القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
161

لا يحتاج إلى مئونة الاستدلال، بل هو أمر واضح ظاهر؛ بداهة ان الشارع المقدس لم يرد بتشريع احكام الدين و نظاماته ابطال نظام المجتمع و تعطيل معيشتهم؛ بل المقصد الأقصى من إثبات كثير من تكاليفه ليس الا حفظ هذا النظام على الوجه الأحسن، و تحكيم قواعده على نهج صحيح يشتمل على منافع دينية و دنيوية للناس، كأحكام الديات و القصاص التي فيها حياة لاولى الألباب و كثير من احكام المعاملات و غيرها، فكيف يكلف الناس بأمور توجب اختلالا في هذا النظام.

و اما الثالث فهو داخل في «قاعدة لا ضرر» خارجة عما يختص بهذه القاعدة؛ و ان أمكن الاستدلال بكليهما في كثير من موارد الضرر لبعض ما يترتب على كل منهما من الخصوصية. فتحصل من جميع ذلك ان مركز البحث في «قاعدة لا حرج» هو القسم الرابع من الأقسام المتقدمة، و هو الافعال الحرجية غير البالغة حد ما لا يطاق و غير الموجبة لاختلال النظام و لا ما يتضمن ضررا في الأموال و الأنفس، و منه يظهر حال الأدلة التي يستند إليها في إثبات القاعدة و ما يكون مرتبطا بمحل البحث و ما هو خارج عن محل الكلام.

و ها نحن نشرع الان بذكر ما ظفر نابها من الأدلة

162

[المقام الأول في‏] مدارك قاعدة لا حرج‏

و استدل لها بالأدلة الأربعة؛ و لكن الإنصاف انه لا مجال فيها للأدلة العقلية و لا الإجماع، بعد ما عرفت من اختصاص محل البحث بالتكاليف الحرجية التي لا تبلغ حد ما لا يطاق؛ و لا حد اختلال النظام، و لا توجب ضررا على الأموال و الأنفس.

أما العقل فلانه لا مانع عقلا من تشريع الاحكام الحرجية و الإلزام بالأمور العسرة الشديدة، و الشاهد له وجود تكاليف حرجية في الشرعيات و العرفيات ثابتة بأدلتها كما سيأتي الإشارة إليه في التنبيهات الاتية إنشاء اللّه، و إلزام الموالي العرفية عبيدهم بل التزام كثير من الناس من قبل أنفسهم بأمور عسرة حرجية لما يرقبون فيها من المنافع الدنيوية أمر شائع ذائع؛ و سيأتي ان مثل هذه التكاليف كانت كثيرة في الأمم الماضية و ان صارت قليلة في هذه الأمة المرحومة.

و اما الإجماع فلان دعواه على القاعدة بجميع نواحيها مشكل جدا بعد عدم تعرض الأكثر لها بعنوان كلى عام؛ و انما تعرض لها من تعرض في موارد خاصة؛ و اما دعواه في خصوص بعض الموارد كالوضوء و الغسل الحرجيين و ان كان بمكان من الإمكان الا انه لا ينفع في إثبات القاعدة، بل لا يتم على مباني القوم حتى في موارده الخاصة لاختصاص حجية الإجماع عندهم بمسائل لا دلالة عليها من الكتاب و السنة مما يصح استناد المجمعين إليها في إثبات المسألة، و المقام من هذا القبيل لما ستعرف من الأدلة النقلية الكثيرة الدالة عليها، التي يعلم أو يظن استناد المجمعين إليها في إثبات القاعدة.

فاذن العمدة من بين الأدلة هنا هي الكتاب و السنة.

163

ما يدل عليها من الكتاب العزيز

و استدل لها بآيات منه:

منها- قوله تعالى‏ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ‏ (1) و هي من أقوى الأدلة الدالة عليها و إليها استند في اخبار كثيرة لنفى تكاليف حرجية في الشريعة المقدسة، تارة بعنوان الحكمة لتشريع بعض الاحكام؛ و اخرى بعنوان العلة لها بما سيأتي نقله، و معها لا يبقى ريب في دلالتها على المطلوب؛ بل لا ينبغي الريب فيها مع عزل النظر عن هذه الاخبار الكثيرة أيضا لتمامية دلالتها في حد ذاتها.

و المراد من «المجاهدة» فيها هي المجاهدة في امتثال الواجبات و ترك المحرمات- كما اختاره أكثر المفسرين- و حق الجهاد اما هو الإخلاص في هذه المجاهدة العظيمة كما يحكى عن أكثر المفسرين؛ أو الإطاعة الخالية عن المعصية كما يحكى عن بعضهم و لعل الجميع يرجع الى معنى واحد و هو المجاهدة البالغة حد الكمال الخالية عن شوائب النقصان.

و معنى الآية- و اللّه اعلم- انه لا عذر لا حد في ترك المجاهدة في امتثال أو أمر اللّه تعالى و اجتناب نواهيه بعد ما كانت الشريعة سمحة سهلة و ليس في أحكام الدين أمر حرجي يشكل امتثاله، فكأنه يقول: كيف لا تجاهدون في اللّه حق جهاده و قد اجتباكم من بين الأمم و لم يجعل عليكم في الشريعة و أحكامها امرا حرجيا؟.

و منها- قوله تعالى‏ وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (2)

____________

(1) سورة الحج- الاية 78.

(2) سورة المائدة- الاية 6.

164

و في دلالتها على المقصود تأمل، فإن المستفاد من صدرها و ذيلها ان الأمر بالغسل و الوضوء عند وجدان الماء، و التيمم عند فقدانه؛ انما هو لمصلحة تطهير النفوس، أو هي و الأبدان، من الأقذار الباطنة و الظاهرة، فلا يريد اللّه تعالى بتشريع هذه التكاليف إلقاء الناس في مشقة و ضيق بلا فائدة فيها؛ بل انما يريد تطهيرهم بها، فالمراد من «الحرج» هنا ليس مطلق المشقة بل المشاق الخالية عن الفائدة و المصالح العالية التي يرغب فيها لتحصيلها.

و الشاهد على ذلك كلمة «لكن» الاستدراكية في قوله‏ «وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» بعد قوله‏ «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» و ان هو الا نظير قول القائل: «اشتر لي طعاما من ذاك المكان البعيد ما أريد لا جعلك بذلك في كلفة و مشقة و انما أريد تحصيل الطعام الطيب» فالمراد من الحرج هنا المشاق التي لا طائل تحتها، و لا فائدة مهمة فيها تجبر كلفتها، فلا يمكن التمسك بها لإثبات هذه القاعدة الكلية كما هو ظاهر.

و ان شئت قلت: المقصود إثبات قاعدة كلية دافعة للتكاليف الحرجية يمكن التمسك بها في قبال العمومات المثبتة للتكاليف حتى في موارد العسر و الحرج، نظير إطلاقات وجوب الوضوء و الغسل الشاملة لموارد الحرج.

و من الواضح ان إطلاقات الأدلة الأولية كما تدل على ثبوت الحكم حتى في موارد العسر و الحرج كذلك تدل على وجود مصالح في مواردها أو في نفس تلك الأحكام بالملازمة القطعية و ح لا يمكن نفى هذه التكاليف في موارد الحرج بالاية الشريفة بناء على ما عرفت من ظهورها في نفى المشقة الخالية عن فائدة جابرة لها.

و منها- قوله تعالى‏ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. (1) و غاية ما يمكن ان يقال في تقريب دلالتها على المدعى هو ان الظاهر من قوله تعالى‏ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بعد نفى وجوب الصيام عن طائفتين، المسافرين و المرضى، انه بمنزلة التعليل لهذا الحكم، فيكون كسائر الكبريات‏

____________

(1) سورة البقرة- الاية- 185.

165

الكلية التي يستدل بها لإثبات أحكام خاصة و لكن مفادها عام شامل لمورد الاستدلال و غيره؛ فتدل هذه الفقرة على نفى جميع الأحكام العسرة و الحرجية فتأمل.

و منها- قوله تعالى: «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.» (1).

وجه الاستدلال بها ان نبينا الأعظم (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) سئل ربه ليلة المعراج أمورا حكاها اللّه تعالى في هذه الآية الشريفة و منها رفع «الاصر» عن أمته. و كرامته (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) على ربه و مقامه عنده تعالى يقتضي اجابة هذه الدعوة و إعطائه ذلك، و يشهد لهذه الإجابة نقلها في القرآن العظيم و الاهتمام بأمرها، فلو لا اجابته له لم يناسب نقلها في كتابه في مقام الامتنان على هذه الأمة المرحومة و هو ظاهر.

و حيث ان «الاصر» في اللغة كما سيأتي عند تحقيق معنى العسر و الحرج و الاصر بمعنى الثقل، أو الحبس، أو الشدائد، كانت الآية دليلا على نفى التكاليف الحرجية عن هذه الأمة.

هذا كله مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها، و اما بالنظر إليها فالأمر أوضح جدا، فقد وقع التصريح في غير واحد منها بأنه تعالى أجاب رسوله و أعطاه ذلك و رفع عن أمته (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) الاصار؛ و قد ذكر في بعض هذه الاخبار موارد كثيرة من هذه الاصار التي كانت في الأمم الماضية و رفعها اللّه عن هذه الأمة رحمة لها و إكراما لنبيه الأعظم، و سيأتي نقل نماذج من هذه الاخبار عند ذكر الروايات الدالة على القاعدة.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا في بيان التي يمكن التمسك بها في إثبات هذه القاعدة ان أظهرها دلالة على المطلوب هي الآية الاولى، المستدل بها في كثير من الاخبار الواردة في المسألة، التي يظهر من مجموعها ان للاية خصوصية في هذا الباب، و ان كان غيرها أيضا لا تخلو عن دلالة أو تأييد للمدعي، ففي مجموعها غنى و كفاية و ان لم تبلغ في الظهور و قوة الدلالة مرتبة الروايات التالية.

____________

(1) سورة البقرة- الاية- 286.

166

ما يدل عليها من السنة

و اما ما يمكن الاستدلال به على هذه القاعدة من السنة فهي اخبار كثيرة بين صريح في المدعى، و ظاهر فيه، و قابل للنقض و الإبرام و إليك ما ظفر نابها و ما يمكن ان يقال في وجه دلالتها:

1- ما رواه الشيخ بإسناده عن ابى بصير

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون الى جانب القرية فيكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي و تبول فيه الدابة و تروث؟ فقال: ان عرض في قلبك شي‏ء فقل هكذا، يعنى:

افرج الماء بيدك ثمَّ توضأ، فإن الدين ليس بمضيق؛ فان اللّه يقول‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1).

و ظاهرها ان الحكمة في عدم انفعال الماء الكر (بناء على ان مثل هذا الغدير الذي وقع السؤال عنه في الرواية كر غالبا كما هو الظاهر) هي التوسعة على الأمة و رفع الضيق و الحرج عنها، و منه يستفاد ان كلما يكون حرجيا و ضيقا على الناس فهو مرفوع عنهم و يؤكد هذا التعميم استدلاله (عليه السلام) بقوله تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏.

و الاستناد الى هذه القاعدة في إثبات حكم عدم انفعال الكر و ان كان من قبيل حكمة الحكم لا العلة، كما هو كذلك في غير واحد من الروايات الاتية أيضا، الا ان مجرد ذلك غير ضائر، لأنه لا مانع من كون قضية واحدة بعينها حكمة لحكم و علة لحكم آخر؛ و قد حققنا ذلك في مبحث قاعدة لا ضرر و أثبتنا ضعف ما قد يلوح من بعض كلمات المحقق النائيني (قدس اللّه سره) من عدم إمكان كون قضية واحدة حكمة لحكم في مقام و علة لحكم آخر في مقام آخر فراجع.

2- ما رواه في الكافي عن الفضيل بن يسار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل الجنب يغتسل‏

فينتضح من الماء في الإناء؟ فقال: لا بأس، ما جعل عليكم في الدين‏

____________

(1) الحديث 14 من الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل‏

167

من حرج‏ (1).

و سؤال الراوي فيها يحتمل وجهين: أحدهما- ان يكون من جهة الاغتسال بغسالة الحدث الأكبر، فإنه إذا اغتسل من الإناء و انتضح من غسالته فيه امتزج ماء الإناء به، و قد لا يكون ذلك بمقدار يستهلك فيه، فيكون باقي الغسل بغسالة الحدث الأكبر؛ فتكون الرواية دليلا على جواز الاغتسال به في مقام الضرورة، أو مطلقا، بناء على إلغاء خصوصية المورد. ثانيهما- ان يكون من جهة انفعال الماء القليل، لان الجنب لا يخلو عن نجاسة بدنية غالبا؛ فتكون الرواية من الروايات الدالة على عدم انفعال الماء القليل؛ و تنسلك في سلكها؛ كما استدل به بعض القائلين بعدم الانفعال، على مذهبه.

هذا و لكن إجمالها من هذه الناحية لا يضر بدلالتها على ما نحن بصدده، لان استناده (عليه السلام) في إثبات هذا الحكم بقاعدة رفع الحرج يدل على اعتبارها على نحو عام في جميع المقامات كما هو ظاهر. و في كون استناده إليها في هذا المقام من قبيل الاستناد إلى الحكمة و العلة احتمالان يظهر وجههما لمن تدبر.

و مما يستفاد من الرواية ان الحرج المرفوع عن الأمة أمر وسيع يشمل مثل الاجتناب عن هذا الإناء، فان الاجتناب عن مثله في تلك الأوساط، مما كان المياه فيها قليلة، و ان كان عسرا الا انه لم يكن في الاجتناب عنه مشقة عظيمة، و ليكن هذا على ذكر منك.

3- ما رواه شيخ الطائفة (قده) بإسناده عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)

قال سالته عن الجنب يحمل (يجعل) الركوة أو النور (2) فيدخل إصبعه فيه؟ قال: ان كان يده قذرة فأهرقه (فليهرقه) و ان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه؛ هذا مما قال اللّه تعالى «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» (3).

____________

(1) الحديث 5 من الباب 9 من أبواب الماء المضاف.

(2) «الركوة»: ما يجعل تحت المعصرة فيجتمع فيه عصير العنب، و «التور»: إناء صغير

(3) الحديث 11 من الباب 9 من أبواب الماء المطلق.

168

ذكره العلامة المجلسي (قده) في باب ما يمكن ان يستنبط منه متفرقات أصول مسائل الفقه‏ (1).

أقول- لعل وجه استناده (عليه السلام) الى قاعدة نفى الحرج لجواز الاغتسال عن الماء القليل الذي أدخل إصبعه فيه و لو لم يصبها قذر، هو نفى النجاسة المتوهمة في بدن الجنب اجمع بما انه جنب؛ و لو لم تصبها نجاسة عينية فإنه لا شك في لزوم العسر و الحرج منه لو كان الأمر كذلك.

و يمكن ان يكون ناظرا الى نفى الحكم الاستحبابي بالاجتناب عن القذرات العرفية لا الشرعية، الموجودة في اليد غالبا، أو النجاسات الشرعية المشكوكة التي لا يجب الاجتناب عنها، و لذا ورد في كثير من الروايات الواردة في كيفية اغتسال الجنب الأمر بغسل الكفين أولا قبل الشروع في الغسل‏ (2).

فالاستناد إلى آية نفى الحرج انما هو لنفى هذا الحكم الاستحبابي بالنسبة إلى مثل هذا الشخص فتدبر.

هذا و لكن إبهام الرواية من هذه الناحية أيضا لا يقدح في الاستدلال بها على المقصود بعد استناده (عليه السلام) بالاية الشريفة لجواز الاغتسال من مثل هذا الإناء، ثمَّ لا يخفى ان الرواية كسابقتها في احتمال كون الاستناد فيها إلى القاعدة من قبيل الاستناد إلى علة الحكم أو حكمته.

4- ما رواه محمد بن يعقوب بإسناده عن محمد بن ميسر

قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل منه، و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان؟

قال: يضع يده ثمَّ يتوضأ ثمَّ يغتسل، هذا مما قال اللّه عز و جل: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (3)

____________

(1) بحار الأنوار المجلد الأول ص 152.

(2) راجع الباب 26 من أبواب الجنابة.

(3) الحديث 5 من الباب 8 من أبواب الماء المطلق.

169

و القذارة هنا ان كانت بمعنى النجاسة كانت الرواية من أدلة عدم انفعال الماء القليل- كما استدل بها القائلون بهذا القول- و ان كانت قذارة عرفية كما هو المحتمل على القول بانفعال الماء القليل؛ كانت الرواية ناظرة إلى نفى حكم استحبابي و هو غسل اليدين خارج الإناء قبل الاغتراف منه في مورد الرواية و أشباهه و هذا الحكم الاستحبابي إما يكون رعاية للتنزه عن القذارات العرفية أو اجتنابا عن القذرات الشرعية المحتملة التي لا يجب الاجتناب عنها في فرض الشك، كما عرفت آنفا؛ و على كل تقدير تكون الرواية من أدلة القاعدة فإن إبهامها من حيث موردها لا يضر بالقاعدة المستدل بها فيها.

5- ما رواه شيخ الطائفة المحقة بإسناده الى عبد الأعلى مولى آل سام‏

قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عز و جل، قال اللّه تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏، امسح عليه‏ (1) و هو من أظهر الروايات دلالة على المطلوب لصراحتها في إرجاع حكم المسألة الى كتاب اللّه عز و جل و امره (عليه السلام) باستفادة أشباهها من قوله تعالى‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» فلو كان في الأحاديث السابقة شائبة الإشكال من جهة احتمال كون نفى الحرج فيها من قبيل الحكمة للحكم لا العلة- و قد عرفت ان الاشكال فيها من هذه الناحية أيضا لا وجه له- يرتفع بصراحة هذا الحديث في كون نفى الحرج علة للحكم بحيث يدور مدارها و يجوز التعدي من موردها الى غيره.

نعم يبقى فيها إشكالات من جهات أخر لا بد من التعرض لها و بيان ما يمكن ان يقال في حلها:

الأول- في كيفية استفادة وجوب المسح على المرارة من قوله تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» فان نفى الحرج إنما ينفي وجوب الوضوء عليه على نحو وضوء المختار، و اما وجوب المسح على الجبيرة فلا.

____________

(1) الحديث 5 من الباب 39 من أبواب الوضوء من الوسائل‏

170

و يمكن الجواب عنه بوجهين: أحدهما ما افاده شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) الشريف و حاصله ان المسح الواجب في الوضوء يشتمل على أمرين: إمرار اليد على المحل؛ و مباشرتها للبشرة؛ و المتعسر في مفروض سؤال الراوي هو الثاني أعني مباشرة اليد للبشرة لا إمرار اليد على المحل فسقوط الثاني بالحرج لا يوجب سقوط الوظيفة الاولى. (1) و يرد عليه ان إرجاع حكم المسح الى هذين الحكمين و تحليله إليهما مما لا يساعد عليه فهم العرف في أمثال المقام، فان الظاهر بنظر العرف ان إمرار اليد على المحل انما هو مقدمة لحصول المسح على البشرة لا انه أمر مطلوب في نفسه، فوجوبه من هذه الجهة من قبيل وجوب المقدمة و من المعلوم سقوطه عند سقوط وجوب ذيها، و يشهد له ما ورد في باب حرمة المسح على الخفين و ذم القائلين به من قوله (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة ورد اللّه كل شي‏ء إلى شيئه ورد الجلد الى الغنم فترى أصحاب المسح اين يذهب وضوئهم؟! (2) فإن ظاهره ان المسح على الخفين كالعدم لا انه مشتمل لجزء من وظيفة المسح و فاقد لجزئها فتأمل.

ثانيهما- ان يكون مراده (عليه السلام) من التمسك بالاية الشريفة نفى وجوب المسح الواجب على المختار، و اما بدلية المسح على المرارة فهو أمر آخر مستفاد من قاعدة الميسور المركوزة في الأذهان؛ لا سيما في أبواب الوضوء و الصلاة كما لا يخفى على من راجع احكام الشرع فيها؛ هذا و لو بقي في الرواية إبهام من هذه الناحية لم يقدح في الاستدلال بها على المطلوب فتدبر.

الثاني- في امره (عليه السلام) بالمسح على الجبيرة مع ان الظاهر عدم وقوع جميع أظفاره و كفاية المسح على غيره من الأظفار الباقية- بناء على كفاية المسح و لو على إصبع واحدا و أقل منه- و يمكن الذب عنه بان الأمر بالمسح عليها للعمل باستحباب‏

____________

(1) ذكره في «الفرائد» في باب حجية ظواهر الكتاب‏

(2) الحديث 4 من الباب 38 من أبواب الوضوء.

171

المسح بجميع الكف على ظهر القدم أجمع، أو ان الظفر الساقط لعله كان من أظفار يده لوقوعه على الأرض بعد عثرة و هو و ان كان بعيدا عن مساق السؤال الا انه ليس فيها ما ينافيه صريحا كما لا يخفى على من راجعها و تأمل فيها حقه، و من المعلوم ان الواجب في غسل اليد غسلها بتمامها.

الثالث- في سنده لضعفه بعبد الأعلى مولى آل سام. فإنه و ان كان يظهر من بعض القرائن المذكورة في الكتب الرجالية كونه إماميا ممدوحا الا انه لم يثبت و وثاقته و مجرد ذلك لا يكفي في الاعتماد على روايته.

و يمكن دفعه بكفاية كون مثل «ابن محبوب» في سلسلة السند فإنه رواه عن على ابن الحسن بن رباط، الذي قيل في حقه انه ثقة لا غمز فيه، عن عبد الأعلى عن الصادق (عليه السلام) و ابن محبوب من أصحاب الإجماع و يجب تصحيح ما يصح عنه.

و لكن لنا في هذا- اعنى تصحيح ما يصح عن أصحاب الإجماع و الاكتفاء بصحة السند إليهم و عدم ملاحظة من بعدهم- كلام و اشكال و ان كان من المشهورات، فرب مشهور لا أصل له و ليس المقام مقام بسط الكلام فيه، و لعلنا نشير إليه في بعض المباحث الاتية لمناسبات تأتى إنشاء اللّه.

6- ما رواه الصدوق بإسناده عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام)

في حديث في تفسير آية الوضوء قال: فلما ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحا لأنه قال:

«بِوُجُوهِكُمْ» ثمَّ وصل بها «وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» اى من ذلك التيمم، لأنه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه؛ لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها؛ ثمَّ قال‏ «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» و الحرج الضيق‏ (1) و الانصاف انه لا يستفاد من الرواية أمر زائد على ما يستفاد من نفس الآية الشريفة و قد عرفت عند ذكر آيات الكتاب المستدل بها على القاعدة ان لنا في دلالة هذه الآية عليها تأملا و إشكالا، لأن الظاهر من مقابلة نفى ارادة الحرج بإثبات إرادة التطهير بقوله تعالى: «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏» ان المراد بالحرج‏

____________

(1) الحديث 1 من الباب 13 من أبواب التيمم.

172

هنا هو العمل الشاق الخالي عن فائدة مرغوبة، و الا فمجرد ارادة التطهير من الوضوء و الغسل و التيمم الذي بدل عنهما لا يرفع مشقة الفعل لو كان شاقا و حرجيا في نفسها، فلا معنى لنفي ارادة الحرج و إثبات إرادة التطهير، لان حالها من حيث العسر و الضيق و المشقة لا تتفاوت بإرادة غاية الطهارة منها و عدمها.

7- ما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة

قال حدثني جعفر، عن أبيه، عن النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) قال: مما اعطى اللّه أمتي و فضلهم على سائر الأمم؛ أعطاهم ثلث خصال لم يعطها إلا نبي (نبيا) و ذلك ان اللّه تبارك و تعالى كان إذا بعث نبيا قال له: اجتهد في دينك و لا حرج عليك و ان اللّه تبارك و تعالى اعطى ذلك أمتي حيث يقول‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» يقول: من ضيق الحديث‏ (1) و ظاهر هذا الحديث ان رفع الحرج الذي منّ اللّه به على هذه الأمة المرحومة كان في الأمم الماضية خاصة بالأنبياء و ان اللّه اعطى هذه الأمة ما لم يعطها إلا الأنبياء الماضين (صلوات اللّه عليهم)فلا ينافي ما دل على اختصاص رفع الحرج بهذه الأمة فتأمل‏

8- ما رواه العلامة المجلسي «(قدس سره)» من كتاب «عاصم بن حميد» عن محمد بن مسلم‏

قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» فقال: في الصلاة و الزكاة و الصيام و الخير ان تفعلوه‏ (2) ذكره العلامة المجلسي في باب «ما يمكن ان يستنبط من الايات و الاخبار من متفرقات أصول مسائل الفقه» و قال في ذيله: الظاهر ان الغرض تعميم نفى الحرج (انتهى).

و الظاهر ان مراده ان نفى الحرج لا يختص بعبادة من العبادات بل يشمل جميعها و جميع الطاعات و الخيرات التي يفعلها الإنسان فلم يجعل الشارع فيها امرا حرجيا فلو كان إطلاقها يشمل موارد الحرج لا بد من تخصيصها بغيره.

____________

(1) و رواه في تفسير البرهان في ذيل الآية الشريفة عن كتاب عبد اللّه بن جعفر أيضا

(2) بحار الأنوار- المجلد الأول صفحة 155.

173

9- ما رواه الشيخ بإسناده عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطي‏

قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشترى جبة فراء لا يدرى أ ذكية هي أم غير ذكية؟ أ يصلي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ان الدين أوسع من ذلك‏ (1).

دل على ان الحكمة في حلية ما يشترى من سوق المسلمين هي التوسعة على الأمة و رفع الضيق عنها، و قوله: «ان الدين أوسع من ذلك» دليل على عدم اختصاص هذا الحكم بهذا المورد و ان الدين وسيع في جميع نواحيه و ليس فيه حكم حرجي و التضييق فيها إنما ينشأ من الجهالة، كما نشأ للخوارج المتقشفين الضالين و هذه الرواية و ان خلت عن عموم «نفى الحرج» بهذا العنوان الا انها مشتملة على معناه و هو نفى الضيق و إثبات التوسعة في أحكام الدين، كما سيأتي شرحه في باب معنى الحرج لغة و عرفا.

10- ما رواه الصدوق مرسلا قال: سئل على (عليه السلام)

أ يتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال: لا، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فإن أحب دينكم الى اللّه الحنيفية السمحة السهلة (2) قال في المجمع: «الركوة المخمر اى المغطى» و يستفاد من جوابه (عليه السلام) تفضيله الوضوء من فضل وضوء جماعة المسلمين على الوضوء من الإناء المغطى، و استناده في هذا الحكم إلى سهولة الشريعة دليل على ان الاحكام الحرجية المعسورة ليست منها، و لا أقل من كونه مؤيدا لسائر أخبار الباب.

11- ما رواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلا عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن على (عليه السلام)

في حديث طويل يذكر فيه مناقب رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و ما سئل ربه ليلة المعراج؛ و فيه انه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) قال: اللهم إذا أعطيتني ذلك (يعنى به رفع المؤاخذة على الخطاء و النسيان) فزدني، فقال اللّه تعالى: سل؛ قال‏ رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا

____________

(1) الحديث 3 من الباب 50 من أبواب النجاسات من الوسائل‏

(2) الحديث 3 من الباب 8 من أبواب الماء المضاف.

174

يعنى بالإصر الشدائد التي كانت على من كان من قبلنا؛ فأجابه اللّه الى ذلك فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الاصار التي كانت على الأمم السابقة: كنت لا اقبل صلوتهم إلا في بقاع من الأرض معلومة؛ اخترتها لهم و ان بعدت، و قد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجدا و طهورا، فهذه من الاصار التي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك، و كانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوها من أجسادهم‏ (1) و قد جعلت الماء لأمتك طهورا؛ فهذه من الاصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك- الى ان قال- و كانت الأمم السالفة صلوتها مفروضة عليها في ظلم الليل و انصاف النهار و هي من الشدائد التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك و فرضت عليهم صلوتهم في أطراف الليل و النهار و في أوقات نشاطهم. و الحديث طويل.

و رواه العلامة المجلسي (قده) في بحار الأنوار في باب احتجاجات أمير المؤمنين (عليه السلام).

و رواه أيضا المحدث النبيل السيد هاشم البحراني في تفسيره المسمى بالبرهان في ذيل قوله تعالى‏ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ‏ الاية.

و الحديث ضعيف بالإرسال و فيه بعض الغرائب سيما في الفقرات التي لم نذكرها يظهر لمن راجعها و لكن يصلح مؤيدا لما سبقه.

12- ما رواه على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن أبي أبي عمير عن هشام عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)

في تفسير قوله تعالى‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا إلخ: ان هذه الآية مشافهة اللّه لنبيه (صلّى اللَّه عليه و آله) ليلة اسرى به الى السماء قال النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) لما انتهيت الى محل سدرة المنتهى- الى ان قال- فقلت‏ «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا» و

____________

(1) الظاهر ان الضمير في قوله «قرضوها» راجع الى النجاسة يعنى قرضوا النجاسة و آثارها لا انهم كانوا يقرضون لحومهم؛ و قرض عين النجاسة و آثارها عن أبدانهم لعله كان مثل حلق الشعر عنها و يشتمل على مشقة كثيرة و إلا فوجوب قرض اللحوم عليهم أمر بعيد جدا و ما ورد في بعض الروايات من «ان بنى إسرائيل كانوا إذا أصابهم قطرة من بول قرضوا لحومهم بالمقاريض» لعله سهو من الراوي عند النقل بالمعنى، و المقروض كان عين النجاسة و أثرها فتأمل.

175

قال اللّه: لا اؤاخذك، فقلت‏ «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» فقال اللّه: لا احملك، فقلت‏ «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» فقال اللّه: قد أعطيتك ذلك لك و لأمتك، فقال الصادق (عليه السلام) ما وفد الى اللّه تعالى أحدا كرم من رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) حيث سئل لأمته هذه الخصال. (1).

و في معناها أو ما يقرب منها روايات أخر واردة في تفسير الآية الشريفة من أرادها فليراجعها.

13- ما رواه في «أصول الكافي» بإسناده عن حمزة بن الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

قال قال لي اكتب فاملى علىّ: ان من قولنا ان اللّه يحتج على العباد بما آتاهم و عرفهم ثمَّ أرسل إليهم رسولا و انزل عليهم الكتاب فأمر فيه و نهى، و أمر بالصلاة و الصيام فنام رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) عن الصلاة، فقال: انا أنيمك و انا أوقظك، فاذا قمت فصل ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون؛ ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك؛ و كذلك الصيام أنا أمرضك و انا اصحك فاذا شفيتك فاقضه، ثمَّ قال أبو عبد اللّه: و كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحدا في ضيق- الى ان قال- و قال: و ما أمروا إلا بدون سعتهم و كل شي‏ء أمر الناس به فهم يسعون له و كل شي‏ء لا يسعون له فهو موضوع عنهم و لكن الناس لا خير فيهم؛ ثمَّ تلا (عليه السلام) «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ» الحديث‏ (2).

و ظاهر بعض فقرات ذيل الحديث و ان كان نفى التكليف بما لا يطاق الا ان ملاحظة مجموعها لا سيما قوله، «لم تجد أحدا في ضيق» و استشهاده بالاية الأخيرة تشهد بأنها ناظرة إلى نفى التكاليف الحرجية أيضا.

14- الرواية المشهورة المعروفة المروية عنه (صلّى اللَّه عليه و آله)

، بعثت بالحنيفية السمحة السهلة.

____________

(1) و رواها المحدث البحراني (قده) أيضا في تفسيره في ذيل الآية الشريفة.

(2) أصول الكافي ج 1 ص 164 من الطبعة الأخيرة.

176

هذا ما ظفرنا عليه من الروايات الدالة على هذه القاعدة الكلية و في دلالة بعضها كسند بعضها الأخر و ان كان تأمل أو إشكال الا ان في مجموعها غنى و كفاية إنشاء اللّه.

و نحن و ان بذلنا الجهد في الظفر بهذه الروايات و تتبع مظانها و مواردها الا ان المتتبع لعله يظفر بروايات أخر غيرها تؤكدها أو تؤيدها، و في الروايات الواردة في الباب الأول من المجلد الأول من الوسائل (في مقدمة العبادات) أيضا روايات لا تخلو عن اشعار بها يظهر لمن راجعها، و لكن هناك بعض الروايات تبدو في أول النظر دلالتها على المطلوب و لكن عند التأمل يظهر أنها ناظرة التي نفى التكليف بما لا يطاق الذي هو خارج عن نطاق البحث فكن على بصيرة منها.

177

المقام الثاني في مفاد القاعدة

المراد من العسر و الحرج و الاصر

اما «الحرج» فالذي يظهر من تتبع كلمات أئمة اللغة و موارد استعمالاته و غير واحد من الروايات السابقة المفسرة لها انها في الأصل بمعنى «الضيق».

قال في «القاموس»: الحرج المكان الضيق، الكثير الشجر، الإثم.

و قال في «الصحاح»: مكان حرج اى ضيق؛ و فسره بالإثم أيضا.

و قال في «النهاية». الحرج في الأصل الضيق، و يقع على الإثم و الحرام و قيل الحرج أضيق الضيق.

و قال في «المجمع: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» اى من ضيق- الى ان قال- و في كلام الشيخ على بن إبراهيم: الحرج الذي لا مدخل له و الضيق ما يكون له مدخل، و الحرج الإثم.

و في رواية زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (و هي الرواية السادسة مما ذكرنا) و رواية قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام) (و هي الرواية السابعة مما ذكرنا) تفسير الحرج صريحا بالضيق، و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (و هي الرواية الأولى مما ذكرنا): «ان الدين ليس بمضيق فان اللّه يقول: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ ظاهرة في هذا المعنى أيضا فالمستفاد من هذه الروايات الثلث تفسير الحرج بالضيق.

و قد استعمل «الحرج» في الكتاب العزيز في معان ثلثة:

الأول- «الضيق» قال اللّه تعالى‏ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (1). و قال تعالى‏ كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ‏ (2)

____________

(1) الانعام- 125.

(2) الأعراف- 2.

178

و قوله تعالى‏ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (1) فان ظاهر سياق هذه الايات يشهد بان المراد من الحرج فيها هو الضيق.

الثاني- «الإثم» كقوله تعالى‏ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ‏ (2) و قال تعالى‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ* (3) و قال تعالى‏ ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ‏ (4) فان الحرج في هذه الموارد استعمل بمعنى الإثم الثالث «الكلفة» كقوله تعالى‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (5) و قوله تعالى‏ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ‏ (6) و لكن الإنصاف ان جميع هذه المعاني راجعة إلى معناه الأصلي و هو «الضيق» و اما الإثم و الكلفة، و كذا كثرة الشجر كما في قول القاموس: مكان حرج اى الكثير الشجر فهي من مصاديق الضيق فإن الإثم يوجب ضيقا على صاحبه في الآخرة بل و في الدنيا، فقوله تعالى‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى‏ حَرَجٌ* إلخ كأنه بمعنى قولنا ليس على هذه الطوائف ضيق و محدودية في الدنيا من جهة بعض أفعالهم فهم مرخصون فيها، بل و لا ضيق في الآخرة من جهة العذاب و غيره. و هكذا كثرة الشجر توجب ضيقا في المكان و ما ذكرنا هو الذي يساعد عليه النظر الدقيق بعد ملاحظة موارد استعمالات هذه الكلمة.

و لكن الذي يظهر مما حكاه ابن الأثير في كلامه بقوله: «و قيل انه أضيق الضيق» و كذا ما حكاه في المجمع عن على بن إبراهيم من ان «الحرج ما لا مدخل له و الضيق ما له مدخل» ان الحرج ليس مطلق الضيق، بل هو ضيق خاص عبر عنه في النهاية بأضيق الضيق يعنى به الضيق الشديد و في كلام على بن إبراهيم بما لا مدخل له، و كأن مراده‏

____________

(1) النساء- 65.

(2) التوبة- 91.

(3) النور- 61.

(4) الأحزاب- 38.

(5) الحج- 78.

(6) المائدة- 6.

179

أيضا هو الضيق الشديد الذي بلغ حدا لا مخلص منه و لا مندوحة له.

و التحقيق عدم اعتبار شي‏ء من الخصوصيتين فيه لخلو كلمات أئمة اللغة منها، حتى ان ابن الأثير نفسه أسنده إلى قيل مشعرا بضعفة، و الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)المفسرة له أيضا خالية عن القيدين، مضافا الى عدم انطباقه بهذا المعنى على موارد كثير من الروايات السابقة، حيث استدل فيها بقوله تعالى‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ لأمور لا يكون من أضيق الضيق، و لا مما لا مدخل له فراجع و تأمل. و اما ما حكاه في المجمع عن على بن إبراهيم فلا حجة فيه.

و اما العسر: ففي «النهاية» انه ضد اليسر و هو الضيق و الشدة و الصعوبة.

و في القاموس: العسر بالضم و بضمتين و بالتحريك ضد اليسر و تعسر علىّ الأمر و تعاسر و استعسر: اشتد و التوى، و يوم عسر و عسير و أعسر: شديد أو شؤم. و قريب منه ما ذكره غيرهما.

و اما الاصر: ففي «القاموس» الاصر بالكسر العهد و الذنب و الثقل.

و عن «النهاية»: الاصر الإثم و العقوبة و أصله من الضيق و الحبس، يقال أصره يأصره إذا حبسه و ضيقه.

و عن «الصحاح» أصره حبسه و أصرت الشي‏ء إصرا كسرته.،. و الاصر العهد و الاصر الذنب و الثقل. و يقرب منه غيره.

و في «مفردات الراغب»: الاصر عقد الشي‏ء و حبسه بقهره، و المأصر محبس السفينة، قال تعالى‏ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏ أي الأمور التي تثبطهم و تقيدهم عن الخيرات و الوصول الى الثوابات، و على ذلك و لا تحمل علينا إصرا و قيل ثقلا و تحقيقه ما ذكرت؛ و الاصر العهد المؤكد الذي يثبط ناقضة عن الثواب و الخيرات؛ قال تعالى‏ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏، الاصار: الأوتاد و الطنب التي بها يعمد البيت (انتهى ملخصا).

و في «مجمع البحرين»: أصل الاصر الضيق و الحبس يقال أصره يأصره إذا ضيق عليه و حبسه و يقال للثقل إصرا لأنه يأصر صاحبه من الحركة لثقله و قوله تعالى‏

180

يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏ هو مثل لثقل تكليفهم.

و المتحصل من جميع ذلك ان «الاصر» في الأصل هو الحبس و الضيق و انما يستعمل بمعنى العهد و الإثم و الثقل و العقوبة لمناسبات فيها مع هذا المعنى، و تفسيره في بعض- الاخبار السابقة بالشدائد (الحديث 11 مما ذكرنا) أيضا مأخوذ من هذا المعنى. فهو و الحرج بمعنى واحد أو متقارب المعنى.

تنبيه- قد ظهر مما ذكرنا في معنى «العسر» و «الحرج» انهما لا يفترقان فرقا جوهريا

و هل هما بمعنى واحد، أو الأول أعم من الثاني؟ ذهب المحقق النراقي (قده) في عوائد إلى الأخير حيث قال:

«العسر كما أشرنا إليه أعم مطلقا من الضيق، فان كل ضيق عسر و لا عكس، فان من حمل عبده على شرب دواء كريه في يوم مثلا يقال انه يعسر عليه و لا يقال انه في ضيق أو ضيق عليه مولاه؛ و كذا من يكون منتهى طاقته حمل مائة رطل؛ إذا أمر بحمل تسعين مثلا و نقله الى فرسخ يقال انه يعسر عليه و لكن لا يقال انه في الضيق، نعم لو أمر بحمله و نقله كل يوم يقال انه ضيق عليه، و كذا يصح ان يقال ان التوضي بالماء البارد في يوم شديد البرد مما يعسر، و لكن لا يقال ان المكلف في ضيق من ذلك» انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و يظهر من كلامه هذا ان الحرج لا يدور مدار صعوبة العمل فحسب،- و ان بلغ من الصعوبة ما بلغ- بل يعتبر فيه مضافا الى ذلك نوع تضيق آخر على المكلف، فمثل الوضوء أو الغسل مرة واحدة بالماء البارد شديد البرودة في أشد أيام الشتاء و إن كان صعبا جدا، لكن ليس حرجيا لأنه ليس فيه ضيق على المكلف عنده، نعم لو كرر هذا العمل أياما كان ضيقا و حرجا.

و أنت خبير بان هذا المعنى مضافا الى كونه مخالفا لفهم الأصحاب المستدلين بنفي الحرج في مقامات كثيرة لنفي ما فيه مجرد الصعوبة من التكاليف؛ من دون اعتبار أمر زائد عليه، مثل الضيق الحاصل من تكرار العمل، مخالف لاستدلالات الأئمة عليهم‏

181

السلام بالآية الشريفة في مقامات ليس فيها أمر زائد على ما فيها من الصعوبة و المشقة و العسر، فراجع الأحاديث السابقة تجد فيها شواهد مختلفة لهذا المعنى.

و الحق ان «الحرج» في الأصل و إن كان بمعنى الضيق الا ان الضيق المعتبر في الأمور الحرجية ليس امرا وراء صعوبة العمل و شدته و المشقة الحاصلة منه، فان العمل إذا كان صعبا و عسرا كان المكلف منه في ضيق، بخلاف ما إذا كان سهلا و يسرا و ما ذكره (قدس سره) من الأمثلة شاهدا على ما ادعاه قابل للمنع و الإنكار، فإن من حمل عبده على شرب دواء كريه غاية الكراهة و لو مرة واحدة يقال ان هذا العمل حرج عليه، و ليس ذلك إلا لأنه يقع منه في ضيق و إن كان هذا الضيق في آنات خاصة و كذلك الحال في سائر الأمثلة، و الحاصل ان المعتبر في معنى الحرج وجود نوع ضيق و محدودية فيه، و لو كان هذا الضيق حاصلا من صعوبة العمل و تعسره؛ و لا يعتبر فيه مداومته في يوم أو أيام عديدة و تكراره، و يزيدك هذا وضوحا بملاحظة ما ذكرناه في معنى هذه الكلمة، و موارد استعمالها من الكتاب و السنة و غيرهما، فراجع و تأمل.

نعم هنا اشكال و هو انه لو كان المراد من «الحرج» المنفي في هذه القاعدة مجرد الضيق و الصعوبة في قبال السعة و السهولة؛ على ما هو الظاهر من معناه لغة و عرفا، يلزم نفى كل تكليف يشتمل على ادنى مراتب الصعوبة و المشقة و هذا يوجب رفع اليد عن كثير من التكاليف الشرعية كالصيام في أيام الصيف لكثير من الناس و الوضوء في ليالي الشتاء بالمياه الباردة و غير ذلك من أشباهه، بل جل التكاليف يشتمل على نوع مشقة في كثير من الأوقات و الحالات؛ و هذا مما لا يتفوه به فقيه، و لو بنى عليه حصل منه فقه جديد.

و هذا يكشف عن ان معناه اللغوي و العرفي و إن كان وسيعا في نفسه، الا ان المراد منه هنا مرتبة خاصة منه لا مطلق الصعوبة و المشقة و الضيق، و لكن أي مرتبة منه؟ و ما حدها؟ و ما الدليل على تعيين حد خاص بعينه؟ هذه أسئلة أشكلت أجوبتها على غير واحد من الأكابر على ما يظهر من كلماتهم في مقامات مختلفة.

182

و لذا قال الشيخ الحر العاملي «قدس اللّه سره الشريف» في كتابه المسمى ب «الفصول المهمة» بعد ذكر طائفة من الاخبار النافية للحرج «نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق، و الا لزم رفع جميع التكاليف» انتهى.

و ذهابه (قده) إلى إجمال أدلة نفى الحرج انما نشأ من قيام قرينة مقامية كما عرفت على إرادة مرتبة خاصة منه لعدم إمكان إرادة جميع مراتبه و لكن أشكل عليه الأمر في تعيين هذه المرتبة لعدم قيام دليل عليه عنده.

لكن الحق كما يظهر بعد إمعان النظر إمكان تعيين هذه المرتبة و هي «ما يلزم منه مشقة شديدة لا يتحملها الناس عادة في مقاصدهم» فإنها القدر المسلم من أدلة نفى الحرج، أو ان القدر المسلم خروجه منها هو ما دون هذه المرتبة كما يشهد به رواية عبد الأعلى مولى آل سام الواردة في حكم الجبيرة و كذا غيره من روايات الباب.

و الظاهر ان فقهاء الأصحاب (قدس سرهم)أيضا لم يفهموا من عمومات نفى الحرج الا ذاك، و لذا صرح غير واحد منهم في مسألة «جواز التيمم بخوف الشين في أعضاء الوضوء» بوجوب تقييدها بما لا يتحمل عادة أو بالشديد منه، أو بالفاحش؛ على اختلاف تعابيرهم قال الشيخ الأجل صاحب الجواهر (قده) عند التعرض لهذه المسألة ما حاصله:

«لا أعرف في جواز التيمم عند خوف الشين خلافا بين الأصحاب و ظاهر إطلاق كثير منهم عدم الفرق بين شديدة و ضعيفة، و هو مشكل جدا إذ لم نعثر له على دليل سوى عمومات العسر و الحرج، و احتمال دخوله في المرض أو في إطلاق ما دل على التيمم عند خوف البرد، و من المعلوم عدم العسر في ضعيفة، بل لا يكاد ينفك عنه غالب الناس في أوقات البرد، و عدم صدق اسم المرض عليه؛ و ظهور أدلة خوف البرد في غيره؛ ثمَّ قال و لعله لذا قيده في موضع من المنتهى بالفاحش، و اختاره جماعة ممن تأخر عنه منهم المحقق الثاني في جامعه و الشهيد الثاني في روضه و الفاضل الهندي في كشفه، و اليه يرجع ما عن جماعة أخرى من التقييد بما لا يتحمل عادة، فالأقوى الاقتصار على الشديد منه الذي يعسر تحمله عادة» انتهى كلامه.

و كأنه (قدس سره) تفطن لما ذكرناه من وجود القرينة المقامية على صرف إطلاقات‏

183

أدلة نفى الحرج في هذا المقام، و لكن قد عرفت عدم اختصاصها به.

و الظاهر ان مراد غير هؤلاء المحققين الذين قيدوا الإطلاق بما عرفت من «الشديد» أو «الفاحش» أيضا ذلك فلا خلاف بينهم فيه كما ان الظاهر انحصار مدرك المسألة المذكورة في قاعدة لا حرج.

و قد تعرض للمسألة كثير من أعاظم المتأخرين منهم المحقق اليزدي في «عروته» قال: «بل لو خاف من الشين الذي يكون تحمله شاقا تيمم» انتهى. و قرره عليه كثير من محققي المحشين و زاد بعضهم: «إذا كانت بحيث لا يتحمل عادة».

ثمَّ لا يخفى عليك ان عدم تحمل مشقة الفعل عادة يختلف باختلاف الافعال و ما يرام منها من حيث الاهتمام بشأنها و باختلاف الحالات و غيرها فتدبر جيدا.

فتحصل من جميع ذلك ان المعيار في قاعدة نفى الحرج ليس مطلق المشقة و العسر الموجودين في كثير من التكاليف الشرعية أو أكثرها بل المشقة الشديدة التي لا يتحمل عادة في مثل ذاك الفعل؛ و ان الدليل عليه قيام قرينة مقامية على هذا التقييد كما عرفت، فليس قاعدة نفى الحرج مجملة مبهمة؛ كما انه لا يلزم منه تخصيص الأكثر أو المستوعب، و سيأتي تتمة لهذا الكلام في «التنبيه الأول» من التنبيهات الاتية إنشاء اللّه.

184

مفاد القاعدة و وجه تقدمها على سائر العمومات‏

لا يخفى ان العسر و الحرج و الاصر و أمثال هذه العناوين أوصاف للأفعال التي تتعلق بها الاحكام لا لنفس الاحكام، مثلا وضوء المختار لمن على يده جبيرة أمر حرجي متعسر، فالمتصف بهذه الصفة نفس هذا العمل لا الوجوب المتعلق به، فلا يقال وجوب الوضوء على مثل هذا الشخص أمر حرجي و فيه ضيق على المكلف الا من باب الوصف بحال المتعلق، فإنه لو كان في الوجوب ضيق فإنما هو من ناحية العمل المتعلق به.

و يشهد له نفى الجعل عنه في قوله تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» فان الجعل على المكلفين كناية عن التكليف، و المجعول هو نفس العمل المكلف به و هو المتصف بالحرج هنا، فكأن «المكلف به» أمر يضعه الشارع على عاتق المكلفين و يكون ثقله عليهم، كما انه قد يرفعه عنهم‏ «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» فقوله‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» بمعنى: لم يكلفكم عملا حرجيا متعسرا و أوضح من ذلك قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) في رواية الاحتجاج السابقة (1): «يعني بالإصر الشدائد التي كانت على الأمم السابقة- الى ان قال- كنت لا اقبل صلوتهم إلا في بقاع من الأرض معلومة اخترتها لهم و ان بعدت و قد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجدا و طهورا فهذه من الاصار التي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك». الى غير ذلك من فقراتها، فإنها ظاهرة أو صريحة في ان نفس هذه الاعمال كانت من الاصار الثابتة في حق الأمم الماضية المرفوعة عن هذه الأمة المرحومة.

فالمرفوع أولا و بالذات هي نفس الافعال الحرجية الا ان رفعها عن المكلفين أو عدم جعلها عليهم كناية عن عدم إيجابها كما ان وضعها عليهم كناية عن إيجابها فالوضع و الرفع في عالم التشريع هو الإيجاب و نفيه و هذا التعبير- كما عرفت- مأخوذ من‏

____________

(1) نقلناها تحت الرقم «11».

185

مشابهة الإلزام بشي‏ء و إيجابه لوضعه على عاتق المكلف فكأن الشارع المقدس إذا أوجبه على المكلفين وضعه عليهم في الخارج و إذا لم يوجبه عليهم رفعه عنهم.

و الحاصل ان العسر و الحرج كمقابليهما من أوصاف أفعال المكلفين و هي التي قد تكون شاقا ضيقا كما قد تكون سهلا يسيرا.

و إذا قد عرفت ذلك فاعلم انه لا إشكال في تقدم عمومات نفى الحرج على العمومات المثبتة للأحكام بعناوينها الأولية و وجوب تخصيصها بها، و يشهد له استشهاد الامام (عليه السلام) بها في قبال كثير من الأدلة المثبتة للأحكام مضافا الى فهم الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) و استنادهم إليها في فروع فقهية كثيرة، و لكن ما وجه هذا التقدم؟ فهل هو من جهة حكومتها عليها أو أمر آخر ورائها؟

التحقيق انه على ما ذكرنا من ان العسر و الحرج و أشباههما من أوصاف أفعال المكلفين لا الأحكام المتعلقة بها لا يصح لنا ان نقول بان وجه تقدم عمومات هذه القاعدة على أدلة الاحكام هو حكومتها عليها، فإنها عبارة عن كون احد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظرا إلى الأخر بحيث لولاه لكان لغوا.

اما بان يتصرف في موضوعه؛ أو في حكمه؛ أو في متعلقه، أو في انتساب المتعلق الى موضوعه؛ و قد مر بيانه في القاعدة الاولى من هذه السلسلة و هي. «قاعدة لا ضرر» عند ذكر نسبتها مع سائر الأدلة.

و من المعلوم ان دليل نفى الحرج إنما ينفي وجوده و جعله على المكلفين في عالم التشريع، من دون ان يكون ناظرا الى غيره من أدلة أحكام الشرع نظر التصرف فيها بأحد الأنحاء الأربعة المتقدمة، فمن هذه الجهة يكونان في عرض واحد فهما من قبيل المتعارضين، ففي الحقيقة أدلة نفى الحرج تكون من سنخ ما دل على انه «لم يجعل على النساء جمعة و لا جماعة و لا أذان و لا اقامة» فلو كان هناك ما يدل بعمومها على ان عليهن بعض هذه الأمور كانتا من المتعارضين، لا ان الأول حاكم على الثاني؛ فلا يقدم عليه الا من باب التخصيص، و مجرد كون لسانه «نفى الجعل» لا يكفي في تقدمه على غيره كما ان من الواضح ان النسبة بينها و بين أدلة الأحكام هي العموم من وجه،

186

فكما انه يمكن تخصيصها بأدلة نفى الحرج يمكن تخصيص أدلة نفى الحرج بها.

الا ان كونها في مقام الامتنان على الأمة يأبى من التخصيص جدا. فتخصص الأدلة المثبتة للأحكام بها لقوة دلالتها بالنسبة إليها، و هذا أمر ظاهر لمن راجع العمومات السابقة. و منه يظهر وجه استشهاد الامام (عليه السلام) بها في مقابل كثير من العمومات المثبتة للاحكام، و فهم الفقهاء و استشهادهم بها في أبواب شتى.

نعم لو قلنا بان العسر و الحرج من أوصاف نفس الأحكام الشرعية و انها هي التي قد تكون عسرة حرجية و اخرى سهلة يسيرة و ان قوله تعالى‏ «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» في قوة قولنا ان الاحكام المجعولة الثابتة بأدلتها ليس فيها ما يكون حرجا و ضيقا على المكلفين، فح يصح القول بحكومتها عليها لأنها ناظرة إليها و مفسرة لها بما هو ملاك الحكومة، و لكن قد عرفت آنفا ضعف هذا المبنى و انها من صفات أفعال المكلفين بل القول بالحكومة على هذا المبنى أيضا عندي غير صافية عن شوب الاشكال كما لا يخفى على من تدبر.

هذا و قد بقي هنا أمور هامة نذكرها في طي تنبيهات:

187

التنبيه الأول هل القاعدة موهونة بكثرة التخصيصات الواردة عليها؟

من الإشكالات القوية التي أوردت على هذه القاعدة، انه كيف يمكن الحكم بعمومها و ارتفاع كل أمر حرجي في الشريعة بها، مع ما يتراءى من كثرة التكاليف الشاقة الحرجية في أبواب العبادات و غيرها، كالوضوء بالمياه الباردة في ليالي الشتاء و الصوم في الأيام الحارة من الصيف مع ما فيهما من المشقة الظاهرة، و كالجهاد بالأموال و الأنفس؛ و مقارعة السيف و السنان، و مقابلة الشجعان، و عدم الفرار من الزحف و تحمل لومة اللائمين في إجراء أحكام اللّه، و تسليم النفس لإجراء الحدود و القصاص، و الهجرة عن الأوطان لتحصيل مسائل الدين؛ و بثها بين المسلمين الواجب كفاية، و أشد منها الجهاد الأكبر مع النفس و جنود الشياطين.

فهذه التخصيصات الكثيرة توهنها و تمنع عن التمسك بعمومها، لان قبح تخصيص الأكثر دليل على ان المراد منها غير ما يفهم منها في بدء الأمر فيكون معناها مجملة مبهمة غير قابلة للاستدلال، فان ما يظهر منها بادئ الأمر غير مراد و المراد منها غير معلوم؛ فعمومها كعمومات «القرعة» و ما أشبهها موهونة لا يجوز العمل بها إلا في موارد عمل بها الأصحاب و كأنه الى هذا المعنى أشار المحدث الجليل الحر العاملي (قدس سره) في كتابه المسمى ب «الفصول المهمة» حيث قال بعد نقل طائفة من الاخبار النافية للحرج:

«نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا تكليف ما لا يطاق و إلا لزم رفع جميع التكاليف» انتهى.

فالتزم بعد القول باجمالها و إبهامها بسقوطها عن الحجية إلا في القدر المتيقن منها و هو التكليف بما لا يطاق.

أقول- قوله: «و إلا لزم رفع جميع التكاليف» ان كان مراده منه المبالغة في كثرة التخصيصات الواردة عليها بما عرفت آنفا؛ و أشرنا إليه أيضا عند ذكر معنى‏

188

«العسر و الحرج» فله وجه مع قطع النظر عما سيأتي، و اما ان كان مراده منه ما يظهر منه في ابتداء النظر من نفى عامة التكاليف الشرعية، لما في جمعيها من مرتبة من العسر و الحرج، فهو مبنى على ان يكون المراد من «الحرج» مطلق الكلفة الحاصلة و لو من الأمور البسيطة العادية، و هو ممنوع جدا، كما عرفت عند تحقيق معنى هذه الكلمة.

مضافا الى ان غير واحد من التكاليف الشرعية لا يشتمل على أدنى مشقة و كلفة، لموافقتها لكثير من الطباع فالقول باستلزام عموم نفى الحرج لنفى عامة التكاليف ممنوع من هذه الجهة أيضا.

أضف الى ذلك ان ما ذكره هذا المحدث الجليل هدم لأساس هذه القاعدة رأسا، لأن بطلان التكليف بما لا يطاق ظاهر لكل احد بل لا يبعد كونه من ضروريات الدين؛ فحصر مفادها في خصوص التكليف بما لا يطاق مساوق لسقوطها عن الحجية و هو مخالف لسيرة الفقهاء حيث يستدلون بها في كثير من أبواب الفقه لنفى التكاليف الحرجية غير البالغة حد ما لا يطاق، بل مخالف لما عرفت من استدلال الامام (عليه السلام) بها لكثير من المسائل و تعليمه (عليه السلام) لاستنباط الحكم من هذه القاعدة العامة.

و اما قصر العمل بها على خصوص الموارد التي عمل بها الأصحاب، مع انا نعلم أو نظن انه لم يكن عند أكثرهم أو جميعهم في هذا الباب إلا هذه الايات و الاخبار المأثورة عنهم (عليهم السلام)؛ فمما لا وجه له.

و احتمال ان يكون قد وصل إليهم من المدارك ما لم يصل إلينا، أو كان لهذه العمومات قرائن متصلة ترفع إبهامها و توضح المراد منها، وصلت إليهم دوننا، ضعيف جدا، و من أقوى الشواهد على بطلانه انهم يستندون في إثبات المسائل إلى نفس هذه الايات و الروايات معتمدين في إثبات مقاصدهم عليها لا غير.

ما ذكر في دفع هذا الاشكال‏

و قد يذب عن الاشكال بوجوه لا تخلو عن إيرادات؛ نذكرها و نذكر ما فيها من‏

189

جهات الضعف؛ ثمَّ نتبعها بما عندنا في حسم مادته.

الأول- ما حكاه المحقق النراقي عن بعض سادة مشايخه‏

- و الظاهر انه السيد السند العلامة الطباطبائي (قدس سرهما)- قال: اما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة كالحج و الجهاد و الزكاة بالنسبة الى بعض الناس و الدية على العاقلة و نحوها؛ فليس شي‏ء منها من الحرج، فإن العادة قاضية بوقوع مثلها، و الناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف و من دون عوض؛ كالمحارب للحمية؛ أو بعوض يسير.

و بالجملة فما جرت العادة على الإتيان بمثله و المسامحة فيه و ان كان عظيما في نفسه كبذل النفس و المال، فليس من الحرج في شي‏ء؛ نعم تعذيب النفس و تحريم المباحات و المنع عن جميع المشتبهات أو نوع منها على الدوام حرج و ضيق و مثله منفي في الشرع (انتهى).

و هذا القول كما تراه على طرف الإفراط؛ كما ان ما ذكره المحدث الحر العاملي على طرف التفريط، و كلاهما خارجان عن حد السواء، يوجبان سقوط القاعدة عن قابلية الاستدلال بها في الفقه رأسا اما الأول فقد عرفت حاله، و اما الأخير فلان لازمه وجوب العمل بالتكاليف الواردة في الشرع من الواجبات و المحرمات و ان بلغت من العسر و الحرج ما بلغت من دون اى استثناء فينحصر مفاد القاعدة في خصوص تعذيب النفس و تحريم المباحات و أمثالها و هو كما ترى.

فإنه يرد عليه جميع ما أوردناه على سابقة من مخالفته لاستدلال الأئمة (عليهم السلام) بآية نفى الحرج في موارد عديدة و مخالفته لفهم الفقهاء و استنادهم إليها في أبواب شتى.

أضف الى ذلك مخالفته للوجدان فان مجرد ارتكاب الناس لبعض الأمور الشاقة، لا جور يترقبونها أو لعلل اخرى لا يخرجها عن كونها أمورا شاقة حرجية، اللهم الا ان يرجع هذا القول الى بعض ما سنشير إليه في الوجه المختار.

الثاني- ما حكاه (قدس سره) أيضا عن بعض فضلاء عصره‏

و حاصله: ان الذي يقتضيه النظر بعد القطع بورود تكاليف شاقة و مضار كثيرة في الشريعة ان المراد بنفي‏

190

العسر و الحرج و الضرر، ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكاليف الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس؛ المبرئين عن المرض و القدر الذي هو معيار التكاليف، بل هي منفية من الأصل إلا ما ثبت و بقدر ما ثبت.

و الحاصل انا نقول: ان المراد ان اللّه سبحانه لا يريد بعبادة العسر و الحرج و الضرر الا من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط و هم الأغلبون، فالباقي منفي سواء لم يثبت أصله أصلا أو ثبت و لكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة. ثمَّ قال:

ان ذلك النفي اما من جهة تنصيص الشارع؛ كما في كثير من أبواب الفقه من العبادات و غيرها، كالقصر في السفر و الخوف في الصلاة و الإفطار في الصوم و نحو ذلك، و اما من جهة التعميم كجواز العمل بالاجتهاد لغير المقصر في الجزئيات كالوقت و القبلة، أو الكليات كالأحكام الشرعية (انتهى).

أقول- عبارته المحكية عنه (قدس سره) و إن كانت لا تخلو عن إجمال و إبهام الا ان الظاهر ان مراده ان الأصل الاولى في الاحكام عدم كونها حرجية و لا ضررية؛ و انما يخرج من هذا الأصل في موارد ثبت فيها تكليف حرجي أو ضرري إما بالعموم أو بالخصوص فيقتصر في هذه الموارد التي ثبت فيها تكاليف حرجية أو ضررية على ما ثبت و بقدر ما ثبت، و اما الزائد عليها فهو منفي بهذه القاعدة.

غاية الأمر ان التكاليف الحرجية الثابتة بأدلتها تنصرف إلى طاقة أوساط الناس المبرئين عن الأمراض و الاعذار، و اما بالنسبة إلى غيرهم فحيث لا دليل على إثباتها فهي أيضا منفية بهذه القاعدة.

و اما ما ذكره في آخر كلامه فالظاهر انه ناظر الى ان نفى الحرج و الضرر قد يكونان بعمومات هذه القاعدة، و اخرى بتنصيص الشارع عليه خصوصا، كما في صلاة القصر في السفر، و الإفطار في الصوم في السفر و للمريض و الشيخ الكبير و أشباههم، و ثالثة بتنصيصه عليه عموما، كتجويزه العمل بالظن في الموضوعات كالوقت و القبلة لجميع آحاد الناس غير المقصر منهم، و في الأحكام الشرعية الكلية للمجتهدين خاصة، هذا حاصل ما يستفاد من كلامه.

191

و لازمه اختصاص نفى الحرج و الضرر بموارد لم يدل على خلافه دليل أصلا، لا عموما و لا خصوصا و فساد هذا القول أيضا ظاهر لمنافاته لما عرفت من تمسك الأئمة (عليهم السلام) بعموم نفى الحرج لنفى كثير من الاحكام في موارد يستلزم العسر و الحرج و تخصيص أدلتها به، و لسيرة كثير من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم)، و لظاهر عمومات نفى الحرج و الضرر الواردة في مقام الامتنان الابية عن مثل هذه التخصيصات الكثيرة.

أضف اليه ان النسبة بينها و بين الأدلة المثبتة للأحكام عموم من وجه. فلا وجه لتقديمها على عمومات نفى الحرج و الضرر.

و اما ما احتمله المحقق النراقي (قده) من ان المستفاد من كلامه كون قاعدة نفى الحرج من باب أصل البراءة فيكون تقديم ما ثبت بأدلة الاحكام من باب تقديم الأدلة الاجتهادية على الأصول العملية مع انه بعيد عن مساق كلامه، ظاهر الفساد، لأن الأصول العملية ناظرة إلى بيان وظيفة الشاك؛ و ليس في أدلة نفى الحرج و الضرر من الشك عين و لا اثر.

الثالث- ان العسر و الحرج يختلف باختلاف العوارض الخارجية

فقد يكون شي‏ء عسرا و حرجا و لكن يكون باعتبار أمر خارجي سهلا و يسرا؛ و من الأمور الموجبة لسهولة كل عسر، و سعة كل ضيق، مقابلته بالعوض الكثير و الأجر الجزيل، و لا شك ان كل ما كلف اللّه سبحانه به من التكاليف يقابله ما لا يحصى من الأجر، قال تعالى‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها؛ و على هذا لا يكون شي‏ء من التكاليف عسرا و حرجا، فكل ما كلف اللّه به من الأمور الشاقة ظاهرا فقد ارتفعت مشقتها بما و عدلها من الأجر الجميل و الثواب الجزيل (انتهى).

و فيه- ان لازمه أيضا سقوط أدلة نفى الحرج عن جواز الاستدلال بها رأسا لأن كل ما ورد الأمر به أو النهي عنه ففي امتثال امره و نهيه أجر الهى بالملازمة الثابتة من حكم العقل فلا يصح نفيه بأدلة نفى الحرج؛ بل تكون هذه الأدلة لغوا بالمرة و لا يبقى لقوله تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ معنى، الا ان يكون المراد نفى التكاليف المشتملة على المشقة الخالية عن الأجر و الثواب و لكنه يرجع الى توضيح أمر واضح.

192

و يرد عليه أيضا ما أوردناه على ما تقدمه، من مخالفته للأخبار الحاكية لاستدلال المعصومين (عليهم السلام) بها لنفي الأمور الحرجية؛ كما انه مخالف لفهم فقهاء الأصحاب المستدلين بها في فروع كثيرة.

هذا مضافا الى عدم تماميته في نفسه لان مجرد ترتب الأجر الجميل و الثواب الجزيل على شي‏ء لا يمنع عن صدق العسر و الحرج عليه، مثلا نقل الصخور العظيمة من قلل الجبال، أو تحمل منن اللئام؛ من الأمور العسرة الحرجية و ان كان في مقابلها أجور جزيلة. نعم ترتب الأجر و الثواب عليها يكون داعيا على الإتيان بها و مصححا لارتكابها عند العقلاء لا انه مانع عن صدق عنوان العسر و الحرج عليه.

و يشهد على ذلك ظهور بعض الايات و صراحة بعض الاخبار الماضية في ثبوت تكاليف عسرة حرجية في حق الأمم الماضية، مع انه لا ينبغي الشك في ترتب أجور جميلة على طاعاتهم و امتثالاتهم؛ فهذا دليل على انه لا منافاة بين صدق عنوان الحرج و العسر على شي‏ء مع ترتب الأجر الجميل عليه.

و الحاصل ان العسر و الحرج و ان كان يختلف باختلاف بعض العوارض الخارجية- كغير هما من العناوين- الا ان اختلافها بمجرد ترتب الأجر و الثواب الأخروي أو الأجور الدنيوية عليهما ممنوع جدا.

الرابع- ما اختاره المحقق النراقي و جعله الطريق الوحيد في حل الاشكال بحذافيره‏

و إليك نص عبارته:

«انه لا حاجة الى ارتكاب أمثال هذه التأويلات و التوجيهات بل الأمر في قاعدة نفى العسر و الحرج كما في سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم و الاخبار الواردة في الشرع القويم؛ فإن أدلة نفى العسر و الحرج تدل على انتفائهما كلية، لأنهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي فيفيدان العموم، و قد ورد في الشرع التكليف ببعض الأمور الشاقة و التكاليف الصعبة أيضا و لا يلزم منها ورود إشكال في المقام كما لا يرد بعد قوله سبحانه‏ «وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» إشكال في تحريم كثير مما ورائه، و لا بعد قوله: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً إلخ» تحريم أشياء كثيرة؛

193

بل يخصص بأدلة تحريم غيره عموم ذلك فكذا هاهنا.

فان تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس بعزيز بل هو أمر في أدلة الأحكام شائع و عليه استمرت طريقة الفقهاء، فغاية الأمر كون أدلة نفى العسر و الحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص و بعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص» انتهى.

و يرد عليه أولا- ان قبح تخصيص الأكثر أو التخصيص الكثير المستهجن أمر ظاهر لا يجوز ارتكابه، و لا يصح الالتزام به في كلام الشارع الحكيم؛ كما ان لزوم مثل هذا التخصيص في المقام مما لا ينبغي الريب فيه بعد كثرة التكاليف الحرجية التي أشرنا إليها إجمالا عند تقريب أصل الإشكال، من الواجبات المالية الكثيرة؛ و الجهاد الأصغر و الأكبر، و الحج و الصيام و القصاص و الحدود و الديات و غيرها.

و ما استشهد به من الآيتين على ما ادعاه من جواز التخصيصات الكثيرة قابل للمنع فان الظاهر ان الحصر في قوله تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً إلخ» حصر إضافي في مقابل ما حرمة أهل الكتاب على أنفسهم و بدعهم في باب الذبائح أو غيره فتدبر. كما ان قوله تعالى‏ «وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» أيضا ظاهر في الحصر الإضافي أو محتمل له، و تمام الكلام فيه في محله.

و ثانيا- ان عمومات نفى الحرج واردة في مقام الامتنان على الأمة المرحومة كما ان ظاهر روايات الباب أو صريحها انه من خصائص هذه الأمة فكيف يجوز تخصيصها بمثل هذه المخصصات الكثيرة و الحال هذه؟ و كيف يكون نفى الحرج من مختصات الأمة مع إثبات احكام حرجية كثيرة فيها؟ فان ذلك جار في جميع الأمم.

اللهم الا ان يقال بان امتياز هذه الأمة انما هو في قلة أحكامها الحرجية بالنسبة إلى الماضين و ان كانت في نفسها كثيرة. هذا و لكن إشكال إباء هذه العمومات الواردة في مقام الامتنان عن مثل هذه التخصيصات باق بحاله.

و ثالثا- ان القول بجواز تخصيص عمومات نفى الحرج بمخصصات كثيرة، يمنع عن التمسك بها رأسا لأنك قد عرفت ان النسبة بينها و بين عمومات الأدلة المثبتة للأحكام هي العموم من وجه كما عرفت، فلا وجه لتقديمها عليها عند التعارض الا بما ذكرنا من‏

194

ابائها عن التخصيص.

المختار في حل الاشكال‏

الخامس- و هو المختار في حسم مادة الاشكال‏

، ان ما يدعى من التكاليف الحرجية الواردة في الشريعة على أقسام:

منها- ما ليس حرجيا و ان ادعى كونها كذلك؛ كحج بيت اللّه الحرام و أداء الخمس و الزكاة (لا سيما مع ما عرفت عند ذكر معنى «الحرج» من ان المراد منه هنا ليس مطلق المشقة و الضيق، بل المشقة التي لا تتحمل عادة على ما بسطنا الكلام فيه) فان إخراج خمس أرباح المكاسب بعد وضع مئونة السنة بجميع أنحائها، و كذا إخراج خمس غيرها من المعادن و الكنوز، و الزكوات المقدرة في الشرع التي هي قليل من كثير ليست أمورا شاقة لا تتحمل عادة.

لا سيما مع صرفها في مصارف يعود نفعها غالبا الى المجتمع اجمع حتى المعطين، كصرفها في إصلاح حال الفقراء و المساكين و أبناء السبيل، و عمارة الشوارع، و بناء القناطر، و حفظ ثغور الإسلام، و تقوية جيوش المسلمين، و أمن السيل. فهذه في الحقيقة مثل سائر ما يصرفونها في محاويجهم الشخصية و إصلاح أمورهم الخاصة، مما لا يعدونه ضررا و حرجا، بل إصلاحا و نفعا.

و هذا المعنى و إن كان عند بعض الأذهان البادية من الاستحسانات الا انه اليوم ظاهر لكل خبير بوضع المجتمعات البشرية و ما فيه نجاحها و فلاحها؛ و لذا ترى العقلاء من جميع الأمم يسلكون هذا المسلك و يكلفون افرادها بأداء واجبات مالية يصلحون بها حال الضعفاء و ذوي الحاجات و سائر الأمور العامة التي يعود نفعها الى مجتمعهم اجمع؛ و لا يعدونه ضررا و لا حرجا بل قد عرفت انها في الحقيقة من قبيل مصارفهم الشخصية.

و ان أبيت عن ذلك فقد عرفت ان الواجبات المالية في أنفسها، و مع قطع النظر عن هذا؛ ليست أمورا شاقة حرجية لا تتحمل عادة الذي هو الملاك في هذا الباب.

أضف الى ذلك ان إطلاق العسر و الحرج على الأمور المالية مطلقا لا يخلو عن اشكال- كما أشار إليه المحقق النائيني في آخر رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر- لظهور

195

عنوان الحرج في المشقة في الجوارح لا في الجوانح و من المعلوم ان بذل الأموال ليس فيه مشقة بهذا المعنى و لو بلغ ما بلغ، اللهم الا فيما يسرى المشاق الروحية الى البدن كمن لا ينام طول ليلته إذا بذل ما لا كثيرا، على تأمل في ذلك أيضا.

و منها- ما يكون من ناحية فعل المكلف و سوء اختياره، كالقصاص و الحدود و ما شاكلهما، فان المكلف بسوء اختياره يقع في هذه الأمور الحرجية، فلو لم يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، أو لم يجن عليها بجناية أخرى توجب القصاص أو الحد أو لم يعتد على غيره بمال أو بعرض؛ لا يعتدى عليه بمثله و لا يعاقب به.

و من الواضح انصراف أدلة نفى العسر و الحرج عما أقدم عليه بسوء اختياره لا سيما في هذه الموارد التي لا يكون نفيه منة على من ارتكبها الا بترك الامتنان بل الظلم الفاحش على غيره، فهذه الموارد لم تكن داخلة تحت عمومات نفى الحرج حتى يكون خروجها عنها بالتخصيص.

و منها- ما هو قابل للإنكار، فمثل التوضي بالماء البارد في ليالي الشتاء أو الصيام في الأيام الحارة من الصيف إذا بلغ مشقته حدا لا تتحمل عادة فلا يبعد القول بعدم وجوبه، و لكن بلوغه هذا الحد لغالب الناس في محل المنع.

و منها- ما يبقى من الموارد النادرة التي يمكن التزام تخصيص القاعدة بها إذا كان دليله أخص من أدلة نفى الحرج أو بمنزلة الأخص؛ كالجهاد الذي فيه من المشقة و الحرج ما لا يخفى قال اللّه تعالى‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ‏ و قال تعالى: حاكيا عن وقعة الأحزاب، إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، و قد سمى في كتابه العزيز الساعات التي كانت قبل غزوة تبوك‏ «ساعَةِ الْعُسْرَةِ» ففي هذا المورد و شبهه نلتزم بتخصيص عمومات لا حرج بها.

لا يقال- كيف يجوز تخصيص عمومات نفى الحرج بهذه الموارد و لو كانت قليلة بالنسبة الى ما يبقى تحتها مع اعترافك بورودها مورد الامتنان الآبي عن التخصيص قلنا- عدم جواز تخصيص العمومات الواردة في مقام البيان انما هو في موارد

196

يكون تخصيصها منافيا للمنة. و اما إذا كان موافقا لها فلا مانع منه، و ما نحن فيه من هذا القبيل فان منافع الجهاد و مصالحه من ظهور المسلمين على الاعداء و حفظ ثغورهم و بقاء عزهم و جعل كلمة اللّه هي العليا و تفريق احزاب الكفر و جعل كلمتهم هي السفلى؛ لما كانت ظاهرة واضحة لكل احد صار هذا قرينة عرفية على جواز التخصيص و لم يناف ورود العام مورد الامتنان؛ بل كان ترك تشريع هذا الحكم الظاهر مصلحته منافيا له، و كل ما كان من هذا القبيل جاز تخصيص عمومها به من دون اى محذور.

و الحاصل ان حال العمومات الواردة في مقام البيان ليست حال سائر العمومات التي يجوز تخصيصها بكل مخصص؛ كما انه ليس حالها حال بعض العمومات المعللة بعلل عقلية عامة لا يجوز تخصيصها ابدأ بأي مخصص كان، بل حكمها في جواز التخصيص و عدمه جوازه بما لا ينافي الامتنان و عدم جوازه فيما ينافيه.

التنبيه الثاني هل العبرة بالحرج الشخصي أو النوعي؟

هذا البحث نظير ما أسلفناه في قاعدة «لا ضرر» و الكلام فيه من جهات كثيرة كالكلام فيه و ان كان بينهما اختلاف من بعض الجهات نشير إليها.

و حاصل القول ان العبرة في ارتفاع الحكم بلزوم العسر و الحرج هل هو بالحرج الشخصي بأن يكون لزوم الحرج في مورد رافعا للتكليف في خصوص ذاك المورد، أو النوعي بحيث كان لزومه على نوع المكلفين رافعا للتكليف عن عامتهم؟.

و الحق هو الأول. لظهور جميع العناوين الواردة في لسان الأدلة في مصاديقها الشخصية فعنوان الضرر انما يصدق في خصوص موارده و اشخاصه و كذلك الحرج و غيرهما من العناوين الواردة في الأدلة؛ و ارادة الحرج أو الضرر النوعي تحتاج إلى قرينة مفقودة في المقام.

نعم يظهر من احاديث الباب استدلال الامام (عليه السلام) في موارد مختلفة بعموم قوله‏

197

تعالى «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» لنفى الحكم عن جميع الافراد مع عدم كونه حرجيا إلا في حق غالبهم، مثل رواية أبي بصير الدالة على عدم. انفعال الماء الكر.

مستندا الى عموم هذه الآية، مع ان من المعلوم عدم لزوم العسر و الحرج من عدم هذا الحكم على جميع المكلفين و كذلك غيره و هذه الرواية و أمثالها هي غاية ما يمكن ان يستشهد به للوجه الثاني.

و لكن يمكن ان يجاب عنه بما ذكرناه عند ذكر روايات الباب من ان استنادهم (عليهم السلام) بهذه الفقرة من الآية الشريفة على وجهين: تارة يكون بعنوان العلة للحكم و يكون ضابطة كلية يعطي بيد المكلفين و يدور الحكم معه حيثما دار، كما في رواية عبد الأعلى مولى آل سام فيمن عثر و انقطع ظفره إلخ و لا إشكال في ان الحرج في أمثال هذه الموارد أخذ شخصيا.

و اخرى بعنوان حكمة الحكم اعنى ما كان داعيا و باعثا على تشريعه و ان كان هناك بواعث أخر غيرها فيكون كالمعدات أو العلل الناقصة و من الواضح ان الحكم في هذه الموارد لا يدور مدار العلة، بل قد يتجاوز عنها الى غيرها، و قد لا يشمل جميع مواردها، و لذا لا يجوز الاستناد الى ما ورد في أدلة الاحكام من علل التشريع و لا يعامل معها معاملة المنصوص العلة، فلا يكون جامعا و لا مانعا.

و ما يتوهم ان الحرج قد أخذ فيه نوعيا في الحقيقة من قبيل القسم الأخير أعني ما يكون حكمة للحكم فالحرج فيه أيضا شخصي و لكن دائرة التعليل لا تنطبق على دائرة الحكم لا ان الحرج فيه نوعي فتدبر.

و الحاصل ان استدلالهم (عليهم السلام) في بعض الموارد التي يكون الحرج فيها نوعيا بآية نفى الحرج لا يكون دليلا على الوجه الثاني؛ و لا يجوز التعدي منه الى غيره من الموارد التي يكون الحرج فيها نوعيا؛ بل يجب الاقتصار على خصوص مورده، لان سياقه سياق بيان حكمة التشريع لا علة الحكم.

كما انا نعلم خارجا ان الحكمة في تشريع كثير من الأحكام هي التوسعة و رفع الحرج عن المكلفين (و لو لم يستند فيها إلى آية نفى الحرج و غيرها من أشباهها) كالقصر

198

في الصلاة و الصيام، و رفع الصوم عن المرضى و الشيوخ؛ و العدول من الوضوء و الغسل الى التيمم في كثير من الموارد، و كثير من احكام مستثنيات أبواب النجاسات. و لا يكون هذا دليلا على أخذ الحرج نوعيا في قاعدة نفى الحرج.

هذا كله مضافا الى عدم انضباط الحرج النوعي، فهل الملاك فيه هو نوع المكلفين في جميع الأزمنة و الأمكنة، أو أهل عصر واحد، أو أهل مكان واحد، أو صنف خاص منهم أو غير ذلك من الاحتمالات فتأمل؛ فتحصل من جميع ذلك ان المعيار في هذا الباب هو الحرج الشخصي لا غير.

التنبيه الثالث حكم تعارض دليلي نفى الحرج و نفى الضرر

إذا تعارض الضرر و الحرج في مورد- كما إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لا ضرار جاره و ترك تصرفه فيه حرجا عليه لان منع المالك عن تصرفه في ملكه كيف يشاء أمر حرجي- فهل يقدم قاعدة نفى الحرج أو يؤخذ بقاعدة نفى الضرر أو يتساقطان و يرجع الى أدلة أخر؟.

قال شيخنا الأعظم (قدس سره) الشريف في بحث قاعدة «لا ضرر» من «الفرائد»:

«إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره و تركه موجبا لتضرر نفسه، فإنه يرجع الى «عموم الناس مسلطون على أموالهم»، و لو عد مطلق هجره عن التصرف في ملكه ضررا لم يعتبر في ترجيح المالك ضررا زائد على ترك التصرف، فيرجع الى عموم التسلط؛ و يمكن الرجوع الى «قاعدة نفى الحرج» لان منع المالك لدفع ضرر الغير حرج و ضيق عليه، اما لحكومته ابتداء على نفى الضرر، و اما لتعارضهما و الرجوع الى الأصل» انتهى.

و قال المحقق النائيني (قده) في آخر رسالته المعمولة في قاعدة لا ضرر ما حاصله:

«ان حكومة لا حرج على لا ضرر- كما احتمله الشيخ الأعظم- تتوقف على أمرين‏

199

الأول- كون لا حرج مثبتا للحكم أيضا أي كما انه حاكم على الأحكام الوجودية يكون حاكما على الأحكام العدمية أيضا، و الا لا يعقل تعارضه مع لا ضرر و اجتماعه معه في مورد واحد حتى يكون حاكما عليه. و ان شئت قلت: ان هذا الشرط يرجع الى منع الصغرى و حاصله عدم إمكان تعارض لا ضرر مع لا حرج.

الثاني- ان يكون لا حرج ناظرا الى لا ضرر، و معنى النظر ان يكون الحكم في طرف المحكوم مفروض التحقق حتى يكون الحاكم ناظرا الى الحكم الثابت في المحكوم و اما لو كان كل منهما في عرض الأخر و لا أولوية لفرض تحقق أحدهما قبل الأخر فلا معنى للحكومة و بالجملة لا وجه لجعل لا حرج حاكما على لا ضرر فلا يمكن علاج التعارض بالحكومة.

كما انه لا يمكن علاجه بتقديم لا ضرر على لا حرج مطلقا من باب ان مورد الضرر أقل من الحرج- لا كل ضرري حرجي و لا عكس- فان فيه أولا ان أقلية المورد انما توجب الترجيح إذا كان المتعارضان متضادين دائما لا مثل المقام الذي يتوافقان غالبا و ثانيا- ان الحرج هو المشقة في الجوارح لا في الروح؛ فقد يكون الشي‏ء ضرريا كالنقص في المال و لا يكون حرجيا، فقولك كل ضرري حرجي و لا عكس غير صحيح (انتهى).

أقول- و لقد أجاد فيما أفاد بقوله ثانيا من ان ملاك الحكومة- و هو نظر احد الدليلين الى الآخر و التصرف فيه بأحد أنحائه التي مضى شرحها- مفقود في المقام توضيحه: ان أدلة نفى الضرر و نفى الحرج متساوي الإقدام بالنسبة إلى موضوعاتهما و قد عرفت مما ذكرنا هنا و هناك (في قاعدة لا ضرر) ان لسانهما واحد فلا وجه لحكومة إحداهما على الأخرى، بل قد عرفت انه لا حكومة لهما على الأدلة المثبتة للأحكام رأسا و انما يقدمان على غيرهما لورود هما مورد الامتنان و لجهات أخر مضى شرحها فلا معنى لتقدم إحداهما على غيرها و حكومتها عليها بل هما متعارضان متكافئان و النسبة بينهما عموم من وجه.

و اما القول بأن النسبة بينهما عموم مطلق- لان كل أمر ضرري حرجي و لا عكس-

200

كما حكاه المحقق المذكور، ساقط جدا لا لما ذكره فقط، بلى لان تصادق مورد الضرر و الحرج لو ثبت فإنما هو في مورد الإضرار على النفس لا في مورد الإضرار بالغير فمثل دخول «سمرة بن جندب» على الأنصاري بلا اذن منه كان ضررا عليه مرفوعا بحكم قاعدة نفى الضرر، و لكن لم يكن هذا فعلا حرجيا لا لسمرة و لا للأنصاري؛ اما الأول فواضح و اما الثاني فلأنه لم يكن دخول سمرة فعلا للأنصاري، نعم دخوله بلا اذن كان ضيقا على الأنصاري، و لكن من الواضح ان قاعدة لا حرج لا ينفى كل ضيق حاصل من أي ناحية بل الضيق و الحرج المرفوع بها هو ما حصل من ناحية التكاليف الواردة في الشرع، فقوله تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏» اى ما جعل عليكم تكليفا يلزم منه الحرج و الضيق، بقرينة قوله «عليكم».

و ان شئت قلت: عمومات نفى الحرج إنما تنفى الحرج الحاصل من ناحية التكاليف الشرعية على نفس المكلفين بها؛ و اما الحرج و الضيق الحاصل من أفعالهم على غيرهم فلا دلالة لها عليه، و انما المتكفل له قاعدة لا ضرر. و لا فرق في ذلك بين شمول قاعدة نفى الحرج للعدميات أيضا و بين اختصاصها بالوجوديات فقط.

و إذ قد ثبت ان النسبة بينهما عموم من وجه فالحكم في موارد تعارضها هو تساقطهما في مورد الاجتماع و الرجوع الى غيرهما، الا ان يكون هناك مرجحات خاصة في بعض الموارد، كاهتمام الشارع ببعض المواضيع مثل حقوق الناس و أشباهها فيعمل بها.

و اما ما ذكره (قدس سره) بقوله «أولا» و حاصله توقف حكومة أدلة لا حرج على أدلة نفى الضرر على شموله للعدميات، ففيه ان موارد التعارض لا تنحصر بمورد السؤال مما يكون الطرفان من قبيل النقيضين أحدهما وجودي و الأخر عدمي، بل قد يكون من قبيل الضدين و ذلك كما إذا كان القيام في مكان موجبا للضرر على غيره و القيام في غير ذاك المكان حرجا عليه نفسه و دار امره بينهما، فالتعارض في هذا المثال و أشباهه ثابت من دون توقف على شمول لا حرج للعدميات، نعم خصوص المثال الذي ذكره الشيخ الأعظم قده في كلامه يكون من قبيل المتناقضين، و لكن ما ادعاه المحقق النائيني ظاهر في انحصار مورد تعارضهما بالمتناقضين كما يظهر لمن تدبر في كلامه.

201

التنبيه الرابع هل القاعدة تشمل العدميات أم لا؟

الحق انه لا فرق في شمول أدلة نفى الحرج بين الأحكام الوجودية و العدمية؛ كما مر نظيره في «قاعدة نفى الضرر».

و لكن بمعنى انه لو لزم من ترك بعض الافعال ضيق و حرج على المكلف- كترك شرب مائع نجس أحيانا- فإنه يجوز شربه و يرتفع حرمته بمقتضى قاعدة نفى الحرج؛ و مجرد كون موضوعه و هو ترك الشرب امرا عدميا لا اثر له أصلا، بعد كون الدليل الدال على نفى الحرج شاملا لجميع الموارد مثل قوله تعالى‏ «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» و قوله (عليه السلام) «ان الدين ليس بمضيق» و قوله «الدين أوسع من ذلك» فان مفادها جميعا نفى الاحكام الحرجية سواء تعلقت بموضوعات وجودية أو عدمية.

هذا بناء على المختار من ان الحرج و العسر من صفات فعل المكلف لا من صفات الاحكام، و بناء عليه يلاحظ العدمي و الوجودي في ناحية متعلق الحكم و هو فعل المكلف لا في ناحية الحكم نفسه.

و اما بناء على كونه من أوصاف الحكم فظاهر أدلة نفى الحرج- اعنى نفى الاحكام الحرجية بناء على هذا القول- و ان كان خصوص الأحكام الوجودية، لأن عدم الحكم ليس حكما و لا يصدق عليه انه مما جعله الشارع فلا يدخل في قوله تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏، إلا انك قد عرفت سابقا في بحث قاعدة لا ضرر، ان العرف يحكم حكما قطعيا بإلغاء هذه الخصوصية؛ فلا يرى اى فرق بين لزوم الحرج من جعل الوضوء على المكلف أو من ترك جعل تسلط الناس على أموالهم، و لا يرى وجها للامتنان بترك جعل الأول دون الثاني و قد مر هناك بعض ما ينفعك في المقام فراجع.

التنبيه الخامس نفى الحرج هل هو رخصة أو عزيمة؟

إذا تحمل الحرج و اتى بالعمل الذي فيه ضيق و شدة منفية- كالوضوء و الغسل‏

202

الحرجيين- فهل يجزى عنه لكون المرفوع وجوبه لا أصل مشروعيته، أو لا يجزى لكونه باطلا لعدم الأمر به رأسا فيكون تشريعا محرما؟

و هذه المسألة كأصل القاعدة غير معنونة في كلمات القوم مستقلا حتى ان المحقق النراقي الذي انفرد بذكر هذه القاعدة في عوائده لم يتعرض لها و لا لغير واحد من التنبيهات التي ذكرناها، الا ان الذي يظهر من غير واحد من أعاظم المتأخرين في الفروع الفقهية المتفرعة على هذه القاعدة كونها من باب الرخصة لا العزيمة، فلنذكر بعض ما وصل إلينا من كلماتهم ثمَّ نتبعها بما هو المختار.

قال الفقيه المتتبع الماهر صاحب الجواهر (قدس سره) الشريف في ذيل مسألة سقوط الصيام عن الشيخ و الشيخة و ذي العطاش ما نص عبارته:

«ثمَّ لا يخفى عليك ان الحكم في المقام و نظائره من العزائم لا الرخص ضرورة كون المدرك فيه نفى الحرج و نحوه مما يقضى برفع التكليف- الى ان قال: «مع عدم ظهور خلاف فيه من احد من أصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدث البحراني فجعل المرتفع التعين خاصة تمسكا بظاهر قوله تعالى‏ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ‏ الى قوله:

وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ‏» انتهى.

و ظاهر كلامه ان دلالة عمومات نفى الحرج على ارتفاع التكليف كلية و كونه من باب العزيمة أمر مفروغ عنه، حتى ان ذهاب المحدث البحراني إلى الرخصة في هذا المورد الخاص انما هو لقيام دليل خاص عليه و هو قوله تعالى‏ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ‏.

و قال المحقق الهمداني في مصباحه في بعض التنبيهات التي ذكرها في مسوغات التيمم ما حاصله:

ان التيمم في الموارد التي ثبت جوازه بدليل نفى الحرج رخصة لا عزيمة، فلو تحمل المشقة الشديدة الرافعة للتكليف و اتى بالطهارة المائية صحت طهارته، كما تقدمت الإشارة إليه في حكم الاغتسال لدى البرد الشديد، فإن أدلة نفى الحرج لأجل ورودها في مقام الامتنان و بيان توسعة الدين لا تصلح دليلا إلا لنفي الوجوب لا لرفع الجواز.

ثمَّ أورد على نفسه بقوله: فان قلت: إذا انتفى وجوب الطهارة في موارد الحرج‏

203

فلا يبقى جوازها حتى تصح عبادة، فإن الجنس يذهب بذهاب فصله و بعبارة أخرى أدلة نفى الحرج حاكمة على العمومات المثبتة للتكاليف فتخصصها بغير موارد الحرج فاتيانها في تلك الموارد بقصد الامتثال تشريع محرم.

ثمَّ أجاب عنه بأنه إذا كان منشأ التخصيص كون التكليف بالوضوء و الغسل حرجيا من دون ان يترتب عليهما عدا المشقة الرافعة للتكليف مفسدة أخرى لا يجوز الاقدام عليها شرعا كالضرر و نحوه، فهو لا يقتضي إلا رفع مطلوبية الفعل على سبيل الإلزام لا رفع ما يقتضي الطلب و محبوبية الفعل، و كيف كان فلا يفهم من أدلة نفى الحرج عرفا و عقلا الا ما عرفت (انتهى) (1).

و قال السيد السند المحقق الطباطبائي اليزدي في «العروة» في المسألة 18 من مسوغات التيمم: إذا تحمل الضرر و توضأ و اغتسل فان كان الضرر في المقدمات من تحصيل الماء و نحوه وجب الوضوء و الغسل و صح و ان كان في استعمال الماء في أحدهما بطل، و اما إذا لم يكن استعمال الماء مضرا بل كان موجبا للحرج و المشقة كتحمل الم البرد أو الشين مثلا فلا يبعد الصحة؛ و ان كان يجوز معه التيمم، لان نفى الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، و لكن الأحوط ترك الاستعمال و عدم الاكتفاء به على فرضه فيتمم أيضا» انتهى.

و استشكل عليه كثير من المحشين و صرحوا بوجوب التيمم أو بعدم ترك الاحتياط به أقول- قد ظهر لك مما ذكرنا سابقا ان أدلة نفى الحرج و ان لم تكن حاكمة على عمومات الاحكام الا انها مقدمة عليها لقوة دلالتها بالنسبة إليها فيخصص العمومات المثبتة للأحكام بها، و من الواضح انه لا دلالة لتلك العمومات عرفا على إثبات أمرين:

الإلزام و المطلوبية، حتى يرتفع أحدهما و يبقى الأخر، بل المستفاد منها حكم واحد إثباتا و نفيا؛ فاما ان يخصص فينتفى من أصله؛ و اما ان يبقى بحاله؛ و لا دخل له بمسألة عدم جواز بقاء الجنس من دون فصله، فان ذلك مسألة عقلية و الكلام هنا في دلالة لفظية بحسب متفاهم العرف. فالذي يقتضيه القاعدة الأولية هو نفى المشروعية رأسا

____________

(1) كتاب الطهارة من المصباح ص 463.

204

في موارد الحرج أو الضرر أو غيرهما مما يستلزم تخصيصا في أدلة الاحكام.

و ورودها في مقام الامتنان و ان كان معلوما لا ريب فيه الا انه لا يقتضي ما ذكره من نفى خصوص الإلزام؛ لما حققناه في بعض أبحاث قاعدة لا ضرر من ان الامتنان يجوز ان يكون في أصل الحكم فلا يجب وجود ملاكه في جزئيات موارده.

مثلا رفع أثر الإكراه بحديث الرفع يوجب بطلان البيع الحاصل عن اكراه و ان كان في هذا البيع منافع كثيرة للمكره في بعض موارد الإكراه، كما إذا كان الثمن أكثر من ثمن المثل بأضعاف و كان لا يعلمه البائع المكره، فإنه لا إشكال في ان حديث الرفع من أظهر مصاديق ما ورد مورد الامتنان و لكن الامتنان في رفع آثار الإكراه انما يكون بنحو كلى عام، لا في كل واحد واحد من مصاديقه و جزئياته.

فلو انكشف بعد بيع المكره انه كان مشتملا على منافع كثيرة له لم يكشف ذلك عن صحة البيع المذكور من حيث ان رفع اثر هذا الإكراه مخالف للامتنان لما في مورده من المنافع الهامة؛ بل يتوقف على الإجازة اللاحقة بلا اشكال.

فالمعيار هو كون الحكم الكلى؛ و هو رفع أثر الإكراه على نحو عام و بعنوان ضرب قانون كلى؛ امتنانا على المكلف و ان كان بملاحظة بعض مصاديقه النادرة مخالفا له. و هكذا الكلام في باقي التسعة و كذا الحال في حجية كثير من الامارات الشرعية كسوق المسلمين و أيديهم و غيرهما مما يستفاد من أدلتها أو من قرائن خارجية ان حجيتها انما هو من باب التوسعة على المكلفين و ان اللّه قد من عليهم بذلك، فان ذلك لا ينافي ثبوت بعض التكاليف من ناحيتها عليهم أحيانا بحيث لولاها لم يكن طريقا إلى إثباتها، و الحاصل ان الامتنان بهذه الأمور انما هو باعتبار مجموع الوقائع التي تشملها.

فورود عمومات نفى الحرج مورد الامتنان لا يصلح قرينة على صرفها عن ظاهرها من نفى الاحكام الحرجية رأسا، وجوبا كان أو تحريما أو غيرهما؛ فلا وجه للقول بنفي خصوص الإلزام في بعض مواردها مع بقاء أصل المحبوبية.

و اما ما أفاده في جواب المستشكل فهو بمنزلة قرينة أخرى لصرف عمومات لا حرج عن نفى الجواز في موارد الأحكام الوجوبية الحرجية و انحصار مفادها في نفى‏

205

الوجوب و حاصله ببيان منا:

انا نعلم خارجا ان الوضوء و الغسل الحرجيين و أشباههما لا يترتب عليها أي مفسدة موجبة لنقصان ملاك المحبوبية فيها، الا ان إيجابها لما كان موجبا للضيق و الحرج على المكلفين رفعه الشارع منة عليهم مع وجود ملاكه فيها؛ فعدم وجوبها ليس من ناحية عدم المقتضى بل من جهة ابتلائه بالمانع و هو ما اراده الشارع المقدس من الامتنان على هذه الأمة، و من المعلوم ان هذا مانع عن الأمر الإلزامي دون غيره فوجود ملاك المطلوبية فيها مع عدم المانع عن الأمر غير الإلزامي بها يكشف عن تعلق أمر بها كذلك، بل يكفي في صحتها و صحة قصد القربة بها مجرد وجود ملاك المحبوبية فيها و لو لم يكشف عن تعلق أمر بها.

و لكن يرد عليه ان دعوى العلم بعدم المفسدة فيها دعوى بلا بينة و لا برهان لاحتمال وجود بعض المفاسد فيها بعد كونها حرجية، و لا أقل من ان التكليف إذا كان حرجيا و ثقيلا على المكلفين أوجب كثرة المخالفة و العصيان و هي مفسدة عظيمة و لهذا ذهب بعضهم الى ان نفى الحرج لازم على الواجب الحكيم من باب وجوب اللطف فتأمل.

أضف الى ذلك ان تحمل الحرج و تكلف الفعل الحرجي، بعد ما من اللّه تعالى على عباده بنفيه، رفض لما تصدق و ما من به عليهم و يمكن ان يكون في هذا مفسدة؛ كما ورد في باب عدم صحة التمام في مواطن القصر من التعليل بأنه رد لتصدق اللّه على الأمة مثل ما رواه ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله): ان اللّه عز و جل تصدق على مرضى أمتي و مسافريها بالتقصير و الإفطار أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة ان ترد عليه؟ و في معناه رواية أخرى رواها الصدوق في الخصال عن السكوني‏ (1).

و الغرض من ذلك كله إبداء احتمال وجود مفسدة في تحمل الحرج و الإتيان بالتكاليف الحرجية؛ و معه لا يصح دعوى القطع بعدم وجود مفسدة فيها و بقاء ملاك‏

____________

(1) رواهما في الوسائل في الباب 22 من أبواب صلاة القصر من المجلد الأول.

206

المحبوبية على حالها، و من المعلوم ان مجرد الاحتمال كاف في المقام.

و اما مسألة جواز التيمم في الموارد التي ثبت بدليل نفى الحرج ففيها اشكال آخر مضافا الى ما ذكرنا في الجميع، و هو ان المستفاد من أدلة تشريع التيمم و المركوز في أذهان المتشرعة كون التيمم بدلا طوليا عن الوضوء و الغسل، لا عرضيا، فلا يجتمعان في مورد. و من المعلوم ان القول بالرخصة يستلزم كونهما في عرض واحد في الموارد التي ثبت جواز التيمم فيها بأدلة نفى الحرج، فيجوز في حال واحد التيمم و الغسل أو هو و الوضوء و الالتزام به مشكل جدا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الأقوى بحسب ما يستفاد من ظاهر أدلة نفى الحرج كونه من باب العزيمة لا الرخصة، كما فهمه الشيخ الأجل صاحب الجواهر و جعله امرا مفروغا عنه، فح لا يجوز تحمل الحرج و الإتيان بالفعل الحرجي، و لو فعله لا يجتزى به.

التنبيه السادس لا يخفى ان العسر و الحرج يختلف باختلاف الأشخاص، و الحالات، و الأمكنة

، و الأزمنة، و الظروف المختلفة و وجود الأسباب و عدمها الى غير ذلك.

فرب شي‏ء يكون حرجيا بالنسبة إلى شخص دون آخر، كالضعيف دون القوى، و رب شي‏ء يختلف باختلاف حالات شخص واحد من القوة و الضعف و الصحة و المرض، و رب شي‏ء يكون عسرا و حرجيا في مكان دون آخر كتحصيل الماء في الصحاري القفار دون الشاطئ، أو في زمان دون آخر كالحج بالنسبة الى بعض الناس في الأزمنة السابقة دون زماننا هذا، الى غير ذلك.

و حيث قد عرفت في التنبيه الثاني من هذه التنبيهات ان المعيار في هذا الباب هو الحرج الشخصي لا النوعي فاللازم ملاحظة جميع هذه الأمور في الحكم بنفي التكليف، و اما لو قلنا بأن العبرة بالحرج النوعي فهل العبرة بنوع المكلفين في جميع الأزمنة و

207

الأمكنة على اختلافهم في الصنوف و الحالات و الظروف، أو ان العبرة بصنف منهم؟ و ما الدليل على تعيين صنف خاص و ما المعيار في سعة دائرة هذا الصنف؟ و قد عرفت سابقا ان عدم وجود الضابطة لتشخيص ذلك احد الموهنات لهذا القول.

هذا آخر ما أردنا تحريره في هذه القاعدة المهمة المغفول ذكرها في كلمات الأصحاب، مع استنادهم إليها في مختلف أبواب الفقه و تفريع فروع كثيرة عليها؛ و قد بقي خبايا في زوايا يعثر عليها الخبير.

و قد وقع الفراغ منه يوم الأحد التاسع عشر من شهر شوال من سنة 1382.

و ها نحن في فتنة عظيمة و حرج شديد من تحامل الحكومة على رجال العلم و الدين الذابين عن حوزة الإسلام و لا سيما من تحاملهم على رواد العلم و طلابه بجامعة العلمية الدينية بقم المشرفة؛ و ما نقموا منهم الا ان يؤمنوا باللّه العزيز الحميد.

اللهم اكشف عنها هذا البلاء، و ادفع عنا الاعداء، اللهم اجعل لنا من بعد العسر يسرا، و لا تحمل علينا إصرا، و صل على نبيك و آله الهادين‏

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

209

4- قاعدة الفراغ و التجاوز

210

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}