القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
261

و اما الوضوء لو قلنا بكونه شرطا بعينه (لا الطهارة الحاصلة منه) فالشرط في مورده حقيقة هو تأخر الصلاة عنه، و هو صفة لا حقة للصلاة، و الا فالعمل المستقل المأتي به قبلا أو بعدا إذا لم ينتزع منه عنوان «التعقب» أو «اللحوق» أو مثلهما الذي يكون من الأوصاف المقارنة للمشروط لا معنى لكونه شرطا.

هذا و لكن الشرط من ناحية استقلال منشأ انتزاع في الوجود، و عدم استقلاله، على أقسام:

أحدهما- ما يستقل في الوجود و لا يمكن تحصيلها لمجموع المشروط الا قبله، كالطهارة، فان تحصيلها لمجموع الصلاة لا يكون إلا قبلها ثانيها- ما يستقل في وجوده، و لكن يمكن تحصيله في الأثناء لكل جزء، كالاستقبال و الستر و غيرهما.

ثالثها- ما لا يستقل في وجوده، كالموالاة، فإنها أمر ينتزع من نسبة خاصة بين أجزاء الصلاة، و ليست كالطهارة أو الاستقبال حتى يمكن تحصيلها و لو بدون الصلاة.

ففي جميع هذه الأقسام إذا كان الشك بعد الفراغ عن المشروط بتمامه، كما إذا شك بعد التسليم في شي‏ء منها فلا إشكال في جريان، القاعدة فيها و الحكم بصحتها، لشمول إطلاقات الأدلة لها على جميع المباني، نعم يجب تحصيل الشرط المشكوك للأعمال الآتية لما أشرنا إليه في الأمر الرابع فراجع.

و اما إذا كان الشك في أثنائها فقد يقال بأنه لا إشكال أيضا في جريان القاعدة في القسم الأول، لأن المفروض عدم إمكان تحصيله الا قبل العمل، فهو أمر قد تجاوز عنه و دخل في غيره.

و هذا انما يتم إذا قلنا بشرطية نفس الوضوء مثلا، و قد عرفت ما فيه من الاشكال، و اما إذا قلنا بشرطية الطهارة الحاصلة منها فاجرائها فيه مشكل، و الوجه فيه ان مجرد عدم إمكان تحصيله إلا قبل العمل لا دخل له فيما نحن بصدده، لأن المأمور به هو الحالة الحاصلة منه، المقارنة للعمل، و ما يؤتى به قبله فهو من قبيل المقدمة له، و مجرد ذلك لا يوجب‏

262

صدق المضي و التجاوز عنه الا بالمسامحة، فإجراء القاعدة في هذا القسم مشكل جدا.

و اما القسم الثاني فلا يبعد جريان القاعدة فيه بالنسبة الى الاجزاء السابقة، مع وجوب تحصيله للاجزاء الآتية، فلو شك في أثناء صلوته في استقبال القبلة في بعض الركعات السابقة، و هو مستقبل القبلة لما فيه من الركعة، أمكن الحكم بصحة صلوته و دخل في قوله: «كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» و قد عرفت عدم الفرق بين المركب و اجزائه في ذلك.

هذا و لكن قد يستشكل عليه تارة: بأن شرطية الاستقبال و شبهه أمر «وحداني» بالنسبة إلى مجموع الصلاة و محله هو المجموع، فما دام المصلى مشتغلا بالصلاة محله باق و لم يتجاوز عنه.

و فيه- ان مثل هذا الشرط و ان كان امرا واحدا في مجموع الصلاة، الا انه ينحل بالنسبة الى كل جزء من اجزاء الصلاة، و كان داخلا تحت عنوان «الشي‏ء» الوارد في الاخبار هذا مضافا الى ان الاشكال انما يتوجه لو أريد اجزاء القاعدة بالنسبة إلى نفس الشرط، و اما إذا لوحظت بالنسبة إلى نفس الاجزاء المشروطة به، فلا وجه للإشكال فيها أصلا.

و اخرى بأن الشرائط لا محل لها حتى يصدق التجاوز عنها، فإنها من قبيل الكيفيات و الحالات العارضة للاجزاء، فالتجاوز عنها انما يكون عرضيا بتبع التجاوز عن الاجزاء لا حقيقيا، فلا يمكن إجراء القاعدة فيها.

و فيه مضافا الى ان التجاوز عن الشرط، بتبع التجاوز عن محله من الاجزاء، كاف في صدق عنوان التجاوز عنه، فان هذا مصداق التجاوز حقيقة لا مجازا و مسامحة، فالتستر أو الاستقبال المقارن للقراءة أمر يتجاوز عنه حقيقة بعد الدخول في الركوع، ان هذا الإشكال كالإشكال السابق انما يتوجه إذا جعل نفس الشرط موردا للقاعدة، و اما إذا كانت الاجزاء موردا لها من جهة الشك في صحتها و تماميتها بعد الفراغ عنها أو التجاوز عن محلها فلا يبقى مورد له، و ذلك لما مرّت الإشارة إليه من ان الشك في صحة الجزء كالشك‏

263

في أصل وجوده مشمول لعمومات القاعدة.

و اما القسم الثالث من الشرائط فإجراء قاعدة التجاوز فيه و ان كان مشكلا، فإن الموالاة (مثلا) أمر منتزع عن نسبة خاصة بين أجزاء الصلاة و ليست شيئا يتجاوز عنه برأسه، فانصراف الإطلاقات عنها قوى جدا، فلا يقال ان الموالاة بين آيات الحمد أمر تجاوز عنه و دخل في غيره، الا انه لا مانع من إجراء القاعدة بالنسبة إلى نفس الحمد و السورة أو غيرهما بعد التجاوز عنها و الشك في صحتها من ناحية موالاتها.

بقي هنا شي‏ء- و هو انه قد يستشهد للقول بالتفصيل‏

بين الشك في الوضوء بعد الفراغ عن الصلاة، و الشك فيه في أثنائها، بما رواه على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) «قال سألته عن رجل يكون على وضوء، و يشك على وضوء هو أم لا؟ قال إذا ذكر و هو في صلوته انصرف فتوضأ و أعادها، و ان ذكر و قد فرغ من صلوته أجزأه ذلك» (1) بناء على ان مورد السؤال هو من يكون على وضوء باعتقاده ثمَّ يشك في ذلك.

و لكن فيه ان الأظهر في معنى الرواية هو ان يكون على وضوء في زمان، ثمَّ يشك فيه في زمان بعده، فيكون مجرى للاستصحاب لا موردا لقاعدة الفراغ (و ح) اما يحمل هذا الحكم على الاستحباب، كما فعله صاحب الوسائل و اما ان يطرح لمعارضته لاخبار الاستصحاب.

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الوضوء

264

11- لما ذا لا تجري القاعدة في أفعال الطهارات الثلث؟

الظاهر انه لا خلاف بينهم في عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء، إذا انتقل من جزء الى جزء آخر، قبل الفراغ من تمامه. و قد ادعى غير واحد الإجماع عليه.

بل لعل نقل الإجماع فيه مستفيض، هذا بالنسبة إلى الوضوء و اما إلحاق الغسل بالوضوء فهو المشهور كما حكى من طهارة شيخنا العلامة الأنصاري، و عن جماعة من ائمة الفقه كالعلامة و الشهيدين و المحقق الثاني و العلامة الطباطبائي (قدس أسرارهم) التصريح به، و عن بعضهم النص على إلحاق التيمم بهما.

هذا حال المسئلة من ناحية الفتاوى، و الظاهر ان الأصل فيها ما رواه زرارة عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام):

قال إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه، مما سمى الله، ما دمت في حال الوضوء فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه، و صرت في حال أخرى في- الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمى الله مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه، لا شي‏ء عليك فيه (الحديث) (1).

و هذه الرواية صريحة في وجوب الاعتناء بالشك و الإتيان بالمشكوك ما دام مشتغلا بالوضوء، و ان عدم الاعتناء به يختص بصورة الفراغ منه، بل الدخول في حال آخر.

و لكن قد عرفت في الأمر الخامس ان هذا ليس في الحقيقة من قبيل القيد.

____________

(1) رواه المفيد و الشيخ و الكليني بإسنادهم و رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الوضوء

265

و يؤيده رواية بكير بن أعين قال قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك‏ (1).

فإنها ظاهرة في انه حال الوضوء اذكر، فبمقتضى اذكريته يجب عليه الاعتناء بشكه ما دام مشتغلا به و لكن في دلالتها تأمل لأنها غير ناظرة إلى صورة الشك في بعض اجزاء الوضوء بعد انتقاله الى جزء آخر و استدل له برواية ثالثة نقلناها سابقا و هي ما رواه ابن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (ع) قال: إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء، إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه‏ (2) بناء على رجوع ضمير «غيره» الى «الوضوء» فيكون دالا بمقتضى مفهومه على وجوب الاعتناء بالشك ما دام مشتغلا بالوضوء.

و لكنك قد عرفت فيما سبق ان رجوع ضمير «غيره» الى الوضوء، مع قطع النظر عن سائر أخبار الباب و الإجماع المدعى عليه في المسألة، غير معلوم، بل الظاهر رجوعه إلى الشي‏ء المشكوك فيه، بقرينة الإطلاق الوارد في ذيلها، فإنه دال على ان كل شي‏ء (سواء فيه الكل و الجزء) تجاوز عنه و دخل في غيره يمضى عليه، و لا يعتنى بالشك فيه.

و يؤيد ما ذكرنا ورود هذا التعبير بعينه في باب إجزاء الصلاة في رواية «زرارة» و «إسماعيل بن جابر» و ليس المراد منه هناك الا التجاوز عن الجزء المشكوك فيه و الدخول في سائر الأجزاء، فالاستدلال بهذا الحديث في حد نفسه مشكل بل لعله في بدء النظر على خلاف المقصود أدل.

و يمكن الاستدلال له أيضا برواية أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن ابى-

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الوضوء

(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب الوضوء

266

عبد اللّه (عليه السلام): قال قلت جعلت فداك اغسل وجهي ثمَّ اغسل يدي، و يشككني الشيطان انى لم اغسل ذراعي و يدي قال: إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد (1) فإنه لو كان مجرد التجاوز عن جزء من الوضوء كافيا في عدم الاعتناء بالشك فيه لم يحتج الى تحصيل أمارة قطعية أو ظنية على غسل الذراع (و هو وجدان برد الماء عليه) بل كان مجرد التجاوز عنه كافيا فيه.

و لكن الظاهر منه كون الشك في حال الاشتغال بغسل اليد، و كأن منشأ شكه كان هو الوسوسة في أفعال وضوئه و تعبير الراوي بقوله: يشككني الشيطان أيضا شاهد عليه، فهذه الرواية أجنبية عن المقصود.

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان ما يدل على هذا الحكم من السنة؛ دلالة ظاهرة؛ منحصر في رواية زرارة، و العجب من شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره)حيث صرح في الرسالة بورود أخبار كثيرة هنا مخصصة للقاعدة المتقدمة. فأين هذه الاخبار الكثيرة؟!.

و مع ذلك رواية زرارة المؤيدة بفتاوى الأصحاب كاف في إثبات هذا الحكم.

هذا كله بالنسبة إلى الوضوء و لا يبعد كون التيمم الذي هو بدل عن الوضوء بحكمه لاقتضاء البدلية ذلك، و لكنه يختص بما إذا كان التيمم بدلا عن الوضوء.

و اما الغسل؛ و التيمم الذي هو بدل عنه؛ فلم نظفر على دليل يدل على استثنائهما، و خروجهما عن الاخبار العامة، الدالة على القاعدة، كإثبات الإجماع عليهما بنحو يكون حجة مشكل جدا.

نعم قد يقال بدخولهما في ذيل رواية ابن ابى يعفور التي مرت عليك آنفا، اعنى قوله «انما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» و لكن قد عرفت أنها أجنبية عما نحن بصدده.

فاذن لو أمكن إثبات الحكم فيهما ببعض الاعتبارات التي سنذكره فهو، و الا فشمول الإطلاقات لهما غير بعيد، و طريق الاحتياط فيهما واسع (فتأمل).

____________

(1) رواها في الوسائل في الباب 44 من أبواب الوضوء.

267

فتلخص مما ذكرنا ان الطهارات الثلاث كلها أو بعضها خارجة عن تحت القاعدة و لكن يبقى الكلام في وجه خروجها مع انه لا يرى اى تفاوت بينها و بين سائر المركبات الشرعية، كالصلاة و الحج و غيرهما في بدء النظر.

فهل هو تعبد محض؟ أو يوجد هناك فارق بينها و بين غيرها؟ اختار كل منهم مذهبا:

فقال المحقق النائيني (قده) ان خروجها انما هو بالتخصص لما مر غير مرة من ان العمومات على مختاره لا تدل الا على قاعدة الفراغ بالنسبة إلى مجموع العمل، و انه لا دلالة لها بالنسبة الى الاجزاء، و ان الاخبار الواردة في حكم التجاوز عن أجزاء الصلاة حاكمة عليها و تدل على تنزيل اجزاء الصلاة منزلة الاعمال المستقلة التامة، و حيث ان الدليل الحاكم مختص بباب اجزاء الصلاة يبقى غيرها خارجا بحكم الأصل. (انتهى).

و قد عرفت فساد هذا المبنى و ان أدلة القاعدة عامة، شاملة للاجزاء و الكل، و ان سياق اخبار التجاوز الواردة في اجزاء الصلاة سياق غيرها من العمومات، فلا دلالة فيها على التنزيل و الحكومة، بل الجميع يشير الى معنى واحد، فلا يفهم العرف من بعضها شيئا وراء ما يفهم من غيره.

و قال شيخنا العلامة الأنصاري (قده) ان خروج أجزاء أفعال الوضوء و شبهها من حكم قاعدة التجاوز انما هو من باب التخصيص فان الوضوء في نظر الشارع فعل واحد؛ باعتبار وحدة مسببه، فإنه يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض، و هو الطهارة، فلا يلاحظ كل فعل منه شيئا برأسه، قال و بذلك يرتفع التعارض بين رواية ابن ابى يعفور (و هي قوله: إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجز) الدالة على الاعتناء بالشك في أثناء الوضوء، و بين الاخبار السابقة الدالة على عدم الاعتناء بمثل هذا الشك.

و كذلك يرتفع التنافي المترائى بين صدر هذا الحديث و ذيله، فاذا كان الوضوء

268

في نظر الشارع فعلا واحدا ارتفع الإشكالان و لم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة، و به يوجه حكم المشهور بإلحاق الغسل و التيمم بالوضوء، و الا لا وجه له ظاهرا (انتهى كلامه).

هذا و أنت خبير بان مجرد وحدة المسبب (و هو الطهارة) لا توجب لحاظ السبب امرا واحدا، و الا جرى مثله في الصلاة و غيرها لإمكان القول بان المطلوب منها أيضا أمر واحد فتأمل، و بالجملة الالتزام بلوازم هذا التوجيه أمر مشكل حدا لا يظن انه (قده) يلتزم بها، مضافا الى ان إلحاق الغسل بالوضوء غير معلوم كما مر.

و الاولى ان يقال بعد كون الحكم في الوضوء من باب التخصيص بدليل خاص وارد في المسئلة ان الوجه فيه لعله كون اجزاء الوضوء يؤتى بها في زمان قصير لا يغفل عن حالها غالبا؛ و لا يكاد تخفى صورتها عادة بمضي هذا المقدار من الزمان، فملاك القاعدة المصرح به في روايات الباب، و هو الا ذكرية في حال الفعل بالنسبة الى حال الشك، مفقود فيها بحسب الغالب. بخلاف ما إذا فرغ من الوضوء و انتقل الى حال آخر فان انمحاء صورتها عن الذهن و نسيان كيفية العمل فيه أمر قريب.

و لعل السيرة العقلائية الجارية على عدم الاعتناء بالشك بعد تمامه و التجاوز عنه (بما مر من البيان) أيضا غير جارية في أمثال المقام.

هذا غاية ما يمكن ان يقال في وجه خروج الوضوء و شبهه عن عموم القاعدة و ان أبيت بعد ذلك كله الا عن بقاء الإشكال في تفسير هذا الاستثناء و توجيهه لم يكن قادحا في أصل الحكم بل لا بد حمله على التعبد المحض و كم له من نظير في أحكام الشرع.

و مما ذكرنا يوجد طريق آخر لتعميم حكم الوضوء و إجرائه في التيمم و الغسل، فتأمل.

269

12- عدم جريان القاعدة مع الغفلة

ان الشك في العمل بعد الفراغ و التجاوز عنه يتصور على أقسام:

تارة يكون مع العلم بأنه كان ذاكرا له حين العمل؛ عالما بصحته، و لكن يحتمل انه كان مخطئا في اعتقاده، آتيا به على خلاف ما كان مأمورا به.

و اخرى مع الشك في كونه ذاكرا له أو غافلا عنه، فكما يحتمل الغفلة يحتمل الذكر.

و ثالثة مع العلم بكونه غافلا محضا و لكن يحتمل الإتيان بما كان مأمورا به من باب الصدفة و الاتفاق، كمن يعلم بأنه لم يحول خاتمه عن محله حين الوضوء و لكن يحتمل انغسال ما تحته اتفاقا.

لا إشكال في جريان القاعدة في الصورتين الأوليين، و انما الكلام في شمول إطلاقات الأدلة للثالثة، فقد يقال بعدم شمولها لها، نظرا الى التعليل الوارد في قوله: «هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك» فان التعليل بذلك يدل على تخصيص الحكم بمورد احتمال الذكر، و ان كان عنوان السؤال عاما، و يمكن ان يقال بشمولها لها و ان التعليل من قبيل «الحكمة» للحكم لا «العلة» له، حتى يكون مخصصا.

و التحقيق هو الأول لا لمجرد ظهور التعليل الوارد في الرواية؛ و في رواية أخرى لمحمد بن مسلم:

«و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» في ذلك بل لأن الإطلاقات بأنفسها قاصرة عن شمولها له، منصرفة عنه، لا سيما مع القول بكون القاعدة من الامارات، و من باب غلبة الذكر، فان هذا الملاك انما هو في غير صورة العلم بعدم الذكر.

هذا مضافا الى ما عرفت من ان الحكم الشارع بحجية القاعدة ليس تأسيسا، بل هو

270

إمضاء لما عند العقلاء من الحكم بالصحة بعد الفراغ و التجاوز عن العمل (بل لعل الأمر في جميع الأمارات الشرعية كذلك؛ فليس فيها تأسيسا جديدا على خلاف ما استقر عليه بناء العقلاء) و من الواضح عدم استقرار بناء العقلاء على الحكم بالصحة في صورة الغفلة المحضة.

فلا محيص عن الحكم ببطلان العمل في هذه الصورة و اعادته بمقتضى قاعدة الاشتغال الا ان يقوم دليل اخرى على الصحة.

و يجب التنبيه هنا على أمور:

الأول- لا يخفى انه إذا كان هناك أمارة شرعية كالبينة أو حجة عقلية كالقطع‏

فاعتمد عليها المكلف حين الفعل ثمَّ تبين خطاؤها بعده، كمن صلى إلى جهة يعلم انها قبلة، أو قامت أمارة شرعية عليها، و لكن تبين له بطلان منشأ قطعه و فساد الامارة بعد ما صلى و لكنه يحتمل كون الجهة التي صلى إليها قبلة من باب الاتفاق؛ فلا إشكال في انه محكوم بحكم الغفلة، لأن الإحراز المذكور كان فاسدا، مع كون صورة العمل محفوظة عنده، لعلمه بالجهة التي صلى إليها، و لكن لا يعلم انها كانت هي القبلة، أو غيرها؟! فلو صادفت القبلة لم يكن من ناحية «الذكر حين العمل» لان المفروض علمه بعدم كونه اذكر حينه، بل انما هي من باب الصدفة و الاتفاق.

و ليس هذا من قبيل الشك في انطباق «المأمور به» على «المأتي به» كما ذكره المحقق النائيني (قدس سره)في الأمر الخامس الذي ذكره في المسئلة بل من قبيل انطباق «المأتي به» على «المأمور به» صدفة و اتفاقا عند الغفلة.

و العجب منه (قدس سره)انه جعله من ذاك الباب، و عقد له و لاشباهه بابا مستقلا، و كلامه في هذا المقام لا يخلو عن تشويش و اضطراب فراجع.

الثاني مما يجب التنبيه عليه هو ان المراد بالغفلة هنا هو الغفلة المحضة

أعني الذهول عن العمل عند أدائه مطلقا إجمالا و تفصيلا، نظير مسئلة الخاتم في الوضوء فان المفروض‏

271

ذهوله عن غسل ما تحته مطلقا، إجمالا و تفصيلا، فاحتمال الصحة انما يكون من باب الصدفة و الاتفاق فقط.

و اما إذا ارتكز كيفية العمل في النفس إجمالا بسبب التكرار و حصول العادة له، كما في أفعال الصلاة و الوضوء و غيرهما من العبادات اليومية، بحيث يؤتى بها أحيانا متواليا على وجهها الشرعي مع الغفلة عنها تفصيلا، فان ذلك لا يعد من الغفلة بل فيه نوع من الذكر كما أشرنا إليه سابقا، و لو لا ذلك كان الذكر التفصيلي غير حاصل لكثير من الناس في أقوالهم و أفعالهم و عباداتهم و غيرها فلا يصح التعليل بغلبة الذكر حين العمل بالنسبة إلى العموم.

الثالث- ان شيخنا العلامة الأنصاري (قده) ذكر في كلام له في المقام انه لا فرق بين ان يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا أو تركه عمدا

، و التعليل المذكور (هو حين يتوضأ إلخ) بضميمة الكبرى المتقدمة (و هو ان القاصد لفعل لا يتركه عمدا) يدل على نفى الاحتمالين انتهى.

و هو منه (قدس سره)عجيب فان العاقل القاصد لفعل شي‏ء مع العلم بشرائطه و اجزائه لا يحتمل في حقه ترك الجزء عمدا أصلا، و هذا هو المراد من الكبرى المتقدمة، لا انه يحتمل ذلك في حقه و ينفى احتماله بهذه الكبرى تعبدا أو من باب الغلبة، كما في احتمال الترك نسيانا.

و الحاصل انه لو فرض احتمال ترك الجزء تعمدا لم يجز فيه القاعدة بلا إشكال لأنه لا دافع لهذا الاحتمال، و لا يوجد مصحح للعمل معه، فقوله (قده): لا فرق بين ان يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا أو تركه تعمدا لا وجه له أصلا.

272

13- في عدم جريان القاعدة في الشبهات الحكمية

لا إشكال في جريان القاعدة في الشبهات الموضوعية، بل هي القدر المعلوم من موردها، المصرح به في كثير من الروايات، فان ما اشتمل منها على ذكر صغرى لهذه الكلية فذلك الصغرى من قبيل الشبهات الموضوعية كما هو واضح، و ما كان عاما فالقدر المتيقن منه ذلك.

انما الإشكال في جريانها في الشبهات الحكمية، و الحق عدم جريانها فيها، فان الشك من ناحية الحكم هنا يتصور على وجهين، لا تجري القاعدة في شي‏ء منهما.

أحدهما ان يكون صورة العمل محفوظة عنده و لم يكن في عمله مستندا الى حجة شرعية من اجتهاد أو تقليد- كمن يعلم انه صلى بلا سورة و كان ذلك عن جهل بالحكم أو غفلة منه ثمَّ بعد الفراغ منها يشك في صحة صلوته من جهة الشك في حكمها الشرعي، و ان السورة جزء أم لا، و ليس له طريق لإحرازها من اجتهاد أو تقليد، فان قيل بعدم جريان القاعدة فيها وجب الاحتياط بإعادتها لاشتغال ذمته و الا كان محكوما بالصحة و لم يجب عليه الإعادة.

و الحق عدم جواز التمسك بها لظهور اخبار الباب في كون الشك في كيفية الوجود الخارجي، فقوله رجل شك في الركوع أو السجود أو الوضوء ظاهر في شكه في كيفية الإتيان بها بعد إحراز حكمها، لا في حكمها بعد إحراز كيفية وقوعها؛ لعدم ملاك الا ذكرية فيه و هو واضح، هذا إذا كان صورة العمل محفوظة و كان عمله عن جهل بالحكم.

و منه تعرف انه لو لم يكن صورة العمل محفوظا عنده كما إذا شك الجاهل بالحكم بعد مضى برهة من الزمان في مطابقة اعماله لما كان مأمورا به في الواقع، من جهة عدم انحفاظ صورة عمله، كان خارجا عن محل البحث داخلا في الشبهات الموضوعية؛ و ان كان جريان القاعدة فيها أيضا ممنوعة، نظرا الى استناد عمله الى الجهل و الغفلة، خلافا

273

لما يتراءى من المحقق النائيني من عده من أقسام الشبهة الحكمية.

ثانيهما ان يكون صورة العمل محفوظة عنده- كمن يعلم انه صلى بلا سورة- و لكن كان عمله مستندا الى حجة شرعية من اجتهاد أو تقليد، ثمَّ شك بعد الفراغ عنه في صحته و فساده، من جهة زوال رأيه أو رأى مجتهده و تردده في حكم المسئلة من دون العلم بفساده.

و جريان القاعدة في هذه الصورة و ان كان أقرب من سابقها الا ان الحق عدم جريانها فيها أيضا لما ذكر في الصورة السابقة فراجع و تدبر جيدا.

274

14- مورد القاعدة خصوص الشك الحاصل بعد العمل‏

لا ينبغي الريب في ان مورد قاعدة التجاوز و الفراغ هو الشك الحاصل بعد العمل.

فلو كان الشك موجودا من قبل، لكنه غفل عنه و دخل في العمل؛ ثمَّ بعد الفراغ منه تذكر و تجدد له حالة الشك في صحة عمله و فساده، لم يجز له التمسك بها، و لو قلنا بجريان القاعدة في موارد الغفلة.

و ذلك كمن شك في الطهارة قبل الصلاة و كان حالته السابقة الحدث، ثمَّ غفل و صلى، مع علمه بعدم تحصيل الطهارة بعد شكه، فاذا سلم توجه الى ما كان فيه و شك في انه كان على طهارة أم لا، فعليه تحصيل الطهارة و اعادة الصلاة.

و الوجه فيه ظاهر، اما بناء على المختار من عدم جريان القاعدة في موارد الغفلة فواضح، لان المفروض غفلته عن تحصيل شرائطه قبل الصلاة مع وجوب الطهارة عليه بظاهر الشرع بمقتضى الاستصحاب، فلم يكن داخلا تحت قوله «هو حين يتوضأ اذكر» أو قوله «و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك» بل لو كان ذاكرا لم يقدم على هذا العمل.

و ان شئت قلت: مورد القاعدة هو ما كان احتمال الذكر منشأ لاحتمال صحة العمل و حصول شرائطه، و في المقام لو كان ذاكرا كان عمله محكوما بالفساد في ظاهر الشرع بحكم الاستصحاب الجاري فيه بلا كلام.

و اما على القول بجريانها في موارد الغفلة، فالأمر أيضا كذلك، لا لمجرد ظهور اخبار الباب مثل قوله «الرجل يشك بعد ما يتوضأ» أو قوله «شك في الركوع بعد ما سجد» و أشباههما في ان الشك نشأ بعد الفراغ عن العمل أو التجاوز منه، بل لان مجرى القاعدة هو ما إذا كان العمل مبنيا على الصحة و لو في ظاهر الشرع، فلو كان من أول أمره مبنيا

275

على الفساد و محكوما بالبطلان في ظاهر الشرع لم يكن تصحيحها بالقاعدة بعد الحكم بفساده، و المقام من هذا القبيل، فإن الصلاة في مفروض الكلام كان محكوما بالفساد من أول آنات وجودها بحكم استصحاب الحدث؛ و ان كان المصلى غافلا عن هذا الحكم حين الشروع لغفلته و نسيانه، فكيف يصح الحكم بصحتها بعد الفراغ عنها؛ و هل يرضى بذلك لبيب؟.

هذا تمام الكلام في قاعدة التجاوز و الفراغ.

و الحمد لله أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

5- قاعدة اليد

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

و من القواعد المشهورة التي يتمسك بها في كثير من أبواب الفقه و تدور عليها احكام المعاملات كلها «قاعدة اليد» فبها تدور رحى المعاملات، و بها تنحل عقدها.

و يزيد هذا وضوحا ما ستعرف ان شاء اللّه من ان مرادنا من «اليد» ليس خصوص «يد الملكية» بل نبحث عن «اليد و الاستيلاء» بمفهومها العام الشامل ليد المالك، و المستأجر، و متولي الأوقاف، و المستعير، و الودعي، و أشباههم؛ فان كيفية السلطة و الاستيلاء على الأموال و المنافع مختلفة، تترتب عليها أحكامها كذلك، فالبحث لا يدور على دلالة اليد على الملك فقط بل يعمها و غيرها، فليكن هذا على ذكر منك.

و إذ قد عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه القاعدة أيضا يقع في مقامات:

المقام الأول- في مدرك القاعدة.

«الثاني- في انها من الامارات أو الأصول العملية؟

«الثالث- في انه بما ذا تتحقق اليد؟

«الرابع- هل هي حجة حتى إذا كان متعلقها مما لا يجوز بيعه الا بمسوغ خاص، كالوقف؟.

«- الخامس- هل هي حجة و لو حدثت أولا لا بعنوان الملك؟

280

«السادس- هل هي تستقر على المنافع و الأعيان كليهما؟

«السابع- هل يجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد؟

«الثامن- هل هي حجة لصاحبها أيضا؟

«التاسع- في عدم حجية يد السارق و شبهه.

«العاشر- في حجية اليد في الدعاوي إلا ما يستثني.

281

1- في مدرك القاعدة و ملاك حجيتها

لا اشكال و لا كلام في حجية اليد و دلالتها على الملك في الجملة، و عليه إجماع علماء الفريقين بل المسلمين جميعا، بل كافة العقلاء من أرباب المذاهب و غيرهم.

و هذا الحكم على إجماله من ضروريات الدين؛ و لكن مع ذلك لا بد لنا من استقصاء الأدلة الدالة عليه لكي نرجع إليها في إزالة الشكوك الواقعة في حدودها، و نستريح إليها فيما وقع الكلام فيه من فروع القاعدة و جزئياتها.

فنقول و من اللّه نستمد التوفيق و الهداية، يدل على هذا الحكم اعنى كون اليد حجة على الملك أمور:

أولها: إجماع علماء الفريقين عليه بل ضرورة الدين‏

كما عرفت.

هذا و لكن في الاستناد إلى الإجماع في هذه المسئلة التي يكون فيها مدارك كثيرة أخرى، الإشكال المعروف؛ من عدم كشفها عن قول المعصوم، بناء على ما اختار المتأخرون من أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) من حجية الإجماع من طريق الحدس و الكشف عن قوله (عليه السلام).

ثانيها- السيرة المستمرة من المسلمين في جميع الأعصار و الأمصار

على معاملة المالكية مع من بيده عين من الأعيان، فلا يتصرف فيها إلا بإذنه، كما انه يكتفى بإذنه في جواز

282

التصرف فيها، و الاشتراء و الاستيجار؛ و كذلك يمضى جميع تصرفاته فيها من الوصية و الهبة و غيرها و تورث بمجرد ذلك، و هذا أمر ظاهر لا سترة عليه.

و لكن الظاهر ان هذه السيرة مأخوذة من بناء العقلاء، فتئول الى ما سنذكره في الدليل الثالث.

و من هنا يعلم انه لا بد في الاعتماد عليها من ضم عدم ردع الشارع منه؛ فيعتمد عليها في موارد لا يوجد فيها ردع عموما أو خصوصا؛ و لو كانت سيرة المسلمين بما هم مسلمون لم يحتج اليه و هو واضح.

ثالثها- بناء العقلاء جميعا

، من أرباب الأديان و الملل و غيرهم، على ترتيب آثار الملك على اليد، و قد صار هذا الحكم مرتكزا في الأذهان، و راسخا في النفوس، بحيث يكون كالأمور الغريزية؛ بل لعله يوجد شي‏ء من آثار هذه الغريزة عند غير الإنسان من الحيوانات كما لا يخفى على من سبر أحوالها.

و هذا الحكم إنما ينشأ من المبادي الأولية في حصول الملك، فإنه نشأ حينما نشأ من ناحية الحيازة و الاستيلاء على الأشياء التي توجد في عالم الطبيعة، و تكون فيها منافع الإنسان، و لا يمكن الحصول عليها في أي زمان و مكان بحيث يكون كثرتها رادعة له عن حيازتها.

فأول ما نشأ الملك في العالم نشأ من ناحية الحيازة و الاستيلاء على شي‏ء، و هما يعتمدان على الجارحة المخصوصة اعنى «اليد» فكانت اليد هي الواسطة الأصلية في الملك، و الوسيلة الابتدائية له، ثمَّ انه إذا ظفر الحائز عليه و جعلها تحت يده قد ينقلها من يده الى غيره و يجعلها تحت يده باختيار منه، أو بإرث أو نحو ذلك.

و من هنا كل من شاهد عينا بيد غيره؛ و رآه مستوليا عليها، رآه اولى بها.

فلم يكن الملكية في أول أمرها إلا هذه الأولوية الطبيعية التكوينية و الاختصاص‏

283

الخارجي الناشي من الاستيلاء، فالمالك هو المستولي على شي‏ء خارجا.

ثمَّ بعد ذلك جعلت الأولوية الاعتبارية التشريعية التي هي من الأمور الاختيارية مكانها.

و قد أطلق في آيات الكتاب العزيز عنوان «الكاسب» على «اليد» فقال تبارك و تعالى‏ «فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» (1) و في موضع آخر «بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ» (2) و من هنا تعرف نكتة التعبير عن هذه القاعدة بقاعدة «اليد» دون سائر الجوارح، فان الحيازة و الاستيلاء، لا سيما بصورتها الابتدائية البسيطة، تكون باليد، فهي ممتازة عن سائر الجوارح في هذا الباب، فيحكم على «اليد» بالملك و الضمان، و الغصب؛ فيقال يد الملك، يد الضمان، و يد الغصب و الاعتداء.

ثمَّ انه من الواضح ان ما يكون بيد الإنسان حقيقة لا يكون دائما بهذه الحالة، بل قد يدعه جانبا من يده، و لكنه يكون في مكان يقدر على أخذه كلما اراده؛ فيطلق «اليد» على هذا المعنى الذي في الحقيقة هو السلطة و الاستيلاء فقط؛ فيقال انه تحت يده و هذا المعنى من «اليد» معنى أوسع من معناه الحقيقي أعني الجارحة المخصوصة.

و لا يهمنا البحث عن ان هذا المعنى صار من كثرة الاستعمال معنى حقيقيا لها؛ بحيث يراد من هذه اللفظة بلا قرينة أو معنى كنائي أو مجازي لها بعد، فإنه لو لم يكن من معانيها الحقيقية فلا أقل من كونه كناية واضحة أو مجازا مشهورا مقترنا بقرينة الشهرة و غيرها من القرائن الحالية، فلا ثمرة مهمة في هذا البحث، و قد صرح المحقق النحرير الشيخ محمد حسين الأصفهاني (قدس سره)في رسالته المعمولة في المسئلة انها حقيقة في الأول و كناية في الثاني و ذكر في وجه ما اختاره ما لا يخلو عن الاشكال فراجع.

فتحصل من جميع ذلك ان كاشفية اليد عن الملكية أمر يقتضيها طبعها الاولى، و لذا لا يرى في هذا الحكم خلاف بين العقلاء جميعا مع اختلاف آرائهم و تشتت مذاهبهم‏

____________

(1) شورى- 30.

(2) روم- 41.

284

في غيره؛ و اما الغصب و الاستيلاء العدواني على شي‏ء فهو في الحقيقة انحراف عن هذه الطبيعة، و خروج عن مقتضى وضعها الاولى.

و سيأتي ان شاء اللّه ان الغصب و السلطة العدوانية مهما كثرت و شاعت لا يقدح في كاشفية اليد عن الملك حتى إذا كانت الأيدي العادية أكثر من الأيدي الامينة، و ان الكاشفية في الأمارات- برغم ما ذكره غير واحد من المحققين- لا تدور مدار الغلبة دائما فتدبر.

رابعها- ان اليد لو لم تكن دليلا على الملك لزم العسر الأكيد، و الحرج الشديد، و اختل النظام‏

في أمور الدنيا و الدين، و بلغ الأمر الى ما لا يكاد يتحمله احد، و لم يستقر حجر على حجر، و لا يحتاج لزوم هذه الأمور إلى مضى برهة طويلة من الدهر أو زمن كثير؛ بل يلزم ذلك من إلغاء حجية اليد و لو ساعة واحدة!.

و الى هذا أشار الإمام (عليه السلام) في رواية حفص بن غياث الواردة في جواز الشهادة بالملكية بمجرد اليد: «و لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1) و من المعلوم انه إذا لم يقم لهم سوق لم يقم لهم بلد و لا دار، و لا شي‏ء من أمور دينهم و دنياهم، من معاشهم و معادهم.

هذا و لكن في الاستدلال بالعسر و الحرج و اختلال النظام الاشكال المعروف، و هو ان لازمه الاكتفاء بما يندفع معه العسر و يرتفع اختلال النظام، لا حجيتها مطلقا، فلا يكفى مجرد ذلك في إثبات دلالة اليد على الملكية في جميع مواردها.

و لا بد (ح) من حمل استشهاد الامام (عليه السلام) بهذه القضية على بيان «حكمة» الحكم لا «العلة» له، فاختلال النظام حكمة للحكم بحجية اليد على الإطلاق لا علة لها، و

____________

(1) رواه في الوسائل في باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد، من أبواب كيفية الحكم، من كتاب القضاء.

285

إلا دارت مداره.

اللهم الا ان يقال ان «التبعيض» في ذلك بنفسه موجب للعسر و اختلال النظام، لأنه لا تفاوت بين الأيدي المختلفة حتى تتبعض في الحجية، و لو كان هناك فرق و تفاوت فإنما هو بأمور لا يمكن جعلها فارقا في المقام؛ كما ان «التخيير» أيضا لا يرفع الغائلة، فلو قيل بان هذا اليد حجة دون اخرى كان أول النزاع و الخلاف، و أول المخاصمة و اللجاج، و كان فيه من الهرج و المرج ما لا يخفى. فلا مناص من القول بحجيتها مطلقا، فاستدلال الامام (عليه السلام) يكون من قبيل «العلة» للحكم كما هو ظاهره أيضا.

خامسها: السنة

- و هي روايات كثيرة وردت في مختلف أبواب الفقه، بعضهم يدل عليها بالعموم و بعضها بالخصوص.

منها- رواية «حفص بن غياث»:

المعروف بين الفقهاء، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل أ يجوز لي ان اشهد انه له قال (عليه السلام) نعم، قال الرجل أشهد انه في يده و لا أشهد انه له، فلعله لغيره، فقال أبو عبد اللّه ا فيحل الشراء منه؟ قال نعم، قال أبو عبد اللّه فلعله لغيره، فمن اين جاز لك ان تشتريه؟ و يصير ملكا لك ثمَّ تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه؛ و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك ثمَّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق- و الرواية و ان كانت غير خالية عن ضعف في سندها، الا انها منجبرة بعمل الأصحاب و استنادهم إليها؛ و استفاضا مضمونها (فتأمل).

و هي مشتملة على حجية اليد بأبلغ بيان؛ بل جواز الشهادة بالملكية بمقتضاها و انه كما يجوز ان يحلف الإنسان على كونه مالكا لما في يده، مع انه غالبا مسبوق بيان؟؟

غيره المحتملة للغصب و نحوه، فكذلك يجوز له الشهادة على ملك غيره بمجرد استقرار يده عليه، و هذا هو منتهى المقصود في المسئلة.

286

الا ان «الشهادة» و «الحلف» هنا ليستا على الملكية الواقعية؛ بل على الملكية الظاهرية كما هو ظاهر، و بهذا يندفع ما قد يقال بأنه يعتبر في الشهادة العلم اليقيني المستند إلى أسباب حسية و ليس في المقام كذلك.

و منها- ما رواه يونس بن يعقوب عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث:

«من استولى على شي‏ء منه فهو أولى» (1) الواردة في باب حكم اختلاف الزوج و الزوجة أو ورثتهما فيما بأيديهم من أثاث البيت، دلت على ان كلا من الرجل و المرأة أحق و اولى بمتاع البيت فيما استولى عليه.

و العجب من المحقق النائيني (قدس سره)حيث أسقط كلمة «منه» من الرواية و رواها هكذا «من استولى على شي‏ء فهو اولى» فصارت رواية عامة و اعتمد عليها لإثبات هذه الكلية أعني حجية اليد مطلقا، مع انها مختصة بباب معين كما عرفت و قد نقلها المحقق الأصفهاني في رسالته مع لفظة «منه» و مع ذلك جعلها أحسن ما في الباب و هو أيضا عجيب.

اللهم الا ان يقال ان الحديث و ان كان واردا في بعض مصاديق القاعدة الا أن إلغاء خصوصية المورد منه قريب جدا؛ و لا سيما بملاحظة ارتكاز الحكم في الذهن و مناسبة التعبير بقوله «من استولى» لعمومية الحكم بملاك الاستيلاء، فإنه من قبيل الوصف الذي علق عليه الحكم و هو دال أو مشعر بالعلية.

و منها- ما رواه عثمان بن عيسى و حماد بن عثمان جميعا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)

في حديث فدك ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر: ا تحكم فينا بخلاف حكم اللّه؟! قال:

لا. قال: فان كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت انا فيه من تسأل البينة؟.

قال: إياك كنت اسئل البينة على ما تدعيه على المسلمين.

____________

(1) رواه في الوسائل في باب اختلاف الزوجين أو ورثتهما في متاع البيت، من أبواب ميراث الأزواج.

287

قال (عليه السلام): فاذا كان في يدي شي‏ء فادعى فيه المسلمون تسئلنى البينة على ما في يدي؟!. الحديث. (1) و هي ظاهرة بل صريحة في ان الوجه في عدم مطالبة البينة من ذي اليد هو كون اليد دليلا على ملكيته لا غير، و قوله (عليه السلام) في الفقرة الأولى: كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه، ظاهره انهم يملكونه بمقتضى ظاهر اليد فليس قوله «يملكونه» زائدا على قوله «في يد المسلمين» بل هو نتيجة له، فهو شاهد آخر على دلالة اليد على الملكية.

و منه يظهر ان حجية اليد و دلالتها على الملكية كان امرا ظاهرا مرتكزا في أذهان المسلمين و أهل العرف لا يقدر احد على إنكاره، فاحتج الأمير (عليه السلام) به على ابى بكر، و إطلاق حكم اللّه عليه في صدر الرواية انما هو من ناحية إمضاء الشارع لهذا الارتكاز؛ و عدم ردعه عنه؛ لا انه حكم أسسه الشارع المقدس.

هذا و لكن الرواية دالة على حجية يد المسلم فقط، ساكتة عن غيرها؛ فلا بد من تكميل دلالتها على المدعى بإلغاء خصوصية المورد و نحوه.

و منها- ما ورد في جواز اشتراء المملوك عن صاحب اليد

، و ان ادعى انه حر، مثل رواية حمزة بن حمران ادخل السوق فأريد ان اشترى جارية تقول إني حرة فقال اشترها الا ان تكون لها بينة؛ و مثله غيره. (2) فان الحكم بجواز اشترائها مع ان الأصل يقتضي حريتها ليس الا بمقتضى اليد لعدم فرض أمارة أخرى على ملكية بائعها. هذا و لكن التعدي عن موردها إلى سائر الموارد يحتاج إلى إلغاء الخصوصية، و الا فهي رواية خاصة وردت في مورد خاص.

و منها- ما رواه مسعدة بن صدقة عن. (عليه السلام): كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه‏

فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك و لعله سرقة، أو العبد

____________

(1) رواه في الوسائل في باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد من أبواب كتاب القضاء

(2) رواه في الوسائل في باب جواز شراء الرقيق من الأسواق من أبواب بيع الحيوان.

288

يكون عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر فبيع، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غير هذا، أو تقوم به البينة (1).

و الوجه في دلالتها ان الحكم بالحلية في ما ذكره (عليه السلام) من المثالين الأولين لا يصح الا بظاهر اليد السابق على يده، و الا يكون أصالة عدم الملك في مثال الثوب و أصالة الحرية في مثال العبد قاضية بالحرمة بلا اشكال؛ فالحلية مستندة الى يد البائع في المثالين.

و في دلالة الرواية على قاعدة الحلية المعروفة و تطبيقها على المثالين كلام مشهور في محله ذكره العلامة الأنصاري في ذيل أصالة البراءة و تبعه فيه غيره من المحققين في تعليقاتهم عليه فراجع؛ و على كل حال فذاك الكلام و الاشكال أجنبي عما نحن فيه.

و كيف كان دلالتها على المقصود من ناحية المثالين، بالقرينة التي ذكرناها، ظاهر للمنصف، هذا و قد يقال في توجيه دلالتها على المدعى ان قوله: «لك» في قوله «كل شي‏ء هو لك حلال» قيد للمبتدإ، لا جزء للخبر، فالمعنى كل شي‏ء يكون لك و يدك ثابتة عليه فهو حلال إلخ، و عليه تكون الرواية دليلا على حجية يده لنفسه عند الشك في ملكيته لما تحت يده.

و فيه من التكلف و التعسف ما لا يكاد يخفى.

و قد تحصل من جميع ما ذكرنا ان العمدة في دليل حجية قاعدة اليد أولا هو ارتكاز أهل العرف و جميع العقلاء من أرباب الديانات و غيرهم، في جميع الأعصار و الأمصار عليها، مع إمضاء الشارع لها، لا بمجرد عدم الردع عنها؛ بل بالتصريح بإمضاء هذه السيرة و الارتكاز العرفي في غير مورد و ترتيب آثارها عليها، و في التالي لزوم العسر و الحرج بل اختلال نظام المعاش و المعاد أيضا، و اما غير هذين الدليلين فهو في الحقيقة تأييد و إمضاء لهما.

____________

(1) رواه في الوسائل في الباب الرابع من أبواب ما يكتسب به.

289

2- في انها من الامارات أو الأصول العملية؟

قد وقع الكلام بينهم في ان «اليد» حجة كسائر «الأمارات الشرعية و العقلائية» أو انها معتبرة كأصل عملي؟ ثمَّ وقع الكلام في وجه تقديمها على الاستصحاب و سائر «الأصول العملية» على القول بكونها من الأصول.

فذهب كثير من المحققين إلى أنها أمارة عقلائية أمضاها الشارع المقدس، و لكن يظهر من صدر كلام شيخنا العلامة الأنصاري الميل الى كونها أصلا تعبديا معتبرا لحفظ النظام و اقامة الأمت و العوج، بينما يظهر من ذيله الميل الى كونها من الامارات، نظرا الى ان اعتبارها عند العقلاء انما هو لكشفها عن الملك غالبا و الغلبة انما توجب إلحاق المشكوك بالغالب، فالشارع اعتبرها بهذا الملاك أيضا.

و قال المحقق النائيني بعد ما اختار كونها أمارة: «انه لا ثمرة مهمة في هذا النزاع، لتقدمها على الاستصحاب مطلقا، امارة كانت أو أصلا عمليا».

هذا و الحق ان الذي يظهر مما ذكرنا آنفا عند بيان أدلة حجيتها ان العمدة في ملاك حجيتها انها كاشفة عن الملك لا لغلبة الا يدي المالكية على العادية كما ذكر غير واحد منهم، لما سيمر عليك من الإشكال في أمر هذه الغلبة؛ بل لان الملك مقتضى طبعها الأولى؛ فإن الملكية أول ما نشأت كانت كالأمور العينية الخارجية، لا الأمور الاعتبارية و التشريعية التي وعائها الذهن و عالم الاعتبار.

فحقيقة الملكية كانت هي الغلبة و السيطرة الخارجية على شي‏ء، و الاختصاص الحاصل منه في عالم الخارج؛ و منشأ هذه السيطرة و الاستيلاء كانت الحيازة التي تكون‏

290

باليد غالبا، فكل من اكتسب شيئا من المباحات بيده كان مسلطا عليه، مانعا لغيره من التصرف فيه بأنواع التصرفات، فأخذه بيده دليل على كسبه، و سبب للوصول الى جميع أنحاء التصرف فيه؛ هذه هي المرحلة الاولى من مالكية الإنسان للأشياء الخارجية.

ثمَّ انتقل الأمر من أخذ الإنسان العين الخارجي بيده الى جعله في محل تصل يده اليه كلما شاء؛ و يمنع غيره عنه كلما قصده، و هذه هي المرحلة الثانية لها.

و حيث ان ذلك اعنى جعلها تحت يده و في حيطة تصرفه الخارجي دائما كان امرا صعبا، لأن الملكية ما زالت تكثر و تزداد و تتنوع، و كان المالك كثيرا ما يغيب عما يملكه و لا يمكنه نقل جميعها معه أينما ذهب، التجأوا إلى أمر أسهل و أوسع منه، و هو جعلها في شكل آخر اعتباري، لا خارجي تكويني، فجعلوا لها صورة قانونية تشريعية لا واقعية تكوينية، و من هنا نشأت الملكية و السلطة الاعتبارية، و المعبر عنها باليد، و كانت هذه هي المرحلة الأخيرة للملكية.

فكانت اليد في شكلها الاعتباري القانوني دليلا على الملك كما كانت في شكلها التكويني الخارجي دليلا عليه بمقتضى طبيعتها الأولية.

و من هنا تعرف انه لا يتفاوت الحال في أمر هذه الكاشفية بغلبة الا يدي المالكة على غيرها؛ مع ما في هذه الغلبة من الاشكال، لا لما ذكره المحقق الأصفهاني فقط من ان المسلم انما هو غلبة «اليد غير العادية» (أعم من يد المالكية و الوكالة و الوصاية و غيرها) لا اليد المالكة.

بل لان غلبة الأيدي غير العادية على العادية أيضا أمر غير معلوم، لا سيما في زماننا هذا، و كثير من الأزمنة السابقة عليه، فمن سبر التاريخ و علم أحوال كثير من الملوك و الخلفاء و الأمراء و فوضاهم؟؟ في أموال اللّه و أموال الناس و خضمهم إياها خضم الإبل نبتة الربيع، و اقتفاء تابعيهم- و هم الأكثرون ذلك اليوم- لا ثارهم، ثمَّ انتقال هذه الأموال، لا سيما الضياع و العقار، منهم الى من بعدهم؛ جيلا بعد جيل، يعلم ان دعوى هذه الغلبة أمر مشكل جدا.

291

و قد كان بعض سادة اساتذتنا يقول في بحثه في غير هذه المسئلة ببعض المناسبات:

«ان كل ما يكون تحت أيدينا من الأرض و الدار و شبههما قد جرت عليها من أول يوم إحيائها أيدي أناس كثير لا يعلمهم الا اللّه؛ و هل يظن كون جميع الا يدي الجارية على كل عين منها مالكة امينة غير عادية»؟ و من الواضح ان واحدة منها في سلسلتها الطولية إذا كانت عادية لم تكن تلك العين مملوكة لمالكها الفعلي واقعا الآن، و ان كانت ملكا له ظاهرا.

و أوضح من هذا كله حال أموال الناس و أملاكهم في زماننا هذا، الذي غلب عليه و على اهله الجور و الاعتداء، يتقلب كل على غيره و يتملك أمواله له يوما بعنوان القهر و الظلم، و يوما بعنوان بسط العدل و المساواة، و يوما تحت عنوان اجراء أصول الاشتراكية، و يوما بالربا، و يوما بالغش في المعاملة و يوما بالرشاء و بإشكال كثيرة أخر.

و ان أبيت عن جميع ذلك و قلت بغلبة الا يدي الامينة على العادية في جميع ما ذكرنا، فافرض نفسك في صقع من الأصقاع و بلد من البلاد تكون الأيدي المالكة متساوية مع الأيدي الخائنة، فهل ترى من نفسك إسقاط اليد عن دلالتها على الملكية مطلقا و تعامل مع جميع الأموال التي بأيدي الناس هناك معاملة مجهول المالك، و هل يساعدك العقلاء و أهل العرف على ذلك، لو قلت به؟! هذا و لا غر و ان يكون هناك امارة لا تدور مدار الغلبة، و ان تعجب فعجب قولهم بحجية أصالة الحقيقة و تقديمها على احتمال المجاز، و لو كان الاستعمال المجازي بالنسبة الى بعض الألفاظ أغلب من استعماله الحقيقي، فهل ترى فرقا بينه و بين ما نحن فيه؛ و السر فيه أيضا هو ان دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي انما هي بمقتضى طبعها الاولى، و شرحه في محله.

و هكذا الحال في أصالة السلامة، الدائرة بين العقلاء؛ فإنها ليست من استصحاب الثابت حجيته بمقتضى اخبار لا تنقض، بل هي حجة من باب الظن الحاصل من مقتضى طبع الإنسان، فإنه يقتضي الصحة و السلامة، و لا ينافي ذلك مساواة المرضى و السالمين أحيانا.

292

بقي هنا أمور:

أحدها- ان التعليل الوارد في رواية حفص بن غياث و هو لزوم اختلال السوق و انحلاله على فرض عدم حجية اليد

لا ينافي ما ذكرنا من كونها امارة و طريقا إلى الملكية، و ذلك لما عرفت من انه لا منافاة بين الملاكين و ان تكون حجيتها مستندة في المرتبة الاولى الى اقتضاء طبع اليد، و في الثانية إلى لزوم حفظ النظام، و المنع عن الهرج و المرج، و اى مانع من ان يكون في شي‏ء واحد ملاكان للحجية؟.

ثانيهما- ان تقديم البينة على اليد، في موارد قيامها، أيضا لا ينافي أماريتها

، كما ان تقديم قرينة المجاز على أصالة الحقيقة؛ و دليل التخصيص على أصالة العموم، و أشباههما، لا ينافي كون هذه الأمور حجة من باب الأمارية و الطريقية إلى الواقع، لأن الامارات ليست متساوية الإقدام في كشف الواقع؛ فرب امارة تكون أقوى من اخرى، فتقدم عليها؛ و لا شك ان البينة العادلة أقوى دلالة على الملكية من اليد، فاليد بطبعها الاولى و ان كانت تقتضي الملكية إلا انه إذا كان هناك دليل أقوى يدل على انحرافها عن طبعها و استعمالها في غير محلها، فلا بد من الركون اليه، و هذا نظير تقديم الأظهر على الظاهر في باب الألفاظ.

فإذن لا نحتاج الى ما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره)من ان تقديم البينة عليها انما هو من جهة ان اليد تكون امارة على الملك عند الجهل بسببها، و البينة مبينة لسبب اليد؛ و بعبارة أخرى: مستند الكشف في اليد هي الغلبة، و الغلبة انما توجب إلحاق المشكوك بالأعم الأغلب، اما إذا كان في مورد الشك أمارة معتبرة تزيل الشك تعبدا فلا يبقى مورد للإلحاق (انتهى).

و هذا البيان كما ترى راجع الى توجيه حكومة البينة على اليد، بتصرفها في موضوعها بإزالة الشك تعبدا، و فيه من الاشكال ما لا يخفى، لإمكان معارضته بمثله، و القول بأن حجية البينة انما هي عند الجهل بالملك، و اليد تزيل هذا الشك (فتأمل).

293

ثالثها- ان اليد تقدم على الاستصحاب‏

و لو قلنا بأنها من الأصول العلمية، و ان الاستصحاب حجة من باب الامارة، و الوجه فيه ما ذكره غير واحد من المحققين من انها اعتبرت في موارد الاستصحاب، و انها أخص أو كالأخص بالنسبة إليه، لأن ما لا يجرى فيه استصحاب عدم الملكية قليل جدا. فلو لم تكن معتبرة في موارد استصحاب عدم الملكية لزم الوقوع فيما فر منه، و هو عدم بقاء السوق و بطلان الحقوق، و اختلال أمر الدنيا و الدين.

294

3- بما ذا تتحقق اليد

قد عرفت ان حقيقة اليد هي الاستيلاء و السيطرة على الشي‏ء بحيث يمكن لصاحبها التصرف فيه كيفما شاء، و التغلب فيه كيفما أراد، فهي لا تتكيف بكيفية خاصة، بل تختلف باختلاف الحالات و المقامات؛ فربما يكون نحو من الاستيلاء محققا لليد في مقام و لا يكون كذلك في مقام آخر، أو بالنسبة إلى شي‏ء دون آخر؛ أو حالة دون اخرى؛ و المعيار في جميع ذلك هو العرف.

فقد تتحقق اليد بكون الشي‏ء في يد الإنسان حقيقة، كالفلوس إذا كانت في كفه.

و اخرى تكون بالتعلق ببدن الإنسان، كالقميص الذي لبسه، و الحذاء في رجله و المنظرة على عينه، و الفلوس في كيسه؛ و الشي‏ء على عاتقه.

و ثالثة تكون بركوبه، كركوب الدابة أو ركوبه في محل خاص كالسائق للسيارة؛ فان استقراره في محله سبب لاستقرار يده عليها، دون غيره من الركاب.

و رابعة بأخذ زمامه كما يأخذ المكاري زمام الناقة و أمثالها، أو المشي في جانبه كما يمشى هو أيضا على جانب القافلة على الوضع الخاص لو كان.

و خامسة بالسكون فيه كسكون الإنسان في الدار و في الدكان و شبهه.

و سادسة بكون مفتاحه بيده؛ و ان لم يكن ساكنا فيه كما في الدور و الخانات و الدكاكين و غيرها إذا كانت غير مسكونة.

و سابعة بالعمل فيها بالمباشرة أو التسبيب كما في عمل الفلاحين في الأراضي الزراعية بالزرع و انحصاد و غيرهما، إذا لم يكن سبب آخر هناك تحقق سيطرتهم و استيلائهم عليها؛ الى غير ذلك من الأنحاء و الاشكال التي يطلع عليها من سيبر موارد الملك بين العقلاء و العرف.

295

و غير خفي ان التصرف بنحو خاص في بعض الموارد كما في الدار محقق للسلطة و الاستيلاء لا انه شرط زائد عليها، فما قد يتوهم من انه يعتبر في تحقق اليد التصرف بنوع خاص في جميع مواردها أو في بعضها مضافا الى السلطة و الاستيلاء، توهم فاسد لا دليل عليه أصلا.

بل جميع ما ذكرنا من الأدلة السابقة و لا سيما سيرة العقلاء و أهل العرف دليل على نفى هذا الشرط، و كفاية حصول الاستيلاء على الشي‏ء بنحو يمكنه التصرف فيه كيفما شاء، و ان لم يتصرف فيه أصلا، و اما كون التصرف في بعض مواردها و مصاديقها محققا لهذا المعنى في الخارج فهو أمر آخر وراء اعتبار «التصرف» كأمر زائد على «الاستيلاء» ثمَّ انه قد يتعارض أنحاء اليد بالنسبة إلى أشخاص مسيطرين على شي‏ء واحد بأنحاء مختلفة، كما إذا تعارض دعوى راكب الدابة و الأخذ بزمامها، و كل يدعى كونه مالكا، أو تعارض دعوى المشترى و صاحب الدكان في متاع يكون بيد المشترى في في دكان غيره فالمشتري يدعى انها ملكه اشتراها من غيره، و صاحب الدكان يدعى انها من أمتعته و هما في الدكان فلا يبعد ان يقال يكون كل منها ذات اليد عليه أحدهما من جهة كونه بيده حقيقة و الأخر من جهة كونه في حيطة سلطانه و استيلائه؛ و هذا ناش من تنوع اليد باختلاف المقامات و قد يكون بعض هذه إلا يدي أقوى من بعض و قد تكون متساويين فتتعارض و لحل هذه الدعاوي مقام آخر.

296

4- هل اليد حجة فيما لا يملك الا بمسوغ خاص‏

العين التي تستقر عليها اليد لا تخلو من أنحاء ثلثة.

أحدها- ما يعلم بأنها قابلة للنقل و الانتقال، و لكن يشك في تحقق سببه بالنسبة الى من في يده.

ثانيها- ما يشك في كونها طلقا أو غير طلق.

ثالثها- ما يعلم بأنها لم تكن طلقا و قابلة للنقل و الانتقال الا بمجوز خاص؛ كالعين الموقوفة التي لا يجوز بيعها و لا شرائها إلا إذا طرء عليها الخراب أو خلف شديد بين أربابها (على المشهور).

لا إشكال في حجية اليد في القسم الأول، المعلوم قابليتها لذلك، لأنه القدر المتيقن منها، و كذا القسم الثاني لشمول إطلاقات الأدلة و بناء العقلاء و الإجماعات له، بل الغالب في موارد اليد هو هذا القسم ظاهرا و إخراجه عن تحت القاعدة يوجب الهرج و المرج و اختلال النظام، و لا يبقى معه للمسلمين سوق؛ مع انه لا خلاف في شي‏ء من ذلك و اما القسم الثالث فهو الذي وقع الخلاف فيه بين المحققين ممن قارب عصرنا، فاختار بعض عموم الحجية لها، و اختار عدمه آخرون.

فممن ذهب الى الأول المحقق الأصفهاني في رسالته المعمولة في المسئلة؛ و ممن ذهب الى الثاني المحقق النائيني في رسالته. و هو الأقوى.

و عليه لو شوهد العين الموقوفة في يد واحد بعنوان الملك و احتمل في حقه اشترائه لطرو الخراب عليها أو خلف شديد بين أربابه، لم يجز الاعتماد على مجرد يده في إثبات ذلك، بل كانت أصالة الفساد هنا محكمة.

و ذلك لقصور أدلة حجيتها عن شمول مثله، فان عمدتها كما عرفت هي بناء العقلاء و السيرة المستمرة الدائرة بينهم، و الاخبار و الإجماعات الدالة على إمضاء هذه السيرة من ناحية

297

الشارع المقدس، و لا يشمله شي‏ء منها فان العقلاء من أهل العرف يقفون عن معاملة الملك مع عين موقوفة استولى عليها شخص أو أشخاص بعنوان المالكية، بمجرد احتمال وجود مسوغ في بيعها؛ بل يلزمون أنفسهم على البحث و التحقيق عن ذاك المسوغ، و يظهر ذلك بأدنى مراجعتهم.

و اما الإطلاقات الواردة في الشرع، مضافا الى أنها ناظرة إلى إمضاء هذا البناء، بنفسها منصرفة عن مثله، لا أقل من الشك و هو كاف في اجزاء أصالة الفساد.

و السر في جميع ذلك ما عرفت من ان دلالة اليد على الملكية شي‏ء يقتضيها طبعها الاولى و ظاهر حال اليد؛ و المفروض ان هذا الطبع قد انقلب في موارد الأعيان الموقوفة و شبهها، لان طبيعة الوقف تقتضي أن تكون محبوسة تترك في أيدي أهلها، لا تباع و لا تورث، فجواز النقل و الانتقال انما هو أمر عارضي لها، مخصوص بصور معينة محدودة، و بعبارة أخرى جواز بيع الوقف انما هو في صورة الضرورة و الاضطرار لا غير.

و من المعلوم ان إثبات ذلك الأمر العارضي يحتاج الى دليل خاص و مجرد اليد لا تكفي لإثباته كما عرفت.

و ما قد يقال من ان اليد من الامارات، و هي تثبت أسبابها و لوازمها، فهي تثبت ان محلها كانت قابلة للملكية، ممنوع جدا فان ذلك، لو قلنا به، انما هو في موارد يشملها دليل حجيتها، و قد عرفت قصورها، و إثبات توسعة دليلها بذلك يوجب الدور الواضح.

هذا كله فيما يعلم كونه و قفا، و اما في موارد الشك فالحق- كما عرفت- حجية اليد فيها فإن الأعيان الخارجية بطبعها الاولى قابلة للنقل و الانتقال، و اما حبسها و إيقافها فهو أمر عارضي لها يحتاج إثباته إلى دليل، و لكن هذا الأمر العارضي إذا عرض في محل فصار من الأعيان الموقوفة كان عدم الانتقال كالطبيعة الثانية له، فلا يتعدى عنه الا بدليل.

و إذ عرفت ذلك فلنرجع الى دليل المخالف و الجواب عنه:

قال المحقق الأصفهاني في رسالة المعمولة في قاعدة اليد بعد اختيار عموم دليل الحجية للمقام ما حاصله:

298

«ان ملاك الحجية و هي غلبة الأيدي المالكية في مقابل غيرها (على مختاره) محفوظ في المقام، و غلبة بقاء الأعيان الموقوفة على حالها، لندرة تحقق المسوغ؛ و ان كانت ثابتة لا تنكر؛ و لكنها انما هي في اليد التي ثبتت على الوقف حدوثا إذا شك في بقائها على حالها أو انقلابها يد الملك، و اما في مورد البحث المفروض انقطاع اليد السابقة على الوقف فيها و حدوث يد اخرى يشك في انها على الملك أو الوقف، فلا مجال لتوهم بقاء اليد على حالها، فان غلبة كون الأيدي مالكية شاملة له و لا وجه للعدول عنها؛ و إذ قد ثبت ملاك طريقة اليد هنا فلا وجه لمنع شمول الإطلاقات له، و ليست الخدشة فيه الا كالخدشة في سائر المقامات».

ثمَّ قال: «بل يمكن ان يقال بناء على كون اليد أصلا ان اليد تتكفل لإثبات أصل الملكية، و حيث انها عن سبب مشكوك الحال من حيث استجماعه لشرط التأثير و هو المسوغ لبيع الوقف فأصالة الصحة في السبب الواقع بين مستولى الوقف و ذي اليد تقضى بصحة السبب كما بنينا عليه في أصالة الصحة، فإنها مقدمة على الأصول الموضوعية الجارية في موردها، و منها أصالة عدم المسوغ» انتهى ملخصا.

أقول- فيه أولا ما عرفت سابقا من ان ملاك حجية اليد ليس غلبة الأيدي المالكية، بل الملاك فيها ظهور حال اليد و هو مقتضى طبعها الاولى، و نظيره في ذلك حجية أصالة الحقيقة، فإنها ليست من باب غلبة الحقيقة على المجاز بل هي حجة- و لو كانت المجازات أكثر- و قد مر توضيحه بما لا مزيد عليه.

و ثانيا- ان هذه الغلبة قد انقلبت في الأعيان الموقوفة فإن الغالب في الأيدي الجارية عليها حدوثا أو بقاءا بأي نحو كانت هو عدم المالكية، و الفرق بين اليد السابقة و الحادثة لا وجه له؛ فان جميعها تجرى على العين الموقوفة، و لحاظ الغلبة انما هو في المجموع من حيث المجموع فإنها تشترك في جريانها على العين الموقوفة.

و ثالثا- ما ذكره من تتميم الاستدلال بها، بناء على كونها من الأصول العملية، بأصالة الصحة في البيع الواقع من متولي الوقف و ذي اليد، ممنوع؛ لما أشرنا إليه في- المجلد الأول من هذا الكتاب في باب قاعدة الصحة من عدم جريانها في أمثال المقام فراجع.

299

5- هل اليد حجة و لو حدثت لا بعنوان الملك؟

لا إشكال في حجية اليد و دلالتها على الملك إذا كانت من أول أمرها مشكوكة.

كما انه لا إشكال في حجيتها إذا كانت مسبوقة بالملك و لكن شك في خروجها عنه بقاءا.

اما إذا كانت اليد حادثة لا بعنوان الملك، كما إذا كانت يد إجارة أو عارية أو عدوان ثمَّ شك في انقلابها ملكا؛ ففيه كلام بين الاعلام، و الذي اختاره غير واحد من المحققين هو عدم الحجية، و غاية ما يقال في وجهه أمران:

الأول- ان ملاك حجيتها و هو الغلبة و الكاشفية النوعية منتف هنا، فإنها تختص بما إذا لم يعلم حدوثها على غير الملك؛ و اما إذا حدثت على غير الملك فلا تكون لها هذه الكاشفية، بل الغالب في هذه الموارد بقائها على عنوانها الذي كانت عليه، من الإجارة و غيرها، فمع هذه الغلبة الطارية يزول الحكم السابق؛ و منه يعلم انصراف الإطلاقات عنه أيضا. و الشاهد على هذا جريان سيرة العقلاء على أخذ السجلات من المستأجرين و غيرهم بقبول الإجارة و غيرها، و ليس ذلك إلا لأجل إسقاط أمارية اليد عن الدلالة على الملكية حتى يكون المستأجر محتاجا إلى إقامة الدليل ان ادعى ذلك.

الثاني- انها انما تكون امارة بما أنها مشكوكة الحال؛ و لكن استصحاب الحالة السابقة في المقام يخرجها عن كونها مشكوكة بحكم الشارع المقدس، و يدل على عدم كونها يد ملك؛ فلا تكون امارة.

و بعبارة أخرى: اليد انما تكون امارة مع انحفاظ موضوعها، و هو كونه مشكوك الحال، و مع جريان الاستصحاب ينتفي موضوعها، و (ح) لا يبقى مجال للإشكال بأنه كيف يقدم الاستصحاب و هو من الأصول العملية، على اليد و هي من الامارات؟، فإن تقدم‏

300

الامارة على الأصل انما هو فيما إذا كانا جاريين في مورد واحد، اما إذا كان الأصل جاريا في موضوع الامارة و منقحا له فلا إشكال في تقديمه عليها.

أقول- هذا غاية ما يمكن ان يقال في وجه عدم حجية اليد هنا و لكن فيه:

أولا- ان ما ذكر من بناء العقلاء مسلم إذا كان العين موردا للتشاح و التنازع، بان ادعى المالك الأصلي أنه مالكها فعلا، و ادعى المستأجر أو المستعير انتقاله اليه ببيع أو نحوه و ان يده فعلا يد ملك، فان الاعتماد على يده في قبال المالك الاولى هنا غير معلوم، بل يطالبونه بالدليل على كون يده فعلا يد ملك بعد ما كانت غيره، و ما ذكر من جريان سيرة العقلاء، على أخذ السجلات من المستأجرين و غيرهم أيضا ناظر الى هذه الصورة.

و اما لو لم يكن هناك منازعة و تشاح؛ بان رأينا المستأجر السابق مستوليا على العين استيلاء المالك على ملكه، يتصرف فيها كيفما شاء؛ يبيعه أو يهبه، فعدم الاعتماد على يده غير معلوم، كيف و ليس حاله اسوء مما إذا شاهد ناعينا في يد واحد ثمَّ شاهدناها في يد آخر يعمل فيها عمل المالك في ملكه، فإنه لا ينبغي الشك في الاعتماد، على يده، كيف و الغالب في الأيدي سبقها بيد الغير قطعا؛ اما تفصيلا أو إجمالا، فهل يمكن القول بان سبق يد الاستيجار مثلا اسوء حالا من سبق يد الغير؟! نعم لو كان المدعى للملكية متهما في دعواه أمكن الإشكال في الاعتماد على مجرد يده، و لكنه لا يختص بهذا المقام بل يجري في جميع موارد التهمة كما مر نظيره في باب أصالة الصحة و سيجي‏ء في مورد قاعدة اليد أيضا ان حجيتها في الأيدي المتهمة، بما سيذكر لها من المعنى، غير معلومة.

و لا يتوهم ان ركون العقلاء على اليد فيما ذكرنا انما هو من باب أصالة الصحة في الأفعال الصادرة عن الغير، فان ما ذكرنا ثابت و لو لم يكن هناك فعل يحمل على الصحة فتدبر.

و ثانيا- ان ما ذكر من جواز التمسك باستصحاب الحالة السابقة و انه رافع لموضوع اليد؛ ممنوع أشد المنع، لان الاستصحاب لا يرفع الشك عن حال اليد؛ و المفروض ان‏

301

ظاهر اليد أولا و بالذات هو اليد المالكة، و هذا الظهور من قبيل الامارات فكيف يمكن صرف النظر عنه بمجرد استصحاب بقاء اليد على وضعها السابق، و الانصاف ان مثل هذا عن المحقق النائيني (قدس سره)عجيب.

هذا و لكن لا يبعد تخصيص ما ذكرنا من جواز الاعتماد على اليد هنا بما إذا لم يكن مسبوقا بيد العدوان، فإنها من الأيدي المتهمة التي لا يمكن الركون إليها، و ان ادعى صاحبها انقلابها الى يد الملك كما أشرنا إليه آنفا و سيجي‏ء مزيد توضيح له عن قريب ان شاء اللّه.

302

6- هل اليد تعم المنافع و الأعيان؟

لا إشكال في تعلق اليد بالأعيان، و دلالتها على الملكية لها، انما الكلام في تعلقها بالمنافع، المحكى عن الفاضل المحقق النراقي قده اختصاصها بالأعيان و عدم تعلقها بالمنافع، و اختار غير واحد من أكابر المتأخرين إمكان تعلقها بالمنافع أيضا.

و محل النزاع الذي يترتب عليه الثمرة ما إذا تعلق اليد بها استقلالا لا تبعا للعين، بحيث تكون المنافع- مع قطع النظر عن العين- تحت اليد، أو إذا كانت تبعا للعين و لكن كان هناك دليل على عدم مالكية العين، فتظهر الثمرة في دلالة الاستيلاء التبعي للمنافع على ملكيتها و عدمها.

ففي هاتين الصورتين يتصور الثمرة العملية لهذا النزاع.

و إذا قد عرفت ذلك فاعلم ان تعلق اليد بالمنافع مستقلا أمر غير معقول و ان مال اليه أو اختاره بعض المحققين كما حكى، لعدم إمكان الاستيلاء الخارجي عليها؛ من غير طريق الاستيلاء على نفس الأعيان، فإنها في نفسها من الأمور العرضية، و لا استقلال لها في الوجود، فلا استقلال لها في وقوعها تحت اليد، و كيف يستولي عليها استقلالا مع انها في ذاتها مما لا يوجد مستقلا؟.

و ما يحكى من التمثيل لها بالمزارع الموقوفة التي تكون بأيد المتولين، فتصرف منافعها في حق الموقوف عليهم و تعطى ثمراتها بايدهم، فلهم اليد على منافعها دون أعيانها، واضح الفساد- كما افاده المحقق الأصفهاني (قدس سره)في رسالته- فان مثل هذه المنافع من الأعيان، خارجة على محل الكلام. و الكلام في المنافع المقابلة للعين.

و كذلك ما قد يقال بإمكان تصويرها في الاستيلاء على حق الاختصاص بمكان من المسجد و نحوه من المدارس و الخانات الموقوفة، ففي هذه الموارد لا تكون المسجد و غيره تحت اليد، بل الذي يكون تحتها هو نفس حق الاختصاص.

303

و فساد هذا أيضا بين، فان حق الاختصاص ليس من المنافع و لا يقع تحت اليد، بل هو أمر اعتباري نظير الملكية و مرتبة نازلة من السلطنة على العين، فهو من آثار اليد على العين بنحو خاص، لا متعلقا لها واقعا تحتها، و الحاصل ان الاستيلاء في هذه المقامات انما هو على نفس المسجد و المدرسة و الخان و شبهها و لكنه بنحو يكون مؤثرا في وجود نوع خاص من الحق و كاشفا عنه، لا الملكية، لعدم قابلية المورد.

و الانصاف ان عدم إمكان تعلق اليد بالمنافع مستقلا أوضح من ان يحتاج الى أكثر من هذا البيان.

فيبقى الكلام في إمكان وقوعها تحت اليد بتبع الأعيان حقيقة، بأن تكون اليد على العين من قبيل الواسطة في الثبوت، لا من قبيل الواسطة في العروض، حتى يكون من باب المجاز و المسامحة؛ ثمَّ بعد إمكان ذلك ثبوتا يقع الكلام في قيام الأدلة عليه و دلالتها على حجية مثل هذا اليد إثباتا.

و تنقيحه يحتاج الى توضيح حقيقة المنفعة المقابلة للعين، فقد يتوهم انها نفس صرف الشي‏ء، في الطرق المقصودة التي لها أثر في شأن من شئون الحياة، و بناء عليه هي من الأمور التدريجية توجد شيئا فشيئا و لا تقع تحت اليد إلا باستيفائها، و استيفائها مساوقة لإعدامها، فما لم تستوف لم تقع تحت اليد و إذا استوفيت انعدمت، فلا فائدة و لا أثر في البحث عن وقوعها تحت اليد تبعا.

هذا و لكنه توهم فاسد لان ذلك هو «الانتفاع» و هو قائم بأمرين: العين؛ و من يستوفي منها، و اما المنفعة التي هي مقابلة للعين، قائمة بالعين فقط، استوفيت أم لا، و يقع عليها المعاوضة في باب الإجارة و أمثالها هي نفس قابلية العين لصرفها في مصارف خاصة، فإن هذا هو الذي يمكن تمليكها في باب الإجارة و يمكن قبضها و إقباضها و لو بتبع العين.

و من الواضح ان هذا المعنى من المنفعة من الأمور القارة الثابتة خارجا استوفيت‏

304

أم لا؛ و بناء عليه تقع تحت اليد و لو بتبع العين، فالاستيلاء على الشي‏ء يمكن ان يكون استيلاء على منافعة حقيقة و بالذات، على نحو الواسطة في الثبوت لا مجازا و بالعرض على نحو الواسطة في العروض.

و إذ قد فرغنا عن تصوير ذلك ثبوتا فالحق انه لا مانع من شمول أدلة حجية اليد لها، لما قد عرفت من ان عمدتها بناء العقلاء؛ و من الواضح ان ملاكه عندهم أعم من العين و منافعها.

(فح) تظهر الثمرة فيما إذا علم من الخارج ان استيلاء الشخص الفلاني على عين خاص ليس استيلاء مالكيا فتسقط يده عن الدلالة على الملك، و لكن تبقى يده على المنافع دليلا على ملكه لها.

هذا و لكن يمكن ان يقال: بان استقرار اليد على عين له أنحاء مختلفة:

فقد يكون الاستيلاء عليها استيلاء ملك، و قد يكون استيلاء اجارة، و قد يكون استيلاء عارية، أو استيلاء تولية كما في الأوقاف، الى غير ذلك.

فاليد في جميع ذلك تعلقت بنفس العين لا غير، و لكنها ذات أنحاء مختلفة، و اليد أولا و بالذات لو لا قرينة على خلافها دليل على الملك فاذا سقطت عن الدلالة عليه بقرينة خارجية في مورد خاص لا مانع من دلالتها على انها بنحو آخر من أنحاء الأيادي الامينة و انها ليست بيد عدوان.

ففي مورد البحث إذا سقطت اليد عن الحجية على الملك يبقى ظهورها في دلالتها على انها استيلاء إجارة أو نحوها فما يقتضي «ملك المنافع» محفوظة.

ثمَّ انه لو قامت قرينة خاصة على انها ليست كذلك أيضا يبقى ظهورها في دلالتها على انها استيلاء يقتضي «ملك الانتفاع» محفوظة.

و الحاصل ان المستند في جميع ذلك هو ظهور اليد المتعلقة بالعين و حجيتها، لا حجية اليد المتعلقة بالمنافع، فاذن لا حاجة الى إثبات إمكان تعلق اليد بالمنافع لا استقلالا و لا تبعا للعين و لا يبقى للنزاع هنا ثمرة عملية و اللّه العالم.

305

7- هل تجوز الشهادة بالملك بمجرد اليد؟

قد وقع الخلاف بينهم في كتاب الشهادات في جواز الشهادة على الملكية بمشاهدة اليد و لو لم توجب علما، بعد الاتفاق على كفايتها في الدلالة على الملك- و ذلك من جهة اعتبار العلم اليقيني الحسي في موضوع الشهادة، بمقتضى ما ورد في محله من عدم جوازها الا ان يراه مثل الشمس كما روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم)، أو يعرف كما يعرف الكف كما روى عن الصادق (عليه السلام)الى غير ذلك و من المعلوم ان اليد بمجردها لا توجب علما.

هذا و لكن المشهور، جواز ذلك، بل قد يدعى الإجماع عليه كما حكاه في الجواهر، و اولى منه ما إذا انضم الى اليد التصرفات الحاكية عن الملك؛ كالتصرف بالبناء و الهدم و الإجارة و غير ذلك مع عدم وجود منازع، فان الحكم بكفايتها، بل كفاية نفس هذه التصرفات في جواز الشهادة بالملك، أشهر.

و اولى منهما ما إذا انضم إليهما الاستفاضة (اى استفاضة استناد الملك الى المتصرف الذي بيده المال) فقد وقع في جملة من عبارات القوم الإجماع على جواز الشهادة بالملك مع اجتماع «الثلاثة» و انه أقصى الممكن في الشهادة عليه.

و البحث هنا يكون من ناحيتين: من ناحية الأدلة العامة الكلية، و من ناحية الأدلة الخاصة الواردة في خصوص محل البحث.

اما الأول فحاصله انه هل يمكن الحكم بقيام الامارات- و منها اليد و شبهها- مقام العلم المأخوذ في الموضوع بمجرد دليل اعتبارها أم لا؟

و الانصاف عدم كفاية نفس أدلة حجيتها في ذلك، لا من جهة لزوم اجتماع اللحاظين و استحالته إذا كانت أدلة الحجية ناظرة إلى تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع، و تنزيل نفسها منزلة العلم.

306

لما ذكرنا في محله من عدم استحالة ذلك أصلا.

بل من جهة ظهور أدلتها في تنزيل المؤدى فقط و انصراف إطلاقاتها اليه و عدم النظر الى تنزيل نفسها منزلة العلم.

و ما قد يقال من الفرق بين العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية، و المأخوذ فيه على وجه الطريقية؛ بجواز ذلك في الثاني دون الأول، كما قد يستظهر من عبارات شيخنا العلامة الأنصاري في باب القطع من الرسائل (و ان حكى عنه في بعض تحقيقاته فيما كتبه في القضاء عدم جواز ذلك من دون تفصيل) فهو مما لا محصل له و لا دليل على هذه التفرقة بل يرد عليه:

أولا- ان أخذ العلم في الموضوع على نحو الصفتية مجرد فرض لا يظن وقوعه في شي‏ء من الأدلة الشرعية، فإن النظر الى العلم دائما تكون من ناحية ارائته للواقع، و لا ينظر اليه بما هو صفة من صفات صاحبه.

و بعبارة اخرى انما يؤخذ العلم في الموضوع بملاك انه نور لغيره (و كونه نورا لصاحبه مستندا الى ذلك) فكلما أخذ في الموضوع كان بهذا الملاك، و ان كان فرض أخذه بما انه صفة خاصة لصاحبه غير مستحيل و لكنه كما عرفت مجرد فرض.

و ثانيا- ان أخذه في الموضوع على نحو الطريقية دليل على ان هذه المرتبة من اراءة الواقع يقوم بها الملاك و لذا لا يكتفى بما دونه من المراتب من الظن و غيره حتى الظن القوي الا ان يبلغ حد الاطمئنان الذي يسمى علما عرفا.

نعم لو قام دليل على اعتبار شي‏ء من الظنون و تنزيله منزلة العلم من جهة الاثار المترتبة على نفس العلم و الظن، كان حاكما على تلك الأدلة الدالة على أخذ العلم في موضوع حكم، و لما كانت أدلة حجية الظنون ظاهرة في تنزيل نفس المؤدى فقط لم يجز الركون إليه في ذلك.

و قد يقال: ان كثرة إطلاق العلم و المعرفة على الأمارات الظنية سندا و دلالة؛

307

دليل على انها منزل منزلة «العلم» عند الشارع المقدس، مثل ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة:

من روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا إلخ و قوله تعالى:

«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»* (يعنى حتى تعلموا) مع ان مجرد الرجوع الى أهل العلم لا يفيد بما هو الا الظن، الى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع.

و فيه أيضا: ان إطلاق العلم و المعرفة في هذه الايات أو الروايات على الظن غير معلوم، و الحاقه به في بعض الموارد لعله من باب كشف الملاك و إلغاء الخصوصية عرفا.

هذا مضافا الى انه لو سلم ذلك في غير المقام ففي المقام ممنوع، لعدم مقاومته هذا الظهور الضعيف لمثل قوله (عليه السلام) حتى تعرفها كما تعرف كفك و قوله (ص) هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع! فتأمل.

و قد يقال في تصحيح قيام الامارات فيما نحن فيه مقام العلم: بأن الملكية ليست من الموضوعات الواقعية بل هو أمر انتزاعي من جواز جميع التصرفات (كما اختاره شيخنا العلامة الأنصاري قده) أو أمر اعتباري عقلائي كما اختاره بعض آخر؛ و على اى حال يحصل العلم الوجداني بها بمجرد «اليد»، لأن الاحكام التي تنزع منها الملكية حاصلة بسبب اليد، كما ان الاعتبار الشرعي أو العقلائي حاصل بمجردها، فبذلك تتحقق واقع الملكية فإنها ليست الا هذه الأمور و قد تحققت.

و هذا القول أيضا ممنوع، و ذلك لان الملكية سواء جعلناها من الأمور الانتزاعية أو الاعتبارية، لها واقع و ظاهر، فاذا كانت أسبابها الواقعية موجودة فالملك ملك واقعي و الا كان ظاهريا فعليا، نظير سائر الأحكام الظاهرية، و من الواضح ان ظاهر أدلة الشهادة اعتبار العلم الوجداني بالواقع، لا بمجرد الحكم الظاهري؛ فالعلم الوجداني بالملكية الظاهرية بحكم اليد أو البينة و سائر الأمارات غير كافية فيها.

فتحصل من جميع ما ذكرنا عدم إمكان تصحيح جواز الركون على اليد في الشهادة على الملك بمقتضى الأدلة العامة.

308

و اما الأدلة الخاصة فعمدتها رواية حفص بن غياث السابقة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا رأيت شيئا في يدي رجل ا يجوز لي ان اشهد انه له؟ قال نعم، قال الرجل:

انه في يده و لا أشهد انه له، فلعله لغيره؛ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فيحل الشراء منه؟ قال نعم، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فلعله لغيره؛ من اين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثمَّ تقول بعد ذلك الملك هو لي و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟

ثمَّ قال الصادق (عليه السلام): لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق.

و هذه الرواية و ان كانت ضعيفة السند الا ان الشهرة و الإجماعات المنقولة جابرة لها كما عرفت؛ لان الظاهر ان مستند المشهور في هذا الفتوى هو هذه.

و اما المصحح المروي عن على بن إبراهيم في تفسيره في حديث فدك: «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر تحكم فينا بخلاف حكم اللّه تعالى في المسلمين؟ قال لا. قال فان كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت انا فيه، من تسئل البينة؟ قال إياك اسئل البينة على ما تدعيه على المسلمين. قال: فاذا كان في يدي شي‏ء فادعى فيه المسلمون تسئلنى البينة على ما في يدي و قد ملكته في حيات رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و بعده، و لم تسئل المؤمنين البينة على ما ادعوه على كما سئلتنى البينة على ما ادعيته عليهم؟ (الحديث) فهو أجنبي عن المقصود لأنه دليل على حجية «اليد»، و عدم حاجة صاحبه إلى البينة و كونه منكرا في مقام الدعوى، و مخالفه مدعيا، و اما جواز الشهادة على الملك بمجردها فليس فيه منه عين و لا اثر.

و كذلك الروايات الواردة في حكم تعارض البينات و تقديم بينة ذي اليد أو تقديم بينة الخارج على غيرها أجنبية عما نحن بصدده.

فاذن يكون العمدة في هذا الفتوى ما عرفت من رواية حفص.

هذا و قد قام بعض من خالف المشهور، أو توقف في المسئلة بنقد الرواية و الإيراد

309

عليها عقلا، و تضعيفها سندا، و صرف فتاوى المشهور عنها، منهم الشيخ الأجل صاحب الجواهر (قدس سره)فقد بالغ فيه حتى جعل هذا الحكم غير قابل لمجي‏ء الخبر به عقلا لرجوعه الى جواز التدليس و الكذب في أخذ أموال الناس!.

هذا و نحن بعون اللّه، نبدء بتفسير الرواية و كشف مغزاها أولا؛ ثمَّ نرجع الى ما أورده صاحب الجواهر و غيره و ما يمكن ان يقال في دفعها انتصار المذهب المشهور ثانيا.

اما الأول فحاصله انه (عليه السلام) استدل بجواز شراء ما في اليد على جواز الشهادة تملك ما في اليد لصاحبها، و هذا الاستدلال عند بادي النظر مما لا يمكن المساعدة عليه لوضوح الفرق بين المسئلتين، فان جواز الشهادة ليس من آثار الملكية، بل من آثار نفس العلم بها؛ و من المعلوم ان اليد بمجردها لا تعطى علما فكيف يجوز حمل أحدهما على الأخر؟

و لكن التأمل الصادق يشهد بأنه (عليه السلام) لم يستدل بمجرد جواز الشراء بل استدل بجوازه مع ترتيب آثار الملك عليه، حتى في مقام الدعوى يدعى انه ملكه و يحلف على الملكية في مقابل خصمه، و اى فرق بين بينة المدعى و حلف المنكر؟ فكما ان الشهادة على الملكية من آثار العلم كذلك الحلف عليها يكون من آثاره، فلو لم يجز أحدهما لم يجز الأخر، و لنعم ما قال (عليه السلام) في هذا المعنى: «من اين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثمَّ تقول بعد ذلك: هو لي و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟».

و لو قيل انه لا يجوز للمالك إذا كان الحال هذا؛ الحلف على نفس الملك بل عليه ان يحلف على السبب و هو شرائه من ذي اليد المحكوم ظاهر بالملك فلا يجوز الاستدلال بالحلف، على جواز الشهادة.

قلنا الظاهر ان هذا هو الذي أجاب عنه (عليه السلام) في ذيل كلامه بقوله: لو لم يجز هذا ما قام للمسلمين سوق، و حاصله- و اللّه و رسوله و أوليائه اعلم- انه لو لم يجز الاعتماد على اليد في إثبات الملكية و الحلف عليها لم يقم للمسلمين سوق فان الغالب في الاملاك كونها مسبوقة بيد الغير فغاية ما يمكن الحلف عليه هو الحلف على وقوع السبب مثل‏

310

البيع، و من المعلوم ان مجرد وقوع البيع على ما بيد الغير لا يوجب علما بانتقال المال اليه قطعا بعد عدم العلم بكون البائع نفسه مالكا و عدم دليل عليه الا اليد التي لا تفيد علما.

فالشهادة و الحلف على الملك الواقعي القطعي غير ممكن إلا في موارد شاذة، فلو قلنا بحصر هما على خصوص هذه الموارد ما قام للمسلمين سوق، و أمكن ادعاء كل احد على غيره و لم يمكن له إثبات حقه لا من طريق إقامة البينة و لا من طريق الحلف (كل في مورده) و مقتضى ذلك اختلال النظام و عدم قيام السوق على أساسه ففي الحقيقة الشهادة و الحلف لا تكونان الا على الملك الظاهري القطعي الثابت بمقتضى اليد و لا يعتبر هنا أزيد من ذلك.

و من الواضح انه لا يلزم الكذب و التدليس و ابطال الحقوق من الشهادة على الملك بمجرد اليد هنا، بعد قيام هذه القرينة العامة الظاهرة عليها فتدبر جيدا.

فهذا الحديث الشريف اللائح منه آثار الصدق دليل على المطلوب مع برهان عقلي متين أورده الإمام (عليه السلام) في خلاله.

و لعله الى ذلك يشير ما عن كاشف اللثام من «تشبيه الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية بالشهادة على الأسباب الشرعية فإنها أيضا محتملة للفساد كما يحتمل الطرق التخلف» و ان استغربه في الجواهر و أورد عليه بالفرق بينهما، و لكن يندفع الاشكال عنه بما أشرنا إليه في تفسير «الحديث»، فكأنه (قدس سره)في هذا الاستدلال اقتبس من نوره، و اقتفى أثره، فأورده منازل الصدق و الحق.

و إذ قد عرفت ذلك تعرف ان جميع ما أورد على هذا الحكم من الإيرادات كلها قابلة للذب و هي أمور:

منها: ما افاده المحقق (قدس سره)في الشرائع من ان اليد لو أوجبت الملك (واقعا) لم تسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال ملك هذا لي» انتهى.