درر الفوائد في شرح الفرائد - ج2

- السيد يوسف المدني التبريزي المزيد...
400 /
151

(و الجواب)

اما عن الآيات فبانها بعد تسليم دلالتها عمومات مخصصة بما سيجى‏ء من الادلة و اما عن الاخبار فعن الرواية الاولى فبانها خبر واحد لا يجوز الاستدلال بها على المنع عن الخبر الواحد و اما أخبار العرض على الكتاب فهى و ان كانت متواترة بالمعنى إلّا انها بين طائفتين إحداهما ما دل على طرح الخبر الذى يخالف الكتاب و الثانية ما دل على طرح الخبر الذى لا يوافق الكتاب و اما الطائفة الاولى فلا تدل على المنع عن الخبر الذى لا يوجد مضمونه فى الكتاب و السنة.

(فان قلت)

ما من واقعة الا و يمكن استفادة حكمها عن عمومات الكتاب المقتصر فى تخصيصها على السنة القطعية مثل قوله تعالى‏

خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً

و قوله‏

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ*

الخ و

كُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً

و

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

و نحو ذلك فالاخبار المخصصة لها كلها و لكثير من عمومات السنة القطعية مخالفة للكتاب.

(قلت)

أولا انه لا يعد مخالفة ظاهر العموم خصوصا مثل هذه العمومات مخالفة و إلّا لعدت الاخبار الصادرة يقينا عن الائمة (عليهم السلام) المخالفة لعموم الكتاب و السنة النبوية مخالفة للكتاب و السنة غاية الامر ثبوت الاخذ بها مع مخالفتها لكتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فيخرج عن عموم أخبار العرض مع ان الناظر فى أخبار العرض على الكتاب و السنة يقطع بانها نأبى عن التخصيص و كيف يرتكب التخصيص فى قوله (عليه السلام) كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف و قوله ما آتيكم من حديث لا يوافقه كتاب اللّه فهو باطل و قوله (عليه السلام) لا تقبلوا علينا خلاف القرآن فانا ان حدثنا حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة و قد صح عن النبى (ص) انه قال ما خالف كتاب اللّه فليس من حديثى او لم اقله مع ان اكثر عمومات الكتاب قد خصص بقول النبى (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

[فى الجواب عن الآيات الدالة على المنع من العمل بالخبر الواحد]

(و اما الجواب عن الآيات) بعد الغض عن كون مساقها حرمة العمل بالظن فى أصول العقائد و اصول الدين و تسليم عمومها لمطلق الاحكام الشرعية فبانها

152

عمومات مخصصة بما سيأتى من الادلة الدالة على جواز العمل بخبر الواحد اذ فى فرض تماميتها لا مجال للتمسك بتلك الآيات لحكومة تلك الادلة عليها فان تلك الادلة تقتضى القاء احتمال الخلاف و جعل الخبر محرزا للواقع فيكون حال الخبر حال العلم فى عالم التشريع فلا تعمّه الادلة الناهية عن العمل بالظن لنحتاج الى التخصيص.

(فعلى) هذا تعبير الشيخ (قدس سره) بلفظ التخصيص اما مسامحة فى لفظ التخصيص باستعماله فى غير ظاهره من الورود و الحكومة او مبنى على تسامح القوم و تساهلهم و عدم فرقهم بين الاقسام المذكورة.

[فى الجواب عن الاخبار الدالة على المنع من العمل بخبر الواحد]

(و اما الجواب عن الاخبار) فعن الرواية الاولى مضافا الى ما قيل من ان الاخباريين مع عدم كون دأبهم الخدشة فى سند الروايات لا يعملون بالاخبار المدوّنة فى بصائر الدرجات سيما مثل هذه الرواية التى هى من قبيل المكاتبة لكن المجلسى ره على ما حكى عنه قال فى مقدمات البحار انه من الاصول المعتبرة التى روى عنها الكلينى و غيره فبانها خبر واحد لا يجوز الاستدلال بها على المنع عن الخبر الواحد.

(و اما اخبار العرض على الكتاب) فهى و ان كانت متواترة بالمعنى إلّا انها بين طائفتين إحداهما ما دل على طرح الخبر الذى يخالف الكتاب و الثانية ما دل على طرح الخبر الذى لا يوافق الكتاب و اما الاخبار التى دلت على ان الخبر المخالف للكتاب باطل او زخرف او اضربوه على الجدار او لم نقله الى غير ذلك من التعبيرات الدالة على عدم حجية الخبر المخالف للكتاب و السنة القطعية.

(و المراد) من المخالفة فى هذه الاخبار هى المخالفة بنحو لا يكون بين الخبر و الكتاب جمع عرفى كما اذا كان الخبر مخالفا للكتاب بنحو التباين او العموم من وجه و هذا النحو من الخبر اى المخالف للكتاب او السنة القطعية بنحو التباين او العموم من وجه خارج عن محل الكلام لانه غير حجة بلا اشكال و لا خلاف و اما الاخبار المخالفة للكتاب و السنة بنحو التخصيص او التقييد فليست مشمولة لهذه الطائفة للعلم بصدور المخصص لعموم الكتاب و المقيد لاطلاقاته عنهم (عليهم السلام)

153

كثيرا اذ لم يذكر فى الكتاب الا اساس الاحكام بنحو الاجمال و اما تفصيل الاحكام و بيان موضوعاتها فهو مذكور فى الاخبار المروية عنهم (عليهم السلام) و ان شئت قلت ليس المراد من المخالفة فى هذه الطائفة هى المخالفة بالتخصيص و التقييد و إلّا لزم تخصيصها بموارد العلم بتخصيص الكتاب فيها مع انها آبية عن التخصيص و كيف يمكن الالتزام بالتخصيص فى مثل قوله (عليه السلام) ما خالف قول ربنا لم نقله و بالجملة الخبر المخصص لعموم الكتاب او المقيد لاطلاقه لا يعد مخالفا له فى نظر العرف فالمراد من المخالفة فى هذه الطائفة هى المخالفة بنحو التباين او العموم من وجه.

(و بالجملة) ان المراد من الاخبار الدالة على طرح المخالف للكتاب و انه زخرف باطل لم اقله هو المخالف لنص الكتاب لا لظاهره و ذلك للقطع بصدور كثير من الاخبار الصحيحة المخالفة لظاهر القرآن عن الائمة (عليهم السلام) فى الاحكام الشرعية و غيرها الشارحة لمراده فوق حد الاحصاء.

(قوله فان قلت ما من واقعة الا و يمكن استفادة حكمها الخ) لمّا ذكر (قدس سره) ان الطائفة الاولى لا تدل على المنع عن الخبر الذى لا يوجد مضمونه فى الكتاب و السنة توجه عليه السؤال المذكور و هو ان احكام جميع الوقائع مستفادة من عمومات الكتاب مثل الآيات المذكورة فحينئذ كل خبر وافقه يؤخذ به و كل خبر خالفه يطرح إلّا ان يكون قطعى الصدور فيخصص به الكتاب كما قال المقتصر فى تخصيصها على السنة القطعية الخ فالاخبار المخصصة لعمومات الكتاب كلها و المخصصة لكثير من عمومات السنة القطعية مخالفة للكتاب.

(قوله قلت اولا) حاصل الجواب عدم صدق المخالف على الخبر المخصص للعموم سيما مثل هذه العمومات و إلّا لعدّت الاخبار الصادرة يقينا عن الائمة (عليهم السلام) المخالفة لعمومات الكتاب و السنة النبوية مخالفة للكتاب و السنة.

154

(غاية الامر) ثبوت الاخذ بها مع مخالفتها لكتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فيخرج عن عموم اخبار العرض مع ان الناظر فى اخبار العرض على الكتاب و السنة يقطع بانها تابى عن التخصيص و كيف يرتكب التخصيص فى قوله (عليه السلام) كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف و قوله ما آتيكم من حديث لا يوافقه كتاب اللّه فهو باطل و قوله (عليه السلام) لا تقبلوا علينا خلاف القرآن فانا ان حدثنا حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة و قد صح عن النبى (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال ما خالف كتاب اللّه فليس من حديثى او لم اقله مع ان اكثر عمومات الكتاب قد خصص بقول النبى (صلّى اللّه عليه و آله).

155

و مما يدل على ان المخالفة لتلك العمومات لا تعد مخالفة ما دل من الاخبار على بيان حكم ما لا يوجد حكمه فى الكتاب و السنة النبوية اذ بناء على تلك العمومات لا يوجد واقعة لا يوجد حكمها فيهما فمن تلك الاخبار ما عن البصائر و الاحتجاج و غيرهما مرسلة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال ما وجدتم فى كتاب اللّه فالعمل به لازم و لا عذر لكم فى تركه و ما لم يكن فى كتاب اللّه و كانت فيه سنة منى فلا عذر لكم فى ترك شى‏ء و ما لم يكن فيه سنة منى فما قال اصحابى فقولوا به فانما مثل اصحابى فيكم كمثل النجوم بايّها اخذ اهتدى و باىّ اقاويل اصحابى اخذتم اهتديتم و اختلاف اصحابى رحمة لكم قيل يا رسول اللّه و من اصحابك قال اهل بيتى الخبر فانه صريح فى انه قد يرد من الائمة (عليهم السلام) ما لا يوجد فى الكتاب و السنة.

و منها ما ورد فى تعارض الروايتين من رد ما لا يوجد فى الكتاب و السنة الى الائمة (عليهم السلام) مثل ما رواه فى العيون عن ابى الوليد عن سعد بن محمد بن عبد اللّه المسمعى عن الميثمى و فيها ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه الى ان قال و ما لم يكن فى الكتاب فاعرضوهما على سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى ان قال و ما لم تجدوا فى شي‏ء من هذه فردوا الينا علمه فنحن اولى بذلك الخبر

و الحاصل ان القرائن الدالة على ان المراد بمخالفة الكتاب ليس مجرد مخالفة عمومه و اطلاقه كثيرة يظهر لمن له ادنى تتبع و من هنا يظهر ضعف التامل فى تخصيص الكتاب بخبر الواحد لتلك الاخبار بل منعه لاجلها كما عن الشيخ فى العدة او لما ذكره المحقق من ان الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد الاجماع على استعماله فيما لا يوجد فيه دلالة و مع الدلالة القرآنية تسقط وجوب العمل به.

____________

(اقول) ان الاخبار التى دلت على بيان حكم ما لا يوجد حكمه فى الكتاب و السنة النبوية تدل على ان المخالفة لتلك العمومات لا تعد مخالفة (فمنها) ما عن البصائر و الاحتجاج و غيرهما مرسلة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال ما وجدتم فى كتاب اللّه فالعمل به لازم و لا عذر لكم فى تركه و ما لم يكن فى كتاب اللّه تعالى و كانت‏

156

فيه سنة منى فلا عذر لكم فى ترك شي‏ء و ما لم يكن فيه سنة منى فما قال اصحابى فقولوا به فانما مثل اصحابى فيكم كمثل النجوم بايّها اخذ اهتدى و باىّ اقاويل اصحابى اخذتم اهتديتم و اختلاف اصحابى رحمة لكم قيل يا رسول اللّه و من اصحابك قال اهل بيتى الخبر فان هذا الخبر صريح فى انه قد يرد من الائمة (عليهم السلام) ما لا يوجد فى الكتاب و السنة.

(قوله (عليه السلام) بايها اخذ اهتدى) قيل كلاهما مبنيان للمفعول فيكون قوله بايّها فى مقام النائب عن الفاعل و هو محذوف لقوله اهتدى اى اهتدى به.

[فى توجيه حديث اختلاف اصحابى رحمة لكم‏]

(قوله و اختلاف اصحابى رحمة لكم) اقول قد علمت بتصريح النبى (صلّى اللّه عليه و آله) ان المراد من الاصحاب اهل البيت (عليهم السلام) و ليعلم انه كيف يكون اختلافهم (عليهم السلام) رحمة للامة قال الصدوق فى توجيهه ان اهل البيت لا يختلفون و لكن يفتون الشيعة بمر الحق و ربما افتوهم بالتقية فما يختلف من قولهم فهو للتقية و التقية رحمة للشيعة هذا التوجيه بالعبارة المحكية فى معانى الاخبار ص 153

(و لكن) لا ينحصر وجه الاختلاف فى التوجيه المذكور فقط فحينئذ لا بأس بنقل جملة من الاخبار الدالة على ذلك فمن ذلك ما رواه فى الاحتجاج بسنده فيه عن حريز عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له انه ليس شى‏ء اشدّ على من اختلاف اصحابنا قال ذلك من قبلى.

هذا الحديث مذكور فى العلل باب 131 (العلة التى من اجلها حرم اللّه الكبائر) و لم ينقله المجلسى فى البحار إلّا عن العلل.

و من ذلك ايضا ما رواه فى كتاب معانى الاخبار عن الخزاز عمن حدثه عن ابى الحسن (عليه السلام) قال اختلاف اصحابى لكم رحمة و قال (عليه السلام) اذا كان ذلك جمعتكم على امر واحد و سئل عن اختلاف اصحابنا فقال (عليه السلام) انا فعلت ذلك بكم و لو اجتمعتم على امر واحد لاخذ برقابكم.

هذا الحديث مذكور فى العلل فى الباب المتقدم و لم ينقله المجلسى فى البحار إلّا عن العلل و غير ذلك من الاخبار الدالة على وجه كون الاختلاف رحمة لكم.

157

(اقول) قد نقل ايضا فى بعض الروايات عن النبى (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال اختلاف امتى رحمة (فى معانى الاخبار) عن محمد ابن ابى عمير عن عبد المؤمن الانصارى قال قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) ان قوما يروون ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال اختلاف امتى رحمة فقال صدقوا قلت ان كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب قال ليس حيث تذهب و ذهبوا انما اراد قول اللّه عزّ و جل‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ فأمرهم ان ينفروا الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيتعلموا ثم يرجعوا الى قومهم فيعلموهم انما اراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا فى دين اللّه انما الدين واحد.

(و يؤيده) ما رواه فى الكافى عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سألته عن مسئلة فاجابنى ثم جاءه رجل فسأله عنها فاجابه بخلاف ما اجابنى ثم جاء رجل آخر فاجابه بخلاف ما اجابنى و اجاب صاحبى فلما خرج الرجلان قلت يا بن رسول اللّه رجلان من اهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فاجبت كل واحد منهما بغير ما اجبت به صاحبه فقال يا زرارة ان هذا خير لنا و ابقى لنا و لكم و لو اجتمعتم على امر واحد لصدقكم الناس علينا و لكان اقل لبقائنا و بقائكم قال ثم قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) شيعتكم لو حملتموهم على الاسنّة او على النار لمضوا و هم يخرجون من عندكم مختلفين قال فسكت فاعدت عليه ثلاث مرات فاجابنى بمثل جواب ابيه.

(و منها) اى من الاخبار التى دلت على بيان حكم ما لا يوجد حكمه فى الكتاب و السنة النبوية ما ورد فى تعارض الروايتين من ردّ ما لا يوجد فى الكتاب و السنة الى الائمة (عليهم السلام) مثل ما رواه فى العيون عن ابى الوليد عن سعد بن محمد بن عبد اللّه المسمعى عن الميثمى و فيها ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه الى ان قال و ما لم يكن فى الكتاب فاعرضوهما على سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى ان قال و ما لم تجدوا فى شى‏ء من هذه فردوا الينا علمه فنحن اولى بذلك الخبر

(و الحاصل) ان القرائن الدالة على ان المراد بمخالفة الكتاب ليس مجرد مخالفة عمومه و اطلاقه كثيرة يظهر لمن له ادنى تتبع‏ (و من هنا) اى من جهة ما ذكر

158

من ان المخالفة من حيث التخصيص او التقييد ليست مخالفة يظهر ضعف التأمل فى تخصيص الكتاب بخبر الواحد للاخبار التى دلت على طرح الخبر المخالف للكتاب و السنة بل منع التخصيص لتلك الاخبار كما عن الشيخ فى العدة او لما ذكره المحقق من ان الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد الاجماع على استعماله فيما لا يوجد فيه دلالة و مع الدلالة القرآنية تسقط وجوب العمل به.

(و لا يخفى) انه لم يظهر مما ذكره (قدس سره) ضعف ما ذكره المحقق (قدس سره) كما هو مفاد العبارة بل وجه ضعف ما ذكره ره عدم انحصار دليل حجية خبر الواحد فى الاجماع حتّى يؤخذ بالقدر المتيقن.

159

و ثانيا انا نتكلم فى الاحكام التى لم يرد فيها عموم من القرآن و السنة ككثير من احكام المعاملات بل العبادات التى لم ترد فيها الا آيات مجملة او مطلقة من الكتاب اذ لو سلمنا ان تخصيص العموم يعد مخالفة اما تقييد المطلق فلا يعد فى العرف مخالفة بل هو مفسر خصوصا على المختار من عدم كون المطلق مجازا عند التقييد

(فان قلت)

فعلى اى شى‏ء تحمل تلك الاخبار الكثيرة الآمرة بطرح مخالف الكتاب فان حملها على طرح ما يباين الكتاب كلية حمل على فرد نادر بل معدوم فلا ينبغى لاجله هذا الاهتمام الذى عرفته فى الاخبار.

(قلت)

هذه الاخبار على قسمين منها ما يدل على عدم صدور الخبر المخالف للكتاب و السنة عنهم (عليهم السلام) و ان المخالف لها باطل و انه ليس بحديثهم و منها ما يدل على عدم جواز تصديق الخبر المحكى عنهم اذا خالف الكتاب و السنة اما الطائفة الاولى فالاقرب حملها على الاخبار الواردة فى اصول الدين مثل مسائل الغلو و الجبر و التفويض التى ورد فيها الآيات و الاخبار النبوية و هذه الاخبار غير موجودة فى كتبنا الجوامع لانها اخذت عن الاصول بعد تهذيبها من تلك الاخبار اما الثانية فيمكن حملها على ما ذكر فى الاولى و يمكن حملها على صورة تعارض الخبرين كما يشهد به مورد بعضها و يمكن حملها على خبر غير الثقة لما سيجى‏ء من الادلة على اعتبار خبر الثقة هذا كله فى الطائفة الدالة على طرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة.

____________

(اقول) ان الجواب الثانى عن الاشكال المتقدم فى مقام منع الصغرى و حاصله منع كون كل حكم ورد فيه عموم من القرآن او السنة و الجواب الاول عنه راجع الى منع الكبرى فحينئذ كان تقديم الجواب الثانى على الاول اولى.

(و كيف كان) محصل الجواب الثانى انا نتكلم فى الاحكام التى لم يرد فيها عموم من القرآن و السنة ككثير من احكام المعاملات بل العبادات التى لم ترد فيها الا آيات مجملة بناء على كون اسامى العبادات و المعاملات موضوعة للصحيح منها او مطلقة بناء على كونها اسامى للاعم منها قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و قوله سبحانه‏

160

لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ و غير ذلك من الآيات الشريفة الواردة فى باب العبادات و المعاملات و لو سلمنا ان تخصيص العموم يعد مخالفة اما تقييد المطلق فلا يعد فى العرف مخالفة بل هو اى التقييد مفسر للمطلق خصوصا (على المختار) أى على مختار الشيخ (قدس سره) من عدم كون المطلق مجازا عند التقييد و هو الذى أختاره سلطان العلماء رحمة اللّه عليه حيث ذهب الى ان المطلق اذا قيد بشى‏ء فهو حقيقة سواء كان المقيد متصلا او منفصلا اذ مبناه على ما ذكر فى محله ان المطلق موضوع للماهية لا بشرط شى‏ء حتى بشرط الاطلاق فهو مستعمل دائما فى المفهوم الكلى و ان خصوصية الفرد انما هى من جهة الخارج فاذا قيل اعتق رقبة مؤمنة فالرقبة انما اطلقت على الماهية لا بشرط و ان قيد الايمان انما جاء من جهة قوله مؤمنة فهو من قبيل تعدد الدال و المدلول و هو مثل العهد الذهنى فى مثل قول القائل ادخل السوق و اشتر اللحم حيث ان السوق و اللحم انما استعملا فيما وضع له و ان الخصوصية انما جاءت من قبل قوله ادخل و اشتر فاستفادة التقييد انما جاءت من قبل ذكر المقيد و المطلق انما استعمل فى معناه الموضوع له و هو الماهية لا بشرط شى‏ء.

(قوله فان قلت الخ) ان المناسب ذكر هذا السؤال قبل الجواب الثانى فانه من متعلقات الجواب الاول لا من متعلقات الجواب الثانى فانه لما نفى صدق المخالفة على المخالفة من حيث العموم و الاطلاق فى الجواب الاول توجه عليه هذا السؤال المذكور فى المتن و حاصله اذا نفى صدق المخالفة على المخالفة من حيث العموم و الاطلاق فعلى أى شى‏ء تحمل الاخبار الآمرة بطرح مخالف الكتاب فان حملها على طرح ما يباين الكتاب كلية حمل على فرد نادر بل معدوم فلا ينبغى لاجله هذا الاهتمام الذى عرفته فى الاخبار.

(قوله قلت هذه الاخبار الخ) حاصله ان الاخبار الدالة على طرح المخالف‏

161

على قسمين منها ما يدل على عدم صدور الخبر المخالف للكتاب و السنة عنهم (عليهم السلام) و ان المخالف لها باطل و انه ليس بحديثهم و منها ما يدل على عدم جواز تصديق الخبر المحكى عنهم اذا خالف الكتاب و السنة كما يدل عليه ذيل خبر ابن ابى يعفور فالذى جاءكم اولى به.

(اما الطائفة الاولى) الدالة على عدم الصدور فالاقرب حملها على الاخبار الواردة فى اصول الدين مثل مسائل الغلو و الجبر و التفويض التى ورد فيها الآيات و الاخبار النبوية يعنى المسائل التى ورد فى ردها الآيات و الاخبار النبوية و هذه الاخبار غير موجودة فى كتبنا الجوامع الاربعة لانها اخذت عن الاصول اى الاصول الأربعمائة المعروفة بعد تهذيبها من تلك الاخبار.

(اما الثانية) فيمكن حملها على ما ذكر فى الاولى من حملها على الاخبار الواردة فى اصول الدين و يمكن حملها على صورة تعارض الخبرين كما يشهد به مورد بعضها و يمكن حملها على خبر غير الثقة لما سيجى‏ء من الادلة على اعتبار خبر الثقة هذا كله فى الطائفة الدالة على طرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة.

162

(و اما الطائفة الآمرة)

بطرح ما لا يوافق الكتاب او لم يوجد عليه شاهد من الكتاب و السنة فالجواب عنها بعد ما عرفت من القطع بصدور الاخبار الغير الموافقة لما يوجد فى الكتاب منهم (عليهم السلام) كما دل عليه روايتا الاحتجاج و العيون المتقدمتان المعتضدتان بغيرهما من الاخبار انها محمولة على ما تقدم فى الطائفة الآمرة بطرح الاخبار المخالفة للكتاب و السنة و ان ما دل منها على بطلان ما لم يوافق و كونه زخرفا محمول على الاخبار الواردة فى اصول الدين مع احتمال كون ذلك من اخبارهم الموافقة للكتاب و السنة على الباطن الذى يعلمونه منها و لهذا كانوا يستشهدون كثيرا بآيات لا نفهم دلالتها و ما دل على عدم جواز تصديق الخبر الذى لا يوجد عليه شاهد من كتاب اللّه على خبر غير الثقة او صورة التعارض كما هو ظاهر غير واحد من الاخبار العلاجية

(ثم)

ان الاخبار المذكورة على فرض تسليم دلالتها و ان كانت كثيرة إلّا انها لا تقاوم الادلة الآتية فانها موجبة للقطع بحجية خبر الثقة فلا بد من مخالفة الظاهر فى هذه الاخبار.

(و اما الجواب عن الاجماع)

الذى ادعاه السيد و الطبرسى (قدس سرهما) فبأنه لم يتحقق لنا هذا الاجماع و الاعتماد على نقله تعويل على خبر الواحد مع معارضته بما سيجى‏ء من دعوى الشيخ المعتضدة بدعوى جماعة اخرى الاجماع على حجية خبر الواحد فى الجملة و تحقق الشهرة على خلافها بين القدماء و المتأخرين و اما نسبة بعض العامة كالحاجبى و العضدى عدم الحجية الى الرافضة فمستندة الى ما رأوا من السيد من دعوى الاجماع بل ضرورة المذهب على كون خبر الواحد كالقياس عند الشيعة.

____________

(اقول) حاصل الجواب عن الاخبار الآمرة بطرح ما لا يوافق الكتاب او لم يوجد عليه شاهد من الكتاب و السنة انا نعلم بصدور الاخبار الغير الموافقة للكتاب عنهم (عليهم السلام) كما دل عليه روايتا الاحتجاج و العيون و حينئذ فلا بد اما من تخصيص اخبار العرض و هو تخصيص الاكثر او التصرف فى عدم الموافقة و لا ريب‏

163

ان الثانى اولى.

(و دعوى) انه حينئذ على اى شي‏ء تحمل تلك الاخبار الكثيرة الدالة على طرح ما لا يوافق الكتاب‏ (مدفوعة) بانها محمولة على ما تقدم فى الطائفة الاولى من الوجوه الثلاثة و هى حملها على ما ورد فى اصول الدين او على صورة التعارض او حملها على خبر غير الثقة و ان ما دل منها على بطلان ما لم يوافق و كونه زخرفا محمول على الاخبار الواردة فى اصول الدين مثل بعض الاخبار الواردة فى بعض تفاصيل المحشر و الميزان و اوصاف اهل الجنة و النار و الحور و القصور مما لم يرد كتاب و سنة قطعية فى بيانها و ليس مما يخالف ضرورة الدين او المذهب او العقل فلا بد من البناء فى مرحلة الظاهر على كونها زخرفا و باطلا.

(قوله مع احتمال كون ذلك من اخبارهم الخ) هذا جواب آخر عن الطائفة الآمرة لطرح ما لا يوافق الكتاب و المشار اليه فى قوله ذلك هو الخبر الغير الموافق سواء ورد فى اصول الدين او غيره حاصله كون الحمل على البطلان و عدم الصدور مبنيا على الظاهر مع احتمال الموافقة بحسب الواقع و باطن القرآن عند الائمة (عليهم السلام) و ان كان ذلك مجهولا لنا و هذا بخلاف ما اذا وجدناه مخالفا للكتاب فانه يحمل على كونه باطلا بحسب الواقع.

(و لما ذكر فى هذا الجواب) كانوا يستشهدون كثيرا بآيات لا نفهم دلالتها الا بعد بيانهم كاستشهاد الامام (عليه السلام) على كون المراد من الجزء فى الوصية به العشر بقوله تعالى‏ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً متمثلا بالجبال العشرة التى جعل على كل واحد منها جزء من الطيور الاربعة و استدلاله (عليه السلام) فى صحيح البزنطى على كون المراد منه السبع بقوله تعالى‏ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ‏ و استشهاده (عليه السلام) على كون المراد من السهم فيها الثمن بقوله تعالى‏ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‏ الآية بتقريب ان الثمانية سهام الزكاة و غير ذلك من الاستشهادات الصادرة عنهم (عليهم السلام) (و لا يخفى) ان هذه‏

164

التعليلات المذكورة فى كلامهم (عليهم السلام) لا تصلح للعلية و انما ذكروها (عليهم السلام) على وجه التقريب و التمثيل.

(و ما دل) على عدم جواز تصديق الخبر الذى لا يوجد عليه شاهد من كتاب اللّه يحمل على خبر غير الثقة او صورة التعارض كما هو ظاهر غير واحد من الاخبار العلاجية الواردة فى علاج المتعارضين.

(ثم) ان الاخبار المذكورة على فرض تسليم دلالتها على المنع و ان كانت كثيرة إلّا انها لا تقاوم الادلة الآتية فانها موجبة للقطع بحجية خبر الثقة فلا بد من مخالفة الظاهر فى هذه الاخبار و قد تقدم الجواب عنها تفصيلا.

[فى الجواب عن الاجماع الذى ادعاه السيد و الطبرسى (قدس سرهما)]

(قوله و اما الجواب عن الاجماع الذى ادعاه السيد و الطبرسى (قدس سرهما) الخ) و اما الجواب عن الاجماع الذى ادعاه السيد و الطبرسى فبان المحصل من هذا الاجماع غير حاصل لو لم نقل ان المتحقق خلافه و المنقول منه مع انه غير حجة معارض بالاجماع الذى ادعاه الشيخ و السيد رضى الدين و العلامة رحمهم اللّه تعالى على جواز العمل بخبر الواحد و ستطلع على عباراتهم فى المتن مع ان الترجيح فى جانب اجماعهم لذهاب المعظم اليه و لسائر المؤيدات التى يجى‏ء الاشارة اليها و يجى‏ء فى ادلة المجوزين ما يزيدك توضيحا (هذا) مع امكان توجيه كلام السيد (قدس سره) بارادة الاخبار الخالية عن شواهد الصدق على الصدور لابتلائه فى زمانه بالعامة و اخبارهم المروية بطرقهم غير النقية فلاجل ذلك أنكر هو حجية اخبار الآحاد للتخلص عن محذور عدم العمل باخبارهم هذا كله فى ادلة النافين و اما المثبتون لحجية الخبر الواحد فقد استدلوا ايضا بالادلة الاربعة.

165

(و اما المجوزون)

فقد استدلوا على حجيته بالادلة الاربعة اما الكتاب فقد ذكروا منه آيات ادعوا دلالتها منها قوله تعالى فى سورة الحجرات‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏

و المحكى فى وجه الاستدلال بها وجهان.

(احدهما)

انه سبحانه علّق وجوب التثبت على مجي‏ء الفاسق فينتفى عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط و اذا لم يجب التثبت عند مجي‏ء غير الفاسق فاما ان يجب القبول و هو المطلوب او الرد و هو باطل لانه يقتضى كون العادل أسوأ حالا من الفاسق و فساده بين‏

(الثانى)

انه تعالى امر بالتثبت عند اخبار الفاسق و قد اجتمع فيه و صفان ذاتى و هو كونه خبر واحد و عرضى و هو كونه فاسقا و مقتضى التثبت هو الثانى للمناسبة و الاقتران فان الفسق يناسب عدم القبول فلا يصلح الاول للعلية و إلّا لوجب الاستناد اليه اذا التعليل بالذاتى الصالح للعلية اولى من التعليل بالعرضى لحصوله قبل حصول العرضى فيكون الحكم قد حصل قبل حصول العرضى و اذا لم يجب التثبت عند اخبار العدل فاما ان يجب القبول و هو المطلوب او الرد فيكون حاله أسوأ من حال الفاسق و هو محال‏

____________

[فى استدلال المشهور على حجية الخبر الواحد بالادلة الاربعة]

(اقول) قد استدل المشهور على حجية الخبر الواحد بالادلة الاربعة اما الكتاب فبآيات منها قوله عزّ من قائل آية النبأ هى فى سورة الحجرات بعد سورة الفتح قال الطبرسى فى مجمع البيان قوله ان جاءكم فاسق الآية نزل فى خصوص وليد بن عتبة بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى بنى المصطلق ليأخذ منهم صدقاتهم فخرجوا يتلقونه تعظيما له و كانت بينهم عداوة فى الجاهلية فظن انهم همّوا بقتله فرجع الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال انهم منعوا صدقاتهم و كان الامر بخلافه و قد يروى انه اخبر بارتدادهم فنزلت الآية فى حقه قال الطبرسى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة ثم ذكر قولا آخر فى الآية

166

(ثم) انه قرء الاكثرون فتبينوا بالباء و النون من التبين و الظاهر ان البيان بمعنى الظهور كما هو ظاهر النهاية و المغرب و المجمل على ما حكى عنهم و جعله المحقق القمى مأخوذا من بان بمعنى ظهر حيث قال ان المراد بالتبين و التثبت طلب ظهور حال خبر الفاسق و الثبات و القرار حتى يظهر حال خبر الفاسق فكانه قال تبينوا خبر الفاسق.

(و فى المصباح) بان الامر يبين فهو بين و جاء بائن على الاصل و أبان ابانة و بين و تبين و استبان كلها بمعنى الوضوح و الانكشاف و الاسم البيان و جمعها يستعمل لازما و متعديا الا الثلاثى فلا يكون الا لازما و بان الشى‏ء اذا انفصل فهو بائن و أبنته بالالف فصلته و بانت المرأة بالطلاق فهى بائن بغير هاء و ابانها زوجها بالالف فهى مبانة انتهى.

(و الظاهر) ان التبين يشمل التبين العلمى و الظنى و ان كان مبدأ اشتقاقه يقتضى الاختصاص بالعلم لان التبين هو طلب البيان و الظهور و هو لا يصدق إلّا مع العلم و على اى حال فالمقصود بالتبين فى الآية اما مجرد وجوب التفحص من دون دلالة على لزوم كون الحاصل بعد الفحص هو خصوص العلم او كفاية الظن كما هو مقتضى كلام البيضاوى حيث فسر بقوله فتعرّفوا و تفحصوا فلا دلالة فى الآية على المنع من القبول لو لم يتحصل بعد التفحص شى‏ء حتى الظن او وجوب التفحص مع الدلالة على الحاصل بعد الفحص ايضا بلزوم كونه هو العلم او كفاية الظن المعتبر او كفاية مطلق الظن على الخلاف.

(و يمكن ان يقال) كما قيل على تقدير كون البيان اعم من العلم و الظن و دلالة الآية على الحاصل ايضا ان اطلاق الامر بالتبين وارد مورد عدم جواز المسارعة الى القبول و العمل و بيان وجوب التبين من باب التقريب لبيان عدم جواز المسارعة حيث ان وجوب التبين يستلزم عدم جواز المسارعة نظير ما يقال تامل فى اقوالك و افعالك فان المقصود منه عدم جواز المسارعة الى القول و الفعل بدون التأمّل و لا يكون المتكلم فى مقام تفصيل التأمل علما و ظنا.

167

(و عن الحمزة و الكسائى) القراءة بباء بين ثاء مثلثة و تاء بنقطتين فوقانيتين قال البيضاوى اى توقفوا حتى يتبين لكم الحال فمقتضى تفسيره عدم لزوم الفحص على هذه القراءة فالمعنى اطلبوا القرار قال فى المجمع ثبت الشي‏ء ثباتا و ثبوتا دام و استقر و يمكن ان يكون المقصود اطلبوا ثبوت النبأ فيتحد المعنى مع القراءة بالنون بناء على كون المقصود على تلك القراءة هو مجرد التفحص و اليه يرشد ما قاله فى الكشاف من ان التثبت و التبين متقاربان و هما طلب الثبات و البيان و الفرق بين القراءتين على تقدير كون المقصود بالتبين هو التفحص و بالتثبت هو التوقف هو لزوم الفحص على القراءة الاولى دون الثانية.

[فى تقريب الاستدلال على حجية الخبر بآية النبأ]

(و كيف كان) تقريب الاستدلال بهذه الآية المباركة من وجوه و لكن المحكى فى وجه الاستدلال بها على ما افاده الشيخ (قدس سره) وجهان احدهما من جهة مفهوم الشرط و ثانيهما من جهة مفهوم الوصف.

(اما الاستدلال) بمفهوم الشرط فبتقريب انه تعالى علق وجوب التبين عن الخبر على مجي‏ء الفاسق به فاذا انتفى الشرط و كان المخبر عادلا ينتفى وجوب التبين عن خبره و اذا لم يجب التبين عن خبر العادل فاما ان يردّ و اما ان يقبل و لا سبيل الى الاول لانه يلزم ان يكون العادل أسوأ حالا من الفاسق فيتعين الثانى و هو المطلوب.

(و اما الاستدلال) بمفهوم الوصف فتقريبه انه قد تقدم ان الآية الشريفة نزلت فى شأن الوليد لما اخبر بمنع بنى المصطلق صدقاتهم و قد اجتمع فى خبر الوليد وصفان‏ (احدهما) ذاتى و هو كونه خبر الواحد (و الآخر) عرضى و هو كون المخبر فاسقا فمن اقتران الكلام بالوصف و استناد الحكم اليه فى ظاهر الآية يستفادان ما هو لعلة لوجوب التبين هو هذا العنوان العرضى لا العنوان الذاتى نظير قوله اكرم عالما حيث يستفاد منه ان ما له الدخل فى الحكم هو العالمية لا الانسانية و إلّا يلزم بمقتضى طريقة اهل المحاورة استناده الى العنوان الذاتى اعنى الانسانية فى المثال و وصف كونه خبر واحد فى المقام لكونه فى رتبة سابقة على العنوان العرضى و حصوله‏

168

قبل حصوله خصوصا مع لزوم خلوّ ذكر الوصف عن الفائدة.

(و حيث كان) المذكور فى الآية الشريفة هو الوصف العرضى و هو عنوان الفاسق فيستفاد منها ان منشأ وجوب التبين هو كون المخبر فاسقا لا كون خبره من الخبر الواحد فاذا لم يكن المخبر فاسقا و كان عادلا فاما ان يجب قبول خبره بلا تبين و اما ان يردّ و لا سبيل الى الثانى لانه يلزم ان يكون أسوأ حالا من الفاسق فيتعين الاول و هو المطلوب.

(و لا يخفى عليك) انه ليس مراد الشيخ (قدس سره) من الذاتى فى المقام هو الذاتى فى باب الكليات اى الجنس و الفصل بل مراده هو الذاتى فى باب البرهان اى ما يكفى مجرد تصوره فى صحة حمله عليه من دون احتياج الى لحاظ امر خارج كالامكان بالنسبة الى الانسان مثلا فانه ليس جنسا و لا فصلا له ليكون ذاتيا فى باب الكليات بل ذاتى له فى باب البرهان بمعنى ان تصور الانسان يكفى فى صحة حمل الامكان عليه بلا حاجة الى لحاظ امر خارجى.

(قوله و مقتضى التثبت هو الثانى للمناسبة و الاقتران) اقول يحتمل على ما افاده صاحب بحر الفوائد ان يكون المراد من الاقتران هو المناسبة فيكون العطف للبيان‏ (و لكن) يحتمل الفرق بينهما اما وجه المناسبة فقد ذكره (قدس سره) فى المتن بقوله فان الفسق يناسب عدم القبول فلا يصلح الاول اى الوصف الذاتى للعلية الخ كما اشرنا الى توضيحه فيما تقدم.

(و اما وجه الاقتران) فتوجيهه على ما فى بحر الفوائد ان الفاسق فى الآية الشريفة فاعل الشرط و قوله بنبإ مفعول الشرط و من المعلوم ان الجزاء الذى هو معلول الشرط اقرب بفاعله بالنسبة الى مفعوله لان نسبة الفعل الى المفعول بالملاحظة الثانوية و الى الفاعل بالملاحظة الاولية فاذا ثبت كون الظاهر من القضية استناد الحكم يعنى وجوب التبين الى الوصف يعنى الفسق فيستكشف عدم صلاحية الوصف الذاتى اى كونه خبر الواحد للعلية و الاستناد و إلّا لوجب الاستناد اليه لحصول الذاتى قبل‏

169

حصول العرضى الذى فرض الاستناد اليه فيكون معلوله فى مرتبته فيلزم ان يكون مقدما و لو طبعا على العرضى ضرورة كون لوازم الذات مقدمة على عوارضه و الاستناد الى العرضى يقتضى تأخره عنه فيلزم تقدم الشى‏ء على نفسه فيكشف من ذلك كله انحصار العلية و السببية فى الوصف فينتج ثبوت المفهوم و الدلالة على الانتفاء عند انتفائه كما هو واضح.

170

(اقول)

الظاهر ان اخذهم للمقدمة الاخيرة و هى انه اذا لم يجب التثبت وجب القبول لان الرد مستلزم لكون العادل أسوأ حالا من الفاسق مبنى على ما يتراءى من ظهور الامر بالتبين فى الوجوب النفسى فيكون هنا امور ثلاثة الفحص عن الصدق و الكذب و الرد من دون تبين و القبول كذلك لكنك خبير بان الامر بالتبين مسوق لبيان الوجوب الشرطى و ان التبين شرط للعمل بخبر الفاسق دون العادل فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبين فيتم المطلوب من دون ضم مقدمة خارجية و هى كون العادل أسوأ حالا من الفاسق و الدليل على كون الامر بالتبين للوجوب الشرطى لا النفسى مضافا الى انه المتبادر عرفا فى امثال المقام و الى ان الاجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسى للتبين فى خبر الفاسق و انما اوجبه من اوجبه عند ارادة العمل به لا مطلقا هو ان التعليل فى الآية بقوله تعالى‏

أَنْ تُصِيبُوا

الخ لا يصلح ان يكون تعليلا للوجوب النفسى لان حاصله يرجع الى انه لئلا تصيبوا قوما بمقتضى العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبين الخلاف و من المعلوم ان هذا لا يصلح إلّا علة لحرمة العمل بدون التبين فهذا هو المعلول و مفهومه جواز العمل بخبر العادل من دون تبين.

____________

(اقول) حاصله ان اخذ هذه المقدمة الاخيرة فى تقريب الدلالة على الوجهين المذكورين و هى انه لو لم يجب قبول قول العادل يلزم ان يكون أسوأ حالا من الفاسق مبنى على كون التبين فى الآية واجبا نفسيا فى خبر الفاسق.

(و اما) بناء على كون التبين واجبا شرطيا فى جواز العمل بقول الفاسق فلا يحتاج الى هذه المقدمة من جهة تمامية الاستدلال بدونها ايضا فانه على هذا يكون مفاد المنطوق وجوب التبين عند العمل بخبر الفاسق و مفاد المفهوم عدم وجوب التبين عند العمل بخبر العادل فيتم الاستدلال بلا ضم تلك المقدمة (و لا اشكال) فى ان وجوب التبين يكون شرطيا لا نفسيا و يدل عليه مع وضوحه فى نفسه التعليل المذكور فى ذيل الآية الشريفة و هو قوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ الخ فان اصابة القوم بالجهالة انما

171

تكون عند العمل بخبر الفاسق لا مطلقا فلا يحتمل الوجوب النفسى فى التبين و ذلك واضح.

[فى بيان ان الامر بالتبين للوجوب الشرطى لا النفسى‏]

(و قد اشار الشيخ (قدس سره)) الى ما ذكرنا من كون الامر بالتبين للوجوب الشرطى لا النفسى بقوله و الدليل على كون الامر بالتبين واجبا شرطيا لا نفسيا مضافا الى انه المتبادر عرفا لان المتبادر من مادة التبين هو الاستكشاف به عن خبر الفاسق من حيث صدقه و كذبه و هذا ليس الامن حيث العمل بخبر الفاسق فيكون الامر بالتبين واجبا شرطيا لا نفسيا و هذا واضح.

و مضافا الى ان الاجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسى للتبين فى خبر الفاسق بل وجوبه شرط للعمل بخبر الفاسق و انما اوجب التبين من اوجبه عند ارادة العمل به لا مطلقا هو ان التعليل فى الآية بقوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا الخ لا يصلح ان يكون تعليلا للوجوب النفسى لان اصابة القوم بالجهالة انما تكون عند العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبين الخلاف و من المعلوم ان هذا لا يصلح إلّا علة لحرمة العمل بدون التبين فهذا اى حرمة العمل بخبر الفاسق بدون التبين هو المعلول و مفهومه جواز العمل بخبر العادل من دون التبين.

(قوله من ظهور الامر بالتبين) وجه الظهور ما هو المقرر فى محله من ان مفاد الامر المجرد عن القرينة هو الوجوب النفسى.

(قوله فى امثال المقام) من نظائره نزح الدلاء فى باب المنزوحات فان وجوبه او استحبابه مشروط بمقام العمل‏ (قوله و الدليل) مبتدأ خبره‏ (قوله هو ان التعليل).

172

مع ان فى الاولوية المذكورة فى كلام الجماعة بناء على كون وجوب التبين نفسيا ما لا يخفى لان الآية على هذا ساكتة عن حكم العمل بالخبر قبل التبين او بعده فيجوز اشتراك الفاسق و العادل فى عدم جواز العمل قبل التبين كما انهما يشتركان قطعا فى جواز العمل بعد التبين و العلم بالصدق لان العمل (ح) بمقتضى التبين لا باعتبار الخبر فاختصاص الفاسق بوجوب التعرض بخبره و التفتيش عنه دون العادل لا يستلزم كون العادل أسوأ حالا بل مستلزم لمزية كاملة للعادل على الفاسق فتأمل.

(و كيف كان)

فقد أورد على الآية ايرادات كثيرة ربما تبلغ الى نيّف و عشرين إلّا ان كثيرا منها قابلة للدفع فلنذكر أولا ما لا يمكن الذبّ عنه ثم نتبعه بذكر بعض ما أورد من الايرادات القابلة للدفع اما ما لا يمكن الذب عنه فايرادان‏

(احدهما)

ان الاستدلال ان كان راجعا الى اعتبار مفهوم الوصف اعنى الفسق ففيه ان المحقق فى محله عدم اعتبار المفهوم فى الوصف خصوصا فى الوصف الغير المعتمد على موصوف محقق كما فيما نحن فيه فانه اشبه بمفهوم اللقب و لعل هذا مراد من اجاب عن الآية كالسيدين و امين الاسلام و المحقق و العلامة و غيرهم بان هذا الاستدلال مبنى على دليل الخطاب و لا نقول به.

____________

(اقول) يراد من الاولوية فى كلام الجماعة انه اذا لزم من عدم قبول خبر العادل كونه أسوأ حالا من الفاسق و هو باطل بداهة فحينئذ يكون خبره حجة بطريق اولى بالنسبة الى خبر الفاسق بعد التبين و هذه الاولوية بناء على كون وجوب التبين شرطيا لا اشكال فيها.

(و اما) بناء على كون وجوب التبين نفسيا ففيها مضافا الى فساد حمل وجوب التبين على الوجوب النفسى للوجوه التى تقدم ذكرها فى كلامه (قدس سره) ما لا يخفى لان الآية بناء على وجوب التبين نفسيا ساكتة عن حكم العمل بالخبر قبل التبين او بعده فيجوز اشتراك الفاسق و العادل فى عدم جواز العمل قبل التبين اذ نفى وجوب التبين عن خبر العادل بالوجوب النفسى لا يلازم وجوب القبول و الحجية

173

كما انهما يشتركان قطعا فى جواز العمل بعد التبين و العلم بالصدق لان العمل بعد العلم بالصدق يكون بمقتضى التبين لا باعتبار الخبر (و يفترقان) فى وجوب التفتيش فى حال خبر الفاسق من حيث الصدق و الكذب و عدم وجوبه فى خبر العادل و هذا الفرق موجب لمزية كاملة للعادل على الفاسق لا لمنقصته بالنسبة الى الفاسق اللهم إلّا ان يقال ان التبين فى الخبر نوع من الاعتناء بشأن المخبر فلا يصلح أن يكون فارقا و لعل الامر بالتأمل يكون اشارة اليه فافهم.

[فى الاشكال الوارد على الاستدلال بآية النبأ]

(و كيف كان) فقد اورد على الآية ايرادات كثيرة ربما تبلغ الى نيّف و عشرين إلّا ان كثيرا منها قابلة للدفع فذكر الشيخ (قدس سره) أولا ما لا يمكن ذبّه اى دفعه ثم اتبعه بذكر بعض ما اورد من الايرادات القابلة للدفع اما ما لا يمكن الذب عنه فايراد ان‏

(احدهما) ان الاستدلال بالآية ان كان راجعا الى اعتبار مفهوم الوصف اعنى الفسق ففيه ان المحقق فى محله عدم اعتبار المفهوم فى الوصف خصوصا فى الوصف الغير المعتمد على موصوف مذكور كما فيما نحن فيه فان الموصوف ليس مذكورا فى الآية الشريفة فانه اشبه بمفهوم اللقب يعنى ان الوصف الغير المعتمد على موصوف مذكور اشبه بمفهوم اللقلب لان النزاع فى مبحث مفهوم الوصف على ما يظهر من جماعة فى الوصف المعتمد على موصوف مذكور و يكون الوصف الغير المعتمد على موصوف مذكور داخلا فى مفهوم اللقب.

(و لا يخفى) ان مراده (قدس سره) من عدم اعتبار مفهوم الوصف عدم ثبوت المفهوم فى التعليق على الوصف لا عدم حجيته مع ثبوته ضرورة عدم الفرق فى حجية ظواهر الالفاظ بين الظهور المنطوقى و المفهومى فكلامهم فى باب المفاهيم انما هو فى الصغرى لا فى الكبرى بعد ثبوتها كما صرح به غير واحد من الاعلام.

(و من هنا) اجاب غير واحد كالسيدين و امين الاسلام الطبرسى و المحقق و العلامة و غيرهم عن الاستدلال بالآية بانه مبنىّ على دليل الخطاب اى على اعتبار مفهوم المخالفة و لا نقول به.

174

(ثم) ان المراد من دليل الخطاب كما فسّرنا هو مفهوم المخالفة على اقسامه من مفهوم الشرط و الغاية و الصفة و الحصر و اللقب و غير ذلك‏ (و يقابله) المفهوم الموافقة و هو كما صرح به المحقق القمى كون الحكم المدلول عليه بالالتزام موافقا للحكم المذكور فى النفى و الاثبات كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضرب و يسمى بلحن الخطاب و فحوى الخطاب ايضا

(قوله الى نيف و عشرين) اقول فى المجمع تكرّر فى الحديث ذكر النيّف ككيّس و قد يخفّف و هو الزيادة و كلما زاد على العقد فنيّف الى ان يبلغ العقد الثانى فيكون بغير تأنيث للمذكر و المؤنث و لا يستعمل إلّا معطوفا على العقود فان كان بعد العشرة فهو لما دونها و ان كان بعد المائة فهو للعشرة فما دونها و ان كان بعد الالف فهو للعشرة فاكثر كذا تقرر بينهم و فى بعض كتب اللغة و تخفيف النون لحن عند الفصحاء و حكى عن ابى العباس انه قال الذى حصّلناه من اقاويل حذّاق البصريين و الكوفيين ان النيّف من واحد الى ثلاثة و البضع من اربعة الى تسعة و لا يقال نيّف الا بعد عقد نحو عشرة و نيّف و مائة و نيّف و الف و نيّف و منه يظهر ان بين القولين تدافعا و انافت الدراهم على المائة زادت و اناف على الشى‏ء اشرف.

175

و ان كان باعتبار مفهوم الشرط كما يظهر من المعالم و المحكى عن جماعة ففيه ان مفهوم الشرط عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ و عدم التبين هنا لاجل عدم ما يتبين فالجملة الشرطية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع كما فى قول القائل ان رزقت ولدا فاختنه و ان ركب زيد فخذ ركابه و ان قدم من السفر فاستقبله و ان تزوجت فلا تضيع حق زوجتك و اذا قرأت الدرس فاحفظه قال سبحانه‏

وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ‏

و

إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها

الى غير ذلك مما لا يحصى و مما ذكرنا ظهر فساد ما يقال تارة ان عدم مجى‏ء الفاسق يشمل ما لو جاء العادل بنبإ فلا يجب تبيّنه فيثبت المطلوب و اخرى ان جعل مدلول الآية هو عدم وجوب التبين فى خبر الفاسق لاجل عدمه يوجب حمل السالبة على المنتفية بانتفاع الموضوع و هو خلاف الظاهر وجه الفسادان الحكم اذا ثبت بخبر الفاسق بشرط مجى‏ء الفاسق به كان المفهوم بحسب الدلالة العرفية او العقلية انتفاء الحكم المذكور فى المنطوق عن الموضوع المذكور فيه عند انتفاء الشرط المذكور فيه ففرض مجى‏ء العادل بنبإ عند عدم الشرط و هو مجى‏ء الفاسق بالنبإ لا يوجب انتفاء التبين عن خبر العادل الذى جاء به لانه لم يكن مثبتا فى المنطوق حتى ينتفى فى المفهوم فالمفهوم فى الآية و امثالها ليس قابلا لغير السالبة بانتفاء الموضوع و ليس هنا قضية لفظية سالبة دار الامر بين كون سلبها لسلب المحمول عن الموضوع الموجود او لانتفاع الموضوع‏

____________

(اقول) ان كان الاستدلال بالآية باعتبار مفهوم الشرط كما يظهر من المعالم حيث قال فى تقريب الاستدلال انه سبحانه علّق وجوب التثبت على مجى‏ء الفاسق فينتفى عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط و اذا لم يجب التثبت عند مجى‏ء غير الفاسق فاما ان يجب القبول و هو المطلوب او الرد و هو باطل لانه يقتضى كونه أسوأ حالا من الفاسق و فساده بين.

(ففيه) ان مفهوم الشرط عدم مجى‏ء الفاسق بالنبإ و عدم التبين هنا لاجل عدم ما يتبين فالشرط المذكور فى الآية لما كان ممّا يتوقف عليه وجود الجزاء

176

و المشروط عقلا بحيث لا يمكن فرض وجود الجزاء بلا فرض وجود الشرط كانت من القضايا المسوقة لبيان تحقق الموضوع كما فى قولك ان رزقت ولدا فاختنه و ان ركب الامير فخذ ركابه و كقوله تعالى‏ وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ‏ و إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها.

(و بالجملة) الضابط فى كون القضية هو امكان فرض وجود الجزاء بلا فرض وجود الشرط بنحو كان السلب فيها من قبيل السلب بانتفاء المحمول و هذا المعنى لا يتصور فى المقام و انما المتصور فيه كونه من قبيل السلب بانتفاء الموضوع.

(و قوله مما ذكرنا) يعنى من ان الشرط المذكور فى الآية كان مسوقا لبيان تحقق الموضوع ظهر فساد ما يقال تارة ان عدم مجى‏ء الفاسق يشمل ما لو جاء العادل بنبإ فلا يجب تبينه فيثبت المطلوب و اخرى ان جعل مدلول الآية هو عدم وجوب التبين فى خبر الفاسق لاجل عدمه اى الخبر يوجب حمل السالبة على المنتفية بانتفاء الموضوع و هو خلاف الظاهر.

(قوله وجه الفساد ان الحكم الخ) حاصل توجيه وجه الفساد ان الجزاء فى الآية لما كان هو وجوب التبين فى خبر الفاسق فلا بد ان يكون هذا الجزاء منفيا عند انتفاء الشرط و هو مجى‏ء الفاسق بالخبر فيكون المعنى انه عند انتفاء مجى‏ء الفاسق بالخبر لا يجب التبين فى خبره فلا دلالة فى الآية على عدم وجوب التبين فى خبر العادل عند مجيئه به و لا على وجوبه بل تكون ساكتة عن حكمه اصلا مع ان الشرط لا بد ان تكون علة للجزاء نفيا و اثباتا و لا معنى لجعل مجى‏ء العادل بالخبر علة لعدم وجوب التبين فى خبر الفاسق لعدم ارتباطه به و كذلك جعل عدم مجى‏ء الخبر اصلا علة له فلا نظر للآية على حكم مجي‏ء العادل بالخبر اصلا و منه يظهر عدم امكان اعتبار التعميم فى الشرط بحيث يشمل مجي‏ء العادل بالخبر و عدم مجى‏ء الخبر اصلا لان معنى اخذ المفهوم الحكم بانتفاء الحكم المذكور فى المنطوق اعنى وجوب التبين عن الموضوع المذكور فيه و هو خبر الفاسق عند عدم الشرط و هو مجي‏ء الفاسق‏

177

بالخبر و هو واضح بملاحظة ما ذكروه من رجوع النفى و الاثبات الى القيد الاخير.

(فالمقصود) من الآية انه على تقدير اتيان الفاسق بخبر يجب التبين فى خبره و مفهومه انه على تقدير عدم اتيانه بخبر اصلا لا يجب التبين فى خبره لاجل عدم الخبر كما فى قولك ان جاءك زيد فاكرمه مثلا كان مفهومه سلب الجزاء و هو وجوب الاكرام عن زيد عند عدم الشرط و هو مجي‏ء زيد لا سلب الاكرام عن عمرو الجائى مثلا فانه موضوع آخر لم يكن مثبتا فى القضية اصلا فاذا فرض التعليق على الشرط فى الآية دالا على قضية اخرى يعبّر عنها بالمفهوم كانت تلك القضية ان لم يجئكم فاسق بنبإ فلا يجب التبين فى نبأه لا ان جاءكم عادل بنبإ فلا يجب التبين فى نبأه فان المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط عن الموضوع المذكور فى القضية لا عن الموضوع الاجنبى ففى مثال المذكور اذا انتفى المجي‏ء ينتفى الوجوب عن اكرام زيد المذكور فى القضية لا عن اكرام عمرو الغير المذكور فيها.

(فالمفهوم) فى الآية و امثالها ليس قابلا لغير السالبة بانتفاء الموضوع و ليس هنا قضية لفظية سالبة دار الامر بين كون سلبها لسلب المحمول عن الموضوع الموجود او لانتفاع الموضوع هذا.

(قوله بحسب الدلالة العرفية او العقلية) الترديد من جهة الاختلاف فى دلالة الكلام على مفهوم المخالفة هل هى بحسب التبادر و فهم اهل اللسان او بحسب العقل فمن قال بالاول قال بالاول و من قال بالثانى قال بالثانى و يرشدك الى الاول تمسكهم فى اثبات المفهوم بفهم العرف و الى الثانى تمسكهم و اثباته بانه لو لا ارادة المفهوم كان التقييد لغوا.

(و لكن الانصاف) انه يمكن استظهار كون الموضوع فى الآية مطلق النبأ و الشرط و هو مجي‏ء الفاسق به من مورد النزول فان موردها على ما تقدمت الاشارة اليه كان اخبار الوليد بمنع بنى المصطلق صدقاتهم او اخباره بارتدادهم على رواية فقد اجتمع فى اخباره عنوانان كونه من الخبر الواحد و كون المخبر فاسقا فالآية الشريفة انما وردت لافادة كبرى كلية لتمييز الاخبار التى يجب التبين عنها عن الاخبار

178

التى لا يجب التبين عنها و قد علّق وجوب التبين فيها على كون المخبر فاسقا فيكون الشرط لوجوب التبين هو كون المخبر فاسقا لا كون الخبر واحدا اذ لو كان الشرط ذلك لعلّق وجوب التبين فى الآية عليه لانه باطلاقه شامل لخبر الفاسق فعدم التعرض لخبر الواحد و جعل الشرط خبر الفاسق كاشف عن انتفاء التبين فى خبر غير الفاسق.

و لما اجتمع فى مورد النزول عنوانان و علق الحكم على احدهما دون الآخر كان الجزاء مترتبا على خصوص ما علّق عليه فى القضية و هو كون المخبر فاسقا مع فرض وجود العنوان الآخر و عدم دخله فى الجزاء و إلّا لعلق الجزاء عليه فيكون مفاد منطوق الآية بعد ضم المورد اليها ان الخبر الواحد ان كان الجائى به فاسقا فتبينوا و مفاد المفهوم ان الخبر الواحد ان لم يكن الجائى به فاسقا بل كان عادلا لم يجب التبين و هو المطلوب.

179

(الثانى)

ما اورده فى محكى العدة و الذريعة و الغنية و مجمع البيان و المعارج و غيرها من انا لو سلّمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد للعلم لكن نقول ان مقتضى عموم التعليل وجوب التبين فى كل خبر لا يؤمن الوقوع فى الندم من العمل به و ان كان المخبر عادلا فيتعارض المفهوم و الترجيح مع ظهور التعليل‏

(لا يقال)

ان النسبة بينهما و ان كان عموما من وجه فيتعارضان فى مادة الاجتماع و هى خبر العادل الغير المفيد للعلم لكن يجب تقديم عموم المفهوم و ادخال مادة الاجتماع فيه اذ لو خرج عنه و انحصر مورده فى خبر العادل المفيد للعلم كان لغوا لان خبر الفاسق المفيد للعلم ايضا واجب العمل بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق و المفهوم معا فيكون المفهوم اخصّ مطلقا من عموم التعليل‏

(لانا نقول)

ما ذكره اخيرا من ان المفهوم اخص مطلقا من عموم التعليل مسلم الا انا ندعى التعارض بين ظهور عموم التعليل فى عدم جواز العمل بخبر العادل الغير العلمى و ظهور الجملة الشرطية او الوصفية فى ثبوت المفهوم فطرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم اولى من ارتكاب التخصيص فى التعليل و اليه اشار فى محكى العدة بقوله لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل و التعليل دليل و ليس فى ذلك منافاة لما هو الحق و عليه الاكثر من جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة لاختصاص ذلك اولا بالمخصص المنفصل‏

____________

[فى بيان الايراد الثانى من الايرادين المشهورين على آية النبأ]

(اقول) ان الايراد الثانى من الايرادين المشهورين بعدم امكان ذبّهما ما ما اورده فى محكى العدة للشيخ و الذريعة للسيد المرتضى و الغنية لابن زهرة و مجمع البيان للطبرسى و المعارج للمحقق و غيرها من انا لو سلّمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد للعلم لكن نقول ان مقتضى عموم التعليل وجوب التبين فى كل خبر لا يؤمن الوقوع فى الندم من العمل به و ان كان المخبر عادلا فيتعارض المفهوم و الترجيح مع ظهور التعليل.

(و محصل هذا الاشكال) انا سلمنا ان الآية الشريفة تدل مفهوما اما من جهة الوصف او الشرط على ان خبر العادل حجة مطلقا و لو لم يفد العلم و لكن عموم‏

180

التعليل فى ذيل الآية و هو قوله تعالى‏ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ مما يدل منطوقا على ان الخبر الذى لا يؤمن الوقوع فى الندم من العمل به ليس بحجة و لو كان المخبر عادلا فلا محالة يكون المراد من التعليل ان العمل بخبر الفاسق معرض للوقوع فى المفسدة و مظنة للندامة و هذه لعلة تقتضى التبين فى خبر العادل ايضا لان عدم تعمّده بالكذب لا يمنع عن احتمال غفلته و خطأه فيكون العمل بخبره ايضا على قولهم معرضا للوقوع فى المفسدة فيكون مفاد التعليل عدم جواز العمل بكل خبر لا يفيد العلم بلا فرق بين ان يكون الآتي به فاسقا او عادلا فان المراد من الجهالة عدم العلم بمطابقة المخبر به للواقع و هو مشترك بين خبر العادل و الفاسق فعموم التعليل يقتضى وجوب التبين عن خبر العادل ايضا فيقع التعارض بينه و بين المفهوم و الترجيح فى جانب عموم التعليل لانه اقوى ظهورا من ظهور القضية الشرطية فى المفهوم‏ (قيل) ان هذا الايراد الثانى مبنى على ان يكون المراد من الجهالة فى التعليل عدم العلم كما تعرضنا له فى بيان استدلالهم و لكن الظاهر ان المراد من الجهالة السفاهة و الاتيان بما لا ينبغى صدوره من العاقل فان الجهالة كما تستعمل بمعنى عدم العلم كذلك تستعمل بمعنى السفاهة ايضا و ليس العمل بخبر العادل سفاهة كيف و العقلاء يعملون بخبر الثقة فضلا عن خبر العادل بخلاف خبر الفاسق فان الاعتماد عليه يعدّ من السفاهة و الجهالة فخبر العادل لا يشارك خبر الفاسق فى العلة.

(و يؤيد) استعمال الجهالة بمعنى السفاهة قوله تعالى فى سورة النساء إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ‏ الآية فان الظاهر من الجهالة فى الآية بقرينة قوله ثم يتوبون من قريب ليس ما يقابل العلم بل المراد منها صدور ما لا ينبغى صدوره عن العاقل المتأمل فى عواقب الامور اى انما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بسفاهة ثم يندمون و يتوبون من قريب فيتوب اللّه عليهم.

(و قد ذكر الطبرسى) (قدس سره) فى تفسير الآية انه روى عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال كل ذنب عمله العبد و ان كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه‏

181

فى معصية ربه فقد حكى اللّه تعالى قول يوسف لاخوته‏ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‏ فنسبهم الى الجهل لمخاطرتهم بانفسهم فى معصية اللّه انتهى و بالجملة لا اشكال فى ان الاعتماد على خبر الفاسق يكون من الجهالة دون الاعتماد على خبر العادل.

(و لكن قد اورد) الشيخ (قدس سره) على هذا القول فيما يأتى عن قريب بقوله و فيه مضافا الى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة ان الاقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعا اذ العاقل بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الامور من دون وثوق بخبر المخبر بها فالآية تدل على المنع عن العمل بغير العلم لعلّة هى كونه فى معرض المخالفة للواقع فانتظر التفصيل فيما يأتى إن شاء اللّه تعالى.

[فى بيان النسبة بين المفهوم و التعليل فى آية النبأ]

(قوله لا يقال) توضيح هذا الايراد بوجهين‏ (احدهما) ان النسبة بين المفهوم و ظهور التعليل و ان كان عموما من وجه اذ مقتضى المفهوم حجية خبر العادل مطلقا سواء افاد العلم ام لا و مقتضى التعليل عدم حجية الخبر الواحد الظنى مطلقا سواء كان المخبر فاسقا أو عادلا فيتعارضان فى مادة الاجتماع و هى خبر العادل الغير المفيد للعلم لكن الترجيح مع الاول اى عموم المفهوم و ادخال مادة الاجتماع فيه دون الثانى اى ظهور التعليل كيف و لو قدم ظهور التعليل و انحصر مورد المفهوم فى خبر العادل المفيد للعلم يلزم اللّغوية فى الكلام لان خبر الفاسق المفيد للعلم ايضا واجب العمل.

(و ثانيهما) ان النسبة بين المفهوم و التعليل العموم و الخصوص المطلق فان المفهوم يختص بخبر العدل الغير المفيد للعلم لان الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق و المفهوم اذ الموضوع فى القضية هو الخبر القابل لان يتبين عنه و هو ما لا يكون مفيدا للعلم فالمفهوم خاص بخبر العدل الذى لا يفيد العلم و التعليل عامّ لكل ما لا يفيد العلم فلا بدّ من تخصيص عموم التعليل بالمفهوم و إلّا يبقى المفهوم بلا مورد و قد اشار الشيخ (قدس سره) الى هذا الوجه الثانى بقوله بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق و المفهوم معا فيكون المفهوم اخص مطلقا من عموم التعليل.

182

(قوله لانا نقول ما ذكره اخيرا الخ) حاصل الجواب عن الاشكال المذكور مع التسليم بان المفهوم اخص مطلقا من عموم التعليل انه تدّعى التعارض بين ظهور عموم التعليل فى عدم جواز العمل بخبر العادل الغير العلمى و ظهور الجملة الشرطية او الوصفية فى ثبوت المفهوم فطرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم اولى من ارتكاب التخصيص فى التعليل و الى هذه الاولوية اشار فى محكى العدة بقوله لا نمنع ترك دليل الخطاب اى طرح مفهوم المخالفة لدليل و التعليل دليل و ليس فى طرح المفهوم و الاخذ بعموم التعليل منافاة لما هو الحق و عليه الاكثر من جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة لاختصاص ذلك اولا بالمخصص المنفصل‏

183

(و لو سلم)

جريانه فى الكلام الواحد منعناه فى العلة و المعلول فان الظاهر عند العرف ان المعلول يتبع العلة فى العموم و الخصوص فالعلة تارة تخصّص مورد المعلول و ان كان عاما بحسب اللفظ كما فى قول القائل لا تأكل الرمّان لانه حامض فيخصصه بالافراد الحامضة فيكون عدم التقييد فى الرمّان لغلبة الحموضة فيه و قد توجب عموم المعلول و ان كان بحسب الدلالة اللفظية خاصا كما فى قول القائل لا تشرب الادوية التى يصفها لك النسوان او اذا وصفت لك امرأة دواء فلا تشربه لانك لا تأمن ضرره فيدل على ان الحكم عامّ فى كل دواء لا يأمن ضرره من اىّ واصف كان و يكون تخصيص النسوان بالذكر من بين الجهال لنكتة خاصة أو عامة لاحظها المتكلم و ما نحن فيه من هذا القبيل فلعل النكتة فيه التنبيه على فسق الوليد كما نبّه عليه فى المعارج و هذا الايراد مبنى على ان المراد بالتبين هو التبين العلمى كما هو مقتضى اشتقاقه و يمكن ان يقال ان المراد منه ما يعم الظهور العرفى الحاصل من الاطمينان الذى هو مقابل الجهالة و هذا و ان كان يدفع الايراد المذكور عن المفهوم من حيث رجوع الفرق بين الفاسق و العادل فى وجوب التبين الى ان العادل الواقعى يحصل منه غالبا الاطمينان المذكور بخلاف الفاسق فلهذا وجب فيه تحصيل الاطمينان من الخارج لكنك خبير بان الاستدلال بالمفهوم على حجية الخبر العادل المفيد للاطمينان غير محتاج اليه اذ المنطوق على هذا التقرير يدل على حجية كل ما يفيد الاطمينان كما لا يخفى فيثبت اعتبار مرتبة خاصة من مطلق الظن.

____________

(اقول) انه (قدس سره) ذكر قبيل هذا ان طرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم اولى من ارتكاب التخصيص فى التعليل و ذكر ايضا انه ليس فى ذلك منافاة لما هو الحق و عليه الاكثر من جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة لاختصاص ذلك اولا بالمخصص المنفصل.

(و لو سلم) ان جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة لا يختص بالمخصص المنفصل بل يجرى فى المخصص المتصل ايضا منعناه فى العلة و المعلول فان الظاهر

184

عند العرف ان المعلول يتبع العلة فى العموم و الخصوص فالعلة تارة تخصص مورد المعلول و ان كان بحسب اللفظ عاما كما فى قول القائل لا تأكل الرمّان لانه حامض فيخصصه بالافراد الحامضة فيكون عدم التقييد فى الرمّان لغلبة الحموضة فيه يعنى مما كان غالب افراد الرمّان هو الحامض اكتفى باطلاق لفظ الرمّان و لم يقيده بالحموضة.

(و قد توجب العلة) عموم المعلول و ان كان المعلول بحسب الدلالة اللفظية خاصا كما فى قول القائل لا تشرب الادوية التى تصفها لك النسوان او اذا وصفت لك امرأة دواء فلا تشربه لانك لا تأمن ضرره المثال الاول للوصف و الثانى للشرط فيدل التعليل فى المثال على ان الحكم عام فى كل دواء لا يأمن ضرره من اىّ واصف كان و يكون تخصيص النسوان بالذكر من بين الجهال لنكتة خاصة اى- للاشارة الى ضعف عقولهن اذا الاصل فيهن الجهالة او عامة كالحموضة فى المثال الاول فانه عامّ يشمل كل ما فيه الحموضة و ما نحن فيه من هذا القبيل اى من قبيل سببية العلة عموم المعلول لان مورد الحكم فى الآية هو خبر الفاسق فيكون المفهوم عدم وجوب التبين فى خبر العادل إلّا ان التعليل فيها يدل على وجوب التبين فى كل خبر يحتمل فيه الوقوع فى الندم سواء كان المخبر فاسقا او عادلا.

(فلعل النكتة فيه) التنبيه على فسق الوليد حيث نزلت الآية فى خصوص وليد بن عتبة بعثه النبى (صلّى اللّه عليه و آله) الى بنى المصطلق ليأخذ منهم صدقاتهم فخرجوا يتلقّونه فرحا به فظن انهم همّوا بقتله فعاد الى النبى (صلّى اللّه عليه و آله) و اخبره بانهم منعوا صدقاتهم و كان الامر بخلافه فغضب النبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و همّ ان يغزوهم فنزلت الآية.

[فى بيان تعارض المفهوم و التعليل فى آية النبأ]

(قوله و هذا الايراد مبنى الخ) يعنى تعارض المفهوم و التعليل مبنى على ان المراد بالتبين هو التبين العلمى كما هو مقتضى اشتقاقه على ما ادعاه الشيخ (قدس سره) فحينئذ مقتضى المفهوم عدم وجوب تحصيل العلم فى خبر العادل‏

185

و مقتضى التعليل وجوب تحصيل العلم فى كل خبر سواء كان المخبر فاسقا او عادلا فيتعارضان.

(لكن يمكن) ان يقال ان التبين عرفا عبارة عن الظهور و الانكشاف و اقل مراتب الظهور و الانكشاف هو الظن و اعلى مرتبته هو العلم فيشمل الاطمينان و الامر بالتبين مع قطع النظر عن التعليل لا يوجب إلّا ما يصدق عليه الاظهار مطلقا بحسب العرف إلّا ان التعليل بمخافة اصابة القوم يقتضى وجوب تحصيل العلم حتى لا يكون فى معرض الخوف المذكور

(و الجهالة فى اللغة) عبارة عن خلاف العلم و ان استعمل فى غيره ايضا مجارا فانه قد استعمل تارة فى اختيار اللذة الفانية على اللذة الباقية كما نقله فى مجمع البحرين و اخرى فى فعل يعد فاعله سفيها و قد قيل ان الجهالة فى قوله تعالى‏ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ هى السفاهة باجماع الصحابة و ان ثبت استعمالها فى احد المعانى المذكور لها على حد يوجب منع ظهورها فى المعنى الحقيقى فهو و إلّا فلا بد من حملها على الحقيقة و مقتضاه وجوب التبين فى كل خبر لا يفيد العلم بالواقع حتى يحصل العلم به من الخارج فيشمل الاطمينان ايضا إلّا ان ذيل الآية اعنى فتصبحوا على ما فعلتم نادمين هو كفاية الاطمينان لعدم حصول الندامة بفعل يصدر على وجه الاطمينان و لو كان مخالفا للواقع فان الفعل لا يكون فى معرض الندامة اذا صدر على وجه يكون بناء العقلاء على الاقدام به.

186

(ثم)

ان المحكى عن بعض منع دلالة التعليل على عدم جواز الاقدام على ما هو مخالف للواقع بان المراد بالجهالة السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله لا مقابل العلم بدليل قوله تعالى‏

فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏

و لو كان المراد الغلط فى الاعتقاد لما جاز الاعتماد على الشهادة و الفتوى‏

(و فيه)

مضافا الى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة ان الاقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعا اذ العاقل بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الامور من دون وثوق بخبر المخبر بها فالآية تدل على المنع عن العمل بغير العلم لعلة هى كونه فى معرض المخالفة للواقع و اما جواز الاعتماد على الفتوى و الشهادة فلا يجوز القياس بها لما تقدم فى توجيه كلام ابن قبة من ان الاقدام على ما فيه مخالفة الواقع احيانا قد يحسن لاجل الاضطرار اليه و عدم وجود الاقرب الى الواقع منه كما فى الفتوى و قد يكون لاجل مصلحة يزيد على مصلحة ادراك الواقع فراجع.

(فالاولى)

لمن يريد التفصى عن هذا الايراد التشبث بما ذكرنا من ان المراد بالتبين تحصيل الاطمينان و بالجهالة الشك او الظن الابتدائى الزائل بعد الدقة و التامل فتأمل ففيها ارشاد الى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره و ان حصل منه الاطمينان إلّا ان الاطمينان الحاصل من الفاسق يزول بالالتفات الى فسقه و عدم مبالاته بالمعصية و ان كان متحرزا عن الكذب و منه يظهر الجواب عما ربما يقال من ان العاقل لا يقبل الخبر من دون اطمينان بمضمونه عادلا كان المخبر او فاسقا فلا وجه للامر بتحصيل الاطمينان فى الفاسق.

____________

(اقول) حاصل المحكى عن بعض ان المراد بالجهالة ليس ما يقابل العلم كى يكون التعليل مشتركا بين كل من خبر الفاسق و العادل الغير المفيد للعلم جميعا و يوجب نفى المفهوم للآية الشريفة بل المراد بالجهالة السفاهة و فعل ما لا ينبغى صدوره من العاقل فيختص بخبر الفاسق فقط و لا يكاد يشمل خبر العادل كى ينافى المفهوم و حجية خبره مطلقا و لو لم يفد العلم.

187

[فى دفع التنافى بين المفهوم و التعليل‏]

(و بعبارة اخرى) غرض البعض المذكور دفع التنافى بين المفهوم و التعليل و دفع الايراد الثانى المبنى عليه من جهة ان التنافى بينهما انما يكون اذا كان المراد بالجهالة هو عدم العلم الشامل لخبر العادل و اما اذا كان المراد السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله عند العقلاء فلا تشمل خبر العادل لان العمل بخبر العادل لا يكون سفاهة قطعا بدليل قوله تعالى‏ فَتُصْبِحُوا الآية بدعوى ان الندامة انما تحصل بفعل ما يكون سفاهيا غير مجوّز عند العقلاء لا بغيره و لو كان المراد من الجهالة الغلط فى الاعتقاد يعنى لو كان المراد منها عدم العلم الذى يكون مخالفا للواقع احيانا لدلت الآية على عدم جواز الاعتماد على الشهادة و الفتوى و غيرهما لجريان التعليل فيها.

(قوله و فيه مضافا الى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة الخ) حاصل ما اورد عليه الشيخ (قدس سره) مضافا الى كون الجهالة بمعنى السفاهة خلاف ظاهر لفظ الجهالة ان الاقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعا اذا العاقل بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الامور من دون وثوق بخبر المخبر بها فالآية تدل على المنع عن العمل بغير العلم لعلة هى كونه فى معرض المخالفة للواقع.

(ثم) ان الشيخ (قدس سره) قد ذكر فيما تقدم معنى آخر للجهالة يحصل به التفصى ايضا و هو ان يكون المراد من التبين فى قوله تعالى‏ فَتَبَيَّنُوا هو الظهور و الانكشاف الاطمينانى لا التبين العلمى و يكون المراد من الجهالة ما يقابل الظهور و الانكشاف الاطمينانى فيختص التعليل بخبر الفاسق فقط و لا يعم خبر العادل كى ينافى المفهوم فان خبر العادل مما يورث الانكشاف الاطمينانى غالبا بخلاف خبر الفاسق.

(و اما جواز الاعتماد على الفتوى و الشهادة) فلا يجوز قياسهما بحجية خبر الواحد بمعنى ان الاعتماد عليهما ليس من جهة ان مفهوم الآية تدل على حجية خبر العادل رواية كان او الفتوى او الشهادة بل الاعتماد عليهما لما تقدم فى توجيه كلام ابن قبة من ان الاقدام على ما فيه مخالفة الواقع احيانا كالفتوى و الشهادة قد يحسن‏

188

لاجل الاضطرار اليه و عدم وجود الاقرب الى الواقع منه كما فى الفتوى فانه (قدس سره) قال فى البحث عن ما ادعاه ابن قبة و مما ذكرنا ظهر انه لا مجال للنقض عليه بمثل الفتوى لان المفروض انسداد باب العلم على المستفتى و ليس له شى‏ء ابعد من تحريم الحلال و تحليل الحرام من العمل بقول المفتى حتى انه لو تمكن من الظن الاجتهادى فالاكثر على عدم جواز العمل بفتوى الغير و كذلك نقضه بالقطع مع احتمال كونه فى الواقع جهلا مركبا فان باب هذا الاحتمال منسد على القاطع‏

و قد يكون الاقدام لاجل مصلحة تزيد على مصلحة ادراك الواقع و لو كانت سلوكية او غيرها فانه (قدس سره) قد ذكر فيما تقدم ان الخبر قد يكون حجة لاجل اشتماله على مصلحة هى مساوية لمصلحة الواقع او ارجح منها.

(فالاولى لمن يريد) التفصى عن هذا الايراد الثانى و هو تعارض المفهوم و التعليل فى الآية التشبث بما ذكرنا من ان المراد من التبين فى قوله فتبينوا هو الظهور و الانكشاف الاطمينانى لا التبين العلمى و يكون المراد من الجهالة الشك او الظن الابتدائى الزائل بعد الدقة و التأمل فيختص التعليل بنبإ الفاسق فقط و لا يعم نبأ العادل كى ينافى المفهوم فان خبر العادل مما يورث الانكشاف الاطمينانى غالبا بخلاف خبر الفاسق ففى الآية ارشاد الى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره و ان حصل من قوله الاطمينان فان خبر الفاسق و ان كان قد يحصل منه الاطمينان كخبر العادل إلّا ان الاطمينان الحاصل من قول الفاسق يزول بالالتفات الى فسقه و عدم مبالاته بالمعصية و ان كان متحرزا عن الكذب‏ (و منه) يظهر الجواب عمّار بما يقال من ان العاقل لا يقبل الخبر من دون اطمينان بمضمونه عادلا كان المخبر او فاسقا فلا وجه للامر بتحصيل الاطمينان فى الفاسق:

(قوله فتامل) يمكن ان يكون وجه التامل اشارة الى ان الحمل المذكور يوجب كون الآية دالة على حجية مرتبة خاصة من مطلق الظن و هو الظن الاطمينانى و المقصود دلالتها على حجية خبر الواحد بالخصوص لا من حيث كونه من مصاديق الظن المطلق او ان حمله على ذلك خلاف ظاهر لفظ الجهالة و لفظ التبين لان الاول ظاهر فى عدم العلم و الثانى فى تحصيل العلم.

189

(و اما ما اورد على الآية)

بما هو قابل للذبّ عنه فكثير منها معارضة مفهوم الآية بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم و النسبة عموم من وجه فالمرجع الى اصالة عدم الحجية و فيه ان المراد بالنبإ فى المنطوق ما لا يعلم صدقه و لا كذبه فالمفهوم اخص مطلقا من تلك الآيات فيتعين تخصيصها بناء على ما تقرر من ان ظهور الجملة الشرطية فى المفهوم اقوى من ظهور العام فى العموم و اما منع ذلك فيما تقدم من التعارض بين عموم التعليل و ظهور المفهوم فلما عرفت من منع ظهور الجملة الشرطية المعللة بالتعليل الجارى فى صورتى وجود الشرط و انتفائه فى افادة الانتفاء عند الانتفاء فراجع و ربما يتوهم ان للآيات الناهية جهة خصوص اما من جهة اختصاصها بصورة التمكن من العلم و اما من جهة اختصاصها بغير البينة العادلة و امثالها مما خرج عن تلك الآيات قطعا و يندفع الاول بعد منع الاختصاص بانه يكفى المستدل كون الخبر حجة بالخصوص عند الانسداد و الثانى بان خروج ما خرج من ادلة حرمة العمل بالظن لا يوجب جهة عموم فى المفهوم لان المفهوم ايضا دليل خاص مثل الخاص الذى خصص ادلة حرمة العمل بالظن فلا يجوز تخصيص العام باحدهما اولا ثم ملاحظة النسبة بين العام بعد ذلك التخصيص و بين الخاص الاخير فاذا ورد اكرم العلماء ثم قام الدليل على عدم وجوب اكرام جماعة من فساقهم ثم ورد دليل ثالث على عدم وجوب اكرام مطلق الفساق منهم فلا مجال لتوهم تخصيص العام بالخاص الاول اولا ثم جعل النسبة بينه و بين الخاص الثانى عموما من وجه و هذا امر واضح نبهنا عليه فى باب التعارض.

____________

[فى الاشكالات التى اوردت على آية النبأ و هى قابلة للدفع عنها]

(اقول) و اما الاشكالات التى اوردت على الآية و هى قابلة للذبّ عنها فكثيرة منها وقوع التعارض بين مفهوم الآية و بين عموم الآيات الناهية عن العمل بالظن و ما وراء العلم فيكون المرجع بعد التعارض اصالة عدم الحجية و لا يخفى ان هذا الاشكال لا يختص بالآية بل يعم جميع الادلة الدالة على حجية خبر الواحد (و فيه) ما فيه من منع صلاحية الآيات الناهية للمعارضة مع مفهوم الآية لان أدلة الحجية التى منها مفهوم الآية حسب اقتضائها لتتميم الكشف كانت حاكمة على تلك الآيات‏

190

حيث انها توجب خروج العمل بالخبر الواحد عن كونه عملا بالظن او بما وراء العلم بالحكومة فلا مجال لتوهم المعارضة.

(قوله و النسبة عموم من وجه) اذ مقتضى المفهوم حجية خبر العادل مطلقا أفاد العلم أو الظن و مفاد الآيات الناهية عدم حجية الظن مطلقا سواء حصل من خبر العادل أو من غيره و مادة التعارض هو خبر العادل المفيد للظن.

(قوله و فيه ان المراد بالنبإ فى المنطوق الخ) توضيح الجواب منه (قدس سره) عن الاشكال المذكور ان النسبة بين المفهوم و الآيات الناهية عن العمل بالظن هى العموم و الخصوص لان المفهوم يختص بنبإ العادل الذى لا يفيد العلم و لا يعم ما يفيد العلم و ذلك لان المفهوم يتبع المنطوق فى العموم و الخصوص و لا اشكال فى ان المنطوق يختص بنبإ الفاسق الذى لا يفيد العلم كما يظهر من التعليل فالمفهوم ايضا يختص بذلك فتكون النسبة بينه و بين عموم الآيات العموم و الخصوص فيتعين تخصيصها بناء على ما تقرر من ان ظهور الجملة الشرطية فى المفهوم اقوى من ظهور العام فى العموم لا التساقط و الرجوع الى اصالة عدم الحجية.

(و اما) منع ذلك فيما تقدم من التعارض بين عموم التعليل و ظهور المفهوم فلما عرفت من منع ظهور الجملة الشرطية المعللة بالتعليل الجارى فى صورتى وجود الشرط و انتفائه فى افادة الانتفاء عند الانتفاء و اما فى غير العلة و المعلول فيجوز تخصيص العام بالمفهوم فتخصص الآيات الناهية بمفهوم آية النبأ.

(قوله و ربما يتوهم ان للآيات الناهية جهة خصوص اما من جهة اختصاصها بصورة التمكن من العلم الخ) حاصله ربّما يتوهم ان الآيات الناهية ايضا مختصة بصورة التمكن من العلم و بما عدى البيّنة و بعد تخصيصها بذلك تنقلب النسبة بينها و بين المفهوم الى العموم من وجه بعد ما كانت النسبة العموم و الخصوص المطلق لان المفهوم و ان كان يختص بما لا يفيد العلم و لكن يعم صورة التمكن من تحصيل العلم و عدمه و الآيات الناهية و ان كانت اعم من خبر العدل و غيره إلّا انها تختص بصورة التمكن من العلم فيقع التعارض بينهما فى خبر العدل مع التمكن‏

191

من العلم و بعد التعارض يرجع الى اصالة عدم الحجية.

(و لا يخفى) ما فيه من ان انقلاب النسبة مبنى على ملاحظة العام اولا مع بعض المخصصات و تخصيصه به ثم ملاحظة النسبة بينه و بين المخصصات الأخر فربما تنقلب النسبة بينه و بينهما الى نسبة اخرى و لكن هذا مما لا وجه له فان نسبة العام الى جميع المخصصات على حدّ سواء و لا بد من تخصيصه بالجميع فى عرض واحد إلّا اذا كان التخصيص بالجميع يوجب الاستيعاب او التخصيص المستهجن تفصيل ذلك كله ذكروا فى مبحث التعادل و التراجيح ففى هذا المقام خبر العادل و مورد عدم التمكن من العلم و البينة و الفتوى كلها فى عرض واحد خارجة عن عموم الآيات الناهية عن العمل بالظن بالتخصيص و ذلك امر واضح فلا تغفل.

(و اعلم) ان الترديدين المذكورين فى عبارته (قدس سره) بقوله اما من جهة اختصاصها بصورة الخ و قوله و اما من جهة اختصاصها بغير البينة الخ ليس كل منهما بايراد على حدة بل كلاهما ايراد واحد على سبيل منع الخلوّ و حينئذ فقوله ره بعد ذلك فى مقام الجواب و يندفع الاول و الثانى ليس فى محله مع ان الجواب الثانى ليس مختصا به بل يصلح جوابا لكليهما هذا ما نبّه عليه بعض المحشين ره من تلامذته (قدس سره).

(قوله ثم جعل النسبة بينه و بين الخاص الثانى عموما من وجه) تصويره فى المثال انما هو من جهة جعل مادة الافتراق للخاص الاعم يعنى لا تكرم فساقهم هو الخاص الاخص يعنى لا تكرم فساق النحويين مثلا كما أن مادة افتراق اكرم العلماء هى العدول و مادة الاجتماع هى فساق غير النحويين و قد تعارضا فيها حيث دلّ اكرم العلماء على وجوب اكرامهم و لا تكرم فسّاقهم على حرمة اكرامهم و كيف كان فالنسبة بين العام المذكور و خاصته قبل التخصيص هو عموم مطلق و بعد التخصيص باحدهما يصير النسبة بين العام و الخاص الآخر عموما من وجه.

192

(و منها)

ان مفهوم الآية لو دلّ على حجية خبر العادل لدلّ على حجية الاجماع الذى اخبر به السيد المرتضى و اتباعه (قدس سرهم) من عدم حجية خبر العادل لانهم عدول اخبروا بحكم الامام (عليه السلام) بعدم حجية الخبر و فساد هذا الايراد اوضح من ان يبين اذ بعد الغض عما ذكرنا سابقا فى عدم شمول آية النبأ للاجماع المنقول و بعد الغض عن ان اخبار هؤلاء معارض باخبار الشيخ (قدس سره) نقول انه لا يمكن دخول هذا الخبر تحت الآية امّا اولا فلان دخوله يستلزم خروجه لانه خبر عادل فيستحيل دخوله و دعوى انه لا يعم نفسه مدفوعة بانه و ان لا يعم نفسه لقصور دلالة اللفظ عليه إلّا انه يعلم ان الحكم ثابت لهذا الفرد للعلم بعدم خصوصية مخرجة له عن الحكم و لذا لو سألنا السيد عن انه اذا ثبت اجماعك لنا بخبر واحد هل يجوز الاتكال عليه فيقول لا و اما ثانيا فلو سلمنا جواز دخوله لكن نقول انه وقع الاجماع على خروجه من النافين لحجية الخبر و من المثبتين فتأمل و اما ثالثا فلدوران الامر بين دخوله و خروج ما عداه و بين العكس و لا ريب ان العكس متعين لا لمجرد قبح انتهاء التخصيص الى الواحد بل لان المقصود من الكلام ينحصر فى بيان عدم حجية خبر العادل و لا ريب ان التعبير عن هذا المقصود بما يدل على عموم حجية خبر العادل قبيح فى الغاية و فضيح الى النهاية كما يعلم من قول القائل صدق زيدا فى جميع ما يخبرك فاخبرك زيد بالف من الاخبار ثم اخبر بكذب جميعها فاراد القائل من قوله صدق الخ خصوص هذا الخبر و قد اجاب بعض من لا تحصيل له بان الاجماع المنقول مظنون الاعتبار و ظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار.

____________

(اقول) و مما اورد على التمسك بالآية هو ان المفهوم لو دل على حجية خبر الواحد لدل على حجية خبر السيد و اتباعه فى نقلهم الاجماع على عدم حجية خبر الواحد و يلزم من حجيته عدم حجية خبر الواحد و هذا الاشكال ايضا لا يختص بمفهوم آية النبأ بل يعم جميع الادلة.

(و هذا الايراد) اوضح من ان يبين اذ فيه بعد الغض عن منع شمول المفهوم‏

193

لنقل الاجماع الذى لا يكون مستنده الا الحدس و تسليم شموله لنقل مثل السيد رأى الامام (عليه السلام) بلحاظ قرب عصره من عصر الامام (عليه السلام) و امكان اطلاعه على رأيه و لو بمقدمات حدسية قريبة الى الحس و بعد الغضّ عن معارضته بمثل اجماع الشيخ (قدس سره) و من تبعه على الحجية.

(اولا) انه يلزم من دخول خبر السيد تحت مفهوم الآية خروجه اذ لو كان خبر السيد حجة لزم منه عدم حجية كل خبر غير علمى و بما ان خبر السيد بنفسه غير علمى لزم كونه غير حجة فيلزم من حجية خبر السيد عدم حجيته و ما لزم من وجوده عدمه محال بداهة استحالة اجتماع النقيضين.

(و دعوى) انه لا يعم نفسه بيان ذلك ان اهل العرف يفهمون فى المقام و نظائره عدم شمول الكلام لنفسه فاذا قال المولى لعبده اعمل باخبار الآحاد البالغة اليك من قبلى فبلغ اليه من مولاه اخبار كثيرة فى الوقائع المختلفة منها النهى عن العمل باخباره فلا شك ان العبد يأخذ بهذا الخبر و يترك سائر الاخبار فيصرف مضمون هذا الخبر الى غير نفسه لقصور اللفظ عن الشمول لنفسه.

(مدفوعة) بان خبر السيد و ان لا يعم نفسه لقصور دلالة اللفظ عليه بمعنى ان قول السيد خبر العادل ليس بحجة ظاهر فى الاخبار الأخر سوى نفس هذا الخبر إلّا انه يعلم ان الحكم ثابت لهذا الفرد ايضا بتنقيح المناط لانه ايضا خبر عدل غير علمى للعلم بعدم خصوصية مخرجة له عن الحكم و لذا لو سألنا السيد عن انه اذا ثبت اجماعك لنا بخبر واحد هل يجوز الاتكال عليه فيقول لا.

(ثانيا) انه لو سلمنا جواز دخول خبر السيد تحت مفهوم الآية لكن نقول انه وقع الاجماع على خروجه من النافين لانهم يمنعون العمل بخبر الواحد فكيف يعملون بخبر السيد و اما خروجه عند المثبتين لحجية خبر الواحد فواضح لانهم يقولون بحجية العادل فلازم ذلك القول بعدم حجية خبر السيد عن الامام (عليه السلام) بعدم حجية الخبر و إلّا يلزم التناقض.

(قوله فتامل) اقول انه قد اختلف المحشون فى وجهه و لكن لا يبعد ان يكون‏

194

وجهه اشارة الى ان وقوع الاجماع من المثبتين لا يعقل إلّا بعد تصحيح عدم شمول الخبر لنفسه و قد عرفت الاشكال فيه.

(و ثالثا) انه على فرض الدوران بين دخول خبر السيد فى ادلة الحجية و خروج ما عداه و بين العكس لا شبهة فى تعيّن العكس لا لمجرد قبح انتهاء التخصيص الى الواحد بل لان المقصود من الكلام ح ينحصر فى بيان عدم حجية خبر العادل و لا ريب ما فى هذا التعبير عن هذا المقصود بما يدل على عموم حجية خبر العادل من القبح الى الغاية و الفضاحة الى النهاية كما يعلم من قول القائل صدّق زيدا فى جميع ما يخبرك فاخبرك زيد بالف من الاخبار ثم اخبر بكذب جميعها فاراد القائل من قوله صدّق الخ خصوص هذا الخبر.

(قوله و قد اجاب بعض من لا تحصيل له الخ) حاصله انه قد اجاب بعض عن الاشكال المذكور بان الاجماع المنقول مظنون الاعتبار و ظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار.

(و لا يخفى عليك) ان هذا الجواب فى كمال الوضوح من الفساد لان حجية الاجماع المنقول الذى نقله السيد على زعم المورد داخل فى ظاهر الكتاب و فى مفهوم آية النبأ فاذا كان ظاهر الكتاب قطعى الاعتبار فيكون هو كذلك فكيف يقال ان ظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار و الاجماع المنقول مظنون الاعتبار فلا يكون هناك تعارض حتى يقدّم عليه مع ان مظنون الاعتبار لا يكون حجة و بالجملة الجواب المذكور ساقط جدا.

195

(و منها)

ان الآية لا تشمل الاخبار مع الواسطة لانصراف النبأ الى الخبر بلا واسطة فلا يعم الروايات المأثورة عن الائمة (عليهم السلام) لاشتمالها على وسائط و ضعف هذا الايراد على ظاهره واضح لان كل واسطة من الوسائط انما يخبر خبرا بلا واسطة فان الشيخ (قدس سره) اذا قال حدثنى المفيد قال حدثنى الصدوق قال حدثنى ابى قال حدثنى الصفار قال كتبت الى العسكرى (عليه السلام) فان هناك بمقتضى الآية اخبارا متعددة بتعدد الوسائط فخبر الشيخ قوله حدثنى المفيد الخ و هذا خبر بلا واسطة يجب تصديقه فاذا حكم بصدقه و ثبت شرعا ان المفيد حدث الشيخ بقوله حدثنى الصدوق فهذا الاخبار اعنى قول المفيد الثابت بخبر الشيخ حدثنى الصدوق ايضا خبر عادل و هو المفيد فيحكم بصدقه و ان الصدوق حدثه فيكون كما لو سمعنا من الصدوق اخباره بقوله حدثنى ابى و الصدوق ايضا عادل فيصدق فى خبره فيكون كما لو سمعنا اباه يحدث بقوله حدثنى الصفار فنصدقه لانه عادل فيثبت خبر الصفار انه كتب اليه العسكرى (عليه السلام) و اذا كان الصفار عادلا وجب تصديقه و الحكم بان العسكرى (صلّى اللّه عليه و آله) كتب اليه ذلك القول كما لو شاهدنا الامام (عليه السلام) يكتب اليه فيكون المكتوب حجة فيثبت بخبر كل لاحق اخبار سابقه و لهذا يعتبر العدالة فى جميع الطبقات لان كل واسطة مخبر بخبر مستقل هذا.

____________

[من الاشكالات التى لا تختص بمفهوم آية النبأ اشكال شمول ادلة الحجية للاخبار الحاكية لقول الامام (عليه السلام) بواسطة او بوسائط]

(اقول) من الاشكالات التى لا تختص بمفهوم آية النبأ اشكال شمول ادلة الحجية للاخبار الحاكية لقول الامام (عليه السلام) بواسطة او بوسائط كاخبار الشيخ عن المفيد عن الصدوق عن الصفار عن العسكرى (عليه السلام) تقريب هذا الاشكال من حيث دعوى انصراف ادلة الحجية الى الاخبار الحاكية لقول الامام بلا واسطة.

(و اجاب عنه) الشيخ (قدس سره) بان كل واسطة من الوسائط يخبر خبرا بلا واسطة فاذا قال الشيخ حدثنى المفيد انه قال حدثنى الصفار انه قال سمعت العسكرى (عليه السلام) يقول كذا فهناك اخبار متعددة حسب تعدد الوسائط فخبر الشيخ قوله حدثنى المفيد الخ و هذا خبر بلا واسطة يجب تصديقه فاذا حكم بصدقه و ثبت شرعا ان المفيد

196

حدث الشيخ بقوله حدثنى الصدوق فهذا الاخبار اعنى قول المفيد الثابت بخبر الشيخ حدثنى الصدوق ايضا خبر عادل و هو المفيد فنحكم بصدقه و ان الصدوق حدثه فيكون كما لو سمعنا من الصدوق اخباره بقوله حدثنى ابى و الصدوق عادل فيصدق فى خبره فيكون كما لو سمعنا اباه يحدث بقوله حدثنى الصفار فنصدقه لانه عادل فيثبت خبر الصفار انه كتب اليه العسكرى (عليه السلام) و اذا كان الصفار عادلا وجب تصديقه و الحكم بان العسكرى (عليه السلام) كتب اليه ذلك القول كما لو شاهدنا الامام (عليه السلام) يكتب اليه فيكون المكتوب حجة فيثبت بخبر كل لاحق اخبار سابقه و لهذا يعتبر العدالة فى جميع الطبقات لان كل واسطة مخبر بخبر مستقل.

(يمكن دفع) الايراد المذكور بوجهين آخرين ما تعرض لهما الشيخ (قدس سره) الاول منع الظهور و انصراف النبأ الى الخبر بلا واسطة بل يعم الخبر مع الواسطة ايضا فراجع الى العرف و الوجدان و الثانى انه يتم الكلام فى الاخبار مع الواسطة بعدم القول بالفصل و لذلك ترى بناء الاصحاب حتى فى الصدر الاول على الاخذ بالاخبار المروية عن الامام و لو بوسائط عديدة من غير تشكيك منهم فى الحجية من جهة تعدد الوسائط.

(و اجيب) عن الاشكال المذكور ايضا بان كل واحد من الوسائط حيث انه مجاز عن شيخه فى نقل الرواية يدخل خبره فى الاخبار عن الامام (عليه السلام) بلا واسطة لان كل مجاز باجازة شيخه يكون بمنزلة المجيز فى نقل الرواية و هكذا فنقل الشيخ (قدس سره) باعتبار كونه مجازا عن المفيد بمنزلة نقل المفيد لنا الذى نقله ايضا بمنزلة نقل الصفار عن الامام و لذا كان الاصحاب من أرباب الحديث يهتمّون باخذ الاجازة فى نقل الرواية لفوائد شتى منها هذه الجهة التى يدفع بها هذا الاشكال المذكور.

(و فيه) انه لو تم ذلك فغاية ما يجدى انما هو فى صحة نقل الرواية عن الامام (عليه السلام)

197

بالغاء الوسائط من البين لا بالنسبة الى مرحلة الحجية المفروض انصراف ادلتها الى الاخبار الحاكية لقول الامام (عليه السلام) بلا واسطة حتى يصح ان يدفع به الاشكال فالاولى فى الجواب هو منع الانصراف و لذلك ترى بناء الاصحاب حتى فى الصدر الاول على الاخذ بالاخبار المروية عن الامام و لو بوسائط عديدة من غير تشكيك منهم فى الحجية من جهة تعدد الوسائط.

198

(و لكن)

قد يشكل الامر بان ما يحكيه الشيخ عن المفيد صار خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق فكيف يصير موضوعا بوجوب التصديق الذى لم يثبت موضوع الخبرية الا به و يشكل الامر ايضا بان الآية انما تدل على وجوب تصديق كل مخبر و معنى وجوب تصديقه ليس إلّا ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على صدقه عليه فاذا قال المخبر ان زيدا عادل فمعنى وجوب تصديقه وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على عدالة زيد من جواز الاقتداء به و قبول شهادته و اذا قال المخبر أخبرنى عمرو ان زيدا عادل فمعنى تصديق المخبر على ما عرفت وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على أخبار عمرو بعدالة زيد و من الآثار الشرعية المترتبة على أخبار عمرو بعدالة زيد اذا كان عادلا و ان كان هو وجوب تصديقه فى عدالة زيد إلّا ان هذا الحكم الشرعى لاخبار عمرو انما ثبت بهذه الآية و ليس من الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به مع قطع النظر عن الآية حتى يحكم بمقتضى الآية بترتيبه على اخبار عمرو و الحاصل ان الآية تدل على ترتيب الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به الواقعى على اخبار العادل و من المعلوم ان المراد من الآثار غير هذا الاثر الشرعى الثابت بنفس الآية فاللازم على هذا دلالة الآية على ترتيب جميع الآثار المخبر به على الخبر إلّا الاثر الشرعى الثابت بهذه الآية للمخبر به اذا كان خبرا و بعبارة اخرى الآية لا تدل على وجوب قبول الخبر الذى لم يثبت موضوع الخبرية له إلّا بدلالة الآية على وجوب قبول الخبر لان الحكم لا يشمل الفرد الذى يصير موضوعا له بواسطة ثبوته لفرد آخر و من هنا يتجه ان يقال ان أدلة قبول الشهادة لا تشمل الشهادة على الشهادة لان الاصل لا يدخل فى موضوع الشاهد الا بعد قبول شهادة الفرع.

____________

(اقول) انه (قدس سره) قد اشار فى صدر كلامه الى ان الآية لا تشمل الاخبار مع الواسطة لانصراف النبأ الى الخبر بلا واسطة فلا يعم الروايات الماثورة عن الائمة (عليهم السلام) لاشتمالها على وسائط ثم قال فى الجواب عن هذا الاشكال بقوله المتقدم و ضعف هذا الايراد على ظاهره واضح لان كل واسطة من الوسائط انما يخبر خبرا

199

بلا واسطة فان الشيخ اذا قال حدثنى المفيد قال حدثنى الصدوق قال حدثنى ابى قال حدثنى الصفار قال كتبت الى العسكرى (عليه السلام) بكذا فان هناك اخبارا متعددة بتعدد الوسائط فخبر الشيخ قوله حدثنى المفيد الخ.

(قوله و لكن قد يشكل الامر الخ) اقول انه (قدس سره) بعد ما ذكر الوجه الاول من تقريب الاشكال اشار الى هذا الوجه الثانى من تقريب الاشكال و لكن ليس فى كلماته الشريفة جواب عن هذا التقريب‏ (حاصل) الاشكال ان ما يحكيه الشيخ عن المفيد انما يصير خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق اذ ما لم يحكم بوجوب التصديق لا يثبت خبر المفيد و بعد الحكم به يثبت فلا يمكن ان يشمل وجوب التصديق لخبر المفيد اصلا للزوم كون المحمول مؤخرا عن الموضوع فلو شمله لزم كون المحمول مقدما على الموضوع و هو بديهى البطلان.

(قوله و يشكل الامر ايضا الخ) بان آية النبأ انما تدل على وجوب تصديق كل مخبر و معنى وجوب التصديق ترتيب الآثار الشرعية فلا بد ان يكون هناك اثر شرعى آخر يترتب على خبر الواسطة من جهة الحكم بوجوب التصديق و المفروض انه ليس لخبر الواسطة اثر شرعى غير وجوب التصديق بتقريب انه لا معنى للتعبد بقول العادل و وجوب تصديق مضمونه الا ترتيب ما للمخبر به من الآثار الشرعية فلا بد فى صحة التعبد بالخبر من ان يكون للمخبر به فى نفسه مع قطع النظر عن هذا الحكم اثر شرعى كى يكون الامر بالتصديق بلحاظه كما هو الشأن فى التعبد فى كلية الامارات القائمة على الموضوعات الخارجية و فى المقام لما لم يترتب على خبر الشيخ عن المفيد فى نفسه اثر شرعى غير وجوب التصديق الثابت بهذا الانشاء لا يكاد يشمله دليل وجوب التصديق.

(و الحاصل) ان الآية تدل على ترتيب الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به الواقعى على اخبار العادل و من المعلوم ان المراد من الآثار غير هذا الاثر الشرعى الثابت بنفس الآية فاللازم على هذا دلالة الآية على ترتيب جميع آثار المخبر به على الخبر إلّا الاثر

200

الشرعى الثابت بهذه الآية للمخبر به اذا كان خبرا.

(و بعبارة اخرى) الآية لا تدل على وجوب قبول الخبر الذى لم يثبت موضوع الخبرية له إلّا بدلالة الآية على وجوب قبول الخبر لان الحكم لا يشمل الفرد الذى يصير موضوعا له بواسطة ثبوته لفرد آخر (و من هنا) يتجه ان يقال ان ادلة قبول الشهادة لا تشمل الشهادة على الشهادة لان الاصل لا يدخل فى موضوع الشاهد الا بعد قبول شهادة الفرع.

[فى بيان ان التعبد بحجية الخبر يتوقف على ان يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا او ذا اثر شرعى‏]

(فتبين مما ذكر) ان التعبد بحجية الخبر يتوقف على أن يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا أو ذا أثر شرعى مع قطع النظر عن الحجية ليصح التعبد بها بلحاظه فان التعبد بحجية الخبر فيما لم يكن المخبر به حكما شرعيا و لا ذا أثر شرعى لغو محض و عليه فدليل الحجية لا يشمل مثل أخبار الشيخ عن خبر المفيد لان المخبر به و هو خبر المفيد ليس حكما شرعيا و لا ذا اثر شرعى مع قطع النظر عن دليل الحجية و هذا الاشكال جار فى اخبار جميع سلسلة الرواة الا الاخير الذى ينقل عن المعصوم (عليه السلام) فان المخبر به فى خبره هو قول المعصوم (عليه السلام) فلا محالة يكون حكما شرعيا من وجوب أو حرمة أو غيرهما كما هو ظاهر.

(و لا يخفى عليك) ان هذا الاشكال يسقط من أصله على القول بان المجعول فى باب الطرق و الامارات هو الكاشفية و الطريقية بتتميم الكشف بمعنى ان الشارع يعتبر الكاشف الناقص كاشفا تاما و الامارة الغير العلمية علما اذ عليه يكون التعبد ناظرا الى نفس الطريقية و الكاشفية من دون حاجة الى كون المؤدى حكما شرعيا أو ذا اثر شرعى نعم على القول بان المجعول فى باب الطرق و الامارات هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع يرد الاشكال المذكور بان التنزيل المذكور متوقف على ان يكون المؤدى حكما شرعيا او ذا أثر شرعى و إلّا فلا معنى لتنزيله منزلة الواقع.

(و اما على القول الاول) من ان المجعول هو الطريقية و الكاشفية فلا حاجة الى اعتبار كون المؤدى حكما شرعيا او ذا اثر شرعى اذا التعبد ناظر الى نفس الطريقية و الكاشفية لا الى المؤدى غاية الامر انه يلزم ان لا يكون التعبد المذكور لغوا