقا و أما إيجابه على تقدير حصولها كما نقول به في المقام‏

99

فلا بأس به و إن كانت مقارنة له في الحصول و قد مر تحقيق ذلك و اعلم أنه قد يستدل على الفساد بعموم قوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين و جوابه أن البناء على ظاهر الآية يقتضي بطلان كل عبادة تصدر عن غير المتقي مطلقا و إن كان عدم انتفائه من غير جهة العبادة و هو خلاف الإجماع بل الضرورة فيدور الأمر بين التخصيص و بين حمل القبول على القبول الكامل فإن لم يترجح الاحتمال الثاني فلا أقل من تكافؤ الاحتمالين و معه لا يتم الدلالة ثم اعلم أن الصارف عن الواجب قد يكون إرادة الضد و قد يكون غيرها و جريان ما ذكرناه في الوجه الأخير متضح و أما في الوجه الأول فقد يستشكل من حيث إن الإرادة حينئذ سبب لأمرين ترك الواجب و فعل الضد فتحرم لحرمة أحد معلوليها و هو ترك الواجب فيمتنع وجوب معلولها الآخر أعني فعل الضد لأن إيجاب الشي‏ء حال تحريم علته محال و لا سبيل إلى الاعتذار هنا على حسب ما مر في بعض الوجوه بأن وجوب الضد بعد الصارف عن الواجب لأن وجود الضد بعد تحقق الصارف واجب و يمتنع إيجاب الفعل بعد وجوبه و حصول سببه و الجواب أما أولا فبالنقض بالعبادات المترتبة في الفضل إذا كان ترك الأفضل منها مستندا إلى إرادة ما دونها لأن ترك المفضول حينئذ مطلوب للتوصل إلى الأفضل على التعيين فينافي مطلوبية فعله فلا يدل على البيان المذكور من أن يجعل مطلوبيته على تقدير وجود الصارف عن الأفضل و هو لا يستقيم فيما إذا استند ترك الأفضل إلى إرادة المفضول للزوم ما ذكر من مطلوبية الشي‏ء على تقدير وجوبه و حصول سببه و يعرف الكلام في ذلك مما مر في النقض المتقدم و أما ثانيا فبالحل و هو أن الاستحالة المذكورة إن كان مبناها على ما زعمه بعضهم من أن حكم المعلول لا يغاير حكم العلة حتى إنها إذا حرمت لحرمة أحد معلوليها حرم معلولها الآخر لحرمتها و استحال حينئذ وجوبه فمدفوع بما مر في بحث المقدمة من جواز الانفكاك و عدم الملازمة و إن كان مبناها على ما أشير إليه في دفع الاعتذار من كونه إيجابا للشي‏ء بشرط وجوبه و حصول سببه كما مر في دفع الاعتذار المذكور فمردود بأنا لا نسلم أن وجوب الضد يتوقف على وجود الصارف عن الواجب بل يتوقف على نفس عدم حصول الواجب لأنه الذي ينافي اشتغاله بالضد بنفسه فبعدمه يتمكن منه بخلاف الصارف فإنه من لوازمه و حينئذ فلا يلزم إيجاب الشي‏ء بعد وجوبه و يمكن دفعه بأن وجوب الضد إذا توقف على ترك الواجب فقد توقف على وجود الصارف الذي هو سببه أيضا لأن ما يتوقف على المعلول يتوقف على علته أيضا بالضرورة فيلزم المحذور أيضا لا يقال لا نسلم أن ترك الواجب مستند إلى وجود الصارف بل إلى عدم الإرادة و هو من لوازم وجود الصارف فلا يتم الدفع أو يقال الأسباب على قسمين قسم يرتفع قدرة المكلف عن مسبباتها حال حصولها و لا ريب في امتناع التكليف بمسبباتها حينئذ كالإلقاء من الشاهق بالنسبة إلى القتل و قسم يبقى معه الاختيار كالاختيار فإن المختار لا يخرج بالاختيار و الإرادة عن كونه مختارا و إلا لسقط التكليف عنه حال حصولها و هو ظاهر الفساد فحينئذ يجوز أن يكون التكليف بفعل الضد مبنيا على إرادته و لا يعقل فرق بين بقاء التكليف حال الإرادة و بين إنشائه فيها لأنا نقول أما الأول فمدفوع بأن استناد ترك الواجب إلى عدم الإرادة لا ينافي استناده إلى وجود الصارف أيضا فإن عدم الإرادة في الفرض المذكور مستند إلى وجود الصارف و أما الثاني فمدفوع بأن الفرق بين الأسباب الاختيارية في ذلك ضعيف لأن المكلف حال التشاغل بها قادر على ترك الفعل من غير فرق بين الإرادة و غيرها و بعدها لا يتمكن من الترك فيهما أما في غير الإرادة فظاهر و أما في الإرادة فلأنها بعد حصول ما هو سبب تام منها يمتنع تخلف الفعل الذي هو معلولها عنه و التقدير أن هذا هو الصارف الذي يستند ترك الواجب إليه حال وقوع الضد فيبقى الإشكال بحاله لأن وجوب الضد يتوقف على ترك الواجب المستند إلى إرادة الضد التي هي سبب لحصوله على ما هو المفروض فيلزم وجوب الشي‏ء بعد وجوب وجوده بل التحقيق في الجواب ما حققناه سابقا من أن تعلق الوجوب بالضد لا يتوقف على وقوع ترك الواجب ليلزم المحذور بل إنما يتعلق على تقدير وقوع الترك لأن وجوبه بالنسبة إليه مطلق لا مشروط و وقوع الترك كاشف عن تعلق الوجوب لا مثبت له لا يقال إذا كان تعلق الوجوب‏

على تقدير حصول المسبب كان تعلقه على تقدير حصول السبب أيضا لكن التالي باطل أما الملازمة فلما عرفت عند بحث المقدمة من أن مرجعها إلى اشتراط الوجوب بكون المكلف بحيث يصدر منه المسبب و لا ريب في أنه مستند إلى كونه بحيث يصدر منه السبب فتوقفه على الأول يوجب توقفه على الثاني و أما بطلان الثاني فلأنه إيجاب للشي‏ء على تقدير وجوبه و حصوله سببه من غير اعتبار أمر زائد إذ لم يقصد في التكليف إلا مسبب [سبب‏] تلك الإرادة و فساده ضروري لأنا نقول وجوب الضد ثابت على تقدير عدم حصول الواجب سواء استند إلى إرادة الضد أو لا و بعبارة أخرى سواء أراد فعل الضد أو لا و لا ريب في أن التكليف كذلك مما لا غبار عليه و إن صادف حصول الإرادة كما في سائر التكاليف نعم يمتنع التكليف على تقدير حصول الإرادة فقط و ظاهر أن المقام ليس منه و هذا الجواب كما يدفع الإشكال على الوجه الذي قررناه كذلك يدفع الإشكال على الوجه الأول أيضا و مما يوضح ذلك أنه إذا وجب على المكلف بنذر أو شبهه التشاغل بالقراءة أو الذكر في وقت معين إذا كان متطهرا فيه فإنه إذا استند محافظته على الطهارة في ذلك الوقت إلى إرادته لفعل القراءة الواجبة أو الذكر الواجب فيه فالضرورة قاضية بأن التكليف بذلك لا يرتفع عنه حينئذ مع أن الشبهة المذكورة جارية فيه لظهور أن وجوب القراءة أو الذكر مستند إلى وجود الطهارة أو عدم الحدث المستند إلى إرادة تلك القراءة أو ذلك الذكر فيستند وجوب القراءة أو الذكر إلى وجود علتها الموجبة لها و مثله الكلام فيما لو استند ترك السفر إلى إرادة الصوم و وجه الدفع و الحل ما عرفت من أن التكليف بالقراءة أو الذكر المشروط بوجود الطهارة أو عدم الحدث أو بالصوم المشروط بالحضور مطلق و ليس مقيدا بما إذا كان سبب وقوع‏

100

الشرط الإرادة الموجبة للقراءة أو الذكر الواجب فلا استحالة في التكليف على تقديره نعم يرد على الوجه المذكور أن ترك الواجب لو كان نفسه شرطا في تعلق التكليف بالضد لكان تركه في تمام الوقت شرطا كما هو قضية هذا الاشتراط و يلزم منه عدم تعلق التكليف بالضد في أثنائه فيثبت الثمرة المذكورة مع أن المقصود نفيها بذلك و تمام تحقيق الكلام يطلب مما حققنا عند بحث المقدمة فإذا تبين لك فساد التفصيل المذكور بما لا مزيد عليه فاعلم أن من فضلائنا المعاصرين من فصل في المقام بين ما إذا كان فعل الضد رافعا لتمكن المكلف من فعل الواجب و بين عدمه فالتزم بالتحريم و البطلان في الأول و منع منهما في الثاني و ملخص ما ذكره في توجيه مرامه هو أن إيجاب الشي‏ء إنما يقتضي بحكم العقل و الشرع و العرف إيجاب التهيؤ له و التوسل إليه فيجب فعل ما يقتضي وجوده وجوده كالسبب و ترك ما يقتضي تركه فعله كترك الحركة المقتضي لتحقق السكون الواجب و ما يقتضي فعله عدم التمكن منه كالمنافيات فالضدان كان مما يوجب فعله لعدم التمكن من الواجب كالسفر المانع من إيصال الحق المضيق إلى صاحبه فهو محرم سواء قصد به الغاية المحرمة أم لا لأن إباحته تقتضي عدم الإثم فيما يترتب عليه و إن قدر إرادة الواجب بعده فلو لم يكن الضد الموجب لعدم التمكن منه محرما لزم خروج الواجب عن كونه واجبا و لأن قضية إناطة الأحكام بالحكم و المصالح هو تحريم ما يقتضي رفع التمكن من فعل الواجب و لما ورد من النهي عن دخول البحر قبل الصلاة لمن لا يتمكن من الخروج عنه لأدائها و غير ذلك و إن لم يرفع تمكنه بل كان في جميع أفعال الضد متمكنا من تركه و أداء الواجب كما لو ترك أداء الحق المضيق و تشاغل بالصلاة فإنه يتمكن في كل حال من أحوالها أن يتركها و يتشاغل بالواجب و ليس في فعل الصلاة ما يقتضي رفع تمكنه منه عقلا و هو واضح و لا شرعا لسبق الحق المضيق على الدخول فيها فيجوز الإبطال له كالإبطال لغيره من الأمور المقررة عليها فلا يلزم من إيجاب الواجب تحريم مثل هذا الفعل إذ ليس في تركه مدخلية في أداء الواجب و لا فائدة يترتب على تركه مع ترك الواجب إذ التمكن حاصل على التقديرين هذا محصل كلامه و مرجعه إلى قضاء وجوب الشي‏ء بوجوب ما يوجب التهيؤ له و منه إبقاء التمكن فيحرم فعل الضد الرافع دون غير الرافع أقول و هذا التفصيل عندي محل نظر لأنه إن أراد أن التمكن من الفعل شرط في بقاء التكليف فيجب إبقاؤه و المحافظة عليه لذلك فهذا فاسد قطعا لأن إبقاء التكليف غير واجب بالنظر إلى نفس التكليف فضلا عن وجوب مقدمته لذلك و قد سبق في بحث المقدمة أن الواجب المشروط لا يقتضي وجوب مقدمته التي هي شرط الوجوب و الضرورة قاضية بأنه كما لا يجب تحصيل شرط الوجوب من حيث كونه شرطا له كذلك لا يجب تحصيل شرط بقائه من حيث كونه شرطا لبقائه لأن البقاء عند التحقيق في معنى الحدوث و إن أراد أن التمكن شرط للتوصل إلى فعل الواجب فيجب المحافظة عليه للتوصل به إليه ففيه أن رفع التمكن حينئذ يكون على حد سائر الأضداد الغير الرافعة للتمكن ضرورة أن ترك الكل شرط في التوصل إلى الواجب كما هو قضية ما بينهما من التضاد فيتحد الكلام في المقامين و يبطل الفرق المتوهم في البين و تحقيق المقام و توضيحه أن الأمر بالشي‏ء يقتضي إيجابه لنفسه و إيجاب ما يتوقف عليه من المقدمات للتوصل إليه على ما سبق ذكره في الفصل المتقدم و لا خفاء في أن من جملة مقدمات الفعل إبقاء التمكن منه و هو يتوقف على ترك الأضداد المنافية له فيجبان للتوصل إلى فعل الواجب لأن مقدمة المقدمة مقدمة و قد حققنا أن قضية وجوب شي‏ء لشي‏ء إنما هو وجوبه مقيدا لا مطلقا فلا يتصف بالوجوب إلا على تقدير حصول الآخر و ترتبه عليه و مرجعه إلى مطلوبية المشروط بكونه بحيث يترتب عليه الآخر فحيث لا يأتي المكلف بالواجب النفسي لا يتصف شي‏ء من مقدماته انتهى أتى بها في الخارج بالوجوب و المطلوبية الواقعية باعتبار كونها مقدمة له لانتفاء شرط وقوعها على وجه المطلوبية فيصح أن يتصف بغيره من الأحكام حتى التحريم لخلو المحل عن الضد المانع فيعمل المقتضي عمله لا يقال إذا تشاغل المكلف حينئذ بفعل الضد فإما أن يتعلق به التكليف بالواجب بالنسبة إلى الزمن الذي ارتفع تمكنه عنه بفعل الضد أو لا فإن كان الأول لزم التكليف بالمحال و هو محال و

إن كان من قبل المكلف على ما هو التحقيق و إن كان الثاني خرج عن محل الفرض إذ الكلام في صحة تعلق التكليف بضد الواجب حال وجوبه لا بعد سقوط وجوبه إذ لا إشكال في جواز تعلق الوجوب بشي‏ء و بضده في زمانين و ذلك كما لو ترك سجدتي السهو على القول بفوريتهما و تشاغل بالفريضة عند سعة وقتها فإن انعقادها منه حينئذ يوجب رفع تمكنه من فعل السجدتين شرعا إلى أن يفرغ منها إذ لا يجوز له قطع الصلاة و لا إيقاعهما في أثنائها و كما لو ترك أداء الدين المضيق و سار إلى الحج فإن بعده عن صاحب الحق يوجب رفع تمكنه من الأداء عقلا إلى أن يرجع إليه مثلا لأنا نقول نختار القسم الثاني و نمنع خروج الصورة المذكورة عن محل النزاع إذ يجري الكلام فيها بالنسبة إلى ما قبل التشاغل بفعل الضد فعلى ما حققناه يتوجه إليه الخطاب بهما على الوجه المتقدم و كذا حال التشاغل به إذا تمكن من فعل الواجب في زمن يخل فعل الضد به و إلا كان أثر التكليف بالواجب جاريا عليه و إن انقطع عنه الخطاب بالنسبة إلى زمن عدم تمكنه ثم لا يذهب عليك أن عدم جواز نقض العبادة غير رافع للتمكن الشرعي من الواجب بل المكلف في أثنائها مأمور بنقضها لأداء الواجب لأن صحة العبادة و رجحانها حينئذ مبنية على تقدير عدم صدور الواجب منه في زمان يخل به فعلها فإذا بدا له العزم على الواجب في زمان يخل إتمامها به عقلا أو شرعا كان ذلك كاشفا عن عدم تعلق الأمر بها به في الواقع فتبطل و ليس هذا إبطالا حتى يطالب فيه بالحجة المجوزة له هذا و أما الوجوه التي تمسك بها الفاضل المذكور فلا تنهض بإثبات دعواه من حرمة الضد الرافع للتمكن من الواجب بمعنى مطلوبيته تركه مطلقا أما الوجه الأول و هو لزوم خروج الواجب عن كونه واجبا فلأنه الدليل المعروف بين القوم على وجوب مقدمة الواجب و قد بينا فساده في بحث المقدمة و على تقدير صحته فلا دلالة له على مطلوبية المقدمة مطلقا و إنما يقتضي مطلوبية المقدمة التي يتوصل بها إلى ذي المقدمة بالفعل إذ يندفع به شبهة لزوم خروج الواجب‏