درر الفوائد في شرح الفرائد - ج2

- السيد يوسف المدني التبريزي المزيد...
400 /
101

(فهنا مقامان)

الاول حجيته بالاعتبار الاول و هى مبتنية من جهتى الثبوت و الاثبات على مقدمات: الاولى دلالة اللفظ على السبب و هذه لا بد من اعتبارها و هى محققة ظاهرا فى الالفاظ المتداولة بينهم ما لم يصرف عنها صارف و قد يشتبه الحال اذا كان النقل بلفظ الاجماع فى مقام الاستدلال لكن من المعلوم ان مبناه و مبنا غيره ليس على الكشف الذى يدعيه جهال الصوفية و لا على الوجه الاخير الذى ان وجد فى الاحكام ففى غاية الندرة مع انه على تقدير بناء الناقل عليه و ثبوته واقعا كاف فى الحجية فاذا انتفى الامر ان تعيّن ساير الاسباب المقررة و اظهرها غالبا عند الاطلاق حصول الاطلاع بطريق القطع او الظن المعتد به على اتفاق الكل فى نفس الحكم و لذا صرح جماعة منهم باتحاد معنى الاجماع عند الفريقين و جعلوه مقابلا للشهرة و ربما بالغوا فى أمرها بانها كادت تكون اجماعا و نحو ذلك و ربما قالوا ان كان هذا مذهب فلان فالمسألة اجماعية و اذا لوحظت القرائن الخارجية من جهة العبارة و المسألة و النقلة و اختلف الحال فى ذلك فيؤخذ بما هو المتيقن او الظاهر و كيف كان فحيث دل اللفظ و لو بمعونة القرائن على تحقق الاتفاق المعتبر كان معتبرا و إلّا فلا.

____________

[فى نقل كلام المحقق التسترى فى وجه حجية الاجماع‏]

(اقول) هاهنا مقامان‏ (الاول) حجية الاجماع بالاعتبار الاول و هو كونه حجة باعتبار نقل السبب الكاشف و لم ينقل الشيخ (قدس سره) من كلام المحقق اعلى اللّه مقامه المقام الثانى و لكن احتمل بعض ان المراد من المقام الثانى عدم حجية الاجماع بالاعتبار الثانى و هو ما انكشف للناقل من السبب بحسب ادعائه‏

(و كيف كان) ان حجيته مبتنية من جهتى الثبوت و الاثبات على مقدمات و المراد من جهة الثبوت ثبوت دلالة اللفظ على السبب بان كان لفظ الاجماع او غيره من ساير الالفاظ دالا على اتفاق جماعة يلازم قولهم قول الامام (عليه السلام) عادة و المتكفل لها المقدمة الاولى‏ (و المراد) من جهة الاثبات اثبات حجية نقل السبب المذكور و اثبات استكشاف الحجة المعتبرة من ذلك و المتكفل لهذه الجهة المقدمة

102

الثانية و ذكر صاحب بحر الفوائد ان الفرق بين الجهتين انما هو بحسب الاعتبار و إلّا فليس هنا امران انتهى.

(المقدمة الاولى) فى ثبوت دلالة اللفظ على السبب و هذه الدلالة لا بد من اعتبارها اذ لو لا هذه الدلالة فلا يكون الوجه للحجية و هى متحققة ظاهرا فى الالفاظ المتداولة بينهم كما اذا قال الناقل اجمع العلماء اتفق الاصحاب او العلماء او اجمع الاصحاب مثلا و لا ريب فى دلالة هذه الالفاظ و امثالها على السبب الكاشف ما لم يصرف صارف عنها اى ما لم تقم قرينة على ارادة الشهرة منها او تدوين الرواية فى الكتب او الاجماع على العمل بالاصل و غير ذلك من الامور التى تقدم ذكرها

(و قد تشتبه الحال) من حيث الدلالة على السبب الكاشف اذا كان النقل بلفظ الاجماع كما اذا قال المسألة كذا اجماعا من دون اضافته الى العلماء او الاصحاب سيما اذا كان ذلك فى مقام الاستدلال دون نقل الاقوال اذ نقل الاجماع فى مقام نقل الاقوال له ظهور تام فى اتفاق الكل بحسب الفتوى بخلاف نقل الاجماع فى مقام الاستدلال اذ يحتمل كون نقل الاجماع فى مقام الاستدلال مبنيا على الاجتهادات و تطبيق الكبريات على الصغريات بزعم الناقل مع عدم المطابقة فى نفس الامر

(و كيف كان) اذا كان النقل بلفظ الاجماع من دون اضافته الى الاصحاب او العلماء كما اذا قال المسألة كذا اجماعا فربما يحتمل فيه حصول العلم بقول الامام (عليه السلام) فيها للناقل من طريق المكاشفة التى تدعيه الصوفية حيث انهم يقولون ان العارف السالك بعد الرياضات النفسانية ينكشف له الاشياء كشفا حقيقيا بحيث يراها على وجه المشاهدة او السماع الغير المتعارف بان يرى الفقيه الامام (عليه السلام) فى امثال زماننا و يأخذ منه الفتوى لكنه يريد ان يجمع بين اظهار الحق و كتمان السر فيدعى الاجماع فى المسألة (و لكن) من المعلوم ان الاجماعات المنقولة فى كلمات العلماء سواء نقلت فى مقام الاستدلال او نقل الاقوال ليست على احد الوجهين المذكورين و ان وجد ففى غاية القلّة فلا تحمل عليه الاطلاقات‏

(قوله و لا على الوجه الاخير) قيل ان المراد منه هو الثانى عشر الذى اضافه‏

103

المحقق الى وجوه الاجماع و هو ان يرى الفقيه الامام (عليه السلام) و يأخذ منه الفتوى لكنه يريد ان يجمع بين اظهار الحق و كتمان السر فيدعى الاجماع فى المسألة

(فاذا انتفى الامران) اى طريق المكاشفة و السماع الغير المتعارف تعيّن ساير الاسباب المقررة لكشف قول الامام (عليه السلام) و اظهرها غالبا عند الاطلاق حصول الاطلاع على اتفاق الكل فى نفس الحكم بطريق القطع كما اذا تتبع جميع الاقوال او الظن المعتد به كما اذا اخبره العادل باتفاق الكل‏

(قوله و لذا صرح جماعة الخ) يعنى لاجل ان لفظ الاجماع و امثاله ظاهر فى اتفاق جميع العلماء على نفس الحكم صرح جماعة منهم باتحاد معنى الاجماع عند الفريقين و جعلوه مقابلا للشهرة و ربما بالغوا فى امر الشهرة بانها كادت ان تكون اجماعا و ربما قالوا ان كان هذا مذهب فلان فالمسألة اجماعية و اذا لوحظت القرائن الخارجية من جهة العبارة من حيث الدلالة على اتفاق الكل و المسألة من حيث كونها من الفروع المعنونة فى كلمات القدماء او الفروع الجديدة و النقلة من حيث الكثرة و القلة و من حيث كون الناقل كثير التتبع فى الاقوال و عدمه و اختلف الحال فى ذلك فيؤخذ بما هو المتيقن كاتفاق ارباب الكتب الحاضرة عنده او اتفاق المعروفين فى عصره او الظاهر و هو ارادة اتفاق الكل فى عصر و كيف كان فحيث دل اللفظ و لو بمعونة القرائن على تحقق الاتفاق المعتبر كان معتبرا و إلّا فلا.

104

(الثانية)

حجية نقل السبب المذكور و جواز التعويل عليه و ذلك لانه ليس إلّا كنقل فتاوى العلماء و أقوالهم و عباراتهم الدالة عليها لمقلديهم و غيرهم و رواية ما عدا قول المعصوم (عليه السلام) و نحوه من ساير ما تضمنه الاخبار كالأسئلة التى تعرف منها أجوبته و الاقوال و الافعال التى يعرف منها تقريره و نحوهما مما تعلق بها و ما نقل من سائر الرواة المذكورين فى الاسانيد و غيرها أو كنقل الشهرة و اتفاق ساير اولى الآراء و المذاهب و الفتوى أو جماعة منهم و غير ذلك.

و قد جرت طريقة السلف و الخلف من جميع الفرق على قبول اخبار الآحاد فى كل ذلك مما كان النقل فيه على وجه الاجمال او التفصيل و ما تعلق بالشرعيات او غيرها حتى انهم كثيرا ما ينقلون شيئا مما ذكر معتمدين على نقل غيرهم من دون تصريح بالنقل عنه و الاستناد اليه لحصول الوثوق به و ان لم يصل الى مرتبة العلم فيلزم قبول خبر الواحد فيما نحن فيه ايضا لاشتراك الجميع فى كونها نقل غير معلوم من غير معصوم و حصول الوثوق بالناقل كما هو المفروض و ليس شى‏ء من ذلك من الاصول حتى يتوهم عدم الاكتفاء فيه بخبر الواحد مع ان هذا الوهم فاسد من أصله كما قرر فى محله و لا من الامور المتجددة التى لم يعهد الاعتماد فيها على خبر الواحد فى زمان النبى (صلّى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السلام) و الصحابة و لا مما يندر اختصاص معرفته ببعض دون بعض مع ان هذا لا يمنع من التعويل على نقل العارف به لما ذكر.

____________

[فى اثبات حجية نقل السبب الكاشف و جواز التعويل عليه‏]

(اقول) انه قد تقدمت الاشارة الى ان المتكفل لاثبات حجية نقل السبب الكاشف هو المقدمة الثانية و هى تشتمل على عدة ادلة لاثبات حجية نقل السبب الكاشف و جواز التعويل عليه.

(احدها) جريان سيرة الخلف و السلف على الاعتماد باخبار الآحاد فى امثال المقام و فى المحكى انه قد ادعى السيرة من لدن آدم الى يومنا هذا على حجية خبر العادل قال المحقق الاصفهانى فى هداية المسترشدين كما قال المحقق التسترى لان نقل السبب ليس إلّا كنقل فتاوى العلماء و أقوالهم و عباراتهم الدالة عليها لمقلديهم و غيرهم.

105

(و ثانيها) ان نقل الثقة فيما نحن فيه ليس إلّا كنقله ما عدا قول المعصوم (عليه السلام) و نحوه من سائر ما تضمنه الاخبار كالأسئلة التى تعرف منها اجوبتها مثل ما روى انه (عليه السلام) سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر فقال أ ينقص اذا جف فقالوا نعم فقال لا و كذا الاقوال و الافعال التى يعرف منها تقريره (عليه السلام) بان يفعل فى حضرته فعل أو يذكر قول فيسكت عن الرد عليه مع تمكنه منه.

(و ثالثها) ان نقل الثقة فيما نحن فيه ليس إلّا كنقل تذكية الرواة او جرح بعضهم بعضا كما قال المحقق و نحوهما مما تعلق بها و ما نقل من ساير الرواة المذكورين فى الاسانيد و غيرها.

(و رابعها) ان نقل الثقة فيما نحن فيه ليس إلّا كنقله للشهرة و اتفاق سائر اولى الآراء و المذاهب و الفتوى او جماعة منهم و غير ذلك و قد جرت طريقة السلف و الخلف من جميع الفرق على قبول اخبار الآحاد فى كل ذلك مما كان النقل فيه على وجه الاجمال كنقل الشهرة و الاتفاق او التفصيل كنقل الفتوى للمقلد و ما تعلق بالشرعيات كنقل الفتوى و الأسئلة و الاقوال و الافعال التى تنقل معها جواب الامام و تقريره او غيرها كنقل قول اللغوى و الادباء و الجرح و التعديل للرواة حتى انهم كثيرا ما ينقلون شيئا مما ذكر معتمدين على نقل غيرهم من دون تصريح بالنقل عن الغير و الاستناد اليه لحصول الوثوق بالغير و ان لم يصل الى مرتبة العلم فيلزم بمقتضى السيرة المذكورة قبول خبر الواحد فيما نحن فيه ايضا لاشتراك الجميع فى كونها نقل امر غير معلوم للمنقول اليه من غير معصوم و حصول الوثوق بالناقل كما هو المفروض.

(و ليس شى‏ء من ذلك الخ) يعنى انه ليس شى‏ء من نقل الفتاوى و قول اللغويين و نقل الشهرة مندرجة تحت مسائل اصول الفقه حتى يتوهم عدم الاكتفاء فيه بخبر الواحد مع ان هذا الوهم اى عدم كفاية خبر الواحد فى المسألة الاصولية فاسد من أصله لفساد مبناه لان مبناه اما اصالة حرمة العمل بالظن او استبعاد اثبات المسائل الاصولية التى هى مبانى الفروع بمثل خبر الواحد و يرد على الاول ان‏

106

الخارج من الاصل ليس خصوص الفروع لعموم أدلة أخبار الآحاد كما سيأتى فى محله لها و للاصول و على الثانى ان مجرد الاستبعاد غير مفيد.

(قوله و لا من الامور المتجددة الخ) يعنى لا يتوهم ان الامور المذكورة اى الفتوى و حالات الرواة و غيرها و الشهرة و الاتفاق و امثال ذلك امور حدثت بعد زمن المعصومين (عليهم السلام) و لم تكن معهودة فى زمانهم حتى يحرز رضاهم بالعمل بالخبر الواحد فيها لان هذه الامور المذكورة كانت موجودة من لدن آدم الى يومنا هذا و عمل العقلاء فيها بخبر الواحد و لم يمنعهم المعصوم (عليه السلام) فتأمل.

107

(و يدل)

عليه مع ذلك ما دل على حجية خبر الثقة العدل بقول مطلق و ما اقتضى كفاية الظن فيما لا غنى عن معرفته و لا طريق اليه غيره غالبا اذ المعلوم شدة الحاجة الى معرفة اقوال علماء الفريقين و آراء ساير ارباب العلوم لمقاصد شتّى لا محيص عنها كمعرفة المجمع عليه و المشهور و الشاذ من الاخبار و الاقوال و الموافق للعامة او اكثرهم و المخالف لهم و الثقة و الاوثق و الاورع و الافقه و كمعرفة اللغات و شواهدها المنثورة و المنظومة و قواعد العربية التى عليها يبتنى استنباط المطالب الشرعية و فهم معانى الاقارير و الوصايا و ساير العقود و الايقاعات المشتبهة و غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل و لا طريق الى ما اشتبه من جميع ذلك غالبا سوى النقل الغير الموجب للعلم و الرجوع الى الكتب المصححة ظاهر او ساير الامارات الظنية فيلزم جواز العمل بها و التعويل عليها فيما ذكر فيكون خبر الواحد الثقة حجة معتمدا عليها فيما نحن فيه و لا سيما اذا كان الناقل من الافاضل الاعلام و الاجلاء الكرام كما هو الغالب بل هو اولى بالقبول و الاعتماد من اخبار الآحاد فى نفس الاحكام و لذا بنى على المسامحة فيه من وجوه شتى بما لم يتسامح فيها كما لا يخفى.

____________

(قوله و لا مما يندر اختصاص الخ) قال فى بحر الفوائد فى توضيح و تفسير هذه العبارة ما هذا لفظه الموجود فى نسخ الكتاب و فى نسخة عندى من الرسالة للمحقق المتقدم ذكره هذا الذى عرفت نقله و هو اما غلط من الناسخ او سهو من قلم المحقق المذكور (قدس سره) و حق العبارة ان يقول و لا مما يختص معرفته ببعض و الامر فى ذلك سهل بعد وضوح المراد انتهى.

(قوله و يدل عليه مع ذلك الخ) يعنى يدل على حجية الخبر فى الامور المذكورة مضافا الى السيرة ما دل من الكتاب و السنة على حجية خبر الثقة العدل بقول مطلق و يدل على حجيته ايضا فى الموارد المذكورة الانسداد الذى اقتضى كفاية الظن فيما لا غنى عن معرفته و لا طريق اليه غيره غالبا اذ المعلوم شدة الحاجة الى معرفة اقوال علماء الفريقين العامة و الخاصة و آراء ساير ارباب العلوم كاللغوى‏

108

و النحوى و الرجالى لمقاصد شتى لا محيص عنها كمعرفة المجمع عليه و المشهور و الشاذ من الاخبار و الاقوال و معرفة الموافق للعامة او اكثرهم و المخالف لهم فيؤخذ الخبر المخالف و يترك الموافق و معرفة الثقة و الاوثق و الاورع و الافقه من الرواة ليمتاز الحجة عن غيرها و الراجح عن المرجوح عند تعارض الخبرين.

و كمعرفة اللغات و شواهدها المنثورة من آية او رواية او من كلام الفصحاء و المنظومة و معرفة قواعد العربية التى يبتنى عليها استنباط المطالب الشرعية من ألفاظ الكتاب و السنة من اللغة و النحو و الصرف و فهم معانى الاقارير و الوصايا و ساير العقود و الايقاعات المشتبهة و غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل.

و لا طريق الى ما اشتبه من جميع ذلك غالبا سوى النقل الغير الموجب للعلم او الرجوع الى الكتب المصححة ظاهرا و ساير الامارات الظنية فيلزم جواز العمل بها و التعويل عليها فيما ذكر من الموارد فيكون خبر الواحد الثقة حجة معتمدا عليها فيما نحن فيه و لا سيما اذا كان الناقل من الافاضل الاعلام و الاجلاء الكرام كما هو الغالب فى الاجماعات المنقولة.

بل هو اولى بالقبول من اخبار الآحاد فى نفس الاحكام مثلا قول شيخ الطائفة ان هذه المسألة اجماعى اولى بالقبول من قول بعض الرواة و لاجل هذه الاولوية بنى على المسامحة فى الناقل للاجماع بما لا يتسامح فى الاخبار (من وجوه شتى) منها اشتراط كون كل واحد من رواة الخبر فى الاحكام مزكى بعدلين و لم يشترط فى غيرها كما قال به الشهيد الثانى على ما حكى عنه‏ (و منها) عدم جواز العمل باخبار الآحاد رأسا فى الاحكام مع جوازه بها فى اللغات و غيرها كما قال به السيد المرتضى و اتباعه‏ (و منها) اعتبار جمع كون راوى الخبر فى الاحكام عدلا اماميا بل ادعى الاجماع عليه كما ستعرف من كلام الشيخ فى العدة و لم يعتبروا ذلك فى غيره بل استقر عملهم على العمل بخبر مثل صاحب القاموس و الصحاح و غيرهما و غير ذلك من الوجوه.

109

(الثالثة)

حصول استكشاف الحجة المعتبرة من ذلك السبب و وجهه ان السبب المنقول بعد حجيته كالمحصّل فيما يستكشف منه و الاعتماد عليه و قبوله و ان كان من الادلة الظنية باعتبار ظنية أصله و لذا كانت النتيجة فى الشكل الاول تابعة فى الضرورية و النظرية و العلمية و الظنية و غيرها لاخسّ مقدمتيه مع بداهة انتاجه فينبغى (ح) ان يراعى حال الناقل حين نقله من جهة ضبطه و تورعه فى النقل و بضاعته فى العلم و مبلغ نظره و وقوفه على الكتب و الاقوال و استقصائه لما تشتت منها و وصوله الى وقائعها فان احوال العلماء مختلف فيها اختلافا فاحشا و كذلك حال الكتب المنقول فيها الاجماع فرب كتاب لغير متتبع موضوع على مزيد التتبع و التدقيق و رب كتاب لمتتبع موضوع على المسامحة و قلة التحقيق و مثله الحال فى آحاد المسائل فانها تختلف ايضا فى ذلك.

و كذا حال لفظه بحسب وضوح دلالته على السبب و خفائها و حال ما يدل عليه من جهة متعلقه و زمان نقله لاختلاف الحكم بذلك كما هو ظاهر و يراعى ايضا وقوع دعوى الاجماع فى مقام ذكر الاقوال او الاحتجاج فان بينهما تفاوتا من بعض الجهات و ربما كان الاولى اولى بالاعتماد بناء على اعتبار السبب كما لا يخفى فاذا وقع التباس فيما يقتضيه و يتناوله كلام الناقل بعد ملاحظة ما ذكر اخذ بما هو المتيقن او الظاهر.

____________

(اقول) ان المتحصّل من المقدمة الاولى و الثانية حصول استكشاف الحجة المعتبرة من ذلك السبب و بعبارة اخرى اذا دل اللفظ على السبب و ثبت حجية نقل السبب فيحصل للمنقول اليه استكشاف قول الامام (عليه السلام) او وجود الدليل المعتبر.

(و وجهه) ان الاجماع المنقول بعد حجيته من جهة ادلة حجية خبر العادل من العقل و النقل يكون كالاجماع المحصّل فيما يستكشف منه و الاعتماد عليه و قبوله و ان كان من الادلة الظنية باعتبار ظنية أصله و هو الاتفاق و الاجماع لفرض حصوله بالنقل و لذا كانت النتيجة تابعة لاخسّ المقدمتين فلو كان احدى المقدمتين ظنية و الاخرى قطعية تكون ظنية كما انه اذا كانت إحداهما نظرية و الاخرى ضرورية

110

تكون النتيجة نظرية و كذلك اذا كانت إحداهما ضرورية و الاخرى دائمة تكون دائمة و كذلك من ساير الجهات.

(فينبغى حينئذ) بعد تمهيد المقدمات المذكورة ان يراعى حال الناقل حين نقله من جهة ضبطه و تورعه فى النقل و بضاعته فى العلم و مبلغ نظره و وقوفه على الكتب و الاقوال و استقصائه لما تشتت منها و وصولها الى وقائعها فان احوال العلماء مختلف فيها اى متفاوتة فى الجهات المذكورة اختلافا فاحشا و كذلك يختلف حال الكتب المنقول فيها الاجماع فرب كتاب لغير متتبع موضوع على مزيد التتبع و التدقيق و رب كتاب لمتتبع موضوع على المسامحة و قلة التحقيق.

(و مثله الحال فى آحاد المسائل) كما ان احوال العلماء و احوال الكتب المنقول فيها الاجماع مختلف فيها و كذلك الحال فى آحاد المسائل فانها ايضا تختلف من حيث كون المسألة من الفروع الجديدة او القديمة المعنونة فى كتب الاصحاب و كذا يختلف حال لفظ الناقل بحسب وضوح دلالته على السبب كقوله اجمع العلماء كلهم على كذا و خفائها كذكر الاجماع بقول مطلق كما اذا قال المسألة كذا اجماعا (و كذا يراعى) حال ما يدل عليه اللفظ و هو السبب الكاشف من جهة متعلقه هل هو كاشف عن دليل قطعى او ظنى معتبر عند الكل او الناقل و من جهة زمان نقله اى نقل السبب الكاشف فانه ربما يختلف الحال بحسب زمان النقل فانه فى زمان قوة بضاعته فى العلم و الاطلاع يكون اقوى منه فى غير هذا الزمان كما هو ظاهر و يراعى ايضا وقوع دعوى الاجماع فى مقام ذكر الاقوال و الاحتجاج فان بينهما تفاوتا من بعض الجهات و ربما كان الاولى اولى بالاعتماد بناء على اعتبار السبب كما لا يخفى فاذا روعى الجهات المذكورة فان اتضح مقدار السبب المنقول فهو و ان وقع التباس فيما يقتضيه و يتناوله كلام الناقل بعد ملاحظة ما ذكر اخذ بما هو المتيقن او الظاهر

111

(ثم)

ليلحظ مع ذلك ما يمكن معرفته من الاقوال على وجه العلم و اليقين اذ لا وجه لاعتبار المظنون المنقول على سبيل الاجمال دون المعلوم على التفصيل مع انه لو كان المنقول معلوما لما اكتفى به فى الاستكشاف عن ملاحظة ساير الاقوال التى لها دخل فيه فكيف اذا لم يكن كذلك و يلحظ ايضا ساير ما له تعلق فى الاستكشاف بحسب ما يعتمد من تلك الاسباب كما هو مقتضى الاجتهاد سواء كان من الامور المعلومة او المظنونة و من الاقوال المتقدمة على النقل او المتأخرة او المقارنة ربما يستغنى المتتبع بما ذكر عن الرجوع الى كلام ناقل الاجماع لاستظهاره عدم مزيّة عليه فى التتبع و النظر و ربما كان الامر بالعكس و انه ان تفرد بشى‏ء كان نادرا لا يعتد به فعليه ان يستفرغ وسعه و يتبع نظره و تتبعه سواء تأخر عن الناقل ام عاصره و سواء ادى فكره الى الموافقة له او المخالفة كما هو الشأن فى معرفة ساير الادلة و غيرها مما تعلق بالمسألة فليس الاجماع الا كاحدها فالمقتضى للرجوع الى النقل هو مظنة وصول الناقل الى ما لم يصل هو اليه من جهة السبب او احتمال ذلك فيعتمد عليه فى هذا خاصة بحسب ما استظهر من حاله و نقله و زمانه و يصلح كلامه مؤيدا فيما عداه مع الموافقة لكشفه عن توافق النسخ و تقويته للنظر.

____________

[فى نقل كلام المحقق التسترى‏]

(اقول) حاصله انه لا بد من الملاحظة مع السبب المنقول ما يمكن معرفته من الاقوال للمنقول اليه على وجه العلم و اليقين اذ لا وجه لاعتبار المظنون المنقول على سبيل الاجمال دون المعلوم على التفصيل مع انه لو كان المنقول معلوما لما اكتفى به فى الاستكشاف عن ملاحظة ساير الاقوال التى لها دخل فى الاستكشاف‏

(ثم) لا بد من ان يلاحظ ايضا ساير ما له تعلق فى الاستكشاف من آية او رواية او شهرة منقولة و غير ذلك بحسب ما يعتمد المنقول اليه من تلك الاسباب كما ان الملاحظتين المذكورتين يقتضيهما الاجتهاد سواء كان الملحوظ من الامور المعلومة كتتبع اقوال الفقهاء او المظنونة كنقل الشهرة و الاجماع و سواء كان من الاقوال المتقدمة على زمان النقل او المتأخرة عنه او المقارنة.

112

(و اعلم ان لصاحب بحر الفوائد) حاشية فى لابدّية الملاحظة المذكورة لا يخلو نقلها عن الفائدة و هى ان لزوم ملاحظة ساير الاقوال و الامارات الموجودة فى المسألة التى ادعى فيها الاجماع فيما كان المنقول جزء السبب لا خفاء فيه و اما لزوم ملاحظة ما كان النقل كاشفا عنه ظنا على وجه الاجمال فيما كان تمام السبب او جزئه كما ربما يستظهر من كلامه (قدس سره) سيما قوله و ربما يستغنى المتتبع بما ذكر الخ فلا معنى له إلّا اذا ادعى كون نقل الاجماع ظنا خاصا مقيدا بالعجز عن تحصيل العلم بالمنقول او ظنا مطلقا فيكون اعتباره مشروطا بالعجز.

(نعم) مقتضى الاجتهاد الفحص عن معارضات الادلة لا الفحص عن صدقها و كذبها اللهم إلّا ان يقال ان الفحص عن المعارض بالنسبة الى خصوص نقل الاجماع يوجب الاطلاع العلمى على حال نقل الاجماع غالبا و من هنا قد يستغنى المتتبع من الرجوع الى النقل لاستظهاره عدم مزية الناقل عليه انتهى كلامه رفع مقامه.

(و ربما يستغنى المتتبع) بمراعات ساير ما له تعلق بالمسألة عن الرجوع الى كلام ناقل الاجماع اذ بعد التتبع تفصيلا لا حاجة الى رجوع كلامه لاستظهاره عدم مزية عليه فى التتبع و النظر و ربما كان الامر بالعكس بمعنى يظهر للمنقول اليه انه وصل الى اقوال لم يصل اليها الناقل و انه ان تفرد بشى‏ء كان نادرا لا يعتد به فحينئذ لا بد للمجتهد ان يستفرغ وسعه و يتبع نظره سواء تأخر عن الناقل ام عاصره و سواء ادى فكره الى الموافقة للناقل او المخالفة كما هو الشأن فى معرفة ساير الادلة و غيرها مما تعلق بالمسألة فليس الاجماع الا كاحدها فالمقتضى للرجوع الى النقل هو مظنة وصول الناقل الى ما لم يصل المجتهد اليه من جهة السبب او احتمال ذلك فيعتمد على النقل فى هذا خاصة اى فيما لم يصل المنقول اليه خاصة بحسب ما استظهر من حاله و نقله و زمانه.

(قوله و يصلح كلامه مؤيدا فيما عداه مع الموافقة الخ) يعنى يصلح كلام الناقل مؤيدا فيما وصل اليه المنقول اليه مع الموافقة لكشف كلام الناقل عن توافق‏

113

النسخ الموجودة عند الناقل و المنقول اليه و تقوية كلام الناقل لنظر المنقول اليه سيما اذا كان الناقل فى المرتبة العليا من الاجتهاد و التتبع‏ (و هذا نظير) ما ذكره المحقق القمى (قدس سره) فى مباحث الاجتهاد و التقليد فى مسئلة تقليد المجتهد من المجتهد قبل الاجتهاد فى المسألة من ان المجتهد لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين اجماعا اذا اجتهد فى المسألة و اما قبل الاجتهاد فى المسألة ففيها اقوال الجواز مطلقا و عدمه مطلقا و التفصيل بضيق الوقت و عدمه و التفصيل بما يخصه و ما لا يخصه من الاحكام و التفصيل بتقليد الاعلم منه و غيره‏ (الى ان قال).

(و اما تقليد الاعلم) فهو ايضا لا يجوز لانه لا يلزم من كونه اعلم عدم الخطاء فى اجتهاده نعم ربما يكون اجتهاد الاعلم معينا فى اجتهاد نفسه مثل ان يلاحظ المجتهد المسألة ملاحظة اجمالية و التفت الى ادلتها على سبيل الاجمال و لم يعمق النظر فيها و لكن حصل فى نظره الظن باحد طرفى المسألة فحينئذ اذا صادف ذلك موافقة رأى المجتهد الاعلم الاورع فقد تطمئن نفسه بذلك فيصير اجتهاد ذلك المجتهد و موافقته له من جملة ادلة المسألة و الامارات المحصلة للظن الموجبة للاطمينان عنده و اما مجرد اجتهاد الاعلم و الاورع فلا يكفى و يتفاوت المسائل فى هذا المعنى باعتبار المأخذ و باعتبار عموم البلوى و عدمه و باعتبار كونها من الامهات او من الفروع و نحو ذلك و ربما يوجد فى نهاية مرتبة التحصيل التردد للمحصل بين ان يجوز له الاعتماد على المجتهد او يجب عليه النظر و حينئذ فموافقة رأى المجتهد الاعلم يصير معينا لاعتماده على نظره و لا يبعد (ح) العمل عليه مع قطع النظر عن كونه تقليدا بل اعتمادا على ما حصل له انتهى.

114

فاذا لوحظ جميع ما ذكر و عرف الموافق و المخالف ان وجد فليفرض المظنون منه كالمعلوم لثبوت حجيته بالدليل العلمى و لو بوسائط ثم لينظر فان حصل من ذلك استكشاف معتبر كان حجة ظنية حيث كان متوقفا على النقل الغير الموجب للعلم بالسبب او كان المنكشف غير الدليل القاطع و إلّا فلا و اذا تعدد ناقل الاجماع او النقل فان توافق الجميع لوحظ كل ما علم على ما فصل و اخذ بالحاصل و ان تخالف لوحظ جميع ما ذكر و اخذ فيما اختلف فيه النقل بالارجح بحسب حال الناقل و زمانه و وجود المعاضد و عدمه و قلته و كثرته.

ثم ليعمل بما هو المحصل و يحكم على تقدير حجيته بانه دليل ظنى واحد و ان توافق النقل و تعدد الناقل و ليس ما ذكرنا مختصا بنقل الاجماع المتضمن لنقل الاقوال اجمالا بل يجرى فى نقلها تفصيلا ايضا و كذلك فى نقل ساير الاشياء التى يبتنى عليها معرفة الاحكام و الحكم فيما اذا وجد المنقول موافقا لما وجد او مخالفا مشترك بين الجميع كما هو ظاهر.

و قد اتضح بما بيّناه وجه ما جرت عليه طريقة معظم الاصحاب من عدم الاستدلال بالاجماع المنقول على وجه الاعتماد و الاستقلال غالبا و ردّه بعدم الثبوت او بوجدان الخلاف و نحوهما فانه المتجه على ما قلنا و لا سيما فيما شاع فيه النزاع و الجدال اذ عرفت فيه الاقوال او كان من الفروع النادرة التى لا يستقيم فيها دعوى الاجماع لقلة المتعرض لها الاعلى بعض الوجوه التى لا يعتد بها او كان الناقل ممن لا يعتد بنقله لمعاصرته او قصور باعه او غيرهما مما يأتى بيانه فالاحتياج اليه مختص بقليل من المسائل بالنسبة الى قليل من العلماء و نادر من النقلة الافاضل انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

[فى بيان حكم تعدد ناقل الاجماع‏]

(اقول) انه بعد ملاحظة جميع ما ذكر و معرفة الموافق و المخالف ان وجد فلا بد من فرض المظنون من السبب المنقول كالمعلوم لثبوت حجيته بالدليل العلمى و لو بوسائط مثل ان يستدل على حجية خبر الواحد بمفهوم آية النبأ او بظاهر آية

115

النفر و السؤال مثلا و يثبت حجية ظواهرها من جهة الاجماع او الاخبار المتواترة على حجية ظواهر الكتاب.

(ثم) لينظر فان حصل من ذلك استكشاف معتبر اى استكشاف قول الامام او وجود الدليل المعتبر كان حجة ظنية حيث كان متوقفا على النقل الغير الموجب للعلم بالسبب او كان المنكشف غير الدليل القاطع و إلّا فلا.

و اذا تعدد ناقل الاجماع او تعدد النقل بان ينقل واحد الاجماع فى كتب متعددة فان توافق الجميع لوحظ كل ما علم على ما فصل و اخذ بالحاصل و ان تخالف لوحظ جميع ما ذكر و اخذ فى المورد الذى اختلف فيه النقل بالارجح بحسب حال الناقل من حيث الضبط و التورع و مبلغ العلم و غير ذلك من الامور التى ذكرها المحقق بقوله و زمانه و وجود المعاضد و عدمه الخ.

(و قد اتضح) بما بيّناه من كون الاجماع المنقول حجة من نقل السبب وجه ما جرت عليه طريقة معظم الاصحاب من عدم الاستدلال بالاجماع المنقول على وجه الاعتماد و الاستقلال غالبا بل يذكرونه تأييدا للمطلب و ردّه كما رد الشيخ الحمصى الذى اثنى عليه غير واحد من الاعلام من معاصريه و الفاضلين الاجماعات المدعاة من ابن زهرة و السيد و ابن ادريس و غيرهم بعدم الثبوت او بوجدان الخلاف و نحوهما من قيام الدليل على خلافه فان رد الاجماع هو المتجه على ما قلنا اى من جهة اعتبار الاجماع المنقول من باب نقل السبب الكاشف و لا سيما فيما شاع فيه النزاع و الجدال اذ عرفت فيه الاقوال او كان من الفروع النادرة التى لا يستقيم دعوى الاجماع لقلة المتعرض لها الا على بعض الوجوه التى لا يعتد بها او كان الناقل ممن لا يعتد بنقله لمعاصرته او قصور باعه اى اطلاعه او غيرهما مما يأتى بيانه فى كتابه (قدس سره).

فالاحتياج الى الاجماع المنقول مختص بقليل من المسائل بالنسبة الى قليل من العلماء و نادر من النقلة الافاضل انتهى كلام المحقق التسترى رفع مقامه.

116

لكنك خبير بان هذه الفائدة للاجماع المنقول كالمعدومة لان القدر الثابت من الاتفاق باخبار الناقل المستند الى حسه ليس مما يستلزم عادة موافقة الامام (عليه السلام) و ان كان هذا الاتفاق لو ثبت لنا امكن ان يحصل العلم بصدور مضمونه لكن ليس علة تامة لذلك بل هو نظير اخبار عدد معين فى كونه قد يوجب العلم بصدق خبرهم و قد لا يوجب و ليس ايضا مما يستلزم عادة وجود الدليل المعتبر حتى بالنسبة الينا لان استناد كل بعض منهم الى ما لا نريه دليلا ليس امرا مخالفا للعادة أ لا ترى انه ليس من البعيد ان يكون القدماء القائلون بنجاسة البئر بعضهم قد استند الى دلالة الاخبار الظاهرة فى ذلك مع عدم الظفر بما يعارضها و بعضهم قد ظفر بالمعارض و لم يعمل به لقصور سنده او لكونه من الآحاد عنده او لقصور دلالته او لمعارضته لاخبار النجاسة و ترجيحها عليها بضرب من الترجيح فاذا ترجّح فى نظر المجتهد المتأخر اخبار الطهارة فلا يضره اتفاق القدماء على النجاسة المستند الى الامور المختلفة المذكورة

و بالجملة فالانصاف بعد التامل و ترك المسامحة بابراز المظنون بصورة القطع كما هو متعارف محصلى عصرنا ان اتفاق من يمكن تحصيل فتاويهم على امر كما لا يستلزم عادة موافقة الامام (عليه السلام) كذلك لا يستلزم وجود دليل معتبر عند الكل من جهة او من جهات شتى فلم يبقى فى المقام ان يحصل المجتهد امارات أخر من اقوال باقى العلماء و غيرها ليضيفها الى ذلك.

____________

(محصل) اعتراض الشيخ على المحقق (قدس سرهما) ان الفائدة المذكورة للاجماع المنقول كالمعدومة لان القدر الثابت من الاتفاق و هو اتفاق ارباب الكتب باخبار الناقل المستند الى حسه ليس مما يستلزم عادة موافقة الامام (عليه السلام) و ان كان هذا المقدار من الاتفاق لو ثبت لنا بالوجدان و التتبع امكن ان يحصل العلم لنا بصدور مضمونه لكن ليس علة تامة لذلك بل هو نظير اخبار عدد معين فى كونه قد يوجب العلم بصدق خبرهم و قد لا يوجب.

و ليس الاتفاق المذكور ايضا مما يستلزم عادة وجود الدليل المعتبر حتى‏

117

بالنسبة الينا لامكان تمسكهم الى الادلة التى لو وصلت الينا لوجدناها مخدوشة كما قال لان استناد كل بعض منهم الى ما لا نريه دليلا ليس امرا مخالفا للعادة أ لا ترى انه ليس من البعيد ان يكون القدماء القائلون بنجاسة البئر بعضهم قد استند الى دلالة الاخبار الظاهرة فى ذلك مع عدم الظفر بما يعارضها و بعضهم قد ظفر بالمعارض و لكن لم يعمل به لقصور سنده او لكونه من الآحاد عنده او القصور دلالته او لمعارضته لاخبار النجاسة و ترجيح اخبار النجاسة على اخبار الطهارة بضرب من انواع الترجيح فاذا ترجّح فى نظر المجتهد المتأخر اخبار الطهارة فلا يضره اتفاق القدماء على النجاسة مستندين الى الامور المختلفة المذكورة.

(و بالجملة) فالانصاف بعد التأمل و ترك المسامحة بابراز المظنون بصورة القطع كما ان ابراز المظنون بصورة القطع متعارف محصلى عصرنا بمعنى ان محصلى عصرنا ربما يتسامحون و يبرزون المظنون بصورة القطع ان اتفاق من يمكن تحصيل فتاويهم على امر كما لا يستلزم عادة موافقة الامام (عليه السلام) كذلك لا يستلزم وجود دليل معتبر عند الكل من جهة او من جهات شتى من حيث الخدشة فى السند و الدلالة و التعارض و غير ذلك.

118

فيحصل من مجموع المحصل له و المنقول اليه الذى فرض بحكم المحصل من حيث وجوب العمل به تعبدا القطع فى مرحلة الظاهر باللازم و هو قول الامام (عليه السلام) أو وجود دليل معتبر الذى هو ايضا يرجع الى حكم الامام (عليه السلام) بهذا الحكم الظاهرى المضمون لذلك الدليل لكنه ايضا مبنى على كون مجموع المنقول من الاقوال و المحصل من الامارات ملزوما عاديا لقول الامام (عليه السلام) أو وجود الدليل المعتبر و إلّا فلا معنى لتنزيل المنقولة منزلة المحصل بادلة حجية خبر الواحد كما عرفت سابقا و من ذلك ظهر ان ما ذكره هذا البعض ليس تفصيلا فى مسئلة حجية الاجماع المنقول و لا قولا بحجيته فى الجملة من حيث انه اجماع منقول.

و انما يرجع محصله الى ان الحاكى للاجماع يصدق فيما يخبره عن حس فان فرض كون ما يخبره عن حسه ملازما بنفسه او بضميمة امارات أخر لصدور الحكم الواقعى او مدلول الدليل المعتبر عند الكل كانت حكايته حجة لعموم أدلة حجية الخبر فى المحسوسات و إلّا فلا و هذا يقول به كل من يقول بحجية الخبر فى الجملة و قد اعترف بجريانه فى نقل الشهرة و فتاوى آحاد العلماء و من جميع ما ذكرنا يظهر الكلام فى المتواتر المنقول و ان نقل التواتر فى خبر لا يثبت حجيته و لو قلنا بحجية خبر الواحد لان التواتر صفة فى الخبر تحصل باخبار جماعة تفيد العلم للسامع‏

____________

[فى بيان اعتراض الشيخ (قدس سره) على المحقق التسترى‏]

(اقول) قد ذكر ان مقتضى الانصاف ان اتفاق من يمكن تحصيل فتاويهم على امر لا يستلزم عادة موافقة قول الامام (عليه السلام) و لا وجود الدليل المعتبر فحينئذ لم يبق فى المقام إلّا أن يحصل المجتهد امارات أخر من أقوال باقى العلماء و غيرها من القرائن الخارجية ليضيفها الى السبب المنقول و هو اتفاق من يمكن تحصيل فتاويهم حتى يحصل من مجموع المحصل له و المنقول اليه الذى فرض بحكم المحصل من حيث وجوب العمل به تعبدا القطع فى مرحلة الظاهر باللازم و هو قول الامام (عليه السلام) او وجود دليل معتبر الذى هو ايضا يرجع الى حكم الامام (عليه السلام) بهذا الحكم الظاهرى المضمون لذلك الدليل لكن اضافات ساير

119

الامارات الى سبب المنقول و تنزيله منزلة المحصل مبنى ايضا على كون مجموع المنقول من الاقوال و المحصل من الامارات ملزوما عاديا لقول الامام (عليه السلام) او وجود الدليل المعتبر و إلّا فلا معنى لتنزيل المنقول منزلة المحصل بادلة حجية خبر الواحد لان غاية مؤدى ادلة حجية خبر الواحد هو وجوب تصديق المخبر فى خبره و اعتبار نقل الناقل فى حق المنقول اليه لا استكشاف المنقول عن السنة لظهور عدم كونه من الامور المجعولة التى يترتب على ذلك بادلة حجيه الخبر.

(قوله و من ذلك ظهر) يعنى من ان القدر الثابت من الاتفاق باخبار الناقل المستند الى حسه ليس مما يستلزم عادة قول الامام (عليه السلام) و ليس ايضا مما يستلزم عادة وجود الدليل المعتبر ظهر ان ما ذكره هذا البعض اى المحقق التسترى ليس تفصيلا فى مسئلة حجية الاجماع المنقول و لا قولا بحجيته فى الجملة من حيث انه اجماع منقول.

بل انما يرجع محصل كلام المحقق الى ان الحاكى للاجماع يصدق فيما يخبره عن حس فان فرض كون ما يخبره عن حسه ملازما بنفسه او بضميمة امارات أخر لصدور الحكم الواقعى او مدلول الدليل المعتبر عند الكل كانت حكايته حجة لعموم ادلة حجية الخبر فى المحسوسات من الآية و الرواية و إلّا فلا و هذا يقول به كل من يقول بحجية الخبر فى الجملة و لو فى المحسوسات فقط و قد اعترف المحقق بجريان تصديق المخبر فيما يخبره عن حس فى نقل الشهرة و فتاوى آحاد العلماء.

120

(و يختلف)

عدده باختلاف خصوصيات المقامات و ليس كل تواتر لشخص مما يستلزم فى نفس الامر عادة تحقق المخبر به فاذا أخبر بالتواتر فقد أخبر باخبار جماعة افاد له العلم بالواقع و قبول هذا الخبر لا يجدى شيئا لان المفروض ان تحقق مضمون المتواتر ليس من لوازم اخبار الجماعة الثابتة بخبر العادل نعم لو أخبر باخبار جماعة يستلزم عادة لتحقق المخبر به بان يكون حصول العلم بالمخبر به لازم الحصول لاخبار الجماعة كان اخبر مثلا باخبار الف عادل او ازيد بموت زيد و حضور جنازته كان اللازم من قبول خبره الحكم بتحقق الملزوم و هو اخبار الجماعة فيثبت اللازم و هو تحقق موت زيد إلّا ان لازم من يعتمد على الاجماع المنقول و ان كان أخبار الناقل مستندا الى حدس غير مستند الى المبادى المحسوسة المستلزمة للمخبر به هو القول بحجية التواتر المنقول لكن ليعلم ان معنى قبول نقل التواتر مثل الاخبار بتواتر موت زيد مثلا يتصور على وجهين الاول الحكم بثبوت الخبر المدعى تواتره اعنى موت زيد نظير حجية الاجماع المنقول بالنسبة الى المسألة المدعى عليها الاجماع و هذا هو الذى ذكرنا ان الشرط فى قبول خبر الواحد هو كون ما اخبر به مستلزما عادة لوقوع متعلقه الثانى الحكم بثبوت تواتر الخبر المذكور ليترتب على ذلك الخبر آثار المتواتر و احكامه الشرعية كما اذا نذر ان يحفظ او يكتب كل خبر متواتر ثم احكام التواتر.

____________

(قوله و من جميع ما ذكرنا يظهر الكلام فى المتواتر المنقول) يعنى مما قدمنا يظهر المال فى نقل التواتر من ان ناقل الاجماع ينقل قول الامام عن حدس مستند الى المبادى المحسوسة غير ملازمة عادة لقول الامام (عليه السلام) يظهر الكلام فى المتواتر المنقول و ان نقل التواتر لا يثبت حجيته من حيث التواتر و لو قلنا بحجية خبر الواحد لان التواتر صفة حاصلة فى الخبر تحصل باخبار جماعة تفيد العلم للسامع و يختلف عدده باختلاف خصوصيات المقامات اذ ليس له حد معين و ليس كل تواتر ثبت لشخص مما يستلزم فى نفس الامر عادة تحقق المخبر به فاذا أخبر بالتواتر فقد

121

اخبر باخبار جماعة أفاد له العلم بالواقع و قبول هذا الخبر لا يجدى شيئا لان المفروض ان تحقق مضمون المتواتر ليس من لوازم أخبار الجماعة الثابتة بخبر العادل.

(نعم) لو أخبر باخبار جماعة يستلزم عادة لتحقق المخبر به بان يكون حصول العلم بالمخبر به لازم الحصول لاخبار الجماعة كان اخبر مثلا باخبار الف عادل او ازيد بموت زيد و حضور جنازته كان اللازم من قبول خبره الحكم بتحقق الملزوم و هو اخبار الجماعة فيثبت اللازم و هو تحقق موت زيد إلّا ان لازم من يعتمد على الاجماع المنقول و ان كان اخبار الناقل مستندا الى حدس غير مستند الى المبادى المحسوسة المستلزمة للمخبر به هو القول بحجية التواتر المنقول لكن ليعلم ان معنى قبول نقل التواتر مثل الاخبار بتواتر موت زيد مثلا يتصور على وجهين:

(الاول) الحكم بثبوت الخبر المدعى تواتره أعنى موت زيد حتى يترتب عليه احكامه من تقسيم ماله و اعتداد زوجته و غير ذلك و هذا المعنى هو الذى ذكر فى محله ان الشرط فى قبول خبر الواحد هو كون ما أخبر به مستلزما عادة لوقوع متعلقه أعنى موت زيد.

(الثانى) الحكم بثبوت تواتر الخبر المذكور ليترتب على ذلك الخبر آثار المتواتر و أحكامه الشرعية كما اذا نذر ان يحفظ او يكتب كل خبر متواتر ثم احكام التواتر.

122

منها ما ثبت لما تواتر فى الجملة و لو عند غير هذا الشخص و منها ما ثبت لما تواتر بالنسبة الى هذا الشخص لا ينبغى الاشكال فى ان مقتضى قبول نقل التواتر العمل به على الوجه الاول و اوّل وجهى الثانى كما لا ينبغى الاشكال فى عدم ترتب آثار تواتر المخبر به عند نفس هذا الشخص و من هنا يعلم ان الحكم بوجوب القراءة فى الصلاة ان كان منوطا بكون المقروء قرآنا واقعيا قرأه النبى (صلّى اللّه عليه و آله) فلا اشكال فى جواز الاعتماد على اخبار الشهيد بتواتر القراءات الثلاث اعنى قراءة ابى جعفر و اخويه لكن بالشرط المتقدم و هو كون ما اخبر به الشهيد من التواتر ملزوما عادة لتحقق القرآنية و كذا لا اشكال فى الاعتماد من دون الشرط ان كان الحكم منوطا بالقرآن المتواتر فى الجملة فانه قد ثبت تواتر تلك القراءة عند الشهيد باخباره.

و ان كان الحكم معلقا على القرآن المتواتر عند القارى او مجتهده فلا يجدى اخبار الشهيد بتواتر تلك القراءات و الى احد الاولين ينظر حكم المحقق و الشهيد الثانيين بجواز القراءة بتلك القراءات مستندا الى ان الشهيد و العلامة (قدس سرهما) قد ادعيا تواترها و ان هذا لا يقصر عن نقل الاجماع و الى الثالث نظر صاحب مدارك و شيخه الاردبيلى (قدس سرهما) حيث اعترضا على المحقق و الشهيد بان هذا رجوع عن اشتراط التواتر فى القراءة و لا يخلو نظرهما عن نظر فتدبر و الحمد للّه و صلى اللّه على محمد و آله و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين.

____________

(قوله و من هنا يعلم ان الحكم بوجوب القراءة الخ) اقول قد تقدم سابقا اختلاف العلماء فى تواتر القراءات السبع او العشر و عدمه و منشأ الخلاف بينهم فيه هو هذه المسألة التى يبحث عنها فى المقام و هى ثبوت التواتر بخبر الواحد و عدمه فمن يقول بالاول يقول بتواتر القراءات و من يقول بعدمه يلزمه القول بالعدم إلّا اذا ثبت التواتر بدليل آخر كما ارتكبه بعضهم.

قال المحقق الثانى فى جامع المقاصد بعد الحكم بتواتر القراءات السبع المروية عن السبعة و هم نافع و ابو عمرو و الكسائى و حمزة و ابن عامر و ابن كثير

123

و عاصم و التردد فى الثلاث الباقية اعنى أبا جعفر و يعقوب و خلف و قد شهد شيخنا الشهيد ره فى الذكرى بثبوت تواترها ايضا و لا يقصر عن ثبوت الاجماع بخبر الواحد و يقرب منه عبارة الروض و المقاصد العلية و ذهب جماعة الى عدم تواترها لاشتراط التواتر بالعلم و عدم كفاية الظن فيه و لكن المشهور هو تواتر القراءات السبع فقط بل ادعى عليه الاجماع.

(و اعلم) اختلف الاصحاب فى جواز قراءة ابى جعفر و يعقوب و خلف التى هى كمال العشرة و عدمه على اقوال صرح جمع من الاصحاب بالاول و نسبه غير واحد منهم الى المشهور و جماعة بالثانى و فصّل بعضهم فى ذلك فقال بانه لا يجوز فى الصلاة و يجوز فى غيرها.

(و الحاصل) ان الحكم بوجوب القراءة فى الصلاة ان كان منوطا بكون المقروء قرآنا واقعيا قرأه النبى (صلّى اللّه عليه و آله) فلا اشكال فى جواز الاعتماد على اخبار الشهيد ره بتواتر القراءات الثلث اعنى قراءة ابى جعفر و اخويه لكن بالشرط المتقدم و هو كون ما اخبر به الشهيد من التواتر ملزوما عادة لتحقق القرآنية و كذا لا اشكال فى الاعتماد على نقل التواتر من دون حاجة الى الشرط ان كان الحكم اى وجوب القراءة فى الصلاة منوطا بالقرآن المتواتر فى الجملة و لو عند الغير فانه قد ثبت تواتر تلك القراءات عند الشهيد باخباره.

(و اما) ان كان الحكم معلقا على القرآن المتواتر عند القارى او مجتهده فلا يجدى اخبار الشهيد بتواتر تلك القراءات و الى احد الاولين اى كون وجوب القراءة منوطا بكون المقروء قرآنا واقعيا او كون وجوب القراءة منوطا بالقرآن المتواتر فى الجملة و لو عند الغير ينظر حكم المحقق و الشهيد الثانيين بجواز القراءة بتلك القراءات الثلاث مستندا الى ان الشهيد و العلامة (قدس سرهما) قد ادعيا تواترها و ان هذا لا يقصر عن نقل الاجماع و الى الثالث اى كون وجوب القراءة منوطا بالمتواتر عند القارى او مجتهده نظر صاحب المدارك و شيخه المقدس‏

124

الاردبيلى (قدس سرهما) حيث اعترضا على المحقق و الشهيد الثانيين بان هذا رجوع عن اشتراط التواتر فى القراءة و لا يخلو نظرهما عن نظر لان اشتراط التواتر فى القراءة لا دليل عليه اصلا و الثابت هو جواز القراءة بما قرأه النبى (صلّى اللّه عليه و آله) من دون مدخلية للتواتر فتدبر و الحمد للّه و صلى اللّه على محمد و آله و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين.

125

(و من جملة الظنون التى توهم حجيتها بالخصوص الشهرة)

فى الفتوى الحاصلة بفتوى جلّ الفقهاء المعروفين سواء كان فى مقابلها فتوى غيرهم بخلاف، ام لم يعرف الخلاف و الوفاق من غيرهم ثم ان المقصود هنا ليس التعرض لحكم الشهرة من حيث الحجية فى الجملة بل المقصود ابطال توهم كونها من الظنون الخاصة و إلّا فالقول بحجيتها من حيث افادتها المظنة بناء على دليل الانسداد غير بعيد ثم ان منشأ توهم كونها من الظنون الخاصة امران: احدهما ما يظهر من بعض ان ادلة حجية خبر الواحد تدل على حجيتها بمفهوم الموافقة لانه ربما يحصل منه الظن الاقوى من الحاصل من خبر العادل و هذا خيال ضعيف تخيّله بعض فى بعض رسائله.

و وقع نظيره من الشهيد الثانى فى المسالك حيث وجه حجية الشياع الظنى بكون الظن الحاصل منه اقوى من الحاصل من شهادة العدلين و وجه الضعف ان الاولوية الظنية اوهن بمراتب من الشهرة فكيف يتمسك بها فى حجيتها مع ان الاولوية ممنوعة رأسا للظن بل العلم بان المناط و العلة فى حجية الاصل ليس مجرد افادة الظن و اضعف من ذلك تسمية هذه الاولوية فى كلام ذلك البعض مفهوم الموافقة مع انه ما كان استفادة حكم الفرع من الدليل اللفظى الدال على حكم الاصل مثل قوله تعالى‏

فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏

.

____________

[من جملة الظنون التى توهم حجيتها بالخصوص الشهرة]

[فى حجية الشهرة و اقسامها]

(اقول) قبل الشروع فى شرح العبارة و لا بأس بالاشارة الى اقسام الشهرة فنقول ان الشهرة الفتوائية من الظنون التى قيل بحجيتها بالخصوص فان الشهرة على اقسام ثلاثة الشهرة الروائية و الشهرة العملية و الشهرة الفتوائية.

(اما الشهرة الروائية) فهى عبارة عن اشتهار الرواية بين الرواة و ارباب الحديث بكثرة نقلها بان يكون الراوى لها كثيرا و يقابلها الشذوذ و الندرة بمعنى قلة الناقل لها و هذه الشهرة هى التى تكون من المرجحات عند تعارض الخبرين على المسلك المشهور استنادا الى ما فى مرفوعة زرارة من قوله (عليه السلام) (خذ بما اشتهر بين اصحابك) و ما فى مقبولة عمر بن حنظلة من قوله (عليه السلام) (خذ بالمجمع‏

126

عليه بين اصحابك) باعتبار ان المراد منه المشهور لا الاجماع الاصطلاحى بقرينة المقابلة فى قوله (عليه السلام) و اترك الشاذ النادر.

(و اما الشهرة العملية) فهى عبارة عن اشتهار الرواية من حيث العمل بان يكون العامل بها كثيرا و يعلم ذلك من استناد المفتين اليها فى مقام الفتوى و بهذه الشهرة منجبر ضعف سند الرواية على المسلك المشهور و فى قبالها اعراض المشهور الموجب لوهن الرواية و ان كانت صحيحة من حيث السند و هذا ايضا على المشهور و لكن كونها جابرة لضعف الرواية و مصححة للعمل بها على ما تعرض له بعض الاعاظم اذا كانت الشهرة العملية من قدماء الاصحاب القريبين من عهد الحضور فلا عبرة بالشهرة العملية اذا كانت من المتأخرين خصوصا اذا خالفت شهرة القدماء

(و النسبة) بين الشهرة الروائية و الشهرة العملية العموم من وجه اذ ربما تكون الرواية مشهورة و لكن لم يستندوا اليها فى مقام العمل و ربما ينعكس الامر و قد يتوافقان.

(و اما الشهرة الفتوائية) فهى عبارة عن مجرد اشتهار الفتوى فى مسئلة من الاصحاب من دون استناد منهم الى رواية سواء لم تكن هناك رواية اصلا أم كانت على خلاف الفتوى او على وفقها و لكنه لم يكن استناد الفتوى اليها و هذه الشهرة الفتوائية لا تكون جابرة لضعف الرواية لان الجبر انما يكون بالاستناد الى الرواية و لا اثر لمجرد مطابقة الفتوى لمضمون الرواية بلا استناد اليها و لكن تكون كاسرة لصحة الرواية اذا كانت الشهرة من القدماء بعكس الشهرة العملية الاستنادية حيث انها كانت جابرة لضعف الرواية كما أشرنا اليه آنفا.

(و هذه الشهرة الفتوائية) هى المبحوث عنها فى حجيتها و عدم حجيتها فى المقام كما اشار الشيخ (قدس سره) الى ذلك بقوله و من جملة الظنون التى توهم حجيتها بالخصوص الشهرة فى الفتوى الحاصلة بفتوى جلّ الفقهاء المعروفين الخ‏

(قوله ثم ان المقصود هنا الخ) يعنى ان المقصود فى البحث عن الشهرة

127

هو البحث عن حجيتها بالخصوص من جهة قيام دليل خاص عليها بعنوانها الخاص من غير نظر الى كونها من جزئيات مطلق الظن فانه ليس مقصودا بالبحث فى المقام و إلّا فالقول بحجيتها من حيث افادتها المظنة بناء على دليل الانسداد غير بعيد

(ثم) انه قد ذكر بعضهم ان الاقوال فى المسألة اربعة (القول) بحجيتها مطلقا و قد نسب اختياره الى الشهيد (قدس سره) فى الذكرى و الى بعض الاصوليين‏ (القول) بعدم حجيتها مطلقا و قد نسب هذا القول الى الاكثر بل نقلت الشهرة عليه‏ (و التفصيل) بين الشهرة المدعاة قبل زمان الشيخ و بعده بالقول بالحجية فى الاولى و نفيها فى الثانية اختاره صاحب المعالم‏ (و التفصيل) بين الشهرة المقرونة بوجود خبر و لو فى كتب العامة و غيرها بالحجية فى الاولى دون الثانية و اختاره صاحب الرياض فى الرسالة المفردة فى هذه المسألة و حكاه عن الوحيد البهبهانى انتهى‏

(قوله ثم ان منشأ توهم كونها من الظنون الخاصة امران الخ) انه قد استدل على حجيتها بالخصوص بامرين الاول ان الظن الحاصل من الشهرة الفتوائية اقوى من الظن الحاصل من خبر الواحد العادل فالادلة الدالة على حجية خبر الواحد تدل على حجيتها بالاولوية (و حاصل الجواب) عن الدليل الاول على ما اشار اليه الشيخ (قدس سره) بقوله و وجه الضعف الخ ان مناط الحجية فى الخبر الواحد ليس هو الظن الشخصى حتى يقال باولوية الشهرة فى الحجية لاقوائية الظن الحاصل منها من الظن الحاصل من الخبر الواحد و انما ذلك من جهة قيام دليل بالخصوص على حجيته من السيرة و غيرها و لو من جهة كونه مفيدا للظن النوعى.

(قوله و اضعف من ذلك) هذا جواب ثان منه (قدس سره) عن الدليل الاول و حاصله ان تسمية هذه الاولوية فى كلام البعض المذكور مفهوم الموافقة اضعف من ذلك مع انه ما كان استفادة حكم الفرع من الدليل اللفظى الدال على حكم الاصل مثل قوله تعالى‏ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ و الظاهر ان مراده ان حكم الفرع فى مفهوم الموافقة يجب ان يكون مستفادا من نفس الدليل اللفظى الذى قد استفيد منه حكم‏

128

الاصل بان يكون من اللوازم البيّنة له بالمعنى الاخص ليكون من مداليل اللفظ كما هو الشأن فى كل مفهوم و من المعلوم ان اعتبار الشهرة فى الفتوى على تقدير استفادته من ادلة اعتبار خبر الواحد ليس بهذه المثابة على نحو كان من المداليل اللفظية لها.

(قوله حيث وجه حجية الشياع الظنى الخ) اقول قد فسر بعض الشياع الظنى بانه اخبار جماعة بها تأمن النفس من تواطئهم على الكذب و يحصل بخبرهم الظن المتاخم للعلم و الفرق بين الشياع و الشهرة على ما قيل ان الاول فى الموضوعات و الثانى فى الاحكام و لذا عبر الشيخ (قدس سره) بكلمة النظير

129

(الامر الثانى)

دلالة مرفوعة زرارة و مقبولة ابن حنظلة على ذلك ففى الاولى قال زرارة قلت جعلت فداك يأتى عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبايّهما نعمل قال (عليه السلام) خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر قلت يا سيدى هما معا مشهوران مأثوران عنكم قال خذ بما يقوله اعدلهما الخبر. بناء على ان المراد بالموصول مطلق المشهور رواية او فتوى او ان اناطة الحكم بالاشتهار يدل على اعتبار الشهرة فى نفسه و ان لم يكن فى الرواية و فى المقبولة بعد فرض المسائل تساوى الراويين فى العدالة قال (عليه السلام) ينظر الى ما كان من روايتهم عنا فى ذلك الذى حكما به المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به و يترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه و انما الامور ثلاثة امر بيّن رشده فيتبع و امر بيّن غيّه فيجتنب و امر مشكل يردّ حكمه الى اللّه و رسوله قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى عن المحرمات و من اخذ بالشبهات وقع فى المحرمات و هلك من حيث لا يعلم.

قلت فان كان الخبر ان عنكم مشهورين قدروهما الثقات عنكم الى آخر الرواية بناء على ان المراد بالمجمع عليه فى الموضعين هو المشهور بقرينة اطلاق المشهور عليه فى قوله و يترك الشاذ الذى ليس بمشهور فيكون فى التعليل بقوله فان المجمع عليه الخ دلالة على ان المشهور مطلقا مما يجب العمل به و ان كان مورد التعليل الشهرة فى الرواية و مما يؤيد ارادة الشهرة من الاجماع ان المراد لو كان الاجماع الحقيقى لم يكن ريب فى بطلان خلافه مع ان الامام (عليه السلام) جعل مقابله مما فيه الريب.

____________

[فى دلالة بعض الروايات على حجية الشهرة الفتوائية]

(اقول) مما قد استدل على حجية الشهرة الفتوائية ما فى مرفوعة زرارة من قوله (عليه السلام) خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر حيث دل على الاخذ بالشهرة و ترك ما يقابلها بدعوى عموم الموصول لكل ما اشتهر بين الاصحاب سواء

130

كان بحسب الرواية او بحسب الفتوى او اناطة الحكم بالاشتهار من جهة مفهوم الوصف للاخذ بالمشهور مطلقا رواية او فتوى.

(و ما فى المقبولة) التى رواها المشايخ الثلاثة باسنادهم عن عمر بن حنظلة من التعليل فى الموضعين بقوله (عليه السلام) فان المجمع عليه لا ريب فيه بتقريب ان المراد من المجمع عليه فيها ليس هو الاجماع الاصطلاحى بل المراد منه المشهور بقرينة المقابلة فى قوله (عليه السلام) و اترك الشاذ النادر فيرجع مفاد التعليل الى ان المشهور مما لا ريب فيه و عموم التعليل يشمل الشهرة الفتوائية و ان كان مورد التعليل خصوص الشهرة فى الرواية.

(و مما يؤيد) ارادة الشهرة من الاجماع ان المراد لو كان الاجماع الحقيقى يعنى به اتفاق الكل لم يكن ريب فى بطلان خلافه مع ان الامام (عليه السلام) قد جعل مقابله مما فيه الريب اى بمفهوم قوله فان المجمع عليه لا ريب فيه.

131

(و لكن)

فى الاستدلال بالروايتين ما لا يخفى من الوهن اما الاولى فيرد عليها مضافا الى ضعفها حتى انه ردّها من ليس دأبه الخدشة فى سند الروايات كالمحدث البحرانى ان المراد بالموصول هو خصوص الرواية المشهورة من الروايتين دون مطلق الحكم المشهور أ لا ترى انك لو سألت عن ان اىّ المسجدين احب اليك قلت ما كان الاجتماع فيه اكثر لم يحسن للمخاطب ان ينسب اليك محبوبية كل مكان يكون الاجتماع فيه اكثر بيتا كان او خانا او سوقا و كذا لو احببت عن سؤال المرجح لاحد الرمانين فقلت ما كان اكبر.

(و الحاصل)

اين دعوى العموم فى المقام لغير الرواية مما لا يظن بادنى التفاوت مع ان الشهرة الفتوائية مما لا يقبل ان يكون فى طرفى المسألة فقوله يا سيدى انهما مشهوران مأثوران أوضح شاهد على ان المراد الشهرة فى الرواية الحاصلة بكون الرواية مما اتفق الكل على روايته او تدوينه و هذا مما يمكن اتصاف الروايتين المتعارضتين به و من هنا يعلم الجواب عن التمسك بالمقبولة و انه لا تنافى بين اطلاق المجمع عليه على المشهور و بالعكس حتى تصرف احدهما عن ظاهره بقرينة الآخر فان اطلاق المشهور فى مقابل الاجماع انما هو اطلاق حادث تختص بالاصوليين و إلّا فالمشهور هو الواضح المعروف و منه شهر فلان سيفه و سيف شاهر.

فالمراد انه يؤخذ بالرواية التى يعرفها جميع اصحابك و لا ينكرها احد منهم و يترك ما لا يعرفه إلّا الشاذ و لا يعرفها الباقى فالشاذ مشارك للمشهور فى معرفة الرواية المشهورة و المشهور لا يشارك الشاذ فى معرفة الرواية الشاذة و لهذا كان الرواية المشهورة من قبيل بيّن الرشد و الشاذ من قبيل المشكل الذى يرد علمه الى اهله و إلّا فلا معنى للاستشهاد بحديث التثليث و مما يضحك الثكلى فى هذا المقام توجيه قوله هما معا مشهوران بامكان انعقاد الشهرة فى عصر على فتوى و فى عصر آخر على خلافها كما قد يتفق بين القدماء و المتأخرين فتدبر.

____________

[فى الجواب عن الروايات الدالة على حجية الشهرة]

(اقول) أما الجواب عن المرفوعة فيرد عليها مضافا الى كونها من المراسيل‏

132

التى لا يصح الاعتماد عليها فانها مروية فى كتاب غوالى اللئالى لابن ابى جمهور الاحسائى عن العلامة مرفوعة الى زرارة و لم يثبت توثيق راويها حتى طعن فيها من ليس دأبه الخدشة فى سند الروايات كالمحدث البحرانى فى الحدائق ان المراد من الموصول هو خصوص الخبر المشهور من الخبرين دون مطلق الحكم المشهور بقرينة ان السؤال انما هو عن الخبرين المتعارضين فالسؤال عن الخبرين قرينة على ان المراد من الموصول خصوص الخبر المشهور لا مطلق المشهور كما يظهر بالتأمل فى نظائره من الامثلة فاذا قيل اىّ المسجدين تحب فقال فى الجواب ما كان الاجتماع فيه اكثر كان ظاهرا فى خصوص المسجد الذى كان الاجتماع فيه اكثر لا مطلق المكان الذى كان الاجتماع فيه اكثر و كذا لو قيل اىّ الرمانتين تريد فقال فى الجواب ما كان اكبر كان ظاهرا فى ان المراد هو الاكبر من الرمانتين لا مطلق الاكبر فتبين انها مختصة بالشهرة الروائية فلا اطلاق لها ليشمل الشهرة الروائية و الشهرة الفتوائية كما أشار الى ذلك (قدس سره) بقوله و الحاصل ان دعوى العموم فى المقام لغير الرواية مما لا يظن بادنى التفات مع ان الشهرة الفتوائية مما لا يقبل ان يكون فى طرفى المسألة الخ.

(و اما الجواب عن المقبولة) مضافا الى ضعفها ايضا لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة و لم يذكر له توثيق فى كتب الرجال فلاختصاصها بالشهرة فى الرواية ايضا لان المراد من قوله (عليه السلام) فان المجمع عليه لا ريب فيه هو كون احد الخبرين مما قد اتفق الكل عليه و هو مخصوص بباب الشهرة فى الرواية حيث امكن كون احد الخبرين مما قد اتفق الكل عليه حتى الراوى لخبر الشاذ كامكان كون الخبرين كليهما مجمعا عليهما بهذا المعنى بخلاف الشهرة الفتوائية فانها لا يمكن فيها هذا المعنى.

(فتحصل) ان الشهرة الفتوائية مما لم يقم دليل على حجيتها فحينئذ تبقى لا محالة تحت الاصل الاولى و هو حرمة العمل بالظن نعم مثل هذه الشهرة اذا كانت من القدماء تكون موهنة لصحة الرواية و ان لم تكن جابرة لضعفها كما اشرنا الى ذلك فيما سبق فراجع.

133

(قوله و إلّا فلا معنى للاستشهاد) لان المقصود من الاستشهاد بيان حكم الشاذ و المشكل دون الامر البين الرشد و البين الغى لوضوح امرهما و عدم احتياجهما الى الاستشهاد بكلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فلا بد ان يكون الشاذ داخلا فى الامر المشكل فى تثليث الامام (عليه السلام) و فى المشتبه فى تثليث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) دون بيّن الغىّ و الحرام البيّن.

(قوله و مما يضحك الثكلى فى هذا المقام) اقول الوجه فيه انه قد فرض الراوى الشهرة فى كلا الخبرين المتعارضين فى زمان صدورهما و لكن وجّه بعض قوله هما معا مشهوران بامكان انعقاد الشهرة فى عصر على فتوى و فى عصر آخر على خلافها كما قد يتفق بين القدماء و المتأخرين و هذا التوجيه مما يضحك الثكلى كيف لا يضحكها و الحال انه لم يتحقق فى زمن الائمة (عليهم السلام) صدور الفتاوى و لا طبقة المتأخرين و القدماء لكى يسأل احد عن حكم الشهرتين المتعارضتين منهما.

134

(و من جملة الظنون الخارجة بالخصوص عن اصالة حرمة العمل بغير العلم خبر الواحد)

فى الجملة عند المشهور بل كاد أن يكون اجماعا اعلم ان اثبات الحكم الشرعى بالاخبار المروية عن الحجج (عليهم السلام) موقوف على مقدمات ثلاث: الاولى كون الكلام صادرا عن الحجة الثانية كون صدوره لبيان حكم اللّه لا على وجه آخر من تقية و غيرها الثالثة ثبوت دلالتها على الحكم المدعى و هذا يتوقف اولا على تعيين اوضاع الفاظ الرواية و ثانيا على تعيين المراد منها و ان المراد مقتضى وضعها او غيره فهذه امور اربعة قد اشرنا الى كون الجهة الثانية من المقدمة الثالثة من الظنون الخاصة و هو المعبر عنه بالظهور اللفظى و الى ان الجهة الاولى منها مما لم يثبت كون الظن الحاصل فيها بقول اللغوى من الظنون الخاصة و اما المقدمة الثانية فهو ايضا ثابت باصالة عدم صدور الرواية لغير داعى بيان الحكم الواقعى و هى حجة لرجوعها الى القاعدة المجمع عليها بين العلماء و العقلاء من حمل كلام المتكلم على كونه صادرا لبيان مطلوبه الواقعى لا لبيان خلاف مقصوده من تقية او خوف و لذا لا يسمع دعواه ممن يدعيه اذا لم يكن كلامه محفوفا باماراته.

____________

[من جملة الظنون الخارجة بالخصوص عن اصالة حرمة العمل بغير العلم خبر الواحد]

(اقول) قد تقدم فى تأسيس الاصل عند الشك فى التعبد بالامارات الغير العلمية ان الاصل الاوّلى المؤسّس فى الظنون فى قبال القول باعتباره بانسداد باب العلم الذى كان موجبا للرجوع الى مطلق الظن من غير اختصاص بخبر الثقة يقتضى حرمة التعبد بكل امارة لم يعلم التعبد بها من قبل الشارع بالادلة الاربعة التى تقدم ذكرها تفصيلا فى اوائل الظن.

(و من جملة الظنون الخارجة) عن الاصل المذكور بالخصوص خبر الواحد فى الجملة على المشهور بين الاصحاب بل كاد أن يكون اجماعا (و ليعلم) ان البحث عن حجية خبر الواحد من اهم المسائل الاصولية اذ العلم الضرورى بالاحكام الشرعية غير حاصل الا فى الاحكام الكلية الاجمالية كوجوب الصلاة و الصوم و امثالهما و العلم الغير الضرورى بالاحكام كالعلم الحاصل من الخبر المقطوع‏

135

صدوره للتواتر او للقرينة القطعية قليل جدا (فمعظم) الفقه من الطهارة الى الديات انما يثبت باخبار الآحاد فالبحث عن حجيتها من اهم المسائل الاصولية و باثباتها ينفتح باب العلمى فى الاحكام الشرعية و ينسد باب الانسداد و بعدمها ينسدّ باب العلمى و هذا واضح ظاهر.

(قوله بالخصوص) يعنى خروج خبر الواحد عن تحت الاصل الاوّلى كان بادلة خاصة يأتى ذكرها تفصيلا إن شاء اللّه تعالى فهو من قبيل الظن الخاص و هو ما ثبت اعتباره بدليل خاص عقلا او نقلا لا لاجل الاضطرار الى اعتبار مطلق الظن بعد تعذر العلم‏ (و يقابله) الظن المطلق و هو ما ثبت اعتباره من جهة انسداد باب العلم بخصوص الاحكام الشرعية و لا بأس بالاشارة الى تعريف الظن النوعى و الشخصى‏ (و المراد) بالاول هو كون اللفظ بنفسه لو خلى و طبعه مفيدا للظن بالمراد و بالثانى هو كون اللفظ بنفسه مفيدا للظن الفعلى بالمراد.

(قوله فى الجملة) اشارة الى الاختلافات التى هى بين القائلين باعتبار خبر الواحد سيتعرض لها الشيخ (قدس سره) فيما يأتى و اما القائلون بالاعتبار فهم مختلفون من جهة ان المعتبر من اخبار الآحاد كل ما فى الكتب المعتبرة كما يحكى عن بعض الاخباريين ايضا و تبعهم بعض المعاصرين من الاصوليين بعد استثناء ما كان مخالفا للمشهور او ان المعتبر بعضها و ان المناط فى الاعتبار عمل الاصحاب كما يظهر من كلام المحقق او عدالة الراوى او وثاقته او مجرد الظن بصدور الرواية من غير اعتبار صفة فى الراوى او غير ذلك من التفصيلات فى الاخبار و المقصود هنا بيان اثبات حجية خبر الواحد بالخصوص فى الجملة فى مقابل السلب الكلى.

(و كيف كان) فاثبات الحكم الشرعى بالخبر الواحد يتوقف على عدة امور (منها) اصل الصدور (و منها) صدور الخبر عن المعصوم (عليه السلام) لبيان الحكم الواقعى لا للتقية و نحوها و المتكفل لجهة الصدور هو الاصول العقلائية ايضا فانها تقتضى ان يكون جهة صدور الكلام من المتكلم لبيان المراد النفس الامرى و ان مؤداه هو

136

المقصود إلّا ان يثبت خلافه و على ذلك استقرت طريقة العقلاء و استمرت سيرتهم فى محاوراتهم.

(و منها) ثبوت دلالتها على الحكم المدعى و ثبوت الدلالة يتوقف اولا على تعيين اوضاع الفاظ الرواية و ثانيا على تعيين المراد من الفاظ الرواية و ان المراد مقتضى وضعها او غيره و المتكفل لهذه الجهة الثالثة من جهة الظهور و ارادة الظهور هو الاوضاع اللغوية و القرائن العامة و الاصول العقلائية و قد تقدم تفصيل ذلك كله فى البحث عن حجية الظواهر و قول اللغويين فى الاوضاع‏ (فتحصل) ان اثبات الحكم الشرعى بخبر الواحد موقوف على احراز هذه الامور المذكورة و لو بالاصول العقلائية.

137

(اما المقدمة الاولى)

فهى التى عقد لها مسئلة حجية اخبار الآحاد فمرجع هذه المسألة الى ان السنة اعنى قول الحجة او فعله او تقريره هل تثبت بخبر الواحد ام لا تثبت إلّا بما يفيد القطع من التواتر و القرينة و من هنا يتضح دخولها فى مسائل اصول الفقه الباحثة عن احوال الادلة و لا حاجة الى تجشم دعوى ان البحث عن دليلية الدليل بحث عن احوال الدليل ثم اعلم ان اصل وجوب العمل بالاخبار المدونة فى الكتب المعروفة مما اجمع عليه فى هذه الاعصار بل لا يبعد كونه ضرورى المذهب و انما الخلاف فى مقامين.

(احدهما)

كونها مقطوعة الصدور او غير مقطوعة فقد ذهب شرذمة من متأخرى الاخباريين فيما نسب اليهم الى كونها قطعية الصدور و هذا قول لا فائدة فى بيانه و الجواب عنه الا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم و إلّا فمدعى القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه و قد كتبنا فى سالف الزمان فى رد هذا القول رسالة تعرضنا فيها لجميع ما ذكروه و بيان ضعفها بحسب ما ادى اليه فهمى القاصر.

(الثانى)

انها مع عدم قطعية صدورها معتبرة بالخصوص ام لا فالمحكى عن السيد و القاضى و ابن زهرة و الطبرسى و ابن ادريس (قدس سرهم) المنع و ربما نسب الى المفيد حيث حكى عنه فى المعارج انه قال ان خبر الواحد القاطع للعذر هو الذى يقترن اليه دليل يفضى بالنظر الى العلم و ربما يكون ذلك اجماعا او شاهدا من عقل و ربما ينسب الى الشيخ كما سيجى‏ء عند نقل كلامه و كذا الى المحقق بل الى ابن بابويه بل فى الوافية انه لم يجد القول بالحجية صريحا ممن تقدم على العلامة و هو عجيب.

____________

[فى بيان الخلاف فى حجية الخبر الواحد فى المقامين‏]

(يعنى) ان المقصود بالبحث فى المقام هو الامر الاول و هو صدور الخبر من المعصوم (عليه السلام) و المتكفل لاثبات هذه الجهة هى الادلة الدالة على حجية الخبر الواحد كما قال (قدس سره) فهى التى عقد لها مسئلة حجية اخبار الآحاد.

138

(قوله فمرجع هذه المسألة الى ان السنة الخ) يعنى ان البحث عن حجية خبر الواحد يرجع الى ثبوت السنة التى هى قول المعصوم او فعله او تقريره بخبر الواحد ام لا فيكون البحث عن عوارض السنة التى هى احد الادلة الاربعة التى هى موضوع علم الاصول فيكون البحث عن حجيته من عوارضها الذاتية و من هنا يتضح دخولها فى مسائل اصول الفقه الباحثة عن احوال الادلة.

(قوله و لا حاجة الى تجشم دعوى الخ) اشارة الى ما يظهر من الفصول فانه صرح ان المراد من الادلة الاربعة التى هى موضوع علم الاصول ذات الادلة لا هى مع وصف كونها ادلة فالبحث عن حجية خبر الواحد و دليلية الدليل بحث عن احوال الدليل فيكون البحث عن حجية الخبر داخلا فى مسائل اصول الفقه الباحثة عن احوال الادلة و لكن الشيخ (قدس سره) قد اشار بقوله المتقدم بتوضيح منا من ان مرجع هذه المسألة الى ان السنة الخ الى عدم الحاجة الى تجشم دعوى ان البحث عن دليلية الدليل بحث عن احوال الدليل.

(قوله ثم اعلم ان اصل وجوب العمل الخ) اقول ان المشهور حجية خبر الواحد بل يمكن دعوى الاجماع عليه فى الاعصار المتأخرة خصوصا بالنسبة الى الاخبار المدونة فيما بايدينا من الكتب المعروفة حيث يظهر منهم كون وجوب العمل بهذه الاخبار من المسلمات عندهم و ان اختلفوا فى وجهه.

(نعم) حكى القول بعدم الحجية عن جماعة كالسيد المرتضى و القاضى و ابن زهرة و الطبرسى و ابن ادريس بل نسب ذلك الى الشيخ ايضا حتى ان السيد (قدس سره) حكم بجريان العمل به مجرى القياس بل ادعى الضرورة عليه و فى المحكى قال فى الموصليات على ما حكى فى السرائر ان اصحابنا كلهم سلفهم و خلفهم و متقدميهم و متأخريهم يمنعون عن العمل باخبار الآحاد و عن القياس فى الشريعة و يعيبون على الذاهب اليهما و المتعلق بهما حتى صار هذا المذهب لظهوره و انتشاره معلوما ضرورة منهم و غير مشكوك فيه من اقوالهم.

139

(و فى المعالم) و ما ذكره السيد فى جواب المسائل التبانيات من ان اصحابنا لا يعملون بخبر الواحد و ان ادعاء خلاف ذلك عليهم دفع للضرورة قال لانا نعلم علما ضروريا لا يدخل فى مثله ريب و لا شك ان علماء الشيعة الامامية يذهبون الى ان اخبار الآحاد لا يجوز العمل بها فى الشريعة و لا التعويل عليها و انها ليست بحجة و لا دلالة و قد ملئوا الطوامير و سطروا الاساطير فى الاحتجاج على ذلك و النقض على مخالفيهم فيه انتهى محل الحاجة من كلامه و لكن المشهور هو المنصور بالادلة التى يأتى ذكرها عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

(و لكن) لا يصح الاعتماد و الاتكال على هذا الاجماع لاختلاف المجمعين فى مدرك الحجية فان منهم من يعتمد على هذه الاخبار لتخيل انها قطعية الصدور فقد نسب هذا القول الى شرذمة من الاخباريين قال المحدث الامين الاسترآبادى على ما حكى عنه ان اخبارنا كلها قطعية و قال الشيخ الحر العاملى فى آخر الوسائل ان اخبار الكتب الاربعة و ما يشابهها من الكتب المعتمدة المشهورة قطعية و هذان القولان فى غاية الضعف كما قال الشيخ (قدس سره) و هذا قول لا فائدة فى بيانه و الجواب عنه الا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم الى ان قال.

(و منهم) من يعتمد عليها من اجل اعتماده على الظن المطلق بمقدمات الانسداد

(و منهم) من يعتمد عليها لاجل قيام الدليل بالخصوص عنده على حجيتها و الاجماع الذى يكون هذا شأنه لا يصح الاتكال عليه و اخذه دليلا فى المسألة فلا بد للقائل بحجية اخبار الآحاد من اقامة الدليل على مدعاه اذا لم يكن ممن يرى حجية مطلق الظن بمقدمات الانسداد و لم تكن الاخبار فى نظره مقطوعة الصدور و اما اعتبارها من باب الظن المطلق فهو مبنى على صحة مقدمات الانسداد و سيأتى الكلام فيها.

(قوله لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه) هذا انما يتم بالنسبة الى العوام او

140

بعض الاشخاص الحاوى للعصبية و إلّا فمن المعلوم فى اكثر المواضع ان مدعى القطع يرتدع بمجرد ذكر ضعف مبنى قطعه‏

(قوله و هو عجيب) ان منشأ التعجب ان كلمات من تقدم على العلامة كما تأتى مشحونة به مضافا الى ما ذكره ره لا يساوق مع ادعاء العلامة ره الاجماع على العمل بخبر الواحد

141

(و اما القائلون بالاعتبار)

فهم مختلفون من جهة ان المعتبر منها كل ما فى الكتب المعتبرة كما يحكى عن بعض الاخباريين ايضا و تبعهم بعض المعاصرين من الاصوليين بعد استثناء ما كان مخالفا للمشهور او ان المعتبر بعضها و ان المناط فى الاعتبار عمل الاصحاب كما يظهر من كلام المحقق او عدالة الراوى او وثاقته او مجرد الظن بصدور الرواية من غير اعتبار صفة فى الراوى او غير ذلك من التفصيلات فى الاخبار و المقصود هنا بيان اثبات حجيته بالخصوص فى الجملة فى مقابل السلب الكلى و لنذكر اولا ما يمكن ان يحتج به القائلون بالمنع ثم نعقبه بذكر ادلة الجواز

(فنقول)

اما حجة المانعين فالادلة الثلاثة اما الكتاب فالآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم و التعليل المذكور فى آية النبأ على ما ذكره امين الاسلام من ان فيها دلالة على عدم جواز العمل بخبر الواحد.

(و اما السنة)

فهى اخبار كثيرة تدل على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور إلّا اذا احتف بقرينة معتبرة من كتاب او سنة معلومة مثل ما رواه فى البحار عن بصائر الدرجات عن محمد بن عيسى قال اقرأنى داود بن فرقد الفارسى كتابه الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) و جوابه يخطه (عليه السلام) فكتب نسألك عن علم المنقول عن آبائك و اجدادك اجمعين قد اختلفوا علينا فيه فكيف العمل به على اختلافه فكتب (عليه السلام) بخطه ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم تعلموه فردوه الينا.

____________

[فى بيان الادلة الدالة على المنع من العمل بالخبر الواحد]

(اقول) قد تقدم ان المشهور حجية خبر الواحد بل يمكن دعوى الاجماع عليه فى الاعصار المتأخرة خصوصا بالنسبة الى الاخبار المدوّنة فيما بايدينا من الكتب المعروفة حيث يظهر منهم كون وجوب العمل بهذه الاخبار من المسلمات عندهم.

(و لكن) اختلف القائلون بالاعتبار من جهة ان المعتبر من الاخبار كل ما فى‏

142

الكتب المعتبرة كما يحكى عن بعض الاخباريين و تبعهم بعض المعاصرين اى صاحب المناهج فيما حكى عنه بعد استثناء ما كان مخالفا للمشهور او ان المعتبر بعضها و ان المناط فى الاعتبار عمل الاصحاب كما يظهر من كلام المحقق او عدالة الراوى او وثاقته او مجرد الظن بصدور الرواية من غير اعتبار صفة فى الراوى او غير ذلك من الجهات فى الاخبار.

(و لا يخفى) ان المهمّ هنا بيان اثبات حجيّته بالخصوص فى الجملة قبال السلب الكلى كما يدعيه القائل بالمنع و لنقدم الكلام اولا فى ذكر ادلة النافين للحجية ثم نعقبه بذكر ادلة المثبتين لها.

(فنقول) قد استدل النافون بالادلة الثلاثة أما الكتاب فبآيات منها ما دل على النهى عن اتباع غير العلم كقوله تعالى‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و منها ما دل على النهى عن الاستطراق بالظن و العمل به كقوله سبحانه‏ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً و منها التعليل المذكور فى آية النبأ على ما ذكره امين الاسلام الشيخ الطبرسى (قدس سره) من دعوى دلالته على عدم حجية خبر الواحد و المراد من التعليل المذكور فى آية النبأ قوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏.

(و اما السنة) فهى لغة الطريقة و اصطلاحا ما يضاف الى النبى (صلّى اللّه عليه و آله) او مطلق المعصوم (عليه السلام) من قول أو فعل او تقرير (و فى القوانين) الظاهر ان حكاية الحديث القدسى داخلة فى السنة و حكاية هذه الحكاية عنه (صلّى اللّه عليه و آله) داخل فى الحديث و اما نفس الحديث القدسى فهو خارج عن السنة و الحديث و القرآن و الفرق بينه و بين القرآن ان القرآن هو المنزل للتحدى و الاعجاز بخلاف الحديث القدسى انه الكلام المنزل لا على وجه الاعجاز الذى حكاه أحد الانبياء او احد اوصيائه (عليهم السلام) و قد يعرّف الحديث بانه قول المعصوم (عليه السلام) او حكاية قوله أو فعله أو تقريره ليدخل فيه اصل الكلام المسموع عن المعصوم (عليه السلام) الى أن قال.

143

(ثم) ان الخبر قد يطلق على ما يرادف الحديث كما هو مصطلح أصحاب الدراية و قد يطلق على ما يقابل الانشاء و قد عرفت تعريفه الاول و أما على الثانى فهو كلام لنسبته خارج يطابقه او لا يطابقه و المراد بالخارج هو الخارج عن مدلول اللفظ و ان كان فى الذهن ليدخل مثل علمت انتهى.

144

(و مثله)

عن مستطرفات السرائر و الاخبار الدالة على عدم جواز العمل بالخبر المأثور إلّا اذا وجد له شاهد من كتاب اللّه او من السنة المعلومة فيدل على المنع عن العمل بالخبر المجرد عن القرينة مثل ما ورد فى غير واحد من الاخبار ان النبى (صلّى اللّه عليه و آله) قال ما جاءكم عنى ما لا يوافق القرآن فلم اقله و قول أبى جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام) لا يصدق علينا الا ما يوافق كتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) اذا جاءكم حديث عنا فوجدتم عليه شاهدا او شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به و إلّا فقفوا عنده ثم ردوه الينا حتى نبيّن لكم و رواية ابن ابى يعفور قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و من لا نثق به قال اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه او من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فخذوا به و إلّا فالذى جاءكم به اولى به.

و قوله (عليه السلام) لمحمد بن مسلم ما جاءك من رواية من بر او فاجر يخالف كتاب اللّه فلا تأخذ به و قوله (عليه السلام) ما جاءكم من حديث لا يصدقه كتاب اللّه فهو باطل و قول ابى جعفر (عليه السلام) ما جاءكم عنا فان وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به و ان لم تجدوه موافقا فردوه و ان اشتبه الامر عندكم فقفوا عنده و ردّوه الينا حتى نشرح من ذلك ما شرح لنا و قول الصادق (عليه السلام) كل شى‏ء مردود الى كتاب اللّه و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف.

و صحيحة هشام بن حكم عن ابى عبد اللّه لا تقبلوا علينا حديثا الا ما وافق الكتاب و السنة او تجدون معه شاهدا من احاديثنا المتقدمة فان المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دس فى كتب اصحاب ابى أحاديث لم يحدث بها ابى فاتقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا و للاخبار الواردة فى طرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة و لو مع عدم المعارض متواترة جدا.

____________

[فى بيان ان الاخبار التى استدل النافون على اقسام‏]

(و كيف كان) ان الاخبار التى استدل النافون على طوائف‏ (الاولى) ما دل على الاخذ بما علم صدوره عنهم (عليهم السلام) و التوقف و الرد اليهم فيما لا يعلم انه منهم فمن ذلك قوله (عليه السلام) فى المروى عن بصائر الدرجات ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم تعلموه فردوه الينا.

145

(الثانية) ما دل على عرض الاخبار المروية عنهم (عليهم السلام) على كتاب اللّه عزّ و جل و هى على طائفتين‏ (احدهما) تدل على الاخذ بما يوافق الكتاب و ردّ ما لا يوافقه‏ (و اخرى) ما تدل على الاخذ بما لا يخالف الكتاب و ردّ ما يخالفه و كل منهما على قسمين من حيث كونه بلسان نفى الصدور تارة و لسان نفى الحجية اخرى.

(فمن الطائفة الاولى) قوله (عليه السلام) ما جاءكم عنّى ما لا يوافق القرآن فلم اقله و قوله (عليه السلام) و ما اتاكم من حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو باطل و قوله (عليه السلام) كل شى‏ء مردود الى كتاب اللّه عزّ و جل و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف و نحو ذلك من الاخبار الكثيرة الظاهرة فى نفى صدور ما لا يوافق القرآن عنهم.

(و من الطائفة الثانية) قوله (عليه السلام) ما جاءكم من حديث لا يصدقه كتاب اللّه فهو باطل و قوله (عليه السلام) اذا جاءكم حديث عنا فوجدتم عليه شاهدا او شاهدين من كتاب اللّه عزّ و جل فخذوا به و إلّا فقفوا عنده ثم ردوه الينا حتى نبين لكم و قوله (عليه السلام) فى خبر ابن ابى يعفور بعد ان سأله عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و من لا نثق به قال اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه او من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فخذوا به و إلّا فالذى جاءكم به اولى به و قوله (عليه السلام) ما جاءكم عنا فان وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به و ان لم تجدوه موافقا فردّوه و ان اشتبه الامر عندكم فقفوا عنده و ردّوه الينا حتى نشرح لكم من ذلك و قوله (عليه السلام) لمحمد بن مسلم ما جاءك من رواية من برّ او فاجر يوافق كتاب اللّه فخذ به و ما جاءك من رواية من برّ او فاجر يخالف كتاب اللّه فلا تأخذ به و نحو ذلك من الاخبار الظاهرة فى عدم حجية ما لا يوافق الكتاب.

(و من الطائفة الثالثة) قوله (عليه السلام) ما خالف كتاب اللّه عزّ و جل فليس من حديثى او لم اقله كما فى خبر آخر قوله (عليه السلام) ما جاءكم عنّى يخالف كتاب اللّه فلم اقله او فاضربوه على الجدار كما فى آخر او زخرف كما فى ثالث او باطل كما فى رابع.

(و من الطائفة الرابعة) قوله (عليه السلام) لا تقبلوا عنا خلاف القرآن فانا ان حدثنا

146

حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة و قوله (عليه السلام) لا تقبلوا عنا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا (صلّى اللّه عليه و آله) و نحو ذلك من النصوص الظاهرة بل الصريحة فى عدم حجية ما يخالف الكتاب و السنة هذا.

(قوله الى ابى الحسن الثالث) المراد منه الامام الهادى (عليه السلام) و ابو الحسن الاول يراد منه موسى بن جعفر (عليهما السلام) و ابو الحسن الثانى يراد منه على بن موسى الرضا (عليهما السلام).

(و اعلم) انه اذا اطلق فى الرواية قوله (صلّى اللّه عليه و آله) فالمراد به النبى (ص) و اذا قيل احدهما فالمراد به الباقر او الصادق (عليهما السلام) اذ من الرواة من روى عن كل منهما فاشتبه عليه فنسبه اليهما و اذا اطلق ابو جعفر (عليه السلام) فالمراد به الباقر (عليه السلام) و اذا قيد بابى جعفر الثانى فالمراد به الامام الجواد (عليه السلام) و اذا اطلق ابو عبد اللّه فالصادق (عليه السلام) و اذا اطلق ابو الحسن فالكاظم (عليه السلام) و اذا اطلق العالم او الفقيه او العبد الصالح او ابو ابراهيم فالمراد بهم الكاظم (عليه السلام) ايضا و قد يرقم بحرف اختصارا فالصاد الصادق (عليه السلام) و القاف الباقر (عليه السلام) و الظاء الكاظم (عليه السلام) و الضاد الرضا (عليه السلام).

(قوله كتاب اللّه و سنة نبيه) الظاهر ان الواو بمعنى او لما سيأتى من بعض الاخبار الدال على ذلك و يمكن ان تكون بمعناها لتطابق الكتاب و السنة غالبا

(قوله لا يصدقه كتاب اللّه) اقول لعل الاقتصار فى بعض الاخبار على ذكر الكتاب فقط لعدم الاحتياج الى ذكر السنة لتطابقهما غالبا.

(قوله و ان لم تجدوه موافقا) يمكن ان يراد ان تجدوه غير موافق لا الاعم من ذلك و مما لم يعلم موافقته و لا مخالفته لقوله (عليه السلام) و ان اشتبه الامر.

(قوله او تجدون معه شاهدا من احاديثنا المتقدمة) يمكن ان يكون المراد بالشاهد من الاحاديث المتقدمة هو ما يكون قطعى الصدور باحد اسبابه من التواتر اللفظى او المعنوى او الاحتفاف بالقرينة و غير ذلك من الاسباب التى توجب قطعية الصدور و قيل يمكن ان يراد به الاعم بان يكون المراد به ما يكون قبل زمان‏

147

مغيرة بن سعيد لعنه اللّه و دسّه و ان لم يكن قطعيا و عليه لا يكون دليلا للمستدل.

(قوله متواترة جدا) قيل انه (قدس سره) اراد التواتر المعنوى بان يكون القدر المشترك بين جميع الاخبار و القدر المتيقن منها و هو عدم حجية الخبر الظنى الغير المحفوف بالقرينة القطعية من الادلة الاربعة مقطوعا به و يمكن ان يريد التواتر الاجمالى لكن لا بد فيه من القطع بتمامية دلالة الصادر المعلوم اجمالا على المراد و وجه الاحتياج الى ادعاء التواتر باحد معنييه واضح لعدم امكان الاستدلال بالخبر الظنى الصدور جوازا او منعا كما هو واضح.

148

(وجه الاستدلال)

بها ان من الواضحات ان الاخبار الواردة عنهم (صلوات اللّه عليهم) فى مخالفة ظواهر الكتاب و السنة فى غاية الكثرة

(و المراد)

من المخالفة للكتاب فى تلك الاخبار الناهية عن الاخذ بمخالفة الكتاب و السنة ليس هى المخالفة على وجه التباين الكلى بحيث يتعذر او يتعسّر الجمع اذ لا يصدر من الكذابين عليهم ما يباين الكتاب و السنة كلية اذ لا يصدقهم احد فى ذلك فما يصدر عن الكذابين من الكذب لم يكن الا نظير ما كان يرد من الائمة (عليهم السلام) فى مخالفة ظواهر الكتاب و السنة فليس المقصود من عرض ما يرد من الحديث على الكتاب و السنة إلّا عرض ما كان منها غير معلوم الصدور عنهم و انه ان وجد له قرينة او شاهد معتمد فهو و إلّا فليتوقف فيه لعدم افادته العلم بنفسه و عدم اعتضاده بقرينة معتبرة ثم ان عدم ذكر الاجماع و دليل العقل من جملة قرائن الخبر فى هذه الروايات كما فعله الشيخ فى العدة لان مرجعهما الى الكتاب و السنة كما يظهر بالتأمل و يشير الى ما ذكرنا من ان المقصود من عرض الخبر على الكتاب و السنة هو فى غير معلوم الصدور تعليل العرض فى بعض الاخبار بوجود الاخبار المكذوبة فى اخبار الامامية

(و اما الاجماع)

فقد ادعاه السيد المرتضى (قدس سره) فى مواضع من كلامه و جعله فى بعضها بمنزلة القياس فى كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة و قد اعترف بذلك الشيخ على ما يأتى فى كلامه إلّا انه اوّل معقد الاجماع بارادة الاخبار التى يرويها المخالفون و هو ظاهر المحكى عن الطبرسى فى مجمع البيان قال لا يجوز العمل بالظن عند الامامية الا فى شهادة العدلين و قيم المتلفات و اروش الجنايات انتهى.

____________

(اقول) توضيح الاستدلال بالاخبار المذكورة ان المخالفة للكتاب و السنة اما ان تكون على وجه التباين الكلى او غيره كالمخالفة بالعموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد و هذا القسم هو الاكثر فى الاخبار لقلة المخالفة على الوجه الاول فحينئذ

149

يحمل الاخبار الآمرة بطرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة على الوجه الثانى لا الوجه الاول لان المخالفة على الوجه الاول لو وجدت ففى غاية الندرة و لا يناسبها التأكيد الاكيد فى الاخبار المتكثرة فعلى هذا يكون كل ما خالف الكتاب و السنة و لو على غير وجه التباين الكلى مردودا و مقتضى ذلك عدم العمل بالخبر الواحد و قد اشار (قدس سره) الى ما ذكرنا من توضيح الاستدلال بقوله و المراد من المخالفة للكتاب فى تلك الاخبار الناهية عن الاخذ بمخالفة الكتاب و السنة ليس هى المخالفة على وجه التباين الكلى الى ان قال فليس المقصود من عرض ما يرد من الحديث على الكتاب و السنة الا عرض ما كان منها غير معلوم الصدور عنهم و انه ان وجد له قرينة و شاهد معتمد فهو و إلّا فليتوقف فيه لعدم افادته العلم بنفسه و عدم اعتضاده بقرينة معتبرة

(قوله ثم ان عدم ذكر الاجماع و دليل العقل الخ) اما الاول فلرجوعه الى السنة لان حجية الاجماع عند الخاصة للكشف عن قول المعصوم او فعله او تقريره و لذا لم يكن دليلا اصطلاحيا و اما جعل الادلة اربعة من جملتها الاجماع فلمتابعة العامة لكون الاجماع عندهم دليلا على الحكم الواقعى لا للكشف عن السنة و اما الثانى فلقاعدة الملازمة قيل و وجه عدم ذكر العقل عدم تطرّقه فى كل الاحكام حتى التوقيفيات فافهم‏

(قال صاحب بحر الفوائد) فى رجوع الاجماع و دليل العقل الى الكتاب و السنة ما هذا لفظه اقول رجوع الاجماع الى السنة بمعنى كون الموافق له موافقا للسنة على طريقة الامامية امر واضح لا سترة فيه اصلا كما عرفت تفصيل القول فيه فى مسئلة نقل الاجماع و اما رجوع العقل اليهما مع كونه دليلا مستقلا و كاشفا عن حكم الشارع فى قبال الكتاب و السنة على القول بلزوم تأكيد العقل بالنقل من باب اللطف كما اختاره غير واحد فانما هو من جهة التلازم بينه و بين الكتاب و السنة و ان لم يكن كاشفا عنهما ابتداء كالاجماع و اما على القول بعدم اللزوم و ان اتفق كثيرا ما توافقهما فيشكل الامر فيه جدا بل قد يشكل الحكم برجوعه اليهما على التقدير الاول ايضا فضلا عن هذا التقدير و وجه الاشكال على التقدير ظاهر.

150

[من جملة ادلة النافين هو الاجماع الذى ادعاه السيد المرتضى ره‏]

(قوله و اما الاجماع فقد ادعاه السيد الخ) ادعاه السيد فى مواقع من كلامه حتى جعل العمل بالخبر الواحد بمنزلة العمل بالقياس فى قيام الضرورة على بطلانه قال السيد فيما حكاه صاحب المعالم فى جواب المسائل التبانيات ان اصحابنا لا يعملون بخبر الواحد و ان ادعاء خلاف ذلك عليهم دفع للضرورة قال لانا نعلم علما ضروريا لا يدخل فى مثله ريب و لا شك ان علماء الشيعة الامامية يذهبون الى ان اخبار الآحاد لا يجوز العمل بها فى الشريعة و لا التعويل عليها و انها ليست بحجة و لا دلالة و قد ملئوا الطوامير و سطروا الاساطير فى الاحتجاج على ذلك و النقض على مخالفيهم فيه و منهم من يزيد على تلك الجملة و يذهب الى انه مستحيل من طريق العقول ان يتعبد اللّه تعالى بالعمل باخبار الآحاد و يجرى ظهور مذهبهم فى اخبار الآحاد مجرى ظهوره فى ابطال القياس فى الشريعة و حظره و قال فى المسألة التى افردها فى البحث عن العمل بخبر الواحد انه تبيّن فى جواب المسائل التبانيات ان العلم الضرورى حاصل لكل مخالف للامامية او موافق بانهم لا يعملون فى الشريعة بخبر لا يوجب العلم و ان ذلك قد صار شعارا لهم يعرفون به كما ان نفى القياس فى الشريعة من شعارهم الذى يعلمه منهم كل مخالط لهم انتهى‏

(قوله و هو ظاهر المحكى عن الطبرسى الخ) قال الطبرسى (قدس سره) فيما حكاه بعض المحشين فى مجمع البيان فى سورة الانبياء عند تفسير قوله تعالى‏ وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ‏ الآية ما هذا لفظه على ان الحكم بالظن و الاجتهاد و القياس قد بين أصحابنا فى كتبهم انه لم يتعبد به الشرع الا فى مواضع مخصوصة ورد النص بجواز ذلك فيها نحو قيم المتلفات و اروش الجنايات و جزاء الصيد و القبلة و ما جرى هذا المجرى انتهى كلامه رفع مقامه.

(و اما الدليل العقلى) فهو البرهان المعروف المحكى عن ابن قبة فى امتناع جعل الطرق الغير العلمية من جهة محذور اجتماع الضدين و لزوم تحليل الحرام و عكسه و قد تقدمت هذه الشبهة فى اول الظن و قد اجيب عنها فيه بما لا مزيد عليه فعلى هذا لا وجه لتخصيص ادلة النافين بالثلاثة.