البلدان لابن الفقيه‏

- أحمد بن محمد ابن الفقيه المزيد...
649 /
505

و بالبركة ملك بجبل يقال له سبلان ملك. و إن هؤلاء الأملاك الثلاثة مأمورون بتأييد أصحاب الجيوش.

فقال أنوشروان: لا يمكنني أن أنقل نار آذرجشنسف و البركة إلى سبلان فأجمعهنّ ثلاثتهن. فإذا فاتني هذا فإني أنقل آذرجشنسف إلى هذه البركة ليتعاون الملكان.

و أمّا نار زردشت فهي بناحية نيسابور و لم تحوّل، و هي أحد الأصول من نيرانهم.

و مما غلت فيه المجوس أيضا، نار آذرجشنسف و هي النار التي بالفراهان.

قال المتوكّلي: فحدّثني بعض المجوس ممن رآها أن مزدق‏ (1) لمّا غلب على قباذ قال: ينبغي أن تبطل النيران كلّها إلّا الثلاث الأوائل و تنقل هذه إليهن. ففعل. فذكر أن نار آذرجشنسف خرجت حتى صارت إلى ماجشنسف بآذربيجان فاختلطت معها فكانوا إذا أضرموها ظهرت نار آذر جشنسف حمراء و ظهرت ماجشنسف بيضاء إذا دسموها بالشحم. فلما قتل مزدق ردّ الناس النيران [127 ب‏] إلى أماكنها فافتقدوها بآذربيجان. فلم يزالوا يقتفون أثرها حتى وقفوا على أنها رجعت إلى الفردجان. فلم تزل في هذا البيت في هذه القرية إلى سنة اثنين و ثمانين و مائتين فإنه صار إليها أبزون‏ (2) التركي- و كان يتولى قم- فنصب على سور القرية المجانيق و العرادات حتى افتتحها و أخرب سورها و هدم البيت و أطفأ النار و حمل الكانون إلى قم فبطلت النار منذ يومئذ.

و زردشت‏ (3) شدّد عليهم بالوعيد لمّا رأى من برد بلادهم. و لذلك أمرهم بعبادة النيران، لأن أهل الكلام يزعمون أن زردشت جاء من بلخ فادعى الوحي و أنه‏

____________

(1) المقصود مزدك. أما المتوكلي راوي هذا الخبر فقد قال ياقوت (سورستان): (ذكر زردشت بن آذر خور و يعرف بمحمد المتوكلي ...) ثم نقل عنه مادة جغرافية تتعلق بسورستان العراق و لغتها السريانية.

(2) في المختصر: برون. و في تاريخ قم 89: بيرون.

(3) من هنا و إلى قوله (إن ذلك أزجر لهم) في الحيوان للجاحظ 5: 67.

506

نزل عليه الوحي على جبل يقال له سبلان، و انه حين رأى سكان تلك الناحية الباردة لا يعرفون إلّا الأذى بالبرد و لا يضربون المثل إلّا به و لا يتوعدون إلّا به حتى يقول الرجل لعبد إذا أذنب ذنبا عظيما: لئن عدت إلى مثل هذا لأنزعن ثيابك و لأقيمنك في الريح و لأطرحنك في الثلج.

فلما رأى أن موضع البرد عندهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعيفه. و يظن أن ذلك أزجر لهم.

و قال عبد اللّه بن زياد (1): كان سبب عبادة النار عند المجوس أنه لمّا ولد المسيح (عليه السلام)، رأى الملك الذي كان في وقته للفرس- و قد قيل إنه كان أردشير- كان يرقى نعشا ثم أحرق نجمه. فهاله ذلك و جزع منه، و سأل عن القصة فبلغه خبر المسيح، فأهدى إليه هدية فيها صبر و عسل مع ثلاثة رجال من أهل فارس. فانطلقوا إلى الشام حتى لقوه و دفعوا إليه الهدية، فقبلها. ثم إن المسيح أهدى إلى ملك الفرس ثلاثة أقراص من خبز شعير قربانا مع الرسل و أوصاهم بوصية. فخرجوا من الشام يريدون بلد فارس. فبينا هم في الطريق إذ قال واحد منهم: لو أكل كل واحد منا قرصا من هذه الأقراص فكان يفوز بالفضل الذي فيها، فإن هذا الرجل- يعني المسيح- لم يكن يوجه إلى إلى الملك هذه الأقراص إلّا لفضل عظيم فيها. فتتابع اثنان على ذلك و أكلا قرصيهما. و أبى الثالث أن يفعل. فقالا له: إنّا نخاف على أنفسنا من الملك أن وقف على فعلنا. فإما [128 أ] أن تأكل قرصك و إما أن نقتلك. قال فإني آكله. و أوهمهم ذلك ثم دفنه. و انطلقوا حتى صاروا إلى صاحبهم فقال لهم: ما الذي قال لكم؟ فعرّفوه ما أوصاهم به. قال:

فأي شي‏ء وجّه معكم؟ قالوا: لم يوجّه معنا شيئا. فقال: كذبتم. ما كان ليردكم بغير شي‏ء. أصدقوني، ما الذي صنعتم بما أعطاكم؟ فصدقوه عن الأمر، و عرّفه الذي لم يأكل القرص ما فعل به و وصف له المكان الذي دفنه فيه. فقال: انطلق بنا حتى تقفنا على الموضع الذي دفنته فيه. فانطلق و الملك معه. فلما صارا إلى‏

____________

(1) هو عبد اللّه بن زياد المدني (الحيوان 4: 18، 19). و لهذه الواقعة ذكر مختصر في مروج الذهب 2: 246.

507

الموضع أوقفه عليه. فأمر أن يحفر المكان و يستخرج القرص، ففعلوا ذلك.

فهاجت في وجوههم نار عظيمة منعتهم من استخراجه. فحاولوا ذلك غير مرة و هي تمنعهم. فقال أردشير: بهذه النار أرسلكم. فمن يومئذ عظّمت فارس النار و عبدتها.

و رأينا جماعة من علماء المجوس يدفعون هذا و لا يعترفون به و يزعمون أن تعظيم النار قبل مولد المسيح بالدهر الطويل.

و قال الجاحظ (1): من المواضع التي عظمت النار لها، أن اللّه عز و جل جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم و تعرّف صدق نياتهم. فكانوا يتقربون بالقربان، فمن كان منهم مخلصا، نزلت نار من قبل السماء حتى تحيط بقربانه فتأكله. و من لم تأكل النار قربانه، قضوا على صاحبه أنه مذموم القلب فاسد النية.

فهذا باب مما عظم اللّه به شأن النار في صدور الناس. و منه قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى‏: إِذْ رَأى‏ ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى‏، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏.

و قال في موضع آخر الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏.

و النار من أكبر الماعون‏ (2) [و أعظم المرافق‏] و لو لم يكن فيها إلّا أن اللّه جل و عز جعلها الزاجرة على المعاصي لكان ذلك مما يزيد في قدرها و في نباهة ذكرها و قال‏ أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ؟ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ‏

____________

(1) من هنا يبدأ ابن الفقيه بالاقتباس- باختصار أحيانا- من الحيوان للجاحظ (5: 67 و ما بعدها و 4: 461 و ما بعدها). و ما وضعناه بين عضادتين هو من الجاحظ لإكمال المعنى فقط، و إلا فحديث الجاحظ عن النار طويل جدا.

(2) الماعون: ما ينتفع به.

508

[128 ب‏] جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ‏. وقف عند هذا القول. فإن كنت مؤمنا فتذكر ما فيها من النعمة أولا ثم النقمة آخرا، ثم قوّم مقادير النعم و تصاريفها.

و قد علمنا أن اللّه عزّ و جلّ قد عذّب الأمم بالغرق و الرياح و الحاصب و الصواعق و الخسف و غير ذلك، و لم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء و ريحا و أحجارا. و جعل النار من عقاب الآخرة. و نهى أن يحرق بها شي‏ء من الحيوان و الهوام [و قال: لا تعذّبوا بعذاب اللّه‏]. فقد عظّمها كما ترى.

و قال عز و جل‏ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏. فجعل الشواظ و النحاس و هما النار و الدخان من الآية. فلذلك قال على نسق الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏.

و نار أخرى و هي نار إبراهيم (عليه السلام) التي ألقي فيها فجعلها اللّه عزّ و جلّ عليه بردا و سلاما.

و نار أخرى و هي النار التي كانوا [يستمطرون بها] في الجاهلية فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات و احتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا و جمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها السلع و العشر المشدود في أذناب البقر [و أشعلوا فيها النيران‏] و ضجّوا بالبكاء و الدعاء و التضرع. فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا لهم. و لذلك قال الشاعر (1):

لا درّ درّ رجال خاب سعيهم‏* * * يستمطرون لدى الأزمات بالعشر

أ جاعل أنت بيقورا مسلّعة* * * ذريعة لك بين اللّه و المطر

و نار أخرى كانوا يوقدونها عند التحالف و التعاقد، فيذكرون منافعها و يدعون اللّه بالحرمان و المنع من منافعها على الذي ينقض العهد و يخيس العقد. و ربما دنوا من النار حتى تكاد تحرقهم. و يهوّلون بذلك على من يخافون غدره. و قال الكميت:

____________

(1) في الحيوان 4: 468 قال إنه للورل الطائي.

509

كما شبّ نار الحالفين المهوّل‏

و نار أخرى يوقدونها خلف المسافر الذي لا يرون أن يعود من سفره.

و نار أخرى و هي نار الحرّتين، و هي نار خالد بن سنان أحد بني مخزوم من بني قطيعة بن عبس- و كان يقال نبي- و لم يكن في بني إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) نبي قبله. و هو الذي [129 أ] أطفأ نار الحرة و كانت ببلاد بني عبس حرة تسطع بالنهار دخانا و تتقد بالليل نارا، و ربما ندرت منها العنق‏ (2) فأتت على كل شي‏ء تناله.

و كان أهل تلك الأرض منها في بلاء عظيم حتى بعث اللّه خالد بن سنان فساقها بعصاه حتى أدخلها بئرا كانت بالحرة، ثم اقتحم معها البئر حتى غيّبها ثم خرج. و قد ذكرنا أخباره في كتاب العجائب.

و المتكلّمون يدفعون أمر خالد و يقولون كان أعرابيا و بريا من أهل شرج و ناظرة، و لم يبعث اللّه نبيا قط من العرب الذين ينزلون البادية و يسكنون بيوت الوبر. و إنما يبعثهم من القرى و ساكني المدر. قال خليد عينين العبدي:

و أيّ نبيّ كان في غير قومه‏* * * و هل كان حكم الله إلّا مع النخل‏

و أهل الكتاب يزعمون أن اللّه أوصاهم بالنار و قال (لا تطفئوا النار من بيوتي). فلذلك لا تجد الكنائس و جميع بيوت العبادة تخلو من نار موقدة في سرج و قناديل ليلا و نهارا. و أما المجوس فإنهم لم يرضوا بمصابيح أهل الكتاب حتى اتخذوا للنيران البيوت و السدنة و وقفوا عليها الغلات الكثيرة. و هم يقدمون النار في التعظيم على الماء و يقدمون الماء في التعظيم على الأرض و لا يكادون يذكرون الهواء.

____________

(1) في الحيوان 4: 471.

كهولة ما أوقد المحلفو* * * ن للحالفين و ما هوّلوا

(2) العنق: لسان اللهب الصادر عن النار.

510

و ما زالت السدنة تحتال للناس من جهة النيران بأنواع الحيل كاحتيال رهبان كنيسة القيامة ببيت المقدس بقولهم إنهم في بعض الأعياد يطفئون سائر القناديل التي في البيعة، و إن نارا تنزل من السماء حتى تلهب قنديلا قد جعلوه لذلك، و إن النار التي تلهبه تكون مضيئة ليست لها حرارة، فكلما ألهب منها قنديل آخر أخذت في الاحمرار و الحرارة حتى تعود إلى الطبع.

و كما قالت المجوس في آذر جوي و شق حين بنوا الكانون على قيّارة و نفّاطة.

و نيران أخر منها: نار البرق و نار الحباحب و هي اليراعة. و اليراعة دودة خضراء تكون في آخر الربيع تطير بالليل كأنها شرارة نار، فإن أخذها آخذ و جعلها في يده و نظر إليها [كانت‏] (1) كأنها نار. و أهل القرى يجعلونها على جباههم يلعبون بذلك. و هي بالنهار دودة خضراء.

و يقال إن بطلا أراد السلطان معاقبته، فأقامه في ماء بعض النهار [129 ب‏] و كانت ليلة باردة كثيرة الثلج. فنظر إلى مصباح في القرية فوضع عينيه عليه، و لم يزل في الحياة حتى خمد المصباح. فلما خمد المصباح مات الرجل من وقته، و كانت حياته بنظره إلى النار.

و ذكر اللّه عزّ و جلّ فضل النار في عدة مواضع من كتابه، من ذلك قوله‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ‏. فجعلها أعظم من الماعون معونة و أخفها مؤونة. و الماعون الأكبر الماء و النار ثم الكلأ و الملح.

و الوجه الآخر من الامتنان بالنار قوله‏ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ ... الآية. و ليس يريد أن إحراق العباد بالنار من و الآية و نعمائه، و لكن أراد بالوعيد الصادق، إذ كان في غاية الزجر فهو من النعم السابغة و الآلاء العظام.

و كذلك القول في خلق جهنم إنه نعمة عظيمة و منّة جليلة، إذ كان زاجرا عن نفسه ناهيا، و إلى الجنة داعيا.

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

511

ثم بالنار يعيش أصل الأرض من وجوه، فمن ذلك صنيع الشمس في البرد و الماء و الأرض. و لأنها صلاح جميع الحيوان عند حاجتها إلى دفع عادية البرد، ثم سراجهم الذي يستصبحون و بضيائه يميزون الأمور.

و في الأرض عيون قار و عيون زئبق و عيون نفط و كبريت، و معادن ذهب و فضة و رصاص و نحاس و حديد. فلو لا ما في بطن الأرض من أجزاء النار، ما ذاب في قعرها جامد و لما انسبك في معادنها شي‏ء من الجواهر، و لما كان لقواها جامع و لخبثها مفرّق‏ (1).

ثم رجع بنا القول إلى ذكر البلدان.

قالوا: و في بعض رساتيق همذان عيون ماء تنبع، فإذا جرى من مكانه و زال عن موضعه تحجّر و صار صخرا تبنى به الأبنية.

و قيل أيضا إن الشب اليماني إنما هو ماء يقطر من كهوف في جبال باليمن، فإذا وقع إلى الأرض استحجر و صار شبّا و حمل إلى سائر البلدان. و كذلك النوشاذر و معدنه كهف بكرمان. و زعموا أنه بخار يتكاثف في ذلك الكهف، فإذا اجتمع خرج إليه السلطان و أهل البلد فجمعوه و أخذ السلطان حصة منه و سلّم الباقي إلى أهل البلد فتوزّعوه على رسوم قد تراضوا بها.

ذكر ما خصّ اللّه تعالى كل بلدة بشي‏ء من الأمتعة دون غيرها

و قال بعض العلماء: لولا أن اللّه عزّ و جلّ بلطفه خصّ كل بلد من البلدان و أعطى كل إقليم من الأقاليم شيئا قد منعه غيره، [130 أ] لبطلت التجارات‏

____________

(1) في الحيوان 5: 102 (لمتقاربها جامع و لمختلفها مفرّق) و إلى هنا يتوقف ابن الفقيه عن الاقتباس من الجاحظ.

512

و ذهبت الصناعات و لما تغرب أحد و لا سافر إنسان و لتركوا التهادي فيما بينهم و لذهب الشرى و البيع و الأخذ و الإعطاء. إلّا أن اللّه جلّ و تقدس أعطى كل صقع نوعا من الخيرات لم يعطه الصقع الآخر ليسافر هذا إلى بلد هذا، فيحمل متاع أرضه. و هذا إلى مدينة هذا فيحمل عجائب مدينته.

و قيل في قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أنه أراد بها جعله في بلد دون بلد، مثل الكاغذ بسمرقند و القرطاس بمصر.

و لذلك خصّ بلاد الهند بأنواع الطيب و الجواهر و اليواقيت و أشباه اليواقيت و غير ذلك من الأحجار المثمنة. و لهم أصناف الطيب كالعود و العنبر و الكافور و القرنفل و الخولنجان و الدارصيني و غير ذلك من أنواع الطيب. و لهم الصندل و التوتياء و الهليلج و أنواع كثيرة لو ذكرناها لطال بها الخطب و لخرج الكتاب من الغرض الذي قصدناه. و لهم القثاء و الخيزران و البقّم و الصندل الأحمر و الأبيض، و لهم الساج و الفلفل. و في بلادهم الطواويس و الفيلة و الكركدن.

و قد خصّ اللّه أهل الصين بإحكام الصناعات و أعطاهم منها ما لم يعط أحدا، فلهم الحرير الصيني و الغضائر الصيني و السروج الصيني و غير ذلك من الآلات المحكمة العجيبة الصنعة المتقنة العمل. و لهم أيضا مسك إلّا أنه ليس بجيد. و قالوا إنما يتغير في البحر لطول المسافة.

ثم الروم و ما قد خصهم اللّه به من العلوم و الآداب و ما قد أعطوا من الهندسة و الفلسفة و الحذق بالأبنية و المصانع و اتخاذ الحصون و عقد القناطر و الجسور و عمل الكيمياء و الكساء الرومي و الفرفير و البزيون. و في بلادهم الميعة و المصطكى.

ثم النوبة و ما قد خصّوا به من جودة الرمي و ما قد انفرد به بلدهم من العجائب. و لهم الخيل العجيبة و النجب التي تسبق الخيل. و لهم الكلاب التي تقاتل الأسد.

و كذلك البجة و في بلدهم معدن الزبرجد و معدن الذهب، و زيّهم زي العرب كأنهم من رجال اليمن.

513

و لأهل المغرب البغال البربرية [130 ب‏] و الجواري الأندلسيات و النمور الزنجية.

ثم ما قد خصّ به أهل مصر، من النيل و عجائب ما فيه من طرائف السمك و التماسيح، و لهم السمك الرعّاد إذا وقع في شبكة الصياد ارتعدت يده و لم يملك من أمره شيئا حتى يخلي هذا النوع من شبكته.

و لهم السقنقور و خاصيته في الجماع لا تدفع. و لهم الثياب الدبيقية و الشطوية، و الأردية التي تكاد سلوكها تختفي عمن نظر إليها. و يقال إن نساجيها أوسخ الناس و أقذرهم، و هم يأكلون الأطعمة الكريهة الروائح من السموك المملحة و اللحوم الغثة و لا يغسلون أيديهم و تنتن روائحهم. و إذا قطعوا الثوب بعد ما قد ناله من وسخهم و درن أبدانهم ما لا يوصف، وجد في نهاية الحسن و طيب الرائحة.

و كذلك أيضا نساجي الديباج بتستر و حاكة الخز بالسوس على ما وصفنا من القذر و النتن و الرائحة الكريهة و الوسخ، و تخرج الثياب من أيديهم و هم ينسجون هذه الثياب التي تخفى دقة من الحسن و الرائحة بغير أثر و لا تغير. و هذه خاصيته يشكل أمرها على سائر من تفقدها و أراد الوقوف على العلة فيها.

و لهم أيضا ضروب أخر من الثياب، منها المسيّر، و هم أحذق الناس بعمل ثياب الصوف و الأكسية.

و لهم البغال المصرية و الحمر المرّيسية و الثياب التنيسية و الاسكندرية.

و لأهل اليمن الحلل اليمانية و الثياب السعيدية و البرد العذيبية. و العدنية. و في بلادهم الورس و الكندر. و لهم النجائب المهرية و السيوف اليمانية. و في بلادهم القردة و النسناس و غير ذلك من أنواع العجائب.

ثم العراق وسط الأرض و خزانة السلطان و دار المملكة.

و ما قد أعطي أهل الكوفة من عمل الوشي و الخز و غير ذلك من أنواع الثياب‏

514

و الأمتعة و التمور، فإن فيها من أنواع التمور و القسوب ما قد عدم مثله بالبصرة و الأهواز و بغداد و الحجاز.

فمن تمورهم الهيرون و النرسيان و القسب العنبري و الآزاذ و غير ذلك.

ثم قل في عجائب بغداد التي قد اجتمع فيها ما هو مفرّق في جميع أقاليم الأرض من أنواع [131 أ] التجارات و الصناعات. فلهم الذي لا يشركهم فيه أحد:

الثياب المروية و الملحم و القيراطي و غير ذلك. و لهم أنواع الزجاج المحكم من الأقداح و الأقحاف المخروطة و المجرودة التي تختار على البلور لرقتها و صفاء جوهرها. و لهم الدارشي و اللكاء (1) و فيهما أعجوبة لا يوقف عليهما و لا يدرى ما العلة فيها. و ذلك أن اللكاء إن عمل في الجانب الذي يعمل فيه الدارشي لم يستو بنفسه و لا يكون منه شي‏ء. و كذلك الدارشي أيضا إن عمل في الجانب الذي يعمل فيه اللكاء انفسد. و قد عمل ذلك غير مرة فكان كما قلنا في الفساد.

و مثل هذه أشياء كثيرة منها القراطيس التي تعمل بمصر فإنها لا تستوي إلّا بمصر دون غيرها من سائر البلدان. و قد نقل صنّاعها المعتصم من مصر إلى سرمرّى، فما استوى لهم منها إلّا شي‏ء ردي‏ء و لا يحرّر المكاتبة فيه.

و كذلك أيضا البطيخ الناعوري، فإنه لا يكون جيدا إلّا في ضيعة من ضياع الموصل تعرف بالناعور. و قد حرص المعتضد على أن يستوي ببغداد و حمل مع بذره ترابا من تربته و ماء من العين التي تسقيه فلم يفلح. فسأل عن العلة في ذلك، فقيل: التربة. قال: قد حملنا منها. قيل: فالماء. قال: قد أمرنا بحمله في السفن المقيّرة فحمل و لم ينجب. قيل: فهو الموضع. قال: هذا لا حيلة لنا فيه.

ثم ما قد خصت به كور دجلة و السواد و ميسان و دستميسان من عمل الستور و البسط.

و قد خصت البصرة من بين البلدان بكثرة النخيل و أنواع الأرطاب و التمور.

____________

(1) ذكرنا الدارشي و اللكاء فيما مضى.

515

و ذكر بعضهم‏ (1) أن جماعة من أهل المعرفة بالنخل أحصوا أصناف نخل البصرة دون نخل المدينة و دون نخل اليمامة و البحرين و عمان و فارس و كرمان و الكوفة و سوادها و خيبر و ذواتها و الأهواز و أعمالها، فإذا هي ثلاثمائة و ثمانون ضربا من مغلّ معروف و خارجي موصوف و بديع غريب و مثمن شهير.

ثم الأهواز و ما قد خصوا به و أعطوا من أنواع السكر و كثرة التمور.

و ما بالسوس من جنديسابور من أنواع ثياب الخز و الديباج و غير ذلك من أصناف الإبريسم [131 ب‏] و القز.

ثم الجبل و عجائبه و ما قد أعطي أهله من أصناف الفواكه الشتوية و العجائب البديعة. هذا إلى طيب بلدانه و كثرة مياهه و اطراد أنهاره و نضارة أشجاره، و ما يتخذ فيه من الألبان و الشوابير التي يستعزّ بها ملوك العراق و يستظرفونها و يستهدونها.

و لأهل همذان خاصة حذق باتخاذ المرايا و الملاعق و المجامر و الطبول و غير ذلك من الحديد المذهّب الذي قد فاقوا و فاتوا باتخاذه سائر أهل الأرض.

و لأهل الري المسيّر و المنيّر و الحرير. و لهم أشياء يتخذونها من الخشب يفوقون بها سائر الناس، و منها الأمشاط و الخفاف و الممالح و المغارف. و لهم الأكسية البيض الطرازية.

ثم بغداد الثانية، أعني إصبهان و ما قد أعطي أهلها من طيب الهواء و عذوبة الماء و كثرة الصناعات و أنواع الخير. و لهم الثياب المروية و العتابية و المفحمة و الحلل الإبريسمية المنسوجة و غير المنسوجة. و الثياب السعيدية (2).

____________

(1) في المختصر 253: (و ذكر الجاحظ أنهم أحصوا أصناف نخل البصرة دون نخل المدينة و دون مصر و اليمامة و البحرين .... و الأهواز و ما بها أيام المعتصم و إذا ثلاثمائة و ستون ضربا ....).

و هذه المعلومة ليست في كتاب الحيوان الذي دأب ابن الفقيه على الاقتباس منه، و ربما كانت من مؤلف آخر للجاحظ.

(2) (و الثياب السعيدية) انفرد المختصر بذكرها.

516

ثم فارس و كورها و بلدانها و رساتيقها و ما قد خصوا به من اتخاذ الآلات الظريفة من الحديد، حتى قال بعض الحكماء و قد نظر إلى أشياء ظريفة عند بعض الملوك من آلات فارس الحديدية: لقد ألان اللّه لهؤلاء القوم الحديد و سخّره لهم حتى لقد عملوا ما أرادوا.

و هم أحذق الناس بعمل المجامع و الأقفال و المرايا و تطبيع السيف و عمل الدروع و الجواشن.

و لهم الثياب الجنابية (1) و السينيزية و غير ذلك.

و لأهل سجستان عمل المشارب السجزية و آلات الشبه و الصّفر و لهم الجعاب.

و لأهل طبرستان و الديلم و قزوين و زنجان من عمل الأكسية الرويانية و الآملية و اتخاذ الشستانك‏ (2) و المناديل و غير ذلك من أنواع ثياب القطن و الصوف ما ليس لأحد.

و لأهل فارس أيضا الماورد الجوري و الطين السيرافي و الأدهان السابورية و الثياب الكازرونية.

و لأهل نيسابور الثياب الملحمة و الطاهرية، و لهم الفالح و النواخح‏ (3) و أشياء عجيبة من الثياب ليس لأحد إلّا لهم.

و لأهل مرو الملحم و الثياب المروية.

و لأهل مرو الملحم و الثياب المروية.

و بهراة فواكه ليس في البلدان [132 أ] شي‏ء مثلها. و لهم الزبيب الكشمهاني ثلاثة ألوان: أحمر و أصفر و أخضر.

و بها بطيخ يقدد و يحمل إلى بغداد. و قد كان من يحمل من بطيخها إلى‏

____________

(1) في المختصر: الجبائية.

(2) من كلمة شستجه المعرّبة عن الفارسية و تعني المنديل، انظر: دستور الاخوان 2: 916.

(3) كذا وردت هاتان الكلمتان في الأصل. و هما في المختصر (التاختج و الراختج).

517

الخلفاء لشدة حلاوته. فكان يحمل في قدور نحاس.

و لهم الأشتر غاز و الريباس و الهليون.

و بخراسان الغوشنة و الكليكان و الرخبين و الملبن. و بها معدن الفيروزج و اللازورد. و لهم البنجهير، معدن الفضة. و لهم الحزم القوجية و الخيل البخارية.

و لهم الركب المروية و لهم الاشكر و الخلنج و لهم الختو.

و بالتبت، المسك التبتي و الدرق التبتية. و زعموا أن كل من دخلها لم يزل ضاحكا مسرورا.

و باليمن العقيق و البجاذي و الجزع و غير ذلك.

و بأرمينية: الفرش الأرمني و البسط و الستور. فسبحان من أعطى كل بلد نوعا من الخيرات و جنسا من الصناعات و لولا ذلك ما جمعته الملوك من الصفائح اليمانية و القضب الهندية، و الرماح البلوصية، و الأسنّة الخزرية، و الأعمدة الهروية، و اللجم الحاربندية، و الشعور الصبلية (1)، و الشهاري الأبرازبندية، و البغال الأرمينية، و الحمير المريسية، و الثياب السعيدية، و الكيش الشاشية، و الأوتار التركية، و الجعاب السجزية، و الدرق المغربية، و ادبحت‏ (2) الأندلسية، و الدرر العمانية، و اليواقيت السرنديبية، و الكتان المصرية، و الملحم الخراسانية، و الوشي الكوفية.

و اعلم أن ببلاد المغرب و مصر و ببلاد الجبل و خراسان عجائب لا تكون بغيرها. مثل: منارة الاسكندرية، و عمود عين الشمس، و الهرمين، و جسر أزنة، و قنطرة سنجة، و كنيسة الرها، و الأبلق الفرد، و المشقّر، و غمدان، و برهوت، و بلهوت، و مدينة الحضر، و أبنية تدمر، و عجائب فامية، و الفرس الذي في أقصى المغرب، و ما يذكر عن مدينة الصفر، و يحدّث عن قبّة الرصاص، و إيوان المدائن، و تخت شبديز، و أسد همذان، و السمكة و الثور بنهاوند، و أبنية إصطخر، و عجائب‏

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) كذا في الأصل.

518

رومية، و التمساح، و الرّعاد، و السقنقور، و ذات الحوافر و غير ذلك من العجائب التي لا تحصى [132 ب‏] فتبارك اللّه أحسن الخالقين.

منارة ذات الحوافر

و كان سنب بناء (ذات الحوافر) بهمذان و هي منارة عالية في رستاق يقال له و نجر بقرية يقال لها أسفجين.

و كان السبب في بنائها، أن شابور بن أردشير قال له منجّموه إن ملك هذا سيزول و إنك ستشقى أعواما كثيرة حتى تبلغ إلى حدّ الفقر و المسكنة، ثم يعود إليك الملك. قال: و ما علامة رجوعه؟ قالوا: إذا أكلت من خبز الذهب على مائدة حديد، فذاك علامة رجوع ملكك. فاختر أن يكون ذلك في شبيبتك أو في كبرك.

قال فاختار أن يكون في شبيبته. و حدّوا له في ذلك حدّا، فلما بلغ الحدّ اعتزل ملكه ترفعه أرض و تخفضه أخرى إلى أن صار إلى هذه القرية، فتنكر و آجر نفسه من عظيم القرية. و كان معه جراب فيه تاجه و ثيابه، فأودعه الرجل الذي آجره نفسه.

فكان يحرث له نهارا و يسقي زرعه ليلا. فإذا فرغ من سقي الزرع طرد الوحش عن الزرع حتى يصبح. فبقي على ذلك سنة. فرأى الرجل منه حذقا و نشاطا و أمانة في كل ما يأمره به. فرغب فيه الرجل و استرجحه فزوّجه بعض بناته. فلمّا حوّلها إليه كان شابور يعتزلها و لا يقربها. فلما أتى لذلك شهر، شكت إلى أبيها فاختلعها منه.

[و بقي شابور يعمل عنده. فلما كان بعد حول آخر سأله أن يتزوج ابنته الوسطى و وصف له جمالها و كمالها و عقلها فتزوجها. فلما حوّلها إليه كان شابور أيضا معتزلا لها و لا يقربها. فلما تمّ لها شهر سألها أبوها عن حالها مع زوجها فاختلعها منه‏] (1).

فلما كان حول آخر و هو الثالث، سأله أن يتزوج ابنته الصغيرة. و وصف له جمالها و عقلها و كمالها. فتزوجها، فلما حوّلت إليه، كان شابور معتزلا لها لا

____________

(1) ما بين عضادتين تكملة من ياقوت.

519

يقربها. فلما تم لها شهر، سألها أبوها عن حالها مع زوجها فأخبرته بأنها معه في أنعم عيش و أسره.

قال: و لما رأى شابور صبرها عليه و حسن خدمتها له، دنا منها فعلقت منه و ولدت له ابنا.

فلمّا أتى على شابور أربع سنين، أحب اللّه أن يردّ ملكه عليه. فاتفق أن كان في القرية عرس اجتمع فيه رجالهم و نساؤهم. و كانت امرأة شابور تحمل طعامه إليه في كل يوم. ففي ذلك اليوم اشتغلت عنه إلى بعد العصر لم تحمل إليه شيئا و لا أصلحت له شيئا. فلما كان بعد العصر ذكرته فبادرت إلى منزلها و طلبت شيئا تحمله إليه فلم تجد إلّا رغيفا واحدا من جاورس‏ (1)، فحملته إليه و أدنته منه و هو يسقي الزرع و بينها و بينه ساقية ماء. فلما وصلت إليه لم تقدر على عبور الساقية.

فمدّ إليها سابور [133 أ] المرّ (2) الذي كان يعمل به، فجعلت الرغيف عليه. فلما وضعه بين يديه و كسره و جده شديد الصفرة و رآه على الحديد فذكر قول المنجمين- و كانوا قد حدّدوا له الوقت- فتأمله فإذا هو قد انقضى. فقال للمرأة: اعلمي أيتها المرأة أني سابور، و قصّ عليها قصته ثم اغتسل في النهر و أخرج شعره من الرباط الذي كان قد ربطه عليه و قال لامرأته: قد تمّ أمري و زال شقائي. و صار إلى منزله و أمرها أن تخرج إليه الجراب الذي فيه تاجه و ثيابه، فأخرجته إليه فلبس التاج و ثياب الملك. فلما رآه أبو الجارية كفّر له و سجد بين يديه و حيّاه بتحية الملك.

قال: و كان سابور قد عهد إلى وزرائه و عرّفهم ما قد امتحن به من الشقاء و ذهاب الملك و أنّ مدة ذلك كذا و كذا سنة، و بيّن لهم الموضع الذي يوافونه إليه عند انقضاء شقائه و زوال البلاء عنه و أعلمهم الساعة التي يقصدونه فيها. فأخذ مقرعة كانت معه و دفعها إلى أبي الجارية و قال له: علّق هذه على باب القرية و اصعد السور و انظر ما ترى. ففعل ذلك و صبر ساعة ثم نزل فقال: أرى أيها الملك‏

____________

(1) معرّب گاورس، و هو الدخن بالعربية. (الصيدنة 169).

(2) المرّ: المسحاة.

520

خيلا كثيرة يتبع بعضها بعضا. فلم يكن أسرع من أن وافت الخيل شماطيط (1).

فكان الفارس إذا رأى مقرعة سابور، نزل عن دابته و سجد له، حتى اجتمع خلق من أصحابه و وزرائه، فجلس لهم و دخلوا إليه و حيّوه بتحية الملك. فلما كان بعد أيام جلس يحدث وزراءه فقال له بعضهم: سعدت أيها الملك و عمرت عمرا طويلا، أخبرنا ما الذي أفدته في طول هذه المدة؟ قال: ما استفدت إلّا بقرة واحدة. ثم أحضرها إليهم و قال: ها هي. فمن أراد إكرامي فليكرمها. فأقبل الوزراء و الأساورة يلقون عليها ما عليهم من الثياب و الحليّ و ما معهم من الدراهم و الدنانير حتى اجتمع من ذلك ما لا يحصى كثرة. ثم قال لأبي الجارية: دونك جميع هذا المال فخذه لابنتك.

و قال له وزير آخر: أيها الملك المظفر، فما أشدّ شي‏ء مرّ عليك و أصعبه؟

قال: طرد الوحش بالليل عن الزرع، فإنها كانت تعييني و تسهرني و تبلغ مني [133 ب‏] فمن أراد سروري فليصطد لي منها ما قدر عليه لأبني من حوافرها بنية يبقى ذكرها على سائر الدهر و مرّ الليالي و الأيام.

فتفرق القوم في صيدها. فصادوا منها ما لا يبلغه العدد. فكان يأمر بقلع حوافرها أولا أولا حتى اجتمع من ذلك مثل التل العظيم. فأحضر البنائين و أمرهم أن يبنوا من ذلك منارة عظيمة يكون ارتفاعها خمسين‏ (2) ذراعا في استدارة ثلاثين ذراعا، و أن يجعلوها مصمتة بالكلس و الحجارة، ثم تركب الحوافر حولها نظما من أسفلها إلى أعلاها مسمرة بالمسامير الحديد. ففعل ذلك فصارت كأنها منارة من حوافر.

فلما فرغ صانعها من بنائها جلس شابور يتأملها فاستحسنها و استظرفها و قال للذي بناها- و هو عليها ما نزل عنها بعد-: هل كنت تقدر على بناء أحسن منها؟

قال: نعم. قال: فهل بنيت مثلها لأحد؟ قال: لا. قال: فإن أمرك بعض الملوك‏

____________

(1) أي أفواجا.

(2) في الأصل: خمسون. و في المختصر 250 ان ارتفاع المنارة 30 ذراعا و عرضها 20 ذراعا.

521

بناء أحسن منها، هل في استطاعتك ذلك؟ قال: نعم. قال: و الله لأتركنّك لا تبني لأحد مثلها و لا دونها و لا أحسن منها. ثم تركه عليها و انصرف هو و أصحابه سائرين.

و كانت هذه البني قد بناها في فلاة ليس بقربها أحد، و إنما عمرت القرية التي فيها بعد ذلك. فقال: أيها الملك، قد كنت أرجو منك الحباء و الكرامة. فإن كنت لا بدّ قاتلي فلي حاجة ما على الملك فيها مشقة. قال: و ما هي؟ قال: يأمر الملك أن أعطى خشبا لأعمل لنفسي مكانا أكون فيه حتى يأتيني الموت لئلا تمزقني العقبان و النسور و سائر طيور الجو و جوارحه. قال: أعطوه ما سأل. فأعطي خشبا- و كانت معه آلة النجارة- فعمل لنفسه أجنحة من خشب جعلها مثل الريش و ضمّ بعضها إلى بعض. فلما كان في بعض الليالي- و كانت ليلة ذات ريح- شدّها على نفسه [و بسطها حتى‏] (1) دخل الريح فيها فحملته حتى ألقته إلى الأرض صحيحا لم يصبه شي‏ء. و هرب فلم يقدر عليه. و اتصل خبره بسابور فقال: قاتله اللّه! ما كان أحكمه و أصنع كفيه.

قال: فالمنارة قائمة في هذه القرية إلى يومنا هذا مشهورة المكان. و لشعراء همذان و غيرهم [134 أ] فيها أشعار لم نكتب شيئا منها لركاكتها و قلة الجيد فيها.

و في ذلك يقول بعضهم‏ (2):

رأيت بناء الناس في كل بلدة* * * فلم أر بنيانا كذات الحوافر

بناء عجيبا لم ير الناس مثله‏* * * و لا سمعوه في الدهور الغوابر

ناووس الظبية و قصر بهرام جور

و على فراسخ يسيرة من همذان ناووس الظبية و قصر بهرام جور بقرية يقال لها جوهسته. و القصر كله حجر واحد منقور بيوته و مجالسه و خزائنه و غرفه و شرفه‏

____________

(1) تكملة من ياقوت (منارة الحوافر).

(2) هذان البيتان وردا في المختصر فقط.

522

و سائر حيطانه. فإن كان مبنيا من حجارة مهندمة قد لوحك بينها حتى صارت كأنها حجر واحد، لا يتبين منها مجمع حجرين و لا ملتقى صخرتين. فهذا عجب و أمر حسن جدا. و إن كان حجرا واحدا. فكيف نقرت بيوته و خزائنه و ممراته و دهاليزه و شرفات سوره. و هذا أعجب و أعظم من أن يكون من حجارة شتى لأنه عظيم جدا كبير المجالس و الخزائن و الغرف.

و في مواضع منه كتابة بالفارسية يقرأها من كان يعرف الخط الفارسي. و هي أخبار ملوكهم و شي‏ء من سيرهم و تدبيرهم. و في كل ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة.

و على مقدار نصف فرسخ من هذا القصر، ناووس الظبية، و هو على تل مشرف و حوله عيون كثيرة و أنهار غزيرة.

و كان السبب في أمره أن بهرام جور خرج متصيدا و معه جارية كانت من أحظى جواريه عنده و أقربهن من قلبه‏ (1). فلما فرغ من صيده نزل على هذا التل فتغدى و قعد يشرب مع الجارية. فلما أخذ فيه الشراب قال لها: تشهّي عليّ شيئا أبلغك إياه. فنظرت إلى سرب ظباء. فقالت الجارية: ان تجعل بعض ذكورة هذه الظباء مثل الإناث، و تجعل بعض إناثه مثل الذكورة، و ترمي ظبية من ظبائه فتصل ظلفها مع أذنها. فورد على بهرام أمر بقي فيه متحيرا ثم قال: إن لم أفعل ذلك عيّرني الملوك و غيرهم من سائر الناس و قالوا امرأة تشهّاها شيئا ثم لم يقدر عليه.

ثم أخذ الجلاهق و رمى الظبية ببندقة فأصاب أذنها، فرفعت ظلفها لتحك أذنها فانتزع سهما فخاط به أذنها مع ظلفها. ثم ركب فرسه إلى السرب فأقبل يرمي [134 ب‏] الذكور ذوات القرون بنشّاب له ذو شاخين فيقتلع القرون بذلك، و يرمي الإناث متعمدا رؤوسها فتنبت سهامه فيها فتصير كأنها قرون. فلما بلغ من ذلك ما أرادت الجارية انصرف فذبح الجارية و دفنها مع الظبية و بنى عليهما ناووسا من‏

____________

(1) في تاريخ غرر السير 542 ان اسمها آزادوار الصّناجة و ان بهرام جور قد رمى بها إلى الأرض و أوطأها ناقة فاندقت و قيل إنها ماتت، و لم يذبحها كما قال ابن الفقيه.

523

حجارة و كتب عليه الخبر [و قال: إنما قتلت الجارية لأنها قصدت تعجيزي و كادت تفضحني‏] (1). و هذا الناووس إلى وقتنا هذا معروف مشهور يسمى بناووس الظبية.

أنشدني بعضهم فيه‏ (2):

عجبت لبهرام و من ذات ظبية* * * تجوب و تغدو بين قفر السباسب‏

و بهرام مع حوراء عين كأنّها* * * أيا الشمس أصبت بين عشب المغارب‏

فقالت له الحوراء دونك فأرمها* * * و صكّ بسهم من سهام الشصائب‏

مجامع أذنيها و أسفل ظلفها* * * فلا عذر إن خالفت يا ابن الأشاهب‏

فأرسل سهما صكّ منها الّذي بغت‏* * * و قام إليها مغضبا بالقواضب‏

و قال آخر في طويلة له:

و لا أرى ملكا تجبو الملوك له‏* * * بالسند و الهند و المعمور بالصين‏

و لا أرى أردشير الفارسيّ و لا* * * كسرى شهنشاه إذ يلهو بشيرين‏

إذ قالت القينة الورهاء إذ نظرت‏* * * إلى غزال تناغي ربرب العين‏

ما دون جمعك ظلفيها بنافذة* * * سكّا إلى قرنه بهرام يرضيني‏

فذعّر الملك و ارتجّت فرائصه‏* * * من قول صنّاجة قالت بتهجين‏

فراصد الظّبي حتّى حكّ سامعه‏* * * منه بظلف على قرن و أذنين‏

فسكّ ظلفيه بالمدرى و سامعه‏* * * بذي غرار طرير النّصل مسنون‏

[و قال عبد الرحمن بن الأزهر] (3): سمعت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه كان يدعو و يقول: اللهم لا تدركني أبناء الهمذانيات و الاصطخريات، و عدّد قرى من قرى فارس الذين معهم قلوب العجم و ألسنة العرب.

____________

(1) تكملة من آثار البلاد 465.

(2) انفرد المختصر بهذه القطعة.

(3) من المختصر فقط.

524

و ذكر بعض أهل العلم أن همذان هذه التي ذكرها عمر رضي اللّه عنه هي قرية من قرى إصطخر و ليست همذان الجبل.

و في الخبر، أن همذان لا تخرب إلّا بسنابك الخيل.

و يروى عن جعفر بن محمد رضي اللّه عنه أنه قال: لما قتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما بكت عليه السماء و الأرض إلّا أربعة أماكن: دمشق وال ... رة (1) و همذان و بلخ.

و روي عن كعب أنه قال: نجد في الكتب أن الأرض كلها تخرب قبل الشام بأربعين سنة. فمكة تخربها الحبشة، و المدينة، الجوع. و البصرة، الغرق.

و الكوفة، الترك. و الجبال، الصواعق. و خراسان بأنواع العذاب.

فمدينة بلخ‏ (2) تصيبها رجفة و رعدة ثم يغلب عليها الماء فيهلك أهلها.

و أما مدينة الخلم‏ (3) فتصيبها رجفة تجعل عاليها سافلها.

و أما الترمذ فإن أهلها يفنيهم الطاعون.

و أما الصغانيان و باشجرد (4) فيفنون بقتل من عدوّ يغلب عليهم.

و أما سمرقند فتغلب عليها بنو قنطوراء (5) بن كركر فيقتلون أهلها قتلا ذريعا.

و كذلك الشاش و فرغانة و أسبيجاب و خوارزم. فتصير جميع هذه المدن خرابا يبابا كلها كأنها جوف حمار.

و أما بخارا فهي أرض الجبابرة يصيب أهلها نحو ما أصاب خوارزم ثم يموتون جوعا و عطشا.

____________

(1) الكلمة مطموسة.

(2) في البدء و التاريخ 4: 104 (و بلخ يصيبها رجة و هذه فيغلب عليها الماء فتهلك).

(3) الخلم: بلدة بنواحي بلخ على عشرة فراسخ من بلخ. و هي بلاد للعرب نزلها الأسد و بنو تميم و قيس أيام الفتوح (معجم البلدان 2: 465).

(4) في الأصل: راشجرد.

(5) في البدء و التاريخ 4: 104 قيطورا.

525

و أما مرو فيغلب على أهلها الرمل.

و أما الهراة فتمطر حيات يكون بها فناء أهلها.

و أما نيسابور فيصيب أهلها رعد [135 أ] و برق و ظلم فيهلك أكثرهم.

و أما الري فيغلب عليها الديلم [و الطبرية].

و أما آذربيجان و أرمينية فيهلكون بالجيوش و الصواعق و الحروب، و يلقون من الشدائد ما لا يلقاه غيرهم.

و أما حلوان فتهلك بهلاك بغداد من رياح عواصف و أمطار عظيمة.

و أما الكوفة فيهلكها السفياني.

و أمّا مصر فيهلكها رجل يقال له ناجية من بني جهينة. فويل لأهلها و أهل دمشق و أهل إفريقية و أهل الرملة منه، و يحاول دخول بيت المقدس فيمنعه اللّه منه.

و أما سجستان فرياح تعصف عليهم أياما ثم تجيئهم ظلمة عظيمة تتبعها هوة عالية تتصدع لها جبالها و قلوبهم فيختلف عامتهم بذلك.

و أما كرمان و إصبهان و فارس فيتلفهم الجراد و جور السلطان.

و خراب السند من قبل الهند.

و خراب التبت من قبل الصين. [و خراب خراسان من قبل التبت‏] (1).

و خراب الشام من ملحمة كبيرة تحل بها. و عند خرابها تفتح القسطنطينية على يد رجل من أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و خراب الأندلس من قبل الزنج‏ (2).

و قد قيل إن خراب مصر من انقطاع النيل.

____________

(1) في المختصر فقط.

(2) في البدء و التاريخ 4: 104: الريح.

526

و خراب همذان من الديلم‏ (1)، يدخلونها فيخربونها فلا همذان بعدها.

و اللّه أعلم.

____________

(1) في البدء و التاريخ: الديلم و الطبرية.

527

القول في نهاوند

قال أبو المنذر هشام بن السائب الكلبي: سميت نهاوند لأنهم وجدوها كما هي. و يقال إنها من بناء نوح (عليه السلام)، و إنما اسمها نوح أوند، فخففت، و قيل نهاوند. و هي أعتق مدينة في الجبل.

قال: كانت وقعة نهاوند سنة إحدى و عشرين. و يقال إن حذيفة حاصر نهاوند فكان يقاتل أهلها. فقاتلهم يوما قتالا شديدا. فاتبع سماك بن عبيد العبسي رجلا منهم ليقتله فلما رهقه ألقى سلاحه و استسلم، فأخذه أسيرا. فأقبل يتكلم بالفارسية، فأحضروا ترجمانا فقال: يقول: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على المدينة و أؤدي إليه [135 ب‏] الجزية و أعطيك أنت ما شئت فقد مننت عليّ إذ لم تقتلني. فقال له ما اسمك؟ قال: دينار.

فانطلقوا به إلى حذيفة فصالحه على الخراج و الجزية من أهل نهاوند على أموالهم و أنفسهم و ذراريهم و سميت نهاوند يومئذ ماه دينار (1).

و قال المبارك بن سعيد عن أبيه قال: نهاوند فتوح أهل الكوفة، و الدينور من فتوح أهل البصرة. فلما كثر الناس بالكوفة احتاجوا إلى أن يزادوا من النواحي التي قد صولح على خراجها، فصيرت لهم الدينور، و عوّض أهل البصرة نهاوند لأنها قرية من إصبهان، فصار فضل ما بين خراج الدينور و نهاوند لأهل الكوفة، فسميت نهاوند ماه البصرة و الدينور ماه الكوفة [و ذلك في أيام معاوية بن أبي سفيان‏] (2).

____________

(1) واقعة فتح نهاوند بهذا الشكل موجودة في فتوح البلدان 303.

(2) ما بين عضادتين من المختصر فقط.

528

و على جبل نهاوند طلسمان‏ (1) و هما صورة سمكة و ثور من ثلج، لا يذوبان في شتاء و لا صيف. يقال إنهما للماء لئلا يقلّ بنهاوند. فماؤهما نصفان: إليها، و النصف الآخر إلى دينور و اليشتر (2).

____________

(1) في الأصل طلسمين.

(2) لدى ياقوت (4: 827) الذي نقل مادة نهاوند عن ابن الفقيه: (رستاق يقال له الأشتر).

529

القول في إصبهان‏

و أما إصبهان فقال ابن الكلبي: سميت أصفهان بأصفهان بن الفلوج بن سام بن نوح.

و حدّث ابن عيينة قال: سمعت ابن شبرمة يقول له: يوم و ليلة بالحيرة خير من دواء سنة. فحدثت بهذا الحديث محمد بن موسى بن الوزير، قال: نوم ليلة بأصبهان خير من دواء سنتين.

و يروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو لم أكن من قريش لأحببت أن أكون من فارس ثم من إصبهان‏ (1).

[و قال الكلبي: و كان جد أبي دلف، القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلي يعالج العطر و يجلب الغنم. فقدم الجبل في عدة من أهله فنزلوا قرية من قرى همذان، فأثروا و اتخذوا الضياع. و وثب إدريس بن معقل على رجل من التجار كان عليه مال فخنقه و أخذ ماله. فحمل إلى الكوفة و حبس بها في ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراق، في زمن هشام بن عبد الملك. ثم إن عيسى بن إدريس نزل الكرج، و غلب عليها و بنى حصنها، و قويت حال أبي دلف و عظم شأنه عند السلطان، فكبّر الحصن و زاد فيه و سماها الكرج. فقيل كرج أبي دلف.

فالكرج اليوم مصر من الأمصار. و كانت من قبل من رستاق إصبهان. فهي اليوم مفردة برأسها تسمى الإيغارين‏] (2).

____________

(1) في طبقات المحدثين بأصفهان 1: 30 «.... أن أكون من أهل فارس أو من إصبهان».

(2) ما بين عضادتين في فتوح البلدان 310 و انفرد به مختصر البلدان.

530

و لما ارتحلت اليهود من بيت المقدس هاربين من بخت نصر، حملوا معهم من تراب بيت المقدس و مائه فكانوا لا ينزلون منزلا و لا يدخلون مدينة إلّا وزنوا ماءها و ترابها. فما زالوا حتى دخلوا أرض إصبهان، فنزلوا و وزنوا الماء و الطين الذي في ذلك المكان فكان مثل الذي معهم من تراب بيت المقدس و مائه. فعندها اطمأنوا و أخذوا في الأبنية و العمارات و توالدوا و تناسلوا و سمي المكان بعد ذلك.

باليهودية و فيه يعرف إلى هذا الوقت.

فأما مدينة إصبهان فاسمها جيّ و بناها الإسكندر على مجرّ حيّة [136 أ].

فالبناء قائم إلى يومنا هذا معوج.

و يقال إنه كان بنى سورها مرارا كثيرة، مربعا و مدوّرا فكان إذا فرغ منه تساقط و غيره من أبنية البلد. فآلى على نفسه أن لا يبرح أو يبنيها. فرأى في بعض الأيام حية قد جاءت فدارت حول السور مسرعة ثم انصرفت. فأمر أن يرسم السور على مجرّها. ففعل ذلك فثبت البناء و لم يقع.

و إصبهان من فتوح أبي موسى الأشعري في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

و قال الشعبي: لما انهزم يزدجرد من المدائن صار إلى نهاوند. فلما انهزم منها انتخب من عسكره ألف أسوار و ألف خبّاز و ألف طباخ و ألف صاحب حلواء (1) ثم مضى حتى نزل مرو. فلما قتل بها صارت الأساورة إلى بلخ، فأهلها أشجع أهل خراسان. و صار الطباخون إلى هراة. فأهلها أحذق الناس بألوان الطبخ. و أقام الخبازون بمرو فأهلها أجود الناس خبزا، و لهم ضروب منه لا توجد في غير بلدهم. و صار صاحب الحلوى إلى إصبهان، فهم أحذق الناس باتخاذ الحلوى.

و قال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس أقوى من أهل كورتين: واحدة سهلية و أخرى جبلية. أمّا السهلية فكسكر، و أما الجبلية فأصبهان. و كان خراج كل كورة

____________

(1) في المختصر: و ألف صناجة. و الأسوار: كلمة يطلقها الإيرانيون القدماء على البطل الشجاع الحر (فرهنگ معين).

531

اثني عشر ألف ألف مثقال. و كانت مساحة إصبهان ثمانين فرسخا في مثلها. و هي ستة عشر رستاقا في كل رستاق ثلاثمائة و ستون قرية قديمة سوى المحدثة. و هي جي و ماربين، و النجان، و البراءان، و برخوار، و رويدشت، و أردستان، و كروان، و برزاريذ، و فريدين، و قهستان، و قامدار، و جرم كاسان و التيمرة الكبرى و التيمرة الصغرى، و مكاهن الداخلة.

قال: و خراج إصبهان و قم بستة عشر ألف ألف درهم بالكفاية على أنه لا مؤونة على السلطان. و كان [136 ب‏] كيكاوس الملك ملّك عليها جودرز في زمن الفرس.

قمّ‏

و يقال: إن الذي بنى مدينة قم، قمسار بن لهراسف.

و روى أبو موسى الأشعري قال: سألت علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن أسلم المدن و خير المواضع عند نزول الفتنة و إظهار السيف. فقال: أسلم المواضع يومئذ أرض الجبل. فإذا اضطربت خراسان و وقعت الحرب بين جرجان و طبرستان فأسلم المواضع يومئذ قصبة قم، تلك التي يخرج منها أنصار خير الناس أبا و أما وجدّا وجدة و عما و عمة، تلك التي تسمى الزهراء، بها قدم جبريل يوم نزل إلى قوم لوط. و هو الموضع الذي ينبع منه الماء الذي من شرب منه أمن من الداء العضال.

و من ذلك الماء عجن المسيح الطير الذي يعمل منه كهيئة الطير. و منه يغتسل المهدي‏ (1). و خرج كبش إبراهيم (عليه السلام)، و عصا موسى و خاتم سليمان (عليهم السلام).

هي أعظم المدن شأنا و أكبرها سلطانا، فيها الأمن و الخصب و العز و السطوة و الظفر و صحة الأهل و طيب الهواء.

و بقم من الرساتيق و الطساسيج: طسوج لنجروذ، و طسوج روذبار، و طسوج‏

____________

(1) في المختصر (الرضا) بدلا من (المهدي).

532

ابرشتيجان، و طسوج سجاران، و طسوج سراجه، و طسوج و راكروذ.

رستاق الجبل، رستاق ساوه. رستاق جرّى [و سيا، و سوميلادجرد] و غير ما ذكرنا من الطساسيج و الرساتيق. [و أخبرني محمد بن أبي مريم قال:] مبلغ خراج قم و مما في ذلك من الاحتسابات و ما على آل عجل و من في ناحيتهم و على أهل الأطراف من الورق: ثلاثة آلاف ألف و مائتا ألف و عشرون ألف و ثلاثون درهما.

[و ما على الضياع المنقولة إلى هذه الكورة: مائتا ألف و عشرون ألفا و ثلاثمائة و ثلاثون درهما]. فجميع ذلك ثلاثة آلاف ألف و أربعمائة ألف و ثلاثة و أربعون ألفا و ثلاثمائة و ثلاثون درهما. [قيمتها على صرف سبعة عشر بدينار: مائتا ألف و ألفان و خمسمائة و تسعة و أربعون دينارا] (1).

و لمّا أمر قباذ بليناس بأن يطلسم آفات بلاده، مضى إلى قم فاتخذ آبارا بإزاء ملاحتها إلى جانب شجرة الملاحة طلسما ليدوم جريان عين الملاحة و لا ينقطع ما لم يحظر عليه. فإن حظر أو منع الناس جفّ و لم يجر.

و هذه العين يجري ماؤها، كلما بعد عنها جمد و صار ملحا، فجاء يأخذه أهل تلك البلاد.

و عمل فيها طلسما آخر ليخفي معدن ذهب و فضة كانا هناك، لأن الفلاحين كانوا يشتغلون. بهما عن أعمالهم.

و عمل طلسما آخر للحيات و العقارب، و كان أهلها يلقون من ذلك أذى شديدا، فانحازت إلى جبل بالقرب منها فما يقدر أحد إلى هذا الوقت يجتاز فيه من كثرة الحيّات و العقارب.

ثم مضى إلى فراهان و فيها سبخة تبتلع البعير بحمله و الفرس براكبه. فاتخذ حولها طلسمين فاستراح المجتازون فيها من الغرق.

____________

(1) في المختصر فقط كل ما مرّ مما هو بين عضادتين.

533

و لما ملك طهمورث بنى بأرض إصبهان في رستاق ماربين و رويدشت.

و في ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام أقحط الناس و لم يمطروا سبع سنين.

فاتصل بفيروز أن رجلا مات في قرية [جوانق‏] من بعض الرساتيق، فخشي أن يكون مات جوعا. فأنفذ نقيبه إلى دار ذلك الرجل ففتشها و وجد فيها ثلاثة جرابي كبار مملوءة حنطة فأخبر الملك بذلك، فأعطاه أربعة آلاف درهم و قال: الحمد للّه الذي قطع المطر عن أهل مملكتي سبع سنين و لم يمت إنسان منهم جوعا.

[و كانت جوانق ماهية، و كانت لقوم لهم أخطار، فسألوا فيروز أن يصير جوانق إلى إصبهان ففعل ذلك‏] (1). ثم مطر الناس ماه فروردين و روز آبان فصبوا الماء بعضهم على بعض فصارت سنّة إلى اليوم في الصب بعضهم على بعض في ماه و همذان و إصبهان و الدينور و هذه الناحية.

و واد بها [يسمى‏] زرن روذ يخرج من قرية يقال لها بناكان يمر بقرية يقال لها در ثم إلى قرية يقال لها دنبه. و تصب إلى هذه القرية مياه كثيرة، فيكثر الماء هناك و يعظم أمره و يسقي الرساتيق و القرى ثم يغور في رمل [في آخرها] و يخرج بكرمان على ستين فرسخا من الموضع الذي يغور فيه فيسقي أرض كرمان ثم يصب في البحر الشرقي. و كانت معرفتهم بهذا الماء الذي يغور في الرمل و هو الذي يخرج بكرمان. فاستدلّوا بذلك على ما ذكرنا.

و لبعضهم في عذوبة ماء إصبهان:

لست آسى من إصبهان على شي‏ء* * * سوى مائها الرحيق الزلال‏

و نسيم الصبا و مخترق الريح‏* * * و جوّ صاف على كل حال‏

و لها الزعفران و العسل الماذيّ‏* * * و الصافنات تحت الجلال‏

و قال آخر [137 ب‏]:

لست آسى بأصبهان لشي‏ء* * * أنا أبكي عليه عند رحيلي‏

____________

(1) من المختصر.

534

غير ماء يكون بالمسجد الجا* * * مع صاف مروّق مبذول‏

و قال بعضهم: رأيت في غرفة ببعض الخانات التي في طريق إصبهان مكتوبا:

قبّح السالكون في طلب الرّ* * * زق على ايذج إلى أصبهان‏

ليت من زارها فعاد إليها* * * قد رماه الإله بالخذلان‏

و يقال إن بليناس لما أراد دخول إصبهان ليطلسم آفات مدينتها، اجتاز ببعض رساتيقها و قد أضرّ الماء بزروع أهله، فشكوا ذلك إليه، فاتخذ لهم طلسما في جوف بئر إذا احتاجوا إلى الماء فاضت بماء غزير. فإذا استغنوا منه، تراجع إلى البئر و غار فيها حتى يحتاجوا إليه فيخرج.

ثم اتخذ بأصبهان طلسما للهوام فقلّت.

و اتخذ بروذدشت طلسما لينضب ماؤهم في الصيف و يفيض عليهم في الشتاء فيضرّ بهم و يؤذيهم. و ذلك أنهم أغضبوه.

و عمل طلسمين أحدهما تحت باب من أبواب المدينة، و الآخر إلى جانب شجرة بينها و بين المدينة فرسخ. فإذا فتح ذلك الباب وقع الوباء في أهل المدينة، و إذا قطع غصن من أغصان تلك الشجرة ارتفع الوباء.

و عمل طلسما للفجور و فساد النساء، فليس الزنى ببلد من البلدان أظهر منه بها. و إنما دعاه إلى ذلك أن أهلها أفسدوا غلامه. ثم لم يقنع بذلك حتى عمل على طرقهم و هي سبع طرق، سبع طلسمات للخوف، فطرقهم مخوفة أبدا.

و يقال: لم يبن بالجصّ و الآجر بناء أبهى من إيوان كسرى الذي بالمدائن، و لا بالحجارة أحسن من قصر شيرين. و بازرميدخت أيضا بناء عجيب. و لا بني باللبن و الطين أبهى و لا أحسن و لا أعجب من بناء بأصبهان في رستاق من رساتيقها يقال له نيمور.

و بأصبهان قرية يقال لها انباجن، عند أهلها خرزة [خضراء آسمانجونية]

535

يزعمون أنها طلسم للبرد. فإذا كان أيام الربيع و خافوا على [138 أ] زروعهم و ثمارهم البرد، أخرجوا تلك الخرزة و نصبوها على قناة في موضع معروف عندهم فيسمع من جوفها دويّ كدويّ الريح. فيقال إن البرد ليجي‏ء في صحاريهم و في الغامر من أراضيهم، و لا يصيب العامر من أرضهم و زروعهم شي‏ء. و زعموا أن الخرزة آسمانجونية تضرب إلى خضرة (1).

و قال زياد بن رباح: دخل رجل على الحسن البصري فقال له: من أين أنت؟

قال: من أهل إصبهان. قال: الهرب ثم الهرب من بين يهودي و مجوسي و آكل ربى.

و أنشد لمنصور بن باذان:

فما أنا من مدينة أهل جيّ‏* * * و لا من قرية القوم اليهود

و ما أنا عن رجالهم براض‏* * * و لا لنسائهم بالمستزيد

و يقال: لو فتّش نسب رجل فيها من التجار و التنّاء لم يكن بدّ من أن تجد في أصله و نسبه حائكا أو يهوديا (2).

و ذكر بعض من قد جال في البلدان و شاهد المدن أنه لم ير مدينة أكثر من زان و لا زانية من أهل إصبهان.

[و أنشد أبو محمد العبدي لنفسه‏ (3):

لمن طلل تعاجم عن جوابي‏* * * لقد فصحت دموعك بانسكاب‏

قف العبرات إنّ دما و دمعا* * * يصوب بربعهم فمن الصواب‏

____________

(1) في ذكر أخبار إصبهان 1: 32: «من خواص إصبهان، خرزات في قرى معينة بقاسان و رويدشت. إذا غشيتهم سحابة ببرد، أخرجوا تلك الخرز و علّقوها من أطراف حصونها فتنقشع السحابة عنها و عن صحرائها من ساعتها. و تسمى هذه الخرزة بلغتهم مهره تذرك».

و انظر: محاسن أصفهان ص 16.

(2) لدى ياقوت (إصبهان) عزى هذا القول لمنصور بن باذان.

(3) هذه القطعة في المختصر فقط.

536

أ لم يحزنك من و لعان دهر* * * تعنّته بأطلال الرّباب‏

ليالي من أحبّ إذ الليالي‏* * * بقربهم كأيّام الشباب‏

فأبدلني النّوى من حسن ليلي‏* * * ليالي مثل أيّام الكلاب‏

على بلد أصبهان و ساكنيها* * * لعائن و الدّمار على الكلاب‏

و لا صبّ الصّبا يوما إليها* * * ليسحب ذيل غادية السّحاب‏

أحاول دهرها بالسيف طورا* * * و طورا بالبلاغة و الحساب‏

فلا في ذاك يفلح قدح نجح‏* * * و لا في ذين يغنم باكتساب‏

و كيف ينال مثلي النّجح فيها* * * و قد شحنت بأولاد القحاب‏]

و في بعض الخبر أن الدجّال يخرج من إصبهان. و في الحديث أن آدم (عليه السلام) لما أهبط من الجنة أهبط بالهند على جبل سرنديب، و أهبطت حواء بجدّة و إبليس [اللعين‏] بميسان و الحية بأصبهان.

و زعم بعض أصحاب الأخبار أنه لم ير في مدن الجبل مدينة أعذب ماء و لا أقل هواما و لا أطيب هواء و لا أصح تربة من إصبهان.

و ذكروا أن الحنطة و سائر الحبوب ربما أقامت في البيوت و الأهراء سنة و أكثر فلا تتغير و لا تفسد، و كذلك أيضا جميع الفواكه و المأكولات و لا تغير فيها القدور المطبوخة و لو أقامت أياما كثيرة.

فأما الميت فإنه يبقى في قبره المدة الطويلة و السنين الكثيرة لا يبلى، لصحة التربة و طيب الندرة.

و لهم الثياب العتابي و السعيدي و الوشي و أنواع الثياب القطنية و الملحم و غير ذلك. و الملح الأصبهاني موصوف في جميع بلدان الدنيا و كذلك الأشنان. و اللّه أعلم بالصواب [138 ب‏].

537

القول في الري و الدنباوند

قال ابن الكلبي: سميت الريّ برويّ من بني بيلان بن إصبهان بن فلوج بن سام. قال: و كان في موضع المدينة بستان. فخرجت بنت روي يوما إليه فإذا هي بدراجة تأكل تينا فقالت: بورأنجير. يعني أن الدراجة تأكل تينا. فاسم المدينة في القديم بورأنجير. و يغيرونه أهل الري فيقولون بهزويد.

و قال لوط بن يحيى‏ (1): كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى عمار بن ياسر- و هو عامله على الكوفة- بعد شهرين من فتح نهاوند يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الري و دستبى في ثمانية آلاف، ففعل. و سار عروة لذلك.

فجمعت له الديلم، و أمدّهم أهل الري، و قاتلوه فأظهره اللّه عليهم فقتلهم و اجتاحهم.

و قال جعفر بن محمد الرازي‏ (2): لما قدم المهدي الريّ في خلافة المنصور، بنى مدينة الري التي بها الناس اليوم و جعل حولها خندقا و بنى فيها مسجدا جامعا.

و جرى ذلك على يد عامر بن الخصيب، و كتب اسمه على حائطها. و تمم عليه سنة ثمان و خمسين و مائة و جعل لها فصيلا يطيف به فارقين آخر و سماها المحمدية.

فأهل الري يدعون المدينة الداخلة: المدينة. و يسمون الفصيل: المدينة الخارجة.

و الحصن المعروف بالزنبدي في داخل المدينة المعروفة بالمحمدية. و قد كان‏

____________

(1) البلاذري: فتوح 313.

(2) هو جعفر بن محمد الجرجاني الرازي الخواري، أبو عبد اللّه. (مجمع الرجال 2: 36) و روايته عن قدوم المهدي إلى الري لدى البلاذري 315.

538

المهدي أمر بمرمّته و نزله أيام مقامه بالري، و هو مطلّ على المسجد الجامع و دار الإمارة.

و يقال إن الذي تولى مرمته و إصلاحه ميسرة التغلبي- و كان من وجوه قواد المهدي- ثم جعل بعد ذلك سجنا ثم خرب. فعمره رافع بن هرثمة في سنة ثمان و سبعين و مائتين ثم خربه أهل الري بعد خروج رافع عنها.

قال‏ (1): و بالري أهل بيت يعرفون بآل الحريش لهم رفضة و أبنية حسنة. و كان نزولهم الري بعد بناء المدينة المحدثة.

قال: و كانت الري تدعى في الجاهلية أزاري. فيقال إنه خسف بها، و هي على اثني [139 أ] عشر فرسخا من موضع الري اليوم على طريق الخوار بين المحمدية و هاشمية الري. و فيها أبنية قائمة إلى اليوم تدل على أنها كانت مدينة عظيمة.

و هناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الري يقال له البهزان بينه و بين الري ستة فراسخ، يقال إن الري هناك كانت. و حدثني من رأى أثر الحوانيت و الأسواق بها.

و لا يزال الحرّاثون و من عرفها يجدون قطع الذهب و ربما وجدوا اللؤلؤ و اليواقيت و غير ذلك من هذا النوع.

و الري العتيقة المعروفة قد خربت أيضا. و كان المهدي في حياة المنصور حيث وجهه إلى خراسان، نزل في موضع منها يقال له السيروان و بنى فيها أبنية حسنة بعضها قائم إلى هذا الوقت.

و في قلعة الفرخان بالري يقول الغطمش الضبي و كان ديوانه هناك فكان لا يعدم في كل يوم أن يصاح بالنفير:

____________

(1) ما يزال القول للرازي و هو في فتوح البلدان 315.

539

على الجوسق الملعون بالريّ لا بني على رأسه داعي المنيّة يلمع‏ (1) و بالري مات محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة [و عنه أخذوا الفقه‏] (2).

و دخلها سعيد بن جبير فلقيه الضحاك و كتب عنه التفسير.

و كان عمرو بن معديكرب الزبيدي غزا الري فلما انصرف توفي فدفن فوق روزه و قوسنة بموضع يسمى كرمانشاه.

و بها مات الحجاج بن أرطاة النخعي سنة ثمان و أربعين و مائة. و كان شخص إليها مع المهدي.

و بها توفي الكسائي المقري و اسمه علي بن حمزة، و كان شخص إليها مع الرشيد و هو يريد خراسان.

و بها مات محمد و أحمد ابنا خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني. و كان موت أحمد بها في ولاية موسى بن بغا سنة سبع و خمسين و مائتين، و موت أخيه محمد في أيام المعتضد و المكتفي مقيم بالري في سنة إحدى و ثمانين و مائتين. و كان محمد بن خالد في الوقت الذي اتخذ المعتصم الأتراك، و أخذ الجند و القواد أن يلبس السيوف بمعاليق و يترك الحمائل إلى الايزون من الري، و لا يطأ بساط خليفة و لا يخدم السلطان و الأتراك دولة. و احتجب عن الناس. و يقال إنه لبس برقعا فأغمضت الخلفاء له عن ذلك لجلالته و عظيم خطره.

فلم يزل [139 ب‏] على ذلك مستترا إلى أيام الموفق. فلما قلّد أحمد بن عبد العزيز حرب رافع و صار المكتفي إلى الري، لقيه محمد بن خالد و أقام مديدة ثم مات.

و لم تزل وظيفة الري اثني عشر ألف ألف درهم حتى اجتاز بها المأمون منصرفه عن خراسان يريد مدينة السلام فلقيه أهلها و شكوا إليه أمرهم و غلظ

____________

(1) فتوح البلدان 316.

(2) من المختصر فقط.

540

وظيفتهم، فأسقط منها ألفي ألف درهم و سجّل بذلك لأهلها.

و قال بعض العلماء: مكتوب في التوراة: الري باب من أبواب الأرض و إليها متجر الخلق.

قال أبو جعفر الجمال: قلت ليحيى بن حديش: سمعت ملك بن مغول يقول: نعم دار الدنيا و الآخرة الري. قال: نعم.

و قال الأصمعي: الري عروس الدنيا و إليها متجر الناس و هو أحد بلدان الأرض.

و قال أحمد بن إسحاق‏ (1): الري طيبة الهواء عجيبة البناء، بلد التجار و مأوى الفجار، و هي عروس الأرض و سكّة الدنيا و واسطة خراسان و جرجان و العراق و طبرستان. و لذلك قال بعض العلماء: أحسن الأرض المخلوقة الري و لها السرّ و السربان، و أحسنها مصنوعة جرجان و إليها تقع تجارات أرمينية و آذربيجان و الخزر و بلاد برجان، لأن تجار البحر يسافرون من الشرق إلى الغرب و من الغرب إلى الشرق فيحملون الديباج و الخزّ [الفائق‏] (2) من فرنجة إلى الفرما، ثم يركبون إلى القلزم فيحملون ذلك الديباج إلى الصين، و يحملون [الدار صيني و الماميران‏].

و متاع الصين كله حتى يصيرون إلى القلزم ثم يتحولون إلى الفرما. و هم [التجار] اليهود الذين يقال لهم الراذانية، يتكلمون بالفارسية و الرومية و العربية و الإفرنجية.

و يخرجون من الفرما يبيعون المسك و العود و جميع ما معهم من ملك فرنجة. و ربما حملوا أمتعتهم إلى قسطنطينية، و ربما حملوا الرقيق الأندلسي من إفرنجة إلى أنطاكية، ثم يصيرون إلى بغداد ثم إلى الأبلة.

و أما تجار الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخزّ و الثعالب من أقصى صقلبة فيجوز [ون‏] إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم، ثم يجوزون إلى خليج‏

____________

(1) أحمد بن إسحاق الرازي من أصحاب الإمام الهادي (ع) (213- 254 ه-) (جامع الرواة 1:

41) و انظر مجمع الرجال 1: 95).

(2) من المختصر.

541

الخزر فيعشرهم صاحب الخزر، ثم يصيرون إلى بحر خراسان في هذا البحر الذي يقال له بحر الصقالبة، فربما [140 أ] خرجوا بجرجان فباعوا جميع ما عندهم ليحمل جميع ذلك إلى الري.

ثم أعجب من هذا، ان جميع ما بلغ إلى طبرستان من ناحية الديلم و الجبل و البربر و الطيلسان من الرقيق و سائر الأمتعة فإنما هو إلى الري لجلالتها و كبرها و كثرة تجاراتها.

و كان عبيد اللّه بن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الري أن يخرج على الجيش الذي وجهه لقتال الحسين رضي اللّه عنه. فأقبل يميل بين الخروج و ولاية الري أو القعود:

أ أترك ملك الريّ و الريّ رغبتي‏* * * أم ارجع مذموما بقتل حسين‏

و في قتله النار التي ليس دونها* * * حجاب، و ملك الريّ قرة عين‏

[و قال ابن كربويه الرازي‏ (1)، و كان أحد أصحاب الحسين بن أحمد العلوي بقزوين:

يا منية هيّجت شوقي و أحزاني‏* * * لا تبعديني فبعد الدار أضناني‏

إنّي أعيذك بالأجفان يا سكني‏* * * أن تتركيني أخا شجو و أشجان‏

إذا بعدت يكاد الشوق يقتلني‏* * * حتى إذا طاف طيف منك أحياني‏

يا جفوة من حبيب أقرحت كبدي‏* * * هلّا رثيت لنائي الدار حيران‏

دامي الجفون نحيل الجسم محترق‏* * * صبّ أسيف قريح القلب حرّان‏

أمسى بقزوين مسلوبا عزيمته‏* * * مقسّما بين أشجان و أحزان‏

____________

(1) لا نعلم من يكون ابن كربويه، إلّا ان الحسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل الأرقط المعروف بالكوكبي ظهر بقزوين و زنجان و تغلب عليها و طرد عنها آل طاهر و ذلك في عام 251 ه (و قد أغار عام 252 ه- على الري و معه جستان صاحب الديلم فقتلوا و سلبوا ...) (الطبري 9: 372 و 378) و انظر التدوين 2: 441.

542

أقول يوم تلاقينا و قد سجعت‏* * * حمامتان على غصنين من بان‏

الآن أعلم أن الغصن لي غصص‏* * * و إنما البان بين عاجل دان‏

و قمت تخفضني أرض و ترفعني‏* * * أخرى و هدّ مسير الليل أركاني‏

ما لي أنادي فيأبى أن يجيب فتى‏* * * لو كان بالرّيّ لبّاني و فدّاني‏

يا نفس لا تجزعي من ذاك و اشتملي‏* * * ثوب العزاء فإن الغائب الجاني‏

أنا الّذي غرّه بيتان قالهما* * * مضلّل ما له في جهله ثان‏

لا يمنَعنّك خفض العيش في بلد* * * نزوع نفس إلى أهل و أوطان‏

تلقى بكلّ بلاد أنت ساكنها* * * أهلا بأهل و جيرانا بجيران‏

حتّى تركت لذيذ العيش في بلدي‏* * * فناء داري عن أهلي و إخواني‏

و شاقني نحو قزوين منى بطلت‏* * * نفت رقادي و أذرت دمع أجفاني‏

فيا لها حسرة إذ عزّ مطلبها* * * لم تبق منّي على روح و جثمان‏

أنا النّذير لكم يا قوم فاستمعوا* * * مني مقالة نصح غير خوّان‏

للموت بالرّيّ خير للمقيم بها* * * من الحياة بقزوين و زنجان‏

أنّى لها كجنان في شوارعها* * * يطفحن في كلّ بستان و ميدان‏

أو كالمدينة شطّاها و شارعها* * * من المصلّى إلى صحراء أزدان‏

و هات كالسّربان اليوم مرتبعا* * * من باب حرب إلى ساحات عفّان‏

أنهارها أربع محفوفة زهر* * * تحار فيهنّ عينا كلّ إنسان‏

و شارع السّرّ يمناه و يسرته‏* * * محفّفان بأنهار و أغصان‏

و قصر إسحاق من فولاد منحدرا* * * على الشراك إلى درب الفليسان‏

و كم بروذة من مستشرف حسن‏* * * إلى المضيق بها من باب باطان‏

و كم بناهك من دار كلفت بها* * * و ظبية ترتعي في سفح غدران‏

و شادن غنج كالبدر صورته‏* * * يميس في حلل تلهو بفتّان‏

يا ريّ صلّى عليك اللّه من بلد* * * و لا أغبّك دارّ (؟) القطر هتّان‏

543

حيّ الديار بها و الساكنين بها* * * من النساء و من شيب و شبّان‏

إلّا بقايا بغاة الأرض قد جحدوا* * * دين المهيمن من كفر و عدوان‏

كم حلّ عرصة نصراباد قاطبة* * * من ابن زانية محض و كشخان‏

و كم بسكة ساسان إذا ذكروا* * * من ابن فاجرة نصّ و قرنان‏

هم الألى منعوني قرب دارهم‏* * * و باعدوني عن أهلي و خلاني‏

و شرّدوني عن صحبي و عن ولدي‏* * * حتى لجأت إلى أجبال قصران‏]

و خراج الري عشرة ألف ألف درهم بالكفاية. و من الري إلى قزوين ذات اليسار سبعة و عشرون فرسخا. و من قزوين إلى أبهر اثنا عشر فرسخا. و من أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخا.

و روي عن الصادق رضي اللّه عنه أنه قال: الري و قزوين و ساوة ملعونات مشؤومات.

و قال إسحاق. بن سليمان‏ (1): ما رأيت بلدا أرفع للخسيس من الري.

و في أخبار أهل البيت قالوا: إن الري كانت منابت الشؤم و ستعود منابت الشؤم.

و في خبر آخر: الري ملعونة و تربتها تربة ديلمية و هي على بحر عجاج تأبى أن تقول الحق.

و روى محمد بن الريان‏ (2) عن إسماعيل الرازي قال: قال لي الحسن بن‏

____________

(1) إسحاق بن سليمان الرازي الكوفي الأصل المتوفى عام 199 ه (العبر 1: 257) و ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب (1: 205) ترجمة مطولة و قال إنه «إسحاق بن سليمان الرازي، أبو يحيى العبدي: كوفي نزل الري ....».

(2) محمد بن الريان بن الصلت. من أصحاب الإمام الهادي (213- 254). انظر: جامع الرواة 2: 113) و رجال الكشي 546. و رجال النجاشي 370 و فيه «محمد بن الريان بن الصلت الأشعري: له مسائل لأبي الحسن العسكري (عليه السلام) ....». فهو قد أدرك الإمام العسكري (232- 260 ه) أيضا. أما الحسن بن علي بن فضال، فهو أبو محمد بن عمر بن‏

544

علي بن فضال: تعرف الدولاب؟ قلت: نعم، أعرفه. قال تعرف شجرة تسمى آزاذ؟ قلت: لا. قال: فروى عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد رضي اللّه عنه أنه قال: إذا اتصلت حيطان المدينة بحيطان الدولاب فعندها توقعوا بلاء القوم، ثم تلا قول اللّه عزّ و جلّ «وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً». قال: الري.

و عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد رضي اللّه عنه: ويل للري من جناحيها.

قيل و أي شي‏ء جناحاها (1)؟ [140 ب‏] قال: طبرستان أحد جناحيها.

و عن محمد الرازي‏ (2) عن أبيه عن جده أبي إسماعيل، و كان نساجا، فاتخذ ثوبا و جوّده و قصره و حج فأتى أبا عبد اللّه‏ (3) و وضعه بين يديه، فأخذه و نظر إليه و نشره و قال: هذا محكم العمل. فقال أبو إسماعيل أنا نسجته يا سيدي بيدي.

فقال له أبو عبد اللّه: فأنت نساج؟ قال: نعم. [فقال‏]: مرحبا بنسّاجنا، من أين أنت؟ قال: من أهل الري. قال: أتعرف التل الأحمر؟ قال: لا. قال: هو ناء عن المدينة عند الباب الحديد لا يسلك إلّا عند ارتفاع النهار. أما إن ذلك الموضع سيعمر. ثم قال: أتعرف كناسة الدواب؟ قلت: نعم. قال: فتعرف جبل الطين الأسود؟ قال: لا. قال: الجبل الذي يقال له جبل ليلا. قلت: نعم أعرفه. قال:

فتعرف باب المدينة الحديدي و سورها؟ قلت: نعم. قال: عنده مصارع القوم، يقتل من صحابة [بني‏] (4) العباس و شيعتهم ثمانون ألفا منهم ثمانون [ممن‏] يصلح للخلافة. فقلت له: جعلت فداك، أ لك حاجة؟ قال: حاجتي أن تدع هذا العمل.

قلت: فأي شي‏ء أعمل؟ [قال‏]: كن صيقلا فقلت له: على كبر السن كيف أعمل؟

____________

أيمن الزاهد العابد المتوفى سنة 224 ه- كما في رجال النجاشي الذي ترجم له ترجمة مطولة (انظر 34- 36) و ذكر مؤلفاته.

(1) في الأصل: جناحيها.

(2) هو محمد بن إسماعيل الرازي.

(3) هو الإمام جعفر الصادق (ع).

(4) زيادة يقتضيها السياق.

545

قال: سهّل اللّه عليك تعلّمه و نوّر قلبك و يسّره عليك.

قال: فقدمت الري فتعلمته في شهر. فكان يروى عنه الحديث: عن أبي إسماعيل الصيقل عن أبي عبد اللّه.

و كان الرشيد يقول: الدنيا أربعة (1) منازل، قد نزلت منها ثلاثة. أحدها دمشق و الآخر الرقة و الثالث الري و الرابع سمرقند و أرجو أن أنزله. و لم أر في هذه البلاد الثلاثة التي نزلتها موضعا هو أحسن من السربان لأنه شارع يشتق مدينة الري في وسطه نهر، فهو حسن. عن جانبيه جميعا أشجار ملتفة متصلة و فيما بينها أسواق.

و خطب أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه يوما فقال في خطبته:

احمدوا اللّه الذي أحصاكم عددا و وظف لكم مددا في قرارة الدنيا، فإنكم مفارقوها و منقطعون عنها و محاسبون بما عملتم فيها. لا تخدعنكم بقاي‏ (2) لذاتها فإنها ثقيل مطلبها، رنق شربها. غرور حائل و شبح [141 أ] مائل و سنان قاتل، تعزّ مستدبرها و تصرع مستفيدها بغرور شهوتها و مونق لذتها و حبل مدتها، حتى إذا أنس ناقدها و قرّ شاردها، قنصته بأحبلها، فتفلته إلى ضنك المضجع و وحشة المرجع و مجاورة الأموات و مفارقة الأوقات. فهم لا يرجعون و لا يؤذن لهم فيعتذرون. قد ارتهنت الرقاب بسالف الاكتساب، و أحصيت الآثار، و قد خاب من حمل ظلما. فيا لها أمثالا كافية و مواعظ شافية لو صادفت أذنا واعية و قلوبا زاكية و ألبابا حازمة و آراء عازمة.

ثم قال: كيف بهم إذا خرج المشرقي، و تحرك المغربي، و حارب السجزي، و تحرك الهجري، و ثار الحسيني، و غضب الحسني، و قام العلوي، و بويع الأموي، و خرج الأرمني، و ماج الديلم، و ضج الطبري، و قدم الهاشمي، و وافى المصري،

____________

(1) في الأصل: أربع.

(2) المقصود: بقاء.

546

و ظفر الخراساني، و كفر الكلبي، و بويع الزنجي، و نقض التركي، و غلب الرومي، و خرج القحطاني.

عندها يخرج الروم في ألف ألف و يزيدون. و يهرب الهاشمي من الزوراء و ينزلها الخراساني. فالويل لهم من المظفر العلوي، و الويل لأهل البصرة و الأبلّة و الأهواز و واسط من المظفر العلوي أيضا. يقتل بالبصرة مائة ألف و يزيدون، و بواسط مثل ذلك، و هو السفّاح.

و ويل للرافقة و قرقيسيا من كلب و قيس. و الويل كل الويل للزوراء من السفياني، يقتل في كل يوم واحد مائة ألف أو يزيدون، و اليوم الثاني مثل ذلك، و اليوم الثالث مثل ذلك في صعيد واحد، لا ينظر اللّه إليهم و لا يكلمهم و لهم عذاب أليم.

و الويل لأهل الكوفة من السفياني، و الويل لأهل يثرب من الأبقع، سيبقر بطون النساء و يقتل النفس الزكية.

و الويل لأهل مكة من الأصهب و من صاحب مصر يقتلهم بغير عدد حتى يجري الدماء في وادي العرفات.

و الويل لأهل فسطاط مصر من فرعون الثاني و هو السفياني، كيف يقتل النساء و لا يرحم الصبيان و الإماء.

و البلية العظمى بصخر الري، يقتل في ذلك الموضع ستون ألفا إلى الباب.

و الويل لأهل قزوين من الديلم، يقتل الرجال و تسبى النساء و الذراري.

و الويل لهمذان من جانب طبرستان، و الويل للري من صاحب الديلم و الويل لهم من صاحب إصبهان.

في كلام طويل.

و بعث الحجاج إلى وفد كانوا قدموا عليه من الديلم فعرض عليهم الإسلام أو الجزية فأبوا أن يفعلوا شيئا من ذلك. فأمر أن يصوّر لهم بلدهم سهله و جبله و عقابه و غياضه فصوّرت له. فدعا من قبله من الديلم فقال إن بلادكم قد صورت لي‏

547

و رأيت فيها مطمعا فاعترفوا بما دعوتكم إليه قبل أن أغزيكم الجنود فأخرب البلاد و أقتل المقاتلة و أسبي الذرية. قالوا: أرنا هذه الصورة التي أطمعتك في بلادنا فأحضرها حتى نظروا إليها. فقالوا: قد صدقك من صوّرها غير أنه لم يصوّر لك الرجال الذين يمنعون هذه العقاب و الثنايا، و ستعلم ذلك لو تكلفته.

فأغزاهم الجنود و عليهم ابنه محمد بن الحجاج فلم يصنع شيئا غير أنه بنى مسجدا لأهل قزوين و نصب فيه منبرا [و هو مسجد التوث الذي على باب دار قوم يعرفون بالجنيدية. و حكي أن عمّال خالد بن عبد اللّه القسري لعنوا علي بن أبي طالب على المنبر فقام حبيش بن عبد اللّه و هو من موالي الجنيد أو بني عمه فاخترط سيفه و ارتفع به إلى العامل فقتله و قال: لا نحتملكم على لعن علي بن أبي طالب.

فانقطع بعد ذلك اللعن عنه (رضوان اللّه عليه)‏] (1).

و قال محمد بن زياد المذحجي: رأيت في مسجد قزوين لوحا مكتوبا مما أمر به محمد بن الحجاج الثقفي. و أنشد جعفر بن عمر بن عبد العزيز:

هل تعرف الأبطال من مريم‏* * * بين سواس فلوى يرثم‏

فذات أكناف فقيعانها* * * فجزع فدفر واف الأحرم (؟)

ما لي و للريّ و أكنافها* * * يا قوم بين الترك و الديلم‏

أرض بها الأعجم ذو منطق‏* * * و المرء ذو المنطق كالأعجم‏

و لما ميّز قباذ إقليمه، وجد أنزه بقاعه بعد أن بدأ بالعراق التي هي سرّة الدنيا و الأقاليم، ثلاثة عشر موضعا: المدائن، و السوس، و جنديسابور، و تستر، و سابور، و بلخ، و سمرقند، و باورد، و بطن بنهاوند تسمى روزراور، و ما سبندان، و مهر جانقذق، و تل ما سير، و إصبهان و الري. و أسرى فواكه إقليمه سبعة مواضع:

المدائن، و سابور، و أرجان، و نهاوند، و ماسبندان [142 أ] و حلوان، و الري. و أوبأ بقاع إقليمه ستة مواضع: البندنيجين، و سابور خواست، و برذعة، و زنجان، و جرجان، و الخوار- بطن الري-.

____________

(1) ما بين عضادتين في المختصر فقط.

548

و الري سبعة عشر رستاقا منها: [الخوار] و دنباوند، و ويمة، و شلمبه [هذه التي فيها المنابر] (1).

و في كتاب الطلسمات: إن قباذ وجّه بليناس الرومي إلى الري فاتخذ بها طلسما للغرق فأمنوه، و ذلك أنها على بحر عجّاج. و استطابها بليناس فعزم‏ (2) على المقام بها فآذاه أهلها فاتخذ بها طلسما للنزول فليس يجتاز بها أحد من خراسان إلّا نزلها.

و عمل طلسما آخر للغلاء فهي أبدا غالية السعر.

ثم كتب بليناس إلى قباذ يخبره بما قد عمل من الطلسمات في بلاده و يستأذنه في المصير إلى خراسان. فكتب إليه قباذ: إن قباذ الأكبر قد طلسم ما وراء الري إلى بلخ و جرجان و سجستان [مائتين و خمسين طلسما] (3) و ليس هناك شي‏ء فأقبل إلينا.

[و قال الشاعر:

الريّ أعلى بلدة أسعارا* * * لا درهما تبقي و لا دينارا

تدع الغريب محيّرا في سوقها* * * قد تاه ينظر هائما خوّارا

في كلّ يوم ينبغي لغدائه‏* * * أن كان يملك للغداء قنطارا

و بها أناس شرّ ناس باعة* * * لا يحفظون من الغريب جوارا

سيسوا بكلّ قبيحة فتراهم‏* * * أدهى و أخبث من تحلّى العارا

لا يصدقون و صدق قول فيهم‏* * * عار و كلّ يبغض الأبرارا

إن جئت تسألهم لتسقى شربة* * * قالوا إليك تجنّب الأشرارا

فلقد لبسنا العار حتّى ما لنا* * * إلّا الفضائح ملبسا و إزارا] (4)

____________

(1) ما بين عضادتين في المختصر فقط.

(2) في الأصل: فعلم على المقام.

(3) في المختصر فقط.

(4) في المختصر فقط.

549

و في أخبار فريدون على رواية الفرس: لما أقبل بالبيوراسف من المغرب نحو المشرق ليسجنه [بدنباوند] مرّ بكورة إصبهان- و قد طوى أفريدون أياما لم يذق طعاما- فطلب قوما يمسكونه عليه ريثما يتغدى. فجمع الملك عالما من الناس فلم يقدروا على إمساكه، فأدار سلاسله على جبل من جبال إصبهان و أوثقه بأساطين و سكك من حديد قوية. و توثق منه حتى ظن أنه قد أحكم ما أراد. حتى إذا جلس على غذائه، اجتذب البيوراسف سلاسله مع تلك الأساطين و السكك و احتمل الجبل يجره بسحره ثم طار به في الهواء، فتبعه أفريدون فما لحقه إلّا بالمدينة المعروفة ببزورند و هي الري. فلما لحقه قمعه بمقمعة من حديد كانت في يده فسقط مغشيا عليه ورسا ذلك الجبل المنقول من إصبهان بمدينة الري. فهو الآن جبلها المطلّ عليها. فلعن أفريدون ذلك الجبل و دعا اللّه أن لا ينبت عليه شيئا في شتاء و لا صيف و أن لا يثبت عليه ثلج و لا تسرح عليه سارحة تؤمّه و لا أهلية و لا يأتي إليه حيوان.

فأجاب اللّه دعاءه. فهو كذلك [142 ب‏] إلى يوم التناد.

ثم قاده من الري نحو محبسه على طريق الخوار، فوافاه و هو يقوده إصبهبد جرجان- و كان رجلا ذا أيد و بطش- فسار معه أياما. و عرضت لأفريدون حاجة فلم يثق بأحد يمسكه عليه فقال الأصبهبد: أيها الملك، أنا أمسكه عليك. فقال:

أخاف أن لا تقوى فتعطب على يده. فقال: أرجو أن يعينني اللّه عليه بقدرته.

و ناوله أفريدون سلاسله و ساربه، فلم يلتوي عليه، و مرّ يحجل في قيوده.

فلما غاب أفريدون () (1) فلما أطالا المجاذبة دخلت رجلاه إلى ركبتيه في الأرض، فخدّ في ذلك المكان أخدودا عظيما جرى فيه بعد ذلك الماء فصار نهرا عظيما، و هو اليوم يعرف بوادي خوار، يعرفه أهل تلك الناحية و يسمونه بهندرود.

و طعنه أفريدون و قمعه بمقمعة واحدة من يد الأصبهبد و بارك عليه و زاد في مرتبته و سماه بهند جرجان و خراسان اصبهبد.

____________

(1) كلمة مطموسة. و يمكن أن تكون: جاذبه السلسلة.

550

ثم حمله إلى كورة دنباوند فسجنه هناك في جبل يسمى جبل الحدّادين في قرية اسمها قرية الحدادين أيضا. و وكل به أرمائيل و مثّل بين يديه في القلة صورة أفريدون و طلسم عليه طلسما و بنى حوله حوانيت رتّب فيها قوما حدادين يضربون مطارقهم نوائب على سنداناتهم ليلا و نهارا شتاء و صيفا لا يفترون عن ذلك و جعله في كهف عظيم في جوف القلة و أثقله بالحديد و جعل على باب الكهف عدة أبواب حديد و أسقط عن سكان هذه القرية الخراج و العشر و جميع النوائب، فليست عليهم مؤونة إلّا ضرب هذه المطارق على سندانات خالية، و يتكلمون على ضربهم بكلام موزون و يهمسون به عند ضربها لئلا يقطع البيوراسف سلاسله و أغلاله فيقال إنه يلحس أغلاله دائما ليلا و نهارا فتدق عن لحسه، فإذا ضرب‏ (1) هؤلاء بالمطارق عادت إلى حالها في الغلظ و الوثاقة. و يقال إن الطلسم الذي يمنعه من قطع السلاسل بعد لحسه إياها فهو معمول في ضرب هؤلاء الحدادين بمطارقهم.

و مضى أفريدون- بعد أن حبسه في الكهف و استوثق منه- منصرفا إلى دار مملكته [143 أ] و وكل أرمائيل بحفظ البيوراسف و طعامه. فكان يذبح له في كل يوم رجلين فيغذي بأدمغتهما حيّتيه اللتين على كتفيه أعواما.

ثم إن أرمائيل تحوّب من ذبح الناس فتلطّف في استنقاذهم و احتساب الأجر في إطلاقهم من القتل، فمضى إلى قرية من قرى دنباوند تسمى مندان فبنى على جبلها أبنية جليلة و قصورا عظيمة و جعل فيها بساتين و عيونا تجري في صحون تلك الدور و البساتين، و بنى في بعض تلك القصور بيتا بخشب الساج و الابنوس و صور فيه جميع الصور، فلم يكن لأحد في ناحية المشرق، بناء أشرف منه ارتفاعا و حسنا و دقة نقوش و كثرة عمل و تزاويق و تصاوير و تماثيل.

فما زال ذلك البنيان قائما حتى استنزل المهدي بن المصمغان من القلعة المعروفة بالهيرين- و كان قد أعطاه الأمان- فلما جاء به إلى الري أمر بضرب عنقه.

فلما استخلف الرشيد و صار إلى الري أخبر بمكان ذلك البنيان فصار إليه‏

____________

(1) في الأصل: فإذا ضربوا.

551

حتى وقف عليه و أمر بنقضه و حمله إلى مدينة السلام.

و كان أرمائيل نازلا في قصوره و أبنيته التي بناها فإذا جاءوه بالأسارى من الآفاق ليذبحهم و يأخذ أدمغتهم فيغذي الحيتين، أعتق في كل يوم أسيرا و ذبح مكانه كبشا و خلط دماغه بدماغ المقتول و غذا به الحيتين أعواما كثيرة. ثم بدا له في الذبح فكان إذا جاءوه بالأسارى أعتقهم و أسكنهم الجبل الغربي من قرية ميندان‏ (1) فبقي على ذلك من حاله ثلاثين عاما يعتق في كل عام سبعمائة و ثلاثين إنسانا- و قرية ميندان على جبلين بينهما واد فيه ماء عذب غزير لا ينقطع شتاء و لا صيفا، و على حافتي الوادي عيون تنصب إليه و شجر مثمر- فكان كلما أعتق أسيرا أعطاه دارا و أسكنه الجبل الغربي و أمره أن يزرع لنفسه ما يريد و يبني ما يشاء. فكانوا يفعلون ذلك. و قيض اللّه لأرمائيل مطلسما ألمّ به فقال: أنا اطلسم الطعام الذي يتغدى به هذا الملعون فيكون يتغلغل في جوفه و يرتفع [143 ب‏] إلى صدره و يجري في لهواته فيشبع منه و لا يحتاج إلى غيره أبدا و يجازيك الملك على ذلك.

ما الذي تجازيني عليه؟ قال: سل ما أحببت. قال: إذا أتتك رئاسة الناحية أشركتني فيها معك و في نعمتك و عقدت بيننا قرابة لا تنقطع. فضمن أرمائيل له ذلك و طلسم مأكول الملعون و مشروبه في جوفه، فهو يتغلغل في صدره إلى بلوغ مدة [أيامه‏] (2).

فلما كان بعد ثلاثين حولا من مملكة أفريذون أنفذ إلى أرمائيل رسولا يأتيه بخبر البيوراسف. فلما وافاه أنزله. أرمائيل معه في قصره. فسأله الرسول عما صنع فأخبره خبر المعتقين من الذبح و إنزاله إياهم الجبل الغربي. و لمّا أمسى أمر المعتقين أن يوقد كل واحد منهم على باب الموضع الذي هو فيه نارا ففعلوا. فقال الرسول: ما هذا؟ قال: هؤلاء المعتقون من الذبح. فقال الرسول بالفارسية: وس‏

____________

(1) هذه الوقائع و ما يليها ذات صلة بأسطورة الملك الظالم بيوراسف أو الضحاك و هي من القصص التي رواها الفردوسي في الشاهنامه (1: 30- 37) و لا تختلف عما هي عليه هنا إلّا في بعض التفصيلات.

(2) من المختصر.

552

مانا كي ته آزاد كردي؟ أي: كم من أهل بيت قد أعتقتهم؟ و تناهى الخبر إلى أفريدون فسرّ به سرورا شديدا و مضى نحو جبل دنباوند فوقف عليه فلما تقرر عند فعل أرمائيل شرفه و رفع درجته و سماه المصمغان و أقطعه مدينة دنباوند برساتيقها و قراها و عقد له تاجا و أقعده على سرير ذهب. فهم آل المصمغان المعروفون إلى يومنا هذا تلك الناحية.

و كان أفريذون سجن البيوراسف في النصف من ماه مهر و روز مهر، فلما أصبح جعله عيد المهرجان.

و يقال إن طول أفريذون تسعة أرماح- و الرمح بباعه ثلاثة أبوع- و عرض عجزه ثلاثة أرماح، و عرض صدره أربعة أرماح، و وسطه رمحان‏ (1).

و قال محمد بن إبراهيم بن نافع: كنت مقيما بطبرستان في خدمة موسى بن حفص الطبري‏ (2) أيام خلافة المأمون إذ ورد علينا قائد من قواد المأمون في مائة و خمسين فارسا و معه كتاب المأمون إلى موسى بن حفص يأمره بالشخوص معه إلى موضع البيوراسف [بقرية الحدادة في سنة 217] حتى يقف عليه و يتفحص عن خبره و يكتب إليه بصحة الأمر [144 أ] فيه.

قال: فوافينا قرية الحدادين، فلما قربنا من الجبل الذي هو فيه، إذا نحن بدويبة في عظيم البغال. فلما رأتنا صعدت في الجبل. قال: و إذا طيور بيض كبار أكبر من النعام في خلق الفصلان. و إذا قلة الجبل مغشاة بالثلج، و إذا دود و عظام مثل الجذوع تنحط من ذلك الثلج، فإذا انفصلت الدودة عن الثلج و انحدرت إلى القرار و انسابت على الحجارة انفقأت فسال من جوفها مثل الساقية. فإذا كان ذلك‏

____________

(1) في الأصل: رمحين.

(2) ولي طبرستان و الرويان و دنباوند عام 207 ه ثم توفي عام 211 ه (الطبري 8: 596، 618). و عليه فإن العمر لم يمتد به حتى عام 217 لينفذ رغبة المأمون المزعومة. نعم يمكن أن يكون ابنه هو المقصود حيث ولي طبرستان بعد وفاة أبيه و ظل فيها ست سنوات (تاريخ طبرستان 211). أما محمد بن إبراهيم فهو العلوي الذي ذكره الطبري في تاريخه (9: 273) ضمن حوادث تتعلق بطبرستان جرت عام 250 ه.

553

نهضت تلك الطيور إلى جلود هذا الدود فأكلتها.

فلم تزل العسكر في القرية أياما يرومون الوصول إلى موضع البيوراسف و لا يهتدون لموضع الجبل في الصعود. فبينا هم كذلك إذ أتاهم شيخ قد نيف على مائة سنة فسائلهم عما قدموا له، فعرّفوه الخبر، و إذا على الجبل حوانيت كثيرة فيها قوم من الحدادين حول تلك القلّة عليهم نوائب يضربون مطارقهم على سنداناتهم ساعة بعد ساعة و يتكلمون عليها بكلام يهجسون به موزون عند ضربهم، لا يفترون ليلا و لا نهارا. فسألوا الشيخ عن الخبر، فقال لهم: هذه الحوانيت و ضرب هؤلاء على السندانات، طلسم على البيوراسف لئلا ينحل عن وثاقه، و إنه لدائب بلحس سلاسله و أغلاله، فإذا ضربت هذه المطارق عادت أغلاله و سلاسله إلى ما كانت عليه من الغلظ. فإن أحببتم الوقوف على صحة هذا الحيوان المحبوس في هذه القلة حتى لا يتخالجكم فيه ريب أريتكم برهان ذلك. فقال له القائد: ما جئت لغير هذا الذي وصفت. فأحضر الشيخ سلما مخروزا محكما من الصرم و سككا من سكك الحديد و جمع شباب القرية حتى صعد منهم من صعد على تلك السلّم من قرار القلّة إلى مقدار مائة ذراع في الجبل ثم أراهم في الجانب الشرقي من القلة عند مطلع الشمس جوبة عظيمة و عليها أسكفة باب حديد عليه مسامير من حديد مذهبة مكتوب عليها [144 ب‏] بالفارسية ما أنفق على كل مسمار و فوق الأسكفة كتابة تخبر أن على القلة سبعة أبواب من حديد، على كل باب أربعة أقفال قد كتب على بعض المسامير: لهذا الحيوان أمد يجري إلى غايته و نهاية لا يعدوها، فلا يعرض خلق لفتح شي‏ء منها فيهجم من هذا الملعون على ما لا يقوم له أهل الأرض و لا حيلة لأحد عما يريد.

فقال القائد (1): و يحكم حيوان منذ آلاف من السنين يبقى بغير قوت؟ فقال الشيخ: طعامه القديم الذي تغدى به مطلسم في جوفه، فهو يتغلغل في صدره و يرتفع إلى لهواته حتى تمتلأ منه، و قد منع من إخراجه. فذلك غذاؤه. فانصرفوا

____________

(1) في المختصر: فقال موسى بن حفص.

554

و لم يجدوا شيئا و كتب بخبره إلى المأمون فكتب أن لا تعرض له.

و عن رجل من كلب قال: كان الضحاك أشد الناس غيرة، فركب يوما إلى الصيد فجاء أفريذون في خيله فدخل داره و احتوى عليه و على نسائه. و بلغ ذلك الضحاك فوافى منزله. فلما نظر إلى أفريذون في داره مع نسائه أدركته الغيرة فغشى عليه و سقط عن دابته. و وثب أفريذون فأوثقه ثم تتبع عماله فأخذهم و غلب على ملكه و ذلك ماه مهر و روز مهر، فصيره يوم المهرجان. فقالت الأعاجم مهريان لقتل من كان يذبح في كل يوم و اتخذوه عيدا. و أخذ المصمغان و قال: إنك كنت شرّ عماله و كنت صاحب الذبح، فأذبحك كما كنت تذبح الناس. فقال: إن لي بلاء.

قال: و ما هو؟ قال: كان يأمرني بذبح اثنين في كل يوم فكنت أذبح واحدا و أعتق الآخر. قال: و كيف نعلم صحة ما ذكرت؟ قال: اركب معي حتى أريك إياهم.

فركب معه و سار حتى أشرف على جبال الديلم و الشور فنظر إلى عالم قد توالدوا و تناسلوا. فقال: هؤلاء كلهم عتقائي. فقال أفريذون: و س ما ناكي ته آزاد كردي؟

كم من أهل بيت أعتقتهم؟ اذهب فقد ملكتك عليهم. فأعطاه مملكة دنباوند. فلم يزل الضحاك [145 أ] عنده موثقا ستة أشهر ثم قتله يوم النيروز فقالت الأعاجم:

امروز نوروزي اي استقبلنا الدهر بيوم جديد. فاتخذوه عيدا.

و عن القاسم بن سلمان‏ (1) قال: أبجد و هوّز و حطي كلمن و سعفص و قرشت ثخذ ضظغ، كانوا ملوكا جبابرة ففكر قرشت يوما فقال: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏، فجعله اللّه اژدها، فله سبعة رؤوس‏ (2). فهو الذي بدنباوند محبوس.

و زعم بعض أهل العلم: إن المحبوس بجبل دنباوند صخر الجني الذي أخذ خاتم سليمان بن داود (عليهما السلام) لما ردّ اللّه عزّ و جلّ على سليمان ملكه، حبس صخرا في جبل دنباوند.

____________

(1) في الأصل: ابن سليمان. و التصحيح من الطبري 1: 195 الذي ذكر هذه الرواية أيضا.

(2) في الأصل: سبع. و كلمة أژدها هي الأساس الذي حوّرت منه كلمة الضحاك الذي أشرنا إليه فيما سبق- و هي بالفارسية تعني الأفعى ذات الرءوس السبعة- و هو الحاكم الظالم المسجون في جبل دنباوند (أي دماوند).