معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
505

وادي قناة الجنوبي منازل بني حارثة و بني عبد الأشهل و بني زعورا الأوسيين) (1).

و قد نزلت بنو قينقاع من اليهود عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية للاستفادة من مياه وادي بطحان فحفروا الآبار على جانبيه و بنو الأطام و أقاموا مزارع النخيل على جانبي الوادي و في الأجزاء العالية منها.

و على هذا فإن توفر المياه في يثرب آنذاك قد كانت من أحد أهم مقومات الزراعة، و مظهرا من مظاهر الجذب السكاني للقبائل التي نزلتها للاستفادة من تلك الثروات الطبيعية و تسخيرها لمنفعتهم.

و تعتبر أودية المدينة في الحقيقة عبارة عن خلاصة تجميع فئات من الشرائع و الشعاب المختلفة التي انحدرت بعضها من قمم الجبال المحيطة بالمدينة إضافة إلى تلك الشرائع و الشعاب التي تجمعت داخل الحرات الرئيسية المحيطة بالمدينة المنورة من أغلب جهاتها، كما تستمد بعض هذه الأودية بعض مصادر مياهها من شعاب و أودية تصل إليها من أماكن بعيدة من أهمها وادي قناة الذي يستمد مياهه من بحيرة العاقول حيث تصل إليه مياه وادي الشعبة القادم من الطائف كأحد مصادر المياه الرئيسية.

كما يستمد وادي العقيق في غربي المدينة بعض مياهه من الشرائع و الشعاب الجنوبية و القادمة عبر الحرة من مناطق بعيدة مجمعة معها كل ما يهبط إليها من شعاب و شرائع للجبال المجاورة حتى يتصل بوادي العقيق في أقصى الجهة الجنوبية من المدينة.

و يشير المؤرخ مجد الدين الفيروز أبادي فيما نقله عن الزبير في تسمية أودية العالية و مصادر مياهها و مصباتها فيقول: (و قال الزبير في تسمية أودية العالية، عالية المدينة-: و بطحان «و حسب‏ (2) ... يصببن» مذينب: يأتي من سد عبد الله بن عمرو بن عثمان و من الحرة، و يلتقي هو و واد آخر عند الجبل الذي يقال له مكمن أو مقمن.

و أما ذو صلب فيأتي من السد، و أما ذو ريش فيأتي من جوف الحرة، و أما مهزور فيأتي من بني قريظة، و أما بطحان فيأتي من صدور جفاف، و أما معجف فيأتي سيله (...) (3) و كان يمر في مسجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم).

و قال مرة- عن غير واحد من الأنصار في سيول عالية المدينة من حيث تفترق-: مذينب شعبة تسيل من بطحان، يأتي مذينب إلى الروضة روضة بني‏

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 217- 218).

(2) ذكر مجد الدين الفيروز أبادي بأنها كلمة ساقطة في نصر الزبير.

(3) كلمة ساقطة في النص.

506

أمية، ثم يتشعب من الروضة نحوا من خمسة عشر جزءا في أموال بني أمية، ثم يخرج من أموالهم حتى يدخل في بطحان و صدور مذينب و بطحان يأتيان من الحلائين حلائي صعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك و مصبها في زغابة حيث تلتقي السيول عند أرض سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه.

و سيل مهزور مصدره من حرة شوران، و هو يصب في أموال بني قريظة ثم يأتي المدينة فيشقها و يمر في مسجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ثم يصب في الزغابة) (1).

و قد كانت هذه الأودية المباركة تسيل بالمياه عند سقوط الأمطار، و قد جاء في الأحاديث النبوية الشريفة أن هذه الأودية قد كانت تسيل بمجرد دعاء النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ربه بطلب الغيث، فكان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يرفع يديه الشريفتين بالدعاء فلا ينزلهما حتى تمطر السماء فتملأ الأودية و تسيل السيول.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، من باب كان نحو دار القضاء (و في رواية البخاري: من باب كان و جاء المنبر) و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب، فاستقبل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، و انقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يديه، ثم قال: «اللهم اغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس: و لا و الله ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا و الله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب، فاستقبله قائما. فقال:

يا رسول الله هلكت الأموال، و انقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال:

فرفع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يديه ثم قال: «اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم على الآكام و الظراب و بطون الأودية و منابت الشجر» فانقلعت، و خرجنا نمشي في الشمس) متفق عليه‏ (2).

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، و وعد الناس يوما يخرجون فيه.

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 244- 245).

(2) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الاستسقاء: باب الاستسقاء في المسجد الجامع- (1/ 344- (حديث رقم 968)/ «و صحيح الإمام مسلم»- كتاب صلاة الاستسقاء- باب الدعاء في الاستسقاء- (2/ 612، 613)، (حديث رقم 897).

507

قالت عائشة: فخرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر (صلى اللّه عليه و سلّم)، و حمد الله عز و جل، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، و استئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، و قد أمركم الله عز و جل أن تدعوه، و وعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏ (الفاتحة: 2- 4). لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت الغني، و نحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، و اجعل ما أنزلت لنا قوة و بلاغا إلى حين» ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، و قلب- أو: حول- رداءه، و هو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، و نزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت و برقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن، ضحك (صلى اللّه عليه و سلّم)، حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شي‏ء قدير، و إني عبد الله و رسوله» رواه أبو داود (1).

و من هذه الأودية المباركة ما حظي بأحاديث خاصة بها وردت عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) سنوردها عند ذكر تفصيل هذه الأودية إن شاء الله تعالى فيما بعد.

مسارات و اتجاهات الأودية في المدينة:

تشير كثير من الدراسات الطبو غرافية و الكنتورية لموقع المدينة المنورة إلى ارتباط هذا الموقع و انتمائه جيولوجيا لإقليم الحجاز، حيث يمثل جزءا من أجزاء ذلك الأقليم الذي هو من أقاليم شبه الجزيرة العربية، حيث تمثل السلسلة الجبلية الحجازية الظاهرة التضاريسية الرئيسية لهذا الأقليم.

و يتفاوت ارتفاعها من 9000 قدم إلى الجنوب من عسير ثم ينخفض إلى 8000 قدم قرب مكة، ثم إلى 4000 قدم غربي مهد الذهب و تستمر على انخفاضها في الاتجاه نحو الشمال حتى تصل إلى 3000 قدم عند المدينة المنورة، و تستمر شمالا على هذا المستوى من الارتفاع‏ (2).

و تنحدر من هذه السلسلة الجبلية مجموعة كبيرة من الأودية الكبيرة من أهمها مجموعة وادي الحمض عند المدينة المنورة و وادي فاطمة بين مكة و جدة (2).

و لذلك نجد أن اتجاهات الوديان فوق هذه السلسلة تتجه عموما من‏

____________

(1) رواه أبو داود في «سننه»- كتاب الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء- (حديث رقم 1173).

(2) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- ص 54.

508

الجنوب إلى الشمال تبعا لاتجاه المنسوب للانخفاض في نفس الاتجاه. و لذلك نجد أن الأودية الجنوبية للمدينة المنورة تنحدر برمتها إلى الشمال، كما تنحدر أودية الجهة الشمالية الشرقية إلى الغرب حيث تلتقي مع مجموعة وديان العالية المتكونة من اجتماع وادي مهزور و مذينب و بطحان عند ضليعات الرواسي.

و ضليعات الرواسي هي تلك الجبيلات الصغيرة التي تقع عند التقاء وادي قناة بوادي العقيق. كما أن أودية الجهة الغربية و المتمثلة بوادي العقيق و سيول البيداء تنحدر نحو الشمال لتلتقي مع سابقتها من الأودية عند نفس المنطقة التي يلتقي فيها وادي بطحان بالعقيق أي عند ضليعات الرواسي، حيث أن هذه المنطقة تمثل أقل أجزاء المدينة منسوبا، و من تجمعها يبدأ مجرى مجمع السيول في زغابة.

و هذا يعني أن هذا الموقع هو أسفل المدينة و هو في الناحية الشمالية الغربية التي تعرف باسم السافلة، و يشير السيد إبراهيم العياشي إلى موقع تجمع السيول فيقول: (و السيد السمهودي قد تبع السيد علي الهجري إذ يقول أن زغابة هي مجتمع السيول آخر العقيق غربي قبر حمزة رضي الله عنه، و هي أعلى وادي أضم، و الذي عليه المشهور اليوم أن العقيق ينتهي عند الحد المذكور، أي مجتمع الأسيال في ضليعات الرسي) (1).

و قد عرف أهل المدينة منذ القدم طبيعة موقع المدينة المنورة بشكل عام، لذا قسموها إلى قسمين رئيسيين، يتمثل القسم الأول بالجزء الجنوبي و هو الجزء المرتفع، أما القسم الثاني فهو الشمالي و هو المنخفض و أقل مناطق المدينة منسوبا، و أطلقوا على هذين القسمين تسميتين قديمتين و تاريخيتين هما عالية المدينة و سافلتها، و لقد جاءت هذه التسمية لتعبر عن جملة خصائص موقع المدينة و مظاهرها الطبيعية، فانحصرت عالية المدينة بين خطي كنتور 640- 620 م فوق سطح البحر، بينما تنحصر سافلة المدينة بين خطي كنتور 610- 640 م فوق سطح البحر (2). و تعتبر الجهة الشمالية الغربية هي أخفض جزء في السافلة لذا تسمى بسافلة السافلة أو بأسفل السافلة.

في المدينة المنورة عدد من الأودية، منها ما هو بداخلها و منها ما يأتي من خارجها و يمر بها، و من أهم هذه الأودية: وادي قناة الذي يجري في الشمال و الشمال الشرقي، و من الغرب و الشمال الغربي يجري وادي العقيق، أما من الجهة الجنوبية الغربية فمسار وادي الرانوناء، كما يجري وادي مذينب و مهزور في الجهة الجنوبية و الجنوبية الشرقية.

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 459، 460).

(2) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 56).

509

(6) (الأودية) إنحدار جميع الأودية و مجاري السيول إلى الجهة الشمالية الغربية من المدينة حيث الانحدار الطبيعي لموقع المدينة المنورة بشكل عام.

و تعتبر الثلاثة الأودية الأخيرة من الأودية المهمة التي ترفد وادي بطحان الذي كان في الماضي يمر وسط المنطقة السكنية في المدينة ثم ينطلق نحو الشمال ليلتقي بوادي العقيق و وادي قناة في منطقة العيون شمال المدينة عند منطقة ضليعات الرواسي حيث يجري وادي الحمض الذي يلتقي بوادي نعمان شمال جبل أحد، و يستمر وادي الحمض في مساره باتجاه الشمال الغربي حتى يصب في البحر الأحمر جنوب ميناء الوجه‏ (1).

و يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى هذه الأودية فيصف مواقعها و يحدد اتجاهات مساراتها فيقول: (تكتنف المدينة أودية و سيول ستة:

1- وادي العقيق: (في ضاحيتها الغربية).

2- وادي رانوناء: (في ضاحيتها الجنوبية الغربية).

3- وادي بطحان: (في ضاحيتها الجنوبية).

4- وادي مذينب: (في ضاحيتها الجنوبية الشرقية).

5- وادي مهزور: (في ضاحيتها الشرقية).

6- وادي قناة: (في ضاحيتها الشمالية الشرقية).

____________

(1) مجلة «المنهل»- دار الهجرة- (ص 90- عدد 499).

510

و يسيل وادي العقيق و وادي قناة في خارج المدينة، و أربعة السيول الباقية تجتع في وادي بطحان من جنوبي المدينة و تسير ممتزجة حتى تدخل المدينة من الأبواب الحديدية المعمولة لها قديما تحت باب قباء بشرقيه، و تشق الأودية الأربعة المدينة ممتزجة، إلى الشمال، في المسيل المعروف بأبي جيدة، حتى تخرج من باب البرابيخ، و تفيض في صفاصف إلى أن تبلغ سفح سلع ثم تفضي إلى زغابة حيث تجتمع بسيلي العقيق و وادي قناة) (1).

و يعتبر تحديد الأستاذ عبد القدوس الأنصاري لمسار وادي بطحان المعروف قديما بسيل أبي جيدة داخل المدينة تحديد قديم، حيث تم إلغاء مسار هذا الوادي من وسط المدينة، كما أن الكثير من معالم هذه المنطقة قد تغيرت و لا تكاد تعرف اليوم.

و قد تناول الدكتور عمر الفاروق السيد رجب موضوع الأودية في المدينة و مساراتها و علاقتها بطبو غرافية الموقع العام للمدينة، فناقش الكثير من النواحي الجيولوجية و الطبيعية لطبيعة هذه الأودية و مساراتها حول المدينة، فذكر أهم تلك الأودية خارج المدينة و داخلها و ذكر مصادرها و اتجاهاتها و مما قال:

(تنحدر إلى الواحة و تشقها الوديان و تتجه جميعها في اتجاه عام نحو الشمال الغربي، حيث تلتقي جميعها في «زغابة»، و هي- الوديان- من أهم مظاهر الموضع التي ساهمت في تشكيل مورفولوجية المدينة، فهي تحيط بجملة مواضعها السكنية خاصة من الشمال و الغرب، و أهمها أودية «قناة، العقيق، بطحان (أبو جيدة)» و ثلاثة أودية أخرى أقل و أهمها هي «رانوناء، مذينب، مهزور».

و يحدد واديا «قناة، العقيق» منطقة المدينة من الشمال و الغرب كما سبقت الإشارة، أما الأربعة الأخرى فتجتمع في وادي بطحان من جنوبي المدينة، و تسير مجتمعة حتى تدخل المدينة من الأبواب الحديدية المعمولة لها قديما تحت باب قباء بشرقيه، و تشق المدينة ممتزجة في وادي بطحان ... حتى تخرج من باب البرابيخ، و تفيض في صفاصف إلى أن تبلغ سفح جبل سلع، ثم تفضي إلى زغابة حيث تجتمع بسيلي العقيق و قناة) (2).

و تعتبر منطقة زغابة أو ما تعرف بمجمع السيول هي بداية انحدار وادي الحمض الذي ينحدر إلى جهة الشمال الغربي حيث تصل مياه هذا الوادي إلى الغابة حيث يحجزها سد الغابة الكبير الذي أقيم مؤخرا بدلا من السد السابق الذي جرفته مياه الوادي، و تكثر في منطقة الغابة هذه الأشجار و النباتات الطبيعية

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 217).

(2) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 56، 60).

511

(7) (الأودية) مجرى وادي قناة في شمال المدينة المنورة و المنحدر إلى الجنوب ثم الغرب حيث يتصل بوادي العقيق في الجهة الشمالية الغربية من المدينة.

حتى أصبحت بحق من أجل المناطق الطبيعية في المدينة المنورة.

و حبذا لو يقوم فرع وزارة الزراعة و المياه في المدينة بتشجيع الزراعة في هذه المناطق و تنظيم القسائم الزراعية و توزيعها على المزارعين لتعويض النقص الناتج من المزارع القديمة التي تم تخطيطها داخل المنطقة السكنية، كما أن ما تتميز به منطقة الغابة من تربة زراعية جرفتها إليها السيول، و توفر المياه هي إحدى المقومات الضرورية لإيجاد بيئة زراعية ناجحة.

و قد أورد كثير من الكتاب و المؤرخين الكثير من أودية المدينة و مصادرها المائية، فتصدر وادي العقيق «الوادي المبارك» كتاباتهم بل و قد أفرد بعضهم كتبا خاصة به تناولوا فيها مصادره و شعابه و ما ورد فيه من آثار و قصص، و ما أقيم عليه من قصور و بساتين و ما قيل فيه من الشعر.

كما تناول هؤلاء الكتاب بعض الأودية الأخرى كوادي مهزور و وادي قناة و وادي مذينب و وادي بطحان و ذكروا قصص فيضان بعضها في بعض السنين و أوضحوا الخطورة التي كادت أن تتعرض لها المدينة نتيجة لذلك.

و من هؤلاء المؤرخين ما أشار إليه الأستاذ محمد لبيب البيتوني في رحلته حيث قال:

512

(8) (الأودية) مجرى وادي العقيق في الجهة الغربية من المدينة المنورة و المنحدر من الجنوب إلى الشمال الغربي.

(و حول المدينة و ديان كثيرة، و ينزل فيها كثير من مجاري السيول التي تسير بها إلى بساتينها و خصوصا في الجهات المنخفضة منها، و قد ترتفع مناسيب هذه السيول في بعض السنين فتضر بالمدينة و ضواحيها ضررا بالغا. و في خلافة سيدنا عثمان فاض وادي مهزور فيضانا كاد يقوض أركان المدينة فأمر ببناء سدين عند بئر مدرى، و حول بذلك مجرى السيل إلى وادي بطحان. و في سنة 150 ه/ (767 م) نزلت السيول بكثرة على المدينة فأزعجت أهلها و أغرقت صدقاتها، و كان ذلك في خلافة أبي جعفر المنصور فأمر، فبنيت السدود في أعالي المدينة فتحولت السيول إلى جهات أخرى، و في سنة 734 ه/ (1333 م) فاض وادي القناة فأغرق الجهة الشمالية من المدينة إلى جبل أحد، و انقطع الناس بسببه عن زيارة سيدنا حمزة ستة شهور، و في سنة 1328 ه/ (1901 م) نزل السيل إلى المدينة و تكونت مياهه عند جبل أحد و بلغ عمقها نحو نصف متر) (1).

كما يشير المؤرخ إبراهيم رفعت باشا إلى بعض هذه الأودية فيذكر بعض أحداثها بقوله: (و حول المدينة أودية كثيرة كوادي العقيق و وادي بطحان غربي المدينة، و في جزء منه بعض مبانيها، و وادي رانوناء يأتي من جبل عير قبلي المدينة و يمر بقباء و يختلط بوادي بطحان غربي المدينة، و وادي مذينب و هو شعبة

____________

(1) «الرحلة الحجازية»- محمد لبيب البيتوني- (ص 259).

513

(9) (الأودية) السد الأثري القديم الذي أقيم على مسار وادي الرانوناء في جنوب المدينة و المعروف بسد «سيدنا عمر».

(10) (الأودية) سد عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان الذي أقيم لحجز بعض شرائع جماء تضارع و المنحدرة إلى وادي العقيق.

من بطحان، و وادي قناة في شرق المدينة الشمالي، و قد فاض هذا الوادي في سنة 734 ه/ (1333 م)، فأغرق الجهة الشمالية من المدينة و صعب على الناس أن يصلوا إلى مشهد حمزة أربعة أشهر، و من وديانها وادي مهزور و يأتي من الحرة الشرقية و قد سال هذا الوادي في عهد عثمان سيلانا عظيما خيف على المدينة منه الغرق، فعمل عثمان الردم الذي عند بئر مدرى ليرد به السيل عن المسجد النبوي) (1).

هذا بالإضافة إلى خطورة هذه الأودية على المدينة و احتمال فيضانها فقد قامت الجهات المختصة بأمانة المدينة المنورة بإعداد الدراسات التفصيلية لهذه الأودية و عمل العروض التصميمية اللازمة التي تضمن استيعاب تدفق المياه و مواجهة أي زيادات محتملة في كمية هذه المياه و تصريفها دون إحداث أي أضرار على السكان و الممتلكات، و تأتي هذه الدراسات بناءا على النتائج و التوصيات التي رفعت عن اللجنة المكلفة بدراسة وضع هذه الأودية و المكلفة بأمر صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز، و سنذكر بعض فقرات هذا التقرير فيما بعد إن شاء الله.

و تعتبر أودية المدينة مع ما تحيط به من جبال و حرات أحد العوامل التي‏

____________

(1) «مرآة الحرمين الشريفين»- إبراهيم رفعت باشا- (ص 434).

514

(11) (الأودية) تمثل المظاهر الطبيعية من جبال و حرات أهم مصادر مياه الأودية و السيول في المدينة المنورة (1).

ساهمت في إعاقة النمو العمراني للمدينة المنورة في فتراتها الماضية، فظلت المدينة مقوقعة حول مركزها و نسيجها العمراني القديم.

و يشير الدكتور عمر الفاروق السيد رجب إلى ما شكلته هذه المعالم الطبيعية من إعاقة لنمو المدينة فيقول: (و قد أبرز نمو المدينة الحديث عددا من مشاكل موضعها- و هي قديمة- و أصبحت مواجهتها ضرورية، أهمها:

إعاقة نمو المدينة بسبب إحاطتها بالحرات الوعرة و الوديان العميقة، و اختراق الوديان للمنطقة السكنية .. خاصة بطحان، و كثرة شعاب وادي «مهزور و مذينب» في منطقة المدينة خاصة بعد نزولهما من الحرة ... و لقد سبقت الإشارة إلى هذه الوديان باعتبارها من أهم ضوابط مورفولوجية المدينة العامة، و هي كذلك من أسباب تقطع الكتلة السكنية و صعوبة الاتصال بين الحارات و الأحياء بسبب مشاكل اختراقها، خاصة إذا سالت مياهها و فاضت و امتلأت بالأوحال فضلا عن انتشار المستنقعات) (2). و يعتبر ما أشار إليه الدكتور عمر الفاروق هو الوضع القديم و السابق لوادي بطحان و الذي يعرف عند بعض‏

____________

(1) صورة مصغرة من المصورات الجوية بمقياس 1/ 250000 لمنطقة المدينة المنورة (أمانة المدينة المنورة).

(2) المدينة المنورة و اقتصاديات المكان- د. عمر الفاروق السيد رجب- ص 78.

515

أهل المدينة بسيل أبي جيدة، حيث قامت أمانة المدينة المنورة منذ فترة طويلة بعمل قناة صندوقية بالقرب من مجرى الوادي عند مزرعة الأستاذ حليت مسلم (رحمه الله)، حيث تتصرف مياه هذا الوادي من خلال هذه القناة حتى تصل إلى منطقة العيون حيث تفتح هناك.

و تقوم الأمانة هذه الأيام بإعداد الدراسات اللازمة لتحويل مسار هذا الوادي من مصدره الأساسي و ذلك بعمل سد ترابي كبير يؤدي إلى انحدار مياه الوادي باتجاه الغرب حتى يصب في وادي العقيق، و بهذا يدرأ خطر هذا الوادي عن المدينة، و خاصة أن معظم أجزاء مساره قد أصبحت عبارة عن مباني و منشآت سكنية، كما أن مساره السابق يعيق الاتصال بين الكتل العمرانية لأجزاء المدينة، و سيتم ترك القناة الصندوقية لتصريف المياه المحلية و مياه وادي مهزور و مذينب المنحدران من أصل الحرة، كما يتم تصريف مياه وادي الشرائع من خلاله أيضا.

الوضع العام للأودية:

الأودية هي الوعاء الطبيعي لحمل و استيعاب مياه الأمطار (السيول) المنحدرة من المرتفعات (جبال- حرار- تلال) لتنقلها إلى أقرب منخفض (القاع أو البحر)، و يتفاوت حجم الأودية باختلاف مصادر سيولها، حيث ان مقدار الارتفاع أو العلو، يؤثر في شدة الانحدار، و طبو غرافية أو طبيعة الأرض تؤثر في (مقدار الامتصاص) و المناخ يؤثر في (نسبة التبخر).

و من نعم الله تعالى على خلقه أن جعل هذه الأودية تسير في مسارات طبيعية متعرجة (غير مستقيمة) لتقليل و كبح قوة تدفق المياه التي تحملها.

و قد كانت هذه الأودية في السابق على طبيعتها تأخذ العروض التي تحتاجها و المسارات التي تختارها و تستوعب كميات السيول الخفيفة و العارمة مهما كان حجمها، و كان ذلك بمثابة التأكيد على إلزامية توفير التصريف الصحيح و الكافي لهذه السيول.

إلا أن تطور المدن و التوسع في الكتلة العمرانية و زيادة عدد السكان و تعدد حاجاتهم و مطالبهم أدى إلى رفع قيمة الأرض و بالتالي اتجاه الأنظار إلى الزحف لحرم الأودية و الشعاب لتحقيق هذه المتطلبات، في حين أن الرقابة على هذا المرفق الحيوي المهم فقدت و أصبحت في غياب شبه كامل و تفاقم الوضع و أصبح يشكل خطورة بالغة مع تجاهل أهمية و حيوية هذا المرفق.

516

التقرير العام لأودية المدينة المنورة:

إن اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين أيده الله، بإجراء الدراسات اللازمة و المتكاملة لجميع الأودية و مساراتها على مستوى المملكة لما قد تسببه هذه الأودية من خطورة على السكان و الممتلكات الخاصة و العامة، و بناءا على الاهتمام و المتابعة المستمرة من صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة، أمر سموه الكريم بتشكيل لجنة من الأمارة و الأمانة و الزراعة و أربعة من أرباب الخبرة، و ذلك لغرض دراسة مشاكل السيول بالمدينة المنورة و مدى خطورتها مع إيضاحها بمخططات تحدد مساراتها مع توضيح وضعها الراهن و ما هو المفروض أن تكون عليه.

و بناءا على ذلك فقد قامت اللجنة بجولات عديدة على كافة الأودية بالمدينة لدراسة مشاكلها و ما يمكن أن يتبع بشأن تصحيح أوضاعها لتفادي ما قد ينجم من كوارث عنها.

و من خلال هذه الجولات تبين أن للأودية مشكلات تنقسم إلى قسمين:

(12) (الأودية) مسار وادي بطحان الذي يعرف عند بعض الناس بسيل أبي جيدة و المنحدر من الجنوب إلى الشمال، حيث يلتقي بوادي العقيق في شمال غرب المدينة.

517

(13) (الأودية) مسار وادي بطحان عند مخرجه من سد وادي بطحان في جنوب المدينة المنورة.

- قسم من المشاكل يشملها جميعها و هي أنها تعرضت لكثير من ضروب العبث و التعديات.

و هذا ينحصر في الآتي:

1- اعتداء بعض المواطنين على الأودية و محارمها لاستغلالها كمزارع أو حتى لإقامة مباني مما جعلها على صورة من الضيق بحيث لا تتسع لعبور مياه السيول التي تجري فيها عادة.

و الأنكى من ذلك أن البعض من هؤلاء تمكن من استخراج صكوك استحكام على هذه الاعتداءات، كما بلغ استهتار البعض بالأودية إلى تشييد المباني أمام أو خلف الكباري المقامة على الأودية مباشرة.

2- إلقاء مخلفات العماير في بطون الأودية من قبل أصحاب القلابات و بعض المؤسسات بالإضافة إلى النفايات التي أدت إلى تغير التكوين الجيولوجي للطبقات السطحية من الأرض.

3- نقل الرمال من بطون الأودية من قبل أصحاب المؤسسات المعمارية و أصحاب القلابات أيضا للاستفادة منها في أعمال الردميات و المباني.

4- إقامة طرق أسفلتية على أطراف الأودية كخدمة مرورية في بعض المناطق، كما أقيمت طرق من الخرسانة البيضاء عبر بعض الأودية مرتفعة بعض الشي‏ء عن مستواها و ذلك من قبل إدارة الطرق بالمدينة.

5- إقامة العوائق على الأودية كالصخور الضخمة أو المسلحات و بناء الأسوار أو العقوم الترابية من قبل أصحاب المزارع الواقعة في الأودية أو على ضفافها لدرء خطر السيل عن مزارعهم مما أدى إلى طمس معالم هذه الأودية و ما يتفرع منها من شعاب و شرائع أخرى.

518

- أما القسم الثاني من المشاكل فهو ما يخص بعض الأودية مثل وادي بطحان و وادي رانوناء، فهذان الواديان بالإضافة إلى أنهما يماثلان جميع الأودية في مشاكلهما غير أن لهما مشاكل خاصة بهما.

و من هذه المشاكل أن مسارهما يمر ببعض المزارع، و بحكم الترخيص الشرعي باستغلال الأودية للزراعة بما لا يعيق السيل من المزروعات عند ما يكون قريبا من أحد المزارع، فقد استغل بعض المزارعين هذه القاعدة و عند ما حصل التوسع العمراني في السنوات الأخيرة شمل البعض من تلك المزارع فخططت لتتحول إلى مباني سكنية و عبدت بها شوارع أسفلتية و عندئذ أغفل تجنب البناء على الوادي و تركه للسيل كما هو واقع الآن على وادي رانوناء حتى أن مساره سد تماما في بعض المناطق.

و قد يكون هذا الإغفال ناتج عن جهل بعض العاملين في الأمانة من ذوي العلاقة قديما بهذه الأمور فظنوا أن الوادي من ضمن الملك المراد تخطيطه.

أما وادي بطحان فبالإضافة للمشاكل الوارد ذكرها فقد تعرض مساره إلى أضرار جسيمة بسبب بعض الأعمال التنظيمية التي تمت من قبل الأمانة دون الأخذ في الاعتبار لما يحدث من أضرار للوادي من جراء تلك التنظيمات.

و مما حدث أن أنشأت قناة صندوقية (مغلقة) لتصريف مياه الأمطار من شوارع المدينة بقطاع 145* 220 سم من نقطة عليه تبدأ، من المزرعة المسماة بالسالمية و تنتهي بقطاعين 210* 410 سم عند خيف البركة حيث ملتقاه بوادي قناة (سيدنا حمزة).

و بعد أن ينضم إليه وادي رانوناء في نقطة عند منطقة البلاجية، ثم ألقيت الردميات على هذه القناة و تمت سفلتة الوادي على اعتبار أنه أحد الشوارع مما رفع منسوبه عن مجراه الأصلي قبل هذه العمليات بما يزيد عن مترين فتسبب عن ذلك إعاقة جريان السيل في الوادي الأمر الذي تشكلت عنه خطورة بالغة كون هذا الوادي يخترق قلب المدينة عبر شارع قباء، ثم السيح فطريق سلطانة حتى خيف البركة، و مما يزيد من خطورته أن حوله أحياء سكنية و أسواق تجارية تعتبر من أهم المناطق بالمدينة.

نتائج الاعتداءات على مجاري الأودية:

نتج عن ظاهرة الاعتداء على مجاري الأودية و أحرمها بأساليبها المختلفة ما يلي:

1- تعرض الأحياء السكنية و خاصة القريبة من الأودية لفيضانات كبيرة و أضرار بشرية و مادية مباشرة.

519

2- تهديد مناطق سكنية لم تكن أصلا مهددة بأخطار السيول و ذلك بسبب انحراف مسارات الأودية عن مجاريها الطبيعية من جراء إقامة المنشآت على أحرمها.

3- تهديد سلامة المنشآت المقامة على الأودية مثل الجسور بسبب خفض مناسيب الأودية.

4- أدى البناء في مجاري السيول الصغيرة (الشعاب و الشرائع) إلى إعاقة مجاري المياه الجوفية من التصريف في قنواتها الطبيعية و بالتالي ارتفاع منسوب المياه الجوفية في المناطق المحيطة، مما يؤدي إلى تهديد مباشر لسلامة المنشآت و التأثير على أساساتها و إضعاف جهد التربة.

5- تلوث المياه الجوفية بسبب رمي المخلفات بمجاري الأودية أو ردم المستنقعات المحدثة بها بمواد غير مرغوبة.

هذا و تختلف الأضرار بالنسبة لكل واد تبعا لما يحيط به من مشاكل، و فيما يلي نوضح ظروف كل واد على حدة و الحلول التي رأتها اللجنة المشكلة لهذا الغرض:

1- وادي بطحان: هذا الوادي من أخطر الأودية ضررا على المدينة لكون العوائق القائمة عليه سينجم عنها انحراف السيل عن مساره الأصلي ففي هذه الحالة، سيتجه السيل إلى مناطق أكثر انخفاضا من مجراه و لا نرى له طريقا أيسر من الجهة الشمالية الشرقية من المدينة حيث يقع المسجد النبوي و البقيع و الأحياء السكنية المجاورة لهما لأنها أخفض نقطة، و عندئذ تعظم الكارثة لا قدر الله.

2- وادي رانوناء: لهذا الوادي نفس الأضرار لكونه مشابه لوادي بطحان من حيث مصادره التي تأتي من الجنوب إلى الشمال مخترقة قلب المدينة أيضا و أنه ينضم إلى وادي بطحان عند منطقة البلاجية في مسار واحد.

إذا فلهذا الوادي نفس المصير و ينتج عنه نفس الأضرار الناتجة عن سابقه إضافة إلى أنه سيكون لهذا الوادي تأثير سي‏ء على النفق المزمع انشاؤه بميدان مسجد قباء.

الحلول المناسبة:

ترى اللجنة بالنسبة لهذين الواديين أن تزال جميع العوائق التي أحدثت في كليهما و يعاد بناء الكباري التي كانت معبرا للشوارع التي تعترضهما لتصحيح مسارهما.

و من جهة أخرى يحول مجرى وادي رانوناء من بعد نقطة عبوره طريق الهجرة أمام مسجد قباء ليلتقي بوادي بطحان بعد تقاطع طريق قربان مع طريق‏

520

العوالي- قباء مارا خلف عمارة عبد الحميد عباس موازيا النفق المذكور عبر مركز التنمية الاجتماعية القديم من الجهة الجنوبية بدلا من مساره فيه من الجهة الشمالية لكون مساره مسدود كما أسلفنا.

و هناك حل آخر يستلزم إجراء دراسات و رفع مساحي لمعرفة إمكانية تحويل هذين الواديين من أعلى نقطة قبل دخولهما المدينة إلى وادي العقيق أو وادي قناة ليتحدا مع أحدهما أيهما أقرب أو أيهما أيسر كلفة. و إذا لم يكن ذلك فلا بد من تصحيح مساريهما مهما كلف الأمر.

كما تقترح اللجنة إقامة سد على وادي بطحان في منطقة الشولة يعمل مع السد الحالي الواقع في منطقة أم أعشر و ذلك لما لهذه السدود من فوائد في رفع منسوب المياه الجوفية، و كذلك إقامة سد على وادي رانوناء- مكان السد القديم.

3- يأتي بعد ذلك من حيث الخطورة وادي قناة (وادي سيدنا حمزة)- مصدره الجنوب الشرقي للمدينة و في طريقه إليها تنضم إليه عدة أودية من أهمها وادي النعامين (وادي و عيرة) و وادي الحناكية و وادي الصويدرة و روافد أخرى يضيق حصرها. و يمر هذا الوادي بعد خروجه من منطقة السد المقام عليه و المعروف بسد العاقول بين كثير من المزارع الواقعة شمال المدينة، كما يمر بالقرب من مقابر شهداء أحد و قبر سيدنا حمزة من الناحية الجنوبية.

و مع ضخامة هذا الوادي فإن العوائق و الاعتداءات القائمة عليه جعلت عرضه لا يتجاوز الخمسة و العشرين متر تقريبا في بعض نقاط منه، و هذا ما يتسبب في تحويل السيل أو جزء منه فيتجه إلى منطقة كانت آمنة منه.

و بحكم طبيعة تضاريس المدينة في كونها مرتفعة من الجنوب انحدارا إلى الشمال يخشى أن يستهدف السيل ضمن ما يستهدف قبر سيدنا حمزة و مقابر شهداء أحد، و بذلك تحدث أضرار لم تكن في الحسبان.

الحلول لهذا الوادي:

ترى اللجنة أن تزال جميع العقبات التي تعترض مساره أيا كانت و مهما كانت، بما في ذلك المزارع أو المباني المستخرج عليها صكوك استحكام عند ما تقضي الضرورة لذلك.

4- أما وادي العقيق‏ فتكمن خطورته بالإضافة إلى الاعتداءات القائمة عليه، و ما سببته من ضيق فيه بحيث لا يستوعب مياه السيل التي تجري فيه عادة، و لذلك له نفس الأضرار في كونه يخشى منه الانحراف من مساره، إضافة إلى أن هذا الوادي تعرض أكثر من غيره إلى جرف الرمال منه من قبل بعض‏

521

المؤسسات و أصحاب القلابات مما أحدث فيه و على طوله حفرا عميقة قد يصل عمق بعضها إلى أكثر من خمسة عشر مترا، و لهذه الحفر أيضا خطورتها فكثيرا ما يحدث أن يسيل الوادي و بعد توقفه تظل هذه الحفر ممتلئة بماء السيل و يأتي بعض المواطنين للسباحة فيها و يحصل لبعضهم الغرق.

و لكون أن ردم هذه الحفر لكثرتها و بهذه الأعماق سيكون مكلفا للغاية، و لما لهذه الحفر أيضا و تجميع المياه فيها من خاصية لا تخلو من الفائدة فهي بمثابة سدود طبيعية تعمل على حقن هذه المياه في طبقات الأرض السفلى فتزيد بذلك من المخزون من المياه الجوفية في طبقات الأرض التي نحن بأمس الحاجة إليها.

و لما ذكر ترى اللجنة أن تكون الحلول على الوجه التالي:

الحلول لهذا الوادي:

بالإضافة إلى تطهيره من التعديات و العوائق بما فيها المزلقانات الموجودة عند تقاطع الطرق الأسفلتية في الأودية و الاستعاضة عنها بعمل كباري لإعطاء العرض المناسب للوادي، و أن يقوم على حافتيه شبك من السلك المثبت على دعائم من المواسير أو ما يقوم مقامه، و هذا الشبك قد تنعدم الحاجة إليه بعد فترة من الزمن عند ما يتكرر جريان الوادي فيعمل هذا الجريان على جرف المناطق العالية من الوادي في المناطق المنخفضة، و قد يكون هذا أخف كلفة مما لو ردمت هذه الحفر بالإضافة إلى استغلال ميزاتها كمصائد مائية لتزويد المياه الجوفية و لو لهذه الفترة القصيرة.

5- وادي النقمي: هذا الوادي من أبعد الأودية عن العمران إذا ما خلي من المباني الخاصة بمساكن العمال الذين يعملون في المزارع و الحظائر الخاصة بالحيوانات التي يمر بينها هذا الوادي. غير أن الوادي تعرض للتعدي عليه بإحداث بعض المزارع مما نتج عنه مشاكل لا يمكن تجاهلها فبسبب هذا التعدي ضاق الوادي عن استيعاب السيل.

و قد حدث منذ فترة قصيرة مضت أن سال هذا الوادي و بسبب العوائق التي عليه من مزارع و ما على حدودها من ردميات و عقوم انحرف من مجراه حتى أن جزءا منه اتجه شمالا تاركا الكبري المعد، و كادت الكارثة أن تتعدى إلى حياة بعض البشر القاطنين في منطقتي الزبير و الخليل لو لا لطف الله سبحانه و تعالى ثم اهتمام صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة بالأمر و جهد العاملين في قطاعات الدفاع المدني بالمدينة.

522

الحل لهذا الوادي:

كأمثاله من الأودية تطهيره من المخلفات و إزالة ما عليه من تعديات و تصحيح مساره حتى يصبح على حالة تستوعب مياه السيل دون أن يحدث منه ضرر.

6- ثم يأتي بعد ذلك أهمية الوادي الأم الذي تتجمع فيه كافة أودية المدينة و شعابها ألا و هو وادي الحمض: و يبدأ مساره من الكبري المنشأ لعبوره في طريق التحويلة في منطقة بين خيف الشنبلية و أم البيض و البالغ طوله خمسمائة متر.

و هو أيضا عليه تعديات و عوائق لا حصر لها حتى أن أصبح عرضه في بعض نقاط منه لا يتجاوز الخمسين مترا في حين أن اللجنة ترى و جوبا بأن لا يقل عرضه عن المائة و الخمسين مترا.

7- يبقى بعد هذه الأودية الرئيسية و المهمة في المدينة بعض الشعاب الصغيرة التي لا تشكل خطورة كبيرة مثل‏ شعيب مهزوز أو شعيب المبعوث‏ و أمثالهما غير أن مثل هذه الشعاب يجب أن يؤخذ في الاعتبار وضع معابر لها عند تعبيد أي طريق اسفلتي أو إقامة أي إنشاءات أخرى و أن لا تقفل، كما حصل لشعيب مهزور (الفحل) عند ما عبد طريق الحزام دون أن يعمل له معبر ليأخذ طريقه المعتاد مما تسبب عنه تجمع المياه بالقرب من مشروع السكان و حصل منه بعض الضرر على الأسفلت و المزارع القريبة منه.

التطبيقات المستقبلية لأساليب معالجة ظاهرة الاعتداءات على مجاري الأودية:

إن موضوع المحافظة على مجاري الأودية و أحرمها و منع الاعتداء أو الزحف عليها أو البناء فيها يعتبر من المواضيع التي تتطلب اهتماما و دراسة متأنية، و أن ينظر إليها مرتبطا مع عناصر اجتماعية و اقتصادية أخرى مهمة كالمحافظة على الأرواح و الممتلكات و منع الخطر عن المواطنين و إشراكهم و زيادة تفاعلهم إيجابيا مع موضوع المحافظة على الأودية و الشعاب و الشرائع و عدم الاعتداء عليها.

و من أجل ذلك فلا بد من طرح تصورات متكاملة لمعالجة هذه الظاهرة تستند على أسس و مبادى‏ء ثابتة و محددة، و من استقراء الوضع الحالي للإشراف على الأودية و مجاريها فقد تبين تعدد الجهات الحكومية المسؤولة عن ذلك و منها الإمارات و البلديات و مديريات الزراعية و المياه و وزارة البترول و الثروة المعدنية و وزارة الموصلات، و لقد تسبب ذلك في وجود إرباك و ازدواجية في تطبيق نظام حماية الأودية و مجاري السيول أدى إلى استغلال البعض لهذا الوضع عن طريق‏

523

التوسع في الاعتداء على مجاري الأودية و الشرائع و الشعاب خاصة ما يمر منها ضمن النطاق العمراني للمدن.

التوصيات:

لقد لا حظت اللجنة أن من الأسباب التي ألحقت الضرر بالأودية بعض الإجراءات الرسمية التي تتم من قبل موظفين يجهلون الأودية و ما لها من محارم عند الوقوف على موقع لقرار استخراج صك استحكام عليه أو عند إصدار ترخيص بالبناء مثلا- كما أن هناك أمورا يجب أن تؤخذ في الاعتبار احتياطا لتجنب الأضرار أو العبث بالأودية لذلك فإنها ترى اللجنة بأن لا بد من التوصيات التالية:

1- أن تراعى العروض المناسبة لكل واد مع اعتبار حرم له بعرض يتناسب مع المناطق التي يمر بها و ذلك تحسبا لما لو سال الوادي بصورة غير عادية يجد مجالا للتوسع في الحرم و في نفس الوقت تؤدي المحارم خدمات مرورية في حالة جريان الأودية بصورة عادية.

2- ترى اللجنة أن تكون عروض الأودية حسب أحجام السيول التي تمر فيها من واقع ما هو معروف عنها على مدى سنين طويلة على الوجه التالي:

أ- عرض وادي النقمي مائة متر مع احتساب حرم له خمسة عشر مترا على كل من حافتيه.

ب- عرض وادي العقيق تسعون مترا مع احتساب حرم له خمسة عشر مترا على كل من حافتيه.

ج- عرض وادي الحمض مائة و خمسون مترا مع احتساب حرم له خمسة عشر مترا على كل من حافتيه.

د- عرض وادي سيدنا حمزة سبعون مترا مع احتساب حرم له خمسة عشر مترا على كل من حافتيه.

و ترى اللجنة بالنسبة لوادي بطحان و الرانوناء أن لا يحتسب لهما حرم و كونهما يمران منذ القدم في وسط المزارع التي هيأها أصحابها ليغمرها السيل للاستفادة منه دون أن يعاق مرورهما فيما عدا ما علا من الواديين عن المزارع فيكون عرض كل منهما عشرون مترا مع احتساب عشرة أمتار حرم لهما على حافتيهما و أن لا يطبق هذا أيضا على باقي مسارهما للقسم الذي يمر بين الأحياء السكنية داخل المدينة إلا إذا وجد مجالا لذلك في بعض المناطق لأن مسارهما لم يطرأ على عرضه تغيير بل ربما حصل فيه توسع في بعض الأحياء.

3- ترى اللجنة إزالة كافة الحواجز كالصخور الضخمة أو المسلحات أو

524

الأسوار المقامة على المزارع الواقعة على أطراف الوادي و استبدالها بأسلاك شائكة إذا كان لا بد من ذلك لحمايتها و ذلك احتياطا لتمدد السيل عند ما يكون قويا و يحدث لا سمح الله خلل في أحد السدود.

4- توضع رقابة مستمرة على الأودية تتضافر فيها جهود الأمانة و الزراعة و الدفاع المدني و دوريات الشرطة و النجدة لمنع أي اعتداء أو عبث بها و وضع عقوبات رادعة في حالة تعدي أي شخص عليها.

5- تبلغ الجهات المعنية بإصدار صكوك التملك أو رخص الإنشاء أو تصديق المخططات السكنية بتوخي الدقة في معرفة الأودية و عدم التعرض لها و محارمها بأي إجراء، و كذلك إبلاغ الزراعة بعدم تقديم أي مساعدات أو خدمات أو قروض للمزارع التي تنشأ على الأودية أو تتعرض لمحارمها.

6- تثبيت حدود الأودية بمناسيب أو وضع ربراب على الجانبين إن أمكن لتكون معروفة و واضحة للجميع و ذلك بعد انتهاء الرفع المساحي لها و تنزيل عروضها على الكروكيات الجاري إعدادها و التي سيوضح أيضا التعديات الحاصلة عليها.

7- توصي اللجنة بالتنبيه على الشركة الاستشارية التي تقوم بدراسة تصريف سيول المدينة بأن تشرك معها بعض الخبراء المحليين بالسيول و مشاكلها قبل أن تستكمل دراستها و توضع التصميمات عن ذلك إذ أن اللجنة قد اطلعت على مسودة تقريرها عن الموضوع فلا حظت بأن هناك اعتبارات عديدة يجب أن تراعى عند وضع التصميمات لم تلاحظها الشركة.

هذا و ترى اللجنة بكامل أعضائها أن تكون قد توصلت من خلال هذا الجهد إلى ما يحقق المصلحة العامة و صيانة مجاري الأودية و السيول و درء خطورتها عن السكان و الممتلكات و ذلك بالحفاظ على مساراتها و صيانتها و حمايتها من أي اعتداءات أو إلقاء المخلفات التي تعيق تدفق المياه فيها و وضع العروض التصميمية المناسبة لها و تحديد أحرامها التي تضمن عدم تجاوزها أو الاعتداء عليها.

و من هنا جاء اهتمام أمانة المدينة المنورة بموضوع الأودية فأخذت على عاتقها ضرورة إعطاء هذا الموضوع جل اهتمامها، و كرست في سبيل ذلك جميع الجهود و الإمكانات للمحافظة عليها و تصحيح مساراتها، و المحافظة عليها من ظاهرة الاعتداءات التي تنوعت طرقها و أساليبها سواءا بالزحف عليها أو إقامة المنشآت في بطونها أو إلغاء بعض شعابها و شرائعها عند تخطيط الأراضي، و عدم أخذ تلك الشرائع و الشعاب في الاعتبار. و تنفيذا لذلك و تحقيقا لخطة الأمانة باستحداث إدارة مختصة تتكفل بهذه المهمات ضمن هيكلها التنظيمي،

525

و أطلقت عليه الإدارة العامة للأودية و تصريف السيول، و حددت أهدافها و مهامها الكبيرة.

و ما أن تم استحداث هذه الإدارة حتى قامت على الفور بممارسة دورها في دراسة و متابعة تنفيذ هذا الموضوع الهام. كما قامت أمانة المدينة المنورة بطرح موضوع الأودية و حمايتها للنقاش و البحث على المستوى العام و الخاص و ذلك للوصول إلى أفضل الحلول و النتائج التي تضمن معالجة هذا الموضوع على أفضل وجه.

و نظرا لموقع المدينة المنورة الطبيعي ضمن أحد السهول الداخلية لسلسلة جبال السروات، و تحيطها الحرار من جميع الجهات عدا الشمال، و نظرا لأن الحرة تمتد من جنوب المدينة المنورة و تمتد لمسافات طويلة، فقد كونت حاجزا طبيعيا تتجمع من خلاله السيول المنحدرة من جبال السروات شرقا حتى تصطدم في الحرة و تكون وادي العقيق المشهور، و من الناحية الشرقية للحرة أيضا تجتمع السيول المنحدرة من ظهر الحرة و الأودية الأخرى القادمة من قرب منطقة الطائف و مهد الذهب لتكون وادي قناة في الضفة الشرقية من الحرة.

كما ينحدر من الجهة الجنوبية الشرقية وادي بطحان مارا بوسط المدينة المنورة في اتجاه الشمال الغربي ليتلاقى مع وادي العقيق شرق منطقة سيد الشهداء، و تجتمع هذه الأودية الثلاثة (قناة- العقيق- و بطحان) في المدينة المنورة مكونة وادي الحمض المشهور الذي يتلاقى معه وادي النقمي قادما من جبال شمال شرق المدينة ليجتمعا في منطقة الخليل حيث يتجه وادي الحمض نحو جنوب مدينة الوجه ليصب مؤخرا في البحر الأحمر. و يعتبر وادي الحمض من أكبر أودية الجزيرة العربية بعد وادي الرمة.

و نتيجة للوضع الطبو غرافي للمدينة المنورة و طبيعة أرضها حيث أنها تشكل منخفضا كبيرا يمر عبره كثير من الوديان و الشعاب و يهدده بعض السيول العارمة. لذا فقد كانت أولى مهام الإدارة العامة للأودية و تصريف السيول هو القيام بدراسة هيدرولوجية شاملة و مسح طبو غرافي مفصل لمنطقة المدينة المنورة لحمايتها من مخاطر السيول، و وضع الحلول المناسبة و الكفيلة بالمحافظة على سلامة المواطنين و المسجد النبوي الشريف و المنشآت المدينة بها.

526

ملخص لأهم إنجازات الأمانة في دراسة و تصحيح مجاري الأودية في المدينة المنورة و ما حولها:

لقد قامت أمانة المدينة المنورة في هذه الفترة الوجيزة بأعمال كثيرة و هامة في مجال دراسة و تصحيح مجاري الأودية و السيول، و نذكر هنا بعضا من هذه الأعمال على سبيل المثال لا الحصر:

- وضع الضوابط و القواعد التي يسار عليها في معالجة ظاهرة التعديات و الزحف على أحرام الأودية و مجاري السيول.

- حصر العقارات المتداخلة مع أحرام الأودية الرئيسية في الطبيعة و ترقيمها بالتسلسل وفقا لرمز المنطقة أو القطاع الذي يمر به الوادي.

- تنزيل العقارات المتعارضة مع أحرام الأودية على المخططات الجوية للمدينة المنورة مع تحديد مقدار التداخلات مع هذه الأودية، و تزويد البلديات الفرعية بهذه المخططات، إضافة إلى تسليمهم العقارات في الطبيعة.

- إعداد الدراسة الهيدرولوجية لأكثر من ثلاثين مخطط معتمد.

- متابعة تصاريح نقل الرمال في الطبيعة، و التأكد من تحقيق المواصفات و الشروط الفنية الخاصة بنقل الرمال من الأودية.

- تحديد المحور التصميمي لبعض الأودية على المصورات الجوية لأكثر من ثلاثين مخطط معتمد.

- تحديد المحور التصميمي لبعض الأودية على المصورات الجوية لأكثر من عشرين موقع للتنظيم و الاستحكامات.

- تحديد المحور لبعض الأودية على مخططات الرفع المساحي المربوطة بالإحداثيات لطلبات رخص الإنشاء لعدد (70) موقع.

- إعداد الدراسة الهيدرولوجية لطريق السلام بمنطقة العزيزية، و تحديد الجسور و العبارات المطلوب إنشاؤها.

- تصميم بعض الأودية و المسايل الموجودة في بعض القرى و المدن التابعة لأمانة المدينة لأغراض التخطيط أو التنظيم، و ذلك لعدد أكثر من (50) وادي تقريبا.

- الإشراف على تنفيذ قنوات تصريف السيول التصميمية بالمناطق العشوائية، و التي تنفذ من قبل المؤسسات و الشركات الخاصة بأطوال تعادل عشرة كيلومترات (منطقة أبو كبير، حي أبو بريقة).

- الدراسة الهيدرولوجية لبعض الشوارع المقترحة عبر مسارات الأودية الرئيسية.

- إعادة الدراسة الهيدرولوجية لأجزاء من الأودية الرئيسية نتيجة لقيام مخططات تنظيمية معدلة لبعض المناطق العشوائية التي تطل على هذه الأودية.

- معالجة مشكلة تصريف مياه الأمطار لطريق الجامعات بالجرف، و تثبيت‏

527

الحلول المقترحة من قبل الإدارة على الطبيعة بطول خمسة كيلومترات، مع تنزيل الدراسة الهيدرولوجية على المصورات الجوية للمنطقة.

- إعداد الشروط و المواصفات الفنية بالمخططات الخاصة بمشروع صيانة و تهذيب الأودية الرئيسية بالمدينة المنورة.

- إعداد الشروط و المواصفات الفنية و المخططات الخاصة بمشروع تثبيت أحرام الأودية بمعالم ثابتة في الطبيعة، و تنزيل محاور الأودية على أقراص الحاسب الآلي مع ربطها بالإحداثيات الجوية و الثوابت الأرضية بالمدينة المنورة.

- إعداد الدراسة الهيدرولوجية لامتداد طريق السلام في الجزء الواقع قرب طريق الجامعات بمنطقة العزيزية.

- الإشراف على تنفيذ قنوات تصريف السيول التصميمية بالمخططات المعتمدة، حيث تم تنفيذ ما يقارب خمسة عشر كيلومترات طولية.

- تثبيت قناة تصريف السيول لمنطقة شرق جبل أحد على الطبيعة مع تحديد المناسيب بطول اثنين كيلومتر تقريبا.

- دراسة تصريف مياه الأمطار السطحية ببعض الأحياء السكنية العشوائية و الشوارع الخاصة بها (حي الدويمة، نزلة الجبور ... إلخ).

- تأمين مصادر أخذ الرمال من الأودية داخل النطاق العمراني للبلديات الفرعية و مشروعات الأمانة، و الإشراف على عملية نقل الرمال بما يحقق المواصفات و الضوابط الفنية الخاصة بذلك.

- تحقيق و تنفيذ الدراسات الهيدرولوجية لبعض المواقع من قبل بعض المؤسسات و الشركات الخاصة و الإشراف و المتابعة على التنفيذ للتقليل من أخطار السيول (منطقة البيداء، العزيزية).

- إعداد مخطط شامل لأودية المدينة المنورة و عروضها التصميمية (الرئيسية و الفرعية) مع تبيان حالة هذه الأودية (المنفذ منها و غير المنفذ و المعوقات التي تعترض غير المنفذ منها).

- الدراسة الهيدرولوجية لتقاطع وادي بطحان مع طريق الهجرة وفقا للمسار المعدل لشارع الأمير عبد المحسن بقربان.

- إنزال الأودية و الشرائع الفرعية المنحدرة من جنوب شرق المدينة المنورة على المخططات الجوية بمقياس رسم (1/ 10000) مع تبيان أحرامها و أوضاعها الراهنة.

- العمل على ردم المستنقعات و تهذيب الأودية الرئيسية بما يعادل أكثر من (100000 متر مربع) عن طريق الشركات و المؤسسات الخاصة (التقاء وادي قناة مع وادي العقيق، و مجرى وادي قناة بالبركة).

- حصر الخدمات التي تعترض مسارات الأودية بالمدينة المنورة (كهرباء،

528

هاتف و ماء) و رفع تقرير عنها للإدارات الحكومية ذات العلاقة، لتصحيح وضع هذه الخدمات و بما يحقق حماية المرافق و حماية المواطن.

- إصدار أكثر من ثلاثين تصريح تمديدات للمرافق التي تعبر الأودية.

و التأكد من تنفيذها طبقا للمواصفات و الشروط الخاصة بالأودية.

- استكمال أعمال لجنة حصر العقارات المعترضة للأودية الفرعية بالمدينة.

- مراقبة الأودية من التعديات و الإحداث عليها، مع مراقبة منع رمي المخلفات بأحرام الأودية.

- الانتهاء من تنزيل مسار تحويل وادي بطحان و وادي الرانوناء و اليتمة إلى وادي العقيق على المخططات الجوية و ربطه بإحداثيات الدولة.

- عمل المقاطع العرضية و الطولية لمشروع تحويل وادي بطحان و الرانوناء و الجصة إلى وادي العقيق.

- تنزيل مسار تحويل وادي بطحان و وادي الرانوناء و الجصة إلى وادي العقيق على الطبيعة و تحديد الحرم بالبويه و النورة و تسليمه للجهة القائمة بالتنفيذ.

- الانتهاء من المرحلة الأولى لأعمال لجنة حصر العقارات المعترضة لمسارات الأودية الرئيسية بالمدينة المنورة ... حيث تم إنجاز أعمال الحصر الخاصة بوادي قناة و وادي العقيق و جزء من وادي بطحان و جزء من وادي الحمض و بلغ مجموع العقارات التي تم وقوف اللجنة عليها و حتى تاريخه (436) عقار.

- الاستمرار في تحديد محاور الأودية على المصورات الجوية بمقياس رسم 1/ 1000 للأودية الفرعية و بعض الأودية الرئيسية لمنطقة المدينة المنورة إضافة إلى بعض القرى و المدن التابعة لأمانة المدينة.

- تصميم ما يقارب عشرين واد و شعيب إضافي بمنطقة المدينة المنورة.

- تثبيت حرم وادي الحمض في الطبيعة حيث العمل جاري في نقل الرمال و التهذيب للوادي في الطبيعة.

- الاستمرار في تنزيل مواقع أخذ الرمال من الأودية على المصورات الجوية و تحديد الضوابط الفنية و المواصفات و الشروط اللازمة لذلك.

هذا و قد قامت الأمانة بإنهاء كافة الدراسات التفصيلية للأودية الأساسية في المدينة فحددت مصادرها و أكملت الدراسات اللازمة لتصميمها و تصحيح مساراتها، و قد بدأت الأمانة بالفعل في تطبيق هذه الدراسات و تحقيق العروض التصميمية الصحيحة للأودية، كما قامت بتنظيف هذه الأودية و إزالة مخلفاتها.

و بعد هذ الاستعراض العام لأودية المدينة، سنلقي مزيدا من الضوء و التركيز على أهم و أشهر تلك الأودية و التي يمكن تحديدها بما يلي:

529

- الأودية الرئيسية و تشمل:

1- وادي العقيق (الوادي المبارك).

2- وادي بطحان (سيل أبو جيدة.).

3- وادي قناة (سيل سيدنا حمزة).

- الأودية الفرعية و تشمل:

1- وادي الرانوناء.

2- وادي مذينب.

3- وادي مهزور.

(14) (الأودية) مخطط يوضح بعض مسارات الشعاب و الشرائع حول المدينة المنورة.

530

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

531

1 وادي العقيق (الوادي المبارك)

نماذج لبعض الكتابات القديمة المدونة على بعض صخور ضفاف وادي العقيق.

532

وادي العقيق (الوادي المبارك):

تمهيد:

هو أحد أهم الأودية في المدينة المنورة بل و أجملها و أعظمها مكانة عند أهل المدينة فهو واد مبارك، جعله الله تبارك و تعالى من البقاع الطيبة و المباركة و أمر نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم) بالصلاة فيه.

و قد ذكر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) هذا الوادي في أحاديث كثيرة، بينت فضله و جمال طبيعته، فحرمه (صلى اللّه عليه و سلّم) و جعله محرما، و قد كان يخرج إليه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ليستمتع بهوائه و جوه اللطيف.

و قد تميز وادي العقيق منذ القدم بأنه من الأودية ذات الهواء الصافي و المنعش، و يمكن أن تشعر بذلك بمجرد أن تهبط إليه و خاصة في تلك الفترة التي كانت تتزاحم حوله المزارع و البساتين الغناء التي طالما تغنى بها الشعراء و كثر المتغنون بطبيعتها الجميلة الخلابة، و يا حبذا لو تقوم أمانة المدينة المنورة اليوم بتشجيع إقامة المزارع و الاستراحات و البساتين على ضفتي هذا الوادي و استغلاله أفضل استغلال بما يتلاءم و طبيعته التي تميز بها و عرف بها منذ القدم و تحدث فيه بحيرة صناعية بتعميق المجرى في جانب منه و إنشاء مرافق ترفيه على ضفتي البحيرة، و التي تملأ بمياه السيل وقت الفيضان و التي يتوقع لها أن تكون دائمة المياه فتصبح مصدرا مائيا مهما و مركزا ترفيهيا جذابا. و ربما كانت الخطوة التي قامت بها أمانة المدينة المنورة و المتمثلة في عمل شوارع الكورنيش التي تسير بمحاذاة وادي العقيق تعتبر بداية لهذا المشروع، و هي خطوة مهمة جدا و بناءة في حماية هذا الوادي و الحفاظ على مساره و بالتالي تعتبر تلك الشوارع مهمة جدا في سهولة الحركة و تخديم القسائم المطلة على الوادي و التي يمكن استخدامها كاستراحات أو مناطق خضراء عامة يرتادها أهل المدينة للنزهة و الاستجمام و خاصة في أوقات الربيع و امتلاء الوادي بالمياه، و لو تصفحنا تاريخ هذا الوادي المبارك و بالتحديد في العصور الإسلامية الأولى و بالتخصيص في العصر الأموي لا تضح لنا ما كان عليه العقيق في هذه الفترة و ما أقيم عليه من القصور الفاخرة و الجنات الناضرة و الثمار اليانعة و التي نجدها اليوم بين قصائد و أبيات أشعار العقيق الموجودة بين طيات الكتب.

533

(1) (وادي العقيق) السد الأول على وادي العقيق هو السد المعروف اليوم بسد عروة فيما تظهر بعض المباني الحديثة على حافة الوادي الشمالية.

و قد ظلت المزارع و البساتين قائمة إلى وقت قريب و التي تميزت بكثرة الآبار و وفرة الانتاج و هذا دليل على خصوبة أرض العقيق و وفرة مياهه، و أهميته كمصدر مائي للمدينة المنورة. و قد وصلت أهمية أرض العقيق و التي عرفت في الماضي بعرصات العقيق إلى مستوى جعل بنو أمية في العصر الأموي يمنعون البناء عليها أو الإحداث فيها إلا بأمر الخليفة.

و تذكر بعض الروايات في قصص التملك على هذا الوادي، تلك المبالغ الكبيرة التي كانت تدفع مقابل امتلاك أرض في هذه العرصات أو شراء مزرعة عليها، و قد تلاشت هذه المزارع و تلك الحضارة و بادت بعد أن سادت و لم تظل إلا بعض تلك البساتين و المزارع القليلة و التي تركزت في منطقة العنابس التي أحاطت بها المباني الحديثة اليوم من كل مكان، فأرجو أن يمن الله سبحانه و تعالى على هذا الوادي فيعيد أمجاده و تظهر تلك الجنان الخضراء الوارفة لتغطي أجزاء هذا الوادي المبارك و التي أرجو أن يحقق الله تبارك و تعالى ذلك على يد أمانة المدينة المنورة فتعطي هذا الموضوع أهمية خاصة تتناسب و أهمية هذا الوادي المبارك و الذي يعتبر في الحقيقة الرئة التي يتنفس منها أهل المدينة المنورة بشكل عام.

534

(2) (وادي العقيق) صورة لوادي العقيق عند سد عروة و قد حجز السد مياهه فيما تظهر بئر عروة بن الزبير في أقصى يمين الصورة و قد أصبحت داخل الوادي.

العقيق في اللغة:

العقيق: بفتح أوله و كسر ثانيه، و قافين بينهما مثناة تحتية اسم لكل مسيل ماء تشقه السيل في الأرض و هو اسم علم على واد عظيم في المدينة المنورة يقع في الجهة الغربية منها و يمتد من جنوبها إلى شمالها الغربي.

و قد ورد معنى العقيق في كثير من كتب معاجم اللغة و المؤرخين، ففي «المغانم المطابة» و «عمدة الأخبار»: (العقيق: بفتح أوله و كسر ثانيه و قافين بينهما مثناة تحتية اسم لكل مسيل ماء يشقه السيل في الأرض، فأنهره و وسعه. و علم لواد عظيم عليه أموال المدينة و هو على ثلاثة أميال من المدينة أو ميلين أو ستة أو سبعة) (1).

و في معاجم اللغة نجد قسما كبيرا عن مادة (عقق) تدل على الشق حقيقة أو مجازا، ففي «لسان العرب» (2): (عقه يعقه عقا فهو معقوق و عقيق: شقه، (3) (وادي العقيق) مخطط تقريبي يوضح مسار طريق الهجرة النبوية المباركة و ما يتقاطع معه من أودية و شعاب كثير، فيما يظهر وادي العقيق في الجهة الغربية من المدينة (3).

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 266)/ «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 372).

(2) «لسان العرب»- لابن منظور «مادة (عقق)»- (10/ 255).

(3) أخذ المخطط من كتاب «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي.

535

(4) (وادي العقيق) صورة تمثل تجمع مياه العقيق عند بحيرة عروة قبل عبورها من السد.

(5) (وادي العقيق) بعض نماذج لبقايا حدود المزارع و البساتين التي كانت تنتشر على حواف و جنبات وادي العقيق في الماضي.

و العقيق واد بالحجاز كأنه عق أي شق. غلبت الصفة عليه غلبة الاسم و لزمته الألف و اللام لأنه جعل الشي‏ء بعينه في الأسماء الأعلام التي أصلها الصفة كالحارث و العباس‏ (1). و العق: حفر في الأرض مستطيل سمي بالمصدر.

و يقال: عقت الريح المزن: إذا استدرته كأنها تشقه، و سحابة معقوقة إذا عقت أي تبعجت بالماء. و يقال سحابة عقاقة: منشقة بالماء).

قال صاحب «القاموس»: (و كل انشقاق انعقاق، و كل مسيل شقه ماء السيل فهو عقيق، و من أعلام على أماكن بالمدينة و اليمامة و الطائف و تهامة و نجد و ستة مواضع أخرى. و قال: و العقيق واحدته عقيقة: خرز أحمر يكون باليمن و بسواحل بحر رومية.

و في «اللسان» عن أبي منصور: إن العرب تقول لكل مسيل ماء شقه السيل في الأرض فأنهره و وسعه «عقيق».

و قال و في بلاد العرب أربعة أعقة و هي أودية عادية شقتها السيول، و قال الأصمعي: الأعقة- الأودية (2).

هذا و قد رجح معظم رجال اللغة و المؤرخين على أن كلمة العقيق تعني الشق و العقيق في الأرض أي الشق فيه، و العق من العقيق و بها سمي الشق عقيقا، و هنا تكون تسمية حقيقة، و إن تكون التسمية قد جاءت من اللون فإن اسم العقيق يكون عندئذ للحجار.

ما جاء في تسمية العقيق:

لقد أشار المؤرخون و رجال اللغة إلى أن سبب هذه التسمية يرجع إلى احتمالين أولهما و هو الذي عليه أغلبية آراء المؤرخين أن تسمية العقيق ترجع إلى معناها اللغوي، و هو الشق في الأرض فسمي العقيق عقيقا لكونه شق طبيعي في الأرض أجراه السيل فحدد مساره.

و يقال إن سبب التسمية بالعقيق ترجع للونه الذي يشبه الخرز الأحمر بلونه العقيقي المعروف، و على هذا فإن كانت التسمية قد جاءت من المعنى اللغوي (سمي الشق عقيقا) فتكون التسمية حقيقة و معنى و أن تكون التسمية قد جاءت من اللون فإن اسم العقيق يكون عندئذ للمجاز و كناية عن لونه الأحمر الذي يشبه العقيق.

و يشير المؤرخون‏ (3) أن أول من أطلق اسم العقيق على وادي المدينة هو تبع‏

____________

(1) «لسان العرب»- ابن منظور- (10/ 255).

(2) المصدر السابق.

(3) انظر: «تحقيق النصرة»- المراغي- (ص 184)/ «معالم طابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 253)/ «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1041، 1042).

536

(6) (وادي العقيق) صورة تمثل خروج السكان و الأهالي للنزهة و الاستمتاع بمياه الوادي المبارك عند فيضانه.

اليماني عند ما قدم المدينة، و مر بوادي العقيق فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق.

و نقل المراغي في «تحقيق النصرة» أنه سمي العقيق لحمرة موضعه كأنه يشبه الخرز الأحمر، و لذلك قال: و رمل مسجد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من العرصة، و ليس بالوادي رمل أحمر إلا ما يسيل من الجبل‏ (1).

و روى أبو داود عن القاسم قال: دخلت على عائشة، فقلت: (يا امة) اكشفي لي من قبر رسول الله و صاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة و لا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (2).

قال السمهودي: قال الزبير: سألت سليمان بن عياش السعدي: لم سمي العقيق عقيقا؟ قال: لأن سيله عق في الحرة (3).

قال الفيروز أبادي: ظهر لي أن في بلاد العرب سبعة أعقة، جمع عقيق و هي في أصل اللغة: أودية عالية شقتها السيول‏ (4).

و يوجد في بلاد العرب عدد من الأودية يطلق عليها اسم العقيق، منها عقيق اليمامة و منها عقيق البصرة، و منها قرية بالطائف تسمى العقيق، و منها عقيق «القنان» تجري فيه سيول ملل نجد و جباله‏ (5).

و يشير الأستاذ عبد السلام حافظ (رحمه الله) إلى سبب التسمية فيقول:

(وادي العقيق يسمى بالعقيق لحمرة موضعه و لأن السيل عق في الحرة أي شق و قطع) (6).

و قد أطلق على هذا الوادي المبارك اسم العقيق و عرف به اليوم و منذ القدم فقد عرف بوادي العقيق في الجاهلية و قبل الإسلام، و قد جاءت هذه التسمية في كثير من أشعار الجاهليين كالخنساء بنت عمرو بن الحارث عند ما رثت أخاها صخر و قد مات بالعقيق فقالت:

أفيضي من دموعك و استفيضي‏* * * و صبرا إن أطقت و لن تطيقي‏

و قولي إن خير بني سليم‏* * * و غيرهم ببطحاء العقيق‏ (7)

و عند ما جاء الإسلام أكد الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) هذه التسمية فوردت في‏

____________

(1) «تحقيق النصرة»- المراغي- (ص 185).

(2) «سنن أبو داوود»- كتاب الجنائز- (ص 68).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1041).

(4) «معالم طابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 266)/ انظر «نزهة الناظرين»- السيد جعفر برزنجي- (ص 28).

(5) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (مادة عقيق) (ص 140).

(6) «المدينة المنورة في التاريخ»- الأستاذ عبد السلام حافظ- (ص 38).

(7) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1040).

537

(7) (وادي العقيق) صورة توضح تدفق مياه وادي العقيق من فتحات سد عروة لتواصل مسارها نحو الشمال الغربي من المدينة.

الأحاديث الشريفة، و ظل اسم وادي العقيق اسما خالدا لهذا الوادي لا يزال يعرف به عند جميع أهل المدينة يعرفه الصغير و الكبير و الجاهل و المتعلم، و هو من المعالم المشهورة و المعروفة، و مقصد كثير من أهالي المدينة للنزهة و قضاء الأوقات الجميلة و خاصة في أوقات الربيع و أوقات جريان الوادي و امتلائه بالمياه.

و اسم العقيق يطلق على كامل مسار هذا الوادي عند مصدره من النقيع و حتى منتهاه في الغابة. أما ما جاء في تسمية أجزائه المختلفة كالعقيق الأصغر أو العقيق الأكبر أو الأدنى فما هي إلا أسماء لبعض أجزاء مساره لا تخرجها عن كونها من العقيق الأساسي المشار إليه، و لذلك نجد أن السيد العباسي قد ذكر هذا العقيق بعدة أبعاد عن المدينة كناية عن أبعاد بعض أماكن مساره ابتداءا من مصدره البعيد عن المدينة و حتى اقترابه من المدينة فقال: (و العقيق علم على واد عظيم عليه أموال المدينة و هو على ثلاثة أميال من المدينة أو ميلين- أي في الأجزاء القريبة- أو ستة أو سبعة- أي في الأجزاء البعيدة- إلى أن قال: و العقيق أماكن مختلفة فهذه المسافة باعتبار أماكنه) (1).

ما ورد في هذا الوادي من الأحاديث و الآثار:

لقد حظي هذا الوادي المبارك بكثير من الأحاديث النبوية التي قالها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في شأنه، فقد جعله الله تبارك و تعالى واديا مباركا، و أمر نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يصلي فيه.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)- و هو بوادي العقيق- يقول: «أتاني الليلة آت من‏

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 372).

538

ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، و قل: عمرة في حجة» رواه البخاري‏ (1).

قال الدكتور خليل ملا خاطر: فقوله: «أتاني آت من ربي» هو جبريل (عليه السلام). و قوله: «صل في هذا الواد البارك» يعني وادي العقيق‏ (2).

و عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن أبيه، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه اتي و هو في معرسه من ذي الحليفة، في بطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة.

و قد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله ينيخ به، يتحرى معرس رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و هو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه و بين الطريق وسط من ذلك. متفق عليه‏ (3).

و يعلق الدكتور خليل ملا خاطر على هذا الحديث بعد أن أورده بقوله:

فقوله: «أتي» أي في المنام، و رؤيا الأنبياء- (عليهم السلام)- و حي، كما هو معلوم. و قوله: «معرس» هو موضع النزول، و إن كان الغالب على التعريس:

النزول آخر الليل. و قوله: «في بطن الوادي» أي وادي العقيق‏ (4).

و عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنت أرمي الوحش و أصيدها، و أهدي لحمها إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، ففقدني رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فقال:

«سلمة أين تكون؟» فقلت: بعد علي الصيد يا رسول الله، فإنما أصيد بصدر قناة، من نحو ثيب، فقال: «أما لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، و تلقيتك إذا جئت، فإني أحب العقيق». رواه ابن شبة و الطبراني في «الكبير» (5).

و عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «العقيق واد مبارك» رواه ابن شبة (6).

و عن هشام بن عروة رحمهما الله تعالى قال: اضطجع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بالعقيق، فقيل: «إنك في واد مبارك» رواه ابن شبة (7).

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الحج: باب قول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): العقيق وادي مبارك- (2/ 557)، (حديث رقم 1461).

(2) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 190).

(3) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الحج: باب قول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): العقيق وادي مبارك (2/ 557)، (حديث رقم 1462)/ «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب التعريس بذي الحليفة و الصلاة بها- (2/ 981)، (حديث رقم 434/ 1346).

(4) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل خاطر- (3/ 191).

(5) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 147، 148)/ «المعجم الكبير» للطبراني (7/ 6).

(6) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 147، 148).

(7) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 148).

539

هذا و يشير فضيلة الدكتور خليل ملا خاطر إلى أن ما ورد في هذا الوادي المبارك من الأحاديث و الآثار تدل على عدة أمور أوجزها بقوله:

1- وادي العقيق هو واد مبارك.

2- كون بعض الأرض يختلف عن بعضها الآخر. فكما كان أحد يحب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و يحبه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و الروضة من الجنة ... و هكذا فإن بعضا منها مبارك، بخلاف غيرها. و الله أعلم.

3- هذه البركة ملازمة للوادي المبارك.

4- و من النصوص الأخرى: رغب بعض الصحابة رضي الله عنهم في سكنى العقيق حتى ماتوا رضي الله عنهم، منهم من العشرة المبشرين: سعد بن أبي وقاص، و سعيد بن زيد- رضي الله عنهما. و ماتا فيه، ثم نقلا إلى المدينة، فدفنا في البقيع، و سكن أبو هريرة رضي الله عنه أيضا في العقيق. و من بعدهم عدد من التابعين، كعروة بن الزبير و غيره، و الله تعالى أعلم.

5- البركة شاملة للعقيق كله، لأنه لم يرد نص بتعيين قطعة منه دون أخرى، و الله أعلم‏ (1).

و قد روى ابن النجار بسنده إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: ركب رسول الله إلى العقيق ثم رجع فقال: «يا عائشة جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه و أعذب ماءه»، فقالت: يا رسول الله، أفلا ننتقل إليه، فقال: «كيف و قد ابتنى الناس» (2).

كما روى السيد السمهودي عن زكريا بن إبراهيم بن مطيع قال: (بات رجلان بالعقيق ثم أتيا رسول الله، فقال: أين بتّما، فقالا: بالعقيق. فقال: لقد بتّما بواد مبارك) (3).

كما روى ابن النجار في أخبار مدينة الرسول (أن عمر رضي الله عنه قال:

إن حصو هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- من هذا الوادي المبارك) (4).

كما أورد ابن شبة في «تاريخه» عن أبي غسان الذي قال: (أخبرني غير واحد منهم ثقات أهل المدينة أن عمر رضي الله عنه كان إذا انتهى إليه، أن وادي العقيق قد سال، قال: اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك و إلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء تمسحنا به) (5).

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 194، 195)/ انظر «تحقيق النصرة»- زين الدين المراغي- (ص 182).

(2) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- (ص 38).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1038).

(4) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- (ص 38).

(5) «تاريخ المدينة»- ابن شبة- (1/ 167).

540

(8) (وادي العقيق) مسار وادي العقيق عبر كبري الجامعة الإسلامية في طريقه إلى مجمع السيول.

و قد روى السيد السمهودي عن خالد العدواني أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قال في عرصة العقيق: «نعم المنزل العرصة لو لا كثرة الهوام» (1).

و عن محمد بن إبراهيم التيمي: (أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) خرج في بعض مغازيه، فأخذ على الشارعة حتى إذا كان بالعرصة قال: هي المنزل لو لا كثرة الهوام) (2).

كما روى السيد السمهودي عن أبي العباس العراقي في ذيله على ابن النجار عن أنس رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى وادي العقيق، فقال: يا أنس خذ هذه المطهرة، املأها من هذا الوادي فإنه يحبنا و نحبه، فأخذتها فملأتها .. الحديث‏ (3).

و قد تردد كثيرا ذكر العقيق في السيرة النبوية و خاصة في ذكر مسير رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى بدر. قال ابن إسحاق: (فسلك طريقه من المدينة على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش) (4).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1038).

(2) المصدر السابق.

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1038).

(4) «سيرة ابن هشام»- (1/ 613).

541

و قد أوردت كتب السيرة و التاريخ قصة منح النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) هذا الوادي و أقطاعه لبلال بن الحارث المزيني بهدف إصلاحه و إعماله.

قال السيد السمهودي: روى ابن زبالة أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أقطع بلال بن الحارث العقيق كله، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يقطعكه لتحجزه، و أقطعه عمر للناس‏ (1).

و يشير المؤرخ ابن شبة إلى حادثة إقطاع الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) العقيق لبلال بن الحارث و ما جاء في قصتها فيقول: (حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا من نثق به من آل حزم و غيرهم أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق، و كتب له فيه كتابا نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث، أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا. و كتب معاوية، قال: فلم يعمل بلال في العقيق شيئا. فقال له عمر في ولايته: إن قويت على ما أعطاه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) من معتمل العقيق فاعتمله، فما اعتملت فهو لك كما أعطاكه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فإن لم تعتمله أقطعته بين الناس و لم تحجزه عليهم.

فقال بلال: تأخذ مني ما أعطاني رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)؟ فقال: إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قد اشترط عليك فيه شرطا. فأقطعه عمر رضي الله تعالى عنه بين الناس و لم يعمل فيه بلال شيئا، فلذلك أخذه عمر رضي الله تعالى عنه. أورده الزبير بن بكار و أسند نسخة القطيعة المذكورة عن هشام بن عروة بقوله: «و عن هشام بن عروة و غيره أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يكن يمنع شيئا سئله، و إنك سألته أن يعطيك العقيق فأعطاكه فالناس يومئذ قليل لا حاجة لهم، و قد (9) (وادي العقيق) مسار وادي العقيق قبل وصوله إلى بحيرة عروة المقام عليها سد عروة ابن الزبير.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1042).

542

كثر أهل الإسلام و احتاجوا إليه، فانظر ما ظننت أنك تقوى عليه فأمسكه أورد إلينا ما بقي فقطّعه فأبى بلال، فترك عمر بيد بلال بعضه و أقطع ما بقي للناس» (1).

و بهذا يلاحظ أن هذا الوادي المبارك قد حظي باستحسان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و إعجابه له، فجاءت في حقه الكثير من الأحاديث النبوية التي علت من قدره و أعظمت من شأنه، كيف لا و قد اختاره الله عز و جل من بين الأودية ليكون واديا مباركا فيأمر نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يصلي فيه، و يهل منه.

تاريخ و حضارة وادي العقيق:

وادي العقيق أحد المعالم الرئيسية و المهمة في المدينة المنورة، فقد قامت على ضفافه حضارة كبيرة سادت ثم بادت، و قد بقيت آثارها و معالمها ظاهرة للعيان إلى ما قبل العشر سنوات الأخيرة. تلك الحضارة التي تحدث عنها المؤرخون مجملا و تفصيلا، و التي كانت أحد السمات الرئيسية المميزة لعمارة المدينة المنورة آنذاك.

و قد كان وادي العقيق معروفا في الجاهلية حيث نجد أن أقدم ما وصلنا عن تاريخ هذا الوادي المبارك ما رواه مؤرخوا المدينة في قصة مجي‏ء تبع إلى المدينة قبل الإسلام، و ينسبون إليه وضع اسم هذا الوادي فيقولون إنه مر بالعقيق، فقال هذا عقيق الأرض، و مر بالعرصة فقال: هذه عرصة الأرض.

و قد كان وادي العقيق في هذه الفترة عبارة عن مسار طبيعي لمجرى السيل، و تفيدنا الروايات أن وادي العقيق و بخاصة الجزء الأدنى منه كان معمورا في بعض أماكنه، و لكنها كانت عمارة غير مشاعة و إنما كانت عبارة عن مراكز و نقاط متفرقة على ضفافه الخصبة.

و من مظاهر هذه الأماكن موقع بئر رومة و التي تشير المصادر التاريخية إلى أنها بئر جاهلية قد كانت موجودة على هذا الوادي و أن تبعا كان يستحسن ماءها و كان يستقي منها (2).

كما نقل ياقوت الحموي في معجمه ما رواه القاضي عياض من أن العقيق الأقصى بعد ذي الحليفة كان جزء منه لبني مزينة (3) الذين أدخلوه ضمن نطاق قبيلتهم و جعلوه جزءا من مضاربهم لما تميزت به هذه الأجزاء من كثرة وجود الأراضي الخصبة و المراعي المناسبة لهم آنذاك.

____________

(1) «تاريخ المدينة»- ابن شبة- (1/ 150، 151).

(2) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 169).

(3) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (4/ 139).

543

و قد ظل هذا الوادي كأحد المظاهر الحيوية الهامة في يثرب آنذاك حتى بدأ التاريخ المجيد لهذا الوادي، هذا التاريخ الذي رفع من شأنه و أعلى من مقامه أنه تاريخ قدوم الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، و الذي يعتبر بحق هو التاريخ الحقيقي لهذا الوادي المبارك، فقد ورد في الأحاديث النبوية و السيرة العطرة مجموعة من الأحاديث و الأخبار التي تدل على العناية التي أولاها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لهذا الوادي المبارك و التي من أوائلها أن جعله الله تبارك و تعالى واديا مباركا و محرما.

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، و قل عمرة في حجة» (1).

و نظرا لأهمية هذا الوادي في جذب السكان فقد نزلت بجواره بعض قبائل و بطون الخزرج، و يشير الدكتور خليل السامرائي إلى منازل بني سلمة ببطونهم المختلفة فيقول: (و كانت منطقتهم تمتد من سلع إلى وادي العقيق) (2).

كما يشير المؤرخ السيد العباسي إلى أن الحدائق التي في العنابس و التي في العقيق كانت لهم‏ (3)، و كما هو معروف أن العنابس من المناطق المشهورة و المعروفة المشرفة على وادي العقيق.

و قد أدرك النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أهمية هذا الوادي المبارك في توفير مقومات الحضارة و ضرورة تنميته و عمارته، حيث قام النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بإصدار أول وثيقة على هذا الوادي المبارك، وثيقة تضمن منح بعض أجزائه إلى بلال بن الحارث لاعتماله و إصلاحه، فقد روى ابن شبة أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق، و كتب له فيه كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث، أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا، و كتب معاوية ....) (4).

و يلاحظ أن أساس الوثيقة النبوية قد كانت في منح بلال بن الحارث بعض أجزاء الوادي بشرط اعتمالها و إصلاحها ليتم النفع بها له و للمسلمين، و حيث أن بلالا لم يعمل بها شي‏ء فتركها دون إصلاح أو اعتمال مما أفسد بذلك شرط المنح النبوي له بها، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإعطائه فرصة لإصلاحها و اعتمالها إلا أنه لم يقم بشي‏ء، و لذا أصبح غير مالك لها، فأقطعها عمر بن الخطاب عندئذ و قسمها بين المسلمين.

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الحج- (2/ 557)، (حديث رقم 1462).

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 23).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 49).

(4) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 150).

544

و بهذه الحادثة تبدأ أولى مراحل عمارة وادي العقيق و التي بدأت بتوزيع أراضي العقيق على المسلمين و الذين بدأوا في عمارتها و إصلاحها، و استمرت هذه العمارة على الوادي المبارك تتقدم و تزداد يوما بعد يوم حتى بلغت ذروة مجدها في العهد الأموي و الذي ظهر واضحا بعد عودة كثير من الأمويين إلى المدينة و نزولهم بها و خاصة بعد رجوع عائلة الحسين بعد مقتله في موقعة كربلاء (10 محرم 61 ه/ 10 تشرين الأول «اكتوبر» 680 م) (1) إلى المدينة مما أدى إلى زيادة في عدد السكان و خاصة في عهد مروان بن محمد «مروان الثاني» عام 127 ه/ 745 م فأقيمت القصور و الحدائق و زرعت الأرض، و حفرت الآبار و أقيمت السدود، فكانت نهضة عمرانية شاملة لهذا الوادي المبارك، و التي ارتبطت ذكرياتها بذكريات وادي العقيق و ذكريات وادي العقيق بذكرياتها، فما أن يتذكر الإنسان وادي العقيق إلا و تذكر تلك الحضارة بل تلك النهضة العمرانية العظيمة التي سادت في هذا العصر فكانت بحق العصر الذهبي لهذا الوادي المبارك.

و قد نزل هذا الوادي المبارك كثير من كبراء الصحابة و سكنوه و من أولئك سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فقد أقطعه مروان بن الحكم أرضا له بالشجرة بذي الحليفة، فأقام له بها منزلا على العقيق و توفي بمنزله هذا بالعقيق سنة 59 ه/ (678 م) (2)، كما نزله عروة بن الزبير رضي الله عنه و غيرهم.

و قد قدر بنو أمية هذا الوادي فكانوا لا يقطعونها إلا لخاصتهم و قد لا تقطع إلا بإذن من الخليفة و خصوا بالذكر عرصات العقيق‏ (3).

و قد سجل التاريخ أسماء لبعض تلك القصور التي أقيمت على هذا الوادي في العصر الأموي، تلك القصور التي تنافس في إقامتها و بنائها الأمويين. و لم تقتصر هذه القصور على السكن فقط بل كانت أماكن يلجأ إليها أصحابها عند الاستجمام و النزهة فكانت عمارتها كقصور مترفة تحيط بها البساتين و الحدائق الجميلة التي يقضون فيها أجمل الأوقات يتبادلون فيها أحاديث السمر و يتغنون فيها بأجمل الأشعار التي يتفاخرون فيها بعظمة و جمال تلك القصور، حتى أن هذا العصر من عصور بني أمية قد تميز بانتعاش الشعر و كثرة رواده، حتى أصبح هذا الوادي محط أنظار الخلفاء و الأغنياء و الشعراء بما حوله من قصور و حدائق غناء تذكرهم بقصور و حدائق بلاد الشام.

و قد أشار صاحب «الدر الثمين» إلى قصر سعيد بن العاص بالعقيق و قصة

____________

(1) «المدينة المنورة، تطورها العمراني»- د. صالح لمعي- (ص 13).

(2) «الإصابة في تمييز الصحابة»- (2/ 79).

(3) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 185).

545

بيعه لمعاوية رضي الله عنه و التي تبين قيمة و أهمية المواقع التي تقع على هذا الوادي المبارك و ارتفاع أسعارها آنذاك فيقول: (فإنه لما دنا أجله- أي سعيد بن العاص- و كان سيدا فاضلا سخيا) قال لابنه عثمان: إذا أنا مت فعلي دين «ثلاثة ملايين» أرجو أن تقضى عني من خالص مالي.

فقال عثمان لوالده: لا يوجد من خالص مالك ما يكفي لذلك، فقال سعيد لابنه: إذا ذهبت إلى أمير المؤمنين معاوية، و عرضت عليه القصر و دوره و مزارعه سوف يشتريها منك بما تريد لأنه يعرف نفاسة هذه الأرض.

فلما توفي سعيد ذهب ابنه عثمان إلى معاوية بالشام، فلما قيل له عثمان بن سعيد يستأذن، قام فزعا و قال: توفي و الله سعيد، فأذن له، فلما دخل و سلم أخبره بما على الشيخ سعيد من الدين، فقال معاوية علي سداد دينه.

فقال عثمان: أوصى أن يقضى دينه من خالص ماله. فقال معاوية رضي الله عنه: أشتري منك قصره بألف ألف «مليون» و دور القصر بألف ألف «مليون» و مزارع القصر بألف ألف «مليون». فوافق عثمان، فقال معاوية: أسرع يا كاتب بالدواة و القلم و اكتب قبل أن يندم الرجل، فلما أعطاه المال خرج يودعه لم يمض معه كثيرا، و قيل: إنه رجع عنه مخافة أن يندم، و هكذا فإن معاوية رضي الله عنه و أمثاله ممن يعرف المدينة و يعرف نفاسة هذه الأرض و قيمتها) (1).

و يشير السيد المطري إلى ازدياد عدد سكان وادي العقيق ازديادا كبيرا حتى وصل إلى أربعين ألفا، فيقول: (إن سكان وادي العقيق وحدهم كانوا أربعين ألفا في إمارة سعيد بن العاص على المدينة و هو العهد الأموي، و قال: و كان سعيد أميرا لوادي العقيق) (2).

و قد جاء وصف هذا الوادي المبارك في عصره الذهبي و ما عليه من حضارة في كثير من المصادر و كتب التاريخ الكثيرة فوصفه مؤلف «الدر الثمين» بقوله: (لقد ازدهر وادي العقيق في عهد الصحابة و التابعين ازدهارا عظيما، و أصبحت الدور و القصور و الحصون و المزارع تحف بهذا الوادي من الشرق و الغرب حتى شبه البعض سيل وادي العقيق في وسط الخضرة بسبيكة من فضة بيضاء تتعرج يمينا و يسارا) (3).

كما يشير الأستاذ محمد محمد شراب إلى هذا الوادي و حضارته فيقول:

(كانت على ضفاف العقيق حضارة سادت ثم بادت، و لكن الذي باد مظهرها و بقي لبابها لأن تاريخ العرب المسلمين لا يفنى ما دام عربي مسلم على وجه‏

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 243).

(2) «التعريف»- المطري- (ص 63).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 244).

546

الأرض، قد تفنى الشخوص و لكنها تبقى شاخصة في القلب، و قد تزول المعالم عن وجه الأرض و لكنها تبقى ماثلة أمام العين تتصورها بالفكر و اليقظة و نلمحها في طيف الخيال) (1).

هذا و قد أوردت كثير من المصادر التاريخية أسماء لأشهر و أهم القصور التي بنيت على هذا الوادي المبارك‏ (2)، و ما أقيم حولها من مزارع و بساتين و آبار، و نكتفي هنا بذكر ما أورده المؤرخ السيد عبد القدوس الأنصاري بقوله: (و إليك موقع القصور و الدور بالعقيق حسب ما حققته بعد إجهاد القريحة و دراسة مختلف المصادر:

أ- القصور الواقعة بطرف حرة الوبرة إلى بئر رومة:

1- قصر عروة بن الزبير، بقرب بئره.

2- قصر مراجل.

3- قصر سكينة بنت حسين المسمى بالزينبي.

4- قصور متتابعة لإسحق بن أيوب.

5- قصور أخرى لبعض الأعيان.

6- قصور ابنة المرازقي الزهرية.

7- منازل جعفر بن إبراهيم الجعفري.

ب- القصور التي في العرصة الكبرى التي بها بئر رومة:

1- قصر عبد الله بن عامر.

2- قصر مروان بن الحكم.

ج- القصور التي بالعرصة الصغرى:

1- قصر سعيد بن العاص (هو الباقية آثاره إلى اليوم دون سواه).

2- قصر عنبسة بن سعيد بن العاص.

3- القرائن (دور كانت لآل سعيد بن العاص بقرب قصره).

د- القصور التي بسفح جماء أم عاقر (أو عاقل):

1- قصور جعفر بن سليمان.

____________

(1) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 199).

(2) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 79، 80).

547

(10) (وادي العقيق) المسقط الأفقي لقصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان حسب ما يتضح من بقايا و أطلال القصر.

(11) (وادي العقيق) صورة توضح بعض بقايا و أطلال قصر عاصم بن عمرو بن عثمان بن عمر بن عثمان بن عفان.

(12) (وادي العقيق) المسقط الأفقي لقصر سعيد بن العاص حسب ما يتضح من بقايا و أطلال القصر.

(13) (وادي العقيق) صورة توضح بعض بقايا و أطلال قصر سعيد بن العاص.

548

ه- القصور الكائنة بسفح جماء أم خالد:

1- قصر محمد بن عيسى الجعفري.

2- قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة.

و- القصور الواقعة بسفح جماء تضارع:

1- قصر طاهر بن يحيى.

2- منزل لعبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان.

3- قصر عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان.

4- قصر عنبسة بن عمرو بن عثمان بن عفان، و يبدو أن عنبسة هذا هو أخو عاصم، المذكور آنفا.

5- قصر عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن عثمان بن عفان.

ز- القصور الكائنة بسفح جبل عير:

1- قصر إسحاق بن أيوب المخزومي.

2- قصر لآل طلحة.

3- قصر إبراهيم بن هشام.

4- منازل لآل سفيان بن عاصم.

هذا و سنتناول موضوع الحديث عن القصور بشكل مفصل إن شاء الله تعالى في الجزء المخصص لذلك.

بساتينه و آباره:

لا عجب أن يكون وادي العقيق في سابق عهده مغمورا بالبساتين الجميلة التي يسقيها السيل إذا جرى، و الآبار إذا توقف .. فوجود الرياض فيه من مستلزمات حياة النعيم التي كان يستظل بأكنافها أهل المدينة، في تلك الحقبة من الدهر.

و هذا بيان ما اطلعت عليه من ذلك:

1- مزارع أبي هريرة قبيل (الميقات).

2- مزارع عروة بن الزبير قريبا من بئره.

3- بساتين ابن بكير بقرب قصره الذي هو بسفح جماء تضارع.

4- مزارع مروان بن الحكم بقرب قصره بالعرصة الكبرى.

5- بستان سعيد بن العاص بقرب قصره بالعرصة الصغرى.

549

6- مزارع الجرف التي منها: «الزين: مزرعة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)» على ما رواه ابن زبالة.

7- مزارع ثنية الشريد (بعد ذي الحليفة) (1).

هذا و قد ظلت هذه الحضارة و العمارة على وادي العقيق حتى نهاية العصر الأموي عام 130 ه/ 747- 748 م، حيث ترك معظم الأمويين المدينة و قضي على مجموعة منهم في بداية العصر العباسي، فلم يبق في المدينة أمويا (2) مما أدى إلى هجر المباني و القصور و اضمحلت النهضة الكبيرة التي حظي بها هذا الوادي المبارك.

و يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى هذه المرحلة من تاريخ العقيق فيقول: (فما هوت دولة بني أمية حتى ذوى العقيق و صار في خبر كان إلى الآن) (3). و قال: (ثم ما كان دور التوقف يبدى‏ء في هذه الدولة- الأموية- حتى بدأ دور اضمحلال عمران العقيق).

و يشير الأستاذ محمد محمد شراب في مؤلفه القيم إلى هذه المرحلة من تاريخ الوادي العظيم فيقول بعد أن هوت دولة بني أمية: و لما خلت قصور العقيق من سكانها لم يسكنها الناس من بعدهم، لأنها أصبحت من أموال السلطان، و لأن سكناها يحتاج إلى النفقة الكثيرة، و المال غير متوفر لأن حالة الضنك الاقتصادي بدأت من أواخر العصر الأموي، و بالتالي فإن العباسيين لن يكونوا أكثر من الأمويين إغداقا للمال على أهل المدينة لأسباب كثيرة منها:

- أن العباسيين لم يكن موطنهم المدينة، ليغدقوا على أقربائهم المال. ثم أن المدينة كانت مأوى العلويين المناوئين لخلافة بني العباس.

- كما أن العصر العباسي (الأول منه و الثاني) لم يكن أكثر استقرارا من أواخر العصر الأموي في المدينة، فقد شهدت المدينة خروج العلويين من بداية العصر العباسي، و بايع بعض أهل المدينة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب «النفس الزكية» سنة 145 ه/ (762 م) (4).

ثم يضيف الأستاذ محمد شراب النهاية المحزنة لنهاية هذه الحضارة و المجد العظيم الذي كان على هذا الوادي فيقول: (أن القصور كانت خالية، في أيام الخليفة المأمون المتوفي سنة 218 ه/ (833 م) و أن الناس قد جعلوها موقدا للنيران، و مكانا للسياحة الأثرية، يتذكرون ما كان لها من المجد الغابر، و خلاء

____________

(1) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 79، 81).

(2) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 187).

(3) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 84).

(4) «أخبار الوادي المبارك»- الأستاذ محمد محمد شراب- (ص 188).

550

الديار من سكانها يؤدي إلى تهدمها لتصبح أطلالا تبكيها القلوب قبل العيون.

و لذلك نجد أن الذين ألفوا في تاريخ المدينة و كتبوا عن وادي العقيق قد نقلوا الكثير من عبارات الرثاء بعد أن وقفوا على أطلال العقيق و رأوا بقايا قصوره الهامدة بعد أن كانت مثالا للحركة و النشاط و قمة للحسن و الجمال. فيقول المؤرخ محمد بن النجار المتوفي سنة 643 ه/ (1245 م): و وادي العقيق اليوم ليس به ساكن، و فيه بقايا بنيان خراب، و آثار تجد النفس برؤيتها أنسا، كما قال أبو تمام:

ما ربع مية معمورا يطيف به‏* * * غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب‏

و لا الخدود و إن أدمين من خجل‏* * * أشهى إلى ناظري من خدها الترب‏ (1)

كما يشير أبو بكر المراغي المتوفي سنة 816 ه/ (1413 م) إلى هذه القصور و نهايتها فيقول: و كانت فيه قصور مشيدة و مناظر رائعة و آبار و حدائق طيبة و لأهله أخبار و أشعار مستحسنة حتى أفردت بالتصنيف فخرب على طول الزمان، و لم يبق منه اليوم إلا الآثار و الآبار (2).

أما مجد الدين الفيروز أبادي المتوفي سنة 823 ه/ (1420 م) فيقول:

و كانت في العرصة قصور مشيدة و مناظر رائعة و آبار عذبة .. فخربت و دثرت على طول الزمان، إلى أن ينشد أبو تمام:

ما ربع مية معمورا يطيف به‏* * * غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب‏ (3)

و لا الخدود و إن أدمين من خجل‏* * * أشهى إلى ناظري من خدها الترب‏

كما يشير السيد السمهودي المتوفي سنة 911 ه/ (1505 م): (و آثار أبنية العقيق موجودة إلى اليوم، و هي دالة على ما كان به من القصور الفائقة و المناظر الرائعة و الآبار العذبة الحسان دثرت على طول الزمان ... و بقي هناك بعض الآبار و بقايا الآثار فترتاح النفوس برؤيتها) (4).

هذا و يشير الأستاذ محمد شراب إلى أنه لا يمكن الجزم بتاريخ خلا فيه العقيق من سكانه تماما و يرجح أن خلو العقيق من سكانه، و حصول الخراب ربما يرجع إلى ما قبل بناء أول سور حول المدينة المنورة و لأن بناء السور يدل على أن انعدام الأمن وصل إلى غايته‏ (5).

____________

(1) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- ص 40.

(2) «تحقيق النصرة»- أبو بكر المراغي- (ص 182، 183).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 253).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1067).

(5) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 194).

551

(14) (وادي العقيق) مصور جوي يوضح مسار وادي العقيق من أقصى جنوب المدينة و حتى منتهاه في أقصى الجهة الشمالية الغربية من المدينة (1).

(15) (وادي العقيق) مسار وادي العقيق عبر المدينة من خلال المخطط العام لعام 1406 ه (2).

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي فيما نقله إلى أن أول سور حول المدينة بناه عضد الدولة ابن بويه بعد سنة 360 ه/ (970 م) في خلافة الطائع لله‏ (3). ثم يضيف قائلا: ثم تهدم السور الأول الذي بناه عضد الدولة، و جدده جمال الدين محمد بن علي الأصبهاني وزير أتايك الموصل و ذلك في سنة 540 ه/ (1145 م).

ثم يؤكد الأستاذ محمد شراب إلى أن خراب وادي العقيق قد تم في نهاية القرن الثالث الهجري أو في بداية القرن الرابع الهجري، حيث أصبح من العسير على الناس أن يعيشوا بعيدا عن مركز المدينة (4).

مسار وادي العقيق و مصدره:

يقع وادي العقيق في غربي المدينة المنورة و يبدأ مساره من الجنوب بقرب حرة بني سليم على بعد حوالي مائتين و عشرين كيلومترا تقريبا ثم يمر على مقربة من وادي الفرع ثم منطقة تعرف بالنقيع، و يستمد بعض مياهه من منطقة جبال عدوان و السدير و القنينة التي تقع على بعد حوالي تسعين كيلومترا جنوبي المدينة المنورة و ينتهي مساره في شمال غرب المدينة عند المنطقة المسماة بالغابة على بعد

____________

(1) صورة مصغرة من المصور الجوي 1: 250000 (أمانة المدينة المنورة).

(2) صورة مصغرة من المخطط العام للمدينة المنورة لعام 1406 ه (الاستشاري دار الهندسة).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 190).

(4) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 196).

552

(16) (وادي العقيق) وادي العقيق عند امتلائه بالمياه و هو أحد المصادر المهمة لرفع منسوب المياه الجوفية.

حوالي تسعة و عشرين كيلومتر تقريبا، حيث أقامت الدولة حفظها الله سدا عظيما هناك يعرف بسد الغابة.

و قد أشار كثير من المؤرخين و الكتاب إلى مسار هذا الوادي المبارك من مصدره و حتى منتهاه فحددوا مساره داخل المدينة و بينوا أجزاءه و أقسامه.

و من أقدم أولئك المؤرخين ما أشار إليه ابن شبة الذي عاش في الفترة بين عامي 173- 262 ه/ (789- 875 م) فيقول فيما رواه عن محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران و عثمان بن عبد الرحمن الجهني الذي قال: (سيل وادي العقيق يأتي من موضع يقال له «بطاويح» و هو حرس من الحرة و غربي شطاي حتى يصبا جميعا في النقيع، و هو قاع كبير الدر. و هو من المدينة على أربعة بؤر في يمانيها، ثم يصب في غدير يلبن و برام، و يدفع فيه وادي البقاع، و يصب فيه نقعا، فيلتقين جمع بأسفل موضع يقال له بقع، ثم يذهب السيل مشرقا فيصب على زاويتين يعترضهما يسارا، و يدفع عليه واد يقال له هلوان، ثم يستجمعن فيلقاهن بوادي ربو بأسفل الحليفة العليا ثم يصب على الأتمة و على الجام، ثم يفضي إلى وادي الحمراء فيتبطن واديها، و يدفع عليه الحرتان شرقا و غربا حتى ينتهي إلى ثنية الشريد، ثم يفضي إلى الوادي، فيأخذ في ذي الحليفة حتى يصب بين أرض أبي هريرة صاحب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و بين أرض عاصم‏

553

(17) (وادي العقيق) مسار وادي العقيق مسار ثابت لمجرى الوادي منذ القدم.

بن عدي بن العجلان ثم يستبطن الوادي فيصب عليه شعاب الجماء و نمير حتى يفضي إلى أرض عروة بن الزبير و بئره، ثم يستبطن بطن الوادي، فيأخذ منه شطيب إلى خليج عثمان بن عفان الذي حفر إلى أسفل العرصة الذي يقال له خليج بنات نائلة- و هن بنات لعثمان من نائلة بنت الفراقصة الكلبية- و كان عثمان بن عفان عمل ذلك الخليج و ساقه إلى أرض اعتملها بالعرصة ثم يفترش سيل العقيق إذا خرج من قراقر عبد الله بن عنبسة بن سعيد يمنة و يسرة و يقطعه نهر الوادي ثم يستجمع حتى يصب في زغابة) (1).

كما يشير السيد المطري إلى مسار هذا الوادي فيشير إلى مصدره من النقيع في قبلي المدينة المنورة و حتى ينتهي إلى غربي بئر رومة فيقول: (وادي العقيق أصل مسيله من النقيع قبلي المدينة الشريفة و بينه و بين قباء يوم و نصف، و يصل إلى بئر علي العليا المعروفة بالخليفة- بالقاف و الخاء المعجمة. ثم يأتي على غربي جبل عير و يصل إلى بئر علي بذي الحليفة المحرم، و من بئر المحرم يسمى العقيق، فينتهي إلى غربي بئر رومة) (2).

و يعلق السيد السمهودي على قول المطري موضحا المحرم بقوله: (و قوله‏

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 165، 167).

(2) «التعريف»- الإمام المطري- (ص 60).

554

من بئر المحرم يسمى العقيق: أي في زمنه كزماننا و هو العقيق الأدنى) (1).

كما يشير الأستاذ محمد شراب إلى مسار هذا الوادي و أسماء بعض مواضعه اليوم فيقول: (يأخذ أعلى مساقط مياهه من قرب وادي الفرع ثم ينحدر شمالا بين الحرار شرقا و سلسلة جبال قدس غربا حيث ترفده أودية عظيمة فيسمى هناك «النقيع» إلى أن يقرب من بئر الماشي فيسمى «عقيق الحسا» و في هذا المكان يعدل غربا إلى الشمال إلى أن يصل إلى آبار علي «ذي الحليفة» فيسمى العقيق، فيعدل شمالا حف به من الشرق جبل عير و من الغرب البيداء ثم جماء تضارع و فيه مقاه و منازل و زراعة و فيه بئر عروة و قصره.

و قد جعل له سد يمر فوقه الطريق من المدينة إلى مكة، ثم يستمر حتى يجتمع به وادي بطحان قرب مسجد القبلتين فيستمران إلى الجرف و الغابة، فيأتيهما من الشرق وادي قناة الذي يكون قد أخذ سيل العقيق الشرقي، فإذا اجتمعت الأودية الثلاثة (العقيق، بطحان و قناة) سمي الوادي «الخليل» بالتصغير، فإذا تجاوز وادي «مخيض» سمي وادي «الحمض» (2).

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى مسار هذا الوادي فيقول: (وادي العقيق يقع غرب المدينة و يخترق الطريق إلى مكة، و قد اتصل به بنيان المدينة) (3).

(18) (وادي العقيق) وادي العقيق أحد مظاهر الجمال و روعة الطبيعة في المدينة المنورة.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1041).

(2) «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 31، 32).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 472).