القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
311

و فيه ان جواز الشهادة بالملك بمجرد اليد لا يلازم كون الملك في موردها ملكا واقعيا كما عرفت، فقول المدعى: «الدار التي في يد هذا لي» صحيح مسموع إذا أمكنه إثباته بموازين شرعية، ترجح على اليد، فلا تناقض في دعواه، بخلاف قوله «ملك هذا لي» فإنه تناقض ظاهر.

و منها: ان مراد حاكى الإجماع في المسئلة هو الإجماع على دلالة اليد على- الملكية لا الإجماع على جواز الشهادة بمجردها، و من المعلوم عدم كفاية في المسئلة، بل إذا أمكن حمل الشهرة الجابرة لها عليه أيضا كان من حسن الظن المأمور به، ضرورة ان المعنى المزبور (اى الاكتفاء باليد في الشهادة على الملك) غير قابل لمجي‏ء الرواية به لرجوعه الى جواز التدليس و الكذب في أخذ أموال الناس، إذ قد ذكر في محله ان بينه الملك تقدم على بينة التصرف أو اليد؛ لأن الأولى بمنزلة النص و الثانية بمنزلة الظاهر فلا يعارض النص، فلو فرض فيما نحن فيه ان للخصم بينة الملك و للآخر بينة التصرف أو اليد جاز لبينة الآخر ان تشهد بالملك و المفروض انه لا علم لها الا بالتصرف أو اليد فتسقط بينة الأول، و هو تدليس محض و كذب واضح، و تطرق لأخذ أموال الناس بغير الطرق الشرعية و مثله لا يقبل فيه خبر الواحد (هذا محصل ما يستفاد من كلام الجواهر بتوضيح منا).

و فيه: انك قد عرفت ان الرواية لا تتضمن الا برهانا متينا عقليا يلوح منه آثار- الصدق و الحق؛ و ما ذكره من لزوم التدليس و الكذب في أخذ أموال الناس ممنوع، لان بينة الملك أيضا مستندة الى اليد في مباديها السابقة غالبا و لو فرض حصول العلم بالملك بحيث لا يحتاج الى الاعتماد على اليد أصلا في موارد شاذة فعلى الشهود (ح) ذكر السبب و ان الملك كان ملكا واقعيا كي لا يلزم أخذ أموال الناس بغير حق، كما ذكروا أشباهه في أبواب الشهادة.

و ليس لبينة الملك في بدء النظر ظهور في الملك الواقعي اليقيني حتى يلزم التدليس‏

312

و حمل كلام المشهور على مجرد حجية اليد بعيد جدا ليس من حسن الظن المأمور به بل لعل حمله على خلاف حسن الظن، لا بيان الحكم المزبور بهذه العبارة أشبه شي‏ء بالتدليس.

و الحاصل ان الاعتماد على الرواية قوي جدا موافق للاعتبار، و كلمات الأصحاب، و لا يرد عليه شي‏ء مما ذكروه و لعله لذلك كله ذكر صاحب الجواهر في آخر كلامه في المسئلة: «انه إذا تحقق بمقتضى الأسباب و الطرق الشرعية ما يتحقق بها النسبة العرفية أي كونه مالا له و ملكا من أملاكه عرفا جازت الشهادة و اليمين بالملك» (انتهى ملخصا) و ما افاده لا محصل له لو لم يرجع الى ما ذكرنا اقتباسا من الرواية.

هذا غاية ما يخطر بالبال في هذه المسئلة عاجلا و تمام الكلام موكول الى محله.

و منه تعرف عدم الحاجة الى «الاستفاضة» اى استفاضة إسناد الملك اليه، و كذا «التصرف» في صحة الشهادة على الملك بعد حصول اليد.

313

8- هل اليد حجة لصاحبها أيضا؟

قد عرفت ان يد الغير حجة و دليل على الملكية مطلقا (الا فيما نستثنيه) فهل هي حجة لصاحب اليد نفسه أيضا إذا شك في ملكية بعض ما في يده أولا؟

الظاهر هو ذلك، لعدم الفرق فيما هو ملاك حجيتها بين يد الغير و يد الإنسان نفسه، سواء قلنا بان ملاكها هو اقتضاء طبيعة الاستيلاء و اليد ذلك- كما هو المختار بما مر له من البيان- أم قلنا بان ملاكها الغلبة- كما قيل- أم غير ذلك فان جميعها مشتركة بين يد الغير و يد الإنسان نفسه.

و قد جرت سيرة العقلاء أيضا عليه؛ فلو شك الإنسان في بعض ما في يده؛ انه ملكه أو أمانة للغير أو شبهها فلا شك في إجراء حكم الملك عليه عندهم ما لم تقم قرينة على كونه ملكا للغير.

و لم يظهر ردع من الشارع المقدس بالنسبة إليه، لو لم نقل بشمول بعض الإطلاقات الواردة في إمضاء حكم اليد له أيضا.

بل يظهر من بعض الروايات الخاصة الواردة في باب اللقطة أيضا ذلك، مثل مصححة جميل بن صالح: قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل و حد في منزله دينارا؟ قال يدخل منزله غيره؟ قلت نعم كثير. قال: هذه لقطة، قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال يدخل احد يده في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئا؟ قلت؛ لا قال فهو له‏ (1) و الظاهر ان المراد من قوله يدخل في منزله غيره ليس صرف وجود دخول الغير

____________

(1) رواه في الوسائل في باب من وجد في منزله شيئا من أبواب كتاب اللقطة

314

بل كون داره معدا لدخول افراد مختلفة، و لو لا ذلك لم يكن هناك مورد للسؤال لعلمه عادة بأنه له.

فحاصل الرواية ان يده على الأموال التي في حيطة سلطانه حجة له عند الشك، الا ان يكون هناك ما يسقطه عن الحجية؛ مثل كون داره معدا لورود اشخاص مختلفة فيجري عليه حكم اللقطة لسقوط يده عن الحجية بذلك، فان ملاك حجيتها أياما كان مفقود هنا كما هو ظاهر.

و لا يقصر ذيلها عن الصدر في الظهور فيما نحن بصدده فان إدخال غيره يده في صندوقه أو وضع شي‏ء فيه دليل على استيلاء كل منهم على الصندوق فيكون من قبيل الأيدي المشتركة على شي‏ء واحد فلا يكون يد واحد منهم دليل على ملكيته بخصوصه، نعم لو كان الصندوق بيده فقط فيده حجة على ملكية ما في الصندوق و ان احتمل ان يكون الدينار أمانة أو عارية لغيره أو غير ذلك من الاحتمالات، اللهم الا ان يكون الصندوق معدا لوضع أموال الناس و أماناتهم مع أموال نفسه فإن حجية يده حينئذ على ما فيه مشكل أيضا.

و مما ذكرنا يظهر انه لا تهافت بين صدر الرواية و ذيلها كما توهم و انهما يعطيان حقيقة واحدة، و معنى واحدا، كما يظهر انه ليس فيها حكما تعبديا على خلاف الموازين المعمولة بين العقلاء في الأموال التي تحت أيديهم.

فهذا الحديث أيضا ناظرا إلى إمضاء ما عند العقلاء في أمثال المقام.

و قد يستدل له أيضا بقوله (عليه السلام) في ذيل رواية حفص بن غياث: «لو لا ذلك ما قام للمسلمين سوق» نظرا الى تطرق مثل هذا الاحتمال في الأموال التي بأيدي الناس غالبا.

و فيه انه ان كان المراد غلبة احتمال كون بعضها من أموال غيرهم وقع في أيديهم بعنوان الأمانة أو العارية أو مثلها مع نسيان أسبابها، فهو ممنوع لان احتماله ليس غالبيا في أموال الناس كما هو ظاهر، و ان كان المراد غلبة نسيان سبب الملك تفصيلا و ان كان أصله معلوما إجمالا فهو غير قادح في إجراء أحكام الملك عليه.

315

9- عدم حجية يد السارق و شبهه‏

و مما ذكرنا في الأمر الثامن يظهر لك عدم حجية أيدي السراق و الا يدي المتهمة التي تكون بمنزلتها، على الأموال التي بأيديهم و ان احتمل انتقالها إليهم بسبب صحيح مشروع، لان ملاك الحجية مفقود فيها أيضا لانقلاب طبع اليد بالنسبة إليهم، و كذلك الغلبة لو كانت هي الملاك في حجيتها مفقودة هناك.

و لذا لا يرى من العقلاء الملتزمين بحفظ حقوق الناس و عدم الخيانة في أموالهم ترتيب آثار الملكية على ما بأيدي هؤلاء و لا يعاملون معهم معاملة غيرهم و يلومون من عامل معهم كذلك، و اما ما يرى من بعض من لا مبالاة له في أمور الدين و الدنيا من عدم التفرقة بين هؤلاء و غيرهم فهو غير قادح فيما نحن بصدده كما هو واضح.

و يؤيده ما ورد في بعض أبواب كتاب اللقطة عن حفص بن غياث قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل من المسلمين أو دعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم هل يرد عليه؟، فقال لا يرده فإن أمكنه أن يرده على أصحابه فعل، و الا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرفها حولا فإن أصاب صاحبها ردها عليه و إلا تصدق بها» الحديث‏ (1).

و الاستدلال بها متوقف على كون السؤال عن الدراهم أو المتاع المشكوكة التي يحتمل كونها له كما ربما يشير اليه قوله: «و اللص مسلم» فإنه لو كان المال من أموال الناس قطعا لم يكن فرق بين اللص المسلم و غيره فافهم- و (ح) اجراء حكم اللقطة عليه دليل على سقوط اليد عن الحجية و كون المال بمنزلة الأموال التي توجد في الطريق.

و لكن قد ينافيه قوله: «يرده على أصحابه» و قوله «فإن أصاب صاحبها» الظاهر في معلومية كون المال لغيره قطعا فيخرج عن محل البحث فتأمل.

____________

(1) رواه في الوسائل في باب ما يؤخذ من اللصوص من أبواب كتاب اللقطة.

316

و يلحق بها (من هذه الجهة) أيدي الامناء الذين يرجع إليهم في حفظ الودائع و الأمانات؛ مثل القاضي و غيره، إذا غلب على أموالهم ذلك و انقلبت طبيعة أيديهم، فإن ترتيب آثار الملك على ما بأيديهم أيضا مشكل ما لم ينضم اليه قولهم، فان انضم اليه ذلك كان حجة لا من باب حجية اليد بل من باب حجية قول ذي اليد و تصديق قول الأمين (كما سيأتي في القواعد الاتية ان شاء اللّه).

و هذا بخلاف أيدي السراق فان ضم قولهم و شهادتهم أيضا غير كاف في إثبات الملك لهم كما هو ظاهر.

و الحاصل ان ملاك حجية اليد و بناء العقلاء مفقود في جميع هذه الموارد.

و يلحق بها أيضا يد الدلال و من أشبهه، و كذلك أيدي مراجع الحقوق الشرعية من الزكوات و الأخماس و المظالم؛ و كذا الوكلاء، و متولي الأوقاف إذا كان الغالب في أيديهم بحسب العادة من غير أموالهم بل إذا كان مقدارا كثيرا و ان لم يكن غالبيا فان ملاك حجية اليد كبناء العقلاء مفقودة في جميع ذلك الا ان ينضم إليها قولهم و شهادتهم (فتأمل).

317

10- حجية اليد في الدعاوي و ما يستثنى منها

لا إشكال في حجية اليد و لو علم كونها مسبوقة بغيرها، إذا احتمل انتقال المال بوجه صحيح شرعي، بل الغالب في الأيدي ذلك، و لا فرق فيه بين ان يعلم ذلك من الخارج أو يقر صاحب اليد نفسه به، بان يقول ان هذا المتاع كان لزيد فاشتريته منه بكذا و كذا.

هذا كله في غير مقام الدعوى و كذلك في مقام الدعوى، فالقول قول صاحب اليد، فلو أقر بكون المتاع سابقا لثالث لا يكون طرفا للدعوى؛ لم يضر بكونه صاحب اليد و كونه منكرا لا يحتاج الى بينة، بل المحتاج إلى البينة خصمه لكونه مدعيا.

و اما ان أقر صاحب اليد الفعلي لخصمه في مقام الدعوى بذلك، بان قال: ان هذا المال كان لك سابقا فالمحكي عن المشهور انقلاب الدعوى و صيرورة صاحب اليد الفعلي مدعيا، لأنه يدعي انتقاله له اليه بسبب من الأسباب الشرعية، فعليه إثبات ذلك، فتسقط اليد هنا عن الحجية بسبب هذا الإقرار.

و ينبغي توضيح كلام المشهور و تفسيره بما يندفع عنه ما استشكل عليه أو يمكن ان يستشكل عليه فنقول: ان دعوى صاحب اليد الفعلي كونه مالكا بعد اعترافه بكون المال لخصمه سابقا لا معنى له الا اشترائه منه أو انتقاله اليه بناقل آخر شرعي، فقوله «هذا ملكي فعلا و قد كان ملك خصمي قبل ذلك» في قوة قوله «كان هذا ملكه فاشتريته منه أو انتقل الى بناقل آخر».

و ليس هذا المعنى من اللوازم الخارجة عن مصب الدعوى حتى يقال بأنه لا عبرة باللوازم إذا كانت خارجة عنه، بل هو في الواقع مئال كلامه؛ و معناه العرفي المقصود منه من قبيل دلالة الاقتضاء؛ و الحاصل انه لو انفك هذا اللازم عن ملزومه لم يكن للكلام مفهوم صحيح.

318

فالاعتراف بسبق يد المدعى يوجب انقلاب نفس الدعوى و يجعل صاحب اليد الفعلي مدعيا و مقابله منكرا؛ لا انه يوجب طرح دعوى آخر بين المتخاصمين غير ما هما فيه، كما توهم.

فصاحب اليد هنا يكون مدعيا سواء قلنا بان المقياس في تشخيص المدعى عن المنكر في أبواب الدعاوي هو العرف- كما اختاره غير واحد من الأكابر- أم قلنا بان المدعى هو الذي يدعى أمرا على خلاف الأصل كما اختاره آخرون منهم.

اما الأول فلصدق المدعى عرفا على صاحب اليد الفعلي، الذي يدعى انتقاله اليه بناقل شرعي و لو بلازم كلامه الذي لا مفهوم له بدونه، و صدق المنكر على خصمه؛ الذي يدعى بقاء الملك على ما كان عليه و عدم بيعه فتدبر.

و اما الثاني فلان مقتضى الاستصحاب بقائه على ملك الخصم و عدم انتقاله الى صاحب اليد فعلا، فصاحب اليد مدع، لمخالفة قوله للأصل و مقابله منكر.

لا يقال- كيف يكون ذلك و هو معتمد على اليد، و قد مرانها حاكمة على- الاستصحابات التي في مواردها؟

فقوله (ح) موافق للأصل؛ بمعناه الأعم من الأصول العملية و الظواهر المعتبرة، و القواعد الثابتة شرعا، كما هو المراد منه في المقام قطعا.

لأنا نقول- لعل الوجه فيه ان دعوى الانتقال اليه انما تتعلق بزمان لم يكن له عليه يد، لا في الوقت الحاضر، فالمدعى انتقاله اليه من يد خصمه في زمان لم يكن تحت يده، فالمرجع بالنسبة إلى ذاك الوقت ليس الاستصحاب (فتأمل).

هذا غاية ما يمكن ان يقال في توجيه كلام المشهور و قد يتصوران سقوط اليد عن الحجية هنا من جهة قصور أدلتها و عدم شمول إطلاقاتها للمقام، و فيه انه لا وجه له يعتد به.

و مما ذكرنا تعرف وجه النظر فيما افاده المحقق الأصفهاني في رسالته المعمولة في‏

319

قاعدة اليد حيث قال: ان لازم دعوى الملكية الفعلية بمقتضى يده و إقراره بأن العين كانت للمدعي سابقا، هو الاخبار بالانتقال منه اليه بالالتزام، الا انه ليس كل دلالة التزامية يوجب طرح دعوى آخر على اللازم بل لا بد من وقوعه في مصب الدعوى، فان الدعوى من الدعاء و طلب الشي‏ء و ما لم يطلب لا دعوى منه- الى ان قال:

ففيما نحن فيه يدعى ذو اليد انه ملكه، ساكتا عن دعوى الانتقال منه اليه و سببه، فهو مدع للملكية، الموافقة ليده، فيكون منكرا و لا يدعى الانتقال حتى يكون مدعيا و كون لازم مجموع الكلامين هو «الانتقال» غير كو لازمهما «دعوى الانتقال» (انتهى) و يرد عليه:

أولا- انه ليس البحث في تشكيل دعوى آخر غير الدعوى الأصلي، بل البحث في انقلابها الى دعوى آخر بعد هذا الإقرار.

و ثانيا- قد عرفت ان هذا اللازم ليس من اللوازم المغفول عنها من قبيل دلالة الإشارة، بل هو من قبيل دلالة الاقتضاء التي يتوقف صدق الكلام عليه، فالمفهوم عرفا من هذا الكلام ليس الا دعوى الانتقال منه اليه.

و قال في كلام آخر له في المقام ما حاصله: «المعروف في اليد انها من الامارات، و الامارة على المسبب امارة على سببه، فكما ان اليد حجة على الملكية لذي اليد حجة على سببه الناقل، فكما انه يكون منكرا في دعوى الملكية لموافقة دعواه للحجة، كذلك في دعوى الانتقال اليه بسبب شرعي لموافقته أيضا للحجة، و هي اليد، لان المفروض ان الحجة على المسبب حجة على السبب».

و فيه- ما عرفت سابقا من ان حجية مثبتات الامارات على إطلاقها ممنوع جدا فراجع و تدبر.

و قد ذكر المحقق النائيني (قدس سره)في بعض ابحاثه في المقام على ما في تقريرات بعض أعاظم تلامذته- ما نصه‏

320

«تسقط أمارية اليد على الملكية بالإقرار الملازم لدعوى الانتقال، فيكون قول مدعى بقاء الملكية السابقة بعد سقوط اليد على طبق الأصل» انتهى.

و فيه انه لم يعلم وجه صحيح لسقوط أمارية اليد بسبب الإقرار بملكيته السابقة و انما تسقط أماريتها لو أقر بملكيته للخصم فعلا؛ و الحق في توجيه مخالفة قول ذي اليد هنا للأصل ما عرفت آنفا.

و بعد ذلك كله ففي النفس من كلام المشهور هنا شي‏ء و تمام الكلام في محله.

بقي شي‏ء و هو ان ما ذكره المشهور من انقلاب الدعوى بالإقرار انما هو في فرض الإقرار لخصمه، و اما لو أقر لثالث فلا اثر له في انقلاب الدعوى كما عرفت؛ و ان كان الخصم ممن ينتفع بهذا الإقرار بأن كان وصيا أو وارثا للثالث أو شبههما.

و منه يعلم ان هذا الفتوى لا ينافي ما في رواية الاحتجاج من اعتراض أمير المؤمنين (عليه السلام) على ابى بكر عند غصب فدك لمّا طالب الصديقة (سلام اللّه عليها) البينة لإثبات دعواها بقوله:

«تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟ قال لا. قال (عليه السلام) فان كان في يد- المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت انا فيه من تسأل البينة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و بعده، و لم تسأل المؤمنين على ما ادعوا على كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم (الحديث).

فإن الإقرار هنا انما هو لثالث و هو رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) نعم لو كان فدك باقيا على ملكه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) انتفع بها المسلمون و انتقل إليهم بمقتضى الحديث المجعول «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» و لكن مجرد ذلك لا اثر له في انقلاب الدعوى.

الى هنا نختم الكلام في قاعدة اليد، و ما يلحق بها من الاحكام، و قد بقي هنا أمور أخر من قبيل حجية قول ذي اليد، و حكم يد المسلم على الذبيحة، أو اليد على الطفل، و أشباه ذلك، تعرض بعضهم لها هنا و لكنا أعرضنا عنها لأنا عقدنا لبعضها قاعدة خاصة (مثل حجية قول ذي اليد) و بعضها خارج عن القواعد الفقهية أصلا و تشترك الجميع في خروجها عن قاعدة اليد المعروفة الدالة على الملكية فإلحاقها بها لا ملزم له.

321

6- قاعدة القرعة

322

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

323

و هي من القواعد المعمول بها في كثير من أبواب الفقه عند اشتباه حال الموضوعات و عدم معرفتها على ما هي عليها، و هذه القاعدة- مثل كثير من القواعد الفقهية الأخر- برغم شدة ابتلاء الفقيه بها لم تنقح في كلماتهم حق التنقيح، و لم يبحث عنها بحثا وافيا يليق بها، و لذا يرى في العمل بها في مجاريها تشويشا و اضطرابا ظاهرا، يعمل بها في موارد، و تترك في موارد اخرى مشابهة لها ظاهرا من دون ان يبينوا لهذه التفرقة دليلا يعتمد عليه.

و من هذه الناحية استشكل كثير منهم على عمومات هذه القاعدة، حتى قالوا بعدم جواز العمل بها إلا في موارد عمل الأصحاب بها! فهل كانت عند أصحابنا الأقدمين قرائن آخر تكشف لهم النقاب عن وجه هذه القاعدة و حدودها لم يتعرضوا لذكرها في كتبهم على كثرتها و تنوعها و احتوائها على دقائق الفقه و عمدة مداركه؟! و هذا أمر بعيد جدا عند التأمل الصادق.

أو انهم فهموا من نفس هذه المدارك غير ما نفهم منها؟! فما هو ذاك المعنى الذي فهموا عنها؟

و لعل عمدة الإشكال نشأت فيما ذكرنا، من عدم أداء القاعدة حقها من البحث و التنقيب.

فنحن- بعون اللّه و هدايته- نأخذ في البحث عن مهمات هذه القاعدة الشريفة بما يسع المجال، لعلنا نوفيها شيئا من واجب حقها و نوضح معضلاتها ان شاء اللّه و نجعل البحث في مقامات‏

324

الأول: في بيان مدارك مشروعية القرعة على إجمالها.

الثاني: في مفادها و ما يستحصل من ملاحظة مجموعها على التفصيل.

الثالث: في شرائط جريانها من حيث المورد و المجرى.

الرابع: في كيفية إجراء القرعة عند الحاجة إليها.

الخامس: في ان إجرائها في مواردها أمر جائز أو واجب و على تقدير الجواز فهل يجب العمل بها بعد إجرائها أو يجوز ذلك؟

325

الأول- في مدارك مشروعية القرعة

و يدل عليها أمور:

أولها- آيات من الكتاب العزيز:

منها- قوله تعالى‏

وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏ (1) و هي واردة في قصة ولادة مريم و ما رامته امه، امرأة عمران، حيث انها بعد ما وضعتها أنثى لفتها في خرقة و أتت بها الى الكنيسة ليتكفلها عباد بني إسرائيل و قد مات أبوها من قبل، فقالت دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار- لأنها كانت بنت امامهم عمران، فوقع التشاح بينهم فيمن يكفل مريم حتى قد بلغ حد الخصومة-- كما قال تعالى‏ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏- فما وجدوا طريقا لرفع التنازع إلا القرعة، فتقارعوا بينهم، فألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء؛ و قيل قداحهم للاقتراع؛ جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم.

فارتز قلم زكريا ثمَّ ارتفع فوق الماء، و رسبت أقلامهم، و قيل ثبت قلم زكريا و قام طرفه فوق الماء كأنه في الطين و جرت أقلامهم مع جريان الماء، فوقعت القرعة على زكريا- و قد كانوا تسعة و عشرون رجلا- فكفلها زكريا و كان خير كفيل لها و قد كان بينهما قرابة، لان خالة أم مريم كانت عنده.

____________

(1) سورة آل عمران- الاية 40.

326

هذا و لكن في الآية نفسها إبهام فإن كون جملة «إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ» بمعنى الافتراع غير واضح، الا ان بعض القرائن الداخلية و الخارجية رافعة للإبهام عنها، منها قوله تعالى‏ «أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» و قوله‏ «إِذْ يَخْتَصِمُونَ» و غير واحد من الروايات الواردة في تفسير الآية التي تأتي الإشارة إليها، و ذهاب المفسرين إليه.

ففي الآية دلالة على ان القرعة كانت مشروعة لرفع النزاع و الخصومة في الأمم السالفة و يمكن إثباتها في هذه الأمة أيضا بضميمة استصحاب الشرائع السابقة، مضافا الى ان نقله في القرآن من دون إنكار دليل على ثبوتها في هذه الشريعة أيضا و الا لوجب التنبيه على بطلانها في هذه الشريعة.

هذا و لكن في كون المورد من قبيل التشاح في الحقوق إبهاما، لعدم ثبوت حق لعباد بني إسرائيل على مريم، اللهم الا ان يقال ان نذرها للّه و لبيته يوجب ثبوت حق لهم عليها في حضانتها؛ و لما لم يكن هناك طريق آخر الى تعيين من هو أحق بحضانتها انحصر الطريق في القرعة (فتأمل) و لا يخفى ان مورد القرعة في الآية ليس له واقع محفوظ، يراد استكشافه بها، فليكن هذا على ذكر منك.

و منها- قوله تعالى:

وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏ (1) و المساهمة هو الاقتراع، قال الراغب في مفرداته‏ «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» «استهموا اقترعوا» و قال أيضا: السهم ما يرمى به و ما يضرب به من القداح و نحوه.

و قال في القاموس: السهم الحظ. و القدح يقارع به.

و الظاهر ان كون المساهمة أو الاستهام بمعنى المقارعة و الاقتراع من جهة كون الغالب في مقارعتهم ان تكون بسهام مخصوصة يكتب عليها ما يعين المقصود عند خروجها

____________

(1) سورة الصافات الآية 139- 141.

327

ثمَّ أطلق على المقارعة و لو بغير السهم «المساهمة».

و أدحضه أي أسقطه و ازاله، فقوله‏ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏ اما بمعنى من «المقروعين» بسبب وقوع السهم عليه أو بمعنى «الملقين في البحر»، و قال بكل قائل و لكن الظاهر هو الأول.

فمن هنا يستفاد من الآية ان يونس لما هرب من قومه و ركب الفلك المشحون، اى المملوئة من الناس و الأثقال، قارع فوقعت القرعة عليه؛ و هذا المعنى على إجماله المستفاد من الآية يدل على مشروعية القرعة في الأمم السالفة إجمالا، و يمكن استفادة مشروعيتها في شرعنا أيضا بالبيان الذي ذكرناه آنفا.

و تفصيل الحال في مورد الآية على ما يستفاد من بعض الاخبار و التواريخ و كلمات المفسرين ان يونس (عليه السلام) لما غضب على قومه دعا عليهم بالعذاب فاستجيب له، فوعده اللّه ان يعذبهم و عين له وقتا ففر يونس منهم مخافة ان يأخذه العذاب بغتة، و ظن ان اللّه لا يقدر عليه- اى لا يضيق عليه حاله- و لكن اللّه أراد التضييق عليه لتركه ما كان أولى في حقه و هو عدم الدعاء عليهم، و الصبر أكثر مما صبر.

و في بعض الروايات عن الصادق (عليه السلام) انه كان في قومه رجلان: عالم و عابد فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، و كان العالم ينهاه و يقول لا تدع عليهم، فان اللّه يستجيب لك و لا يحب هلاك عباده فقبل قول العابد و لم يقبل من العالم» (1) فلعل التضييق عليه كان من هذه الناحية.

ثمَّ انه لما اتى ساحل البحر فإذا بسفينة شحمت، و أرادوا أن يدفعوها؛ فسألهم يونس ان يحملوه فحملوه، فلما توسط البحر بعث اللّه حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة من قدامها، و قيل ان السفينة احتبست بنفسها، فقال الملاحون «ان هاهنا عبدا آبقا و ان من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجرى» و قيل انهم أشرفوا على الغرق فرأوا انهم ان طرحوا واحدا منهم‏

____________

(1) روى العلامة المجلسي في البحار في المجلد 5 ص 360.

328

في البحر لم يغرق الباقون.

و على كل حال اقترعوا فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات، فعلموا انه المطلوب فألقوه في البحر، و في رواية ان أهل السفينة لما رأوا الحوت قد فتح فاه قدام السفينة قالوا فينا عاص، فتساهموا فخرج سهم يونس فألقوه في البحر فالتقمه الحوت‏ (1) ثمَّ لا يخفى ان الفاعل في قوله تعالى‏ «فَساهَمَ» هو يونس فهو دليل على تسليمه للقرعة و اشتراكه في فعلها و عدم الإنكار عليهم، فلو لم يكن في شرعه جائزا لما أقدم هو عليها.

و في تفسير العياشي عن الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) ان يونس لما آذاه قومه دعا اللّه عليهم- الى ان قال- فساهمهم فوقعت السهام عليه فجرت السنة بأن السهام إذا كانت ثلث مرات انها لا تخطى الحديث‏ (2) و هذا دليل واضح على إمضاء هذا الحكم في شرعنا أيضا و لكن هنا أمران:

أحدهما- أن القرعة في هذه الواقعة لو كانت لاستكشاف آبق أو عاص أو مطلوب بين أهل السفينة، كما في غير واحد من الروايات و التفاسير الواردة من طرق أهل البيت (عليه السلام)، فهو من الأمور المشكلة التي لها واقع ثابت مجهول، اما لو كانت العلة فيها عدم وجود مرجح في إلقاء بعضهم لتخفيف السفينة بعد ان ثقلت عليهم و أشرفوا على الغرق، فهو من الأمور المشكلة التي لا واقع لها مجهول، و لكن الأظهر بحسب الروايات و التفاسير هو الأول.

ثانيهما- ان ظاهر الآية جواز الاقدام على هلاك احد بالقرعة عند الضرورة أو شبهها، فهل هذا أمر جائز يمكن الحكم بمقتضاه حتى في هذه الشريعة و لو اجتمع فيه جميع الشرائط التي اجتمعت في أمر يونس (عليه السلام) أولا؟ و المسئلة لا تخلو عن اشكال. و تحتاج بعد إلى تأمل.

____________

(1) رواه العلامة المجلسي في البحار في المجلد 5 ص 360.

(2) رواه في البحار عن تفسير العياشي في المجلد 5 ص 364.

329

الثاني- السنة

و هي العمدة من بين أدلتها، و هي روايات كثيرة واردة في أبواب مختلفة، بين عام يشمل جميع موارد القرعة؛ و خاص ورد في قضايا خاصة، و أحسن ما رأيت في هذا الباب ما افاده المحقق النراقي في «عوائده» فقد جمع من الروايات العامة و الخاصة ما يربو على أربعين حديثا و ان لم يستقص أحاديث القرعة مع ذلك.

و قد عقد صاحب الوسائل (قده) لهذه القاعدة بابا في كتاب القضاء و أورد فيها روايات كثيرة، بينها و بين ما استقصاه المحقق النراقي عموم من وجه.

و على اى حال نذكر هنا «جميع» ما ظفرنا بها من الروايات العامة و «نبذا» من الروايات الخاصة الواردة في القضايا الجزئية المبثوثة في الأبواب المختلفة، مما له دخل في توضيح حال القاعدة و رفع ما فيها من الإبهام و الاجمال، و انما لم نستقص هذا القسم من الروايات لعدم فائدة مهمة في ذكر جميعها.

اما الأول [الروايات العامة]

فهي روايات:

1- ما رواه الصدوق بإسناده عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام)

قال بعث رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) عليا (عليه السلام) الى اليمن فقال له حين قدم حدثني بأعجب ما ورد عليك فقال يا رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطئها جميعهم في طهر واحد، فولدت غلاما، فاحتجوا فيه كلهم يدعيه، فأسهمت بينهم فجعلته للذي خرج سهمه و ضمنته نصيبهم فقال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) ليس من قوم تقارعوا ثمَّ فوضوا أمرهم الى اللّه الا خرج سهم المحق‏ (1) و رواه في التهذيب و الاستبصار عن عاصم بن حميد عن بعض أصحابنا عن ابى- جعفر (عليه السلام) الا انه قال «ليس من قوم تنازعوا ثمَّ فوضوا» (الى آخر).

____________

(1) رواه في الوسائل في باب القرعة من أبواب كتاب القضاء

330

و لعله الأصح فإن «التفويض الى اللّه» انما يكون بعد التنازع و قبل القرعة كما في هذه النسخة، لا بعد القرعة كما في نسخة «الفقيه».

و على كل حال هذه الرواية عامة في جميع موارد التنازع و الحكومة الشرعية و اما بالنسبة إلى غيرها فلا دلالة لها. فليكن هذا على ذكر منك.

و موردها يكون من الأمور المشكلة التي لها واقع مجهول يراد كشفه، و ليكن هذا أيضا على ذكر منك.

كما ان ظاهر الفقرة الواردة في ذيلها عن رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) كون القرعة- مع شرائطها و مع التفويض الى اللّه- كاشفة عن ذاك الواقع المجهول، و على هذا تكون منسلكة في سلك الامارات لو كان خروج سهم المحق غالبيا و لو كان دائميا كانت القرعة أعلى من الامارات المعمولة، ثمَّ انه هل يمكن المساعدة على هذا الظهور الابتدائي أم لا بد من توجيهه و تفسيره بغير هذا المعنى- و سنتلو ان شاء اللّه عليك منه ذكرا.

و هذه الرواية المصححة «المروية عن الكتب الأربعة» من أحسن ما ورد في هذا الباب.

2- ما رواه الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب‏

عن محمد بن حكيم قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن شي‏ء؟ فقال لي «كل مجهول ففيه القرعة» قلت له: ان القرعة تخطئ و تصيب؟ قال: كلما حكم اللّه به فليس بمخطئ!.

و مضمون هذه أعم من سابقها، لعدم تخصيص الحكم هنا بالمنازعة بل عنوانه «كل مجهول».

و اما إيهام كلمة «شي‏ء» و احتمال كون السؤال عن شي‏ء خاص متنازع فيه فالحق انه لا يضر بإطلاق قوله «كل مجهول ففيه القرعة». لأن ورود السؤال في مورد خاص لا يضر

331

بعموم الحكم إذا كان اللفظ عاما فتأمل. (1) و اما قوله «كلما حكم اللّه به فليس بمخطئ» فقد ذكر فيه احتمالان:

أحدهما- ان يكون المراد خروج سهم المحق واقعا- كما هو ظاهر الرواية السابقة- فهو ردع لقول السائل ان القرعة تخطى و تصيب و إثبات لعدم خطائها- و هذا المعنى بعيد عن ظاهر الرواية.

ثانيهما- و هو الأنسب بظاهرها ان يكون المراد عدم الخطأ في الحكم بحجية القرعة، فإنه لو لم يكن هناك مصلحة في العمل بالقرعة و الحكم بحجيتها، لما حكم به اللّه، فالمعنى (ح) ان خطاء القرعة عن الواقع أحيانا لا يمنع عن كون نفس الحكم بحجيتها صوابا و مشتملا على المصلحة، فحكم اللّه ليس بخطاء.

و الذي يؤيد هذا المعنى بل يدل عليه ان قوله «كلما حكم اللّه به» بمعنى نفس الحكم، فعدم الخطاء فيه لا في متعلقه الذي هو القرعة. هذا مضافا الى ان العلم بوقوع الخطاء في كثير من الامارات الشرعية مع انها أيضا مما حكم اللّه بها يمنع عن حمل الحديث على هذا المعنى لو فرض ظهوره فيه بدء الأمر.

3- ما رواه الشيخ عن جميل قال قال الطيار لزرارة ما تقول في المساهمة، أ ليس حقا؟

فقال زرارة بل هي حق. فقال الطيار: أ ليس قد ورد انه يخرج سهم المحق؟ قال:

بلى. قال: فتعال حتى ادعى انا و أنت شيئا ثمَّ نساهم عليه و ننظر هكذا هو؟ فقال له زرارة:

انما جاء الحديث بأنه ليس من قوم فوضوا أمرهم الى اللّه ثمَّ اقترعوا إلا خرج سهم المحق، فاما على التجارب فلم يوضع على التجارب. فقال الطيار أ رأيت ان كانا جميعا مدعيين ادعيا ما ليس لهما من اين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح، فان كانا ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح. (2)

____________

(1) رواه في الوسائل في باب القرعة من كتاب القضاء.

(2) رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب القرعة.

332

و هذا الحديث الشريف يدلنا على أمور هامة:

منها- كون حجية القرعة أمرا واضحا لا يمكن إنكاره، و قد كان مشهورا بين بطانة أهل البيت (عليهم السلام) حتى وقع المباحثة فيه بين زرارة و الطيار، و قد كان زرارة من كبراء أصحاب الصادق (عليه السلام) و من أفقه فقهاء زمانه، و الطيار- و هو محمد بن عبد اللّه أو ابنه حمزة بن محمد- فان كلا منهما يلقب بهذا اللقب و ان كان الأشهر فيه هو الأب- من أجلاء صحابته و كان متكلما فاضلا يباهي به الصادق (عليه السلام) كما في بعض الروايات؛ و كان نظره في هذا البحث الاستفادة من غزارة علم صاحبه، و لقد أجاد في ما أجاب عنه زرارة في الفقرتين، فقد ذكر في الاولى ان إطلاق ما ورد في خروج سهم المحق ناظر إلى صورة إرادة كشف الواقع فهو منصرف عما إذا كان على التجارب.

و في الثانية انه لو احتمل كذب المتداعيين جميعا لم يكف إلقاء سهمين بل لا بد من ثلثة أسهم: سهم لهذا و سهم لذاك، و سهم مبيح ليس لهما، فلا يكون هناك ما ينافي ما ورد في الحديث من خروج سهم المحق.

و منها- كون القرعة كاشفا عن الواقع كشفا دائميا لا يقع التخلف فيه، و لكن هذا ليس من كلام النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أو الإمام (عليه السلام) بل هو ما استنبطه زرارة عن الحديث المشهور النبوي الوارد في هذا الباب ما من قوم فوضوا أمرهم إلخ ثمَّ بنى عليه ما بنى.

و لكن قد مر آنفا إمكان حمله على الإصابة الغالبية و سيأتي مزيد بحث فيه ان شاء اللّه.

و منها- انه لا بد من إلقاء سهم مبيح إذا احتمل كذب المتداعيين.

4- ما رواه البرقي عن منصور بن حازم قال سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه (عليه السلام)

عن مسألة فقال هذه تخرج في القرعة ثمَّ قال: فأي قضية أعدل من القرعة إذا فوضوا أمرهم الى الله عز و جل أ ليس اللّه يقول‏ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏. (1)

____________

(1) رواه في الوسائل في ج 3 في كتاب القضاء في باب القرعة.

333

و يستشم من قوله (عليه السلام) «اى قضية أعدل من القرعة» ثمَّ استشهاده بقضية يونس، انها عامة في أمور المشكلة و لا تختص بالمورد الذي سأله الراوي، و لكن في شموله لغير موارد «التنازع» اشكال ظاهر.

5- ما أرسله الشيخ (قدس سره)في «النهاية»

قال: روى عن ابى الحسن موسى بن جعفر و عن غيره من آبائه و أبنائه (عليهم السلام): من قولهم كل مجهول ففيه القرعة، فقلت له ان القرعة تخطئ و تصيب؛ فقال كل ما حكم الله به فليس بمخطئ. (1) و هذا و ان كان متحدا مع ما مر من رواية محمد بن حكيم عن ابى الحسن (عليه السلام)، و لكن قول الشيخ (ره‏) دليل على ان هذا المضمون بعينه مروي عن غير ابى الحسن من أئمة أهل البيت من آبائه و أبنائه (عليهم السلام). و الكلام فيه من حيث المعنى هو الكلام في حديث محمد بن حكيم.

6- ما رواه الشيخ في التهذيب عن «سيابة» و «إبراهيم بن عمر» جميعا عن ابى عبد اللّه (ع)

في رجل قال أول مملوك أملكه فهو حر فورث ثلثة قال يقرع بينهم فمن أصابه القرعة أعتق قال و القرعة سنة (2) و هذا الحديث و ان كان واردا في مورد خاص و لكن قوله «القرعة سنة» يدل إجمالا على عموم الحكم و عدم اختصاصه بالمقام، و لكن فيه إبهام ظاهر من حيث عنوان الحكم، لأنه لم يبين فيه ان القرعة سنة في أي موضوع.

و في هذا الحديث دلالة واضحة على عدم اختصاص القرعة بماله واقع مجهول، فان موردها ليس من هذا القبيل قطعا.

7- ما رواه العياشي في تفسيره عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث يونس قال: فساهمهم‏

، فوقعت السهام عليه؛ فجرت السنة ان السهام إذا كانت ثلاث مرات انها لا تخطى‏ (3)

____________

(1) رواه في الوسائل في ج 3 في كتاب القضاء في باب القرعة.

(2) رواه في الوسائل في ذاك الباب بعينه.

(3) رواه في الوسائل في كتاب الميراث في أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم في الباب 4.

334

و هو أيضا دليل على عموم الحكم في الأمور المشكلة إجمالا؛ و اصابة القرعة للواقع و كونه دليلا عليه، و لكن من غير تصريح بعنوان الموضوع و انها سنة في أي موضوع و اى عنوان.

8- ما رواه في التهذيب عن عباس بن هلال عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام)

قال ذكر «ابن ابى ليلى» و «ابن شبرمة» دخلا المسجد الحرام فأتيا محمد بن على (عليه السلام) فقال لهما: بما تقضيان؟

قالا بكتاب اللّه و السنة. قال: فما لم تجداه في الكتاب و السنة؟ قالا نجتهد رأينا. قال:

رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة و جاريتها كانتا ترضعان صبيين في بيت فسقط عليهما فماتتا و سلم الصبيان قالا: القافة. قال؛ القافة تلحقهما بهما. قالا فأخبرنا. قال: لا. قال ابن داود مولى له جعلت فداك قد بلغني ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ما من قوم فوضوا أمرهم الى الله عز و جل و ألقوا سهامهم الا خرج السهم الأصوب، فسكت. (1) و فيه أيضا دلالة على ان عموم القرعة كان امرا مشهورا بين صحابة أهل البيت (عليهم السلام) و مواليهم، و سكوت الباقر (عليه السلام) بعد ما رواه ابن داود مولى له، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) دليل آخر على ثبوت هذه القاعدة عندهم. فكلما كان الأمر فيه مشكلا مثل مورد الرواية جاز الرجوع فيه الى القرعة؛ اللهم الا ان يقال ان سكوته أعم من رضاه بذلك.

9- ما رواه في التهذيب عن عبد اللّه بن مسكان‏

قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده عن مولود ليس بذكر و لا بأنثى ليس له إلا دبر كيف يورث؟ فقال يجلس الامام و يجلس عنده أناس من المسلمين، فيدعون اللّه و يجيل (و يجال) السهام عليه على اى ميراث يورثه؛ ثمَّ قال: و أي قضية أعدل من قضية يجال عليها بالسهام يقول اللّه تعالى‏ فَساهَمَ: فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏ (2).

و فيه أيضا دليل على عموم الحكم و ان لم يصرح فيه أيضا بعنوانه المأخوذ فيه.

و صدره دليل آخر على اعتبار القرعة من حيث كشفها عن الواقع المجهول فان جلوس‏

____________

(1) رواه في الوسائل في كتاب الميراث في أبواب ميراث الغرقى و المهدوم عليهم في الباب 4

(2) رواه في الوسائل كتاب الميراث في أبواب ميراث الخنثى.

335

الامام و أناس من المسلمين و دعائهم انما يكون لاراءة الواقع المجهول و الا لم يكن وجه ظاهر للدعاء، و لكن ذيله كبعض آخر من الروايات دليل على ان اعتبار القرعة من جهة كونه أقرب الى «العدالة» في موارد الحقوق المشكوكة و سيأتي مزيد توضيح له ان شاء اللّه‏

10- ما رواه الشيخ (قده) أيضا في التهذيب، و الكليني في الكافي‏

، عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ثمَّ ذكر مثل الحديث السابق ثمَّ أضاف قوله:

ما من أمر يختلف فيه اثنان الا و له أصل في كتاب الله و لكن لا تبلغه عقول الرجال‏ (1) و هذا دليل على ان أصل القرعة- كحكم عام- مأخوذ من كتاب اللّه من قضية يونس فهو جار في جميع الموارد التي يشكل فيها الأمر و ان لم يصرح فيه أيضا بعنوان «المشكل» و شبهه.

11- ما رواه أيضا في الكافي و التهذيب عن عبد اللّه بن مسكان عن إسحاق العرزمي‏

(كما في محكي الكافي) أو إسحاق المرادي (كما في محكي التهذيب) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ثمَّ ذكر مثل الروايتين السابقتين، الا انه لم يذكر فيها التذييل الأخير. (2)

12- ما ورد في «فقه الرضا» في باب الشهادات‏

و كل ما لا يتهيأ فيه الاشهاد عليه قال:

الحق فيه ان يستعمل فيه القرعة و قد روى عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: فأي قضية أعدل من القرعة.

و الظاهر ان المرسلة المروية فيها من قول الصادق (عليه السلام) هي بعينها ما نقلناها سابقا تحت الرقم الرابع، و لكن في نفس عبارة فقه الرضا- سواء كان حديثا أو فتوى لبعض كبراء أصحابنا الأقدمين؛ على خلاف فيه- دلالة على ان القرعة جارية في كل ما لا يتهيأ الإشهاد عليه؛ و ان لم يدل على اختصاصها به.

____________

(1) رواه في الوسائل في كتاب الميراث في ذاك الباب بعينه.

(2) رواه في الوسائل في أبواب ميراث الخنثى في نفس ذاك الباب.

336

هذا ما ظفرنا به من الروايات العامة، و هناك روايات مرسلة عن الصدوق أو غيره متحدة مع تلك الروايات لم نذكرها بعنوان مستقل، لاتحادها معها.

و غير خفي ان فيها غنى و كفاية في إثبات القاعدة بعمومها، و لا سيما مع كونها مروية في الكتب المعتبرة، و قد رواها جمع من أجلاء الأصحاب؛ و فيها دليل على كونها مشهورة منذ أعصار الأئمة (عليهم السلام)).

اما الثانى الروايات الخاصة

و هناك روايات خاصة مبثوثة في مختلف أبواب الفقه تؤيد عموم القاعدة و عدم اختصاصها بمورد معين و ان لم يكن فيها تصريح بالعموم و لكن ورودها و انبثاثها في تلك الأبواب المختلفة من المؤيدات القوية على المقصود و إليك نبذا منها مما يشتمل على نكت خاصة تفيدنا في حل معضلات القاعدة و هي طوائف:

الطائفة الأولى ما ورد في باب تعارض الشهود و انه إذا تساويا في العدد و العدالة يرجع الى القرعة

مثل ما يلي:

1- ما رواه في الكافي و التهذيب عن داود بن ابى يزيد العطار عن بعض رجاله عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود ان هذه المرأة امرأة فلان و جائت آخر ان فشهدا انها امرأة فلان، فاعتدل الشهود، و عدلوا، فقال يقرع بينهم فمن خرج سهمه فهو المحق و هو اولى بها.

2- ما رواه في الفقيه و التهذيب و الاستبصار عن سماعة قال ان رجلين اختصما الى على (عليه السلام) في دابة فزعم كل واحد منهما انها نتجت على مذوده و اقام كل واحد

337

منهما بينة سواء في العدد فأقرع بينهما سهمين فعلم السهمين كل واحد منهما بعلامة، ثمَّ قال: اللهم رب السموات السبع و رب الأرضين السبع و رب العرش العظيم، عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، أيهما كان صاحب الدابة و هو اولى بها فأسئلك ان يقرع و يخرج سهمه فخرج سهم أحدهما فقضى له بها.

3- ما رواه في الكافي و التهذيب و الاستبصار و الفقيه عن داود بن سرحان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في الشاهدين شهدا على أمر واحد، و جاء آخر ان فشهدا على غير الذي شهدا عليه و اختلفوا قال يقرع بينهم فأيهم قرع، فعليه اليمين و هو اولى بالقضاء.

الى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب التي جمعها صاحب الوسائل في كتاب القضاء من المجلد الثالث في باب عقده لحكم «تعارض البينتين و ما ترجح به أحدهما» و بعضها و ان كانت مطلقة و بعضها مقيدة الا ان طريق الجمع بينهما بالتقييد واضح.

و قد افتى بمضمونها مشهور المتأخرين و جمع من أكابر القدماء (رضوان اللّه عليهم)فقالوا: «إذا لم يكن العين في يد واحد من المتداعيين قضى بأرجح البينتين عدالة، فإن تساويا قضى لأكثرهما شهودا، و مع التساوي عددا و عدالة يقرع بينهما فمن خرج اسمه احلف و قضى له» و استنادهم في ذلك الى هذه الروايات التي عرفت أنموذجا منها، و ان كان فيها بعض ما ينافيها و قد ذكروا له توجيهات فراجع و تمام الكلام في نفس هذه المسألة في محلها.

الطائفة الثانية: ما ورد في باب عتق المملوك أو نذر عتقه و انه إذا اشتبه أخرج بالقرعة

مثل ما يلي:

4- ما رواه الكليني في الكافي و الشيخ في التهذيب عن يونس قال في رجل كان له عدة مماليك فقال أيكم علمني آية من كتاب اللّه فهو حر، فعلمه واحد منهم ثمَّ مات المولى و لم يدر أيهم الذي علمه؟ قال: يستخرج بالقرعة، قال لا يستخرجه إلا الإمام لأن له على‏

338

القرعة كلاما و دعاء لا يعلمه غيره‏ (1) و مورد الرواية من الأمور المجهولة التي لها واقع ثابت في الخارج و ان لم نعلمه، و قوله لا يستخرجه إلا الإمام سيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه، و عدم وجوب الدعاء، معلوم، غاية ما فيه انه مستحب، و الرواية مقطوعة لعدم استناده الى الامام (عليه السلام) و لكن نقلها في الكتب الأربعة و غير ذلك من القرائن تؤيد رجوع الضمير في قوله: «قال يستخرج بالقرعة» الى الامام (عليه السلام) فتأمل.

5- ما رواه الشيخ عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رجل قال أول مملوك أملكه فهو حر فورث سبعة جميعا، قال يقرع بينهم و يعتق الذي قرع‏ (2) 6- ما رواه الشيخ أيضا عن عبد اللّه بن سليمان قال سألته عن رجل قال أول مملوك أملكه فهو حر فلم يلبث ان ملك ستة أيهم يعتق؟ قال يقرع بينهم ثمَّ يعتق واحد (3) و هاتان الروايتان و ان لم يصرح فيهما بمسئلة النذر الا ان القرائن تشهد على حمله عليه و لذا أوردهما صاحب الوسائل أيضا في باب عقده تحت عنوان النذر في كتاب العتق.

و من الجدير بالذكر انه ليس في مورد الروايتين واقع مجهول يراد استكشافه بالقرعة و هذا دليل آخر على عدم اختصاصها بما له واقع ثابت في نفس الأمر.

هذا و في نفس المسألة خلاف و المحكى عن الشيخ في النهاية و الصدوق و جماعة بل نسب إلى الأكثر هو القول بالرجوع إلى القرعة، و قيل بعدم وجوب الرجوع إليها و انه يتخير في عتق واحد منها الا ان يموت الناذر فرجع الى القرعة لخبر الحسن الصيقل قال:

سألت أبا عبد اللّه عن رجل قال أول مملوك أملكه فهو حر؛ فأصاب ستة؛ قال انما كانت نيته على واحد فليختر أيهما شاء فليعتقه‏ (4)

____________

(1) رواه في الوسائل في كتاب العتق في باب «من أعتق مملوكا ثمَّ مات و اشتبه»

(2) رواهما في الوسائل في كتاب العتق من المجلد الثالث في باب «من نذر عتق أول مملوك يملكه».

(3) رواهما في الوسائل في كتاب العتق من المجلد الثالث في باب «من نذر عتق أول مملوك يملكه».

(4) رواهما في الوسائل في كتاب العتق من المجلد الثالث في باب «من نذر عتق أول مملوك يملكه».

339

و قد يجمع بينهما تارة بحمل الأمر بالقرعة على الاستحباب، و اخرى بأن طريق اختيار واحد منهم هو القرعة، فكان الرواية الأخيرة ناظرة إلى نفى وجوب عتق ما عدا واحد و اما طريق اختيار الواحد فهو مسكوت عنه فيها، فيرجع الى الروايتين السابقتين فتأمل.

الطائفة الثالثة- ما ورد في باب الوصية بعتق بعض المماليك و انه يستخرج بالقرعة

مثل ما يلي:

7- ما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن مهران عن «الشيخ» يعنى موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: ان أبا جعفر (عليه السلام) مات و ترك ستين مملوكا فأعتق ثلثهم فأقرعت بينهم و أعتقت الثلث‏ (1) و رواه الكليني و الشيخ في كتابيهما أيضا.

8- ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون له المملوكون فيوصي بعتق ثلثهم قال كان على (عليه السلام) يسهم بينهم، و مورد الروايتين أيضا من الأمور التي لا واقع لها في الخارج مجهول عندنا كما هو واضح- و الظاهر ان المراد من عتق الثلث في الرواية الأولى الوصية بعتقهم و ان لم يصرح فيها بالوصية و هذا الحكم مما لا خلاف فيه كما ذكره في الجواهر في كتاب «العتق».

الطائفة الرابعة ما ورد في باب اشتباه الحر بالمملوك و انه يستخرج بالقرعة

مثل ما يلي 9- ما رواه الشيخ في التهذيب عن حماد عن المختار قال دخل أبو حنيفة على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في بيت سقط على قوم فبقي منهم صبيان: أحدهما حر و الأخر مملوك لصاحبه، فلم يعرف الحر من العبد؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا و نصف هذا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ليس كذلك و لكنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة فهو

____________

(1) رواه في الوسائل في أواخر المجلد الثاني في أبواب الوصية.

340

الحر و يعتق هذا فيحصل مولى له‏ (1) 90- ما رواه الشيخ أيضا عن حماد عن حريز عمن أخبره عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) باليمن في قوم انهدمت عليهم دارهم و بقي صبيان أحدهما حر، و الأخر مملوك فأسهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بينهما فخرج السهم على أحدهما فجعل له المال و أعتق الأخر.

و المستفاد من هاتين الروايتين لزوم العمل بالقرعة في تشخيص «الحر» عن «العبد» فيرث التركة كلها و لكن يجب إعتاق الأخر، اما من جهة بناء العتق على التغليب و لزوم ترجيح جانب الحرية مهما دار الأمر بينها و بين الرقية، و اما من جهة الاحتياط فان محذور استرقاق الحر المحتمل هنا أشد من محذور المال.

و مع كون القرعة حكما عاما لمثل هذه الموارد المشكوكة لا يبقى مجال لما ذكره أبو حنيفة من الرجوع الى قاعدة «العدل و الانصاف» و الحكم بكون نصف كل منهما حرا، الذي فيه محذور المخالفة القطعية لما علم بالإجمال، بل قد يلزم منه مخالفة قطعية للعلم التفصيلي كما قد ذكر في محله فتدبر.

الطائفة الخامسة ما ورد في ميراث الخنثى المشكل‏

الذي لا طريق إلى إثبات رجوليتها و أنوثيتها، و ان المرجع فيه هو القرعة، و قد عقد له في الوسائل بابا خاصا في كتاب الميراث تحت عنوان:

«ان المولود إذا لم يكن له ما للرجال و لا ما للنساء حكم في ميراثه بالقرعة».

و قد مر عند ذكر عمومات القرعة غير واحد منها، مثل رواية «عبد اللّه بن مسكان» و مرسلة «ثعلبة بن ميمون» و «إسحاق المرادي» و هي تدل على هذا الحكم خصوصا و على‏

____________

(1) رواه في الوسائل في المجلد الثالث في الباب 65 من كتاب العتق.

341

اعتبار القرعة عموما.

و في نفس الباب بعض الروايات الخاصة يدل على الحكم في خصوص المورد مثل:

11- ما رواه في الكافي؛ و الفقيه، و المحاسن، عن فضيل بن يسار قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مولود ليس له ما للرجال و لا له ما للنساء؟ قال يقرع الامام (عليه السلام) أو المقرع، يكتب على سهم عبد اللّه، و على سهم امة اللّه، ثمَّ يقول الإمام أو المقرع: اللهم أنت اللّه لا إله إلا أنت عالم الغيب و الشهادة تحكم بين عبادك يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، بين لنا أمر هذا المولود كيف يورث ما فرضت له في الكتاب ثمَّ تطرح السهام (السهمان) في سهام مبهمة ثمَّ تجال السهام، على ما خرج ورث عليه‏ (1) هذا و لكن في العمل بهذه الروايات خلاف بين الأصحاب مذكور في كتاب الميراث فقد ذهب الشيخ في الخلاف، و بعض آخر إلى انه إذا لم يكن هناك امارة على احد الأمرين يعمل بالقرعة بل ادعى الشيخ (قدس سره)الإجماع عليه؛ و لكنه كما ترى.

و ذهب كثير من الأصحاب منهم المفيد و الصدوقان و الشيخ في النهاية و ابن حمزة و ابن زهرة و المحقق الطوسي و الشهيدان و العلامة و ولده و غيرهم على ما حكى عنهم، بل هو المشهور، إلى انه يعطى نصف ميراث الرجل و نصف ميراث المرأة و قد حكى الإجماع عليه أيضا و يدل عليه غير واحد من الروايات.

و ذهب بعض آخر كالمفيد و المرتضى فيما حكى عنهما (قدس سرهما)الى وجوب عد أضلاعه فإن استوى جنباه فهي امرأة و ان اختلفا فهو ذكر و لكن مستندهم في ذلك ضعيف.

و كيف كان فالمسئلة خلافية و المشهور عدم العمل بروايات القرعة هنا.

الطائفة السادسة ما ورد في اشتباه حال الولد و انه من اى واحد ممن واقعوا امه بالشبهة

مثل:

____________

(1) رواه في الوسائل في كتاب الميراث في الباب 4.

342

12- ما رواه في التهذيب و الفقيه عن معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا وطأ رجلان أو ثلثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوا جميعا أقرع الوالي بينهم فمن قرع كان الولد ولده و يرد قيمة الولد على صاحب الجارية الحديث‏ (1) 13- ما رواه الشيخ في التهذيب أيضا عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا وقع الحر و العبد و المشرك (و المشترك) على امرأة في طهر واحد و ادعوا الولد أقرع بينهم و كان الولد للذي يقرع‏ (2) 14- ما رواه الشيخ أيضا عن سليمان بن خالد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قضى على (عليه السلام) في ثلثة وقعوا على امرأة في طهر واحد و ذلك في الجاهلية قبل ان يظهر الإسلام فأقرع بينهم فجعل الولد للذي قرع و جعل عليه ثلثي الدية للآخرين، فضحك رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) حتى بدت نواجده قال: و ما اعلم فيها شيئا إلا ما قضى به على (عليه السلام)(3) 15- ما أرسله المفيد في «الإرشاد» قال بعث رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) عليا الى اليمن فيرفع اليه رجلان بينهما جارية يملكان رقها على السواء، قد جهلا خطر (حظر) وطيها معا، فوطئاها معا في طهر واحد، فحملت و وضعت غلاما، فقرع على الغلام باسميهما فخرجت القرعة لأحدهما فالحق به الغلام و ألزمه نصف قيمته ان لو كان عبدا لشريكه، فبلغ رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) القضية فأمضاها و أقر الحكم بها في الإسلام‏ (4) الى غير ذلك من الروايات الدالة على هذا الحكم و قد مر في الروايات العامة أيضا بعض ما يدل عليه.

و لا يخفى ان ما ورد فيه من إطلاق الحكم فيما إذا وقع رجال متعددون على امرأة في طهر واحد اما محمول على ما إذا كان ذلك لشبهة حصلت لهم، أو لعدم الاطلاع على الحكم كما كانت في الجاهلية أو لغير ذلك و في نفس الروايات مضافا الى القرائن الخارجية، ما يشهد

____________

(1) رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب القرعة و في الباب الآتي.

(2) رواها في الوسائل في كتاب النكاح في أبواب نكاح العبيد و الإماء في باب «ان كان الشركاء في الجارية إذا وقعوا عليها في طهر واحد حكم بالقرعة في إلحاق الولد».

(3) رواها في الوسائل في كتاب النكاح في أبواب نكاح العبيد و الإماء في باب «ان كان الشركاء في الجارية إذا وقعوا عليها في طهر واحد حكم بالقرعة في إلحاق الولد».

(4) رواها في الوسائل في كتاب النكاح في أبواب نكاح العبيد و الإماء في باب «ان كان الشركاء في الجارية إذا وقعوا عليها في طهر واحد حكم بالقرعة في إلحاق الولد».

343

لهذا المعنى.

أو محمول على ما ذكروه في كتاب «النكاح» من ان الأمة المشتركة إذا اوطأها احد الشركاء اثم و وجب تعزيره؛ لكن لا يعد زانيا فلا ينفى عنه الولد؛ بل يكون عاصيا و يلحق به الولد و تكون الجارية أم ولد و يغرم حصة الشريك من الام و الولد- و لعل الأقرب هو هذا المعنى فان لسان بعض هذه الروايات يأبى عن الحمل على الوطي بالشبهة.

و على كل حال فالرجوع إلى القرعة في المقام مشهور بين الأصحاب بل لم نجد فيه مخالفا؛ الا ان هنا إشكالا في إلزام من يلحق به الولد بالقرعة، بالغرامة للباقين، و هو انه كيف يلزم بذلك مع انهم مدعين للولد و لازم هذه الدعوى عدم استحقاقهم للقيمة أخذا بمقتضى إقرارهم فهم غير مستحقين للقيمة لقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم.

و الظاهر ان هذا الإشكال ألجأ بعضهم على حمل الغرامة في الروايات على غرامة الأم لأنها تصير أم ولد لمن لحق به الولد فعليه الغرامة للباقين.

و هذا الحمل عجيب فإنه مضافا الى كونه منافيا لصريح بعض روايات الباب مثل رواية معاوية بن عمار (1) المصرح فيها ب «قيمة الولد» لا يدفع الاشكال لجريان نفس الإشكال في الأم أيضا لأن كل واحد منهم يدعى انه لم ولد له فكيف يحل له أخذ سهمه من قيمتها؟! هذا و لكن قد يجاب عن الاشكال بوجهين آخرين:

أحدهما- ان هذه الإقرارات مسموعة إذا لم يكن هناك امارة تدل على بطلانها فاذا دلت القرعة على إلحاق الولد بواحد منهم و نفيه عن آخرين كان كما إذا علم بكون الولد ولدا له و امه أم ولد له (فح) يجب العمل بمقتضى الامارة و سقطت الإقرارات.

ثانيهما- ان المراد من ادعاء الولد هنا ليس ادعاء العلم بأنه من نطفته لعدم إمكان حصوله عادة لأحد بعد مواقعة الجميع لها في طهر واحد، بل المراد ارادة كل واحد أخذ

____________

(1) و قد نقلناها تحت الرقم 12 فيما مر.

344

الولد و الحاقه بنفسه، لأنه يحتمل انعقاده من نطفته، فان وقوع مثل هذه الدعوى- لا سيما بين عوام الناس- أمر شائع في أمثال المقام الذي يدور أمر شي‏ء بين عدة منهم مع تساوى الاحتمال بالنسبة إلى الجميع، فاذن لا يكون هناك إقرار من احد منهم بكون الولد ولدا له واقعا و امه أم ولد كذلك و هذا الوجه أقوى من سابقة و أوفق بمورد الروايات، و على كل حال العدول عما ذكره الأصحاب في المسئلة لمثل هذا الاشكال مما لا وجه له.

الطائفة السابعة ما ورد في اشتباه الشاة الموطوئة

و انها إذا اشتبهت استخرجت بالقرعة مثل ما يلي:

16- ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن عيسى عن «الرجل» انه سئل عن رجل نظر الى راع نزاعلى شاة؟ قال ان عرفها ذبحها و أحرقها و ان لم يعرفها قسمها نصفين ابدا حتى يقع السهم بها فتذبح و تحرق و قد نجت سائرها (1) 17- ما رواه حسن بن على بن شعبة في «تحف العقول» عن ابى الحسن الثالث (عليه السلام) في جواب مسائل يحيى بن أكثم قال: و اما الرجل الناظر إلى الراعي و قد نزا على شاة فإن عرفها ذبحها و أحرقها و ان لم يعرفها قسم الغنم نصفين و ساهم بينهما فاذا وقع على احد النصفين فقد نجا النصف الآخر ثمَّ يفرق النصف الأخر فلا يزال كذلك حتى يبقى شاتان فتقرع بينهما فأيهما وقع السهم بها ذبحت و أحرقت و نجا سائر الغنم. (2) و لا يبعد ان يكون المراد بالرجل المروي عنه في الرواية الأولى أبا الحسن الثالث (عليه السلام) كما في الرواية الأخيرة و مضمون الحديثين كالفاظهما قريب جدا فمن هنا يظن قويا اتحاد الروايتين لاتحادهما في الراوي و المروي عنه و المضمون فتدبر.

و على كل حال الحكم بالقرعة في هذه المسئلة معروف بين الأصحاب (رضوان اللّه عليه‏)

____________

(1) رواهما في الوسائل في كتاب الأطعمة و الأشربة من المجلد الثالث في أبواب الأطعمة المحرمة في باب «تحريم البهيمة التي ينكحها الآدمي».

(2) رواهما في الوسائل في كتاب الأطعمة و الأشربة من المجلد الثالث في أبواب الأطعمة المحرمة في باب «تحريم البهيمة التي ينكحها الآدمي».

345

بل قال في الجواهر: «بلا خلاف فيه؛ للخبرين المنجبرين بذلك».

و علة الحاجة الى الانجبار في حديث تحف العقول واضح من جهة إرساله. و اما في رواية الشيخ في التهذيب فلكون محمد بن عيسى- الظاهر كونه هو محمد بن عيسى بن عبيد المعروف بالعبيدي- محلا للكلام بينهم؛ فقد وثقه بعضهم و اثنى عليه كمال الثناء، و ضعفه بعض آخر و قال لا أثق بما يتفرد به- مضافا الى عدم التصريح باسم المروي عنه فيه.

و قد عثرت بعد ما ذكرت على كلام جامع حول سند الحديث للعلامة المجلسي (قدس سره)أحببنا إيراده لما فيه من التأييد لما نحن بصدده قال: في أواخر المجلد الرابع عشر من بحار الأنوار في باب الأسباب العارضة المقتضية لتحريم الحيوان بعد ذكر حديث محمد ابن عيسى ما هذا نصه:

«الظاهر ان الرجل أبو الحسن (عليه السلام) و هذا مختصر من الحديث الذي رويناه أولا (أشار بذلك إلى مرسلة تحف العقول) ثمَّ قال: في المسالك: بمضمون الرواية عمل الأصحاب مع انها لا تخلو عن ضعف و إرسال؛ لأن راويها محمد بن عيسى عن الرجل، و محمد بن عيسى مشترك بين الأشعري الثقة و اليقطيني و هو ضعيف، فان كان المراد بالرجل الكاظم (عليه السلام) كما هو الغالب فهي مع ضعفها بالاشتراك مرسلة لان كلا الرجلين لم يدرك الكاظم (عليه السلام) و ان أريد به غيره كان مبهما كما هو مقتضى لفظه فهي مع ذلك مقطوعة (انتهى كلام المسالك).

ثمَّ قال المجلسي: و أقول: يرد عليه ان الظاهر انه اليقطيني كما يظهر من الامارات و الشواهد الرجالية لكن الظاهر ثقته (و وثاقته) و القدح فيه غير ثابت؛ و جل الأصحاب يعدون حديثه صحيحا، و كون المراد بالرجل الكاظم (عليه السلام) غير معروف بل الغالب التعبير بالرجل و الغريم و أمثالهما عند شدة التقية بعد زمان الرضا (عليه السلام) و هنا بقرينة الراوي يحتمل الجواد و الهادي و العسكري (عليهم السلام)لكن الظاهر هو الهادي‏

346

بقرينة الرواية الأولى فظهر ان الخبر صحيح مع انه لم يرده احد من الأصحاب» انتهى‏ (1) و على كل حال قد عرفت ان أصل الحكم هنا مما لا غبار عليه لعدم نقل الخلاف عن احد منهم و انجبار الروايتين لو كانا ضعيفتين بعملهم.

ثمَّ انه لا يبعد ان يكون وجه إجراء القرعة فيها و جعل المورد من الأمور المشكلة مع ان قاعدة الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة تقتضي الاجتناب عن الجميع، هو ان ذبح الجميع و إحراقها اما ضرر أو حرج، فاذا انتفى الاحتياط لذلك و لم يمكن الرجوع الى البراءة كما هو ظاهر فلم يبق هنا طريق الى المجهول إلا القرعة.

ثمَّ لا يخفى عليك ان مورد هذه المسئلة المتفق فيها ليس من حقوق الناس و لا من الأمور المتنازع فيها و لا يحتاج إلى إقامة الدعوى و القضاء الشرعي- فما قد يقال من ان روايات القرعة مخصوصة بباب القضاء و التنازع مما لا وجه له.

الطائفة الثامنة ما ورد في طريق إجراء القرعة و كيفيتها و شرائطها

مما يدل على مشروعية القرعة في الجملة و هي روايات:

18- ما رواه الشيخ في التهذيب عن حماد عمن ذكره عن أحدهما (عليه السلام) قال: القرعة لا تكون إلا للإمام (عليه السلام)(2) و سيأتي إنشاء اللّه ان هذا الشرط ليس على نحو الوجوب.

19- ما رواه ابن طاوس في كتاب «أمان الاخطار» و في الاستخارات نقلا عن كتاب عمرو بن ابى المقدام عن أحدهما (عليه السلام) في المساهمة يكتب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم- اللهم فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة

____________

(1) بحار الأنوار المجلد 14 ص 794.

(2) رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب «القرعة» من المجلد الثالث.

347

الرحمن الرحيم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اسئلك بحق محمد و آل محمد ان تصلى على محمد و آل محمد؛ و ان تخرج لي خير السهمين في ديني و دنياي و آخرتي و عاقبة امرى في عاجل امرى و آجله انك على كل شي‏ء قدير، ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه صلى اللّه على محمد و آله»- ثمَّ تكتب ما تريد في الرقعتين و تكون الثالثة عقلا، ثمَّ تجيل السهام، فأيما خرجت عملت عليه؛ و لا تخالف؛ فمن خالف لم يصنع له، و ان خرج العقل رميت به‏ (1) و سيأتي الكلام ان شاء اللّه في استحباب هذا الدعاء- الى غير ذلك.

الطائفة التاسعة ما يدل على وقوع القرعة أو مشروعيتها في الأمم السالفة

مما يستشم منها رائحة الرضا بها و إمضائها مثل ما يلي:

20- ما رواه الصدوق في «الفقيه» و «الخصال» عن حريز عن ابى جعفر (عليه السلام) قال أول من سوهم عليه مريم بنت عمران و هو قول اللّه عز و جل‏ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ‏، و السهام ستة- ثمَّ استهموا في يونس لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع على يونس ثلث مرات قال فمضى يونس الى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى نفسه- ثمَّ كان عند عبد المطلب تسعة بنين فنذر في العاشر إن رزقه اللّه غلاما ان يذبحه فلما ولد عبد اللّه لم يكن يقدران يذبحه و رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) في صلبه، فجاء بعشر من الإبل فساهم عليها و على عبد اللّه فخرجت السهام على عبد اللّه، فزاد عشرا فلم تزل السهام تخرج على عبد اللّه و يزيد عشرا، فلما ان خرجت مائة خرجت السهام على الإبل فقال عبد المطلب ما أنصفت (ظ) ربي فأعاد السهام ثلثا، فخرجت على الإبل، فقال الان علمت ان ربي قد رضى فنحرها (2)

____________

(1) رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب «القرعة» من المجلد الثالث.

(2) رواه في الوسائل في كتاب القضاء في باب «القرعة» من المجلد الثالث.

348

و في الرواية جهات من البحث:

الاولى- يظهر من سياق عبارة الإمام (عليه السلام) إجمالا ارتضائه بما نذر جده عبد المطلب (عليه السلام) من ذبح ولده عبد اللّه فإنه لو كان ذلك امرا منكرا كان من البعيد ذكره مع السكوت عليه، مع انا نعلم بان هذا النذر غير ماض قطعا، لا في هذه الشريعة و لا في الشرائع السابقة، لإنكار العقل له، مضافا الى ورود التصريح به عنهم (عليهم السلام) فقد روى الشيخ (قده) عن عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حلف ان ينحر ولده؟ قال ذلك من خطوات الشيطان‏ (1) و من المعلوم انه لا فرق في ذلك بين الحلف و النذر بل الأمر في الحلف أوسع.

و يمكن ان يقال بان نذر عبد المطلب ذبح ولده كان بمعناه الأعم من ذبحه أو أداء ديته في سبيل اللّه، و من المعلوم ان المنذور إذا كان كليا له مصاديق محللة و محرمة جاز النذر فتدبر.

أو يقال بان هذا النذر و ان لم يكن منعقدا من أصل و لكن مقتضى تعظيم اسم اللّه هو ان يفدى عنه بشي‏ء أما ثمن ديته أو بشي‏ء آخر و يشهد له ما رواه الشيخ أيضا عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)): انه أتاه رجل فقال انى نذرت ان انحر ولدي عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ان فعلت كذا و كذا ففعلته فقال (عليه السلام): اذبح كبشا سمينا تتصدق بلحمه على المساكين‏ (2) الثانية- ان ظاهر الرواية كون مريم أول من سوهم عليه و اقترع في حقه، و كون مساهمة يونس بعده؛ مع ان يونس بن متى (عليه السلام)- كما تشهد به التواريخ- كان قبل مريم بمئات من السنتين، ففي بعض التواريخ انه كان قبل ميلاد عيسى (عليه السلام) به 825 سنة و في بعضها الأخر انه كان قبله بأكثر من ذلك، كيف و هو من أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا

____________

(1)- رواه في الوسائل في أواخر كتاب النذر و العهد في باب «من نذر ان ينحر ولده لم ينعقد» من المجلد الثالث.

(2)- رواه في الوسائل في أواخر كتاب النذر و العهد في باب «من نذر ان ينحر ولده لم ينعقد» من المجلد الثالث.

349

قبل عيسى (عليه السلام).

و غاية ما يمكن ان يقال في حل هذا الاشكال ان المراد بالأولية، تقدم ذكرها في القرآن الكريم فإن قضية مساهمة مريم واردة في سورة «آل عمران» و مساهمة يونس في سورة «الصافات» فتأمل.

الثالثة- الظاهر من قضية نذر عبد المطلب شيخ الحجاز ان القرعة التي جعلها طريقا لحل مشكلة و مجهوله كانت في الشبهات الحكمية، فإنه لم يكن هناك موضوع خارجي مشتبه أراد كشفه بها، بل المجهول كان هو رضا الرب جل و على؛ و لا شك انه من سنخ الشبهات الحكمية، مع انه لا إشكال في عدم جواز الاتكال على القرعة في الأحكام الشرعية و لم يقل احد بها، بل الكلام في حدود جريانها في الموضوعات فقط.

و يمكن الجواب عنه بان ذلك منه انما كان من جهة عدم إمكان كشف مرضات ربه في تلك القضية الخاصة بغير هذا الطريق و هذا بخلاف ما بأيدينا من الاحكام فان أمرها من ناحية الأدلة الخاصة أو العامة أو الأصول العملية الجارية فيها ظاهر واضح.

و الانصاف ان قضية نذر عبد المطلب كانت قضية خاصة واردة في واقعة خاصة مبهمة من جهات شتى و لكن لا يضرنا إبهامها، لا سيما مع عدم ظهور إمضائها بتمامها في الإسلام، بل لعله إشارة إلى نقل تاريخى يدل على ان القرعة كانت قبل الإسلام في الأمم السالفة، أو في العرب و الأمر في ذلك سهل.

21- ما رواه المجلسي في البحار عن الأمالي عن ابن عباس في قصة يوسف بعد مجي‏ء اخوته إليه و هم له منكرون فقال لهم يوسف:

«انى احبس منكم واحدا يكون عندي و ارجعوا الى أبيكم و اقرأوه منى السلام و قولوا له يرسل الى بابنه الذي زعمتم انه حسبه عنده ليخبرني عن حزنه ما الذي أحزنه؟ و عن سرعة الشيب اليه قبل أوان مشيبه، و عن بكائه و ذهاب بصره»، فلما قال هذا اقترعوا بينهم فخرجت‏

350

القرعة على شمعون فأمر به فحبس الحديث‏ (1) و هذا الحديث و ان لم يكن مرويا الا عن ابن عباس و لا يتصل سنده بالمعصوم الا ان الظاهر ان ابن عباس و هو حبر الأمة أخذه من النّبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أو الوصي (عليه السلام) و هو تلميذه أو من منبع آخر يعبابه من الكتب، و هو دليل على ان الاقتراع كان معمولا في ذاك العصر، لترجيح ما لا ترجيح فيه واقعا دفعا للفساد و النزاع، و كان ذلك بمرأى و مسمع من يوسف بعد ما أتاه اللّه علما و حكما.

22- ما رواه هو (قدس سره)في استعلام موسى بن عمران (عليه السلام) النمام الذي كان في أصحابه بالقرعة بتعليم اللّه إياه، عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«ان اللّه اوحى الى موسى (عليه السلام) ان بعض أصحابك ينم عليك فأحضره؛ فقال: يا رب لا أعرفه» فأخبرني به حتى أعرفه، فقال يا موسى عبت عليك النميمة و تكلفني ان أكون نماما؟ قال: يا رب فكيف اصنع قال اللّه تعالى فرق أصحابك عشرة عشرة. ثمَّ تقرع بينهم فان السهم يقع على العشرة التي هو فيهم، ثمَّ تفرقهم و تقرع بينهم فان السهم يقع عليه قال فلما رأى الرجل ان السهام تقرع قام فقال يا رسول اللّه انا صاحبك، لا و اللّه لا أعود أبدا» (2) لا شك ان هذه الرواية تشير إلى قضية وردت في واقعة خاصة كانت لها مساس ببعض نواحي حياة موسى (عليه السلام) و لم يكن موضوعا لحكم شرعي خاص، و لو كانت لم يكن الرجوع الى القرعة من هذه الجهة، و هو دليل على كون القرعة طريقا قطعيا لكشف الواقع المجهول و من الواضح انه لا يتعدى منها الى غيرها.

الطائفة العاشرة ما ورد في عمل النبي الأعظم (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) بالقرعة في غير مورد من القضايا

التي حدثت في حياته‏

____________

(1) رواه في المجلد الخامس من بحار الأنوار ص 180.

(2) رواه في المجلد الخامس من البحار ص 308.

351

مما كانت مظنة للتنازع و مثارا للبغضاء و الفساد مثل ما يلي:

23- ما رواه في البحار في قصة افك عائشة عن الزهري عن عروة بن الزبير و سعيد بن المسيب و غيرهما عن عائشة انها قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها الحديث‏ (1) و دلالتها، مع قطع النظر عن سندها، واضحة على استمرار سيرته في غزواته و أسفاره باختيار بعض نسائه بالقرعة.

24- ما رواه في البحار أيضا عن إرشاد المفيد (قدس سره)في باب غزوة ذات السلاسل من انه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أقرع بين أصحاب الصفة (بعد ما قام جماعة منهم و قالوا نحن نخرج إلى أعداء اللّه) فخرجت القرعة على ثمانين رجلا منهم و من غيرهم الحديث‏ (2) 25- ما رواه هو أيضا في باب غزوة حنين من انه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) لما كلمته أخته الرضا عي «شيماء» بنت حليمة السعدية في الغنائم التي أخذها المسلمون قال: «اما نصيبي و نصيب بنى عبد المطلب فهو لك و اما ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم، فلما صلوا الظهر قامت فتكلمت و تكلموا فوهب لها الناس أجمعون إلا الأقرع بن حابس و عيينة بن حصين، فإنهما ابيان ان يهبا و قالوا يا رسول اللّه ان هؤلاء قد أصابوا من نسائنا فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا- فأقرع رسول الله بينهم الى ان قال: فأصاب أحدهما خادما لبني عقيل و أصاب الأخر خادما لبني نمير فلما رأيا ذلك وهبا ما منعا» إلخ‏ (3) و في هذا الحديث دلالة على جواز الرجوع الى القرعة عند قسمة الغنائم و شبهها.

هذا تمام الكلام في «الأحاديث العامة» الدالة على حكم القرعة بعمومها أو إطلاقها،

____________

(1) رواه في المجلد السادس منه ص 551

(2) رواه في المجلد السادس ص 590

(3) رواه في المجلد السادس من البحار ص 615.

352

و «الخاصة» الواردة في قضايا معينة معلومة، يستأنس منها لإثباتها إجمالا، و قد ذكرنا منها عشر طوائف و قد بلغ عدد الأحاديث التي ذكرناها سبعة و ثلاثين حديثا بعد حذف المكررات منها؛ و لعل المتتبع يعثر على احاديث آخر في طي أبواب أخرى.

و قد تحصل من جميعها ان أصل الحكم و العمل به في هذه الشريعة بل الشرائع السابقة مما لا شك فيه على إجماله و سنبحث في تفاصيله ان شاء اللّه تعالى.

353

الثالث- بناء العقلاء على القرعة في أمورهم المشكلة

قد جرت عادة العقلاء من جميع الأقوام من أرباب المذاهب و غيرهم على الرجوع الى القرعة عند التشاح و التنازع أو ما يكون مظنة له في الحقوق الدائرة بين افراد مختلفة؛ أو من الأمور التي لا بد لهم من فعلها و لها طرق متعددة يرغب كل شخص في نوع منها، و لا مرجح هناك، و يكون إبقاء الأمر بحاله مثار للتنازع و البغضاء.

ففي ذلك كله يتوسلون إلى القرعة و يرونها طريقا وحيدا لحل هذه المشكلات لا محيص عنها.

و نشير هنا الى بعض ما تداول فيه القرعة بينهم توضيحا لهذا الكلام:

منها- قسمة الأموال المشتركة بين شخصين أو أشخاص؛ سواء حصلت من ناحية التجارة أو الإرث أو غير ذلك إذا لم يتراضوا بنحو خاص من القسمة و كان هناك أموال متشاكلة في القيمة مختلفة من حيث الرغبات، فإنه لا شك في رجوعهم إلى القرعة في مثلها.

و هكذا في تقسيم البيوت أو الدور أو قطعات من الأرض المتشابهة بين أشخاص متعددة التي يكون إيكال الأمر إلى اختيار هم فيها مظنة للتشاح و وقوع الخلف و النزاع.

و كذلك تقسيم مياه الأنهار المشتركة بين الفلاحين إذا لم يكن هناك مقياسا يرجح به بعضهم على بعض، ففي كل ذلك يرجع الى القرعة.

354

و منها- ما إذا كان وظيفة خاصة يكفي في القيام بها عدد محصورون و كان هناك جمع كثيرون صالحون له و كان تخصيص بعضهم بها دون بعض، تحميلا بغير دليل و مثارا للفتنة، (فح) يرجع الى القرعة؛ و كذلك حال الموظفين من العسكريين و غيرهم بالنسبة إلى بعثهم الى امكنة مختلفة و غيرها إذا لم يكن هناك معين أو مرجح.

و منها- إذا كان هناك أمر يجب قيام كل واحد به؛ و لكن تدريجا و كان تقديم بعض و تأخير آخر بلا دليل ظلما و إجحافا و جلبا للضغائن، و لم يكن هناك طريق آخر يرجع اليه فلا شك (ح) في رجوعهم إلى القرعة. الى غير ذلك من أشباهه.

و بالجملة لا شك في اعتبار القرعة بين العقلاء إجمالا و رجوعهم إليها و فصل النزاع أو ما يمكن ان يقع النزاع فيه بها.

و الظاهر ان هذا ليس امرا مستحدثا في عرفنا، بل كان متداولا بينهم من قديم الأيام، و الظاهر ان رجوع أهل السفينة إليها في تعيين من يلقى في البحر- في قضية يونس- و كذلك رجوع عباد بني إسرائيل إليها، في أمر مريم لم يكن استنادا الى حكم شرعي، وضع في شرائعهم بل استنادا الى حكم عقلائي كان متداولا بينهم من قديم الأزمنة، و هكذا الكلام في رجوع شيخ البطحاء عبد المطلب إليها في تعيين فداء ولده عبد اللّه و الظاهر انه أيضا من هذا الباب.

كما انه لا شك في ان رجوعهم إليها ليس لكشفها عن الواقع، و ارائتها شيئا مجهولا لهم، فإنه لا كاشفية فيها عندهم أصلا، و انما يعتبرونها للفرار عن الترجيح بالميول و الأهواء و ما يكون مثارا للفتنة و البغضاء، لكونه ترجيحا بلا مرجح.

355

الرابع- «الإجماع»

و يمكن التمسك لإثبات حجية القرعة بالإجماع و اتفاق العلماء عليها في أبواب كثيرة من الفقه يظهر لمن راجعها؛ و قد أشرنا إلى بعضها عند نقل احاديث الباب و عملهم بها.

و ناهيك في ذلك ما ذكره المحقق النراقي في المقام حيث قال: «اما الإجماع فثبوته في مشروعية القرعة و كونها مرجعا للتميز و المعرفة في الجملة مما لا شك فيه؛ و لا شبهة تعتريه، كما يظهر لكل من تتبع كلمات المتقدمين و المتأخرين في كثير من أبواب الفقه فإنه يراهم مجتمعين على العمل بها و بناء الأمر عليها طرا». (1) و قال المحقق الآشتيانى في كلام له في المقام: «اما أصل مشروعية القرعة فهو مما لا خلاف فيه بين المسلمين؛ بل إجماعهم عليه، بحيث لا يرتاب فيه ذو مسكة. و يكفي في القطع بتحقق الإجماع ملاحظة الإجماعات المتواترة المنقولة في ذلك من زمان الشيخين الى زماننا هذا، كما هو واضح لمن راجع كلماتهم بل يمكن دعوى الضرورة الفقهائية عليه» (2) هذا و لكن يمكن الإيراد على جعل الإجماع دليلا مستقلا في المسئلة، بناء على ما هو المعروف بين المتأخرين من اعتبار الإجماع من جهة الكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) فان الظاهر ان مستندا لمجمعين كلهم أو جلهم هو الأدلة الثلاثة السابقة و لا سيما الأخبار التي هي عمدة أدلة المسئلة؛ و لا أقل من احتمال ذلك، و معه لا يستفاد من الإجماع أزيد مما استفيد منها.

____________

(1) العوائد ص 226.

(2) بحر الفوائد ص 218 من الاستصحاب.

356

هذا تمام الكلام في الأدلة التي أقاموها أو يمكن إقامتها لا ثبات هذه القاعدة و قد عرفت ان مجموعها كافية في إثباتها و تحكيم أساسها، فلنرجع الى بيان مفادها و ما يستفاد منها عموما أو خصوصا، و حدودها و شرائطها.

357

الثاني- في مفاد القاعدة و حدودها

لقد تحصل من جميع ما ذكرنا من الأدلة ان مشروعية القرعة على إجمالها مما لا شك فيها، و انما الكلام في أمور:

1- هل هي عامة لكل أمر مشكل- و ما المراد من المشكل؟- أو يختص ببعض الأبواب؟ و انها هل تختص بأبواب المنازعات و تزاحم الحقوق أو تجري في غيرها أيضا.

2- انه هل يشترط في العمل بها في كل مورد عمل الأصحاب بها فيه كما قيل أولا؟

3- انها من الامارات، أو من الأصول العملية، أو فيها تفصيل؟

4- نسبتها مع غيرها من الامارات و الأصول.

فنقول- و من اللّه سبحانه نستمد التوفيق و الهداية- اما الأول فالحق انه ليس في عناوين الأدلة من عنوان «المشكل» عين و لا اثر، و انما المذكور فيها عنوان «كل مجهول» كما في رواية محمد بن حكيم عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) و كما في مرسلة الشيخ في «النهاية» عنه (عليه السلام) و عن غيره من آبائه و أبنائه (عليهم السلام))- قال المحقق النراقي (قده) ان الرواية الأولى حكى الإجماع على ثبوتها و على روايتها.

و قد ورد في مرسلة فقه الرضا- بناء على كونها رواية عن المعصوم- «و كل مالا يتهيأ فيه الاشهاد عليه».

و الظاهر ان المراد بالمجهول هو المجهول المطلق، اعنى ما لا طريق إلى معرفة حاله لا من الأدلة القطعية و لا الظنية، و لا من الأصول العملية بان لا يكون مجراها أو كان و لكن كان في العمل بها فيه محذور، كما في مورد الغنم الموطوئة المشتبهة في قطيع غنم، فإن الأصل العملي فيها و ان كان هو الاحتياط بالاجتناب عن الجميع الا انه مستلزم‏

358

للعسر و الحرج و الضرر الكثير فالغاه الشارع؛ فصار مجهولا مطلقا، فأمر بالرجوع فيها إلى القرعة.

و على هذا كل ما كان حاله معلوما بأحد الطرق و الموازين الموازين الشرعية، قطعية كانت أو ظنية، أمارة كانت أو أصلا، لم يكن داخلا تحت عنوان «المجهول» الوارد في اخبار الباب.

و يؤيد ذلك جدا ان مجرى القرعة عند العقلاء أيضا ما لا يمكن حله بشي‏ء من- الطرق و الأصول الدائرة بينهم، بحيث كان ترجيح بعض الاحتمالات على بعض من قبيل- الترجيح بلا مرجح، و قد عرفت ان الشارع المقدس امضى طريقتهم و ان أضاف إليها بعض ما سيأتي الإشارة اليه ان شاء اللّه.

ثمَّ انه لا اشكال و لا كلام في اختصاص القاعدة بالشبهات الموضوعية و عدم جريانها عند الشك في الأحكام الكلية الشرعية، لاختصاصها عند العقلاء و العرف بها، كما انه ليس في شي‏ء من الموارد الخاصة التي ورد في الشرع إجراء القرعة فيها غير الشبهات- الموضوعية كما عرفت، نعم الظاهر من قضية عبد المطلب و استكشاف مقدار فداء ولده بالقرعة جريانها في الشبهات الحكمية أحيانا و لكن لا بد من توجيهها، بما ذكرناه عند نقل روايات الباب عند ذكر هذا الحديث، أو بغيره.

ثمَّ ان الظاهر انها لا تختص بأبواب المنازعات و تنازع الحقوق و ان كان أكثر مواردها من هذا القبيل؛ حتى ظن بعضهم انها من مدارك «القضاء الشرعي» لا غير، و انه لا يعتمد على القرعة في غيره، و ذلك لما رآه من ورود جل رواياتها في هذا الباب.

و لكن الإنصاف ان هذا القول ضعيف جدا (و مثله في الضعف ما حكاه في القواعد عن بعض العامة ان مورد القرعة هو خصوص ما يجوز التراضي عليه) لأنه يرد عليه:

أولا- ان فيها ما لا ربط له بباب التنازع و القضاء، و ذلك مثل ما نقلناها

359

في الطائفة السابعة من الاخبار الخاصة الواردة في اشتباه «الشاة الموطوئة» و انها إذا اشتبهت استخرجت بالقرعة. (1) و قد عرفت ان الأصحاب عملوا بها حتى قال في الجواهر: «انه لا خلاف في هذا الحكم؛ للخبرين المنجبرين».

و من الواضح ان مسئلة اشتباه الشاة الموطوئة بغيرها ليست من أبواب المنازعات المحتاجة إلى القضاء الشرعي بل هي من الأمور المجهولة المطلقة، و قد عرفت ان اجراء القرعة فيها و جعلها من الأمور المشكلة، (بتعبير القوم) مع ان الحكم في أمثالها من الشبهات المحصورة هو الاحتياط و لا فرق ظاهرا بين المقام و بين غيرها من الشبهات المحصورة التي نحكم فيها بالاحتياط بمقتضى العقل و النقل، لعله من جهة ان الاحتياط بذبح جميع الشياة الواقعة في أطراف الشبهة ضرر أو حرج عظيم على صاحبها، و ارتكاب الجميع و عدم الاحتياط في شي‏ء منها مخالف للعلم الإجمالي.

فإذا انتفى طريق «الاحتياط» و «البراءة» و كذا «الاستصحاب» (كما هو ظاهر) انحصر الطريق في التخيير، و لكن الشارع المقدس ألغى التخيير هنا، لأن القرعة و ان لم تكن امارة على نحو سائر الأمارات الشرعية و العقلائية، الا ان فيها نوعا من الكاشفية (كما يظهر من اخبارها و سيأتي شرحه ان شاء اللّه) و هي توجب ترجيح احد الطرفين على الأخر فتكون مانعا عن التخيير، مضافا الى ما فيها من رفع الحيرة و سكون النفس مما ليس في الحكم بالتخيير كما لا يخفى.

اما القول بجريانها في المقام تعبدا، و اختصاصها بمسئلة الشاة الموطوئة و عدم جريانها في غيرها من أشباهها من الأمور المشكلة كما ترى، لعدم خصوصية فيه.

____________

(1) راجع الصفحة 344.

360

ثانيا- ان الروايات الخاصة الواردة في غير واحد من الأبواب، و ان كانت واردة في موارد تزاحم الحقوق؛ الا انه ليس فيها من التنازع عين و لا اثر، مثل ما ورد فيمن قال أول مملكوك أملكه فهو حر، فورث سبعة، قال: يقرع بينهم و يعتق الذي قرع. (1) فإن إطلاقها يشمل ما إذا لم يطلع العبيد على نذره و لم يقع التشاح بينهم ابدا بل لعلها ظاهرة في خصوص هذا الفرض، فأراد السائل استكشاف حكمه فيما بينه و بين اللّه.

و مثلها غيرها.

و كذا ما ورد في باب الوصية بعتق بعض المماليك و انه يستخرج بالقرعة (2) فإن إطلاقها أيضا يشمل ما إذا لم يقع التنازع بينهم أصلا لو لم نقل بظهورها في ذلك فيكون السؤال لاستكشاف الحكم الشرعي للمسئلة لا حكمه في مقام القضاء.

فهذه الروايات و شبهها و ان كانت واردة في أبواب تزاحم الحقوق المحتملة الا ان مجرد وقوع التزاحم في شي‏ء لا يلازم التنازع و التشاح فيه، حتى يحتاج الى القضاء، و ليس دائما مظنة له، فهي أيضا دليل على عدم اختصاص القرعة بأبواب القضاء.

لا سيما و مورد هذه الطائفة من الروايات يكون مما لا واقع له مجهول، بل هناك حق متساوي النسبة إلى الجميع، و لا يمكن إعطائه إلا واحدا منهم و لكن لما كان إيكال الأمر إلى التخيير مظنة للاجحاف و ترجيح بلا مرجح أو ترجيح بالميول و الأهواء أو كل الأمر فيها إلى القرعة التي لا يكون فيها شي‏ء من ذلك.

ثالثا- إطلاق بعض الاخبار العامة غير الواردة في أبواب التنازع أيضا دليل على‏

____________

(1) راجع الصفحة 338.

(2) راجع الصفحة 339.