القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
111

2- قاعدة الصحة

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

و هذه القاعدة أيضا من أشهر القواعد الفقهية المتداولة بينهم، يتمسك بها في جل أبواب الفقه أو كلها و قد عنونها كثير منهم بعنوان «أصالة الصحة في فعل الغير» و ظاهره عدم جواز تمسك المكلف بها لإثبات صحة أفعال نفسه عند الشك فيها، بل صرح بعضهم- كالمحقق النائيني- باختصاصها بفعل الغير و ان المتبع في أفعال شخص المكلف هو «قاعدة الفراغ، لا غير؛ و ستعرف في «المقام الثالث» إنشاء اللّه عدم صحة هذه الدعوى و لزوم تعميم القاعدة لأفعال المكلف نفسه، و لذا نجعل عنوان بحثنا «أصالة الصحة في الأفعال الصادرة من الغير أو من النفس» و ان كان بعض الأدلة يختص بالقسم الأول منه كما ان تقييد عنوان البحث بقيد «أفعال المسلم» كما يتراءى من بعض بلا وجه و لذا أسقطناه منه.

ثمَّ اعلم ان هنا ابحاثا تقع في مقامات:

المقام الأول في مدرك القاعدة

و استدل لها بالأدلة الأربعة و لكن عمدتها- كما ستعرف- هو الإجماع العملي و السيرة المستمرة المتداولة بين العقلاء و الاستقراء، و لذا لم يتعرض غير واحد من الاعلام لما استدل له من الكتاب و السنة، لعدم دلالتهما عليها. و لكن لما كان في ذكرها بعض الفوائد نشير إليها على سبيل الاجمال و الاختصار، و قبل البحث عنها لا بد لنا من تقديم أمر ينفعنا في تحقيق حال تلك الأدلة و هو:

ان حمل فعل الغير على الصحة يتصور له معان ثلث‏

114

أولها- الاعتقاد الجميل في حقه و ترك سوء الظن به بان لا يضمر المسلم لأخيه ما يزري به و يشينه، و يعتقد انه لم يفعل سوءا عن علم و عمد و ان صدر منه ذلك خطأ أو نسيانا.

و ما قد يقال من ان الاعتقاد من الأمور الغير القابلة للخطاب التكليفي تحريما أو إيجابا لخروجه عن حيطة الاختيار، ممنوع جدا، لأنه في كثير من موارده أمر مقدور؛ و كثيرا ما يحصل لنا اعتقاد سوء في حق احد و بعد ذلك نتفكر في امره و نبدى لأنفسنا احتمالات فيما شاهدناه أو سمعناه منه مما صار منشئا لهذا الاعتقاد، و نقول لعله كان كذا و كذا، من الاحتمالات التي كانت مغفولة بادي الأمر بما يصرفنا عن ذاك الاعتقاد القطعي أو الظني بالسوء، و هذا أمر ممكن واقع كثيرا فهو قابل للخطاب الشرعي تحريما أو إيجابا.

و الحاصل ان كثيرا من الاعتقادات الحاصلة لنا حاصلة من الأنظار البادية في أفعال الغير و عدم التوجه بما يحتمله من الاحتمالات، فهي تزول بسرعة عند التوجه الى الوجوه التي تحتملها. فح لا مانع من ان يأمر الشارع الحكيم بتحصيل الاعتقاد الحسن في حق المسلمين و نفى اعتقاد السوء عنهم، لما فيه من المصالح التي لا تحصى، كجلب اعتماد المسلمين بعضهم ببعض، و دفع الضغائن عنهم، و دفعا لما في سوء الظن و الاعتقاد من التفرقة و التباعد و اختلال النظام و اثارة الفتن بينهم؛ كما هو ظاهر لمن تدبر.

ثانيها- ترتيب آثار الحسن الفاعلي عليها؛ أي المعاملة مع فاعلة معاملة من اتى بفعل حسن و عدم المعاملة معه معاملة من ركب امرا قبيحا، من حسن العشرة معه و الركون اليه فيما يركن على من لم ير منه قبيح و الفرق بينه و بين المعنى السابق ان الحمل على الصحة بهذا المعنى عمل خارجي بخلاف المعنى الأول فإن الحمل عليها هناك بمعنى الاعتقاد الحسن و ترك اعتقاد السوء، و هو و ان كان مستلزما للثاني كثيرا الا ان الفرق بينهما ثابت في المعنى، و في النتيجة أحيانا.

و ثالثها- ترتيب آثار الفعل الصحيح الواقعي على فعله، بمعنى فرض عمله صحيحا واقعا و في نفس الأمر؛ لا بحسب اعتقاده فقط كما في الوجه السابق، فيرتب عليه ما هو من آثاره الواقعية، فيفرض فعله تام الاجزاء و الشرائط واقعا و يرتب عليه ما يرتب عليه، و يكون عمله منشئا للآثار الشرعية، و هذا هو الذي نحن بصدده في إثبات هذه‏

115

القاعدة لا المعنيين السابقين.

و إذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى ذكر أدلتها الأربعة:

الأول- الكتاب‏

و استدل له من الكتاب العزيز بآيات منها قوله تعالى مخاطبا لبني إسرائيل:

لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ (1) و الاستدلال به يتوقف على أمرين:

«أحدهما» كون القول هنا بمعنى الاعتقاد و «الثاني» كون الاعتقاد كناية عن ترتيب آثاره؛ نظرا الى ما قد قيل من انه ليس امرا مقدورا قابلا للخطاب الشرعي، فالأمر بالقول الحسن في حق الناس يؤول الى الأمر بترتيب آثار الحسن على أفعالهم.

و كلاهما محل تأمل و إشكال: اما الأول فلان حمل القول على هذا المعنى مضافا الى انه لا شاهد له في المقام، مخالف لما يظهر من غير واحد من الاخبار الواردة في تفسير الآية: منها- ما عن تفسير العسكري (عليه السلام) ان معناه: «عاملوهم بخلق جميل» و يظهر من هذه الرواية ان القول الحسن كناية عن المعاشرة بالمعروف و منها- ما عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل‏ «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» قال قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم فان اللّه يبغض اللعان الساب، الحديث و منها- ما عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول- الى ان قال- و قولوا للناس حسنا قال عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم و صلوا معهم في مساجدهم الحديث، و هذا الحديث أيضا إشارة إلى المعاشرة الحسنة. الى غير ذلك من الروايات الدالة على هذا المعنى.

و اما الثاني فلان غاية ما يستفاد من الآية- بناء على تفسير القول بالاعتقاد- هو احد المعنيين الأولين و لا دلالة لها على المعنى الثالث أصلا.

و يرد على الاستدلال بها اشكال آخر و هو ان هذا الأمر وقع في سياق أوامر أخر بعضها وجوبي و بعضها استحبابي فان الإحسان إلى ذي القربى و اليتامى و المساكين‏

____________

(1) البقرة- 83

116

(المقابل للزكاة) غير واجب فهذا السياق يضعف دلالتها على الوجوب فتدبر اما كون الخطاب إلى بني إسرائيل فلا يوجب و هنا في دلالة الآية كما لا يخفى. هذا كله مضافا الى ان الاعتقاد الحسن أمر مقدور كما عرفت.

و منها قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (1) تقريب الاستدلال بها كما ذكر في الفرائد و غيره انه سبحانه نهى عن بعض الظن و القدر المتيقن منه ظن السوء و معناه النهى عن ترتيب آثاره عليه لما مر آنفا، و لازمه الأمر بترتيب آثار الحسن عليه لعدم الواسطة.

و يعلم الجواب منها مما ذكرناه في الجواب عن الاستدلال بالاية الاولى.

و منها آيات وجوب الوفاء بالعقود و التجارة عن تراض و ما أشبهها، استدل بها شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) في الفرائد. و الاستدلال بها عجيب، لان هذه أحكام كلية واردة على موضوعاتها الواقعية، و التمسك بعمومها عند الشك في تحقق مصداق التجارة عن تراض أو العقد العرفي المقيد بقيوده الثابتة شرعا؛ من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو ظاهر.

الثاني- الاخبار

و استدل له من الاخبار بما دل على لزوم حمل أمر الأخ على أحسنه و هو كثير:

منها ما ورد مستفيضا من ان المؤمن لا يتهم أخاه؛ و انه إذا اتهم أخاه انماث الايمان في قلبه كانمياث الملح في الماء، و ان من اتهم أخاه فهو ملعون و منها ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا و أنت تجد لها في الخير سبيلا.

و منها ما ورد في وجوب تكذيب السمع و البصر عن الأخ المؤمن و انه ان شهد عندك خمسون قسامة فكذبهم و صدقه. الى غير ذلك مما هو كثير.

و عدم دلالتها على المقصود ظاهر، فإنها ناظرة الى احد المعنيين الأولين من المعاني‏

____________

(1) الحجرات 12.

117

الثلاثة المذكورة لحمل فعل الغير على الصحة لا المعنى الثالث الذي نحن بصدده و الغرض من جميع هذه التأكيدات تحكيم مباني الاخوة بين المؤمنين و إلزامهم بالمعاشرة بالمعروف و له شواهد كثير في نفس هذه الروايات لا تخفى.

هذا مضافا الى ان ذكر الأخ في كثيرة منها دليل على انه ليس حكما عموميا في حق كل احد و جميع الناس من المؤمنين و غيرهم (كما أشار إليه العلامة النراقي في عوائده) فلعله نظير كثير من الحقوق الواردة في باب حق المؤمن على أخيه التي لا تجري في حق جميع المسلمين بل و لا جميع المؤمنين بل يختص بالذين استحكمت بينهم عرى المودة و الإخاء كما حقق في باب حقوق المؤمن.

الثالث- الإجماع‏

اما الإجماع القولي فإثباته بوجه كلى بعنوان «وجوب حمل أفعال المسلمين أو أفعال الغير مطلقا على الصحة» دونه خرط القتاد، فان كلمات أكثرهم (كما اعترف به المحقق المولى محمد باقر الخراساني في كفايته و غيره فيما حكى عنهم، و العلامة النراقي في عوائده) خالية عنه و انما تعرض لهذه القاعدة بعنوان مستقل شرذمة من متأخري الأصوليين، و ان كان الظاهر من بعض العبائر انها من القواعد المقبولة على نحو كلى و لكن الاكتفاء بمجرد ذلك في إثبات هذه القاعدة على نحو عام مشكل جدا و الحاصل ان دعوى الإجماع القولي عليها كما يتراءى من بعضهم قابلة للذب و الإنكار، و على تقدير ثبوته- و هو غير ثابت- فالاعتماد على مثل هذه الإجماعات في أمثال هذه المسائل التي لها مدارك كثيرة أخر كما ترى.

نعم يمكن دعوى الإجماع في موارد خاصة كأبواب الذبائح و المناكح و بعض أبواب المعاملات و غير ذلك و لكنه غير كاف في إثبات هذه الكلية هذا حال الإجماع القولي اما الإجماع العملي من العلماء بل من المسلمين جميعا، و هو الذي يعبر عنه بسيرة المسلمين، فهو غير قابل للإنكار في جل موارد هذه القاعدة أو كلها، لأنهم لا يزالون يعاملون مع الأفعال الصادرة عن غيرهم معاملة الصحة في أبواب العبادات كصلاة الامام،

118

و أذان المؤذن و اقامة المقيم للجماعة، و صلاة الميت و تغسيله و حج النائب، و أشباهها و كذا في أبواب المعاملات كالمعاملات الصادرة من الوكلاء، و أبواب الذبائح و الجلود و الثياب و الأواني التي يغسلها الغير، و نظاهرها، فإنه لا شك لأحد في ان المسلمين في جميع الأعصار و الأمصار يعاملون مع هذه الأفعال إذا صدرت من غيرهم معاملة الصحة، و لا يتوقفون عن ترتيب آثارها عليها استنادا إلى أنهم شاكون في صحتها، و كذلك جرى ديدنهم على حمل أفعال أولياء الصغار و المجانين؛ و أوصياء الأموات و متولي الأوقاف و جباة الصدقات على الصحيح و هذا أمر معلوم لكل من عاشرهم و لو أياما قلائل.

و في بعض هذه الموارد و ان كانت قواعد و أمارات أخر تقتضي صحتها، كقاعدة اليد، و سوق المسلمين و نحوهما، الا ان الناظر فيها بعين الانصاف يعلم علما قطعيا ان عملهم في هذه الموارد لا يكون مستندا الى هذه القواعد بل المدرك فيها جميعا هو قاعدة الصحة و ان كانت مؤيدة في بعض مواردها بقواعد و أمارات أخرى، كما انه لا يحتمل استناد المجمعين في جميع هذه الموارد على اختلافها الى نصوص خاصة وردت فيها و العجب من المحقق النراقي (قده) حيث أنكر هذا الإجماع العملي في «عوائده» و لكن الظاهر- كما يظهر بمراجعة كلامه- ان عمدة اشكاله نشأت من تعميم البحث و عقد عنوانه للافعال و الأقوال، و لكنك خبير بان للبحث في الأقوال الصادرة عن الغير مقاما آخر لا يرتبط بالمقام.

بل التحقيق انه لا ينحصر هذا الإجماع العملي بالمسلمين بما هم مسلمون بل مدار أمور العقلاء على اختلافهم في العقائد و المذاهب و الآراء و العادات، في جميع الأزمنة و العصور عليه، كما يظهر بأدنى تأمل في معاملاتهم و سياساتهم و غيرها فما لم يثبت فساد عمل الغير لهم يحكمون بصحته و يطالبون مدعى الفساد في الأفعال التي صدرت عن غيرهم من الوكلاء و الأوصياء و الخدام و أرباب الحرف و الصنائع و آحاد الناس الدليل على ما ادعاه، و الا لا يتأملون في ترتيب آثار الصحة عليها.

اللهم الا ان يكون هناك أمارات الفساد و بعض قرائنه؛ أو يكون الفاعل متهما

119

فقد يتوقفون في هاتين الصورتين عن الحمل عليها حتى بتفحص عن حاله. و سيأتي إنشاء اللّه إمكان القول باستثنائهما عن قاعدة الصحة حتى في الأمور الشرعية عند ذكر التنبيهات و حيث ان أفعال العقلاء و سيرهم و ما يستندون إليها في أمورهم مبنية على أصول عقلائية غير تعبدية، لا بد لنا من البحث في منشأ هذه السيرة و تحقيق حالها كي نكون على بصيرة من الفروع المشكوكة التي تترتب على هذا الأصل. فنقول و من اللّه سبحانه نستمد التوفيق و الهداية:

ان منشأ هذه السيرة العامة العقلائية في حمل الأفعال الصادرة عن الغير على الصحة لا يخلو عن أحد أمور ثلاثة:

أولها «الغلبة»- بأن يقال ان الافعال الصادرة عن الغير لما كانت صحيحة غالبا فصارت هذه الغلبة مورثة للظن بصحة الفرد المشكوك، إلحاقا له بالأعم الأغلب فهذا الظن الناشي من الغلبة حجة عندهم في المقام؛ و لا يلازم القول بحجية هذا الظن هنا حجيته في جميع المقامات، لما فيه من دواع أخر، كشدة الحاجة و عموم الابتلاء و غير ذلك، انضمت اليه فأوجبت بنائهم على العمل به.

و لكن هذا احتمال ضعيف، لما نشاهده من عدم اعتنائهم بشأن هذه الغلبة و بنائهم على هذا الأصل و لو في مقامات لا تكون الصحة غالبة فيها كبنائهم في غير هذه المقامات، مضافا الى إمكان منع دعوى الغلبة و إنكار كون غالب الأفعال الصادرة من الناس صحيحة لو لم يكن الغالب على أفعالهم الفساد فتدبر.

ثانيها- توقف حفظ النظام و صلاح المجتمع عليها، نظرا إلى انه لو لم يبن على الصحة في موارد الشك في الأفعال الصادرة عن الغير لزم العسر الأكيد و الحرج الشديد و اختل أمر المعاش و نظام أمور الناس، لانسداد باب العلم العادي الذي يمكن الوصول اليه بطرق متعارفة في هذه الموارد لغالب الناس فصار هذا منشئا لبنائهم و اتفاقهم على حملها على الصحة فيما إذا لم يقم دليل خاص عليها، بل و مطالبة مدعى الفساد بالدليل و يقرب هذا المعنى الى الذهن و يزيده وضوحا ما يلزم من عدم البناء على هذا الأصل من فساد الأموال‏

120

و الأنفس و التنازع و التشاجر و لو في يوم واحد.

ثالثها- اقتضاء العمل بحسب طبيعته الأولية للصحة، بيان ذلك: لا ريب في ان الاثار المترقبة من الأفعال إنما تترتب عليها إذا صدرت صحيحة و الافراد الفاسدة لا يترتب عليها أثر أو الأثر المترقب منه و حيث ان غرض العقلاء من كل فعل هو آثاره المطلوبة فالدواعي النفسية و البواعث الفكرية انما تدعوا الى الافراد الصحيحة، فكل فاعل- لو خلى و طبعه- يقصد الافعال الصحيحة و يتحرك نحوها فإنها التي تفيض عليه الاثار التي يطلبها و الفوائد التي يرومها؛ فلا يطلب الفاعل بحسب طبعها الأولى إلا الفرد الصحيح و ما يصدر من الأفعال الفاسدة من بعض الفاعلين اما تكون من غفلة و اشتباه أو أغراض فاسدة غير طبيعية، و كل ذلك على خلاف الطبع. و يتضح ذلك عند ملاحظة حال العقلاء في جميع أمورهم من الحرف و الصنائع و بناء الابنية، و من معاملاتهم و سياساتهم و غيرها.

فكما ان الصحة في مقابل العيب هو الأصل في كل مبيع لأنها مقتضى طبعها الاولى و سنة اللّه التي قد جرت في خلقه، فينصرف البيع إليها من غير حاجة الى التصريح بها، فيكون المعيب غير مقصود للمتبايعين لأنه مخالف للطبيعة الأولية في الخلقة؛ فكذلك الأمر في الأفعال الصادرة من العقلاء فإن الدواعي الحاصلة لهم الباعثة على العمل انما تدعوا الى الفرد الصحيح الذي يكون منشئا للآثار، لا الفاسد الذي لا يترتب عليه الأثر المرغوب فيه، فبذلك صار الأصل في الأفعال الصادرة من الفاعلين- مسلمين كانوا أو غير مسلمين- هو الصحة، و الفساد انما ينشأ من أغراض غير طبيعية أو من خطأ الفاعل و غفلته الذي هو أيضا على خلاف الأصل و الطبع. هذا غاية ما يمكن ان يقال في منشأ هذا الاعتبار العقلائي و الأقرب من هذه الوجوه هو الوجه الأخير ثمَّ الثاني.

و كيف كان- استقرار سيرة العقلاء على هذا الأصل مما لا يكاد ينكر، من غير فرق بين أرباب الديانات و غيرهم؛ و من غير فرق بين كون الفاعل مسلما أو غيره، و جميع ما ورد في الشرع في هذا الباب في الموارد الخاصة كلها إمضاء لهذا البناء العقلائي لا تأسيس لأصل جديد.

121

الرابع- دليل العقل‏

و دلالته عليه من وجهين:

الأول- انه لو لم يبن على الصحة في الأفعال الصادرة من الغير لاختل أمر المعاد، و المعاش جميعا و بطلان التالي واضح عقلا و شرعا، فلا يمكن الاقتداء بإمام إلا بعد العلم بصحة صلوته من حيث القراءة و الطهارة و غيرهما، و لا الركون الى فعل النائب و الأجير، و لا الاعتماد على الأفعال الواجبة كفاية الصادرة من الغير الا عند العلم بصحتها و لا يمكن الاعتماد على العقود و الإيقاعات الصادرة من الغير مما يكون محلا لا بتلاء المكلف و كذا في تطهير الثياب و ذبح الذبائح و غيرها مما لا تحصى و قد يخدش فيه من وجهين من ناحية الصغرى و الكبرى اما الأول فلان اختلال النظام فيما إذا اقتصر على العمل بما تطمئن به النفس من أفعال الغير، و ما يوجد فيه أمارات شرعية أخرى تدل على صحتها، من «اليد» و «السوق» و غيرهما مما قامت الأدلة على اعتبارها، لا يخلو عن اشكال، و اما ما ذكره المحقق الآشتياني في بعض كلماته في المقام؛ من لزوم الاختلال في أمر المعاد لو لم يلزم في المعاش لاستلزامه عدم جواز الصلاة إلا خلف النبي و وصيه (عليهم السلام) فهو ممنوع لكفاية الاطمئنان الحاصل في كثير من الموارد لكثير من الناس كما لا يخفى.

و اما الثاني فلعدم إثباته حجية هذا الأصل إلا في الجملة و لا يكفي في إثبات هذه الكلية؛ فإن اللازم الاقتصار على العمل بما يندفع منه محذور اختلال النظام و اما غيره فلا هذا و لكن لا يخفى أن ملاحظة ما يلزم منه الاختلال و ما لا يلزم منه ذلك و التفكيك بينهما أيضا قد يكون بنفسه حرجيا و منشأ للاختلال، و الإيكال على وجدان المكلفين في تشخيص مواردها قد يؤدى الى ذلك كما لا يخفى على الخبير.

و قد يستند في إثبات الكبرى تبعا لشيخنا الأعظم العلامة الأنصاري (قده) الى فحوى ما ورد في باب اليد في رواية «حفص بن غياث» من انه «لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» بعد حكمه «(عليه السلام)» بترتيب آثار الملكية على ما في اليد، فيدل على ان كل ما لولاه لزم الاختلال فهو حق. و يمكن تأييده أيضا بما ورد في جواز شراء

122

الفراء من سوق المسلمين عند الشك في تذكيتها و عدم وجوب السؤال عنه معللا بقوله «(عليه السلام)» ان الدين أوسع من ذلك و ذم الخوارج الذين ضيقوا على أنفسهم‏ (1) و غيره من أشباهه مما يدل على التوسعة في أمور الدين.

هذا و لكن الاستناد في إثبات الكبرى إلى الأدلة النقلية يخرجه عن الاستدلال العقلي مضافا الى ان إمكان منع الأولوية بعد ملاحظة إمكان الاعتماد إلى أمارات أخرى في كثير من موارد الشك في الصحة، و لكن الإنصاف ان الدليل مما يمكن الركون اليه و لا أقل من تأييد المدعى به مع قطع النظر عن كونه دليلا عقليا أو نقليا.

الثاني- «الاستقراء» فان الناقد البصير إذا أمعن النظر في الأحكام الواردة في الشرع، الثابتة عند أهله بإجماع أو غيره، يرى ان الشارع المقدس لا يخرج في حكمه عما يطابق هذا الأصل في موارده، بحيث يورثه الاطمئنان بثبوت هذه الكلية في الشرع فلا حظ ما ورد من الأحكام المختلفة في أبواب الطهارات و النجاسات مما يرتبط بفعل الغير و أبواب الذبائح و الجلود، و أبواب الشهادات، و الدعاوي و التنازع في صحة بعض العقود و الإيقاعات و فسادها و غيرها تجده شاهد صدق على ما ذكرنا، و كلما كررت النظر زادك وضوحا و ظهورا.

و أورد عليه المحقق النراقي (قده) في «عوائده» بأن هذا الاستقراء غير مفيد لأن تامة لم يتحقق و ناقصه لو سلمنا كونه مفيدا فإنما يفيد لو لم يعارضه خلافه في موارد خاصة اخرى أزيد مما يوافقه. ففي صحيحة الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل عن رجل جمال استكرى منه إبل و بعث معه زيت إلى أرض فزعم ان بعض الزقاق انخرق فأهراق ما فيه فقال (عليه السلام): انه ان شاء أخذ الزيت و قال انه انخرق و لكنه لا يصدق إلا ببينة عادلة، و هذا صريح في عدم حمل قول الجمال على الصحة و موثقة عمار ابن موسى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث فقال: ان كان مسلما ورعا مأمونا فلا بأس ان يشرب؛ الى غير ذلك مما ذكره.

و فيه ان التحقيق كما ذكرنا في محله حجية كل ما يورث الظن الاطمئناني‏

____________

(1) راجع الحديث 3 من أبواب 50 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة من الوسائل‏

123

و سكون النفس، لبناء العقلاء عليها كافة في جل أمورهم (عدا موارد خاصة) و الاستقراء الغالبي و ان لم يوجب العلم، فلذا لا يعتمد عليه في الأمور التي تحتاج إلى أدلة قاطعة؛ الا انه كاف في إثبات الأحكام الفرعية إذا انضم إليه قرائن أخر و حصل منه الاطمئنان. و اما ما ذكره من المعارضات فهي اما واردة في مورد «أقوال الغير» لا أفعاله، كالحديث الأول، أو في موارد الاتهام كالحديث الثاني فتأمل.

هذا تمام الكلام فيما أردنا ذكره من أدلة هذه القاعدة، و تحصل من جميعها ان هذه القاعدة من القواعد التي استقرت عليها سيرة أهل الشرع بل العقلاء جميعا و ان العمدة في إثباتها هو ذلك و ان كان غيرها من الأدلة أيضا لا يخلو عن تأييد لها أو دلالة عليها.

124

المقام الثاني تنبيهات أصالة الصحة

الأول- هل المراد من «الصحة» هي الصحة الواقعية أو الصحة عند الفاعل؟

فيه خلاف مشهور، و قد يعبر عن الصحة الواقعية بالصحة عند «الحامل» نظرا الى ان الصحيح الواقعي في نظره هو ما بنى على صحته اجتهاد أو تقليدا؛ فلا فرق بين هذين التعبيرين فيما يراد في المقام.

و على كل حال المحكى عن المشهور هو البناء على الصحة الواقعية، و يحكى عن «صاحب المدارك (قده) الأول، و لكن قد عرفت عند حكاية الإجماع على الحجية ان هذه القاعدة بكليتها غير معنونة في كلمات المشهور فإسناد القول الثاني إليهم هنا لعله لظهور كلماتهم فيه في مقامات خاصة، كفروع التنازع في أبواب المعاملات حيث أطلقوا القول بتقديم قول مدعى الصحة و لم يقيدوه بكونه عالما بالصحة و الفساد الواقعيين، كي يكون الحمل على الصحة عند الفاعل مساوقا للحمل على الصحة الواقعية، و لو كان مرادهم من الصحة عند الفاعل لم يكن هناك بد من التقييد به و من البعيد جدا ان يفرق بين الأبواب المختلفة فيحمل على الصحة الواقعية في مقام و الصحة الفاعلية في مقام آخر، فإسناد هذا القول الى المشهور بهذا الاعتبار قريب.

و تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا كان معتقد الفاعل مخالفا لمعتقد الحامل كما إذا كان البائع ممن يرى جواز العقد بالفارسية أو بغير صيغة الماضي أو جواز تقديم القبول على الإيجاب أو غير ذلك؛ على خلاف ما يعتقده الحامل. فاذا شك في صحة بيعه و فساده‏

125

لم يفده حمل فعل البائع على الصحة على القول الأول، و يفيده على الثاني، فإذن تنحصر فائدة هذه القاعدة على القول الأول بالموارد التي تطابق الصحة عند الفاعل الصحة عند الحامل، و اما في غيرها فإنما تفيد بالنسبة إلى الآثار التي يكون موضوعها الصحة الفاعلية كالايتمام على قول.

ثمَّ اعلم ان المدرك الوحيد في هذه المسألة هو ملاحظة الدليل الذي استندنا إليه في إثبات أصل القاعدة؛ و حيث ان عمدتها- كما عرفت- هي السيرة المستمرة بين العقلاء من جميع الأمم و في جميع الأعصار على اختلافهم في المذاهب و الآراء فالحق هو الحمل على الصحة الواقعية لأنه لم يعهد منهم ان يتساءلوا بينهم من معتقد الفاعلين في المسائل المختلفة عند حمل أفعالهم على الصحة، و يزيدك وضوحا ملاحظة حال المسلمين في الأعصار المختلفة مع تشعبهم في المذهب و اختلافهم في المسائل الفرعية فلم يعهد منهم السؤال عن معتقد الفاعل إذا كان وكيلا في البيع و غيره أو وصيا عن ميت أو وليا على صغير أو غير ذلك، بل تحمل أفعالهم على الصحيح عند الشك من غير فحص عن حال فاعلها.

و لعل قائلا يقول: ان منشأ هذه السيرة كما ذكرت أحد أمور ثلثة: أما الغلبة؛ أو اقتضاء طبيعة العمل، أو التعبد العقلائي دفعا للحرج و حفظا لنظام المجتمع و لا شك ان شيئا منها لا يقتضي أزيد من الصحة الفاعلية ضرورة أن الدواعي الباعثة على العمل انما تدعو الى الصحيح في نظر الفاعل و بحسب معتقده، و الغلبة انما تكون في موافقة عمله لما هو الصحيح عنده، و الحرج و الاختلال يندفعان بالحمل على الصحة الفاعلية، لتطابق الصحة عند الفاعل و الحامل في كثير من الموارد و كفى بها في دفع محذور الحرج و الاختلال.

و فيه- انه انما ذكرنا هذه الأمور بعنوان الحكمة و الداعي لبناء العقلاء على هذا الأصل، لا العلة التي يدور الحكم مدارها و قد عرفت ان ما نشاهده من سيرتهم هذه لا تنحصر بالموارد التي تطابق الصحة الفاعلية و الصحة عند الحامل بل تعمها و غيرها.

و قد عرفت ان استمرار سيرة المسلمين على هذه القاعدة المتخذة من سيرة العقلاء يؤكد

126

هذا المعنى، لأنها جرت على ترتيب آثار الصحة الواقعية على العقود و الإيقاعات الصادرة عن الغير و عباداتهم النيابية و أداء الواجبات الكفائية و غيرها من غير تحقيق و تفحص عن حال فاعليها و معتقدهم، مع ما يرى من الاختلاف الشديد بينهم في أحكام العبادات و المعاملات، لا سيما مع ملاحظة ان هذه القاعدة تعم المخالفين أيضا و تدل على حمل أفعالهم على الصحة و ترتيب آثارها عليها فيما لا يشترط فيه الولاية، و مخالفتهم لنا في كثير من الفروع الفقهية واضح لكل احد، و لم يعهد السؤال عن مذهب الفاعل أو الفحص عنه بطريق آخر.

نعم هاهنا صورتان قابلتان للبحث:

الاولى- ما إذا علم تفصيلا اعتقاد الفاعل و مخالفته لمعتقد الحامل بالكلية بحيث لم يجمعهما جامع؛ كما إذا اعتقد الفاعل وجوب الجهر بالبسملة في الصلوات الإخفائية حينما يعتقد الحامل حرمته. فان حمل فعله على الصحة هنا- من باب احتمال مصادفته للواقع و لو سهوا منه- مشكل جدا، لعدم جريان شي‏ء من الأدلة السابقة فيه. و ان هو الا الحمل على الفساد بالنظر الى معتقد فاعله.

الثانية- ما إذا علم جهل الفاعل بالحكم أو الموضوع أو كليهما علما تفصيليا كمن لا يعلم ترتيب اجزاء الوضوء أو الصلاة أو غيرهما و يأتي بها من غير علم بأحكامها و لكن يحتمل مطابقتها للواقع أحيانا من باب الصدفة و الاتفاق، و الحمل على الصحة الواقعية هنا أيضا مشكل؛ و ان كان أخف اشكالا من الصورة الاولى؛ و لذا اختار «المحقق الأصفهاني» (قدس سره) في تعليقاته على الكفاية الحمل عليها في هذه الصورة و ادعى قيام السيرة عليها خصوصا بعد ملاحظة جهل غالب العوام بالأحكام.

و فيه- انه لم يثبت استقرار السيرة في الموارد التي يعلم فيها علما تفصيليا بجهل فاعلها في خصوص مسائل معينة، نعم لا يبعد جريانها في موارد يعلم إجمالا بجهلهم ببعض المسائل أو بكثير منها، لان غالب العوام- لا سيما أهل البوادي و من ضاهاهم- من هذا القبيل، مع انه لا إشكال في حمل أفعالهم على الصحة الواقعية و ترتيب آثارها عليها.

127

و يمكن استظهار المقصود- اعنى لزوم الحمل على الصحة الواقعية لا الصحة بنظر الفاعل- من غير واحد من الروايات الواردة في موارد خاصة: مثل ما رواه الشيخ «رضوان اللّه عليه» في التهذيب و الفقيه بإسناده عن إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: «إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسئلوا عنه» (1) بناء على شموله لصورة العلم بكون معتقد الفاعل جواز الصلاة فيما دبغ من الجلود و ان كانت غير مذكى لاشتهار فتاوى أبي حنيفة في العراق في ذاك العصر و مفروض سؤال الراوي أيضا هو الشراء من المخالفين، فالعمل بهذه الامارة- اعنى الصلاة فيها- ليس الا من جهة حمل أفعال المسلمين على الصحة الواقعية فبالصلاة فيها يستكشف كونها مذكى لاعتبار التذكية في لباس المصلى واقعا.

اللهم الا ان يقال ان الرواية غير معمول بها لكفاية الأخذ من سوق المسلمين و من يد المسلم من غير اعتبار الصلاة فيها، فيحمل هذا الحكم على الاستحباب و ضرب من الاحتياط و لكن يمكن القول بكفاية الحكم المذكور في إثبات المدعى و ان كان حكما استحبابيا فتأمل.

نعم يظهر من بعض الروايات خلاف ذلك و ان الحمل على الصحة انما يجوز فيما يوافق معتقد الفاعل لمعتقد الحامل كالروايات الكثيرة الواردة في باب «تحريم العصير إذا أخذ مطبوخا ممن يستحله» مثل ما رواه الكليني «رضوان اللّه عليه» بإسناده عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يهدى اليه البختج من غير أصحابنا؟

فقال: «ان كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه و ان كان ممن لا يستحل فاشربه» و مثله غيره.

فان حمل فعل المسلم على الصحيح الواقعي يقتضي الحكم بالحلية هنا و ليس هذه الصورة من الصورتين اللتين اخترنا استثنائهما من هذه القاعدة لوجود الجامع بين العقيدتين لاستحلال الفريقين المطبوخ على الثلث.

و يمكن الجواب عنه بان المورد من موارد التهمة و سيأتي الإشكال في جريان‏

____________

(1) الحديث 7 من الباب 50 من أبواب النجاسات من كتاب الطهارة من الوسائل‏

128

القاعدة فيها، و ذلك لان مستحل المسكر لا داعي له الى طبخ العصير على الثلث غالبا فيسقط القاعدة في مورده، فيكون المرجع فيه هو الاستصحاب و لا شك في انه يقتضي الحرمة.

التنبيه الثاني في وجوب إحراز صورة العمل‏

يعتبر في جريان هذه القاعدة إحراز صورة العمل، و هو القدر المشترك بين صحيحه و فاسده؛ بحيث يصدق عليه عنوان ذاك العمل بالمعنى الأعم من الصحيح و الفاسد؛ فإذا رأينا رجلا يأتي بحركات نشك في صدق عنوان الصلاة عليها و لو فاسدا، كما إذا انحنى و لا ندري أنه انحناء ركوع أو انحناء لأخذ شي‏ء من الأرض، لم يكن هناك مورد للحمل على الصحة كما هو ظاهر و مجرد كون الاتى بها قاصدا العنوان الصلاة غير كاف في هذا المعنى ما لم يحرز صورة العمل خارجا؛ لوضوح عدم كفاية مجرد القصد في صدق عنوان على عمل خارجي حتى يؤتى بصورته الخاصة.

نعم إذا كانت صورة خاصة مشتركة بين عملين فالمميز هناك هو القصد، فهذا الشرط غير ما سيأتي الإشارة إليه إنشاء اللّه عن قريب من اشتراط إحراز كون الفاعل بصدد العنوان الذي يراد حمل فعله على الصحيح منه.

و على كل حال اعتبار هذا الشرط في جريان أصالة الصحة في جميع مواردها أمر ظاهر لا سترة عليه؛ و كأن ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد من:

«عدم جريان أصالة الصحة في العقود الا بعد استكمال أركانها ليتحقق وجود العقد و اما قبله فلا وجود له» أيضا ناظر الى هذا المعنى و لذا مثل له في بعض كلماته بما إذا اختلفا في كون المعقود عليه حرا أو عبدا أو اختلف الضامن و المضمون له فقال الضامن: ضمنت و انا صبي؛ و قال المضمون له: بل ضمنت و أنت بالغ و كذا ما يحكى عن «العلامة» (قدس سره) من الإشكال في جريانها في هذا الفرض، فان الظاهر ان منشأ استشكالهما في جريان قاعدة الصحة هنا هو ما ذكرنا من عدم إحراز عنوان العمل في هذه الأمثلة. و على اى حال فان كان مراد المحقق الثاني (قدس سره) من‏

129

استكمال الأركان ما ذكر،- كما يظهر من أمثلته- فهو مما لا ينبغي الريب فيه؛ و ان كان مراده امرا ورائه فهو قابل للتأمل و البحث، و لا نظن أحدا يخالف ما ذكرنا عند العمل بقاعدة الصحة، و هل ترى أحدا يحكم بالصحة فيما يشك في صدق عنوان البيع أو النكاح و لو فاسدا على الفعل الخارجي؟ و هل تظن أحدا فيما إذا رأى أحدا ينحني لا يدرى أ هو انحناء ركوع أو انحناء لأخذ شي‏ء من الأرض يحكم بحمل فعله على الركوع الصحيح؟.

فكلما يكون الشك فيه مساوقا للشك في صدق عنوان العمل و صورته لا يكون مجرى للقاعدة، فإذا شك في مالية العوضين رأسا لم يصدق هناك عنوان البيع، لان البيع انما يصدق في محل قابل له و لو إجمالا؛ فإذا شك في ان المبيع حر أو عبد أو انه خمر أو مائع آخر مباح، بناء على ان الشارع تصرف في موضوع الخمر و أسقطها عن المالية رأسا، لم يصدق هناك عنوان البيع، و ان هو إلا كبيع الماء على الشاطئ و أشباهه؛ مما لا مالية له بنظر العرف و العقلاء فإنهم لا يرون بيعها إلا سفها و هذلا، لا بيعا حقيقيا (و لو بيعا فاسدا) و كذلك إذا شك في بلوغ الضامن مثلا؛ بناء على سقوط ذمة غير البالغ و عدم الاعتبار بعهدته و كونه في الشرع كمن لا اعتبار بذمته و عهدته عند العقلاء كغير المميزين و المجانين؛ فإنه لا يصدق هناك عنوان الضمان و لو فاسدا.

و بعض هذه الأمثلة و ان كان قابلا للنقض و الإبرام الا انه لا إشكال في الكلية المذكورة و هو ان ما لا يصدق عليه عنوان العمل- و لو بالمعنى الأعم- خارج عن مسألة أصالة الصحة. و من المعلوم ان انهدام الأركان أو الشك فيها يساوق الشك في تحقق العنوان غالبا أو دائما بل لعل المراد من الركن هنا هو ما يلزم من عدمه انتفاء العنوان فتأمل؛ فإذن يكون قول المحقق الثاني و من وافقه من لزوم إحراز أركان العقد في إجراء أصالة الصحة فيه قويا.

ثمَّ انه لا يختص هذا البحث بباب البيع بل هو عام لجميع موارد جريان أصالة الصحة لاتحاد الدليل و لأنا لا نجد اى مخصص له بباب دون باب للزوم إحراز عنوان العمل المشترك بين الصحيح و الفاسد في الحكم عليه بالصحة عند الشك بمقتضى هذه‏

130

القاعدة، ففي باب الوضوء إذا رأينا رجلا من بعيد يغسل يديه و لا ندري ان غسله غسل وضوء أو غيره فهل ترى أحدا يقول بحمل فعله على الوضوء الصحيح؟.

و لكن العجب من «المحقق النائيني» (قدس سره) حيث خص البحث هنا بباب العقود، بل لعل ظاهر بعض كلمات شيخنا الأعظم العلامة الأنصاري (قده) أيضا ذلك، و قد عرفت مغزى البحث و ما يؤول إليه كما عرفت انه لا وجه لتخصيصه بباب دون باب ثمَّ اعلم ان في المسألة أقوالا أخر عدى ما ذكرنا و ذكره المحقق الثاني:

أحدها- ما اختاره العلامة الأنصاري (قده) من لزوم إحراز جميع ما يعتبر إحرازه في صدق عنوان العقد الصحيح عرفا و اختصاص القاعدة بما إذا شك فيما عداها من الشرائط الشرعية، نظرا إلى انه ما لم يحرز العنوان الصحيح العرفي لا يكون هناك مجال لإجراء القاعدة.

و فيه: ما عرفت من كفاية إحراز القدر المشترك بين الصحيح و الفاسد لأن هذه القاعدة لا تختص بالمتشرعين، بل أهل العرف إذا حصل لهم الشك في صحة الأعمال الصادرة من غيرهم من العقود و غيرها يعتمدون على هذه القاعدة و يحكمون بصحتها و لا يتوقفون عن ذلك إذا أحرزوا صورة العمل، و ان الفاعل كان من قصده إيجاد العمل الصحيح خارجا، و لو كان مجرى القاعدة خصوص موارد الشك في الشرائط الشرعية لم يبق لها مجال عند أهل العرف و العقلاء فيما بأيديهم من الاحكام.

ثانيها- ما ذهب اليه المحقق النحرير «العلامة الأصفهاني» (قدس سره)): من كفاية إحراز مجرد الإنشاء في العقود، و انه أحرز مجرد إنشاء البيع أو النكاح أو غيرهما ثمَّ شك فيما يعتبر فيها من الشرائط عند العقلاء أو عند الشرع يحكم بصحتها حتى انه (قده) لم يعتبر إحراز كون الإنشاء بقصد الجد، بل اكتفى بكون المنشئ في مقام الجد و ان لم يعلم قصده لذلك جدا؛ كل ذلك لعموم الأدلة التي عمدتها السيرة العقلائية و فيه: انه ان كان مراده (قده) من الإنشاء هو ما يصدق عليه عنوان المعاملة المشترك بين صحيحها و فاسدها، فلا ينبغي الشك في عدم كفاية مجرد الإنشاء في إحراز عنوانها؛ بل يعتبر فيه مضافا إليه، سائر أركانها من صلاحية العوضين و المتعاقدين و لو

131

إجمالا فلا وجه للاقتصار على الإنشاء فقط، و ان كان مراده كفاية مجرد الإنشاء و لو لم يصدق عليه عنوان المعاملة فقد عرفت في بيان المختار انه بمعزل عن الحق.

ثالثها- ما اختاره المحقق النائيني (قدس سره)، و هو من أغرب الأقوال في المسألة، و حاصلة لزوم إحراز جميع شرائط العوضين و المتعاقدين و اختصاص القاعدة بموارد الشك في شرائط العقد فقط؛ و دليله على هذا التبعيض ان العمدة في إثبات هذه القاعدة هنا هو الإجماع و معقده هو «الشك في صحة العقد» و ظاهر هذا العنوان خصوص الشرائط المعتبرة في العقد نفسه دون غيره مما يعتبر في صحته من صفات المتعاقدين و العوضين.

و فيه أولا- ما قد عرفت آنفا من ان حمل العقد الصادر من الغير على الصحة جزئي من جزئيات مسألة حمل فعل الغير على الصحة مطلقا؛ و انه لم يقم دليل خاص عليه في أبواب المعاملات، و قد عرفت أيضا ان دعوى الإجماع القولي في أصل المسألة مشكلة فضلا عن حصر الدليل فيه فتدبر. ثمَّ ان لازم ما افاده وجوب التماس دليل آخر لحمل فعل الغير على الصحة في أبواب العبادات و شبهها فيكون هناك قاعدتان مستقلتان إحداهما في أبواب المعاملات و الأخرى في غيرها، و ربما يلوح من بعض كلماته (قدس سره) في المقام التزامه بهذا اللازم، و هو عجيب، حيث انه لا شك في أنها قاعدة واحدة مستندة الى دليل أو أدلة معلومة جارية في جميع أبواب الفقه من غير فرق بين أبواب العقود و غيرها؛ و لم أقف على احتمال التفكيك بينهما في كلام غيره ثانيا- سلمنا انحصار مورد القاعدة و معقد الإجماع في أبواب المعاملات بالشك في «صحة العقد» و لكن الإنصاف ان المراد من صحة العقد- بظاهرها- هو صحته بمعنى ترتيب جميع آثاره الشرعية عليه من النقل و الانتقال و غيرهما لا صحة العقد الإنشائي فقط؛ و من الواضح ان صحة العقد بهذا المعنى تتوقف على ضم سائر الشرائط المعتبرة في العوضين و المتعاقدين إلى شرائط الإنشاء و لا يكفى فيها مجرد إحراز شرائط الصيغة فإذن لا يبقى مجال لهذا التفصيل.

ثالثها- انه لا يظن بأحد الالتزام بهذا التفصيل عملا في الفقه في مختلف‏

132

أبواب المعاملات؛ حتى انه نفسه لا يمكنه الجري على وفق ما افاده عند العمل، فان لازمه حصر مورد القاعدة بموارد الشك في صحة الإنشاء من ناحية الماضوية و الصراحة، و التنجيز و أمثالها؛ بناء على اعتبار هذه الأمور فيها، و اما إذا شك في معلومية العوضين أو زيادة أحد العوضين على الأخر و عدمها مع كونهما جنسا واحدا و ما أشبه ذلك فلا يمكن التمسك بها لإثبات صحة المعاملة المشكوكة من ناحيتها و هو كما ترى.

و ما قد يلوح من بعض كلماته في المقام من: «ان اعتبار معلومية العوضين أو عدم كون أحدهما زائدا على الأخر انما هو مأخوذ في صحة العقد» لم نتحقق معناه؛ فإنه ان أراد اعتبارها في صحة العقد بمعنى إنشاء الصيغة فهو كما ترى، و ان أراد اعتبارها في العقد المسببي و ما يترتب عليه النقل و الانتقال، فجميع الشرائط كذلك و لا يرى بينها من تفاوت.

و لا بأس بالإشارة الى بعض الموارد التي صرحوا بجريان قاعدة الصحة فيها مع كون الشك فيها من ناحية شرائط المتعاقدين أو العوضين و هو ما ذكروه في رواية «ابن أشيم» المشهورة الواردة في العبد المأذون الذي دفع اليه مال ليشتري به نسمة و يعتقها و يحج عن أبيه، فاشترى أباه و أعتقه؛ ثمَّ تنازع مولى المأذون و مولى الأب و ورثة الدافع و ادعى كل منهم انه اشتراه بماله، فقال أبو جعفر (عليه السلام):

«يرد المملوك رقا لمولاه و اى الفريقين أقاموا البينة بعد ذلك على انه اشتراه بماله كان رقا له». حيث استشكلوا على ظاهر الحديث بمخالفته للقواعد حيث ان الحكم بفساد العقد المذكور و مطالبة البينة من مدعى الصحة مخالف للقاعدة لأن مدعى الصحة تكفيه أصالة الصحة مع يمينه. و من الواضح ان منشأ الشك هنا ليس من ناحية صحة الإنشاء و شرائطه بل من ناحية العوضين و ان العبد المأذون اشترى أباه بمال مولى الأب حتى يكون البيع باطلا أو بمال مولاه أو ورثة الدافع حتى يكون صحيحا.

133

التنبيه الثالث في ان الصحة المستفادة منها في كل مورد بحسبه‏

لا إشكال في انه لا تثبت بهذه القاعدة إلا الآثار المترتبة على صحة موردها و مجراها و من المعلوم ان صحة كل شي‏ء بحسبه؛ فان كان موردها عبادة أو عقدا بجميع اجزائه و شرائطه فصحته صحة فعلية و يترتب عليه ما يترقب منه من الاثار فعلا.

و اما إذا كان موردها جزاء من اجزائهما فصحته صحة تأهلية بمعنى قابلية ذاك الجزء لانضمام سائر الاجزاء أو الشرائط اليه و صيرورتها عبادة أو معاملة تامة، و تترتب عليها آثار تلك العبادة أو المعاملة إذا لحقه سائر اجزائها و شرائطها. و هذا المعنى مما لا ينبغي التأمل فيه، الا ان الكلام في بعض ما فرعوا عليه. فقد فرع عليه شيخنا الأعظم (قدس سره) الشريف فروعا:

منها- إذا شك في لحوق الإجازة لبيع الفضولي فأصالة الصحة في البيع الصادر منه لا تثبت لحوق اجازة المالك به، لان صحته صحة تأهلية لا تدل على أزيد من صحة الإنشاء الصادر من الفضولي و اشتماله على شرائط الصحة و منها ما إذا شك في تحقق القبض في الصرف و السلم، فان جريان أصالة الصحة في العقد لا يدل على تحقق القبض.

و منها ما لو ادعى بائع الوقف وجود المسوغ له في بيعه فإن أصالة الصحة لا تثبت وجوده لا سيما مع بناء بيع الوقف على الفساد.

و منها ما لو ادعى الراهن اذن المرتهن في بيع العين المرهونة فإن أصالة صحة البيع لا تثبت اذنه «هذا ملخص ما أفاده».

أقول- قد عرفت من التنبيه السابق ان القاعدة الكلية في مجرى هذه القاعدة أنه مهما حصلت أركان العمل، بأقل ما يصدق عليه عنوانه الأعم من الصحيح و الفاسد؛ جرت فيه أصالة الصحة عند الشك فيما زاد عليها، مما يعتبر في صحته؛ و أنت بعد الإحاطة بهذا تعرف حال هذه الفروع: فان من المعلوم ان مجرد الإيجاب و القبول لا يجدي في تحقق عنوان البيع أو النكاح أو غير هما ما لم ينضم إليه قابلية محله، و غيره مما به قوامه و عليه أساسه، فلا يكفي إحراز مجرد الإنشاء في إجراء القاعدة في البيع و النكاح‏

134

و شبههما، لا لأن صحة كل شي‏ء بحسبه، بل لان عنوان البيع و أشباهه لا يصدق بمجرد نفس الإنشاء كما لا يخفى.

و من هنا يعلم حال البيع الصادر من الفضولي فإنه بدون اجازة المالك ليس بيعا حقيقيا و لا يصدق عليه عنوانه (و لو بمعناه الأعم) ضرورة عدم أهلية الفضولي للعقد على مال غيره بل هو أشبه شي‏ء بكتابة السند و تنظيمه للتوقيع عليه ممن بيده امره، فليس موقف الفضولي موقف البائع حقيقة و لا يصدق على إنشائه عنوان البيع نعم إذا تحقق إيجاب البيع و قبوله في محل قابل له و لو في الجملة، ثمَّ شك في حصول بعض ما يتوقف صحته عليه من الشرائط، كالقبض في الصرف و السلم فلا ينبغي الإشكال في جواز الاعتماد على هذا الأصل لإثباتها. فهل نجد من أنفسنا إلزاما على البحث و الفحص عن حال بيع صرف أو سلم صدر من وكيلنا و انه هل اقبض المثمن أو قبض الثمن في مجلسه أم لا؟ فما افاده (قدس سره) من عدم جواز الركون الى هذا الأصل لإثبات صحة البيع و حصول النقل و الانتقال، عند الشك في تحقق القبض في الصرف و السلم بمعزل عن الحق و ليت شعري ما الفرق بين هذا الشرط و غيره من الشروط المقارنة المعتبرة في العقود؟.

نعم إذا علمنا من الخارج ان المتبايعين أوقعا العقد مترددين في القبض و الإقباض ثمَّ شككنا في انه بدا لهما فيهما فالأمر كما ذكره (قده) اما إذا أحرزنا انهما أوقعاه قاصدين للنقل و الانتقال؛ عازمين على القبض و الإقباض ثمَّ شككنا في لحوقه فلا إشكال في جريان قاعدة الصحة فيه و بالجملة لا نجد اى فرق بين الشروط المقارنة للعقد و المتاخرة عنه بعد إحراز عنوانه خارجا فلا وجه للفرق بينهما أصلا.

و اما مسألة الشك في مسوغات بيع الوقف فالظاهر انه لا ينبغي الإشكال فيها أيضا من الجهة المبحوث عنها لما عرفت في سابقة بل الظاهر انه ليس من فروع هذا البحث فان وجود المسوغات من الشرائط المقارنة المعتبرة في صحة العقد حين صدوره كالمالية و الملكية و أشباههما، و لو قلنا بأن أركان البيع غير حاصلة مع الشك في وجود المسوغ سقطت أصالة الصحة فيه من هذه الجهة لا لأن الصحة المستفادة منها صحة تأهلية كما هو محل‏

135

البحث نعم هنا اشكال آخر أشار إليه شيخنا الأعظم في ضمن كلامه في المقام و هو ان طبع هذه المعاملة و بنائها على الفساد و سيأتي الإشكال في جريان أصالة الصحة في أمثال هذه المسألة.

و قد ظهر مما ذكرنا حال الفرع الأخير و هو ما إذا شك في اجازة المرتهن في بيع العين المرهونة؛ و الأقوى فيه أيضا جريان أصالة الصحة لصدق عنوان البيع معه، و عدم وجود اى فرق بين هذا الشرط و سائر شروطه، اللهم الا ان يقال ان بيع العين المرهونة أيضا مبنى على الفساد كبيع العين الموقوفة و سيأتي الإشكال في أمثاله.

التنبيه الرابع في لزوم إحراز كون الفاعل بصدد الفعل الذي يراد ترتيب آثاره‏

يعتبر في إجراء هذه القاعدة إحراز عنوان الفعل و كون الفاعل بصدده إذا كان مما يصلح لانطباق عناوين مختلفة عليه و لا يمتاز بعضها من بعض الا بقصد فاعله، فغسل الثوب تارة يكون بعنوان التطهير الشرعي، و اخرى بعنوان ازالة قذارته العرفية ففي الأول يراعى إطلاق الماء و طهارته شرعا دون الثاني، و كذاك حال قراءة الحمد بعنوان جزئيته للصلاة و قرائته بعنوان قراءة القرآن، و لا شك في ان الحمل على الصحة من ناحية عنوان خاص يحتاج إلى إحراز كون الفاعل بصدده.

و الأصل في ذلك ما مر مرارا من لزوم صدق العنوان الأعم من الصحيح و الفاسد في إجراء هذه القاعدة، فإذا كان العنوان من العناوين القصدية لا يكاد يصدق إلا إذا كان فاعله قاصدا له.

و لكن هنا أمر يجب التنبيه عليه و هو ان القوم قد افرطوا في باب العناوين القصدية و قد حققنا في محله ان «القصد» في كثير من هذه الموارد التي يسمونها عناوين قصدية لا اثر لا إلا في كون الفعل بعنوانه الخاص «اختياريا» مستندا الى فاعله لا في تحقق عنوان الفعل خارجا الا ترى ان عنوان التوهين- و هو من أظهر العناوين القصدية عندهم- كثيرا ما لا يتوقف وجوده خارجا على قصد فاعله كمن أقدم على تلويث بيت اللّه و الكتب المقدسة- العياذ باللّه- بأعين الناس و مرآهم و كان ذلك من غفلة أو نسيان‏

136

حيث انه لا يشك أهل العرف في ان عمله هذا يوجب و هنا لهذه المقدسات في أنظار الناس، فيستنكرونها و يسرعون الى تطهيرها و ازالة النجاسة عنها، و ان كان فاعلها عندهم معذورا غير مستحق للمؤاخذة و اللوم من جهة غفلته و نسيانه إذا لم يكن مقصرا في مقدماته نعم لو كان العمل مشتركا بين عنوانين و لم يكن هناك ما يمتاز به خارجا من جهة من الجهات (لو وجد اعمال كذلك) ففي مثله يمكن القول بتوقف صدق احد العنوانين عليه على قصده.

و بناء على هذا المبنى يكون الدليل على اعتبار إحراز قصد الفاعل لهذه العناوين عدم جريان القاعدة في غير الأفعال الاختيارية لعدم بناء العقلاء عليه كما هو واضح و قد عرفت ان الفعل في هذه الموارد لا يكون اختياريا الا بقصد عنوانه.

نعم لا يبعد ان يقال بأنه لا يجب إحرازه بطرق علمية بل يكفى الظن الحاصل من ظاهر الحال بان يكون ظاهر حال الفاعل انه بصدد العنوان الفلاني، فإن هذا الظن مما استقر بناء العقلاء على العمل به في مورد الصفات الباطنية، كالقصد و العلم و العدالة مما لا طريق إليها غالبا الا ظواهر الحالات و يستندون إليها في كثير من احتجاجاتهم كما لا يخفى على من سبر أحوالهم، نعم في غير هذه المقامات من الصفات الظاهرة التي يمكن إثباتها بطرق علمية غالبا لا اعتبار به عندهم.

بل هذا الظهور معتبر عندهم و ان لم يكن هناك شك في صحة العمل على فرض قصده فحجية ظهور حال الفاعل في هذه المقامات أجنبية عن قاعدة الصحة و ان كان يظهر بعض ثمراتها في إجراء القاعدة كما عرفت و من هنا يظهر وجه النظر في بعض ما افاده المحقق الأصفهاني (قدس سره)في المقام بما لا نطيل الكلام بذكره فراجعه و تأمل.

و انما عقدنا تنبيها خاصا لهذا البحث مع ان شيخنا العلامة الأنصاري و غيره من المحققين أدرجوه في التنبيه الآتي، لما فيه من الاثار الخاصة التي تظهر في إجراء القاعدة في مقامات مختلفة.

137

التنبيه الخامس قد عرفت ان الصحة التي يحمل عليها فعل الغير هي الصحة عند الحامل‏

و بعبارة أخرى الصحة الواقعية لا الصحة الفاعلية فيرتب عليه جميع ما يترتب على الفعل الصحيح الواقعي من آثاره من غير فرق بين تلك الاثار الا انه قد يظهر من بعض كلماتهم في بعض المقامات التفكيك بينها أحيانا، مثل ما نسب الى المشهور من عدم جواز الاكتفاء بعمل النائب عند الشك الا ان يكون عدلا و ان كان مستحقا للأجرة؛ و مثل ما حكاه شيخنا الأعظم العلامة الأنصاري (قدس سره) عن بعض من اشترط العدالة فيمن يوضؤ العاجز عن الوضوء، و ارتضاه المحقق الهمداني قده في بعض تعليقاته على الفرائد.

أقول- اما ذهاب المشهور الى اعتبار العدالة في النائب فمحل تأمل و اشكال قال في «المدارك» في بحث النيابة من كتاب «الحج» ما لفظه: «و لم يذكر المصنف من الشرائط عدالة الأجير و قد اعتبرها المتأخرون في الحج الواجب لا لأن عبادة الفاسق تقع فاسدة بل لأن الإتيان بالحج الصحيح انما يعلم بخبره و الفاسق لا يقبل اخباره بذلك». و يظهر منه ان الشهرة لو ثبتت فإنما هي حادثة بين المتأخرين؛ هذا مضافا الى إمكان حمل كلام من اعتبر العدالة على خصوص صورة الشك في أصل تحقق العمل لا في صحته مع العلم بصدوره.

و على اى حال فقد استوجه الشيخ (قده) ما نسب الى المشهور من عدم جريان أصالة الصحة في عمل النائب و وجهه بما حاصله: ان لفعل النائب عنوانين: أحدهما: من حيث انه فعل من أفعاله و به يستحق الأجرة و يترتب عليه غيره من آثاره ثانيهما: من حيث انه عمل تسبيبي للمنوب عنه، حيث ان المنوب عنه بمنزلة الفاعل بالتسبيب و كأن فعل النائب صادر عنه و قائم به؛ و من هذه الجهة الفعل فعل المنوب عنه، و أصالة الصحة في فعل النائب انما تنفع في ترتيب آثاره عليه من الجهة الأولى دون الثانية، ففي موارد الشك لا محيص عن التفكيك بين العنوانين و ترتيب خصوص آثاره التي تترتب عليه بعنوان انه فعل‏

138

النائب، لا ما يترتب عليه بعنوان انه فعل المنوب عنه؛ فمن هنا يحكم باستحقاقه الأجرة و لا يحكم ببراءة ذمة المنوب عنه. (انتهى محصل كلامه).

و اعترض عليه جمع ممن تأخر عنه، قائلين بشمول القاعدة لباب النيابة، و جواز الحكم ببراءة ذمة المنوب عنه و عدم لزوم الاستنابة عنه ثانيا، و ذكروا في دفع استدلاله (قده) مقالات شتى تعلم من مراجعة كتبهم. و لكن الذي ظهر لي ان عمدة الإشكال في كلامه «(قدس سره)» انما نشأ من حسبانه فعل النائب فعلا تسبيبيا للمنوب عنه، مع انه لا ينبغي الريب في عدم جواز إسناده اليه الا مجازا، لان المفروض ان النائب فاعل مختار مستقل في فعله و ان كان المنوب عنه محركا و داعيا له الى العمل؛ و لا شك ان الفعل في هذه المقامات يستند الى المباشر، فالفعل فعل النائب لا غير، و لا فرق في ذلك بين القول بأن حقيقة النيابة عبارة عن تنزيل النائب نفسه منزلة المنوب عنه، و القول بان حقيقتها هي قصد تفريغ ذمة الغير بعمله و انه لا يعقل تنزيل نفسه منزلته أو تنزيل فعله منزلة فعله. فان الفعل حقيقة فعله و صادر عنه باختياره و ارادته و ان كان فائدته لغيره.

نعم قد يسند الفعل الى السبب و ذلك فيما إذا كان أقوى من المباشر و كان المباشر مقهورا على العمل غير مستقل في إرادته، لا في مثل المقام المفروض استقلاله فيه. فح إذا جرت أصالة الصحة في حق النائب و الأجير يحكم بصحة فعلهما و تترتب عليه جميع ما للعمل الصحيح من الاثار، فان كان عمله صلاة فهي صلاة صحيحة بحكم هذه القاعدة و يترتب عليها جميع ما للصلاة الصحيحة الصادرة منهما بهذا العنوان من الأثر، و منها براءة ذمة المنوب عنه و عدم لزوم الاستنابة عنه ثانيا.

ثمَّ ان المحقق النائيني «قده» أورد في بعض كلماته في المقام على مقالة الشيخ «قده» إيرادا حاصله ان التفكيك المذكور في كلام الشيخ بين استحقاق الأجرة و بين براءة ذمة المنوب عنه من غرائب الكلام، إذ مع إحراز قصد النيابة يحكم بمقتضى قاعدة الصحة بصحة الفعل النيابي و يترتب عليه استحقاق الأجرة و براءة ذمة المنوب عنه؛ و مع عدم إحرازه لا يحكم بشي‏ء منهما، فان ما يترتب عليه استحقاق الأجرة ليس الا صدور الفعل الصحيح من النائب، و هو بعينه موضوع للأثر الأخر و هو فراغ‏

139

ذمة المنوب عنه. فكيف يمكن التفكيك بينهما (انتهى) و لكن يمكن ان يوجه هذا التفكيك بأن الملازمة بين هذين الأثرين و ان كانت ثابتة بحسب الحكم الواقعي؛ كما ان قاعدة الصحة لو كانت جارية اثبتتهما، الا انه بعد المنع من جريانها لبعض ما ذكر يمكن القول باستحقاق الأجير الأجرة على ذاك العمل الذي يدعى صحته، لا لقاعدة الصحة؛ بل لأنه لما لم يكن هناك طريق عادة لإثبات صحة عمل الأجير إلا قوله فلا محالة تنصرف الإجارة إليه، نعم للمستأجر ان يراقب الأجير أو يبعث معه من يراقبه في عمله، و اما إذا لم يراقبه و خلاه و نفسه و أو كل الأمر إليه فعليه ان يقبل قوله، و هذا أمر ظاهر لمن سبر حال العقلاء في استيجاراتهم فتأمل.

ثمَّ انه قد يفصل في المقام بين مسألة النيابة، و مسألة وضوء العاجز و شبهها، بجريان القاعدة في الأولى دون الثانية، اختاره المحقق الهمداني «قده» في بعض تعليقاته على الفرائد، و استدل على مختاره بما حاصله: ان تكليف العاجز هو إيجاد الفعل بإعانة غيره فالواجب عليه هو الوضوء و لو كان بإعانة الغير فإجراء أصالة الصحة في فعل غيره- و هو التوضئة- لا يثبت صحة فعله و هو الوضوء هذا ملخص كلامه.

و فيه- ان فعل المعين إذا كان محكوما بالصحة بمقتضى القاعدة يترتب عليه جميع آثارها حتى ما كان مترتبا على لوازمه العقلية لأنها من الامارات المعتبرة لا من الأصول العملية و من المعلوم ان صحة وضوئه من آثار صحة فعل الغير؛ بل هما أمر واحد يتفاوتان من ناحية الإسناد إلى العاجز و من يعينه، فما افاده (قدس سره) من عدم إثباته صحة الوضوء ممنوع، الا ان يرى القاعدة من الأصول العملية التي لا تثبت لوازمها العقلية، و يرى هذين العنوانين المنطبق على فعل واحد باعتبارين من قبيل اللوازم العقلية و كلاهما محل اشكال.

نعم يمكن الإيراد على جريان القاعدة في أمثال المقام من ناحية أخرى، و هو:

ان السيرة العقلائية التي يستند إليها في إثبات كلية القاعدة غير جارية في أفعال الغير إذا كانت بمرأى و مسمع من المكلف و يكون منشأ شكه فيه عروض الغفلة له عن فعله أحيانا؛ و انسداد باب العلم الذي هو الحكمة في حجية أمثال هذه الطرق انما هو في غير

140

هذه الأفعال التي تكون بمرأى من المكلف، نعم إذا كان الفاعل مع حضوره كالبعيد؛ كالحجام بالنسبة إلى غسل موضع الحجامة في الظهر؛ فلا يبعد حينذاك إجراء أصالة الصحة في فعله، و لعله اليه يشير ما ورد من «ان الحجام مؤتمن» فتأمل.

التنبيه السادس هل القاعدة من الامارات أو من الأصول العملية؟

وقع الكلام بين الاعلام في أن قاعدة الصحة هل هي من الامارات المعتبرة- كما يظهر من كل من استند في حجيتها الى ظهور حال المسلم- أو من الأصول العملية- كما اختاره المحقق النائيني و بعض من تأخر عنه و قد يستظهر من عبارة الشيخ الأعظم أيضا، و ان كان هذا الاستظهار محل تأمل و إشكال.

أو يفصل بين مواردها: فان كان منشأ الشك في الصحة احتمال تعمد الإخلال بما يعتبر في العمل من الاجزاء و الشرائط أو احتمال عروض الغفلة و السهو مع علم الفاعل بالحكم فهي من الامارات نظرا الى ان احتمال التعمد خلاف ظاهر حال الفاعل، كما ان احتمال عروض الغفلة و السهو مناف لما ورد في باب قاعدة الفراغ من التعليل بالاذكرية حين الفعل حيث ان وروده في ذاك الباب لا يوجب اختصاصه به بعد كونه امرا عاما يعم العامل و الحامل (الأول في قاعدة الفراغ و الثاني فيما نحن بصدده). و اما ان كان منشأ الشك احتمال جهل الفاعل بالحكم؛ بناء على شمول القاعدة له؛ فلا محالة يكون أصلا تعبديا، لعدم وجود ملاك الأمارية فيه أصلا، و قد اختار هذا المذهب المحقق الأصفهاني (قده) في تعليقاته على الكفاية و انتصر له بما ذكر.

و أورد عليه المحقق النائيني في بعض كلماته في المقام بما حاصله: ان غاية ما يستفاد من التعليل بالأذكرية (و كذلك ظهور حال المسلم) هو حمل فعله على الصحة عند فاعله، لا الصحة الواقعية التي نحن بصددها؛ فاذن لا مجال لعد هذا الأصل من الامارات المعتبرة بل لا يكون الا من سنخ الأصول العملية.

أقول: لا طريق لنا الى تحقيق حال هذه القاعدة من حيث كونها امارة أو

141

أصلا من الأصول العملية إلا بمراجعة أدلة حجيتها و تنقيح مفادها، و حيث كان العمدة من بينها السيرة المستمرة بين العقلاء فلا بد من تحقيق حال هذه السيرة و مبدئها، فنقول و منه عز شأنه التوفيق- ان كان منشئها الغلبة الخارجية فتكون القاعدة من الظنون المعتبرة و الأمارات العقلائية لا محالة، و ان كان الوجه فيها اقتضاء طبع العمل لذلك و ان الفاسد على خلاف طبعه، حيث ان الفاعل بحسب دواعيه الخارجية لا يتوجه إلا نحو العمل الصحيح عادة فإنه منبع الاثار و اليه يرغب الراغبون كما عرفت بيانه وافيا عند ذكر الأدلة، فهذا أيضا يقتضي كونها من الامارات؛ اللهم الا ان يقال ان مقتضاها هي الصحة الفاعلية لا الصحة الواقعية فإن الذي يقتضيه طبع العمل بحسب دواعي العاملين هو الصحة عندهم لا الصحة الواقعية التي بنينا عليها الأمر في هذه القاعدة، و من هنا يسرى الإشكال إلى أساس هذا الوجه و يسقط بناء هذه السيرة على هذا الأساس.

و لكن يمكن دفع الإشكال بأن مخالفة اعتقاد الفاعل للحامل و ان لم يكن نادرا الا ان الأغلب اتفاقهما في موارد الابتلاء كما هو ظاهر لمن تتبعها، فالوجه في استناد سيرة العقلاء الى اقتضاء طبع العمل هو ملاحظة الغلبة بهذا النحو.

و نظيره من بعض الجهات ما ورد في باب قاعدة الفراغ من التعليل بقوله «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» فان الفاعل إذا كان بحسب الغالب حال اشتغاله بالعمل اذكر فظاهر حاله انه يجرى على وفق دواعيه الى الفعل الصحيح لأنه الذي يوصله إلى أغراضه، و من البعيد اقدامه على فعل فاسد؛ فهو بحسب طبعه الأولي يتوجه نحو العمل الصحيح فالتعليل المذكور هناك يشبه ما أشرنا إليه هنا من اقتضاء طبع العمل للصحة؛ و ان كان الوجه في استقرار السيرة عليه لزوم الحرج و اختلال النظام على تقدير عدم حمل فعل الغير على الصحة، فالظاهر كونها من الأصول العملية التعبدية لأن المفروض عدم ملاك الأمارية فيها على هذا التقدير، بل لا يبنى عليها الا لبعض مصالح المجتمع.

و حيث قد عرفت ان الأقوى من هذه الوجوه هو الوجه الثاني فالأقوى كونها من الامارات؛ كما انه ظهر بما ذكرنا اندفاع ما افاده «المحقق النائيني» في‏

142

توجيه عدم كونها من الامارات من ان ظاهر حال الفاعل جريه على العمل الصحيح باعتقاده لا الصحيح الواقعي الذي هو المقصود في المقام، و ذلك لما أشرنا إليه من تطابق المعنيين في أغلب موارد الابتلاء و ان كان اختلافهما أيضا غير نادر في نفسه فملاك الأمارية و هو الكشف الظني عن الواقع موجود فيه.

كما يظهر وجه اندفاع ما اختاره «المحقق الأصفهاني» من القول بالتفصيل بين ما كان منشأ الشك فيه احتمال التعمد أو عروض الغفلة و السهو مع العلم بالحكم فهو من الامارات؛ و بين ما إذا كان منشأه احتمال الجهل بالحكم، فهو من الأصول العملية. و ذلك لكفاية إيراثه الظن النوعي و كونه كاشفا ظنيا بحسب أغلب موارده في كونه من الامارات و ان لم يورث الظن الشخصي في بعض موارده لأمور عرضية.

و ما ذكره (قدس سره) من دعوى غلبة جهل الفاعلين بصحيح الافعال و فاسدها ممنوعة.

ثمرة هذا النزاع‏

قد يقال بظهور ثمرة النزاع بين كون هذا الأصل من الامارات أو الأصول العملية في إثبات اللوازم العقلية و العادية- كما هو الشأن في غيره من موارد اختلاف الامارات و الأصول- و قد مثل له بما لو شك في ان الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك، كالخمر و الخنزير؛ أو بعين من أعيان ماله، فعلى القول بكونه من الأصول التعبدية يحكم بصحة الشراء و عدم انتقال شي‏ء من تركة المشترى الى البائع و عدم خروج تلك العين من تركته، لأصالة عدمه؛ و اما على القول بكونه من الامارات فيحكم بمقتضى قاعدة الصحة بانتقال شي‏ء من تركته إلى البائع (هكذا افاده الشيخ الأعظم (قدس سره)).

و حكى «عن العلامة» (قدس سره) في «القواعد»: فيما لو اختلف الموجر و المستأجر، فقال الموجر: «آجرتك كل شهر بدرهم» و قال المستأجر: بل سنة بدينار، ففي تقديم قول المستأجر نظر؛ فان قدمنا قول المالك فالأقوى صحة العقد في الشهر الأول؛ و كذا الإشكال في تقديم قول المستأجر لو ادعى اجرة مدة

143

معلومة أو عوضا معينا و أنكر المالك التعيين فيهما، و الأقوى التقديم فيما لم يتضمن دعوى» انتهى.

و لا يخفى ان ما قواه أخيرا من تقديم قول المستأجر المدعى لصحة الإجارة في المقامين إذا لم يتضمن دعوى و عدم قبوله فيما يتضمن ذلك، ظاهر في عدم إثبات القاعدة لما يترتب على الصحة من اللوازم العقلية، فإن الحكم بصحة الإجارة في الفرض الأول لا يقتضي شرعا كونها سنة بدينار بل هو من اللوازم العقلية لمفروض البحث. كما ان الصحة في الفرض الثاني لا تقتضي وقوعها على مدة معينة أو عوض معين و انما يلزمها لما علمناه من الخارج من كيفية مورد تنازعهما.

و التحقيق- كما ذكرناه في محله ان ما هو المعروف من ان مجرد كون شي‏ء من الامارات المعتبرة يوجب ترتب جميع الاثار الشرعية الثابتة لمورده عليه و لو كانت بوسائط عقلية أو عادية- أياما كان- مما لا أصل له، و ان اشتهر بين الأصوليين في العصور الأخيرة. بل الحق انه تابع لدليل حجيتها بحسب اختلاف الغايات المقامات- و المقامات في ذلك مختلفة جدا- حتى ان «البينة» التي لا اشكال عندهم في كونها من الامارات الشرعية لا يمكن الحكم بترتب جميع لوازمها العقلية عليها و ان صرح به غير واحد.

أ ترى انه لو علمنا من الخارج بان هذا المائع المعلوم لو كان نجسا لكان خمرا ثمَّ قامت البينة على نجاسته؛ فهل يحكم بكونه خمرا و يجرى عليه جميع ما للخمر من الاثار لا نظن أحدا يلتزم به في عمله و ان لهج به لسانه أحيانا عند البحث، و ليس ذلك إلا لأن اعتبار هذه اللوازم مقصورة على ما يفهم من إطلاق أدلة حجيتها فمفاد قاعدة «اليد» مثلا لو قلنا بحجيتها من باب الامارات ليس إلا إثبات الملكية و أحكامها و لوازمها و اما الاحكام التي تثبت لموردها لا من جهة الملكية فلا يمكن الحكم بثبوتها، فلو علمنا إجمالا ان المائع الفلاني إما خمر أو ماء مطلق ثمَّ دلت اليد على انه «ملك» فلا يمكن الحكم بكونه ماء مطلقا بحيث‏

144

يجرى عليه احكامه من الطهارة الحدثية و الخبثية. و الحاصل ان مفاد قاعدة اليد ثبوت الملكية لصاحبها و يترتب على موردها ما للملك من الأثر؛ و لا يبعد إثبات بعض لوازمها من «الشهادة» التي نطق به بعض الاخبار، الدالة على جواز الشهادة على الملك بمجرد اليد؛ و لكن لا يترتب عليه جميع ماله من اللوازم و الاثار العقلية و العادية و ان كانت غير مرتبطة بعنوان الملكية.

و كذلك قاعدة «الفراغ» ان قلنا بأنها من الامارات؛ فإن غاية ما يستفاد منها صحة العمل المفروغ عنه و ترتب آثاره عليه من فراغ الذمة و ما يترتب عليه من الاحكام لا كل ما يلازمه عقلا و عادة و لو من جهات أخر، مثل كون المصلى على وضوء فعلا لو كان منشأ الشك في صحة الصلاة الصادرة منه كونه على وضوء حالها؛ فلذا حكموا بوجوب تحصيل الطهارة عليه للأعمال المستقبلة.

و من هذا القبيل أصالة الصحة في فعل الغير فان مفادها، و لو على القول باماريتها، كون الفعل صحيحا و يترتب عليه جميع أحكام الصحة و لو كانت بوسائط عقلية أو عادية و اما ما يترتب على لوازمها و ملزوماتها من الاحكام التي لم تؤخذ في موضوعها الصحة و الفساد فلا يمكن إثباتها بهذه القاعدة.

ففي الفرع الأول من الفرعين اللذين سبق ذكرهما صحة الشراء و ان كان واقعا مستلزما لانتقال شي‏ء من تركة المشترى الى البائع الا ان ذلك ليس من أحكام صحة الشراء بما هي هي فإن أثرها هو انتقال الثمن إلى البائع أياما كان، و اما ان هذا الثمن الشخصي كان عينا من الأعيان المملوكة و انها كانت في أمواله التي تركها للورثة فهو شي‏ء آخر علمناه من الخارج، لا انه من آثار الصحة و لو بالواسطة.

هذا بالنسبة إلى جريان أصالة الصحة في هذا الفرع و اما ما قد يقال من انا نعلم هنا إجمالا بأن المشترى اما لم يملك المثمن و اما انتقل شي‏ء من تركته إلى البائع، فالحكم بملكيته للمثمن و انتقال جميع تركته الى الوراث أمر مقطوع البطلان، فهو حق و لكن لا دخل له بقاعدة الصحة و أحكامها و ان كان دخيلا في‏

145

استنباط حكم هذه المسألة.

و من هنا يظهر الحال في «الفرع الثاني» المحكى عن «القواعد» و هو ما إذا اختلف المالك و المستأجر في المدة أو العوض: فادعى المستأجر مدة معلومة أو عوضا معينا و أنكره المالك، فإن أصالة الصحة تقتضي تقديم قول المستأجر و عدم قبول قول المالك المدعى للفساد إلا ببينة و يترتب على صحة الإجارة مالها من الاحكام و لو بوسائط عقلية أو عادية، و اما ان مدة الإجارة و عوضها ما ذا؟ فهذا أمر لا يمكن إثباته بمجرد الحكم بالصحة؛ حتى إذا علمنا من الخارج بأنها لو كانت صحيحة لكانت على هذا العوض المعلوم أو بهذه المدة المعلومة، فإن صحة الإجارة من حيث هي لا تتوقف على مدة خاصة أو عوض كذلك بل هي أعم منه. و لقد أجاد العلامة (قدس سره) فيما أفاده أخيرا «من تقديم قول المستأجر فيما لم يتضمن دعوى».

و اما حكم هذه المسألة من حيث صحة الإجارة في الشهر الأول- إذا اختلفا و قال الموجر آجرتك كل شهر بدرهم و قال المستأجر بل سنة بدينار- أو عدم صحتها فله مقام آخر لا دخل له بما نحن بصدده من فروع أصالة الصحة و موعدنا فيه كتاب الإجارة.

التنبيه السابع في تقديم قاعدة الصحة على أصالة الفساد و الأصول الموضوعية

لا إشكال في تقدم القاعدة على «أصالة الفساد» في المعاملات؛ و «أصالة الاشتغال» في العبادات، اما على المختار من حجيتها على نحو سائر الأمارات المعتبرة فواضح، و اما على القول بكونها أصلا عمليا فللزوم لغويتها رأسا على تقدير عدم تقدمها عليهما، فإنه ما من مورد يجرى فيه قاعدة الصحة الا و هناك أصالة الفساد (ان كان معاملة) أو أصالة بقاء شغل الذمة (ان كان عبادة) كما هو ظاهر لا يخفى.

146

مضافا الى ما قد يقال من: ان أصالة الصحة بالنسبة إليهما من قبيل الأصول السببية فإن الشك في بقاء شغل الذمة في العبادات، أو حصول آثار المعاملات من النقل و الانتقال و غيرها، مسبب عن صحة العمل العبادي أو العقد الصادر من عاقده، هذا حالها بالنسبة إلى «أصالة الفساد».

و اما بالنسبة إلى «الأصول الموضوعية» الجارية في موارد قاعدة الصحة فلا إشكال في تقدم القاعدة عليها أيضا، اما بناء على كونها من الامارات المعتبرة فظاهر؛ و اما بناء على عدها من الأصول العملية فلما عرفت في أصالة الفساد من لزوم اللغوية، فإنه قلما يوجد مورد يجرى فيه أصالة الصحة الا و يوجد هناك أصول موضوعية على خلافها؛ مثلا إذا شك في صحة العبادة من جهة الشك في الطهارة أو الاستقبال أو غيرهما فأصالة عدم هذه الأمور تدل على فسادها كما انه إذا شك في صحة عقد من العقود، من جهة الشك في معلومية العوضين أو الإنشاء الصحيح أو القدرة على التسليم أو غير ذلك؛ فأصالة عدم هذه الأمور تقتضي فساده؛ لان علم المتعاقدين و قدرتهما و صدور الإنشاء الصحيح منهما كلها أمور حادثة، مسبوقة بالعدم؛ فاذن لا يبقى لأصالة الصحة إلا موارد طفيفة.

لا يقال: ان شرائط المتعاقدين أو العوضين ليست دائما من الأمور الوجودية المسبوقة بالعدم؛ فإن منشأ الشك قد يكون من ناحية زوال قدرة المتعاقدين أو علمهما بعد القطع بوجوده، و مثل هذا كثير جدا؛ فاذن لا يبقى مجال للقول بلزوم اللغوية على فرض تقديم الأصول الموضوعية عليها.

لأنا نقول: ان ما لا يكون مسبوقا بالعدم فالغالب معلومية سبق وجودها، كما إذا شك في بقاء المتعاقدين أو العوضين على ما كانا عليه من شرائط الصحة و من الواضح ان اعتبار أصالة الصحة في هذه المقامات أيضا لغو للاستغناء عنها بالأصول الوجودية الجارية في مجراها فتدبر. و اما الموارد التي لا يعلم حالها من الوجود و العدم فقليلة جدا، لا يمكن تنزيل القاعدة عليها.

147

التنبيه الثامن في مستثنيات هذه القاعدة

يستثنى من عموم قاعدة الصحة صورتان:

الاولى: ما إذا كان العمل بحسب طبيعته مبنيا على الفساد

، بحيث يكون الصحة فيه امرا استثنائيا على خلاف طبعه؛ كبيع الوقف فإنه بمقتضى طبعه فاسد، لأنه لا يباع و لا يورث و انما يجوز بيعه لأمور خاصة عارضة أحيانا تقتضي الجري على خلاف مقتضى طبيعته، كالخلف بين أربابه، و أدائه إلى الخراب، على ما فصلوه في كتاب الوقف. و كذلك بيع العين المرهونة فإن طبعه الأولي يقتضي الفساد و صحته انما يكون بإذن من المرتهن، و أمثلته في أبواب العبادات أيضا كثيرة كالصلاة في النجس المعلوم، فإنها فاسدة إلا في موارد الضرورة لبرد أو نحوه.

ففي هذه المقامات و أمثالها لو شك في صحة العقد أو العبادات الصادرة من الغير لا يجوز الحكم بصحتها بمقتضى هذه القاعدة بل لا بد من اقامة دليل آخر عليها؛ و ذلك لما عرفت غير مرة من ان عمدة أدلتها هي السيرة المستمرة بين العقلاء، و هي غير جارية في هذه المقامات كما لا يخفى على من تتبع مواردها.

و للمحقق اليزدي (قده) في المجلد الأول من ملحقات العروة كلام لا يخلو إيراده عن الفائدة في المقام، و إليك نص عبارته قال في المسألة «63» من كتاب الوقف: «إذا باع الموقوف عليه أو الناظر، العين الموقوفة و لم يعلم ان بيعه كان مع وجود المسوغ أو لا؛ فالظاهر عدم جريان «قاعدة الحمل على الصحة» فلو لم يثبت المسوغ يجوز للبطون اللاحقة الانتزاع من يدي المشتري؛ فهو كما

148

لو باع شخص مال غيره مع عدم كونه في يده و لم يعلم كونه وكيلا عن ذلك الغير، فإنه لا يصح ترتيب اثر البيع عليه، و دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ لا تكفي في الحكم بصحة الشراء و لا يجوز مع عدم العلم به الشراء منهما.

و دعوى الكفاية من حيث كونهما من «ذي اليد» الذي قوله مسموع بالنسبة الى ما في يده، و لذا إذا رأينا شيئا في يد الدلال المدعى للوكالة عن صاحبه في بيعه جاز لنا الشراء منه مدفوعة، بأن يد مدعى الوكالة يد مستقلة و امارة على السلطنة على التصرف فيه، بخلاف يد الموقوف عليه مع اعترافه بان ما في يده وقف، فإنها ليست يدا مستقلة لأنها في الحقيقة يد الوقف، المفروض عدم جواز بيعه؛ فيد الموقوف عليه و الناظر انما تنفع في كيفية التصرفات التي هي مقتضى الوقف لا في مثل البيع الذي هو مناف و مبطل له؛ فهي نظير يد الودعي التي لا تنفع إلا في الحفظ لا في البيع، فاذا ادعى الوكالة بعد هذا في البيع احتاج الى الإثبات؛ و ان يد الامانة صارت يد وكالة و الا فالأصل بقائها على ما كانت عليه» انتهى.

أقول: اما ما افاده قدس اللّه سره من عدم جريان قاعدة الصحة هنا فهو صحيح متين و وجهه ما ذكرناه.

و اما عدم جواز الاعتماد على دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ؛ من باب قبول دعوى صاحب اليد، ففيه أن المتصدي لبيع الوقف- على ما صرح به في كتاب البيع- هو البطن الموجود من الموقوف عليهم بضميمة الحاكم ولاية عن سائر البطون، أو خصوص الناظر عليه. قال شيخنا الأعظم في «المكاسب»:

«أن المتولي للبيع هو البطن الموجود بضميمة الحاكم القيم من قبل سائر البطون، و يحتمل ان يكون هذا الى الناظر ان كان، لأنه المنصوب لمعظم الأمور الراجعة إلى الوقف، الا ان يقال بعدم انصراف وظيفته المجعولة من قبل الواقف الى التصرف في نفس العين» انتهى.

و كيف كان، المتولي لبيع الوقف اما هو الموقوف عليه مع الحاكم أو

149

الناظر؛ فيد هما قبل عروض المسوغات يد التصرف في منافع الوقف بصرفها في مصارفها، و في عينه بالإصلاح و التدبير، و اما بعد عروض المسوغ فيدهما يد البيع و ابدال العين الموقوفة أو صرف قيمتها في مصارف خاصة؛ على تفصيل ذكروه في أبواب بيع الوقف.

و الحاصل ان الموقوف عليه و الناظر تختلف يدهما باختلاف الظروف، ففي ظرف عدم وجود المسوغ يدهما ليست يدا مستقلة، و اما في ظرف وجود المسوغ يد مستقلة يجوز لها البيع؛ و ان شئت قلت: ان يدهما يد مستقلة في كل حال و لكن تصرفاتهما في العين الموقوفة ببيعها مشروطة بشرائط معينة؛ و نظيره في ذلك يد الولي فإنها يد مستقلة في أموال المولى عليه و لكن تصرفاته فيها منوطة بوجود المصلحة فيها أو عدم المفسدة، على خلاف فيها.

و حينئذ لا يبعد جواز الركون الى دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ في بيعها كما يجوز الاعتماد على دعوى الولي وجوده في بيع مال المولى عليه بلا اشكال.

اللهم الا ان يقال ان وجود المسوغ في بيع الوقف أمر نادر اتفاقي، بخلاف وجود المصلحة في بيع مال المولى عليه فإنه شائع ذائع، و هذا هو الفارق بين المقامين، فالمتولي لبيع الوقف المدعى لوجود المسوغ متهم في دعواه و ان كان ذا اليد بالنسبة إلى العين الموقوفة فلا يسمع دعواه بخلاف الولي، و هو قريب جدا. فهذا هو السر في عدم سماع دعوى الموقوف عليه أو الناظر وجود المسوغ في بيع العين الموقوفة لا ما ذكره «قده».

اما ما افاده من عدم سماع قول الودعي إذا ادعى الوكالة في بيع الوديعة و انه محتاج إلى إثبات انقلاب يد الأمانة إلى يد الوكالة، فهو عجيب، فإنه لا ينبغي الشك في سماع دعواه ضرورة انه إذا رأينا مالا في يد زيد ثمَّ رأيناها بعد ذلك في يد عمرو يدعي الوكالة عن زيد في بيعها فلا شك في قبول دعواه فيه؛ فهل يد الودعي هنا اسوء حالا من عدم اليد على المال بالمرة. و بالجملة انقلاب اليد أمر شائع يقبل قول مدعيه إذا لم يكن متهما. مثلا إذا ادعى أحد الوكالة عن غيره في بيع‏

150

ماله ثمَّ ادعى بعد يوم انه اشتراه بنفسه عن مالكه أو وهبه إياه فلا شك في قبول قوله؛ و انقلاب يد الوكالة يد الملك، و كذا إذا رأينا أحدا يسكن دارا يدعى انه استأجره، ثمَّ رأيناه يدعى انه اشتراه من مالكه و لم يكن متهما، فلا ريب في قبول قوله و انقلاب يد الاستيجار يد الملك و أمثلته كثيرة جدا.

الثانية: إذا كان الفاعل متهما في فعله، فإنه يشكل حمل فعله على الصحيح‏

، و المراد من الاتهام وجود قرائن ظنية خارجية توجب الظن بالفساد عادة لمن اطلع عليها لا كل ظن شخصي؛ من اى واد حصل.

و ذلك كما إذا ادعى من كان و كيلا في شراء أموال كثيرة تحتاج الى الكيل أو الوزن انه اشتراها مراعيا لجميع شروط الصحة فيها من الكيل و الوزن اللازمين و غيرهما، في وقت لا يسعه عادة، فإنه و ان كانت مراعاة تلك الشروط ممكنة في حد ذاتها على خلاف العادة الا ان العادة تقضى بخلافها، و هذه قرينة ظنية توجب سوء الظن بدعواه و اتهامه فيما يقول لغالب الناس. و كذا إذا ادعى الأجير في الصلاة و غيرها انه اتى بصلوات كثيرة مراعيا لجميع اجزائها و شرائطها من الطهارة و الموالاة و غيرهما في وقت لا يسعها عادة، الى غير ذلك من الأمثلة. و الركون الى القاعدة في تصحيح هذه الافعال عند الشك في صحتها مشكل جدا.

و الوجه فيه ما عرفت نظيره في الصورة السابقة من قصور أدلة حجيتها- و عمدتها السيرة المستمرة بين العقلاء- عن شمول هذه الموارد كما هو ظاهر لمن تتبعها. و لا أقل من الشك و هو كاف في الحكم بعدمها في أمثال المقام.

هذا و يمكن القول برجوع الصورة الأولى إليها أيضا، فإن بيع الوقف بدعوى وجود المسوغ و أمثاله من مظان التهمة غالبا و يكون مدعيه متهما فيما يدعيه فتدبر.

151

التنبيه التاسع هل القاعدة تجري في أفعال المكلف نفسه؟

ظاهر كثير من عناوين كلمات القوم اختصاص قاعدة الصحة بأفعال الغير، بل ظاهر بعضها اختصاصها بأفعال المسلمين فحسب. لكن قد عرفت في صدر البحث انه لا فرق في هذا بين المسلم و غيره أصلا، بعد ما كان مدركه بناء العقلاء عليه و سيرتهم المستمرة في أمورهم، لا يفرقون في ذلك بين اتباع المذاهب المختلفة و المليين و غيرهم و قد أمضاها- على هذا الوجه الشارع المقدس و لم يردع عنها، و لا يزال المسلمون يعملون مع المعاملات الصادرة عن أهل الذمة معاملة الصحيح، مع ما فيها من احتمال الفساد و لو على مذهبهم، و ليس هذا الا لعمومية القاعدة و عدم اختصاصها بالمسلمين.

نعم في الموارد التي لا يتمشى الفعل الصحيح من غير المسلم أو يعلم علما تفصيليا باختلاف عقيدتهم مع ما عليه المسلمون من الاحكام و لا يكون بينهما جامع، لا يمكن حمل فعلهم على الصحيح، و لكنك عرفت في التنبيه الأول جريان هذا المعنى في حق المسلمين أيضا إذا اختلفوا في الآراء الفقهية و لم يجمعهم جامع، على ما فصلناه هناك فراجع، فليس هذا أيضا مقصورا على غير المسلمين.

و اما تخصيص القاعدة بأفعال الغير فهو و ان كان ظاهر عناوينهم و كلماتهم في مقامات مختلفة؛ بل و ظاهر غير واحد من أدلتهم (كالآيات و الاخبار التي استدلوا بها هنا) بل وقع التصريح به في كلمات بعضهم كالمحقق النائيني «قده» حيث انه صرح في صدر كلامه في المسألة بأنه: «لا ريب في اختصاصها بفعل الغير و اما بالنسبة إلى فعل نفس الشخص فالمتبع فيه هو «قاعدة الفراغ» فليس هناك أصل آخر يسمى بأصالة الصحة غير تلك القاعدة» انتهى.

و الحق انه لو قلنا بعموم «قاعدة الفراغ» و شمولها لجميع الافعال من العبادات‏

152

و غيرها من غير فرق بين الصلاة و الصيام و البيع و الشراء و النكاح و العتق و تطهير الثياب و دفن الموتى الى غيرها من الأفعال التي يتصور فيها الصحة و الفساد؛ فلا يبقى مجال للنزاع في شمول هذه القاعدة لأفعال نفس المكلف للاستغناء عنها بقاعدة الفراغ؛ و اما إذا قلنا باختصاصها بالعبادات و ما يرتبط بها، فالظاهر جواز الاستناد إلى قاعدة الصحة في موارد الشك في صحة أفعال النفس من ناحية الإخلال ببعض اجزائها و شرائطها أو وجود بعض موانعها.

و الدليل على جريانها في المقام هو الدليل على جريانها في غير المقام- من أفعال الغير- و قد عرفت ان عمدة الدليل عليها هناك هي السيرة المستمرة بين العقلاء، فانا إذا تتبعنا حالهم نجدهم عاملين بها في أفعال أنفسهم، فهل ترى احد من العقلاء يتوقف عن الحكم بآثار ما صدرت منه من العقود و الإيقاعات في الأزمنة السالفة إذا شك في صحتها من بعض الجهات و لم يجد عليها دليلا؟ كلا. بل لا يزالون يعاملون مع ما صدر منهم في الأزمنة البعيدة و القريبة معاملة الصحة و يرتبون آثارها عليها و لا يمسكون عن ذلك بمجرد الشك و لا يمنعهم عن ذلك شي‏ء إلا إذا وجدوا على الفساد دليلا.

و السر فيه ان العلة التي دعتهم الى هذه السيرة هناك موجودة بعينها هنا، و كل ما كان ملاكا لها في أفعال الغير موجود في أفعال النفس، و ذلك لما عرفت من ان العلة الباعثة الى هذا البناء لا يخلو عن أمور ثلاث: الغلبة الخارجية المورثة للظن و اقتضاء طبع العمل للصحة من جهة جرى الفاعل بحسب دواعيه الخارجية نحو الفعل الصحيح، و العسر و الحرج أو اختلال النظام الحاصلان من ترك مراعاة هذه القاعدة. و من الواضح انها جارية بالنسبة إلى أفعال النفس كجريها في ناحية أفعال الغير؛ بل لعل جريانها هنا أسهل منه في أفعال الغير فإن الإشكال الحاصل من جهة اختلاف «الصحة عند الفاعل» مع «الصحة عند العامل» هناك، غير موجود هنا، لان الحامل هنا هو الفاعل بعينه.

153

التنبيه العاشر أصالة الصحة في الأقوال و الاعتقادات‏

هل القاعدة مختصة بالأفعال الصادرة من الغير أو تشمل أقواله و اعتقاداته أيضا؟

و الحق انه ان كان المراد من الصحة في باب الأقوال مطابقة مداليلها للواقع فحملها على الصحة بهذا المعنى عبارة أخرى عن حجيتها، و المتكفل له مبحث حجية خبر الواحد، و من المعلوم عدم حجية خبر كل مخبر بل هو مشروط بشرائط مذكورة في محلها، على اختلاف المذاهب في ذلك.

و ان كان المراد صحتها بما انها أفعال صادرة عن المتكلمين بها و كان لها آثار شرعية بهذا الاعتبار كما إذا شك في صحة القراءة و الأذكار الصلوتية الصادرة من الامام أو الأجير؛ فإنها و ان كانت من سنخ الأقوال و لها معان معلومة؛ الا انها باعتبار ألفاظها الصادرة عن المكلف جزء للصلاة، فهي من هذه الجهة فعل من أفعاله يترتب على صحيحها آثار خاصة؛ و لا شك في أنها بهذا الاعتبار تشملها أدلة حجية القاعدة فتجري فيها و يترتب عليها آثارها. هذا ملخص الكلام في «الأقوال».

و اما «الاعتقادات» فتارة يكون البحث فيها عن الاعتقادات المتعلقة بالموضوعات الخارجية، و اخرى فيما يتعلق بالأحكام الفرعية، و ثالثة فيما يتعلق بأصول الدين.

اما الأول فكما إذا اعتقد إنسان ان هذا الماء الخاص بلغ قدر كر، و شككنا في صحة اعتقاده ذلك، لاحتمال خطائه عند تقديره بالأشبار أو الوزن، فان كان لاعتقاده ذلك آثار عملية خارجية كما إذا غسل ثوبا بذاك الماء المشكوك كريته عندنا، فلا ينبغي الإشكال في لزوم حمل اعتقاده على الصحة و ترتيب آثار الطهارة على الثوب المغسول به، بل هو في الحقيقة من مصاديق حمل فعل الغير على الصحة و ان كان منشأ الشك في صحته هو احتمال خطائه في اعتقاده، ففي المثال‏

154

المذكور فعل الغير و هو الغسل محمول على الغسل الصحيح و ان كان منشأ الشك فيه الشك في صحة اعتقاده كون الماء المغسول به كرا.

و من المعلوم ان أدلة حمل أفعال الغير على الصحيح مطلقة من جهة منشأ الشك، و لا فرق بين كونه من جهة احتمال غفلة الفاعل و سهوه أو تعمده في الجري على خلاف معتقده؛ أو اعتقاد فاسد بنى عليه في عمله و هذا أمر ظاهر لا سترة عليه.

و اما الثاني و هو الاعتقاد المتعلق بالأحكام الفرعية، فإن كان المراد من حمله على الصحة الحكم بمطابقته للواقع؛ فيجوز اتباعه و الجري على وفقه، فهو راجع الى حجية رأى الغير و جواز تقليده في الأحكام الفرعية، و المتبع فيه أدلة حجية قول المجتهد للعامي بماله من الشرائط و القيود، و ان كان المراد منه ترتيب آثاره العملية عليه إذا عمل بما اعتقده من الاحكام كما إذا كان اماما و شك في صحة صلوته و كان منشأ الشك فيها احتمال خطائه في بعض أحكامها و مخالفتها لما حصله اجتهادا أو تقليدا، فلا شك ان اللازم هنا أيضا هو حمل اعتقاده على الصحيح و تترتب عليه هذه الاثار، فيجوز الايتمام به كما يجوز استيجاره، و يكتفى بإعماله في أداء الواجبات الكفائية. بل هو في الواقع من باب حمل فعل الغير على الصحة و ان كان منشأ الشك فيها خطائه في اعتقاده.

و الوجه فيه ما عرفت من عدم الفرق في حجية هذه القاعدة بين كون منشأ الشك في صحة فعل الغير خطائه في تشخيص المصاديق الخارجية؛ أو خطائه في استنباط الاحكام من أدلتها الشرعية، أو غير ذلك مما لا يرجع الى خطائه في الاعتقاد.

و اما الثالث اعنى الاعتقاد المتعلق بأصول الدين فان كان هناك أثر عملي يترتب على الاعتقاد الصحيح كما إذا كان هناك ذبيحة نشك في تذكيتها من جهة الشك في صحة عقائد ذابحها؛ فان كان مدعيا للإسلام إجمالا فاللازم حمل اعتقاده على الصحة،

155

و ترتيب جميع آثار الإسلام عليه و ان شك في صحة عقائده، و لا يجب الفحص عن تفاصيل معتقده في ناحية المبدء و المعاد و غيرهما، و الدليل عليه هو ما مر في القسم السابق بعينه من إطلاق أدلة حجية هذه القاعدة و شمولها لجميع موارد الشك في صحة فعل الغير من اى واد حصل و من أي منشأ نشأ؛ فاذا شك في صحة فعله من جهة الشك في صحة اعتقاد فاعله في الموارد التي يكون الاعتقاد الصحيح دخيلا في صحة العمل فاللازم حمله على الصحة بعد ان كان صاحبها متظاهرا بالايمان و مدعيا للإسلام إجمالا و لم يعلم خطائه.

بل لا يبعد جواز الحكم بإسلام كل من شك في إسلامه و ان لم يدع الإسلام إذا كان في دار الايمان، و الوجه فيه استقرار سيرة المسلمين على إجراء أحكام الإسلام، في المناكح و الذبائح و الطهارة و غيرها، على كل من كان في بلاد الإسلام من دون فحص عن مذهبه؛ حتى يقوم دليل على فساده.

هذا آخر ما أردنا تحريره من تنبيهات هذه القاعدة الشريفة، النافعة في جل أبواب الفقه أو كلها حينما أجملها كثير منهم، و به نختم البحث عنها حامد اللّه و مسلما و مصليا على نبيه و آله الخيرة الكرام. اللهم ما بنا من نعمة فمنك، فلا تسلبنا صالح ما أنعمت به عليها و زدنا من فضلك و مواهبك.

و قد وقع الفراغ من تسويده ليلة الأربعاء لست خلون من رجب المرجب من سنة 1382.

156

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

157

3- قاعدة لا حرج‏

158

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

159

قد اشتهر بين الأصحاب- لا سيما المتأخرين منهم- الاستدلال بهذه القاعدة في كثير من الموارد؛ لنفى كثير من التكاليف التي تستلزم العسر و الحرج، يتراءى هذا منهم في غير واحد من أبواب العبادات، مثل أبواب الوضوء و الغسل و التيمم و الصلاة و الصيام و غيرها، و لم أر من تعرض لها مستقلا و أفرد لها بحثا يختص بها، غير «العلامة النراقي» في عوائده حيث أفرد لها «عائدة» و بحث عنها بحثا بين الاجمال و التفصيل.

و لكن موقف القاعدة من الفقه و شدة ابتلاء الفقيه بها في كثير من أبوابه توجب البحث عنها و عن مداركها و فروعها في جميع جوانبها و نواحيها؛ بما يعطى الفقيه بصيرة و معرفة بحال الفروع الكثيرة المبنية عليها، و قد بلغ عدم الاعتناء بشأن هذه القاعدة المهمة و ما يليق بها من البحث حدا أوجب الترديد في أصلها فضلا عن الفروع المتفرعة عليها؛ و قد رأيت من ينكر وجود مدرك صحيح للقاعدة فيما بأيدينا من الأدلة، مع ما ستعرف من وفور مداركها و كثرة أدلتها.

و لهذا و لغيره من المزايا التي تشتمل عليها هذه القاعدة- و لا سيما سعة دائرتها و شمولها لجل أبواب الفقه كما ستعرف- كان اللازم تقديم البحث عنها على غيرها من القواعد التي نبحث عنها فيما يلي إنشاء اللّه، فنقول- و منه سبحانه نستمد التوفيق و الهداية- ان البحث عنها يقع في مقامات ثلثة:

الأول- في مداركها التي ظفر نابها.

الثاني- في مفادها و مغزاها و نسبتها مع غيرها من الأدلة.

160

الثالث- فيما يتعلق بها من التنبيهات.

و قبل الشروع في هذه لا بد لنا من إيضاح محل البحث و ما نروم إثباته.

الحرج على أنواع‏

ان العسر و الحرج في الأفعال يكون على أقسام، فتارة يبلغ حدا لا يطيق المكلف تحمله.

و اخرى، يكون ما دون ذلك و لكن تحمله يوجب اختلال النظام.

و ثالثة؛ لا يبلغ ذا و لا ذاك؛ و لكن يستلزم الضرر في الأموال أو الأنفس أو الاعراض و رابعة، لا يوجب شيئا من ذلك بل يكون فيه مجرد المشقة و الضيق.

اما الأول أعني التكاليف الحرجية البالغة حد ما لا يطاق فلا إشكال في خروجه عن محل البحث و قد عقدوا له بحثا آخر في الكتب الكلامية و بعض الكتب الأصولية، و اختلفوا في جوازه و استحالته، بعد اتفاقهم على عدم وقوعه في الشريعة الغراء، و لكن الظاهر ان القول بجوازه و إمكانه من الفروع الفاسدة المنشعبة عن شجرة خبيثة، و هي إنكار الحسن و القبح العقليين المعروف بين قدماء الأشاعرة، و على كل حال فهو خارج عن نطاق البحث هنا.

و من هنا تعرف النظر في كثير من كلمات العلامة النراقي (قده) في عوائده حيث ذكر كثيرا من الأدلة النقلية و العقلية الدالة على بطلان التكليف بما لا يطاق في عداد أدلة القاعدة، و ان اعترف بأنها تختص بقسم خاص من الحرجيات و انها أخص من المدعى و لا تقوم بإثبات جميعها. و لكن الإنصاف انها خارجة رأسا عن حيطة القاعدة المعروفة المتداولة بين القوم. بل لا يعبرون بالحرج الا عن التكاليف الممكنة المشتملة على الضيق و الشدة و اما التكاليف غير المقدورة فيعبرون عنها بما لا يطاق و لا كلام لأحد من أصحابنا في بطلانها.

و اما الثاني فهو أيضا كسابقة خارج عن محل الكلام في هذه القاعدة المشهورة، لانصراف كلماتهم و عبائرهم عنه، لان قبح التكاليف الموجبة لاختلال النظام مما