المحصول في علم الاُصول‏ - ج2

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
676 /
501

العام ثبوت أحد الجزءين أعني المرأة بالوجدان، و الجزء الآخر أعني عدم عنوان الخاص، بالأصل أعني استصحاب عدم تحقّق الانتساب بينها و بين قريش، فتدخل تحت العام ويحكم بأنّها تحيض إلى خمسين.

و يؤيّد ذلك، حكم المشهور عند تردّد اليد بين العادية و غيرها بالضمان و التمسّك بالعام أعني قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):» على اليد ما أخذت حتّى تؤدي « (1) و ليس ذلك إلّا لأجل تنقيح الموضوع بالأصل.

توضيحه: أنّه لو قلنا إنّ عموم اليد لا يشمل غير العادية بتاتاً و أنّها خارجة عنه تخصّصاً لا تخصيصاً يكون التمسّك به عند الشكّ في كونها عادية و عدمها، من قبيل التمسّك بالعام عند الشكّ في كون المورد مصداقاً له و عدمه، و هو ممّا لم يقل به أحد.

و إن قلنا إنّه يشمل العادية و غيرها غير أنّه خرجت عنه يد الأمانة، فالتمسّك به لإثبات كونها يد عادية تمسّك بالعام مع احتمال كون المورد من مصاديق المخصِّص الذي عرفت عدم صحّة التمسّك به في السابق.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ حكم المشهور بالضمان ليس لأجل التمسّك به في الشبهة المصداقية بل لأجل وجود أصل ينقّح حال الموضوع و يندرج المشكوك تحت عنوان العام، و هو أصالة عدم إذن المالك و رضاه بالتصرّف و على ضوء هذا يكون العام مركّباً من شيئين أحدهما محرز بالوجدان و هو الاستيلاء، و الثاني و هو عدم الإذن، بالأصل.

و إن شئت قلت: إنّ الباقي تحت العام هو ذات اليد بلا عنوان، غاية الأمر يجب أن لا يصدق عليه عنوان المخصِّص بحكم التخصيص فبما أنّ الباقي تحت العام غير معنون بعنوان يكفي في ذلك، نفي عنوان المخصِّص فالموضوع للضمان‏

____________

(1)- سنن البيهقي: 90/ 6 و 95، و مسند أحمد: 8/ 5 و 13.

502

عبارة عن الاستيلاء مقارناً مع عدم رضا المالك فالاستيلاء ثابت بالوجدان، و عدم الرضا ثابت بالأصل.

هذا غاية توضيح لكلام المحقّق الخراساني:

و يرد عليه أوّلًا: أنّ التفريق بين الوصف مثل قوله: أكرم العلماء العدول و بين الاستثناء و أشباهه نحو أكرم العلماء إلى أن يفسقوا، و أكرم العلماء إن لم يكونوا فسّاقاً، تفريق بلا فارق فإنّ الوصف لو كان منوِّعاً للعام، يكون الاستثناء أيضاً منوّعاً له، غير أنّ تنويع الوصف على وجه تقسيم العلماء إلى العدول و غير العدول، و تنويع الاستثناء على وجه كونهم فساقاً و غير فساق، فالتفكيك بينهما غير تام في نظر العرف و إن صحّ في نظر العقل الدقيق.

و هذا نظير تفريق الشيخ الأعظم بين قول البائع بعتك هذا الفرس العربي و قوله: بعتك هذا الفرس إذا كان عربياً، فبان عجمياً فجعل الأوّل من قبيل تخلّف نفس المبيع و الآخر من قبيل تخلّف الشرط أخذاً بظاهر الجملة، مع أنّ المتفاهم منهما عند العرف شي‏ء واحد.

و لو أغمضنا عن ذلك الإشكال يجب الفحص عمّا هو الباقي تحت العام، بعد التخصيص فهل الباقي تحته هو الموجبة معدولة الموضوع أعني قوله: المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين.

أو الباقي الموجبة السالبة المحمول، أعني قوله: المرأة التي هي ليست قرشية ترى الدم إلى الخمسين. (1) أو الباقي تحته هو السالبة المحصّلة و العدم المحمولي، أعني قوله: إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين. و هذا هو خيرة المحقّق الخراساني حيث‏

____________

(1)- المراد من الموجبة السالبة المحمول، هو جعل القضية السالبة المحصلة، خبراً لموضوع، بحيث يكون الرابط قبل الخبر فتحمل السالبة على الموضوع.

503

اختار أنّ الموضوع بسيط أي المرأة، غاية الأمر مع سلب القرشية و لو بصورة السلب التحصيلي.

و الفرق بينها واضح، فانّ الأوّل و الثاني حسب كون السلب أو القضية السالبة ناعتين للموضوع يتوقّف صدقها على وجود الموضوع فلا يصدق قوله:» المرأة غير القرشية «أو» المرأة التي هي ليست قرشية «إلّا إذا كانت المرأة موجودة حتى تتّصف بكونها غير قرشية أو ليست قرشية بخلاف القضية الثالثة فانّها تصدق مع عدم وجود الموضوع شأن كلّ قضية سالبة محصّلة. و بالجملة إنّ الموضوع في الأوّلين لا يصدق إلّا على المرأة الخارجية، بخلاف الثالث فانّه يصدق حتى على المرأة المعدومة فإنّ المرأة الموصوفة بغير القرشية، أو بانّها ليست قرشية فرع وجودها حتى توصف بوصف إيجابي أو سلبي.

إذا علمت هذا فاعلم: أنّ الباقي تحت العام إنّما هو القضية الموجبة المعدولة المحمول أو الموجبة السالبة المحمول على فرق بينهما مبيّن في المنطق، دون السالبة المحصلة. و ذلك لأنّ الحكم الإيجابي مثل قوله:» ترى «يحتاج إلى وجود الموضوع أخذاً بما قرّر في المنطق من لزوم وجود الموضوع في الموجبة إمّا خارجاً أو ذهناً أو مقدّراً في عمود الزمان.

فلأجل ذلك لا مناص من كون الموضوع إحدى القضيتين الأُوليين اللّتين لا تصدقان أيضاً إلّا مع وجود الموضوع فيكون الباقي تحت العام أحد الأمرين:

1 المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين.

2 المرأة التي هي ليست بقرشية ترى الدم إلى خمسين.

و من المعلوم أنّه ليست لهذا الموضوع حالة سابقة، لأنّ المرأة المردّدة بين الوصفين، كانت من لدن تولّدها غير معلومة الوضع، مبهمة الوصف و أنّها هل هي قرشية أو لا؟

504

فإذن فما هو الموضوع للقضية، ليست له حالة سابقة، و ما كانت له حالة سابقة كالسالبة المحصلة لا تنفع لتنقيح موضوع القضية لأنّ المعلومة هي السالبة مع عدم الموضوع و المجهولة، هي السالبة بانتفاء المحمول و استصحاب القضية الأُولى لإثبات القضية الثانية من أوضح الأُصول المثبتة.

و إن شئت قلت: إنّ استصحاب النفي التام و إثبات النفي الناقص من الأُصول المثبتة فما هو المنفيّ هو النفي التامّ أي عدم المرأة التي يجتمع مع كونها معدومة، و المشكوك هو النفي الناقص أعني هذه المرأة الموجودة في الخارج و التي نشكّ في انقلاب عدم وصفها إلى الوجود و نريد أن نحكم عليها ... بفضل الاستصحاب بعدم القرشية، و استصحاب النفي التام لغاية إثبات النفي الناقص من الأُصول المثبتة.

و قد ذكر الشيخ في التنبيه الأوّل من تنبيهات الاستصحاب نظائر لذلك و قال ما هذا تفصيله:

لو كان في البيت ماء كرّ و شككنا في نقصانه عن الكرّية فهناك استصحابان: أحدهما بصورة مفاد كان الناقصة و الآخر بصورة مفاد كان التامة.

فإذا قلنا إنّ هذا الماء كان كرّاً و الأصل بقاؤه على ما كان عليه كان الاستصحاب غير مثبت و أمّا لو قلنا كان الكرّ موجوداً في هذا البيت و الأصل بقاؤه و بما أنّه لا ماء في البيت غير ماء واحد فالعقل يحكم بأنّ الكرّية المستصحبة منطبقة على هذا الماء و أنّه كرّ و هذا من الأُصول المثبتة.

و العجب أنّ المحقّق الخراساني قال بأنّ الباقي تحت العام» المرأة التي لا تكون بينها و بين قريش انتساب «مع أنّه لو كان الباقي هو ما ذكر لما صحّ استصحابه لأنّه نفس القضية الموجبة السالبة المحمول التي لا تصدق إلّا مع وجود الموضوع مع أنّه كان عليه أن يقول: إنّ الباقي تحت العام إذا لم تكن المرأة

505

قرشية، حتى تكون سالبة محصلة، صادقة مع عدم الموضوع ليصح استصحابها.

و بذلك ظهر ضعف ما يقال: إنّ الموضوع هو المرأة فقط غاية الأمر يجب أن لا يصدق عليها عنوان المخصص بحكم التخصيص، كما أنّ الموضوع في الضمان هو الاستيلاء غاية الأمر يجب أن لا يصدق عليه عنوان المخصص بالسلب التحصيلي و هو رضا المالك و في مثل هذا يكفي إحراز أحد الجزءين بالوجدان، أعني المرأة و الآخر بالأصل.

وجه الضعف: هو ما عرفت من أنّ الحكم الإيجابي، أعني» ترى «يطلب لنفسه موضوعاً محقّقاً حتى يحمل عليه بحكم مثل» ترى «و المعدوم المطلق في الأزل، لا يقع موضوعاً لحكم إيجابي.

فإن قلت: يكفي في صحّة الاستصحاب كون المستصحب ذا أثر شرعي بقاءً و إن لم يكن كذلك حدوثاً مثلًا إذا مات الأب و شككنا في حياة ابنه أو موته قبل الأب فاستصحاب حياته قبل موت الأب يؤثر في إفراز سهمه من التركة و إن لم يكن لحياة الابن في زمان الأب هذا الأثر الشرعي.

المقام من هذا القبيل فإنّ عدم المرأة وجوداً و وصفاً و إن كان خالياً عن الأثر لكنّه بعد انقلاب عدم وجودها إلى الوجود مع الشكّ في انقلاب عدم الوصف إلى وجوده يكون موضوعاً للأثر الشرعي و هو كونها ترى الدم إلى خمسين فقط.

قلت: ما ذكرت في كفاية ترتّب الأثر على البقاء أمر لا غبار عليه و لكن الكلام في مقام آخر و هو أنّ دور الاستصحاب بالنسبة إلى الأدلّة الاجتهاديّة دور توسيع الموضوع و رفع قصور الدليل بالنسبة إلى حالة الشكّ وعليه يجب أن يكون الموضوع داخلًا تحت الدليل الاجتهادي في زمان فإذا شكّ في فترة أُخرى في بقاء الموضوع على ما هو عليه فالدليل الاجتهادي و إن كان قاصراً عن شموله لكون الشكّ في مصداق الدليل لكنّه يشمل بفضل الاستصحاب فيكون استصحاب‏

506

بقاء الموضوع على ما هو عليه سبباً لشمول الدليل الاجتهادي ثانياً، مثلًا إذا كان الماء كرّاً على وجه اليقين يشمله الدليل الاجتهادي بأنّه لا يفسده شي‏ء فإذا نقص منه شي‏ء فشك في كونه كرّاً فالدليل الاجتهادي يكون قاصراً عن شموله لهذا المورد و لكن لا قصور في دليل الاستصحاب فيستصحب بقاء الماء على الكرّية فيشمله الدليل الاجتهادي ثانياً.

غير أنّ هذا الشرط غير موجود في المقام لأنّ الدليل الاجتهادي أعني قوله: المرأة غير القرشية لم يكن شاملًا لها في فترة من الزمن أي عند ما كانت معدوم الوجود و الصفة فكيف يشملها بعد وجودها مع الشكّ في بقاء عدم وصفها ففي مثل ذلك لا يشملها الدليل الاجتهادي و لا الاستصحاب.

تفصيل للمحقّق النائيني‏

ثمّ إنّ المحقّق النائيني فصّل بين العناوين اللاحقة لذات موضوع العام بحيث يكون من أوصافه، و انقساماته كالعادل و الفاسق بالنسبة إلى العالم، و كالقرشية و النبطية بالنسبة إلى المرأة، و بين ما يكون من مقارنات الموضوع بحيث لا يكون من انقسامات ذاته بل من الانقسامات المقارنة كما إذا قيّد وجوب إكرام العالم بوجود زيد و مجي‏ء عمرو، فإنّ وجود زيد بنفسه من الجواهر و لا يكون نعتاً للعالم، و مثله مجي‏ء عمرو بل الكل من المقارنات الاتفاقية أو الدائمية.

ففي القسمين الأوّلين (الأوصاف و الانقسامات) لا يجري الأصل، لأنّه إذا قال: أكرم العلماء إلّا فساقهم يكون الموضوع هو العالم غير الفاسق، فالأصل بمعنى العدم التام لا أثر له، لأنّه لا يثبت الموضوع و ما هو الموضوع لا حالة سابقة له لأنّ العرض بالنسبة إلى محلّه يكون نعتاً و وصفاً له و يكون للجهة النعتية دخل، سواء كان الناعت وجود الفسق أو عدمه، و مثله القرشية و النبطية، لأنّ عروضهما للمرأة مساوق زماناً لوجود المرأة فهي إمّا أن توجد قرشية أو غير قرشية، فليس‏

507

العدم النعتي مسبوقاً بالتحقق و أمّا استصحاب العدم الأزلي، فلا يثبت العدم النعتي و إنّما يلازمه إذ عدم وجود القرشية في الدنيا يلازم عقلًا عدم قرشية هذه المرأة المشكوك حالها.

و أمّا القسم الثالث أعني ما لا يكون الموضوع مركّباً من الموضوع و العرض بل من الأُمور المتقارنة في الزمان فيكفي جريان الأصل بمعنى النفي التام لأنّ الأُمور المتقارنة في الزمان لا رابط بينهما سوى الاجتماع في عمود الزمان فمجرّد إحراز اجتماعهما في الزمان يكفي في ترتّب الأثر سواء كان الإحراز بالوجدان، أو بالأصل، أو بعضها، بالوجدان و بعضها بالأصل.

ثمّ فرّع على ما ذكره عدّة فروع و قال: و مما ذكرنا يظهر وجه حكم المشهور بالضمان عند الشكّ في كون اليد، يد عادية من جهة أنّ موضوع الضمان مركّب من اليد و الاستيلاء الذي هو فعل الغاصب، و من عدم إذن المالك و رضاه الذي هو عرض قائم بالمالك و أصالة عدم رضا المالك تثبت كون اليد يد عادية، إذ ليست اليد العادية إلّا عبارة عن هذا. (1) يلاحظ عليه: أنّ تقييد الموضوع بالمقارنات الاتّفاقية، (وجود زيد) يتوقّف على حصول رابطة وصلة بين الأمرين، و إلّا فلا يمكن جعل شيئين متباينين لا صلة بينهما، موضوعاً لشي‏ء واحد، فإنّ وحدة الحكم أعني الوجوب، يكشف عن وحدة الموضوع أعني إكرام العالم، المقيّد بمجي‏ء عمرو أو وجود زيد، و لو لا التقيّد لما صحّ جعلهما موضوعاً واحداً لحكم واحد.

و ما ذكره من أنّ وجود زيد و مجي‏ء عمرو، جوهر و عرض و ليسا ناعتين للعالم و إن كان صحيحاً لكنّه لا ينفي إمكان تقيّد أحدهما بالآخر في عالم الاعتبار.

____________

(1)- الفوائد للكاظمي: 530/ 1؛ و أجود التقريرات: 462/ 1.

508

كما أنّ ما ذكره من أنّ الأُمور المتقارنة في الزمان لا رابط بينهما سوى الاجتماع في عمود الزمان، و إن كان صحيحاً لكن لو جعلا موضوعاً لحكم واحد يجب أن تكون بينهما وحدة وصلة لأنّ الاجتماع في عمود الزمان لا يكفي في جعلهما موضوعاً لحكم واحد.

و على ذلك فالموضوع في الضمان ليس كلّ من الاستيلاء و عدم الرضا بحياله بل الاستيلاء الموصوف بعدم الرضا فعند ذلك يصير الموضوع من قبيل العدم النعتي كما عرفت و الشاهد على ذلك أنّ عدم الرضا المطلق و إن لم يقترن بالاستيلاء، ليس موضوعاً للحكم بل الموضوع حصّة خاصّة، و لا تحصل تلك الخاصة إلّا بالتقيّد، و قد عرفت منّا غير مرّة أنّ الحصّة بمعنى التقييد، لها معنى معقول و الحصّة بمعنى الحينيّة غير المقيّدة، ترجع إلى المطلقة.

و على ذلك فيكون الموضوع، الاستيلاء المقيّد بالاقتران بعدم الرضا، و مثل ذلك لا حالة سابقة له و نفس عدم الرضا و إن كانت له حالة سابقة بالسلب التحصيلي حين لم يكن هناك استيلاء لكنّه لا يثبت العدم المقترن المتقيّد بالاستيلاء، لأنّه من اللوازم العقلية، لأنّ عدم الرضا في صفحة الوجود، يلازم كون هذا الاستيلاء مقروناً بعدم الرضا.

و إن شئت قلت: إنّ الموضوع ليس نفس عدم الرضا، بل الموضوع هو عدم الرضا المقارن للاستيلاء و ليست له حالة سابقة.

كما أنّ الموضوع ليس نفس عدم الانتساب، بل عدم انتساب هذه المرأة و لا حالة سابقة له.

و ما ربّما يقال من أنّ الموضوع هو ذات الاستيلاء و عدم الرضا، في حين كونهما مقترنين، و قد حصلا كذلك ببركة الاستصحاب و لا يعتبر أزيد من تقارنهما في عمود الزمان، مدفوع بأنّ التقارن إمّا معتبر أو لا، فإن كان الثاني، يلزم كفاية

509

وجود كلّ واحد و إن لم يقترنا و هو خلف.

و إن كان الأوّل يلزم أن يكون هنا وراء ذاتهما، لزوم تقارنهما، و هو يقتضي تقييد أحدهما بالآخر.

و قد قلنا كراراً من أنّ القضية الحينية، و إن كانت صحيحة في عالم الثبوت بأن يكون الشي‏ء ظرفاً لشي‏ء لا قيداً له، كالوجود الذهني بالنسبة إلى كون الماهية كلية و نوعاً، لكنّها لا تصحّ أن تقع موضوعاً في لسان الدليل لأنّ قوله:» حين هو كاتب «إمّا قيد أو لا، فعلى الأوّل يرجع الكلام إلى المشروطة، و على الثاني إلى المطلقة و لا يكون الحكم مضيّقاً بقوله» حين هو كاتب «.

إلى هنا ظهر عدم تمامية استصحاب العدم الأزلي مبنياً على أنّ المخصِّص يعطي عنواناً للعام من غير فرق بين الوصف و الاستثناء بل المخصِّص المنفصل أيضاً كذلك فإنّه يقيد المراد الجدّي و ما هو موضوع الحجّية و إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى المراد الاستعمالي.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين حاول أن يدخل من الباب الذي دخل منه المحقّق الخراساني و لكن ببيان جديد و هو أنّ الموضوع باق على بساطته و أنّ المخصِّص لا يكون سبباً على تعنون العام بقيد لا بصورة الموجبة المعدولة، و لا بصورة الموجبة السالبة المحمول و هذا هو الذي تطرّق إليه المحقّق الخوئي دام ظلّه و قد كان لبيانه هذا صدى واسع في الأجواء العلمية.

بيان للمحقّق الخوئي‏

إنّ المحقّق الخوئي دام ظلّه قد ذهب إلى ما اختاره المحقّق الخراساني و صرّح بأنّ ما أفاده نفس ما اختاره و حاصله: أنّ القيد المأخوذ في طرف العام منحصر بعدم كونه متّصفاً بعنوان الخاص، و إليك توضيح ما أفاده:

510

إنّ وجود العرض بذاته و إن كان محتاجاً إلى وجود موضوعه، إلّا أنّ عدم العرض غير محتاج إلى وجود الموضوع ضرورة أنّ الافتقار إلى وجود الموضوع، إنّما هو من لوازم وجود العرض دون عدمه فعدالة زيد مثلًا و إن كانت بحيث إذا وجدت في الخارج كانت في الموضوع، إلّا أنّ عدم عدالته ليس كذلك، بل هو أمر أزلي كان متحقّقاً قبل تحقّق موضوعه فإذا تحقّق زيد في الخارج، و لم يكن متّصفاً بالعدالة، كان عدم عدالته المعبّر عنه بعدم اتّصافه بالعدالة باقياً على ما كان عليه في الأزل، و على ضوء هذا إذا أخذ، وجود عرض ما في موضوع حكم شرعي فهو و إن كان لا بدّ من كونه مأخوذاً فيه على وجه النعتية و مفاد كان الناقصة، فلا يمكن إحراز ذلك الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل فيما لم يكن العرض بوصف كونه نعتاً مسبوقاً بالحالة السابقة، إلّا أنّ ذلك لا يستدعي أخذ عدم ذلك العرض نعتاً في موضوع عدم ذلك الحكم و ارتفاعه، ضرورة أنّ الحكم الثابت للموضوع المقيّد بما هو مفاد كان الناقصة، إنّما يكون ارتفاعه بعدم اتصاف الذات بذلك القيد على نحو مفاد السالبة المحصلة من دون أن يتوقّف ذلك باتصاف الذات بعدم ذلك القيد على نحو مفاد ليس الناقصة، فمفاد قضية» المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية «و إن كان هو اعتبار وصف القرشية على وجه النعتية في موضوع الحكم بتحيض القرشية بعد الخمسين إلّا أنّه لا يستدعي أخذ عدم القرشية في موضوع عدم الحكم بتحيض المرأة بعد الخمسين على وجه النعتية، أعني به مفاد ليس الناقصة و إنّما يستدعي أخذ عدم القرشية في ذلك الموضوع على نحو السالبة المحصلة، و كلّ مرأة لا تكون متّصفة بالقرشية باقية تحت العام و إنّما الخارج خصوص المتّصفة بالقرشية لا أنّ الباقي بعد التخصيص هي المرأة المتّصفة بعدم القرشية، فإذا شكّ في كون امرأة قرشية لم يكن مانع من التمسّك باستصحاب عدم القرشية الثابت لها قبل تولّد تلك المرأة في الخارج. (1)

____________

(1)- تعاليق أجود التقريرات: 468/ 4691، و لاحظ المحاضرات: 332/ 5 336.

511

يلاحظ عليه: أنّ أخذ القضية السالبة للموضوع يتصوّر على وجوه ثلاثة:

1 أن تكون السالبة المحصلة تمام الموضوع لحكم إيجابي كأن يقول: إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين، و من المعلوم أنّ مثل هذه القضية لا يمكن أن تكون موضوعاً لحكم إيجابي أعني» ترى «أو» تحيض «إذ يلزم أن يكون الموضوع أعمّ من المحمول و الحال أنّ المحمول حكم إيجابي يتوقّف صدقه على وجود الموضوع فلا معنى لرؤية المرأة المعدومة الدم إلى خمسين مع أنّ القضيّة السالبة تصدق مع عدم الموضوع.

2 أن تكون السالبة المحصّلة جزء الموضوع فيكون الموضوع المرأة المتقيدة بسلب اتّصاف القرشية عنها و عدم كونها متّصفة بهذا الوصف الوجودي، و من المعلوم أنّ مثل هذا الموضوع ليست له حالة سابقة إذ المرأة المتقيّدة بسلب وصف وجودي لا تصدق إلّا إذا كانت المرأة موجودة لأنّ التقيّد وصف وجودي و لا معنى لاتّصاف المرأة المعدومة بوصف وجودي.

و بعبارة أُخرى يكون الموضوع مركّباً من أُمور ثلاثة: المرأة و نفس السلب و تقيّدها به و مثل ذلك لا يمكن إثباته باستصحاب نفس السلب، إذ المستصحب عندئذ عدم محمولي و العدم المأخوذ في الموضوع عدم نعتي، و لا يثبت الثاني بالأوّل.

3 أن يكون الموضوع ذات المرأة و نفس القضية السالبة المحصّلة من دون تقيد بينهما (و هذا صريح كلامه دام ظلّه) فهو يستلزم أن يكون شيئان موضوعاً واحداً من دون أن يكون ارتباط وصلة بينهما و قد عرفت أنّه خلاف الحقّ، و أنّ وحدة الحكم تستلزم وحدة الموضوع وحدة اعتبارية حرفية ليجعل المتفرّقات شيئاً واحداً ليصحّ جعلهما موضوعاً لحكم واحد، و مراداً بإرادة واحدة، و إلّا فلا وجه لربط أحدهما بالآخر.

و تصوّر أنّ المراد، اقترانهما في عمود الزمان و أن تكون هناك امرأة صحّ أن‏

512

يسلب عنها وصف القرشية، من دون أن يكون هناك تقيد و ارتباط و اتصاف غير تام، لأنّ الاقتران إمّا أن يكون شرطاً أو لا فعلى الأوّل يلزم تقيّد الموضوع بقيد وجودي و هو كونه مقترناً بعدم القرشية، و عندئذ ينقلب العدم الأزلي إلى العدم النعتي و مثل هذا لا سابقة له و على الثاني يلزم كفايتهما و إن لم يكونا مقترنين و هو ممّا لا يتفوّه به أحد.

و بالجملة فالتلميذ تبع أُستاذه الأعظم المحقّق النائيني غير أنّ الأُستاذ خصّص جوازه بالمقارنات كعدم الرضا (في الاستيلاء) و هو عمّمه إلى الأوصاف المقسّمة أيضاً فزعم أنّ الموضوع أمران: المرأة و عدم صدق القرشية مع أنّ الموضوع في لسان الدليل ليس إلّا الشيئين اللّذين جعلا شيئاً واحداً، و في مثل ذلك لا بدّ من اعتبار وصف الاقتران و الوحدة الاعتبارية و عند ذلك يكون الموضوع من قبيل العدم الناعت الذي لا يمكن تحصيله بالعدم المحمولي إلّا على القول بالأصل المثبت و أظنّ أنّي أطنبت في البحث حول هذا الأصل، لما لمسنا فيه من بعض حضار البحث من الميل إلى التفصيل و البسط. (1)

____________

(1)- إنّ السيّد المحقّق الخوئي طرح الاستصحاب العدم الأزلي في رسالته حول اللباس المشكوك و في تعاليق الأجود، و المحاضرات غير أنّ مقرّر بحثه في المحاضرات، قرّره بنحو ربّما يخلّ مقصوده مثلًا يقول: إنّ التخصيص بعنوان وجودي في هذين الموردين لا يستلزم إلّا أخذ عدم ذلك العنوان في طرف العام على نحو التقيّد بعدم اتصاف الذات بذلك الوصف لا على نحو التقيّد بالاتصاف بعدمه ... و لا يخفى أنّ التقيّد بأيّ نحو فسّر يخلّ بالمقصود، و إنّما المفيد لمقصود الأُستاذ، هو القول بكفاية وجود أحدهما و عدم الآخر في عمود الزمان.

513

الفصل الخامس: إحراز حال الفرد بالعناوين الثانوية

هذا الفصل له صلة بالمبحث السابق و الغاية من عقده هو تبيين حال الشبهة المصداقية و قد مضى في الفصل السابق و ذيله عدم نهوض الأمرين السابقين لإحراز حال الفرد المشتبه. أعني:

1 التمسّك بالعام حتّى فيما إذا كان المخصِّص لبيّاً.

2 التمسّك بالاستصحاب الأزلي.

و بقي أمران آخران احتمل إمكان إحراز الفرد المشتبه بهما و إليك بيانهما و نقدّم البحث عن التمسّك بأحكام العناوين الثانوية لإحراز حال الفرد المشتبه فنقول:

إنّ سبب الاشتباه في الأمرين السابقين هو ورود التخصيص على العام و تعلّق الشكّ بكون الفرد المجهول من مصاديق المخصِّص و قد خرج عن تحت العام، أو ليس منها فبقي تحت العام، بخلاف المقام فإنّ سبب الشكّ لأجل إجمال العام كآية الوضوء قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6) فإن قلنا بظهور الآية في الغسل بالماء المطلق أو انصرافه إليه، و إلّا فيكون مجملًا و الشكّ في صحّة الوضوء بالماء المضاف ليس ناشئاً من جهة دورانه بين الدخول في الباقي تحت العام و بين دخوله في عنوان المخصِّص المعلوم بل من جهة إجمال النص و إلى ذلك يشير

514

المحقّق الخراساني‏ (1)» لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة أُخرى أي إجمال الدليل، فهل يصحّ استكشاف صحّته بعموم ثانوي كقوله تعالى: (وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏) (الحجّ/ 29) بأن يقال: وجب الإتيان بهذا الوضوء وفاءً للنذر و كلّما وجب الوفاء به حسب النذر يكون صحيحاً، لأنّه لولاه لما وجب الوفاء فينتج أنّ الإتيان بهذا الوضوء صحيح، أو لا يصحّ الاستكشاف.

أقول: إنّ العناوين الثانوية على قسمين:

الأوّل: أن يؤخذ في موضوعها حكم من أحكام العناوين الواقعية كأدلّة النذر و إطاعة الوالد و السيّد حيث اعتبر في موضوع النذر، الرجحان، لقوله (عليه السلام):» لا نذر إلّا في طاعة اللّه « (2) بناء على دلالته على لزوم الرجحان، لا على كفاية عدم المعصية كما اعتبر في موضوع الباقي الإباحة لقوله (عليه السلام):» لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق «. (3) الثاني: ما لا يؤخذ في موضوعه حكم من الأحكام بل المأخوذ في عنوانه لفظ العنوان الثانوي كالحرج و الضرر.

أمّا الثاني: فلا شكّ في جواز التمسّك به في كلّ مورد تحقّق فيه الحرج و الضرر كالوضوء بالماء و الصوم الضرريين أو الحرجيين، و ليس البحث معقوداً لبيان أحكام هذا القسم و إن أورده المحقّق الخراساني و ذكر أقسامه. (4)

____________

(1)- كفاية الأُصول: 348/ 1.

(2)- لم نعثر على النصّ بهذه الصورة روى الصدوق في الخصال بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال:» و لا نذر في معصية «نعم يستفاد لزوم كونه طاعة ممّا رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):» ليس شي‏ء هو للّه طاعة يجعله الرجل عليه إلّا ينبغي له أن يفي به، و ليس من رجل جعل للّه عليه مشياً في معصية اللّه إلّا أنّه ينبغي له أن يترك إلى طاعة اللّه «. الوسائل، ج 16، الباب 17 من أبواب النذر، الحديث 6.

(3)- لاحظ التبيان: 209/ 10.

(4)- كفاية الأُصول: 349/ 1.

515

و حاصل ما ذكره:

1 لو كان الحكمان المتعلّقان بالشي‏ء حسب العنوان الأوّلي و الثانوي متوافقين فلا إشكال مثلًا إذا دلّ الدليل على عدم وجوب شي‏ء بالعنوان الأوّلي و في الوقت نفسه كان أمراً حرجيّاً.

2 إذا كان دليل العنوان الأوّلي أخصّ من دليل العنوان الثانوي كما دلّ على وجوب الوضوء و لو بأغلى الثمن، فيقدّم على قوله لا ضرر و لا ضرار.

3 إذا كانت النسبة بينهما عموماً من وجه فيؤخذ بأقوى المناطين لو كان و إلّا فيطرحان و يرجع إلى الأُصول العملية كالإباحة إذا كان أحدهما مقتضياً للوجوب و الآخر للحرمة. و التفصيل عند البحث عن قاعدة لا ضرر.

إنّما الكلام في القسم الأوّل، و لا شكّ في عدم جواز التمسك بحكم العنوان الثانوي و إحراز حال الفرد المشتبه لكونه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنّه بعد تخصيص عمومات النذر و إطاعة الوالد، بما دلّ من كونه راجحاً أو مباحاً، يكون الشكّ في صحّة الوضوء بالمضاف من قبيل الشكّ في كون هذا العمل راجحاً أو لا و معه لا يصحّ التمسّك به لكونه تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني‏ (1) جعل عدم جواز التمسك من قبيل ما لا يكاد يتوهم عاقل، مع أنّه من مقولة التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية و هو ممّا تضاربت فيه الآراء بين مجوّز و غير مجوّز، فكيف يكون المقام ممّا لا يتوهم فيه عاقل؟

فإن قلت: إنّ المقام من قبيل التمسّك بالعام مع الشكّ في القدرة و في مثله لا يتمسّك أحد بالعام، لأنّ المنذور فيه ليس الغسلات و المسحات حتّى يقال إنّه‏

____________

(1)- المصدر نفسه: 348.

516

أمر مقدور، بل المنذور هو الوضوء الصحيح الشرعي بالماء المضاف و عندئذ يشكّ في القدرة على الوضوء الصحيح بالماء المضاف الذي هو أحد متعلّقات النذر.

قلت: إنّ ما ذكر تحريف للعنوان الواقعي للمسألة قطعاً، إذ لا شكّ أنّ الإنسان قادر على إيجاد الوضوء و لو بالماء المطلق، إنّما الكلام في صحّته بالماء المضاف و عدمها لا في قدرته عليه كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني نقل عن بعضهم تأييد التمسك بما ورد في صحّة الإحرام قبل الميقات، و الصيام في السفر إذا تعلّق بهما النذر كذلك.

يلاحظ عليه: أنّ المعتمد في الموردين هو النصّ‏ (1) دون عمومات أدلّة النذر، لأنّه كما دلّ الدليل على بطلان الإحرام قبل الميقات و الصيام في السفر، كذلك دلّ الدليل على جوازهما مع النذر فأين هذا من التمسّك بعمومات النذر؟

نعم هنا إشكالان لا بدّ من الإجابة عنهما:

الأوّل: أنّه يشترط في صحّة النذر، وجود الرجحان في متعلّقه قبل تعلّقه، بأن يكون واجباً أو مستحبّاً، لا مكروهاً و لا مباحاً و هو هنا مفقود، و إلّا لأمر به. قال المحقّق: فضابط متعلّق النذر أن يكون طاعة مقدوراً للناذر، فهو إذن مختصّ بالعبادات كالحجّ و الصوم و الصلاة ... و نحوها ممّا هو مأمور به واجباً أو مندوباً على وجه يكون عبادة. (2) و أُجيب عن الإشكال بوجوه:

1 إنّ صحّة انعقاد النذر كاشف عن رجحانهما ذاتاً، و إنّما لم يؤمر بهما لأجل وجود مانع يرتفع مع النذر و بالجملة فرق بين عدم رجحانهما ذاتاً فلا يصحّ حتّى مع النذر لفقدان شرطه و هو الرجحان الذاتي و بين كونهما راجحين ذاتاً لكن‏

____________

(1)- الوسائل، الجزء 8، الباب 13 من أبواب المواقيت، الحديث 1 و 2 و 3.

(2)- جواهر الكلام: 377/ 35.

517

كان هناك مانع من تعلّق الأمر، و هو يرتفع بالنذر.

و أُورد عليه بأنّه لا ينطبق على الروايات لأنّها تدلّ على عدم رجحانهما ذاتاً بشهادة تشبيه الإحرام قبل الميقات بالصلاة قبل الوقت الفاقدة لكلّ رجحان.

يلاحظ عليه: أنّه لم نجد تشبيهاً بهذا اللفظ و إنّما ورد» من أحرم دون الوقت فلا إحرام له « (1) و» فإذا انتهى إلى الوقت فليحرم منه « (2) و أمثاله و المراد من الوقت، المواقيت التي عيّنها رسول اللّه. (صلى الله عليه و آله و سلم) و إنّما ورد التشبيه بمن صلّى أربعاً في السفر (3) و هو إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على وجود المصلحة و لكنّه سبحانه رحمة على الأُمّة أوجب القصر دون الإتمام، و الإحرام من الميقات لا من قبله لكونه حرجياً.

2 اشتراط الرجحان في ظرف الامتثال (حين الإحرام) لا في ظرف التعلّق فالرجحان يعرضهما مع النذر، لا قبله، و يكفي في صحّته وجود الرجحان في ظرف العمل كما عليه السيّد الطباطبائي في العروة الوثقى. و إليه أشار المحقّق الخراساني بقوله‏ (4):» و إمّا لصيرورتهما راجحين بتعلّق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك «فيلزم بحدوث عنوان لهما راجح فلازم لتعلّق النذر بهما.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المستظهر من قوله (عليه السلام):» لا نذر إلّا في طاعة اللّه « (5) حيث إنّ ظاهره لزوم تعلّق النذر بما هو طاعة في نفسه لا أنّه طاعة بالنذر. و الأظهر هو الجواب الأوّل.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 8، الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 3 و 2.

(2)- الوسائل: الجزء 8، الباب 9 من أبواب المواقيت، الحديث 3 و 2.

(3)- المصدر نفسه، الباب 11، الحديث 5 و هو حديث ميسر.

(4)- كفاية الأُصول: 349/ 1.

(5)- مضى أنّه لم نجد حديثاً بهذا اللفظ إلّا أنّ مضمونه موجود في حديث أبي الصباح الكناني الماضي فلاحظ.

518

الثاني: من الإشكالين: هو أنّ الأمر النذري كالأمر الإجاري توصلي لا يصلح للقصد و لا التقرّب به و إليه أشار في الكفاية» و لا يجدي صيرورتهما راجحين بذلك في عباديتهما ضرورة كون الوفاء توصلياً لا يعتبر في سقوطه إلّا الإتيان بالمنذور بأيّ داع كان « (1) و قد أجاب عنه بوجوه:

1 يكفي في صحّة العبادة وجود الرجحان قبل النذر كشف عنه دليل صحّتهما و لو قلنا بكفاية الملاك في العبادية فهذا الجواب متقن.

2 يكفي فيها عروض عنوان راجح منطبق على العمل عند النذر (لا قبله) و إلى هذا أشار صاحب الكفاية بقوله: عباديتهما إنّما تكون لأجل كشف دليل صحّتهما (2) الخ و قد عرفت أنّه خلاف المستظهر من الأدلّة.

3 ما يظهر من عبارة الكفاية و ربّما يخفى على الطالب أو المدرّس و حاصله، كفاية الرجحان الآتي من قبل النذر لا من جانب العنوان المنطبق عليه عند تعلّق النذر و هذا هو الفرق بين الجوابين الثاني و الثالث ففي الجواب الثاني الرجحان معلول انطباق عنوان عليه عند النذر ككون أفضل الأعمال أحمزها و في الجواب الثالث، الرجحان معلول نفس النذر إذا تعلّق النذر بإتيانهما عبادياً و متقرّباً بهما منه تعالى و إليك نصّ الكفاية:» أمكن أن يقال بكفاية الرجحان الطارئ عليهما من قبل النذر في عباديّتهما بعد تعلّق النذر بإتيانهما عباديّاً و متقرّباً بهما منه تعالى فإنّه و إن لم يتمكّن من إتيانهما كذلك قبله إلّا أنّه يتمكّن منه بعده «. (3) 4 إنّ عبادية الإحرام قبل الميقات و الصوم في السفر ببركة نفس الأوامر المتعلّقة بالإحرام و الصوم غاية الأمر أنّ الموضوع فيهما قبل النذر، هو الإحرام من الميقات، و الصوم في الحضر، و أمّا الموضوع بعد النذر فهو أوسع و ذلك ببركة ما دلّ‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 350/ 1.

(2)- كفاية الأُصول: 350/ 1.

(3)- كفاية الأُصول: 350/ 1.

519

على صحّتهما مع النذر فالموضوع مع النذر أوسع من الإحرام من الميقات و الصوم في الحضر.

و بالجملة لو لا ما دلّ على صحّة الإحرام قبل الميقات و الصوم في السفر، لما أمكن تصحيحهما مع النذر وحده و لكن الروايات الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) كشفت عن صحّتهما و في الوقت نفسه كشفت عن كون الموضوع في حال النذر أوسع منه في غيره.

و على ذلك فالناذر يأتي بقصد نفس الأمر المتعلّق بحجّة الإسلام أو العمرة و الأمر الاستحبابي أو الوجوبي المتوجّه له من دون حاجة إلى التمسّك بالرجحان على الوجوه الثلاثة المذكورة في الكفاية.

و لا يخفى أنّ هذه التمحّلات بعد ورود النصّ على صحّة العمل بالنذر و لولاه لما صحّ تقديم أدلّة النذر على دليل البطلان بزعم الاكتفاء بالرجحان الموجود قبل النذر، أو حدوث عنوان ملازم للنذر.

*** إحراز حال الفرد بالأصل اللفظي‏

لو دار أمر الفرد بين التخصيص و التخصّص فهل يصحّ إثبات الثاني، بالتمسّك بأصالة العموم أو لا؟ التحقيق هو الثاني.

توضيحه: لو قام دليل على وجوب إكرام العلماء و دلّ الدليل على عدم وجوب إكرام زيد بعينه و لكنّه تردّد بين كونه عالماً خارجاً عنه بالتخصيص، أو جاهلًا خرج عنه بالتخصّص، فهل يمكن إثبات أنّه ليس بعالم بأصالة العموم حتّى يترتّب عليه آثار» أنّه جاهل «أو أنّه أُمّي أو غير ذلك، أو لا يمكن حتّى على القول بحجّية الأُصول اللفظية المثبتة؟

520

الظاهر انّ الأصل اللفظي لا ينهض لذلك، لعدم حجّية الأُصول المثبتة حتى اللفظية منها لأنّه خلاف المفروض، بل لعدم جريان الأصل اللفظي في المقام لأنّ هذه الأُصول، أُصول عقلائية تجري عندهم لاستكشاف المراد، و لكن المقصود في المقام واضح، و إنّما المجهول أمر آخر و هو كيفية خروجه و أنّه هل على وجه التخصّص أو التخصيص، و لم يرد في حجّية هذا الأصل إلّا سيرة العقلاء و هي غير موجودة في مفروض المقام.

و إن شئت قلت: إنّ أصالة العموم تجري فيما إذا شكّ في تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدّية، و الشكّ في هذا الفرض إنّما يتحقّق إذا علم كون المشكوك فرداً من العام لكن شكّ في تعلّق الإرادة الجدّية به، و أمّا إذا شكّ في كونه فرداً للعام أو لا فلا مجرى للأصل.

و بذلك يظهر ضعف الاستدلال على طهارة ماء الاستنجاء حيث إنّه غير منجّس قطعاً و إنّما الكلام في كونه نجساً و عدمه، فيقال: إنّه ثبت في الفقه أنّ كلّ نجس منجِّس و هو مفاد ما دلّ على انفعال الملاقي بالماء النجس، فإذا دلّت الروايات‏ (1) على عدم انفعال الملاقي بماء الاستنجاء كما ورد في رواية عبد الكريم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)» عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أ ينجّس ذلك ثوبه؟ قال: لا «. (2) فيشكّ في أنّ عدم تنجيسه، لأجل كونه غير نجس، حتى يكون من باب التخصّص، أو نجساً غير منجّس حتى يكون من باب التخصيص، فإذا كان العموم محفوظاً من التخصيص لأجل أصالة العموم يلزم كونه طاهراً غير منجّس.

وجه الضعف أنّ التمسّك بها إنّما هو عند الشكّ في المراد لا في كيفية الإرادة.

____________

(1)- الوسائل ج 1، الباب 13 من أبواب الماء المضاف.

(2)- المصدر نفسه، الحديث 5.

521

كما يظهر بطلان الاستدلال على كون ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح بأنّه ورد أنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء هذا من جانب و من جانب آخر أنّ الصلاة الفاسدة لا تنهي عنها. و عند ذلك فهل يمكن الاستدلال بأصالة العموم على عدم كون الفاسدة مصداقاً لها و يثبت اختصاص الوضع بالصحيح أولا؟

و قد عرفت أنّ مجرى الأُصول إنّما هو الشكّ في تطابق الإرادتين و هو فرع إحراز كون المشكوك فرداً للعام لكن شك في خروجه، و المفروض في المقام عدم إحراز الفردية بل الدوران بين التخصيص و التخصّص.

هذا كلّه إذا لم يكن هناك إجمال من جانب المخصِّص إلّا من هذه الجهة أي أنّه خرج تخصصاً أو تخصيصاً.

و أمّا لو كان هناك إجمال من ناحية المخصِّص من غير هذه الجهة كما إذا دار قوله:» لا يجب إكرام زيد «المردّد، بين كون المراد هو زيد العالم فيكون مخصِّصاً للعام، أو غيره فيكون الخروج من باب التخصّص، فالظاهر هنا جريان الأصل، لأنّ الشكّ هنا في نفس المراد و أنّه هل أُريد زيد العالم أو غيره، فيتمسّك بالعموم و يثبت لزوم إكرام زيد العالم دون الجاهل.

و بعبارة أُخرى: الشكّ هنا في تطابق الإرادتين في جانب زيد العالم و أنّه هل هو محكوم بالوجوب جدّاً و لبّاً كما هو محكوم به استعمالًا و ظاهراً أو لا و على ذلك فلا مانع من إجراء الأصل و إثبات لازمه العقلي و أنّ المراد من المخصِّص هو زيد غير العالم، فلو كان هناك أثر مترتّب عليه، يترتّب. (1)

____________

(1)- و لا يذهب عليك أنّ المقام غير ما مرّ عند البحث عن سراية إجمال المخصِّص المردّد بين المتباينين حيث قلنا بعدم جواز التمسّك و ذلك لأنّه فيما إذا كان التخصيص قطعياً و دار الأمر بين كون المراد من قوله: لا تكرم زيداً العالم، هو كونه» زيد بن عمر «أو» زيد بن بكر «المفروض كونهما عالمين فالتخصيص قطعي و الشكّ في المصداق، بخلاف المقام فانّ التخصيص مشكوك لاحتمال أن يكون المراد من زيد، هو الجاهل لا العالم.

522

الفصل السادس: عدم جواز التمسّك بالعام قبل الفحص‏

قد جرت سيرة الفقهاء على عدم جواز التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص و قبل اليأس عن الظفر به، فلا يجوز التمسّك بقوله سبحانه: (وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) (البقرة/ 275) قبل الفحص عمّا خرج عن تحت الحلّية كبيع الغرر أو الحرمة كالربا بين المسلم و الكافر، أو الزوج و الزوجة إنّما الكلام في دليله.

دليله: هو سيرة العقلاء في العالم حيث لا يعملون بالعمومات الواقعة في معرض التخصيص و عدم عملهم بها أمر محرز و لو شكّ في سيرتهم في التمسّك و عدمه لكفى في المنع عن العمل بها قبل الفحص لكونه مساوقاً للشكّ في حجّية العمومات قبل الفحص.

توضيحه: أنّ ديدن العقلاء في المحاورات الشخصية، هو الإتيان بكلّ ما له دخل في كلامهم و مقاصدهم من غير فرق بين القضايا الشخصية أو القضايا الكلّية، و لأجل ذلك يتمسّك بظواهر كلماتهم من دون تربّص.

و أمّا المحاورات غير الشخصية ممّا يرجع إلى جعل القوانين و سنِّ السنن، سواء أ كانت عالمية أم أهلية، فقد جرت سيرتهم على خلاف ذلك فتراهم يذكرون العموم و المطلق في باب، و المخصِّص و المقيِّد في باب آخر، كما أنّهم يذكرون العموم و المطلق في زمان، و بعد فترة يأتون بمخصِّصه أو مقيِّده في زمان آخر، لأجل دواع‏

523

و أغراض غير خفية كقلّة إحاطتهم بملاكات الأحكام، و مصالح العباد فربّما يتراءى في أنظارهم أنّ المصلحة في جعل الحكم على وجه العام لكن مرور الزمان يثبت أنّه لا بدّ من تخصيصه و تضييق دائرته إلى غير ذلك من الدواعي.

و قد سلك التشريع الإسلامي هذا المسلك لا لأجل هذه الدواعي لإحاطة علمه سبحانه بكلّ المصالح و المفاسد، و علمه الوسيع بكلّ شي‏ء فلا يشذّ عنه شي‏ء بل سلك لأجل ملاك آخر نصّ به في كتابه العزيز.

فقد نزل القرآن نحو ما طيلة ثلاث و عشرين سنة، فتكلّم في موضوع واحد في سور مختلفة، بل تكلّم في موضوع واحد في سورة واحدة في موضعين، كأحكام الكلالة الواردة في أوائل سورة النساء و آخرها و قد صار ذلك مثاراً لاعتراض المشركين الجاهلين بمصالح النزول نجوماً (وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان/ 32) (1).

و أمّا السنّة فقد وصلت إلينا من النبي الأكرم و أوصيائه المعصومين (عليهم السلام) في فترات تقرب من مائتي و خمسين سنة فكانت الظروف مختلفة فربّما كان الزمان مناسباً لبيان الأحكام من دون بيان خصوصياتها، و ربّما كان مناسباً لبيان مخصِّصاتها و مقيّداتها. و لأجل ذلك نرى العموم في كلام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الوصي (عليه السلام)، و الخاص و القيد في كلام الأوصياء الآخرين.

و ما هذا شأنه لا يصحّ عند العقلاء التمسك بالعموم قبل الفحص عن مخصِّصاته أو المطلق قبل الفحص عن مقيِّداته.

نعم لا يجب الفحص عن المخصِّص المتصل لأنّ سقوطه من الكلام على‏

____________

(1)- لقد بسط شيخنا الأُستاذ مدّ ظلّه الكلام في هذا الموضوع في بعض مسفوراته التفسيرية حول علل نزول القرآن نجوماً، فلاحظ تفسير سورة» الفرقان «له مدّ ظلّه.

524

خلاف الأصل و لأنّ سقوطه عمداً تنفيه وثاقة الراوي، و سهواً يخالف الأصل العقلائي المجمع عليه.

و بالجملة: ليس على المولى إلّا بيان التكاليف على النحو الذي لو تفحّص عنه المكلّف لوصل إليه و لا يلزم على المولى إيصال التكاليف إلى المكلّف، من دون حاجة إلى الفحص و البحث. و عندئذ يجب على المكلّف الفحص في مظانّ التكاليف حتى يصل إلى وظائفه، و لا يلزم إبطال الكتب و إرسال الرسل.

و ربّما يستدل على وجوب الفحص بوجوه غير تامة و نشير إليها في التالي:

1 لا يحصل الظن الشخصي بالتكليف قبل الفحص.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ حجّية الظواهر ليست منوطة بالظن الشخصي أبداً بل هي حجّة و إن كان الظن الشخصي على خلافه، و لا على الظن النوعي و إن ذهب إليه الأكثر لما سيوافيك من أنّ حجّيتها لأجل كونها مفيدة للعلم العرفي و هو الاطمئنان، الذي يركن إليه العقلاء في أُمورهم (و سيوافيك بيانه عند البحث عن حجّية الظواهر).

و ثانياً: أنّها لو كانت منوطة بالظن الشخصي، كان الملاك، حصوله سواء حصل قبل الفحص أو بعده وعليه يكون الدليل أخصّ من المدّعى لاقتضائه الاكتفاء بالظنّ و إن حصل قبله و هو غير المدّعى.

2 وجود العلم الإجمالي بالمخصِّص‏

إنّ وجود العلم الإجمالي بوجود عدّة من المخصِّصات مانع عن التمسّك بالعموم قبل الفحص.

يلاحظ عليه: أنّ البحث أوسع من ذلك، لأنّه يجب الفحص و لو لم يكن هناك علم‏

525

إجمالي بل يكفي كون العام معرضاً للتخصيص و إن لم يكن هناك علم إجمالي بل الشكّ البدئي في المقام منجّز أيضاً.

و ربّما يورد على الاستدلال على وجوب الفحص عن المخصِّص بالعلم الإجمالي إشكالات ثلاثة ندرسها:

الأوّل: أنّه لا يصحّ الاستناد في وجوب الفحص إلى وجود العلم الإجمالي بوجود مخصِّصات أو تكاليف كثيرة و إلّا لزم عدم وجوب الفحص إذا ظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، مع أنّ ظاهر الأصحاب هو وجوب الفحص و لو ظفر بأكثر ممّا علم إجمالًا.

يلاحظ عليه: أنّه إذا علم بأنّ في الكتب الأربعة مخصِّصات و مقيِّدات لو تفحّص عنها في مختلف الأبواب و الفصول لوقف عليها و علم أنّ كمّيتها في هذه الكتب مثلًا لا تتجاوز المائة و أنّ الزائد عليها طرف للشك لا العلم.

و إذا سبر و نظر فيها فوقف على القدر المتيقّن في بادئ نظره و لكنّه لم يصل إلى آخر الكتب و لم يستوف النظر في مختلف الأبواب و الفصول، كشف ذلك عن بطلان ما زعمه أوّلًا قدراً متيقّناً و أنّه أزيد من ذلك فيجب عليه إدامة الفحص و البحث.

الثاني: لو كان الفحص لأجل وجود العلم الإجمالي لزم عدم جواز التمسّك بالعام حتى بعد الفحص لعدم انحلال العلم الإجمالي حتّى بعد المراجعة إلى الكتب التي بأيدينا سواء كانت معتبرة أم لا، لأنّ العلم بالمخصِّصات لا ينحصر فيما بأيدينا من الكتب بل يعمّ الكتب المؤلفة في عصور الأئمة التي ضاعت و لم تصل إلينا كجامع البزنطي المتوفى عام 221، و نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى المتوفى حوالي 290 و غيرهما. و معه كيف ينحلّ؟

يلاحظ عليه: ما سيوافيك عند البحث عن دليل الانسداد من أنّ ادّعاء العلم الإجمالي بوجود أخبار متضمّنة لأحكام عامة أو خاصة في تلك الكتب‏

526

المصاغة مجرّد احتمال ليس له دليل، لأنّ الكتب الأربعة قد ألّفت في ضوء هذه الكتب، و كانت الجوامع الأوّلية في متناول مؤلّفيها، فكيف يمكن لهم عدم نقلها إلى تلك الجوامع؟

أضف إلى ذلك عدم العلم بأنّ المضاع من الأخبار كان من الأحكام الشرعيّة فمن المحتمل أنّه كان من قبيل الأخلاقيات و سائر المعارف التي لا صلة لها بالأحكام.

الثالث: إنّ لازم ذلك، الفحص عن كلّ الكتب الموجودة بأيدينا سواء كانت من الكتب المعتبرة أو غير المعتبرة من غير فرق بين أن يكون الكتاب فقهياً أو حديثيّاً أو أخلاقياً، و من المعلوم أنّ الفحص عن تلك الكتب مع سعتها غير مقدور للمستنبط.

و الجواب بوجهين:

1 إنّ دائرة العلم الإجمالي مضيّقة من أوّل الأمر و هو أنّه لا علم لنا بوجود روايات صحيحة كافلة لأحكام عامة أو خاصة، إلّا في الكتب المعتبرة و أمّا غير المعتبر من الكتب الحديثية أو مطلق الكتب، فوجود روايات صحيحة كافلة لأحكام شرعية، فمشكوك من أوّل الأمر، و ليست طرفاً للعلم الإجمالي.

2 إنّ العلم الإجمالي الكبير، ينحلّ بنفس العلم الإجمالي الصغير فيكون الخارج عن دائرة العلم الإجمالي الصغير، مجرّد احتمال لا أثر له و لا يكون مانعاً من التمسّك بالإطلاق و العموم.

فلو كان لنا علم بوجود مخصِّصات و مقيِّدات في ضمن الروايات المروية عن المعصومين (عليهم السلام) و هو ما نسمّيه بالعلم الإجمالي الكبير و كان هناك علم إجمالي آخر صغير و هو وجود مخصِّصات و مقيّدات في ضمن الروايات المروية في الكتب المعتبرة، فلا محالة ينحلّ الأوّل، بنفس العلم الإجمالي الثاني و يكون وجود الحكم‏

527

الشرعي في الخارج عن دائرته، صرف احتمال و لا يكون مانعاً من التمسّك بالعام.

و ذلك لأنّ قوام العلم الإجمالي وجود قضية شرطية على سبيل القضية مانعة الخلوّ، و ميزان انحلالها هو ارتفاعها و تبدّلها إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة و الأُخرى مشكوكة. و على ذلك فبعد ما أخرجنا الروايات المروية في الكتب المعتبرة عن دائرة العلم الإجمالي الأوّل، فلا ترى عن القضية الشرطية على سبيل مانعة الخلو أيّ أثر، بل يقتضي العقل وجود مخصِّصات قطعية في دائرة العلم الإجمالي الثاني، على سبيل القطع، و على وجودها في الخارج عن دائرته احتمالًا.

مثلًا لو علمنا بوجود عشرة أوان نجسة في ضمن مائة اناء، ثمّ علمنا بوجود عشرة أوان نجسة في خمسين اناء ملوّن، و احتملنا أن تكون تلك العشرة، هي نفس العشرة التي وقفنا عليها في ضمن العلم الإجمالي الأوّل فلا محالة ينحلّ العلم الإجمالي الأوّل من دون إشكال.

3 الفحص متمّم للحجّية

ثمّ إنّ المعروف بين الأُصوليين أنّ الفحص عن المخصِّص، بحث عن مزاحم الحجّة، فالعام حجّة تامة بلا كلام، و الفحص إنّما هو عمّا يزاحمه، بخلاف الفحص عن الدليل عند التمسّك بالأُصول العملية فإنّه بحث عن متمّم الحجّية، لأنّ الموضوع لها الشكّ مع عدم البيان، فما دام لم يتحقّق الفحص، لا يتمّ موضوع الأصل و لا يحصل المقتضي. قال المحقّق الخراساني: إنّ الفحص هاهنا عمّا يزاحم الحجّية بخلافه هناك فانّه بدونه لا حجّة، ضرورة أنّ العقل بدونه يستقلّ باستحقاق المؤاخذة على المخالفة فلا يكون العقاب بدونه بلا بيان. (1) و لكن بملاحظة ما ذكرنا من البيان في إثبات لزوم الفحص يمكن القول بأنّ‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 354/ 1.

528

الفحص في كلا المقامين من واد واحد. و ذلك لما أوضحنا سابقاً من أنّ أساس الاحتجاج أُمور ثلاثة: 1 وجود الدليل الظاهر في مفهومه 2 عدم قيام قرينة على خلافه 3 كون الإرادة الاستعمالية موافقة للإرادة الجدّية.

و الأخيران غير محرزين لعدم العلم بعدم القرينة قبل الفحص، و عدم اتّصالها لا يكون دليلًا على عدمها، كما أنّه لم تحرز مطابقة الإرادة الاستعمالية للإرادة الجدّية، لأنّه إذا كانت سيرة المتكلم هو التفريق بين المطلق و قيوده، و العموم و خصوصه، لا تجري أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية إلّا بعد الفحص و اليأس على حدّ الاطمئنان.

و إن شئت قلت: إنّ العام غير حجّة قبل الفحص، لعدم جريان السيرة على الاحتجاج بمثل هذا الكلام الذي صدر من متكلّم، له سيرة خاصة في إلقاء الأحكام و بيان وظائف المكلّفين، و على ذلك يكون الفحص عن المخصِّص من متمّمات الحجّية و شرائطها اللازمة.

مقدار الفحص‏

أمّا مقداره فهو يختلف باختلاف ما يستدّل به عليه فلو كان المستند هو العلم الإجمالي فيجب الفحص إلى أن ينحلّ، و لو كان المستند عدم احتجاج العقلاء بمثل هذه العمومات و الإطلاقات فيجب الفحص إلى أن يطمئنّ بعدم المخصِّص إذ عندئذ يحتجّ بها العقلاء و إلى ما ذكرنا يرجع كلام المحقّق الخراساني حيث قال: يتفحص إلى أن يخرج العموم عن معرضية التخصيص‏ (1) فمراده ما ذكرناه و ما أورد عليه المحقّق الخوئي من» أنّه بظاهره لا يرجع إلى معنى محصّل لأنّه بالفحص لا يخرج عن المعرضية لأنّ الشي‏ء لا ينقلب عمّا هو عليه « (2) فغير تام، لأنّ المراد من المعرضية احتمال ورود مخصِّص عليه موجود في الكتب فإذا سبر و لم يجد ينتفي ذلك الاحتمال فيخرج عن المعرضية كما لا يخفى.

____________

(1)- المصدر نفسه: 353.

(2)- المحاضرات: 272/ 5.

529

الفصل السابع: في الخطابات الشفاهية

هل الخطابات الشفاهية مثل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏) (البقرة/ 183) تختصّ بالحاضرين في مجلس التخاطب أو تعمّ غيرهم من الغائبين و المعدومين؟

و جعل المحقّق الخراساني محلّ النزاع أحد الأُمور التالية:

الأوّل: في أنّ التكليف المتكفّل له الخطاب هل يصحّ تعلّقه بالمعدومين كتعلّقه بالموجودين أو لا؟

الثاني: هل تصحّ مخاطبة المعدوم و الغائب عن مجلس الخطاب بالألفاظ الموضوعة له أو بنفس توجيه الكلام إليهم أو لا؟

الثالث: هل الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب تعمّ المعدوم و الغائب أو لا؟

و البحث عن الأوّلين عقلي و عن الثالث لغوي. (1) و على كلّ تقدير فلنبحث عن مجموع الاحتمالات فهاهنا جهات من البحث:

____________

(1)- كفاية الأُصول: 354/ 1.

530

الجهة الأُولى: في صحّة تكليف المعدوم و عدمها

فنقول: إنّ المحقّق الخراساني صوّره بوجوه ثلاثة:

1 أن يتوجّه إليه البعث و الزجر الفعليان بأن يكون هناك بعث و زجر، و هذا ممّا لا يتمشى من الإنسان العاقل و إلى هذا القسم ينظر كلامه حيث قال: لا ريب في عدم صحّة تكليف المعدوم عقلًا بمعنى بعثه أو زجره فعلًا .... (1) نعم ذهب بعض الحنابلة إلى جواز تكليف المعدوم و استدلّوا على جوازه بآيتين مباركتين:

أ: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏) (يس/ 82) حيث إنّه يكلّف المعدوم بقبول الوجود و التكوّن.

ب: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ‏) (الأعراف/ 172) حيث إنّه سبحانه: كلّفهم بالشهادة على ربوبيّته، فأجابوا بقولهم بلى.

و الاستدلال واه جدّاً.

أمّا الآية الأُولى: فليس هنا تكليف تشريعي بالنسبة إلى المعدوم، بل تكليف تكوينيّ بمعنى تكوّنه و تحقّقه الذي بيده سبحانه و لا يرجع إلى المعدوم شي‏ء منه و لأجل ذلك قال الإمام عليّ (عليه السلام) في تفسير الآية: يقول لمن أراد كونه: كن فيكون لا بصوت يُقْرع و لا بنداء يُسمع و إنّما كلامه فعل منه أنشأه و مثّله و لم يكن من قبل ذلك كائناً. (2)

____________

(1)- كفاية الأُصول: 355/ 1.

(2)- نهج البلاغة: الخطبة 179، ص 122، ط عبده.

531

و أمّا الآية الثانية: فليس الاستشهاد و الشهادة فيها إلّا بلسان الحال، فإنّ كلّ إنسان يولد، فإنّما يولد بفطرة التوحيد، ثمّ أبواه يمجّسانه و ينصّرانه و يهوِّدانه، فكلّ مولود يشهد بفطرته على وجوده و وحدانيته، فالسؤال و الجواب تكوينيّان لا تشريعيّان.

و إن شئت قلت: إنّ الخطاب في الآية الثانية، ليس خطاباً اصطلاحيّاً و إنّما هو خطاب بلسان الاستعداد، و أنّه سبحانه لما أعطى الإنسان في هذه الدنيا الفطرة السليمة الشاهدة على وحدانيته و تنزّهه من الشرك، كأنّه خاطبهم ب (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ‏) فأجابوا بلسان الاستعداد إذ قالوا (بَلى‏) و قد فصّلنا الكلام حول مفهوم الآية في موسوعتنا التفسيرية مفاهيم القرآن‏ (1) فراجع.

2 جعل التكليف الإنشائي للموجودين و الغائبين و المعدومين، و إلى هذا القسم ينظر قول المحقّق الخراساني» نعم هو بمعنى مجرّد إنشاء الطلب بلا بعث و لا زجر لا استحالة فيه أصلًا فإنّ الإنشاء خفيف المئونة، فالحكيم تبارك و تعالى ينشأ على وفق الحكمة و المصلحة طلب شي‏ء قانوناً من الموجود و المعدوم حين الخطاب (حين التكليف) ليصير فعلياً بعد ما وجد الشرائط و فقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر ... «. (2) يلاحظ عليه: أنّه بعيد عن الاعتبار، إذ أيّ معنى لجعل الحكم على المعدوم بما هو معدوم و الأحكام مجعولة على الأفراد و ليس المعدوم فرداً للطبيعة و إنّما الفرد هو الموجود، و ما استشهد في كلامه بالوقف على البطون المتعدّدة المتلاحقة و أنّ المعدوم منهم يصير مالكاً للعين الموقوفة بعد وجوده بإنشائه، فيتلقّاها من الواقف بعده، ليس دليلًا على صحّة هذا الوجه، لأنّ صحّته أعمّ من هذا الوجه و الوجه الآتي.

____________

(1)- مفاهيم القرآن: 84/ 1.

(2)- كفاية الأُصول: 355/ 1.

532

3 إنشاء الحكم مقيّداً بوجود المكلّف، و كونه جامعاً للشرائط، و إليه أشار المحقّق الخراساني بقوله:» و أمّا إذا أنشأ مقيّداً بوجود المكلّف و وجدانه للشرائط ... « (1) و لعلّه يريد بذلك إنشاء الطلب بصورة القضايا الحقيقية على العنوان المنطبق على الأفراد، الموجود في طول الزمان، و إن شئت قلت: على العنوان المنطبق على الأفراد النفس الأمرية التي لا تخرج عن إطار الأفراد الموجودة، و إليك توضيح ذلك:

تقسيمات مختلفة للقضية

إنّ القضية تنقسم إلى حملية و شرطية، و الحملية تنقسم إلى الأقسام التالية:

أ: التقسيم بحسب الكيف، فتنقسم إلى موجبة و سالبة.

ب: التقسيم باعتبار حالات الموضوع، فتنقسم إلى شخصية و طبيعية و مهملة و محصورة.

ج: التقسيم باعتبار وجود الموضوع فتنقسم إلى ذهنية و خارجية و حقيقية.

أمّا التقسيم الأوّل فواضح.

و أمّا التقسيم الثاني فالحكم إن كان على الفرد الخارجي فالقضية شخصية كقولنا:» زيد قائم «و إن كان على الماهية بما هي هي فطبيعية كما في قولنا:» الإنسان نوع أو كلي «و إن كان على الموضوع بلا بيان كميّة، فمهملة و مع بيانها فمحصورة؛ و المعتبرة من القضايا هي المحصورة لا الشخصية، إذ لا كمال في معرفتها.

قال الحكيم السبزواري: (2)

____________

(1)- المصدر نفسه: 356.

(2)- شرح المنظومة: 49.

533

قضية شخصية لا تُعْتَبر* * * إذ لا كمال في اقتناص ما دُثر

بل ليس جزئي بكاسب و لا* * * مكتسب بل كسراب في الفلا

و لا الطبيعية، لأنّ العلوم تبحث عن حقائق الموجودات، دون الماهيات بما هي هي، و لا المهملة فهي داخلة في الجزئية التي هي من أقسام المحصورة، و المحصورة تنقسم حسب الكمّ و الكيف إلى الأربعة المعروفة.

و أمّا التقسيم الثالث أي تقسيم الحملية باعتبار وجود موضوعها فقد عرفت أنّها تنقسم إلى ذهنية و خارجية و حقيقية.

فالذهنية عبارة عمّا إذا حكم على شي‏ء، و ليس له وجود إلّا في الذهن و هو على قسمين تارة يكون على وجه يمتنع عليه الوجود في الخارج كقولنا:» اجتماع النقيضين محال «و أُخرى لا يمتنع، و إن كان غير موجود بالفعل، كقولنا:» جبل من زيبق بارد «أو» جبل من الذهب لامع «فإنّ الموضوع في القضيتين ليس له وجود إلّا في الذهن، و إن أمكن وجوده في الخارج.

و الفرق بينها و بين الطبيعية، واضح جدّاً فإنّ الثانية لا تنظر إلى الخارج، بل تحكم على الماهية بما هي هي من دون نظر إلى الخارج و هذا بخلاف الذهنية فإنّها تنظر إلى الخارج و تحكم عليه بشي‏ء من الامتناع و الإمكان أو غيرهما من آثار الوجود، كالبرودة و الحرارة.

الفرق بين القضية الخارجية و الحقيقية

هذا كلّه حول الفرق بين الطبيعية و الذهنية، و إنّما الكلام في الفرق بين الخارجية و الحقيقية، فنقول: إنّ هنا اصطلاحين أحدهما يختصّ بالشيخ الرئيس و تبعه شيخ الإشراق و صدر المتألهين و الآخر بالحكيم السبزواري و هو المعروف بين الأُصوليين كما هو المقصود في المقام.

534

أمّا نظرية الشيخ و من تبعه في تفسير الحقيقية و الخارجية فحاصلها: أنّ المحمول إذا كان من لوازم الماهية، من دون حاجة في حمله على الموضوع إلى اتّصاف الموضوع بالوجود، فالقضية حقيقية، كما إذا قلنا:» الإنسان ممكن «فالإمكان من لوازم الماهية تتّصف به الماهية قبل الوجود، و هو سلب الضرورتين عن الموضوع، فلو قلنا باتّصافها به بعد الوجود، يلزم أن تكون الماهية ممكنة بعد الوجود، و هو خلاف التحقيق.

و مثله إذا قلنا:» الأربعة زوج «فالزوجية من لوازم ماهية الأربعة و لا تحتاج في اتّصافها بها إلى وجود الأربعة، و لأجل ذلك إنّ الإنسان يتصوّر الأربعة، و يغفل عن وجودها و مع ذلك يجدها موصوفة بالزوجية، و هذا دليل على أنّ الوجود للموضوع في الذهن من شرائط ظهور اللزوم لا من شرائط الاتّصاف.

تدبّر تعرف. فهذا ما يسمّيه الشيخ بالقضية الحقيقية و أُخرى بالقضايا البتّية.

أمّا إذا كان المحمول من عوارض الموضوع الموجود في الخارج كقولنا: النار حارة أو بحر من زيبق بارد فهي قضية خارجية أو قضية غير بتّية، بمعنى أنّه لا يصحّ توصيف الموضوع بالمحمول على وجه البتّ بل على وجه شرطية وجود الموضوع.

و هذا الاصطلاح في القضيتين لا مساس له ببحثنا، و إنّما الكلام في تقسيم الحملية إليهما بمعنى آخر الذي اختاره الحكيم السبزواري في منطقه و فلسفته.

و حاصل التقسيم أنّ الحكم في القسمين يتوجّه على العنوان مطلقاً لا على الأفراد و ذلك لأنّ تصوّر الأفراد الكثيرة مشكل للقوى الجزئية، فيتوسّل إلى تصوّرها بالعناوين الكلّية، غير أنّها مرايا للأفراد لأجل تصوّرها بكلمة» كل «أو ما يفيد معناه و لا ينطبق العنوان إلّا على الموجود و بعبارة أُخرى إنّ القسمين يشتركان في أمرين:

535

1 كون الحكم على العنوان مطلقاً.

2 كون العنوان على وجه لا ينطبق إلّا على الموجود، و يفترقان في أمر و هو أنّ العنوان في الخارجية ينطبق على الأفراد الموجودة حين التكلّم. و العنوان في الحقيقيّة ينطبق على الأفراد الموجودة في طول الزمان و الظروف.

و إن شئت قلت: إنّ الأفراد النفس الأمرية في القسم الأوّل منحصرة بالأفراد الموجودة في ظرف التكلّم أو قبله، و هذا بخلاف الأفراد النفس الأمريّة في القسم الثاني فإنّ لها سعة ينطبق على الأفراد في طول الزمان، فالأوّل كما إذا قلت:» قتل من في العسكر «و» نُهب ما في الدار «فإنّ الإخبار عن النهب و القتل في الماضي، يضيِّق الموضوع و يخصّص العنوان بالأفراد الموجودة حين التكلّم أو قبله و هذا بخلاف ما إذا قلنا:» كلّ نار حارّة «أو» كلّ ماء بارد «فإنّ للعنوان سعة ينطبق على مصاديقه الموجودة عبر الزمان و هذا لا يعني وجود الحكم حين التكلّم على الأفراد المعدومة بما هي معدومة، أو على الأفراد الموجودة بقيد الوجود، أو على الأفراد الأعمّ من المحقّقة و المقدّرة، إذ كلّها تكلّفات بعيدة عن الاعتبار، بل الحكم على العنوان و لكن للحكم خصيصة ذاتية ينطبق على الموجود، فالموجود، ثمّ الموجود في عمود الزمان، فما لم يتحقّق الموضوع ليس له حكم لا فعلًا و لا إنشاء، فإذا وجد عمّه الحكم بالفعلية التامة، و ما هذا إلّا لأنّ للقضية بقاء في عالم الاعتبار أو في الصدور أو الكتب، و هو يأخذ لنفسه موضوعاً على مرّ الأزمنة و الدهور فليس الحكم إلّا على العنوان، و لا ينطبق العنوان إلّا على الموجود و لكن يتكثّر الانطباق حسب تجدّد الموضوع و حدوثه، فما دام الموضوع في مجال التكثّر و التولّد يتبعه الحكم في هذه الجهة.

و بذلك تعرف أنّ القضية الحقيقية ليست إلّا حكماً على العنوان الإجمالي الذي هو مرآة للأفراد إجمالًا لا لها تفصيلًا، و لا ينطبق العنوان على وجه التفصيل إلّا على الموجود دون المعدوم، فالمعدوم إذا لم يكن مصداقاً للعنوان لا يكون متّصفاً

536

بالحكم لا فعلًا و لا إنشاءً و بما أنّ الانطباق تدريجي فيتبعه الحكم كذلك فلا نحتاج إلى تقدير المعدوم موجوداً و تنزيله منزلة الموجود.

فقوله سبحانه: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران/ 97) تكليف على العنوان و هو الناس و هو حجّة على جميع مصاديق الناس و أفراده حسب مرّ الزمان، فالحجّية مستمرة، و لها بقاء في التشريع و عالم الاعتبار و بذلك يعلم وجه كون القرآن نوراً و هادياً لجميع الناس، في الأزمنة المتلاحقة. قال سبحانه: (وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها) (الأنعام/ 92). و قال سبحانه: (وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏) (الأنعام/ 19).

حول نظرية المحقّق النائيني‏

لقد اعتمد المحقّق النائيني في علم الأُصول على تينك القضيتين في موارد عديدة و بهما رفع المشاكل الموجودة في مواضع من مسائل علم الأُصول، و لكنّه (قدس سره) فسّرهما بالنحو التالي:

أمّا الخارجية فقال في تفسيرها:» إنّ القضية الخارجية فالحكم فيها ابتداءً مترتّب على الخارج بلا توسط عنوان سواء كانت القضية جزئية أو كلّية فانّ الحكم في القضية الخارجية الكلية أيضاً إنّما يكون مترتّباً على الأفراد الخارجية ابتداءً من دون أن يكون هناك بين الأفراد جامع اقتضى ترتّب الحكم عليها بذلك الجامع كما في القضية الحقيقية.

و أمّا الحقيقية فقد فسّرها بأنّها ما كان الحكم فيها وارداً على العنوان و الطبيعة بلحاظ مرآتيّة العنوان لما ينطبق عليه في الخارج بحيث يرد الحكم على الخارجيّات‏

537

بتوسّط العنوان الجامع. (1) هذا ما ذكره في أوائل مبحث العام و الخاص و أضاف في المقام قوله و أمّا القضايا الحقيقية فحيث إنّها متكفّلة لفرض وجود الموضوع، و كان الخطاب خطاباً لما فرض وجوده من أفراد الطبيعة كانت الأفراد متساوية الأقدام في اندراجها تحت الخطاب فيستوي الأفراد الموجودة في زمن الخطاب و غيره. (2)

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: أنّه (قدس سره) خلط بين القضايا الشخصية و القضايا الخارجية حيث قال:» فإنّ الحكم في الثانية مترتّب على الأفراد الخارجية ابتداءً من دون توسط عنوان «فانّ ما ذكره هو تعريف القضايا الشخصية نحو زيد قائم، و خالد جالس و بما أنّ الحكم فيها على نفس الجزئي فلم يعتبر في العلوم لأنّ الجزئي لا يكون كاسباً و لا مكتسباً، بخلاف القضايا الخارجية فانّها من القضايا المعتبرة فلو كانت سبيلها، سبيل الشخصية فما هو الفرق بينهما بل الحقّ أنّ الحكم في الخارجية مثل الحقيقية على العنوان، غير أنّ العنوان في الأُولى منهما ضيق لا ينطبق إلّا على الموجود بالفعل، بخلاف الثانية.

الثاني: أنّ ما ذكره من أنّ القضايا الحقيقية متكفّلة لفرض وجود الموضوع و الخطاب خطاب لما فرض وجوده من أفراد الطبيعة، تكلّف غير محتاج إليه و ليس من فرض الموضوع في ذهن المتكلّم شي‏ء، بل الحكم مترتّب على العنوان و لكن للعنوان قابلية خاصّة ينطبق على الأفراد في عمود الزمان، فلو كانت القضية إخباراً عن الواقع فتنطبق على عامّة الأفراد حسب تواجدها على نحو التدريج و إن كانت إنشاء و تكليفاً تكون حجّة كلّما تحقّق المصداق.

فتلخّص أنّه لا مانع من عمومية التكاليف الواردة في الخطابات للحاضر

____________

(1)- فوائد الأُصول: 512/ 1 و 550.

(2)- فوائد الأُصول: 512/ 1 و 550.

538

و الغائب و المعدوم بشرط كون التكليف على نحو القضايا الحقيقية، و منه تتبيّن صحّة التمليك من الواقف للبطون اللاحقة و أنّ كل بطن يصير مالكاً و يتلقّى الملكية من يد الواقف و إن كان بينهما فصل زمني.

الجهة الثانية: في إمكان خطاب المعدوم و عدمه‏

ترجع الجهة الثانية إلى إمكان خطاب المعدوم و عدمه، خطاباً حقيقياً لغاية التفهيم و التفهم، و قد قال المحقّق الخراساني بامتناعه كتكليف المعدوم و أشار إلى ذلك بقوله:» و كذلك لا ريب في عدم صحّة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة و عدم إمكانه، ضرورة عدم تحقّق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة إلّا إذا كان موجوداً و كان بحيث يتوجّه إلى الكلام و يلتفت إليه «. (1) هذا ما ذكره في تحقيق تلك الجهة و لم يزد عليه شيئاً، ثمّ ورد في بيان الجهة الثالثة التي ستوافيك.

يلاحظ عليه: أنّه إذا أمكن تكليف الغائب و المعدوم عن طريق القضية الحقيقية فلما ذا لا يمكن خطابهما عن تلك الطريقة؟ و ذلك لأنّه إن أُريد من امتناع خطاب المعدوم و الغائب هو الخطاب الشفهيّ أو الخطاب بوجوده الحدوثي أو المصدري فهو أمر مسلّم، فانّ الخطاب بالمشافهة أو الخطاب بوجوده الحدوثي و المصدري قائم بأمرين: وجود المخاطِب (بالكسر) و وجود المخاطَب (بالفتح) و المفروض عدم وجود الثاني فكيف يتحقّق الخطاب بذلك المعنى؟

و أمّا إذا قلنا بأنّ المراد من الخطاب الحقيقي هو الخطاب لغاية التفهيم و التفهم، لكن لا بوجوده الحدوثي بل بوجوده البقائي أي وجوده حسب بقائه في‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 356/ 1.

539

الصدور و الألسن و الكتب و المسجّلات فهو أمر ممكن غاية الأمر ليس الخطاب شفهياً و قائماً بالشفه، نعم قائم به حدوثاً لا بقاءً، و بعبارة أُخرى، قائم به بمعناه المصدري لا بمعنى الاسم المصدري.

و لأجل ذلك نرى أنّ الرؤساء يخاطبون الأجيال الحاضرة و المستقبلة بهتافاتهم، و لا يخطر ببالهم أنّ الخطاب الحقيقي لا يمكن توجيهه إلى الغائب و ذلك لأنّهم يرون لخطابهم بقاءً و يكفي في توجيه الخطاب بقاؤه و لو عن طريق النقل و الكتابة و التسجيل.

و الحاصل أنّه يكفي في كون الخطاب حقيقيّاً للاجيال الآتية كون الخطاب بصورة القضايا الحقيقية أوّلًا، و كونه أمراً باقياً بنحو من البقاء في الخارج ثانياً. فبما أنّ العنوان المأخوذ ينطبق على الأجيال مرّ الحقب و الأعوام كذلك ينطبق الخطاب عليهم كذلك، فما كان هو الحل الجذري للجهة الأُولى هو الحل الأساسي أيضاً في هذه الجهة بشرط إلغاء المشافهة في صدق الخطاب و تفسيره باسم المصدر.

و لأجل أنّ للخطاب الحقيقي بقاءً يعمّ الخطابات الواردة في أوّل الخليقة لجميع الاناسي أعني الآيات التالية:

1 (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِباسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏) (الأعراف/ 26).

2 (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ...) (الأعراف/ 27).

3 (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ...) (الأعراف/ 31).

4 (يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى‏ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏) (الأعراف/ 35).

و لا يراد من الخطاب الحقيقي سوى وجود الخطاب بنحو من أنحاء

540

الوجود، و وصوله إليه بنحو من الأنحاء. و كلا الشرطين موجودان في خطاب الكتاب و النبي و الوصي في خطبه و كتبه و قصار كلمه.

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه فصّل في المقام بين التكليف المجعول على نهج القانون الكلي بلا لفظ خطاب و لا نداء كقوله سبحانه: (وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران/ 97) فقال بعموم الحكم عن طريق القضايا الحقيقية، و بين توجيه الكلام إلى المخاطب سواء كان التوجيه بكلام مشتمل على كاف الخطاب أو أداة النداء فلا يصحّ التعميم عن طريق القضايا الحقيقية، إذ لا يمكن تعلّق الخطاب بعنوان أو أفراد إذا لم تكن حاضرة في مجلس التخاطب، إذ الخطاب نحو توجّه تكويني نحو المخاطب لغرض التفهم و مثل ذلك يتوقّف على حاضر ملتفت و المعدوم و الغائب ليسا حاضرين و لا ملتفتين. (1) يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من قوله، إنّ الخطاب يتوقّف على حاضر ملتفت و المعدوم و الغائب ليسا حاضرين و لا ملتفتين، الخطاب الشفهي فهو أمر مسلّم و لكن شمول الخطاب لا يتوقّف على هذا النوع بل يكفي أن يكون للخطاب بقاء حسب العرف فعند ذلك يتوجّه الخطاب إليهما عند الالتفات فالمعدوم و الغائب و الحاضر عند شمول الخطاب على حدّ سواء.

و الظاهر أنّه لا فرق بين تعميم التكليف و بين تعميم الخطاب للغائبين و المعدومين فيكفي في تعميم التكليف كون القضية حقيقيةً لكن التعميم في الثاني يحتاج مضافاً إلى ذلك إلى تفسير الخطاب بوجوده البقائي.

____________

(1)- تهذيب الأُصول: 504/ 1 و 506.

541

الجهة الثالثة: في عمومية ما وقع بعد أداة الخطاب للمعدومين و عدمها

قد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ القول باختصاص ما وقع تلو الأداة بالحاضرين أو عموميته للمعدومين يتوقّف على ما هو المختار في الجهة الثانية.

فإن قلنا إنّ ما وضع للخطاب مثل أدوات النداء موضوع للخطاب الحقيقي يلزم تخصيص ما وقع تلوه بالحاضرين.

و إن قلنا إنّ ما وضع للخطاب موضوع للعموم من الخطاب الحقيقي و الإنشائي يلزم القول بتعميم ما وقع تلوه إن لم يكن هناك انصراف إلى الخطاب الحقيقي.

ثمّ إنّه رجّح بأنّ مثل أدوات النداء ليست موضوعة للخطاب الحقيقي بل للخطاب الإيقاعي الإنشائي فالمتكلّم تارة يوقع الخطاب تحسراً و تأسفاً و حزناً، مثل قوله:

يا كوكباً ما كان أقصر عمره‏* * * و كذا تكون كواكب الأسحار

و أُخرى يخاطب الليل بقول:

ألا يا ليل طلت عليّ حتى‏* * * كأنّك قد خُلقت بلا صباح‏

و ثالثة يخاطب الشجر و يقول:

أَيا شجر الخابور مالك مورقاً* * * كأنّك لم تجزع على ابن طريف‏

و رابعة يخاطب الجبل و يقول:

أَيا جبلي نعمان باللّه خلّيا* * * نسيم الصبا يخلص عليّ نسيمها

542

كلّ ذلك دليل على أنّ أداة الخطاب موضوعة للإنشائي الإيقاعي.

و أمّا الانصراف فهو مدفوع لأجل وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا) و (أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ‏) بمن حضر مجلس الخطاب.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ جعل الخطابات القرآنيّة، خطابات إنشائية، جاءت لغايات، غير غاية التفهيم و التعليم، يحطّ من مكانة القرآن الذي يقول فيه سبحانه: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ‏) (ص/ 29) إلى غير ذلك من الآيات الذي تُعرِّف الغاية من خطاباته و هتافاته و سائر آياته، و مثله لا ينفكّ عن كون خطاباته حقيقية و ربّما يتّخذه من لا معرفة له بمغزى هذا القول، ذريعة لتصحيح ما نقل عن بعض متكلّمي المسيحيين من أنّ بعض ما ورد في القرآن من القصص و القضايا تمثيلات و أُمور رمزية ليست لها حقائق و واقعيات سوى تقريب المعارف و إيرادها بثوب القصّة، فإبليس و آدم و حوّاء و الجنّة رموز لأهداف تربوية في لباس الحكاية.

و ثانياً: أنّ القول بوضع أداة النداء للفرد الحقيقي من الخطاب لا يستلزم تخصيص ما يتلوها بالمشافهين، إلّا إذا أُريد من الخطاب الحقيقي، الخطاب الشفهيّ، و إلّا فالخطاب بمعناه الاستمراري خطاب حقيقي و يلائم مع كون ما يتلوه عامّاً لهم و لغيرهم كما عرفت.

بقي هنا أمران:

الأوّل: ربّما يتصوّر أنّ القول بوضع أداة الخطاب للحقيقي، لا يلازم اختصاص خطاباته سبحانه بالمشافهين و ذلك لإحاطته بالموجود في الحال و الموجود في الاستقبال و قد نقله صاحب الفصول عن بعض الحنابلة. (1)

____________

(1)- الفصول: 183.

543

و حاصله: أنّ تقسيم الموجود إلى السابق و الفعلي و الاستقبالي إنّما هو بالنسبة إلى الإنسان المحبوس في الزمان، الذي لا يستطيع أن يرى ما مضى، و لا ما يأتي و أمّا الوجود الذي هو خالق الزمان و فوقه فالأشياء كلّها بالنسبة إليه سواسية حاضرة لديه، و لأجل ذلك يقول الحكماء:» المتدرّجات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الدهر «.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ إحاطته لا توجب صلاحية المعدوم بل الغائب للخطاب، و عدم صحّة المخاطبة معهما لقصورهما، لا يوجب نقصاً في ناحيته تعالى كما لا يخفى. (1) و حاصله، أنّ إحاطة ذاته سبحانه، غير إحاطة فعله المتنزّل إلى عالم المادّة، المنصبغ بصبغها و المتقيّد بالزمان فما كان يتلوه النبي في مسجده إلى أصحابه، إنّما هو خطابه سبحانه، و مثله مقيّد و واقع في إطار الزمان، و لا يصلح أن يشمل إلّا الحاضرين إلّا على الوجه الذي أوضحناه.

الثاني: إنّ في الخطابات الواردة في القرآن احتمالين:

أ: أن يكون الخطاب متوجّهاً إلى غير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لكن بلسانه، و أمّا النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فهو الملقى إليه الكلام و لكن المخاطب عامّة الناس و هذا هو المحور في المقام.

ب: أن يكون الخطاب متوجّهاً إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).

و أمّا على الاحتمال الثاني أي أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هو المخاطب، فمقتضى القول بوضع أداة الخطاب، للحقيقي هو اختصاص الخطابات بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقط و يعلم تكاليف الآخرين من دليل الاشتراك في التكليف و من أراد التعميم فليس له مناص إلّا عن القول باستعمالها مجازاً في الخطاب الإنشائي فتوجيه الخطاب إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كتوجيهه إلى اللّيلة في شعر الشاعر كما مرّ و المقصود، هو عامّة الناس.

____________

(1)- كفاية الأُصول: 358/ 1.

544

و القول الثاني ضعيف، و الأوّل هو الصحيح و قد عرفت عدم الملازمة بين كون الخطاب حقيقياً، و كون المراد مما وقع تلو أداته هو الحاضرين فلاحظ.

ثمرة البحث‏

ذكر المحقّق الخراساني للبحث ثمرتين:

الثمرة الأُولى:

حجّية ظهور خطابات الكتاب لغير المشافهين على القول بالتعميم و عدمها على القول بالاختصاص.

و الظاهر بطلان الثمرة و أنّها حجّة لغيرهم كالمشافهين على كلا القولين كما أفاده المحقّق المزبور.

توضيحه: إنّ الثمرة مبنية على مقدّمتين إحداهما صغرى و الأُخرى كبرى، أمّا الصغرى فهي: الملازمة بين اختصاص الخطاب بالحاضرين، و كونهم المقصودين للإفهام، و لا يصحّ أن يكون الخطاب خاصّاً للحاضرين و يكون المقصود بالإفهام أعمّ منهم و من غيرهم.

و أمّا الكبرى فهي: اختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه لا من لم يقصد.

و لكن المقدّمتين ممنوعتان، أمّا ممنوعية الصغرى أي الملازمة بين اختصاص الخطاب بالحاضرين و بين كونهم المقصودين للإفهام فقط فلأنّ الناظر في القرآن و الأحاديث الواردة فيه لا يشكّ في أنّه لم يقصد منه إفهام خصوص الحاضرين في مجلس التخاطب و هو سبحانه يقول: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ‏) (البقرة/ 185)، (وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏)

545

(الأنعام/ 19)، (وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏) (الكهف/ 54) إلى غير ذلك ممّا يجعله كتاباً عالمياً غير مخصوص بجيل دون جيل، أو قوم دون قوم و القول بأنّ القرآن يقصد إفهام الحاضرين يحطّ من مقام القرآن و ينزّله عن قُلّة العظمة التي يجب أن يكون عليها كلام الخالق.

و أمّا الكبرى لو سلّمنا الصغرى أي أنّ الحاضرين المتوجّه إليهم الخطاب، هم المقصودون بالإفهام فقط فهي ممنوعة لعدم اختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه و إنّما قال به المحقّق القمي فقط، و ذلك لما سيوافيك أنّ العقلاء لا يفرّقون بين من قُصد إفهامه و غيره و لأجل ذلك إذا قرأ الأجنبي رسالة صديق إلى صديق آخر يحكم بما بينهما من أواصر الودّ و الصداقة، إلى غير ذلك.

فلو أمر المولى عبده بأن يأمر عبده الآخر بكذا و كذا. فرضنا أن سمع الثاني كلام المولى و لم يتمكّن العبد الأوّل من الإبلاغ، فيجب للثاني القيام بما سمعه و إن لم يكن مقصوداً بالإفهام.

الثمرة الثانية:

إذا قلنا بالتعميم يصحّ التمسّك بإطلاقات الكتاب لأنّ المشافه و غيره في ذلك سواء فلو شككنا في شرطية شي‏ء للبيع أو العقود أو حضور الإمام المعصوم (عليه السلام) في إقامة الجمعة يصحّ نفيها بالإطلاقات الواردة فيها دون ما لم يكن هناك تعميم إذ على القول بالاختصاص يكون الإطلاق متوجّهاً للمشافه، و غيره أجنبي عنه.

فإن قلت: يمكن إثبات حكمه و تسريته إلى غيرهم بقاعدة الاشتراك في التكليف، فإنّه لا شكّ أنّ حكم اللّه واحد من جميع الجهات أخذاً بخاتمية الرسالة و الكتاب.

قلت: إنّ التمسّك بها إنّما يصحّ إذا اتّحد المشافه و غيره في الصنف‏

546

و الخصوصيات كما إذا كان المشافه و غيره في زمان حضور النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيتمسّك بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ‏) (الجمعة/ 9) أخذاً بقاعدة الاشتراك و أمّا إذا اختلفا في الحالات و الخصوصيات فالتعميم أشبه شي‏ء بإسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر كإسراء حكم الحاضر إلى المسافر و المستطيع إلى الفقير.

و الحاصل أنّه لو أحرزت وحدة الصنف كان للتمسّك بالقاعدة مجال و أمّا إذا كان المشافه و غيره مختلفين فيه أو شك في الاتحاد و عدمه فلا يمكن التمسك بقاعدة الاشتراك و ينحصر وجه التمسّك بالقول بالتعميم. و هذه هي الثمرة، و لبّها أنّه على القول بوحدة الصنف تنتفي الثمرة لأنّ النافي للتعميم يصل عن طريق قاعدة الاشتراك، إلى النتيجة التي يصل إليها القائل بالتعميم، و أمّا عند اختلاف الصنف فالطريق واحد و هو القول بالتعميم. هذا غاية التوضيح للثمرة و لنستمع إلى إشكال المحقّق الخراساني عليها.

قال ما هذا حاصله‏ (1): أنّه يمكن إحراز وحدة الصنف في القيود المفارقة للمشافهين و يصحّ التمسّك عندئذ بقاعدة الاشتراك و تنتفي الثمرة لأنّ النافي للتعميم يصل إلى ما يصل إليه القائل به غير أنّ الطريق مختلف فالنافي يصل عن طريق قاعدة الاشتراك و المثبت عن طريق تعميم الخطابات.

نعم لا يمكن إحراز وحدة الصنف في القيود اللازمة فتظهر الثمرة فالمثبت يجوز له التمسك بالإطلاقات لأجل تعميم الخطاب، و النافي لا يجوز له ذلك لعدم إحراز وحدة الصنف، حتّى يتمسّك بقاعدة الاشتراك.

و أمّا توضيحه: فهو أنّ القيود على قسمين:

الأوّل: أن يكون ملازماً للحاضرين إلى آخر أعمارهم و لا يتطرق إليهم‏

____________

(1)- كفاية الأُصول: 360/ 1.

547

الفقدان ككونهم عرباً أو مكّيين أو مدنيين.

الثاني: أن لا يكون ملازماً لهم إلى آخر أعمارهم بل يتطرّق إليهم الفقدان ككونهم عدولًا عند نزول الخطاب و غير ذلك.

ففي القسم الأوّل إذا شككنا في دخل القيد اللازم لوجودهم في توجّه الحكم إلى المشافه، لما صحّ لنا التمسك فيه بالإطلاق، و إثبات أنّ هذا القيد كان غير دخيل في توجّه الحكم إلى المشافه قائلًا بأنّه لو كان دخيلًا لبيّنه.

و ذلك لأنّه لمّا كان الوصف ملازماً لوجود المشافهين (ككونهم عرباً و غير ذلك)، غير مفارق عنهم إلى آخر أعمارهم لما وجب عليه، التنبيه بمدخلية القيد بل صحّ عرفاً اعتماد المتكلّم عليه في مقام البيان، و لا يحتاج إلى بيان زائد و لا يعدّ ترك التعرّض نقضاً للغرض، لأنّ الغرض من التعرّض هو بعث المكلّف إلى تحصيله، و المفروض أنّه حاصل بلا تحصيل إلى آخر أعمارهم فاحتمال دخل القيد اللازم في ثبوت الحكم للمشافه كان باقياً لا يرتفع بالإطلاق.

و أمّا القسم الثاني أعني القيود المفارقة ككونهم عدولًا أو كونهم في المسجد و غيره من القيود التي تفارق الحاضرين ففي مثله يمكن التمسّك بالإطلاق، لإثبات عدم مدخلية هذه القيود في حقّ المشافهين، لأنّه لو كان دخيلًا لوجب على المولى بيانه و لا يصحّ له الاعتماد على وجوده فيهم مؤقّتاً، لما قرّر من كونه من الأُمور المفارقة، فاحتمال دخل القيد المفارق في توجّه الحكم إلى المشافه يرتفع بنفس الإطلاق.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يمكن إثبات اتّحاد الصنف و عدم دخل القيد في الحكم في القسم الثاني و ترتفع الثمرة فيه لا في القسم الأوّل و تظهر الثمرة بين القولين.

و ذلك لأنّ مقدّمات الحكمة إنّما تجري في القيود المفارقة لا في القيود اللازمة

548

إذ يصحّ أن يقال في القسم المفارق بأنّه لو كان دخيلًا في الحكم لكان عليه البيان للمشافه لأنّ المفروض أنّه يتّصف به تارة و بعدمه أُخرى، فإذا لم يبيّن كشف عن عدم دخله و عندئذ يثبت الاتّحاد في الصنف و يكون المورد مجرى لقاعدة الاشتراك في التكليف فيثبت للمشافه و الغائب و المعدوم حكم واحد.

ففي هذا القسم لا يترتّب على النزاع في التعميم و التخصيص ثمرة، لأنّه كما يحكم على المعدوم على القول بالتعميم، بنفس ما حكم به على الموجود، فهكذا على التخصيص يحكم به أيضاً ببركة قاعدة الاشتراك و إثبات وحدة الصنف بجريان مقدّمات الحكمة في حقّ المشافه بأنّه لو كان دخيلًا في حقّه لكان للمولى بيانه، و حيث لم يبيّن يستكشف عدم دخله.

نعم في مورد القيود اللازمة لا يمكن إثبات اتّحاد الصنف لعدم جريان قاعدة الاشتراك إذ هو فرع وحدة الصنف و هي بعد مشكوك و لا يمكن رفع مدخلية القيد اللازم بالإطلاق بحجّة أنّه لو كان دخيلًا لبيّنه، لأنّه لمّا كان ملازماً لوجود المشافه لما كان هناك ملزم لبيان دخله، لأنّ الهدف في البيان هو التحصيل و المفروض وجوده.

فظهر من هذا البيان الضافي أنّ الثمرة منتفية في القيود المفارقة لأنّ القائل بالتخصيص يصل إلى ما يصل إليه القائل بالتعميم، سواء قلنا بالتعميم أم قلنا بالتخصيص، غاية الأمر أنّه على القول بالتعميم يصحّ التمسك بنفس الإطلاق بلا حاجة إلى إحراز وحدة الصنف و إجراء قاعدة الاشتراك و أمّا على القول بالتخصيص فيرفع احتمال مدخلية القيد المفارق في حقّ المشافه، بإجراء مقدّمات الحكمة و إثبات الإطلاق فيثبت الاتّحاد في الصنف ويحكم على المعدوم بنفس ما حكم به على المشافه لأجل قاعدة الاشتراك.

نعم الثمرة موجودة في القيود اللازمة و لا يمكن للقائل بالتخصيص أن يصل إلى ما كان يصل إليه القائل بالتعميم، لأنّه على القول بالتعميم، يصحّ أن‏

549

يتمسّك بالإطلاق و لو مع اختلاف الصنف بحجّة أنّ الكل مخاطبون.

و أمّا على القول بالتخصيص، فالوصول إلى ما وصل إليه القائل بالتعميم فرع إحراز وحدة الصنف لتجري قاعدة الاشتراك و هو فرع جريان الإطلاق و هو فرع كون القيد لازم البيان.

و على ذلك فلو شككنا في دخل حضور المعصوم (عليه السلام) في وجوب صلاة الجمعة لا يمكن رفعه بالإطلاق لأنّه كان من القيود اللازمة للمشافه، و بالنتيجة لا يحصل الاتحاد في الصنف و لا تجري قاعدة الاشتراك.

بخلاف ما إذا قلنا بالتعميم فالكل محكومون بحكم واحد، اختلفوا في الصنف أم اتّحدوا.

يلاحظ عليه: أنّ النزاع مركّز على القيود اللازمة، لا على القيود المفارقة و على ذلك فبما أنّ وصف الحضور كان وصفاً لازماً لهم عند نزول آية وجوب الجمعة، لا يصحّ التمسّك بإطلاق الآية و مع عدمه لا يصحّ التمسّك بدليل الاشتراك، فيكون استفادة حكم صلاة الجمعة في عصر الغيبة دائراً مدار اختصاص الخطابات بالمشافهين أو تعميمها لغيرهم فتكون للبحث ثمرة.

و لا يخفى أنّ في عبارات الكفاية في المقام تعقيداً خصوصاً قوله:

» فيما لو لم يكونوا مختصّين بخصوص عنوان «و المراد: لم يكونوا ملازمين لعنوان و قوله:» لو لم يكونوا معنونين به «و المراد، لو كانوا فاقدين له.

و كان له أن يعبر عن مقصوده بالعبارة التالية» إنّما يجدي في عدم اختصاص التكاليف بأشخاص المشافهين في العناوين المفارقة بحيث لو افتقدوا لشكّ في شمولها لهم.

550

الفصل الثامن: العام المتعقّب بالضمير الراجع إلى بعض أفراده‏

إذا كان هناك عام و له حكم يتعقّبه ضمير و له حكم آخر (1) يرجع إلى بعض أفراده دلّ به دليل خارجي فهل يوجب ذلك تخصيص العام أو لا؟ مثاله قوله سبحانه: (وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ...) (البقرة/ 228).

فقد دلّ الدليل الخارجي على أنّه ليس كلّ بعل أحقّ بردّ كلّ مطلّقة، و إنّما هو فيما إذا كانت المطلّقة رجعية، لا بائنة فهل يوجب ذلك تخصيص العام و أنّ التربُّص أيضاً للرجعيات فقط، أو لا؟ بل هو باق على عمومه سواء كانت رجعية أم بائنة، أو لا بدّ من التصرّف في الضمير باستعماله في بعض المرجع من باب الاستخدام أو استعماله في الكل و ارتكاب المجاز في الإسناد، و كأنّه لا بدّ من‏

____________

(1)- خرج قوله: (وَ أُولات الأَحْمالِ أَجَلَهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق/ 4) و الضمير في (أَجَلَهُنَّ) يرجع إلى بعض أُولات الأحمال أعني المطلّقات لا إلى كلّها فإنّ قسماً منهنّ أعني المتوفى عنها زوجها، أجلهنّ، أبعد الأجلين إمّا وضع الحمل أو أربعة أشهر و عشراً و مع ذلك الآية خارجة عن محطّ البحث، إذ ليس للمرجع (أُولات الأحمال) هناك حكم وراء ما للضمير (أجلهنّ)، حتى يوجب التخصيص في حكم المرجع.