القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
61

قوله لا ضرر اى لا يضر الرجل أخاه و هو ضد النفع و قوله لا ضرار اى لا يضار كل منهما صاحبه؛ و في «الدر المنثور» للسيوطي: لا ضرر اى لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه، و لا ضرار اى لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، و في «تاج العروس» مثل هذا بعينه، و كذا «الطريحي في المجمع» انتهى موضع الحاجة من كلامه.

هذا و لكن الإنصاف ان ما افاده هذا الشيخ الجليل العلامة المدقق غير كاف في إثبات مرامه، لأن إرادة النهي من لفظة «لا» فيما نقله من التراكيب المشابهة لحديث الضرر غير معلوم، بل الظاهر- كما يظهر بالتأمل- ان «لا» في جميعها حتى في قوله تعالى‏ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏، و قوله تعالى‏ «لا مِساسَ» مستعملة في معنى النفي؛ فليس معنى قوله‏ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏، لا ترفثوا و لا تفسقوا و لا تجادلوا في الحج، بل مفادها نفى وجود هذه الأمور عن ناحية الحج و ان كان لازمه النهى عنها و لكن بينه و بين ما افاده من استعمال «لا» في النهي فرق ظاهر ستطلع على آثاره عند بيان المعنى المختار، و الشاهد عليه ان المتبادر من أمثال هذه التراكيب عند العرف الساذج ليس إلا النفي فهل يحتمل احد ان قوله تعالى‏ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏، معناه المطابقي لا ترفثوا و لا تفسقوا و لا تجادلوا في الحج؟ و لعل منشأ الشبهة هو ما ذكرنا من ان النفي في كثير من هذه التراكيب كناية عن النهى فاشتبه المعنى الكنائي بالمعنى المطابقي، و سيظهر لك ان بينهما فرقا كثيرا من حيث النتيجة.

ثمَّ لا يخفى عليك ما في هذا التعبير الكنائي من لطف البيان و افادة المراد بوجه آكد، و ان هذا الا نظير قول الرجل لخادمه: ليس في بيتي الكذب و الخيانة ليعرفه بأبلغ البيان ان هذه الأمور مما لا ينبغي له ارتكابه في بيته ابدا و من ارتكبها كان خارجا عن أهل البيت و يظهر ذلك بالرجوع الى الارتكاز الذي نعهده من مثل هذه التراكيب في العربية بل و في غيرها من الألسنة، فإنا لا نشك بعد التأمل في موارد استعمالها ان كلمة «لا» و معادلها من سائر اللغات في هذه الموارد استعملت في النفي الذي هو معناها الأصلي إذا دخلت على الاسم.

و من أقوى الشواهد على ذلك انه يصح تبديلها بغيرها من حروف النفي، فيقال‏

62

بدل قوله‏ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏، ليس في الحج رفث و لا فسوق و لا جدال فهل يمكن القول بان «ليس» أيضا استعملت في معنى النهى؟- هذا مضافا الى عدم إمكان إرادة النهي من بعض هذه التراكيب بوجه من الوجوه و هل يمكن ان يقال ان معنى قوله «لا إخصاء في الإسلام» هو «لا تخصوا في الإسلام» و هل لنا انس بهذا التعبير و هل الإسلام يمكن ان يكون ظرفا للاخصاء؟

و اما ما نقله «(قدس سره)» عن أئمة اللغة فلعل نظرهم إلى النتيجة و المغزى لا الى المعنى المطابقي كما هو دأبهم في سائر المقامات لما قد عرفت من انا لا نضائق عن القول بإرادة معنى النهى بالمآل عن هذا النفي بعنوان الكناية و انما الكلام هنا في مفاد كلمة «لا» هذا مضافا الى ان حجية قولهم في أمثال هذه التراكيب التي نعلم وضع مفرداتها بل و هيئاتها في الجملة من دون الحاجة الى الرجوع إليهم مشكل و لو قلنا بحجية قول اللغوي.

هذا كله مع ما عرفت في مقدمات البحث من قوة احتمال ورود هذه الفقرة ذيل رواية الشفعة التي لا تناسب النهى أصلا بل ظاهرها النفي لجعلها كبرى كلية للحكم الوضعي المذكور في صدر الرواية و لو قلنا بورود قيد «في الإسلام» بعد قوله لا ضرر و لا ضرار كان ارادة النفي هنا أوضح كما مر في المقدمات.

و اما المعنى الثالث فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه ان الضرر إذا كان متداركا لم يصدق عليه عنوان «الضرر» بنظر العرف و ان صح إطلاقه عليه بالدقة العقلية فنفى الشارع للضرر على الإطلاق مع ما نرى من وجوده في الخارج دليل على ان جميع أنواع الضرر الحاصلة من ناحية المكلفين متداركة بحكم الشرع، و ان فاعلها مأمور بتداركها و جبرانها، و الألم يصح نفيها، فهذا القيد اعنى «عدم التدارك» انما يستفاد من الخارج من باب دلالة الاقتضاء.

و أورد عليه العلامة الأنصاري (قدس سره) بعد عده اردء الوجوه بان الضرر الخارجي لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه و انما يصح ذلك إذا كان الضرر متداركا فعلا و خارجا، و استحسنه المحقق النائيني (قده) و قال: انه حرى بالتحقيق‏

63

خصوصا لو أريد من لزوم التدارك وجوبه التكليفي من دون اشتغال ذمة الضار بشي‏ء، فإن مجرد حكم الشارع بوجوب تداركه لا يبرر عده كالعدم.

هذا و الانصاف ان شيئا مما ذكراه- أعلى اللّه مقامهما- غير وارد على هذا الوجه بل لقائله أن يقول: ان النفي هنا بلحاظ عالم التشريع و الخارج كما التزم به المحقق النائيني في بيان مختاره على ما عرفت في الوجه الأول؛ فالشارع لا يرى الضرر الذي حكم بتداركه من قبل الضار ضررا في عالم التشريع، لأنه متدارك فعلا بلحاظ حكمه، فلا يرى منه بهذا النظر عين و لا اثر فالتدارك فعلى بهذه الملاحظة لا شأنى.

و منه تعرف انه لا فرق في ذلك بين الإلزام تكليفا بتدارك الضرر أو اشتغال ذمة الضار بشي‏ء لأن وجهة نظر الشارع في مقام التشريع في الحقيقة الى من يأتمر بأوامره و ينتهى بنواهيه، و لو لا ذلك لم يكن لاشتغال الذمة أيضا أثر في عده كالمعدوم إذا فرضنا المكلف عاصيا غير معتن بتشريعات الشارع المقدس و أحكامه الوضعية و التكليفية.

نعم يرد على هذا الوجه أمران آخران يخربان بنيانه من القواعد: أحدهما- انه لو كان مراده النفي بلحاظ عالم التشريع (و قد عرفت انه لا مناص منه) فلا داعي لتقييد الضرر المنفي بغير المتدارك بل يجوز نفى وجود الضرر بهذا اللحاظ مطلقا فيرجع الى عدم جعل الأحكام الضررية كما هو مفاد الوجه الأول فلا تصل النوبة الى هذا الوجه، و الحاصل انه لا دليل على تقييد نفى الضرر بغير المتدارك على كل حال ثانيهما ان التدارك في عالم التشريع بل و في الخارج أيضا لا يكفي في سلب عنوان الضرر حقيقة عما هو مصداقه مع قطع النظر عن التدارك بل هو نوع من التسامح العرفي أو نحو من المجاز بلحاظ الاشتراك في الاثار، فان الضرر المتدارك في حكم العدم من جهة كثير من الاثار نعم لو كان التدارك من جميع الجهات و الحيثيات بحيث لا يرى أهل العرف فرقا بين التالف و البدل في شي‏ء من الخصوصيات حتى من جهة الزمان بان يكون التدارك بعد التلف بلا فصل أمكن الحكم بسلب عنوان الضرر منه بالنظر العرفي و ان كان ضررا بالدقة العقلية، و لكنه أيضا غير صاف عن شوب الاشكال.

و اما الوجه الأول فغاية ما يمكن ان يقال في تقريبه هو ما ذكره المحقق النائيني‏

64

في كلام طويل له في المقام حاصله:

«ان النفي في المقام و أشباهه من حديث الرفع و لا صلاة الا بطهور و غيرهما محمول على معناه الحقيقي بالنظر الى عالم التشريع، فإن الأحكام التكليفية و كذا الوضعية أمرها بيد الشارع ان شاء رفعها و ان شاء وضعها، فالنفي إذا تعلق بحكم شرعي يكون نفيا حقيقيا لارتفاعه واقعا في عالم التشريع، هذا بالنسبة إلى النفي، و اما إطلاق «الضرر» على الأحكام المستلزمة له فهو أيضا حقيقي، لأن إطلاق المسببات التوليدية كالإحراق على إيجاد أسبابها شائع ذائع، فمن ألقى شيئا في النار يقال انه أحرقه، قولا حقيقيا.

و حينئذ نقول: كما ان الشارع إذا حكم بحكم شرعي وضعي أو تكليفي يوجب الضرر على المكلفين يصدق انه أضر بهم و ليس هذا إطلاقا مجازيا، فكذا إذا نفاه يصدق عليه انه نفى الضرر عنه، نعم لو كانت الأحكام الشرعية من قبيل المعدات للضرر لا من قبيل الأسباب، أو كان من قبيل الأسباب غير التوليدية كان اسناد الضرر الى من أوجدها إسنادا مجازيا، و لكن الأحكام الشرعية ليست، كذلك بل حكم الشارع بالنسبة إلى محيط التشريع كالسبب التوليدي لا غير، اما في الأحكام الوضعية فواضح، فان حكم الشارع بلزوم البيع الغبني مثلا يوجب إلقاء المغبون في الضرر و كذا في أشباهه و اما في الأحكام التكليفية فإسناد الإضرار فيها الى الشارع انما هو بملاحظة داعي المكلف و إرادته المنبعثة عن حكم الشرع؛ ففي الحقيقة الحكم التكليفي سبب لانبعاث اراده المكلف و هي سبب للفعل، فهو أيضا من سنخ الأسباب التوليدية» هذه خلاصة ما افاده و قد لخصناه لطوله.

و يرد عليه أمور:

أولها- ان النفي بلحاظ عالم التشريع دون الخارج بنفسه نوع من المجاز، لأن ألفاظ النفي و الإثبات موضوعة للوجود و العدم الخارجيين، اما الوجود و العدم في وعاء الاعتبار و التشريع فليسا وجودا و عدما حقيقيا، بل هما نوع من الوجود و العدم الادعائيين، فالحكم بالعدم على ما انعدم في ذاك العالم و بالوجود على ما وجد فيه؛ و كذا حمل‏

65

عنوان الضرر على الأحكام المجعولة فيها كلها تحتاج الى نوع من العناية و المسامحة، بل إطلاق العالم على ذاك العالم الفرضي الاعتباري أيضا من باب المجاز؛ غاية الأمر انها من باب الحقيقة الادعائية (و المجازات كلها أو جلها من هذا القبيل على المختار) فالشارع المقدس إذا اعتبر شيئا نفيا أو إثباتا في عالم التشريع فقد جعله فردا ادعائيا للوجود و العدم الخارجيين و أطلق الألفاظ عليه بهذه الملاحظة، و الحاصل ان النفي في المقام و أشباهه ليس محمولا على معناه الحقيقي.

ثانيها- انه لو سلمنا ان النفي هنا حقيقي بلحاظ عالم التشريع- كما افاده- لم تبق حاجة في توجيه انطباق عنوان «الضرر» على الأحكام الضررية إلى بحث الأسباب التوليدية، فإن جعل الأحكام الضررية؛ وضعية كانت أو تكليفية، بنفسه مصداق لعنوان الإضرار في وعاء التشريع لا سبب له، فان الجعل و الاعتبار في عالم التشريع كالإيجاد في عالم التكوين، فمن شرع قانونا ضرريا فقد أضر بمن يشمله بنفس هذا الجعل و بعبارة أخرى: الحكم بجواز أخذ مال الغير بغير حق، بالنسبة إلى عالم التشريع كالأخذ منه في عالم الخارج، فكما ان أخذه منه بنفسه مصداق للضرر فكذلك الحكم بالجواز في عالم التشريع مصداق له بهذا النظر فبنفس هذا الحكم ينتزع منه المال في عالم الاعتبار و يعطى غيره و لا فرق فيه بين الأحكام التكليفية و الوضعية، نعم لو كان النفي بلحاظ عالم التكوين مست الحاجة الى بحث الأسباب التوليدية في توجيه انطباق عنوان الضرر على الأحكام الضررية كما لا يخفى.

ثالثها- ان ما ذكره من كون الأحكام التكليفية من سنخ الأسباب التوليدية بتوسيط ارادة المكلفين المنبعثة من تلك الاحكام فهو أيضا في غير محله، فإن أفعال المكلفين و ان استندت إلى إراداتهم الا ان إراداتهم مستندة الى اختيارهم- على ما هو التحقيق من بطلان الجبر- فليست الأحكام الشرعية عللا توليدية للإرادة بل العلة لها هو الاختيار و الاحكام من قبيل المعدات و الدواعي المؤكدة لاختيار احد الطرفين لا غير هذا مضافا الى انه لو تمَّ هذا البيان كان اللازم الحكم بصدق عنوان الضرر في عالم الخارج لا عالم التشريع لان انبعاث الإرادة عن الأحكام التكليفية يوجب تحقق الفعل‏

66

في الخارج، فنفى التكليف الضرري يستلزم نفى وجود الضرر في هذا الوعاء و لو من طريق إعدام إرادة المكلفين المنبعثة عنه، فكأنه وقع الخلط في كلامه (قدس سره) بين ظرفى الخارج و التشريع.

و هذه الإيرادات واردة على التقريب الذي اختاره المحقق النائيني في بيان الوجه الأول، و اماما يرد على هذا الوجه على جميع تقريباته و يهدم بنيانه من القواعد فهو: انه مبنى على ان الفاعل للضرر في قوله لا ضرر و لا ضرار هو الشارع المقدس بان يكون المنفي في الحقيقة إضرار الشارع بالمكلفين، و مئاله الى نفى الأحكام المستلزمة للضرر فحاصل معنى الرواية على هذا انه لا ضرر و لا ضرار من ناحية الشارع على المكلفين فإنه لم يكتب عليهم أحكاما وضعية أو تكليفية توجب الإضرار بهم كلزوم البيع الغبني على المغبون و وجوب الوضوء و الصوم الضرريين و غيرها من أشباهها؛ فنفى العبادات الضررية بهذه القاعدة تنادي بأعلى صوته بان الفاعل للضرر في هذه الفقرة عندهم هو الشارع لا غير.

مع ان هناك قرائن كثيرة تشهد على ان الفاعل هو الناس بعضهم ببعض، فالمنفي في الحقيقة نفى جواز إضرار بعضهم ببعض (وضعا أو تكليفا) لا أقول ان النفي بمعنى النهى كما اختاره المحقق الأصفهاني، بل هو بمعناه الأصلي و لكن المنفي هو الضرر الناشي من ناحية المكلفين، و سيأتي تحقيق هذا المعنى و بيان نتائجه عند بيان المذهب المختار إنشاء اللّه، و الذي يدل على ان الفاعل في هذه الفقرة هو الناس لا الشارع المقدس أمور:

منها- ان قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) «انك رجل مضار» بمنزلة الصغرى لقوله «لا ضرر و لا ضرار» و لا شك ان الفاعل في هذه الجملة هو «سمرة بن جندب» فهو من أقوى الشواهد على ان الفاعل في الفقرة الثانية أيضا هم المكلفون لا غير.

و منها- ان كلمة «ضرار» بما له من المعنى و هو الضرر العمدي الناشي عن الأغراض الفاسدة كما قويناه لا تناسب كون الفاعل هو الشارع المقدس قطعا؛ لان احتمال إضرار الشارع بالمكلفين بهذا الوجه منفي مطلقا عند كل احد من غير الحاجة الى البيان‏

67

بل الذي يحتاج اليه هو نفى إضرار بعض المكلفين ببعض كذلك، مثل ما في قضية سمرة و منها- قوله في ذيل رواية «منع فضل الماء» التي رواها عقبة بن خالد: «انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء و قال لا ضرر و لا ضرار» بناء على ان ورود هذه الفقرة ذيلها كما قويناه ظاهر في ان نفى الضرر و الضرار بمنزلة التعليل للنهى عن منع فضل الماء، فكأنه قال لا يمنع صاحب البئر فضل مائه لما فيه من الإضرار بالممنوع، و إضرار الناس بعضهم ببعض منفي في الشريعة، فظاهر هذه الرواية أيضا كون الفاعل، المكلفين و احتمال كونه هو الشارع يحتاج الى تكليف بعيد.

هذا مضافا الى ظهور كلمات أئمة اللغة في ذلك حيث انهم فسروه بما يرجع الى النهي عن الإضرار، و من الواضح انه لا يتم الا على كون الفاعل هو الناس و قد عرفت عند التعرض لما اختاره المحقق الأصفهاني و نقده انه لا يستفاد من تفسيرهم ان لفظة «لا» استعملت في النهى و ان كان كناية عنه فراجع، و الحاصل ان هذه التفسيرات أيضا مؤيدة لما ذكرنا، و كذا ما يظهر من ائمة الفقه و مهرته من التمسك بهذه القاعدة في أبواب المعاملات و ما يحذو حذوها مما يرجع الى مناسبات بين الناس و ليس التمسك بها في أبواب العبادات بهذه المثابة كما لا يخفى على من له انس بكلماتهم.

و مما ذكرنا يظهر حال الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في معنى الحديث، حيث انه يشترك مع الوجه الأول من جهات شتى و ان كان قابلا للتطبيق على المذهب المختار كما سنشير اليه فيما يلي.

فذلكة الكلام في معنى الحديث‏

قد عرفت مما ذكرنا في توضيح الوجوه التي ذكرها الاعلام في تفسير الحديث و ما يتوجه إليها من الإيرادات أمورا:

الأول- ان كلمة «لا» هنا بمعنى النفي لا النهي الثاني- ان الفاعل للضرر في قوله «لا ضرر و لا ضرار» هو الناس لا الشارع المقدس الثالث- ان المنفي هو نفس الضرر و الضرار لا الاحكام التي ينشأ منها الضرر و لكنه كناية عن عدم امضائهما في الشرع، و من هذه الأمور يستنتج المذهب المختار في‏

68

تفسير الحديث.

بيان ذلك: ان ظاهر هذه الفقرة نفى وجود الضرر و الضرار بين المكلفين، و لكن عدم صدق هذا المعنى في الخارج، مضافا الى قرينة المقام، و هو كونه (صلّى اللَّه عليه و آله) بصدد بيان الحكم الشرعي و القضاء بين الأنصاري و سمرة بن جندب، يكون شاهدا على انه كناية عن عدم إمضاء هذا الفعل الضرري في الشريعة لا وضعا و لا تكليفا فكأنه إذا لم يمضه لا يرى منه عين و لا أثر في محيط التشريع؛ و ان هو إلا نظير قول الرجل لخادمه لا يكون: في بيتي الخيانة و الكذب و قول الزور، يعنى ان هذه الأمور غير مجازة عندي فكأني لا ارى منها عينا و لا أثرا؛ فنفى هذه الأمور كناية عن نفى إمضائها و عدم ترخيصها بوجه من الوجوه و كذا الكلام في أشباهه مثل قوله: لا رهبانية في الإسلام و لا إخصاء في الإسلام حيث ان المنفي فيها أيضا نفس هذه الافعال و لكنه تفيد نفى الترخيص و الإمضاء بأبلغ الوجوه كما هو الشأن في جميع الكنايات.

و من ذلك تعرف ان مفاد الحديث لا ينحصر في النهي التكليفي عن الإضرار بالغير بل يعمه و الأحكام الوضعية، فكما ان دخول سمرة بن جندب على الأنصاري بغير استيذان منه ضرر منهي عنه تكليفا فكذلك البيع الغبني إذا و وقع على وجه اللزوم بنفسه مصداق للضرر و الإضرار فهو أيضا غير ممضى من ناحية الشرع و عدم إمضائه يساوق عدم نفوذه و تأثيره.

و هذا المعنى المختار و ان وافق ما ذهب إليه الأكثر من حيث النتيجة في أكثر نواحيها الا انه يفارق عنه في أبواب العبادات الضررية من الوضوء و الصوم الضرريين و ما ضاهاهما، فعلى مختارهم يمكن نفى وجوبهما بهذه القاعدة و لكن على المختار لا يمكن لعدم أوله إلى الضرر و الإضرار بين الناس و قد عرفت ان الفاعل للضرر المنفي هو الناس لا الشارع المقدس و هذا فرق ظاهر بين المذهبين من حيث النتيجة، فلا تغفل.

لا يقال-: ان قوله لا ضرر و لا ضرار و ان لم يكن ناظرا الى غير الضرر الناشي من أفعال المكلفين؛ من المضار الناشئة من احكامه تعالى، الا انه يمكن استفادة حكمه منه بالأولوية القطعية فإن الشارع إذا نهى عن إضرار الناس بعضهم ببعض و من عليهم بهذا

69

الحكم كيف يرضى بالقائهم في الضرر من ناحية أو أمره و نواهيه؛ فاذن لا يبقى شك في ان تكاليفه لا تشتمل على ضرر؛ و ان وجد ما ظاهره ذلك من عموم أو إطلاق يشمل موارد الضرر فاللازم تخصيصه و تقييده. و اما الأحكام المشتملة على الضرر دائما أو غالبا فضررها متدارك لا محالة بما فيها من المصالح الغالبة و يكشف عن ذلك حكمه بها مع هذا الحال فهي و ان كانت ضررية بظاهرها، و لكن لا ريب في ان الشارع حكم بها لمصالح تفوق على ما فيها من المضار فالجهاد و ان كان فيه تلف النفوس، و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات، الا ان فيه عز المسلمين و حفظ بيضة الإسلام و ثغوره، و احكامه و حدوده و فيه من المنافع العاجلة و الآجلة ما لا يحصى، و من الواضح ان كون الشي‏ء نافعا أو ضارا تابع لا قوى الجهات الموجودة فيه من المنافع و المضار، و لا يزال العقلاء يقدمون على أمور فيها ضرر من بعض الجهات لمنافع أقوى تترتب عليها، و لا يسمونها ضررا و شرا بل يعدونها نفعا و خيرا، و الحاصل انه لا بد من تقييد إطلاقات الأحكام الواردة في غير هذه الموارد و حصرها على غير موارد الضرر.

لأنا نقول: إذا كان حكم الشارع في الموارد التي تستلزم الضرر دائما أو غالبا كاشفا عن مصالح تربو على المضار الظاهرة فيها و معه لا يكون الحكم ضرريا فليكن إطلاق حكمه أو عمومه في مثل الصوم و الوضوء الشامل للصوم و الوضوء الضرريين أيضا كاشفا عن وجود مصالح في هذه الموارد ينتفي معها عنوان الضرر، فالتمسك بالأولوية القطعية في هذه الموارد و التعدي من دليل نفى الضرر إليها بهذه الأولوية ممنوع جدا بعد عدم إحراز موضوع الضرر فيها بل و إحراز عدمه.

و من أقوى المؤيدات على ما ذكرنا من عدم شمول دليل نفى الضرر للعبادات الضررية و أمثالها من التكاليف التي ينشأ منها الضرر في بعض مصاديقها ان قدماء الأصحاب بل و كثير من متأخريهم (فيما حضرني من كلماتهم) مع استقامة أنظارهم في فهم المفاهيم العرفية من الكتاب و السنة لم يفهموا من قاعدة نفى الضرر شمولها لمثل هذه الاحكام و لم يستندوا إليها في أبواب العبادات الضررية، و انما استدلوا بها في أبواب المعاملات مثل خيار الغبن و غيره مما يرجع الى إضرار الناس بعضهم ببعض‏

70

فقط فهذا من المؤيدات القوية لما استظهرناه من ان دليل نفى الضرر لا يدل على نفى هذه الاحكام لا بمعناه المطابقي و لا بالأولوية القطعية، و إليك بعض ما حضرني من كلماتهم عاجلا و لا بد من التتبع و التأمل لكي يظهر حقيقة الحال.

قال شيخ الطائفة في المسألة 110 من كتاب الطهارة في باب أحكام الجبائر:

«انه إذا خاف التلف من استعمال الماء أو الزيادة في العلة يمسح عليها، ثمَّ قال دليلنا قوله تعالى‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» و إيجاب نزع الجبائر فيه حرج، ثمَّ استدل بالإجماع و ببعض الاخبار و لم يستدل بقاعدة لا ضرر، و مثله استدلاله في غير واحد من مسائل التيمم فراجع.

و قال المحقق في «المعتبر» في مسألة خوف زيادة المرض أو بطؤ برئه أو ظهور الشين في الأعضاء انه يجوز التيمم في هذه الحالات ثمَّ استدل له بقوله تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ و غيره من الأدلة و لم يستدل بهذه القاعدة.

و كذا العلامة قد استدل في «التذكرة» بجواز التيمم عند خوف الشين في البدن باستعمال الماء بقوله تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏، و لم يستند إلى قاعدة نفى الضرر.

و افتى صاحب المدارك في مسألة من وجد الماء بثمن يضر بالحال بجواز التيمم، و ذكر في تأييد هذه الفتوى بعد الاستدلال بالروايات بقوله‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ و قوله‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، و هكذا في غير واحد من موارد الضرر في أبواب التيمم استدل بقاعدة نفى الحرج و لم يتعرض لقاعدة نفى الضرر أصلا.

فهؤلاء الاعلام و غيرهم (رضوان اللّه عليهم) مع استنادهم غالبا في أبواب المعاملات مثل مسألة خيار الغبن و غيرها بقاعدة نفى الضرر لا يستندون إليها- فيما حضرنا من كلماتهم- في أبواب العبادات الضررية و غيرها من التكاليف التي تكون من حقوق اللّه و لا ترجع إلى معاملة الناس بعضهم ببعض، و أظن أن الاستناد بهذه القاعدة في هذه الأبواب نشأ بين المتأخرين أو متأخري المتأخرين من الأصحاب، و قد عرفت ان القرائن‏

71

الكثيرة الموجودة في نفس روايات الباب تشرف الفقيه على القطع بعدم شمولها لها، و فتاوى الأصحاب أيضا شاهدة له، و لو تنزلنا منه و حكمنا باجمالها فاللازم أيضا الأخذ بالمتيقن منها فتبقى إطلاقات أدلة هذه التكاليف سليمة عن المعارض أو الحاكم.

هذا و لكن الذي يسهل الخطب إمكان الاستناد إلى قاعدة «نفى الحرج» في جل هذه الموارد فيستغنى بها عن غيرها و لكن مع ذلك تظهر الثمرة في موارد نادرة يصدق عليها عنوان الضرر دون الحرج فراجع و تأمل.

و هنا احتمال آخر في معنى الحديث يحكى عن بعض «أعاظم العصر» و هو ان مفاد هذه القاعدة حكم سلطاني بمنع إضرار الناس بعضهم ببعض، فإن للنبي (صلّى اللَّه عليه و آله) مقامات ثلثة: مقام النبوة و تبليغ الرسالة و هو من هذه الجهة مبلغ عن اللّه و حاك لاحكامه الظاهرية و الواقعية، كالمجتهد بالنسبة إلى الأحكام الشرعية المستفادة من الكتاب و السنة، و «مقام القضاء» و ذاك عند تنازع الناس في حقوقهم و أموالهم فللنبى القضاء و فصل الخصومة بينهم، و «مقام السلطنة» و الرئاسة من قبل اللّه، نافذ امره و نهيه فيما يراه مصلحة للأمة كنصب أمراء الجيوش و القضاة و أشباهها.

و ظاهر ان حكمه (صلّى اللَّه عليه و آله) في قضية سمرة بنفي الضرر و الضرار ليس من الأول و لا الثاني، لأنه لم يكن للأنصاري- و لا لسمرة- شك في حكم تكليفي أو وضعي في قضيتهما، أو تنازع في حق اختلفا فيه من جهة اشتباههما في المصاديق أو الحكم، و انما وقع ما وقع من الأنصاري في مقام الشكوى و التظلم و الاستنصار منه (صلّى اللَّه عليه و آله) بما انه سلطان على المسلمين و سائسهم مع وضوح الحكم و الموضوع كليهما، فأمره (صلّى اللَّه عليه و آله) بقلع النخلة حسما لمادة الفساد ثمَّ عقبه بقوله لا ضرر و لا ضرار، فهذا حكم سلطاني عام بعد حكمه الخاص؛ و معناه انه لا يضر أحد أحدا في حمى سلطاني و حوزة رعيتي و على جميع الأمة إطاعته في ذلك و الانتهاء بنهية، لا بما انه حكم من احكام اللّه بل بما انه حكم من قبل سلطان مفترض الطاعة و يشهد لهذا المعنى تصدير هذه الفقرة في رواية «عبادة بن صامت» المروية من طرق العامة بقوله: و قضى. الظاهر في هذا النوع من الحكم. هذا ملخص ما يحكى‏

72

عنه دام علاء في كلام طويل له في المقام.

و لكن لا يخفى على المتأمل انه لا يمكن عد هذا معنى آخر للحديث بل يئول الى المعنى الثالث من المعاني السابقة الذي اختاره شيخ الشريعة الأصفهاني قدس اللّه سره الشريف (من ارادة النهي من هذه الفقرة) غاية الأمر ان ظاهر القائلين بهذا المعنى هو النهي التشريعي على وزان سائر الأحكام الشرعية و مفاد هذا البيان كونه سنخا آخر من النهى سماه نهيا سلطانيا، و من المعلوم انه لا يظهر ثمرة بينهما بعد وجوب امتثال كل منهما على جميع الأمة بلا تفاوت في ذلك، و الظاهر انه دام علاه أيضا ليس بصدد ذلك بل بصدد بيان تقريب آخر في إثبات كون «لا» بمعنى النهى لا النفي خلافا للعلامة الأنصاري قدس اللّه سره و اتباعه، فلا يكون هذه القضية ناظرة إلى نفى الأحكام الضررية و حاكمة عليها و لا يجوز الاستدلال بها لنفي الأحكام الضررية مطلقا و مع ذلك يرد عليه أولا- ان كون «لا» هنا ناهية خلاف التحقيق كما مربيانه مشروحا و ثانيا- انه ان كان مراده من مقام سلطنة النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) ان له تشريعا كتشريع اللّه في الأحكام الكلية على الموضوعات الكلية كالسلاطين في سابق الأيام- و ان كانت سلطنته حقة- إعطاء اللّه ذلك رعاية لمقامه السامي، فهذا كما ترى و لا يظن ان يكون هذا مراده.

و ان أراد ان له مقام ولاية الأمر و الحكومة الشرعية بمعنى ان «الأمور الخاصة الجزئية» التي ترتبط بمصالح الأمة، مما لا تندرج تحت ضابطة كلية، كنصب الولاة و أمراء الجيوش و عمال الصدقات و غيرها من أمثالها؛ كلها بيده و ان تطبيق هذه الأمور على ما يراها مصلحة للعباد و تشخيص مصاديقها موكول الى نظره الشريف فهو و ان كان من مقاماته قطعا؛ الا انه لا يشمل مثل «الضرر و الضرار» و ما أشبههما «من الموضوعات الكلية» التي لها في الشرع حكم كلى لا محالة و ليست من سنخ تلك الأمور الخاصة التي لا تنضبط تحت قاعدة كلية يرد فيها حكم كلى كما هو ظاهر.

و بعبارة اخرى: ان مقام السلطنة و الحكومة و ان كانت من مقامات النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)؛ بل و حكام الشرع في الجملة بلا إشكال، الا انها تختص بأمور شخصية جزئية ترتبط بمصالح الأمة مما لا تندرج تحت ضابط كلى و لا يمكن تشريعها

73

في ضمن أحكام كلية، كنصب أمراء الجيوش و القضاء و جباة الصدقات و أمثالها مما لا يحيط الأحكام الكلية بجزئياتها و تختلف بحسب الأزمنة و الظروف. فهذه الأمور و ان كانت أحكامها الكلية واردة في الشرع بنحو بسيط، مثل ما ورد في صفات القاضي و جابى الصدقة و غير ذلك، الا ان تشخيص مواردها و تطبيقها على مصاديقها موكولة إلى نظر السلطان و ولى الأمر. و اما غير هذه الأمور من الأحكام الكلية الواردة على موضوعاتها الكلية فليست بيد السلطان بل بيد الشارع المقدس، و ليس للنبي تشريع في قبال تشريع اللّه حتى يكون هناك تشريعان في الأحكام الكلية.

و ان شئت قلت: ما من «موضوع كلى» الا و له حكم كلي في الشرع من قبل اللّه سبحانه و ح لا يبقى مورد لتشريع النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) أحكاما كلية على موضوعاتها الكلية، و انما سلطانه (صلّى اللَّه عليه و آله) على تعيين مصاديقها، و تطبيق مصالح المسلمين على مواردها فيما يختلف باختلاف الظروف المختلفة، و من المعلوم ان الضرر و الضرار من الموضوعات الكلية التي تحتاج الى حكم كلى فليستا في حيطة سلطنة ولى أمر المسلمين بل في حيطة التشريع الإلهي لا غير. نعم لو كان حكمه مقصورا على قلع شجرة سمرة أمكن القول بأنه من قبيل الأحكام السلطانية و لكن ليس كذلك.

و ثالثا- الظاهر ان حكمه (صلّى اللَّه عليه و آله) في قضية سمرة كان من باب القضاء و كان المقام من مقامات التنازع في الحقوق و الأموال، غاية الأمر انه قد يكون النزاع ناشيا من الجهل بالحكم و اخرى من الجهل بمصاديقه. و الشاهد على ذلك ان سمرة- كما يظهر من الرواية- كان يدعى ان وجوب الاستيذان من الأنصاري تضييق في دائرة سلطنته فيما كان له من حق العبور الى نخلته، فلذا قال: أستاذن في طريقي إلى عذقي؟ و الأنصاري يرى ان له إلزامه بذلك فشكاه إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) فقضى له عليه، ثمَّ ذكر حكما عاما شرعيا يستفاد منه أحكام أشباهه و يشهد بذلك ما ورد في الرواية من التعبير بالقضاء و ذكره في ضمن أقضية النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) في روايات الفريقين و قد كان هذا العنوان (عنوان القضاء) مستعملا في هذا المعنى من لدن زمن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) إذا كان محفوفا بقرينة الدعوى و الشكوى و المنازعة.

74

تنبيهات‏

قد ذكر غير واحد من الاعلام هنا تنبيهات بينوا فيها حدود هذه القاعدة و مجراها، و فروعا تستنبط منها، و مغزاها و رفع ما يورد عليها من الإيرادات؛ فنذكرها و نذكر ما عندنا فيها ثمَّ نعقبها بما أهملوا ذكرها من الأمور المهمة التي لها دخل في تحقيق حدود القاعدة و فروعها فنقول و من اللّه سبحانه نستمد التوفيق:

التنبيه الأول هل هذه القاعدة موهونة بكثرة التخصيصات‏

ذهب غير واحد من المحققين تبعا لشيخنا العلامة الأنصاري (قده) فيما أفاده في الفرائد الى ان هذه القاعدة و ان كانت متينة سندا و دلالة الا انها موهونة بكثرة التخصيصات الواردة عليها، بحيث يكون الخارج منها أضعاف ما بقي تحتها، بل لو أريد العمل بها على عمومها حصل منها فقه جديد، و من هنا يعلم بان لها معنى آخر غير ما يظهر لنا في بادي النظر لا يرد عليه تخصيص كثير، و عليه تكون القاعدة مجملة لنا، و علينا الاقتصار في العمل بها على موارد عمل بها الأصحاب مما يعلم انحصار مدرك المسئلة عندهم بهذه القاعدة، لا غير.

و زعموا ان عملهم جابر لها، كأنه وصلت إليهم قرائن بينت لهم مغزاها و مفادها مما لم تصل إلينا، مع ان الناظر في كلماتهم يعلم علما قطعيا بعدم وصول شي‏ء آخر إليهم هنا عدا هذه الروايات المعروفة المشهورة، عملوا بظواهرها و بنوا عليها أحكاما كثيرة في مختلف أبواب الفقه، فراجع كلام شيخ الطائفة و العلامة و غير هما من نظرائهما من القدماء و المتأخرين في أبواب بيع الغبن و شبهها مما استندوا فيها بهذه القاعدة تجدها شاهدة صدق على ما ادعينا، فكيف يكون عملهم- و الحال هذه- جابرا لهذا الضعف و دافعا لهذا الاشكال و قد شاع اليوم هذا النحو من الاستدلال في موارد كثيرة لم يتسير لهم حل‏

75

بعض الإشكالات الواردة على بعض القواعد فاستراحوا الى عمل الأصحاب، مع ان التدبر في كلماتهم يرشدنا الى ان أصحابنا الأقدمين لم يزيدوا علينا في كثير من هذه المباحث شيئا إلا صرافة الذهن و جودة النظر العرفي الموجبة لكشف مغزى كلماتهم (عليهم السلام) لهم.

و كأن هذا المعنى قد ألجأ شيخنا العلامة الأنصاري في بعض كلماته الى حل هذا الإشكال، تارة بمنع أكثرية الخارج منها و ان سلم كثرته، و اخرى بخروج ما خرج بعنوان واحد بناء على ما اختاره في أبواب العموم و الخصوص من عدم استهجان كثرة التخصيص إذا كان بعنوان واحد.

و أورد عليه «المحقق الخراساني» في بعض حواشيه على الفرائد بأن خروج أفراد كثيرة بعنوان واحد انما يمنع من استهجان التخصيص إذا كانت افراد العام هي العناوين لا الأشخاص.

أقول- الظاهر ان تسالمهم قدس اللّه أرواحهم على كثرة ما خرج من عموم قاعدة لا ضرر انما نشأ مما يتراءى في بادي النظر من وجود احكام ضررية كثيرة في الشريعة كوجوب الأخماس و الزكوات و أداء الديات و تحمل الخسارات عند الإتلاف و الضمانات و غير ذلك مما تتضمن ضررا ماليا، و كوجوب الجهاد و الحج و غير هما مما يحتاج الى بذل الأموال و الأنفس؛ و كوجوب تحمل الحدود الشرعية و القصاص و أشباهها مما تتضمن ضررا نفسيا أو عرضيا فان هذه الأحكام ثابتة في الشريعة ظاهرة عند أهلها، خواصهم و عوامهم.

و فيه أولا- ان هذا الاشكال على فرض صحته (و لكنه غير صحيح كما يأتي) انما يلزم القائلين بكون مفاد القاعدة نفى الأحكام الضررية في الشريعة، و اما على المختار من ان مفادها نفى إضرار الناس بعضهم ببعض و ان الشارع لم يمض الإضرار في عالمى الوضع و التكليف فلا مجال له قطعا. نعم قد عرفت ان هذه القاعدة تدل بالملازمة و الأولوية على انه لا ضرر من ناحية أحكام الشرع على احد؛ و من المعلوم ان هذه الملازمة لا تنفى شيئا من الاحكام التي يتراءى منها الضرر، بل أقصى ما يستفاد منها هو ان هذه الاحكام،

76

بعد ثبوتها و تحققها و لو بطرق ظاهرية، مشتملة على مصالح جمة تكون بلحاظها نافعا محبوبا لا ضارا مبغوضا؛ و ما نراه من الضرر أحيانا بادي الأمر انما هو لعدم علمنا بمنافعها و مصالحها، و الا فالعالم بفوائد الخمس و الزكاة و الديات يراها لازمة ببداهة عقله و حكومة فطرته لما فيها من المصالح.

و ثانيا- نمنع كون هذه الاحكام كلها أو جلها ضررية بنظر العرف و العقلاء، فإن أشباهها أو ما يقرب منها متداولة معروفة بينهم؛ يحكمون بها و يرونها حقا نافعا لا ضارا باطلا، فإنهم لا يزالون يحكمون بلزوم بذل الخراج و العشور و ان فيها صلاح المجتمع الذي يقوم صلاح الافراد بصلاحه و لا يحفظ منافعهم الا به، و قد استدل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الارتكاز العقلائي في عهده المعروف الى «مالك» حيث قال:

«فالجنود بإذن اللّه حصون الرعية و زين الولاة و عز المسلمين و سبل الأمن و ليس تقوم الرعية إلا بهم، ثمَّ لا قوام للجنود الا بما يخرج اللّه لهم من الخراج الذي يقومون به على جهاد عدوهم و يعتمدون عليه فيما يصلحهم».

و كذلك عندهم حدود و ديات، يرون إجرائها صلاح المجتمع الذي يرتبط به صلاح كل فرد فرد منهم و ان كانت في الانظار البادية الساذجة ضررية و الحاصل ان جل هذه الأمور أو أشباهها موجودة عند العقلاء و لا يرون فيها ضررا بل يرونها نافعة، و القول بان العرف بالنظر البادى يحكم بكونها ضررية فيشملها قاعدة لا ضرر، ساقط جدا؛ لان العرف لو حكم بكونها مصاديق للضرر من باب المسامحة لا يلزمنا متابعته بعد ما يحكم بعدم كونها كذلك بعد تكرار النظر، و بالجملة الصغرى في جل الأمثلة المذكورة ممنوعة فإن بقي هناك موارد يصدق عليها عنوان الضرر بالنظر الغير المسامحي العرفي فلا شك انها طفيفة لا يلزم منها تخصيص الأكثر.

و اما ما أفاده العلامة الأنصاري من كفاية الخروج بعنوان واحد في دفع محذور تخصيص الأكثر، و ما ذكره «المحقق الخراساني» من ان ذلك انما يصح إذا كان ما تحت العام هي العناوين لا الافراد، فكلاهما ممنوعان، لما حققناه في محله من استهجان التخصيص ببعض مراتبه و ان كان بعنوان واحد أو كان ما تحت العام هي العناوين لا الافراد؛

77

كما يظهر بمراجعة أمثلتها العرفية.

التنبيه الثاني هل في هذا الحديث شي‏ء يخالف القواعد؟

قال شيخنا العلامة الأنصاري (رضوان اللّه عليه) بعد نقل قضية سمرة: «و في هذه القصة إشكال من حيث حكم النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) بقلع العذق مع ان القواعد لا تقتضيه و نفى الضرر لا يوجب ذلك- ثمَّ قال- لكن لا يخل بالاستدلال» انتهى كلامه.

و حاصل الاشكال عدم انطباق بعض ما ذكر في الرواية على هذه القاعدة و لا على سائر القواعد المعمولة، لأن أقصى ما يستفاد من قاعدة نفى الضرر هو لزوم استيذان سمرة من الأنصاري لما في تركه من الضرر عليه، و اما قلع نخلته و رميها اليه عند إبائه عن الاستيذان فلا، مع ان ظاهر الرواية ان هذا الحكم معلل بالقاعدة المذكورة.

أقول- و يمكن الذب عنه بان الظاهر ان حكمه (صلّى اللَّه عليه و آله) بذلك كان من باب حسم مادة الظلم و الفساد و إحقاق الحق؛ لأن النخلة لو بقيت- و الحال هذه- كان الأنصاري دائما في عذاب و شدة، بل لعلها صارت منشأ لمفاسد أخر؛ فلم يكن هناك طريق لدفع شر «سمرة» و قطع ظلمه عن الأنصاري، الواجب على ولى أمر المسلمين؛ الا بقلع نخلته و رميها اليه و عليه يستقيم تعليل هذا الحكم بنفي الضرر لان ضرر دخول سمرة على الأنصاري بلا اذن منه إذا كان منفيا في الشريعة و انحصر طريق دفعه في قلع النخلة صح تعليل الحكم بقلعه بأنه لا ضرر و لا ضرار، فهو من قبيل التعليل بالعلة السابقة، فالتعليل في محله و الاشكال مدفوع.

و غير خفي ان هذا الحكم لا يختص بالنبي (صلّى اللَّه عليه و آله) بل لحكام الشرع أيضا ذلك إذا لم يجدوا بدا منه في قطع يد الظالم و حفظ حق المظلوم. فما افاده المحقق النائيني في المقام من ان القلع لعله كان من باب قطع الفساد لكونه (صلّى اللَّه عليه و آله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، في غير محله.

78

و ذكر هذا المحقق طريقا آخر في دفع هذا الاشكال حاصله: ان الضرر و ان كان ينشأ من دخول سمرة على الأنصاري بلا استيذان منه و لكن كان منشأ جواز دخوله هو استحقاقه لكون النخلة باقية في البستان، فالضرر و ان نشأ عن الدخول الا انه كان معلولا لاستحقاق إبقاء النخلة، فرفع هذا الحكم انما كان برفع منشأ و هو استحقاق الإبقاء كارتفاع وجوب المقدمة برفع ذيها، فالقاعدة رافعة لاستحقاق بقاء النخلة و لازمه جواز قلعه فيصح ح تعليل الحكم المزبور بالقاعدة «انتهى ملخصا» و أنت خبير بما فيه، فإنه مخالف للوجدان و لظاهر الرواية معا، لظهورها في ان سمرة لو كان يرضى بالاستيذان من الأنصاري لم يكن عليه بأس و لم يجز قلع نخلته و لكنه لما ابى و أصر على الإضرار بالأنصاري حكم بذلك في حقه، مع ان ما ذكره قدس- سره لو تمَّ لاقتضى جواز قلع النخلة في هذا الحال أيضا؛ لما ذكره من ان استحقاقه لإبقائها كان موجبا لجواز الدخول على الأنصاري بغير اذن منه و هذا الجواز بنفسه حكم ضرري و ان لم يعمل بمقتضاه و لم يدخل على الأنصاري بغير اذن منه، هذا أولا و اما ثانيا- ان بقاء العذق في البستان كان له آثار شرعية مختلفة، منها جواز الدخول بلا استيذان فاذا كان خصوص هذا الأثر ضرريا فاللازم نفى ترتبه لا نفى ذات المؤثر بجميع آثاره، و السر في هذا ان الحكم باستحقاق إبقاء النخلة كما انه من الأحكام الشرعية أمره بيد الشارع رفعا و وضعا؛ فكذلك ماله من الاثار المختلفة المترتبة عليه شرعا؛ و الجزء الأخير من العلة التامة للضرر هو ترتب بعض آثاره عليه فاللازم رفع ذلك الأثر خاصة لا ذات الموضوع بجميع آثاره، فاللازم ان يحكم بجواز إبقاء النخلة و ترتب جميع آثاره عليه ما عدا الدخول عليه بغير اذنه.

و اما قياسه على باب المقدمة فهو كما ترى، للفرق الواضح بين المقامين فان الترتب هناك تكويني ليس أمرها بيد الشارع، بما انه شارع، فليس له رفع وجوب المقدمة إلا برفع وجوب ذيها، بخلاف المقام فكأنه (قدس سره) خلط بين الترتب الشرعي و التكويني فتدبر جيدا.

79

التنبيه الثالث في وجه تقديم هذه القاعدة على أدلة الأحكام الأولية

المعروف في وجه تقديم عموم هذه القاعدة على أدلة الأحكام الشرعية انه من باب حكومتها عليها فليستا من قبيل المتعارضين حتى تلاحظ النسبة بينهما أو يطلب الترجيح، و قد ذكر في وجه تقديمها عليها وجوه أخر. و لكن هذا البحث مبنى على مختاراتهم في معنى الحديث.

فمن قال بان معناه نفى الحكم الضرري فهو قائل بالحكومة لا محالة، لأنه بمدلوله اللفظي ناظر إلى أدلة الأحكام الأولية فيكون حاكما عليها، و كذلك الكلام على مذهب من يقول بان معناه نفى الحكم الضرري بلسان نفى موضوعه، و اما بناء على ثالث الأقوال في معنى الحديث، و هو ان يكون النفي بمعنى النهى، فلا يبقى مورد للحكومة و لا ربط له بأدلة الاحكام، بل هو كسائر النواهي الشرعية الواردة في مواردها بلا تفاوت بينها و كذا الكلام على المعنى الرابع و هو ارادة نفى الصفة- اعنى صفة عدم التدارك- عن نفى الضرر ليكون إشارة إلى لزوم تدارك الضرر؛ فإنه ح حكم مستقل في قبال سائر الأحكام يختص بموارد الغرامات و يدل على اشتغال ذمة الضار بغرامة ضرره؛ فيقدم على العمومات الدالة على براءة الذمة منها، اما لكونه أخص منها، أو لعدم بقاء المورد له على فرض عدم التقدم، أو لقوته و إبائه عن التخصيص، هذا كله على مختارات القوم.

و اما بناء على مختارنا في معنى الحديث من ان مفاده نفى إمضاء إضرار الناس بعضهم ببعض في عالمى الوضع و التكليف فالظاهر أيضا عدم حكومته على أدلة الأحكام الأخر لعدم كونه ناظرا إليها فإن الحكومة عبارة عن كون احد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظرا إلى الأخر بحيث لولاه لكان لغوا باطلا.

اما بان يتصرف في موضوعه كقول المولى لعبده: «ان الفاسق ليس بعالم، في قبال قوله أكرم العلماء.

80

أو بالتصرف في متعلقه كقوله «مجرد الإطعام ليس من الإكرام» أو بالتصرف في حكمه كقوله: «انما عنيت بذاك الأمر غير الفاسق».

أو بالتصرف في نسبة الحكم الى موضوعه كقوله «إكرام الفاسق ليس إكراما للعالم».

فاذن لا تنحصر الحكومة في الثلاثة الأولى كما افاده المحقق النائيني في بعض كلماته في المقام، و من المعلوم ان شيئا من هذه الأمور غير موجود في المقام.

نعم هو مقدم على أدلة سائر الأحكام لوجهين آخرين: أحدهما: قوة الدلالة لاشتماله على نفى وجود الضرر رأسا الظاهر في كمال التحاشي و التباعد عنه، لاسيما إذا أضيف إليه قيد «في الإسلام» لو ثبت هذا القيد بحسب الاخبار و قد عرفت الكلام فيه في مقدمة البحث، ثانيهما: إبائه عن التخصيص لكونه في مقام الامتنان و للمناسبات المغروسة في الأذهان بين هذا الحكم و موضوعه كما لا يخفى على المتأمل الخبير، و لذا يستنفر الطبع من تخصيص هذا الحكم و لو بالتخصيص المتصل بان يقال لا يجوز لأحد ان يضر بأحد إلا في كذا و كذا، و لو خرج منه بعض الموارد كما إذا كان الإضرار بحق فهو في الحقيقة خروج موضوعي، لأنه إحقاق حق لا إضرار فتأمل.

التنبيه الرابع هل الحكم بنفي الضرر من باب الرخصة أو العزيمة؟

قد عرفت عند بيان المختار في مفاد القاعدة انها لا تدل على نفى التكاليف الضررية كالوضوء و الصوم الضرريين، و ان اللازم الرجوع في هذه الموارد إلى «قاعدة نفى الحرج» و اما على مختار القوم من دلالتها على نفيها فهل هو من باب الرخصة أو العزيمة:

لا إشكال في عدم وجوب الوضوء الضرري و شبهه إذا كان المكلف عالما بموضوع الضرر على مختارهم و انما الكلام في صحتها (ح) و ان لم يكن واجبا. نقل المحقق النائيني القول بالصحة عن بعض الأعاظم و لم يسمه و استدل له بان «لا ضرر» انما

81

يرفع الوجوب فإنه ضرري و اما أصل الجواز و المشروعية فلا، لان الامتنان لا يقتضي أزيد مما ذكر، و ببيان آخر أدلة وجوب هذه الأمور دالة بالالتزام على وجود ملاكاتها حتى في موارد الضرر، و أدلة نفى الضرر انما تعارضها في دلالتها المطابقية على الوجوب، و لا تعارضها في دلالتها الالتزامية على وجود ملاكاتها الموجب لمشروعيتها في هذه الموارد و استحسن هذا البيان «بعض أعاظم العصر» في مستمسكه.

و أورد المحقق النائيني على البيان الأول بأمرين: أحدهما ان هذه الأحكام أمور بسيطة لا تركيب فيها حتى يرتفع بعض اجزائها و يبقى الأخر. ثانيهما انه يستلزم كون ما في طول الشي‏ء في عرضه، فان التيمم متأخر عن الوضوء و إذا كان المكلف في موارد الضرر مرخصا شرعا في الطهارة المائية مع جواز الاكتفاء بالطهارة الترابية يلزم اتحادهما في الرتبة، و هو باطل؛ لان المكلف إذا كان قادرا على الطهارة المائية لم يدخل تحت قوله تعالى‏ «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»*.

أقول: يمكن الجواب عنهما اما عن الأول فبان طريقة غير منحصر في تجزية الحكم البسيط بل يمكن ان يكون من باب تقييد إطلاقات نفى الضرر بعدم اقدام المكلف على التكليف الضرري بأن يقال ان وجوب الوضوء الضرري منفي عند عدم الاقدام لا غير، و لازم ذلك مشروعيته و ان لم يكن واجبا، و الدليل عليه انصراف الإطلاقات إليه فتأمل فإن دعوى الانصراف فيها عن هذه الصورة مشكلة جدا و عن الثاني بعدم قيام دليل على كون الطهارة الترابية في طول الطهارة المائية دائما حتى في أمثال المقام و لو سلمنا شمول الآية الشريفة لها فهو إطلاق كسائر إطلاقات أدلة الأحكام محكومة لقاعدة «لا ضرر» أو مخصصة بها، فتأمل، و الاولى في دفع هذا الاشكال منع شمول الآية و دلالتها على المقام و لا أقل من إجمالها من هذه الجهة فتدبر.

و التحقيق ان هذه المسألة مبنية على مسألة حرمة الإضرار بالنفس على الإطلاق فإن قلنا بالحرمة فهذا الوضوء حرام لا يمكن التقرب به بلا إشكال لأن حركات الوضوء متحدة مع عنوان الإضرار بالنفس، و على فرض كون الوضوء سببا له لا متحدا معه‏

82

لا يمكن أيضا التقرب به؛ لما حققناه في محله من سراية الحسن و القبح من المسببات إلى الأسباب التوليدية. هذا و لكن الكلام في حرمة الإضرار بالنفس بهذا العموم، و تمام الكلام في محله و ان كان الأقوى في النظر عاجلا عدم مشروعية هذا الوضوء على القول بشمول لا ضرر لأمثال هذه التكاليف.

التنبيه الخامس هل الأمر يدور مدار الضرر الواقعي أو لا؟

إذا جهل بالضرر مع وجوده واقعا فقد يقال بالصحة لما يظهر اختياره من السيد السند المحقق اليزدي في باب الوضوء عند ذكر الشرط السابع من شرائطه حيث قال:

«و لو كان جاهلا بالضرر صح و ان كان متحققا في الواقع و الأحوط الإعادة أو التيمم» و كأنه عدل عنه في المسألة 34 من هذا الباب حيث قال: «لو كان أصل الاستعمال مضرا و توضأ جهلا أو نسيانا فإنه يمكن الحكم ببطلانه لأنه مأمور واقعا بالتيمم» و كيف كان فقد افتى بالصحة غير واحد من أعلام محشيها قدس اللّه أسرارهم.

و غاية ما يستدل به على الصحة أمران: أحدهما: أن القاعدة واردة مورد الامتنان و لا منة في نفى صحة مثل هذا الوضوء فإنه لا يزيد المكلف إلا عناء و شدة كما لا يخفى ثانيهما ان الضرر هنا مسبب عن جهل المكلف لا عن حكم الشارع فان غفلته عن الواقع هي التي أو أوقعته في الضرر؛ و من المعلوم ان المنفي بهذه القاعدة هو الضرر الناشي من قبل حكم الشارع لا غير.

و لكن يرد على الأول منهما ان المنة انما هي بلحاظ نوع الحكم لا بلحاظ اشخاصه و افراده و كل واحد واحد من الوقائع الشخصية، فرفع وجوب الوضوء الضرري إذا كان بحسب نوعه منة على العباد كان داخلا تحت القاعدة على الإطلاق، و ما يتوهم كثيرا من دورانه مدار الأشخاص و لزوم المنة في كل واحد من الأحكام الشخصية المرفوعة، و كثيرا ما يرتب عليه فروع مختلفة، باطل جدا لان المتيقن انصراف أدلة لا ضرر عن الموارد التي لا تكون بحسب نوعها منة على العباد لا غير.

83

و يشهد على ذلك ان حديث الرفع أيضا وارد مورد الامتنان و لا يزالون يستدلون به على عدم نفوذ المعاملات التي وقعت عن اكراه- بل استدل به الامام (عليه السلام) على ذلك أيضا- حتى فيما إذا كان في نفوذها مصلحة المكره (بالفتح) أحيانا و ان لم يعلم هو به، فلا يراعى فيه ملاك الامتنان في كل واحد من الموارد الشخصية، و لو كان مراعاة ذلك لازما كان الحكم ببطلان عقد المكره على الإطلاق بمقتضى حديث الرفع في غير محله و القول بان نفوذ تلك المعاملة بغير رضى المالك مشتمل على الضرر دائما و ان كان فيها منافع جمة له واقعا، لما فيه من سلب اختيار المالك و قصر دائرة سلطنته، شطط من الكلام، و هكذا الكلام في نفى آثار غير الإكراه من التسعة كالجهل و النسيان فإنه لا يكون فيه ملاك المنة في جميع الحالات مع إطلاقهم القول برفعها و ليس ذلك الا من جهة كفاية ملاك المنة بحسب نوع الحكم و نوع مصاديقه.

فالصواب في وجه الحكم بصحة العبادة في المقام هو الوجه الثاني و يمكن تقريبه بوجه آخر أتم و أقوى و هو: انه لا إشكال في ان الضرر في هذه الموارد من قبيل العناوين الثانوية التي تكون مانعة عن تأثير العنوان الاولى بملاكه، الذي يكون على نحو الاقتضاء لا العلية التامة، فالوضوء الضرري في حد ذاته واجد للملاك و لكن هذا العنوان الثانوي بملاكه يمنع عن تأثيره؛ و من المعلوم ان الضرر إذا كان متوجها نحو المكلف على كل حال، لجهله بالواقع؛ كان الحكم بنفيه بلا ملاك، لعدم إمكان استيفاء الشارع غرضه منه، فالحكم بنفيه (ح) حكم بلا ملاك و لغو محض، و ان هو الا نظير الحكم ببطلان وضوء «المكره على استعمال الماء» مع كونه مضرا له، فهل يساعد وجدان احد على الحكم ببطلان وضوئه في هذا الحال إذا اتى به عن قصد؟

و مما ذكرناه يظهر ان المكلف غير مأمور بالتيمم في محل البحث، بل هو مأمور بالوضوء واقعا، فما ذكره في العروة من تعليل بطلان الوضوء بعدم الأمر به واقعا في غير محله، اللهم الا ان يقال ان نظره في ذلك الى إطلاق الأخبار الخاصة الواردة في باب التيمم فيما إذا كان استعمال الماء مضرا و لكن الإنصاف أن شمولها لصورة موجود الضرر واقعا مع جهل المكلف به محل تأمل و اشكال هذا كله إذا كان الضرر موجودا في الواقع‏

84

مع جهله، به اما عكس المسألة و هو:

إذا كان استعمال الماء مضرا باعتقاده و مع ذلك توضأ و اغتسل ثمَّ بان عدم الضرر فيه، فظاهر غير واحد منهم الحكم بالبطلان فيه؛ كما يظهر من كلماتهم في أبواب مسوغات التيمم. و الوجه فيه اما كونه مأمورا بالتيمم و عدم كونه مأمورا بالوضوء نظرا الى صدق عدم التمكن من استعمال الماء في حقه لان المراد من «عدم الوجدان» في قوله تعالى‏ «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»* عدم التمكن من استعماله، سواء كان لعدم وجوده أو لعدم القدرة على استعماله لمانع شرعي أو عقلي و يظهر اختيار هذا الوجه من المحقق النائيني.

أو لعدم تمشي قصد القربة منه مع كونه باطلا و حراما باعتقاده، و لو فرض تمشيها منه فلا يكون الفعل مقربا، لا لأنه حرام واقعا بل لان الفعل إذا وقع بعنوان التجري فهو كالمعصية الحقيقية في كونه مبعدا للعبد من ساحة المولى و مانعا من التقرب اليه و اعتمد على هذا الوجه في «المستمسك».

و الانصاف ان شيئا من الوجهين لا يكفي في إثبات البطلان، اما الأول فلان مجرد تخيل الضرر لا يجعله غير واجد للماء و غير متمكن من استعماله، بل هو متخيل لعدم التمكن لا انه غير متمكن واقعا و ان هو إلا نظير من يكون مستطيعا في الواقع و هو لا يعلم باستطاعته؛ أو يكون قادرا على الصلاة قائما و هو يزعم انه غير قادر، فهو مأمور واقعا بالطهارة المائية و ان كان معذورا ما دام جهله و اما قياس ذلك على ما ذكروه في باب صحة صلاة من يكون الماء في راحلته و هو لا يعلم به قياس مع الفارق، لان الجهل هناك مانع عقلي من استعمال الماء كما هو ظاهر بخلاف الجهل فيما نحن فيه فإنه ليس مانعا عقلا و لا شرعا، كيف و المفروض ان المكلف أقدم على الوضوء فكيف يقاس به فتدبر.

و اما عدم تمشي قصد القربة فهو ليس دائميا كما يظهر من ملاحظة حال عوام الناس في أمثال المقام و كون التجري مبعدا و مانعا من التقرب أيضا محل للكلام.

85

فالعمدة في وجه البطلان هو استظهار الموضوعية من عنوان «الخوف» الوارد في أبواب التيمم، الصادق في المقام، لان المفروض كون المكلف خائفا من استعمال الماء بل عالما بالضرر؛ و ان لم يكن كذلك في الواقع؛ و لكن في هذا الاستظهار أيضا كلام في محله من الفقه.

التنبيه السادس هل القاعدة شاملة للعدميات أم لا؟

لا إشكال في شمول القاعدة للاحكام الوجودية و انما الكلام في شمولها للعدميات و حاصل القول فيه انه هل يجوز التمسك بالقاعدة لإثبات احكام وجودية في موارد يلزم من فقدها الضرر بأن يكون عدم الحكم مشتملا على الضرر فيتمسك بالقاعدة لنفيه و يستنتج منه حكم وجودي، أم لا؟

و مثلوا له بضمان ما يفوت من عمل الحر بسبب حبسه؛ و بما لو فتح إنسان قفص طائر فطار، فان عدم الضمان في المقامين أمر ضرري و إثباته رافع لذلك الضرر. هذا و لكن في التمثيل الثاني إشكال ظاهر، لأنه مشمول لقاعدة الإتلاف، فإن فتح قفص الطائر سبب لإتلافه و داخل تحت أدلة الإتلاف بلا كلام. اللهم الا ان يقال: ان النظر هنا الى شمول قاعدة لا ضرر له و ان كان حكمه معلوما من جهة قاعدة الإتلاف، و لكنه كما ترى؛ و لذلك اقتصروا في ذكر المثال الأول بعمل الحر مع انه لا فرق بين عمل العبد و الحر من هذه الجهة، و انما الفرق بينهما من جهة صدق الإتلاف في عمل العبد لأنه مال و عدم صدقه في عمل الحر لعدم صدق المال عليه.

و كيف كان فهذا النزاع كما يتصور بين القائلين بدلالة الحديث على نفى الأحكام الشرعية الضررية مطلقا كذلك يتصور على المختار من عدم دلالتها الا على نفى إمضاء إضرار الناس بعضهم ببعض في عالمى الوضع و التكليف، فما نذكرها من الوجوه الاتية لتعميم القاعدة جارية على المذهبين.

و إذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الحق عدم الفرق بين الأمور الوجودية و العدمية هنا

86

و يدل عليه أمور: الأول- ان ما يطلق عليه الحكم العدمي في أمثال المقام يكون في الحقيقة حكما وجوديا فعدم الضمان في المثالين عبارة أخرى عن الحكم ببراءة الذمة و هي حكم شرعي تحتاج الى جعل الشارع كما يحتاج شغل الذمة اليه و ان شئت قلت: براءة الذمة في باب الأحكام الوضعية نظير الإباحة في باب الأحكام التكليفية؛ فكما ان الإباحة و الترخيص في مواردها من الأمور الوجودية فكذلك حكم الشارع ببراءة ذمة الحابس للحر عن الغرامة حكم وضعي وجودي. و توهم ان الإباحة التكليفية كالبراءة الوضعية من الأمور العدمية المطابقة للأصل غير محتاجة إلى التشريع و الجعل، فاسد لأن الأحكام الخمسة بأجمعها أمور وجودية غاية الأمر ان بعضها محتاج الى البيان و بعضها يستكشف من عدم البيان؛ و الحاجة الى البيان و عدمه غير الحاجة الى الجعل و عدمه كما هو ظاهر، و لذا يتراءى من الشارع المقدس إنشاء الإباحة في موارد كثيرة كقوله كل شي‏ء حلال إلخ فإن التحليل و الترخيص و الإباحة في هذه الموارد أمور وجودية أنشأها الشارع.

الثاني الظاهر من قوله «لا ضرر و لا ضرار» انه لا ضرر من ناحية الشارع على احد (على قولهم) أو من ناحية المكلفين بعضهم الى بعض (على المختار) فالمنفي الضرر المستند الى الشارع أو الى المكلفين؛ فلو لزم من عدم الجعل في بعض الموارد استناد الضرر اليه كما في مثال الحر المحبوس وجب نفيه بالقاعدة؛ فليس في عنوان الدليل «الحكم الضرري» حتى يتكلم في صدقه على العدميات بل المدار على صدق نسبة الإضرار إلى الشارع أو الى المكلفين، و دعوى ان استناد الضرر لا يصح الا في مورد الافعال الوجودية ممنوعة جدا، الا ترى انه لو صرح الشارع بان منافع الحر غير مضمونة لا يجب تداركها و ان بلغ ضرره ما بلغ، صح لنا ان تقول ان الحر المحبوس لم يقع في هذه الخسارة العظيمة إلا لقول الشارع كذا و كذا.

و السر في ذلك ان محيط التشريع بجميع شئونه محيط حكومة الشارع و الأمر فيه في جميع حركات المكلفين و سكناتهم اليه، فما ينشأ من إهمال جعل بعض الاحكام من الضرر مستند اليه مثل ما ينشأ من أحكامه المجعولة. ألا ترى ان الوالي إذا

87

أهمل في وضع النظامات اللازمة و نصب الحرس و الشرط و تجنيد الجنود لحفظ الرعية و نظام عيشهم فحدث في أمورهم احداث، تنسب كلها الى سوء تدبير الوالي و إهماله في الأمور.

و الحاصل ان ترك الفعل في الموارد التي يترقب وجوده، يصحح استناد لوازمه الى من يترقب منه، و لا يشترط في صحة الانتساب كون الفعل وجوديا دائما. و من المعلوم ان المترقب من الشارع المقدس في محيط التشريع جعل الأحكام الحافظة لمصالح العباد و منافعهم فلو أخل بها فقد ألقاهم في الضرر و هو منفي بمقتضى الحديث، هذا على مختار القائلين بأن المنفي الضرر من ناحية الشرع؛ و اما على المختار فالأمر أوضح لأن حبس الحر و إتلاف منافعه مثلا إضرار من ناحية بعض المكلفين ببعض، فهو منفي في الشريعة بجميع آثاره التكليفية و الوضعية، و لا ينتفي إلا بثبوت الغرامة له عليه فتأمل.

و لعله اليه يرجع ما افاده شيخنا الأعظم العلامة الأنصاري (قدس سره) في رسالته المعمولة في المسألة في مقام توجيه القول بشمولها للعدميات حيث قال: «ان المنفي ليس خصوص المجعولات بل مطلق ما يتدين به و بعامل عليه في شريعة الإسلام، وجوديا كان أو عدميا، فكما انه يجب في حكمة الشارع نفى الأحكام الضررية كذلك يجب جعل الاحكام التي يلزم من عدمها الضرر» و لقد أجاد فيما أفاد، قدس اللّه سره الشريف.

الثالث- لو سلمنا عدم شمولها للعدميات بالدلالة اللفظية فلا أقل من دلالتها عليها بتنقيح المناط و إلغاء الخصوصية و مناسبة الحكم و الموضوع، و أي خصوصية للوجود و العدم في هذا الباب و فيما منّ اللّه به على عباده من نفى الضرر عنهم و غير خفي ان كلما يتصور في الحكم بنفي الضرر و الضرار من المصالح و الملاكات فهي موجودة في طرفي الوجود و العدم من دون اى تفاوت و مجرد كون شي‏ء من الأمور الوجودية أو العدمية لا يكون مبدء للفرق في المقام و ليت شعري ما ذا تصوره القائلون بالتفرقة بينهما.

و قد يذكر للتعميم وجوه أخر غير صافية عن الاشكال:

منها: ان الحكم العدمي يستلزم أحكاما وجودية دائما لا لما ذكرناه في‏

88

الوجه الأول بل لان عدم ضمان ما أتلفه على الحر من المنافع مثلا يستلزم حرمة مطالبته بالغرامة و مقاصته و التعرض له و جواز دفعه. و فيه ان حرمة مزاحمة الناس في سلطنتهم على أموالهم و أنفسهم؛ بغير حق ثابت عليهم، ليس حكما ضرريا أصلا و انما الضرر في المقام ينشأ من عدم ثبوت حق للحر على من أتلف منافعه فلو أمكن إثبات حق له عليه بأدلة نفى الضرر فهو و الا فلا يجوز الاستناد إليها لنفى حرمة المذكورات.

و منها انه يمكن استفادة العموم من نفس قضية «سمرة» حيث انه سلّط الأنصاري على قلع النخلة و علله بنفي الضرر فان الضرر هناك في عدم سلطنته على القلع فنفاه و اثبت سلطانه عليه. و فيه ما عرفت في التنبيه الثاني من ان تسليطه عليه انما كان من باب دفع المنكر و مقدمة لحفظ الحق و حسما لمادة الفساد بعد إبائه الشديد عن القيام بما هو وظيفته قبال الأنصاري، فالمرفوع أولا و بالذات هو تسلط سمرة على إتيان عذقه بغير اذن من الأنصاري فإن الضرر كان من ناحيته، و من الواضح انه أمر وجودي.

و منها- ان استشهاده (عليه السلام) بها في حديث «الشفعة» لإثبات حق الشفعة للشريك مع ان الضرر انما هو في عدم هذا الحق، دليل على شمولها للعدميات و كذلك استشهاده بها لإثبات حق الانتفاع من فضل الماء في حديث «منع فضل الماء» و فيه ان المرفوع في حديث الشفعة هو لزوم البيع. و في حديث منع فضل الماء هو جواز المنع و كلاهما أمر ان وجوديان فتأمل.

و اما ما استدل به على عدم العموم فهو أمور ذكرها المحقق النائيني (قدس سره) في رسالته نذكرها ثمَّ نذكر ما عندنا في دفعها أحدها: ان الأمور العدمية لا يصح استنادها الى الشارع. و قد عرفت الجواب عنه.

ثانيهما: لو عمت القاعدة للأمور العدمية لزم منه فقه جديد، فيلزم مثلا كون أمر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقائها على الزوجية مضرا بحالها كما إذا غاب عنها زوجها أو لم ينفق عليها لفقر أو عصيان بل يلزم الانفساخ بغير طلاق‏

89

و يلزم أيضا انعتاق العبيد إذا كانوا في الشدة و يلزم أيضا وجوب تدارك كل ضرر يتوجه الى مسلم اما من بيت المال أو من مال غيره.

و يدفعه ان ما يلزم منه ليس فقها جديدا و ما يكون فقها جديد الا يلزم منه، اما كون الطلاق بيد الزوجة إذا غاب عنها زوجها فهو مخالف للنصوص الخاصة الواردة في كتاب الطلاق؛ و للمسألة صور كثيرة مذكورة هناك، لأنها اما تعلم بحياة زوجها أولا، و على الأول يجب عليها ان تصبر كما ورد في النصوص، و على الثاني اما ينفق عليها ولى الزوج أولا، فإن أنفق فعليها ان تصبر أيضا، و على الثاني ترفع أمرها إلى الحاكم يتفحص عن حالها اربع سنين، الى غير ما ذكروه هناك مع مداركها و نصوصها، و تحقيق الحق في محله، و بالجملة عدم حكمهم بجواز طلاق الزوجة هناك انما هو لاتباع النصوص و لولاها لم نستبعد التمسك بقاعدة لا ضرر في هذا الباب كسائر الأبواب.

هذا و لكن لا يلزم من التمسك بالقاعدة هنا كون أمر الطلاق بيد الزوجة- كما توهمه المحقق المذكور- بل غاية ما يستفاد منها جواز حل عقدة النكاح، اما كونه ببدها فلا، فح اما نقول بكون امره بيد الحاكم أو بيد ولى الزوج فلو طلق فهو و الا فيجبره الحاكم، فان هذا هو الذي تقتضيه قواعد المذهب و الجمع بين النصوص كما سيأتي، و ذهب جماعة الى عدم الحاجة الى الطلاق في بعض صور المسألة بل يأمره الحاكم بالاعتداد فتعتد و تبين من زوجها.

اما إذا كان الزوج حاضرا و لكن لا ينفق عليها لفقر أو عصيان، أو كان غائبا و لم يمكن استفسار حاله، لعدم بسط يد الحاكم أو لموانع أخر، و ليس من ينفق عليها و لا ترضى بالصبر، فقد ذهب المحقق الطباطبائي اليزدي (قدس سره) فيما أفاده في ملحقات العروة إلى إمكان القول بجواز طلاقها للحاكم، لقاعدتي نفى الحرج و الضرر خصوصا إذا كانت شابة و استلزم صبرها طول عمرها وقوعها في مشقة شديدة، و لما يستفاد من اخبار كثيرة واردة في باب «وجوب نفقة الزوجة» من انه «إذا لم يكسها ما يوارى عورتها و لم يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الامام ان يفرق بينهما» أو على الزوج ان يطلقها و فيها روايات صحاح.

90

و يؤيده ما أفاده انهم استدلوا بهذه الروايات في باب وجوب نفقة الزوجة و لم يستشكلوا عليها بمخالفتها للقاعدة من هذه الجهة و لو كان لوجب التنبيه عليه عادة فراجع الجواهر و الرياض في باب وجوب النفقة تجد صدق ما ذكرنا، و قد حكى في «المسالك» في باب «من غاب عنها زوجها» قولا بأن للمرأة الخروج من النكاح بالإعسار بالنفقة و ان لم يسم قائله، و استدل هو على جواز الطلاق في بعض صور المسئلة أعني مسألة من غاب عنها زوجها بقاعدتي نفى الحرج و الضرر مضافا الى النصوص و الحاصل ان مخالفة هذه الفتوى لفتاوي الأصحاب غير معلومة مع ذهاب هؤلاء الإعلام أو ميلهم اليه.

و اما ما افاده المحقق النائيني فيما عرفت من كلامه من احتمال الحكم بانفساخه بلا حاجة الى الطلاق فهو أمر عجيب لأن الذي يقتضيه الجمع بين احكام الشرع و أغراضه و ملاكات أحكامه أن يرفع الضرر بطريق يكون أقل محذورا، و من المعلوم ان توقف حل عقدة النكاح على الطلاق (الا فيما استثنى) حكم ثابت في الشرع كما ان كون الطلاق بيد من أخذ بالساق حكم آخر، فإذا أمكن دفع الضرر بإلغاء الثاني الذي في الواقع شرط من شرائط الطلاق و إعطائه بيد ولى الأمر الحافظ لنفوس المسلمين و أموالهم و فروجهم؛ فما الوجه في إهمال حكم الطلاق و توقف انفساخ الزوجية عليه من رأس؛ و الحكم بانفساخها بنفس الضرر، و الحاصل انه يقتصر في تخصيص عمومات الاحكام الأولية بعموم لا ضرر على مورد الضرورة لا غير.

كما ان ما ذكره من مسألة تدارك الضرر الذي ليس من ناحية أحكام الشرع و لا من ناحية المكلفين بعضهم ببعض من بيت المال فهو أعجب من سابقة، و ليت شعري ما الوجه في لزوم تدارك هذا الضرر مع عدم استناده الى الشارع و لا الى مكلف، و هل يمكن اسناد الضرر الى الشارع و احكامه لو لم يحكم بوجوب تدارك هذا الضرر من بيت المال حتى يستدل بحديث نفى الضرر لإثبات وجوب التدارك، و لعمري انه أوضح من ان يخفى على مثل هذا المحقق النحرير.

91

التنبيه السابع هل المراد بالضرر هو الضرر الشخصي أو النوعي؟

لا ينبغي الإشكال في ظهور أدلة الباب في الضرر الشخصي اما على المختار فواضح، لأن النهي عن الضرر كالنهي عن سائر الموضوعات تابع لوجود مصداقه الخارجي، الذي هو عين التشخص، و كون الضرر من العناوين الثانوية لا يصادم هذا الظهور في شي‏ء كما لا يخفى و اما على القول بان مفاده نفى الأحكام الضررية مطلقا فهو أيضا كذلك فإن الألفاظ بأجمعها في هذه المقامات ظاهرة في مصاديقها الخارجية الشخصية أينما تحققت، فاذا كان الحكم بالنسبة الى بعض افراد المكلفين ضرريا دون بعض اختص جريان القاعدة بمن يصدق في حقه الضرر دون غيره، و لا يتوقف هذا الظهور على القول بتقدم القاعدة على عمومات الاحكام الأولية من باب الحكومة- كما لعله يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني في المقام- بل يجرى على جميع الوجوه التي ذكروها في وجه تقديمها عليها.

نعم قد يتوهم ظهور كلمات الأصحاب في الضرر النوعي لأنهم استدلوا بها على خيار الغبن مع ان المعاملة الغبنية لا تكون ضررية دائما بل قد تكون المصلحة في بيع المتاع و لو بأقل من ثمن المثل، كما إذا كان في معرض الحرق و السرق أو كان المالك عاجزا عن حفظه و قدر غيره عليه، فاذا باعه، و الحال هذا و هو لا يعلم، بأقل من ثمن المثل لم يتضرر من هذه المعاملة و ان كان مغبونا فيها، فهذه المعاملة الغبنية لا تشتمل على الضرر بالنسبة الى هذا الشخص.

و لكن يدفعه ان المعاملة المذكورة المشتملة على الغبن من جهة بيع المتاع بأقل من ثمن مثله، ضررية من حيث كونها معاملة بلا اشكال و ان كانت نافعة لملاحظات أخر خارجية، و ان شئت قلت: ان هذه المعاملة كما أنها غبنية من حيث كونها معاملة فكذلك تكون ضررية من هذه الجهة، و كون المتاع في معرض الحرق و السرق أمر خارج من دائرة المعاملة، فلا يقال: انه انتفع بهذا البيع لان الانتفاع‏

92

بالبيع انما يكون فيما إذا باعه بأكثر من ثمن مثله، بل يقال: انه و ان تضرر في هذه المعاملة الا انه انتفع بأمر خارج منها و لذا يقال في أمثال المقام «ان الضرر اليسير منع من الضرر الكثير» و انه لو لم يبعه بالضرر تضرر بأصله أو بأزيد منه؛ فاذا لوحظ جميع الحيثيات الداخلية و الخارجية بعد الكسر و الانكسار لم يكن هذه المبادلة ضرريا في حقه، كما انه ليس مغبونا بهذه الملاحظة، و لكن هذه ملاحظات خارجة عن حقيقة المعاملة بما انها معاملة و لا يصح جعلها مقياسا لكون المعاملة ضرريا أو غير ضرري فالمعاملة الغبنية ضررية دائما و الحاصل ان عنوان الضرر صادق على هذه المعاملة بلا اشكال.

نعم الحكم بالفساد في خصوص هذه الواقعة لا يكون منة على المكلف و لكن قد عرفت آنفا ان الامتنان انما هو بلحاظ الحكم الكلي في هذه المقامات، لا بحسب مصاديقة الشخصية، و دوران «الضرر» مدار الأشخاص أمر و دوران «الامتنان» مدار النوع أمر آخر و لا منافاة بينهما أصلا.

التنبيه الثامن هل يجوز الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس؟

قال شيخنا الأعظم العلامة الأنصاري في رسالته المعمولة في المسألة في ملحقات مكاسبه، في «التنبيه الرابع» من التنبيهات التي أوردها هناك ما لفظه: «مقتضى القاعدة ان لا يجوز لأحد إضرار إنسان لدفع الضرر المتوجه اليه، و انه لا يجب على احد دفع الضرر عن الغير بإضرار نفسه لان الجواز في الأول و الوجوب في الثاني حكمان ضرريان» ثمَّ فرع على الأول ما ذكروه من عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه على جذع الجار، و على الثاني جواز إضرار الغير عند الإكراه و التقية بمعنى انه إذا أمر الظالم بإضرار أحد و أوعد على تركه جاز للمأمور إضراره لدفع الضرر المتوعد عن نفسه، و لا يجب عليه تحمل ذلك الضرر لدفع الضرر عن الغير.

و ذكر في «الفرائد» في هذا المقام ما لفظه: «انه قد يتعارض الضرران بالنسبة

93

إلى شخص واحد أو شخصين، فمع فقد المرجح يرجع الى الأصول و القواعد الأخر كما انه إذا أكره على الولاية من قبل الجائر المستلزم للإضرار على الناس، فإنه يرجع الى «قاعدة نفى الحرج» لأن إلزام الشخص بتحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره حرج، و قد ذكرنا توضيح ذلك في مسألة التولي من قبل الجائر من كتاب المكاسب» انتهى.

و ذكر هناك ما حاصله: «ان الضرر إذا توجه الى شخص بمعنى حصول مقتضية فلا يجوز دفعه عن نفسه بإضرار غيره، كما إذا أجبره الظالم على دفع مال من أمواله فإنه لا يجوز له نهب مال غيره لدفع الضرر عن نفسه، اما إذا كان الضرر أولا و بالذات متوجها الى الغير كما إذا أجبره على نهب مال الغير و أوعده على ترك النهب بأخذ مال نفسه فيجوز له ذلك و لا يجب عليه بذل مال من أمواله و تحمل الضرر عن الغير، لان الضرر بحسب قصد المكره (بالكسر) و إرادته الحتمية متوجه نحو الغير؛ و المكره (بالفتح) و ان كان مباشرا للإضرار الا انه ضعيف لا ينسب إليه الإضرار حتى يقال:

انه أضر بالغير لئلا يتضرر نفسه؛ نعم لو تحمل الضرر و لم يضر بالغير فقد صرف الضرر عنه الى نفسه عرفا، و لكن الشارع لم يوجب عليه هذا المعنى و الامتنان بهذا على الأمة لا قبح فيه، هذا مع ان أدلة نفى الحرج كافية في الفرق بين المقامين، فإنه لا حرج في عدم الرخصة في دفع الضرر عن النفس بإضرار الغير بخلاف إلزام تحمل الضرر عن الغير بإضرار النفس فإنه حرجي قطعا» انتهى ملخصا.

أقول- اعلم ان هنا مسائل ثلث احديها عدم جواز الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس و هذا مستفاد من حديث لا ضرر بلا كلام ثانيتها- عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير بإضرار النفس، و هذا مستفاد من أدلة البراءة و لا يحتاج إلى قاعدة لا ضرر لأنه ليس لنا دليل يقتضي بعمومه أو إطلاقه وجوب تحمل الضرر عن الغير حتى يحتاج في نفيه إلى أدلة نفى الضرر، بخلاف المسألة الأولى، لأن إطلاقات البراءة هناك تدل على الجواز على عكس ما نحن فيه فيحتاج في نفيه إلى قاعدة لا ضرر.

94

ثالثتها- مسألة تعارض الضررين في حق شخصين أو شخص واحد و سيأتي حكمه في التنبيه الآتي إنشاء اللّه، و لا دخل له بالمسألتين السابقتين، و من العجب ان شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) قد جمع في الفرائد بين هذه المسائل الثلاث في عبارة واحدة كما عرفت؛ و لكنه (قده) فرق بينها في رسالته المطبوعة في ملحقات المكاسب فعقد للمسألتين الأوليين التنبيه الرابع و لتعارض الضررين التنبيه السادس من التنبيهات التي ذكرها.

و أعجب منه ما افاده «المحقق النائيني» في المقام حيث أورد على كلام الشيخ في رسالته المذكورة بأنه لا وجه لعقد مسألة واحدة للجميع و ان الصواب جعل عنوان مسألة تعارض الضررين عنوانا مستقلا و مسألة الإضرار بالغير كالولاية من قبل الجائر عنوانا آخر.

أقول- كأنه زاغ بصره الشريف عن الأمر الرابع الذي ذكره الشيخ (قده) في تلك الرسالة فإنه بعينه هو ما رامه. و على كل حال فلنرجع الى البحث عن المسألتين الأوليين التين عقد لهما هذا التنبيه. ثمَّ لنبحث عن الثالثة في التنبيه الاتى إنشاء اللّه فنقول و منه سبحانه نستمد التوفيق و العناية.

أما الإضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس فهو أمر غير جائز بلا اشكال فلا يجوز توجيه السيل الى دار الغير دفعا له عن داره، و لا إلقاء الغير عند السبع لصرفه عن نفسه، و يدل عليه أدلة نفى الضرر لا سيما على المختار في معناها.

لا يقال- ان ترك الإضرار بالغير في مفروض البحث أيضا يشتمل على الضرر فكما ان فعله مستلزم للضرر على الغير فكذلك تركه أيضا مستلزم للضرر على نفسه فهو داخل في مسألة تعارض الضررين و لعل هذا هو الوجه في جعل الجميع مسألة واحدة لأنا نقول- ترك الإضرار بالغير في مفروض البحث ليس في حد ذاته ضرريا و انما هو ترك للمانع عن مقتضى الضرر، توضيحه: ان مقتضى الضرر في مفروض الكلام و هو توجه السيل أو السبع مثلا- موجود بحسب أسبابه الطبيعية لا بسبب فعل المكلف و لكن يمكن خارجا دفع أثره بتوجيهه نحو الغير و صرفه عن نفسه، فترك هذا انما هو

95

ترك للمانع لا إيجاد للمقتضي كما لا يخفى.

و من هنا تعرف ان أدلة لا ضرر لا تشمل هذا الترك رأسا لعدم موضوع له هنا فلا يحتاج الى القول بانصرافها بقرينة ورودها مورد الامتنان كما يظهر من بعض كلماتهم، لان ذلك فرع وجود الموضوع و المقتضى لها و قد عرفت عدمه في المقام. هذا بالنسبة إلى المسألة الاولى.

و اما المسألة الثانية و هو تحمل الضرر بنفسه لدفعه عن غيره، كما إذا توجه السيل بحسب أسبابه الطبيعية نحو الغير فدفعه الى داره حفظا لدار الغير عن الضرر، فقد عرفت انه لا دليل يقتضي وجوبه و لو بالإطلاق كي يحتاج الى نفيه بقاعدة نفى الضرر أو قاعدة نفى الحرج، فالقاعدة أجنبية عنه، و المرجع فيه هو البراءة، نعم لو كان هناك عموم أو إطلاق يقتضي وجوبه أمكن التمسك بالقاعدة على نفيه.

بقي في المقام «مسألة الإضرار بالغير عند الإكراه»، كالتولي من قبل الجائر مكرها إذا استلزم إضرارا و ظلما على بعض العباد، الذي صرح الشيخ (قده) بجوازه في مقامات مختلفة؛ مدعيا ان الضرر بحسب طبعه الاولى و ارادة المكره (بالكسر) متوجه نحو الغير فلا يجب ترك الإضرار به و تحمله عنه فهو عنده من صغريات المسألة السابقة، و قد تبعه على هذا المعنى كثير من متأخريه.

و لكن ما ذكره ممنوع جدا لأنا نمنع من اندراجه تحت تلك المسألة، بيان ذلك: ان الضرر في هذه الموارد انما يتوجه نحو الغير من ناحية فعل المكره (بالفتح) فمع قطع النظر عن فعله لا يتوجه إليه شي‏ء؛ و ان شئت قلت: مسألة عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير انما هو في المواطن التي يكون مقتضى الضرر بحسب أسبابه الطبيعية و الخارجية مع قطع النظر عن فعل هذا المكلف موجودا و متوجها نحو الغير، و لكن مكلفا آخر يقدر على إيجاد المانع عن تأثيره بتوجيه الضرر الى نفسه، و في باب الإكراه ليس الأمر كذلك، فان الضرر بحسب أسبابه الطبيعية و الخارجية لم يتوجه نحو الغير، و انما يتوجه اليه بسبب ارادة المكره (بالفتح).

96

و اما ما أفاده العلامة المذكور (قدس سره) في بعض كلماته من ان توجه الضرر نحو الغير في موارد الإكراه انما هو بسبب ارادة المكره (بالكسر) فهو ممنوع جدا، لان مجرد ارادة المكره (بالكسر) لا يوجب توجيه الضرر نحو الغير ما لم يكن المكره (بالفتح) كالالة، نعم لو كان المكره (بالفتح) مقهورا للمكره بحيث يعد مضطرا على العمل على وفق ارادته أمكن القول بذلك، لان الضرر بحسب أسبابه الخارجية، و منها ارادة المكره (بالكسر) توجه نحو الغير و لم يتوسط هناك ارادة المكره (بالفتح) و اختياره، و لكن الأمر في موارد الإلجاء و الاضطرار سهل لأنه لا يبقى هناك مجال للبحث عن جواز الإضرار و عدمه لارتفاع التكليف فيها رأسا.

اما إذا لم يكن المكلف ملجئا بل كان مكرها مع بقاء ارادته و اختياره المقابل للاضطرار و الإلجاء فتوجه الضرر نحو الغير لا يكون الا بتوسيط ارادته؛ فإرادته و اختياره متوسط في البين و بدونه لا يكون الضرر متوجها نحو الغير. و ما يظهر من كلماته (قدس سره) من ان الفعل لا يسند الى المكره (بالفتح) و ان كان مباشرا؛ لضعفه و قوة السبب و هو المكره (بالكسر)، أيضا ضعيف فإن إسناد الفعل في المقام انما هو الى المباشر قطعا بحسب أنظار أهل العرف لمقام ارادته و اختياره، و انما لا ينسب إليه إذا كان مضطرا و ملجئا و كان كالالة لفعل المكره (بالكسر) أو ما يجرى مجراه.

و من أشنع ما يلزم هذا القول ان مقتضاه جواز الإضرار بالغير في موارد الإكراه بما دون النفس مطلقا؛ و لو كان بالمضار المؤلمة المشجية في الأموال و الأنفس، و ان بلغت ما بلغت، لدفع ضرر يسير عن نفس المكره (بالفتح) و ماله و عرضه، فان الحكم في باب تحمل الضرر عن الغير ذلك، لعدم وجوب تحمل ضرر يسير على نفسه دفعا لضرر كثير عن غيره (الا في موارد مستثناة كالنفوس و شبهها) و قد عرفت ان باب الإكراه عند العلامة الأنصاري (قدس سره) و من تبعه من مصاديق مسألة تحمل الضرر المتوجه الى الغير فتدبر تعرف.

فتلخص من جميع ما ذكرنا ان مسألة الإكراه على الضرر كما في التولي من قبل الجائر و أشباهه لا تكون من باب تحمل الضرر عن الغير بتضرر النفس، و انما تكون‏

97

من باب «تعارض الضررين» فيجري عليها الاحكام الاتية في التنبيه الاتى إنشاء اللّه فكن على بصيرة منه.

التنبيه التاسع حكم تعارض الضررين‏

إذا تعارض ضرران فان كان بالنسبة إلى شخص واحد كما إذا تضرر إنسان من شرب دواء من بعض الجهات و انتقع به من جهات أخر، فالحكم فيه واضح فان الواجب عليه ترك الضرر الأقوى و الأخذ بالأضعف، لو قلنا بأن الإضرار بالنفس محرم مطلقا، و ان كانا متساويين فالحكم فيه التخيير.

الا ان الكلام بعد في حرمة الإضرار بالنفس مطلقا حتى في الموارد التي يكون هناك غرض عقلائي مع صدق عنوان الضرر و لم يكن هناك خوف هلاك النفس، و الحكم بالتحريم مطلقا و ان كان مشهورا الا انه قد وقع التأمل فيه من بعض المعاصرين من جهة عدم قيام دليل عليه. و المسألة تحتاج إلى مزيد تتبع و تأمل، و لكن لا إشكال في عدم شمول إطلاقات أدلة نفى الضرر لها فإنها ناظرة إلى الإضرار بالغير على ما هو التحقيق، فمسألة الإضرار بالنفس خارجة عن محل البحث و له موقف آخر.

و اما إذا دار الأمر بين ضررين بالنسبة إلى شخصين، و هو المقصود بالبحث هنا فقد وقع الكلام في حكمه بين الاعلام؛ و قد مثلوا له بما إذا أدخلت الدابة رأسها في قدر مالك آخر بغير تفريط من المالكين و لم يمكن إخراج رأسه إلا بكسر أحدهما أو وقع دينار من شخص في محبرة غيره كذلك و مثلوا له أيضا بما إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره و تركه موجبا لتضرر نفسه، كما إذا احتاج الى حفر بئر في داره بما يتضرر منه جاره.

أقول- مسألة تعارض ضرر المالك و غيره بالتصرف في مال نفسه، لها أحكام خاصة لا تجري في مطلق تعارض الضررين فلذا عقدنا لها بحثا آخر سيوافيك فاذن‏

98

لا بد لنا من البحث في مقامين مختلفين؛ و قد عرفت آنفا ان مسألة التولي من قبل الجائر و سائر موارد الإكراه على إضرار الغير داخلة في باب تعارض الضررين و ليست من باب تحمل الضرر المتوجه الى الغير، فما نذكره من الاحكام هنا شاملة لها أيضا فنقول:

المقام الأول فيما إذا تعارض ضرران و دار الأمر بين الإضرار بأحد الشخصين أو أحد المالين لا على التعيين‏

و لم يكن منشأه تصرف المالك في خصوص ملكه و حاصل القول فيه ان التأمل التام في أدلة نفى الضرر يرشدنا إلى انها لا تشمل صورة تعارض الضررين، إما لأنها واردة مورد الامتنان فلا تشمل الا الموارد التي تكون قابلة له لا مثل المقام الذي لا يكون قابلا له على كل حال فتأمل. و الا لانصرف اخبار الباب الى ما لا يلزم منه الضرر إلا في أحد طرفيه دون ما يلزم منه ذلك في كلا طرفيه، و الوجه فيه ان ظاهر الأدلة و لو بملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع ان الشارع المقدس أراد بنفي الضرر في عالم التشريع إعدامه من صفحة الوجود بالنسبة إلى مناسبات المكلفين بعضهم ببعض، و هذه الغاية إنما تنال إذا كان الضرر في أحد طرفي الفعل و الترك لا في كليهما فكما أن إخراج رأس الدابة عن القدر بكسر القدر مستلزم للضرر على صاحب القدر فكذلك ذبح الدابة و حفظ القدر يوجب الإضرار على صاحبها فلا يحصل غرض تشريع هذا الحكم من واحد منهما و الحاصل ان مناسبة الحكم و الموضوع هنا مع قطع النظر عن ورود القاعدة مورد الامتنان تقتضي انصرافها عن مورد التعارض.

فاللازم التماس دليل آخر للحكم هنا، و الذي يظهر لنا بعد الرجوع الى «سيرة العقلاء» في أمثال هذه المقامات و ما يقتضيه «قاعدة الجمع بين الحقوق مهما أمكن» هو لزوم تقديم جانب الضرر الأقوى بان يكسر القدر أو المحبرة في المثالين السابقين إذا كانت قيمتهما أقل من قيمة الدابة- كما هو الغالب- ثمَّ يجعل الخسارة على المالكين جميعا لا على واحد منهما فقط، و الوجه في تضمين صاحب الدابة شقصا من الخسارة ان كسر القدر انما كان لحفظ ماله، و في تضمين صاحب القدر شقصا آخر ان توجه هذا الضرر الى المالين لم يكن بتفريط من صاحب الدابة حتى يكون ضامنا لجميع القيمة بل انما

99

وقع ما وقع لأسباب خارجية متساوية النسبة إلى كليهما فكلاهما متساويان في لزوم تحمل هذا الضرر بالنسبة و الحاصل: ان الضرر الحاصل من إدخال الدابة رأسها في القدر قد نشأ من ناحية أمور خارجية من غير دخل لأحد المالكين فيها (كما هو مفروض البحث) و هذا الضرر كما انه متوجه الى صاحب الدابة من جهة متوجه الى صاحب القدر من جهة أخرى، فعلى كل منها قبول شقص من الخسارة الحاصلة من توجه أسباب الضرر، لئلا يلزم ترجيح بلا مرجح في تحمل الخسارة المتساوية النسبة إليهما، و أهمية أحد المالين بالنسبة إلى الأخر لا تؤثر في تضمين احد المالكين دون الآخر؛ بل يمكن ان يقال ان الخسارة عليهما تكون بنسبة ما لهما فصاحب الدابة يضمن من الخسارة الحاصلة بنسبتها و صاحب القدر بنسبته، غاية الأمر انه يراعى جانب الأهم في حفظ تشخص احد المالين، بافناء الأخر و الانتقال الى بدله فيكسر القدر و يخلص الدابة، و لو كانا متساويين من جهة المالية فلا يبعد الحكم بالقرعة كما لا يخفى.

هذا كله إذا لم يكن توجه الضرر من تفريط من ناحية أحد المالكين و الا كانت الخسارة عليه فقط دون الأخر كما هو ظاهر.

و من هنا يظهر النظر فيما ذكروه في «كتاب الغصب» من انه: «إذا حصلت دابة في دار لا تخرج الا بهدمها و لم يكن تفريط من احد المالكين يهدم و تخرج الدابة و يضمن صاحب الدار لمصلحته» قلت مجرد كون الهدم لمصلحة صاحب الدابة لا يوجب استقرار تمام الخسارة عليه بعد ما كانت الخسارة بسبب أمور خارجية متوجهة إليهما و لم يكن تفريط من صاحب الدابة فاللازم هو الحكم باستقرارها عليهما، جمعا بين الحقين.

المقام الثاني في تعارض ضرر المالك و غيره‏

. إذا لزم من ترك تصرف المالك في ملكه ببعض أنحاء التصرفات ضرر عليه و لزم من تصرفه ضرر على غيره، فهل هو من قبيل تعارض الضررين حتى يحكم عليه بما قدمناه في التنبيه السابق، أو يجب ترجيح جانب المالك دائما؛ فله التصرف في ملكه بما يشاء،

100

كيف يشاء أو فيه تفصيل؟

التحقيق ان هاهنا مسائل أربع: أحدها ما إذا لزم من ترك تصرف المالك في ملكه ضرر عليه ثانيها ما إذا لزم منه فوت بعض منافعه من دون توجه ضرر عليه ثالثها ما إذا لم يلزم شي‏ء منهما و لكن بدا له ذاك التصرف عبثا و تشهيا رابعها ما إذا كان قصده من ذلك التصرف الإضرار بالغير من دون ان ينتفع به أصلا، لا إشكال في عدم جواز الأخير بل الظاهر ان مورد رواية سمرة هو بعينه هذه الصورة.

و اما باقي الصور فظاهر المحكى عن المشهور الحكم بالجواز فيها مطلقا بل ادعى الإجماع على الجواز في الصورة الاولى، و لكن صريح بعضهم كالمحقق (قدس سره)؛ و ظاهر آخرين كالعلامة في التذكرة، و الشهيد في الدروس رحمة اللّه عليهما، استثناء الصورة الأخيرة حيث قيد الأول منهما الجواز بصورة «دعاء الحاجة اليه» و الأخير ان بما «جرت به العادة» و من المعلوم ان مفروض الكلام في الصورة الثالثة ما لم تدع الحاجة اليه و لا جرت به السيرة. بل الظاهر انصراف كلمات غير هؤلاء الاعلام أيضا عن هذه الصورة و عدم شمولها لغير الصورتين الأولتين.

و إذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الذي اختاره شيخنا العلامة (قده) في فرائد هو الحكم بتقديم جانب المالك في هاتين الصورتين، بالرجوع الى عموم قاعدة تسلط الناس على أموالهم و قاعدة لا حرج، بعد سقوط أدلة نفى الضرر بالنسبة إليهما للتعارض.

و أورد عليه المحقق النائيني (قده) بفساد الصغرى و الكبرى، اما الصغرى يعنى عدم كون المقام من مصاديق الحرج بل و لا من مصاديق تعارض الضررين فملخص ما أفاده في بيانه هو ان الحرج ليس مطلق المشقة بل هو المشقة الجوارحية، فالمشقة الطارية على الجوانح من منع المالك عن التصرف في ملكه غير منفي بأدلة نفى الحرج؛ فليس المقام من مصاديق «الحرج» بل و لا من تعارض الضررين لان الضرر الحاصل للمالك من ترك تصرفه ليس في عرض الضرر الحاصل للجار عند التصرف حتى يتعارضان، بل أحدهما في طول الأخر، و ذلك لان المجعول في هذه الواقعة ليس الا حكما واحدا؛ اما جواز تصرف المالك أو حرمته، فالأول ضرري للجار فقط. و الثاني للمالك فقط؛ فليس هناك حكمان ينشأ

101

منهما الضرر عليهما حتى يتعارضان، نعم بعد شمول أدلة نفى الضرر لجواز تصرف المالك ينشأ منه حكم ضرري على المالك و هو عدم سلطنته على تصرفه في ماله بهذا النحو من التصرف؛ و لكن من المعلوم ان هذا الحكم انما نشأ من ناحية أدلة لا ضرر و لا يعقل ان يكون منفيا بها و في عرضها، فليس المقام من باب تعارض الضررين.

و اما فساد الكبرى (يعنى عدم جواز الرجوع الى قاعدة السلطنة و أدلة نفى الحرج بعد تعارض الضررين) فقد ذكر في وجهه ما حاصله: ان الرجوع الى العام عند تعارض المخصصات انما يصح في موارد تعارض المخصص مع ما في رتبته، و اما إذا تولد من تخصيص العام بمخصص، فرد آخر من سنخ المخصص، و وقع التعارض بين هذين الفردين من افراد المخصص، فذلك لا يوجب الرجوع الى العام، و المقام من هذا القبيل فإن حكومة أدلة نفى الضرر على عموم تسلط الناس على أموالهم أوجب الحكم بعدم جواز تصرف المالك بذاك النحو من التصرف و هذا الحكم ضرري بالنسبة إلى المالك و ان شئت قلت: التعارض هنا بين مصداقين لمخصص معلوم لا بين دليلين مختلفين أحدهما مخصص للعام إجمالا. هذا كله بالنسبة الى عدم جواز الرجوع الى قاعدة السلطنة، و اما عدم جواز الرجوع الى دليل نفى الحرج فلان الرجوع اليه انما يصح إذا كان حاكما على دليل نفى الضرر و هو ممنوع. انتهى كلامه ملخصا.

أقول- و ما افاده (قدس سره) قابل للنقد من جهات شتى، و لنذكر أولا ما عندنا في حكم المسألة بجميع صورها؛ ثمَّ لنشر الى مواضع الاشكال فيما افاده تحقيقا للحق و توضيحا للمختار اما الأول:

لا ينبغي الإشكال في أن قاعدة السلطنة مع قطع النظر عن دليل لا ضرر قاصرة عن شمول بعض أنحاء التصرف في المال، فإنها انما تدل على جواز تصرف المالك في ماله بما جرت عليه سيرة العقلاء من أنحاء التصرفات، و لا دليل على جوازها فيما عداها؛ و منه يظهر حال كثير من الأمثلة التي ذكروها في المقام فان التصرفات التي لا يكون في فعلها نفع للمالك و لا في تركها ضرر عليه عادة و انما يقصد بها مجرد الإضرار بغيره،

102

و كذلك ما يصدر منه عبثا مع العلم بتضرر غيره منه ضررا معتدا به، لا دليل على جوازها أصلا فإنها خارجة عن حدود السلطنة العرفية العقلائية في باب الأموال كما لا يخفى على الخبير بأحوال العقلاء و اعتباراتهم و أمثلتها.

و الوجه فيه ان سلطنة المالك على ماله كسائر الاعتبارات العقلائية لها حدود معلومة لا يتعدى منها، و من يتعد حدودها فهو خارج عن حيطة اعتباراتهم، و لعل من ذلك ما ذكروه من مثال جعل حانوت حداد في صف العطارين مما يوجب تضررا فاحشا على جيرانه، أو جعل داره مدبغة عظيمة يتأذى منه جيرانه و يشتد عليهم الأمر إلى حد بعيد لا يتحمل عادة، فهل ترى العقلاء من أهل العرف يجوزون ذلك و هل يرون دائرة سلطنة المالك على ماله تشتمل هذه النواحي؟

و بذلك يظهر ان قاعدة السلطنة في حد ذاتها قاصرة عن شمول الصورة الرابعة من صور المسألة المتقدمة، بل الصورة الثالثة أيضا، حتى مع قطع النظر عن ورود أدلة لا ضرر.

اما إذا كان تصرف المالك في ماله لغرض عقلائي في حدوده المتعارفة المعمولة فيما بينهم و لكن لزم منه ضرر على غيره و لزم من تركه ضرر عليه أو فات منه بعض المنافع؛ فهو أيضا على قسمين لأنه تارة يكون صدق عنوان الإضرار بالغير ملازما لصدق عنوان التصرف في ماله أيضا، بأن يكون تصرف المالك في ماله مستلزما لتصرف ضرري في مال غيره، و لو بعنوان التسبيب، كما إذا حفر بئرا في داره خرج منه نضيض كثيرا سقط جدار الجار أو أسقط بعض بيوته عن حيز الانتفاع، فإنه لا إشكال في صدق التصرف في ملك الغير بحفر البئر و لو بعنوان التسبيب في هذا المثال و أشباهه.

و اخرى لا يصدق عليه هذا العنوان و ان لزم منه تضرره، كما إذا رفع جداره على جانب جدار جاره بما يتضرر به و يتنزل قيمة داره، و لعل منه ما ذكروه- و ورد في الروايات أيضا من- نقص ماء قناة لحفر قناة أخرى في أرض قريبة منها، و كذا فساد ماء بئر جاره لحفر البالوعة في داره في مكان قريب منه في بعض الصور لا في جميعها كما لا يخفى.

و إذ قد عرفت ذلك فاعلم انه ان كان من قبيل القسم الأول فهو من باب تعارض الضررين و السلطنتين؛ فكما ان قاعدة السلطنة مع قطع النظر عن أدلة لا ضرر جارية في حق هذا

103

المالك فيجوز له التصرف في داره بحفر البئر فكذلك جارية في حق الأخر فيجوز منعه مما يوجب تصرفا في داره بمقتضى سلطنته بنفس تلك القاعدة، فالتعارض بين السلطنتين، كما ان أدلة لا ضرر متساوية النسبة إلى كليهما فكما ان تصرفه في داره بحفر البئر يكون ضرريا فكذلك ترك تصرفه فالحكم هنا هو الحكم في باب تعارض الضررين الذي فصلناه في المقام الأول و حاصله لزوم الجمع بين الحقين مهما أمكن.

و اما ان كان من القسم الثاني فالحكم فيه هو الرجوع الى قاعدة السلطنة بعد تعارض الضرر من الجانبين، بل قد عرفت إمكان القول بعدم شمول أدلة لا ضرر لمورد التعارض رأسا، اما لعدم المقتضى للامتنان أو لانصرافها الى غير هذه الصورة، و على كل تقدير لا إشكال في جواز الرجوع الى قاعدة السلطنة هنا و الحكم بجواز مثل هذه التصرفات، فللمالك التصرف في ملكه (بأنحاء التصرفات المتعارفة) و ان تضرر منه جاره ما لم يلزم منه تصرف في ملكه؛ سواء تضرر المالك من ترك هذا التصرف أو فاته بعض منافعه، بل ترك تصرفه في ملكه بما يترقب منه من المنافع ضرر عليه غالبا.

هذا كله إذا لم يرد دليل خاص على المنع من بعض أنواع التصرف كما ورد في باب حريم البئر، و قد مضى بعض رواياته و احكامه عند ذكر اخبار الباب و يطلب تفصيله من كتاب احياء الموات و غيره.

و اما ما افاده المحقق السابق الذكر ففيه مواقع للنظر:

أما أولا فلان ما ذكره في نفى الصغرى من ان ضرر المالك ليس في عرض ضرر الجار لان المجعول في هذه الواقعة ليس إلا حكما واحدا- الى آخر ما افاده- ممنوع، لأنه مبنى على كون حكم نفى الضرر من قبيل الرفع لا الأعم منه و من الدفع، مع انه لا إشكال في كونه أعم، و ح كما يمكن الاستدلال به على نفى جواز تصرف المالك في ملكه بهذا النوع من التصرف لكونه ضرريا، فكذلك يمكن نفى حرمته أيضا لأنه ضرري، و لا نحتاج الى ورود دليل دال على الحرمة و الجواز كليهما بعمومه أو إطلاقه، حتى يرفع اليد عنه في مورد الضرر بدليل نفى الضرر، فما افاده (قده) من «انه‏

104

لا يتصور هنا الا حكم واحد و ان الحكم بحرمة التصرف انما نشأ من شمول لا ضرر بجواز التصرف الثابت بعموم دليل السلطنة» خال عن التحصيل. بل الضرر الناشي من التصرف و من تركه في حد سواء بالنسبة إلى أدلة نفى الضرر بعد كون النفي هنا أعم من الدفع و الرفع.

و ثانيا- ان ما افاده من عدم شمول لا ضرر للضرر الناشي من قبل هذا الحكم أيضا ممنوع، للقطع بعدم خصوصية لبعض أنواع الضرر في هذا الحكم الامتنانى؛ و ان جميع الأحكام الضررية متساوية الإقدام فيما من اللّه به على عباده من رفعها عنهم في عالمى التكليف و الوضع و جعلهم في فسحة منها، فلو كان لتنقيح الملاك مورد فهذا مورده؛ هذا كله لو لم نقل بشمول الدليل له بمقتضى الدلالة اللفظية لأن الحكم ورد على عنوان عام و طبيعة سارية الى جميع مصاديقها.

و ثالثا- ان ما أفاده في منع الكبرى من عدم جواز الرجوع الى عموم دليل السلطنة بعد تعارض الضررين لعدم كونهما في رتبة واحدة، ففيه مضافا الى ما عرفت من ابتنائه على مبنى فاسد و هو كون نفى الضرر من قبيل الرفع لا الأعم منه و من الدفع، انه لا مناص هنا من الرجوع الى العام الفوق بعد هذا التعارض، لان البحث في الكبرى انما هو بعد الفراغ عن الصغرى و قبول وقوع التعارض بين الضررين، و معلوم انه لا ترجيح لا حدهما على الآخر حينئذ، فكيف لا يتساقطان و لم لا يرجع الى عموم قاعدة السلطنة، و ليت شعري إذا فرضنا صغرى التعارض بين مصداقي الضرر في المقام و لم يجز الرجوع الى قاعدة نفى الضرر فما الوجه في عدم جواز التمسك بدليل المحكوم أعني قاعدة السلطنة، و ما المرجع في المقام لو لم تكن هي المرجع؟.

و رابعا- ان ما افاده من نفى صغرى «الحرج» نظرا إلى انه عبارة عن مشاق الجوارح لا الجوانح فهو أيضا بإطلاقه ممنوع، لان مشاق الجوانح أيضا كثيرا ما يصدق عليها عنوان الحرج، فالمصايب المؤلمة و الحوادث المفجعة أمور حرجية بلا اشكال مع انها من مشاق الجوانح، و قد قال اللّه تعالى‏ «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ» (1) و قال أيضا:

____________

(1) الأعراف- 2.

105

«فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (1) نعم مطلق ضرر المالك و منعه من التصرف في ملكه لا يكون مصداقا للحرج كما أفاده العلامة الأنصاري قدس اللّه سرّه، و لا يكون ذلك إلا في بعض الموارد التي يصعب على المالك تحمله جدا و يكون في صدره حرج منه و ضيق.

التنبيه العاشر في انه لا فرق بين توجه ضرر «الحكم» الى خصوص من كلف به أو غيره‏

إذا لزم من تكليف بعض المكلفين ضرر على غيره، كما في المرضعة القليلة اللبن إذا أضر صيامها بولدها و كما في الحامل المقرب، فهل يصح نفى وجوبه منها بدليل نفى الضرر كما ينفى وجوب الوضوء و الغسل الضرريين به (على القول به).

الظاهر ذلك، لعموم الدليل فإن المنفي على هذا القول هو الأحكام الضررية و من المعلوم ان حكم الصوم هنا ضرري و لو باعتبار الولد، و لا دليل على لزوم توجه الضرر الناشي من قبل الحكم الضرري إلى خصوص من كلف به، بل لا يبعد نفى وجوب مثل هذا الصوم على المختار من عدم جواز نفى وجوب الوضوء و الصوم الضررين بها فان صيامها- و الحال هذا- إضرار بالولد و قد نفى الشارع «إضرار الناس بعضهم ببعض في عالمى الوضع و التكليف» فيشمله أدلة نفى الضرر، و يؤيده أيضا نهيه سبحانه عن إضرار الأب و الام بالولد في قوله تعالى‏ «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» و قد مر الكلام في تفسير الآية في صدر الكتاب.

____________

(1) النساء- 65.

106

التنبيه الحادي عشر تأييد للمختار في معنى الحديث‏

ذكر شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) في بعض كلماته في المقام اشكالا و جوابا عن بعض معاصريه لا بأس بنقله و البحث عنه لما فيه من تأييد المذهب المختار في معنى القاعدة.

حاصل الاشكال انه: كيف يجوز الاستدلال بقاعدة نفى الضرر لرفع التكاليف الضررية، مثل وجوب الحج و الصوم و الوضوء إذا لزم منها الضرر، مع ان الضرر ما لا يحصل نفع دنيوي أو أخروي في مقابله، و نحن نعلم من عموم أوامر هذه التكاليف لموارد الضرر ان لها عوضا دينيا أو دنيويا يربو على ضررها فلا تكون اذن ضررية و حاصل الجواب ان المعلوم كون العوض في قبال ماهية هذه الأمور، المستحقة في حالتي الضرر و عدمه، لا في قبال الفرد الضرري منها، فالضرر غير منجبر بالعوض، نعم لو كان المأمور به متضمنا للضرر دائما بنفسه كما في الحكم بأداء الزكاة و سائر الواجبات المالية كان هذا البيان حقا، انتهى ملخصا.

و أورد هو (قدس سره) على كل من الإيراد و الجواب، اما على الأول فبان الضرر عبارة عن خصوص الضرر الدنيوي، و اما المنافع الأخروية الحاصلة في قباله لا تخرجه عن كونه ضررا، و على الثاني بما لفظه: «انه لو سلم وجود النفع في ماهية الفعل أو في مقدماته كان تضرر بنفس الصوم أو بالحج أو بمقدماته يكون الأمر بذلك الفعل نفسيا أو مقدمة امرا بالتضرر فلا يبقى فرق بين الأمر بالزكاة و الأمر بالصوم المضر أو الحج المضر بنفسه أو بمقدماته» هكذا أفاد.

أقول- الإنصاف ان ما ذكره هذا المعاصر للشيخ العلامة (قدس سرهما) بعنوان الاشكال تحقيق لا محيص عنه و قد عرفته سابقا عند بيان المختار في معنى القاعدة ببيان اوفى و أتم، و حاصل ما ذكرناه هناك ان إطلاقات الأوامر الشرعية إذا شملت مورد الضرر كما هو المفروض دلت بالالتزام على وجود المصلحة في مورد الفعل على‏

107

مذهب أهل العدل (لا على مجرد نفع أخروي كما ذكره هذا المعاصر) و معها لا يصدق عليه عنوان الضرر.

و اما ما افاده الشيخ العلامة من ان الأجر الأخروي لا يخرجه من تحت عنوان الضرر فهو غير متوجه الى هذا البيان لان مصالح الافعال المأمور بها الموجودة في نفس الافعال غير الأجور الأخروية التي تكون بإزاء اطاعتها، مع ان ما ذكره (قده) أيضا قابل للبحث. فهل يصح في لسان أهل العرف من المتشرعين إطلاق عنوان الضرر و الغرم بمالهما من المعنى الحقيقي على الإنفاق في سبيل اللّه و قد قال اللّه تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ‏» الى غير ذلك مما دل على عدم نفاد ما يعطى في سبيل اللّه و بقائه بحسب النتيجة و الأثر و ان فني من جهة العين و الظاهر و القول بان هذه الإطلاقات و التعبيرات لا تمنع من صدق عنوان «الضرر» بحسب أنظار أهل العرف مع قطع النظر عن أيمانهم بالأخرة، مدفوع فان صدق عنوان الضرر لغة و عرفا تابع لتحقق نقص بلا منفعة و اما تشخيص الانتفاع به و عدمه ليس بنظر العرف فلو رأى أهل العرف بحسب أنظارهم البادية المبنية على الغفلة عن المصالح الموجودة في متعلقات احكام الشرع تحقق هذا العنوان في بعض الموارد و لكن لم نرها بعد الدقة و التأمل فلا يلزمنا متابعتهم في إطلاق هذا اللفظ بعد ذلك و الحكم بصدق العنوان المزبور في تلك الموارد.

التنبيه الثاني عشر هل الاقدام مانع عن شمول لا ضرر أم لا؟

الحق انه لا فرق في جريان هذه القاعدة بين تحقق موضوع الضرر بأسباب خارجة عن اختيار المكلف و بين تحققه بسوء اختياره، كمن شرب دواءا يضر معه الصوم، أو أجنب نفسه متعمدا في حال يخاف من استعمال الماء، ففي جميع هذه المقامات يجوز نفى الوجوب بأدلة لا ضرر (على القول بشمولها لأمثال هذه التكاليف) و ذلك لعموم الأدلة، و حصول الموضوع بسوء اختيار المكلف غير مانع منه، و دعوى انصراف‏

108

الإطلاقات إلى غيره ممنوعة.

نعم في الأمور المالية، و كلما يكون من سنخها من الحقوق، إذا أقدم المكلف بنفسه على موضوع ضرري لا يجوز نفى صحته بأدلة لا ضرر؛ لما أشرنا إليه سابقا من ان هذه الأمور بمقتضى طبعها الاولى أمرها بيد المكلف يصنع بها ما يشاء فإذا أقدم البالغ الرشيد على البيع بما دون ثمن المثل عن علم و اختيار، كان بيعه صحيحا و لا يمكن نفى صحته بأدلة نفى الضرر، لا لمجرد ورودها مورد الامتنان و نفى الصحة هنا مناف له، لما عرفت من ان ورودها في مقام الامتنان من قبيل الحكمة لا العلة بل لان باب الأموال و الحقوق المشابهة لها بحسب طبيعتها الأولية يقتضي ذلك و يكون المكلف سلطانا عليها ينفذ تصرفه فيها، ضرريا كان أم لا، فكما ان الهبة و الصلح بدون العوض و أشباهها أمور ضررية لا يجوز نفى صحتها بأدلة نفى الضرر فكذلك البيع بما دون ثمن المثل و شبهه.

و من هنا تعرف النظر فيما افاده الشيخ الأعظم العلامة الأنصاري (قدس سره) في المقام حيث قال: «لو أقدم على أصل التضرر كالإقدام على البيع بدون ثمن المثل عالما، فمثل هذا خارج عن القاعدة، لأن الضرر حصل بفعل الشخص لا من حكم الشارع» انتهى أقول- بل حصل الضرر بحكم الشارع و ان تحقق موضوعه بفعل المكلف لأنه لو لم يمض هذا البيع لما كان مجرد اقدام المكلف على إنشاء البيع امرا ضرريا و ان هو من هذه الجهة إلا كسائر الموضوعات الضررية التي أوجدها المكلف بسوء اختياره كمن أجنب متعمدا في حال يضر معه استعمال الماء. فالوجه في صحة هذه المعاملات ما قدمناه من ان نفوذ المعاملة من آثار السلطنة الثابتة للمالك على ماله يقبله كيف يشاء و لولاه لما كان سلطانا عليه و هو مناف لطبيعة الملكية و سلطنة المالك على أمواله كما هو ظاهر.

فرع- قد افتى غير واحد من الأصحاب في «كتاب الغصب» بوجوب رد الخشبة المغصوبة المستدخلة في البناء

، أو اللوح المغصوب المنصوب في السفينة، و ان تضرر

109

منه الغاصب، و كذلك أفتوا بوجوب قلع الشجر و طم الحفر و ضمان كل نقص يحدث بسببه فيمن غرس يغير أرضه و ان جرت عليه من الدواهي ما جرت.

و استدل له بان الغاصب هو الذي أدخل الضرر على نفسه بسبب الغصب، و كأن المستدل بهذا ناظر الى ما أشرنا إليه من ان الضرر المقدم عليه في باب الأموال غير منفي بأدلة نفى الضرر، فلا يرد عليه ما ذكره الشيخ (قدس سره) في بعض كلماته في المقام من ان حصول موضوع الضرر بسوء الاختيار غير مانع من شمول أدلته.

هذا و لكن يرد عليه ان المالك لا يجوز له تضييع المال بل له نقله الى غيره بأي وجه كان فاقد امه على أمر يوجب التضييع و الفساد لا يكون ممضى من قبل الشارع و كون الموضوع من قبيل الأموال لا يقتضي نفوذ مثل هذه الأمور فتأمل.

هذا و يمكن الاستدلال له بما دل على أخذ الغاصب بأشق الأحوال و في بعض موارد المسألة بما دل على انه «ليس لعرق ظالم حق» كما قيل، فان هذه قواعد عقلائية قبل ان تكون شرعية يستند إليها العقلاء في أمورهم فهي المانع من شمول أدلة لا ضرر لمثل المقام، لا سيما مع ملاحظة ورودها مورد الامتنان الذي يكون الغاصب أجنبيا عنه، فورودها في هذا المقام و ان لم يكن دليلا على المطلوب- كما عرفت- لكنه مؤيد له محالة.

و يمكن الاستدلال له أيضا بأنه داخل في المسألة التي مر ذكرها من عدم جواز الإضرار بالغير لدفع الضرر عن نفسه، فإن الأمر هنا و ان كان دائرا بين إضرار مالك السفينة و مالك اللوح، الا ان الضرر بحسب أسبابه الشرعية التي تكون هنا كالأسباب الخارجية متوجه الى الغاصب لأنه الذي جعل مال الغير في محل يكون مأمورا بنزعه بحكم الشرع فالضرر أولا و بالذات متوجه اليه لا الى المالك فلا يجوز له دفع هذا الضرر عن نفسه بإضرار الغير فتأمل.

و قد ذكر المحقق النائيني هنا وجها آخر و هو ان الهيئة الحاصلة من نصب اللوح في السفينة ليست مملوكة للغاصب و إذا لم تكن مملوكة فرفعها ليس ضرارا عليه، لان الضرر عبارة عن نقص ما كان واجدا له.

110

و فيه- مضافا الى أنه تدقيق عقلي في أمر عرفي كما لا يخفى- ان الكلام ليس في مجرد رفع الهيئة الحاصلة من نصب اللوح في السفينة أو الخشبة في الدار فقط بل فيما يحدث من الخلل في محمولات السفينة و سائر أجزائه أيضا الحاصلة بسبب رفع هذه الهيئة الاتصالية؛ فرفعها و ان كان رفعا لا مر غير مملوك و من هذه الجهة لا يكون ضرريا، الا انه منشأ لمضار كثيرة أخرى فيما يملكه الغاصب لصيرورة السفينة بسببه معرضا للغرق و الفساد، و كذا الحال في الحائط المبنى على خشبة الغير فإن إخراج الخشبة لا يوجب رفع الهيئة الاتصالية فقط، بل يوجب الفساد في سائر نواحي البنيان هذا آخر ما أردنا تحريره في بيان هذه القاعدة المهمة و فروعها و نتائجها و الحمد للّه أولا و آخرا و قد وقع الفراغ من تسويده ضحوة الجمعة 27 رمضان المبارك سنة 1379 ببلدة قم المشرفة.