القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
361

عدم اختصاص القرعة بباب القضاء مثل قوله: «كل مجهول ففيه القرعة» فإن ظاهره يشمل المجهولات كلها وقع فيها التشاح أم لا، بل الروايات العامة التي وقعت عقيب السؤال عن بعض مسائل التنازع أيضا ظاهرة في ذلك، فان المورد لا يكون مخصصا فتدبر.

رابعا- الظاهر ان بناء العقلاء عليها أيضا لا يختص بأبواب المنازعات بل يعتمدون عليها في مطلق تزاحم الحقوق و ان لم يكن مظنة للتنازع فتأمل. بالجملة القول باختصاص هذه القاعدة بها مع انه مخالف لظواهر كلمات الأصحاب و إطلاقات روايات الباب، بل صريح بعضها. لا دليل عليه يعتد به كما عرفت.

362

الثالث- في شرائط جريانها

قد يقال ان عمومات القرعة لا يجوز العمل بها الا فيما عمل به الأصحاب، قال المحدث الخبير الشيخ الحر (قدس سره)في «الفصول المهمة» على ما حكى عنه، بعد نقل بعض روايات القرعة و عموماتها: «و معلوم ان هذا العموم له مخصصات كثيرة» و زاد بعضهم انه لو لم يكن كذلك لجاز لنا ترجيح الحكم في المسائل الشرعية بالقرعة، و قال العلامة الأنصاري (قدس سره)): «ان أدلة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل- الأصحاب أو جماعة منهم».

و كان الوجه فيه انه لا يمكن العمل بظاهر عموماتها في كل مجهول، حتى مع وجود أمارات أو أصول عملية، من البراءة و الاستصحاب و غيرهما، فإنه لم يقل به احد.

فلا بد من تخصيصها بإخراج جميع هذه الموارد منها.

و ان شئت قلت انها مخصصة بتخصيصات كثيرة بلغت حد تخصيص الأكثر، مع ان التخصيص كذلك أمر مستهجن غير جائز، فهذا يكشف عن وجود قرينة أو مخصص متصل معها وصلت الى أصحابنا الأقدمين و لم تصل إلينا؛ و لما كان عنوان المخصص مبهما عندنا و القرينة مجهولة لنا لم يجز العمل بعموماتها لان إبهامها يسرى إليها (كما ذكر في محله) (فح) لا يجوز العمل بها الا فيما عمل الأصحاب به. هذا و يرد عليه:

أولا- ان احتمال وجود قرائن عندهم غير ما بأيدينا و غير ما أودعوه في كتبهم مما يرشدهم الى مغزى هذه العمومات، ضعيف جدا، و لو كان كذلك فلما ذا أهملوا ذكرها في كتبهم المعدة للرواية؟ و لما ذا لم يستندوا إليها في كتبهم الفقهية الاستدلالية بل استندوا الى نفس هذه الروايات التي بأيدينا؟ و هل هذا الا إغراء بالجهل في مورد يجب الاهتمام به‏

363

فحاشاهم ثمَّ حاشاهم.

ثانيا- قد عرفت سابقا ان المراد من «المجهول» الوارد في عمومات الباب، بقرينة شأن ورود رواياتها، و ما ثبت عند العقلاء في أمر القرعة، ليس كل مشكوك بل ما ليس طريق إلى إثباته، لأمن الأمارات الشرعية و العقلائية و لا من الأصول العملية العقلية و النقلية (فح) لا يرد عليها تخصيصات كثيرة كما هو ظاهر.

و كان منشأ توهم كثرة التخصيص هو ما يظهر من عنوان «المجهول» بادي الأمر، و لكن بعد ما عرفت هنا و فيما سبق في تحقيق المراد منه، لا يبقى وجه لهذا التوهم فراجع و تدبر.

و الحاصل ان موارد وجود الامارات، و الأصول العملية خارجة عن تحت عمومات القرعة بالتخصص لا بالتخصيص فإنها ليس من المجهول بما عرفت له من المعنى.

هل القرعة من الامارات أو الأصول العملية؟

ظاهر كثير من رواياتها انها من الامارات بل يظهر من بعضها أنها أمارة قطعية في مواردها لا تخطى عن الواقع المجهول ابدا، مثل ما روى عنه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم): ليس من قوم تقارعوا ثمَّ فوضوا أمرهم الى اللّه الا خرج سهم المحق‏ (1) و ما روى في مناظرة الطيار و زرارة الدال على ان القرعة على طبق رأى زرارة فقيه أهل البيت (عليهم السلام) كانت كاشفة عن الواقع كشفا دائما لا يقع التخلف فيه، و لذا لو احتمل كذب المتداعيين جميعا لا بد من إلقاء سهم لهذا و سهم لذاك و سهم مبيح‏ (2) و الظاهر ان تفويض الأمر الى اللّه و الدعاء عندها أيضا لا يكون إلا لكشف الواقع المجهول.

____________

(1) راجع الصفحة 329.

(2) راجع الصفحة 331.

364

و يؤيده ما ورد في قضية شيخ البطحاء عبد المطلب و قرعته لكشف مرضات ربه بالفداء عن عبد اللّه‏ (1).

و ما ورد في تفسير العياشي في حديث يونس من قوله: «فجرت السنة ان السهام إذا كانت ثلث مرات لا تخطى» (2).

و ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما من قوم فوضوا أمرهم الى اللّه عز و جل و ألقوا سهامهم الا خرج السهم الأصوب» (3).

هذا و لكن يظهر من بعض اخبارها ان حجيتها ليست بملاك كشفها عن الواقع المجهول بل بملاك أنها «أقرب الى العدالة» و أبعد من العمل بالميول و الأهواء في موارد جريانها، مثل ما ورد في رواية ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام): «و أي قضية أعدل من قضية يجال عليها بالسهام يقول اللّه‏ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ‏» (4).

و يؤيد هذا استشهاده بقضية يونس، بناء على كفاية إلقاء واحد غير معين منهم عند الحوت لدفع شره فتأمل.

و يؤيده أيضا ما ورد في غير واحد من اخبارها من قوله «كل ما حكم اللّه فليس بمخطئ» في مقام الجواب عن قول السائل: «ان القرعة تخطى و تصيب» بناء على ان المراد منه عدم الخطاء في الحكم بحجية القرعة، و انه إذا حكم اللّه سبحانه بشي‏ء ففيه مصلحة لا محالة، فخطاء القرعة عن الواقع أحيانا لا يمنع عن صحة هذا الحكم و اشتماله على المصلحة، و اما لو قلنا ان المراد منه عدم خطاء القرعة عن الواقع المجهول كان دليلا آخر على كونها امارة قطيعة.

هذا و يمكن ان يقال انه لا منافاة بين الملاكين و لا مانع من كون حجيتها بكليهما:

____________

(1) راجع الصفحة 347.

(2) راجع الصفحة 333.

(3) راجع الصفحة 334.

(4) راجع الصفحة 334.

365

ملاك الإصابة و ملاك العدالة، و اما حمل الأول على ماله واقع ثابت مجهول، و الثاني على ما ليس كذلك فيدفعه الاستشهاد بملاك العدالة في ذيل مسئلة خنثى المشكل و كيفية ميراثه‏ (1) بناء على عدم خروج الخنثى عن الجنسين في الواقع كما هو المشهور.

و الانصاف انه لا يمكن رفع اليد عن تلك الروايات الكثيرة الظاهرة في كونها امارة على الواقع؛ اما دائما أو غالبا و لا مانع منه عقلا إذا انحصر الطريق فيها و فوض الأمر الى اللّه تبارك و تعالى، العالم بخفيات الأمور اللطيف بعبادة. و لقد جربنا هذا الأمر في باب الاستخارة؛ التي هي من القرعة على ما اختاره بعضهم و سيأتي الإشارة اليه ان شاء اللّه في آخر المسئلة، و رأينا منها عجائب جمة في إصابة الواقع و كشف المجهول إذا استعملت في محلها و فوض الأمر الى اللّه و قرنت بالإخلاص و الابتهال.

ثمَّ اعلم ان كون القرعة امارة على الواقع و كاشفا عنه دائما أو غالبا لا يوجب تقدمها على أصول العملية و لا معارضتها لسائر الامارات، و ذلك لما عرفت من ان أماريتها انما هي فرض خاص و منحصر بالأمور المجهولة المشكلة التي لا طريق الى حلها لا من الامارات و لا من الأصول العملية.

و بعبارة أخرى موضوعها مختص بموارد فقد الأدلة و الأصول الأخر؛ و عليه لا تعارض شيئا منها و لا يقدم عليها بل إنما تجري في موارد فقدها.

ثمَّ ان من المعلوم ان الكلام في أماريتها و عدمها انما هو في خصوص ماله واقع ثابت مجهول، و اما ما ليس كذلك من موارد تزاحم الحقوق أو المنازعات التي يرجع فيها إلى القرعة كما في قضية زكريا و تشاح احبار بني إسرائيل في كفالة مريم؛ و كما في قضية يونس على احتمال مضى ذكره، و كذلك فيمن نذر أو اوصى بعتق أول مملوك فملك سبعة في زمان واحد، و أشباهها، فلا موقع لهذا النزاع فيها كما هو ظاهر.

فالرجوع إليها (ح) انما يكون بملاك اقربيتها إلى العدالة و ابعديتها عن الترجيح بلا مرجح‏

____________

(1) راجع الصفحة 334.

366

الذي يكون منشأ للتشاح و البغضاء غالبا.

هل تختص القرعة بالإمام أو تائبه؟

بقي هنا شي‏ء و هو ان اجراء القرعة هل يجوز لكل أحد؛ أو يختص بحكام الشرع أو خصوص الامام (عليه السلام)؟

اما الأخير فالظاهر انه لا يقول به أحد، فإن لازمه تعطيل القرعة بتا عند عدم حضوره (عليه السلام) و كلمات الأصحاب متفقة على خلافه، فهم يعتمدون عليها في كثير من المسائل الفقهية، و كتبهم مشحونة بذلك.

و اما الثاني فقد ذهب اليه بعضهم كالمحقق النراقي (قده) في عوائده، فقال باختصاصها به (عليه السلام) أو بنائبه الخاص أو العام؛ لعموم أدلة النيابة عنه (عليه السلام) الا انه قال. و يستثنى منه ما خرج بالدليل كمسئلة الشاة الموطوئة.

و فصل المحدث الكاشاني (قدس سره)فيما حكى عنه من كتابه «الوافي» بين ما كان له واقع ثابت مجهول فيختص بالإمام (عليه السلام) و ما ليس كذلك فهو عام.

و ما افاده مع انه لا دليل عليه مخالف أيضا لكلمات الأصحاب و فتاواهم، لأنا نراهم معتمدين عليها عند عدم حضوره (عليه السلام) فيما له واقع مجهول و ما ليس له على حد سواء. هذا بحسب الأقوال.

و اما الروايات الواردة في القرعة فالسنتها مختلفة: يظهر من بعضها اختصاصها بالإمام (عليه السلام) مثل رواية ثعلبة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل عن مولود ليس بذكر و لا أنثى ليس له إلا دبر كيف يورث قال يجلس الامام و يجلس عنده ناس من المسلمين فيدعون اللّه و يجال السهام عليه اى ميراث يورثه أ ميراث الذكر أو ميراث الأنثى؟ فأي ذلك خرج عليه ورثه (الحديث).

و ما في مرسلة حماد عن أحدهما (عليه السلام): القرعة لا تكون إلا للإمام‏ (1).

____________

(1) راجع الصفحة 346.

367

و ما في رواية يونس قال: في رجل كان له عدة مماليك فقال أيكم علمني آية من كتاب اللّه فهو حر، فعلمه واحد منهم؛ ثمَّ مات المولى و لم يدر أيهم الذي علمه؟ قال يستخرج بالقرعة؟ قال لا يستخرجه إلا الإمام لأن له على القرعة كلاما و دعاء الا يعلمه غيره‏ (1) و ظاهر هذه الروايات لا سيما الأخيرتين اختصاصها بالإمام (عليه السلام).

و يظهر من بعضها الأخر كونها من وظائف الوالي، مثل ما في مصححة معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا وطأ رجلان أو ثلثة جارية في طهر واحد، فولدت، فادعوه جميعا، أقرع الوالي بينهم فمن قرع كان الولد ولده الحديث‏ (2).

و يظهر من طائفة ثالثة منها ان أمرها بيد الإمام أو المقرع (اى شخص كان) مثل ما رواه الفضيل قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مولود ليس له ما للرحال و لا له ما للنساء؟ قال يقرع الإمام أو المقرع، يكتب على سهم عبد اللّه و على سهم امة اللّه ثمَّ يقول الإمام أو المقرع:

اللهم. الحديث) (3).

و كثير منها مطلقة لا يختص بالإمام أو غيره أو وقع التصريح فيها بعنوان «القوم»؛ كما يظهر لمن راجع الأحاديث السابقة.

و ظاهر روايات الشاة الموطوئة ان المقرع هو صاحب الشياة قال: «ان عرفها ذبحها و أحرقها و ان لم يعرفها قسمها نصفين» (الحديث) (4).

و الانصاف ان اختلاف هذه التعابير لا يدل على اختلاف في الحكم فان غالب موارد جريانها هو موارد التنازع المحتاجة إلى القضاء الشرعي و من المعلوم ان أمرها (ح) الى الامام (عليه السلام) أو من هو منصوب من قبله عموما أو خصوصا من الوالي و القاضي، من العلماء العدول و

____________

(1) راجع الصفحة 338.

(2) راجع الصفحة 342.

(3) راجع الصفحة 341.

(4) راجع الصفحة 344.

368

روات أحاديثهم، فالقرعة في هذه المقامات تكون كإقامة البينة و الإحلاف لا يعتبر الا عند من بيده أمر القضاء.

و اما في غير هذه المقامات فظاهر إطلاقات الأدلة ان أمرها بيد مالك البهيمة في مثل الشاة الموطوئة أو من هو منصوب من قبله، أو بيد الوصي فيما إذا كان الشك في أموال الموصى، أو كل مكلف لو لم يختص الأمر بشخص خاص، و لكن لا يبعد ان يكون هذا القسم الأخير داخلا في الحسبة و يكون أمرها أيضا بيد الحاكم لو كان و الا فبيد عدول المؤمنين.

هذا ما يقتضيه قواعد القوم.

و الظاهر انه لا يستفاد من روايات الباب ما ينافي ذلك فان قوله: القرعة لا تكون إلا للإمام في مرسلة حماد، مع ضعفها بالإرسال، قابلة للحمل على موارد الدعاوي و التنازع التي يكون أمرها بيد الإمام أو من نصبه خصوصا أو عموما (فتأمل).

و اما رواية يونس الحاصرة لمستخرج القرعة بالإمام، لأن له كلاما و دعاء لا يعلمه غيره، فشاذ جدا، لعدم دليل يعتد به على لزوم الدعاء عندها و إطلاق جل- الروايات خالية عنها؛ مع انه لم ينقل من الفقهاء قول بوجوب الدعاء، و قد صرح- المحقق النراقي في العوائد باستحباب الدعاء من دون نقل خلاف؛ فلا بد من حمل الرواية على ضرب من الندب و الفضيلة.

هذا مع انه لم يعهد من رواياتها دعاء لا يعلمه غيره بل المذكور فيها دعاء مأثور في رواية «فضيل بن يسار» يقرئها الإمام أو المقرع كما صرح به فيها.

و الحاصل ان رواية يونس مع مخالفتها لصريح أو إطلاق جميع روايات الباب لا يمكن الاعتماد على ظاهرها من وجوه شتى.

و اما ما دل على كونها من وظائف الوالي فموردها من الدعاوي التي أمرها بيده، فلا يمكن رفع اليد عن مقتضى القواعد الأولية بها في غير هذه الموارد.

369

الأمر الرابع- كيفية إجراء القرعة

قد عرفت ان القرعة كانت متداولة بين العقلاء من قديم الزمان، و لم تكن مقيدة بكيفية خاصة عندهم.

بل كان كيفيتها جعل علامات لكل واحد من أطراف الدعوى أو ذوي الحقوق المتزاحمة أو غيرها؛ مما كان طرفا للاحتمال، ثمَّ الرجوع الى ما يخرج صدفة من بينها، بحيث لا يحتمل فيه اعمال نظر خاص، بل كان استخراج واحد معين من بين أطراف- الاحتمال مستندا الى مجرد الصدفة و الاتفاق؛ كي يكون حاسما للنزاع و التشاح.

و من الواضح ان هذا المقصود يؤدى بكيفيات عديدة لا تحصى، فلا فرق فيها عندهم بين «الرقاع» و «السهام» و «الحصى» و غيرها، و لا خصوصية في شي‏ء منها بعد اشتراكها جمعيا في أداء ذاك المقصود.

و من هنا اختلفت عادة الأقوام في اقتراعاتهم، فكل يختار نوعا أو أنواعا منها، من غير ان يكون نافيا للطرق الأخر، و لكن الكتابة و الرقاع أكثر تداولا اليوم، لسهولتها و إمكان الوصول إليها في جل موارد الحاجة، مع بعدها عن احتمال اعمال الميول و الأهواء الخاصة.

و قد تستخرج الرقاع بيد صبي أو بسبب ماكينة مخصوصة ليكون أبعد من سوء الظن و أقرب الى العدالة في استخراجها. هذا ما عند العقلاء.

370

و اما الروايات الواردة في هذه القاعدة فهي مختلفة: أكثرها مطلقة خالية عن تعيين كيفية خاصة للاقتراع و هي دليل على إيكال الأمر الى ما كان متداولا بين العقلاء و أهل العرف، و إمضاء طريقتهم في ذلك.

و لكن ورد في غير واحد منها طرق خاصة للقرعة من دون نص على حصرها فيه (على الظاهر).

منها- الاقتراع بالسهام كما في الرواية الحادية عشرة من الروايات الخاصة التي ذكرناها عند بيان مدركها من السنة، الواردة في باب ميراث الخنثى قال: يكتب على سهم عبد اللّه و على سهم امة اللّه، الى ان قال ثمَّ تطرح السهام (السهمان) في سهام مبهمة ثمَّ تجال السهام، على ما خرج ورث عليه‏ (1).

و قد ورد في غيرها التعبير بالسهم أيضا، و كانّ هذا النحو كان أكثر تداولا في تلك الأيام.

و منها- الاقتراع بالخواتيم كما ورد في أبواب قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قضية شاب خرج أبوه مع جماعة في سفر فرجعوا و لم يرجع أبوه، و شهدوا جميعا بموته، و لم يقبل الشاب ذلك فشكى الى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقضى بينهم بطريق بديع عجيب اثبت فيه كذبهم؛ فاعترفوا بقتلهم إياه، و في ذيله ان الفتى و القوم اختلفوا في مال المقتول كم كان فأخذ أمير- المؤمنين (عليه السلام) خاتمه و جميع خواتيم من عنده ثمَّ قال: أجيلوا بهذه السهام فأيكم أخرج خاتمي فهو صادق في دعواه لأنه سهم اللّه و سهم اللّه لا يخيب.

و يظهر منه إطلاق السهم على الخواتيم و كل ما يعين به حق أحد طرفي الدعوى.

هذا و لكن هل يمكن الاعتماد على الحكم المذكور فيها من حيث ان المدعى لزيادة المال مدع، و المدعى للنقصان منكر، فلا بد من اجراء القواعد المعهودة في باب القضاء للمدعي و المنكر، أو لا بد من العمل بهذا الحكم في خصوص مورده، أو ان مثل هذا النحو

____________

(1) راجع الصفحة 341.

371

من القضاء يختص بالإمام (عليه السلام)؟ و تمام الكلام فيه في محله.

و منها- الافتراع بالكتابة على الرقاع كما روى انه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أقرع بالكتابة على الرقاع‏ (1).

و منها- الاقتراع بالبعرة و النوى كما روى انه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أقرع في بعض الغنائم بالبعرة و انه أقرع مرة أخرى بالنوى‏ (2).

و منها- الاقتراع بالأقلام كما ورد في قضية زكريا و قد مر معناه.

و ليس في شي‏ء من ذلك تصريح بانحصار الطريق فيه، فمن هنا يعلم ان الشارع امضى ما لدى العرف و العقلاء لعدم خصوصية في شي‏ء من طرقها.

و اما الدعاء بالمأثور الوارد في بعض احاديث الباب؛ أو مطلق الدعاء كما يظهر من بعضها الأخر، فقد عرفت انه لا دليل على وجوبه بعد خلو جل الروايات و كلمات- الأصحاب عنه. و لكن لا ينبغي الريب في رجحانه.

هذا و لكن في رجحانه عند عدم ثبوت واقع مجهول في موارد القرعة، يراد استخراجه بها، تأملا و اشكالا؛ نظرا الى ان قوله: «اللهم رب السموات السبع أيهم كان الحق له فأده اليه» الوارد في رواية «البصري» في باب تعارض البينتين المتساويتين أو قوله:

«اللهم أنت اللّه لا إله إلا أنت عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فبين لنا أمر هذا المولود» الوارد في رواية «الفضيل» في باب ميراث الخنثى؛ ظاهر في اختصاص الدعاء بما إذا كان له واقع مجهول فيسئل اللّه تعالى إخراج الحق بالقرعة اللهم الا ان يقال انه ليس دائما بقصد الإنشاء بل بعنوان التأسي، و لكنه بعيد.

____________

(1) رواه في العوائد ص 226.

(2) رواه في العوائد ص 226.

372

الأمر الخامس هل القرعة واجبة في مواردها أو جائزة؟

قد وقع البحث في ان إجرائها في مواردها واجبة أو جائزة؟ و بعبارة أخرى هل هي رخصة أو عزيمة أو تختلف باختلاف المقامات؟ و على تقدير الجواز فهل يجب العمل بها بعد إجرائها أولا؟ فهنا مقامان:

اما المقام الأول فلم أظفر على كلام صريح للقوم فيه عدا ما أفاده العلامة النراقي (قدس سره)في «العوائد» فقد ذكر في كلام طويل له هناك تفصيلا حاصله:

ان موارد القرعة مختلفة:

فتارة تجب بمقتضى الأمر الوارد في أحاديثها كما في الشاة الموطوئة.

و اخرى تجب تعيينا لتوقف الواجب؛ و هو تعيين الحق، عليها؛ و ذلك فيما إذا كان له واقع معين وجب الوصول اليه اما لرفع التنازع كما في الولد المتداعي فيه أو شبه ذلك، و لم يكن هناك طريق آخر للتعيين، أو فيما إذا لم يكن له واقع ثابت و لم يكن هناك دليل على التخيير؛ كما إذا اوصى بعتق اربع رقبات من عشرين رقبة مثلا و لم يكن هناك دليل على تخيير الموصي فإنه أيضا يجب الرجوع فيه الى القرعة.

و ثالثة يجب تخييرا بينها و بين الرجوع الى التخيير، كالمسألة السابقة (أعني مسئلة الوصية) إذا كان هناك إطلاق في كلام الموصى يدل على تخيير الوصي في ذلك؛ و كما في تعيين حق القسم للزوجات إذا لم يكن هناك مرجح.

373

و رابعة ما لا يجب لا تعيينا و لا تخييرا و ذلك فيما لا يجب التعيين فيه كتقديم احد المتعلمين في علم مستحب أو تقديم احدى الزوجتين المتمتع بهما في الليلة (انتهى مخلصا).

أقول: يرد عليه أولا: ان حمل الأمر في القسم الأول (أعني مسئلة الشاة الموطوئة) على الأمر المولوي الوجوبي غير معلوم، بل الأظهر انه إرشادي للتخلص عن الشاة المحرمة و عن الاحتياط اللازم في أطراف الشبهة المحصورة، فلو كان هناك آثار لا تترتب على حلية لحمها و أراد الانتفاع بها، فقط لم يبعد الحكم بعدم وجوب إجراء القرعة فيها و كذلك إذا أراد الانتفاع بلحمها بعد برهة طويلة من الزمان فان وجوب إجراء القرعة فيها فعلا غير معلوم (فتأمل).

و ثانيا: إذا لم ينحصر الطريق في القرعة، بل أمكن الرجوع الى «التخيير» كما في مثال الوصية المطلقة فلا بد من الرجوع اليه فقط و لا دليل على مشروعية القرعة هناك، و كذا فيما إذا لم يكن هناك أمر يجب تعيينه كما في مثال المتعة أو المتعلمين لغير الواجب، و ذلك لعدم دلالة أدلتها على مشروعيتها في هذه الموارد.

و الحاصل ان المستفاد من أدلتها، مشروعيتها فيما إذا كان هناك أمر لازم التعيين (سواء كان له واقع ثابت مجهول؛ أم لا) و لم يكن طريق آخر للتعيين، و اما في غيره مما ليس هناك أمر لازم التعيين فالقرعة كالعدم، بمعنى ان الأخذ بمقتضى القرعة فيها و العمل بها انما هو من باب انه احد الأطراف المخير فيها لا من باب انه استخرج بالقرعة.

ان قلت: ان ظاهر إطلاق أدلة مشروعيتها في كل مجهول جواز الرجوع إليها حتى في موارد لا يجب التعيين فيها.

قلنا: قد عرفت ان المجهول في اخبار الباب- كما تشهد به قرائن كثيرة- هو الأمر المشكل الذي لا طريق الى تعيينه مع لزوم تعيينه.

374

المقام الثاني- في انه هل يجب العمل بها بعد إجرائها أو يجوز العدول عنها الى غيرها، و حاصل القول فيه انه لا إشكال في وجوب العمل بما يستخرج بالقرعة في موارد يجب إجرائها فإن وجوب إجرائها مقدمة لوجوب العمل بها من غير فرق بين ما له واقع ثابت أو غيره و ان كان في الأول أظهر نظرا الى ان ما يستخرج منها هو الحق كما ورد في روايات الباب فإذا أجريت في تعيين ميراث الخنثى مثلا فوقعت على سهم المذكر أو الأنثى؛ أو أجريت في تعيين من يجب عتقه من بين العبيد الموصى بعتق بعضهم من دون تعيين، فعلى الحاكم أو الوصي العمل بها و لا يجوز له إهمالها و العدول إلى قرعة أخرى (و المفروض عدم طريق آخر هناك غير القرعة).

نعم يجوز لصاحب الحق غمض النظر عن حقه بعد ما خرج السهم له، كما ان للمتقارعين التصالح على حقوقهم بعد خروج السهم لأحدهما أو لهما في مثل تقسيم الأموال المشتركة، و التراضي على أمر خاص.

و لكن هذا يختص بما إذا كان من «الحقوق» مثل ما عرفت من تقسيم الشركاء أموالهم، أو تقسيم الغنائم و غيرها، و اما إذا كان من سنخ «الاحكام» كما في مسئلة الولد المتنازع فيه و شبهه فلا يجوز ذلك أصلا، لعدم جواز تغييره بالتراضي و التصالح و شبههما كما هو واضح.

و كذلك مسئلة الشاة الموطوئة فان خروج القرعة على واحدة من الشياة تجعلها بحكم الموطوئة. لو لم تكن موطوئة واقعا (فح) لا معنى لتغييرها و جعل غيرها في محلها بقرعة أخرى أو غيرها.

هذا كله في موارد وجوب القرعة اما إذا قلنا بمشروعيتها في موارد لا يجب فيها إجرائها كما في مسئلة المتعلمين لغير الواجب و شبهها فكما أن إجرائها غير واجب في هذه الموارد، كذلك العمل بها بعد إجرائها أيضا غير واجب؛ فله العدول عما خرج بالقرعة إلى غيره إذا لم يكن هناك محذور آخر (فتأمل).

هذا تمام الكلام في قاعدة القرعة.

375

هل الاستخارة من أنواع القرعة؟

الظاهر ان الاستخارة بالرقاع و الحصى و البندقة و السبحة و ما شاكلها، مما ورد في روايات مختلفة، نوع من القرعة، و انه إذا أشكل على الإنسان أمر يفوضه الى اللّه تعالى، ثمَّ يدعو ببعض الدعوات المأثورة ثمَّ يستخرج السهم أو الرقعة أو البندقة أو غيرها مما كتب عليه فعل شي‏ء أو تركه؛ أو علم عليه بعلامة؛ فيعمل على طبقه.

الا انها يتفاوت مع القرعة المعروفة في ان القرعة تكون في موارد لا يعلم حكمها الشرعي الجزئي، لاشتباه موضوعها، و في الغالب مما تزاحم فيه الحقوق، بينما تكون الاستخارة فيما يعلم حكمها الشرعي و موضوعه و تدور الأمر بين أمور مباحة و لكن يشك في صلاحها و فسادها للفاعل، في عاجلة أو آجله؛ فاذا لم ينته امره الى طريق بين، يتوسل إليها للكشف ما هو صلاحه و رفع تحيره.

و قد عقد العلامة المجلسي (قدس اللّه سره) في أواخر المجلد الثامن عشر من «بحار الأنوار» أبوابا أورد فيها كثيرا من الروايات الدالة على جواز الاستخارة بالدعاء ثمَّ العمل بما يقع في قلبه؛ أو بالاستشارة بعد الدعاء ثمَّ العمل بما يجرى على لسان من يستشيره، أو بالرقاع و البنادق و السبحة و الحصى و القرآن الكريم.

و قد وقع الكلام في مشروعية الاستخارة بغير الدعاء و الاستشارة، و المحكى عن أكثر الأصحاب جواز و عن ابن إدريس و بعض آخر إنكاره أو التردد فيه.

و ذكر العلامة المجلسي (قده) في آخر ما أورده في هذا الباب كلاما أحببنا إيراده هنا لما فيه من الفائدة و مزيد بصيرة فيما نحن بصدده، قال ما نصه:

«ان الأصل في الاستخارة الذي يدل عليه أكثر الأخبار المعتبرة هو ان لا يكون‏

376

الإنسان مستبدا برأيه، معتمدا على نظره و عقله، بل يتوسل بربه تعالى و يتوكل عليه في جميع أموره، و يقر عنده بجهله بمصالحه، و يفوض جميع ذلك اليه، و يطلب منه ان يأتي بما هو خير له في أخراه و أولاه، كما هو شأن العبد الجاهل العاجز مع مولاه العالم القادر، فيدعو بأحد الوجوه المتقدمة مع الصلاة أو بدونها، بل بما يحضر بباله من الدعاء ان لم يحضره شي‏ء من ذلك، للأخبار العامة، ثمَّ يرضى بكل ما يترتب على فعله من نفع أو ضر.

و بعد ذلك، الاستخارة من اللّه سبحانه ثمَّ العمل بما يقع في قلبه، و يغلب على ظنه أنه أصلح له.

و بعده الاستخارة بالاستشارة بالمؤمنين.

و بعده الاستخارة بالرقاع أو البنادق أو «القرعة بالسبحة» و الحصا أو التفأل بالقرآن الكريم.

و الظاهر جواز جميع ذلك، كما اختاره أكثر أصحابنا و أوردوها في كتبهم الفقهية و الدعوات و غيرها، و قد اطلعت هاهنا على بعضها» ثمَّ قال:

«و أنكر ابن إدريس الشقوق الأخيرة، و قال انها من أضعف أخبار الاحاد و شواذ الاخبار، لان رواتها فطحية ملعونون، مثل زرعة و سماعة، و غيرهما فلا يلتفت الى ما اختصا بروايته و لا يعرج عليه، قال: و المحصلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه الا ما اخترناه، و لا يذكرون «البنادق» و «الرقاع» و «القرعة» إلا في كتب العبادات دون كتب الفقه، و ذكران الشيخين و ابن البراج لم يذكروها في كتبهم الفقهية.

و وافقه المحقق (قده) فقال: اما الرقاع و ما يتضمن افعل و لا تفعل ففي حيز- الشذوذ فلا عبرة بهما.

و أصل هذا الكلام من المفيد (ره‏) في المقنعة حيث أورد أولا أخبار الاستخارة بالدعاء، و الاستشارة و غيرهما مما ذكرنا أولا، ثمَّ أورد استخارة ذات الرقاع و كيفيتها

377

ثمَّ قال: قال الشيخ و هذه الرواية شاذة ليست كالذي تقدم لكنا أوردناها للرخصة دون تحقيق العمل بها».

ثمَّ ذكر المجلسي (قده) بعد كلام له مما يدل على اختلاف نسخ المقنعة في ذلك ما نصه:

«قال الشهيد (رفع اللّه درجته) في الذكرى: «و إنكار ابن إدريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب و عدم راد لها سواه و من أخذ مأخذه كالشيخ نجم الدين؛ قال و كيف تكون شاذة و قد دونها المحدثون في كتبهم و المصنفون في مصنفاتهم.» (1) هذا و لكن الأمر في جوازها سهل بعد كون موردها أمورا مباحة يتردد بينها، ثمَّ يتوكل على اللّه و يعمل بما يخرج من الرقاع و شبهها رجاء الوصول الى المطلوب، و لعل عدم ذكر كثير منهم لها في الكتب الفقهية مستند الى هذا المعنى.

و على كل حال فمما يدل على ان الاستخارة بهذه الأمور نوع من القرعة أمور:

منها- التعبير عنها في بعض رواياتها بالمساهمة- التي هي القرعة كما عرفت سابقا عند ذكر الايات الدالة عليها- مثل رواية عبد الرحمن بن سيابة قال. خرجت إلى مكة و معى متاع كثير فكسد علينا فقال بعض أصحابنا ابعث به الى اليمن فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: ساهم بين مصر و اليمن ثمَّ فوض أمرك الى اللّه، فأي البلدين خرج اسمه في السهم فابعث اليه متاعك فقلت: كيف أساهم؟ قال: اكتب في رقعة بسم اللّه الرحمن الرحيم انه لا إله إلا أنت عالم الغيب و الشهادة أنت العالم و انا المتعلم فانظر في أي الأمرين خيرا لي حتى أتوكل عليك فيه، فاعمل به، ثمَّ اكتب مصرا ان شاء اللّه، ثمَّ اكتب في رقعة أخرى مثل ذلك، ثمَّ اكتب يحبس ان شاء اللّه و لا يبعث به الى بلدة منهما، ثمَّ اجمع الرقاع فادفعها الى من يسترها عنك، ثمَّ ادخل يدك فخذ رقعة

____________

(1) بحار الأنوار المجلد 18 طبعة أمين الضرب ص 941 و 942.

378

من الثلث رقاع، فأيها وقعت في يدك فتوكل على اللّه فاعمل بما فيها ان شاء اللّه».

و فيها من الدلالة على ان الاستخارة نوع من القرعة من وجوه شتى لا يخفى على- المتأمل. و مثله غيره.

و منها- اتحاد كيفية العمل و الدعاء فيهما؛ روى ابن طاوس في كتاب «أمان- الاخطار» و في «الاستخارات» نقلا عن كتاب عمرو بن ابى المقدام عن أحدهما (عليهما السلام) في- المساهمة يكتب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اسئلك بحق محمد و آل محمد ان تصلى على محمد و آل محمد؛ و ان تخرج لي خير السهمين في ديني و دنياي و آخرتي، و عاقبة امرى، في عاجل امرى و آجله انك على كل شي‏ء قدير؛ ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه؛ صلى اللّه على محمد و آله- ثمَّ تكتب ما تريد في الرقعتين و تكون الثالثة غفلا (1) ثمَّ تجيل السهام، فأيما خرجت عملت عليه، و لا تخالف؛ فمن خالف لم يصنع له، و ان خرج الغفل رميت به» (2) و هذه الرواية بإطلاقها شاملة لموارد القرعة و هو ما يشك في حكمه الشرعي الجزئي و لا طريق إلى إثباته، و موارد الاستخارة و هو ما يشك في صلاحه و فساده للفاعل مع العلم بجوازه فعله و تركه؛ كما فهمه ابن طاوس (قده).

و قد مر في كلام العلامة المجلسي قده قوله: «أو القرعة بالسبحة.» و هذا أيضا دليل على إطلاقها عليها.

و ببالي انه (قدس سره)تمسك على مشروعية الاستخارة بالرقاع و شبهها؛ بإطلاقات-

____________

(1) الغفل بالضم كما عن القاموس من لا يرجى خيره و لا يخشى شره، و ما لا علامة فيه من القداح.

(2) رواه في الوسائل في أبواب القرعة، من كتاب القضاء، من المجلد الثالث.

379

القرعة التي مضى ذكرها؛ و انها لكل أمر مشكل، و ان كان في الاستدلال بها ما لا يخفى فإنها بقرينة فهم الأصحاب و الموارد الخاصة التي وردت هذه العمومات فيها مختصة بما يشك في حكمه الشرعي الجزئي من جهة اشتباه موضوعه، و لا أقل من أنها منصرفة إليها؛ و على كل حال؛ كونها من أنواع القرعة مما لا ينبغي الشك فيها.

هذا تمام الكلام فيما يلحق بقاعدة القرعة و به يتم الجزء الثاني من كتابنا هذا؛ و سنوافيك الكلام في القواعد الباقية في الاجزاء الاتية بعون اللّه الملك العلام و كان الفراغ منه ليلة الخميس الثاني عشر من شوال المكرم سنة 1388 (و الحمد للّه أولا و آخرا)

380

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

381

7- قاعدة التقية و موارد حرمتها و وجوبها

382

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

383

التقية و موارد حرمتها و جوازها معناها و موارد حرمتها و وجوبها و جوازها و ما يترتب عليها من الاثار الوضعية و التكليفية و ما يلحق بها من الاحكام و الفروع‏ التقية من أقدم ما يعرف أصحابنا بها، كما انها من أكثر ما يشنع عليهم، جهلا بمعناها و موارد حرمتها و جوازها، و غفلة عما يحكم به العقل و النقل.

و يبتني عليها فروع كثيرة في مختلف أبواب الفقه من العبادات و غيرها فلها صلتان بالمذهب:

صلة من ناحية الفقه و قواعدها و الفروع الكثيرة المبنية عليها.

وصلة من ناحية العقائد و الكلام، حيث ان القول بها صار عند الغافلين عن «مغزاها» و «مواردها» دليلا على ضعف المذهب القائل بها و مبانيه.

384

و نحن و ان كنا نبحث عنها هنا كقاعدة فقهية، و لكن نواصل الجهد في طيات هذه الأبحاث لتوضيحها من الناحية الأخرى، لتبين قيم الإيرادات التي تشبث بها المخالفون هنا، و ان هذه المزعومة- كغالب المزعومات الأخر- ناشئة من قلة اتصالهم بنا، و عدم أخذ عقائدنا منا، بل من الكتب المشوهة المملوئة بأنواع التهم المنبعثة عن التعصبات القومية أو المذهبية، أو عن تدخل أعداء الدين في شؤون المسلمين لتفريق كلمتهم و إشاعة البغضاء بينهم ليتنازعوا فيفشلوا و تذهب ريحهم- كما قال اللّه تعالى.

و على كل حال لا بد لنا ان نتكلم هنا في مقامات:

الأول- في معناها اللغوي و الاصطلاحي.

الثاني- في حكمها التكليفي من الحرمة و الجواز، و مواردهما، و ما يدل على كل واحد، من الأدلة العقلية و النقلية، مضافا الى أقسام التقية من «الخوفى» و «التحبيبى».

و ان التاركين للتقية في الصدر الأول و في أعصار «الأمويين» و «العباسيين»، الذين استشهدوا في هذا السبيل كرشيد الهجري و ميثم التمار و أشباههما لما ذا تركوا التقية و تجرعوا جرع الحمام؟

و هل كان هذا واجبا عليهم أو راجحا لهم، و هل يمكن لنا سلوك طريقتهم في أمثال هذه الظروف أم لا؟

الثالث- في حكمها الوضعي من حيث ان العمل المأتي به تقية هل يوجب الاجزاء عن الإعادة و القضاء، في داخل الوقت و خارجه أم لا؟.

الرابع- في أمور هامة مختلفة لها صلة بالبحث مثل انه هل يعتبر

385

في التقية ان تكون من المخالف، أو يشمل الكافر، أو الموافق في المذهب أحيانا.

و انها هل تختص بالأحكام أو تشمل الموضوعات.

و ان المدار فيها على الخوف الشخصي أو النوعي‏

و انه إذا خالف التقية فهل يفسد عمله؟

و ان ترك تسمية القائم باسمه هل هو من باب التقية أو غيرها و هل هو واجب في هذه الأعصار أو لا يجب أصلا؟

و غير ذلك مما يرتبط بهذه المسئلة، نذكرها في طي عشر تنبيهات‏

و نسئل اللّه التوفيق و الهداية نحو الحق في جميع الأمور، انه قريب مجيب.

386

1- معنى التقية لغة و اصطلاحا

الظاهر ان التقية لغة مصدر من اتقى يتقى، لا انها اسم مصدر كما ذكره شيخنا العلامة الأنصاري قدس اللّه سره الشريف.

قال المحقق الفيروزآبادي في «القاموس»: «اتقيت الشي‏ء و تقيته اتقيه و اتقيه، تقى و تقية و تقاء ككساء، حذرته، و الاسم التقوى قلبوه للفرق بين الاسم و الصفة» و ظاهره ان اتقى و تقى بمعنى واحد- كما ذكره غيره أيضا- و المصدر منه هو التقية و التقى و التقاء، و اسم المصدر هو التقوى- و الأمر فيه سهل.

و من الواضح ان معناه المصطلح في الفقه و الأصول و الكلام أخص من معناها اللغوي، كما في غيرها من الألفاظ المستعملة في معانيها المصطلحة غالبا.

و قد ورثنا عن الأصحاب في معناها المصطلح عبائر تتقارب مضامينها

387

و لا يدل اختلافها اليسير عن اختلاف منهم في حقيقتها و مفادها، و إليك نص بعض هذه التعاريف:

1- قال المحقق البارع الشيخ الجليل «المفيد» في كتابه «تصحيح الاعتقاد» «التقية كتمان الحق و ستر الاعتقاد فيه و مكاتمة المخالفين و ترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين و الدنيا» (1) 2- و قال شيخنا الشهيد رحمة اللّه عليه في قواعده:

«التقية مجاملة الناس بما يعرفون و ترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم».

3- و قال شيخنا العلامة الأنصاري في رسالته المعمولة في المسألة:

«المراد (منها) هنا التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق».

4- و قال العلامة الشهرستاني (قدس سره) فيما علقه على كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد أعلى اللّه مقامه:

«التقية إخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره» (2) و لا يخفى ان هذه التعريفات بعضها أوسع من بعض، و لكن- الظاهر انهم لم يكونوا بصدد تعريف جامع لشتات افرادها مانع عن اغيارها، اعتمادا على وضوح معناها و لذا لم يعترض واحد منهم على- الأخر بنقص التعريف من ناحية جمعه أو طرده.

و الذي يهمنا ذكره في المقام ان التقية ديدن كل اقلية يسيطر عليهم‏

____________

(1) تصحيح الاعتقاد ص 66.

(2) أوائل المقالات ص 96.

388

الأكثرون و لا يسمحون لهم بإظهار عقائدهم أو العمل على وفقها فيخافون على أنفسهم أو النفيس مما يتعلق بهم، من مخالفيهم المتعصبين، فهؤلاء بنداء الفطرة يلجئون إلى التقية فيما كان حفظ النفس أو ما يتعلق بها أهم عندهم من إظهار الحق، و الى ترك التقية و خوض غمرات الموت و تحمل المضار إذا كان إظهاره أهم، حسب اختلاف المقامات و ما يتحمل من- الضرر لأجل الاعمال المخالفة للتقية.

كل ذلك مقتبس من حكم العقل بتقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما.

فعندئذ لا تختص التقية بالشيعة الإمامية و لا يختصون بها و ان اشتهروا به، و تعم جميع الطوائف في العالم إذا ابتلوا ببعض ما ابتلى به الشيعة في بعض الظروف و الأحيان.

فليس ذلك إلا لأنهم كانوا في كثير من الأعصار و الأقطار تحت سيطرة المخالفين المجحفين عليهم، و كل جماعة كانت كذلك ظهر في تاريخها التقية أحيانا.

و سيوافيك ان شاء اللّه الايات و الاخبار الحاكية عن أمر مؤمن آل فرعون و انه كان في تقية من قومه، و كذلك ما يحكى عن أمر أصحاب الكهف و تقيتهم.

بل و من بعض الوجوه يعزى التقية إلى شيخ الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) في احتجاجاته مع عبدة الأصنام، و إلى يوسف (عليه السلام) في كلامه لإخوته، كما سيأتي بيان كل منها ان شاء اللّه.

389

2- المقام الاول حكمها التكليفي‏

المعروف بين الأصحاب ان التقية تنقسم بحسب حكمها التكليفي إلى أقسام خمسة: منها ما هو واجب، و منها ما هو حرام، و منها ما هو راجح و منها ما هو مرجوح، و منها ما يتساوى طرفاه جوازا. و هو موافق للتحقيق.

فلنبدأ بالقسم الجائز منه بالمعنى الأعم ثمَّ نتبعه بما هو حرام، ثمَّ نبين ما هو راجح و مرجوح.

اما الأول [القسم الجائز منه بالمعنى الأعم‏]

فلا ينبغي الشك في جوازها إجمالا في بعض الموارد و يدل عليه مضافا الى الإجماع آيات من الذكر الحكيم، و اخبار متواترة جدا، و دليل العقل و قضاء الوجدان السليم.

اما الايات:

فمنها قوله تعالى في سورة آل عمران‏

«لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (1)

____________

(1) آل عمران- 28.

390

نهى سبحانه و تعالى عن اتخاذ الكافرين أولياء، و الاستعانة بهم في الأمور و بث المودة و الإخاء بينهم، ثمَّ أكده بان من فعل ذلك من- المؤمنين فليس من اللّه في شي‏ء، فهو برئ منهم و ليسوا في ولاية اللّه و رعايته و نظيره في ذلك قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ‏ (1) حيث نهى عن اتخاذ الاعداء أولياء، ثمَّ عقبه بإلقاء المودة إليهم الذي هو كالتفسير له.

و مثله قوله تعالى‏ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ (2) ثمَّ استثنى منه مقام التقية بقوله‏ «إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً» ففي هذا المقام إلقاء المودة إليهم و اتخاذهم أولياء جائز بعد ان كان منهيا عنه بحسب حكمه الأول، و لا شك ان المراد من «تقاة» هنا التقية و هما بمعنى واحد بل قرء بعضهم كالحسن و المجاهد «تقية».

و قال أمين الإسلام الطبرسي في المجمع عند ذكر الآية: «و المعنى الا ان يكون الكفار غالبين و المؤمنين مغلوبين، فيخافهم المؤمن ان لم يظهر موافقتهم و لم يحسن العشرة معهم، فعندئذ يجوز له إظهار مودتهم بلسانه و مداراتهم تقية منه و دفعا عن نفسه من غير ان يعتقد، و في هذه الآية دلالة

____________

(1) سورة الممتحنة- 1

(2) سورة المجادلة- 22.

391

على ان التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، و قال أصحابنا انها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة، و ربما وجبت فيها لضرب من اللطف و الاستصلاح، و ليس تجوز من الافعال في قتل المؤمن و لا فيما يعلم أو يغلب على الظن انه استفساد في الدين‏ (3) و قال شيخ الطائفة (قدس سره) في «التبيان» عند ذكر الآية:

«و التقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس و قد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق عندها. روى الحسن ان مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) فقال لأحدهما أ تشهد ان محمدا رسول اللّه؟

قال: نعم قال: أ فتشهد انى رسول اللّه؟! قال نعم! ثمَّ دعا بالآخر فقال: أ تشهد ان محمدا رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم)؟

قال نعم؟

فقال له أ تشهد انى رسول اللّه قال: انى أصم! قالها ثلثا كل ذلك يجيبه بمثل الأول فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) فقال: اما ذلك المقتول فمضى على صدقه و يقينه، و أخذ بفضله، فهنيئا له، و اما الأخر فقبل رخصة اللّه فلا تبعة عليه» فعلى هذا تكون التقية رخصة و الإفصاح بالحق فضيلة، و ظاهر

____________

(3) مجمع البيان ج 2 ص 430.

392

أخبارنا يدل على انها واجبة و خلافها خطأ» (1) هذا و لكن سيمر عليك ان شاء اللّه ان موارد وجوبها غير موارد جوازها، و موارد رجحان تركها و الإفصاح بالحق، و ليس جميع الروايات واردة على مورد واحد و لا تعارض بينها كما يظهر من عبارة شيخ الطائفة (قدس سره) الشريف).

و بالجملة لا إشكال في دلالة الآية على جواز التقية إجمالا، بل في الاية تصريح بنفس عنوان التقية فإن «التقية» و «التقاة» بمعنى، بل قد عرفت قراءة التقية في نفس الآية من غير واحد من القراء.

و منها قوله تعالى في سورة النحل:

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (2) و قد ذكر المفسرون في شأن نزول الآية أمورا تتقارب معناها و ان اختلف أشخاصها و أمكنتها.

و في بعضها انها نزلت في «عمار» و «ياسر أبوه» و «امه سمية» و «صهيب» و «بلال» و «ضباب، حيث أخذهم الكفار و عذبوهم و اكرهوهم على كلمة الكفر و البراءة من الإسلام و رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم).

فلم يعطهم أبو عمار و امه فقتلا و كانا أول شهيدين في الإسلام و أعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه، فأخبر سبحانه بذلك رسول اللّه فقال قوم كفر عمار، و قال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) ان عمارا ملي‏ء ايمانا من قرنه الى قدمه و اختلط-

____________

(1) التبيان- المجلد 2 ص 435.

(2) النمل- 106.

393

الايمان بلحمه و دمه. ثمَّ جاء عمار الى رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و هو يبكي.

فقال: ما ورائك؟

فقال: شر، يا رسول اللّه، ما تركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير!.

فجعل رسول اللّه يمسح عينيه و يقول ان عادوا لك فعد لهم بما قلت.

فنزلت الآية.

و في آخر انها نزلت في «عياش ابن أبي ربيعة» أخي أبي جهل من الرضاعة، و «ابى جندل» و غيرهما من أهل مكة حيث أكرههم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ثمَّ انهم هاجروا بعد ذلك و جاهدوا فنزلت الآية و في ثالث انها نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا ثمَّ خرجوا نحو المدينة فأدركهم قريش و اكرهوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين، فنزلت الآية.

و الأشهر هو الأول.

و الآية دالة على جواز التقية بإظهار كلمة الكفر من دون قصده، عند الضرورة، فإن موردها و ان كان عنوان الإكراه، و مورد التقية لا يعتبر فيها اكراه و تعذيب بل يكفى فيها خوف الضرر على النفس أو ما يتعلق به و ان لم يكن هناك مكره، الا ان الحق عدم الفرق بين العنوانين (الإكراه و التقية) من حيث الملاك و المغزى، فان ملاك الكل دفع الضرر الأهم بارتكاب ترك المهم.

هذا من ناحية العنوان المأخوذ فيها.

394

و من ناحية أخرى الآية و ان اختصت مفادها بمسألة الكفر و الايمان الا ان حكمها جار في غيرها بطريق اولى كما لا يخفى، فاذا جازت التقية في هذه المسألة المهمة جاز في غيرها قطعا مع تحقق شرائطها.

قال المحقق البيضاوي في تفسيره عند ذكر الآية:

«و هو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه و ان كان الأفضل ان يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه (عمار) ثمَّ نقل رواية الحسن السابقة في رجلين أخذهما مسيلمة- الى ان قال- اما الأول فقد أخذ رخصة- اللّه و اما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له»

و منها قوله تعالى في سورة الغافر حاكيا عن مؤمن آل فرعون:

وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ‏. (1) هذه الآية و ما بعدها تحكي عن قصة مؤمن آل فرعون و احتجاجه على قومه نقلها القرآن بلسان القبول و الرضا، حتى ان قوله‏ يَكْتُمُ إِيمانَهُ‏ أيضا بهذا اللسان، لسان القبول و الرضا، فهي دالة على جواز كتمان الايمان عند الخوف على النفس و مثله.

و لا شك ان كتمان الايمان لا يمكن عادة بمجرد عدم الإظهار عن مكنون القلب بل لا يخلو عن إظهار خلافه، لا سيما إذا كان ذلك مدة طويلة كما هو ظاهر حال مؤمن آل فرعون.

فكتمان إيمانه لا يتيسر الا بالاشتراك معهم في بعض أعمالهم و ترك بعض وظائف المؤمن الخاصة به، و بالجملة حمل كتمان إيمانه على مجرد

____________

(1) الغافر- 28.

395

عدم إظهار الحق، من دون إظهار خلافه قولا و فعلا شطط من الكلام، لا سيما مع ما حكى عن ابن عباس انه لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره و غير امرأة فرعون و غير المؤمن الذي أنذر موسى (عليه السلام).

فاذن ينطبق على عمله عنوان التقية بلا اشكال و تكون الآية دليلا على جوازه إجمالا.

و روى الطبرسي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: التقية ديني و دين آبائي و لا دين لمن لا تقية له و التقية ترس اللّه في الأرض، لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل. (1)

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان ظاهر الايات الثلاثة المذكورة أو صريحها جواز التقية عند الخوف إجمالا، و يظهر من غير واحد من الروايات التي سنوردها عليك ان شاء اللّه تفصيلا ان موارد التقية المشار إليها في القرآن لا تنحصر بذلك، بل تشمل فعل أصحاب الكهف، و ما فعله شيخ الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) تجاه قومه عند كسر الأصنام، و ما قاله يوسف لإخوته عند أخذ أخيه الصغير عنده و عدم إرساله مع سائر اخوته، انه أيضا كان من باب التقية.

و لكنه مبنى على ما سنشير اليه من عدم حصر التقية في كتمان الحق و إظهار خلافه خوفا على النفس و شبهه بل يشمل ما إذا كان هذا الكتمان لمصالح آخر، فليكن هذا على ذكر منك.

هذا حكم كتاب اللّه و ما يستفاد من آيات الذكر الحكيم في المسألة و هي بحمد اللّه جلية من هذه الناحية.

____________

(1) مجمع البيان ج 8 ص 521.

396

التقية في السنة

لا شك في تواتر الأخبار الدالة على جواز التقية إجمالا في مظان- الخطر، و هي على طوائف مختلفة كل تشير الى بعض خصوصيات البحث و فيها فوائد جمة، و حقائق لطيفة، تكشف عن علل التقية و نتائجها و كيفيتها و حدودها، و أقسامها و مستثنياتها، و موارد حرمتها و وجوب الحذر عنها.

و هي مبثوثة في أبواب كثيرة من أبواب كتاب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، أوردها في الوسائل في المجلد الحادي عشر و غيره و نحن نذكرها في خمس طوائف نجمع ما يشترك منها في معنى واحد في طائفة مستقلة

الطائفة الأولى- ما يدل على ان التقية ترس المؤمن و حرزه‏

و جنته و قد ورد روايات عديدة في هذا المعنى:

منها- ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن حمد بن مروان‏

397

عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال كان ابى يقول: و اى شي‏ء أقر لعيني من التقية، ان التقية جنة المؤمن‏ (1).

2- ما رواه أيضا في الكافي عن عبد اللّه بن ابى عبد اللّه بن ابى يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: التقية ترس المؤمن و التقية حرز- المؤمن، الحديث‏ (2) 3- ما رواه أيضا في الكافي عن حريز عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

التقية ترس اللّه بينه و بين خلقه‏ (3) 4- ما رواه سعد بن عبد اللّه في بصائر الدرجات عن جميل بن صالح عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ان ابى كان يقول: أي شي‏ء أقر للعين من التقية ان التقية جنة المؤمن‏ (4) هذه الروايات بأجمعها دالة على جواز التقية في موارد الخوف لحفظ النفس و الاتقاء بها كما يتقي في الحرب عن ضربات العدو بالجنة و الترس و أشباههما.

بل قد يستفاد منها الوجوب و اللزوم بنحو من العناية فإن الاستتار بالجنة و ما أشبههما في موارده واجب فكذلك الاستتار بالتقية في مظانها فتأمل.

و لو أشكل على دلالتها من هذه الناحية لم يكن هناك اشكال من‏

____________

(1) الحديث 4 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من كتاب الوسائل.

(2) الحديث 6 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من كتاب الوسائل.

(3) الحديث 12 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من كتاب الوسائل.

(4) الحديث 24 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من كتاب الوسائل.

398

ناحية الدلالة على الجواز بمعناه الأعم.

الطائفة الثانية- ما دل على انه لا دين لمن لا تقية له‏

، و لا ايمان لمن لا تقية له و ان تسعة أعشار الدين هي التقية الى غير ذلك مما يدل على انها من الدين نفسه و بدونها يكون ناقصا و هي روايات:

5- ما رواه الكليني في الكافي بإسناده عن ابى عمر الأعجمي قال:

قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا عمر! ان تسعة أعشار الدين في التقية و لا دين لمن لا تقية له (الحديث) (1) 6- ما رواه الصدوق في علل الشرائع عن ابى بصير قال: قال أبو- عبد اللّه (عليه السلام) التقية دين اللّه عز و جل قلت من دين اللّه؟! قال فقال: اى و اللّه من دين اللّه (الحديث) (2) 7- ما رواه الصدوق أيضا في صفات الشيعة عن ابان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) انه قال: لا دين لمن لا تقية له و لا ايمان لمن لا ورع له‏ (3) 8- ما رواه الكليني عن ابن ابى يعفور عن الصادق (عليه السلام) في حديث:

لا ايمان لمن لا تقية له‏ (4).

الى غير ذلك من الروايات.

و هذه الطائفة دليل على وجوبها إجمالا في مواردها و انه من أهم‏

____________

(1) الحديث 2 من الباب 24 من كتاب الأمر بالمعروف من الوسائل‏

(2) الحديث 18 من الباب 24 من كتاب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(3) الحديث 22 من الباب 24 من كتاب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(4) الحديث 6 من الباب 24 من كتاب الأمر بالمعروف من الوسائل.

399

مسائل الدين و عمدتها في هذه المقامات و سيأتي ان شاء اللّه علة هذا التأكيد الشديد و سره، و انه إذا أخذ بحده و شرائطه كان مما يحكم به صريح الوجدان.

الطائفة الثالثة- ما دل على انها من أعظم الفرائض و ان أكرمكم عند اللّه أعملكم بالتقية

، و ان الايمان بدونها كجسد لا رأس معه و انه ما شي‏ء أحب الى اللّه و أوليائه من التقية في مواردها، و هي روايات:

9- ما رواه في الكافي عن حبيب بن بشار قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سمعت ابى يقول: لا و اللّه ما على وجه الأرض شي‏ء أحب من التقية، يا حبيب! انه من كان له تقية رفعه اللّه، يا حبيب! من لم تكن له تقية وضعه اللّه، يا حبيب! ان الناس انما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا (1).

و لعل قوله «فلو قد كان ذلك كان هذا» إشارة إلى انه لو كان هناك تقية كانت الهدنة مستمرة باقية، أو انه لو رفعت الهدنة و ظهر القائم جاز ترك التقية و في غيره وجبت التقية، و لو فرض إبهامه لم يضر بدلالة الحديث.

10- ما روى في تفسير الامام الحسن بن على العسكري في قوله تعالى‏ «وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ»* قال قضوا الفرائض كلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الإمامة قال و أعظمهما فرضان: قضاء حقوق الإخوان في اللّه و استعمال التقية من أعداء اللّه‏ (2).

____________

(1) الحديث 8 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من كتاب الوسائل.

(2) الحديث 1 من الباب 28 من أبواب الأمر بالمعروف من كتاب الوسائل.

400

و مما ينبغي ان يذكر انه روى في هذا الباب (الباب 28 من أبواب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر من كتاب الوسائل) روايتان عن النبي و رواية عن كل واحد من الأئمة (عليهم السلام) الى الامام الحسن العسكري (عليه السلام) يكون المجموع ثلثة عشر رواية كلها عن تفسير الامام و بوساطته (عليه السلام) رتبه حسب ترتيب الأئمة (عليهم السلام) و كلها تشير الى مطلب واحد و ان كان بعبارات مختلفة و تعبيرات شتى، و هو ما مر في الحديث الأخير: ان من أعظم القربات و أشرف أخلاق الأئمة، التقية و قضاء حقوق الاخوة و ان تركهما من- الذنوب التي لا تغفر، فراجعها و تأملها، و سنشير الى كل واحد منها في محله المناسب له، و الى سر هذا التأكيد البليغ في الأمرين.

11- ما في تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام) أيضا: قال قال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له‏ (1) 12- و عنه (عليه السلام) أيضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) التقية من أفضل أعمال المؤمنين يصون بها نفسه و اخوانه عن الفاجرين‏ (2) و في هذا الحديث دليل على انه لا تشرع لحفظ نفسه فقط بل تشرع لحفظ نفوس الاخوان أيضا، و هل هو فيما إذا كان هناك خوف على نفوس و أشخاص معلومة أو يكفي الخوف على نوع المؤمنين في بعض الأمكنة أو بعض الأحيان و ان لم تعرف أشخاصهم، سيأتي الكلام فيه عند ذكر تنبيهات المسئلة ان شاء اللّه فليكن على ذكر منك.

13- و عنه (عليه السلام) أيضا عن جده على بن الحسين (عليه السلام) يغفر اللّه للمؤمن‏

____________

(1) الحديث 2 من الباب 28 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(2) الحديث 3 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

401

كل ذنب و يطهره منه في الدنيا و الآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية و تضييع حقوق الاخوان‏ (1) 14- و عنه (عليه السلام) أيضا: قيل: لمحمد بن على (عليه السلام) ان فلانا أخذ بتهمة فضربوه مائة سوط، فقال: محمد بن على (عليه السلام): انه ضيع حق أخ مؤمن و ترك التقية، فوجه اليه فتاب‏ (2).

و هذه الرواية تدل على ان تركها في موارد و جوابها لا يورث عقاب الآخرة فحسب بل قد يورث عذابا دنيويا أيضا 15- ما رواه على بن محمد الخزار في كتاب «كفاية الأثر» عن- الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام) قال لا دين لمن لا ورع له، و لا ايمان لمن لا تقية له، و ان أكرمكم عند اللّه أعملكم بالتقية. قيل يا ابن رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) الى متى؟ قال: الى قيام القائم فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا (الحديث) (3)

الطائفة الرابعة- روايات عديدة تحكي عن وقوع التقية في أفعال أنبياء السلف‏

و انهم عملوا بالتقية في غير مورد و هي روايات:

16- ما رواه الصدوق في العلل عن ابى بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا خير فيمن لا تقية له و لقد قال يوسف‏ «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ»

____________

(1) الحديث 6 من الباب 28 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(2) الحديث 11 من الباب 28 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(3) الحديث 25 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

402

و ما سرقوا (1) و لا يخفى ان نسبة التقية هنا الى يوسف (عليه السلام) انما هو من جهة أمره أو رضاه بقول المؤذن الذي أذن بين اخوة يوسف فقال‏ «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» و هم ما سرقوا شيئا و لو سرقوا انما سرقوا يوسف من قبل، فهو نوع من التورية و قد صدرت تقية و إخفاء للحق لبعض المصالح التي أوجبت أخذ أخيه «بنيامين».

و غير خفي ان هذه التقية ليست من قسم ما يؤتى به خوفا على النفس، بل قسم آخر يؤتى به لمصالح أخر، و سيأتي الإشارة إلى انها لا تنحصر بما يؤتى به خوفا.

ثمَّ لا يخفى ان هذه التقية و أشباهها ليست في باب الاحكام و تبليغ الرسالة حتى يتوهم عدم جوازها في حق الأنبياء و المرسلين، بل هو في غير باب التبليغ حفظا لبعض المصالح.

17- ما رواه في العلل أيضا عن ابى بصير قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) التقية دين اللّه عز و جل، قلت من دين اللّه؟ قال: فقال اى و اللّه من دين اللّه لقد قال يوسف‏ «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» و اللّه ما كانوا سرقوا شيئا (2) و الكلام فيه كما في سابقة 18- ما رواه الكليني في الكافي عن ابى بصير أيضا قال: قال أبو- عبد اللّه (عليه السلام): التقية من دين اللّه. ثمَّ روى نحو الرواية السابقة، ثمَّ زاد قوله:

____________

(1) الحديث 17 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(2) الحديث 18 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

403

و لقد قال إبراهيم (عليه السلام) «إِنِّي سَقِيمٌ» و الله ما كان سقيما (1) و إطلاق التقية على قول إبراهيم (عليه السلام) هنا انما هو بملاحظة أنه أخفى حاله و أظهر غيره لما لا يخفى من المصالح الدينية، كما أشرنا إليه في الروايات السابقة، كما انه ليس من باب التقية في الاحكام و انما هو في الموضوعات فلا ينافي دعوته و رسالته، بل كان ذلك لأداء رسالته و حطم الأصنام و كسرها.

19- ما رواه في «معاني الاخبار» عن سفيان بن سعيد قال سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: عليك بالتقية فإنها سنة إبراهيم الخليل (عليه السلام)- الى ان قال- و ان رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) كان إذا أراد سفرا دارى بعيره و قال: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة- الفرائض و لقد أدبه الله عز و جل بالتقية فقال‏ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا (الاية). يا سفيان من استعمل التقية في دين الله فقد تسنم الذروة- العليا من القرآن و ان عز المؤمن في حفظ لسانه و من لم يملك لسانه ندم (الحديث) (2) و في هذه الرواية دلالة على ان رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أيضا كان يتقى في بعض الموضوعات- لا الاحكام و لا في إرشاده و تبليغ رسالته- مداراة للناس، و دفعا للبغضاء و العداوة عن قلوب المؤمنين بالتورية و شبهها و فيها أيضا إشارة إلى تقية إبراهيم (عليه السلام) في أمر الأصنام في قوله‏

____________

(1) الحديث 4 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف.

(2) الحديث 16 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

404

«إِنِّي سَقِيمٌ» أو قوله‏ «هذا رَبِّي»* أو قوله «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا إلخ» و انها كانت من سنته، و من المعلوم انها داخلة في مفهوم التقية بالمعنى الوسيع و الأعم و هو إخفاء أمر لبعض ما هو أهم.

20- ما رواه الكليني عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ان مثل ابى طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الايمان و أظهر و الشرك فآتاهم اللّه أجرهم مرتين‏ (1) و هذه الرواية و ان لم تكن من قسم تقية الأنبياء الا انه ذكرناها إلحاقا بها و قد أشير إلى قصة أصحاب الكهف في الكتاب العزيز و لكن لم يصرح فيها بلفظ التقية، و لكن يظهر من قرائن مختلفة مذكورة فيها انهم كانوا يتقون من أصحابهم، و انهم اختاروا الاعتزال عن قومهم و آووا الى الكهف خوفا من ظهور أمرهم و تعذيبهم بيد الملك و اتباعه، فلو أظهروا الايمان أخذوا و قتلوا، فأسروا و أظهروا بعض ما أرادوا الى ان وفقهم الله الى الهجرة، فهاجروا من قومهم ليجدوا فراغا يمكن فيه إظهار الإيمان من غير حاجة الى إظهار الشرك و الموافقة لهم في أعمالهم.

و قد ورد في الروايات و التواريخ ما يؤيد تقيتهم من قومهم، فعدم ذكر لفظ التقية فيها لا يضر بالاستدلال بعد وضوح المطلب.

و فيها أيضا دلالة على تقية ابى طالب (عليه السلام) عم النبي الإكرام (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و حاميه و ناصره بقلبه و بيده و بلسانه، و لا ينافي هذا إظهاره الايمان في غير مورد، طول حياته، كما ورد في الاخبار و السير، فان تقيته كانت غالبية لا-

____________

(1) الحديث 1 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

405

دائمية، و كانت من الأعداء، لأمن المسلمين و أصحاب سيرهم، و فيها أيضا جواب عن مقالة بعض أهل الخلاف و تهمة الشرك- معاذ اللّه- الى ابى طالب (عليه السلام) و هذه الطائفة من الاخبار تدل على رجحان التقية أو وجوبها إجمالا في موارد يكون إخفاء الحق فيها واجبا أو راجحا لمصالح مختلفة.

و هناك اخبار أخر كثيرة تدل على وجوبها أو رجحانها في هذه- الموارد سيأتي الإشارة إلى شي‏ء كثير منها في الأبحاث الاتية ان شاء اللّه، و هي بالغة حد التواتر، و معها لا يبقى شك في أصل الحكم في المسئلة إجمالا.

406

بقي هنا أمور هامة يجب ذكرها

الأول- علة هذا التأكيد البليغ في أمر التقية

لا شك ان الناظر في هذه الاخبار يجد في أول نظره إليها تأكيدا بليغا في التقية قلما يوجد في أشباهها و قد يستوحش منها أو يوجب سوء الظن بها أو ببعضها، كل ذلك جهلا بأسرارها و مواردها و مغزاها و لكن التدبر فيها و في الظروف التي صدرت لها، و في القرائن الموجودة في كثير منها يرشدنا الى سر هذه التأكيدات و يرفع النقاب عن وجهها و يفسرها تفسيرا تاما.

و الظاهر ان هذا الاهتمام كان لأمرين مهمين.

أحدهما- ان كثيرا من عوام الشيعة، أو بعض خواصها، كانوا يقومون في وجه الحكومات و النظامات الفاسدة الأموية و العباسية بلا عدة و عدة و لا تخطيط صحيح و لا محجة واضحة، فيلقون بأنفسهم إلى التهلكة كأنهم يرون إعلان عقيدة الحق و لو لم يكن نافعا واجبا، و إخفائها و لو لم يجلب الا الوهن و الضرر على المذهب و مقدساته حراما، و ان كان حافظا

407

للنفوس و الاعراض و مفيدا لحفظ المذهب و كيانه.

أو كانوا يرون التقية كذبا و مجرد ذكر كلمة الشرك شركا و كفرا و ان كان القلب مطمئنا بالايمان و لذا بكى عمار بعد إظهار كلمة الكفر تقية حتى ظن انه خرج عن الإسلام و هلك.

فنهاهم ائمة أهل البيت (عليهم السلام)عن هذه الاعمال الكاسدة الضئيلة غير المفيدة و عن هذه الآراء الباطلة، و يشهد لذلك ما ورد من أنها الجنة و ترس المؤمن و أمثالها.

أضف الى ذلك قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه حذيفة عنه في تفسير قوله تعالى‏ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، قال هذا في التقية (1) و لعل الروايات الحاكية عن تقية الأنبياء و جمع من الأولياء ناظرة إلى انها ليست كذبا ممنوعا و لا موجبا للكفر و الخروج عن الدين، إذا كانت في مواردها كما تشهد به الرواية التالية.

و هي ما رواه الكليني عن درست الواسطي قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، ان كانوا ليشهدون الأعياد و يشدون الزنانير فأعطاهم اللّه أجرهم مرتين‏ (2) ثانيهما- ان كثيرا من عوام الشيعة و بعض خواصهم كانوا يتركون العشرة مع غيرهم من المسلمين من أهل السنة لأنهم إن أظهروا عقيدتهم الحق ربما وقعوا في الخطر و الضرر و جلب البغضاء و العداوة، و ان اخفوه‏

____________

(1) الحديث 35 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(2) الحديث 1 من الباب 26 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

408

كانوا مقصرين في أداء ما عليهم من إظهار الحق، مرتكبين للاكاذيب، فيرون الأرجح ترك العشرة معهم و عدم إلقاء أنفسهم في أحد المحذورين، غفلة عن المضار المترتبة على مثل هذا العمل من شق العصا و إسنادهم إلى الخشونة و قلة الأدب و العواطف الإنسانية، و تركهم لجماعة المسلمين و آدابهم.

فندبهم الأئمة (عليهم السلام) بالعشرة معهم بالمعروف و حسن المصاحبة و الجوار، كيلا يعيروا بتركها و لا يكونوا شينا على أئمتهم، و ان اضطروا في ذلك الى التقية أحيانا.

و يشهد لذلك روايات عديدة:

منها- ما رواه في الكافي عن هشام الكندي قال سمعت أبا- عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إياكم ان تعملوا عملا نعير به فان ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم اليه زينا و لا تكونوا عليه شينا، صلوا في عشائرهم، و عودوا مرضاهم، و اشهدوا جنائزهم، و لا يسبقونكم إلى شي‏ء من الخير، فأنتم أولى به منهم، و اللّه ما عبد اللّه بشي‏ء أحب إليه من الخبإ، قلت: و ما الخبإ؟ قال: التقية (1) و هذه الرواية تنادي بأعلى صوتها بعدم الاعتزال عن القوم و لزوم العشرة معهم بالمعروف و الصلاة معهم، و عيادة مرضاهم، و شهادة جنائزهم و غير ذلك من أشباهه كيلا يعيروا بتركه الأئمة (عليهم السلام) و لا يجدوا طريقا للإزراء بهم و باتباعهم، و يجوز حينئذ التقية معهم و هذا نوع من التقية التحبيبى.

و منها و ما رواه في الكافي أيضا عن مدرك بن الهزهاز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الحديث 2 من الباب 26 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

409

قال: رحم اللّه عبدا اجتر مودة الناس الى نفسه، فحدثهم بما يعرفون و ترك ما ينكرون‏ (1) فان الحديث معهم بما يعرفون و ترك ما ينكرون من مصاديق التقية و انما يؤتى بذلك تحبيبا.

و منها ما في تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السلام) قال: و قال الحسن بن على (عليه السلام) (بن ابى طالب) ان التقية يصلح اللّه بها امة لصاحبها مثل ثواب أعمالهم، فإن تركها أهلك أمة، تاركها شريك من أهلكهم. الحديث‏ (2) و لعل ارداف التقية بحقوق الاخوان هنا و في روايات أخر إشارة إلى اشتراكهما في حفظ الأمة و وحدتها و حقوقها و كيانها، و ان كان التأكيد في الأول لإخوانهم، الخاصة و الثاني للعامة.

و قد ورد في غير واحد من الروايات (مثل الرواية 32 من الباب 24 و الرواية 33 من ذاك الباب بعينه) تفسير قوله تعالى في قصة ذي القرنين حاكيا عن القوم الذين وجدهم عند السدين‏ «تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا» و قوله‏ «فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً» «ان هذا هو التقية فإنها الحصن الحصين بينك و بين أعداء اللّه و إذا عملت بها لم يقدروا على حيلة».

و هذا و ان كان ناظرا إلى تأويل الآية و بطنها و العدول عن ظاهرها ببعض المناسبات لكشف ما فيها من المعاني الأخر غير معناها الظاهر، الا

____________

(1) الحديث 4 من الباب 26 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(2) الحديث 4 من الباب 28 من أبواب الأمر بالمعروف.

410

انه على كل حال دليل على ان التقية يسد الأبواب على العدو، لا باب المضرة فقط بل باب التعيير و اللوم و غيرهما، فهو الحصن الحصين الذي لا يقدرون ظهورها و لا يستطيعون له نقبا.

و يكون فيها أيضا نجاة و صيانة للأئمة (عليهم السلام) عن سفلة الرعية التي قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفى صدورهم أكبر، فمعها لا يجدون عذرا الى نيل الاعراض و هتك الحرمة كما ورد في رواية «المجالس» عن الامام على بن محمد عن آبائه (عليهم السلام)قال: قال الصادق (عليه السلام) «ليس منا من لم يلزم التقية و يصوننا عن سفلة الرعية» (1)

2- أقسام التقية و غاياتها

و قد يتبين مما ذكر ان غاية التقية لا تنحصر في حفظ الأنفس و دفع الخطر عنها أو عن ما يتعلق بها من الاعراض و الأموال، بل قد يكون ذلك لحفظ وحدة المسلمين و جلب المحبة و دفع الضغائن فيما ليس هناك دواع مهمة إلى إظهار العقيدة و الدفاع عنها.

كما انه قد يكون لمصالح آخر، من تبليغ الرسالة بنحو أحسن كما في قصة إبراهيم و احتجاجه على عبدة الأصنام، أو مصلحة أخرى كما في قصة يوسف مع إخوته.

فهي- بمعناها الوسيع- تكون على أقسام: التقية الخوفى، و التقية التحبيبى، و التقية لمصالح أخر مختلفة.

____________

(1) الحديث 27 من الباب 24 من أبواب الأمر بالمعروف.