القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
554 /
411

و غير خفي أنها بأجمعها تشترك في معنى واحد و ملاك عام و هو إخفاء العقيدة أو إظهار خلافها لمصلحة أهم من الإظهار فالأمر في جميعها دائر بين ترك الأهم و المهم، و العقل و النقل يحكمان بفعل الأول و ترك- الثاني، من غير فرق بين ان تكون المصلحة التي هي أهم حفظ النفوس أو الاعراض و الأموال، أو جلب المحبة و دفع عوامل الشقاق و البغضاء أو غير ذلك مما لا يحصى.

3- موارد وجوبها

قد ظهر مما ذكرنا أيضا انها تجب في مواضع كثيرة، بينما هي جائزة بالمعنى الأخص في موارد اخرى، و ضابط الجميع ما عرفت و هي:

ان المصلحة التي تنحفظ بفعل التقية ان كانت مما يجب حفظها و يحرم تضييعها، و وجبت التقية، و ان كانت مساوية لمصلحة ترك التقية جازت (الجواز بالمعنى الأخص) و ان كان احد الطرفين راجحا فحكمها تابع له.

ثمَّ ان كشف موارد الوجوب عن غيرها يعلم بمراجعة مذاق الشرع و أهمية بعض المصالح و رجحانها على بعض في نظره، كما يمكن كشف بعضها بمراجعة العقل أيضا كما في موارد حفظ النفوس إذا كانت التقية بمثل ترك المسح على الرجلين و الاكتفاء بالمسح على الخفين مثلا، و أشباهه.

412

فالروايات الدالة على ان التقية من الدين، و ان تاركها يعاقب عليه، و ان تركها مثل ترك الصلاة، و أمثال هذه التعبيرات ناظرة إلى موارد- الوجوب، و المصالح المهمة التي لا يمكن تركها و الإغماض عنها.

و ما يدل على انها داخلة في قوله تعالى‏ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ (مثل الرواية 2 من الباب 24 في أبواب الأمر بالمعروف و 9 من ذاك الباب بعينه) و انه إذا عمل بالتقية «فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» و أمثال هذه التعبيرات يدل على موارد رجحانها و استحبابها.

الى غير ذلك مما يظهر للمتأمل في الأبواب المشتملة على اخبار التقية فإن ألسنتها مختلفة غاية الاختلاف كل يشير الى مورد، فلا يجوز- الحكم على جميعها بشي‏ء واحد كما هو أظهر من ان يخفى فمثل المداراة التي أمر بها رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) (الواردة في الرواية 16 من الباب 24) و ما ورد فيها من أنه أدبه اللّه بالتقية بقوله عز و جل‏ «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.»* داخل في قسم المستحب.

و كذا ما ورد في ذيل هذا الحديث بعينه من قوله:

«من استعمل التقية في دين اللّه فقد تسنم الذروة العليا من القرآن و ان عز المؤمن في حفظ لسانه» لعله أيضا إشارة الى هذه الموارد و لا أقل من انه أعم من موارد الوجوب و الاستحباب.

و سيأتي موارد رجحان ترك التقية و جواز الإظهار أيضا.

تنبيه‏

و لعلك بالنظر الدقيق فيما عرفت لا تشك في ان وجوب التقية أو-

413

جوازها فيما مر من مواردها ليس امرا تعبديا ورد في الاخبار المروية من طرق الخاصة و روايات ائمة أهل البيت (عليهم السلام))، بل يدل عليه الأدلة الأربعة: كتاب اللّه عز و جل، و قد أوعزنا الى موارد الدلالة من الكتاب العزيز، و الإجماع القاطع، و الأحاديث المتواترة، التي نقلنا شطرا منها و استغنينا بها عن غيرها اختصارا للكلام، و حكم العقل القاطع مع صريح الوجدان.

بل لا يختص ذلك بقوم دون قوم، و ملة دون اخرى، و ان اختص هذا الاسم و العنوان ببعضهم، كما انها لا تختص بالمليين و أرباب الديانات بل تعم غيرهم أيضا.

فهل ترى أحدا من العقلاء يوجب إظهار العقيدة في موارد لا فائدة في إظهارها، أو يجد فيها نفعا قليلا مع المضرة القاطعة الكثيرة الموجودة في إظهارها ضررا في النفوس أو الاعراض أو الاهداف المهمة التي يعيش بها، و لها.

و الانصاف ان ما يلهج به لسان قوم من مخالفينا في المذهب من حرمة التقية بنحو مطلق من دون استثناء، لا يتجاوز عن آذانهم حتى انه لا يوجد في أعمالهم أثرا منه، و انما هو لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم و أغراضهم، و اما عند العمل، هم و غيرهم سواء في الأخذ بحكم- العقل و صريح الوجدان بإخفاء العقيدة في ما لا نفع في إظهارها بل تكون فيها مضرة بالغة الخطورة، سموه تقية أو لم يسموه.

و لكن سيأتي ان هناك موارد يحرم التقية فيها بل يجب فيها التضحية و التفدية و بذل الأموال و الأنفس و الثمرات.

414

كما انه قد يرجح ذلك على الإخفاء و تكون التقية مرجوحة، و تركها راجحا و فضلا.

كل ذلك منوط بالظروف الخاصة و ما فيها من الشرائط و الجهات، و من هنا قد يجد الفقيه البارع المجاهد، العارف بزمانه، الخبير بمواضع احكام اللّه، ظرفا خاصا منطبقا لمورد الحرمة أو الكراهة فيحكم علانية بحرمة التقية و الجهاد بالأموال و الأنفس و رفض المدارة فيها، و لا يريد رفضها مطلقا و انما يريد في تلك الظروف المعينة بما فيها من المصالح.

فلا شك انه حكم خاص بذاك الظرف و الزمان، و ما أشبهه من الظروف و الأزمنة و ليس حكما دائميا و في جميع الشرائط و الظروف كما هو أوضح من ان يخفى و ان ينكر.

415

[الثاني‏] في أي موقف تحرم التقية؟

قد مر في أول البحث عن هذه القاعدة ان التقية- كما أشار إليه غير واحد من أعاظم المحققين- تنقسم بالأحكام الخمسة، و قد أشرنا أخيرا إلى موارد وجوبها و رجحانها و جوازها إجمالا.

كما أنه أشرنا إلى الضابطة التي تكون مقياسا لكشف موارد حرمتها و هي كل مورد تكون المصلحة المرتبة على ترك التقية أعظم من فعلها، مما لا يرضى الشارع المقدس بتركها أو يستقل العقل في الحكم بحفظها.

و

قد أشير الى غير واحد من هذه الموارد في روايات الباب و هي أمور:

1- لا يجوز التقية في فساد الدين‏

إذا استلزم التقية فسادا في الدين و تزلزلا في أركان الإسلام، و محوا للشعائر، و تقوية للكفر، و كل ما يكون حفظه أهم في نظر الشارع من حفظ النفوس أو الأموال و الاعراض، مما يشرع لها الجهاد أيضا، و الدفاع عنها و لو بلغ ما بلغ.

416

ففي كل ذلك لا شك في حرمتها و لزوم رفضها و لكن تشخيص ذلك مما لا يمكن للمقلد غالبا بل يكون بأيدي الفقهاء و المجتهدين لاحتياجه الى مزيد تتبع في أدلة الشرع و الاطلاع على مذاق الشارع و مغزى احكامه.

و يشهد لهذا- مضافا الى انه من الأمور التي دليلها معه- و مبنى على قاعدة عقلية واضحة و هو ترجيح جانب الأهم إذا دار الأمر بينه و بين- المهم، غير واحد من الاخبار:

منها ما رواه في «الكافي» عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: ان المؤمن إذا أظهر الايمان ثمَّ ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف و أظهر، و كان له ناقضا، الا ان يدعى انه انما عمل ذلك تقية، و مع ذلك ينظر فيه، فان كان ليس مما يمكن ان تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لان للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له، و تفسير ما يتقى مثل ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم على غير الحكم الحق و فعله، فكل شي‏ء يعمل المؤمن بينهم لمكان- التقية مما لا يؤدى الى الفساد في الدين فإنه جائز (1) فإن قوله (عليه السلام) في ذيل تفسير موارد التقية، و ما يجوز مما لا يجوز، «مما لا يؤدى الى الفساد في الدين» يدل بمفهومه على عدم جواز التقية إذا أدت الى ذلك.

و منها- ما رواه «الكشي» في رجاله عن درست بن ابى منصور قال كنت عند ابى الحسن موسى (عليه السلام) و عنده «الكميت بن زيد» فقال‏

____________

(1) الحديث 6 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

417

للكميت أنت الذي تقول:

فالآن صرت إلى أمية- و الأمور لها الى مصائر؟! قال: قلت ذلك و ما رجعت عن إيماني، و انى لكم لموال و لعدوكم لقال، و لكني قلته على التقية، قال اما لئن قلت ذلك ان التقية تجوز في شرب الخمر! و هذا يدل على اعتراض الامام (عليه السلام) على «كميت» في شعره الذي معناه «الان رجعت الى أمية و امورها الا الى ترجع» فإنه مدح بالغ لهم و دليل على رجوعه إليهم بعد ان كان معروفا بالموالاة لأئمة أهل- البيت (عليهم السلام).

و لكن الكميت الناصر لأهل البيت (عليه السلام) بقلبه و بلسانه اعتذر بأنه انما قالها بلسانه تقية و حفظا لظواهر الأمور، و اما الامام (عليه السلام) لم يقنع بعذرة فأجابه بأن باب التقية لو كان واسعا بهذه الواسعة لجاز في كل شي‏ء تقية حتى في شرب الخمر، مع انه لا يجوز.

فهو دليل على عدم جواز التقية بمثل هذا المدح البالغ لبني أمية الجائرة أو إظهار المحبة لهم، و هذا من مثل الكميت الشاعر البارع المشهور بحبه للأئمة (عليه السلام) قد يوجب تقوية لدعائم الكفر و الضلال و تأييد لبقية احزاب الجاهلية و أشياعهم، فلا يجوز له، و لو جاز انما جاز في شرائط و و ظروف بالغة الخطورة لا في مثل ما قال الكميت فيه، فلذا واجهه (عليه السلام) بالعتاب.

و إذا لم تجز التقية بمثل هذا البيت من الشعر لم تجز في أشباهه مما تقوى به كلمة الكفر و اعلام الضلال و يخفى به الهدى و يشتبه به الحق بالباطل‏

418

على كثير من الناس، لا سيما من الذين يكون كلامهم و فعلهم مما يستند اليه الناس في أعمالهم، فالتقية في هذه الموارد حرام، و لكن تشخيص هذه الظروف من غيرها- كما أشرنا إليه آنفا- موكول الى نظر الفقيه غالبا.

و منها- ما رواه الطبرسي في «الاحتجاج» عن ابى محمد الحسن بن على العسكري (عليه السلام) في حديث ان الرضا (عليه السلام) جفا جماعة من الشيعة و حجبهم فقالوا يا بن رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) ما هذا الجفاء العظيم و الاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال:

لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنتم في أكثر أعمالكم مخالفون و مقصرون في كثير من الفرائض، و تتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في اللّه و تتقون حيث لا تجب التقية، و تتركون التقية حيث لا بد من التقية (1) و هذه الرواية و ان لم يصرح فيها باستثناء ما يلزم منه فساد الدين الا ان القدر المتيقن منه هو ذلك، إذ لا يوجد هناك أمر أهم منه يجوز لأجله ترك التقية، اللهم الا ان يقال ان المراد منه التزامهم التقية فيما ليس هناك خوف و تركهم لها فيما يكون هناك خوف فهي ناظرة إلى تخطئتهم في المصاديق لا في المستثنيات الحكمية فتأمل.

منها- ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)- الى ان قال: و ايم اللّه لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي! و لكانت التقية أحب إليكم من آبائكم و أمهاتكم و لو قد قام القائم ما احتاج الى مسائلتكم عن ذلك و لا قام في كثير منكم حد النفاق! (2)

____________

(1) الحديث 9 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف.

(2) الحديث 2 من الباب 31 من أبواب الأمر بالمعروف.

419

و دلالته على لزوم ترك التقية فيما وقع الدين في الخطر و استنصر الامام (عليه السلام) عن الناس غير خفية على احد و ان من لزوم التقية في هذه الموارد إذا قام- القائم (عليه السلام) اقام فيه حد المنافق فاذن كانت التقية في هذه الموارد من أشد المحرمات و آكدها.

و على كل حال لا ينبغي الريب في وجوب رفض التقية و التمسك بها إذا خيف على أساس الدين و احكامه و محو آثاره التي جاهد في تحكيم دعائمها المهاجرون الأولون و الذين اتبعوهم بإحسان (رضى اللّه عنهم و رضوا عنه) و افتدوا بأموالهم و أنفسهم في طريقها طلبا لمرضاة اللّه، فكيف يجوز التقية المستتبعة لهدمها و القضاء عليها، فهل يكون هذا الا تضادا ظاهرا و تحكما باتا؟!

2- لا تجوز التقية في الدماء

- إذا بلغت التقية الدم فالواجب رفضها و عدم الخوض فيها كما إذا أمر الكافر أو الفاسق بقتل مؤمن و يعلم أو يظن انه لو تركه قتل نفسه فلا يجوز القتل تقية و حفظا للنفس، لأن المؤمنين تتكافى دمائهم، و انما جعلت التقية لحق الدماء و حفظ النفوس فاذا بلغت الدم فلا معنى لتشريعها، و كانت ناقضة للغرض، لان حفظ دم واحد لا يوجب جعل دم الأخر هدرا؛ و لا يجوز في حكمة الحكيم هذا.

و قد صرح به في غير واحد من احاديث الباب:

منها- ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في «الكافي» عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام) قال انما جعل التقية ليحقن بها الدم فاذا بلغ الدم فليس تقية (1).

____________

(1) الحديث 1 من الباب 31 من أبواب الأمر بالمعروف.

420

و منها- ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن أبي حمزة الثمالي قال:

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لم تبق الأرض الا و فيها عالم يعرف الحق من الباطل و قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فاذا بلغت التقية الدم فلا تقية (1)

3- يحرم التقية في شرب الخمر، و شبهها

- قد ورد في روايات مختلفة تحريم التقية في أمور هامة منها شرب الخمر، و النبيذ، و المسح على الخفين و متعة الحج فلنذكر ما ورد فيها ثمَّ نبين وجهها.

منها- ما رواه في «الكافي» عن ابى عمر الأعجمي عن ابى عبد اللّه- (عليه السلام) في حديث قال: و التقية في كل شي‏ء إلا في النبيذ و المسح على الخفين. (2) و منها- ما رواه فيه أيضا عن زرارة قال: قلت له في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا اتقى فيهن أحدا: شرب المسكر و المسح على الخفين و متعة الحج، قال زرارة: و لم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن أحدا. (3) و لعل الوجه في حرمة التقية في هذه الأمور ان موضوعها منتف فيها فإنها شرعت لحفظ النفوس إذا كان هناك مظنة للخطر و الضرر، و من المعلوم انه لا يكون إلا في الأعمال الخاصة التي لم يصرح به في كتاب الله أو السنة القطعية، فإذا كان هناك تصريح بها فهو عذر واضح لفاعلها و ان خالف سيرة القوم و طريقتهم فيها.

____________

(1) الحديث 2 من الباب 31 من أبواب الأمر بالمعروف.

(2) الحديث 3 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف.

(3) الحديث 5 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف.

421

فحرمة شرب المسكر، الخمر و النبيذ و شبههما مما صرح به كتاب اللّه، فلو خالفه احد و اعتقد جواز شربها جهلا، أو تعنتا لا تجوز التقية منه فيها، لظهور الدليل و وضوح العذر و قيام الحجة فليس هناك مساغ للتقية و لا مجوز لها.

و كذلك متعة الحج، فقد قال اللّه تبارك و تعالى‏ «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏. ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏» (1) و هو دليل على جواز التمتع أو وجوبها، و قد ورد في السنة النبوية أيضا الأمر بها، و قد رواه الفريقان في كتبهم، بل ما نقل عن «عمر» في قوله متعتان كانتا محللتان على زمن النبي انا احرمهما، أيضا دليل على تشريع متعة الحج على لسان النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و في عهده (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم).

و هذا كاف في ترك التقية فيها لعدم الخوف بعد إمكان الاستناد الى القرآن و السنة الثابتة.

و هكذا ترك المسح على الخفين و الاقتصار على المسح على البشرة فإنه أيضا موافق لظاهر كتاب اللّه أو صريحه فقد قال تعالى‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ (2) و من الواضح ان المسح بالرأس و الرجل لا يكون الا بالمسح عليهما نفسها لا على القلنسوة أو الخف مثلا، و من عمل به انما عمل بكتاب اللّه و لا خوف له في ذلك في اجواء الإسلام و بين المسلمين، و لو خالف فيه من خالف‏

____________

(1) البقرة- 196.

(2) المائدة- 6.

422

و قد تحصل مما ذكرنا ان نفى التقية فيها انما هو من باب التخصص و الخروج الموضوعي، لا من باب التخصيص و الخروج الحكمي.

و اما احتمال كونها من باب التخصيص بان يكون المراد نفى جوازها، لو فرض هناك خوف وقوع النفس في الخطر و كان المقام بالغ الخطورة، نظرا إلى أهمية هذه الأحكام أعني حكم تحريم الخمر؛ و مشروعية متعة الحج، و عدم جواز المسح على الخفين، فهو ممنوع جدا.

لان مثل المسح على البشرة أو متعة الحج ليس أهم من جميع الأحكام الإسلامية حتى ينفرد بهذا الاستثناء كما لا يخفى.

بل الإنصاف ان الروايات ناظرة الى ما ذكرنا من عدم الحاجة و الضرورة غالبا إلى التقية في هذه الأمور بعد وضوح مأخذها من كتاب الله و السنة القاطعة.

فعلى هذا لو أغمضنا النظر عن هذه الغلبة و كان هناك ظروف خاصة لا يمكن فيها إظهار هذه الأحكام، لغلبة الجهل و العصبية على أهلها و كان المقام بالغ الخطورة، الخطر على النفوس أو الأموال و الاعراض ذات الأهمية فلا ينبغي الشك في جواز التقية في هذه الأمور أيضا.

أ رأيت لو كان هناك حاكم مخالف جائر يرى المسح على الخفين لازما أو يحرم متعة الحج و يقتل من لا يعتقد بذلك بلا تأمل، فهل يجوز ترك التقية فيها و استقبال الموت؟ كلا لا أظن أن يلتزم به احد، و كذلك المضار التي دون القتل مما يكون في مذاق الشارع أهم من رعاية هذه الاحكام في زمن محدود، لا يجب تحملها و رفض التقية فيها.

و مما ذكرنا يظهر ان ما استنبطه «زرارة» في الرواية السابقة

423

من انه (عليه السلام) لم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن أحدا بل قال لا اتقى فيهن أحدا، و كأنه حسب ذلك من مختصات الامام (عليه السلام) ممنوع أيضا.

فإن الحكم عام لكل احد بعد وضوح مأخذ هذه الاحكام في الكتاب و السنة، و عدم الاضطرار إلى التقية فيها، فاستنباطه هذا في غير محله و ان كان هو من فقهاء أهل البيت و امنائهم (عليه السلام) فان الجواد قد يكبو، و العصمة تخص بأفراد معلومين عليهم آلاف الثناء و التحية.

و يدل على ما ذكرنا ما رواه الصدوق في «الخصال» بإسناده عن على (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال ليس في شرب المسكر و المسح على الخفين تقية. (1) فإن ظاهره عدم جواز التقية فيها على احد، و كذلك ما مر سابقا من رواية أبي عمر الأعجمي عن الصادق (عليه السلام) و التقية في كل شي‏ء إلا في النبيذ و المسح على الخفين، فان ظاهره أيضا عموم الحكم لكل احد.

و مما يؤيد ما ذكرنا من جواز التقية في هذه الأمور أيضا إذا اضطر إليها و لو نادرا ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن ابى الورد قال قلت لأبي- جعفر (عليه السلام) ان أبا ظبيان حدثني انه رأى عليا (عليه السلام) أراق الماء ثمَّ مسح على الخفين فقال كذب أبو ظبيان اما بلغك قول على (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين فقلت هل فيهما رخصة؟ فقال لا الأمن عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك. (2)

____________

(1) الحديث 18 من الباب 38 من أبواب الوضوء من الجلد الأول من الوسائل.

(2) الحديث 5 من الباب 38 من أبواب الوضوء من المجلد الأول من الوسائل.

424

و فيها أيضا إشارة الى ما ذكرنا من انه بعد ورود المسح على الرجلين في آية المائدة في الكتاب العزيز لم يجز لأحد المسح على الخفين.

4- لا تجوز التقية في غير الضرورة

- قد صرح في غير واحد من الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) بأنه لا تجوز التقية في غير الضرورة، و معلوم ان ذلك أيضا ليس من قبيل الاستثناء من الحكم و التخصيص. بل من قبيل الخروج الموضوعي و الاستثناء المنقطع، المسمى بالتخصص، فإنه إذا لم يكن هناك ضرورة لم يكن هناك تقية. لأخذ الخوف في موضوعها كما عرفت في أول البحث عن هذه القاعدة.

و إليك بعض ما ورد في هذا الباب أيضا:

منها- ما رواه الكليني عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: التقية في كل ضرورة و صاحبها اعلم بها حين نزل به. (1) منها- ما رواه الكليني أيضا في الكافي عن إسماعيل الجعفي و معمر بن يحيى و محمد بن مسلم و زرارة جميعا قالوا سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: التقية في كل شي‏ء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله الله له. (2) منها- ما رواه في «المحاسن» عن عمر بن يحيى عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: التقية في كل ضرورة (3) و الذي تجب الإشارة إليه هنا ان هذه الروايات الثلث المروية

____________

(1) الحديث 1 من الباب 25 من أبواب الأمر بمعروف.

(2) الحديث 2 من الباب 25 من أبواب الأمر بمعروف.

(3) الحديث 8 من الباب 25 من أبواب الأمر بمعروف.

425

بطرق متعددة معتبرة كلها أو جلها، تدل على عموم التقية لجميع الضرورات و لكل ما يضطر إليه الإنسان و يمكن الاعتماد عليها كما سيأتي الاستناد إليها في بعض الفروع الهامة المترتبة عليها، و ان كنا في غنى عنها من بعض الجهات بالدليل العقلي و صريح الوجدان الدال على وجوب ترجيح الأهم على المهم عند الدوران، و بالعمومات الدالة على رفع ما اضطروا اليه، أو انه ما من شي‏ء حرمة اللّه الا و قد أحله لمن اضطر اليه.

هذا و لكن سيأتي ان شاء اللّه انا لسنا في غنى منها من جميع الجهات لحل بعض المعضلات بها مما لا يمكن بغيرها (فتدبر).

426

حكم التقية في إظهار كلمة الكفر و البراءة

اتفق النص و الفتوى على جواز التكلم بكلمة الكفر و البراءة باللسان مع حفظ الايمان بالقلب و الجنان، عند الخطر على النفس و الخوف، و لكن اختلفوا في ان الراجح ترك التقية هنا و تحمل الضرر و لو بلغ ما بلغ، أو ان الراجح فعل ما يندفع به الضرر و الخطر.

يظهر في ذلك اضطرابا في اخبار الباب و الفتاوى في بدء النظر، و لكن سيأتي بعد ذكر الجميع و التكلم فيها ان الحق فيه التفصيل بحسب الازمان و الأشخاص و الظروف، و لعله الطريق الوحيد للجمع بينها.

و لنتكلم أولا في جواز ذلك (بالمعنى الأعم) ثمَّ لنتكلم في الراجح منهما و فيما تمسك به أصحاب الأئمة (عليه السلام) الأولون، المطيعون الصادرون بأمرهم، الناصرون لهم بالأيدي و الألسن و القلوب الذين افتدوا بأنفسهم في هذه السبيل و لم يظهروا كلمة البراءة و الكفر ابدا.

فنقول و منه سبحانه نستمد التوفيق:

يدل على الجواز إجمالا أحاديث كثيرة

427

1- ما مر عند سرد الايات الدالة على جواز التقية في مظانها في تفسير قوله تعالى‏ «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» من فعل عمار، و ما روته العامة و الخاصة في هذا المجال، من ان أبويه لم يظهرا كلمة الكفر فقتلا و ان عمارا أظهر و نجى، ثمَّ اتى رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) باكيا فقال جمع من الصحابة: كفر عمار، و لكن جعل رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) يمسح عينيه و يقول له، ان عادوا لك فعد لهم بما قلت، فنزلت الآية «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ».

2- ما روته العامة و الخاصة في كتبهم- و قد مر ذكره أيضا عند ذكر الايات أيضا- من حديث رجلين من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أحدهما مسيلمة الكذاب فقال لأحدهما: أشهد انى رسول اللّه فشهد و نجا و اما الأخر فقد ابى و قتل، فقال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) في حقهما: اما الأول فقد أخذ رخصة اللّه و اما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له.

و في هذه الرواية و ان لم يكن ذكر عن البراءة عن الرسول (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و لكن الشهادة برسالة مسيلمة كانت من كلمة الكفر نفسه فيدل على الجواز في غيره بطريق اولى فتدبر.

3- و في معناهما ما رواه الكليني في «أصول الكافي» عن عبد اللّه بن عطا قال: قلت: لأبي جعفر (عليه السلام) رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما ابرئا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فبرئ واحد منهما و ابى الآخر فخلى سبيل الأول الذي برى و قتل الأخر فقال: اما الذي برئ فرجل فقيه في دينه و اما الذي لم يبرئ فرجل تعجل إلى الجنة (1).

____________

(1) الحديث 4 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

428

و سنتكلم ان شاء اللّه في دلالتها على رجحان ترك التقية أو فعلها.

4- ما رواه الكليني عن مسعدة بن صدقة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان الناس يروون ان عليا (عليه السلام) قال على منبر الكوفة أيها الناس انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثمَّ تدعون الى البراءة منى فلا تبروا منى.

فقال ما أكثر ما يكذب الناس على على (عليه السلام) ثمَّ قال: انما قال: انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثمَّ تدعون الى البراءة منى و انى لعلى دين محمد (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و لم يقل: و لا تبرأوا منى، فقال له السائل أ رأيت ان اختار القتل دون البراءة، فقال: و اللّه ما ذلك اليه؛ و ما له الا ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة و قلبه مطمئن بالإيمان منزل اللّه عز و جل‏ «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم): يا عمار ان عادوا فعد، فقد انزل اللّه عذرك، و أمرك ان تعود ان عادوا (1).

و ظاهر هذه الرواية في بدء النظر وجوب التقية هنا أيضا، و لكن بعد التأمل يظهر أنها ناظرة إلى نفى الحرمة فقط- لا سيما بالنسبة إلى البراءة عن على (عليه السلام) و الأئمة من ولده (عليهم السلام) التي رووا حرمتها و ان جاز السب، و سيأتي الكلام فيها عن قريب ان شاء اللّه.

هذا مضافا الى ان قوله (عليه السلام) «و اللّه ما ذلك عليه» و نقله حديث عمار دليل على انه بصدد نفى الحرمة لا إثبات وجوب التقية هناك، و لذا كان فعل أبوي عمار أيضا جائزا كما يظهر من قصتهم.

5- ما رواه محمد بن مسعود العياشي في تفسيره عن ابى بكر الحضرمي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث انه قيل له: مد الرقاب أحب إليك أم البراءة

____________

(1) الحديث 2 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف.

429

من على (عليه السلام) فقال الرخصة أحب الى، أما سمعت قول اللّه عز و جل في عمار «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» (1) و سيأتي ان دلالته على رجحان الرخصة معارض بغيره و طريق الجمع بينهما.

6- ما رواه العياشي أيضا عن عبد اللّه بن عجلان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته و قلت له: ان الضحاك قد ظهر بالكوفة و يوشك ان ندعى إلى البراءة فكيف نصنع قال فابرء منه، قلت أيهما أحب إليك؟ قال: ان تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر أخذ بمكة فقالوا له: ابرء من رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) فبرء منه فانزل اللّه عز و جل عذره‏ «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» (2) و ظاهره أيضا و ان كان الوجوب بادي الأمر، الا ان الأمر هنا في مورد توهم الخطر للروايات الدالة بظاهرها على المنع عن البراءة، فلا يدل على الوجوب، و يؤيده استشهاده بقضية عمار الذي قتل أبواه و لم يظهرا كلمة الكفر و لم يقدح في أمرهما رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) فهو على كل حال دليل على مجرد الرخصة و الجواز لا غير.

7- ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في احتجاجه على بعض اليونان‏ (3) قال:

«و آمرك ان تستعمل التقية في دينك فان اللّه عز و جل يقول‏ «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً»

____________

(1) الحديث 12 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف.

(2) الحديث 31 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف.

(3) سيأتي معناه.

430

و قد أذنت لكم في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف اليه. و في إظهار البراءة ان حملك الوجل عليه و في ترك الصلوات المكتوبات ان خشيت على حشاشة نفسك الآفات و العاهات، فان تفضيلك أعدائنا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرنا، و ان إظهارك براءتك منا عند تقيتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا، و لئن تبرء منا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التي بها قوامها و مالها الذي به قيامها، و جاهها الذي به تمسكها، و تصون من عرف بذلك أوليائنا و إخواننا فإن ذلك أفضل من ان تتعرض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين، و صلاح إخوانك المؤمنين، و إياك ثمَّ إياك ان تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شائط بدمك و دماء إخوانك، معرض لنعمتك و نعمتهم للزوال، مذل لهم في أيدي أعداء دين اللّه، و قد أمرك اللّه بإعزازهم، فإنك إن خالفت وصيتي كان ضررك على إخوانك و نفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا (1) قال الفيروزآبادي في القاموس «و يونان بالضم قرية ببعلبك، و اخرى بين برذعة و ييلقان».

و لعل هذا الحديث انما صدر منه (عليه السلام) و لم يخلص الشامات و ضواحيها عن الشرك و سيطرة الروم بعد، فإن التقية بترك الصلاة (المراد به ترك صلاة المختار، لا المضطر الذي يمكن أداها بمجرد الإيماء و الإشارة) لا يكون بين المسلمين بل يكون بين الكفار قطعا.

ثمَّ ان ظاهر قوله «فان ذلك أفضل من ان تتعرض للهلاك إلخ» و ان كان ظاهرا في أفضلية التقية من تركها في أمثال المقام بادي الأمر،

____________

(1) الحديث 11 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

431

الا ان قوله بعد ذلك في ذيل الحديث «إياك ثمَّ إياك إلخ» و قوله «كان ضررك على إخوانك و نفسك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا» دليل واضح على وجوب التقية هنا و ان «أفعل التفضيل» هنا للتعين مثل و اولى الأرحام بعضهم اولى ببعض في كتاب اللّه، و مثل قوله في روايات يوم الشك «أحب من ان يضرب عنقي».

فعلى هذا تتم دلالة الرواية على الوجوب، في موارد البراءة و إظهار كلمة الكفر و غيرهما، و لكن إرسالها يسقطها عن الحجية فان الطبرسي (رحمه اللّه)نقلها عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بدون ذكر السند، و نقلها في تفسير العسكري لا يجعلها حجة بعد الكلام المعروف حول التفسير المزبور (فتأمل).

و لو تمت حجيتها سندا مع وضوحها دلالة أشكل العمل بها، بعد معارضتها بالروايات الكثيرة المستفيضة أو البالغة حد التواتر على جواز ترك التقية هنا، فلا بد من حملها على التفصيل الاتى أو على بعض الظروف الخاصة.

هذا و قد يظهر من غير واحد من احاديث الباب التفصيل بين «السب» و البراءة بالجواز في الأول و المنع عن الثاني و إليك بعض ما ورد في الباب.

1- ما رواه الشيخ في «مجالسه» عن محمد بن ميمون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) ستدعون إلى سبي فسبوني و تدعون الى البراءة منى فمدوا الرقاب فإني على‏

432

الفطرة (1).

و هذا صريح في التفصيل بين السب و البراءة بجواز التقية في الأول و المنع عن الثاني.

2- ما رواه الشيخ عن على بن على أخي دعبل الخزاعي عن على بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن على بن ابى طالب (عليهم السلام) انه قال: انكم ستعرضون على سبي فإن خفتم على أنفسكم فسبوني، الا و انكم ستعرضون على البراءة منى فلا تفعلوا فإني على الفطرة (2).

و الحديث مثل سابقة في الدلالة على التفصيل و ظاهره حرمة البراءة.

3- ما رواه الرضى (قدس سره) في «نهج البلاغة» عن أمير المؤمنين- (عليه السلام) انه قال: اما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد و يطلب ما لا يجد، فاقتلوه و لن تقتلوه، الا و انه سيأمركم بسبي و البراءة مني فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة و لكم نجاة، و اما البراءة فلا تبرأوا مني فإني ولدت على الفطرة، و سبقت بالايمان و الهجرة (3).

و يعارض هذه الروايات ما مر في رواية مسعدة بن صدقه (2/ 29)، و لكن الإنصاف انه يمكن حمل هذه الروايات على ذاك الزمان العنود و في تلك الافاق الكاسفة نورها الظاهرة غرورها، التي كان من الواجب كفاية- على الأقل- إظهار كلمة الحق و الافتداء بالأنفس لئلا تنمحي آثار

____________

(1) الحديث 8 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(2) الحديث 9 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

(3) الحديث 10 من الباب 29 من أبواب الأمر بالمعروف من الوسائل.

433

النبوة، لاجتماع أعداء أهل البيت على محو آثار الوصي (عليه السلام) بل النبي- (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) إذا قدروا عليه، فأجيز لهم بارتكاب الدرجات الخفيفة من المنكر تقية- و هي السب- و نهوا عن الشديدة و هي البراءة، و لو ابتلينا- لا سمح اللّه- بأزمنة في مستقبل الأيام و ظروف تشبه زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما أرادوا من محو آثاره (عليه السلام) بعد شهادته كان القول بوجوب مد الأعناق (بعد ضرب أعناق الأعداء و نشر كلمة الحق و ابطال الباطل) قويا فتدبر.

فهذا طريق الجمع بين روايات الباب التي تدل أكثرها على الجواز و بعضها على الحرمة في خصوص البراءة، و لا يمكن تخصيصها في خصوص مورد البراءة، لصراحة بعضها في جوازها بالخصوص، أو جواز ما لا يتفاوت من البراءة فراجع.

و اما الكلام في المقام الثاني أعني ترجيح احد الجانبين، ترك التقية في إظهار كلمة الكفر، و فعلها، فالذي ينبغي ان يقال فيه ان:

الذي يظهر من رواية الحسن التي مرت سابقا الحاكية لفعل رجلين في عصر رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) الذي أخذهما مسيلمة الكذاب ان الراجح ترك التقية و ان التارك لها صدع بالحق فهيئنا له، و ان الأخذ بالتقية أخذ برخصة اللّه فحسب.

و كذلك الروايات الثلث الناهية عن البراءة، الإمرة بافتداء النفوس و استقبال المنية في هذا السبيل، فإنها أيضا تدل على تقديم ترك التقية إذا جاوز الأمر عن السب و انتهى الى البراءة، و في حكمها كلمات الكفر فتدبر.

434

هذا مضافا الى عمل جمع من بطانة أهل البيت و خواص أصحاب على (عليه السلام) و غيره من الأئمة الطاهرين (عليهم صلوات اللّه و سلامه))، مثل «حجر بن عدى» و ستة أو عشرة أشخاص أخر من أصحاب على (عليه السلام) الذين قتلوا في «مرج عذراء» (1) و لم يتبرأ و أو مثل «ميثم التمار» و «رشيد البحري» و «عبد اللّه بن عفيف الأزدي، و عبد اللّه بن يقطر»، و «سعيد بن جبير»، و جمع ممن قتلوا دون الحسين (عليه السلام).

و ترجمة كثير من هؤلاء نقلها الموافق و المخالف.

فقد قال «الذهبي» في ترجمة «حجر» انه كان يكذب زياد بن أبيه على المنبر و حصبه‏ (2) مرة فكتب فيه الى معاوية. فسيره زياد إلى معاوية و جاء الشهود شهدوا عند معاوية عليه و كان معه عشرون رجلا فهم معاوية بقتلهم و اخرجوا الى «عذراء» و قيل ان رسول معاوية جاء إليهم لما وصلوا الى عذراء يعرض عليهم التوبة و البراءة من على (عليه السلام) فأبى عن ذلك عشرة و تبرء عشرة. فقتلوا» (3) و في محكي «إعلام الورى» قال: دخل معاوية على عائشة فقالت ما حملك على قتل أهل عذراء، حجر و أصحابه، فقال يا أم المؤمنين انى رأيت قتلهم صلاحا للأمة، و بقائهم فسادا للأمة، فقالت سمعت رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم)

____________

(1) «عذراء» موضع قريب من الشام و «مرج» هو الأرض الواسعة فيها نبت كثير ترعى فيها الدواب.

(2) حصبه: رماه بالحصى‏

(3) رواه العلامة المامقاني في المجلد الأول من رجاله في ترجمة حجر بن عدى.

435

قال سيقتل بعذراء أناس يغضب اللّه لهم و أهل السماء! و قد ارخ قتلهم بسنة «51» أو (53) و قد تضمن «تاريخ ابن الأثير»، و كتاب «ابى الفرج الكبير» ما لا مزيد عليه من ترجمته و كيفية قتله. (1) و على كل حال، هؤلاء أو كثير منهم كانوا من حملة علوم الأئمة أو رسلا منهم الى قومهم، فهم على كل حال من بطانة أهل البيت (عليه السلام) فهل كانوا جاهلين بمواقف احكام الشرع و وظائفهم تجاه الحوادث الواقعة فلو كان ترك التقية مرجوحا أو مساويا لفعلها كيف آثروها على غيرها.

و يظهر من غير واحد من الأحاديث الواردة في ترجمة «ميثم التمار» و «عمرو بن الحمق الخزاعي» و أمثالهما ان أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) أخبرهم بقتلهم في سبيله و اثنى عليهم و بكى على بعضهم، و في كل ذلك تحريض و تشويق لغيرهم على فعلهم، و هي ترك التقية و لو لم يكن راجحا لما صح ذلك.

بل يظهر من غير واحد من الروايات ثناء سائر الأئمة (عليه السلام) عليهم بما يظهر منه إمضاء عملهم إمضاء باتا.

و قد ذكر في ترجمة عمرو بن الحمق الخزاعي ما قاله الحسين (عليه السلام) في كتابه إلى معاوية يجيبه عن كتابه إليه جوابا يظهر فيه سيئ أفعاله و شرور اعماله بأوضح البيان و أشد الحجة، فقال في حق عمرو بن الحمق و حجر بن عدى و أصحابه:

____________

(1) رواه العلامة المامقاني في المجلد الأول من رجاله في ترجمة حجر- بن عدى.

436

«. الست القاتل حجر بن عدى أخا كندة و المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم و يستعظمون البدع و لا يخافون في اللّه لومة لائم ثمَّ قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان المغلظة و المواثيق المؤكدة لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم.

أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه و اصفر لونه بعد ما آمنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ثمَّ قتلته جرئة على ربك و استخفافا بذلك العهد. (1) بل يظهر مما روته عائشة في حق حجر و أصحابه ان رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) أيضا أسف عليهم و غضب لهم و عظمهم.

كل ذلك دليل على رجحان فعلهم و رضا الرسول صلى اللّه عليه- و آله و سلم و أهل بيته (عليهم السلام) بعملهم، و كيف يصح ذلك مع كونه مرجوحا؟! و لكن قد عرفت ان الظاهر من غير واحد من روايات الباب رجحان الأخذ بالرخصة، و التقية في هذه الموارد، مثل الرواية 4 من الباب 29 (2) الحاكية عن فعل الرجلين أخذا بالكوفة، ان الذي برئ رجل فقيه في دينه، و الرواية 2 من الباب 29 و رواية العياشي (12 من 29) و رواية أخرى عنه (13 من 29) و رواية الطبرسي في الاحتجاج (11 من 29) الى غير ذلك مما قد يعثر عليه المتتبع.

____________

(1) ذاك المصدر بعينه.

(2) نقلناها في صفحة 425.

437

طريق الجمع بين احاديث هذا الباب‏

و الانصاف ان أقرب طريق للجمع بينهما هو ما أشرنا إليه من التفصيل بحسب الازمان و الأشخاص، فالذي هو علم للأمة، و مقياس للدين، و به يقتدى الناس و يعرف قربه من أهل البيت (عليهم السلام) يرجح له استقبال الحتوف و تحمل المضار البالغة حد الشهادة في سبيل اللّه، بل قد يجب له إذا كان ترك ذلك ضررا على الدين و مفسدة للحق و تزلزلا في أركان الإسلام.

ففي مثل عصر بنى أمية، و لا سيما البرهة المظلمة التي كانت في زمن معاوية بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما شاكله، الذي أراد المشركون و بقية الأحزاب الجاهلية، و أغصان الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، ليطفؤا نور اللّه بأفواههم و يأبى اللّه الا ان يتم نوره، و جهدوا في إخفاء فضل أوصياء رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) لينقلب الناس على أعقابهم خاسرين.

ففي مثل هذه الأعصار لم يكن بدا من رجال يقومون بالحق و يتركون التقية و يظهرون آيات اللّه و بيناته، و يصكون على جباه الباطل و الظلم و الطغيان.

و لو لا مجاهدة هؤلاء بأموالهم و أنفسهم أو شك ان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه و لا من القرآن و صاحبه الذي لا يفارقه إلا رسمه و ذكره، فكانوا هم الحلقة الواسطة بين الجيل الماضي و الجيل الاتى من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان.

و لو لا جهاد أمثال حجر، و ميثم، و عمرو بن الحمق، و عبد اللّه بن غفيف‏

438

و عبد اللّه بن يقطر، و سعيد بن جبير، لاندرست آثار النبوة و آثار الأئمة الطاهرين من أهل بيته (عليهم الاف السلام و التحية)، لغلبته الباطل على اجواء الحكومة الإسلامية و ركوب رقاب الناس بالظلم و العدوان، و سيطرته على مراكز الدعوة- و الناس على دين ملوكهم- قال المحقق شيخنا العلامة الأنصاري ما لفظه: «و المكروه منها (من التقية) ما كان تركها و تحمل الضرر اولى من فعله كما ذكر ذلك بعضهم في إظهار كلمة الكفر و ان الاولى تركها ممن يقتدى به الناس إعلاء لكلمة الإسلام» (انتهى).

و لا يختص بتلك الأعصار بل كل زمان كان الأمر فيه مثل عصر، الأمويين و أشباههم كان الحكم فيه هو الحكم فيه من دون اى تفاوت.

و اما في الأعصار المتأخرة كعصر الصادقين و الرضا (عليهم السلام) و ما ضاهاه الذي لم يكن الأمر بتلك المثابة كان الاولى فيه ارتكاب التقية كما يظهر من كثير من احاديث الباب (إلا في موارد تستثنى).

فاذن لا يبقى تعارض بين الأحاديث المروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الإمرة بترك التقية في العصر المتصل بزمانه الذي ظهر على الناس رجل رحب البلعوم، الى أخر ما ذكره من علائمه و آثاره كان الراجح أو الواجب ترك التقية، و اليه يشير ما روى عنه (عليه السلام).

اما في مثل أعصار الصادقين و الأعصار المتأخرة عنها كانت الرخصة أحب إليهم لعدم وجود خطر من هذه الناحية على الإسلام و المسلمين.

و لكن لا ينافي ذلك عدم جواز ذلك في تلك الأعصار أيضا على بعض الأشخاص لخصوصيات فيهم.

439

و اما في زماننا هذا يتفاوت الحال بالنسبة إلى الأشخاص و الظروف و الحالات و تجاه ما يحدث من الحوادث و الهنات، فقد يجب أو يرجح ان يستن بسنة أصحاب أمير المؤمنين و خواص بطانته (عليه السلام).

و اخرى يجب أو يرجح الاقتداء بأصحاب الصادقين (عليهما السلام) و من المأسوف عليه انى لم أجد أكابر المحققين من أصحابنا تعرضوا لهذه المسئلة تعرضا واسعا، و لم يبينوها تبينا يؤدى حقها، بل مروا عليها عاجلا، راعيا جانب الاختصار، مع انها من الأهمية بمكان لا ينكر!.

نسأل المولى سبحانه التوفيق لأداء ما هو الواجب علينا في زماننا هذا، و ان يكشف لنا النقاب عن وجه معضلاتها: و يهدينا سبل الحق، و ينتصف لنا من الاعداء و يظهرنا عليهم و يشفي صدور قوم مؤمنين (آمين يا رب العالمين).

بعض ما تستحب فيها التقية و ضابطتها

بقي هنا شي‏ء و هو انك قد عرفت انه من المظان التي يستحب فيها التقية، موارد العشرة مع العامة بالمعروف و قد عرفت دليله، و ان كثيرا من الروايات الواردة في الباب 26، من أبواب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر من الجلد 11 من الوسائل لا سيما الرواية و الرواية 2 و 4 من هذا الباب، و الرواية 16 من 24، و الروايات الكثيرة الواردة في أبواب الجماعة و الدخول في جماعتهم تدل على ذلك.

و لكن ذكر شيخنا العلامة الأنصاري في كلام له: «و اما المستحب من التقية فالظاهر وجوب الاقتصار فيه على مورد النص و قد ورد النص‏

440

بالحث على المعاشرة مع العامة و عيادة مرضاهم و تشييع جنائزهم و الصلاة في مساجدهم و الأذان لهم فلا يجوز التعدي عن ذلك الى ما لم يرد النص من الأفعال المخالفة للحق كذم بعض رؤساء الشيعة للتحبب إليهم» انتهى كلامه.

و يرد عليه انه لا خصوصية في هذه الأمور بعد التعليلات الواردة فيها لو ما يشبه التعليل، و بعد كونها داخلة في قاعدة «الأهم و المهم، و الأخذ بالأهم من المصالح و المفاسد» كما لا يخفى.

الى هنا ينتهى كلامنا في حكم التقية بحسب التكليف فلنشرع في بيان حكمها الوضعي و صحة الأعمال المأتي بها تقية أو فسادها،

441

المقام الثاني حكم العبادات و الأعمال الصادرة تقية

هل يجوز الاكتفاء بالأعمال الصادرة على خلاف الواقع تقية أم لا؟

و قبل كل شي‏ء لا بد من بيان الأصل الاولى في المسئلة كي يرجع اليه عند إعواز الدليل على احد الطرفين فنقول و من اللّه التوفيق:

الظاهر ان الأصل هنا هو الفساد إذا كان أدلة الجزئية و الشرطية في الجزء أو الشرط الذي أخل به تقية مطلقة.

توضيح ذلك: إذا عمل بالتقية في الأحكام كالصلاة متكتفا (اى قابضا لليد) أو الوضوء مع المسح على الخفين، أو في الموضوعات كالإفطار في يوم الشك خوفا من سلطان جائر حكم بأنه يوم عيد مع عدم ثبوته أو اليقين بأنه من رمضان، فلا شك في انه أخل ببعض الاجزاء أو الشرائط أو بعض الموانع المعتبرة عدمها في صلاة المختار أو وضوئه أو صيامه.

فلو كان دليل وجوب المسح على البشرة مثلا عاما شاملا لحالتي الاختيار و الاضطرار، بحيث لم يختص وجوبه بالأول فقط، كان مقتضى الدليل الحكم بفساد مثل هذا الوضوء و كذا الصلاة التي تؤتى معه.

فهو و ان كان معذورا من جهة التقية في ترك الوضوء الواجب عليه الا ان معذوريته تكليفا لا تمنع عن فساد عمله، و لزوم الإعادة في الوقت أو القضاء خارجه، وضعا.

الا ان يدل دليل على اجزاء هذا العمل و صحته، بحيث كان حاكما على‏

442

أدلة الجزئية و الشرطية و المانعية.

فالأصل الاولى في جميع هذه الاعمال هو الفساد ما لم يثبت خلافه.

و هل يجوز التمسك بحديث الرفع لإثبات أصل ثانوي على الصحة لأن المقام داخل في قوله (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) «و ما أكرهوا عليه و ما اضطروا اليه» قد يقال انه كذلك و انه بناء على شمول الحديث للأحكام الوضعية ترتفع الجزئية و ما شاكلها لصدق الاضطرار على موارد التقية بلا اشكال، بل صدق الإكراه عليها أيضا أحيانا.

و لكن الإنصاف انه محل للإيراد صغرى و كبرى:

اما الصغرى فلان عنوان الإكراه غير صادق هنا مطلقا، لأنه لا بد فيه من توعيد و تخويف غير موجود في موارد التقية عادتا، لأن المأخوذ في مفهومها هو الاختفاء، و هو لا يساعد الإكراه الذي يخالط العلم بالشي‏ء.

و اما الاضطرار فهو مختص بالتقية الصادرة خوفا لا في أمثال التقية التحبيبى، أو مثل تقية إبراهيم مقدمة لكسر الأصنام و إيقاظ عبدتها عن نومتهم، بما هو مذكور في كتاب اللّه العزيز، و أمثالها. فهذا الدليل لو تمَّ لكان أخص من المدعى.

و اما الكبرى فهي متوقفة على شمول حديث الرفع للآثار الوضعية و عدم اختصاصه برفع المؤاخذة، مضافا الى ان الجزئية و الشرطية- كما ذكر في محله- ليستا من الأحكام الوضعية و كذا المانعية، بل هي انتزاعات عقلية عن الأمر بالجزء و الشرط و ترك المانع فتدبر.

و العجب من العلامة الأنصاري (قدس سره) انه ذكر في رسالته هنا ان «الانصاف ظهور الرواية في رفع المؤاخذة» فأسقط دلالتها على المطلوب.

443

و لكن قال في «الفرائد» بعد ذكر الاحتمالات الثلث فيها، ان رفع المؤاخذة أظهر، نعم يظهر من بعض الاخبار الصحيحة عدم اختصاص الموضوع عن الأمة بخصوص المؤاخذة ثمَّ ذكر رواية المحاسن المعروفة، في الإكراه على الخلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك فجعلها شاهدة على عدم اختصاص الحديث برفع خصوص المؤاخذة.

اللهم الا ان يقال انه قد رجع عن عقيدته في الرسالة، و الأمر سهل.

هذا و لكن ذكرنا في محله من أصل البراءة ان الرفع هنا مقابل الوضع و هو وضع الفعل على عاتق المكلف فكان الفعل الواجب أو ترك الحرام وضع على المكلف في عالم الاعتبار، و له ثقل، فالموضوع هو نفس الافعال أو التروك، لا التكليف من الوجوب أو الحرمة، بل التكليف هو نفس الوضع لا الموضوع، و اما الموضوع عليه فهو المكلف (تدبر جيدا).

فمتعلق الرفع أيضا الأفعال الخارجية التي لها ثقل في عالم الاعتبار، فهو كناية عن نفى التكاليف كما ان الوضع كناية عن التكليف. و الحاصل ان نائب الفاعل في رفع أو وضع عنه (لا وضع عليه الذي هو بمعنى التكليف) هو نفس الافعال، فرفعها كناية عن عدم التكليف بها، فعلى هذا يمكن ان يقال:

ان المسح على البشرة إذا اضطر الى تركه للتقية، بنفسها مرفوعة عن عاتق المكلف فليس مأمورا به و كذا أشباهه فنفس الاجزاء و الشرائط و ترك الموانع داخله تحت حديث الرفع، ترتفع عن المكلف عند اضطراره الى تركها، فلا مانع من شمول الحديث بنفسها لها و يكون حديث المحاسن‏

444

مؤيدا له. و تتمة الكلام في محله.

و لكن قد عرفت ان حديث الرفع لو تمَّ لم يشمل إلا موارد الاضطرار من التقية لا جميع أقسامها على اختلافها.

فتلخص مما ذكر ان شمول حديث الرفع لجميع موارد المسئلة مشكل.

هذا تمام الكلام في تأسيس الأصل في المسئلة و قد تحصل منه ان الأصل الاولى هو الفساد الا ان يدل حديث الرفع أو دليل خاص من عمومات التقية و غيرها على الصحة.

هل هناك عموم أو إطلاق يدل على الاجزاء؟

لا ينبغي الشك في انه إذا أمر الشارع المقدس بإتيان عبادة على وفق التقية انه يوجب الاجزاء، كما إذا قال امسح على الخف عند التقية، أو صل متكتفا، أو شبه ذلك.

و في الحقيقة هذا داخل في المأمور به بالأمر الاضطراري، نظير الصلاة مع الطهارة المائية، و قد حقق في محله ان الأوامر الاضطرارية تدل على الاجزاء بلا اشكال و لا يجب اعادتها بعدها.

نعم، الكلام هنا فيما إذا كان التقية في بعض الوقت أو في تمام الوقت كالكلام هناك إذا كان الاضطرار (كفقدان الماء) في خصوص الوقت أو تمامه.

فان كان هناك إطلاق يدل على جواز العمل بالتقية لو اضطر إليها،

445

و لو في بعض الوقت، اجزئه و لا تجب الإعادة في الوقت إذا ارتفع سبب التقية، و اما لو لم يكن هناك عموم أو إطلاق كذلك، لم يجز الاكتفاء به بل لا بدان يكون العذر شاملا و مستوعبا لجميع الوقت، كما ذكر مثل ذلك كله في التيمم و سائر الابدال الاضطرارية.

و عليه يبتني جواز البدار في أول الوقت و عدمه؛ إذا كان مصاحبا للعذر في أوله مع رجاء زواله في آخره.

هذا كله إذا ورد الدليل على جواز العمل بالتقية في العبادة بعنوانها العام، أو في خصوص عبادة معينة كالصلاة مثلا، فإنها- على كل حال- أخص من أدلة تلك العبادة أو كالأخص.

و اما إذا ورد الأمر بها بعنوان غير عنوان العبادة بل بعنوان عام، كقوله: «التقية في كل ما يضطر إليه الإنسان» فإن ذلك لا يدل على الاجزاء، و لا يدخل تحت أدلة الأوامر الاضطرارية، فإن غاية ما يستفاد من ذلك، جواز العمل على وفق التقية و لو استوجب ارتكاب ما هو محرم بالذات.

فهو كالدليل الدال على «ان كل شي‏ء حرمه اللّه فقد أحله لمن اضطر- إليه» فإنه لا يدل على أزيد من الحكم التكليفي و جواز العمل عند الضرورة، و لا دلالة له على الحكم الوضعي من حيث الصحة و الفساد.

و للمحقق الأجل شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره)في المقام كلام لا يخلو عن نظر:

قال في رسالته المعمولة في المسئلة في ملحقات مكاسبه: «اللازم ملاحظة أدلة الاجزاء أو الشرائط المتعذرة لأجل التقية، فإن اقتضت مدخليتها

446

مطلقا فاللازم الحكم بسقوط الأمر عن المكلف حين تعذرها، و لو في تمام الوقت، كما لو تعذرت الصلاة في تمام الوقت الا مع الوضوء بالنبيذ- الى ان قال- فهو كفا قد الطهورين.

و ان اقتضت مدخليتها في العبادة بشرط التمكن منها دخلت في مسئلة اولى الاعذار في انه إذا استوعب العذر الوقت، لم يسقط الأمر رأسا و ان كان في جزء من الوقت، كان داخلا في مسئلة جواز البدار لهم و عدمه». (هذا محصل كلامه).

و الحق ان يقال: انه لا بد من ملاحظة أدلة جواز التقية فإن كانت ناظرة إلى العبادات كان حاكما عليها و لا يلاحظ النسبة بينهما كما عرفت، و كان كالأوامر الاضطرارية الواردة في اجزاء العبادات و شرائطها.

و ان لم تكن كذلك بل كانت دالة على جواز التقية مطلقا بعنوان الاضطرار فلا دلالة لها على الاجزاء، نعم لو كان في أدلة الاجزاء و الشرائط قصورا بحيث كانت مختصة بحال الاختيار فقط كان العمل مجزيا لسقوط الجزء و الشرط حينئذ و اما لو كانت مطلقة- كما هو الغالب فيها- فلا وجه للاجزاء و إذ قد تبين ذلك فلنرجع إلى إطلاقات أدلة التقية و ملاحظة حالها و انها من اى القسمين، و كذلك الأدلة الخاصة الواردة فيها و ملاحظة حدودها و خصوصياتها.

فنقول: يدل على الاجزاء روايات:

1- ما رواه الكليني (قدس سره)في الكافي عن ابى عمر الأعجمي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: و التقية في كل شي‏ء إلا في النبيذ و المسح‏

447

على الخفين (و قد نقلناه سابقا عن الوسائل الحديث 3 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف).

و هو دليل عام ناظر الى العبادات أيضا بقرينة استثناء المسح على الخفين فإنه إخراج ما لولاه لدخل، فهو شاهد على كون العام بعمومه ناظرا إلى الأعمال العبادية التي تصدر عن تقية و لكن في سند الحديث ضعف ظاهر لجهالة حال ابى عمر الأعجمي بل لم يعرف اسمه و كأنه لا رواية للرجل إلا في هذا الباب فقط.

2- ما رواه في الكافي أيضا بسند صحيح عن زرارة قال: قلت له في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا اتقى فيهن أحدا شرب المسكر و مسح الخفين و متعة الحج (الحديث 5 من الباب 25).

فان مفهومها جواز التقية في غيرها من العبادات، و حيث ان اثنين منها من العبادات تدل على جريان التقية في غيرها مطلقا حتى العبادات فتكون ناظرة إليها أيضا فيثبت المقصود و هو تحصيل عموم يدل الأمر بها حتى في العبادات يستكشف منه الاجزاء.

و قد مر في باب التقية المحرمة معنى استثناء هذه الثلاثة و معنى استنباط زرارة من اختصاصه الثلاثة به (عليه السلام) دون غيره، و انه في غير محله، و مخالف لغيره من الأحاديث فراجع هناك.

3- ما عن الخصال بإسناده عن على (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال: ليس في شرب المسكر و المسح على الخفين تقية (1).

____________

(1) رواه في الوسائل في الجلد الأول الحديث 18 من الباب 38 من أبواب الوضوء.

448

و دلالته كسابقة من حيث المفهوم و غيره:

4- ما روى في الجلد 8 من الوسائل من أبواب أقسام الحج عن درست الواسطي عن محمد بن فضل الهاشمي قال دخلت مع إخواني على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقلنا انا نريد الحج و بعضنا صرورة فقال: عليك بالتمتع ثمَّ قال انا لا نتقي أحدا بالتمتع بالعمرة إلى الحج و اجتناب المسكر و المسح على الخفين معناه لا نمسح‏ (1).

و هو أيضا دليل أو مشعر بجواز التقية في غير هذه الثلث.

5- ما رواه في الوسائل في المجلد 5 في الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة عن سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال: ان كان اماما عدلا فليصل اخرى و ينصرف و يجعلها تطوعا و ليدخل مع الإمام في صلوته كما هو، و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلى ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول اشهد ان لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله ثمَّ ليتم صلوته معه على قدر ما استطاع فإن التقية واسعة و ليس شي‏ء من التقية الا و صاحبها مأجور عليها ان شاء اللّه‏ (2).

و هذه من أقوى الروايات دلالة على جواز التقية في العبادات و- الاكتفاء بها كما في الأوامر الاضطرارية مثل التيمم و نحوه.

هذه الروايات الثلث يمكن استفادة حكم العبادات عنها بالخصوص و اما ما يدل على عنوان عام يدخل العبادات تحته بعمومها و إطلاقها فهو أيضا

____________

(1) الحديث 5 من الباب 3 من أبواب أقسام الحج‏

(2) الحديث 2 من الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة.

449

كثير منها:

6- ما رواه أيضا في الكافي عن زرارة عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: التقية في كل ضرورة و صاحبها اعلم بها حين تنزل به (الحديث 1 من الباب 25).

7- ما رواه أيضا في الكافي عن زرارة و محمد بن مسلم و غيرهما قالوا سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: التقية في كل شي‏ء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّه له (الحديث 2 من الباب 25).

8- ما رواه في المحاسن عن عمر بن يحيى بن سالم (أو معمر بن يحيى) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال التقية في كل ضرورة (الحديث 8 من الباب 25).

9- ما رواه عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و كل شي‏ء يعمله المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى الى الفساد في الدين فإنه جائز (الحديث 6 من 25).

دل هذه الروايات الأربع على ان التقية تجري في كل ما يضطر إليه الإنسان، و ظاهرها و ان كان الجواز من حيث الحكم التكليفي و الجواز في مقابل الحرمة الموجودة في الشي‏ء بعنوانه الاولى، الا ان عمومها يدل على جريانها في العبادات أيضا، لا سيما ان التقية فيها من أظهر مصاديقها و من أشدها و أكثرها ابتلاء، و الجواز التكليفي بإتيان العبادة على وجه التقية لدفع ما يترتب على تركه من الضرر و ان كان لا ينافي وجوب إعادتها في الوقت أو خارجه إذا ارتفع العذر، و لكن هذا أمر يحتاج الى البيان لغالب الناس و التوجيه اليه، و سكوت هذه العمومات و سائر أدلة وجوب التقية

450

أو جوازها في مواردها، عن الإشارة إلى وجوب القضاء أو الإعادة مما يوجب الاطمئنان بجواز الاكتفاء بما يؤتى تقية، و لو لم تكن العمومات السابقة.

و الحاصل ان هذه الروايات المطلقة و الروايات السابقة- بعد معاضدة بعضها ببعض- تؤسس لنا أصلا عاما و هو جواز الاكتفاء بالعبادات التي يؤتى بها تقية في مواردها، كما في الأوامر الواقعية الاضطرارية.

و هناك روايات أخر واردة في أبواب الصلاة أو غيرها تدل أو تشير إلى صحة العمل على وجه التقية في موردها بالخصوص.

و في مجموع هذه غنى و كفاية على ما نحن بصدده من صحة العبادات في حال التقية من غير حاجة الى الإعادة و القضاء.

و هناك مسئلة مهمة تكون كالتتمة لهذه المسئلة نفردها بالبحث لمزيد الاهتمام بها و هي حال الصلاة التي يؤتى بها تحبيبا و توسلا الى حفظ الوحدة مع المخالفين في المذهب و حكم الاكتفاء بها.

451

حكم الصلاة التي يؤتى خلف المخالف و المعاند في المذهب تحبيبا و حفظا للوحدة

لا اشكال و لا كلام في جواز الصلاة خلف المخالف في المذهب عند الخوف و جواز الاعتداد بها، و هل يجب فيها ملاحظة عدم المندوحة و عدم إمكان الصلاة في زمان أو مكان آخر، فيه كلام سيأتي ان شاء اللّه في تنبيهات التقية.

إنما الكلام في انه هل يجوز الصلاة خلفهم عند عدم الخوف أيضا بل من باب حسن العشرة معهم، و التحبب إليهم، كما هو كذلك في عصرنا هذا غالبا، لا سيما في مواسم الحج فان عدم الحضور في جماعتهم ليس مما يخاف منه على نفس أو مال أو عرض، و لكن الدخول معهم في صلوتهم أوفق بالاخوة الإسلامية و أقرب الى حسن العشرة.

ظاهر طائفة كثيرة من الاخبار رجحان ذلك و الندب اليه مؤكدا، بل لعلها متواترة في هذا المضمون.

و هل ينوي الاقتداء بها أو ينوي منفردا و يقرأ في نفسه مهما أمكن‏

452

و يأتي بما يأتي به المنفرد و لكن يأتي بالأفعال معهم للغايات المذكورة، ثمَّ لو قلنا بأنه ينوي الاقتداء فهل يعتد بتلك الصلاة أو يصلى صلاة اخرى قبلها أو بعدها على وفق مذهبه.

و لو قلنا انه لا ينوي الاقتداء بل يصلى صلاة المنفرد فهل يعتد بها إذا أخل ببعض الاجزاء أو الشرائط حفظا لظاهر الجماعة أو يختص الاعتداد بها بما كان حافظا لجميع الاجزاء و الشرائط؟

لا بد لنا قبل كل شي‏ء من ذكر الأخبار الواردة في المسئلة المتفرقة في أبواب الجماعة، ثمَّ استكشاف الحق في جميع ذلك منها.

و هي روايات:

1- ما رواه الصدوق في الفقيه عن زيد الشحام عن الصادق (عليه السلام) قال يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم صلوا في مساجدهم و عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم و ان استطعتم ان تكونوا الأئمة و المؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية، رحم اللّه جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه و إذا تركتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية فعل اللّه بجعفر، ما كان اسوء ما يؤدب أصحابه‏ (1).

لا شك ان المراد بالصلاة في مساجدهم الصلاة معهم و بجماعتهم لا الصلاة منفردا في المساجد التي يجتمعون فيها، و اما دلالتها على جواز الاعتداد بتلك الصلاة فليس إلا بالإطلاق المقامى، و لكن يمكن عدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة.

2- ما رواه الصدوق أيضا عن حماد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال:

____________

(1) الحديث من الباب 75 من أبواب الجماعة من الوسائل (ج 5).

453

من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) في الصف الأول‏ (1).

3- ما عن الكافي عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول اللّه صلى اللّه- عليه و آله‏ (2).

4- ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا إسحاق أ تصلي معهم في المسجد؟ قلت: نعم قال: صل معهم فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل اللّه‏ (3).

و ظاهر هذه الأحاديث الثلث المتقارب مضمونها رجحان الصلاة معهم مع نية الاقتداء بهم، كما ان ظاهرها جواز الاكتفاء بها و عدم وجوب إعادتها الا ان يدل عليه دليل من الخارج.

و الحاصل انا لو خلينا و هذه الروايات حكمنا بجواز الدخول معهم في صلوتهم و نية الاقتداء بهم و الاعتداد بتلك الصلاة مهما كانت مخالفة لما عليه مذهبنا؛ و كان وجه التشبيه بالصلاة خلف رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) من حيث أثرها في عز المسلمين و شوكتهم و قص ظهور الاعداء و لذا شبه بمن يشهر سيفه في سبيل اللّه.

الا انه قد يدعى مخالفة أمثال هذه الظهورات لما عليه الطائفة كما

____________

(1) الحديث 1 من الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(2) الحديث 4 من الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

(3) الحديث 7 من الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

454

ستعرف دعواه فيما سيمر عليك ان شاء الله من كلام «الحدائق».

5- ما رواه في «المحاسن» عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أوصيكم بتقوى اللّه عز و جل و لا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا، ان اللّه تبارك و تعالى يقول في كتابه‏ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، ثمَّ قال: عودوا مرضاهم، و اشهدوا جنائزهم، و اشهدوا لهم و عليهم، و صلوا معهم في مساجدهم‏ (1).

6- ما رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: صلى حسن و حسين خلف مروان و نحن نصلي معهم! (2) 7- ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن سماعة قال: سألته عن مناكحتهم و الصلاة خلفهم، فقال: هذا أمر شديد لم تستطيعوا ذلك قد انكح رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) و صلى على (عليه السلام) ورائهم.

و هذه الروايات الثلث أيضا ظاهرة في جواز الصلاة معهم تحبيبا و حفظا لوحدة الأمة أو شبه ذلك (نعم يمكن ان يكون رواية على بن جعفر ناظرا الى حال الخوف على النفس و شبهه) كما ان ظاهرها نية الاقتداء و الاعتداد بتلك الصلاة و عطف الصلاة على النكاح دليل آخر على ان المراد الإتيان بالصلاة الواجبة الواقعية معهم و الاكتفاء به.

كما ان قوله (عليه السلام) هذا أمر شديد لم تستطيعوا ذلك أيضا ناظر الى هذا المعنى إذ لو كان المراد إتيان الصلاة منفردا في نفسه و إظهار كونها جماعة مع عدم القصد إليها، أو الإتيان بها و اعادتها بعد ذلك أو فعلها

____________

(1) الحديث 8 من الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الحديث 8 من الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة.

455

قبلها، لم يكن امرا شديدا لا يستطيعون، بل هما من الأمور السهلة التي يستطيع عليها كل احد.

8- ما رواه الصدوق مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام) إذا صليت معهم غفر لك بعدد من خالفك‏ (1).

و دلالتها على أصل الجواز كغيرها ظاهرة، الا ان إطلاقها من حيث الاكتفاء بها و كونها بصدد البيان من هذه الجهة قابل للتأمل و الكلام.

الى غير ذلك مما يطلع عليه الخبير المتتبع.

هذا و يظهر من غير واحد من الروايات الواردة في الباب 6 من أبواب الجماعة انه لا يحتسب بتلك الصلاة بل يصلى قبلها أو بعدها فتكون الصلاة الفريضة ما يصلى قبلها أو بعدها و تكون الصلاة معهم مستحبا أو واجبا للتقية تحبيبا أو خوف أو إليك بعض هذه الروايات:

(1) ما رواه الصدوق في «الفقيه» عن عمر بن يزيد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: ما منكم احد يصلى صلاة فريضة في وقتها ثمَّ يصلى معهم صلاة تقية و هو متوضئ إلا كتب اللّه له بها خمسا و عشرين درجة فارغبوا في ذلك‏ (2).

و لو كان الاقتداء بهم جائزا لم يكن وجه في الترغيب إلى الصلاة فرادى قبل ذلك في بيته، فهذا الترغيب دليل على عدم جواز الاعتداد بتلك الصلاة. اللهم الا ان يقال ان هذا النحو من الجمع مندوب اليه و لا دلالة في الحديث على وجوبه، فلا ينافي جواز الاقتداء بهم في صلوتهم‏

____________

(1) الحديث 2 من الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الحديث 1 من الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة.

456

و لو تحبيبا لهم، و لكن هذا الحمل لا يخلو عن بعد فتأمل.

2- و ما رواه أيضا عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال ما من عبد يصلى في الوقت و يفرغ ثمَّ يأتيهم و يصلى معهم و هو على وضوء الا كتب اللّه له خمسا و عشرين درجة (1).

3- و ما رواه هو أيضا عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال أيضا ان على بابى مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون و هم يمسون في الصلاة فأنا أصلي العصر ثمَّ اخرج فأصلي معهم؛ فقال اما تحب ان تحسب لك بأربع و عشرين صلاة (2).

4- ما رواه الشيخ عن نشيط بن صالح عن ابى الحسن الأول (عليه السلام) قال: قلت له الرجل منا يصلى صلوته في جوف بيته مغلقا عليه بابه ثمَّ يخرج فصلى مع جيرته تكون صلوته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال الذي يصلى في بيته يضاعف اللّه له ضعفي أجر الجماعة، تكون له خمسين درجة، و الذي يصلى مع جيرته يكتب له أجر من صلى خلف رسول اللّه- (صلّى اللَّه عليه و آله) و يدخل معهم في صلوتهم فيخلف عليهم ذنوبه و يخرج بحسناتهم‏ (3).

و الذي يظهر بالتأمل فيها انه أراد بما اجابه إمضاء فعل السائل بفعل الصلوتين و انه يوجر أجران على كل واحد، فلو كان الاعتداد بصلاة المخالف أو المعاند جائزا لم يحتج الى مثل ذلك و لا سيما انه كان في شدة

____________

(1) الحديث 2 من الباب 6 من أبواب الجماعة.

(2) الحديث 3 من الباب 6 من أبواب الجماعة.

(3) الحديث 6 من الباب 6 من أبواب الجماعة.

457

حتى أغلق عليه بابه عند الصلاة وحده فتدبر.

و يمكن ان يكون المراد جواز الاعتداد بكل من الصلوتين و ان الأول له ضعف أجر الجماعة و ان ثواب الثاني ثواب من صلى خلف رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم).

الى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى.

هذا مضافا الى الروايات الكثيرة الدالة على عدم جواز الصلاة خلف المخالف و المعاند و غيرهما الواردة في الباب 10 و 11 و 12 فلعل الجمع بين مجموع هذه الروايات و الطائفة الأولى الدالة بإطلاقها على جواز الاقتداء معهم و الدخول في جماعتهم هو الحمل على ما إذا صلى صلوته قبله أو بعده إذا قدر عليه و لم يكن هناك خوف.

و بالجملة القول بجواز الاكتفاء بتلك الصلاة إذا صلاها معهم تحبيبا و لم يكن هناك تقية من غير هذه الناحية مشكل، و ان كان ظاهر إطلاق الطائفة الاولى من الروايات ذلك.

هذا و لكن لا شك في جواز الدخول معهم في صلوتهم على ما يدل عليه الطائفة الاولى و غيرها فما يظهر من بعض احاديث الباب من عدم الاقتداء معهم و ارائتهم كأنه يصلى معهم و لا يصلى، لا بد من حملها على ما لا ينافي ذلك فراجع و تدبر.

ثمَّ انه لا يخفى ان جميع ما ذكرنا انما هو في التقية بعنوان التحبيب أو حفظ الوحدة، أما التقية خوفا فلا إشكال في الاكتفاء بما يؤتى معها، و هل يعتبر فيها عدم المندوحة يعني عدم إمكان الصلاة صحيحة تامة في غير ذاك الوقت أو غير ذاك المكان فيه كلام يأتي ان شاء اللّه في تنبيهات المسئلة.

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

459

تنبيهات‏

بقي هنا مسائل هامة ترتبط بالتقية أو تلحق بها نذكرها طي تنبيهات‏

1- هل تختص التقية بما يكون عن المخالف في المذهب‏

لا شك في ان أكثر روايات الباب ناظرة إلى حكم التقية عن المخالفين و قد يوجب هذا توهم اختصاص حكمها بهم فقط و لا تجري في غيرهم.

قال العلامة الأنصاري في رسالته المعمولة في المسألة ما هذا نصه:

«و يشترط في الأول (يعني الأدلة الدالة على اذن الشارع بالتقية) ان يكون التقية من مذهب المخالفين لأنه المتيقن من الأدلة الواردة في الاذن في العبادات على وجه التقية لأن المتبادر من التقية التقية من مذهب المخالفين فلا يجري في التقية عن الكفار أو ظلمة الشيعة. لكن في رواية مسعدة بن صدقه الاتية ما يظهر منه عموم الحكم لغير المخالفين مع كفاية عمومات التقية في ذلك».

و أشار بقوله «في رواية مسعدة بن صدقة الاتية» الى ما رواه عن ابى- عبد اللّه (عليه السلام) في تفسير ما يتقى فيه «ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم‏

460

على غير حكم الحق و فعله فكل شي‏ء يعلمه المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى الى الفساد في الدين فهو جائز» (1).

أقول- لا ينبغي الشك في عدم اختصاص التقية لغة و لا اصطلاحا و لا دليلا بخصوص ما كان في قبال المخالفين في المذهب من العامة، لما قد عرفت من انها هي إخفاء العقيدة أو عمل ديني لما في إظهاره من الضرر، و ان ملاكها في الأصل قاعدة الأهم و المهم و ترجيح المحذور الأخف لدفع محذور الأهم، و انها قاعدة عقلية تشهد به جميع العقلاء على اختلاف مذاهبهم و مشاربهم، و لو أنكره بعض باللسان لبعض الدواعي فهو مؤمن به بالجنان و يظهر في اعماله و أحواله عند اضطراره اليه.

و من الواضح انه ليس في شي‏ء من ذلك اختصاص بالمخالفين، بل لا فرق في ذلك بينهم و بين الكافرين أو ظلمة الشيعة، بل ما يبتلى به كثير من الناس و لا سيما الضعفاء في قبال ظلمة الشيعة أكثر و أهم مما يبتلى به تجاه غيرهم، و ان لم يكن ذلك في العبادات بل كان في غيرها.

هذا مضافا الى ورود كثير من روايات الباب بل بعض الايات من الذكر الحكيم في التقية من الكافرين و أشباههم مثل ما ورد في إبراهيم (عليه السلام) و تقيته من قومه، و تقية مؤمن آل فرعون، و ما ورد في تقية عمار ياسر من مشركي مكة و غير واحد من المسلمين الأولين منهم أيضا.

و ما ورد في حق رجلين أخذهما مسيلمة الكذاب و أجبرهما على الشهادة بنبوته فأظهر واحد الكفر و نجى و لم يظهر الأخر فقبل فبلغ الخبر النبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلم) فاستصوب فعل كل واحد لما فيه من مصلحة خاصة.

____________

(1) الحديث 6 من الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف.