القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
211

من القواعد الهامة التي اشتهرت في السنة المتأخرين اشتهارا تاما حتى صارت كالمسلمات، الدائرة بينهم هي قاعدة «التجاوز و الفراغ» و ان اختلفوا في أنها هل ترجع الى قاعدتين:

«التجاوز» و «الفراغ» أو هي قاعدة واحدة يعبر عنها باسم تارة و بآخر اخرى، حسب اختلاف المقامات؟ كما يأتي البحث عنه بما يستحقه. و هي المدرك الوحيد لكثير من الفروع الفقهية في أبوابها؛ و لذا وضع غير واحد من المحققين رسالات خاصة لها و مع ذلك لم يؤد حقها من البحث؛ و قد بذلنا غاية المجهود في كشف الستر عن وجه هذه القاعدة و مداركها و ما يتفرع عليها من الفروع؛ و غيرها مما يتعلق بها و سنبين انها لا تختص بباب معين من أبواب الفقه.

و الكلام فيها يقع في مقامات:

1- البحث عن مدرك القاعدة.

2- في أنها قاعدة واحدة لا قاعدتان.

3- في انها من الامارات أو من الأصول العملية

4- في اعتبار الدخول في الغير فيها و عدمه.

5- في ان المراد من «الغير» إذا؟

6- في ان المحل الذي يعتبر التجاوز عنه شرعي أو عقلي أو عادى؟

212

7- في عموم القاعدة لجميع أبواب الفقه و عدم اختصاصها بباب دون باب‏

8- في عمومها لاجزاء اجزاء العبادة و غيرها.

9- في جريانها عند الشك في صحة العمل.

10- في جريانها في «الشرائط»

11- في انه لما ذا لا تجري القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث.

12- في عدم جريان القاعدة عند الغفلة عن كيفية العمل.

13- في عدم جريانها في الشبهات الحكمية.

14- في اختصاصها بالشك الحاصل بعد العمل، لا الشك الموجود من قبل،

و إذ قد عرفت ذلك نرجع الى تفصيل هذه الأبحاث و توضيح هذه القاعدة من شتى الجهات فنقول و من اللّه جل شأنه نستمد التوفيق و الهداية.

1- البحث عن مدرك القاعدة

الذي يجب البحث و التنقيب عنه قبل كل شي‏ء ان قاعدة الفراغ و التجاوز و ان كانت ثابتة في النصوص الواردة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)لكنها لم تكن معروفة عند قدماء الأصحاب، كمعروفيتها عند المتأخرين، و ان استند إليها بعضهم أحيانا في بعض أبواب الطهارة أو الصلاة، بعنوان حكم جزئي لا قاعدة كلية سارية في أبواب كثيرة من الفقه أو كلها.

و لا غرو في ذلك فان لها نظائر من القواعد الفقهية و أدلة الأحكام؛ فهل كان الاستصحاب المتكى على اخبارها اليوم معروفة عند الأوائل؟ مع ان أول من استدل بها هو والد شيخنا البهائي على ما حكى عنه، الى غير ذلك من أشباهه.

و لكن من الواضح ان غفلتهم عنها، أو عدم استنادهم إليها في كثير من كتبهم، لا تؤثر في اعتبار القاعدة بعد تمامية دلالة الاخبار عليها كما هو ظاهر، فان ذلك لا يسقطها من الاعتبار من جهة إعراض الأصحاب عنها، لعدم ثبوت الاعراض في أمثالها بعد ما كانت‏

213

استفادتها من الاخبار تحتاج إلى دقة خاصة في الاخبار لا تحصل الا تلاحق الأفكار بعد برهة طويلة من الزمان.

مضافا الى ان عدم تعرضهم لها بهذه الصورة المعمولة في هذه الأعصار، لا يدل على عدم اعتبارها عندهم فإنه لم يكن من دأبهم إيداع جميع القواعد و الأصول التي يستند إليها في استنباط الاحكام في كتبهم بصورة خاصة مشروحة.

و كيف كان يمكن الاستدلال على هذه القاعدة بأمور.

1- الأخبار العامة و الخاصة

أولها و هي العمدة؛ الأخبار المستفيضة الواردة في أبواب مختلفة:

بعضها مختصة بالطهارة أو الصلاة، و بعضها عامة لا تقييد فيها بشي‏ء و قسم ثالث منها و ان كان واردا في مورد خاص و لكنه مشتمل على كبرى كلية يستفاد منها قاعدة كلية شاملة لسائر الأبواب.

فلا بد لنا أولا إيراد جميع ما ظفرنا به من الروايات ثمَّ البحث عن مقدار دلالتها و ما يحصل لنا من ضم بعضها ببعض و الجمع بينها و هي روايات:

1- ما رواه زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) رجل شك في الأذان و الإقامة و قد كبر

؟ قال يمضى قلت: رجل شك في التكبير و قد قرء؟ قال يمضى، قلت: شك في القراءة و قد ركع؟ قال: يمضى قلت شك في الركوع و قد سجد؟ قال: يمضى على صلوته ثمَّ قال: يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثمَّ دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء (رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث الأول-) و هذه الرواية بحسب ظاهرها شاملة للطهارة و الصلاة و غيرهما من العبادات بل تشمل جميع المركبات التي لها أثر شرعي في أبواب العبادات و المعاملات و غيرهما- كما سيأتي الكلام فيه‏

214

مستوفى إنشاء اللّه- لعموم لفظ «شي‏ء» لها.

و لكن ظاهرها بقرينة قوله «خرجت من.» اختصاصه بالشك في صحته بعد الفراغ عن أصل وجوده فان الخروج عن الشي‏ء- بحسب الظهور الاولى- هو الخروج عن نفسه لا عن محله.

كما ان ظاهره، بادي الأمر، هو اعتبار الدخول في الغير، الا ان يكون جاريا مجرى الغالب لأن الإنسان لا يخلو عن فعل ما غالبا، فكلما خرج من شي‏ء دخل في غيره عادتا فيكون قوله «و دخلت في غيره» من باب التأكيد للخروج من الفعل الأول، فليكن هذا على ذكر منك و سيأتي توضيحه في الأمر الرابع إنشاء اللّه.

2- ما رواه إسماعيل بن جابر عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان شك في الركوع بعد ما سجد

فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه.

(رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع من كتاب التهذيب و هو الحديث الرابع من ذاك الباب).

و صدرها و ان كان مختصا بباب اجزاء الصلاة الا ان ذيلها قضية عامة كالرواية الاولى و ظهورها بادي الأمر في اعتبار الدخول في الغير مثلها.

3- ما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) انه قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه‏

كما هو (رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب الخلل) (1) و هي أيضا ظاهرة في عدم اعتبار الدخول في الغير الا ان يقال بأن إطلاقها منصرفة الى ما هو الغالب من تلازم مضى الشي‏ء للدخول في الآخر، على عكس ما قلناه في الرواية الاولى؛ و لكنها من حيث اختصاصها بالشك في الصحة دون أصل الوجود كالأولى و ان كان القول بالتعميم هنا أقرب لأن إطلاق مضى الشي‏ء على مضى وقته أو محله كثير، يقال مضت الصلاة اى فات وقته و محلّه و سيأتي‏

____________

(1) وسائل الشيعة المجلد 5 الصفحة 336.

215

البحث عنه مستوفى.

4- ما رواه ابن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره‏

فليس شكك بشي‏ء إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه (رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الوضوء من كتاب الطهارة).

و الضمير في قوله «غيره» يحتمل رجوعه إلى «شي‏ء من الوضوء» و هو الذي يسبق الى الذهن بادي الأمر و لكنه مخالف لما يأتي من عدم جريان القاعدة في اجزاء الطهارات الثلث؛ و يحتمل رجوعه الى «الوضوء» فينطبق على ما هو المشهور المعروف، المدعى عليه الإجماع، و لكن هذا الاحتمال لا يخلو عن مخالفة للظاهر كما عرفت.

و هل هي عامة للشك في الصحة و الوجود معا أو مختصة بأحدهما؟ ظاهر صدرها التعميم فان الشك في شي‏ء من الوضوء أعم من الشك في أصل وجوده أو صحته و لا تأبى ذيلها عن الحمل عليه أيضا.

و هل الرواية تعم جميع أبواب الفقه أو تختص بباب الوضوء؟ ظاهر قوله انما الشك إلخ العموم، و لكن تخصيصها بباب الوضوء ليس ببعيد فان قوله «انما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» يحتمل ان يكون ناظرا الى قوله «شي‏ء من الوضوء» فالمعنى (ح) ان الشك انما يعتبر «إذا كنت في شي‏ء من الوضوء لم تجزه» و لكن هذا الاحتمال لا يخلو عن مخالفة للظاهر لا سيما بملاحظة كون التعليل كقاعدة ارتكازية عقلائية كما سيأتي إنشاء اللّه.

و هل يستفاد منه اعتبار الدخول في الغير أولا؟ ظاهر صدرها- كما أفاده العلامة الأنصاري- هو الاعتبار، بينما يكون ذيلها ظاهرة في خلافه. هذا و لم لم يحمل إطلاق الذيل على ما هو الغالب من الدخول في الغير بعد الفراغ عن الشي‏ء، لم يبعد ترجيحه على الصدر بناء على ان ظهور التعليل يكون أقوى.

5- «ما رواه بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟

قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك. (رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الوضوء).

216

و هي و ان كان واردة في خصوص الشك في الوضوء الا ان قوله «هو حين يتوضأ إلخ» من قبيل ذكر العلة في مقام بيان المعلول، فذكر قوله «هو حين يتوضأ إلخ» بدل قوله» لا يعيد الوضوء».

و حيث ان التعليل بأمر عقلي شامل لغير مورد السؤال، يجوز عد الرواية في سلسلة الروايات العامة الدالة على القاعدة.

اللهم الا ان يقال انه ليس من قبيل العلة للحكم، بل من سنخ الحكمة له، ذكر استيناسا للحكم؛ لا يجوز التعدي عنه إلى سائر الموارد، و مثله كثير في مختلف أبواب الفقه فتأمل.

6- ما رواه محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: إذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أ ثلاثا صلى أم أربعا

و كان يقينه حين انصرف انه كان قد أتم؛ لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك (رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة- ج 5- ص 343).

و بيان دلالتها بعين التقريب الذي تقدم في سابقها الا ان الحكم و علته كليهما مذكور ان هنا.

و قد يتوهم ان التعبير بقوله: «و كان يقينه حين انصرف انه كان أتم» دليل على انها ناظرة إلى بيان قاعدة اليقين و الشك الساري و لكنه كما ترى، فان اليقين في تلك القاعدة لا يجب ان يكون في خصوص حال الانصراف كما ذكر في هذه الرواية، مضافا الى ان لسانها في الذيل «و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» من أقوى الشواهد على انها بصدد بيان قاعدة الفراغ و ظاهر في انها من سنخ الامارات، و قاعدة اليقين على القول بها ليست كذلك فتدبر.

ثمَّ لا يخفى ان عد الرواية من الروايات العامة الدالة على القاعدة مبنى على التعليل الضمني الارتكازي المستفاد من قوله: و كان حين انصرف إلخ و إلا هي مختصة بباب الشك في ركعات الصلاة بعد الفراغ، و لو قلنا بأنه لا يزيد على الاشعار بالعلة العامة سقطت عن الدلالة على المطلوب.

217

7- ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد اللّه عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام)

قال:

«إذا جاء يقين بعد حائل قضاه و مضى على اليقين و يقضى الحائل و الشك جميعا؛ فان شك في الظهر فيما بينه و بين ان يصلى العصر قضاها، و ان دخله الشك بعد ان يصلى العصر فقد مضت، الا ان يستقين؛ لان العصر حائل فيما بينه و بين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشك الا بيقين» (رواه في الوسائل في الباب 60 من أبواب المواقيت- ج 3 ص 205) و حاصل مفادها ان وجود «الحائل» الذي هو عبارة أخرى عن «الغير» الوارد في سائر الروايات يوجب عدم الاعتناء بالشك فيما تجاوز عنه فلو شك في فعل الظهر بعد الإتيان بالعصر لا يعتنى بشكه لتحقق الحائل و هو العصر و اما لو شك قبله فعليه إتيانها.

نعم لو علم بترك الظهر و لو بعد تحقق الحائل و هو العصر فعليه أدائها، لوضوح ان القاعدة تختص بصورة الشك، و اما قوله «و يقضى الحائل و الشك جميعا» فلا يخلو عن تشويش و اضطراب و لكن لا يمنع من الاستدلال بالذيل بعد وضوحها و ظهورها في المقصود.

و قد استدل بالرواية سيدنا الأستاذ في المستمسك على عدم وجوب الظهر على من صلى العصر ثمَّ شك في فعل الظهر ثمَّ صرح بأنه لم يجد عاجلا من تعرض لذلك؛ ثمَّ استدل لهذا الحكم بقاعدة التجاوز أيضا بناء على انه يثبت وجود المشكوك بلحاظ جميع آثاره‏ (1) هذا و لكن الرواية بنفسها من أدلة القاعدة كما رأيت و سيأتي له مزيد تحقيق أيضا؛ و على كل حال هو من الأدلة العامة الدالة على عدم الاعتناء بالشك بعد تحقق الحائل لأن الحكم المذكور في صدر الرواية كالعلة المذكورة في ذيلها حكم عام لا يختص بباب دون باب، و لكن ظاهرها اعتبار الدخول في الغير لو لم نقل بظهورها في اعتبار الفراغ عن الغير فتأمل.

هذا ما عثرنا عليه من الروايات العامة التي لا تختص بباب دون باب‏

و هناك روايات كثيرة خاصة وردت في أبواب مختلفة

____________

(1) مستمسك العروة- ج 5 ص 267.

218

مثل أبواب الوضوء و غسل الجنابة و الركوع و غيره من أفعال الصلاة بل و في أبواب الحج، و لا بأس بالإشارة الى بعض ما ورد في تلك الأبواب من الروايات الخاصة المؤيدة لما مر عليك من العمومات:

1- ما ورد في باب الوضوء مثل ما رواه محمد بن مسلم‏

قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كلما مضى من صلوتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك (رواه في الوسائل في الباب 42 من أبواب الوضوء) (1) و هذه الرواية- كما ترى- مختصة بباب الوضوء و الصلاة و لا تعم سائر الأبواب بلسانها

2- «ما ورد في أبواب الجنابة

مثل ما رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث فان قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة- الى ان قال فان دخله الشك و قد دخل في صلوته و لا شي‏ء عليه الحديث (رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب الجنابة) (2) و ظاهرها اعتبار الدخول في الغير فتأمل.

3- «ما ورد في باب الشك في الركوع‏

مثل ما رواه حماد بن عثمان قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أشك و انا ساجد فلا ادرى ركعت أم لا فقال قد ركعت؛ امضه» (رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع) (3)

4- ما رواه في ذاك الباب بعينه عن فضيل بن يسار

قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

استتم قائما فلا ادرى ركعت أم لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلوتك.

5- و ما رواه أيضا في ذاك الباب عن عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه‏

قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أهوى إلى السجود فلم يدر اركع أم لم يركع قال: قد ركع.

6- ما ورد في باب عدد الأشواط في الطواف من عدم الاعتناء بالشك‏

فيه بعد خروجه‏

____________

(1) المجلد الأول ص 331.

(2) المجلد الأول ص 524.

(3) المجلد الرابع س 936.

219

عن الطواف و فوت المحل مثل ما رواه محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أ ستة طاف أم سبعة، طواف فريضة، قال: فليعد طوافه، قيل: انه قد خرج وفاته ذلك، قال ليس عليه شي‏ء (رواه في الوسائل في أبواب الطواف) (1).

7- و ما رواه عن منصور بن حازم في ذاك الباب بعينه‏

قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أو سبعة قال فليعد طوافه، قلت ففاته، قال ما ارى عليه شيئا و الإعادة أحب الى و أفضل‏ (2) و استدل في الجواهر بها و بما أشبهها للحكم بعدم العبرة بالشك في عدد أشواط الطواف بعد الفراغ عنه؛ بعد استظهار عدم الخلاف في حكم المسئلة.

و من هنا تعرف أيضا ان الحكم بمقتضى قاعدة التجاوز و الفراغ لا يختص بأبواب الطهارة و الصلاة بل يجري في الحج و غيرها كما سيأتي البحث عنه مستوفى إنشاء اللّه و لم نعثر في غير هذا الباب من أبواب الحج ما يدل عليه، لعل المتتبع الخبير يعثر على غيره أيضا.

و هناك روايات أخرى خاصة في مختلف أبواب الصلاة و الطهارة تتحد مضامينها مع ما ذكرنا لم نتعرض لبيانها و انما اخترنا هذه الروايات السبع من بينها لما فيها من الشواهد و الإشارات و اضواء تشرق على المباحث الاتية، يهتدى بحقائقها تحتها كما ستعرف إنشاء اللّه.

و هذه الروايات و ان وردت في أبواب خاصة و ليس فيها ما يدل على عموم الحكم كالروايات السابقة و لكنها تكون مؤيدة لها و يشرف الباحث على القطع بعدم اختصاص القاعدة بباب دون باب، و جريانها في جميع العبادات بل و غيرها من المركبات الشرعية إذا شك في بعض اجزائها و شرائطها أو في أصل وجودها بعد مضى محلها.

و يمكن جعل هذه الاخبار و ما يضاهيها دليلا مستقلا بنفسه، فان استقراء احكام الشرع في أبواب الوضوء و الغسل، و الأذان و الإقامة و التكبير و القراءة و الركوع و السجود

____________

(1) الجلد التاسع من الوسائل ص 433.

(2) الجلد التاسع من الوسائل ص 435.

220

و الطواف- مع قطع النظر عن العمومات- يوجب الاطمئنان على عدم اختصاص الحكم بباب دون باب و جريان القاعدة في جميع الأبواب، و لا سيما بعد ملاحظة التعبيرات الواردة فيها مما يشعر أو يدل على عدم اتكاء الحكم على خصوصية المورد بل على عنوان الشك الفراغ و التجاوز و أمثالها فتأمل.

2- السيرة العقلائية

و يدل على المقصود أيضا استقرار سيرة العقلاء و أهل العرف- في الجملة- على البناء على صحة العمل بعد مضيه، و لعله في الحقيقة راجع الى عمومية أصالة الصحة لفعل النفس كما مر في المجلد الأول من كتابنا هذا عند ذكر «قاعدة الصحة» و انه لا فرق فيها بين فعل الغير و فعل النفس خلافا لما يستفاد من صريح كلمات بعضهم و ظاهر آخرين من تخصيصها بفعل الغير فقط، و لذا ذكروا في عناوين كلماتهم هناك «أصالة الصحة في فعل الغير».

و قد عرفت ان دقيق النظر يعطى عدم اختصاص بعض أدلتها به و شمولها لأصالة الصحة في فعل النفس أيضا.

و لذا قال فخر المحققين (قدس سره) الشريف) في «إيضاح القواعد» في مسئلة الشك في بعض أفعال الطهارة ان الأصل في فعل العاقل المكلف الذي يقصد براءة ذمته بفعل صحيح و هو يعلم الكمية و الكيفية الصحة (انتهى).

و هذا الكلام منه- كما ترى- إشارة إلى قاعدة عامة تجري في فعل الإنسان نفسه و غيره و هو مبنى على ظهور حال الفاعل الذي هو بصدد تفريغ ذمته بفعل صحيح مع علمه باجزاء الفعل و شرائطه، و هو في قاعدة عقلائية عامة في جميع الافعال و جميع الأبواب.

و لذا لو فرضنا واحدا منا كتب كتابا أو حاسب حسابا أو اقدام على تركيب معجون و هو عالم باجزائه و شرائطه ثمَّ مضت عليه أيام أو شهور فشك في صحة الكتاب أو المحاسبة أو تركيب المعجون من جهة احتمال الإخلال ببعض شرائطه و اجزائه غفلتا منه فهل تراه‏

221

يعتنى بهذا الشك و يكر النظر إليه مرة بعد مرة كلما شك في شي‏ء مما يعتبر فيها؟

مع ان احتمال الفساد من ناحية الغفلة موجود في غالب أفعال الإنسان كيف و قد صار الغفلة و النسيان كالطبيعة الثانية له، و للغفلات تعرض للاريب.

و كلما كان الفعل أدق و كان اجزائه و شرائطه أكثر كان هذا الاحتمال فيه أقوى، فإذا كتب كاتب كتابا ضخما كان احتمال الغلط فيه من ناحية الغفلة و الاشتباه فيه قويا جدا و لكن إذا كان الكاتب ذو بصيرة في فعله و نية صادقة في كتابته عازما على بذل مجهوده في تصحيح الكتاب لا يعتنى باحتمال الفساد فيه إذا فرغ منه و جاوز عنه الا ان يكون هناك قرائن و أمارات توجب الظن بوجود الخلل في بعض نواحيه.

و لا فرق في ذلك بين ان يكون الكاتب غيره أو نفسه فشك في عمل نفسه. نعم إذا كان هو مشتغلا بعمله فشك في شي‏ء منه في محله يكر النظر اليه حتى يكون على ثقة من صحته و أدائه كما هو حقه.

و لعمر الحق ان هذا أمر ظاهر لا سترة عليه لمن راجع أفعال العقلاء و ديدنهم في أمورهم المختلفة في الجملة؛ و ان كان باب المناقشة في جزئيات المسئلة و حدودها سعة و ضيقا واسعا و لكن أصل هذه القاعدة- على إجمالها- محفوظة عندهم.

و الظاهر ان الوجه في بنائهم هذا ان احتمال الغفلة حين الاشتغال بالعمل في حد ذاته أمر مرجوح لا يعتنى به. أضف اليه ان العاقل الشاعر الذاكر حين الفعل لا يأتي بما هو مخالف لأغراضه و اهدافه.

و هذا هو بعينه ما أشار إليه الإمام (عليه السلام)في عبارة وجيزة لطيفة في رواية «بكير بن أعين» الماضية (1) حيث قال: «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك».

فإنه كالصغرى لكبرى محذوفة تعرف من سياق الكلام و هي ان الذاكر لفعله لا يأتي بما هو مخالف لمقصود و غرضه و إذا انضمت هذه الكبرى الى صغرى مذكورة في كلامه (عليه السلام)

____________

(1) نقلناها تحت الرقم 5 في الروايات العامة.

222

و هو انه «حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» لان احتمال الغفلة أمر مرجوح بالنسبة إلى المشتغل بالعمل حينه، كان قضيتها صحة العمل و عدم الاعتناء بالشك، فالصغرى تسد احتمال الغفلة، و الكبرى تسد احتمال العمد في فعل ما هو مخل بغرضه.

و كذلك قوله في رواية محمد بن مسلم: «و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» (1) هذا كله مضافا الى ما في هذا الأصل من رفع الحرج عن الناس الذي هو الملاك في كثير من الطرق و الأصول العقلائية. و ببالي ان صاحب الجواهر (قدس سره)تمسك بقاعدة الحرج أيضا في مسئلة الشك في عدد أشواط الطواف التي مضى ذكرها آنفا، و كأنه (قدس سره)أيضا ناظر الى هذا المعنى، لان مسئلة الشك في عدد أشواط الطواف لا خصوصية لها من هذه الجهة.

و ان قال قائل: كيف يكون الذكر هو الأصل في حال الفاعل مع انا كثيرا ما نغفل عن تفاصيل أعمالنا و هل يوجد بين الناس من يكون حاضر القلب، ذاكرا لجميع أفعال صلوته و سائر عباداته دائما، اللهم إلا الأوحدي منهم. فالغفلة عن تفاصيل الفعل و اجزائه و شرائطه حين العمل لعلها الغالب، من غير فرق بين الصلاة و الصيام و الطهارات و الحج.

بل يظهر من غير واحد من الروايات الواردة في باب حضور القلب في الصلاة و أبواب الشكوك ان الأمر كان على هذا الحال عند كثير من أصحاب الأئمة و كانوا يشكون عندهم (عليه السلام) عن انصراف قلوبهم عن تفاصيل العمل (أو عن اللّه) في صلواتهم أو غيرها.

قلنا- هذه الغفلات ليست غفلة محضا بل هي مشوبة بنوع من الذكر الإجمالي و ذلك لان الإنسان إذا كان بصدد إتيان شي‏ء من المركبات الخارجية، و لم يعهد به من قبل، كمن يصلى لأول مرة، فلا مناص له من الذكر الكامل و العلم التفصيلي عند الإتيان بكل جزء

____________

(1) نقلناها تحت الرقم 6 في الروايات العامة

223

جزء منه، بحيث كلما غفل عنه وقف عن العمل لعدم اعتياده به.

و لكن بعد الإتيان به مرات عديدة- تتفاوت بتفاوت الاعمال و الأشخاص- يحصل له ملكة خاصة خاصة و نوع من الارتكاز الإجمالي بالنسبة إلى تفاصيل العمل و خصوصياته و اجزائه، و يقوم ذلك مقام الذكر الكامل و العلم بتفاصيله.

و حينئذ صورة العمل و خصوصياته و ان محت عن صفحة ذهنه، عند غلبة الغفلة، لكنها بعد مرتكزة في أعماق ذهنه و باطن شعوره، و لذا يأتي بها غالبا على وجه الصحة حينئذ و لا يقف عنه عند انصراف ذهنه و غلبة الغفلة كالمتردد الحائر، كيف لا، و الفعل فعل ارادى اختياري لا بد من استناده إلى إرادة ما قطعا.

و الحاصل ان الفاعل في هذه المقامات ليس ساهيا غافلا بالمرة؛ بل هو ذاكر بنوع من الذكر؛ سمه «الذكر الإجمالي» أو ما شئت.

بقي هنا أمران‏

. الأول- ان بناء العقلاء على هذه القاعدة في أمورهم لا يلازم القول باتحاد سعة دائرتها عند الشرع‏

مع ما هو عندهم، فلو دلت الإطلاقات السابقة على جريانها في موارد لم يثبت استقرار السيرة العقلائية عليها يبنى عليها، فكم من أصل أو قاعدة أو امارة ثبت في الشرع بنحو أوسع أو أضيق مما عند العرف و العقلاء، مع كون أصولها متخذة منهم.

الثاني- الظاهر ان بناء العقلاء على هذه القاعدة في أفعالهم انما هو في موارد لم يكن قرائن ظنية يعتنى بها على خلافها

؛ فلو كان الفاعل ممن يكثر عليه السهو، أو نحو ذلك من القرائن و الأمارات الظنية الغالبة، أشكل الركون إليها عند الشك في العمل و لو بعد الفراغ و التجاوز منه.

224

2- في أنها قاعدة واحدة أو قاعدتان‏

ذهب غير واحد من أعاظم المتأخرين و المعاصرين- و في مقدمهم العلامة الأنصاري (قدس سره) الشريف) على ما يستفاد من ظاهر كلماته في الرسالة- إلى أنها قاعدة واحدة عامة لموارد الفراغ عن العمل و التجاوز عن اجزائه، بينما ذهب آخرون كالمحقق الخراساني و الفقيه النابه الهمداني (قدس سرهما)في محكي تعاليقهما على الرسالة إلى أنهما قاعدتان مختلفتان واردتان على موضوعين مختلفين.

و اختار المحقق النائيني (قده) في بعض ما ذكره أخيرا في المسئلة مذهبا ثالثا و هو انه ليس هناك إلا قاعدة الفراغ الشاملة لجميع الأبواب، و موضوعها الاعمال المستقلة التامة، لا اجزاء عمل واحد، و لكنه أضاف الى ذلك ان الاخبار الواردة في خصوص الشك في اجزائه الصلاة تدل على ان الشارع المقدس نزل اجزاء الصلاة منزلة الاعمال المستقلة فاجرى فيها تلك القاعدة أيضا.

فبمقتضى حكومة هذه الاخبار على أدلة القاعدة حصل لقاعدة الفراغ فرد ادعائي تنزيلي قبال افرادها الحقيقية.

فإذن لا يبقى مجال للبحث عن تصوير الجامع بينهما، (فان المفروض كون دخول احد الفردين في الكبرى المجعولة في طول الفرد الأخر لا في عرضه)، لكي يبحث عن كيفية الجامع بينهما، فان ذلك انما هو في الافراد العرضية لا غير.

هذا و البحث عن هذه المسئلة تارة يقع في مقام الثبوت؛ و انه هل يوجد هناك ما بمفاده يكون جامعا بين حكم «الفراغ عن نفس العمل» و «التجاوز عن اجزائه» أو لا يوجد هناك جامع أصلا؟

و اخرى في مقام الإثبات و ان مفاد اخبار الباب و أدلة القاعدة هل هو جعل قاعدة

225

واحدة تشمل بعمومها للشك في اجزاء العمل في أثنائه و للشك في صحته بعد الفراغ عنه؛ (بعد إحراز إمكانهما من جهة مقام الثبوت).

و بعد ذلك كله نتكلم فيما افاده المحقق النائيني (قدس سره)و ما اختاره من المذهب الثالث‏

اما المقام الأول [مقام الثبوت‏]

فحاصل الكلام فيه انه قد يتوهم عدم إمكان الجمع بين القاعدتين في لسان واحد و جعل واحد ثبوتا.

و استدل عليه بأمور ذكرها المحقق النائيني (قده) في كلماته في المقام و ان لم يرتض بها نفسه و أجاب عنها بما سيأتي نقله و نقده.

أولها- ان لازمه الجمع بين اللحاظين في متعلق الشك فان متعلقه في قاعدة التجاوز هو أصل وجود العمل بمفاد كان التامة، بينما يكون في قاعدة الفراغ صحته بمفاد كان الناقصة، و الجمع بين هذين اللحاظين في إنشاء واحد و خطاب واحد محال.

و يمكن الجواب عنه أولا بأن استحالة الجمع بين اللحاظين في إنشاء واحد، و كلام واحد، و كذا استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و ان دارت في السن المتأخرين و اشتهرت بينهم، و بنوا عليه ما بنوا من مسائل مختلفة في طيات كتب الأصول الحديثة، من المشهورات التي لا أصل لها، و ما بنوا عليها من المسائل الأصولية و غيرها- و ما أكثره و أوفره- كلها مخدوشة ممنوعة.

و ذلك لما حققناه في محله من وقوع ذلك فضلا عن إمكانه.

و حاصله أر اللحاظ في هذه الموارد لا يجب ان يكون تفصيليا و في آن واحد حقيقي، مقارنا لآن صدور الكلام و الإنشاء، بل يجوز تصور هذه الأمور المختلفة تفصيلا من قبل و لو آنا ما، ثمَّ أشار إليها إجمالا عند الاستعمال و في آن الإنشاء، و هذا أمر ممكن جدا بل واقع كثيرا، و هذه الإشارة الإجمالية كافية في مقام الإنشاء و استعمال اللفظ.

و الوجدان أقوى شاهد على ذلك فهل ترى من نفسك إشكالا أو حزازة و استحالة

226

في قول القائل عند إنشاء هاتين القاعدتين: «إذا جاوزت عن محل شي‏ء فشكك فيه ليس بشي‏ء سواء كان في أصل وجوده أم في صحته و سواء كان في اجزاء عمل واحد أم في أمور مستقلة.

و هل ترى فرقا بين ان يضيف الى كلامه قوله «سواء إلخ» و بين ان يضمر ذلك في نفسه من غير تصريح به في الكلام؟ أو ليس قوله «سواء إلخ» توضيحا للإطلاق المراد من كلامه السابق، و هل هو إنشاء جديد مذكور في ذيل الكلام غير ما هو مذكور في صدره؟ كلا و هذا أمر وجداني لا يرفع اليد عنه ببعض السفسطات الباطلة، كيف و قد عرفت ان اللحاظ الإجمالي حين الإنشاء، أو استعمال اللفظ؛ كاف قطعا و لا حاجة الى اللحاظ التفصيلي كي يقع الكلام في عدم إمكان المتعدد منه في استعمال واحد.

هذا مضافا الى ان آن استعمال اللفظ ليس آنا حقيقيا عقليا، و ليس استعمال اللفظ في المعنى من قبيل فناء العنوان في المعنون و المرآت في المرئي كما توهم «فان هذه كلها استحسانات زائفة لا قيمة لها عند أبناء المحاورة إذا رجعنا إليهم، و كثير منها من قبيل خلط الحقائق بالاعتباريات، و الأمور العقلية بالأمور العرفية، و توضيح ذلك أكثر مما ذكر موكول الى محله‏

المرتمى في الدجى و المبتلى بعمي‏-- و المشتكى ظمأ و المبتغى دينا

يأتون سدته من كل ناحية-- و يستفيدون من نعمائه عينا

(1).

____________

(1)- كما ان استعمال اللفظ الواحد في معان متعددة، بلا ملاحظة جامع بينها، أمر شائع في ألسنة أبناء المحاورة من أهل الأدب و الشعر، و غيرهم، و من الطف ما ذكر في المقام ما أفاده العلامة الخبير و الأديب الماهر الشيخ محمد رضا الأصفهاني (قده) في كتابه المسمى به «الوقاية» ناقلا له من بعض الأدباء في وصف نبينا الأعظم (سلام اللّه عليه):

المرتمى في الدجى و المبتلى بعمي‏-- و المشتكى ظمأ و المبتغى دينا

يأتون سدته من كل ناحية-- و يستفيدون من نعمائه عينا

يمدح هذا الشاعر، النبي الأعظم (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) بان كل ذي حاجة يأتي بابه و يستفيد من نعمائه:

فمنهم من وقع في ظلماء يبتغى شمسا مضيئة و نورا يهتدى به، و منهم من ابتلى بالعمى يطلب عينا يدله على الطريق: و منهم من يشتكي من الظلماء يروم عينا صافية يرتوي بها و يبرد كبده الحرى، و منهم- مديون يطلب بدينه يبتغى عين الذهب كل أولئك يأتون بابه و كل واحد منهم يستفيد منه بما يسد به خلته و برفع حاجته.

و من الواضح ان لفظة «العين» في المصراع الأخير استعمل في أربع معان:

العين بمعنى الشمس، و الباصرة، و النابعة، و بمعنى الذهب، كل واحد لو احد من الطوائف الأربع،.

و لا يخفى على العارف بأساليب الكلام و لطائفها و من له نصيب من قريحة الشعر و ذوق الأدب، أن لطف هذا الشعر انما هو باستعمال لفظ العين في معان اربع كل واحد مستقل عن الأخر. و إرجاع جميع هذه المعاني إلى معنى جامع قريب أو بعيد مع انه يذهب بلطف الشعر و طراوته، مخالف للوجدان لعدم انسباقه الى الذهن عند إطلاقه، و لو كان كذلك لا نسبق اليه بلا تأمل.

كما ان تأويله إلى المسمى به «العين» يأباه الطبع السليم و القريحة الوقادة و لا ينسبق الى الذهن أيضا من اللفظ بالوجدان. و قد أوضحنا جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى بدفع جميع ما ذكروا فيه من الاشكال فيما كبناه في «الأصول اللفظية»

227

و ثانيا- ان وصف الصحة- على ما هو التحقيق- ليست من الأوصاف الحقيقية العارضة للعمل حقيقة، مثل عروض العلم و البياض للإنسان و الثلج، بل هو أمر انتزاعي ينتزع من وجود الشي‏ء جامعا لجميع اجزائه و شرائطه، ففقدانها انما هو بفقدان جزء من اجزائه أو شرط من شروطه، و من المعلوم ان الجعل لا يتعلق بها الا باعتبار منشأ انتزاعها.

فالشك في الصحة يرجع لا محالة إلى الشك في وجود جزء أو شرط بمفاد كان التامة، فإذن لا يبقى فرق بين متعلق الشك في مورد قاعدة الفراغ؛ و التجاوز، فان متعلقه في كل منهما هو الوجود بمفاد كان التامة فتدبر.

و ثالثا- انه لا يلزم الجمع بين الحاظين لإمكان إرجاع قاعدة الفراغ الى ما هو مفاد كان التامة؛ بأن يجعل متعلق الشك نفس صحة العمل، لا اتصاف العمل بالصحة، و الفرق بينهما ظاهر، لرجوع الأول إلى مفاد كان التامة و الثانية إلى مفاد كان الناقصة.

ذكر هذا الوجه الأخير المحقق النائيني (قده) و ارتضى به في آخر كلامه بعد ما أورد عليه في أوله بوجهين‏

228

أحدهما- انه مخالف لظاهر اخبار الباب؛ لظهورها في الحكم باتصاف العمل الموجود بالصحة، لا بنفس الصحة بعنوان كان التامة، فإرجاع التعبد فيها الى التعبد بوجود صحة العمل ربما يشبه بالأكل من القفا.

ثانيهما- انه لو تمَّ فإنما يتم في باب الأحكام التكليفية، التي لا يعتبر فيها الإحراز وجود الصحيح خارجا؛ و لكن لا يتم في باب الأحكام الوضعية، لأن الأثر يترتب على اتصاف العقد الموجود بالصحة و لا يترتب على مجرد وجود الصحيح في الخارج؛ فان من الواضح ان مجرد التعبد بهذا لا يترتب عليه أي اثر خارجي، بل الآثار انما تترتب على هذا الفرد الموجود إذا اتصف بالصحة.

هذا ما افاده المحقق المذكور في هذا المقام و لكن في كلا الوجهين نظر:

اما الأول فلأنه خروج عن محل البحث لما عرفت من ان الكلام هنا في مقام الثبوت، و ما ذكره من مخالفته لظاهر الروايات راجع الى مقام الإثبات، و الاستظهار من الأدلة؛ و سيأتي الكلام فيه (فتأمل).

و اما الثاني فلان الأثر في المعاملات يترتب على ما هو مفاد كان التامة أيضا و لكن مع حفظ المورد و الموضوع؛ مثلا إذا شككنا في تحقق عقد صحيح مستجمع لشرائطه على امرأة خاصة بمهر معين إلى أجل معلوم، و كان الشك في أصل وجود هذا العقد الخاص بعنوان كان التامة، ثمَّ ثبت حكم الشارع بوجوده كذلك، رتبنا عليه الأثر، و كان لتلك المرأة جميع ما للزوجة من الآثار الشرعية.

و كأنه (قدس سره)توهم ان وجود العقد بمفاد كان التامة دائما يلازم إبهامه و إجماله.

و عدم تشخيص مورده حتى يترتب عليه الأثر، مع ان إبهام متعلق العقد أو تعينه و تشخصه لا ربط له بكون الشك في وجوده بمفاد كان التامة أو غيرها؛ فان متعلق الشك قد يكون وجود عقد خاص معين من جميع الجهات مع كونه من قبيل مفاد كان التامة (تأمل فإنه لا يخلو عن دقة).

229

«ثانيها» ان المركب حيث انه مؤلف من اجزاء؛ فلا محالة يكون لحاظ كل جزء بنفسه سابقا في الرتبة على لحاظ الكل، إذ في رتبة لحاظ المركب و الكل يكون الجزء مندكا فيه، مثلا لحاظ كل حرف بنفسه مقدم على لحاظ الكلمة المؤلفة منها، كما ان لحاظ الكلمة في نفسها مقدم غلى لحاظ الآية، و هكذا بالنسبة إلى السورة و الصلاة جميعا.

و (ح) كيف يمكن ان يراد من لفظ «الشي‏ء» في قوله «كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه إلخ» الكل و الجزء معا و بلحاظ واحد، مع انهما مختلفان في مرتبة اللحاظ؟! و الجواب عنه:

أولا- ما مر من إمكان الجمع بين اللحاظين في كلام واحد، فان هذا الوجه أيضا يرجع في الحقيقة إلى استحالة الجمع بين اللحاظ الاستقلالي للجزء- و هو لحاظه بنفسه- و لحاظه مندكا في الكل- و هو لحاظه التبعي- في مرتبة واحدة.

و ثانيا- ان ما ذكر انما يلزم إذا لوحظ الكل و الجزء تفصيلا و بهذين العنوانين، و لكن لحاظهما بعنوان إجمالي شامل لهما، كعنوان «العمل» (لا بشرط) فلا مانع منه أصلا فقوله «كل شي‏ء إلخ» في معنى قوله «كل عمل إلخ» فكما يندرج «مجموع العمل» تحت هذا العنوان، يندرج «جزئه» أيضا فيه على نحو إجمالي، و الحاصل ان الاشكال انما هو في فرض ملاحظة هذين العنوانين بنفسهما، لا إذا لو خطا بعنوان عام شامل لهما.

و العجب انه (قدس سره)مثل له باجزاء الكلمة و كلمات الآية، و آيات السورة؛ مع ان كثيرا من الاعلام صرحوا بشمول قاعدة التجاوز بنفسها للاجزاء و اجزاء الأجزاء فإذا شك في قراءة السورة بعد مضى محلها جرت فيها القاعدة، كما انه إذا شك في قراءة آية منها بعد مضى محلها جرت فيها أيضا؛ فالسورة بنفسها مشمولة لها، كما ان آية من آياتها أيضا مشمولة، فراجع «العروة» و تعليقات الاعلام عليها في مسئلة الشك بعد المحل في اجزاء الصلاة.

230

فلو كان لحاظ الكل و اجزائه في خطاب واحد مستحيلا جرى ذلك في الجزء و و اجزاء الجزء.

و مما ذكرنا تعرف عدم الحاجة في حل الإشكال إلى تكلف القول بأن الأدلة الواردة في المسئلة متكفلة لحكم قاعدة الفراغ عن العمل فقط، فالمجعول أولا و بالذات هو هذه القاعدة، الا أن الأدلة الخاصة الواردة في باب إجزاء الصلاة تنزل اجزائها منزلة الكل، فحصل للقاعدة فردان: فرد حقيقي، و فرد تنزيلي، بعد حكومة أدلة قاعدة التجاوز (اى الروايات الواردة في باب الشك في اجزاء الصلاة) على أدلتها، فإذن لا يلزم الجمع بين اللحاظين في إطلاق واحد أصلا.

ذكر ذلك المحقق النائيني في أواخر كلامه في المسئلة و جعله طريقا لحل هذه العقدة، و الاشكال الاتى في الوجه الثالث من لزوم التدافع بين القاعدتين، و بنى عليه ما بنى.

و لكن فيه من التكلف و التعسف ما لا يخفى، و سيأتي توضيحه بنحو أو في ان شاء اللّه تعالى.

«ثالثها» لزوم التدافع بين القاعدتين في موارد التجاوز عن محل الجزء المشكوك، فإنه باعتبار لحاظ الجزء بنفسه، كما هو مورد قاعدة التجاوز يصدق انه تجاوز عن محله، فلا يعتنى بالشك فيه، و باعتبار لحاظ الكل يصدق انه لم يتجاوزه، فيجب الاعتناء به و تدار كه، و هذا هو التدافع بينهما.

و الجواب عنه ان هذا التدافع ساقط جدا لأنه:

أولا- لا تدافع بين نفس القاعدتين، و انما يكون التدافع- على فرض وجوده- بين أصل قاعدة التجاوز و عكس قاعدة الفراغ، و هذا انما يلزم لو كان عكسها كنفسها مجعولة.

و اما لو كان المجعول أصلها فقط و كان لزوم التدارك عند عدم الفراغ من باب قاعدة الاشتغال- كما هو الظاهر- فلا تدافع بينهما أصلا. فإن مخالفتهما من قبيل مخالفة ما فيه‏

231

الاقتضاء و ما لا اقتضاء فيه و من الواضح عدم المنافاة بينهما.

فلزوم تدارك الجزء المشكوك قبل الفراغ من باب عدم وجود ما يعذر به العبد و ما يقتضي براءته، فاذا اقتضى قاعدة التجاوز عدم وجوب التدارك عليه كان عذرا له في تركه و مبرئا للذمة.

و الحاصل ان التدافع بينهما ثابت لو كان «عكس» قاعدة الفراغ كأصلها مجعولة و كان كل واحد منهما من قبيل ما فيه الاقتضاء، فهذا يقتضي التدارك قبل الفراغ عن الكل بينما تكون قاعدة التجاوز مقتضية لعدم وجوبه عند التجاوز عن الجزء، (فح) يلزم التدافع بينهما، الا ان يخصص عكس القاعدة بموارد لا تجرى فيها قاعدة التجاوز، كالشرائط التي تعتبر في مجموع الصلاة، بناء على عدم جريان قاعدة التجاوز فيها بالنسبة الى الاجزاء السابقة.

هذا و لكن قد عرفت ان المجعول هو نفس القاعدة لا عكسها و ان التدارك قبل الفراغ انما هو بمقتضى قاعدة الاشتغال و التكليف الأصلي.

و من هنا تعرف وجه النظر فيما افاده من الاشكال و الجواب في المقام بقوله: «ان قلت» و «قلت» فراجع كلامه.

«رابعها» ان المعتبر في قاعدة التجاوز هو التجاوز عن «محل المشكوك» و المعتبر في قاعدة الفراغ هو التجاوز عن «نفس العمل»، فكيف يمكن ارادة التجاوز عن محل الشي‏ء و عن نفسه معا من لفظ واحد؟

و الجواب عن هذا الاشكال يظهر مما ذكرناه و أوضحناه في الوجوه السابقة و لاسيما الوجه الأول، و نزيدك هنا ان الاختلاف بينهما ليس اختلافا في مفادهما و ما يراد من لفظ «التجاوز» و متعلقه و انما هو في المصاديق لا غير.

ففي موارد إحراز نفس العمل مع الشك في صحته من جهة الشك في الإخلال ببعض‏

232

ما يعتبر فيه، يتحقق المضي عنه بالتجاوز عن نفسه، و في موارد الشك في نفس الاجزاء يكون المضي عنه بالتجاوز عن محله؛ فالملاك هو صدق التجاوز عن الشي‏ء و المضي عنه و هو مفهوم واحد و ان كان ما يتحقق به مختلفة.

هذا و لكن الإنصاف ان صدق التجاوز عن الشي‏ء بالتجاوز عن محله يحتاج الى نوع من المسامحة لأن التجاوز عن الشي‏ء ظاهر في التجاوز عن نفسه لا عن محله و لكن هذا المقدار لا يوجب إشكالا في اندراج القاعدتين تحت عموم واحد، غاية الأمر يكون للتجاوز فردان: فرد حقيقي و هو التجاوز عن نفس العمل، و فرد ادعائي و هو التجاوز عن محله و لا يذهب عليك ان هذا ليس من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و لو قلنا بامتناعه كما لا يخفى، كما ان هذا غير ما افاده المحقق المذكور من إرجاع إحدى القاعدتين إلى الأخرى.

هذا كله بحسب مقام الثبوت فتحصل منه انه لا مانع من اتحاد القاعدتين و إنشائهما بلفظ واحد، كما انه لا مانع من إنشائهما بانشائين مختلفين، لو كان هناك داع اليه، و قد عرفت ان جميع ما ذكروه من الموانع و الإشكالات وجوه فاسدة لا يمكن الركون إليها، و انه لا يلزم اىّ محذور عقلي من هذه الناحية.

و اما [المقام الثاني‏] بحسب مقام الإثبات‏

و ظهور أدلة المسئلة، فالمستفاد من بناء العقلاء الذي قد عرفت ثبوته في المسئلة و قد أشير إليه في روايات الباب الواردة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)أيضا بقولهم: «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» و قولهم «كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» هو اتحادهما و عدم الفرق بينهما لاتحاد الملاك في الموردين و ان اختلفت مصاديقهما من بعض الجهات.

فما دام الإنسان مشتغلا بعمل يكون خبيرا بحاله، مقبلا إلى شأنه، عالما بكيفياته (و لو

233

بالعلم الإجمالي الارتكازي الذي عرفته آنفا) فيكون اذكر و أبصر منه حين يشك (عند مضيه و انصرام اجله و انمحاء تفاصيله عن ذهنه). بلا تفاوت في ذلك بين الكل و الجزء و بين الفراغ عن نفس الشي‏ء أو التجاوز عن محله.

اما الأدلة النقلية التي هي العمدة في المسئلة فالإنصاف انه لا يستفاد منها- على اختلاف ألسنتها و تعابيرها شيئان مختلفان، بل الناظر فيها، إذا كان خالي النظر، غير مشوب الذهن بما دار بين الاعلام من النقض و الإبرام في اتحاد القاعدتين و اختلافهما، لا يتبادر الى ذهنه إلا قاعدة واحدة عامة تجري في اجزاء العمل و كلها بعد مضيها و انصرامها.

و لا ينافي ذلك كونها مقيدة ببعض القيود في بعض مصاديقها؛ كاعتبار الدخول في الغير بالنسبة إلى جريانها في الاجزاء (لو قلنا به) كما سيأتي ان شاء اللّه.

و يؤيد هذا المعنى تقارب التعبيرات؛ لو لم نقل باتحادها، في اخبار الباب الواردة في موارد الفراغ عن نفس العمل، و التجاوز عن الاجزاء؛ من التعبير بالمضي (كما في روايتي إسماعيل و محمد بن مسلم) و ان الشك ليس بشي‏ء (كما في روايتي زرارة و ابن ابى يعفور).

حتى ان التعبير ب «التجاوز» أو «الدخول في الغير» لا يختص بموارد قاعدة التجاوز (على ما اختاره القائلون بالتعدد) بل ورد ذلك بعينه في الأحاديث الواردة في مورد قاعدة الفراغ أيضا فرواية ابن ابى يعفور المروية عن الصادق (عليه السلام) «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غبرة فليس شكك بشي‏ء إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» بناء على رجوع الضمير في قوله «قد دخلت في غيره» الى الوضوء، واردة في باب قاعدة الفراغ مع ذكر اعتبار الدخول في الغير فيها و ما وقع فيها من التعبير بالتجاوز.

و في غير هذه الرواية أيضا شواهد على المقصود فراجع و تدبر.

فتحصل من ذلك كله ان الحق هو اتحاد القاعدتين وفاقا لما يظهر من شيخنا العلامة

234

الأنصاري و غيره (رضوان اللّه عليهم)).

بقي هنا شي‏ء

و هو انه ما ثمرة هذا النزاع و اى فرق بحسب النتيجة بين القول باتحاد القاعدتين و تعددهما؟

و سيظهر لك ذلك في البحوث الآتية لا سيما البحث عن اعتبار الدخول في الغير، و جريان قاعدة التجاوز في الأعمال المستقلة، و نحوهما.

235

3- في انها من الامارات أو من الأصول العملية؟

قد وقع الخلاف في ان قاعدة التجاوز و الفراغ- سواء قلنا باتحادهما كما هو التحقيق أو تعددهما كما عليه شرذمة من المتأخرين و المعاصرين- هل هي من الأصول العملية أو مندرجة في سلك الامارات؟.

و أنت إذا أحطت خبرا بما أسلفناه في بيان مدرك القاعدة لا تشك في اندراجها في سلك الأمارات الظنية، لما عرفت من ان الحق ثبوتها عند العقلاء و أهل العرف قبل ثبوتها في الشرع، و ان ملاكها عندهم هو غلبة الذكر على الفاعل حين العمل (بما عرفت توضيحه).

فهي مبتنية عندهم على «أصالة عدم الغفلة حين العمل» منضمة الى عدم احتمال ارتكاب الفاعل العالم بالاجزاء و شرائط العمل ما هو خلاف مراده و مرامه.

و قد عرفت أيضا ان الشارع المقدس أمضاها بهذا الملاك عينا، و الشاهد له روايتا «بكير بن أعين» و «محمد بن مسلم» (1) ففي الأولى علل الحكم بقوله: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك، و في الثانية بقوله، و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك، (و الانصراف في الصلاة آخر أزمنة الاشتغال بالفعل).

فمع ذلك لا يبقى مجال للتشكيك في حجية القاعدة على نحو سائر الأمارات المعتبرة عقلا و شرعا.

هذا و من أوضح القرائن عليه انه ورد في غير مورد من الروايات الخاصة إشارات لطيفة الى هذا المعنى لا يبقى معها شك في المسئلة، و إليك بيانها:

____________

(1) ذكرناهما تحت الرقم 5 و 6 سابقا عند ذكر روايات القاعدة.

236

ففي رواية عبد الرحمن عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) الواردة فيمن أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: قد ركع‏ (1) و في رواية أخرى عن فضيل بن يسار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) أيضا بعد سؤاله بقوله: استتم قائما فلا ادرى أ ركعت أم لا؟ قال (عليه السلام): بلى قد ركعت‏ (2).

و في رواية ثالثة عن حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) أيضا بعد سؤاله بقوله: أشك و انا ساجد فلا ادرى أ ركعت أم لا؟ فقال: قد ركعت امضه‏ (3) هذا ما ظفرنا به من الروايات الخاصة المشتملة على التصريح بوقوع الفعل المشكوك و وجوده بقوله: «قد ركع» أو: «بلى قد ركعت» أو: «قد ركعت امضه» و قد نقلناها سابقا تحت الرقم 3 و 4 و 5 من الروايات الخاصة الدالة على القاعدة.

و هي شاهدة على كشف القاعدة عن الواقع و ان اعتبارها انما هو من جهة كشفها عن ذلك، لا انها مجرد حكم لرفع الحيرة و الشك عند العمل من دون ان تكون ناظرة إلى الواقع و إحرازه، كما هو شأن الأصول العملية.

نسبتها مع سائر الأصول- و من هنا لا يبقى مجال للشك في تقديمها على الاستصحاب و سائر الأصول العملية الواردة في مواردها، لتقدم الامارات عليها جميعا.

و اما لو قلنا بأنها مندرجة في سلك الأصول العملية أشكل تقديمها على غيرها كالاستصحاب و شبهه.

نعم ذكر شيخنا العلامة الأنصاري في صدر كلامه في المسئلة ان هذه القاعدة مقدمة على خصوص الاستصحاب (و شبهه) و ان كانت من الأصول العملية، لورودها في مورده و لكونها أخص منه مطلقا؛ فإنه ما من مورد يجرى فيه القاعدة الا و هناك استصحاب يقتضي الفساد (انتهى ملخص كلامه).

و هذا الكلام و ان ارتضاه غير واحد ممن تأخر عنه و ركنوا إليه في وجه تقديم القاعدة

____________

(1)- رواها في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع‏

(2)- رواها في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع‏

(3)- رواها في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع‏

237

على الاستصحاب (على القول بأنها منسلكة في سلك الأصول العملية) الا انه لا يخلو عن نقد و اشكال.

و ذلك لان موارد جريان القاعدة لا تنحصر بموارد يجرى فيها استصحاب الفساد بل هي على أنحاء ثلثة:

قسم يجرى فيه استصحاب الفساد، و قسم يجرى فيه استصحاب الصحة، و قسم لا يجرى فيها استصحاب أصلا، لا ذا و لا ذاك.

اما الأول فامثلته كثيرة، و اما الثاني فهو كالشك في صحة الصلاة بعد الفراغ عنها من جهة الشك في الطهارة أو الستر أو غيرهما من الشرائط مع القطع بسبق وجودها قبل الصلاة و عدم العلم بحصول خلافها.

و الثالث كالشك في الصحة من ناحية هذه الشرائط مع عدم العلم بالحالة السابقة من جهة تعاقب حالتين مختلفتين لا يدرى أيتهما كانت مقدمة على الأخرى.

و الموارد التي تكون من القسم الثاني و الثالث ليست نادرة لا يعتنى بها حتى يكون حمل العمومات أو الإطلاقات عليها من قبيل الحمل على الفرد النادر، و تخصيصها بها من التخصيص المستهجن، بل هي كثيرة جدا و لا سيما القسم الثاني.

اللهم الا ان يقال: انه لا شك في ندرة القسم الثالث كما انه لا شك في لغوية جعل القاعدة لخصوص الموارد التي تكون من القسم الثاني؛ لكفاية الاستصحاب الجاري فيها و في غيرها، الموافق للقاعدة بحسب النتيجة.

فإذن لا يمكن حصر موارد القاعدة فيها؛ بل لا بد من جريانها في موارد القسم الأول أيضا و هي موارد استصحاب الفساد.

و أحسن من جميع ذلك ان يقال: ان الروايات الخاصة الواردة في بعض مصاديق القاعدة (التي مرت عليك عند بيان مدركها) بل و بعض العمومات الواردة في مورد الشك في الركوع و السجود و مثلهما دليل قاطع على تقديم القاعدة على أصالة الفساد و استصحاب‏

238

العدم، لوضوح ان هذه الموارد من موارد استصحاب العدم.

فمثل قوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل بن جابر عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه، و هكذا مصححة زرارة و موثقة ابن ابى يعفور و غير هما دليل واضح على جريانها في موارد أصالة الفساد فتدبر جيدا.

بقي هنا شي‏ء

- و هو ان القاعدة بامارية القاعدة- كما هو المختار- لا يوجب الحكم بثبوت جميع لوازمها و ملازماتها، كما دار في السنة كثير من المتأخرين و المعاصرين في باب الامارات و انه تثبت بها جميع ذلك.

مثلا إذا شك بعد الفراغ عن الظهر في صحتها من جهة الشك في الطهارة، فلا إشكال في الحكم بصحتها و صحة ما يترتب على فعلها من صلاة العصر؛ و اما الحكم بتحقق الطهارة حتى لا يجب تحصيلها للصلوات الاتية فلا، بل يجب عليه تحصيلها لصلاة العصر و غيرها؛ فان مورد جريان القاعدة هو نفس صلاة الظهر و هي تدل على صحتها؛ كأنها أمر معلوم بالوجدان من هذه الجهة (أي من حيث اشتمالها على الطهارة المعتبرة فيها) و اما تحقق نفس الطهارة مع قطع النظر عن هذه الحيثية فلا (تأمل فإنه لا يخلو عن دقة).

نعم لو اجرى القاعدة في نفس الطهارة بأن شك في صحتها بعد إحراز أصل وجودها، كانت كأنّها حصلت بالوجدان؛ فلا يجب تحصيلها للصلوات الاتية.

و السر في جميع ذلك ما ذكرناه في محله من ان كون شي‏ء أمارة لا يلازم إثبات جميع «ملازماته» و ما يقال من إثباتها جميع اللوازم و الملازمات و لو بألف واسطة حديث ظاهري خال عن التحقيق، و لو بنى عليه لزم فقه جديد كما لا يخفى على الخبير؛ بل انما يترتب عليها من الاثار الواقعية و لوازمها في موردها بمقدار ما ينصرف إليه إطلاق أدلتها، و يختلف ذلك باختلاف المقامات.

239

مثلا لا شك في كون البينة من أوضح الامارات و أتمها دليلا و سعة، و لكن هل يمكن الأخذ بجميع لوازمها و ملازماتها و القول بحجية مثبتاتها كيف كانت؟ مثلا إذا شهد شاهدان أو أكثر بأن زيدا كان جالسا في مكان فلاني، ثمَّ جاء رجل و رمى الى جانبه سهما لو كان جالسا في مكانه اصابه و قتله، فهل ترى بمجرد شهادة الشهود اجراء حكم القتل (عمدا أو خطئا) في حقه و لو لم يحصل القطع بوقوع القتل من الأمارة المذكورة، استنادا الى ان ذلك من آثارها الشرعية و لو بوسائط؟

أو انه إذا قامت البينة بأن هذا اليوم أول يوم من شوال و يوم فطر و علمنا ان زيدا يجي‏ء من سفره ذاك اليوم بعينه فهل يمكن ترتيب آثار مجي‏ء زيد بمجرد هذه الشهادة؟

(فتدبر فإنه حقيق به).

240

4- في اعتبار الدخول في الغير و عدمه‏

اختلفوا في اعتبار الدخول في الغير و عدمه في جريان القاعدة على أقوال:

الأول- ما يستفاد من كلمات شيخنا العلامة (قدس سره)في هذا المقام من اعتباره في جميع الموارد

و لكن هذا «الغير» لا يجب ان يكون دائما فعلا وجوديا بل يجوز ان يكون حالة عدمية أحيانا، مثلا بالنسبة إلى مجموع الصلاة هو الحالة الحاصلة بعدها و لو لم يدخل في فعل وجودي بعد، و إليك نص عبارته:

«الأقوى اعتبار الدخول في الغير و عدم كفاية مجرد الفراغ، الا انه قد يكون الفراغ عن الشي‏ء ملازما للدخول في غيره، كما لو فرغ عن الصلاة و الوضوء، فان حالة عدم الاشتغال بهما بعد مغايرة لحالهما و ان لم يشتغل بفعل وجودي، فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما».

الثاني- اعتبار الدخول في فعل وجودي بعد العمل‏

، يظهر ذلك من كلمات المحقق الخراساني (قده) في تعليقاته على «الرسائل» حيث انه بعد ما صرح باعتبار الدخول في الغير في مورد قاعدة التجاوز عند الشك في اجزاء فعل واحد، قال:

و اما قاعدة الفراغ فالظاهر منها أيضا اعتبار الدخول في الغير لظهور قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة في الوضوء: «و قد صرت الى حال آخر» و صدر موثقة ابن ابى يعفور:

«إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره» انتهى.

و كلامه هذا مبنى على إرجاع ضمير «غيره» في الحديث الى الوضوء، الى دخلت في غير الوضوء من الأفعال الوجودية (لا في غير ذاك الجزء) و استدلاله بهاتين الروايتين دليل على عدم اكتفائه في ذلك بمجرد الفراغ عن العمل و عدم كفاية مجرد صدق عنوان‏

241

«المضي» أو «التجاوز» الواردتين في بعض احاديث الباب، عنده.

الثالث- التفصيل بين موارد جريان قاعدة التجاوز و الفراغ و القول باعتبار الدخول في الجزء المستقل‏

المترتب عليه شرعا في جريان قاعدة التجاوز، و اما الفراغ فلا يعتبر فيه شي‏ء إلا الدخول فيما يكون مباينا للعمل المشكوك فيه، حتى انه بالنسبة إلى جريان قاعدة التجاوز في الجزء الأخير من الصلاة اعتبر الدخول في التعقيب المترتب عليه شرعا و الا لا يجرى فيه قاعدة التجاوز و ان جرت فيه قاعدة الفراغ لعدم اعتبار شي‏ء فيه عدا الدخول في حال مباين لها.

و لا يبعد رجوع هذا القول الى ما ذكره الشيخ العلامة الأنصاري (قده) في المعنى و ان كانا مختلفين في الصورة فتأمل.

الرابع- التفصيل بين موارد جريان قاعدة الفراغ من الوضوء و الصلاة بالتزام كفاية مجرد الفراغ من الوضوء

و لو مع الشك في الجزء الأخير منه و عدم كفايته بالنسبة إلى الصلاة، حكاه شيخنا العلامة الأنصاري (قده) عن بعض؛ و لم يسم قائله، ثمَّ رد عليه باتحاد الدليل في البابين و هو كذلك.

الخامس- عكس هذا التفصيل اعنى اعتبار الدخول في الغير في باب الوضوء دون باب الصلاة

؛ قال المحقق الأصفهاني في بعض كلماته في المقام:

و يمكن ان يقال بناء على تعدد القاعدة؛ بالفرق بين الوضوء و الصلاة في جريان قاعدة الفراغ فيهما بتقييدها في الأول بالدخول في الغير دون الثاني، و ذلك لتقييد الفراغ عن الوضوء بذلك في رواية زرارة حيث قال: «فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه فقد صرت في حال اخرى من صلاة أو غيرها الخبر» و كذا في رواية ابن ابى يعفور: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره». الى ان قال: و لا استبعاد في اختصاص الوضوء بالدخول في الغير بعد اختصاصه بعدم جريان قاعدة التجاوز عن المحل فيه رأسا (انتهى محل الحاجة من كلامه (قدس سره)).

242

هذا ما عثرنا عليه من الأقوال في المسئلة و لعل المتتبع يعثر على أقوال أخر في كلماتهم، و لكن المهم تحقيق الحال بينها.

فنقول: التحقيق ان منشأ الخلاف في المسئلة هو اختلاف السنة الروايات الواردة فيها:

فبعضها مطلقة لم يذكر فيها سوى عنوان المصى و التجاوز عن الشي‏ء؛ كرواية محمد بن مسلم‏ (1) و رواية ابن ابى يعفور (2) و ظاهر رواية بكير بن أعين‏ (3) و رواية أخرى لمحمد ابن مسلم‏ (4) المشتملة على تعليل الحكم و كذا ما قبلها، و بعض الروايات الخاصة الواردة في أبواب الوضوء و الصلاة كقوله في رواية محمد بن مسلم كلما مضى من صلوتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه‏ (5).

و بعضها الأخر مقيد بالدخول في الغير مثل رواية زرارة (6) و إسماعيل بن جابر (7) و صدر رواية ابن ابى يعفور و رواية أخرى لزرارة نقلناها عن مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز (8).

فحينئذ يقع البحث في ان وجه الجمع بين الطائفتين ما ذا.

هل هو بتقييد المطلقات بما قيد بالدخول في الغير، كما هو قضية المطلق و المقيد

____________

(1) نقلناه تحت الرقم الثالث من الروايات العامة.

(2) نقلناه تحت الرقم الرابع من الروايات العامة.

(3) نقلناه تحت الرقم الخامس من الروايات العامة.

(4) نقلناه تحت الرقم السادس من الروايات العامة.

(5) نقلناه تحت الرقم الأول من الروايات الخاصة.

(6) نقلناها تحت الرقم 1 من الروايات العامة.

(7) نقلناه تحت الرقم 2 من الروايات العامة.

(8) نقلناه تحت الرقم 7 من الروايات العامة.

243

في غير المقام أو يقال ان القيد هنا من قبيل القيود الغالبية فلا يفيد الاحتراز عن غيره، لان الغالب في أفعال الإنسان- لا سيما مثل الصلاة التي هي مورد الروايات- انه إذا خرج منها دخل في فعل آخر.

أو يقال ان التقييد بالدخول في الغير انما هو في موارد التجاوز عن اجزاء العمل، فكل جزء شك فيه لا يعتنى به إذا دخل في غيره، و اما إذا كان الشك بعد الفراغ عن الكل فيكفي فيه مجرد الفراغ عنه. لان التقييد بذلك انما ورد في موارد التجاوز عن الاجزاء لا بالنسبة إلى الفراغ عن الكل.

و لا يخفى ان الخلاف الواقع في اتحاد القاعدتين و تعددهما لا دخل له بهذا التفصيل، فإنه لا ينافي وحدة القاعدتين أيضا لعدم المانع في تقييد أحد فردي عام واحد بقيد لا يجري في سائر أفراده.

هذا و لكن المحقق النائيني (قده) بنى هذه المسئلة و التفصيل الذي اختار فيه على ما اختاره في أصل القاعدة من انه ليس هناك إلا قاعدة واحدة و هي قاعدة الفراغ الجارية في الأفعال المستقلة، لكن الشارع المقدس نزل خصوص اجزاء الصلاة منزلة الافعال المستقلة بمقتضى حكومة الأدلة الواردة فيها عليها. فبعد هذا التنزيل تجري القاعدة في اجزاء الصلاة فقط.

و لكن حيث ان أدلة التنزيل مقيدة بخصوص موارد الدخول في الغير، و لا مانع من تنزيل شي‏ء مقام شي‏ء مع قيود خاصة ليست في المنزل عليه، كان اللازم اعتبار الدخول في الغير في موارد قاعدة التجاوز دون غيرها.

هذا و قد عرفت سابقا ضعف ما اختاره من المبنى، و انه ليس في اخبار الباب من لسان التنزيل و الحكومة عين و لا اثر و ان جميع ما ورد في باب قاعدة التجاوز و الفراغ تفرغ عن لسان واحد من دون ان يكون أحدهما ناظرا الى الآخر و تنزيل شي‏ء منزلة أخر.

مضافا الى ان لفظ «الشي‏ء» الوارد في اخبار قاعدة الفراغ عام يشمل الأفعال المستقلة

244

و اجزاء المركبات الشرعية مثل الركوع و السجود و غيرهما.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما يقتضيه الانصاف هو ان الدوران لو كان بين احتمال التقييد، و بين الأخذ بالإطلاق و حمل القيد على القيد الغالبي (مع تسليم كون القيد هنا قيدا غالبيا) لم يكن مجال للترديد في ترجيح جانب الإطلاق فإن المفروض ان أدلة التقييد في نفسها قاصرة عن الدلالة عليه بعد كونها واردة مورد الغالب.

الا ان الكلام بعد في ان حمل القيد على «الغالب» ليس بأولى من حمل إطلاق المطلق عليه و انصرافه الى الغالب.

فاذن يكون المطلقات أيضا قاصرة في نفسها عن الدلالة على شمول الحكم و عمومه، و نتيجة ذلك وجوب الأخذ بها في القدر المتيقن منها اعنى خصوص الموارد التي يكون القيد موجودا- و هو موارد الدخول في الغير- لا غير. غاية ما في الباب ان هذا ليس من جهة قيام الدليل على التقييد بل من ناحية قصور المطلقات عن إثبات أزيد منه.

هذا و لكن الذي يسهل الخطب و يرفع الغائلة هو انه و ان لم نعتبر الدخول في الغير في موارد قاعدة التجاوز، الا إنه لازم لتحقق عنوان «المضي و التجاوز» فنفس هذا العنوان لا يتحقق الا بالدخول في الغير، مثلا إذا شككنا في تحقق جزء من اجزاء الصلاة و وجوده فإنما يتحقق التجاوز عن محله إذا دخلنا في جزء آخر منها أو مقدمة له، و بدونه فالمحل باق لم يتجاوز عنه.

و هذا بخلاف موارد الفراغ عن الكل فان عنوان «المضي أو غيره من أشباهه» تتحقق بوجود آخر جزء منه مثل التسليم في الصلاة، و ان لم يدخل في غيرها.

(فح) يكون التقييد بالدخول في الغير في خصوص «الاجزاء» من باب عدم تحقق عنوان التجاوز و المضي بدونه، فهذا القيد لا يكون في الواقع قيدا بل يكون من باب تحقق الموضوع (و لكن ليعلم ان هذا انما هو في مورد الشك في أصل وجود الجزء لا ما إذا شك في صحته بعد العلم بتحققه و وجوده).

245

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الأقوى عدم اعتبار الدخول في الغير في موارد القاعدتين- سواء قلنا باتحادهما أو تعددهما- الا ما يتحقق به موضوع المضي و التجاوز، نعم يستثنى من ذلك بعض مواردها لورود دليل خاص فيه كما سيأتي ان شاء اللّه؛ و بهذا البيان تنحل عقدة الاشكال و ترتفع الغائلة.

و يؤيد ما ذكرنا ظهور التعليل الوارد في روايتي «بكير بن أعين» و «محمد بن مسلم» بقوله (عليه السلام): «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» و قوله (عليه السلام): «و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» لرفضه كل قيد سوى عنوان «البعدية» و من الواضح ان ظهور التعليل مقدم على غيره عند التعارض مع ما عرفت فيها من ضعف الدلالة.

و كذلك بناء العقلاء على العمل بالقاعدة أيضا ينفى اعتبار هذا القيد، لأنه يدور مدار مضى العمل و الفراغ عنه و لا دخل للدخول في الغير فيه كما هو ظاهر.

نعم يبقى في المقام شي‏ء و هو انه ما المراد من الغير بناء على القول باعتباره و هل هو كل فعل مغاير للمشكوك فيه أو يعتبر فيه قيود خاصة و سنبحث عنه في الأمر الاتى ان شاء اللّه.

246

5- المراد من «الغير» ما ذا؟

قد وقع الكلام بين الاعلام أيضا في ان الذي يعتبر في تحقق التجاوز عن محل الشي‏ء هل هو الدخول في مطلق الغير (بناء على اعتبار الدخول في الغير) و لو كان مقدمة للجزء الآتي، كالهوي للسجود و النهوض للقيام، أو لا يكفي إلا الدخول في الاجزاء الأصلية.؟

و المشهور عدم الاكتفاء بمطلق الغير و ظاهر الروايات أيضا ذلك، لظهور قوله (عليه السلام):

«ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض» في مقام التوطئة لذكر الكبرى الكلية بقوله: «كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» في ان الغير لا بد و ان يكون من الاجزاء الأصلية و ان لا غير أقرب الى «الركوع» من «السجود» و الى «السجود» من «القيام».

اللهم الا ان يقال ان ذكر المثالين ليس من جهة اعتبار الدخول في الاجزاء الأصلية المستقبلة، بل من باب انهما مما يكثر الابتلاء بهما؛ و ان الشك في حال الهوى أو النهوض نادر، فإنه يحصل عادة بعد ما استقر في الغير و قبله لا تغيب صورة الفعل غالبا عن الذهن.

و يؤيد ما عليه المشهور رواية عبد الرحمن «قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوي جالسا فلم بدر أ سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد؛ قلت: الرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد قال سجد» (1) فان المدار فيها الأجزاء الأصلية لا مقدماتها.

و لكن تعارضها رواية أخرى له عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر اركع أم لم يركع قال قد ركع» (2) فان ظاهر قوله: أهوى إلى السجود عدم بلوغه حده.

و رواية فضيل بن يسار قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): استتم قائما فلا ادرى ركعت أم لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلوتك فان ذلك من الشيطان‏ (3).

____________

(1) رواه في الوسائل في أبواب السجود الباب 15.

(2) رواه في الوسائل في أبواب الركوع الباب 13.

(3) رواه في الوسائل في أبواب الركوع الباب 13.

247

هذا و لكن الرواية الأخيرة لا تخلو عن شواب إبهام فإن المراد من الاستتمام قائما يمكن ان يكون استتمامه بعد السجود الثاني؛ فلو شك في ركوع الركعة السابقة لا يعتنى به، كما احتمله شيخ الطائفة (قدس اللّه سره الشريف).

و اما احتمال ارادة الاستتمام قائما في نفس تلك الركعة فبعيد جدا لعدم تصوير وجه صحيح له؛ و ما ذكره المحقق الأصفهاني (قدس سره)في نهاية الدراية في توجيهه من:

ان المراد انحنائه للركوع ثمَّ استتمامه القيام مع الشك في انه ركع أم لا فهو أمر نادر بعيد الوقوع كما لا يخفى.

هذا مضافا الى ان القيام بعد الركوع بنفسه من الواجبات فهو من قبيل الدخول في جزء آخر من الأفعال الأصلية لا من باب الدخول في مقدمة الاجزاء.

و يحتمل ورودها في كثير الشك لقوله (عليه السلام): فإنما ذلك من الشيطان- كما احتمله صاحب الوسائل بعد ذكر احتمال الشيخ.

و اما الرواية الأولى فظهورها و ان كان في الهوى الذي من المقدمات الا ان حملها على آخر مراتب الهوى الذي يصل الى حد السجود بقرينة غيرها من الروايات التي ذكرناها آنفا- لا سيما مع ذهاب المشهور الى عدم الاعتناء بمقدمات الافعال، ليس ببعيد فتأمل.

فتحصل من جميع ذلك ان الذي يقتضيه الجمع بين روايات الباب هو عدم الاعتناء بالدخول في مقدمات الافعال عند اجزاء القاعدة و انه يجب الدخول في فعل آخر أصلي.

و هذا لا ينافي ما ذكرنا آنفا من ظهور روايات القاعدة في كفاية مطلق الفراغ، و كذا التجاوز الحاصل بالدخول في فعل غيره أيا ما كان، لأنه لا مانع من ان يكون هذا حكما تعبديا في خصوص مورده فقد أسقط الشارع هنا حكم مقدمات الافعال و لم يعتن بها؛ و لا ينافي ذلك بقاء الإطلاق على حاله بالنسبة إلى سائر موارد القاعدة، و لعل الحكمة في حكم الشارع بذلك ان صورة الجزء السابق لا تنمحي عن الذهن غالبا قبل الانتقال الى جزء آخر

248

مباين له؛ فحالة الذكر الحاصلة حين الفعل باقية قبل الانتقال الى الجزء الثاني فتأمل و ان أبيت عن قبول هذه الحكمة فالحكم تعبد محض في مورده.

و اما التفصيل بين الوضوء و الصلاة بعدم اعتبار الدخول في الغير في الأول دون الثاني أو بالعكس؛ فهو ضعيف جدا يدفعه اتحاد الدليل في البابين، كما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري (قده).

و اما قوله في رواية زرارة: «فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى، في الصلاة أو غيرها؛ فشككت في بعض ما سمى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‏ء عليك فيه» (1) فالظاهر انه ليس قيدا شرعيا و لعل الوجه فيه هو جريان العادة بأن صورة الفعل لا تذهب عن الذهن عادة قبل صيرورته الى حال آخر، و اشتغاله بفعل مباين له.

و لذا جعله مقابلا لما ذكر في صدر الرواية بقوله: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا؟ فأعد عليهما؛ الى ان قال: ما دمت في حال الوضوء.

فلو كان القيد قيدا شرعيا كان هناك صورة ثالثة لم يذكرها الامام (عليه السلام) مع ان ظاهرها كون الامام (عليه السلام) بصدد بيان جميع صور المسئلة بما ذكره من الشقين.

و منه يظهر الجواب عن الاستدلال بالحديث الثاني أعني صدر رواية ابن ابى يعفور «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه».

فإنه لا مناص من حمل القيد على ما ذكرنا أو شبهه، كما يشهد به ذيل الرواية أيضا فإنه خال عن هذا القيد مع انه من قبيل الكبرى له.

هذا مضافا الى احتمال رجوع الضمير في قوله «دخلت في غيره» الى غير هذا الجزء فيكون حال اجزاء الوضوء حال اجزاء الصلاة؛ و هذا الحكم و ان كان مخالفا للمشهور بل مخالفا لغيرها من الروايات كما سيأتي، الا ان هذا الاحتمال في نفسه أقرب الى ظاهر الرواية، و كونها غير معمول بها على هذا التقدير لا يوجب حملها على غيره، ما لم يقم قرينة لفظية أو حالية عليه فتدبر.

____________

(1) رواه في الوسائل في أبواب الوضوء الباب 42.

249

6- المحل الذي يعتبر التجاوز عنه شرعي أو عقلي أو عادى؟

قد عرفت ان ظاهر إطلاقات أخبار الباب عدم الاعتناء بالشك في الشي‏ء بعد مضيه، أو التجاوز عنه، أو الخروج منه، و ان هذه العناوين (المضي و التجاوز و الخروج) انما تصدق حقيقة في موارد يعلم بوجود أصل الشي‏ء مع الشك في تحقق بعض ما يعتبر فيه من الاجزاء و الشرائط؛ فهي غير صادقة في الموارد التي يشك في أصل وجود الشي‏ء حقيقة فلا تشمل مورد قاعدة التجاوز الذي يكون الشك فيه في أصل وجود الركوع أو السجود أو غيرهما مثلا.

الا ان تطبيق هذه الكبرى في غير واحد من الاخبار على هذه الموارد، يدل على ان المراد من التجاوز عن الشي‏ء أعم من التجاوز عنه حقيقة و بالعناية (بالتجاوز عن محله) و هذا إطلاق شائع ذائع.

(فح)

يقع الكلام في ان المراد ب «محل الشي‏ء» ما ذا؟ فإنه يتصور على أنحاء:

1- المحل الشرعي‏

- و هو المحل المقرر للشي‏ء شرعا، و لا يخفى ان المراد منه هو المحل الذي يعتبر إتيانه فيه أولا و بالذات و بحسب حال الذكر و الاختيار، فمحل السجود قبل الدخول في القيام بحسب جعله الاولى الشرعي و ان كان يجوز الرجوع اليه و إتيانه بعد الدخول في القيام إذا تذكر قبل الركوع.

فما يقال من ان محل السجود باق قبل الدخول في ركوع الركعة الآتية فاسد لأنه محل له في حال السهو و النسيان و لذا لا يجوز تأخيره كذلك عمدا.

2- المحل العقلي‏

- و هو المحل المقرر له بحكم العقل و بحسب الطبع و قد مثل له شيخنا العلامة الاسرى بمحل «الراء» من تكبيرة الإحرام فإنه لا بدان يؤتى بها بلا فصل و الا لزم الابتداء بالساكن المحال عقلا، و لا يخفى ان هذا القسم (مع غمض النظر عن المثال الذي ذكره (قده) فان الابتداء بالساكن ليس محالا عقلا بل هو كالتقاء الساكن بل ثلاث ساكنات‏

250

أمر ممكن في لغتنا و ان لم يقع فيها، حينما وقع في غيرها من لغات الأجانب) راجع الى المحل الشرعي بالمآل؛ فإن الأمر انما يتعلق بالإفراد الممكنة لا غير، (فتأمل).

3- المحل العرفي‏

- و هو المحل الذي قرر له بحكم الطريقة المألوفة، كمحل اجزاء الجملة و آيات السورة، فإنه لا بدان يؤتى بها قبل فصل طويل يوجب انمحاء صورتها (كما مثل له).

و لكن غير خفي ان هذا أيضا راجع الى المحل الشرعي، فإن المعتبر شرعا في القراءة إتيانها على الطريقة المألوفة، فلو اتى بها على غيرها كانت فاسدة غير مأمور بها شرعا، لعدم صدق اسم الكلام أو السورة أو القراءة عليها عرفا.

4- المحل العادي‏

- و هو المحل المقرر له بحسب العادة.

و العادة اما «عادة نوعية» أو «شخصية» و الاولى مثل الإتيان بإجزاء الغسل متوالية، فإن التوالي و ان لم يكن معتبرا فيها شرعا و يجوز الفصل بينها بساعة أو يوم أو أيام؛ الا انه جرت عادة الناس بإتيانها متوالية غالبا، و الثاني كمن اعتاد إتيان الصلاة في أول وقتها؛ فإن أول الوقت بالنسبة إليه محل عادى.

لا اشكال و لا كلام في الأقسام الثلاثة الأولى، لما عرفت من رجوعها الى المحل الشرعي؛ و انما الكلام في القسم الأخير بكلا شقيه، فقد نفاه كثير من اعلام المتأخرين كشيخنا العلامة الأنصاري و المحقق الخراساني و المحقق الأصفهاني و غيرهم (قدس اللّه أسرارهم).

الا انه قد يحكى عن غير واحد من الأعاظم ممن تقدم؛ كفخر المحققين و غيره، الميل الى اجزاء قاعدة الفراغ و التجاوز هنا، حتى انهم مثلوا له بمعتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شك في الجزء الأخير منه بل يحكى عن الفخر الاستدلال له بخبر «زرارة»، و بان خرق العادة على خلاف الأصل (انتهى).

و الذي ينبغي ان يقال: انه كما عرفت ليس في اخبار الباب من لفظ «المحل»

251

عين و لا اثر، حتى يتكلم في المراد منه؛ و انما المذكور فيها عنوان «الخروج» و «المضي» و «التجاوز» بمعناها الأعم من الحقيقي و المجازي كما عرفت، و في صدق هذه العناوين على التجاوز عن المحل المعتاد إشكال.

لأن القدر المعلوم منها المستكشف من الأمثلة المذكورة في الروايات هو المحل الشرعي، أو ما يرجع اليه، و لا إطلاق يعتمد عليه بالنسبة إلى غيره كما لا يخفى.

هذا و لكن المكلف إذا كان من قصده الإتيان بإجزاء الغسل (مثلا) متوالية كان داخلا تحت ملاك التعليل الوارد في الروايات بقوله: «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» و قوله في رواية محمد بن مسلم «كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» لما قد عرفت من انه كالصغرى لكبرى محذوفة و هي ان الذاكر لا يأتي بما يخالف مقصده و مرامه.

و من الواضح ان المحل الشرعي أو العقلي أو العرفي بما هو لا دخل له في هذا المعنى و انما هو مقدمة لقصد الفاعل إليه، فإن الفاعل إذا كان بصدد الإتيان بعمل و كان عالما بأن اجزائه مترتبة شرعا على نحو خاص فلا محالة يقصده بهذا الترتيب، و إذا كان قاصدا له بهذا الترتيب- و العاقل لا يأتي بما هو مخالف لمرامه- كان فعله الخارجي منطبقا على قصده، الا ان يكون غافلا أثناء العمل و هو خلاف أصالة عدم الغفلة المأخوذة من ظهور حال الفاعل.

و الحاصل ان المحل الشرعي أو ما يشبهه لا دخل له في هذا التعليل أصلا؛ بل هو مبنى على قصد الفاعل و نيته فقط. فلو حصل هذا القصد بعلل اخرى غير الترتب الشرعي، كالعادة، كانت العلة جارية فيها.

و من هنا تعرف ان المحل العادي بما هو لا اثر لها في جريان القاعدة، الا ان تكون العادة كاشفة عن قصد الفاعل، فان الفاعل إذا كان معتادا بعادة نوعية أو شخصية بإتيان عمل كالغسل (مثلا) متوالية كشفت هذه العادة عن انه حين الفعل قصده بهذا النحو، فيجري التعليل في حقه؛ و لو فرض عدم كشف العادة عنه في مقام، لم يعتد بها أصلا. فتدبر فإنه حقيق به.

252

هذا و يمكن الاستدلال على اعتبار المحل العادي، بالمعنى الذي ذكرنا، بالسيرة العقلائية التي استدللنا بها لأصل القاعدة، فهل ترى من نفسك إذا كنت بصدد كتابة كتاب أو تركيب معاجين أو محاسبة أمور عديدة، و كنت عالما باجزائها و شرائطها، و بعد ذلك شككت في أنك أتيت بها صحيحة تامة؟ فهل ترجع إليها مرة بعد مرة و ان كان محلها العقلي باقية بعد، أو تعتمد على ما كنت بصدده و تعامل مع ما فعلت معاملة الفعل الصحيح.

و هل ترى من نفسك إذا أتيت بغسل الجنابة بقصد رفع الجنابة ثمَّ مضى أيام أو شهور، ثمَّ شككت في الإتيان بالجزء الأخير منه، تعود إليه مرة بعد مرة لان اجزاء غسل الجنابة في نفسها ليس لها محل شرعي يفوت بالفصل الطويل؟

فالإنصاف أن الاعتماد على المحل العادي في اجزاء القاعدة بالمعنى الذي ذكرنا قريب جدا. و لعل ما حكى عن الفخر و غيره من أعاظم أصحابنا أيضا ناظر الى هذا المعنى.

هذا و لكن الذي منع غير واحد من كبراء الأصحاب عن اختيار هذا القول و جعلهم في وحشة منه، ان فتح هذا الباب يوجب فقها جديدا، فان لازمه انه إذا كان من عادة الإنسان الإتيان بالصلاة أول وقته، أو الوضوء بعد الحدث فورا، الحكم بعدم وجوب الإتيان بها عليه لو شك آخر وقتها و كذا عدم وجوب تحصيل الطهارة لو شك بعد حدثه بفصل طويل.

و لكنه توهم باطل فان ما ذكرنا من البيان يختص بما إذا أحرز اقدام الفاعل على العمل قاصد الإتيان تمام اجزائه و شرائطه ثمَّ بعد ذلك شك في تماميتها، فان هذا الفعل محكوم بالصحة و التمامية، و لو كان المحل الشرعي لتدارك بعض اجزائه باقيا، فإن العادة كافية هنا، و اما إذا شك في أصل وجوده و لم يحرز اقدام المكلف على العمل قاصدا له كذلك فلا.

و لعل ما حكى عن الفخر و غير واحد من أعاظم الأصحاب أيضا ناظرة الى هذا المعنى فإنهم مثلوا بغسل الجنابة لمعتاد الموالاة إذا شك في الجزء الأخير منه و من الواضح ان هذا لا يوجب فقها جديدا و لا ما يستوحش منه من الفتاوى (فافهم).

253

7- عموم القاعدة لجميع أبواب الفقه‏

لا يخفى ان مورد جريان قاعدة التجاوز، بالنسبة الى الاجزاء عند الشك في أصل وجودها، و قاعدة الفراغ بالنسبة إلى مجموع العمل عند الشك في بعض ما يعتبر فيها، و ان كان في غير واحد من اخبار الباب هو «الصلاة» و «الطهور» الا ان إطلاقات الاخبار لا تختص بهما، بل يشملهما و غيرهما من سائر العبادات، بل المعاملات من العقود و الإيقاعات، و غيرها، و قد عرفت انها تشير الى كبرى واحدة تحتوي على القاعدتين معا.

فلو شك في صحة عقد أو إيقاع بعد الفراغ عنه و مضيه لم يعتد بالشك و يمضى عليه كما هو، و كذا لو شك في صحة غسل ميت و كفنه و دفنه فان العمومات و الإطلاقات تقتضي صحتها بعد مضيها، و لا وجه لتخصيصها بباب الصلاة و الطهارة، أو أبواب العبادات، و القول بأنها القدر المتيقن في مقام التخاطب فلا تشمل العمومات غيرها، كما ترى، لما تحقق في محله من ان مجرد وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يضر بإطلاق الدليل، و الا أشكل الأمر في جميع الإطلاقات الواردة في الاخبار، التي وقع السؤال فيها عن موارد خاصة، و لا يظن بأحد الالتزام به في أبواب الفقه، هذا مضافا الى ان بعض الاخبار العامة غير وارد في مورد خاص و دعوى القدر المتيقن فيه أيضا باطل جدا.

و لكن في إجراء قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الكلمات و اجزاء عقد البيع و نحوه اشكال يظهر وجهه بما سيأتي في الفصل الاتى ان شاء اللّه و قد عرفت سابقا ان الفقيه المتتبع الماهر صاحب الجواهر تمسك بهذه القاعدة في مسئلة الشك في عدد أشواط الطواف، بعد الفراغ منه، مضافا الى ما ورد فيها من الروايات الخاصة، و لعل المتتبع في كلماتهم يقف على غيره مما يتمسك فيها بهذه القاعدة.

و صرح في الجواهر أيضا في باب الشك في أفعال الوضوء: «ان هذه القاعدة محكمة في الصلاة و غيرها من الحج و العمرة و غيرهما» (1)

____________

(1)- المجلد الأول ص 355

254

8- عمومها للاجزاء غير المستقلة

هذا كله بالنسبة الى عدم اختصاصها بأبواب الطهارة و الصلاة، و شمولها لجميع أبواب الفقه، و اما بالنسبة الى الاجزاء غير المستقلة (أي اجزاء كل جزء) مثل آيات الحمد و كلمات جملة واحدة، فقد استشكل بعضهم كالمحقق النائيني (قده) في جريان قاعدة التجاوز فيها حينما صرح آخرون في تعليقاتهم «على العروة الوثقى» بجريانها فيها و غاية ما يمكن ان يقال في وجه المنع أمران:

أحدهما أن إطلاقات الأدلة بطبعها الاولى لا دلالة لها الا على قاعدة الفراغ بالنسبة إلى مجموع العمل، و لكن الأخبار الخاصة و بعض الاخبار العامة المصدرة بالشك في اجزاء الصلاة، من الركوع و السجود، كدليل حاكم عليها توجب سعة دائرتها، و من المعلوم ان القدر الثابت من الدليل الحاكم هنا هو الاجزاء المستقلة و اما بالنسبة الى اجزاء الجزء فلا.

و أنت خبير بان هذا يبتني على ما اختاره المحقق المذكور (قدس سره)في أصل بناء القاعدتين، و قد أشرنا إلى فساده غير مرة، و انه بناء على تعددهما كل واحد مستقل بالجعل، و بناء على اتحادهما كلاهما متساوي الإقدام بالنسبة إلى إطلاقات أدلتهما.

ثانيهما- ان قاعدة التجاوز تقتضي عدم الاعتداد بالشك في الجزء بعد ما جاوز «محله الشرعي»، و من المعلوم ان الاجزاء غير المستقلة مثل «اللّه» و «أكبر» في تكبيرة الإحرام ليس لها محل شرعي تعبدي، و انما يكون هذا الترتيب الخاص من «مقومات التكبير» بحيث لو قال: «أكبر اللّه» كان آتيا بما هو مباين للمأمور به لا آتيا به في غير محله. و هذا المعنى بالنسبة إلى حروف كلمة واحدة أظهر، فإجراء القاعدة في مثل هذه الاجزاء محل تأمل و اشكال.

255

و فيه: ان محل اجزاء الجزء ليس دائما من قبيل مقوماتها بحيث إذا حولت اجزائه عن محلها صار امرا مغاير إله، أو غلطا رأسا، كما في جزئي تكبيرة الإحرام، ففي مثل ذلك ربما نقول بعدم جريان قاعدة التجاوز فيه مطلقا، و لكن قد يكون من قبيل آيات السورة الواحدة، و تغييرها عن محلها يكون من قبيل تغير الأجزاء الأصلية للصلاة عن محالها كما لا يخفى، فكل من هذه الايات مأمور بها، و لها محل شرعي بحسب نزول الايات أوامر النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) بقراءتها كذلك، على تفصيل في محله، فاذا شك في قراءة الآية السابقة يصدق أنها «شي‏ء» شك فيه و قد جاوز عنه و دخل في غيره فعموم لفظ «الشي‏ء» كعنوان «التجاوز» و «الدخول في الغير» (لو قلنا باعتباره) شامل لها، بل يمكن القول بشمولها لجزئى التكبير لما قد عرفت سابقا من ان عنوان «المحل» فضلا عن «المحل الشرعي» غير موجود في روايات الباب حتى يتكلم فيه، بل المذكور فيها عنوان الشي‏ء و التجاوز و أمثالهما، و هي صادقة بالنسبة إلى كلمة «اللّه» بعد الدخول في «أكبر» نعم في خصوص هذا المورد اشكال ناش من ان جريان القاعدة انما يكون بعد إحراز عنوان الصلاة، و مع هذا الشك لم يحرز دخوله في الصلاة بعد فتأمل و ان سلمنا ورود الاشكال هنا فجريان القاعدة في غيرها سليمة عنه، نعم في إجراء القاعدة في اجزاء كلمه واحدة بل الكلمات المتقاربة كجزئى تكبيرة الإحرام و ما شابهها اشكال آخر، و هو قوة انصراف الإطلاقات عنها، لا سيما بعد ملاحظة التعليلات الواردة فيها، فإن صورة العمل لا يكاد يخفى عن الذهن عادة بمجرد ذلك الزمان القليل فلا يصدق في حقه انه في الحرف الأول اذكر منه في الثاني، بل هو بعد كأنه في محل الفعل غير متجاوز عنه، فالأخذ بالإطلاق بالنسبة إليها مشكل جدا.

نعم لو كان الشك في آيات السورة، أو فصول الأذان و الإقامة، لا سيما في الايات و الفصول المتباعدة لم يبعد الأخذ بها.

256

بقي هنا شي‏ء: و هو انه هل تجري قاعدة «التجاوز» في الأعمال المستقلة كما تجري في اجزائها

، فيحكم بتحققها بعد التجاوز عن محلها، أو الدخول في عمل مستقل بعدها، أولا؟ مثلا: إذا دخل في صلاة العصر فشك في انه صلى الظهر أم لا؟ فهل يحكم بتحقق صلاة الظهر بمقتضى القاعدة لا من ناحية شرطية ترتب العصر عليها (فان ذلك أمر راجع الى باب الاجزاء و الشرائط) بل من ناحية نفس صلاة الظهر، بحيث لا يجب الإتيان بها و لو بعد صلاة العصر، أو يجب الإتيان بها؟

قد يقال: ان القاعدة كما تجري في مثل «الأذان و الإقامة» بعد الدخول في الصلاة لورود النص فيها كما مر، كذلك تجري في مثل صلاة الظهر في المثال المذكور و شبهها، نعم بناء على تعدد القاعدتين و توهم اختصاص دليل قاعدة التجاوز بخصوص اجزاء الصلاة و ما هو كالشرط و لو لكمالها كالأذان و الإقامة، لم تجر في غير الاجزاء و شبهها هذا و لكن التحقيق عدم جريان القاعدة في مفروض المسئلة، و لو قلنا باتحاد القاعدتين و دخولهما تحت عنوان واحد شامل لجميع الأبواب (كما هو المختار (و ذلك لان صلاة الظهر لها اعتباران:

اعتبار من ناحية نفسها و اعتبار من ناحية ترتب العصر عليها، و موضوع «التجاوز» في مفروض المسئلة انما يصدق بالاعتبار الثاني، فإن محل صلاة الظهر، من ناحية اشتراط ترتب العصر عليها، يمضى بالدخول في العصر، و لكن محلها بالاعتبار الأول و في نفسها باقية الى آخر وقتها الممتد الى الغروب، و لذا لو نسيها و تذكر بعد صلاة العصر وجب الإتيان بها، و ان شئت قلت الترتيب شرط لصحة صلاة العصر لا لصحة الظهر، فاذا لم يصدق عنوان التجاوز عليها بهذا الاعتبار كيف تجري القاعدة فيها؟.

نعم بعد مضى وقتها و دخول وقت آخر يحكم بتحققها بمقتضى عموم هذه القاعدة،

257

و لو لم يكن هناك دليل آخر يدل على عدم الاعتناء بالشك بعد الوقت.

ثمَّ لا يخفى عليك انه لا فرق في ذلك بين القول بكون القاعدة امارة و بين كونها أصلا، لما عرفت سابقا من ان الامارة انما تثبت آثار الواقع في خصوص موردها لا بالنسبة إلى غيره (فراجع ما ذكر هناك).

258

9- جريان القاعدة عند الشك في صحة الاجزاء

لا إشكال في جريان القاعدة عند الشك في صحة المركب، كالصلاة و الوضوء، إذا شك فيه من جهة الإخلال ببعض ما يعتبر فيها من الاجزاء و الشرائط.

و هل تجري في موارد الشك في صحة «الجزء» كما إذا شك في صحة القراءة أو الركوع من جهة الإخلال ببعض ما يعتبر فيها من الشرائط، فيحكم بصحتها بمقتضى القاعدة، أو تختص بالشك في أصل وجود الاجزاء، كما هو مورد احاديث الباب، و لا تجرى عند الشك في صحتها؟.

الحق انه لو قلنا باتحاد القاعدتين كما هو المختار فلا إشكال في كون الحكم عاما للكل و اجزائه، و ذلك لما عرفت من انه بناء على هذا يكون قوله «كل ما شككت فيه مما قد مضى» و شبهه من اخبار الباب عاما شاملا للشك في الشي‏ء بعد الفراغ و التجاوز عنه، من غير فرق بين الكل و الجزء، و لا بين التجاوز عن نفسه (بان يكون أصل وجوده محرزا) و بين المضي عن محله (بان يشك في أصل وجوده) غاية الأمر ان صدق التجاوز و المضي في الأول حقيقي و في الثاني بنوع من العناية و الادعاء.

اما إذا قلنا بتغاير القاعدتين، و اختصاص قاعدة التجاوز بالاجزاء، كاختصاص قاعدة الفراغ بالكل، فقد يشكل الأمر من جهة ظهور أخبار قاعدة التجاوز في الشك في أصل وجود الجزء، و لا في صحته بعد الفراغ عن وجوده، كما قيل باختصاصها باجزاء الصلاة و عدم جريانها في غيرها، و لا دليل على التعميم هنا إلا أمور:

أحدها- ان الشك في صحة الجزء راجع الى الشك في «وجود الشي‏ء الصحيح» على نحو كان التامة، فعموم القاعدة يشملها و فيه: انه خلاف ظاهر الاخبار على هذا المبنى، لأنها ظاهرة في الشك في أصل‏

259

وجود الشي‏ء من رأس، لا وجود الشي‏ء بصفة الصحة.

ثانيها- ان عمومها و ان كان لا يشمله في بدء النظر الا انه شامل له بتنقيح المناط، لعدم خصوصية في هذا الفرد، اعنى الفرد الذي يشك في أصل وجوده.

بل يمكن دعوى الفحوى و الأولوية القطعية، لأن الشك في أصل وجود الجزء إذا كان داخلا تحتها كان الشك في صحته بعد إحراز وجوده اولى و أقرب- و هذا الوجه حسن جدا.

ثالثها- ان يستند في هذا التعميم الى ان أصالة الصحة في فعل المسلم أصل برأسه، و مدركها ظهور حال المسلم كما قال فخر الدين في الإيضاح: «ان الأصل في فعل العاقل المكلف الذي يقصد براءة ذمته بفعل صحيح و هو يعلم الكيفية و الكمية، الصحة» ذكر هذا الوجه شيخنا العلامة الأنصاري ثمَّ استشهد له بعموم التعليل في قوله «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» (انتهى).

أقول هذا راجع الى ما أشرنا إليه غير مرة من ان أصالة الصحة كما تجري في أفعال الغير كذلك تجري في فعل النفس، و انها مما جرت عليه سيرة العقلاء في أفعالهم و احتجاجاتهم، و ان التعليل الوارد في هذه الرواية و رواية محمد بن مسلم «هو حين انصرف أقرب الى الحق منه حين يشك» إشارة الى هذه السيرة العقلائية.

260

10- جريان القاعدة في «الشرائط»

قد عرفت انه لا إشكال في جريان القاعدة في الاجزاء عموما كما هو المختار، أو خصوص اجزاء الصلاة كما هو مذهب بعض، و لكن في جريانها في الشرائط كلام و اشكال و اختار كل مذهبا:

فمن قائل بعدم جريانها فيها مطلقا، و لزوم اعادة المشروط و لو شك بعد الفراغ عنه، فيجب إعادة الصلاة بعد الفراغ عنها إذا شك في شي‏ء من الطهارة و شبهها، نقله شيخنا العلامة الأنصاري عن بعض أصحابنا و لم يسم قائله.

و هو مذهب عجيب، لا وجه له أصلا لعدم قصور في النصوص الخاصة الدالة على عدم الاعتناء بالشك في الصلاة و الطهور بعد مضيهما، و لا في الروايات المطلقة و لا من حيث الفتوى.

و من قائل بجريانها فيها مطلقا- حتى قال بعضهم بان جريانها فيها يوجب إحراز وجود الشرط حتى بالنسبة إلى الأعمال الآتية، فلا يجب تحصيل الطهارة على من شك في صلاة بعد الفراغ عنها من ناحية الشك في الطهارة حتى بالنسبة إلى الصلوات الآتية.

و هذا القول أيضا جائر عن قصد السبيل، قد عرفت فساده سابقا.

و من قائل بجريانها بالنسبة إلى نفس العمل المشروط، اما مطلقا، و اما في خصوص ما إذا فرغ عن المشروط كله، و اما إذا كان في الأثناء فلا تجرى فيه.

و التحقيق ان الشرط دائما يكون من قبيل الكيفيات أو الحالات المقارنة للمشروط، خلافا لما ذكره غير واحد من المحققين في المقام من إمكان كون الشرط عملا مستقلا يؤتى به قبل المشروط، كما في الوضوء بناء على ما يستفاد من ظاهر قوله تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلخ» فإن هذا خلاف مفهوم الشرط فالشرط دائما من قبيل الحالات و الأوصاف و الكيفيات المقارنة، التي يكون تقييدها داخلا في المشروط دون ذواتها، و هذا هو الفارق بينه و بين الجزء.