الفصول الغروية في الأصول الفقهية

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني صاحب الفصول المزيد...
446 /
301

فيمكن استثناؤه من القاعدة نظرا إلى انعقاد الإجماع عليه إن تمّ أو الشهرة القادحة في إطلاق أدلة الشهادة أو عمومها فيرجع فيه إلى حكم الأصل من عدم القبول مع عدم ذكر السّبب و يمكن تنزيل ذلك على الضوابط من حيث إن الشّهادة على الرّضاع المحرّم شهادة على وقوع فعل مقتض للتحريم فيقبل الشهادة على الفعل دون الاقتضاء لأنه من الأحكام الاجتهاديّة التي لا تعتبر البينة فيها بخلاف الشهادة على المذكورات فإنها ليست شهادة على أحكام اجتهادية بل على أمور أسبابها و طرفها اجتهاديّة فيقبل الشهادة فيها دون أسبابها و طرقها و أمّا الشهادة على الأخوة الرّضاعية أو البنوّة الرّضاعية أو نحو ذلك فيمكن توجيه المنع من قبول الإطلاق فيها لو تم بأنه لم يثبت اعتبار الشارع لهذه الأحوال إلا تبعا لنشر الحرمة فلا يثبت على الاستقلال و يمكن أن يقال لا يعقل من الأخوة الرضاعية إلاّ المشاركة في الرّضاع المحرّم و على قياسها البواقي فيرجع إلى الوجه الأول هذا مع أنّ محل البحث إنما هو تعديل الراوي و الأمر فيه سهل لأنّ حجيته على ما عرفت ليس تعبّدية بل دائرة مدار الظن و لا ريب في حصوله مع الإطلاق لا سيّما مع الاكتفاء بالتحرز عن الكذب و لك أن تقول الاختلاف في تفسير العدالة راجع عند التحقيق إلى الاختلاف في طرق معرفتها لا في نفسها لأنها عند الكل عبارة عن صفة خاصة هي ملكة الاستقامة في أمر الدين و الملازمة عليه و من فسرها بالإسلام مع عدم ظهور الفسق أو بحسن الظاهر يريد أن ذلك طريق إلى معرفتها و الحكم بها و كذلك الجرح بالفسق ليس له إلا معنى واحد و هو عدم الاستقامة المذكورة فلا يتأتى الإشكال فيه أيضا باعتبار تعيين معناه نعم هو كالتعديل في وقوع الخلاف في أسبابه فيتأتى الإشكال السابق فيه و يندفع عما مرّ من الجواب و احتج موافقونا بأن شهادة العدل من غير بصيرة يقدح في عدالته و الفرض خلافه و أجيب بأنّ الخلاف في الأسباب واقع فلعله يقول بسبب لا يراه الآخر و ردّ بأنّ العادل متى أطلق التعديل في محل الخلاف وجب أن يريد المعنى المتفق عليه و إلا لكان مدلسا و هو يقدح في عدالته و فيه أنه إذا أخبر بما يراه عدالة أو فسقا فلا تدليس لظهور أنّ كل مخبر إنما يخبر على حسب معتقده و بالجملة فالتدليس في الإخبار عبارة عن أدائه الواقع على خلاف ما هو عليه عند المخبر فإذا اعتقد المزكي أن الواقع هو العدالة و شهد به لم يكن مدلسا و إن علم أن معتقد الحاكم خلافه بل لو شهد حينئذ على حسب معتقد الحاكم و لم يصرّح به كان مدلسا لإراءته ما هو الواقع عنده على خلافه و قد يوجه الدّعوى في المقام بأن علماء الرّجال إنما صنّفوا الكتب و تعرضوا فيها لأحوال الرّجال جرحا و تعديلا ليرجع إليها عامة المجتهدين و يعوّلوا على مقالتهم و قد علموا باختلاف المذاهب في ذلك فحيث يطلقون فالظاهر أنّهم إنما يريدون المعنى المتفق عليه لئلا ينتفى الغرض الداعي إلى تأليف تلك الكتب و فيه تعسّف نعم يتجه أن يقال ليس مراد علماء الرّجال بالعدالة إلا الملكة أو حسن الظاهر دون مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق و إلا لم يبق لصاحب هذا المذهب مجهول في الرّجال و هو خلاف ما يظهر من كتبهم فمن يكتفي بحسن الظاهر على أنه العدالة أو الطريق إليها يلزمه قبول تعديلهم من هذه الجهة احتج النافي مطلقا بأنّه لو ثبت مع الإطلاق لثبت مع الشّك إذ لا يزيد ذلك عليه لمكان الاختلاف و أجيب بمنع الملازمة لأن قول العدل يفيد الظنّ إذ لو لم يعرف لم يقل و يمكن دفعه بأنّه إن أريد إفادته للظن بالمعنى المعتبر عنده فلا يجدي في القبول أو عندنا فممنوع لوقوع الخلاف و جوابه يعرف ممّا حققناه في حجة القول المختار و اعلم أنّا لو تنزلنا و التزمنا بالدليل المذكور فالمتجه على تقديره تفصيل لا تعرض لبيانه في كلامهم و توضيحه أنّ الإطلاق في المقام يتضمّن الإبهام من وجهين الأول ما يختصّ بالتعديل غالبا و هو عدم تعيين المعنى المراد منه من الملكة أو حسن الظاهر أو ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق و إنما قيدنا بالغالب احترازا عما لو كان الجرح ينفي العدالة فإنه يشارك التعديل في الإبهام المذكور في الجملة و الثاني ما يعمّ الجرح أيضا و هو عدم تعيين الكبائر و الصّغائر مع تكثر الاختلاف و تشتّت الأقوال فيهما فربما يرى المزكي ما نراه كبيرة صغيرة فلا يقدح في العدالة بفعلها و لو من غير إصرار أمّا الأوّل فقبول الإطلاق فيه ممّا لا إشكال فيه‏

عند من يرى القول الأخير لكنه قول غير معروف بين أصحابنا أو يرى القول بأنها حسن الظاهر أو أنها الملكة و حسن الظاهر طريق إليها كما هو المختار لما عرفت نعم من يرى القول بأنها الملكة و لا يعتد بحسن الظاهر طريقا إليها و يمنع اتحاد معنى العدالة يلزمه عدم الاعتداد بالإطلاق لكنه بمعزل عن مقام التحقيق و لو كان الجرح بنفي العدالة فلا ريب في كونه مقبولا عندنا بأي معنى فسّرها نعم من يرى العدالة مجرد حسن الظاهر أو ما هو أعمّ منه يلزمه بمقتضى الدليل المذكور عدم الاعتداد بالإطلاق أمّا الثاني فالتحقيق فيه أن العبرة في كون المعصية كبيرة أو صغيرة بمذهب الفاعل كما أنّ العبرة في كون الفعل معصية و عدمه بمذهبه فكما أنّه إذا اعتقد الحرام جائزا عن طريق شرعي لم يكن حراما في حقه كذلك إذا اعتقد الكبيرة صغيرة عن طريق شرعي كانت صغيرة في حقه لأنّ مرجع ذلك إلى ضعف مرتبة المعصية و قوتها فكما أنّ أصل ثبوتها يتبع معتقده كذلك وصفها بالقوة و الضّعف يتبع معتقده لأنّ المناط في ذلك الهتك و التجري و هو إنما يتبع معتقده الفاعل بأصله و وصفه دون الواقع نعم إذا لم يعتقد شيئا منهما بطريق معتبر مع علمه بكونه معصية اتبع الواقع على الظاهر فلو كانت كبيرة حسبت عليه كبيرة لانتفاء العذر و المانع و يمكن أن ينزل على هذا قوله تعالى و يحسبونه هيّنا و هو عند الله عظيم على بعض الوجوه و كذا إذا جهل بحال الفاعل في وجه لا سيّما إذا كان الجهل في أصل الاعتقاد لا في تعيينه و كذا الحال فيما لو اعتقد تحريم ما ليس بحرام أو وجوب ما ليس بواجب سواء كان ذلك لخطائه في الموضوع أو في الحكم فإنّه يتبع معتقده في كون‏

302

العصيان به صغيرة أو كبيرة فإن أعتقده كبيرة قدح فعله مطلقا و إن أعتقده صغيرة قدح الإصرار عليه و لو لم يعتقد شيئا منهما عول كل من المزكي و الجارح فيما لو كان الخطاء في جانب الموضوع دون الحكم على مذهبه فيه و كذا لو جهل حاله في وجه لا سيّما إذا كان الجهل في أصل الاعتقاد لا في التعيين كما مرّ و أمّا إذا كان في جانب الحكم فيحتمل الحكم بكونها كبيرة لأنها الأصل في المعاصي و الحكم بكونها صغيرة لأصالة عدم حصول زيادة التجري و عدم ثبوت حكم الكبيرة في حقه و قد يعتضد هذا باستصحاب العدالة و ذلك حيث يتقدم ثبوتها كما أنّ الأول قد يعتضد باستصحاب عدمها و ذلك حيث يتقدم عدمها فيحتمل التفصيل بالأخذ بمقتضى الاستصحابين أيضا و هذه الاحتمالات جارية على تقدير الجهل بالاعتقاد أيضا ثم إن كان ما قررناه موضع وفاق أو علم بموافقة مذهب الجارح و المزكي فلا إشكال في قبول الإطلاق إن علم بعدم خلوّ الفاعل عن الاعتقاد و بعلمهما به أو علم بموافقة مذهبهما في الخالي و المجهول و إلاّ توجّه المنع على ما مرّ احتجّ من اكتفي بالإطلاق في التعديل دون الجرح بأنه لو اكتفي به في الجرح كان تقليدا للجارح في الجرح لوقوع الخلاف في أسبابه و جوابه أمّا أولا فبالنقض بالتعديل إذ الخلاف واقع في أسبابه أيضا فالفرق تحكم و أمّا ثانيا فبالحل و قد عرفت بيانه ممّا أوردناه في حجة المذهب المختار و احتج من عكس الأمر بأنّ اللبس كثيرا ما يقع في العدالة لكثرة التصنّع فيها بخلاف الجرح و الجواب أنّ ذكر الأسباب لا يوجب رفع اللبس و احتمال التصنّع كما لا يخفى مع أنّ اللبس قد يقع في الجرح أيضا فيجب عدم قبول الإطلاق فيه أيضا و المخلص عن الكلّ واحد و هو أصالة عدم حصول الالتباس و مجرّد احتماله لا يكفي احتج العلامة على ما صار إليه بأنه إن كان من ذوي البصائر بهذا الشّأن لم يكن معنى للاستفسار و إن لم يكن منهم لم يصلح للتزكية و احتج عليه الرازي أيضا بأنا لو أثبتنا أحدهما بقول غير العالم بالأسباب لأثبتنا مع الشكّ بخلاف العالم و الجواب أن فرض العدالة مغن عن اعتبار البصيرة إذ مع عدمها لا يقدم على الشهادة و إلا لم يبق على وصف العدالة اللهمّ إلاّ أن يراد بالبصيرة الموافقة في المذهب فيرجع إلى القول الثاني و قد ذكر في مقابله أو يراد اشتراط العلم بذلك بعد العلم بالعدالة فلا ينهض الحجة بإثباته و يمكن أن يقال قد يخطئ العدل العامي في معنى العدالة و الفسق على وجه يعذر فيه فيزعم فيهما ما لا يقول به أحد فالمراد أن يكون المزكي و الجارح ممّن يظنّ في حقه الوقوف على معناهما بطريق بعد صاحبه من ذوي البصائر و أهل الخبرة فيهما عرفا ثم يرد على الحجّتين أن مجرّد كون المزكي و الجارح من ذوي البصائر لا يغني عن وجوب الاستفسار لجواز أن يستندا فيهما بما لا يصلح للاستناد إليه عندنا أو يفسّرا لفظهما بما لا نراه تفسيرا لهما لمكان الخلاف و لا مخلص عنه إلا بما ذكرناه في تحرير حجتنا على ما ذهبنا إليه‏

فصل إذا تعارض الجرح و التعديل‏

قيل يقدم الجرح مطلقا و قيل يقدم التعديل مطلقا و فصّل بعضهم و فرجح الجرح إن كان التعارض من حيث الإطلاق و أوجب الرجوع إلى المرجحات كالأكثرية و الأورعية إن كان التعارض من حيث الخصوص و ذلك كما لو قال الجارح وجدته يشرب الخمر في وقت كذا فقال المزكي إنّي وجدته في ذلك الوقت نائما أو مصليا أو أنه توفّي قبل ذلك الوقت أو ما أشبه ذلك و هذا هو الأظهر لنا أن مرجع الجرح إلى دعوى الاطلاع على الفسق و مرجع التعديل غالبا مع الإطلاق إلى دعوى الاطلاع على حسن الظاهر و عدم الاطلاع على الفسق و لا ريب أن قول من يدعي الاطلاع مقدم على قول من يدعي عدم الاطلاع نعم قد يشكل ذلك فيما لو ادّعى المزكي القطع بوجود الملكة العاصمة لكنّه موهون ببعد الاطلاع على السّرائر فيرجّح قول الجارح لأنه أبعد من الخطاء و لا خفاء في أنّ ما ذكرناه لا يجري فيما إذا كان التعارض من حيث الخصوص و إلا فيتعيّن الرّجوع فيه إلى المرجّحات ثم هذا التفصيل إنّما يتجه في تزكية غير الراوي و أمّا تزكية الراوي فقد عرفت ممّا حققناها من باب الظنون الاجتهادية فهذا التفصيل إنما يتجه فيها لبيان مظان الظنّ و إلا فقد ترجح قول المزكي الواحد على الجارح و إن كانا مطلقين بل و إن تعدّد الجارح و ذلك حيث يكون المزكّي أثبت بحيث يكون الظنّ معه أقوى كترجيحنا تزكية النجاشي على جرح الشيخ و تزكيتهما على جرح ابن الغضائري و ابن داود أو كان هناك ما يحتمل أن يكون هو الذي عده الجارح سببا للجرح مع أنّه لا يصلح له أو صرح بنوع السّبب و لم يكن لنا تعويل على نظره فيه كتضعيف جماعة لجابر الجعفي و رميه بالغلو مع توثيق المفيد له فإنّ الظاهر أن منشأ التضعيف و الرمي بالغلو إنما هو تصدّيه لنقل الأخبار التي لم يساعد عليها أفهام الأكثرين لا سيّما أوائل المتقدمين على ما يظهر بالتتبع في أحوالهم فإنّهم كانوا كثيرا ما يرمون الرّجل بالغلو و يتهمونه به بأدنى مقاله كانت تصدر عنه في حق النبيّ و الأئمة حتى على بعضهم في ذلك فعدّ منه نفي السّهو و النسيان عنهم (عليهم السلام) مع أنّه قد كاد أن يكون من ضروريّات المذهب و ربما كان الجارح ممّن عداهم معولا في جرحه على مجرّد اشتهاره بينهم‏

فصل يعرف توثيق المزكي للراوي‏

بمعنى قوله فيه بكونه إماميّا عدلا ضابطا بالتصريح بالأوصاف أو بقوله ثقة أو من الثقات فإنّ الظاهر من هذه الكلمات عند الإطلاق ذلك كما نصّ عليه جماعة و هو الظاهر من طريقة الآخرين حتى إنا لم نعثر فيه على مخالف و الوجه في استفادتهم من إطلاق التوثيق كون الموثق إماميّا أما وقوفهم على مصطلحهم و لو بطريق الاستنباط من فحاوي كلماتهم و مطاوي عباراتهم فإنّ دأبهم عدم التعرّض غالبا لبيان مذهب الموافق أو كونه الظاهر من إطلاق الثقة حملا للكلي على الفرد الكامل أو التعويل على الظاهر في حق المسلم لا سيّما إذا ثبت وثاقته و كذا الكلام في الممدوح المسكوت عن بيان مذهبه إلا أنّ الدلالة هنا تختلف قوة و ضعفا باختلاف طرق المدح و لو كان التوثيق أو المدح في كلام غير الإمامي فقضيّة الوجهين الأوّلين ظهوره‏

303

في موافقته له في المذهب و قضية الوجه الأخير كونه إماميّا و فيه ضعف و لا يقدح في ذلك أنّهم كثيرا ما يوثقون الرّجل ثم ينسبونه إلى بعض المذاهب الفاسدة كما فعلوا ذلك في جماعة من الفطحية و الواقفية و غيرهم لأن ذلك بمنزلة القرينة على إرادة خلاف الظاهر منه و من هنا قد يقع التعارض بين توثيق بعض و تصريح آخر بأنه من غير الإماميّة كما في داود بن حصين فإنّ النجاشي أطلق توثيقه و الشيخ صرّح بأنه من الواقفية و لا بدّ حينئذ من ملاحظة المرجح و الأصل يقتضي تقديم النصّ إلاّ أن يترجح الظاهر بالأثبتيه فلا يبعد ترجيح ظاهر مقالة النجاشي هناك على تصريح الشيخ هذا كله إذا أطلق التوثيق و أمّا إذا قيّده كقولهم ثقة في الحديث فيمكن أن يكون التقييد قرينة على إرادة مجرّد الاعتماد عليه في الحديث و بيان تحرزه فيه عن الكذب فلا يدل على التعديل بل و لا على كونه إماميّا و نقل عن الأكثر القول بأنه يفيد التعديل و هو غير واضح و في حكم توثيق الرّجل عدّ الحديث المشتمل عليه صحيحا حيث لا يكون عن مشايخ الإجازة و لا يتقدمه أحد من أصحاب الإجماع إن كان ممّن يصطلحه فيما يكون جميع رواته موثقين كما هو المتداول في كتب العلاّمة و من تأخر عنه دون ما يصحّ التعويل عليه كما هو المعروف بين المتقدمين و لهذا لا يعدّ تصحيح الكليني و الصّدوق لما روياه في كتابي الكافي و الفقيه توثيقا لرواتها و لو علم من مذهبه أنه لا يكتفي في تصحيح الرّواية بصحّتها إلى أصحاب الإجماع كما هو المعروف دل على التوثيق و قريب من ذلك ما لو عمل بالرواية من لا يقول بحجية غير الصحيح و أقوى منه ما لو عارضه صحيح فطرحه و عمل به إذا أول الصّحيح طلبا للجمع بينهما و قس على ذلك الحال فيما لو صرّح بكون الخبر موثقا أو حسنا ثم إنّ علماء الرّجال قد أطلقوا في حق بعض الرّجال ألفاظا منها ما يدل على التعديل نصّا أو ظهورا و منها ما لا يدل عليه بل على مجرّد المدح فلنعترض لبيانها منها قولهم ورع أو تقي أو دين و الأولان نصّ في التعديل و الأخير ظاهر فيه بل لا يبعد اختصاصه عرفا به و قريب منه قولهم صالح أو خير و منها قولهم عين أو وجه أو وجه من وجوه أصحابنا فقد عدّه بعض الأفاضل تعديلا و هو غير بعيد و يمكن أن يقال لا دلالة لهذا القول على تعديل النّاقل و إنما يدل على تعديل الذين أضيف إليهم كلا أو جلا إذ من البعيد أن يصير من لا يعتقدون بعدالته و جهالتهم و الأظهر أنه يفيد مدحا يصح الاعتماد معه على روايته لا سيّما الأخير و أمّا قولهم أوجه من فلان حيث يكون المفضّل عليه ثقة فأقوى في المدح و يحتمل قويا عدّه توثيقا و منها قولهم أصدق لهجة من فلان حيث يكون المفضل عليه ثقة و الظاهر أنّه يفيد مدحا يعتد به في العمل بروايته و كذا لو كان المفضل عليه هنا و فيما مرّ ممدوحا بما يصحّ الاعتماد على روايته و منها قولهم أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه و هذا عند الأكثر على ما قيل يدل على توثيق من قيل ذلك في حقه و لعلّ هذه الدلالة مستفادة منه بالالتزام نظرا إلى استبعاد إجماعهم على الاعتماد على روايات غير الثقة و إلا فهذه العبارة منقولة عن المتقدمين و قد عرفت أن تصحيحهم لا يقتضي التوثيق و ربما قيل بأنّها تدل على وثاقة الرجال الذين بعده أيضا و هو بعيد لأنّ اعتمادهم على رواية رجل في خصوص مقام لا يدل على توثيقه بشي‏ء من الدّلالات أ لا ترى أنّ علي بن حمزة قد ذكر الشيخ في حقه أنّه واقفي و ذكر النجاشي أنّه أحد عمد الواقفة و قال عليّ بن الحسن بن فضال إنه كذّاب متهم ملعون و قال ابن الغضائري هو أصل الوقف و أشدّ النّاس عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم (عليه السلام) و روى الكشي في ذمه روايات و لم يحك عن أحد توثيقه و مع ذلك فقد ذكر الشيخ في الفهرست أن له أصلا نقل عنه ابن أبي عمير و صفوان إلى غير ذلك من النظائر ممّا يطلع عليه المتتبّع الماهر و أما ما يقال من أن أصحابنا الإمامية كانوا يتبرّءون من الفرق المخالفين لهم لا سيّما الواقفية و كانوا يسمّونهم الكلاب الممطورة فكيف يعقل ركونهم [سكونهم‏] إليهم و روايتهم عنهم بل كلما يوجد من رواياتهم عنهم فلا بد أن يكون في حال استقامتهم فممّا لا وجه‏

له إذ الذي يظهر أنّ أصحابنا كانوا يعتمدون على الأخبار المحفوفة بأمارة الوثوق و إن كان الراوي غير إماميّ و كفاك في ذلك روايتهم عن النوفلي و السّكوني مع أنهما عاميان و لم يكن لهما حال استقامة و منها قولهم لا بأس به فعدّه بعضهم توثيقا لظهور النكرة المنفيّة في العموم و منهم من منع كونه مدحا و هما في طرفي إفراط و تفريط و الأكثر على أنه مدح و يظهر من بعضهم أنه يفيد مدحا يعتد به و هو الظاهر و منها قولهم أسند عنه و بعضهم جعله كالتوثيق و أولى من قولهم لا بأس به لأن معناه رواية الشيوخ عنه الحديث على سبيل الاستناد و الاعتماد و لم نقف على مأخذ هذا التعبير لظهور قصور اللفظ عن إفادة كون الرّاوي شيخا فضلا عن كونه شيخا للشيوخ و كونهم معتمدين على روايته مع أن ذلك بمجرّده لا يكفي ما لم يثبت وثاقة بعضهم و قد يوجّه ذلك بأنه لو أريد به مطلق الإسناد لم يبق وجه لتخصيص البعض به و يمكن دفعه بعد منع الملازمة بأن ذلك إنما يقتضي إرادة خصوص نوع من الإسناد فيبقى تعيين النوع المذكور بلا شاهد و منها قولهم من أولياء أحد الأئمة أو صاحبه و جعله بعضهم دليلا على العدالة و هو مشكل و منها شيخ الطائفة و عده بعضهم من أسباب التعديل و لا ريب في دلالته على مدح معتد به و منها قولهم فقيه أو فاضل و لا دلالة له على التعديل ظاهرا لا سيّما الثاني نعم فيه نوع مدح و أمّا نحو شاعر أو فصيح أو أديب فهو مدح بما لا يرجع إلى سند الرّواية و منها قولهم سليم الجنبة و فسّر بسليم الأحاديث و الطريقة فيفيد مدحا يعتدّ به و منها قولهم مضطلع الرواية قيل أي قوي الرّواية أو عال الرّواية فيفيد المدح و منها قولهم خاصي فقد عدّه بعضهم مدحا و هو إنما يتم إذا أريد به كونه من خواص الشيعة لا مطلق الشيعة كما يطلق في مقابلة العامي و هو غير ثابت و منها قولهم قريب الأمر و عدّه بعضهم مدحا و له وجه و منها قولهم بعد ذكره و الحق أنه إنما يدل على كونه إماميّا و أمّا كونه ثقة فلا نعم يشعر بنوع مدح له كما يشهد به تخصيصهم لذكر

304

الترحّم بالبعض و قد يعدّ من أسباب التّعديل أمور أخر منها كون الراوي وكيلا لأحد الأئمة لأنّهم لا يوكلون الفاسق و وجهه غير ظاهر نعم لو كان التوكيل فيما يشترط فيه العدالة دلّ عليها لكنه نادر و مثله نصبه قيما على الصّغير أو أمره بالإفتاء و نحو ذلك و منها كونه كثير الرواية و هو غير بعيد فيما إذا أكثر الثقة الجليل منه كما في إبراهيم بن هاشم أو أكثر القميّون منه الرّواية لا سيّما أحمد بن محمّد بن عيسى منهم فإن طريقتهم معروفة و منها كونه من مشايخ الإجازة لعدم أهلية الفاسق لهذا المنصب و ربّما يشكل بجواز أن يكون الغرض اتصال السّند في كتاب معروف أو يكون رواياته في مقام معتضدة بأمارات يوجب الوثوق بها أو يكون الغرض مجرد جمع الأخبار و العمل عند الاعتضاد و الاحتمال الأخير لا يخلو من بعد و من هنا يتقوى ما قيل من أنّ مشايخ الإجازة إمّا ثقات أو لا حاجة في السّند إليهم و منها أن يروي عنه من قيل في حقه لا يروي إلا عن ثقة و يضعّفه عدم اعتداد الأكثرين به في أمر التوثيق مع احتمال أن يراد به أنه لا يروي إلاّ عن من يوثق به و لو في خصوص الرواية التي يرويهما لدلالة أمارة عليه نعم يدل بظاهره على نوع اعتماد عليه و لهم في الجرح أيضا ألفاظ منها قولهم كذاب يضع الحديث أو من الكذابين المشهورين أو ملعون أو ما أشبه ذلك و منها قولهم غال أو من الطّيارة و هو بظاهره يوجب القدح ما لم يقم من الخارج اعتبارات تقتضي عدم الاعتداد برميهم كما نبّهنا عليه سابقا و منها قولهم ضعيف أو ضعيف في الحديث و هو غير صريح في التفسيق لجواز أن يكون التضعيف من حيث الاعتماد على المراسيل كما هو الظاهر من الأخير و لو صرّح بذلك لم يقدح قطعا و إن عدّه بعضهم قادحا كما عن كثير من القميّين و منها قولهم غمز عليه و الكلام فيه كسابقه و منها قولهم يعرف حديثه تارة و ينكر أخرى فإن أريد أن حديثه يقبل عند إسناده إلى ثقة و ينكر عند إسناده إلى غير ثقة دل على مدحه بل وثاقته و كان الطعن فيمن يروى عنه و إن أريد أنّ حديثه يعرف عند اعتضاده بأمارات الوثوق و ينكر عند تجرده عنها دل على الطّعن فيه و الثاني أقرب بدليل تخصيصه بالبعض و منها قولهم مضطرب الحديث و مختلط الحديث و ليس بنفي الحديث و فيه دلالة على الطعن فيه أو في رواياته و ربما أمكن أن يجامع ذلك مع التوثيق و أمّا قولهم ليس حديثه بذلك النفي فدلالته على المدح أقرب من دلالته على القدح و منها قولهم ليس بذاك و عده بعضهم ذمّا و بعضهم مدحا و الأوّل مبني على أنّ المراد ليس بثقة و الثاني يبتني على أنّ المراد ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما و الكل محتمل و لعل الثّاني أقرب و منها رميه ببعض المذاهب الفاسدة و قد عرفت منا جواز التعويل على روايته مع ثبوت وثاقته و تحرّزه عن الكذب‏

فصل إذا قال العدل أو العدلان بناء على اعتبار التعدّد حدّثنا عدل‏

ففي الاكتفاء به بناء على اشتراط العدالة في الراوي و عدمه قولان فذهب المحقق إلى الأول و الشّهيد الثاني إلى الثاني و هو مختار صاحب المعالم و الأقرب القبول مع تعذر الاطلاع على ما يعارضه أو تعسّره لنا أنّ المقتضي للقبول حينئذ و هو تزكية العدل موجود و ما يتخيل مانعا من عدم تعيين الراوي لا يصلح مانعا لما سنبيّنه من بطلان ما تمسّك به المانع مع عدم ما يصلح له سواه و أمّا عدم القبول مع إمكان الاطلاع على المعارض فلأن وظيفة المجتهد استفراغ الوسع في تحصيل الحكم و لا يتحقق ذلك بالتعويل على تعديل العدل بدون الفحص عن المعارض مع إمكانه و لا فرق في ذلك بين من ذكر مبهما أو معيّنا احتج صاحب المعالم بأن تعديل العدل إنما يقبل مع انتفاء معارضة الجرح و إنما يعلم ذلك مع تعيين المعدل لينظر هل له جارح أو لا و مع الإبهام لا يؤمن وجوده و التمسّك في نفيه بالأصل غير متوجه بعد العلم بوقوع الاختلاف في شأن كثير من الرّواة قال و بالجملة لا بدّ للمجتهد من البحث عن كلّ ما يحتمل أن يكون له معارض حتى يغلب على ظنه انتفاؤه كما سبق التنبيه عليه في العمل بالعام قبل البحث عن المخصّص انتهى و الجواب أنّ الحجّة الشرعية لا نطرح بمجرّد احتمال وجود معارض لها إذا لم يعثر عليه بعد الفحص أو تعذر الفحص بل لا بد من ثبوته و علمنا بأن بعض أفراد التعديل مقدوح بالجرح إنّما يقتضي عدم جواز التعويل على ذلك البعض بالخصوص و لا يتسرى إلى ما لا علم بوجود المعارض له بعد الفحص أو تعذره كيف و لو أثر ذلك لأدى إلى عدم قبول التعديل غالبا و إن عيّن الشخص إذ لا مسدّ لاحتمال وجود المعارض و إن لم نعثر عليه فإنّ الشك في معارضة المعارض الموجود هنا بمنزلة الشك في أصل المعارض كما لا يخفى هذا إن قرّر وجه المنع باعتبار التعديل و إن قرر باعتبار الشخص المعدل من حيث احتماله لأن يكون ممّن ثبت الجرح في حقه فيلزم أن لا يقبل التعديل في حقه من جهة الاشتباه ففيه أنّ تحقق الجرح في حق البعض لا يوجب عدم القبول في حق من لا علم بكونه منهم كيف و ليس علمنا من جهة جرح الجارح بانتفاء صفة العدالة عن البعض المعيّن المحتمل لكونه ذلك المعدل المبهم بأولى من علمنا إجمالا من جهة العادة بانتفائها عن البعض المحتمل لكونه المعدل المعيّن فالإشكال المذكور لو تطرق إلى الأول لتطرق إلى الثاني أيضا فيلزم أن لا يصحّ التعويل على تعديل أصلا و لو اكتفي بالتعديل في الثّاني طريقا إلى استعلام خروج المعدل تعيينا عمن علم إجمالا بعدم عدالتهم فليكتف به في الأول أيضا طريقا إلى استعلام خروج المعدل إجمالا عمن علم عدم عدالتهم تفصيلا و قوله و مع الإبهام لا يؤمن إلخ مردود بأنه إن أراد عدم حصول القطع به فهو غير حاصل مع التعيين غالبا فيجب عدم القبول فيه أيضا و إن أراد عدم حصول الظن بصحّة التعديل مع الإبهام فضعفه ظاهر لأن الغالب سلامة التعديل عن الجرح و المكافئ و هو يوجب الظن بصحة التعديل ما لم يعثر على معارضه مع أنّ هذا البيان لا يستقيم منه من حيث إن الاعتماد على تعديل العدل عنده من باب الشهادة و لهذا اعتبر التعدد فيه و حجيته تعبّدية لا مدخل للظن فيها و قوله و بالجملة إلخ فيه أنّ‏

305

المجتهد إنما يجب عليه الفحص مع إمكانه و تجويزه الاطلاع على المعارض لا مطلقا ثم بعد الفحص إن لم نعثر بشي‏ء يخالف الأمارة التي وجدها لا يعدل عنها بمجرد احتمال وجوده و إلا لما جاز له العمل بالعام بعد الفحص عن المخصّص و عدم الوقوف عليه أيضا و كذا الحال في سائر الأدلة الظنّية و قد ذكرنا أنّ الاعتماد على التعديل هنا إنّما يصح مع الفحص و عدم العثور على المعارض أو مع تعذره إذا عرفت هذا فاعلم أنّ عدّ بعض الأصحاب لبعض الأخبار صحيحا أو موثقا أو حسنا من هذا الباب فلا يصحّ التعويل عليه مع إمكان الرجوع و الاستعلام و يجوز مع ضيق المجال أو عدم كتاب يستعلم به الحال و قس على ما ذكرنا قول الراوي حدثني صالح أو واقفي ثقة أو من لا يعتدّ بروايته أو غير عدل أو حكم الفقيه بضعف الرواية فإن الكلام في ذلك كله كالكلام فيما مرّ فتبصّر و اعلم أيضا أنه لا يكفي في قبول الرواية قول العدل أو العدلين حدثنا بعض أصحابنا لأن مجرّد كونه من الأصحاب لا يوجب الاعتماد على روايته و كذا لو قال عن بعض أصحابه و العجب من المحقق أنه مع اشتراطه العدالة في الراوي و قوله بأنّ التزكية من باب الشهادة فرق بين العبارتين و اكتفي بالعبارة الأولى في تعديل الراوي إذا أراد بها كونه إماميّا لأن إخباره بمذهبه شهادة بأنه من أهل الأمانة و لم يعلم منه الفسوق المانع من القبول و منع منه في الثانية لإمكان أن يريد بها مجرّد كونه من الرواة أو من أهل العلم و وجه سقوطه غير خفي على المتأمّل‏

فصل قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلة السّنن و المكروهات‏

بإثباتهما بالروايات الضّعيفة الغير المنجبرة و حمل الأخبار المقيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السّند و عدم الجابر و خالف في ذلك بعض متأخري المتأخرين فمنع من إثبات الاستحباب و الكراهة إلاّ بما يمكن إثبات الوجوب و التحريم به من الأخبار المعتبرة و ربما يظهر من الصّدوق و شيخه ابن الوليد ذلك قال الصدوق في كتاب الصّوم من الفقيه و أما خبر صلاة غدير خم و الثّواب المذكور لمن صامه فإنّ شيخنا محمّد بن الحسن بن الوليد لا يصحّحه و يقول إنّه من طريق محمّد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة و كلما لم يصحّحه ذلك الشيخ و لم يحكم بصحّته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى و المذهب المشهور هو المنصور و يدل عليه أمران الأول الاحتياط الثابت رجحانه بالعقل و النقل أمّا الأول فلأن الإتيان بالفعل المحتمل للمطلوبيّة دون المبغوضيّة لاحتمال المطلوبية و ترك الفعل المحتمل للمبغوضيّة دون المطلوبيّة لاحتمال المبغوضية راجح عند العقل رجحانا ظاهريّا بالضرورة و لا ينافيه احتمال التشريع المحرم لأنه إن قيس الفعل بالنسبة إلى جهة الواقعيّة فلا إدخال إذ نسبة التشريع إلى الحكم و الفعل سواء فكما أنّ احتمالنا لدخول شي‏ء في الدّين عند الشّك في دخوله فيه ليس تشريعا كذلك إتياننا به لذلك الاحتمال ليس تشريعا و إنما التشريع هو الحكم بالدخول أو الإتيان به على أنه داخل و إن كان بالقياس إلى الظاهر فقد عرفت أنّ العقل قاطع برجحانه الظاهري حينئذ فالإدخال بهذا الاعتبار متحقق لكن بعد ثبوت كونه من الدّين بدلالة العقل فلا يكون تشريعا أيضا و أمّا الثاني فلما سيأتي في محله من قوله (عليه السلام) احتط لدينك و غيره و كما يصدق الاحتياط على المحافظة على فعل الواجب و ترك المحرم كذلك يصدق على المحافظة على فعل المندوب و ترك المكروه و لو سلم عدم الشمول أمكن تمام القول بعدم الفارق مضافا إلى شمول سائر الأدلة له الثاني و هو المعروف الأخبار منها الصّحيح المروي في المحاسن و ثواب الأعمال عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه أنه قال من بلغه شي‏ء من الثواب على شي‏ء من الخير فعمله كان له أجر ذلك و إن كان رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) لم يقله و رواه في الثاني بسند معتبر عن صفوان أيضا و منها الصّحيح المرويّ في الكافي عن هشام أيضا عنه أنه قال من سمع شيئا من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له أجره و إن لم يكن على ما بلغه و فيه أيضا عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من بلغه ثواب على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه و وجه الاستدلال أنّ هذه الأخبار بعمومها تشمل ما إذا كان الخبر ضعيفا و حيث إنها لم تتضمّن إلا ترتب الثواب على العمل لم يلزم منها ثبوت وجوب أو تحريم و قد أورد على هذا بوجوه الأول أنّ الظاهر من هذه الأخبار أن الاعتماد على مطلق الخبر إنما هو في ترتب قدر من الثواب على عمل ثابت الرجحان لا في إثبات أصل الرجحان بدليل قوله في الرواية الأولى على شي‏ء من الخير إذ لا بد من ثبوت خيرية العمل ليحكم باندراج الخبر الضعيف المشتمل على بيان ثوابه في عموم الرواية الدالة على القبول و الجواب أن الظهور المذكور إنما يتم في الرواية الأولى حيث اشتملت على لفظ خير مع إمكان أن يقال المراد به ما هو خير بمقتضى التبليغ فيعمّ و أمّا الرّوايتان الأخيرتان فالمذكور فيهما لفظة شي‏ء و عمل و هما تتناولان ما كان ثابت الرّجحان و غيره و لا سبيل إلى تقييد الإطلاق فيهما بما في الرواية الأولى إذ لا موجب له فإن ارتكاب التقييد إنما يتجه في مقام الأمر دون الإخبار و إن استلزم الأمر كما في المقام فإن قلت الرّواية الأخيرة ضعيفة و قضيّة اتحاد الراوي في الرواية الأولى و الثانية مع اتحاد المورد أن يتحد متن الرّواية فيكون الاختلاف ناشئا من جهة النقل فيتعين الاقتصار على القدر المتيقّن و هو الأخذ بمقتضى الرّواية الأولى و هي كما مر لا دلالة لها على المقصود قلت ضعف الرّواية الأخيرة منجبر بالشهرة و اتحاد الرّاوي و المورد لا يقتضي باتحاد المتن مع اختلاف المتن لجواز التعدد و سماعه عن المعصوم مرتين على الوجهين و لو سلم اتحاد المتن فلا بدّ أن يكون الاختلاف من جهة نقله بالمعنى فيتعيّن حينئذ أن يكون الرّواية الثانية إمّا حكاية لقوله (صلى اللَّه عليه و آله) أو مطابقا لمعناه و إلا كان النقل خطاء لامتناع نقل‏

الخاص بطريق العموم بخلاف العكس حيث يكون العام نصّا في شمول الخاصّ و لا ريب أنّ نقل الثقة إنما يحمل على الصّحيح مع الإمكان دون الخطاء الثاني أنّها على تقدير تسليم دلالتها على ترتب الثواب على العمل الذي أخبر ترتبه عليه و لو بطريق ضعيف لا تدلّ على‏

306

الإذن في الإتيان بذلك العمل بل غاية ما يستفاد منها الإخبار بسعة فضله و كرمه تعالى و أنه يتطول على عباده بما يرجون منه من المثوبة و هذا لا يقتضي أن يكون ما تضمّنه الخبر من الطلب صحيحا حتى يثبت به الدّعوى بل لا يفيد إباحة الفعل فضلا عن استحبابه إذ الحكم الشرعي يتوقف على صدور الخطاب و لا يكفي فيه مجرّد ترتب الثواب و الجواب أما أولا فلأن مساق تلك الأخبار ينادي بالترغيب إلى ذلك العمل كما لا يخفى على من كان له أدنى خبر بالمحاورات و لهذا يفهم استحباب كثير من الأفعال بالأخبار الدالة على ما يترتب عليه من الأجر و الثواب و أمّا إنكار دلالة ذلك على الإذن فأوضح فسادا إذ لا يعقل ترتب الثواب على عمل لم يؤذن فيه و تجويزه يؤدي إلى تجويز ترتب الثواب على ارتكاب المعاصي و تناول المحرّمات و هو مناف للقواعد العدلية فإن قلت قد ورد في حق حجام حجم النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فابتلع ما مصه من الدّم أنه (صلى اللَّه عليه و آله) نهاه عن ذلك و أخبره بأنه قد حرّم بذلك جسده على النار فكيف جاز ترتب هذه الفائدة الجليلة و هي من أعظم المثوبات على ابتلاع دمه (صلى اللَّه عليه و آله) و هو محرم بدليل نهيه عن ذلك قلت بعد تسليم الرّواية إن تلك الفائدة إنما ترتب على ابتلاعه قبل وقوع النّهي و الظاهر أنّه قصد التبرك بذلك و لم ينتبه لتحريمه فلم يكن فعله محرّما في الظاهر بل ربما كان مندوبا لظنه ذلك و لو سلم تحريمه في حقه فيمكن أن يكون المثوبة مترتبة على ما يترتب على الابتلاع من انتشار الدّم في البدن و صيرورته منه لا على نفس الابتلاع فلا ينافي تحريمه لإمكان نيل السّعادة بشي‏ء مع العصيان بفعل مقدمته و العقوبة لا تنحصر في التعذيب بالنار هذا و إن أراد المورد أنّ الحكم الشرعي بأنواعه يتوقف على ورود خطاب لفظي به فحيث لا يتحقق الخطاب اللفظي لا يتحقق حكم أصلا لم يلزمه تجويز ترتب الثواب على المحرمات لكن يتوجه عليه منع التوقف كما سيأتي بيانه في محله و أمّا ثانيا فلأنه إذا ثبت بهذه الأخبار ترتب الثواب على العمل تناوله عموم الخطابات الدالة على الأمر بالاستباق إلى الخيرات و المسارعة إلى المغفرة و الجنة إذ لا ريب في أنّ ما يترتب عليه الثواب مندرج في الخيرات و الثواب الذي بتضمّن الخبر ترتبه على العمل قد يكون مغفرته تعالى أو دخول الجنة و أمّا ما يستلزم دخولها من نيل ما فيها حور أو قصور فيتناوله الأمر بالمسارعة مع أنّ عموم قوله تعالى أنّ الحسنات يذهبن السّيئات يقتضي تحقق المغفرة و لو في الجملة في جميع الطاعات الثالث أنّها على تقدير تسليم دلالتها على الاستحباب إنما يدل عليه في الخبر المشتمل على ذكر ثواب على عمل فلا يتناول الأخبار الخالية عن ذكر الثواب و لا ما لا يكون عملا بل تركا كما في المكروه و الجواب أنّ بلوغ الثواب أعمّ من الصّريح و غيره و الخبر المفيد للرّجحان مفيد لترتب الثواب فيشمله الرّواية و العمل و الشي‏ء أعم من الفعل و الترك و لهذا كان قوله تعالى لا يضيع عمل عامل منكم شاملا للأعمال الوجودية و العدمية و بهذا الاعتبار صحّ عد الصّوم من الأعمال و السرّ فيه أنّ الترك ما لم يقرن بقصد القربة لا يترتب عليه الثواب كالفعل و إذا اقترن به عدّ في العرف عملا و لو سلّم فالمناط منقح و الإجماع المركب ثابت فالمناقش بمنع العموم مباهت الرابع أنّ عموم هذه الأخبار يعارض عموم منطوق آية النبإ معارضة العامين من وجه فإن رجحنا عموم الآية لكونها أقوى في الحجيّة و إلا فلا أقل من التّساوي فيتساقطان فلا يبقى دليل على الحجيّة و الجواب أن تناول أخبار الباب لخبر الفاسق أقوى من تناول آية النبإ الثواب لأن المطلقات التي تقع في سياق العموم كالرّجل في قولك من أكرم رجلا فله كذا تفيد العموم تبعا لألفاظ العموم للتّلازم فإن قضية شمول العام المقيّد بمطلق أفراده هناك شمول المطلق لأفراده لا محالة مضافا إلى اعتضاد عموم الأخبار بالشهرة و بظاهر العقل كما عرفت و ينبغي التنبيه هنا على أمور الأول يظهر من بعض الأصحاب أنه إنما يتسامح في أدلة السّنن إذا كان مشروعية أصل العمل معلوما كالصّلاة فإنّ رجحانها في نفسها معلوم فيتسامح في إثبات رجحانها في خصوص مورد دل الخبر الضّعيف على استحبابها فيه قال في المعتبر بعد أن أورد رواية عمار الدّالة على أنّ المنفرد إذا أذّن و أقام ثم أراد الجماعة أعادهما أن مضمونها تكرار الأذان و الإقامة

و هو ذكر اللّه و ذكر الله حسن على كل حال انتهى و فيه إيماء إلى اختياره ما ذكرناه و لا يخفى ما فيه فإنّ الحكم برجحان خصوصية من غير دليل تشريع كالحكم برجحان أصل العمل بدونه فإن اعتمد في ذلك على هذه الأخبار فنسبتها إلى المقامين سواء الثاني سرى بعض الأصحاب أمر التسامح إلى الاكتفاء بفتوى الفقيه المعتبر قال في المعتبر بعد أن نقل عن أبي الصّلاح كراهة الصّلاة إلى إنسان مواجه أو باب مفتوح ما لفظه هو أحد الأعيان فلا بأس باتباع فتواه انتهى و يمكن إدراج عموم الروايات المتقدّمة و أما الفقيه الغير المعتبر كالفقيه العامي فينبغي القطع بعدم الاعتداد بفتواه و في سراية حكم التسامح إلى العمل بما رواه المخالفون في كتبهم عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو أحد المعصومين مع عدم انجباره بعمل الأصحاب وجهان الثالث لا يثبت السّنن عندنا بالقياس و الاستحسان لعموم الأدلة المانعة عن العمل بهما و بما يظهر من عبارة المدارك الميل إلى ثبوتهما بذلك فإنّه بعد أن أورد الرّواية الدّالة على كراهة الصّلاة إذا كان بين يدي المصلّي مصحف مفتوح قال و ألحق الشيخ به كل مكتوب و منقوش و هو جيّد للمسامحة في أدلة السّنن و إن كان للمناقشة في هذه المعاني المستنبطة مجال انتهى و لا يخفى ضعفه فإنّ الاستحباب حكم شرعيّ فلا يجوز الإفتاء به من غير مستند معلوم الاعتبار و الأدلة الناهية عن القول على الله بما لا يعلم شاملة لذلك و قد عرفت أنّ الدليل إنما قام على التسامح من حيث السّند فلا يتعدى إلى غيره و عند التحقيق إطلاق التسامح هنا مبني على التسامح إذ لا مسامحة حقيقة بعد وجود الدليل القطعي و لو في الظاهر على قبول مطلق الخبر و لو تمسّك هناك على الكراهة بفتوى الشيخ كان متجها كما عرفت الرّابع الكراهة التي تثبت في صورة التسامح هو مجرّد ترتب الثواب على الترك لا ترتب منقصة

307

دينية على الفعل لعدم مساعدة دليله على ذلك الخامس يعتبر في جواز التسامح أمور منها أن لا يعارضه دليل التحريم أو الوجوب و إن كان عموما أو إطلاقا فلو ورد دليل معتبر على تحريم شي‏ء كالغناء مثلا على الإطلاق و ورد رواية ضعيفة دالة على استحباب ذلك في خصوص مقام كالغناء في قراءة القرآن و مرثية الحسين (عليه السلام) لم يعمل بها إما لعدم انصراف إطلاق روايات الباب إلى مثل ذلك مع عدم مساعدة الشهرة و قاعدة الاحتياط عليه أو لأنّ رواية النهي تتضمّن الثواب على الترك و هي أقوى مستندا فتتعيّن للترجيح و من هذا الباب منع البعض من صلاة الأعرابي نظرا إلى معارضة روايتها لعموم ما دل على أنّ النّافلة كل ركعتين منها بتشهّد و تسليم عدا الوتر و من صلاة الغفيلة و شهبها لمعارضة روايتها لما دل عليه الأخبار المعتبرة من أنه لا تطوع في وقت فريضة و منها أن لا يكون شاذا غير معمول به بين الأصحاب أو مخالفا لما هو المشهور بينهم لقوله (عليه السلام) و دع الشاذ النادر فإنه و إن ورد في الخبرين المتعارضين إلاّ أنه يعطي علية الشذوذ لترك العمل و هي مشتركة و في حكم التصريح بالخلاف ما لو ظهر عنهم الإعراض كتركهم التعرض لبيان الحكم في مقام يقتضي البيان مع كون الرّواية بحيث يبعد خفاؤها عليهم و من هذا الباب ما ورد في بعض الأخبار من زيادة بعض الفصول و الأذان و إعراض عن أصحابنا عنها

فصل إذا قال العدل حدثني فلان‏

أو قال فلان أو فلان عن فلان و أمكن روايته عنه بدون واسطة فالظاهر عدم الواسطة و إن كان قد يروي عنه بواسطة و إن أرسله أو ذكر واسطة مبهمة كقوله عن رجل أو عن بعض أصحابنا ففي قبوله و عدمه أقوال ثالثها القبول إن عرف أنّ الراوي لا يرسل إلا عن ثقة كابن أبي عمير على ما نصّ بعض علماء الرّجال عليه و هذا مختار العلامة في أحد قوليه و جماعة و هو المختار و عن الشيخ القبول مطلقا إن عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة و إلا فيشترط أن لا يكون له معارض من المسانيد الصّحيحة و عن المحقّق أنه حكى ذلك ساكتا عليه مؤذنا بالتوقّف لنا على عدم القبول إذا لم يعرف إرساله عن ثقة أنا نرى بالعيان أن العدل كما يروي عن الثقة كذلك يروي عن غيره فليس في روايته عن رجل ما يوجب تعيين أحدهما و لهذا لا يعدّ رواية العدل عند التصريح بالاسم من طرق التعديل فإذا ثبت جهالة الواسطة لم يجز التعويل عليه ما لم ينجبر بجابر للشكّ في تحقق شرط جواز العمل به كما مر في المجهول و لنا على القبول إذا عرف إرساله عن الثقة حصول الظنّ و الوثوق بروايته كالمسند إلى من عرف وثاقته فيجب التعويل عليه و العجب من الفاضل المعاصر حيث وافقنا على قبول المرسل في هذه الصّورة مع مصيره إلى عدم التعويل على تعديل الراوي في المبحث المتقدم و احتج على مختاره هنا مشيرا إلى وجه الفرق بقوله لا لأنّ ذلك تعديل للواسطة حتى يقال إنه على فرض تسليمه شهادة على عدالة مجهول العين و لا يصحّ الاعتماد عليه لاحتمال ثبوت الجارح بل لأنه يفيد نوع تثبت إجمالي إذ غايته أنّ العدل يعتمد على صدق الواسطة و يعتقد الوثوق بخبره و إن لم يكن من جهة العدالة عنده أيضا و لا ريب أن ذلك يفيد ظنا بصدق خبره و هو لا يقصر عن الظّن الحاصل بصدق خبر الفاسق بعد التثبت انتهى و هو كما ترى لأنّه إذا قيل في حق رجل لا يروي إلاّ عن ثقة فالظاهر منه أنّ المراد أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة عنده فإذا أرسل حينئذ فالظاهر أن إرساله عن ثقة عنده فكذا إذا قيل لا يرسل إلا عن ثقة فإذا جاز الاعتماد على هذا الظهور فمع التصريح أولى ثم قبول مثل هذا الراوي لكلّ ما يرويه غير مفهوم من الكلام المذكور لأنّ مجرّد الرواية عن الثقة لا يوجب الاعتماد على الرواية حتى على ظاهرها و لو سلم ذلك أو ثبت في مقام فإن كان من جهة عدالته عنده فالكلام فيه ما مرّ و إن كان من جهة أخرى فهي غير متعينة فيمكن أن يكون قبوله حينئذ راجعا إلى وجوه اجتهادية فلا تصير الرّواية في حقنا حجة و إلا لوجب علينا العمل بكل رواية عمل بها أحد ثقات المحدّثين مع خلوها عن المعارض و إن كانت ضعيفة السّند و هو لا يقول به نعم لو أجمع أهل الجرح و التعديل على أنّ الراوي لا يروي أو لا يرسل إلا عن ثقة عندهم أو جعلنا الإطلاق مغنيا عن القيد الأخير كان ذلك ظاهرا في تعديل الواسطة و سلامته عن الجرح فيتجه القبول هنا و إن اخترنا المنع في المبحث المتقدم لكنه مع كونه مجرد فرض لم يثبت وقوعه مما يمكن تطرق القدح إليه باعتبار جواز تعديلهم للواسطة حينئذ من جهة إخباره بأنه لا يروي إلا عن ثقة تعويلا على تعديل الراوي كما هو مختار جماعة احتج من قال بالقبول مطلقا بوجوه الأوّل الإجماع الذي حكاه الشيخ حيث ادعى أنّ الطائفة عملت بالمراسيل مطلقا كما عملت بالمسانيد إذا لم يعارضها من المسانيد الصحيحة و الجواب منع الإجماع على إطلاقه لاشتهار المخالف و إن أراد الإجماع على العمل به في الجملة و لو عند وجود جابر فلا كلام الثاني أنّ قضية سكوت العدل عن الأصل الذي يروي عنه تعديله لأنه لو لم يكن عدلا لبيّن حاله و إلا لكان تدليسا و الجواب المنع من قضاء سكوته بالتعديل بل هو أعمّ منه كما يظهر من النظر في طريقة الرّوات الثالث أن إسناد العدل الحديث إلى المعصوم (عليه السلام) يقتضي صدوره عنه و إلا لكان كذبا فيتعين القبول و الجواب من وجهين الأول أنّ ذلك لا يجري حيث يصرّح بالواسطة لأن الإسناد إلى المعصوم (عليه السلام) حينئذ من الرّجل المجهول لا من العدل الثاني أن إسناده إلى المعصوم (عليه السلام) حيث يسند إليه لا يقتضي علمه بصدوره عنه بل رجحان صدوره و لو بطريق الظنّ المعتبر عنده كما هو الغالب المتداول و أماراته لا تنحصر في وثاقة

الراوي بل هي من جملتها فالتعويل على مجرّد تعويله تعديل له في ذلك على أنه يمكن منع جواز التعويل عليه على تقدير ظهور دعواه العلم به لجواز أن يستند علمه إلى غير الحسّ من حدس و شبهه فيجري فيه ما يجري في الإجماع المنقول و قوى بعض المعاصرين جواز التعويل على هذا النوع تمسّكا بأن العدل لا ينسب إلى المعصوم (عليه السلام) إلا ما حصل له الظن بصدقه إمّا من جهة العدالة أو التثبت و كلاهما يفيدان الظنّ‏

308

و ضعفه ظاهر لأن حصول الظنّ للغير بصدق الرّواية لأمارة يعتمد عليها لا يوجب حصوله لنا مع علمنا باختلاف الآراء في الأمارات و لو صحّ ذلك لجاز العمل بكل رواية ضعيفة عمل بها فقيه نظرا إلى ظنّ العامل بصدقها و فساده ليس بموضع تأمل احتج من منع من القبول مطلقا على الصّورة الأولى بما مرّ و على الصّورة الثانية بأنّ تزكية الراوي شهادة فلا تقبل مع جهالة العين و الجواب المنع من كونها من باب الشهادة بل مبناها على الظنّ كما مرّ مرارا

فصل يجوز للراوي نقل الحديث بالمعنى‏

و لا يسقط به عن الحجيّة و لا نعرف في ذلك خلافا بين أصحابنا و عليه أكثر مخالفينا و ذهب بعضهم إلى المنع منه مطلقا و بعضهم إلى المنع في غير المرادف و موضع النزاع في الجواز ما إذا نقل مدلول الحديث بغير لفظه و أسنده بلفظ قال أو مرادفه و أما نحو أمر بكذا و نهى عن كذا أو صرّح بنقل المعنى فلا كلام نعم ينبغي أن يستثنى من ذلك نقل الخطب و الأدعية و نحوهما ممّا يستظهر منه عند إطلاق الإسناد نقل اللفظ نظرا إلى تعلق القصد به غالبا فلا يجوز نقله بالمعنى من غير قرينة تدل عليه و في الحجيّة ما إذا لم يتعذر الوصول إلى الأصل مع احتمال التعميم أخذا بإطلاق المنع لنا أولا جريان طريقة السّلف على ذلك كما يظهر بالتتبع و الفحص و لم يسبق من أحد إنكار على النّاقل و لا على العامل مع ما نرى من إكثارهم الإنكار و القدح بما كانوا يعدونه من أسبابه كالرّواية من الضّعفاء و التعويل على المراسيل و ما أشبه ذلك و ذلك إجماع منهم على جوازه و حجيّته و هو المطلوب و ثانيا اتفاقهم على جواز تأثيره بالعجمية و الاعتداد به و بالقرينة أولى لأنها أقرب و يشكل بأن موضع الاتفاق على المطلوب جواز ذلك مع القرينة و الاعتداد به مع تعذر الوصول إلى الأصل لا مطلقا و هو خارج عن محل البحث و ثالثا أنّ الغرض من الخطاب إفادة المعاني فلا عبرة بخصوص الألفاظ و رابعا أنه تعالى قصّ القصص بلغة العرب و حكاها بلفظ القول و هي بين ما لم تقع بلغتهم و بين ما وقع بلغتهم لكن بلفظ و أسلوب آخر لاشتمال القرآن على فصاحة لا توجد في غيره و لا يساعد عليها وسع البشر و أيضا قد قصّ القصة الواحدة بعبارات مختلفة مع أنّ الواقع غير متعدد فالمنقول ليس إلاّ المعنى و يمكن دفعه بأنّ ما دل دليل أو أمارة على كونه نقلا بالمعنى و منها الوجوه المذكورة فلا إشكال فيه لأنه نقل بالمعنى مع القرينة و الكلام فيما تجرد عنها و أما فيما عدا ذلك فنمنع كونه نقلا بالمعنى تعويلا على الظاهر و خامسا شهادة بعض الأخبار بذلك كصحيحة محمّد بن مسلم قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أسمع الحديث منك فأزيد و أنقص قال إن كنت تريد معانيه فلا بأس لا يقال لعلّ المراد الزيادة و النقصان في مقام التفسير أو الفتوى و التفريع أو النقل المقرون بالقرينة لأنا نقول إطلاق الرواية يقتضي عدم الاختصاص بذلك و التقييد يستدعي دليلا و إذ ليس فليس و يمكن الاحتجاج على حجية المنقول بالمعنى أيضا بالدليل العقلي إذ الوجوه المذكورة إذ لم تفد القطع بحجّيته فلا أقل من إفادتها الظن بها و قد قررنا حجية الظنّ في الطّريق حجة المنع وجوه منها أنّ قول الراوي قال ظاهر في صدور اللفظ فإذا أراد به نقل المعنى فقط كان كذبا و تدليسا و الجواب المنع من ظهوره في ذلك لجريان العادة في الحكايات على خلافه فإنّ السّامع إنما يحفظ المعاني غالبا دون الألفاظ لتعسّر ضبطها مع عرائه عن فائدة يعتدّ بها فلفظ القول إمّا حقيقة في القدر المشترك أو مجاز شائع فيه بحيث لا ينصرف عند الإطلاق إلى نقل اللفظ و منها أنّ فهم المعاني من الألفاظ بالاجتهاد و تعويل الفقيه فيه على نظر الراوي تقليد له و الجواب المنع من كونه تقليدا له بل التعويل عليه من حيث إفادته للظنّ بالمراد كالتعويل على نقل اللغوي بل كالتعويل عليه في نقل اللفظ و لو سلّم أنّ مثل ذلك تقليد فبطلانه ممنوع و السّند ظاهر مما مرّ مع أنّ الخطاب الشفاهي كثيرا ما يفهم منه معانيه بطريق الضرورة فإطلاق القول بأنّ المعنى يفهم بالاجتهاد ممنوع و منها أنّه لو جاز النقل بالمعنى و تكرّر لأدى إلى نقيض المطلوب إذ النقل لا ينفك عن تفاوت و اختلاف و لو يسيرا و الجواب أنّا لا نجوز النّقل مطلقا بل عند خلوصه عن التفاوت و الاختلاف كما سيأتي و منع إمكانه عادة واضح الفساد و منها قوله (صلى اللَّه عليه و آله) نصر اللّه من سمع مقالتي فوعاها و أدّاها كما سمعها و في رواية رحم اللّه و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه و في رواية إلى من لا فقه له و الجواب أن الرّواية الأولى دعاء و لا دلالة فيها على الوجوب سلّمنا لكن يصدق إذا أدى المعنى من غير تفاوت أنه أداه كما سمعه سلّمنا لكن معارضة بما هو أقوى منها سندا و دلالة و قضية الجمع‏

تنزيلها على تأدية المعنى كما سمع أو على الاستحباب و الرّواية الأخيرة لا تنافي النقل بالمعنى إذ مدار الفقاهة و التفريع على الاستنباط من المعاني غالبا مع أنها إنما تدل على وقوع النقل باللفظ لا على اختصاص جوازه به و لا يذهب عليك أن هذه الوجوه لو تمت لدل بعضها على منع الجواز و بعضها على منع الحجيّة و لا خفاء فيه على الناظر الفطن‏

فصل اشترط القائلون بجواز نقل الحديث بالمعنى في جوازه أمورا

منها أن يكون الناقل عالما بمواقع الألفاظ و هذا الشرط كما يعتبر بالنّسبة إلى الكلام المنقول منه كذلك يعتبر بالنسبة إلى الكلام المنقول إليه و المراد من العلم بمواقع الألفاظ العلم بمداليلها و بما يلزمها باعتبار الهيئات و الأحوال سواء علم ذلك بمساعدة الطّبع أو بإعمال القواعد المقررة و الظاهر منه اعتبار العلم التفصيلي فيتوجّه عليه الإشكال بإمكان التّعويل في ذلك على قول الثقة العارف بوحدة المفاد فيصحّ الإسناد حينئذ مع انتفاء الشرط و يمكن التفصّي عنه بأن يراد بالعلم ما يعمّ التفصيلي و الإجمالي الذي في الفرض المذكور فإن علم الناقل فيه بوحدة المفادين علم بمواقع تلك الألفاظ إجمالا أو يعتبر الاشتراط بالنّسبة إلى النّاقل من قبل نفسه كما هو الغالب و منها أن لا يقصر النقل عن إفادة المراد و لعل المراد أن لا يكون النقل بحيث يظهر منه خلاف المراد

309

كنقل المقيد بمطلق مجرّد عن القيد و الحقيقة بمجاز مجرد عن القرينة و أمّا مجرّد القصور عن الإفادة و لو كنقل المبيّن بلفظ مجمل فلا دليل على منعه في غير مقام الحاجة و منها أن يكون مساويا للأصل في الوضوح و الخفاء لأن الخطاب الشرعي يكون تارة بالمحكم و أخرى بالمتشابه لحكم و أسرار لا يصل إليها عقول النّاس فلو نقل أحدهما بلفظ الآخر أدّى إلى فوات تلك المصلحة كذا علّله بعضهم و يشكل بأن تلك المصلحة لعلّها كانت مقصورة على زمن ورود الحديث فتكون منتفية بالنسبة إلى النقل و لو سلم فلعلها مصلحة يسوغ للناقل إهمالها كالنكات البيانية التي لا تعلق لها بإفادة المراد مع أنّا نمنع كون أصل الدّعوى قطعية بل هي احتمالية و لو أثر مثل هذا الاحتمال لأدى إلى منع النقل بالمعنى مطلقا لجواز أن يكون قد روعي في لفظ الحديث مصلحة لا يوجد في غيره و يمكن توجيه المنع من تبديل الظاهر بالنصّ بأدائه إلى اختلاف طريق الجمع عند التعارض مع أن الغالب وقوعه و أمّا مع العلم بوجود المعارض و حصول الاختلاف فأوضح و هذا لا يجري في عكسه إذ غاية الأمر أن لا يترتب على النقل فائدة ما لم يكن هناك مقام حاجة فيجب المساواة لما مرّ

فصل ينقسم الخبر عند المتقدمين إلى صحيح و غير صحيح‏

فالصّحيح عندهم ما كان معتضدا بأمارات توجب الوثوق و الاعتماد عليه كوثاقة رواية أو وجوده في كثير من الأصول أو في البعض بطرق متعدّدة أو في أصل أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان و ابن أبي عمير أو تصديقهم كزرارة و محمّد بن مسلم أو على العمل بروايتهم كعمار أو اعتضاده بعمل الطائفة أو اعتماد الشيخ الجليل عليه كما يظهر من اعتماد الصّدوق على شيخه محمّد بن الحسن ابن الوليد حتى أنه صرّح في صوم الفقيه بأن ما صحّحه شيخه هو الصحيح و ما لم يصحّحه فليس بمعتمد إلى غير ذلك من الأمارات التي كانت توجب وثوقهم به و أمّا المتأخرون فلمّا طال تباعدهم عن زمن الأئمة و الرّوات و اندرس في البين كثير من الشواهد و الأمارات حتى انحصر معظم أسباب الوثوق عندهم في وثاقة الراوي و تحرزه عن الكذب و لم يعتمدوا على اعتماد جليل على رواية لأنه يشبه التقليد و التبعية و هم بمعزل عنه بالكلية و لتكثر الأجلاء و اختلافهم في الآراء و لم يجدوا للشيخوخة ما يميز الشيخ عن سائر العلماء قسّموا الرّواية بهذا الاعتبار إلى أقسام أربعة الأول الصّحيح و هو ما كان جميع سلسلة سنده إماميين موثقين مع الاتصال بالمعصوم (عليه السلام) صريحا أو مفهوما بالفحوى و الأمارات كمضمرات سماعة فإنّ الذي يظهر أنّ عود الضّمير فيها إلى المعصوم (عليه السلام) كان أمرا معلوما في الأصل لسبق ذكره مع مساعدة السّياق عليه و إنما نشأ الخفاء في الظاهر من جهة تفكيك الروايات و تفريقها على الأبواب و لو علم وثاقة البعض بالقرائن و الأمارات فكك و لهذا حكم بعض متأخري المتأخرين بصحة جملة من الأخبار التي في طريقها إبراهيم بن هاشم مع أنّه لا نصّ بتوثيقه نعم يستفاد وثاقته من تعويل ابنه عليّ الثقة الجليل عليه و إكثاره الرواية منه مضافا إلى أمارات أخر مقررة في محلها و اشترط بعض العامة أن لا يكون معللا أي لا يكون متنه أو سنده مشتملا على علة خفية لا يطلع عليها إلاّ الماهر كالإرسال فيما ظاهره الاتصال أو مخالفته لدلالة العقل و الشرط الثاني غير معتبر عندنا إذ طرح الرواية لا ينافي صحة الاصطلاحية و الأول مستغن عنه بما قررناه و قد يطلق الصّحيح مضافا إلى راو معيّن و يراد به اشتمال السّند إليه على شرائط الصّحة و إن اعتراه بعد ذلك ضعف أو إرسال فيقال و لصحيحة ابن عمير عن فلان أو عن رجل و قد يطلق أيضا على جملة محذوفة من السّند للاختصار مع السّكوت عن حال المذكور فيقال روى الشيخ في الصحيح عن محمّد بن سنان و المراد به اشتمال المذكورين قبل محمّد بن سنان على شرائط الصحة و هذان الإطلاقان إنما يرتكبان حيث يكون حال المذكور أو ما بعده غير معلوم حال الإطلاق أو يكون نزاع في وثاقتهما أو نوع قوة في روايتهما أو ما أشبه ذلك فيصرح بالاسم ليراجع عند التمكن أو ليبني كل ذي مذهب على مذهبه أو ليعرف مقدار قوة السّند و قد يكون بعض أصحاب الإجماع في السّند و يطروه بعدهم ضعف أو إرسال فيصرّح بالصّحة إليهم و يأتي ببقية السّند على وجهه ليتبيّن حال الرّواية بحسب الآراء الثاني الحسن و هو ما كان جميع سنده إماميّين ممدوحين بما يعتد به مع عدم توثيق الكل الثالث الموثق و هو ما كان جميع سنده موثقين مع عدم كون الكل إماميّا و قد يسمى هذا القسم بالقوي أيضا و لو تركب السند من القسم الأول و أحد القسمين الأخيرين ألحق بما اشتمل عليه من أحد القسمين الأخيرين و لقد كان في تحديدهما ما يدل على ذلك و لو تركب من القسمين الأخيرين و لو بمشاركة القسم الأول ففي إلحاقه بالحسن أو الموثق قولان مبنيان على الخلاف في تعيين المرجوح منهما لأنّ حال السند تتبع لحال أخسّ رجاله و التحقيق أنّ مراتب المدح و التوثيق متفاوتة فقد يتكافئان و قد يترجح أحدهما على الآخر فليس هناك قاعدة كلية يرجع إليها و إن كان الغالب ترجيح الموثق و أمّا ما ذكره الفاضل المعاصر من أنّ ماهية الموثق أرجح من ماهية الحسن فيلحق هذا النوع بالحسن و إن كان الحسن قد يترجح على الموثق لخصوص مدح في خصوص رجل فكأنه ليس على ما ينبغي و اعلم أنّ الحسن و الموثق قد يطلقان مضافين إلى راو معين أو على جملة محذوفة من السّند كما مرّ في إطلاق الصّحيح و وجهه ما عرفته هناك و قد عرفت ممّا حققنا حجية هذه الأقسام الثلاثة الرابع الضّعيف و هو ما لا يتّصف بعض رجال سنده بأحد الأوصاف المتقدمة و هذا ينقسم إلى قسمين‏

الأول أن يكون جميع رجال السّند غير إماميّين و ممدوحين بغير التوثيق بما يوجب الوثوق بتحرزهم عن الكذب أو يكون بعضهم كذلك و يكون الباقون من أحد الأقسام الثلاثة السّابقة و ليس هذا القسم قويا الثاني أن لا يكون كذلك أمّا القسم الأول فقضية ما حققناه‏

310

سابقا حجيته و أمّا القسم الأخير فليس في نفسه حجة نعم قد ينجبر بمعاضد خارجيّ كالشهرة فيكون حجة و اعلم أنّ التقسيم الّذي أوردناه في المقام ليس باعتبار الواقع بل باعتبار الاعتقاد فالمراد بالأقسام الثلاثة الأول ما يعتقد في حق رجاله الاتصاف بالأوصاف المذكورة و بالقسم الأخير ما لا يعتقد في حقهم كلا أو بعضا ذلك فيدخل ما كان في طريقه المجهول فيه‏

فصل لا بدّ للراوي من طريق يستند إليه في الرواية

فإن كانت الرواية عن المعصوم (عليه السلام) فله وجوه منها السّماع منه مع توجّه الخطاب إليه وحده أو مع غيره و هذا أعلاها لسلامته من احتمال الاشتباه و القصور المتطرق إلى ما عداه و في حكمه ما لو ذكر الرّواية للمعصوم فأقره عليها أو عرض مكتوبها عليه فنظر فيه و اعترف بصحّته و منها السّماع منه مع كون المخاطب بها غيره و هذا دون الأول لجواز أن يكون بين المتكلّم و المخاطب قرائن توجب صرف اللفظ عن ظاهره أو تدل على بعض مراده لم يقف عليها السّامع فاقتصر على نقل ما سمعه فأوهم خلاف المراد و إن جاز التعويل على أصالة عدمها ثم هذا يكون على وجهين الأوّل أن يعلم المعصوم بكونه سامعا الثاني أن لا يعلم به و الأول أقوى من الثاني لأن علم المعصوم (عليه السلام) بسماعه ربما يوجب أن ينبهه على المراد إذا لم يساعد اللفظ عليه صونا له عن الاشتباه بخلاف ما لم يعلم به و يجوز للراوي في هذه الوجوه الثلاثة أن يقول قال كذا و في الأول قال لي كذا أو حدثني و في الأخيرين سمعته يقول كذا أو ما أفاد ذلك و ربما كان لفظ حدثني أو سمعته يقول أو قال لي أصرح من قوله قال كذا في الدلالة على السّماع و أما نحو أمر بكذا أو نهى عن كذا فليس بصريح في السّماع و لا ظاهر فيه و إنما هو ظاهر في العلم بالأمر و النهي و سيأتي الكلام في حجيته و لو قال أمرني أو نهاني فظاهره السّماع و يقول فيما لو أقره على الرواية التي ذكرها له أو اعترف بصحة المكتوب منها ما يدلّ عليه و كذا الحال في رواية الفعل و التقرير و منها مكاتبته (عليه السلام) إليه أو إلى غيره و لا بدّ من علمه بكون الخطاب خطه (عليه السلام) و لو بمساعدة القرائن و الأمارات و ليس له حينئذ أن يقول قال أو سمعته يقول بل يقول كتب أو كتب بخطه إلي أو إليه أو ما أشبه ذلك و هذا دون السّماع بالوجه الأول قطعا لأنّ الكتاب ربما يتطرق إليه التزوير بخلاف السّماع و الظاهر أنّه دون السّماع بالوجه الثاني أيضا و في رجحان الثالث عليه وجهان و لعلّ أظهرهما ذلك و منها العلم بكونه قول الإمام بالنظر إلى قرائن الأحوال و ليس له حينئذ أن يقول قال لأنه ظاهر في السّماع إلاّ أن يكون معه قرينة تدل على خلافه كتأخّر زمانه عن زمان من يستند إليه القول لكن ليس حينئذ في مجرّد قوله قال دلالة على علمه بالقول لجواز كونه رواية متروكة الإسناد اختصارا كما نرى مثله عن الصّدوق و غيره ثم على تقدير ثبوت دعواه العلم بالقول ففي جواز الاعتماد على مثل هذا النقل وجهان مبنيّان على ما مرّ في حجيته نقل الإجماع و المختار القبول إلاّ أنه دون الوجوه السّابقة لتطرق الخطاء كثيرا في الحدسيّات دون الحسيّات و لو ظنّ قول المعصوم إما من جهة السّماع الغير المفيد للعلم بعين اللفظ أو لطريان النسيان فيما سمعه أو لوقوفه عليه في كتاب لا يؤمن عليه من التدوير أو لقرائن غير بالغة حدّ العلم فلا ريب في عدم جواز التعويل عليه نعم يجوز أن يخرج مؤيدا و كانت الرّواية عن غير المعصوم فلتحملها عنه أيضا وجوه منها أن السّماع من الشيخ و لا فرق بين روايته له من كتاب أو حفظ و إن كان الأول أقرب إلى الضّبط فإنّ قصده بالسّماع و لو مع غيره قال حدثني أو أخبرني أو ما أشبه ذلك و إن قصد غيره خاصة قال سمعته يحدث بكذا و نحوه و السّماع على ما صرّح به غير واحد منهم على وجوه التحمّل لأن الراوي أعرف بوجوه ضبط الحديث و بكيفية تأديته من الفصل و الوصل و البناء و الإعراب و غير ذلك مما يختلف باختلافه المعنى فربما ينبّه السّامع على الوجه المأثور بكيفية تأديته و هذا الوجه إنما يتضح جريانه فيما إذا كان الراوي متحملا بالسماع و شبهه لا بالإجازة و المناولة و نحوهما و لأنه خليفة المعصوم (عليه السلام) و سفيره إلى الرّعية فينبغي الأخذ منه كالأخذ منه و هذا الوجه لا يقتضي كون السّماع أعلى من حيث الحجية بل من حيث كونه أنسب بالتأدب و لأن توجّه السّامع للحديث إليه أقوى من توجه القاري إليه و لهذا نرى أنه يحفظ السّامع ما لا يحفظه القاري و لا يعارضه قراءته من جانب الراوي لأنّ سبق خبرة بالرواية بل تكرّر مراجعته إليها أغنى عن اعتبار مزيد توجّهه حال الرواية إليها بخلاف المتعلم لها و لصحيحة عبد اللّه بن سنان قال قلت لأبي‏

عبد الله (عليه السلام) يجيئني القوم فيستمعون مني حديثكم فأضجر و لا أقوى قال فاقرأ عليهم من أوله حديثا و من وسطه حديثا و من آخره حديثا فاقتصاره على قراءة الأحاديث الثلاثة عند العجز يدل على رجحان قراءة الجميع عند عدمه و منها عرض الحديث على الشيخ و قراءته عليه مع إقراره به و في حكم الإقرار سكوته الدال عليه بقرائن الأحوال فيقول قرأته عليه فأقر به أو حدّثني أو أخبرني قراءة عليه و منع السيّد من الأخيرين لأنّ معنى قوله حدّثني و أخبرني السّماع فيناقضه قوله قرأته عليه و ضعفه ظاهر إذ لا مناقضة له مع المعنى المجازي و مناقضته مع المعنى الحقيقي غير ضائر و إلا لانسدّ باب المجاز و أجاز بعضهم حدثني و أخبرني بدون قوله قرأته عليه و يشكل بأنّ ظاهره حينئذ سماع الحديث فيلزم الكذب إلاّ أن ينصب قرائن على خلافه فيكون في حكم التقييد و منها الإجازة و هي الرخصة في رواية الحديث عنه عمن يرويه عنه بقوله أجزت لك أن تروي عني أو ارو عني هذا أو ما أفاد ذلك ثم الإجازة كما قد يكون في كتاب معين مشخص كأن يقول أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب و لا بد حينئذ أن يكون الكتاب مأمونا عليه من الغلط أو التصحيف أو يجيز له الرّواية بعد التصحيح أو في كتاب معيّن غير مشخص كأن يقول أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من كتابي المعهود أو من‏

311

كتاب التهذيب مثلا أو كتاب غير معيّن مع ضبطه بعنوان معيّن كقوله أجزت لك أن تروي ما صحّ عندك روايتي له من الكتب كذلك قد يكون لشخص معيّن كما مرّ و قد يكون لغير معيّن كما لو قال أجزت لمن استجمع هذه الشروط بأن يروي عنّي فاتضح أن أنواع الإجازة أربعة إجازة معيّن أو غير معيّن لمعيّن أو غير معيّن و كما يصح إجازة الموجود الكامل كذلك يجوز إجازة غيره كالصّغير و المعدوم منفردا و منضما و يعتبر في إجازة غير المشافه بلوغها إليه بطريق العلم أو بخبر من يعتبر خبره و لا بد له حينئذ من التنبيه على ذلك و ليس له أن يقول أخبرني إجازة لدلالته على المشافهة و فائدة الإجازة إنما يظهر في الاعتماد على الأصل حيث لا يثبت بطريق التواتر و إلا فلا فائدة لها سوى مجرّد المحافظة على اتصال السّند للتيمّن و من هذا الباب إجازات أصحابنا المتأخرين عن المشايخ الثلاثة لكتبهم المعروفة كالكافي و الفقيه و التهذيبين و منها المناولة و هي أن يتناول الكتاب و يقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان أو عمن ذكرت أسماءهم في الكتاب فإن انضم إليها الإجازة فلا كلام في القبول و إلا ففي القبول قولان و المحكي عن الأكثر المنع و القول بالقبول أوجه إذ العبرة بالنقل لا بالرّخصة و منها المكاتبة و هي أن يكتب مسموعه و يرسل به إلى غيره و لا بدّ من علمه بأنه خطّه أو خبر من يقوم مقامه فإن انضم إليه الإجازة فلا إشكال في القبول و إلا ففيه قولان و حكي عن الأكثر هنا القبول و هو ينافي ما حكي عنهم في الصورة السّابقة من عدم القبول إذ لا فرق بينهما إلاّ في السّماع و الكتابة و لا ريب أنّ السماع أقوى و عبارته أن يقول أخبرنا أو حدثنا مكاتبة و منها الوجادة و هي وجدان أحاديث بخط من يرويها معاصرا كان أو لا و الظاهر جواز الاعتماد عليها مع انضمام القرائن الحالية الدالة على إرادة الرواية

فصل كما لا يكفي عندنا في حجية الرواية مجرد وجودها في الكتب الأربعة

ما لم تشتمل على شرائط القبول و سيأتي تحقيق ذلك في مبحث الاجتهاد كذلك لا يقدح في حجيتها عند اشتمالها على شرائط القبول خلو تلك الكتب عنها إذا وجدت في كتاب معلوم النّسبة إلى مؤلفه كالعيون و الخصال فإنّ الأدلة التي تمسّكنا بها على حجية خبر الواحد لا تقتضي حجية خصوص ما يوجد منه في الكتب الأربعة و طريقة الأصحاب جارية على العمل بها و بغيرها كما يظهر بتصفح كتبهم و إن كان العمل بها بغيرها قليلا لقلة ما يشتمل عليه من الأخبار المتعلقة بأحكام الفروع و السّبب في اشتهار الكتب الأربعة بين الأصحاب بعد ما اتضح و استبان من جلالة مصنفيها و عظم قدرهم بيننا إحاطة كتبهم بمعظم الأخبار المتعلقة بالفروع بل الأصول أيضا مع حسن ترتيبها و جمعها للأخبار المتعلقة بكل كتاب أو باب فيه غالبا بحيث يسهل على الطّالب المراجعة إليها في محل الحاجة و لهذا تركوا مراجعة الأصول و الرّسائل المشتملة على الأخبار حتى اضمحلت و اندرست بل تركوا غالبا مراجعة غيرها من الكتب المعروفة لصعوبة الوقوف فيها على الأخبار المتعلقة بمحل الحاجة ليعرفها في أبواب تلك الكتب من حيث وضعها لبيان مقاصد أخر مع ندرة ما فيها من الأخبار المعتبرة المتعلقة بالفروع الخارجة مما أحاط به تلك الكتب و ليس في تلك الأخبار في الكتب الأربعة دلالة على شهادتهم بعدم التعويل عليها إذ لم يظهر من أربابها قصد الإحاطة لجميع ما يعتمد عليه من الأخبار فيها لتعذرها عادة و للزوم تعارض شهاداتهم فيما لا يجمعون على نقله مع أن ذلك على تقدير ثبوته مبني على اجتهادهم و ليس وظيفة غيرهم تقليدهم فيه بل الظاهر أنهم إنما جمعوا ما تيسّر لهم عند التأليف جمعه أو تعلق به غرضهم و لم يقصدوا بذلك نفي الاعتداد بما عداها و أما الكتب المهجورة التي لم تشتهر انتسابها إلى الإمام (عليه السلام) و لا إلى مؤلف معول عليه فلا يجوز التعويل عليها ما لم يعاضدها معاضد بحيث يوجب الوثوق بها فمن جملة هذه الكتب كتاب الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) و قد اعتمد عليه جماعة من متأخري المتأخرين و هو كتاب ظهر في زمن المولى التقي المجلسي (رحمه الله) و أول من اطلع عليه و استحسنه القاضي أمير حسين بن حيدر و هو ابن بنت المحقق الكركي قال جاء في بعض سني مجاورتي لبيت اللّه الحرام جماعة من أهل قم حاجين و معهم كتاب قديم كتب في زمن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) و كان في موضع منه خطه (عليه السلام) و كان على ذلك إجازة جماعة كثيرة من الفضلاء بحيث حصل لي العلم العادي بأنه تأليفه (عليه السلام) فاستنسخته و قابلته ثم إنه جاء بالنسخة إلى أصبهان و عرضها على المجلسي و أخبره بالحال و في بعض عبارات الكتاب ما يدل على أنه تأليفه (عليه السلام) ففي أوله يقول عبد اللّه علي بن موسى الرّضا (عليه السلام) أما بعد فإنّ أول ما افترض اللّه على عباده و أوجب على خلقه معرفة الوحدانية إلخ و في باب الأغسال ليلة تسعة عشرة من شهر رمضان الليلة التي ضرب فيها جدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) و في باب غسل الميت روى أبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و في كتاب الزكاة أني أروي عن أبي العالم و في باب الربا بعد ذكر حديث اللؤلؤ و قد أمرني أبي ففعلت و في موضع آخر و مما نداوم به نحن معاشر أهل البيت و ذكر في باب الغنائم و الخمس بعد ذكر قوله تعالى و اعلموا أنّما غنمتم الآية فتطول علينا بذلك امتنانا منه و رحمة و يدل على ذلك أيضا أن كثيرا من فتاوى الصّدوقين مطابقة له في اللفظ و موافقة له في العبارة لا سيّما عبارة الشرائع و أن جملة من روايات الفقيه التي ترك فيها الإسناد موجودة في الكتاب و مثله مقنعة المفيد فيظن بذلك أن الكتاب المذكور كان عندهم و أنهم كانوا يعولون عليه و يستندون إليه مع ما استبان من طريقة الصّدوقين من الاقتصار على متون الأخبار و يراد لفظها في مقام بيان الفتوى و لهذا عد الصّدوق رسالة والده إليه من الكتب التي عليها المعوّل‏

312

و إليها المرجع و كان جماعة من الأصحاب يعملون بشرائع الصّدوق عند إعواز النصّ فإنّ الوجه في ذلك ما ذكرناه و أيضا مأخذ جملة من فتاوى القدماء التي لا دليل عليها ظاهرا موجود فيه فيظهر أنه كان مرجعهم في تلك الفتاوى و مستندهم فيها فيسقط عنهم ما أورده المتأخرون عليهم من عدم الدليل عليها و أيضا نقل بعض الأعاظم أنه وجد نسخة من هذا الكتاب بين الكتب الموقوفة على الخزانة الرّضوية قد كتب عليها أنّ الإمام علي بن موسى الرّضا صنف هذا الكتاب لمحمّد بن مسكين و أنّ أصل النسخة وجدت في مكة المشرفة بخطّ الإمام (عليه السلام) و كان بالخط الكوفي فنقله المولى المحدث محمّد إلى الخط المعروف و نقل عن بعض أجلاء أصحابنا أنّه قال في رجاله الموضوع لذكر العلماء المتأخرين عن الشيخ الطوسي (رحمه الله) ما لفظه السّيد الجليل محمد بن أحمد بن محمّد الحسيني صاحب كتاب الرّضا (عليه السلام) ثقة قال و الظاهر أنّ المراد بكتاب الرّضا (عليه السلام) هو هذا الكتاب و بكونه صاحبه انتهاء إجازة الكتاب إليه و إلا فهو من أصحابنا المتأخرين الذين لم يدركوا أعصار الأئمة (عليهم السلام) هذا و ممّا يبعد كونه تأليفه (عليه السلام) عدم إشارة أحد من علمائنا السّلف إليه في شي‏ء من المصنّفات التي بلغت إلينا مع ما يرى من خوضهم في جمع الأخبار و توغّلهم في ضبط الآثار المرويّة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بل العادة قاضية بأنه لو ثبت عندهم مثل هذا الكتاب لاشتهر بينهم غاية الاشتهار و لرجحوا العمل بها على العمل بسائر الأصول و الأخبار لما يتطرق إليها من احتمال سهو الرّاوي أو نسيانه أو قصوره في فهم المراد أو في تأدية المفهوم أو تقصيره أو تعمّد الكذب لا سيّما مع تعدّد الوسائط و سلامة الكتاب المذكور عن ذلك و لبعد ما فيه عن التقية بخلاف غيره مع أن الصّدوق قد جمع في كتاب العيون جميع ما وقف عليه من الأخبار و الآثار المروية عن الرّضا (عليه السلام) فلو كان قد عثر على الكتاب المذكور لنقله و لو منعه عنه طول الكتاب لنبّه على وجوده و اكتفي بذكر بعض صفاته مضافا إلى شواهد أخر في نفس الكتاب يؤكدا الظنّ بما ذكرناه منها أنّ أكثر عبارات الكتاب المذكور ممّا لا يشتبه بعبارة الإمام كما لا يخفى لمن تأملها و منها إكثاره من قول روي و أروي عن العالم و رويت من العالم و هذا مما لم يعهد في كلامه (عليه السلام) في غير الكتاب المذكور و لا في كلام غيره من سائر الأئمّة (عليهم السلام) و منها اشتماله على نقل أخبار متعارضة في موارد عديدة من غير إشارة إلى طريق الجمع بينها و لا إلى ما هو الحق منها و الصّواب و لا إلى أنّه ممّا يجوز الأخذ بكل منهما من باب التسليم فيستفاد منه قاعدة كلية أفيد من بيان ما هو المعتبر في خصوص الواقعة و ذلك كقوله فاغسل ثوبك منه يعني من الحيض و من البول و المني قل أم كثر و أعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم و قد روي في المني إذا لم تعلم به من قبل أن تصلي فلا إعادة عليك و كقوله و روي في دم الدّماميل يصيب الثوب و البدن أنه قال يجوز الصّلاة فيه و روي أنه لا يجوز و كقوله في الأضحية و تجزي البقرة عن خمسة و روي عن سبعة و روي أنها لا تجزي إلا عن واحد إلى غير ذلك و منها أنّه قال في باب القدر سألت العالم (عليه السلام) أجبر اللّه العباد على المعاصي فقال اللّه أعزّ من ذلك فقلت له ففوّض إليهم فقال هو أعزّ من ذلك فقلت له فصف لنا المنزلة بين المنزلتين إلخ و لا خفاء في أنّ مثل هذا السّؤال مما يبعد صدوره عن الإمام (عليه السلام) و أمّا الوجوه التي يتمسّك بها على أنه تأليفه (عليه السلام) فمع ضعف بعضها في نفسه غير صالحة لمعارضة ما قدمناه إذ قطع واجد النسخة بالخطوط التي شاهدها عليها بأنه من تأليفه (عليه السلام) موهون بتباعد العصر و عدم معهوديّة خطّ أرباب تلك الخطوط و قرب أمر التدليس إليه و لو سلم فوجود خطه (عليه السلام) في موضع من الكتاب لا يوجب كون الكتاب بتمامه تأليفه لا سيّما مع احتمال الإلحاق و إجازة الرواية لا يوجب الاعتماد على الكتاب كما يعرف من طريقتهم في الإجازة و قوله في أوّل الكتاب يقول علي بن موسى الرّضا أمّا بعد إلى آخر الحديث غير صريح فيما ظنّ لجواز أن يكون مؤلف الكتاب قد سمع الحديث المذكور منه (عليه السلام) أو وجده بخطه‏

فنقله عنه محافظا على كلمة أمّا بعد الموجودة في كلامه (عليه السلام) لمناسبتها لأول الكتاب و لا يلزم التدليس لذكره بعد ذلك ما يصلح قرينة على عدوله بعد ذلك الحديث إلى نقل أحاديث أخر بقوله و يروى عن بعض العلماء و قوله بعد ذلك و أروي و نحو ذلك مما يدل على أنّ الإسناد المذكور مقصور على الحديث الأول و قوله ضرب جدّنا يحتمل أن يكون من تتمة قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدم ذكره و لو سلم كونه من كلام المؤلف فاللازم منه كونه علويّا لا إماما و قوله روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لا دلالة على كونه موسى بن جعفر إذ لا يختصّ الرواية عنه به و قوله أروي عن أبي العالم يحتمل أن يكون بزيادة الياء من أبي أو بحذف عن عن العالم و مثل هذا التصحيف غير بعيد فيما يتحد فيه النسخة و يحتمل أيضا حمل الأب أو العالم على خلاف ظاهره و حديث اللؤلؤة غير واضح فيما ذكر لأن قال بعد ذكره و روي في خبر آخر بمثله لا بأس و قد أمرني أبي ففعلت مثل هذا و لا يبعد أن يكون قوله و قد أمرني أبي من تتمة الرواية مع أنه لا بعد في تعويل راو على قول أبيه كما يشهد به تعويل الصّدوق على رسالة أبيه إليه و مما مرّ يظهر ضعف الاستشهاد بقوله و ممّا نداوم به نحن معاشر أهل البيت و قوله فتطول يمكن أن يكون من تتمة الرّواية السّابقة عليه و ليس في سوق العبارة ما ينافيه و أن يكون من كلام صاحب الكتاب فلا يدل إلا على كونه هاشميّا لتحقق التطول أو الامتنان في حقه أيضا بالنسبة إلى ما يستحقه من الخمس مع احتمال أن يكون التطول و الامتنان باعتبار الأمر بالإعطاء أيضا فلا يدل على ذلك أيضا و أمّا مطابقة جملة من عبارات المفيد و الصّدوقين لما فيه فمما لا دلالة فيها على أخذها من الكتاب المذكور لجواز العكس أو كونهما مأخوذين من ثالث و مثله الفتاوى التي صدرت عن قدماء أصحابنا بلا مستند معلوم مع أنّ بعض فتاويهم ممّا لا يوجد مأخذه فيه أيضا و أمّا ما وجد مكتوبا على النسخة الموقوفة فليس بمعتمد إذ لم يثبت وثاقة الكاتب مع احتمال أن يكون وهما منه‏

313

في النقل الذي أسلفناه فإنّ الظاهر من الذي نسب إليه النقل هو صاحب الرّجال المعروف و لو كان هو العاثر عليه لنبه عليه في بعض كتبه أو نبه عليه بعض علماء الذين عاصروه أو تأخروا عنه و أمّا ما ذكره البعض في محمّد بن أحمد من أنه صاحب كتاب الرضا (عليه السلام) فلا دلالة فيه على أن إجازة هذا الكتاب منتهية إليه لجواز أن يكون المراد به بعض رسائله (عليه السلام) مما رواها الصّدوق في العيون و لو سلّم أنّ المراد به الكتاب المذكور فلا دلالة في كونه صاحبه على أنه كان يرويه بطريق معتبر لجواز أن يكون واجدا له أو راويا بطريق غير معتبر و لا يبعد أن يكون الكتاب المذكور من تصانيف بعض أصحاب الرضا (عليه السلام) قد أكثر فيه من نقل الأخبار التي سمعها منه (عليه السلام) بواسطة و بدونها كما يستفاد من قوله روي عن العالم و أروي عن العالم بناء على أن يكون المراد بالعالم هو الرّضا (عليه السلام) و يصحّ نسبة الكتاب إليه (عليه السلام) نظرا إلى أنّ الغالب حكاية كلامه إذ لا يلزم في النسبة أن يكون أصل النسخة بخطه (عليه السلام) و ربّما نسب إلى الصّدوق و هو بعيد مع احتمال أن يكون موضوعا و لا يقدح فيه موافقة أكثر أحكامه للمذهب إذ قد يتعلق قصد الواضع بدس القليل بل هذا أقرب إلى حصول مطلوبه لكونه أقرب إلى القبول و بالجملة فالتحقيق أنه لا تعويل على الفتاوى المذكورة فيه نعم ما فيه من الرّوايات فهي حينئذ بحكم الرّوايات المرسلة لا يجوز التعويل على شي‏ء ممّا اشتمل عليه إلا بعد الانجبار بما يصلح جابرا لها و لو استظهرنا اعتماد مثل المفيد و الصّدوقين عليه في جملة من مواضعه فذلك لا يفيد حجيته في حقنا لأنه مبنيّ على نظرهم و اجتهادهم و ليس وظيفتنا في مثل ذلك اتباعهم و إلا لكانت الأخبار الضّعيفة التي عولوا عليها حجة في حقنا فإن ظننا بتعويلهم على جملة من روايات كتاب إذا أفاد حجيته مجموع الكتاب في حقنا لكان علمنا بتعويلهم على رواية معينة مفيدا لحجيتها في حقنا بطريق أولى‏

القول في الفعل و التقرير

فصل اختلفوا في التأسّي بفعل النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله)

فذهبوا فيه إلى مذاهب فقيل بالوجوب و قيل بالاستحباب و قيل بالإباحة و قيل بالوقف و موضع النزاع ما لو فعل في غير مقام البيان و لم يعلم وجهه و لم يكن في نفسه من الأفعال العادية كالأكل و الشرب و النوم أو كان و لكن أوقعه على وجه غير عادي كمداومة الإفطار بالحلو و القيلولة و المختار عندي هو القول بالاستحباب لنا قوله تعالى لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر فإن المستفاد منه حسن التأسّي و الاقتداء بأفعاله (صلى اللَّه عليه و آله) و هو يفيد الرجحان المشترك بين الوجوب و الاستحباب و لا سبيل إلى حمله على الوجوب و إن قلنا بأنه الظاهر من إطلاق الطلب لأنّ أكثر أفعاله (صلى اللَّه عليه و آله) مندوبة في حق الكلّ و بعض ما وجب عليه مندوب في حقنا فلا يتصوّر وجوب الاقتداء فيها و تخصيصه بما ثبت عدم وجوبه موجب للتخصيص بالأكثر و هو أبعد من حمل الأمر على الاستحباب و حمله على خصوص الأفعال الواجبة في حقه مع التخصيص بالبعض أو في حقنا بعيد عن مساق الآية فتنزيل الطلب المستفاد منه على مطلق الرّجحان أولى و يمكن الاستدلال أيضا بالاحتياط و بأن شأنه (صلى اللَّه عليه و آله) يتعالى عن ارتكاب غير الراجح بل قد يحكى عن بعض الصّلحاء تورعه بعد الاستكمال عن ارتكاب غير الواجب و المندوب و النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أولى بذلك منه في جملة عمره و يشكل هذا بأن كون فعله الخاص راجحا لا يوجب أن يكون راجحا لنفسه أو لغيره اللازم ترتبه عليه ليترجح التأسّي به مطلقا لجواز أن يكون راجحا لغيره المترتب عليه في خصوص مقام الفعل و إن لم نطلع عليه مع أنّ خلاف الأولى بل المكروه ممّا يجوز صدوره عن الأنبياء على وجه النّدرة كما يدل عليه قصّة آدم و موسى و يونس و داود فصدور المباح أولى فيتسرى الاحتمال إلى نبيّنا (صلى اللَّه عليه و آله) مع مساعدة ظاهر آيتي العفو عنه في الإذن و المغفرة لما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر عليه و يمكن دفع الثاني بعد تسليمه بما مرّ من مراعاة الغالب إلا أنه لا دليل على حجيته في مثل المقام احتج القائلون بالوجوب بوجوه منها الآية السّابقة و قد عرفت عدم دلالتها على الوجوب بالبيان الذي سلف و قد أجاب عنها العلامة بأن الأسوة عبارة عن الإتيان بفعل الغير لأنه فعله على الوجه الذي فعله فإن كان واجبا تعبّدنا بإيقاعه واجبا و إن كان مندوبا تعبدنا بإيقاعه مندوبا و إن كان مباحا تعبدنا باعتقاد إباحته و فيه أنه إذا أتى به على وجه الإباحة لم يكف في صدق الأسوة فيه اعتقاد إباحته مع تركه كما يرشد إليه تفسيره لها فإنّ ذلك أسوة في الاعتقاد لا في الفعل و من هنا يظهر أنّ ظاهر الآية نفي وقوع ما عدا الواجب و المندوب منه (صلى اللَّه عليه و آله) إذ مفاد الأمر رجحان المتابعة و لا يعقل رجحان المباح و المكروه إلا أن يدعى أن جهة المتابعة مفيدة لرجحانه في حقنا و إن تجرّد عنه حين صدوره منه (صلى اللَّه عليه و آله) و هو بعيد أو يقال فعل المباح بنية كونه مباحا راجح لما فيه من إظهار الانقياد و التمسّك بشعائر العبوديّة و يدل عليه ظاهر قوله (عليه السلام) إنّ اللّه أحبّ أن يؤخذ برخصه كما أحبّ أن يؤخذ بعزائمه بتنزيله على الأخذ برخصه لكونها رخصة لئلا ينافي ثبوت المباح أو رجحان ما أحبّه تعالى فلا ينافي الآية فعله (صلى اللَّه عليه و آله) للمباح بهذا الاعتبار لكونه حينئذ راجحا لكنه لا ينافي الحصر المدعى و التحقيق أنّ الأسوة عبارة عن مجرّد المتابعة فإذا فعل (صلى اللَّه عليه و آله) فعلا و لم يعلم وجهه و تابعناه فيه بقصد القربة المطلقة كان ذلك تأسّيا به لأنه إن كان فعله بقصد القربة المطلقة أيضا فلا كلام و إن كان فعله بنية الوجوب أو الندب لم يقدح في صدق التأسّي قصدنا فيه القربة المطلقة لما بيّناه في محله من أنّ نية الوجه غير معتبرة و إن كان على وجه الإباحة مثلا بناء على جواز صدور المباح منه (صلى اللَّه عليه و آله) فإن قلنا برجحان التّأسّي فيه أيضا كما هو قضية الوجه الأول من الوجهين المتقدمين أيضا فلا إشكال و لا عبرة بكون الرجحان حينئذ من حيث كونه تأسّيا خاصّة لا من حيث نفس الفعل أيضا كما في الأولين إذ تعيين هذه الجهات غير لازم في صحة العمل بل القدر اللازم المتابعة بقصد القربة و إلا كان عموم‏

رجحان التأسّي مخصوصا به‏

314

و لا يصار إليه إلا بعد ثبوته فيخرج عن محلّ الفرض و لو فرض أنّه (صلى اللَّه عليه و آله) أتى بالفعل بنية الوجوب و لم نعلم به و فعلناه بنية الندب تعويلا على الأصل صحّ العمل أيضا إذ مجرد نية النّدب في الواجب لا يوجب الفساد لا سيّما إذا كان لدليل شرعي و حينئذ فيحصل التأسّي فيه من حيث إتياننا بالفعل بقصد القربة و إن لم يحصل التأسّي في نيّة الوجوب و منها قوله تعالى فاتبعوه فإنّ الاتباع يعمّ اتباعه في الفعل و القول فيجب اتباعه في الفعل و هو المقصود و قوله تعالى إن كنتم تحبّون اللّه فاتبعوني فإنّ مفاده أنّ من أحبّ اللّه اتبع الرّسول فينعكس بعكس النقيض إلى قولنا من لم يتبع الرّسول لم يحبب اللّه لكن حبّه تعالى واجب كما يدل عليه قوله عن ذكره و الّذين آمنوا أشدّ حبّا للّه و قوله تعالى قل إن كان آباؤكم إلى قوله أحبّ إليكم من اللّه الآية و في هذا البيان نظر و الأولى أن يقال إذا ثبت وجوب الاتباع على تقدير المحبة ثبت على تقدير عدمها إذ لا قائل بالفصل و الجواب أنّ الظّاهر من الاتباع اتباع أوامره و نواهيه سلّمنا لكن لا بدّ من حمل الأمر على مطلق الطلب لئلا يلزم التخصيص بالأكثر المرجوح على تقدير جوازه بالنّسبة إلى حمل الأمر على مطلق الطلب لا سيّما إذا قلنا بأنه حقيقة فيه كما هو المختار و إن كان التخصيص في نفسه راجحا على أغلب وجوه التصرّف و قد يقال الاتباع في الفعل إنما يتحقق بإيقاعه على الوجه الذي أوقع عليه كما مر في التأسّي فيتوقف على العلم به فلا يتم مع عدمه كما هو محل البحث و فيه ما مرّ و منها أنّ إطاعته (صلى اللَّه عليه و آله) واجبة فيجب التأسّي به أما الأول فلقوله تعالى أطيعوا اللّه و الرسول و قوله تعالى من أطاع الرّسول فقد أطاع اللّه و من تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا فإنّ المقابلة دليل على وجوب الإطاعة و أمّا الثاني فلأنّ الإطاعة بمعنى المتابعة فيعمّ المتابعة في الأفعال و الأقوال و الجواب أن المفهوم من الإطاعة هي المتابعة في الأقوال كما في إطاعته تعالى دون الأفعال بدلالة العرف مع أصالة عدم النّقل و لو سلم التعميم كان اللازم حمل الأمر على الطّلب المطلق بقرينة ما مرّ و منها قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره فإنّ الأمر حقيقة في الفعل و التحذير عن مخالفته دليل الوجوب و الجواب أن الأمر كما يطلق لغة على الفعل كذلك يطلق على الطّلب الإلزامي كما بيّناه سابقا و الظاهر منه في الآية هو الثاني و مع التنزّل فلا أقل من الاحتمال المستلزم للإجمال فلا يتم الاستدلال و ذلك لما حققناه سابقا من بطلان ما ذهب إليه البعض من ظهور المشترك في جميع معانيه عند عدم القرينة و منها الاحتياط لاحتمال الوجوب و الجواب أنّ الاحتياط إنما يفيد الاستحباب دون الوجوب و قد يجاب بأنّ الاحتياط في الفعل إنما يثبت مع أمن الضرر و هنا ليس كذلك لجواز كون جوازه من الخصائص و يضعف بندرة الخصائص فيقوى [فيتقوى‏] احتمال الوجوب على احتمال التحريم فيتقوى الاحتياط في احتمال الوجوب تنبيهات الأول إذا أوقع (صلى اللَّه عليه و آله) فعلا في مقام البيان سواء كان المبين عبادة كالصّلاة و الحج أو معاملة و ما بحكمها كالبيع و التطهير فما علم من حاله اعتباره في المبين شطرا أو شرطا ثبت اعتباره فيه كذلك و ما علم عدم اعتباره فيه و كونه من المقارنات ثبت عدم اعتباره فيه و ما يستظهر من حاله اعتباره فيه على أحد الوجهين ثبت أيضا اعتباره فيه كذلك كما أنّ ما يستظهر من حاله عدم اعتباره فيه يثبت عدم اعتباره فيه و الدّليل على حجيته الظهور هنا هو الدّليل على حجيته في الألفاظ فإن العادة جارية على الاعتماد عليه في المقامين فيجب على الحكيم المبين بفعله نصب الأمارة على ما هو الظاهر من فعله المسوق في مقام البيان عند مخالفته لما عنده كما يجب عليه نصبها على خلاف ما هو الظاهر من كلامه عند عدم إرادته له حذرا من الإغراء بالجهل و أما موارد الشك ممّا يحتمل اعتباره في المبين و عدمه عند الخبير بحال البيان فالوجه عدم اعتباره فيه كما في مواضع الشك من دلالة اللفظ عند المخاطب الخبير بمداليل الألفاظ و أمّا بالنّسبة إلى غيره فالكلام في جريان أصل البراءة و أصل العدم فيه أو لزوم الاحتياط ما مرّ غير مرّة الثاني إذا علم بأنه (صلى اللَّه عليه و آله) أتى بالفعل بنية الوجوب و لم يظهر منه أنه من الخواصّ فالظاهر

وجوبه في حق الأمة أيضا خلافا لبعضهم لظاهر آية التأسّي و إخباره فإنّ المستفاد منها رجحان الإتيان بما فعله (صلى اللَّه عليه و آله) على الوجه الذي فعله فيجب إذا فعله على وجه الوجوب إذ لا معنى لاستحباب الإتيان بالفعل على وجه الوجوب و لا يقدح احتمال كونه من الخصائص كالتهجّد لندرتها مع أن مجرّد الاحتمال لا يوجب المصير عن ظاهر الإطلاق و كذا الكلام فيما لو علم بإيقاعه (صلى اللَّه عليه و آله) له بنية النّدب فيثبت النّدب في حق الأمة أيضا و القول بعدم الثبوت التأسّي هنا لجواز كونه من الخصائص ضعيف أيضا و مثله القول في المعاملات فإذا أوقع (صلى اللَّه عليه و آله) معاملة دل على صحّتها في حقّ الأمة ما لم يقم دليل على كونها من الخصائص كما في العقد على ما فوق الأربع و قبوله (صلى اللَّه عليه و آله) هبة المرأة نفسها له على الزوجيّة و الأصل في ذلك بعد دلالة الظاهر على الشركة في الحكم عموم أدلة التأسّي فإنها تدل على صحّة المعاملة في حقنا على تقدير قصد التقرّب بها فيثبت الصّحة على تقدير عدم قصده بضميمة ما دل على عدم اشتراطها به و لو احتمل كونها من المعاملات المشوبة بالعبادة كالعتق اقتصر في الحكم بالصّحة على تقدير قصد القربة و ممّا قررنا يظهر ضعف تفصيل البعض بين العبادات و المعاملات حيث منع التأسّي في الثاني لجواز كونه من الخصائص الثالث إذا أتى (صلى اللَّه عليه و آله) بعمل على كيفية مخصوصة ثبت التأسّي فيه بالنّسبة إلى أصل العمل مع ما يعلم أو يستظهر اعتباره فيه شطرا أو شرطا من الأفعال و الأحوال من الزمان و المكان و الكيفية و الكلام فيما يحتمل اعتباره فيه ما مرّ و لو أتى بالفعل مرة واحدة ثبت التأسّي بالنّسبة إلى المرة ما لم يعلم أو يستظهر من قرائن الأحوال عدم مدخلية المرة في رجحانه و لو أتى به مرات عديدة فكذلك و كذا لو داوم عليه مدة العمر و لو ترك فعلا دل على عدم وجوبه في حقه قطعا و في حق غيره بناء على‏

315

أصالة الشركة و لا دلالة له على عدم رجحان الفعل ما لم ينضمّ إليه شاهد آخر لجواز تركه إلى مندوب آخر الرّابع لا ريب في أنّ فعل الإمام بل المعصوم مطلقا حجة على جواز الفعل في حقنا كما أن تركه حجة على عدم وجوبه إن لم يكن من خواصّ منصبه و الظاهر دلالة فعله على رجحانه كما مرّ في فعل النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و لا دلالة لتركه على عدم الرجحان ما لم ينضم إليه شاهد و بقية الكلام هنا يعرف بالمقايسة إلى ما سبق إلا أنّ القول بعدم وجوب التأسّي هنا أظهر في غير مقام البيان و يدل على رجحان التأسّي بالإمام عموم قوله في الزيارة المعروفة و جعلني ممّن يقتصّ آثاركم و يسلك سبيلكم‏

فصل إذا عمل مكلف بمحضر المعصوم عملا

فعلم به و لم ينكره عليه مع تحقق شرائط وجوبه بأن انتفي موانع الإنكار كالتقية و طال زمن الفعل من حين علمه به بحيث تمكن المعصوم من زجره عنه على تقدير حرمته أو ظهر منه العزم على المعاودة فإنه يستفاد من ترك الإنكار عدم التحريم في حق الفاعل من جهة وجوب النهي عن المنكر على تقدير علم الفاعل بتحريمه و تعليمه حكم التحريم على تقدير جهله به و في حق غيره من جهة أنّ حكم الواحد حكم الجماعة و أمّا إذا لم يعلم به أو كان هناك مانع من الإنكار كالتقية و كذا لو كان الإنكار غير نافع و لم يكن المعصوم مبسوط اليد على الفاعل أو قصر زمن الفعل بحيث لم يسع الإنكار و لم يظهر من فاعله العزم على المعاودة لم يكن في ترك الإنكار دلالة على الجواز أمّا فيما عدا الأخير فواضح و أمّا في الأخير فلجواز كونه من الصّغائر فيقع من فاعله مكفرا نعم يدل على عدم كونها من الكبائر قطعا و لو عمل بمحضره عملا من عبادة أو معاملة قاصدا به شرعيته بحيث علم المعصوم به و بنيته و لم يكن هناك مانع من الإنكار دل على كون العمل مشروعا صحيحا و إلا لأنكر عليه لحرمة التشريع و كذا الكلام في كيفية العمل إذا ظهر من حال فاعلها التعمّد بها و إلا جاز ترك الإنكار للحمل على السّهو و الاشتباه فلو صلى مصلّ بمحضره و ترك السّورة أو التشهّد و لم يظهر من حاله التعمّد لم يكن في ترك الإنكار و الأعلام بالترك دلالة على عدم وجوبهما نعم لو قصد عرض صلاته عليه اتجه ذلك و في حكم الفعل حكاية الفعل فنستفيد من عدم إنكاره (عليه السلام) لتعويل السّائل على ظنه حيث قال ظننت أنّ الإمام ركع فركعت أن التعويل على الظنّ بسبق الإمام جائز إلى غير ذلك‏

فصل من فعل المعصوم و حكمه ما يرجع إلى رياسته العامة

كالجهاد و نصب القضاة و التصرّف في بيت المال و القضاء في الحقوق و الدّعاوي و يشاركه الفقيه الجامع للشرائط في الأخير و منه ما يقع على وجه التعليم و بيان الحال و هو الغالب في العبادات و المعاملات و ما يلحقها و قد يقع الاشتباه بين القسمين كقوله لزوجة أبي سفيان خذي لك و لولدك ما يكفيك بالمعروف حيث قالت إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني و ولدي ما يكفيني فيحتمل أن يكون من قبيل القضاء فلا يجوز التقاص بدون إذن الحاكم و أن يكون بيانا لحكم الواقعة فيجوز بدونه و مثله قوله من أحيا أرضا فهي له فإنه يحتمل الأول فلا يملك الأرض بالإحياء بدون إذنه عليه و يحتمل الثاني فيجوز بدونه و الثاني أظهر حيث لا دليل على خلافه لأنّه الغالب فيكون الحمل عليه أولى‏

فصل إذا ورد في الكتاب أو السنة المعتبرة سواء كانت متواترة أو لا حكاية حكم مخالف للأصل‏

ثبت في حق الأمم السّابقة و لم يثبت بقاؤها في حقنا و لا نسخها فهل ثبت في حقنا أو لا قولان و الأظهر التفصيل بين الأحكام التي يثبت في شرائعهم بألفاظ يدل على ثبوت الحكم في جميع الأزمان ما لم ينسخ أو يخصّص و بين ما ثبت بألفاظ لا يدل على ثبوته في حقنا فنختار بقاءه في الأول بدليل أصالة عدم النسخ و التخصيص و في الثاني عدم ثبوته في حقنا للأصل السالم عن المعارض بل قد لا يثبت في حق غير المخاطبين أيضا إلاّ بدليل [بسند] منفصل كما لو كان البيان بخطاب شفاهي نعم قد يستفاد من فحوى الحكاية ثبوته في حقنا فيثبت به لكن يخرج عن محل البحث و يمكن قصر النّزاع على القسم الثاني فيتجه القول بالنفي مطلقا احتج الخصم بالاستصحاب و بأنّ حسن الأفعال و قبحها ذاتيان فإذا ثبتا في وقت وجب استمرارهما لامتناع تخلف الذاتي و الجواب أمّا عن الأوّل فبأنّ الحكم الثابت في حق جماعة لا يمكن استصحابه في حق آخرين لتغاير الموضوع فإنّ ما ثبت في حقهم مثله لا نفسه و لهذا نتمسك في تسرية الأحكام الثابتة في حق الحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالإجماع و الأخبار الدّالة على الشركة لا بالاستصحاب و لبعض المعاصرين في دفع الاستصحاب جواب يأتي بيانه بما فيه في ذيل مبحث الاستصحاب و يمكن أن يجاب أيضا بأنّ الظاهر من نسخ هذه الشريعة للشريعة السّابقة عليها نسخها بالكلية إلاّ ما قام الدليل على عدم نسخه كوجوب المعارف مع احتمال تعميم النسخ إلى الجميع بناء على أن وجوب المعارف و شبهه الثابت في شرعنا حادث مغاير للوجوب الثابت في الشرع السّابق و إن ماثله فنحن مكلفون بالمعارف و شبهها من حيث ثبوتها في شرعنا لا من حيث ثبوتها في الشرائع السّابقة و لا يخفى بعده لمخالفته للآيات الآمرة باتباع ملّة إبراهيم و الاقتداء بهدى الأنبياء و نحو ذلك و أمّا عن الثاني فبما سيأتي تحقيقه من منع كونهما ذاتيين غالبا و حيث يثبت الذاتية فلا نتحاشى عن الحكم بالبقاء إلاّ أنّ الحكم في مثله إنما يثبت بالعقل لا لثبوته في الشّريعة السّابقة و قد ذكر بعضهم للمسألة فروعا منها أرجحية العبادة على التزويج لمدحه تعالى عيسى بن مريم و يحيى بكونه حصورا و منها حصول الوفاء بالنذر فيما لو نذر أن يضرب عبده مائة خشبة فضربه بالضغث لقوله تعالى لأيّوب و خذ بيدك ضغثا فاضرب به و لا تحنث مع أنّ النذر ينصرف إلى غيره و منها وجوب الإخلاص فيما ورد

316

الأمر به لقوله تعالى و ما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدّين الآية و لو فسّر القيمة بالثابتة التي لا تنسخ كما ذكره بعضهم فلا إشكال في ثبوت الحكم المذكور في شرعنا

المقالة الثالثة في الأدلة العقلية

و المراد بالدّليل العقلي كل حكم عقلي يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعيّ و ينقسم إلى ما يرجع إلى قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين و مؤدى هذا القسم قد يكون حكما واقعيّا كحكم العقل بوجوب شكر المنعم و حرمة كفرانه و قد يكون حكما ظاهريّا كحكمه بإباحة تناول الأشياء الخالية عن أمارات المفسدة و إليه يرجع مسألة أصل البراءة و مثله مسألة الاستصحاب في وجه و إلى ما لا يرجع إليها كحكمه باستلزام تعليق شي‏ء على شي‏ء انتفاؤه عند انتفائه في الجملة و أنّ الأمر بالشي‏ء لا يجامع النّهي عنه مع وحدة الجهة لكونه تكليفا محالا كما تخيّله بعضهم و كحكمه بامتناع التكليف بالمحال الذّاتي على ما زعمه الحاجبي من كونه تكليفا محالا و كحكمه بمطلوبية المقدمة عند مطلوبية ذيها بناء على عدم الانفكاك في المطلوبية أمّا القسم الأول فقد أنكره الأشاعرة أولا من حيث أصله لمنعهم من تحسين العقل و تقبيحه و بعد التنزّل أنكره كثير منهم من حيث وصفه فمنعوا كونه دليلا على الحكم الشرعي و وافقهم على ذلك جماعة من أصحابنا حيث أنكروا الملازمة بين حكم العقل و الشرع و أمّا القسم الثاني فالظاهر إطباق السلف على حجيته نعم ربما يظهر من بعض المتأخرين إنكاره أيضا حيث أطلقوا القول بعدم حجية الدليل العقلي و سيرد عليك تفاصيل ذلك إن شاء الله تعالى‏

فصل اختلفوا في الحسن و القبح العقليّين‏

فأثبتهما العدلية من الإمامية و المعتزلة و أنكرهما الأشاعرة ثم اختلف المثبتون فقيل إنّهما يلحقان الأفعال لذواتها و قيل لصفات لازمة لذواتها و قيل يتصف الفعل بالقبح لصفة توجبه فيه و يكفي في الحسن عدم موجب القبح و الجبائية على أنهما بالوجوه و الاعتبار فهنا نزاعان الأوّل في ثبوت الحسن و القبح و لا بدّ أولا من تحرير محل النزاع في ذلك فنقول كل من الحسن و القبح على ما ذكروه يطلق على عدة معان منها موافقة الغرض و المصلحة و المخالفة لهما و لا نزاع في ثبوتهما بهذا المعنى و أنّه مما يختلف بالاعتبار فإن قتل زيد مثلا مصلحة لأعدائه و موافق لغرضهم و مفسدة لأحبّائه و مخالف لغرضهم و منها ملائمة الطّبع و منافرته و لا كلام في ثبوتهما بهذا المعنى أيضا كأكل الطعام اللذيذ و شرب الدّواء المرّ و منها الاتصاف بصفة الكمال و النقص كما يقال العلم حسن أي صفة كمال و الجهل قبيح أي صفة نقص و لا نزاع في ثبوتهما بهذا المعنى أيضا و منها كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح أو الذم عرفا كحسن خروج الجندي بلباسه و قبح خروج العالم بلباس الجندي و لا نزاع في ثبوتهما بهذا المعنى و اختلافهما باختلاف العرف و منها كون الفعل بحيث أثنى الشارع على فاعله من حيث إنّه فاعله و أمرنا بالثناء عليه كذلك كما في الواجبات أو ذم فاعله من حيث أنه فاعله و أمرنا بذمّه كذلك كما في المحرّمات و الوجه في اعتبار الحيثية واضح و قد يترك تعويلا على الظهور و قريب من ذلك إطلاقهما على كون الفعل بحيث لا حرج في فعله شرعا أو كونه بحيث فيه حرج شرعا و الفرق أنّ المعنى الأول يشتمل على الواسطة كالمباح و فعل غير المكلف بخلاف الثاني و كيف كان فهذا هو المعبر عنه بالحسن و القبح الشرعيّين و لا نزاع في ثبوتهما بعد الشرع و منها كون الفعل بحيث يستحق فاعله عند العقل المدح و الثواب أو الذم و العقاب من حيث كونه فاعلا له و هذا محل النزاع و الأولى تحرير النزاع في كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح أو الذم عقلا و ترك قيد الثواب و العقاب لا لأنّ العقل لا يستقل بإثبات الآخرة لاستقلاله بإثباتها في الجملة كما تقرر في محلّه غاية ما في الباب أنه لا يستقل بإثبات معاد الأجسام و المقصود لا يتوقف عليه مع أن المعتبر استحقاق الثواب و العقاب في الجملة و هو لا يستلزم الترتب و لا يختص بالآخرة بل لأنا نصف الفعل بالنسبة إليه تعالى بالحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه و هو لا يصدق مع القيد المذكور و زعم العضدي تبعا للحاجبي أنّ النزاع في حكم العقل بأن الفعل حسن أو قبيح في حكمه تعالى و هذا الكلام يحتمل وجوها الأول أن النزاع في إدراك العقل حسن حكمه تعالى بشي‏ء أو قبحه الثاني أنّ النزاع في إدراك العقل حسن الفعل و قبحه المؤثرين في وقوع حكمه تعالى به على حسبه من إيجاب أو تحريم أو غير ذلك الثالث أنّ النزاع في إدراك العقل حسن الفعل و قبحه بالنسبة إليه تعالى و ظاهر العبارة أحد الوجهين الأولين و يظهر من كلامهما في الدليل الثاني إرادة الوجه الأخير و يمكن تنزيلها على ما يتناول الوجوه الثلاثة أو وجهين منها و كيف كان فهذا التخصيص منهما خبط في تحرير محل النزاع و غفلة عما تنادي به حجتهم و العجب أنهما وافقا أصحابهما في تحرير ما اختاره من أدلتهم و الجواب عن أدلة مخالفيهم بما اقتضاه نفي التحسين و التقبيح بالمعنى المتنازع فيه مطلقا و مع ذلك فقد خصّصا محل النزاع عند تحريره بما عرفت و منهم من حرّر النّزاع في المعنى الخامس من معاني الحسن و القبح موجّها له بأن المراد أن يدرك العقل مع قطع النظر عن الأدلة الشرعية أنّ الفعل ممّا يستحق فاعله الثناء أو الذم في نظر الشارع و هو سهو لأنه تحرير للنزاع الآتي في مسألة الملازمة لا النزاع المعروف في المقام و توضيح ذلك أن العدلية و الأشاعرة بعد أن أطبقوا على كون الشارع حاكما في الأفعال محسنا لبعضها و مقبحا لبعضها اختلفوا في كون العقل حاكما فيها محسنا لبعضها و مقبحا لبعضها بمعنى أنّ منها ما يستحق فاعله المدح في حكم العقل و منها ما يستحق فاعله الذم في حكمه فذهبت العدلية إلى إثباته فقسموا الأفعال باعتباره إلى الأحكام الخمسة و ذهبت الأشاعرة إلى نفيه فقالوا بأنّ الأفعال بأسرها في حكم العقل شرع سواء بمعنى أنه ليس فيها ما يستحق فاعله عند العقل مدحا أو ذمّا بل المدح و الذم‏

إنما يثبتان في حكم الشرع لا بمعنى أنهما يثبتان عند العقل بملاحظة حكم الشارع‏

317

فيستحق فاعل الأمر الذي حسنه الشارع أو قبحه المدح أو الذّم في حكم العقل فإنّ هذا في الحقيقة قول بالتحسين و التقبيح العقليّين و لو باعتبار جهة خاصّة هي جهة تحسين الشارع و تقبيحه بل بمعنى أنه لا حكم للعقل بهما في الأفعال أصلا لا مع ملاحظة حكم الشارع بهما و لا بدونه و إنّما الثابت مجرّد حكم الشارع بهما و قول بعضهم بأنّ العدلية أو المعتزلة ينكرون كون الشارع حاكما و يجعلون أوامر الشرع و نواهيه كاشفة عن الأحكام العقلية فالظاهر أنه وهم في معرفة مقصودهم أو مبنيّ على توهّم من لا يعتدّ به منهم لأنّ إيجابه تعالى لبعض الأفعال و تحريمه لبعضها و كذلك تشريعه لبقية الأحكام من واضحات الشريعة بل ضروريّاتها الجلية المصرّح بها في الكتاب و السّنة في مواضع عديدة فكيف يتأتى من أحد إنكارها مع أنّ أوامره تعالى و نواهيه على الوهم المذكور تكون إرشادية محضة مجردة عن معنى الطلب و هو خلاف ما أجمعوا عليه من استعمال الأمر في الكتاب و السّنة في الوجوب تارة و في النّدب أخرى و استعمال النهي في التحريم تارة و في التنزيه أخرى و مصيرهم كلا أو جلا إلى تعيين حملهما على معناهما الأول عند فقد القرائن حملا للفظ على معناه الحقيقي و كأنّ منشأ هذا الوهم أنّ العدلية لمّا التزموا بالملازمة جعلوا أوامر الشرع و نواهيه كاشفة عن جهات محسّنة و مقبّحة عقلا فتوهّم أنهم يجعلون تلك الأوامر و النواهي لمجرّد الكشف عن تلك الجهات كأوامر الطبيب و نواهيه مع أن مقصودهم إنما هو الكشف بطريق الالتزام للحكم الشرعي كما يظهر من الوجوه التي قرّرنا و كذا ما سبق إلى بعض الأوهام من أنّ حكم الشّرع تابع لحكم العقل فإن فساد هذا الكلام غني عن البيان بل معلوم بالضرورة من جميع المذاهب و الأديان لاتفاق الكل على علمه تعالى بجميع الأشياء أزلا و أبدا و حكمته الموجبين لغنائه من مراعات الجهات الدّاعية إلى تشريع الأحكام عن متابعة العقل و غيره من المخلوقات كيف و العقل إنما وصل إلى تلك الجهات و حكم بمقتضاها بإفاضته تعالى عليه الصّور العلمية بعد خلقه إيّاه حكيما مراعيا للجهات فكيف يكون تابعا له فإن قلت قد ورد في جملة من الأخبار أنّ اللّه تعالى أدّب نبيّه و فوض إليه الأحكام و أن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) أوجب شيئا أو حرمه و أنه تعالى أقرّه عليه و رضي به و قضية ذلك أن يكون حكمه تعالى في تلك الموارد تابعا لحكم نبيّه فإذا جاز ذلك منه تعالى بالنسبة إلى النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) في بعض الأحكام فلم لا يجوز بالنسبة إلى العقل في الجميع لبطلان علة المنع بذلك قلت بعد تسليم ظاهر تلك الأخبار ليس تقريره تعالى و رضاه في ذلك متابعة منه تعالى للنبيّ في التشريع بل بيان لإصابته فيه الحق فإنّ تأديبه عبارة عن إكمال عقله و إقداره على معرفة جهات الأفعال و الالتزام بها و التفويض عبارة عن إذنه تعالى إيّاه في مراجعة عقله في معرفة الأحكام فحاله عند التحقيق كحال المجتهد إذا راجع الأدلة و حكم بحكم ثم عرض على المعصوم (عليه السلام) فأقره عليه فإنّ ذلك ليس متابعة من المعصوم (عليه السلام) له بل بيان لإصابته في الحكم و لا ينافي ذلك قوله تعالى و ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى لجواز أن يعيّن الحكم في نفسه و لا ينطق به إلا بعد نزول وحي يدل على تقريره عليه هذا ثم النزاع بين الفريقين دائر بين الإيجاب الجزئي و السّلب الكلي لظهور أن العدلية لا يقولون بعدم خلو فعل من الأفعال عن أحد الوصفين لتحقق المباح العقلي عندهم و ليس فيه استحقاق مدح و لا ذمّ و لو حرّر النزاع في الحسن العقلي بمعنى ما لا يستحق فاعله الذم عند العقل قياسا له على الحسن الشرعي حيث فسّروه بما لا جرح في فعله لم يستقم إذ الأشاعرة لا ينكرون الحسن بهذا المعنى و لو فسّر الحسن العقلي بما يحكم العقل فيه بعدم استحقاق فاعله الذم في حكم الشارع رجع إلى مسألة الملازمة و هو نزاع آخر كما سنحرّره و لو فسّر بما يستحق فاعله أن لا يذم في حكم العقل لم يستقم تحرير النزاع فيه أيضا على الظاهر إذ لم يثبت أنّ الأشاعرة ينكرون ذلك إذ بعد نفي استحقاق الذم عقلا على الأفعال بالكلية يمكن أن يقال يستحق كل فاعل عند العقل أن لا يذم في حكم العقل إذ لا ذمّ في حكمه أصلا بل التحقيق أن لا نزاع بين الفريقين في تحقق المباح العقلي بالمعنى المعروف لاتفاقهما على أنّ من‏

الأفعال ما لا يستحق فاعله عند العقل مدحا و لا ذمّا و إن كان فرق ما بينهما من جهة الطّريق عموما و خصوصا إذا عرفت هذا فالحقّ ما ذهب إليه الأولون لنا وجوه منها قضاء الضّرورة بذلك فإنّا نجد في صريح الوجدان و جلي العيان أنّ من الأفعال ما هو حسن عند العقل بمعنى أنّ فاعله يستحق المدح و الثناء عنده من حيث كونه فاعلا له كالعدل و الإحسان و الصّدق النّافع و منها ما هو قبيح بمعنى أنّ فاعله يستحقّ الذم عنده كذلك كالظلم و العدوان و الكذب الضّار فإنكار الخصم له مكابرة و المشهور في تقرير الحجة أنّ العقلاء لا يرتابون في حسن تلك الأمور و قبح هذه و ليس ذلك بالشرع إذ يقول به من لا يديره به و لا بالعرف لاختلافهم بالأمم و لا اختلاف فيه فيتعين أن يكون من قبل العقل و هو المطلوب و اعترض عليه بأنه إن أريد بالحسن و القبح هناك ما لا يرجع إلى المعنى المتنازع فيه فثبوته لا يجدي في محل النزاع و إلا فممنوع سلمنا لكن يجوز أن يكون هناك عرف عام مبدأ لذلك الحسن و القبح فلا يلزم اختلاف الأمم فيه و الجواب عنه ظاهر مما قررنا فإن ترتب المدح و الذم على تلك الأفعال في حكم العقل ضروريّ فلا يصغى إلى المنع المذكور لكن لا حاجة مع هذا البيان إلى التطويل المذكور الثاني أنّ العاقل المختار إذا خيّر بين الصّدق و الكذب و تساويا إليه أثر الصّدق قطعا و كذا إذا رأى شخصا لا يعاديه قد أشرف على الهلكة و قدر على إنقاذه بسهولة فإنّه ينقذه و إن لم يرج ثوابا و لا شكورا و ليس ذلك إلا لاتصاف الفعل بالحسن و تركه بالقبح بالمعنى المتنازع فيه و اعترض على الأوّل بأنّا لا نسلم أنه يؤثر الصّدق و لو سلّم فلا نسلم أنه لاتصافه‏

318

بالحسن بالمعنى المتنازع فيه بل بأحد المعاني الأخر و أيضا نمنع تحقق الاستواء لأن فرضه لا يوجبه و على الثاني بأن الباعث على الإنقاذ ليس حسنه بل رقة الجنسيّة التي جبلت عليها طبيعة الإنسان و الجواب أما عن الأول فبأن المنع المذكور فيه في الموضعين الأولين بل المواضع الثلاثة مكابرة لقضاء الضرورة بخلافه و أما عن الثاني فبأنه يؤثر الإنقاذ و إن قطع النظر عن رقة الجنسيّة و إنكاره أيضا مكابرة و الغرض من ذكر هذه الأمثلة إنما هو التّنبيه على المقصود و إلا فالحكم في نفسه ضروريّ كما مر قال العضدي تبعا للحاجبي بعد أن أورد الاعتراض المذكور على المثال الأول ما لفظه و لو سلّمنا ذلك في حق الشاهد يعني العباد فلا نسلّمه في حق الغائب يعني في حقه تعالى لتعذر القياس فإنا نقطع بأنه لا يقبح منه تعالى تمكين العبد من المعصية مع أنه قبيح في حق العباد أقول و هذا المنع ناظر إلى ما مرّ حكايته عنهما في تحرير محل النزاع ثم أقول ليس حكم العقل بحسن إيثار الصّدق على الكذب في الفرض المذكور من جهة كون المؤثر عقلا أو ممكنا أو مخلوقا بل من حيث كونه فاعلا عالما مختارا فيجري في حقه تعالى أيضا و أمّا السّند الذي تمسّك به فساقط جدّا إذ لا يلزم من قبح شي‏ء في حق العباد و عدم قبحه في حقه تعالى أن لا يحكم العقل على بعض الأفعال بوقوعه منه تعالى لحسنه و على بعض بامتناع وقوعه منه تعالى لقبحه منه و السّر في عدم قبح تمكينه تعالى للعبد من المنكر لعدم أنه تعالى لو لم يمكن العباد من المعاصي لانتفى فائدة التكليف و هي من أعظم المصالح الداعية إلى خلق المكلفين لإحاطته تعالى لجميع عباده في جميع أفعالهم نعم قد يحسن منه تعالى أن لا يمكن بعض العباد من بعض المعاصي فلا يمكنهم منها إمّا لطفا منه عليهم نظرا إلى أهليتهم لهذا النوع من اللطف أو لحكمة أخرى و أمّا بالنسبة إلينا فلا ريب أنا لا نحيط بجميع العباد و لا بجميع أفعال البعض فعدم التمكن منا لا يؤدي إلى تفويت حكمة التكليف و مثله الكلام في إنقاذ النفوس المحترمة المشرفة على الهلاك من جوع أو عطش أو مرض أو غرق أو حرق أو ما أشبه ذلك فإنّه يقبح منا ترك الإنقاذ مع القدرة عليه مطلقا و ليس بالنّسبة إليه تعالى كذلك و إلا لانسدّ باب الابتلاء و الاختبار فيؤدي إلى تفويت ثمراتها مع أن قبح التمكين منّا سمعيّ لا عقلي فيجوز أن يكون هناك جهة تخصّ العباد فلا يتم التقريب الثالث أنه لو كانا بالشرع فقط لزم إفحام الأنبياء و التالي باطل بالضّرورة بيان الملازمة أنّ النّبي إذا قال انظروا في معجزتي لتعلموا صدقي كان لهم أن يقولوا لا ننظر حتى يجب علينا النظر و لا يجب حتى ننظر و هذه معارضة لا مدفع للنّبيّ عنها و هو معنى الإفحام و اعترض عليه أولا بأنّه مشترك الورود لأنكم و إن قلتم بوجوب النظر عقلا لكنه ليس معلوما بالضرورة لتوقفه على إثبات مقدمات عديدة من كون النظر مفيدا للعلم مطلقا و في خصوص الإلهيات و أنّ معرفته تعالى واجبة و أنها لا تتم إلا بالنظر و أن مقدمة الواجب واجبة و هذه كلها نظرية لوقوع الخلاف فيها حيث خالفت السّمينة بضم السين و فتح الميم فرقة لعبدة الأصنام و تقول بالتناسخ و تنكر حصول العلم بالأخبار قيل نسبته إلى سومان بلدة من الهند على غير قياس قاله في الصحاح و مجمع البحرين في الأمر الأول و المهندسون في الثاني و الحشوية في الثالث و الصّوفية في الرابع و جماعة من علماء الأصول في الخامس و على تقدير نظريتها كلا أو بعضا يلزم الإفحام أيضا إذ للمكلف أن يقول حينئذ لا أنظر حتى يجب و لا يجب حتى أنظر لا يقال لا توقف للنظر على وجوبه فيفسد قوله لا أنظر حتى يجب لأنا نقول المراد أنه لا يمكن إلزامه النظر على التقدير المذكور و هو كاف في لزوم الإفحام و الجواب من وجوه الأول أنّ المقدّمات المذكورة ما عدا وجوب المعرفة و إن وقع فيها النزاع إلاّ أنها ضرورية عند من لم يسبق إلى ذهنه الشبهات الموردة فيها و أصل الدّعوى و إن توقفت على ملاحظة هذه المقدّمات إلاّ أنها بالنسبة إليها بمثابة القضايا التي قياساتها معها حيث يكفي ملاحظتها في الانتقال إليها فهي أيضا في حكم البديهي و أمّا المعرفة فلا يتوقف وجوب النّظر على ثبوت وجوبها بل على احتمال وجوبها على وجه يحصل معه خوف الضرر بتركها و لو بإخبار من يحصل الخوف بخبره فيجب دفعه بالنظر

بالضّرورة فإن قيل لا ضرر مع عدم ثبوت التكليف فلا خوف قلنا لا نسلم ذلك لقضاء صريح العقل في مثل ذلك بوجوب الفحص فإنّ أصل البراءة إنما يعتبر عند العقل بعد البحث المعتبر و عدم الوقوف على المعارض الثاني أن رفع الإفحام على طريقة العدلية لا يتوقف على إثبات المقدّمات المذكورة بل على احتمال ثبوتها على وجه يتحقق معه خوف الضرر كما مرّ في المعرفة فيجب النظر دفعا لخوف الضرر و وجوب رفع خوف الضرر لا سيّما إذا كان ضررا يعتدّ به ضروري حتى إنّ ذلك مودع في طباع الحيوانات و لهذا تراها تتحرز عن موارد خوفها الثالث أن مخالفة السّمينة في كون النظر مفيدا للعلم مباهتة في الضروريّات إذ لا ينفك الإنسان البالغ رتبة التكليف عن تحصيل بعض العلوم بالنظر فيعلم بملاحظة ذلك إمكانه علما ضروريّا مع أنه يكفي في إلزام العقل بالنظر احتمال كونه مفيدا للعلم و لا يلزم العلم بذلك و لهذا لا يقبل اعتذار العبد التارك للمأمور به باحتمال عدم كونه متمكنا منه و بهذا يظهر الجواب عن مخالفة المهندسين أيضا و قد عرفت أن وجوب النظر لا يتوقف على ثبوت وجوب النظر بل على احتماله و مخالفة من يعتد بمقالته من الصّوفية ليست في أصل توقف العلم على النظر بل في انحصار الطريق فيه لأنهم يدعون إمكان العلم بطريق الكشف أيضا فلو صحّ ذلك فغاية ما يترتب عليه أن يلزمهم الرّسول في تحصيل العلم بصدقه بأحد الطريقين منه و من النظر و لا يلزم على تقديره الإفحام مع أن طريق الكشف على تقدير إمكانه ليس بسريع الحصول لتوقفه على مزاولة رياضات شديدة في أزمنة متطاولة و وجوب المعرفة المعلوم أو المحتمل فوري فيتعيّن الطريق الأقرب و كون وجوب المقدمة نظريّا على تقدير تسليمه لا يحقق‏

319

الإفحام إذ يكفي في دفعه كون النظر مما لا بدّ منه عقلا في الوصول إلى الواجب لاتفاق القائلين بوجوب المقدمة و المنكرين له في أن ترك المقدمة لا يصلح عذرا في ترك الواجب المتوقف عليها و الضّرورة أيضا قاضية بذلك و حينئذ فلا يتوقف فحينئذ الإفحام على ثبوت وجوب المقدمة إذ يكفي في إلزامهم بالنظر أنّه مما لا بدّ منه في الإتيان بالواجب و اعترض ثانيا بمنع توقف الوجوب على النّظر نظرا إلى ثبوته عندهم بالشرع نظر أو لم ينظر فلا يتم قوله و لا يجب حتى أنظر قالوا و لا يلزم منه تكليف الغافل لأنه يفهم التكليف و إن لم يصدّق به و أنت خبير بأن هذا الكلام على تقدير صحته إنما يجري إذا أرادوا بقولهم لا يجب حتى ننظر أنه لا يجب علينا النظر واقعا حتى ننظر و أمّا إذا أرادوا أنه لا يجب النظر عندنا أي لا يثبت وجوبه عندنا حتى ننظر توجه منهم الإفحام و انقطع على الرسول سبيل الإلزام لإلزامهم إيّاه بما لا سبيل له معه إلى الإرشاد و الهداية فيعجز عن القيام بوظائف الرّسالة لقطعهم عليه طريق المحاجة من غير أن يكونوا سالكين مسلك الاعتساف أو عادلين عن طريقة الإنصاف و لا يجدي في ذلك أنه يجب عليهم النظر واقعا مع أنّ القول بوجوب النظر حينئذ مخالف لما دل عليه الكتاب و السنة من أنه لا تكليف إلا بعد قيام البيّنة إذ بعد تمسّكهم بهذه المقالة لا يتبيّن عليهم وجوب النظر فكيف يثبت عليهم و أمّا على طريقة أصحابنا حيث يقولون بوجوب النظر عقلا دفعا لخوف الضرر فالبيّنة العقليّة قائمة في حقهم و هي كافية في لزوم الحجة عليهم و تعلق التكليف بمثل هذا الجاهل المجوّز لثبوت التكليف في حقه جائز عندنا عقلا و لهذا نقول باستحقاقه العقاب عقلا إذا قصر في النظر كيف لا و منشأ خوف العقل بترك النظر إنما هو حكمه باستحقاق العقوبة على تقدير التقصير و صدق الدّعوى نعم لو جزم ببراءته و الحال هذه لشبهة كان معذورا إلا أنّ الفرض بعيد عادة و بالجملة فمن جوّز ثبوت شريعة و جوز ثبوت تكاليف فيها و لم يجزم ببراءة ذمته عند صاحب الشريعة بترك الفحص فتحرى على ترك الفحص استحق العقوبة على تركها و ترك التكاليف الثابتة فيها و إن لم يعلم بشي‏ء منها و كان بمثابة العالم التارك لها فإن ترتب آثار التكليف على مثل هذا الجاهل مما لا يمنعه العقل و إنما يمنع من ترتبها على الجاهل الغافل أو المعتقد عدم ثبوت التكليف في حقه حال الجهل سواء كان عن شبهة كما في الفرض المذكور إن اتفق أو عن دليل كما في حقنا بالنّسبة إلى بعض الموضوعات و الأحكام الرابع أنهما لو لم يكونا بالعقل لزم جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب و التالي باطل أمّا الملازمة فلأنّ حكم العقل بعدم جواز ذلك ليس إلا لكونها فعله تعالى تصديقا للمدّعى و أن تصديق الكاذب قبيح فيمتنع صدوره منه تعالى لعلمه و حكمته و غنائه فإذا بطل قبحه ثبت جوازه إذ لا دليل عليه غيره لا يقال يكفي في الامتناع قبحه في الشرع لأنا نقول بعد المنع من كفاية ذلك إنه يبتني على ثبوت الشرع فإثبات الشرع به دور و أمّا بطلان التالي فلأنه يفضي إلى سدّ باب إثبات النبوّات لابتناء معرفة صدق مدّعيها بالمعجزة على امتناع ظهورها على يد الكاذب كما قرّرنا و أما ما يقال من أنّه لا يلزم من جوازه عقلا وقوعه لأنا نقطع بخلافه من حيث قضاء العادة به فمتضح الفساد بل مباهتة و عناد إذ دعوى جريان العادة في المقام بحيث يوجب القطع مما لا يصدر عمّن له أدنى درية و مسكة لأنه إن أريد العادة في المعجزة فالإشكال المذكور متجه على جميع مواردها فلا يسلم معجزة يثبت جريانها على يد صادق أصلا فضلا من ثبوتها متكرّرة بحيث يحصل بها العادة المفيدة للعلم و إن أريد العادة في غيرها فتأثيرها فيها على وجه لا يبتني على قاعدة التحسين و التقبيح غير معقول الخامس أنهما لو لم يكونا بالعقل لزم ارتفاع الوثوق بالمعاد بل و بسائر مواعيده تعالى و التالي باطل أمّا الملازمة فلأن الاعتماد في ذلك إنما هو على إخباره تعالى و إخبار رسله فإذا بطل قاعدة التحسين و التقبيح تطرق احتمال الكذب إلى تلك الأخبار إذ لا مانع منه عند العقل سوى ما فيه من القبح الموجب لتنزّه العالم الغني من ارتكابه فإذا ثبت عدم المانع جاز وقوعه عند العقل و هو المراد بالتالي و أمّا بطلانه فواضح للإجماع على كفر المرتاب في ذلك و أمّا الاستناد في إحالة ذلك إلى القبح الشرعي أو

المنع العادي فقد عرفت فساده آنفا و يمكن تقرير هذا الدّليل بوجه آخر و هو أنهما لو لم يكونا بالعقل لزم أن يكون التكليف بالإيمان بصدقه تعالى و صدق النّبي تكليفا بالمحال و التالي باطل أما الملازمة فلأنه لا سبيل لنا إلى الإذعان بذلك بعد الإغماض عن قاعدة التحسين و التقبيح فنكون مكلفين بالعلم بما لا سبيل لنا إلى العلم به و هو المراد بالتالي و أما بطلانه فمعلوم بنصّ الكتاب و السّنة بل و بإجماع الأمة إذ لا قائل بأنّ التكليف بالإيمان بذلك في نفسه تكليف بغير المقدور لا يقال هذا الإشكال مشترك الورود بين القول بنفي التحسين و التقبيح و بين القول بثبوتهما بالوجوه و الاعتبار إذ على هذا القول يجوز عند العقل أن يتحقق في الكذب مصلحة مرجحة لوقوعه رافعة لقبحه فإذا تطرق هذا الاحتمال إلى تلك الأخبار عاد الإشكال و ربما أمكن تأييده بما ثبت عند أصحابنا الإمامية من جواز التقيّة على الإمام فإنها لا يختصّ عندهم بالأفعال بل يجري في الأقوال أيضا فإذا جاز أن يقول الإمام عبارة كاشفة عن الواقع على خلاف ما هو عليه مراعاة لمصلحة التقية جاز مثله في حق النبي بل و في حقه تعالى أيضا فكيف يحصل الوثوق بتلك الأخبار و من هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن الأخبار الواردة في الشريعة مما يتعلق بتعذيب الكفار و الفسّاق بأسرها أخبار صوريّة غير مطابقة للواقع قصد بها مجرّد التخويف لحفظ النظام و تكميل الأنام لأنا نقول كما أنّ ضرورة العقل قاضية بقبح الكذب في نفسه كذلك قاضية بعدم زوال هذه الصّفة عنه ما

320

لم يضطر الكاذب إليه حتى إنه لو ترتب على الكذب جلب المنافع لم يخرج بذلك عن قبحه العقلي و لهذا نرى أن الذي يرتكب الأقاويل الكاذبة لمجرّد استجلاب المنافع لنفسه أو لغيره ساقط المحلّ عند العقلاء مذموما لديهم بلا امتراء و لا يعذره عندهم توقف استجلابه لتلك المنافع عليه و مثله الحال في ارتكاب سائر القبائح العقلية فإذا ثبت أن الجهة الرافعة لقبح الكذب منحصرة بالضرورة في الاضطرار إليه امتنع وقوعه منه تعالى لامتناع تحقق الاضطرار بالنسبة إليه لأنّه على كل شي‏ء قدير و لا يعجزه شي‏ء في الأرض و لا في السّماء و من هنا يظهر امتناع الكذب على الأنبياء و لو من باب التقية و إن جاز تحقق الاضطرار الرافع لقبح الكذب في حقّهم و ذلك لدلالة المعجزة على تصديقه تعالى إياهم فيما يدعونه و يخبرون به و لا ريب في قبح تصديق الكاذب إلا مع الاضطرار إليه لأنه في معنى الكذب و قد عرفت امتناع الاضطرار عليه تعالى على أنه لو جاز التقية على الأنبياء لزال فائدة بعثتهم و هو مناف للحكمة الباعثة عليه و أمّا الإمام فليس الحال فيه كذلك و الفرق أن النّبي منصوب بقاعدة اللطف لإظهار الحق و إمحاق الباطل و إتمام الحجة و قطع المعاذير على من آمن برسالته و من كفر بها سواء أمن من شره أو لم يأمن و أمّا الإمام فهو و إن كان قائما مقام الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) في كونه الرئيس العام الواجب اتباعه على سائر الأنام إلا أن منصبه منصب العلماء الحاملين للأحكام الشرعية و أسرارها الآمرين بالمعروف و النّاهين عن المنكر عند التمكن و أمن الضّرر فإذا اضطرّوا إلى التقية في الكلام جاز لهم ذلك بطريق التورية و السرّ في ذلك أنّ الحجة قد تمت و لزمت على الأنام ببيان الرّسول عليه و آله السّلام حتى بالنسبة إلى وجوب معرفة الإمام و اتباعه فشأنه بعد الرّسول إنما هو إزاحة الجهل ببيان ما يحتاج إليه من تفاصيل المعارف و الأحكام مع أمن الضّرر و لا ريب أن هذا لطف آخر لا يغني عنه اللطف السّابق و عند التحقيق هذا كمال لذلك اللطف و إتمام لتلك النعمة كما قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي فإنّ هذه الآية نزلت على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) يوم غدير خم بعد عقده الخلافة و الولاية لعلي (صلوات اللّه عليه) كما اتفقت عليه روايات الخاصّة و نطق به بعض روايات العامة السّادس الآيات و الأخبار الدالة بالصّراحة أو بالفحوى على ثبوت التحسين و التقبيح العقليّين فالآيات كقوله تعالى أ فنجعل الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات كالمفسدين في الأرض و كقوله تعالى هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان و أمثال ذلك كقوله تعالى يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و كقوله تعالى قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء و كقوله تعالى إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي و كقوله تعالى قل إنما حرّم ربّي الفواحش الآية إلى غير ذلك و حمل المعروف و المنكر و الفحشاء على ما هو كذلك شرعا أو ما يشتمل على المصلحة أو المفسدة أو على صفة كمال أو نقص تكلف واضح و أمّا الأخبار الدالة على ذلك فهي أكثر من أن تحصى حجة الخصم وجوه الأول أنّهما لو كانا بالعقل لزم قيام المعنى بالمعنى و التالي باطل أمّا الملازمة فلأن حسن الفعل صفة وجودية أمّا أنه صفة فلأنه زائد على مفهومه ضرورة أنه لا يلزم من تعقّل الفعل بالكنه تعقله و أمّا أنه وجوديّ فلأنّ نقيضها و هو لا حسن سلب بدليل أنه لا يقتضي محلا موجودا و إلا لم يصدق على المعدوم فيكون الحسن وجوديّا و إلاّ لارتفع النقيضان فإذا ثبت كونه صفة وجودية ثبت كونه معنى لأنه معناه و يتّصف به الفعل حيث يقال إنه حسن و لا يصحّ وصف الشي‏ء بمعنى يقوم بغيره فإذا ثبت قيامه بالفعل و هو أيضا معنى لزم قيام المعنى بالمعنى و هو المذكور بالتالي و أمّا بطلانه فلأنه يلزم أن يكون الوصف لمحل الفعل لتبعيّته له في التحيز و هو معنى القيام فلا يكون قيامه بالفعل و الجواب أمّا أولا فبالنقض بالحسن و القبح الشرعيّين فإنّه لا نزاع في اتصاف الفعل بهما كما مرّ مع جريان الإشكال المذكور فيه و كذا اتصافه بغيرهما من الصّفات التي لا مجال لإنكار اتصافه بها ذاتية كانت كالإمكان أو لا كالمطلوبية و المبغوضية و موافقة المصلحة و مخالفتها و الكمال و النقص و غير ذلك و أما ثانيا فبالحل و هو أنّ الصّفة قد تكون وجودية

متحققة في موصوفها و قد يكون اعتبارية منتزعة عنه و قد تقرر في محله أنّ نقيض كل شي‏ء رفعه فنقائض الصّفات الوجودية عبارة عن رفع وجودها عن الموصوف و نقائض الصّفات الاعتباريّة عبارة عن رفع كون موصوفها منشأ لانتزاعها و حينئذ فنقول نقيض الحسن ليس سلب وجود الحسن بل سلب كون الفعل منشأ لانتزاعه فلا يلزم من كونه عدميّا كون الحسن صفة وجودية حتى يلزم من قيامه بالفعل قيام المعنى بالمعنى و مثله الكلام في القبح و توضيح ذلك أن من الصفات ما له وجود في الموضوع في ظرف الاتصاف من الذهن أو الخارج كالحركة و الحرارة و البياض و يعبّر عنها بالصّفات الوجوديّة و منها ما لا وجود له فيه في ظرف الاتصاف و إنما في الخارج أو في الذهن ما يصحّ انتزاعه عنه كالإمكان و الوحدة و الكثرة و يعبّر عنها بالصّفات الاعتبارية و قد يعبّر عنها بالصّفات الثبوتية و ربّما يسمّى ذلك أيضا ضربا من الوجود توسّعا فالصّفات التي تكون من النّوع الأوّل يعتبر في اتصاف الموضوع بها وجودها له في ظرف الاتّصال فنقائضها عبارة عن رفع وجودها له فيه و الصّفات التي تكون من القسم الثاني لا يعتبر في اتصاف الموضوع بها وجودها له في ظرف الاتصاف بل يعتبر كونه فيه بحيث ينتزع منه تلك الصّفات فنقائضها عبارة عن رفع كون الموضوع منشأ لانتزاعها و لا ريب أن الحسن و القبح من هذا النوع دون النّوع‏

321

السّابق مع أنه يكفينا في المقام احتمال ذلك فإنّه لا يلزم من كون لا حسن عدميّا أن يكون نقيضه و هو الحسن وجوديّا ما لم يثبت كونه سلبا لوجود الحسن و هو يتوقف على إثبات كون الحسن وجوديا فإثبات كونه وجوديا بأن نقيضه سلب وجود دور و أمّا اتصاف المعدوم بلا حسن فاتصاف ذهني لا خارجي لامتناع تحقق صفة بكلا نوعيها بدون تحقق الموصوف في ظرف الاتصاف و قد يجعل الاتصاف في ذلك و نظائره خارجيّا باعتبار كون الخارج بحيث ينتزع منه عدم الفعل المنتزع عنه إلى عدم الفعل المنتزع منه صفة لا حسن و له وجه ثم أقول إن أرادوا بتفسير القيام بالتبعية في التحيز أنّ القيام قد يطلق على هذا المعنى فمسلّم لكن نمنع كون القيام في محل البحث بهذا المعنى بل بمعنى آخر كالاختصاص الناعت و إن أرادوا حصر معنى القيام فيه فإن ادعوا ذلك بالنسبة إلى الصّفات الوجوديّة خاصة فبعد الإغماض عمّا يرد عليه من النقض بالصّفات الوجودية اللاحقة للمجرّدات لا تنافي المقصود إذ قد بيّنا أنّ الحسن و القبح العقليّين ليسا من الصّفات الوجودية بل الاعتبارية فلا يكون قيامهما من قبيل القيام بمعنى التبعية في التخير بل بمعنى آخر و إن ادعوا ذلك بالنسبة إلى مطلق الصّفات فتوجّه المنع عليه جلي لأن الصّفة إذا كانت اعتبارية كان قيامها بموصوفها عبارة عن كونه بحيث يصحّ انتزاعها منه لا غير و هذا ممّا يستوي فيه الجوهر و العرض على أنّه يلزم على هذا التقدير استدراك بعض مقدّمات الدليل إذ لا حاجة حينئذ إلى إثبات كون الحسن و القبح وجوديّين بل على تقدير كونهما اعتباريّين يلزم أن يكون الوصف لمحل الفعل و لا يصحّ وصف الشي‏ء بمعنى لا يقوم به مطلقا كما مرّ تحقيقه في مسألة المشتق ثم لو سلم أنهما وجوديّان و أن القيام عبارة عن التّبعية في التحيز خاصّة فبطلان التالي ممنوع لأن التابع في التحيز إمّا أن يكون نابعا فيه لمتحيز أصلي أو تبعي و التحيزان متغايران و لو بحسب الاعتبار فيصحّ قيام المعنى بالمعنى و لا يلزم منه قيامه بمحل المعنى لأنّ العبرة في القيام المصحّح لصدق الوصف بالتبعيّة الابتدائية و هي لاحقة للمعنى بالنسبة إلى المعنى لا محله و اعلم أنّ بعضهم زعم أنّ هذه الحجة على تقدير صحتها لا تنهض على الجبائية فخصّها بغيرهم لأنّ الحسن مثلا إذا لم يكن من الصّفات الذاتية جاز أن لا يكون وجوديّا بل اعتباريّا فلا يكون معنى و فيه نظر لأنّ الدليل المذكور يثبت كونه وجوديّا على تقدير اتصاف الفعل به فيثبت به كونه معنى على ما عرفت بل قد عرفت أنه يجري على تقدير اعتباريّته أيضا لكن على تقدير تخصيصها بالقول بالذاتية لا يتم النقض إلا بالصّفات الذاتية كالإمكان الثاني لو حسن الفعل أو قبح لغير الشرع لزم أن لا يكون الباري تعالى مختارا في تشريع الأحكام و التالي باطل اتفاقا أمّا الملازمة فلأن الحكم بالمرجوح قبيح فيمتنع صدوره منه تعالى فلا يكون مختارا فيه و هو المذكور في التالي و أمّا بطلانه فموضع وفاق و الجواب منع الملازمة فإن امتناع صدور الفعل لتحقق الصّارف لا يقدح في ثبوت الاختيار فيه فإن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار كالواجب و سيأتي لهذا مزيد بيان الثالث لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب به لذاته أي لذات الطلب و التالي باطل و أمّا الملازمة فلتوقف تعلقه حينئذ على حصول غيره و ما يتوقف ثبوته للشي‏ء على حصول غيره لا يكون له لذاته و أمّا بطلان التالي فلأن تعلق الطّلب بالمطلوب تعلق عقلي لأنه صفة ذات إضافة لا يعقل إلا مضافا إلى مطلوب فمتى حصل الطّلب تعلق بالمطلوب بنفسه و لا يتوقف على غيره هذا أظهر الوجوه التي ذكروها في تقرير هذه الحجة و الجواب أما أولا فبالنقض بالطلب الصّادر منافاته لو صح ما ذكر لزم أن لا يتوقف على ملاحظة غير المطلوب من المصالح التي تراعى في العين لعين ما مرّ من أنه صفة ذات إضافة لا يستدعي أمرا غير المطلوب و التالي باطل بالضرورة و أمّا ثانيا فبالحل و هو أن استغناء الأمر الإضافي في التعلق بعد الوجود عن العلة لا يستلزم استغناءه في الوجود عنها و اللازم على القول بالتحسين و التقبيح توقف وجود الطلب في الخارج على تحقق الجهة المرجحة لا أنه يوجد و يتوقف تعلقه بالمطلوب على تحققها و هو واضح مع أنّ هذا الإشكال ممّا لا مدفع له على ما ذهب إليه الأشاعرة من قدم الطلب و حدوث تعلقه بالمكلفين فإنّ إضافة الطلب إلى المكلف على حدّ إضافته إلى الفعل المطلوب فيلزمهم الفساد المذكور الرابع أنّ فعل العبد

غير صادر عنه باختياره فلا يتّصف بالحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه اتفاقا أمّا عند المنكرين لهما فواضح و أمّا عند القائلين بثبوتهما فلأنهما عندهم من صفات الأفعال الاختيارية لا غير و الدليل على أنّه غير صادر عنه باختياره أمران الأول أنّ الفعل الصّادر من المكلف لا يخلو إمّا أن يكون لازم الصّدور عنه أو لا فإن كان الأول لزم أن لا يكون مختارا فيه لأن لزوم الصّدور ينافي الاختيار و إن كان الثاني كان جائزا صدوره و عدمه و حينئذ فإن قلنا بأنه يفتقر إلى مرجح سواء كان من الفاعل أو غيره فمع المرجح يعود التقسيم إلى أنه إما أن يكون لازم الصّدور عنه فلا يكون مختارا فيه أو يكون جائزا وجوده و عدمه فيفتقر إلى مرجح آخر و حينئذ فإمّا أن ينتهي إلى مرجح يكون معه لازم الصّدور فلا يكون اختياريّا أو يتسلسل و إن قلنا بأنه لا يفتقر إلى مرجح بل يصدر عن الفاعل تارة و لا يصدر عنه أخرى مع تساوي الحالين من غير مدخلية لأمر زائد كان اتفاقيا فلا يكون مختارا فيه أيضا لأنه يصدر من الفاعل من غير قصد و لا تعلق إرادة و قدرة لا يقال هنا قسم آخر و هو أن يصدر الفعل من الفاعل على وجه لا يكون معه‏

322

لازم الصّدور بل راجح الصّدور أو يفتقر إلى مرجح يكون معه كذلك لأنا نقول هذا الاستدلال مبني على بطلان الأولوية و بيانه موكول إلى محله لكن كان الأولى حينئذ أن لا يتعرض لذكر الاتفاقي أيضا بل يبنى الاستدلال على بطلانه و يحال بيانه إلى محله و كأنهم تعرضوا له نظرا إلى أن الدليل يتم على تقدير صحته أيضا كما يظهر من بيانهم و فيه بحث لأنهم إن أرادوا بكون الفعل على التقدير المذكور اتفاقيا أنه يحصل من دون استناد إلى الفاعل صحّ ما فرعوا عليه من لزوم كون الفاعل غير مختار فيه لكن نمنع أنه على التقدير المذكور يلزم الاتفاقي بهذا المعنى و إن أرادوا أن الفعل على تقدير حصوله يستند إلى الفاعل لكن استناده إليه ليس بحيث يمتنع فيه الانفكاك بل قد يتحقق من الفاعل العلل المقتضية من الدّواعي و الإرادة و غير ذلك و يصدر منه الفعل و أخرى يتحقق منه تلك العلل و لا يصدر منه الفعل من غير أن يتحقق في إحدى الحالتين أمر زائد فحينئذ لا نسلم أن الفعل يكون صادرا عنه من غير قصد و قدرة بل اللازم حينئذ أن يكون صادرا عنه على تقدير صدوره بواسطة القصد و القدرة غاية الأمر أن لا يكون تأثيرهما بالوجوب أو بالأولوية بل بالاتفاق فظهر أنّ الدليل لا يتم إلاّ بالبناء على بطلان الاتفاق أيضا و وجهه واضح و هو استلزامه للترجح بلا مرجح و امتناعه ضروريّ ثم على تقدير البناء على بطلان الأولوية و الاتفاق يمكن تقرير الدليل بوجه أخصر و هو أنّ الفعل إن وجب صدوره عن الفاعل فلا اختيار له فيه و إلا كان ممتنعا و إلى هذا يرجع ما تقرر في محله من أنّ الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد الثاني أنه تعالى علم بأفعال العباد قبل وقوعها فيمتنع وقوع خلاف ما علم منهم و إلا لانقلب علمه تعالى جهلا و هو محال و حرّره الفخر الرازي في أربعينه ببيان آخر يرجع محصّله إلى أنه كما أن بين وقوع كل من الفعل و الترك من الفاعل في وقت واحد و وقوع الآخر منه منافاة ذاتية لامتناع الجمع بينهما كذلك بين العلم بأحدهما و وقوع الآخر منافاة ذاتية إذ المطابقة للواقع معتبرة في ذات العلم فإذا فرض علمه تعالى بأحدهما تحقق المنافي الذاتي لوقوع الآخر فيمتنع القدرة عليه إذ لا يتم القدرة على الشي‏ء مع تحقق المنافي الذي لا سبيل إلى رفعه أقول و يمكن تحريره ببيان ثالث و هو أن قدرة العبد على خلاف ما علمه تعالى في معنى القدرة على جعل علمه تعالى جهلا لأنه لازم للقدرة على خلاف ما علمه تعالى و القدرة على الملزوم قدرة على لوازمه كالقدرة على إيجاد الأربعة فإنها قدرة على إيجاد الزوجية و من الواضح أن لا قدرة للعباد على اللازم لأنه محال فلا قدرة لهم على الملزوم أيضا فإذا انتفي قدرة العبد على غير علمه تعالى كان قدرته على ما علمه تعالى اضطرارا لا قدرة و اعلم أنّ للناس في الأفعال الاختيارية الصّادرة عن العباد أعني ما هي اختيارية عندنا مذاهب خمسة الأول ما حكي عن جهم بن صفوان و أتباعه و هو أنها صادرة عن اللّه تعالى من غير استناد إلى قدرة العباد أصلا و لا مجامعة لها و أنهم لا يستحقون عليها مدحا و لا ذمّا و أنه لا فرق بين حركة الصّاعد على السّلّم و الساقط عنه و لا بين حركة المختار و حركة المرتعش و هذا غلو في الجبر الثاني ما ذهب إليه الأشاعرة و هو أنها صادرة عنه تعالى من غير استناد إلى قدرة العباد إلا أنها مجامعة لقدرة فيهم غير مؤثرة فيها بالفعل لكنّها كانت تؤثر لو لم تؤثر قدرة اللّه التي هي أقوى منها و بهذا الاعتبار جعلوها مكسوبات للعباد و سموا هذه القدرة قدرة كاسبة و زعموا أنهم لا يستحقون عليها مدحا و لا ذمّا و على هذا فتنحل دعواهم في المقام إلى أمرين الأول نفي استحقاق العباد المدح و الذم على أفعالهم عند العقل الثاني نفي تأثير قدرتهم فيها و لا تلازم بين المقامين لإمكان القول باستحقاقهم المدح و الذم عليها عند العقل و نفي تأثير قدرتهم فيها كاستحقاق اللؤلؤ المدح عقلا على صفائها و بهائها و العذرة الذم على خباثتها و قذارتها أو القول بتأثير قدرتهم فيها و نفي استحقاقهم المدح و الذّم عليها عند العقل و قد التزمت الأشاعرة ذلك بالنّسبة إلى أفعاله تعالى و النزاع الذي عقدت هذه المسألة لبيانه إنما هو المقام الأول و أدلتهم المتقدمة لو تمّت لدلت على إثبات مقالتهم فيه و المقدّمات المذكورة في هذا الدّليل لو تمت لدلت‏

على إثبات دعواهم في المقام الثّاني و منه يظهر سقوط تمسّكهم بهذا الدّليل على المقام الأول لبطلان ما ادعوه من الاتفاق على عدم استحقاق المدح و الذم عقلا على الأفعال الاضطراريّة فإنّ القائل باستحقاق المدح و الذم عقلا يقول به بالنسبة إلى صفات الكمال و النقص و إن كانت اضطرارية و حينئذ فما المانع من التزامه ذلك بالنسبة إلى الأفعال الاضطرارية التي تكون كذلك كما التزم به أبو الحسين و أتباعه كما سيأتي الثّالث ما نقل عن أبي الحسين البصري من المعتزلة و أتباعه و هو أن أفعال العباد الاختيارية صادرة عنهم و واجبة بالنسبة إلى المبادي التي هي فعله تعالى فيهم من القدرة و الداعي الذي هو عين الإرادة عندهم فهي واجبة الصّدور منهم بالوجوب السّابق و أنهم يستحقون عليها المدح و الذم عقلا و هذا في الحقيقة يرجع إلى القول بالجبر إن فسّر الإرادة بالعزم كما يأتي لأن العبد متى كان مجبورا على الإرادة كان مجبورا على الفعل ضرورة أنه يعتبر في القادر أن يكون له إرادة الفعل و الترك الرّابع ما نسب إلى أصحابنا الإماميّة و هو أنّ أفعال العباد الاختياريّة صادرة عنهم بقدرتهم و اختيارهم من غير أن تكون واجبة الصّدور عنهم بالوجوب السّابق أعني الوجوب بالنسبة إلى المبادي التي هي فعله تعالى في العبد و كأنّهم يريدون أنّها ليست واجبة الصّدور عنهم بدون توسّط اختيارهم فلا ينافي وجوبها بواسطة اختيارهم كما يأتي تحقيقه و أنّ قدرتهم على أفعالهم ليست بالاستقلال و أنّهم يستحقون عليها المدح و الذم الخامس ما نقل عن أكثر المعتزلة و هو أنّ‏

323

أفعال العباد الاختيارية صادرة عنهم بقدرتهم و اختيارهم بدون وجوب سابق و أنهم يستحقون عليها المدح و الذّم و أنّهم مستقلون بالقدرة عليها بمعنى أنهم إن شاءوا فعلوا سواء شاء اللّه تعالى ذلك أو شاء عدم وقوعه و لو مشية جازمة و هذا القول بالتفويض و حيث إنّ بسط المقال في هذه الأقوال خارج عمّا يقتضيه الحال فلنعطف عنان القلم إلى الجواب عن الشبهتين المذكورتين على وجه يتضح به قول المختار و بطلان ما عداه فنقول أمّا الجواب عن الوجه الأول فمن وجوه الأول أنّ هذه شبهة في مقابلة الضرورة فإنا نجد الفرق بالضرورة بين حركة المختار و حركة المرتعش و لا يلتفت إلى الشبهة إذا صادمت الضّرورة و هذا البيان ليس على ما ينبغي لأن العلم الضروري بالفرق لا يقتضي أن يكون حركة المختار مستندة إلى اختياره فإنّ مقارنة القدرة و العلم و الإرادة للأوّل دون الثاني كاف في الفرق نعم يتم ذلك ردّا على المذهب الأول من مذاهب الخبرية فالأولى أن يقال تشهد ضرورة الوجدان بأنّ من الأفعال ما نتمكن من الإتيان بها و بتركها و يستند كلّ منهما إلى قدرتنا و إرادتنا و لا نعني بالاختيار إلاّ ذلك فلا يصغى إلى الشبهة المذكورة و إن قدر العجز عن حلها فإن قيل كل شبهة يعجز عن حلّها فإمّا أن ترجع مقدماتها إلى الضرورة أو لا فإن كان الثاني فلا عجز عن الحل لتطرق المنع إلى المقدمة التي لا يئول إلى الضرورة و إن كان الأول فلا وجه لترك الالتفات إليها بمجرّد وقوعها في مقابلة الضرورة إذ يكون التصادم حينئذ بين الضرورتين أجيب بأن المعتبر في توجه الشبهة أن يرجع مقدماتها إلى الضرورة إذا ما لوحظت في نفسها إلا بالنظر إلى المعارض الضروري و لا خفاء في أن مراتب الضرورة مختلفة في الوضوح شدة و ضعفا فمجرّد معارضة ضروري لآخر لا يوجب تطرق القدح إلى كل منهما إذ قد يكون أحدهما في الوضوح و البداهة بمكان يقدح في بداهة الآخر و لا يقدح الآخر في بداهته كما في المقام لكن لا يكون الدّفع بمثل ذلك حلا للشبهة حتى ينافي فرض العجز عنه إذ لا يمكن توجيه المنع إلى شي‏ء من مقدماتها بالخصوص الثاني أنّ الأفعال لو كانت اضطرارية لبطل التكليف و الحث و الردع و الوعيد و الإنكار و الإنذار و التوبيخ و نحو ذلك ممّا اشتمل عليه الكتاب و السنّة لقضاء ضرورة العقل و العادة بقبح هذه الأمور بالنّسبة إلى المضطرّ و باستحالة وقوعه من العالم الحكيم و ليت شعري هل يجوز من له أدنى شائبة من العقل أن يقول المولى لعبده لا تقع في الماء ثم إنه يلقيه فيه و يقول له لم وقعت فيه و يعاتبه و يعاقبه على ذلك فكيف جوز هؤلاء الملاحدة أن يخلق اللّه الكفر في عباده ثم يقول لهم كيف تكفرون باللّه و يقول لهم أ فتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض و يقول وعد اللّه الكفار نار جهنم و أن يجبرهم على عدم الإيمان ثم يقول فما لهم لا يؤمنون أو يجبرهم على الإعراض ثم يقول فما لهم عن التذكرة معرضين و كيف يجوز على العدل اللطيف الخبير أن يكلف العباد بالإيمان و بسائر التكاليف المقررة في الشريعة و يواعدهم أن يعاقبهم على مخالفتها بأنواع العقوبات الشديدة و مع ذلك يجر هم على الكفر و المخالفة و لا يمكنهم من الإيمان و الطاعة بل ليت شعري كيف نسبوا أفعال العباد بأسرها إلى الحكيم العليم و ادعوا أنّها صادرة منه و أنه الفاعل لها دون غيره مع أنّ فيها من القبائح الشنيعة ما لا يرضى أحدهم لأن تنسب إليه فضلا عن غيرهم من أرباب العقول تعالى اللّه عما يقول الظّالمون علوّا كبيرا و لعمري أنهم ليقولون منكرا من القول و زورا و لقد جاءوا في مقالتهم هذه شيئا إذا تكاد السّماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال هدا و اعتذار بعضهم في دفع شناعة التكليف بأنّ وجود الاختيار كاف في جواز التكليف و ما يترتب عليه و إن لم يؤثر فمردود عليه بأن الاختيار الغير المؤثر ممّا لا يصلح أن يكون منشأ للذم و العقاب بالضّرورة و المثال الذي ذكرناه من إيقاع العبد في الماء مجامع للاختيار الغير المؤثر و مع ذلك فالضّرورة قاضية بقبح ذمّه و عقابه الثالث النّقض بأفعاله تعالى فإنّه مختار في فعله بالاتفاق مع أنّ الشبهة المذكورة جارية فيه لأنّه إما أن يكون فعله تعالى لازم الصّدور عنه أو لا إلى آخر ما مرّ و أما ما يقال من أنّ فعله تعالى لمرجح إرادته و هي و إن كانت ممكنة إلاّ أنها قديمة فلا تحتاج إلى‏

مرجح آخر لأنّ علّة الحاجة هي الحدوث فمدفوع أمّا أولا فبأنّ علة الحاجة على ما هو الحق المحقق في محله هي الإمكان ضرورة أن الشي‏ء إذا كان في حدّ ذاته متساوي الوجود و العدم احتاج في اتصافه بكل منهما إلى علة و منه يظهر أنّ وجود الممكن و عدمه حادثان ذاتيان كما أنّ وجوب الواجب و عدم الممتنع قديمان ذاتيان و أمّا ثانيا فبأن الإرادة على تقدير قدمها إن كانت بحيث لا يتوقف في التّأثير على تعلق حادث لزم قدم المراد و إلا عاد الإشكال و قد يتفصّى عن هذا بأنّ الإرادة تعلقت في الأزل بوجود زيد مثلا في زمن معيّن فيكون وجوده في ذلك الزّمان بنفس ذلك التعلق القديم من غير توقف على أمر آخر و ردّ بأنّه إن كان هذا التعلق علة تامة لزم أن يكون الحادث في هذا الزمان موجودا في الأزل و إن توقف على حضور هذا الزّمان فلا يكون نفس التعلق كافيا في وجود الحادث و هو خلف و هذا الردّ محل نظر و أمّا ثالثا فبأنّ الفعل بعد تعلّق الإرادة القديمة به إن كان لازم الصّدور عن الذات لزم الاضطرار و إلاّ لاحتاج إلى مرجح آخر فيتسلسل أو يلزم الاضطرار و اعلم أنّ تقدمه تعالى على جميع مصنوعاته تقدم بالعلية و ليس تقدّما بالزمان لامتناع إحاطة الزّمان به تعالى فنسبة خلق الأوّل إليه كنسبة خلق الآخر إليه كما أنّ‏

324

نسبة خلق الكثير إليه كنسبة خلق الواحد إليه قال تعالى ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة فالترتيب الزماني إنما هو بين الموجودات الزمانية مقيسا بعضها إلى بعض و لقد عسر فهم هذا المعنى على الأفهام القاصرة المقصورة على إدراك الأمور الزمانية فصدرت منهم مقالات فاسدة ناشئة عن قصور النظر عن إدراك المجرد عن الزمان كتمسّك بعض الحكماء على قدم العالم بأنّ علة وجوده إن كانت تامة في الأزل لزم القدم و إن كانت ناقصة متوقفة على حدوث أمر فيما لا يزال فهو أيضا من العالم و ننقل الكلام إليه فيلزم القدم أو يتسلسل و كجواب بعض المتكلمين عنه بأنه يجوز أن يكون الحكمة قاضية بإيجاد العالم في وقت معيّن و مرجعها إلى العلم بالأصلح و كتمسك بعض على نفي علمه تعالى بالجزئيات بأنّها تتغير و يمتنع التغيّر في علمه تعالى إلى غير ذلك و وجه فساد الأولين أنه لم يكن قبل خلقه تعالى للزمان زمان و لا وقت فلا معنى للسؤال عن سبب تأخير إيجاد العالم من وقت إلى وقت و لا الجواب بإمكان قضاء المصلحة بالتأخير كما أنّه لا معنى للسّؤال عن علة خلق الأفلاك بما فيها في هذا المكان المخصوص دون غيره و لا الجواب بقضاء الحكمة بذلك إذ لا مكان قبل خلق المكان نعم يتجه السّؤال عن علة عدم خلق زمان قبل الزمان الأول بناء على عدم قدمه كما يتجه السّؤال عن علة عدم خلق فلك آخر فوق الأفلاك الموجودة أو خلق مكان فوق المكان الموجود و يتجه الجواب حينئذ بمراعاة الحكمة و وجه فساد الأخير أن نسبة تغيّرات المتغير إليه تعالى نسبة واحدة لا تقدم و لا تأخر لها بالنسبة إليه و إنما التقدم و التأخر متحقق بين تلك التغيرات فهو تعالى عالم بكل شي‏ء في مرتبته لا تغيير في علمه فعلمه بذات زيد مثلا في مرتبة ذاته و بوجوده في مرتبة وجوده و بعدمه في مرتبة عدمه و بقيامه في مرتبة قيامه و بجلوسه في مرتبة جلوسه و هكذا و إن شئت مزيد توضيح لذلك فانظر إلى علمك بالتغيرات اللاحقة للحوادث الماضية فإنّك ترى أنّ علمك بها من حيث كونه علما بها غير متغير و إنما ترى التغير في المعلوم بحسب مراتبه اللاحقة له و أمّا علمك في هذا اليوم بأنّ زيدا مثلا يوجد غدا ثم زوال علمك هذا في غد و حدوث علم لك بأنه موجود الآن ثم زوال علمك هذا أيضا بعد ذلك و حدوث علم لك بأنه كان قبل هذا موجودا فناشئ عن مقايسة زمان وجود زيد إلى أزمنة وجودك فترى وجود زيد تارة متأخرا عن زمان وجودك الذي أنت فيه و مرة مقارنا له و أخرى متقدّما عليه فيلحقك بحسب كل زمن من أزمنة وجودك الثلاثة علم مغاير لعلم الآخر و حيث إنه تعالى لا يحيط به الزمان لا يتصوّر بالنسبة إليه ماض و لا حال و لا مستقبل فيمتنع ذلك في حقه بل هو تعالى عالم بتأخر وجود زيد عن بعض أزمنة وجودك و بمقارنته لبعض منها و بتأخره عن بعض آخر علما أزليّا أبديّا لا يتغيّر و السّر في ذلك كله أنّ وجوده تعالى ليس وجودا امتداديّا و لا بقاؤه بامتداد وجوده كما يتصوّر في الموجودات الزمانيّة بل إذا قلنا هو أزليّ فعلى معنى أنّ وجوده غير مسبوق بالقدم و إذا قلنا أبديّ فعلى معنى أن وجوده لا يلحقه عدم و قد يتوهم أن علمه تعالى بالأشياء ليس إلا نحو وجودها فلا يعلم بها إلا حال وجودها و هو فاسد لاستلزام بطلان قدرته تعالى و حكمته لأنّ الفاعل للشي‏ء من غير علم لا يكون قادرا عليه و لا يعد حكيما و لاستلزامه إسناد الجهل إليه تعالى في مرتبة ذاته لتقدّمها على فعله الذي يزعم هذا المتوهّم أنه علمه و أن يكون علمه تعالى بالأشياء زائدا على ذاته لحدوثه و قدمها فيلزم أن يكون محلاّ للحوادث بل الحق أنّه تعالى عالم بذاته بالحوادث في مراتبها حيث لا حادث و لا مرتبة و بعبارة أخرى عالم بذاته بها قبل حدوثها و قبل مراتبها و قد أشار إليه (عليه السلام) بقوله (عليه السلام) عالم إذ لا معلوم و سميع إذ لا مسموع و بصير إذ لا مبصر و علمه تعالى بها بعينها و نفسها لا بوجهها و صورتها و إلا لزم جهله بعينها أو حدوث علمه بها و كلاهما محال و أما ما دل من الآيات على حدوث علمه تعالى ببعض الحوادث كقوله تعالى لنعلم أيّ الحزبين أحصى و كقوله تعالى و لمّا يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم و يعلم الصّابرين فمؤوّل إذا عرفت هذا تبيّن عندك أنّ إرادته تعالى‏

ليست زمانية لأنّ الزّمان موجود بها فهو متأخر بحسب المرتبة عنها فلا تكون محاطة به فظهر من ذلك بطلان الدفع الثاني بما ذكر فيه و اعلم أنّ الذي يقتضيه البراهين العقلية و يستفاد من أخبار أهل العصمة أن إرادته تعالى مخلوقة له لا تفارق المراد لأنه عبارة عن إيجاده و إحداثه تعالى فإنه لا يروى و لا يهمّ و لا يتفكر و مثلها المشية إلا أنّها متقدمة بحسب المرتبة على الإرادة كما يستفاد من بعض الأخبار فيكون الفرق بينهما بالكلية و الجزئية و قد يطلق أحدهما على ما يعمّ الآخر كما هو معناهما لغة فيترادفان و زعم بعض متأخري أصحابنا أنّ المشية قديمة و أنها عين الذات كسائر الصّفات الذاتية و حمل ما دل من الأخبار على أنه مخلوقة كقوله (عليه السلام) خلق اللّه الأشياء بالمشيّة و خلق المشية بنفسها على مشية العباد و هو تكلف واضح و في بعض الأخبار تصريح بأنّها محدثة و ليست بقديمة و حملها على مشية العباد غير سديد إذ لا يذهب و هم إلى قدمها و في بعض الأخبار أنها غير العلم معللا بأنّك تقول افعل كذا إن شاء الله و لا تقول إن علم اللّه فلو كانت نفس الذات لكانت نفس العلم فلا يبقى فرق بينهما إلاّ بمجرّد المفهوم و هو لا يصلح فرقا لصحة القول الأول و بطلان الثاني نعم كونه تعالى بحيث يشاء و يريد الأصلح عين الذات لأنّه بذاته كذلك إلاّ أن إطلاق المشيّة و الإرادة على ذلك مجاز الرابع جواب الحلّ و بيانه من وجهين الأول أنا نختار كون الفعل غير لازم الصّدور من الفاعل و نمنع احتياجه إلى المرجح لجواز الترجيح من غير مرجح بدليل أن الهارب من السّبع إذا صادف طريقين متساويين في نظره في‏

325

التخلص يختار أحدهما و لا يتوقف حتى يحصل عنده مرجح لأحدهما و كذا الجائع إذا وجد رغيفين متساويين فإنّه يتناول أحدهما و لا يكف نفسه عنهما حتى يجد المرجح و كذا الظمآن إذا وجد قدحين من ماء متساويين إلى غير ذلك و هذا الوجه غير سديد إذ التحقيق امتناع الترجيح من غير مرجح كما يشهد به الفطرة المستقيمة و وجهه أن وقوع الترجيح تارة و عدمه أخرى مع تساوي الحالين واقعا كما هو المفروض يوجب الترجيح بلا مرجح و هو ضروريّ البطلان و أمّا التمسّك بالأمثلة المذكورة و نظائرها فمدفوع بأنّ فرض التساوي من كل وجه لا يوجب وقوعه في الخارج و إن كان الحكم على تقديره حقا أ لا ترى أنا نقطع بأنه لو وضع عمود على حدّ سيف بحيث يتساوى ثقله من الجانبين وقف عليه و لم يمل إلى جانب مع أنا نرى بالتجربة أن الفرض لا يقع في الخارج و بالجملة ففرض التساوي في الأمثلة المذكورة لا يوجب وقوعه فإنّ هناك مرجّحات خفيّة مؤثرة في الترجيح حاصلة في نظر المرجح و إن لم يتنبّه لها و أقلها كون التفاته حال الترجيح إلى أحدهما أو إلى ما يترتب عليه من الغاية المقصودة أكثر و لا يلزم من كون شي‏ء مرجحا تفطن الفاعل لكونه مرجحا و من هنا ذكر بعض المحققين في باب النية أنّ الداعي إلى العمل قد يكون في الواقع محض الرّياء و يعتقد العامل حال العمل أنه محض القربة ثم ينكشف له بعد تلطيف النظر و إعمال التأمّل حقيقة الحال و قد يجاب بأنّ الترجيح في أمثال ذلك يستند إلى تأثير حركة الأفلاك فإن أريد أنّ حركتها تقتضي ترجيح أحدهما من غير أن يتحقق مرجح في نظر الفاعل فهذا التزام بمقالة الخصم و إن أريد أنه يرجح أحدهما لأنه في نظره موافق لما يقتضيه حركتها ففساده ضروري في حق من لا يطّلع على ما يقتضيه في ذلك حركتها و لعلّه يريد أنّ حركتها توجب حصول ميل قلبيّ و لو خفي إلى أحدهما فيرجح لأجله و على هذا فيمكن أن يجاب أيضا بجواز أن يكون هناك مناسبة خفيّة لا تصل إليها عقولنا موجبة لحصول ميل قلبي إلى أحدهما فيرجح لأجله و لا حاجة إلى استناده إلى حركة الأفلاك و اعلم أنّ من قال بجواز الترجيح بلا مرجح إن قال بجوازه مع عدم المرجح في النظر و واقعا صلح مقالته جوابا عن الشبهة المذكورة لكن يرد عليه ما مرّ من لزوم وقوع الترجح بلا مرجّح في هذا الترجيح و يجوز أن يكون هناك ما يقتضي وقوع هذا الترجيح كحركة الأفلاك فإن فرض المساواة فيما لا يتعلق بالنظر ممنوع الوقوع إذ لا سبيل إلى إثباته و إن قال بجوازه مع عدم المرجّح في النظر خاصّة و إن كان هناك ما يقتضي وقوع هذا الترجيح سلم عن الإشكالين لكن مقالته لا تصلح حينئذ جوابا عن الشبهة إذ لا تنافي أن يكون الفعل لازم الصّدور مع وجود ذلك المرجّح فلا أثر للتجويز المذكور في الحلّ و يرد عليه على التقدير الأوّل أيضا أنّ مورد الشبهة ليس صورة تساوي الفعل و الترك في نظر الفاعل بل أعمّ من ذلك إذ لا يقول أحد بثبوت الاختيار في الصّورة الأولى خاصّة و البيان المذكور و لو تم فإنما يجري في دفع الشبهة عنها خاصّة و هي على تقدير تسليمها نادرة الوقوع الثاني و هو المعتمد أنا نختار أنّه يحتاج إلى مرجح لكن نمنع كونه معه لازم الصّدور من الفاعل إن أريد باللزوم أنّه لا يتمكن مع المرجّح إلاّ من الفعل و إن أريد أنّه لا يأتي مع المرجّح إلا بالفعل منعنا كون لزوم الصّدور بهذا المعنى منافيا للاستناد إلى الاختيار كيف و هو وجوب بواسطة الاختيار فهو محقق للاختيار لا مناف له بيان ذلك أنّ الفاعل المختار هو من يفعل الفعل بقدرته عند وجود المرجح في نظره و القدرة فينا عبارة عن صفة زائدة بها نتمكن من الإتيان بالفعل و الترك و المرجح عبارة عمّا هو الدّاعي إلى الفعل و حيث إن نسبة القدرة إلى كل من الفعل و الترك على حدّ سواء فلا بدّ في تعلقها بالفعل من وجود داع معتبر في نظر الفاعل مستمر إلى زمن الفعل كما أنّه يعتبر في استناد تركه إليها عدم الداعي إليه كذلك فحيث يتحقق الداعي المعتبر و يستمرّ يجب صدور الفعل منه بالاختيار لا بمعنى أنه لا يتمكّن حينئذ إلاّ من الفعل بل بمعنى أنه لا يأتي إلا بالفعل البتة كما أنه حيث لا يتحقق الداعي يمتنع صدوره منه بالاختيار بمعنى أنه لا يأتي به البتّة لا أنه لا يتمكّن منه و الدّواعي تعتبر في صدور

غير الإرادة من المختار بواسطتها و في صدورها منه لا بواسطة و نعني بالإرادة العزم كما هو معناه لغة و عرفا و فسّرت به في بعض الأخبار أيضا فأفعالنا الاختيارية مما عدا الإرادة مستندة إلى قدرتنا عند إرادتنا لها و هي مستندة إلى قدرتنا عند وجود الدواعي المعتبرة في نظرنا فالدّواعي شرط في صدور الإرادة منا و هي شرط في صدور سائر الأفعال منا و ليست الدّواعي علة مقتضية أي فاعلة لوجود الإرادة فينا و لا الإرادة علة مقتضية لوجود سائر أفعالنا لظهور أنّ أفعالنا الاختياريّة بأسرها صادرة منا لا من إرادتنا و لا من الدّواعي الموجودة فينا و من الواضح أن الشرط ليس بالمقتضي و لا بجزئه و إن اعتبر في اقتضائه أ لا ترى أنّ النار مقتضية للإحراق بشرط المماسة لا أنها و المماسة و المماسة وحدها مقتضية لذلك و إنما أسندنا الإرادة إلى القدرة لأنّها عندنا من الأفعال الاختياريّة و قد صعب فهم اختياريتها على كثير من الأفهام نظرا منهم إلى أنّ الفعل الاختياري هو المسبوق بالإرادة فلو كانت الإرادة اختيارية لكانت مسبوقة بإرادة أخرى و ينقل الكلام إليها فيتسلسل و من هنا ذهب جماعة إلى أنّ الإرادة اضطرارية كالقدرة و لم يتنبّهوا أنّ ضرورة الوجدان قاضية باختياريتها و في الكتاب و السّنة ما يدل على ذلك كالتوبيخ و التهديد عليها في قوله تعالى أ تريدون أن تهدوا من أضلّ اللّه و قوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم و قوله تعالى يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم‏

326

و قوله تعالى و يريد الذين يتبعون الشهوات إلى غير ذلك و من السنة قوله نية المؤمن خير من عمله و ما دل على خلود أهل الجنة فيها و أهل النار فيها بنياتهم و ما دل على أنّ نية السّوء لا تكتب على هذه الأمة إلى غير ذلك فإن المراد بالنية نفس العزم و ربما زعم بعض أنها مرادة بنفسها و لم يتفطن أن ذلك يوجب توقف الشي‏ء على نفسه بل التحقيق أن تعريفهم للفعل الاختياري بما كان مسبوقا بالإرادة إن كان تعريفا لما عدا الإرادة لم يتوجه الإشكال بعدم انطباقه على الإرادة و إن كان تعريفا لمطلق الفعل الاختياري فممنوع بل الوجه أن يعرف بأنه الفعل الصّادر عن الفاعل بشعوره و تمكنه فيعتبر في حقيقة الاختيار أمران الأول أن يكون الفاعل عالما بفعله شاعرا له على وجه يكون لعلمه و شعوره مدخل في صدوره عنه الثاني أن يكون متمكنا من الفعل و الترك بمعنى أن يكون بحيث له أن يفعل و له أن لا يفعل و أما كونه بحيث إن أراد فعل و إن أراد لم يفعل فإنما يعتبر في صدور الأفعال الاختيارية التي تتوقف على سبق الإرادة لا مطلقا و قد يتوقف صدورها على أمور أخر أيضا كوجود الآلات و ما يتعلق بها و ذلك لا يقتضي توقف كل فعل اختياري عليها فاتضح أن الإرادة من الأفعال الاختيارية و لا يتوقف صدورها عن الفاعل بالاختيار على إرادة هذا ما يقتضيه النظر الصّحيح في المقام و أمّا الدواعي فناشئة من إدراك الفاعل بحال الفعل بضميمة ما فيه من الملكات و الأحوال المستندتين من حيث الوجود إلى صانعه و من حيث القابلية إلى ذات الفاعل إما ابتداء أو بواسطة أفعال أخر نرجع سلسلة استنادها إلى الذات و هي بعد وجودها قد يتمكن من دفعها بسهولة إما لضعفها في نفسها أو لمعارضتها بدواع آخر قريبة منها في القوة و قد يتوقف على استعمال رياضات و مزاولة مجاهدات لتمكنها في النفس و رسوخها فيها و على التقديرين فوقوع الإرادة و الفعل على حسبها اختياري أما على الأول فواضح و أما على الثاني فلتمكنه من ترك الانقياد لها و عدم الاعتداد بها و إن كان لا يفعل على التقديرين البتة عند عدم وجود دواعيه و إذا ثبت مما مر أن المقتضي للفعل الاختياري و الموجد له هو الفاعل القادر المختار و أنّ الداعي المعتبر أو الإرادة شرط في اقتضائه تبيّن أن علية الفاعل لصدور الإرادة منه بقدرته و اختياره تتم عند وجود الداعي المعتبر و عليته لصدور الفعل منه كذلك تتم عند وجود الإرادة و أما عدم الموانع المجامعة للاختيار فداخل في اعتبار الداعي إذ الداعي المعتبر لا يجامع المانع الاختياري فإنّ المراد به ما سلّم منه فاتضح ممّا قررنا أن الأفعال الاختيارية واجبة الصّدور عن الفاعل المختار عند وجود الدواعي المعتبرة في نظره و أنّ وجوبها حينئذ بقدرته و اختياره فلا ينافي قدرته و اختياره بل يستلزمهما ضرورة أن وجود المعلول يستلزم وجود العلة لا أنه ينافيه و قد أشير إلى الأمر الأول من جريان الأفعال على حسب الدواعي في قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته و قوله تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه و إلى الأمر الثاني من بقاء القدرة و الاختيار معها بقوله تعالى و ما كان له عليهم من سلطان و قوله تعالى حكاية عن الشيطان و ما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم و هذا أمر واضح بعد الرّجوع إلى الوجدان فإنا نجد أنفسنا عند وجود الدواعي المعتبرة متمكّنين من الفعل و الترك و إن علمنا باستحالة أحدهما من جهة الاختيار و إذا عرفت ذلك اتضح عندك معنى قوله (عليه السلام) لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين فإنّ كون الدواعي التي تجري الأفعال الاختيارية على حسبها موجودة في العبد بإيجاده تعالى على حسب ما فيه من الاستعداد الذاتي أو الكسبي يوجب نفي تفويض أمر الفعل إليه بالكلية و صدور أفعاله عنه على حسب تلك الدواعي بقدرته و اختياره يوجب نفى إجباره عليها و أيضا كون أفعال العبد مستندة إلى إقداره تعالى له عليها حال صدورها منه يوجب نفي التفويض بمعنى استقلال العبد بها و صدورها عنه بذلك الإقدار يوجب نفي الجبر لاستنادها إلى قدرته المخلوقة فيه و ممّا ذكرنا يرتفع الإشكال عن قوله تعالى من يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنما يصعد في السماء فإنّ شرحه تعالى لصدور من أراد هدايته بإكرامه بالألطاف الموجب لحصول دواعي قبول الهداية فيه لأهليته و استعداده لذلك لا يوجب قبوله للهداية

بالاضطرار بل بالاختيار و كذلك تضييقه لصدر من أراد إضلاله من تلك الألطاف الموجب لحصول دواعي الضلالة فيه لا يوجب قبوله للضلالة بالاضطرار بل بالاختيار و بهذا الاعتبار نسب الهداية و الإضلال إليه تعالى في هذه الآية و غيرها و كذلك نسب الإغراء إليه في قوله تعالى حكاية عن نوح (عليه السلام) و لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم كما أنه نسب الإضلال إلى الشيطان في قوله تعالى و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا باعتبار أنه يدعوهم إلى الضلالة و يعدهم و يمنّيهم بالأماني الفاسدة و إلى أنفسهم في قوله و ما يضلون إلا أنفسهم و قوله و ضلّوا عن سواء السّبيل باعتبار اختيارهم للضلالة و اغترارهم بالأماني الواهية و كذا يرتفع الإشكال عن قوله و ما تشاءون إلاّ أن يشاء اللّه و قد ورد عنهم (عليهم السلام) ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن فإنّ مشيته تعالى و إرادته و تقديره و قضاءه و إمضاءه المستند كل لاحق منها إلى سابقه كما ورد في بعض النصوص إنما تجري على حسب استعداد القابل لها إيتاء لكل ذي حق حقه لأن ذلك قضية قدرته الشاملة و علمه النافذ و حكمته البالغة و بهذا البيان ينكشف أيضا معنى قوله تعالى و لو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعا و قوله ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء اللّه و أمثال ذلك إذ ليس ظاهر المعنى أنهم كانوا يؤمنون عند مشيته إيمانهم جبرا و قهرا كما ذكره بعضهم فإن ذلك‏

327

غير متعيّن بل مناف لظاهر الفعل بل ظاهر المعنى و اللّه أعلم أنه تعالى لو شاء إيمانهم باختيارهم و ذلك بأن أوجد فيهم دواعي الإيمان و يسلب عنهم الملكات و الأحوال الداعية لهم إلى الكفر و الطغيان لآمنوا و إنما لم يشأ ذلك في حقهم لعدم استعداداتهم و انتفاء أهليتهم فتركهم على الملكات و الأحوال اللاحقة بحالهم فآثروا الكفر و الشقاء و استحبوا العمى على الهدى و من هذا الباب ما ورد من أنّه تعالى أمر إبليس بالسّجود و شاء أن لا يسجد و لو شاء أن يسجد لسجد و نهى آدم (عليه السلام) عن أكل الشجرة و شاء أن يأكل و لو شاء أن لا يأكل لما أكل و أمّا الاعتذار الذي حكاه تعالى عن الكفار في قوله سيقول الذين أشركوا لو شاء اللّه ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرّمنا من دونه من شي‏ء و في قوله قال الذين أشركوا لو شاء اللّه ما عبدنا من دونه من شي‏ء الآية فقد اتضح ممّا حققناه أنه مقالة فاسدة و معذرة داحضة كما أشير إليه في ذيل الآية لأنّهم إن زعموا أنهم مجبورون على الشرك و العصيان عند مشيّته تعالى ذلك في حقهم أو على ترك الطاعة و الإيمان عند عدم مشيّته تعالى ذلك منهم فجوابه واضح مما مرّ فإنّ المشية إنما قضت بصدور ذلك منهم بطريق الاختيار فكيف يصدر منهم بطريق الاضطرار لمخالفته لمقتضاها بل أثر المشية في الأفعال الاختيارية إنما هو إمضاء ما تقتضيه الذوات بإحداث أسبابه و مقدّماته اللائقة به الغير المنافية للاختيار كما أشير إليه في قوله تعالى و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا و يقللكم في أعينهم ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا و إن زعموا أن المشية لما قضت بصدور الشرك و شبهه منهم و لو بالاختيار فلا اعتراض عليهم في ذلك أو لا يكون تركه مطلوبا منهم ففيه أنّ الضرورة قاضية بأن من يصدر عنه القبائح بالاختيار يستحق بذلك الذم و العقاب و لا ينافيه وجوب الصّدور عنه بحسب ما فيه من الدّواعي بعد تمكنه و اختياره و استناد الوجوب إليه و لا منافاة بين مشيته تعالى لصدور الشرك منهم و بين نهيه تعالى إيّاهم عنه فإن مرجع الأول إلى إحداث المقدّمات المفضية إلى صدور الشرك منهم بالاختيار على حسب ما لهم من الاستعداد كما هو قضية حكمته في الصّنع و الثاني إلى بيان حكم الشرك عنده من المكروهية و عدم الرضا به كما هو قضية حكمته في الحكم و أمّا الجواب عن الوجه الثاني فبما مرّ من الأجوبة الثلاثة المتقدمة من أنه شبهة في مقابلة الضرورة فلا يلتفت إليه و أنّه ينافي وقوع التكليف و ما يتبعه المعلوم بالاتفاق و أنه منقوض بأفعاله تعالى لعلمه بها كعلمه بأفعالنا فيلزم أن لا يكون مختارا فيها و هو باطل بالاتفاق مضافا إلى جواب رابع به تنحل الشبّهة و تقريره أنّ قضية العلم انكشاف الواقع للعالم لا التّأثير في وقوعه و ممّا يوضح ذلك أنّا لو فرضنا وجود فاعل يصدر عنه أفعاله باختياره و فرضنا أن لا علم لأحد بشي‏ء من أفعاله أصلا كانت أفعاله صادرة عنه على وجه الاختيار لا محالة لانتفاء ما يدّعى منافاته للاختيار فلو فرضنا حينئذ علم عالم بها قبل وقوعها منه لم يتغير حال ذلك الفاعل المختار في الواقع من جهة علم العالم بها بالضّرورة و إن فرض استحالة عدم مطابقة علم ذلك العالم للواقع لأنّ مرجعها إلى استحالة انكشاف غير ما يقع من الفاعل باختياره له لا إلى تأثير علمه في وقوع ما يقع منه ليلزم منه اضطراره في الفعل من جهة علمه به و زوال اختياره عنه و إلاّ لزم مثله في العلم المتأخر مع استحالة تأثير اللاحق في التعليق بل نرى بالضّرورة أنّ حال هذا الفاعل حال تعلق ذلك العلم بأفعاله كحاله حال عدم تعلقه بها في استناد أفعاله إلى اختياره و إن شئت زيادة توضيح لذلك فانظر إلى علمك بترطيب الماء و إحراق النار و إضاءة الشمس فهل تجوز أن لا يكون علمك هذا مطابقا للواقع مع أنك تعلم علما ضروريّا بأن علمك بذلك ممّا لا أثر له في ترتب تلك الآثار عليها فإذا ثبت عدم مدخلية العلم في وقوع ما يتعلق به من الأفعال الاضطرارية ثبت عدم مدخليته في وقوع ما يتعلق به من الأفعال الاختيارية لأن الجهة جهة واحدة لا يعقل اختلافها باختلاف ما تعلقت به و بهذا البيان يتضح الجواب عما ادعي في البيان الثاني من المنافاة الذاتي بين تعلق العلم بوقوع كل من الفعل و الترك و بين وقوع الآخر لأنه إن أريد بالمنافاة الذاتي ما هو الظاهر منه من‏

كونه مانعا من وقوع الآخر و مقتضيا لعدمه فقد عرفت فساده مما مرّ حيث بينا أن العلم ليس كذلك و أنه لا مدخل له في وقوع المعلوم و لا في عدم نقيضه و إنما مقتضاه بل حقيقته الكشف عن الواقع و إن أريد به مجرد استحالة وقوع نقيض المعلوم و لو لأمر آخر غير العلم كاختيار الفاعل فمتجه إلا أنه لا يدل على نفى الاختيار و بالجملة فالمستحيل هناك أمران الأول وقوع غير ما يقع من الفاعل المختار و من هذه الاستحالة إلى وجوب الصدور منه من جهة تحقق علته التامة التي من جملتها الاختيار و القدرة و هذا هو الوجوب بالاختيار و قد حققنا في دفع الشبهة الأولى أنه لا ينافي الاختيار بل يحققه الثاني تخلف علم العالم عمّا علمه و مرجع هذه الاستحالة إلى استحالة علمه بغير الواقع لا إلى سببيّته للواقع و استدعائه له و كذا يتضح الجواب عما ذكر في الوجه الأخير من أنّ القدرة على خلاف ما علمه تعالى قدرة على قلب علمه تعالى جهلا و هو محال و ذلك لأنّا نلتزم بأن لا قدرة على قلب علمه تعالى جهلا لكن نمنع منافاة ذلك للقدرة على خلاف المعلوم و توضيحه أنه تعالى لما كان عالما بالأشياء على ما هي عليه في الواقع فلا بد أن يكون علمه بالفعل الاختياري على وجهه من وقوعه عن الفاعل على وجه الاختيار و حينئذ فيرجع الحاصل إلى أنه تعالى عالم بأن الفاعل المختار يفعل كذا حال قدرته على خلاف ما يفعله فإن ذلك معنى اختيارية الفعل له فقدرة الفاعل على خلاف ما علمه تعالى منه ليس قدرة على قلب علمه تعالى جهلا كيف و قد علم بوقوعه منه في هذه الحالة

328

فقدرته عليه محققة لعلمه تعالى بفعله على وجهه لا ينافيه له و إنما يلزم القلب إذا فعل خلاف ما علمه تعالى لكنه محال فاتضح أنّ استحالة قلب علمه تعالى جهلا راجعة إلى استحالة علمه تعالى بخلاف ما يقع منك بقدرتك لا إلى استحالة قدرتك على خلاف ما علمه فأنت قادر في نفسك على خلاف ما علمه لكنه محال في حقه أن يعلم خلاف ما تعلمه و بالجملة فصدور الفعل من العبد بالاختيار أثر من آثار وجوده الذي هو فعل من أفعاله تعالى و كما أنّ علمه تعالى محيط بأفعاله محيط بما يترتب عليها من الآثار اختيارية كانت أو اضطرارية لا يقال هناك معلومان وقوع الفعل من الفاعل و قدرته على تركه و بإزاء هذين المعلومين علمان و المنافاة المذكور إنما يتحقق بين المعلوم الثاني و العلم بالأول و لا يجدي فيه العلم بالمعلوم الثاني لأنه إذا كان في نفسه منافيا للعلم الأول كما مر امتنع تحققه فيمتنع العلم به لأنا نقول المعلوم الثاني مأخوذ في المعلوم الأول لأن وقوع الفعل إذا كان مستندا إلى القدرة كان أثرا من آثار القدرة و جهة من جهاتها فلا يستقل عنها فمرجع العلمين عند التحقيق إلى العلم بالقدرة و بأثرها المترتب عليها و اعلم أنّ ما ذكرناه من منع استناد وقوع المعلوم فيما مرّ إلى العلم إنما يتم في علم غيره تعالى و أمّا في علمه تعالى فإنما يتم على مذهب الأشاعرة القائلين بزيادته على ذاته تعالى و ورود البيان المذكور على هذا القول في غاية الظهور و من العجب العجاب أنّ الفخر الرازي مع موافقته لأصحابه في القول بزيادة العلم على الذات قال بعد أن أورد الشّبهة بالبيان الثاني لو أنّ جملة العقلاء اجتمعوا و أرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفا واحدا لما قدروا عليه إلاّ أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم و هو أنّ اللّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود و لا بالعدم إلا أن أكثر المعتزلة يكفرون من يقول و هذا القول انتهى أقول أمّا ما زعمه في حق العقلاء من العجز عن ردّ شبهته فناشئ عن فرط قصوره و ضعف شعوره حيث أحسن بنفسه العجز عن الجواب فقاس بها غيره من ذوي الألباب و أمّا المذهب الذي نسبه إلى هشام بن الحكم فمن مفترياتهم الموضوعة عليه لأن الرّجل من أجلاّء أصحابنا في الكلام و من خواص الإمام الكاظم (عليه السلام) فكيف يعقل صدور هذا القول منه هذا و أمّا على القول بعينية علمه تعالى لذاته كما هو الحق المحقق في محله فلا يتم منع استناد الأفعال إليه لاستلزامه منع استنادها إلى الذات بل الوجه حينئذ أن يقال استناد الأفعال إلى العلم كاستناده إلى الذات فكما أنّ استنادها إلى الذات ليس على وجه ينافي صدورها عن العبد على وجه الاختيار كما مرّ بيانه في دفع الشبهة الأولى فكذلك استنادها إلى العلم فإنّ الاستنادين من جهة واحدة إذ لا تعدّد بينهما في الحقيقة و اعلم أن قضية القول بعينيّة العلم للذات أن لا يكون مضافا إلى المعلوم و لا متفرعا عليه و أن لا يكون العلم باللوازم مستفادا من العلم بالملزوم و لا العلم بالمركب متوقفا على العلم بأجزائه ضرورة أنّ الوجوب الذاتي لا يجامع التوقف و الاحتياج و قد أشير إلى ذلك في قوله (عليه السلام) عالم إذ لا معلوم و سميع إذ لا مسموع و بصير إذ لا مبصر بل قضية بساطة الذات أن يكون علمه بشي‏ء عين علمه بآخر و إلا لزم تركب الذات و كما أن قدرته تعالى عين ذاته بلا توقف على تقرر المقدور في مرتبة ذاته و لا على إمكانه بل قدر و كان المقدور ممكنا كذلك علم و كان المعلوم على الوجه الذي علمه و كما أن تكثر المقدورات لا ينافي وحدة القدرة فكذلك تكثر المعلومات لا ينافي وحدة العلم و بالجملة فلا يقاس العلم الواجب بعلومنا الممكنة التي تتفرّع على المعلوم و على العلم بالملزوم بالنّسبة إلى لوازمها بواسطة و بدونها و يتعدّد بتعدّد معلوماتنا و ممّا قررّنا من عدم منافاة وحدة العلم لتعدد المعلوم ربما يتنبّه العارف أن لا منافاة بين وحدة الصّنع و تكثر المصنوعات كما يقتضيه برهانهم على توحيد الأفعال لا كما فهمه بعض القاصرين من أنّ فردا من الممكنات كالعقل الأول صادر منه تعالى و البواقي صادرة من ذلك الممكن بواسطة و بدونها و أنه يستحيل خلاف ذلك لبطلانه بالعقل و النقل قال اللّه تعالى هل من خالق غير اللّه و قال تعالى اللّه خالق كلّ شي‏ء إلى غير ذلك و لا يجدي ما يقال من أنّ صنع المصنوع صنع الصّانع نظرا إلى إقداره على ذلك‏

لأنه لا يوجب استعانته تعالى ببعض مخلوقاته على خلق بعض آخر و هو باطل كسابقه بل بمعنى أنه تعالى صانع كل شي‏ء بصنع واحد و إن تعدّد بالإضافة على حسب اختلاف مراتب المصنوعات كما أنه قادر على الأشياء بقدرة واحدة و عالم بها بعلم واحد و إن اختلفت المقدورات و المعلومات في حدّ ذواتها و ينبغي التنبيه على أمور الأول اختلاف العباد في الطّاعة و العصيان مع تساويهم في القدر المعتبر في صحّة التكليف من العلم و العقل و القدرة ناشئ من اختلاف إراداتهم و اختلافها ناشئ من اختلاف دواعيهم و اختلافها ناشئ من اختلاف إدراكاتهم و ملكاتهم و اختلافها ناشئ من اختلاف استعداداتهم و منشأ هذا الاختلاف أمران الأول اختلاف ذواتهم و طبائعهم كما يدل عليه أخبار الطينة و قد أشير إلى ذلك فيما روي من أنّ السّعيد سعيد في بطن أمّه و الشقي شقي في بطن أمه و ليست الطينة جابرة على الفعل الجميل أو القبيح و إنما هي مستلزمة لصدوره عنهم بالاختيار عند عدم المانع فالمخلوق من طينة العليّين يأتي عند استجماعه للشرائط المعتبرة بالأفعال الجميلة باختياره على حسب ما فيه من الدّواعي النّاشئة من تلك الطّينة الطيّبة بواسطة الملكات الجميلة المفاضة عليها لأهليّتها لذلك و المخلوق من طينة السّجين يأتي بالأفعال القبيحة باختياره على حسب ما فيه من الدّواعي الناشئة من تلك الطّينة الخبيثة بواسطة الملكات‏

329

الرّذيلة المفاضة عليها لأهليتها لذلك و المخلوق من الطّينتين يأتي بما يناسبهما من الأفعال كما مرّ باختياره و على هذا البيان ينزل ما ورد في ولد الزنا من أنّه يدخل النّار و أنه لا يكون إلا مبغضا لأهل البيت (عليهم السلام) و مثله ما ورد في ولد الحيض فإنّ المراد أنه يدخل النّار بأعماله التي تصدر عنه باختياره و أمّا وجود البغض المذكور فيه فهو و إن كان في أول الأمر اضطراريّا إلاّ أنه لما مكن من رفعه و قلبه بالمحبة الواجبة بالمجاهدات الشرعية فهو معاقب على تقصيره في ذلك و كذا الكلام في سائر الأخلاق الرذيلة التي توجد في سائر المكلفين كالبخل و الحسد و الكبر و غيرها فإنها قد تكون بحسب مبدإ حصولها فيهم بطريق الاضطرار إلاّ أنهم قد مكنوا من رفعها بالمجاهدة و لهذا قد يجاهد صاحب الأخلاق الرذيلة في رفعها فيجرّد نفسه عنها و كما أنّ الأخلاق الرذيلة ممّا يمكن سلبها بالمجاهدة كذلك الأخلاق الجميلة يمكن سلبها بالمجاهدة و كما أنّ صاحب الأخلاق الرّذيلة مأمور بسلبها عن نفسه و قد يستحق العقوبة على التقصير في ذلك كذلك صاحب الأخلاق الجميلة مأمور بالمحافظة عليها فيؤجر عليها و لو مات صاحب الملكة الرذيلة قبل تمكنه من إزالتها كان معذورا في ترك إزالتها إلاّ أنه غير معذور في العمل بمقتضاها لعدم اضطراره إليه ثم المراد باستعداد الذوات لما يفاض عليها من الملكات أن لها من جهة كونها تلك الذّوات أهلية تلك الإفاضة بمقتضى قانون الحكمة لا أنه لا يمكن إفاضة غيرها عليها فاستناد هذا الاستعداد إلى الذات كاستناد الفردية إلى الثلاثة و الزوجية إلى الأربعة فلا يعلّل بأمر غير الذات و لما كانت الذوات معلومة له تعالى بما لها من الاستعدادات و كانت الحكمة قاضية بإيجادها أوجدها و أعطاها ما كانت طالبة بلسان الاستعداد فإن كل شي‏ء عنده بمقدار روايتكم من كل ما سألتموه و لا فرق في هذا البيان بين أن نقول بأن المجعول بالأصالة هو الوجود أو الماهية إذ على الأول يكون الوجود الخاص المحدود بالحدود الخاصّة مستعد الإفاضة ملكاته عليه و على الثاني يكون الماهية الخاصّة كذلك و هذا النوع من الاستعداد ينبغي أن يسمّى بالاستعداد الذاتي و الاستعداد الأولي الثاني اختلاف الإدراكات و الملكات و الأحوال المكتسبة بواسطة الأعمال و يرجع سلسلة استنادها إلى استعداد الذاتي و يعرف بعض الكلام في هذا ممّا مر في سابقه و ينبغي أن يسمى هذا النوع من الاستعداد بالاستعداد الكسبي و الثانوي و من هذا الباب زيادة الهدى في حق المؤمن و ربط قلبه و تثبيته و نحوها المشار إليها في قوله تعالى إنهم فتية آمنوا بربّهم و زدناهم هدى و ربطنا على قلوبهم و قوله تعالى و الذين اهتدوا زادهم هدى و آتاهم تقواهم و قوله تعالى و من يؤمن باللّه يهد قلبه و قوله تعالى يثبّت اللّه الّذين آمنوا بالقول الثابت و أما قوله تعالى و هو الذي حبّب إليكم الإيمان و زيّنه في قلوبكم و كره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان فيمكن أن يكون منشأه هذا النوع من الاستعداد و الاستعداد الذاتي و كذلك من هذا الباب الطبع في حق الكافر و أشباهه المشار إليها في قوله تعالى ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم و قوله تعالى و قالوا قلوبنا غلف بل لعنهم اللّه بكفرهم و قوله تعالى و أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم و قوله تعالى فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم و قوله تعالى جعلنا قلوبهم قاسية و قوله جعلنا بينك و بين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقرا و قوله جعلنا من بين أيديهم سدّا و من خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون و قوله إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة زيّنا لهم أعمالهم إلى غير ذلك و أمّا ما أشير إليه في قوله تعالى و لقد ذرأنا لجهنّم كثيرا من الجنّ و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون فالظاهر أن منشأه الاستعداد الذاتي و اعلم أنّ الدّواعي و ما يستند إليه من الإدراكات و الملكات و الأحوال بكل نوعيها المتقدمين و إن كانت شرائط لصدور الأفعال من النفس إلاّ أنّ لها عند التحقيق نوع إعداد لها في صدور الأفعال التي تناسبها منها على وجه الاختيار فما كان منها معدّا لصدور الخير يسمّى إنعام العبد به بدون إعطائه ما يعارضه توفيقا و هو تفضّله تعالى على العبد زائدا على القدر المعتبر في صحة تكليفه بما يصدر منه معه الطاعة و عمل‏

الخير و قد يسمّى تأييدا أو هداية قال اللّه تعالى و أيّدهم بروح منه و قال لعيسى بن مريم إذ أيدتك بروح القدس و قال لنبيّه (صلى اللَّه عليه و آله) إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء و تخصيص البعض به لاختصاص الأهلية بهم كما يدل عليه برهان الحكمة و امتناع الترجيح من غير مرجح قال اللّه تعالى و ألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلها و يختلف مراتبه باختلاف مراتب الأهلية كما قال تعالى في حق أنبيائه و لقد فضّلنا بعض النبيّين على بعض و قال في حق ملائكته و ما منّا إلاّ له مقام معلوم و ما كان منها معدّا لصدور الشر يسمى إعطاؤه بدون الإنعام عليه بما يعارضه خذلانا و استدراجا قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون و قال إنما نملي لهم ليزدادوا إثما و توضيح ذلك أنّ النفس منبع الشرور و الشهوات كما قال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام) إنّ النفس لأمارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي فإن تركت بحالها لم يصدر منها باختيارها إلاّ القبائح و المعاصي و إن أنعم عليها بما يعارض به دواعيها و شهواتها سلمت من مفاسدها قال تعالى لنبيّه و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا و قال و لو لا فضل اللّه عليكم ما زكا منكم من أحد أبدا و قال الصّادق لعمرو بن حريث حين عرض عليه دينه فأقرّه‏

330

عليه لا تقل إنّي هديت نفسي بل اللّه هداك و يساعد على ذلك ظاهر قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن اللّه و ما أصابك من سيّئة فمن نفسك و إن كان الكل منه تعالى باعتبار وقوعه بمشيّته و قضائه كما قال جلّ شأنه قبل ذلك قل كلّ من عند اللّه و لا ينافي تعميم الآية لمحلّ البحث كون الحسنة و السّيئة في صدور الآية بمعنى الرخاء و الشدة أو الرخص و الجدب و نحو ذلك لا بمعنى الطّاعة و المعصية لأنهم ما كانوا يسندون طاعتهم إلى اللّه و معاصيهم إلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) ذلك لما تقرر سابقا من أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد مضافا إلى مساعدة بعض الأخبار على ذلك إذا عرفت ذلك تبين عندك أنه تعالى أولى بحسنات العبد منه و أن العبد أولى بسيئاته منه تعالى كما ورد في الحديث و يمكن أن يعبر عن ذلك بوجه آخر و هو أن الوجود على ما تقرر في محله منبع الكمالات و الخيرات كما أنّ الماهيّة منبع النقائص و الشرور فإذا قوي جانب الوجود و غلب على الماهية غلب آثاره على آثارها على حسب ما فيه من القوة و بالعكس و حيث إن الوجود منه تعالى لأنه فعله فهو أولى به و بآثاره كما أنّ الماهية حيث كانت من العبد لأنّ حقيقته و ذاته فهو أولى بها و بآثارها الثاني يطلق الاستطاعة في حقنا تارة على الاستطاعة المقارنة لمتعلقها من الفعل أو الترك و هذه استطاعة تامة فعلية مقارنة لأثرها زمانا متقدمة عليه رتبة كتقدم حركة اليد على حركة المفتاح و أخرى على الاستطاعة المتقدّمة على الفعل أو الترك و هذه استطاعة ناقصة لتوقفها على حصول أمور غير حاصلة و هي غير مستطاعة للعبد و إن كان التقدير حصولها كبقائه و بقاء ما كان حاصلا من القدرة و شرائطها الحاصلة و حدوث ما كان منها غير حاصل كزمان الفعل و غيره و العبد في هذه الاستطاعة يتساوى إليه نسبة الفعل و الترك بخلافه في الاستطاعة السّابقة فإنه لا يتمكن بها إلا على ما أوقعه بها من فعل أو ترك لامتناع رفع الواقع و قد يطلق الاستطاعة على ما يعمّ القسمين و حيث إنّ الاستطاعة الأولى هي الاستطاعة الحقيقية ورد في بعض الأخبار نفي استطاعة العبد قبل الفعل و نفيها عن غير ما فعله كما قال الصّادق (عليه السلام) لرجل من أهل البصرة إنّ اللّه خلق خلقا فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثم لم يفوض إليهم فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل فإذا لم يفعلوه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلا لم يفعلوه لأن اللّه أعزّ من أن يضاده في ملكه أحد الحديث و قوله لأن إلخ تعليل لقوله لم يفوض كما هو واضح الثالث قضيّة البراهين العقلية التي تقدمت الإشارة إليها أن ما صدر منه تعالى من خلقه لشي‏ء أو ترك خلقه لشي‏ء لا يكون إلا لحكمة مرجحة و جهة محسنة فإنّه لا يصدر منه تعالى إلا الجميل و لا يلزم وضوح حكمته عندنا بلى نذعن بثبوتها إجمالا و إن خفيت تفاصيله و على مدركات عقولنا و منه يظهر صحة ما ذكره بعض الحكماء الفلاسفة من أنه ليس في الإمكان أبدع ممّا كان و لا فرق في ذلك بين خلق المكلفين و غيرهم و لا في خلق المكلفين بين خلق الكافر منهم و غيره إلاّ أن لبعضهم في خلق الكافر شبهة معروفة و هي أنّ ذات الكافر إذا كانت مستعدّة لصدور الكفر و الطّغيان منها بحيث يستحيل انفكاكها عن ذلك في الخارج و لو بواسطة القدرة و الاختيار و كان ذلك موجبا لخلوده في النار و مستلزما لبقائه في العذاب المستدام فأي فائدة في خلقه و إيجاده و الحال هذه بل الراجح حينئذ ترك إيجاده فإنّ العقلاء يؤثرون عدم مثل هذه الذات على وجودها و يرجحونه عليه و أمّا المؤمن الفاسق فالخطب بالنّسبة إليه هيّن لأنه و إن ابتلي برهة من الدّهر بفضائح أعماله إلا أن فوزه بعد ذلك بالنعمة الأبدية المترتبة على إيمانه ممّا يرجّح حكمة خلقه و الجواب أن إيجاده تعالى للكافر إحسان منه بالنّسبة إليه حيث أوجده قادرا و متمكنا من الإيمان و الفوز بثمراته من النّعيم الأبدي و عرفه ذلك و هداه إليه و كون ذاته مقتضية لاختياره الكفر بعد إتمام الحجة عليه و الوقوع في العذاب الأبدي لا يصير إحسان الوجود قبيحا في حقه بل الإنكار إنما يتوجه عليه في صدور مقتضيات العذاب منه لاستناده إلى اختياره و قدرته و ترجيح العقلاء عدمه على وجوده ليس بالنّسبة إلى موجده بمعنى أنّ موجده لو ترك إيجاده‏

لكان أولى بل بالنّسبة إلى ذات الكافر بمعنى أنها لو كانت معدومة كان أولى لها من كونها موجودة و كذلك الحال في كل تكليف لا يلتزم المكلف بامتثاله فإنّ التكليف بالنّسبة إلى المكلف راجح بمعنى أنّ صدوره عنه أولى من عدمه للحكم الداعية إليه و بالنسبة إلى المكلف مرجوح بمعنى أنه لو لم يكلف لكان أولى له و أيضا قد يشتمل خلق الكافر على منافع عظيمة عائدة إلى المؤمن من حيث تحمله أذاه و معاداته إيّاه فلو ترك إيجاده لأدى إلى تفويت حق المؤمن و إضاعة ما يستعد له من الفوز بأجر الصّبر على المشاقة و تحمل بلوى المجاهدة و ربما يعدّ مثله ظلما في حقه و قد يجاب عن ذلك بأجوبة أخر بظاهرها ظاهرة الوهن لا جدوى في التعرض لها هذا و اعلم أنّه قد يتوهّم أنّ الحجة المذكورة على تقدير صحتها لا ترد على الجبائية لأنّ اللاوم و الاتفاقي قد يكون لهما جهات و اعتبارات و ضعفه ظاهر لأنّ اللازم و الاتفاقي إذا لم يكن صدورها بالاختيار امتنع اتصافهما بالحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه لما مرّ من أنّ الفعل الغير الاختياري لا يوصف بهما بالاتفاق ثم اعلم أنّ الدليل المذكور لو تم لكان أخصّ من المدعى لأن مفاده نفي التحسين و التقبيح في أفعال العباد فقط و المقصود نفيهما مطلقا الثاني في كيفية ثبوت التحسين و التقبيح و قد عرفت أنهم اختلفوا في أنّ لحوقها للأفعال هل هو لذواتها أو لصفات لازمة لها أو لصفة في القبيح دون الحسن أو بالوجوه و الاعتبار و التحقيق أن من الأفعال ما يتصف بالحسن بالذّات كحسن الإيمان و من هذا الباب‏

331

حسن التخلق بالأخلاق الجميلة كالجود و الشجاعة و منها ما يتّصف بالقبح بالذات كقبح الكفر و من هذا الباب التخلق بالأخلاق الرديّة كالبخل و الجبن و منها ما يتّصف بهما بالوجوه و الاعتبار و هو الغالب كضرب اليتيم ظلما و تأديبا و قتل النفس ظلما و حدا و تناول المحرّمات تشهّيا و تداويا إلى غير ذلك ممّا لا حصر له و هذا بعد التنبيه عليه ممّا لا خفاء فيه ثم الذي يظهر من كلمات القوم في المقام و غيره أن القائلين بالذاتية يريدون به أنّ الحسن و القبح مستندان إلى ماهيّة الفعل أعني تمام حقيقته و أنّ القائلين بأنهما لصفات لازمة يريدون أنهما مستندان إلى صفات غير مفارقة لتمام حقيقة الفعل و لو بحسب الخارج و لهذا أوردوا عليهم بما سيأتي إيراده و يؤكد ذلك ما نقلوه عنهم في مبحث النهي من منعهم اجتماعه مع الأمر في الجنس الواحد و اعتذار بعضهم عن اجتماعهما في السّجود باعتبار وقوعه له تعالى و للضّم بأنّ مورد النهي تعظيم الصّنم و هو خارج عن حقيقة السّجود و أمّا الذاتي بالمعنى الذي يقابل به العرضي كما هو المتداول في ألسنة أهل الميزان فليس بمراد هنا قطعا إذ لا يذهب وهم إلى أنّ الحسن أو القبح جزء من ماهية الفعل أو تمام حقيقته و قد يوجّه كلامهم بأنهم يريدون أنّ الحسن و القبح من اللواحق الذاتية للأفعال المقيدة بالجهات الخاصّة أعني الأصناف فيجعلون الحسن ذاتيا للطم اليتيم المقيد بكونه على وجه التأديب و القبح ذاتيا للطمه المقيّد بكونه على وجه التعذيب و هكذا و منه يظهر توجيه القول بأنهما الصّفات لازمة للفعل أيضا و يفرق بينهم و بين قول الجبائية بأن الجبائية يجعلون التأديب و التعذيب جهتين تعليليتين لحسن اللّطم و قبحه فيحكمون بحسن اللطم تارة لكونه تأديبا و قبحه أخرى لكونه تعذيبا و هذا التوجيه و إن كان في نفسه قريبا مخرجا لمقالة القائلين بالذاتية و بالوصف اللازم عن وضوح الفساد و اتضاح البطلان إلاّ أنه مخالف لما هو المتداول نقله عنهم في المقام و غيره كما عرفت و حيث إنا لم نقف على كتب أصحاب هذا المذهب فالتعويل إذن في معرفة مقالتهم على ما حكاه الأكثرون لكن قد يشكل عليهم حينئذ بأن فعل الجوارح منحصر في الحركة و السّكون و هما تمام حقيقة ما تحتهما من الأفراد و إن اختلفت بالعوارض الضّعيفة و الشخصيّة و هذا في السّكون واضح و أمّا الحركة فإن قلنا بأن القوي منها يخالف الضعيف في أمر عرضي فحكمها حكم السّكون و إن قلنا بأنهما يختلفان في الذاتي كانت الحركة حينئذ جنسا لما تحتها من الأنواع المختلفة بالشدة و الضّعف إلاّ أنّ الشّدة و الضّعف مما لا مدخل لهما و لو غالبا في التحسين و التقبيح مع أنّ حقيقة الشدة على هذا القول راجعة إلى حقيقة الحركة فيلزمها ما يلزمها فيكون منشأ التحسين و التقبيح هو نفس الحركة و هي تمام حقيقة هذه الحركة و حينئذ فإن قلنا بأنهما ذاتيان لزم أن يكون الحركات بأسرها إمّا متصفة بالحسن أو القبح و كذلك الحال في السّكون و فيما يتركب منه و من الحركة فلا يمكن أن يتحقق بالنّسبة إلى كل نوع إلا حكم واحد و أمّا كل صنف من الحركة و السّكون إذا جعل مركبا مع صنف آخر من نوعه فلا يصحّ أن يخالف حكمه لحكم النوع لاتحادهما في تمام الحقيقة التي هي منشأ الحكم و اختلافهما في العوارض الصّنفية لا تؤثر فيه بناء على القول بالذاتية و جوابه منع انحصار الفعل في الحركة و السّكون فإنّ ما يلحقهما من العوارض الصّنفية و الشخصية و ما يتسبّبان لحصوله كالتأديب و التعذيب في الضّرب أيضا من فعل المكلف ضرورة استناد الجميع إلى جعله و تأثيره و إن كان في البعض بواسطة و لها في حدّ أنفسها حقائق متكثرة فقضية عدم خلو الأفعال عن الحسن و القبح الذاتيين اتصاف تلك العوارض من حيث ذواتها بأحد الوصفين أيضا غاية ما في الباب أن يكون للحركة مثلا في حدّ ذاتها حكم و للخصوصية الصّنفية اللاحقة لها ككونها حركة صلاتية أو غصبية حكم و لما تتسبّب له الحركة مثلا حكم و هكذا و الظاهر أنّ أصحاب هذا القول لا يتحاشون عن ذلك كما سيأتي فيندفع الإشكال ثم إنهم أوردوا على القائلين بالذاتية و بالصّفة اللازمة أمرين الأول أنهما لو كانا ذاتيين أو لصفة لازمة لها لزم أن لا يكون الفعل الواحد حسنا تارة و قبيحا أخرى و التالي باطل أمّا الملازمة فلاستحالة تخلف ذاتي الشي‏ء عنه على ما تحقق في محله و أمّا بطلان التالي فواضح ضرورة أنّ الكذب قبيح و قد يحسن إذا كان‏

فيه عصمة نبي من ظالم أو إنقاذ بري‏ء من باغ إذا انحصر طريق التخلّص فيه إلى غير ذلك مما لا حصر له و عليه يبتني مسألة جواز النسخ المتفق عليه بين أهل الإسلام و أمّا الاعتذار بأنّ الكذب في الفرض المذكور ارتكاب لأقل القبيحين فإن أريد أنه باق فيه على صفة القبح بمعنى كون فاعله مستحقا للذم كما هو المعنى المبحوث عنه فمخالف لحكم الضرورة إذ لا مندوحة عن الفعل و الترك فكيف يترتب الذم على كل منهما مع أن ذلك يؤدّي إلى التكليف بالمحال بناء على استتباع الحسن و القبح للتكليف على حسبهما كما هو المعروف بين العدلية و إن أريد زوال وصف القبح بالكلية لمصادمة جهة أخرى أقوى من جهة فقد بطل دعوى الاستناد إلى الذات أو لازمها لأن ما بالذات لا يتخلف إلا أن يراد كون الذات علة له لو لم يمنع منه مانع لا مطلقا و حينئذ فيجوز له التخلف و يسقط الإيرادان إلا أنه خلاف ما فهمه القوم من كلامهم الثاني أنهما لو كانا ذاتيين أو لصفة لازمة لاجتمع النقيضان في قول من قال لأكذبن غدا و التالي باطل بيان الملازمة أنّ القول المذكور لا يخلو إمّا أن يكون صادقا أو كاذبا و على التقديرين يجتمع فيه صفتا الحسن و القبح أمّا على تقدير صدقه فلحسنه حينئذ من حيث كونه صدقا و قبحه من حيث استلزامه وقوع متعلقه من الكذب و هو قبيح فيقبح ما يستلزمه لأن مستلزم القبيح قبيح و أمّا على تقدير كذبه فلأنه قبيح حينئذ من حيث كونه كذبا و حسن من حيث استلزامه لعدم‏

332

وقوع متعلّقه من الكذب و ترك القبيح حسن فيحسن ما يستلزمه و بالجملة فكل من الصّدق و الكذب في الفرض المذكور حسن و قبيح باعتبار نفسه و باعتبار لازمه فيجتمع الوصفان في كل منهما و في القول المتصف بأحدهما و هما متناقضان إمّا لأن القبح عدم الحسن أو لأنّه يستلزمه فيلزم من اجتماعهما في القول المذكور اجتماع المتناقضين فيه و هو المقصود بالتالي و أمّا بطلانه فواضح و قد يقرر اجتماع المتناقضين في كلام الغد لأنه على تقدير كونه صادقا يكون حسنا من حيث الصّدق و قبيحا من حيث استلزامه لكذب كلامه السّابق و على تقدير كونه كاذبا يكون قبيحا من حيث الكذب و حسنا من حيث استلزامه لصدق الكلام السّابق و لو منعت قبح مستلزم القبيح ما لم يكن علة اندفع الإشكال بالتقادير الثلاثة الأول و بقي الإشكال على التقدير الأخير و هو كاف في الإبطال و قد يتخيل أنّ الإيراد المذكور إمّا مشترك الورود على غيرهم أو مشترك الاندفاع عنهم و عن القول بأنهما لصفة لازمة و ذلك لأنّ القائلين بالوجوه و الاعتبار إن جعلوا الحسن و القبح لاحقين لنفس الفعل لزم الإشكال المذكور لامتناع أن يتّصف فعل واحد بالحسن و القبح و إن كان اتصافه بهما بالوجوه و الاعتبار ضرورة تنافيهما و إن جعلوهما لاحقين للفعل مأخوذا مع كل من الجهتين على الانفراد فيجري مثله على القول بالصّفة اللازمة فإن الفعل المأخوذ مع إحدى الصّفتين غيره مأخوذا مع الأخرى فلا يتم الإيراد على هذا القول أيضا و ضعفه ظاهر إذ للقائل بالوجوه و الاعتبار أن يجعل كلا من الكلامين حسنا بمعنى كونه خلوا عن القبح لمكان التدافع بين الجهتين إن كان لا يرى رجحانا لإحداهما و إلا تعيّن عنده ترجيح الأقوى و نفى الأضعف و كيف كان فلا يلزم من مذهبه الاجتماع إذ ليسا عنده من الصفات اللازمة بل حسن الصّدق و قبح الكذب عنده بالوجوه و الاعتبار و لهذا قد يقبح الأول عنده و يحسن الثاني و أمّا الاعتذار بأخذ الجهة تقييديّة لا تعليلية فغير مجد نفعا و ذلك لأن الجهة إذا أخذت تقييديّة للفعل فالحسن و القبح إمّا يلحقان المقيّد بشرط القيد أو المجموع المركب و كلاهما محال أما الأول فواضح للزوم الإشكال المذكور عليه من اجتماع المتناقضين و لا أثر لاختلاف المقيد مع اجتماع القيدين و اتحاد المقيد قطعا و أما الثاني فلأن تعلق الحسن بالمركب يقتضي تعلقه بأجزائه في ضمن المركب و هو ينافي تعلق القبح به في ضمن مركب آخر مع اجتماع التركيبين للزوم اجتماع المتناقضين في الجزء كما مر إذ لا فرق في ذلك بين التعلق الاستقلالي و غيره مع أن إحدى الجهتين هنا غير لازمة للفعل فلا يستقيم استناد القبح إليها على ظاهر مذهب القائلين بأنهما لصفات لازمة فصل و ممّا يتفرع على المسألة السّابقة مسألة التكليف بالمحال و قد اختلفوا فيه إلى أقوال ثالثها التفصيل بين الممتنع الذاتي و غيره فمنع منه في الأول دون الثاني و اختاره الحاجبي و رابعها التفصيل بين ما إذا استند الامتناع إلى اختيار المكلف و غيره فجوز في الأول دون الثاني و اختاره جماعة من أصحابنا و المختار عندي هو المنع مطلقا و موضع النزاع ما إذا لم يستند الامتناع إلى إرادة المكلف بالنسبة إلى الزمن الذي لم يرتفع فيه تمكنه منه و أما إذا استند الامتناع إلى إرادته فمع بقاء التمكن على الفعل ممّا لا نزاع لأحد في جواز التكليف به فإن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار كالواجب به لنا أنّ التكليف بالمحال قبيح بأقسامه فيمتنع صدوره منه تعالى أمّا الأول فلقضاء الضرورة به بعد ثبوت الأصل المتقدم من الحسن و القبح العقليين فإن العقلاء يعدون طلب المحال و اقتضاءه لغوا و يرمون فاعله إلى السفه و أمّا الثاني فلأنّ علمه تعالى و حكمته و غناه يحيل صدور القبيح منه و ذلك واضح حجة القائلين بجواز التكليف بالمحال مطلقا أنه تعالى كلف الكافر بالإيمان مع أنه ممتنع في حقه لأنه لم يرده منه و لأنه تعالى علم بكفره و يمتنع الجهل في علمه تعالى و أنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان بجميع ما جاء به النبي (صلى اللَّه عليه و آله) مع أن من جملة ما جاء به النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أنه لا يؤمن فيجب عليه الإيمان بأنه لا يؤمن و هو محال و أنّ التكليف بالمال مقدور في نفسه و لا مانع منه إلا قبحه العقلي و قد مرّ نفيه و الجواب أمّا عن الأوّل فبأن عدم إرادته تعالى إيمان الكافر إن كان بمعنى عدم رضاه به فممنوع كيف و قد قال جل شأنه و لا يرضى لعباده‏

الكفر و إن كان بمعنى عدم مشيته و تقديره فلا ينافي كونه باختيار الكافر و إرادته و قدرته كما مرّ فلا يكون تكليفا بالمحال و أمّا عن الثاني فبأنّ علمه تعالى و إن استحال انفكاكه عن المعلوم لكنه لا ينافي قدرة الكافر و تمكنه كما مرّ بيانه فلا يكون تكليفه بخلاف المعلوم تكليفا بغير المقدور و أمّا عن الثالث فبأنّ أبا لهب لم يكلف بالإيمان بأنه لا يؤمن بل إما أن يكون قد أخفي عنه هذا الإخبار و كلف بالإيمان بجميع ما جاء به النبي (صلى اللَّه عليه و آله) إجمالا أو كلف بالإيمان بما عدا ذلك أو كلف بالإيمان في زمن سابق بأنّه لا يؤمن في زمن لاحق على أنّ هذه الوجوه الثلاثة لو تمت لدلت على وقوع التكليف بالمحال و هم لا يقولون بوقوعه على ما حكاه بعضهم و مع ذلك فبطلانه معلوم من قوله تعالى لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها لا يكلف اللّه نفسا إلا ما آتاها إلى غير ذلك و أما عن الرابع فبما مرّ بيانه احتج الحاجبي على جوازه في غير الممتنع الذاتي ببعض ما مرّ و على امتناعه في الممتنع الذاتي بأنه ممّا يمتنع تصور وقوعه فيمتنع التكليف به فإنّ التكليف بالشي‏ء عبارة عن استدعاء حصوله فيتوقف على تصوّره و تصوّر حصوله تصوّر للشي‏ء على خلاف ماهيته و هو محال ثم أورده على ذلك إيرادين تعرض لدفعهما الأول أنّ المستحيل كالجمع بين الضدّين لو لم يمكن تصوره لم يمكن وصفه بالاستحالة لأنّ العلم بصفة الشي‏ء فرع تصوّره و أجاب عنه بأن الجمع المتصوّر هو الجمع بين المختلفات و هو الذي‏

333

حكم بنفيه و بأن الممتنع هو تصوّره مثبتا لا مطلقا و الذي يلزم من ذلك إمكان تصوّره منفيا لا مطلقا فلا منافاة و توضيح ذلك على ما حققه بعضهم هو أن المستحيل مما يمتنع أن يحصل له صورة في العقل كأن يتصور شي‏ء هو اجتماع النقيضين أو اجتماع الضدّين فتصوره إمّا على سبيل التشبيه بأن يلاحظ بين المختلفين كالسّواد و الحلاوة وصف الاجتماع ثم يقال مثل هذا الوصف لا يمكن حصوله و بينهما أو على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم هو اجتماع السّواد و البياض هذا و لا يخفى ما فيه لأنه إن أريد باستحالة تصوّر المستحيل الذاتي استحالة حصول صورته في الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطّلب على إمكان حصول صورة المطلوب في الخيال و إنما يتوقف على إمكان تصوّره في الجملة و إن أريد استحالة حصول صورته في العقل كما صرّح به في التوضيح فممنوع كيف و هذا المفهوم حاصل في العقل و حصوله فيه عبادة عن تصوّره و ذلك لأن دائرة العقل أوسع من دائرة الخيال و الخارج من وجه و لهذا يوجد الكليّات بوصف الكلية في العقل و يمتنع تحققها في الخيال و الخارج و أمّا الوجه الثاني فضعفه ظاهر لأنّ الحكم بالنفي فرع تصوّر الطرفين كالحكم بالإثبات و أمّا ما يقال من أن السالبة لا تستدعي وجود الموضوع مطلقا بخلاف الموجبة فإنها تستدعيه فمعناه أن السّالبة من حيث الصّدق لا تستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر السّلب بالنسبة إليه مطلقا بخلاف الموجبة فإنّ صدقها يستدعي وجود الموضوع بحسب الظرف الذي اعتبر الإيجاب بالنسبة إليه محققا أو مقدرا و مرجع ذلك إلى أن انتفاء شي‏ء عن شي‏ء لا يستدعي وجود ما انتفي عنه بحسب الظّرف الذي اعتبر الانتفاء بالقياس إليه لا محققا و لا مقدرا سواء كان الظرف ذهنا أو خارجا بخلاف ثبوت شي‏ء لشي‏ء فإنه يستدعي ثبوت ما ثبت له بحسب الظرف الذي اعتبر الثبوت فيه بأحد الاعتبارين و ليس المراد أن السّالبة من حيث كونها حكما بالسّلب لا يستدعي وجود الموضوع مطلقا كيف و مورد السّلب إنما هو النسبة الحكمية كالإيجاب و هي مما يمتنع تعقلها بدون معقل طرفيها الثاني أنه لو امتنع تصوّره لامتنع الحكم الثبوتي عليه بأنه ممتنع أو معدوم فإنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوته و يكفي ذلك في صحة طلبه و أجاب عنه أولا بأن المستحيل حينئذ هو الأمر الخارجي دون الذهني المتصوّر فلا يكون المستحيل هو المتصوّر و فيه أنّ الأمر الذهني المتصوّر عنوان للأمر الخارجي المستحيل و مرآة لملاحظته فكيف يكون المتصوّر أي الملحوظ بذلك العنوان غير المستحيل و إلاّ لاستحال الحكم عليه بالاستحالة و ثانيا بأنه لو كان متصوّرا لكان ممكنا فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل و فيه أن كون الشي‏ء ممكن الوجود في الذهن لا ينافي كونه ممتنع الوجود في الخارج فالحكم على الموجود الذهني بالامتناع ليس من حيث كونه موجودا في الذهن لإمكانه بهذا الاعتبار بل باعتبار ما جعل مرآتا لملاحظته أعني وجوده في الخارج فلا منافاة و كذا الحال في الحكم على الممتنع الذهني كحكمنا على الوجود الخارجي بأنه ممتنع التحقق في الذهن فإنه حكم على العنوان الموجود في الذهن باعتبار كونه آلة و مرآتا لملاحظة ما يمتنع تحققه فيه فإنّ امتناع وجود أمر في الذهن لا ينافي إمكان وجود وجهه فيه الحاكي عنه المعرف لأحكامه و لوازمه و مثله الكلام في الحكم على ما ليس بموجود ذهنا و خارجا كقولنا المعدوم المطلق لا يحكم عليه بشي‏ء و لا يشكل بأنّ هذا أيضا حكم عليه لأن المراد أنه لا يحكم عليه باعتبار نفسه لا باعتبار وجهه و كذا الحال في الممتنع وجوده ذهنا و خارجا كوجود الممتنع الخارجي و ثالثا بأنّ الحكم على الخارج بالامتناع يستدعي تصوّره في الخارج و هو محال لأنه تصوّر للشي‏ء على خلاف حقيقته و فيه أنّ تصوّر المستحيل في الخارج لا يوجب كونه تصوّرا له على خلاف حقيقته أي مفهومه كيف و التقدير أنه تصوّر لمفهومه و إنما يوجب كونه تصورا له على خلاف حقيقته بمعنى ما يمكن تحققه به و الفرق واضح حجة المفصّلين في المحال بين ما يستند استحالته إلى اختيار المكلّف و غيره أمّا على منعه فيما لا يستند إلى اختيار المكلف فما مرّ من حجة المنع و أمّا على جوازه فيما يستند استحالته إلى اختياره فهو أنّه لولاه لخرج كثير من أفراد الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا و التالي باطل أمّا الملازمة فلأن الواجب إذا توقف على مقدمات مقدورة و تركها المكلف فلا يخلو إمّا أن يبقى التكليف في حقه و هو التكليف بالمحال أو لا

فيلزم أن لا يكون وجوب الواجب مطلقا بل مشروطا بحصول تلك المقدّمات و هو المراد بالتالي و أمّا بطلانه فواضح و أنّ المستند على امتناع التكليف بالمحال هو قبحه العقلي و هو لا يجري فيما إذا استند إلى اختيار العبد إذ لا يقطع العقل بقبحه حينئذ و الجواب عن الأول أنا نختار عدم بقاء التكليف بعد ارتفاع القدرة و نمنع لزوم خروج الواجب المطلق حينئذ عن كونه واجبا مطلقا إن اعتبر الخروج بالنسبة إلى زمن القدرة لعدم ما يوجبه حينئذ و إن اعتبر بالنسبة إلى ما بعده فهو لا يوجب أن يكون الوجوب مشروطا بل بقاؤه مشروطا و لا إشكال عليه إذ يكفي في عصيانه و استحقاقه العقاب تفويته فعل الواجب بعد وجوبه بتقصيره و اختاره و لا يعتبر في ذلك اتصال التكليف بزمن ترك الواجب و ببيان أوضح الأفعال التي تتولّد من الفعل الاختياري بطريق الاضطرار بأسرها مستندة إلى اختيار الفاعل الذي يستند إليه الفعل الاختياري فهي اختياريّة له بالنّسبة إلى زمن اختياره السّابق بمعنى أنه في زمن وجود الاختيار له في الفعل الذي تولدت منه كان له أن يتسبّب لحصولها بفعله أو لعدمها بتركه و إن كانت اضطراريّة بالنّسبة إلى ما بعد زمن حصول ذلك الفعل الاختياري حيث إنه لا يتمكن حينئذ من التسبّب لعدمها و التكليف الفعلي عندنا إنما يجوز أن يتعلّق بها فعلا أو تركا حال وجود

334

الاختيار و أمّا بعد ارتفاعه فيمتنع بقاء التكليف بها و لا يلزم منه وقوعها بلا حكم بالنسبة إلى زمن الاختيار كيف و هي مورد التكليف الذي تحقق في ذلك الزّمان و إنما اللاّزم وقوعها بلا حكم بالنسبة إلى ما بعد زمن الاختيار إذ لا تكليف بها فيه فهي واجبة مثلا أو محرّمة بالإيجاب السّابق أو التحريم السّابق كما أنها اختياريّة بالاختيار السّابق و ليست واجبة أو محرمة بإيجاب مقارن أو تحريم مقارن كما أنها ليست اختيارية باختيار مقارن و قد مرّ التنبيه على ذلك في بحث المقدّمة و عن الثاني أنّ حكم العقل بقبح التكليف بالمحال و طلبه يعم كلا من الصّورتين كما يعمّهما ما دل على عدم وقوعه من الآيات و الأخبار و لا فرق في ذلك بين التكليف الابتلائي و غيره و ربما فرق و هو ناشئ عن قلة التّدبر نعم لا يقبح إيراد صورة الأمر حينئذ من باب التهكم و الإهانة أو حمل المخاطب على التحسّر و التحزّن كما في قوله قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا و قوله تعالى و يدعون إلى السّجود فلا يستطيعون و أمّا ما ورد في بعض الأخبار من أنّ من كذب في رؤياه متعمّدا يكلفه اللّه يوم القيامة أن يعقد شعيرة و ما هو بعاقد فالظاهر أنّ التكليف هنا بمعنى بيان طريق التخلّص من عقوبة تلك المعصية أو للتنبيه على العجز عن التخلص كالعجز عن عقد الشعيرة و ربما يحتمل أن يكون عند التكليف متمكنا من عقدها لكنه لا يفعله لصعوبته عليه حتى إنه يستهل العقوبة بالنّسبة إليه و لعله من ذلك و أمثاله نشأ الوهم‏

تتميم‏

نفي التكليف بالمحال يعمّ سائر المذاهب و الأديان و أمّا التكليف بما فيه عسر و حرج فنفي في شريعتنا و يدل عليه بعد الإجماع قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج و قال تعالى يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و قال (صلى اللَّه عليه و آله) بعثت بالحنيفيّة السّهلة السّمحة إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار و بالجملة فالمستفاد منها قاعدة كلية هي أنه تعالى لم يكلّف هذه الأمة بالتكاليف الشاقة و إنما كلفهم بما دون الطّاقة فكل حكم يؤدّي إلى العسر و الحرج بالنسبة إلى أكثر موارده و أغلب أفراده مرتفع عنا من أصله حتى بالنسبة إلى الموارد التي لا يترتب عليه فيها عسر و حرج إذ إناطة الحكم حينئذ بصورة تحقق العسر و الحرج مؤدية أيضا إلى العسر و الحرج أ لا ترى أنه لو أجيز لنا الأكل أو الشرب أو النظر أو النّوم أو الكلام أو المشي أو ما أشبه ذلك بقدر ما يندفع به العسر و الحرج لأدّى إلى العسر و الحرج و أمّا الأحكام التي لا تؤدي إلى ذلك إلاّ نادرا فنفيها مقصور على الموارد التي يتحقق فيها العسر و الحرج و مقدر بما يندفع به الضرورة كأكل الميتة في المخمصة و شرب المتنجس عند العطش الشديد و ما أشبه ذلك فلا يتعدى إلى غيرها و لا فيها إلى ما يزيد على القدر الضّرورة إذ إناطة دفع المنع هنا بما يندفع به الحرج مما لا حرج فيه لندرة مورده قال جل شأنه و قد فصل لكم ما حرّم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه و قال تعالى ذكره فمن اضطرّ في مخمصة غير متجانف لإثم فإنّ اللّه غفور رحيم ثم إنّه لما كان المستفاد من الآيات و الأخبار المتعلقة بالمقام أنّ القاعدة المذكورة مطردة في جميع جزئياتها غير مخصّصة في شي‏ء من مواردها ليتم المنة على هذه الأمة من بين الأمم برفع الإصر عنهم كما سيأتي التنبيه عليه فربما توجّه الإشكال عليها باعتبار أنّ جملة من الأعمال الشاقة قد ثبت التكليف بها في هذه الشريعة فلا بد من التنبيه عليها و على دفعها فمنها الجهاد و هو من أشق الأعمال لما فيه من تحمل الجروح و إتلاف النفوس و الأموال و وجوبه عند تحقق شرائطه معلوم من الدين و الجواب أنّ المعتبر في المقام ما يكون فيه حرج و ضيق على أغلب الأنام فلا عبرة بالنّادر منهم نفيا و إثباتا و لا ريب أن الاقتحام في الحروب مما يستسهله و يتعاطاه أكثر الناس لدفع العاد عن نفسه و حماية ماله أو من ينتسب إليه من أهله و عشيرته أو لتشييد أركان من يصله ببعض العطايا و ينعم عليه ببعض الهدايا بإذلال مخالفيه و إهلاك من يعاديه و لا ريب أن هذه الدواعي متحققة في نفس المؤمن بالنسبة إلى جهاد الكفار مع ما له فيه من رجاء الفوز بعظيم الأجر و جسيم الذخر فينبغي أن يكون في حقه أسهل و كذا الحال في وجوب المدافعة عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الإمام (عليه السلام) و تحمل ما يتوجّه إليهما من الأعداء من الطعن و النبل و غير ذلك و إن علم بأدائه إلى التلف كما فعله أصحاب الحسين (عليه السلام) أعلى اللّه درجتهم و شكر سعيهم يوم الطف هذا و يمكن أن يقال يختلف صدق العمر و الحرج باختلاف المصالح المقتضية للتكليف بالفعل فرب فعل عسر يعدّ سهلا بالنسبة إلى ما يترتب عليه من المصالح الجليلة و ربما يعدّ ما دونه عسرا بالنّسبة إلى قلة ما يترتب عليه من المصالح أ لا ترى أنّ العبد مع كونه معدا للقيام بمصالح سيّده و حوائجه لو أمره بمسير أيّام لتحصيل مال يسير له كعشر درهم بحيث لا يكون مقصوده إلا تحصيل ذلك عدّ ذلك حرجا و تضييقا على العبد و لو أمره بمسير شهر لتحصيل أموال كثيرة له لم يعد حرجا و تضييقا عليه فكذلك العباد مخلوقون للقيام بمحاسن الأعمال و التحرز عن قبائحها فإذا قل حسن الفعل أو الترك و صعب على المكلف و لم يكن هناك ما يحسن تكليفه من جهة الاختيار كان التكليف به حرجا و إذا كمل حسنه و تناهى فيه لم يكن الأمر به حرجا و إن صعب على المكلف و يشكل بأن مصالح الامتثال لأوامره تعالى و نواهيه بأسرها جليلة لما فيه من الفوز بالمثوبات الباقية و الوصول إلى الدّرجات العالية بل أقلّ تلك المثوبات أعظم من تحصيل جلّ فوائد الدنيا بل كلها فينبغي أن يستسهل فيه جميع الصّعاب فلا يبقى أثر للقاعدة المسطورة و هو مخالف للآيات المذكورة و يمكن دفعه بأن تلك‏

المثوبات و إن كانت في نفسها جليلة إلا أنّ أكثر العباد لحجبهم عنها و ضعف يقينهم بها مع غلبة حبّ الواجدة عليهم و تطبعهم على مراعاة المصالح الظاهرية لو كلفوا بتحصيلها بمزاولة

335

أعمال شاقة عرية عن المصالح الظاهرية عدّ ذلك في العرف و العادة حرجا و ضيقا بخلاف ما لو كلفوا بتحصيلها بمزاولة أعمال شاقة مشتملة على مصالح ظاهرة كالجهاد المشتمل على إطفاء نائرة القوة الغضبيّة المنبعثة من المعادات الدّينية مع ما فيه من تحصيل المنافع الدنيويّة فإنّ الأمر بمثل ذلك لا يعدّ حرجا بل ربما يعد المنع منه في حق كثير من النّاس حرجا و ممّا يؤيّد ما ذكرنا أنّ الشارع قد أباح ارتكاب بعض المحرّمات عند خوف الضّرر اليسير كتناول الماء المتنجّس عند خوف حمى يوم مثلا بتركه و لم يبح بمثل ذلك الزنا لا سيّما بالمحارم كالأم و الأخت و منها مجاهدة النفس في اختيار دين الحق و وجوبها معلوم بالضرورة و إن شق على النفس مشقة مفرطة بل قد يكون أشق من إتلاف النفس و لهذا كان بعض الكفار تمكن نفسه للقتل بعد الأسر و لا يختار الإسلام ليسلم منه و لو لا صعوبة الإسلام عليه من جهة حميّة الجاهلية عليه بحيث يستسهل دونه الموت مع ظهور ما فيه من المشقة الشديدة على النفس لما أصرّ على الكفر و قد حكى اللّه سبحانه عن بعض الكفار بقوله و إذ قالوا اللهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم و قال بعض أهل النّفاق النّار و لا العار و كذا الحال في وجوب دفع النّفقات و الصّدقات الواجبة على من تناهى في البخل و شح النفس فإنه قد يشق عليه دفعها مشقة لا يتحمل مثلها عادة و مع ذلك يثبت الوجوب في حقه و الجواب أن المشقة الناشئة من جهة خبث الأخلاق و رذالتها غير معتبرة في المقام و إنما العبرة بالمشقة الناشئة من جهة ضعف البدن أو صعوبة العمل في نفسه لأنّ هذا هو المتبادر من أدلّة نفي العسر و الحرج و حكمة الفرق بين الأمرين ظاهرة فإن المشقة في الأول ناشئة من قبل المكلف لا من قبل التكليف و من هنا يتجه أن يقال إن التكليف في الفرض المذكور لا يعدّ عرفا تكليفا بما فيه ضيق و حرج أ لا ترى أن السّلطان لو ألزم من تناهى في البخل بدفع الخراج لم يعدّ عرفا مضيقا عليه و إن شق على المعطي لبخله مشقة لا يتحمل مثلها عادة و من هذا البيان يظهر وجه نقض آخر عن تكليف من يشق عليه الجهاد فإنّ منشأه غلبة صفة الجبن عليه و هي صفة رذيلة لا عبرة بالمشقة الحاصلة من جهتها في المقام و منها تمكين النفس من القصاص و الحدّ في موارد وجوب التمكين منهما مع ما فيها من المشقة الشديدة بل هذه المشقة أشق من المشقة الشّديدة الواردة على النفس من الاغتسال في البرد الشديد مع أنه يحكم بسقوط وجوبه حينئذ إذا كانت مشقة لا يتحمل مثلها عادة عملا بالقاعدة المذكورة و لهذا لو خير المكلف بينه و بين التمكين من القصاص مثلا آثره عليه و الجواب أن المتبادر مما دل على نفي العسر و الحرج نفيهما عن المكلفين ابتداء دون ما يكون مستندا إليهم بسوء اختيارهم و من هنا يتجه أن يقال بوجوب الغسل في الفرض المذكور إذا استند إلى تعمد المكلف سببه بعد دخول وقت التكليف نعم لو خاف الضرر على نفسه حينئذ بمرض أو موت سقط الوجوب عنه بل حرم عليه لا للقاعدة المذكورة بل لما دل على نفي الضّرر و تحريم إلقاء النفس في التهلكة في غير ما استثني ثم الظاهر أن نفي الحرج لم يكن مطردا في جميع الأمم السّابقة بل بعضهم كلفوا بالتكاليف الشاقة كما يدل عليه قوله تعالى و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم و قوله جل شأنه و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا و ظاهر ما ورد من أن بني إسرائيل إذا أصابهم البول قرضوا أبدانهم بالمقاريض و لا ينافي ذلك أنّهم كانوا أبسط منا جسما و أتم قوة فيخرج تلك التكاليف في حقهم عن كونها شاقة مع ما ورد في حديث المعراج من قول موسى (عليه السلام) لنبيّنا في عدد الصّلوات إنّ أمتك لا تطيق ذلك فيشترك نفي الحرج بيننا و بينهم لأن المستفاد من الآيات و الأخبار أنّ تلك التكاليف كانت بالنسبة إليهم شاقة و ليس في الرواية على تقدير تسليمها ما يدل على طاقة غير أمته (صلى اللَّه عليه و آله) ذلك و لو سلم فلعلّ الوجه في عدم طاقتهم ذلك كونهم مكلفين بالمعاشرة و ترك الرهبانية و تحصيل المعاش و ذلك مناف غالبا للقيام بوظائف الصّلوات الكثيرة بخلاف بعض الأمم السّابقة فإن الرهبانية و العزلة كانت مشروعة في حقهم و

ربما كانت أرزاقهم تنزل عليهم من السّماء و كانت أبدانهم أصبر على الشدائد و البلاء و ذلك لا ينافي المقصود و من هنا يظهر أنّ العسر و الحرج منفيان عن شريعتنا بالكلية كما قرّرناه أولا لا أنهما منفيّان بالنسبة إلى أكثر الأحكام المقرّرة فيها و إلا لم يتحقق الفرق لثبوت مثله بالنّسبة إلى تلك الشرائع أيضا إلاّ أن يفرق بشيوع الابتلاء بمواردهما في تلك الشرائع و عمومه للمكلفين بها و ندرة مواردها بالنسبة إلى شريعتنا و اختصاصه بنادر من المكلفين و هذا مما لا محيص عنه على تقدير المنع من بعض الأجوبة المتقدمة و لا ينافي نفي الحرج قاعدة التحسين و التقبيح أما على ما نختاره في ذلك فواضح و أمّا على ما هو المعروف فلجواز أن يتجرد ما يشتمل عليه عنهما و اعلم أنّ الظاهر من أدلة نفي العسر و الحرج انتفاؤهما في التكاليف الأصلية و العارضية بأسباب سائغة فلا يتعلق النذر و شبهه بما يشتمل عليهما حتى إنه لو خصّ مورده به لم ينعقد على الظاهر و كذا الحال في أمر من يجب طاعته شرعا كالمولى فليس له إجبار مملوكه بما فيه عسر و حرج إن كان مسلما أو بحكمه و أمّا الكافر و الحيوان المملوك فالمتجه فيهما الجواز إن لم يكن هناك دليل آخر على المنع ثم اعلم أنّ نفي الحرج و الضيق مختص بالإيجاب و التحريم دون الندب و الكراهة لأنّ الحرج إنما هو في الإلزام لا الترغيب في الفعل لنيل الثواب إذا رخص في المخالفة و لهذا لا يحرم صوم الدّهر غير العيدين و قيام تمام الليل و السّير إلى الحج متسكعا و إيثار الغير

336

بالمال الذي لا يضطر إليه على النفس إلى غير ذلك مما لا حصر له بل هذه درجة المتقين و مرتبة الزاهدين لا يسع القيام به إلا الأوحدي من النّاس بل الظاهر عدم جريانه في الواجب المخير أيضا إذا تجرد بعض آحاده عن الجرح للبيان الذي سبق ثم إذا اشتمل الواجب التعييني على مشقة شديدة لا يتحمل مثلها عادة فلا إشكال في سقوط وجوبه التعييني و في بقاء وجوبه على وجه التخيير لو كان له بدل اضطراريّ حال عن المشقة كالغسل في البرد الشديد مع أمن الضّرر أو إبقاء رجحانه على وجه الاستحباب مع عدم البدل عند عدم قيام دليل عليه وجهان من أن زوال الفصل يوجب زوال الجنس فيحتاج إثباته في ضمن فصل آخر إلى دليل كما مرّ و من الجمع بين الحكمة القاضية بوجوب الفعل و الحكمة القاضية بنفي الحرج و هو الأقوى و يدل عليه ثبوت الرجحان قبل دخول وقت الواجب لعدم المانع فلا يعقل تحريمه بعده‏

فصل ينقسم الحكم باعتبار الحاكم إلى شرعيّ و عقلي‏

فالحكم الشرعيّ ما جعله الشارع في الشريعة مما ليس بعمل فخرج بقيد الشارع ما جعله غيره و بقولنا في الشريعة ما جعله في غيره كالأوضاع الشرعيّة بناء على ثبوتها فإنّها جعل في غير الشريعة و إن كان الموضوع له مجعولا فيها و بالقيد الأخير مثل الصّلاة و الصّوم مما جعله الشارع في الشريعة و ليس بحكم و عرف في المشهور بأنه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من حيث الاقتضاء أو التخيير أو الوضع فالخطاب جنس و خرج بتقييده بالشرع خطاب غيره و بقيد المتعلق بأفعال المكلفين الخطاب المتعلق بغير الأفعال كالذوات أو بأفعال غير المكلفين كفعله تعالى و ينبغي أن يراد بالفعل ما يتناول الترك و أفعال القلب ليدخل الأحكام الشرعية المتعلقة بهما و من منع تعلق التكليف بالترك فلا حاجة له إلى التعميم الأول و بقيد الحيثية خطابه المتعلق بأفعال المكلفين لا بالحيثية المذكورة كقوله تعالى ثمّ وليتم مدبرين و اللّه خلقكم و ما تعملون و لا فرق في ذلك بين أن يجعل ما مصدريّة أو يجعل موصولة و بعضهم خص الاحتراز بالتقدير الأول و لا وجه له لتعلق الخطاب على التقديرين بفعل المكلف و من ترك قيد الحيثية كالغزالي فقد انتقض طرد حدّه بدخول ذلك فيه و انتصر له العضدي باعتبار الحيثية في المكلفين ورد به النقض بالآية الثانية من حيث إن الخطاب فيها ليس متعلقا بأفعال المكلفين من حيث كونهم مكلفين و هذا لا يجدي في دفع فساد حدّه لتوجّه النقض عليه بالآية الأخرى و بمثل أنهم كانوا قوما فاسقين و بخروج الأحكام الوضعية عنه و المراد بالاقتضاء و ما يعمّ اقتضاء الفعل و الترك مع المنع من النقيض و بدونه فيتناول الأحكام الأربعة التكليفية و يبقى الإباحة و هي المرادة بالتخيير و يندرج الأحكام الوضعية في قولنا أو الوضع و من ترك القيد الأخير زاعما أن الأحكام الوضعية ليست بأحكام حقيقة و إنما تسمّى أحكاما باعتبار ما يلزمها من الأحكام التكليفية فقد خرج عن مسلك السّداد و ارتكب ما هو معلوم الفساد لوضوح مساعدة عرف المتشرعة على تسمية الجميع أحكاما حقيقة و على الحدّ المذكور إشكالات منها أنه لا يتناول الأحكام المتعلقة بفعل النبي (صلى اللَّه عليه و آله) خاصة و هي المعبّر عنها بخواصّه (صلى اللَّه عليه و آله) لعدم عمومها المكلفين بل لا يتناول الأحكام المختصّة ببعضهم (عليهم السلام) كوجوب ستر العورة على المرأة في الصّلاة لعدم عمومها غيرها بل لا يتناول شيئا من الأحكام لعدم عمومه لجميع الأفعال فإنّ الجمع المضاف كالجمع المعرّف باللام ظاهر في العموم و الجواب أنّ المراد بالأفعال و المكلفين الجنس فإنّ الجمع المعرّف قد يأتي لذلك كما مرّ و حينئذ فيتناول الجميع لصدق الجنس على الجميع و يشكل بأنه مجاز و لا قرينة عليه و ورود الإشكال لا يصلح لها إلا أن يدعى مساعدة المقام عليه و منها أن خطاب الشرع قد يتعلق بفعل غير المكلّف كصحة عمل الصّبي أو فساده و ندبيّة الراجح و كراهة المرجوح و إباحة المباح في حقه و الجواب أن الصبي إن كان أهلا لتوجه شي‏ء من الخطابات التكليفية إليه فهو مندرج تحت عنوان المكلف إذ لا نعني به إلا من توجّه إليه خطاب بالحكم غاية ما في الباب عدم توجّه تكليف الخاص أعني الوجوب و التحريم إليه و هو لا ينفي صدق عنوان المكلف عليه بالمعنى الأعمّ و إن لم يكن أهلا له إما عقلا كغير المميّز أو شرعا كالمميّز عند من لا يعتدّ بعلمه فلا ريب أنه لا حكم في حقه أصلا فلا يرد النقض إلا بالحكم الوضعي فإنّ ثبوته في حقه لا يتوقف على توجه الخطاب إليه و سيأتي الجواب عنه و منها أنه لا يتناول الأحكام الوضعيّة المتعلقة بأفعال غير المكلفين ببّينة إتلاف المجنون لضمانه أو بغير الأفعال كطهوريّة الماء و نجاسة الأعيان المعهودة إلى غير ذلك و الجواب أن المراد تعلقه بفعل المكلف في الجملة سواء كان ابتدائيا أو ثانويّا و تلك الخطابات و إن تعلقت بغير المكلف ابتداء إلا أن لها تعلقا بفعل المكلف بطريق الأول و اللزوم و لو شأنا فلا إشكال و فيه تعسّف ثم هذا التعريف كما ترى إنما يتم على مذهب الأشاعرة حيث أثبت الكلام النفسي و جعلوا منه الحكم الشرعي و أمّا على ما يراه أصحابنا و المعتزلة من بطلان الكلام النفسي فالصّواب أن يعرف بما ذكرناه أو بمؤدى الخطاب المذكور ثم الحكم التكليفي ينقسم إلى الأقسام الخمسة و قد مرّ و أمّا الحكم الوضعي فقد قسم أيضا إلى أقسام خمسة السّببية و الشرطية و المانعيّة و الصحة و الفساد و ليس بمعتمد الخروج كثير من أحكام الوضع منها كالطهارة و النجاسة

و الملكية و الحرية و الرقية و الزوجية و البينونة إلى غير ذلك و ينقسم الحكم العقلي أيضا إلى تكليفي و وضعي و ينقسم الأول إلى أقسام خمسة لأن العقل إذا أدرك الجهات فإمّا أن يحكم بالحسن أو بعدمه و الثّاني‏

337

هو الإباحة العقلية و على الأول إمّا أن يكون حكمه للفعل أو الترك و على التّقديرين إمّا أن يكون مع تقبيح النقيض أو بدونه و هذه أحكام أربعة عقلية أعني الوجوب العقلي و حرمته و ندبه و كراهته و أمّا حكمه الوضعي فكحكمه بشرطية الفهم و القدرة للتكليف و بسببيّة عدمهما لسقوطه و بصحّة العمل الموقع على الوجه الذي أمر به بكلا معنييها و غير ذلك ثم إنّه قد اتّضح ممّا قررنا في التقسيم حدود الأحكام التكليفية الشرعية و العقلية و أنّ الواجب الشرعي ما ألزم الشارع بفعله بمعنى أنه طلب فعله و لم يرض بتركه و الواجب العقلي ما حسن فعله عند العقل و قبح تركه و الحرام الشرعي ما ألزم الشارع بتركه بمعنى أنه طلب تركه و لم يرض بفعله و الحرام العقلي ما حسن تركه عند العقل و قبح فعله و المندوب الشرعي ما طلب الشارع فعله مع الإذن في تركه و المندوب العقلي ما حسن فعله عند العقل و لم يقبح تركه و المكروه الشرعي ما طلب الشارع تركه مع الإذن في فعله و المكروه العقلي ما حسن تركه عند العقل و لم يقبح فعله و المباح الشرعي ما رخص الشارع في فعله و تركه و خير بينهما و المباح العقلي المقدور الذي لا حسن في فعله و تركه‏

فصل اختلف القائلون بالحسن و القبح العقليّين في الملازمة بين حكم العقل و الشرع‏

فذهب الأكثرون إلى إثباتها مطلقا و صار آخرون إلى نفيها مطلقا و فصّل بعض فخصّ النفي بالأحكام المتعلقة بالفروع و أثبتها في الأصول و ذهب بعض الأفاضل إلى النفي في النظريّات خاصة و توقف شيخ الأشاعرة بعد التنزل عن أصله و لا بد أولا من تحرير محل النزاع فنقول نزاعهم في المقام يرجع إلى مقامين الأول و هو المعروف بينهم أنّ العقل إذا أدرك جهات الفعل من حسن أو قبح فحكم بوجوبه أو حرمته أو غير ذلك فهل يكشف ذلك عن حكمه الشرعي و يستلزم أن يكون قد حكم الشّارع أيضا على حسبه و مقتضاه من وجوب أو حرمة أو غير ذلك أو لا يستلزم ثم عدم الاستلزام يتصوّر بوجهين الأول أن يجوز حكم الشارع بخلافه بأن يحكم العقل بإباحة شي‏ء و بعدم استحقاق فاعله الذم و يحكم الشارع بحرمته مثلا و استحقاق فاعله الذم و على هذا فلا يستلزم حكم العقل حكم الشرع و لا حكم الشرع حكم العقل الثاني أن يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم العقل فيه بوجوب أو حرمة مثلا حكم أصلا لا موافقا و لا مخالفا و ذلك بأن تخلو الواقعة عن الحكم رأسا و على هذا فيجوز أن يكون حكم الشارع عند هذا القائل مستلزما لحكم العقل بخلاف العكس المقام الثاني أنّ عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي و جزمت به فهل يجوز لنا اتباعها و يثبت بذلك الحكم في حقنا أو لا و هذا النزاع إنما يتصوّر إذا لم يقطع العقل بالحكم الفعلي بل قطع بالحكم في الجملة بأن احتمل عند اشتراط فعليته باستفادته من طريق النقل و أما لو قطع بالتكليف الفعلي بأن أدركه مطلقا غير متوقف على دلالة سمعيّ عليه فالشك في ثبوته غير معقول و هذا الوجه أيضا إنما يقتضي منع استلزام الحكم العقلي للشرعي دون العكس و لا يذهب عليك أنّ النزاع على التحرير الأخير يعمّ جميع ما يستقلّ بإدراكه العقل ممّا يبتني على قاعدة التحسين و التقبيح و ما لا يبتني عليها و على التحرير الأول يختصّ بالقسم الأول و ربما يقرّر النزاع في أن العقل إذا أدرك أنّ الفعل أو الترك مطلوب له تعالى بطريق الإلزام أو بدونه فهل يحكم بأنه موافق لما صدر عنه تعالى من الأحكام التي أنزلها على نبيّه (صلى اللَّه عليه و آله) و أودعها النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عند أوصيائه المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) أو لا أقول إن أريد بالطلب و الإلزام ما يتناول الثاني أعني ما يحتمل عند العقل أن يكون مشروطا بدلالة النقل عليه رجع إلى ما حرّرناه في المقام الثاني و إن أريد الطّلب و الإلزام الفعليّين كما هو الظاهر من البيان المذكور فظاهر و السّقوط و ذلك لأنّ التحرير المذكور يتصوّر حينئذ على وجهين الأول أن يكون النّزاع في أن العقل إذا أدرك أنه تعالى أراد فعل كذا في نفس الأمر و الواقع فهل يحكم أيضا بأنه أمر به فيما قررّه من الشريعة أو لا الثاني أن يكون النّزاع في أن العقل إذا أدرك مطلوبه و مراده فهل يدرك أن الواقع أيضا على حسب ما أدركه أو لا بل يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما أدركه و كلا الوجهين متضح الفساد أمّا الأول فلأنه إنما يتصوّر المنع فيه على ما ذهب إليه الأشاعرة من أنّ مدلول الأمر يغاير الإرادة و لا يستلزمها و أمّا على ما ذهب إليه الإماميّة و غيرهم من أنه عينها أو يستلزمها فلا يعقل الانفكاك فلا يتصوّر النزاع و أمّا الثاني فلأنّ إدراك العقل للمطلوب إن كان ظنيا فلا معنى لعدم تجويز المخالفة للواقع و إن كان قطعيّا فلا معنى لتجويز مخالفته له هذا إن اعتبر التجويز بالنظر إلى عقل المدرك كما هو الظاهر و إلاّ فلا ريب في أنّ ظن أحد بالحكم أو قطعه به لا يوجب من حيث إنه كذلك ظن غيره أو قطعه به إذا تقرّر هذا فالحق عندي في المقام الأول أن لا ملازمة عقلا بين حسن الفعل و قبحه و بين وقوع التكليف على حسبه و مقتضاه و إنما الملازمة بين حسن التكليف بالفعل أو الترك و بين وقوعه نعم جهات الفعل من جملة جهات التكليف فقد يقتضي حسن الفعل أو قبحه حسن التكليف به أو تبركه و قد لا يقتضي المعارضة جهة أخرى في نفس التكليف هذا إذا أريد بالملازمة الواقعية منها و لو أريد بها الملازمة و لو بحسب الظاهر فالظاهر ثبوتها لكن المستفاد من كلمات القوم إرادة المعنى الأول و سنشير إلى المعنى الثاني في أثناء المبحث و ربما يظهر من بعض المحققين موافقته لنا في الذهب و أمّا في المقام الثاني‏

فالحق ثبوت الملازمة في الظاهر و عدم ما يدل على عدمها في الواقع قلنا في المقام الأول دعويان لنا على أولهما أمور الأول حسن التكليف الابتلائي فإنّ الضّرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده بما لا يستحق فاعله من حيث إنه فاعله المدح في نظره استخبارا

338

لأمر العبد أو إظهار الحالة عنده غيره و لو كان حسن التكليف مقصورا على حسن الفعل لما حسن ذلك و اعترض عليه بعض المعاصرين أولا بأنّ نفس الابتلاء أيضا مصلحة و إن لم يكن في نفس الفعل مصلحة و ثانيا بأن المراد بالأمر قد يكون محض الامتحان كحكاية إبراهيم (عليه السلام) فالمصلحة حينئذ إنما هو في الامتحان لا في الفعل و ثالثا بأن تخصيص فعل بالامتحان دون غيره يستدعي جهة مقتضية و مصلحة معيّنة و إن لم يدركه عقولنا دفعا للترجيح بلا مرجح ثم قال و بالجملة العقل تابع لما أفاده الشارع فإذا اطلع على طلبه للفعل من حيث هو هذا الفعل حكم بحسن طلبه كذلك و إذا اطلع على طلبه من حيث الامتحان حكم بحسن طلبه من حيث الامتحان أقول أمّا الاعتراضات التي أوردها على الدّليل المذكور فواضحة السقوط أمّا الأول فلأنّ الابتلاء ليس من مصالح الفعل بل من مصالح الأمر و التكليف فإن تحمل المشاق من حيث كونه تحمل المشاق ممّا لا حسن له و إنّما الحسن في التكليف و الإلزام به في مقام يحسن فيه الاختبار لا يقال موافقة التكليف أيضا جهة من جهات الفعل و مصلحة من مصالحه بل راجحة على بقية جهاته و مصالحه لما فيه من استجلاب منفعة الثواب و دفع مضرّة العقاب الراجح على سائر الجهات و الآثار المترتبة عليه فبطل قولكم لا مصلحة في نفس الفعل أو الترك أو لا جهة مقتضية لأحدهما لأنا نقول ليس الكلام في الجهات المتفرعة على التكليف بل في الجهات التي يتفرع عليها التكليف و ليس منها الجهات المذكورة و إلا لدار فإن قلت المراد بجهات الفعل ما يتناول جهات التكليف أيضا ككونه مما يحسن التكليف به فيسقط الدليل و لا يلزم المحذور لأنّ تلك الجهات مغايرة للتكليف و سابقة عليه قلت حسن التكليف حينئذ لا يقتضي حسن الفعل بالعقل إلاّ بواسطة صدور التكليف فيلزم على مقالة الخصم توقف صدور التكليف على حسن الفعل المتوقف على صدور التكليف و هو الدّور و إن أريد الحسن الثاني خرج عن محل البحث و لا كلام لنا فيه كما مرّ فإن قيل التكليف الاختياري المقصود به استعلام حال العبد بالعصيان و الطّاعة إذا تعلق بفعل فلا بد أن يتعلق به بقصد الامتثال لئلا يفوت الحكمة الباعثة على التكليف أعني الاختبار فإنّ موافقة الأمر و النهي لا بقصد الموافقة لا يتحقق الاختبار فالمقصود بتلك التكاليف حقيقة إنما هو امتثالها و لا دور لأنّ وجود المأمور به مثلا موقوف على وجود الأمر و وجوده موقوف على تعقل المأمور به أعني الفعل المقصود به موافقة الأمر لا على وجوده و إلا لزم طلب حصول الحاصل و أمّا بحسب التعقل فهما متلازمان لأنهما متضايفان و هو واضح و حينئذ فقضيّة القول بالملازمة أن يكون للامتثال جهة محسنة له عقلا مع قطع النظر عن الشرع و هو كذلك ضرورة أنّ امتثال أوامره تعالى و نواهيه حسن عند العقل و إن قطع النظر عن حسنه الشرعي فلا يتم النقض قلنا حقيقة الامتثال هو الإتيان بالفعل أو الترك لموافقة التكليف المتعلق به فعلا فيتوقف إمكانه في حق المكلف على تحقق التكليف فيتوقف اتصافه بالحسن أيضا عليه لامتناع تحقق الصّفة بدون الموصوف فحسنه متفرع على وقوع التكليف فلا يكون التكليف متفرعا على حسنه على أنه لو تم الوجه المذكور لثبت به المدعى أيضا إذ حسن الامتثال لا يختصّ بالأفعال الحسنة و هو يوجب بطلان الملازمة و أمّا الثاني فلأنّ المراد بالمراد بالأمر إن كان هو الغرض الداعي إلى الأمر فهو التزام بمقالتنا و ليس فيه ما ينافيه و إن كان المراد به المطلوب بالأمر أعني المأمور به كما يقتضيه التفريع فواضح الفساد لأن إبراهيم (عليه السلام) لم يأمر بالامتحان كيف و الامتحان من لوازم صدور التكليف الابتلائي سواء فعل المأمور أو لم يفعل إذ على التقديرين ينكشف حاله بالإطاعة و المعصية فيحصل الاختبار و الامتحان و إن أراد أن المطلوب منه مجرّد امتحان ولده إسماعيل (عليه السلام) و أنه راجح فمع عدم مساعدة سياق الآية عليه مما لم يذهب إليه ذاهب و مع ذلك فلا تعلق له بالمقام كما لا يخفى و أمّا الثالث فلأن تخصيص فعل بالامتحان دون فعل لا يستدعي وجود مصلحة فيه بمعنى كونه مما يستحق فاعله المدح من حيث كونه فاعله بل يستدعي كونه ممّا يتأتى به الامتحان على القدر المقصود و هو يتبع مقدار مشقة الفعل و كلفته المراعى باستعداد المكلف و أهليته فيجوز أن يكون تخصيص بعض الأفعال لحصول القدر المقصود من الامتحان به دون غيره و لو قدر هناك أفعال متساوية في ذلك جاز تعيين البعض بناء على جواز الترجيح بلا

مرجح و نلتزم على تقدير المنع بلزوم التكليف بالجميع على وجه التخيير أو نقول لا بدّ من سبق البعض بالذكر فيستغنى به عن ذكر الباقي و أمّا ما ذكره أخيرا من قوله و بالجملة فهو مخالف لما قرره أولا من أن حسن التكليف تابع لحسن الفعل إذ محصل كلامه هذا أن التكليف منه تعالى لا يقع إلا إذا كان حسنا و هذا حق لا ينافي ما قررناه الثاني التكاليف التي ترد مورد التقية إذا لم يكن في نفس العمل تقية فإنّ إمكانها بل وقوعها في الأخبار المأثورة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مما لا يكاد يعتريه شوب الإنكار و إن منعنا وقوعه في حقه تعالى بل و في حق النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) أيضا فإنّ تلك التكاليف متصفة بالحسن و الرّجحان لما فيها من صون المكلف أو المكلف عن مكائد الأعادي و شرورهم و إن تجرد ما كلف به عن الحسن الابتدائي و طريانه بعد التكليف من حيث كونه امتثالا و طاعة لا يقدح في ذلك لأن الكلام في الجهة المتفرّع عليها التكليف لا الجهة المتفرع على التكليف و ليس التكليف هناك بالمصلحة كما توهم مثله في الاختبار لأنها من لوازم التكليف كالاختبار دون العمل و ليس التكليف حينئذ صوريا محضا مجرد ألفاظه عن إرادة المعنى لبعده عن مظان الاستعمال مع أنّ التكليف في الحقيقة

339

على حسب مؤدى تلك الألفاظ عند جهل السّامع بخلافها فلا باعث على صرفها عن ظاهرها و تجريدها عن معانيها مع صحة إرادتها نعم يمكن إخراج ذلك عن موضع النزاع بتخصيصه بتكاليفه تعالى أو مع تكاليف النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و لا يتطرق التقية هناك الثالث أنّ كثيرا من الأحكام المقررة في الشريعة معلّلة في الحقيقة و لو بحسب الظنّ أو الاحتمال بحكم غير مطردة في جميع مواردها و مع ذلك فقد حافظ الشارع على عمومها و كليتها حذرا من الأداء إلى الإخلال بموارد الحكم كتشريع العدة لحفظ الأنساب من الاختلاط حيث أثبتها الشارع بشرائطها المقررة على سبيل الكلية حتى مع القطع بعدم النسب أو بعدم الاختلاط كما في المطلقة المدخول بها دبرا أو مجرّدا عن الإنزال و الغائب عنها زوجها أو المتروك وطئها مدة الحمل و غير ذلك فإنه لو جعل المدار في ذلك على العلم أو الظن بعدم النّسب أو عدم الاختلاط لأدّى إلى تفويت الحكمة و حصول الاختلاط في كثير من الموارد بالتلبيس أو الالتباس و كذا الحال في تشريع غسل الجمعة لرفع رياح الآباط مع ثبوت استحبابه مع عدمها و كراهة الصّلاة في الحمام لكونه مظنة للرشاش و في الأودية لكونها مظنة لمفاجاة السّيل مع ثبوتها عند القطع بعدمهما إلى غير ذلك فهذه الأمور فعلا أو تركا و إن كان حسنها الابتدائي مقصورا على الموارد التي تشتمل على الحكم و قضية ذلك حسن التكليف بتلك الموارد خاصة لكن لما كان في تعميم التكليف حكمة كمال المحافظة على موارد الحكم حسن تعميم التكليف فحسن الفعل في الموارد التي يتجرّد عن الحكمة من جهة التكليف و ليس حسن التكليف من جهته و إلا لدار ثم ما ذكرناه من أن الأحكام المذكورة معللة بتلك الحكم فقط إن لم يكن مظنونا فلا أقل من كونه محتملا و هو كاف في إثبات ما أردناه من نفي الملازمة إذ تجويز العقل ذلك ينافي حكمه بالملازمة فإن قلت يمكن تقرير هذا الدليل أيضا بالنسبة إلى أكثر القواعد المقررة و الضّوابط الممهّدة في الشريعة المقدّسة فإنها ممّا قد تتخلف عن مؤداها و تفارق مقتضاها و مع ذلك فقد قررها الشارع على سبيل العموم و الكلية كوجوب العمل بخبر الواحد و الاستصحاب و شهادة العدلين و الأخذ بظاهر اليد و إقرار الكامل المختار و غير ذلك مما يقطع بتخلفه عن إصابة الواقع و لا ريب أن العمل بتلك الضوابط إنما يحسن ابتداء مع إصابة الواقع فإنّ الحكم بمقتضى شهادة الزور و إبقاء المرتفع و ملكية اليد العادية و إقرار الكاذب قبيح لكن بعد ملاحظة تعذر الوصول إلى الواقع غالبا و كون تلك الضوابط من الأمارات الموصلة إليه في الغالب يحسن عند العقل تأسيس تلك الضّوابط و يحسن التكليف بالعمل بها حتى في مواضع التخلف مع عدم العلم به لا لحسن العمل بها فيها بل لتحصيل فوائدها في صورة الإصابة كما هو الغالب فحسن العمل بها في مواضع التخلف إنما هو بعد تعلق التكليف بها من جهته قلت ليس شي‏ء من ذلك مما نحن فيه لاتصاف العمل بالجميع فيها بالحسن الابتدائي مع قطع النظر عن التكليف غاية ما في الباب أن الحسن في غير الحسن منها لنفسه غيري نظرا إلى اشتباه الراجح منها بغيره مع غلبته جهة الرجحان و ليس فيه منافاة لما ذكروه الرابع الأخبار الدالة على عدم تعلق بعض التكاليف بهذه الأمة رفعا للكلفة و المشقة عنهم كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك فإن وجود المشقة في الفعل قد يقدح في حسن الإلزام به و إن لم يقدح في حسن الفعل و ذلك حيث لا يكون هناك ما يحسن الابتلاء و لا يكون في الفعل مزيد حسن بحيث يرجح الإلزام به مع المشقة كما في الجهاد فالفعل الشاق قد يكون حسنا بل واجبا عقليا لكن لا يحسن الإلزام به لما فيه من التضييق على المكلف مع قضاء الحكمة بعدمه الخامس الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة ثبت الأحكام العقلية في حقه كغيره من الكاملين و مع ذلك لم يكلفه الشارع بوجوب و لا تحريم لمصالح داعية إلى ترك تكليفه بهما من التوسعة عليه و حفظ القوانين الشرعية عن التشويش و عدم الانضباط السّادس أنّ جملة من الأوامر الشرعية متعلقة بجملة من الأفعال مشروطة بقصد القربة و الامتثال حتى إنها لو تجردت عنه لتجردت عن وصف الوجوب كالصّوم و الصّلاة و الحج و الزكاة فإنّ وقوعها موصوفة بالوجوب الشرعي أو رجحانه مشروط بنية القربة حتى إنها لو وقعت بدونها لم تتصف به مع أنّ تلك الأفعال بحسب الواقع لا تخلو إمّا أن تكون واجبات‏

عقلية مطلقا أو بشرط الأمر بها و وقوعها بقصد الامتثال و على التقديرين يثبت المقصود أمّا على الأول فلحكم العقل بوجوبها عند عدم قصد الامتثال و حكم الشارع بعدم وجوبه و أمّا على الثاني فلانتفاء الحسن قبل التكليف و حصوله بعده فلم يتفرع حسن التكليف على حسن الفعل و لنا على الثانية أنه إذا حسن التكليف و رجح وجب صدوره عنه تعالى لأنّ علمه و حكمته و غناه و قدرته تنافي وقوع خلاف ذلك منه سواء كان رجحانه رجحانا وجوبيّا أو ندبيّا و ربما توهّم بعض الناس أنّ وجوب الصّدور ينافي ندبية الفعل لأن الوجوب و الندب وصفان متضادان يمتنع تواردهما على محل واحد و منشأ هذا الوهم عدم الفرق بين الوجوب بمعنى ما يستحق تاركه الذم و بينه بمعنى ما يمتنع عدمه فالندبية إنما تنافي الوجوب بالمعنى الأول و المعتبر في المقام إنما هو المعنى الأخير فقد اتضح مما حققنا أنه لا بد في إدراك العقل موافقة حكم الشارع واقعا لما أدركه من جهات الفعل من أن يدرك جهة التكليف و أن ليس فيها ما يصلح لمعارضة جهات الفعل و أنه لا يكفي مجرد إدراك جهات الفعل نعم قد يدرك العقل إجمالا أن ليس في‏

340

التكليف ما يصلح لمعارضة جهات الفعل فيدرك موافقة حكم الشارع لما أدركه من الجهات و لنا على المقام الثاني أنّ احتمال كون التكليف أو حسنه مشروطا ببلوغه بطريق سمعي مع إمكان دعوى كونه مقطوع العدم في بعض الموارد ممّا لا يعتدّ به العقل في إهمال ما أدركه من الجهات القطعية لظهور أن الاحتمال لا يعارض اليقين لا سيّما إذا كان بعيدا و ليس في السمع ما يدل على هذا الاشتراط لما سنبيّنه من بطلان ما تمسّك به الخصم و عدم قيام دليل صالح له سواه و يدل عليه ظاهر قوله تعالى يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث و غير ذلك مما يأتي و من هنا يتضح أنه لو جهل العقل جهات التكليف و أدرك جهات الفعل حكم في الظاهر بثبوت التكليف عملا بعموم الآيات و ما في معناها من الأخبار و لأن قضية جهات الفعل وقوع التكليف على حسبها إن لم يعارضها مانع و لا يكفي احتماله إذ المحتمل لا يصلح في نظر العقل لمعارضة المقطوع به و قريب منه ما لو أدرك العقل بعض جهات الفعل المقتضية لحسنه أو قبحه و شك في وجود جهة فيه تعارض تلك الجهة فإنه يحكم بثبوت التكليف على حسبها و لا يعتد باحتمال الجهة المعارضة إما لأصالة عدمها أو لحكم العقل بقبح الفعل أو الترك و الحال هذه حكما واقعيا و إن كان مبناه على الظاهر و لهذا يستحق الذم عليه في حكمه و إن انكشف بعده وجود الجهة المعارضة فيه فإنّ ارتكاب القبيح الظاهري قبل انكشاف الخلاف قبيح واقعي كالحرام الظاهري أ لا ترى أن من علم بوجود السم في أحد الإناءين فتجري على تناول أحد من غير ضرورة مبيحة أنه يستحق الذم بذلك عقلا و أن يبيّن بعد ذلك أنّ الذي تناوله لا سم فيه و حينئذ فيرجع هذا القسم إلى القسم السّابق و يتناوله أدلته و من هذا الباب حكم العقل بحرمة قتل الكافر و الزاني بذات المحرم و ما أشبه ذلك قبل ورود الشرع و إذا ثبت عندك مما حققناه انتفاء الملازمة الكلية بحسب الواقع بين حكم العقل و الشرع فاعلم أنّ ذلك يتصوّر إمّا بالأمر بالحرام الفعلي و لو ندبا و النهي عن الواجب الفعلي و لو تنزيها أو ندب واجبه أو كراهة محرمه أو بالعكس أو التكليف بأحد الأحكام الأربعة في مباحه أو إباحة ما لا يبيحه العقل أو إخلاء الواقعة التي حكم العقل فيها بحكم عن جميع الأحكام أما القسمان الأولان فلا ريب في امتناعهما بالقياس إلى الحكم الواقعي و مما يدل عليه قوله تعالى قل إنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء و قريب من ذلك النّهي عن المندوب العقلي و الأمر بالمرجوح العقلي بكلا نوعيهما و أمّا البواقي فمحتملة و إن كان قضيّة ما قررنا وقوع بعضها حجة القول بالملازمة أمور الأول الضرورة قال بعض المعاصرين معنى كون ما يستقل به العقل دليل حكم الشرع هو أنه كما أنه من الواضح أن العقل يستقل بالحكم على بعض الأفعال بأنه حسن بمعنى أن فاعله يستحق المدح من حيث كونه فاعله و منها ما هو قبيح بمعنى أنّ فاعله يستحق الذم من حيث إن فاعله كذلك من الواضح أن العقل يستقل بالحكم على بعض الأفعال بأنه مما ألزم اللّه عباده بفعله و لا يرضى بتركه كرد الوديعة و على بعضها بأنه مما ألزم الله بتركه و لا يرضى بفعله كالظلم فظهر أن استقلال العقل بكل من الأمرين أمر واضح هذا محصّل كلامه و ليس بيانه على ما ينبغي لقصوره عن إفادة الملازمة و وضوحها كما هو المدعى و إنما مفاده وضوح الحكم بكل من الأمرين على ما يقتضيه العنوان بل الوجه أن يقال كما أنه من الواضح أن العقل يستقل بالحكم على بعض الأفعال بأنه حسن أو قبيح عقلا كذلك من الواضح أنه يستقل بالحكم على ما هو حسن عنده أنه حسن عند الشارع و مطلوب له و ما هو قبيح عنده أنه قبيح عند الشارع و مبغوض له و هذا كما ترى إنّما يقتضي وضوح الملازمة عند العقل و هو واف بإثبات المطلوب إن تم و الجواب عنه واضح ممّا مر لأنا لا نسلم أنّ العقل يدرك موافقة حكم الشارع و تكليفه لما أدركه من جهات الفعل مطلقا بل من حيث يدرك انتفاء ما يمنع منه في نفس التكليف و لو إجمالا كما سبق و ادّعاء الضرورة على خلاف ذلك غير مسموع نعم ينهض ذلك دليلا في مقابلة من أنكر دلالة العقل رأسا الثاني إجماع علمائنا الإمامية بل و غيرهم أيضا من أكثر فرق الإسلام و سائر أرباب المذاهب‏

و الأديان على أن من جملة أدلة الأحكام العقل و لهذا تراهم يقسمون الأحكام إلى ما يستقل بإثباته العقل و ما لا يستقل و يمثلون للقسم الأول بوجوب قضاء الدين و رد الوديعة و حرمة الظلم و غير ذلك و يدل عليه أيضا قولهم في الكتب الكلامية بوجوب اللطف على اللّه تعالى حيث فسروا اللطف بما يقرب من الطاعة و يبعد عن المعصية و جعلوا منها إرسال الرّسل و إنزال الكتب و تبليغ الأحكام فلو لا قولهم بثبوت بعض الأحكام مع قطع النظر عن الشرع لم يستقم جعل تلك الأمور من باب اللطف بالمعنى الذي ذكروه إذ لا طاعة و لا معصية حينئذ حتى يصدق عليها أنها مقربة إليها أو مبعدة عنها و على تقدير ثبوته بدونه لا يكون إلا بطريق العقل و هو المقصود و الجواب أنّ هذا البيان لا يقتضي قيام الإجماع على ثبوت الملازمة و إنما يقتضي قيامه على إدراك العقل لبعض الأحكام و هذا ممّا لا نزاع لنا فيه كما تبيّن من بياننا المتقدم نعم ينهض ذلك حجة على من أنكر دلالة العقل رأسا الثالث لا ريب في أنّ العقل بفطرية مجبول على استحباب ما أدرك حسنه و الإلزام بفعله و استكراه ما أدرك قبحه و الإلزام بتركه و ليس ذلك لخصوصية في ذات العقل بل ذلك شأن كل من انكشف له الواقع حق الانكشاف و أدرك الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر و تنزّه عن الأغراض و الدّواعي الفاسدة و استقام ذاته و فطرته و على هذا فمتى أدرك العقل حسن شي‏ء أدرك علم الشارع به و

341

و استحبابه له و إذا أدرك قبحه أدرك علم الشارع به و استكراهه له و لا نعني بالحكم الشرعي الاستحباب الشارع للشي‏ء المنقسم إلى استحباب إيجابيّ و ندبيّ و استكراهه المنقسم إلى استكراه تحريميّ و تنزيهيّ فاستقلاله بإدراك أحد الأمرين يوجب استقلاله بإدراك الآخر و ذلك لما ثبت عندنا من أن الأمر عبادة عن إرادة الفعل من المكلف و النهي عبارة عن إرادة الترك منه و الجواب ظاهر مما مرّ فإنا لا نسلم أن حسن الشي‏ء أو قبحه يستلزم وقوع الإلزام بفعله أو تركه من كل مكلف حكيم و إنّما يسلّم ذلك في حق من ليس له سلطان المالكية و لا تملك المجازات بالإنعام و الانتقام كالعقل فإن حكومته في الأفعال حكومة إرشاد و هداية لا حكومة سياسة و سلطنة و لهذا لا يستحق الذم من يخالف العقل من جهة مخالفته لأمر العقل أو نهيه بل من جهة علمه بقبح الفعل و ارتكابه له و أمّا من كان له رتبة السّياسة و السّلطنة فلا بدّ أن يراعي في أحكامه الحكم التي يناسب نظام السّياسة و يحسن مراعاتها في القيام بوظائف السّلطنة فقد يتوقف انتظام أمر السياسة على رفع التكليف إلى أمد معلوم كزمان البلوغ و إن حصّل عقل التكليف قبله أو على اعتبار طريق في تعيين مورد الحسن و القبح غير العلم لكونه أولى عنده من إناطة الحكم به أو ما أشبه ذلك و قد يقتضي مقام السّياسة اختبار العبد بالإلزام ببعض الأعمال التي يحسن اختباره بها و إن تجردت في نفسها عن صفة الحسن و قد يقتضي منعه عن تناول بعض المآكل اللذيذة المباحة عقلا مجازاة له على بعض الأعمال القبيحة كقوله تعالى في تحريم الشحوم على اليهود ذلك جزيناهم ببغيهم إلى غير ذلك فإن شيئا من هذه الجهات مما لا سبيل للعقل إلى اعتباره بالنسبة إلى أحكامه الرابع الأمر بالقبيح قبيح عند العقل كالنهي عن الحسن فيمتنع صدوره عنه تعالى لعلمه و حكمته و تعاليه عن شوب الحاجة و النقصان لا يقال لا يلزم من ذلك وقوع الأمر بالحسن و النهي عن القبيح ليتم الملازمة لجواز خلو الواقعة عن الحكم رأسا فإنّ الحكم أمر جعلي و يجوز أن لا يكون للشارع في خصوص واقعة جعل أصلا لأنا نقول هذا الاحتجاج مبني على ما ثبت عندنا بالأخبار و الآثار من أنّ للّه تعالى في كل واقعة حكما معيّنا بيّنه لنبيّه (صلى اللَّه عليه و آله) و بيّنه النّبي لأوصيائه (عليه السلام) فالأحكام كلها مقررة عندهم مخزونة لديهم و ليس في الواقع واقعة خالية عن الحكم و يمكن التمسّك في دفع ذلك أيضا بما مرّ في الدليل السّابق إلا أنه يخل بتعددهما و الجواب عنه أيضا ظاهر مما مرّ فإنّا نلتزم بقبح الأمر بالقبيح و النهي عن الحسن في حقه تعالى كما مر لكن لا يثبت بمجرّد ذلك الملازمة الكلية بين العقل و الشرع كما عرفت الخامس الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر وجه الدلالة إن عدل كلّ شي‏ء وسطه و مستقيمة فعدل الأفعال مستقيمها و مستحسنها عقلا و قضية تعلق الأمر به و عدم انفكاك حسن الفعل عن أمر الشارع به و الفحشاء كالمنكر عبارة عن ما هو قبيح عقلا و قضيّة النّهي عنه عدم انفكاك قبح الشي‏ء عن النهي الشرعيّ و لو عمّمنا الألفاظ الثلاثة إلى الترك لدل كل من الفقرتين على كل من الحكمين و قوله تعالى قل إنما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن فإنّه يدل على أن كل قبيح عقلي محرّم شرعا و لو عمم الفواحش إلى التروك دل على أن كل واجب عقلي واجب شرعا و في هذه الآية دلالة على حصر المحرّمات الشرعية في القبائح العقلية و قوله تعالى يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحلّ لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث و وجه الدلالة أن المعروف هو الحسن العقلي و المنكر هو القبيح العقلي و قضية الأمر بالأول و النهي عن الثاني عدم الانفكاك في المقامين و جعل بعض أفاضل المتأخرين موضع الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى و يحلّ لهم الطيّبات و يحرم عليهم الخبائث و وجه الاستدلال به أنّ الطيب ظاهر فيما حسن فعله و الخبيث فيما قبح فعله فيستفاد حلية كل حسن و حرمة كل قبيح و قوله تعالى و لتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و قوله تعالى و أمر بالعرف و أمثال ذلك و وجه الاستدلال بها ما مر و الجواب من وجهين الأول أن هذه الآيات لا تساعد على إثبات الملازمة الكلية أمّا الآية

الأولى فللمنع من كون المراد بالعدل ما يقابل القبيح بل ما يقابل الظلم تنزيلا للفظ على معناه المتبادر الظاهر سلّمنا لكن لا أقل من تكافؤ الاحتمالين فلا يتم الدلالة سلمنا لكن لا عموم في العدل فإنه مفرد معرّف و هو ظاهر في الجنس و لا دلالة لها أيضا على الحصر فيجوز الانفكاك من الجانبين مع أن الأمر ظاهر في الإيجاب و العدل بالمعنى المذكور يتناول المندوب فإن حملا على ظاهرهما دل على خلاف المقصود و إن حمل الأمر على مطلق الطلب أو العدل على الحسن الواجب فمع كونه احتمالا لا شاهد عليه غير مفيد لعدم إفادته المساواة على الأول و عدم شموله للمندوب على الثاني و بهذا يظهر الكلام في بقية الآيات فإنّ المراد بالفحشاء و المنكر إن كان ما يختصّ بالقبيح المحرّم كما هو الظاهر لم يتناول الآية حكم المكروه فلا يتم المقصود و إن كان ما يتناول المكروه فإن حمل النهي على ظاهره من التحريم دل على خلاف المقصود و إن حمل على الأعم منه و من الكراهة فمع عدم قرينة عليه لا يفيد المساواة بين حكم العقل و الشرع كما هو المدعى مع أنها لا تفيد الحصر فيجوز تعلق النهي بغير القبيح للاختيار و الامتحان و غير ذلك و من هذا البيان يظهر الكلام في دلالة الآية الثانية و الثالثة و أما الاستدلال بقوله تعالى يحلّ لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث فضعيف لأنه ظاهر في تحليل الطيب من المأكول و الخبيث منه لا تحليل الفعل الحسن و

342

و تحريم الفعل القبيح و لو سلّم فلا دلالة له على مساواة الحكم الشرعي للجهة العقلية مع أن هذه الآية وردت بيانا لأوصاف نبيّنا (صلى اللَّه عليه و آله) كما يدل عليه ما قبلها فلا يدل على تعميم الحكم إلى سائر الشرائع و أمّا الآية الرابعة فمع ورود بعض المناقشات المتقدمة فيها يمكن حمل المعروف فيها على الواجبات الشرعية و المنكر على المحرمات الشرعية فلا يدل على المقصود و هذا الاحتمال و بما يتأتى في الآية الثالثة أيضا و ممّا مرّ يظهر وجه المناقشة في الآية الأخيرة الثاني أن هذه الآيات لو سلم دلالتها على المقصود كما هو الظاهر من سياقها بعد ضمّ بعضها إلى بعض و ملاحظتها بجملتها فلا ريب في أنها إنما ثبت بها ما ادّعيناه من الملازمة الظاهريّة دون الواقعية فإنّ العام اللفظي مما يقبل التخصيص عند قيام دليله السّادس الأخبار الواردة في باب العقل و الجهل فإنها تدل على أنّ العقل ممّا يثاب و يعاقب به و على أنّ العقل ممّا يكتسب به الجنان و ذلك كلّه دليل على حجية مدركاته و الجواب أن المفهوم من تلك الأخبار أنّ الثواب و العقاب لا يتحققان بدون العقل و هو ممّا لا كلام فيه و إمّا أن العقل يستقل بإدراك الأحكام الشرعية أو أنّ الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع متحققة فما لا شعار لتلك الأخبار بذلك كما لا يخفى احتج المنكرون للملازمة أيضا بوجوه الأول قوله تعالى و ما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا فإنّه يدل على نفي التعذيب قبل البعثة فلا وجوب بدونها شرعا و لا حرمة و الجواب أما أولا فبأنّ نفي التعذيب لا يقتضي نفي الاستحقاق و المعتبر في تحقق الوجوب و الحرمة إنما هو استحقاق العقاب لا وقوعه و اعترض عليه بوجهين الأول أنّ الحرام الشرعي هو ما يجوز المكلف العقاب على تركه و لا تجويز مع إخباره تعالى بالعدم و فيه أنّه خروج عن محل النزاع لما عرفت من أنّ الكلام هنا في الواجب و الحرام الشرعيّين بمعنى ما يستحق فيهما العقاب تركا أو فعلا كما هو معناهما المعروف لا غير بل المعترض المذكور أيضا قد فسرهما قبل الاستدلال بذلك إلا أنه التجاء إلى اختراع هذا المعنى هنا تفصيا عن الاتكال المذكور و تخلصا منه على أنّ الحد الذي ذكره منقوض بالصّغائر حيث ورد الوعد بالعفو عنها فلا تجويز معه للعقاب مع أنه داخل في نوع الحرام قطعا الثاني أنّ الواجب الشرعي ما يوجب فعله الثواب من حيث إنه طاعة و تركه العقاب من حيث إنه معصية و على قياسه الحرام الشرعي و إخباره تعالى بنفي التعذيب يوجب إباحته للفعل فلا يتحقق هناك طاعة و لا معصية فلا يتحقق وجود و لا حرمة و الجواب عنه ظاهر ممّا مرّ لأنه إن أريد أنّ الواجب الشرعي أو حرامه ما يوجب ترتب العقاب على الترك أو على الفعل أو تجويز ترتبه عليه فممنوع كما مرّ و إن أريد أنه ما يوجب استحقاقه فمسلّم لكن لا نسلم أنّ نفي التعذيب يدل على نفيه أو يوجب الإباحة كما عرفت في الصّغائر فاستحقاق العقاب من حيث المخالفة و المعصية لا تنافي عدم وقوعه بإخباره تعالى تفضّلا منه على عباده و أمّا ثانيا فبأنّ غاية ما يقتضيه الآية عدم التعذيب قبل البعثة و هو لا ينافي وقوعه بعدها إذ لا ريب أنّ المقصود بهذا البحث إنما هو بيان الحال بالنسبة إلى هذه الأمة حيث لا غرض لنا بالبحث عن أحوال غيرهم و ظاهر أنّ البعثة متحققة في حقهم مع وصول كثير من الأحكام إليهم تفصيلا و وصول الباقي إجمالا مستفادا ممّا دل على أنه ما من واقعة إلا و لها حكم مخزون عند أهله فلا يقتضي نفي التعذيب بالنسبة إليهم غاية ما في الباب أن يدل على نفي التعذيب في حقّ من لم يتحقق في حقه البعثة كأهل الصّدر الأول على مذهب العامة و مع ذلك لا تدل على نفي حجية العقل بالنسبة إليهم لجواز أن يكون عقولهم قاصرة عن الاستقلال بشي‏ء من الأحكام و أمّا على ما ذهب إليه الخاصّة من عدم خلوّ زمان عن البعثة فيجوز أن يكون المراد أن التعذيب إنما كان بعد البعثة و إتمام الحجة و إكمالها فيكون مسوقة لبيان مزيد استحقاقهم و تناهيهم في العتو لا أنه لو لم تقع البعثة لم يقع التعذيب و نظيره شائع في الاستعمال إلا أنّ فيه خروجا عن الظاهر و أمّا ما يقال من أنّ المراد ببعث الرّسول بعثه بالبيان التفصيلي و تبليغه إيّاه إلى المكلفين لا البيان الإجمالي و إن قام العقل ببيان التفصيلي فمجرّد احتمال لا يتم به الاستدلال لجواز أن يكون المراد

بغتة بالبيان في الجملة بل ربما كان هذا أوفق بظاهر الإطلاق فإن استبعد ذلك من حيث إن لا مدخل في جواز التكليف بالأحكام التي يستقل العقل بها لتبليغ غيرها من الأحكام لدفعناه بأنه لا ريب في إدراك العقل فيما يستقل به ممّا يتكامل و يتقوى بعد البعثة و التبليغ و لو في غيره لاستئناسه حينئذ بالشرع في الجملة و علمه بأنه تعالى لم يهمله في أفعاله فلا غرو في أن يكون لمثل ذلك مدخل في التعذيب على أنا نقول حال العقل الكاشف عن الحكم المعلوم إجمالا حال الإجماع و الضّرورة و السّيرة الكاشفة عنه فهما بمنزلة الواحدة في الكشف فإن قلت هذه كاشفة عن صدور البيان عن المعصوم بطريق القول أو الفعل أو التقرير إذ لا بدّلها من مستند يرجع إلى أحد هذه الأمور قلنا فالعقل أيضا كاشف عن بيانه (صلى اللَّه عليه و آله) في الجملة و لو لأوصيائه للأخبار الدالة على أنّ جميع الأحكام مخزونة عند أهله إلى الأئمة (عليهم السلام) بإملائه و تعليمه فالعقل الكاشف عن الحكم كاشف عن هذا البيان أيضا غاية ما هناك من الفرق أن الإجماع و أخويه تكشف أولا عن البيان ثم عن الحكم فالعقل يكشف أولا عن الحكم ثم عن البيان بملاحظة تلك الأخبار و هذا لا يصلح فارقا في اندراج تلك المدارك في الآية دون العقل و أمّا ثالثا فبأن الآية على بيانهم إنما يقتضي نفي الوجوب و الحرمة إذ لا تعذيب في البواقي فلا يقتضي نفيه نفيها و لعل الخصم يخصّ الدعوى بها أو يتمسّك في التعميم بعدم القول بالفصل و هو كما ترى و أجاب بعض المعاصرين عن أصل الحجة بأن الآية على تقدير تسليم دلالتها على‏

343

ما ذكروه ظنية و هي لا تصلح لمعارضة ما ذكرناه من الدليل القطعي فلا بد من تأويلها و صرفها عن ظاهرها و أمّا التخصيص أو تنزيلها منزلة الغالب أو يجعل بعثة الرّسول مجازا عن مطلق إتمام الحجة أو يجعل الرسول أعم من الرسول الظاهري و الباطني كما يرشد إليه ما ورد من أنّ لله حجتين حجة في الباطن و هو العقل و حجة في الظاهر و هو الرّسول و هذا الجواب عندي غير مستقيم على إطلاقه و ذلك لأن استلزام الحكم العقلي للحكم الشرعي واقعيّا كان أو ظاهريّا مشروط في نظر العقل بعدم ثبوت منع شرعي عنده من جواز تعويله عليه و لهذا يصحّ عقلا أن يقول المولى الحكيم لعبده لا تعوّل في معرفة أوامري و تكاليفي على ما تقطع به من قبل عقلك أو يؤدي إليه حدسك بل اقتصر في ذلك على ما يصل مني إليك بطريق المشافهة أو المراسلة أو نحو ذلك و من هذا الباب ما أفتى به بعض المحققين من أنّ القطاع الذي يكثر قطعه بالأمارات التي لا يوجب القطع عادة يرجع إلى المتعارف و لا يعول على قطعه الخارج منه فإن هذا إنما يصحّ إذا علم القطاع أو احتمل أن يكون حجية قطعه مشروطا بعدم كونه قطاعا فيرجع إلى ما ذكرناه من اشتراط حجية القطع بعدم المنع لكن العقل قد يستقل في بعض الموارد بعدم ورود منع شرعيّ لمنافاته لحكمة فعلية قطعية و قد لا يستقل بذلك لكن حينئذ يستقل بحجية القطع في الظاهر ما لم يثبت المنع و الاحتجاج بالآية على تقدير دلالتها إنما يقتضي منع حجية القسم الثاني و الجواب المذكور إنما يقتضي منع دلالتها على القسم الأول الثاني الأخبار الدالة على أن لا تكليف إلا بعد بعث الرسل ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة و ما دل على أنه على اللّه بيان ما يصلح الناس و ما يفسدهم و أنه لا يخلو زمان عن إمام معصوم ليعرّف الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم و ما دل على أنّ أهل الفترة و أشباههم معذورون و ما رواه الكليني في الصّحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال بني الإسلام على خمسة أشياء إلى أن قال أما إن رجلا لو قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه حق في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان و قوله (عليه السلام) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي فإن المستفاد منه دخول ما لا نص فيه في المباح مطلقا و الجواب أمّا عن الأول فبأن نفي التكليف قبل البعثة كما يصدق بثبوت زمان لا تكليف فيه على المكلفين الموجودين فيه كذلك يصدق بعدم خلوّ زمان من البعثة بل الثاني هو المتعين لما تحقق عندنا بالأخبار المستفيضة بل المتواترة من أنه لم يخل زمان عن وجود نبي أو وصيّ و البيّنة لا تختصّ ببيان الرّسل بل يتناول بيان العقل أيضا لا سيّما بعد تقرير الرّسل على حجيته و مع الإغماض عن ذلك فغاية ما يلزم عدم ترتب الهلاك و الحياة على مدركات العقل قبل كمال وضوح الحجة بتأكيد السّمع و هما أخصّ من ترتب العقاب و الثواب المستلزم لتحقق الحرمة و الوجوب و أمّا عن الثاني و الثالث فبأن وجوب البيان و التعريف لا ينافي ثبوت التكليف بدونهما حيث يستقل بإدراكه العقل و يمتنع من وقوع البيان و التعريف أو وصولها مانع فيكون البيان و التعريف فيما يستقل به العقل تأكيدا لا تأسيا مع أن بيانه تعالى كما يصدق ببيان أنبيائه و حججه كذلك يصدق ببيان العقل إذ يكفي في إضافة بيان العقل إليه تعالى كونه مقدرا إياه من الوصول و الإدراك كما يكفي مثله في إضافة بيان أنبيائه و حججه إليه و أمّا عن الرابع فبأنّ معذوريّة أهل الفترة لا تدلّ على عدم حجية مدركات العقل لجواز قصور عقول أهلها عن الاستقلال بإدراك شي‏ء من الأحكام إمّا لقصورها في حدّ ذاتها أو لعدم إلفها بالشريعة و مجرد احتمال إدراكهم لبعض الأحكام لا يكفي في صحة الاستدلال و أمّا عن الخامس فبأن المتبادر من أعماله الأعمال المذكورة سابقا من الصّوم و الصّلاة و الصّدقة و الحج لظهور الإضافة في العهد و ظاهر أن ليس للعقل مدخل في ذلك مع أن المدار ليس على مشاهدة الدلالة و الحضور عند وقوعها بل على الاطلاع عليها و لو بما يكشف عنها كالخبر و الإجماع و لا ريب أن العقل أيضا كذلك فإنه إذا كشف عن الواقع كشف عن وقوع‏

دلالة الولي إليه فإذا عمل به من حيث كونه دالا إليه كان عملا بدلالته على أن نفي الثواب لا يستلزم نفي العقاب و يكفي ثبوته في إثبات حقيقة الوجوب و التحريم و أمّا عن الرّواية الأخيرة فبأن الظاهر منها إباحة كل شي‏ء جهل حكمه بدليل قوله حتى يرد فيه نهي فإنّ التقييد بغاية ورود النّهي لا يلائم ما علم ورود النهي فيه ابتداء مع أنّ ورود النهي أعم من وصوله بطريق السمع فيتناول ما إذا ورد النهي و استكشفنا عنه بالعقل كما أنه يتناول ما إذا ورد و استكشفنا الإباحة عنه بالإجماع و الضرورة على أنّ الشي‏ء ظاهر في الفعل و النهي ظاهر في طلب تركه فتدل الرّواية على بقاء الشي‏ء على وصف الإطلاق و إن ورد أمر به و هذا غير مستقيم فلا بدّ من تقييد الشي‏ء بما لا يحتمل الوجوب فلا يتم الدلالة على تمام المدعى و يمكن تعميم النّهي إلى النهي عن الترك فيتناول القسمين و لكنّه بعيد نعم هذا الإشكال لا يتجه على رواية الشيخ فإن فيها أمرا أو نهيا و قد يجاب بأن ورود النّهي أعمّ من وروده بالعقل أو الشرع هو بعيد نعم لا يبعد أن يقال المفهوم عنه عرفا الأشياء التي لا يستقل العقل بإدراك حرمتها أو هو قريب إلى ما ذكرناه ثم من المتأخرين من بالغ في توجيه الاستدلال و الرواية فنزلها تارة على الأخبار على أنّ المعنى كل ما لم يرد من الشارع منع فيه و لم يصل إلينا فلا يحكم عليه بالمنع الشرعي و إن منع منه العقل لعدم إدراك العقل للعلة المقتضية لحكم الشرع فيبني على‏

344

أصالة البراءة حتى يصل النهي فدلت على أنه لا يصح الحكم بوجوب شي‏ء أو حرمته شرعا لحكم العقل بحسنه أو قبحه و أخرى على الإنشاء على معنى أن حكم كل ما لم يرد فيه نهي و إن أدرك العقل قبحه و اعترض عليه بعض المعاصرين بأنّ المعنى الأول أيضا إنشاء لحكم ما لم يرد فيه نهي بالمنع من الحكم بالمنع الشرعي إذ ليس وظيفة الإمام (عليه السلام) بيان الموضوعات من عدم جواز إطلاق الحرام الشرعي عليه في الاصطلاح بل وظيفته بيان الحكم فيرجع المعنى إلى أن ذلك ليس بحرام شرعي و يلزمه أن يكون مباحا فيرجع إلى المعنى الثاني و يتحد الوجهان و لا سبيل إلى الفرق بأن المراد على الأول إفادة الإباحة الظاهرية نظرا إلى أصل البراءة و على الثاني إفادة الإباحة الواقعية لأن جعل الحكم مغيا بغاية كما يدل عليه كلمة حتى تنافي الحمل على الإباحة الواقعية هذا محصّل كلامه و فيه نظر لأنّ الظاهر أنّ مراد المستدل بقوله لا يحكم عليه بالمعنى الشرعي لا يقع عليه الحكم بالمنع و هذا إخبار قطعا لاحتماله في نفسه المطابقة و عدمها لا يقال فيلزم الكذب لوقوع الحكم بالمنع من المخالفين في المسألة لأنا نقول المراد عدم وقوع الحكم الصحيح كما يدل عليه قوله ثانيا لا يصح الحكم و وقوع حكم الصحيح منهم ممنوع كيف لا و الكلام في نفي صحته فلا يلزم الكذب و الأظهر أن ينزل كلامه على أنّ قوله (عليه السلام) كل شي‏ء مطلق يحتمل أن يكون إخبارا عن الحكم الثابت للأشياء في الشرع قبل ورود النهي من الإطلاق و لو ظاهرا أو أن يكون إنشاء منه (عليه السلام) لذلك و هذان الوجهان يجريان أيضا في مثل قولهم يجب كذا أو كتب عليكم كذا أو هذا واجب أو فريضة ثم ما ادّعاه من أنّ التحديد بالغاية ينافي كون الحكم واقعيا بظاهره ظاهر الفساد لأن كثيرا من الأحكام الواقعية مغيّاة بغايات بل الوجه في دفعه أن يقال لا يعقل من الحكم الواقعي إلا ما استند عدم تعلقه بالمكلف إلى عدم علمه به و لا من الحكم الظاهري إلا ما استند تعلقه به إلى علمه به أو بعدم علمه بالحكم الواقعي فإذا كانت الإباحة منوطة بعدم العلم بخلافها كما هو نصّ الرواية كانت حكما ظاهريا و كان خلافها حكما واقعيا لا محالة و لا يرد النقض بالصّلاة في الثوب المستصحب الطهارة لأنّ المراد عدم العلم من حيث الحكم لا من حيث الموضوع و سيأتي لهذا مزيد تحقيق في محله الثالث أنّ الثواب و العقاب لا يترتبان إلا على الطاعة و المعصية و هما إنما يتحققان بموافقة الأوامر و النواهي اللفظية أو مخالفتهما فحيث لا أمر و لا نهي لفظا لا إطاعة و لا معصية فلا ثواب و لا عقاب فلا وجوب و لا حرمة لا يقال لا نسلم انحصار صدق الإطاعة و المعصية في موافقة الخطاب اللفظي و مخالفته بل يعمّ اللفظي و غيره لأنا نقول القدر الثابت من الأدلة وجوب اتباع القطع أو الظن الحاصلين من قول المعصوم أو فعله أو تقريره دون غيرها و الكلام في التعويل على هذه الطريقة كالكلام في التعويل على الرّؤيا فكما لا دليل على جواز التعويل على الثاني فكذلك على الأوّل و الجواب المنع من انحصار صدق الطاعة و العصيان في موافقة الخطاب اللفظي و مخالفته و العرف و العادة شاهدان بذلك و لو سلم فترتب الثواب و العقاب لا يناط بالخطاب اللفظي أ لا ترى أنّ المولى إذا لم يأمر عبده بالمحافظة على أمواله أو لم ينهه عن إتلافها فأمكن اللصّ منها أو أتلفها أنه يعدّ مستحقا للعقاب لفعله ما يسخط المولى كما أنه إذا حافظ عليها أو تمانع من إتلافها طلبا لرضى مولاه كان مستحقا للمدح و الثواب لفعله ما يرضى به المولى و إنكار ذلك مكابرة ظاهرة و استحقاقهما كاف في تحقق الواجب و الحرام الشرعيّين على ما علم من تعريفهما و لو سلم اختصاص صدق الطّاعة و المعصية بموافقة الخطاب اللفظي و مخالفته و أنهما لا يتحققان في الفرضين المذكورين لكن لا ريب في استحقاقه الثواب في الأول لفعله ما يرضى المولى و العقوبة في الثاني لفعله ما يسخطه و إنكاره مكابرة بينه و حصوله في المقام كاف في تحقق الوجوب و التحريم الشرعيّين إذ المعتبر فيهما على ما علم من تعريفهما إنما هو استحقاق العقوبة على الترك و الفعل ثم حجية القطع ضروريّة تشهد به الفطرة السّليمة فلا معنى لمطالبة الدليل عليها و لو كان حجيته مستفادة بالنظر لدار أو تسلسل إذ لا يزيد دليلها على كونه مقطوعا بصحّته و باستلزامه إيّاها فيكون حجية كل من القطعين على‏

هذا التقدير نظرية تتوقف على الدليل فإن عاد إلى الأول لزم الدور و إلا تسلسل و أمّا تنظير ذلك بالرّؤيا فإن كان بالرّؤيا المقطوع بصحتها و صدقها فعدم حجيتها لعدم دليل عليها فاسدة كما عرفت و إن كان بالرؤيا المحتملة للصّدق أو المظنونة الصّدق كما هو الغالب فالتنظير باطل و إن أريد التقريب فلنا تنظير العقل الذي فينا بالإلهام الذي يوجد في الأنبياء و الأئمة فكما أن مدركاتهم بالإلهام حجة في حقهم بالضّرورة من غير حاجة إلى قيام دليل عليه كذلك مدركات العقل حجة في حقنا و لا حاجة إلى قيام دليل عليه الرّابع أنّ أصحابنا و المعتزلة قالوا بأنّ التكليف فيما يستقل به العقل بمعنى الخطاب به في ظاهر الشريعة لطف و أنّ العقاب بدون اللطف قبيح و مقتضى ذلك عدم ترتب العقاب على ما لم يرد به خطاب في ظاهر الشريعة و إن استقلّ به العقل لعدم تحقق اللطف فيه و الجواب المنع من قبح العقاب بدون اللطف مطلقا و إنما المسلم قبحه بدون اللطف اللازم في التكليف كالبيان فيما لا يستقل به العقل سلمنا لكن يكفي في حصول اللطف اعتضاد العقل بالعمومات الدالة على حجيته كالآيات المتقدمة بالنسبة إلى الموارد التي ساعدنا على دلالتها على حجيته فيها و إن أريد اعتضاده بحسب خصوصيّات موارده فتوجه المنع عليه جلي لأنّ عموم النقل يعتبر في تأسيس ما لا يستقل به العقل فاعتباره في تأكيد ما استقل به العقل أولى و لا يذهب عليك أنّ أهل الكلام تمسّكوا بالمقدمة الأولى على وجوب بعث الأنبياء بضميمة القاعدة

345

التي تسالموا عليها من وجوب كل لطف عليه تعالى فلو تم ما ذكروه لدل على وجوب تطابق العقل و النقل لا عدم حجيّته إلاّ أن يستكشف بعدمه عن فساد حكم العقل لكنه خلاف ما يراه المستدل لأنه يلتزم بصحّته و لا يقول بحجيّته أو يشترط الحكم في الكبرى بأن لا يمنع مانع لكن هذا ربما يقدح فيما قصدوه من وجوب الإرسال و أجاب الفاضل المعاصر عن الحجة المذكورة بعد تسليم وجوب اللطف في الجملة بالمنع من وجوب كل لطف و أنت خبير بأن هذا المنع ممّا لا مساس له بكلام المستدل إذ لم يتمسّك بوجوب اللطف مطلقا بل مبني حجيته على عدم وجوبه كذلك كما نبّهنا عليه نعم يرد المنع المذكور و على كبرى حجية المتكلّمين و يشبه أن يكون المجيب قد خلط بين الحجتين فأورد على إحداهما ما يرد على الأخرى لتقاربهما و يمكن التكلف بحمل الوجوب في كلامه على الوجوب الشرطي فيرجع الجواب إلى المنع من اشتراط حسن العقاب بحصول كل لطف و لا يخفى عدم مساعدة تعليله الآتي عليه ثم قال في سند المنع ما لفظه إذ كثير من الألطاف مندوبة فإنّ التكليفات المندوبة أيضا لطف في المندوبات العقلية أو مؤكدة للواجبات العقلية يعني أنّ التكليف الندبي بالمندوبات العقلية لطف مندوب و هذا متجه على القول بأن جهات التكليف تابعة لجهات ما تكلف به إذ لا يعقل حينئذ زيادة الفرع على الأصل و قوله أو مؤكدة مرفوع عطفا على قوله لطف يعني أنّ التكليف النّدبي بالمندوبات العقلية مؤكد للواجبات العقلية و هذا قريب من ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد في بيان نية وجه الوجوب و الندب في الوضوء حيث قال المراد بوجه الوجوب و الندب السبب الباعث على إيجاب الواجب و ندب المندوب فهو على ما هو قرره جمهور العدليّين من الإمامية و المعتزلة أنّ السّمعيات ألطاف في العقليّات و معناه أن الواجب السّمعي مقرب من الواجب العقلي أي امتثاله باعث على امتثاله فإنّ من امتثل الواجبات السّمعية كان أقرب إلى امتثال الواجبات العقليّة من غيره و لا معنى للطف إلا ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة و كذا النّدب السمعي مقرّب من الندب العقلي أو مؤكدا لامتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللّطف و الزيادة في الواجب لا يمتنع أن يكون ندبا و لا نعني أنّ اللطف في العقليّات منحصر في السّمعيات فإنّ النبوة و الإمامة و وجود العلماء و الوعد و الوعيد بل جميع الآلام تصلح للألطاف فيها و إنما هي نوع من الألطاف انتهى ثم قال المعاصر المذكور و قد يكتفي في اللطف بالتكليف بسمعي لم يستقل به العقل لا بنفس التكليف العقلي كما يشير إليه قوله تعالى إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر يعني قد يكلف بسمعي يؤدي إلى ترك القبائح العقلية فيستغنى بالتكليف به عن التكليف بها كالتكليف بالصّلاة المؤدية إلى ترك القبائح فلا حاجة إلى التكليف بها أو يريد أنه قد يكلف بسمعي على وجه ينبّه على وجوب ترك القبائح العقلية كالأمر بالصّلاة الناهية عن الفحشاء و المنكر فإنه يدل بالالتزام على مطلوبية تركها بل وجوب تركها فلا حاجة إلى التصريح بذلك و لا يخفى ما في كلامه من التعقيد احتج من خصّ الإنكار بغير المعارف على النفي بما مرّ و على الإثبات بما دل عليه جملة من الأخبار من تعذيب عبدة الأوثان فإنّها بإطلاقها تشمل زمن الفترة أيضا فتدل على حجية مدركات العقل بالنّسبة إلى العقائد و جوابه أنّ النسبة بين هذه الأخبار و الأخبار السّابقة التي زعم المستدل أنها تدل على عدم حجيّة العقل عموم من وجه فتخصيص عموم تلك الأخبار بإطلاق هذه ليس بأولى من تقيّد إطلاق هذه بعموم تلك الأخبار مع أن كثيرا من الأخبار أيضا تدل على تعذيب الآتي ببعض المناكير و هي بإطلاقها يتناول زمن الفترة أيضا فلا وجه للتخصيص بالمعارف و أمّا ما أجاب به بعض المعاصرين من أنّ التعذيب على عبادة الأوثان يرجع إلى التعذيب على الأعمال النظريّة الاختيارية المفيدة لتلك الاعتقادات لأنّ نفس الاعتقاد غير مقدور فلا يترتب عذابه عليه فضعفه ظاهر إذ يكفي في صحة التكليف بشي‏ء و ترتب عقاب عليه مقدوريّته و لو بواسطة مقدّماته و أسبابه كما نبّهنا عليه في بحث المقدّمة و لئن سلم فلعل القائل المذكور يريد بترتب العقاب على تلك الاعتقادات ترتبها على مقدّماتها من الأعمال النظرية و يمنع حجيّة العقل فيما عداها و ليس في الجواب المذكور ما يقتضي دفعه حجة من فصّل بين الضروريات و النظريّات وجهان الأول ما دل من الأخبار على أنّ دين الله لا يصاب بالعقول و ما دل على أنّ الناس مكلفون بالرجوع إلى الكتاب و

السّنة فإنّ ظاهرهما حصر الحجة فيهما و الجواب أمّا أولا فبالنقض بالضروريات إذ لو تم الدليل المذكور لدل على عدم جواز التعويل عليها أيضا و أمّا ثانيا فبأن تلك الأخبار كلا أو بعضا واردة في مقام المنع عن العمل بالقياس كما يظهر من سياقها و لو سلم فهي واردة مورد الغالب من عدم وصول أغلب العقول و ندرة ما يصل إليها الواصل الثاني أنّ المطالب النظريّة كثيرا ما يقع فيها الاشتباه و الخطاء و إن بالغ الناظر في المحافظة على مقدّماتها كما يشهد به الوجدان فلا يحصل للنّاظر القطع بها لأنه كل ما رتب البراهين بمقدماتها المستلزمة للمطلوب منع نفسه من الانقياد لها و التسليم بمقتضاها علمه الإجمالي بكثرة وقوع الخطاء في النظر و إن النّاظر كثيرا ما يقطع بالحكم بمشاهدة مقدّمات معلومة عنده بالضّرورة ثم ينكشف خلافه فيجوز أن يكون علمه بالحكم المستفاد من النظر من ذلك القبيل إذ لا يتمكن من التميز بحيث لا ينتقض بذلك اليقين الإجمالي و إذا تحقق عنده ذلك امتنع جزمه بالحكم و الجواب أمّا أولا فبالنقض بالضروريات لوقوع الخطاء فيها أيضا كيف لا و مرجع النظريّات إلى الضروريات‏

346

حيث يعتبر فيها أن يكون مقدماتها ضرورية أو آئلة إليها بالضرورة و أن يكون استلزامها للمطلوب أيضا ضروريّا أو آئلا إليه بالضرورة فوقوع الخطاء فيها مستلزم لوقوع الخطاء في الضروريّات فيلزم أن لا يكون حجة أيضا و أمّا ثانيا فبالحل و هو أنّ الناظر إذا علم بمقدّمات مطلوبة و باستلزامها له على ما هو المعتبر في النظر حصل له العلم بالمطلوب من غير تجويز لأن يكون نظره ذلك خطاء فإن العقل مفطور على الانقياد و الإذعان بمقتضى ما انكشف له بالضرورة أو بالنظر و إن علم بأنّ العلم قد يكون جهلا و النظر قد يكون خطأ لأنّه حال علمه بالشي‏ء لا يجوز ذلك في علمه و نظره و إن أجازه في غيره فإن حجية العلم و الانكشاف ضروريّة فطرية و ليست نظريّة حتى يتطرق القدح إلى كلية كبراه بما ذكر نعم ربما تغلب الشبهة المذكورة على الناظر لتمكينه إيّاها من نفسه فيتوهّم كونها قادحة في حصول العلم فيمنعه عن الجزم في النظريّات كما أنّ الشبهة السّوفسطائية إذا زاولها من آل كثيرا أدّت إلى التشكيك في الضروريّات و هذا كله لا يكون إلا بعد إزاحة العقل عن فطرته الأصليّة و ردّها عن خلقتها الأولية و أمّا ثالثا فبأن إبطال حجيّة النظر يؤدي إلى إبطال الشرائع و الأديان لابتنائها على النظر بإثبات الصّانع و قدرته و حكمته و عدله و امتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب إلى غير ذلك فلو بطل حكم النظر نظرا إلى وقوع الخطاء فيه أحيانا لم يثبت شي‏ء من ذلك و قد يقال أنّ المعجزة تفيد العلم الضّروري بصدق صاحبها بدليل أن العلم منها كثيرا ما يحصل للعوام و نحوهم ممّن ليس لهم قوّة النظر و الاكتساب فلا يتوقف على النظر في إثبات الصّانع و صفاته بل يصحّ إثبات الصّانع و صفاته بقول صاحبها المعلوم صدقه بالضّرورة و هذا غير مستقيم إذ لا دلالة للمعجزة في حدّ ذاتها على صدق صاحبها عقلا نعم يمكن القول بدلالتها بطريق الضّرورة على صدق صاحبها بعد العلم بوجود الصّانع العالم القادر الحكيم كما هو المتفق عليه في جميع الأديان أو إثباته يتوقف على النظر إلا أنه نظريّ جلي لوضوح مقدّماته بحيث لا يكاد يخفى على عاقل بعد التنبيه [تنبيهه‏] عليها و قد أشير إليه في قوله تعالى أ في اللّه شكّ فاطر السماوات و الأرض إلا أنه لا يجدي بالنسبة إلى من سبق ذهنه إلى الشبهة فيتعيّن عليه تحصيل العلم بالنظر و هو كاف في الإشكال‏

فصل ينقسم الفعل عند القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين‏

إلى ما يستقل العقل بإدراك حسنه أو قبحه و إلى ما لا يستقل به و ينقسم الأوّل إلى الأقسام الخمسة أعني الواجب و الحرام و أخواتهما و ليس المراد و استقلال كل عقل بذلك ليتضح فساده بشهادة الوجدان على خلافه بل المراد استقلال العقل بذلك و لو بحسب بعض أفراده كعقول الأنبياء و الأوصياء فاللام في العقل للجنس و المراد بأنفسهم الثاني ما لا يستقل العقل بإدراك حكمه و لو بحسب بعض أفراده لكن يشكل حينئذ بانتفاء التقابل بين القسمين فإنّ من الأفعال ما يستقل بإدراك حكمه بعض العقول دون بعض و لا مدفع له إلا باعتبار الحيثيّة فيرجع حاصل التقسيم إلى أن الفعل إمّا أن يؤخذ من حيث إدراك العقل لحكمه و لو ببعض أفراده أو يؤخذ من حيث عدم إدراك العقل لحكمه و لو ببعض أفراده و لا يقدح عدم انحصار المقسم فيهما لأنّ المقصود تقسيمه بحسب ما يتعلق الغرض ببيان حكمه و هو منحصر فيهما و لك أن تجعل انقسام القسم الأول إلى الأقسام الخمسة بمعنى عدم خلوّه من أحدها توسّعا فلا يلزم أن يشتمل عليها بحسب الوقوع و إن جاز فحينئذ فيصحّ أن يكون التقسيم باعتبار كل واحد من آحاد العقل و كيف كان فلا يقدح عدم تحقق نوع من الفعل يستقلّ عقولنا بإباحته أو استحبابه أو كراهته و من هنا يظهر ضعف ما زعمه الفاضل المعاصر من أنّ ما اتفقت عليه كلمة القائلين بالتحسين و التقبيح إنما هو وجود الأحكام الأربعة دون الإباحة لأنهم إذا اختلفوا في مثل أكل الفاكهة و شمّ الطّيب كما سيأتي فأيّ شي‏ء يبقى بعد ذلك لأن يتفقوا على إباحته ثم نسب الشارح الجواد إلى الغفلة حيث سلك مسلكنا فقسّم الفعل إلى ما يستقل العقل بإدراك حسنه أو قبحه و قسمه إلى الأقسام الخمسة و إلى ما لا يستقل به و جعله موردا للنزاع الآتي و أنت خبير بأن ذلك مما لم ينفرد به الشارح الجواد بل هو متداول بين القوم فإسناد الغفلة إليه في ذلك إسنادها إلى الكل و التحقيق أنّ الغفلة إنما نشأت منه فإنّ كلامهم في التقسيم ناظر إلى ما ذكرناه من الوجهين و نزاعهم الآتي مقصور على القسم الثاني فإن اختلافهم في إدراك العقل في حق الجاهل بحكم تلك الأشياء إباحتها من حيث جهله به لا يدل على منعهم إدراك بعض العقول إباحتها أو إباحة غيرها باعتبار آخر مع أنّ ما زعمه في الإباحة منقوض عليه بالكراهة حيث التزم باتفاقهم عليها مع أنّ قضية ما ذكره في الإباحة نفيها أيضا فإنهم إذا نازعوا في حرمة مثل أكل الفاكهة و شمّ الطيّب فأيّ شي‏ء يبقى بعد ذلك حتى يتفقوا على كراهته بل التحقيق أنّ التقسيم إن كان بالنظر إلى عقولنا فهي لا تستقل بإدراك المندوب أيضا فالوجه حصر ما يستقل بإدراكه العقل في قسمين لا الأقسام الأربعة و أمّا ما لا يستقل العقل بإدراك حسنه و لا قبحه فقد اختلف القائلون بالتحسين و التقبيح و المنكرون لهما بعد التنزّل في حكمه قبل ورود الشرع فذهب الأكثرون إلى الإباحة و آخرون إلى الحظر و ذهب الحاجبي إلى أنّه لا حكم فيه أصلا و توقف شيخ الأشاعرة و فسّر تارة بعدم العلم بالحكم و أخرى بعدم الحكم و لا بدّ أولا من تحرير محل النزاع فنقول كما ينقسم الحكم التكليفي باعتبار نفسه إلى اقتضائيّ و تخييريّ و ينقسم بهذا

347

الاعتبار إلى الأحكام الخمسة كذلك ينقسم باعتبار آخر إلى حكم واقعي و حكم ظاهري و ينقسم بكل من الاعتبارين إلى الأحكام الخمسة و الظاهر أنّ النزاع هنا في مطلق الحظر و الإباحة سواء كانا واقعيّين أو ظاهريين ليعم القول بالتصويب أيضا و خصهما بعضهم بالظاهريّين معللا بأنه لا يمكن نفي الاحتمال العقلي رأسا بمعنى أن ليس في الفعل واقعا جهة حسن أو جهة قبح لا سيّما بعد ملاحظة ما ورد في الشرع من تحريم بعض المنافع الخالية عن المضرة كالغناء و شرب الفقاع الغير المسكر و هذا التعليل كما ترى إنما يتجه على قول المخطئة و الأولى ما ذكرناه و زعم بعض المعاصرين أنّ النزاع هنا في الإباحة و الحظر الواقعيين مع تحريره لمحلّه في الأشياء الغير الضروريّة المشتملة على المنفعة و رد التعليل المذكور بأنه إشكال سار في جميع المطالب المستدل عليها يعني أنّ ظهور خلاف الحكم الذي دل عليه العقل أحيانا لا ينافي قطع العقل بالواقع قبل ظهور الخلاف كما في كل جهل مركب ينكشف خلافه و فيه أن غرض المعلل منع حصول القطع بالواقع إذ لا مسدّ لباب الاحتمال و وضوح تطرق تجويز المخالفة للواقع إليه كيف لا و موضع النزاع في كلامهم ما لا يدرك العقل حسنه و قبحه و أمّا الاستشهاد بظهور الخلاف في الغناء و الفقاع فتأييد للمدعي كما يشهد به مساق كلامه و ليس الغرض منه الاستدلال به ليدفع بأن ظهور الخلاف أحيانا لا ينافي حصول القطع بالواقع كما في سائر المطالب القطعية ثم أقول على ما نزل عليه مقالة المبيح و الحاظر من إرادة الحكم الواقعي قد تبين الغير المصوّب منها بعد ملاحظة الشرع فساد كل من المقالتين فكان اللازم لهم ترك النزاع و إلا لعاد محصّله إلى أن أي الجهلين المركبين يلحق الفعل قبل ملاحظة الشرع و هو لا يشبه بنزاع أهل العلم ثم قال نعم قد يتضح هذا الإشكال إذا استدل بمثل كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي قال و يمكن أن يقال فيه أيضا أنه مباح واقعا لمن لم يطلع على النهي و حرام واقعا على من اطلع عليه لا أنه لغير المطلع مباح ظاهرا و حرام واقعا و أحال الأمر في ذلك إلى ما تبيّن في مسألة الواجب المشروط بالنسبة إلى الواجد للشرط و الفاقد له أقول و ضعف هذا التأويل في الرّواية مما لا يكاد يخفى على ما قررناه سابقا و قد اعترف هو أيضا بفساده عند رد من احتج بها على نفي الملازمة بين العقل و الشرع مستشهدا عليه بأن جعل الحكم مغيّا بغاية كما تقتضيه كلمة حتى ينافي كون الحكم واقعيّا فلا وجه للتشبّث به في المقام ثم قد تقرر في مبحث الواجب المشروط أن وجوبه مقيد في حق الفاقد للشرط و مطلق في حق الواجد له فيمكن التعلق به في المقام بعد تقريبه بنوع من التوجيه كأن يقال لا ريب في أنّ التكاليف بأسرها ظاهريّة كانت أو واقعية مشروطة بعلم المكلف لئلا يلزم التكليف بما لا يطاق فحيث لا علم لا تكليف حقيقة لا ظاهرا و لا واقعا فبطل دعوى أنه لغير المطلع على النهي مباح ظاهر أو حرام واقعا لأن الحرمة تكليف ظاهرية كانت أو واقعية فثبوتها بدون العلم يؤدي إلى ثبوت المشروط بدون شرطه و هو محال و هذا غاية توجيه الحوالة إلى المبحث المذكور و أنت خبير بأنّ منشأ هذه الكلمات عدم تحقق معنى الحكم الواقعي و الحكم الظاهري و قد نبّهنا عليه سابقا و سننبّه عليه فيما سيأتي و نقول هنا تأكيدا و توضيحا أنا لا نريد بالحكم الواقعي لا الحكم الذي يشترط في تعلقه بالمكلف علمه به فلا يكون عند عدم الشرط إلاّ حكما شأنيا و قد اصطلحوا على تسميته حكما واقعيا و لا ريب أنه غير مشروط بالعلم و إنما المشروط به فعليته و يعبّر عنه بالحكم الظاهري و بهذا يظهر الفرق بين القول بالتّصويب و القول بالتخطئة فإنهم بعد أن اطبقوا على ثبوت الحكم الفعلي تشاجروا في ثبوت الحكم الشأني بالمعنى الذي ذكرناه ثم لو تم ما ذكره في الرواية لثبت القول بالتصويب و لو في المباح و هو خطاء كما سنحقّقه في محله و أمّا ما يقال من أن حمل الإباحة و الحرمة على الظاهريين يؤدي إلى تسبيع الأحكام فإن أراد تسبيع الأحكام الواقعية أو الظاهرية فظاهر عدم لزومه و إن أراد تسبيع مطلق الأحكام فلا إشكال في التزامه بل التحقيق تعشيرها كما نبّهنا عليه ثم الفرق بين هذه المسألة و مسألة أصل الإباحة الآتية هو أن البحث هنا مقصور على دلالة العقل و البحث هناك مبني على ملاحظة الشرع أيضا و من هنا يظهر

ضعف ما ذكره المعاصر المذكور من التمسّك في المقام برواية كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي فإنّ فيه خروجا عن محل البحث إذا تقرر هذا فالحقّ عندي هو القول بالإباحة الظاهرية سواء اشتمل الفعل على منفعة أو لا و خصّه جماعة من موافقينا بالنّوع الأول و تبعهم في ذلك الفاضل المعاصر مع حمله الإباحة على الإباحة الواقعيّة لنا أن ضرورة العقل قاضية بالإباحة في الظاهر عند عدم ما يدل على خلافها من غير فرق بين ما يشتمل على منفعة و ما لا يشتمل عليها لظهور أنّ التكليف بأقسامه الأربعة مشروط بالعلم و البيان عقلا و عادة و إذ ليس فليس و لا يغني بالإباحة إلا ذلك و احتج موافقونا بأنّ الحكمة في خلق العبد و ما ينتفع به إباحته له ليترتب عليه ما هو المقصود من خلقه و إلا لكان خلقه عبثا و هو محال و أورد عليه تارة بالمعارضة بأنه تصرف في مال الغير فيحرم و هذه المعارضة مردودة بما سيأتي و أخرى بالحل و هو أنه لا يلزم من عدم الإباحة وقوع العبث لجواز أن يكون المقصود من خلقه على تقديره اصطباره عنه عند تشهيه لثياب عليه مع أن ثمرة خلقه لا ينحصر في ارتفاعه به بطريق الأكل و لا يستلزم عموم الانتفاع كما أن الأمر في كثير من المحرّمات كذلك و احتج الفاضل المعاصر على ما اختاره من الإباحة الواقعية بأنها منفعة خالية عن أمارات المفسدة و الإذن منه تعالى في التصرف معلوم عقلا لأن ما يتصور مانعا هو التضرّر و هو منتف قطعا فيكون حسنا و احتمال حصول المفسدة في الواقع‏

348

كما يشاهد في بعضها بعد كشف الشرع كالغناء و شرب الفقاع لا يوجب تزلزل العقل في قطعه لأنه لا منشأ له قبل ورود الشرع فلا يعتدّ به العقل أ لا ترى أنّ من احترز عن الجلوس تحت الحائط المحكم البنيان لاحتمال أن ينهدم يلحق تجويزه ذلك بظنون أصحاب الجنون و السّوداء مع أن هذا الاحتمال معارض باحتمال المفسدة في ترك الفعل أيضا و هو يستلزم التكليف بالمحال و المانع لم يتمسّك على المنع إلاّ بكونه تصرّفا في ملك الغير بغير إذنه فكأنه نفي احتمال مفسدة أخرى و هذه المفسدة أيضا منفيّة أقول لا تنهض الحجة المذكورة إلاّ بإثبات الإباحة الظّاهريّة لأن خلو الفعل عن أمارات المفسدة لا يوجب القطع بانتفائها و أمّا حكم العقل بقبح التحرز عن الجلوس تحت الحائط المحكم البنيان فهو حكم منه ظاهري لظهور أن العقل لا يقطع بعدم ترتب مفسدة الانهدام عليه لكن يحكم بقبح البناء في الظاهر على خلاف ذلك و بالجملة نفرق بين تجويز الانهدام على الحائط المذكور و بين العمل بمقتضى هذا التجويز من التحرز عن الجلوس تحته لأجل ذلك فالذي يحكم العقل بقبحه و سفه فاعله هو الثاني دون الأول فظهر من ذلك فساد ما ادّعاه من أن الإذن منه تعالى يعني الإذن الواقعي معلوم عقلا لما بينا من احتمال الخلاف مع أنّ اعتبار الإذن في الدليل غير سديد لأنه هنا بمعنى الإباحة فيكون الاستدلال مصادرة و معارضة احتمال المفسدة في الفعل باحتمال المفسدة في الترك لا يوجب القطع بالإباحة الواقعية و بطلان ما تمسك به المانع لا يوجب بطلان دعواه لجواز أن يقام عليها حجة أخرى فضلا عن ثبوت ما يدعيه لاحتمال الواسطة احتج القائلون بالحظر بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم و رد تارة بمنع حكم العقل بحرمة التصرّف في ملك الغير و إنما يثبت ذلك بالشرع و لو سلم فإنّما يسلم فيمن يلحقه بالتصرّف ضرر و هو هنا منتف لتنزهه تعالى عنه و لو سلم فمعارض بما نحققه في المنع من الضرر الناجز على النفس و ليس تحمله لدفع ضرر الخوف أولى من العكس و أشدّية الضرّر المخوف معارضة بتنجّز الضّرر الآخر و أخرى بالتنظير و هو أنّ من ملك بحرا لا ينزف و اتصف بغاية الجود و أحبّ مملوكه قطرة من ذلك فكيف يدرك بالعقل تحريمها و التقريب ظاهر و قد يجاب أيضا بلزوم التكليف بالمحال إذا فرض ضدّان لا ثالث لهما كالحركة و السّكون و أورد عليه بأنه خارج عن محل النزاع إذ لا نسلم أن لا حكم للعقل فيه بل يحكم بإباحة أحدهما قطعا و يمكن أن يجاب أيضا بأنّ الخصم لعلّه لا يساعد على كون السّكون فعلا بل هو عدم فعل الحركة فلا يلزمه القول بالتكليف بالمحال بل يلزمه القول بحرمة الحركة على التعيين إلاّ أن يقال بنقل الكلام إلى الكف الذي هو سبب السّكون و هو أمر وجودي و يمكن دفعه بأنّ الظاهر أن نزاعهم في أفعال الجوارح فقط بدليل أنّ دليلهم من حرمة التصرف في ملك الغير لا يساعد على تحريم التصرف في نفسه إلا أن يقال بأنه أيضا ملك للغير فيحرم عليه التصرف في نفسه و لو بإحداث الكف فيها و لا يخلو من بعد نعم يمكن أن يقال هذه مناقشة في المثال فيبقى الإشكال المدعى بحاله و لا محيص عنه إلا بالتزام القول بالإباحة حينئذ و تخصيص الحظر بغيره حجة النّافي للحكم أن المبيح و الحاظر إن أرادا خطاب الشرع بذلك فالتقدير أن لا شرع و إن أرادا حكم العقل بذلك لزم التناقض إذ المفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن و لا قبح في حكم الشارع يعني أن فرض العنوان ما لا يدرك العقل حكمه أو حسنه و قبحه ينافي دعوى حكم العقل فيه بالإباحة أو الحظر و الجواب أنا نختار الشق الأخير و لا تناقض لأن المراد أن ما لا يدرك العقل حكمه بغير هذا العنوان أو هذه الجهة أعني كونه مما لا يدرك العقل حسنه و قبحه هل يحكم عليه بعد ملاحظته بهذا العنوان و هذه الجهة بالإباحة أو الحظر أو لا فلا ينافي حكم العقل عليه بأحدهما ما اعتبر فيه من عدم حكم العقل فيه بأحدهما لتغاير الجهتين و إلى هذا يرجع ما قيل من أنه لا منافاة بين عدم الحكم على شي‏ء مع قطع النظر عن كونه مجهولا و بين الحكم عليه باعتبار كونه مجهولا و تنظّر فيه بعض المعاصرين بأن حكم المبيح بالإباحة أو الحاظر بالحظر حينئذ ليس من جهة كونه مجهول الحكم عند العقل بل لأنه منفعة مأذون فيها أو تصرّف في ملك الغير بغير إذنه فكيف يجعل محل النزاع مجهول‏

الحكم مع أنّ مقتضى دليل الباحثين علمهم بالحكم ثم قال فإن قيل ذلك مقتضى دليلهم بالنظر إلى ظاهر الحال و قد يتبدل الحكم بظهور خلافه فيعلم أن الحكم السّابق إنما كان حكم مجهول الحكم قلنا هذا كلام سار في سائر المطالب المعلومة فكثيرا ما يعلم حكم الشي‏ء بالضرورة أو النظر ثم يظهر خلافه و لا يلزم منه أن يكون ذلك حكم الشي‏ء من حيث إنه مجهول الحكم بل وظيفة الناظر في كل وقت إنما هي التخلية التامة و البناء على ما أدى إليه نظره سواء صادف الواقع أو لا ثم قال نعم هذا يجري فيما لا نصّ فيه من الأحكام التي لا مسرح للعقل فيها أصلا كوجوب غسل الجمعة فإن حكمه قبل ثبوت الشرع من حيث هو مجهول عدم الوجوب لا مع قطع النظر عنه و أين هو من الحكم بالإباحة هذا ملخص كلامه أقول و فيه ما لا يخفى لأنّ حكم المبيح و الحاظر بالإباحة و الحظر من جهة كونه منفعة مأذونا فيها أو تصرّفا بغير الإذن لا ينافي كونه باعتبار جهالة الحكم أيضا كيف و تلك الجهتان إنما يثبتان لمواردهما عندهم باعتبار هذه الجهة فإنّ المبيح إنما يقول في شمّ الورد مثلا بأنه منفعة مأذون فيها بعد أخذه بعنوان مجهول الحكم كما يدل عليه اعتباره لخلوّها عن أمارات المفسدة و كذلك الحاظر إنما يقول بأنه تصرّف بغير الإذن بعد أخذه بهذا العنوان إذ مراده بغير الإذن ظاهر إلا واقعا إذ لا طريق له إليه فيدل على اعتباره الجهالة بالحكم في الحكم و بالجملة فكون الشي‏ء مجهول الحكم دليل أصولي على حكمه بمعنى أنه يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إليه لا دليل منطقي و أمّا ما أورده من السّؤال فمورده ما ذكره أخيرا من أن مقتضى أدلتهم العلم بالحكم فكيف يجعل الموضوع مجهول الحكم‏

349

و محصّله أنّ الجهل أعم من البسيط و المركب فإذا حكم الحاكم بالإباحة لدليلها أو بالحظر لدليله ثم انكشف الخلاف تبيّن أنّ ذلك كان حكمه من حيث خطائه و جهالته بالحكم و ح فلا منافاة بين العلم بالحكم و بين كون الموضوع مجهول الحكم و أمّا ما أجاب به عنه فليس على ما ينبغي بل التحقيق في الجواب أن القاطع بثبوت حكم في حقه إنما يقطع حال قطعه بثبوته في حقه من حيث إنه مصيب بقطعه الواقع لا من حيث إنه مخطئ به في إصابته و إنّ حكمه حال خطائه ذلك نعم إذا انكشف له الخلاف تبيّن عنده أنّ ذلك كان حكمه من حيث خطائه في إصابة الواقع لا من حيث إصابته له و ظاهر أنّ الكلام في المقام إنما هو بالنسبة إلى حال القطع لا بالنسبة إلى حال انكشاف الخلاف فيبقى إشكال التدافع بين فرض العنوان مجهول الحكم مع قضاء الدليل بالعلم بالحكم بحاله و أمّا ما ذكره أخيرا من أنّ العقل يحكم فيما يجهل حكمه بعدم الوجوب دون الإباحة فغير سديد لأنّ العقل كما يحكم فيه بعدم الوجوب كذلك يحكم بعدم الاستحباب و الحرمة و الكراهة فيتعيّن أن يحكم بالرّخصة في الفعل و الترك ما لم يقم دليل على خلافه لأن انحصار الأحكام في الخمسة يعدّ من الضروريّات و قضية القول بالملازمة بين حكم العقل و الشرع كما يقول هو و غيره به حكم الشرع أيضا بالرخصة فيهما ما لم يقم دليل على خلافه و هو معنى الإباحة الظاهرية هذا و أجاب التفتازاني عن الإشكال المذكور بأنّ النزاع في الفعل الذي لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلا و لا يحكم فيه بحكم خاصّ تفصيلي في فعل فعل فهل يحكم فيها على الإجمال بحرمته أو يحكم بإباحته أو لا و أورد عليه المحشي الشيرازي بأنه إذا علم العقل الحكم على الإجمال في أكل الفاكهة مطلقا علم الحكم المخصوص بكل فعل كأكل فاكهة الرّمان بضمّ الصّغرى الواضحة الثبوت إلى ذلك الحكم الكلي الإجمالي الحاصل من دليلهم ثم قال اللّهم إلاّ أن يقال المراد الحكم الضروري و فيه تعسّف يعني أن حمل الحكم المنفي إدراكه على الحكم الضروري يدفع الإشكال لأنّ اعتبار ضم الصّغرى يخرجه عن كونه ضروريّا و كأنه أراد بوجه التعسّف ما سيأتي و نقل بعض المعاصرين عن الشارح الجواد أنه أورد الإشكال المذكور على ما اختاره من القول بالإباحة ثم أجاب عنه بوجهين الأول أن المراد أنّ ما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه بالنظر إلى خصوصيّاتها هل يحكم حكما عاما بالحسن بالنسبة إلى الجميع أو لا الثاني أن المراد أنّ ما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه ابتداء أو مجرّدا عن ملاحظة شي‏ء آخر فهل يحكم عليه بالحسن حكما عاما بالنظر إلى الدّليل أو لا و على التقديرين لا يكون الحكم المذكور مخالفا لما اعتبر في العنوان قال بعد نقل الوجهين عنه و الغفلة التي حصلت له أولا هو الذي أورد عليه هذا الإشكال يريد أنه لما قسم الفعل إلى ما يستقل العقل بإدراك حكمه و إلى ما لا يستقل به و حرّر النزاع في القسم الثاني وقع في الإشكال المذكور و لو أنه حرّر النزاع في الأشياء الغير الضروريّة في التعيش المشتملة على المنفعة كشم الورد و أكل الفاكهة من غير اعتبار لكونها مما لا يستقل العقل بإدراك حكمه كما فعله هو أعني المعاصر المذكور سلّم عن الإشكال فإن من يحكم فيها بالإباحة أو الحظر يجعلها من القسم الأول و من يقول بأنه لا حكم فيها يجعلها من القسم الثاني و فيه ما لا يخفى لأن تحرير الشارح الجواد لمحل البحث فيما لا يستقل العقل بإدراك حكمه موافق للتحرير المعروف في كتب القوم كما لا يخفى على من راجعها و حينئذ فلا بد إمّا من بيان يندفع به الإشكال و التزام بمقالة الحاجبي و لا يجدي تغيير العنوان و تحرير النزاع في الأشياء الغير الضّروريّة المشتملة على المنفعة لأنه لا ينطبق عليها أقوالهم فيها إلا بعد أخذها مجهولة الحكم و معه يعود الإشكال مع أن الأشياء الغير الضّرورية المشتملة على المنفعة قد يحكم العقل عندهم فيها بالوجوب كالعدل و قد يحكم بالتحريم كالظلم فلا يستقيم جعلها عنوانا لمحل النزاع على إطلاقها كما فعله ثم إنه تصدّى لدفع الجوابين اللذين ذكرهما الشارح الجواد فأورد على الوجه الأول بإمكان أن يقال في شم الورد منفعة مأذون فيها و كل ما هو كذلك فهو حسن فقد علم حسنه بالخصوص و على الثاني بعدم انحصار مدركات العقل في الضروريّات هذا محصّل كلامه أقول و أنت خبير بأنّ مرجع الجواب الأول إلى ما أجاب به‏

التفتازاني و مرجع الجواب الثاني و الاعتراضين إلى ما ذكر المدقق الشيرازي إلاّ أنه أشار إلى الاعتراض الثاني بقوله و فيه تعسّف و نبه بعض الناظرين في كلامه بما ذكره المعاصر المذكور تم أقول و ما أورد على الجواب الأول إنما يستقيم إذا أراد المجيب أن المراد أن ما لا يدرك العقل حكمه تفصيلا لا بدليل خاص و لا بدليل عام هل يدرك حكمه بدليل عام أو لا و هذا متّضح الفساد لأنه حينئذ إن التزم بما أورده المورد عليه من انحلال ذلك إلى معرفة حكم الخاص باعتبار دليل عام عاد عليه الإشكال لأن ما لا يدرك العقل حكمه و لو باعتبار دليل عام كيف يدرك حكمه باعتبار دليل عام و إن لم يلتزم بالانحلال فهو مع كونه غير معقول في نفسه خارج عن محل البحث لأن كلامهم هنا في معرفة الحكم الذي ينحل إلى التفصيل إذ المقصود الحكم بحلية أكل الفواكه مثلا أو حرمته و هذا لا يعقل بدون الانحلال لا يقال اللازم من الحكم على العام إنما هو الحكم على الحصّة الموجودة منه في الخاص على أن تكون تلك الحصّة موردا للحكم دون الحكم على الخاص على أن يكون الخاص موردا له بسبب وجود العام في ضمنه فيمكن رفع المنافاة حينئذ على التقدير الأول بأن المعنى كلّ شي‏ء لا يدرك العقل حكمه و لو باعتبار أمر كلي على أن يكون ذلك الشي‏ء موردا للعلم هل يدرك حكمه باعتبار أمر كلي على أن يكون ذلك الكلي موردا للحكم أو لا فيندفع إيراد المورد عن الجواب لأنا نقول هذا التنزيل مع قصور كلام المجيب عن إفادته‏

350

غير مستقيم عندنا لأن الأحكام على ما نراه لا تتعلق بالطبائع إلا باعتبار وجوداتها الخارجية فلا يعقل مغايرة حكمها لحكم أفرادها لاتحادهما في الخارج نعم يتجه ذلك على قول من يجعل وجودها مغايرا لوجود أفرادها أو يجعل الأحكام متعلّقة بالطبائع باعتبار أنفسها و يجوز مغايرة حكم الأفراد لحكمها كما يراه الفاضل المعاصر و جماعة من المتأخرين فيمكن إلزامهم بصحة الجواب و اندفاع الإيراد بناء على هذا التنزيل لكن لا خفاء في أن النزاع المذكور لا يختص بأحد هذين القولين فيبقى الإشكال بحاله على مذهب الآخرين هذا و الذي هو أوفق بمساق كلام التفتازاني بل هو الظاهر من كلام الشارح الجواد أن المراد أن ما لا يدرك العقل حكمه بدليل يختص به هل يدرك حكمه بدليل يعمّه و غيره أو لا فيندفع عنه الإيراد المذكور لأن الحكم بحسن شم الورد لكونه منفعة خالية عن أمارات المفسدة إنما هو حكم عليه باعتبار أمر كلي عام جار فيه و في غيره كشم الرّياحين و أكل الفواكه و غيرها و ليس باعتبار كونه خصوص شم ورد و هذا معنى قوله يحكم عليه بالحسن حكما عاما يعني يحكم عليه بالحسن باعتبار أمر عام و هذا واضح نعم يرد على المجيب أن بعض الأفعال التي يستقل العقل بإدراك حكمها الابتدائي من حسن أو قبح مما يتصف به باعتبار أمر عام كحكم العقل بقبح ضرب غير المستحق و إن اشتمل على منفعة لكونه إيذاء فإنّ إدراكه لحكمه ليس باعتبار الخصوصية بل باعتبار أمر عام يجري في غيره من الجرح و القتل و نحوهما أيضا مع أن النزاع المحرر في المقام لا يتوجّه إليه قطعا و أمّا ما أورد على الجواب الثاني فإنما يرد على ظاهر كلامه بناء على أن تكون الأدلة العقلية حجة في النظريّات أيضا كما هو الحق المحقق و يمكن توجيهه بأنّ المراد أنّ ما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه الابتدائي أي الثابت للشي‏ء مع قطع النظر عن ملاحظة العنوان المذكور فيرجع إلى ما ذكرناه و يمكن أن يحمل أيضا على أن ما لا يدرك العقل حكمه الابتدائي الواقعي هل يحكم عليه في الظاهر بالإباحة أو الحظر أو لا لكن يقدح فيه أن من الأشياء التي لا يدرك العقل حكمه الواقعي لا يحكم عليها في الظاهر إلا بالحظر كالإناءين المقطوع بوجود السمّ في أحدهما لا على التعيين ثم إن كلام جماعة كالحاجبي و العضدي في تحرير العنوان خال عن اعتبار كون الفعل الذي لا يدرك العقل حكمه مشتملا على منفعة و إنما وقع التقييد به في كلام جماعة و تبعهم في ذلك الفاضل المعاصر حتى ادعى أنّ ما لا منفعة فيه كتحريك اليد بلا داع و مضغ الخشب الغير اللذيذ لا حكم للعقل فيها عند الكل أقول و كأنهم أخذوا القيد المذكور من الحجة المعروفة للقائلين بالإباحة حيث اعتبروا في الفعل اشتماله على المنفعة و الأقرب عندي أن يحمل المنفعة المأخوذة في الدليل على منفعة مّا أعني موافقة القصد و الداعي سواء سميت عرفا منفعة أو لا و مرجعها إلى ما يمتنع بدونها صدور الفعل الاختياري و بهذا يحصل التوفيق بين الدليل و العنوان و حمل كلام المعتبرين لهذا القيد في العنوان على ذلك تعسّف واضح و ربما يؤيّد ما ذكرناه أنه لو لا عموم العنوان لكان من المناسب أو اللازم أن يبحثوا عن القسم الآخر أيضا مع أنهم لم يتعرضوا له و أمّا الاتفاق الذي حكاه المعاصر المذكور على أنّه لا حكم فيما لا يشتمل على المنفعة فكأنه وقع سهوا من قلمه لأن من قال بالحظر في المشتمل على المنفعة كيف يقول بأن لا حكم فيما لا يشتمل عليها بل يلزمه القول بالحظر في ذلك بطريق الأولوية و قد عرفت أنّ مستندنا على الإباحة يعمّ النوعين ثم إن أراد الحاجبي بقوله أن لا حكم أنه لا حكم عند العقل كما هو الظاهر من دليله توجّه عليه ما مرّ و إن أراد أن لا حكم في الواقع توجّه عليه أنّ عدم حكم العقل بمعنى عدم إدراكه الحكم أعمّ من عدم الحكم في الواقع و العام لا دلالة له على الخاصّ و أمّا المتوقف فإن أراد توقف العقل عن الحكم رجع مقالته إلى مقالة الحاجبي فيرد عليه ما يرد عليه و إن أراد توقفه عن تعيين أحد القولين أو الأقوال لعدم عثوره فيها على دليل يعتمد عليه توجّه عليه ما عرفت من بياننا المتقدم على إثبات القول بالإباحة ثم قولهم في العنوان قبل الشرع هل المراد به قبل بعث الرّسل مطلقا أو قبل وصول أحكام الشريعة مطلقا أو قبل وصول جملة يعتدّ بها منها أو قبل وصول الحكم في خصوصيّات الموارد المبحوث عنها بهذا العنوان‏

أو قبل وصول حكم هذا العنوان و كان الأول أظهر في كلام العامة لكن حمل كلام أصحابنا عليه غير سديد لابتناء البحث معه على مجرّد الفرض و تقدير غير واقع و لا جدوى فيه إلاّ أن يقال فائدته انسحاب الحكم منه إلى الواقع و هو كما ترى مع عدم وقوع هذا الدعوى في كلامهم و الثاني بل الثالث أيضا يستفاد من كلام الفاضل المعاصر يرشد إليه تمثيله بأهل زمن الفترة و المحبوسين الذين لا يتيسر لهم البحث و هو أيضا لا وجه له لأنه تخصيص من غير اختصاص و الذي أوقعه في هذا الوهم ما توهمه سابقا من أنّ النزاع في الإباحة الواقعيّة إذ بعد وصول كثير من أحكام الشريعة إلى المكلف و علمه بحكم الشارع بالحظر في كثير مما لا يدرك العقل حكمه الكاشف عن وجود جهة مقبحة واقعية خفيّة فيه يمتنع أن يقطع بإباحة ما يجهل حكمه و قد عرفت فساده و الوجه في المقام أحد الوجهين الأخيرين أو ما يعمّهما و الوجه الأخير هو الأظهر فيرجع محصّل البحث إلى أن الأشياء التي لا يدرك العقل حسنها و لا قبحها مع قطع النظر عما ورد فيها من الشرع خصوصا أو عموما هل يحكم فيها بالإباحة أو الحظر أو لا يحكم بشي‏ء هذا و ما ذكره بعض المعاصرين من أن حكم العقل به بإباحة تلك الأشياء و إن كان قطعيّا قبل ملاحظة الشرع لكنه بعد ملاحظة الشرع و الاطلاع على تحريم الشارع لكثير من المنافع الخالية عن المضرّة يكون ظنا و لا دليل قطعيا على حجيته و الدليل الظني غير مفيد فكيف يدعى أنه مما يستقلّ العقل به إلا أن يقال إذا حصل الظنّ بمقتضى هذا الأصل كان في مخالفته مظنة ضرر فيجب دفعه عقلا أو يقال يبتني حجيّة