معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
605

2 وادي بطحان (سيد أبو جيدة)

606

وادي بطحان (سيل أبو جيدة):

تمهيد:

يعتبر وادي بطحان أو ما يعرف عند أهل المدينة بمسيل أبي جيدة من الأودية المشهورة و المعروفة في المدينة منذ القدم، فقد لعب هذا الوادي دوره البارز في ظهور النسيج العمراني و ما صاحبه من تكوين عمراني مميز ظهر مسايرا و متمشيا مع طبيعة الوادي و مساره الطبيعي وسط المدينة.

و يعتبر وادي بطحان (مسيل أبي جيدة) من أكثر أودية المدينة المنورة ارتباطا بذاكرة أهل المدينة فهو الوادي الوحيد الذي يمر من بين منازلهم فيعلم بمجيئه الكبير و الصغير، و يفرح به أهل المزارع و البساتين فتزداد مياه الآبار و ترتوي الأرض فيضفي مجيئه البهجة و السعادة على أهل المدينة.

و قد جاء ذكر وادي بطحان في بعض الأحاديث النبوية الشريفة و التي بينت فضله و بركته و أعلت مكانته، كما ورد في «الصحيحين» أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد توضأ من مائه يوم الخندق. و من فضله أيضا أن جعل في تربته الشفاء كما جاء في حديث ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه.

(1) (وادي بطحان) صورة قديمة تمثل مسار وادي بطحان المعروف بمسيل أبي جيدة داخل منطقة السيح قديما، و قد أقيمت على جانبيه المنازل و الدور (1).

____________

(1) أخذت الصورة من مجموعة الأخ/ صالح حجار.

607

و قد كان وادي بطحان من المواضع التي كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يضرب بها المثل لتوضيح منهج أو قضية ما للمسلمين، و لهذا الوادي تاريخ قديم حيث نزلت إلى جواره بعض القبائل اليهودية و العربية للاستفادة من ثرواته الطبيعية و ما تميز به من وفرة مياهه و صلاحية تربته للزراعة.

و قد أقيمت على جانبه الكثير من المزارع و البساتين و التي بقيت على جانبي هذا الوادي حتى وقت قريب، و خاصة تلك المزارع و البساتين التي ازدهرت في منطقة قربان فكانت منطقة قربان من أجمل مناطق المدينة، بل و ألطفها و أرقها هواءا.

وادي بطحان في اللغة:

بطحان بفتح أوله و سكون ثانيه واد بالمدينة و يقال بطحان بالضم ثم السكون، و يقال بطحان بفتح أوله و كسر ثانيه، و لكن المشهور و الذي اعتاد عليه أهل المدينة اليوم هو بالفتح ثم بالسكون فيقال وادي بطحان.

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى هذا اللفظ بقوله: (بطحان بالضم و السكون، كذا يقوله المحدثون قاطبة. و حكى أهل اللغة بطحان: بفتح أوله و كسر ثانيه، كذا قيده أبو علي القالي في «البارع» و غيره. و قال: لا يجوز غيره) (1).

فيما يؤكد ياقوت في معجمه على تحريك هذا اللفظ بفتح أوله و كسر ثانيه فيقول: (و بطحان بالضم أو الصواب الفتح، و كسر الطاء موضع بالمدينة و بالتحريك موضع في ديار بني تميم).

ثم يورد هذا اللفظ بالفتح ثم السكون فيما رواه عن أبي الطيب، و هو على هيئة ما اعتاد عليه أهل المدينة، فيقول: (و قرأت بخط أبي الطيب أحمد بن أحمد بن أخي الشافعي، و خطه حجة: بطحان بفتح أوله، و سكون ثانيه، هو واد بالمدينة، و هو أحد أوديتها الثلاثة و هي: العقيق، بطحان و قناة) (2).

ثم يشير ابن فارس إلى معنى أصل هذا اللفظ في اللغة فيقول: (بطح الباء و الطاء و الحاء أصل واحد و هو تبسط الشي‏ء و امتداده. قال الخليل: البطح من قولك بطحه على وجهه بطحا، و البطحاء: مسيل فيه دقاق الحصي، فإذا اتسع و عرض سمي أبطح.

قال ذو الرمة:

كأن البرى و العاج يحبحت قنوتها* * * على عشر فهي به السيل أبطح‏

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 56).

(2) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي: باب الباء- (ص 273).

608

و قال في التبطح:

إذا تبطحن على الحامل‏* * * تبطح البط بجنب الساحل‏

و تبطح السيل إذا سال سيلا عريضا، قال ذو الرمة:

و لا زال من نوء السماك عليكما* * * و نوء الزباني وابل متبطح‏

و قال ابن الأعرابي: الأبطح أثر السيل واسعا كان أو ضيقا و الجمع أباطح) (1).

و في قاموس «المنجد في اللغة و الأعلام»: (بطح- بطحاه: و بطح البيت- إذا ألقى الحصى فيه و مهده و سهله، و تبطح و انبطح و استبطح الوادي: انبسط و استوسع) (2).

و على هذا فيكون المعنى اللغوي لبطحان- نسبة إلى انبطاح الوادي و انبساطه على الأرض فيسيل الوادي فيه باتساع و ضيق و جمعه أباطح و أبطحة، و يقال- بطحان من الانبطاح في الأرض و الانتشار لأنه يفترش الأرض افتراشا فيجري فيه ماء السيل فيغطيه. و أصبح بطحان علما على موضع واد بالمدينة و هو أحد أهم و أشهر أودية المدينة اليوم.

ما جاء في تسمية وادي بطحان (مسيل أبي جيدة):

وادي بطحان من أعظم و أشهر أودية المدينة، و لم أجد في المصادر التي اطلعت عليها سبب التسمية ببطحان غير ما جاء في المعنى اللغوي للكلمة نفسها، و الذي يعني الانبطاح في الأرض و الانتشار و لأن مياه الوداي تفترش الأرض و تبسط فيه فيتسع مجراه في المناطق المنبسطة و يضيق في مناطق الحرة و بين المزارع و داخل المدينة، و لعل هذه التسمية قد جاءت من هذا الوضع الطبيعي للوادي الذي انفرد به عن غيره من الأودية الأخرى في المدينة.

و تعتبر تسمية الوادي ببطحان تسمية قديمة جدا عرف بها هذا الوادي قبل الإسلام حيث وردت هذه التسمية عند ذكر منازل و مواضع بعض القبائل اليهودية و العربية الذين نزلوا المدينة آنذاك فنجدها وردت بكثرة عند ذكر منازل يهود بني النضير الذين نزلوا في العالية قرب بطحان‏ (3)، و بنو قينقاع الذين نزلوا عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية حيث أقيم سوقهم المعروف بسوق بني قينقاع‏ (4).

____________

(1) «معجم مقاييس اللغة»- ابن فارس- (1/ 260).

(2) «المنجد في اللغة و الأعلام»- طباعة دار المشرق ببيروت- (ص 3).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 56)/ «يثرب قبل الإسلام»- د. محمد الوكيل- (ص 45).

(4) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 39، 292).

609

كما ورد بطحان عند ذكر منازل بعض القبائل العربية كبنو الحارث بن الخزرج الأكبر الذين نزلوا في شرقي وادي بطحان و تربة صعيب‏ (1).

و ظلت تسمية هذا الوادي ببطحان معروفة و مشهورة حتى عصر النبوة على صاحبها أفضل الصلاة و السلام الذي جاء مؤكدا لهذه التسمية فقد ورد وادي بطحان في بعض الأحاديث النبوية الشريفة و التي منها ما رواه الإمام مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الذي قال: خرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)- و نحن في الصفة- فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق ... الحديث‏ (2). كما ورد في «التاريخ الكبير» قال: (صلى اللّه عليه و سلّم) (بطحان على ترعة من ترع الجنة) (3).

و يطلق اسم وادي بطحان على كامل مسار الوادي ابتداءا من مصادره الأولى من «ذي جذر» و هو جبل صغير في الجنوب الشرقي من المدينة حيث تتحد شعابه و شرائعه مع شعاب و شرائع أخرى كثيرة تهبط إليه و حتى منتهاه في زغابة عند التقائه بوادي العقيق في الجهة الشمالية الغربية من المدينة.

و يعرف هذا الوادي عند أهل المدينة بسيل أبو جيدة أو مجرى أبو جيدة، و قد جاءت هذه التسمية نسبة إلى جيدة براده، حسب ما ذكر لي الأستاذ عبد الرحمن رفه حفظه الله، حيث أن جيدة براده يعتبر أول من حمى بستانه و داره التي كانت بين المشرفية و المدشونية و ذلك ببناء حائط استنادي من الحجر على جهة الوادي و عمل عليه فتحات من خلال تثبيت قطع المنامات الحجرية الأسطوانية الشكل فتدخل مياه الوادي إلى البستان فترويه دون أن يفيض السيل داخل البستان.

و قد كان هذا العمل عملا رائعا و كبيرا آنذاك حيث يعتبر أول من حمى أرضه و منزله من فيضان الوادي بتلك الطريقة فاشتهر مسيل الوادي عند هذا الموقع بسيل أبي جيدة أي نسبة إليه.

و ظلت هذه التسمية معروفة بل وهامة في تحديد المواضع و المواقع فيقال دار فلان أو مزرعة فلان عند مسيل أبو جيدة أو في طريق أبو جيدة أو قبل مسيل أبو جيدة أو بعده ثم امتدت هذه التسمية بعد ذلك لتشمل كافة مسار الوادي من الماجشونية المعروفة بالمدشونية و حتى مساجد الفتح.

و لعل فيما أفادني به الأستاذ عبد الرحمن رفة حفظه الله إجابة على بعض‏

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 48).

(2) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الصلاة، المسافرين: باب فضل قراءة القرآن في الصلاة- حديث (رقم 251).

(3) «التاريخ الكبير»- البخاري- (2/ 51).

610

تساؤلات و استفسارات الأستاذ عبد القدوس الأنصاري الذي قال أثناء حديثه عن هذا الوادي: (و قد نزع اسم بطحان عن هذا المسيل في الوقت الحاضر- أي في عصره- و خلع عليه اسم «أبي جيدة»، كان ذلك منذ زمن غير موغل في القدم، و لا نعرف ما هو أبو جيدة؟ و لا المغزى منه. اللهم إلا أن يكون أحد ممن تملكوا حديقة في أعلى الوادي فيما سلف) (1).

و قد أطلق اسم بطحان في الماضي على جميع المنطقة الواقعة في غربي مسجد المصلى و حتى الحرة الغربية، و قد أدى هذا التجاوز في التسمية إلى إخراج تلك التسمية عن مسماها الأصلي، و هو مسار الوادي في جزئه المعروف في داخل المدينة ابتداءا من الماجشونية و حتى غربي مسجد الفتح.

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى شيوع تسمية وادي بطحان على تلك المنطقة الممتدة من غربي المصلى و حتى الحرة الغربية في عصره، فيقول: (وادي بطحان يطلق اليوم على كل ما غربي مسجد المصلى من المدينة إلى الحرة الغربية، و يعرف باسم «أبي جيدة») (2).

و قد أشار الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في أول حديثه على حقيقة التسمية ببطحان و أن في مسماها المعروف في عصره آنذاك بأنه كامل المسار الموجود في غربي مسجد المصلى من المدينة إلى الحرة الغربية، و أن في هذا (2) (وادي بطحان) صورة قديمة توضح مسار وادي بطحان المعروف بمسيل أبو جيدة عند باب قباء (3).

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 233).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 454).

(3) أخذت هذه الصورة من مجموعة الأخ/ صالح حجار.

611

(3) (وادي بطحان) مسار وادي بطحان في منطقة قربان و قد أحيط بحوائط استنادية من الخرسانة لمعالجة انحراف الوادي و حماية المناطق المجاورة.

الإطلاق شي‏ء كبير من المجاز و أن الحقيقة أن الجزء المسمى ببطحان لا يعدو هذا المسيل ابتداءا من قرب حديقة الماجشونية المعروفة بالمدشونية إلى غربي مسجد الفتح‏ (1).

فأقول أن تسمية الوادي ببطحان كانت معروفة و تسمية حقيقية للوادي منذ القدم كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فقد سكنت بنو النضير و بنو قينقاع في العالية، و هي أجزاء تشمل الماجشونية و ما اعتلى منها.

كما أن أهل المدينة منذ القدم يعرفون أن وادي بطحان ابتداءا من سد بطحان و حتى منتهاه بزغابة، و لا تقتصر تسمية الوادي ببطحان في الجزء الذي أشير إليه فقط بل يعرف وادي بطحان اليوم من مصادره الأولى من «ذي جذر» بعد اتحاد شرائعه و شعابه و قبل وصوله إلى سد بطحان.

و يحتمل أن التسمية بوادي بطحان قد كانت تسمية مرحلية لمسار الوادي حتى شملت هذه التسمية كامل مسار الوادي و تبعا للتوسع العمراني و التقدم الحضري للمدينة طيلة مراحلها المختلفة فعرف وادي بطحان في وسط المدينة عند ما كانت المدينة لا تتجاوز الماجشونية ثم امتدت التسمية لتشمل مسار الوادي حتى سد بطحان بعد اتساع العمران و اتصاله بذلك السد.

و أما اليوم فوادي بطحان يعرف بمجراه و مساره قبل وصوله للسد و بعد مصادره السابقة مباشرة. و هذا ما حصل بالفعل بالنسبة للتسمية بسيل أبي جيدة، حيث كانت هذه التسمية قاصرة على مسار الوادي عند بستان جيدة براده فقط ثم اشتهرت لتشمل كامل مسار الوادي من الماجشونية و حتى غربي مساجد الفتح.

و من المحتمل أن تحديد الأستاذ عبد القدوس الأنصاري للجزء الحقيقي لتسمية وادي بطحان بالجزء المحصور بين الماجشونية إلى غربي مسجد الفتح قد جاء تبعا لما نقله بعض المؤرخين قبله كمجد الدين الفيروز أبادي الذي اقتصرت فيه إطلاق تلك التسمية على جزء الوادي المعروف آنذاك و الذي يمر في داخل المدينة.

و قد أشار كثير من المؤرخين و الكتاب إلى هذا الوادي و قد أورده أكثرهم باسم وادي أو سيل أبو جيدة ذلك الاسم الذي اشتهر به الوادي و عرف به، فيقول الأستاذ إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) عند مناقشته لما أورده السيد السمهودي فيما نقله من كلام ابن شبة بقوله: (فإن سيل بطحان الذي يعرف اليوم بأبي جيدة) (2).

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 233).

(2) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 442).

612

كما أشار المؤرخ علي بن موسى في رسالته «في تاريخ المدينة» إلى هذه التسمية فيقول: (و أما طريق قربان فمن بطحان الذي هو مجرى أبي جيدة) (1).

أما الأستاذ عبد السلام حافظ (رحمه الله) فقد أشار إلى هذه التسمية بقوله:

(و هو المعروف باسم أبو جيدة) (2). كما أورد الدكتور عمر الفاروق السيد رجب هذه التسمية بقوله: (و يعرف محليا باسم أبي جيدة) (3).

أما اليوم و بعد اختفاء مساره داخل المدينة و إلغائه و استعاضته بعمل قناة صندوقية تحت الأرض تعبر مياه الوادي من خلاله فقد ضاعت معه تلك التسمية التي اشتهر بها وادي أبي جيدة لتعود إليه التسمية الأساسية التي كان يعرف بها هذا الوادي منذ القدم و هو وادي بطحان، و هذه التسمية هي المعروفة لهذا الوادي اليوم عند أغلب أهل المدينة.

ما ورد في وادي بطحان من الأحاديث و الآثار:

يعتبر وادي بطحان من المعالم الأساسية للمدينة المنورة حيث لعب دورا هاما في تحديد منازل القبائل التي ارتبطت أساسا بمواضع الزراعة و توفر المياه.

و قد كان هذا الوادي من أحد الأودية الهامة التي ساهمت في توفير تلك المقومات الأساسية التي ساعدت على استيطان القبائل بجوار تلك الأودية للاستفادة من تلك الثروات الطبيعية التي هي أساس الحضارة بل و أساس الحياة.

و نجد في المصادر التاريخية الكثير من أمثلة تلك القبائل التي نزلت و استوطنت بالقرب من مجاري و مسارات تلك الأودية، و من ذلك ما جاء في «المغانم المطابة» لمجد الدين الفيروز أبادي فيما رواه عن بعض أهل السير أنه لما قدم اليهود المدينة نزلوا السافلة، فاستوخموها فأتوا العالية، فنزل بنو النضير بطحان‏ (4)، كما نزل بنو قينقاع عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية (5).

و يحدد السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) نهاية هذا الجسر فيقول:

(بأنه الذي كان بالمراكشية و المشرفية و المعروفتين اليوم و فيه كان سوقهم) (6).

و قد أشار السيد أحمد العباسي إلى هذا السوق فيقول: (و كان بنو قينقاع عند

____________

(1) «وصف المدينة المنورة» لعلي بن موسى- ضمن «رسائل في تاريخ المدينة» لحمد الجاسر- (ص 45).

(2) «المدينة المنورة في التاريخ»- الأستاذ عبد السلام حافظ- (ص 39).

(3) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 60).

(4) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 56)/ و كذلك «يثرب قبل الإسلام»- د.

محمد الوكيل- (ص 45).

(5) «المدينة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 75).

(6) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 442، 443).

613

منتهى جسر بطحان مما يلي العالية، و كان هناك سوق من أسواق المدينة إلى العالية) (1).

ثم يعطينا الدكتور خليل السامرائي تحديدا مختصرا لمنازل البطون العربية التي نزلت بالقرب من بطحان، فيقول عند حديثه عن أشهر بطون مرة بن مالك ابن الخزرج: (و أشهر بطون مرة بن مالك- بنو أمية و بنو وائل بنو عطية و هؤلاء يسمون الجعاذرة لقصر قامتهم، و كانت منازلهم بقرب قباء عند ملتقى وادي بطحان بوادي رانوناء) (2).

ثم يشير إلى منازل بنو الحبلى فيقول: (و كانت منازلهم بين قباء و المنطقة الشرقية من وادي بطحان ... و قد سكن بنو الحارث الذين عرفوا «بلحارث» بالعوالي شرقي وادي بطحان) (3).

كما يشير الدكتور محمد الوكيل إلى منازل بنو عوف بن الخزرج حيث يحدد منازلهم بطرف الحرة الغربية في المنطقة الواقعة غربي وادي رانوناء و الذي به مسجد الجمعة ما عدا بني الحبلى فقد سكنوا بين قباء و وادي بطحان) (4).

كما نزل بنو كعب بن مالك و بنو الأجدع و هم بنو معاوية بن مالك بدار بني بياضة شامي بني سالم حيث امتدت منازلهم من الحرة الغربية إلى بطحان قبلى بني مازن) (5).

و قد تنقلت حول هذا الوادي كثير من البطون و القبائل المختلفة سواءا العربية منها أو اليهودية حتى أمسى العيش بجوار هذا الوادي نوعا من أنواع المتعة و الجمال، لذا فقد ورد اسم هذا الوادي في بعض قصائد الشعراء الذين تغنوا بأبيات الشوق و الحنين إلى تلك المنازل و من ذلك ما ذكره مجد الدين الفيروز أبادي من قول أحد الشعراء:

أبا سعيد لم أزل بعدكم‏* * * في كرب للشوق تغشاني‏

كم مجلس والى بلذاته‏* * * لم يهنني إذ غاب ندماني‏

سقيا لسلع و لساحاتها* * * و العيش في أكناف بطحان‏

أمسيت من شوق إلى أهلها* * * أدفع أحزانا بأحزان‏ (6)

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 39).

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 22).

(3) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 23، 24)/ «انظر المدينة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 61).

(4) «يثرب قبل الإسلام»- د. محمد الوكيل- (ص 62).

(5) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 50).

(6) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 56).

614

و قال ابن مقبل:

عفا بطحان من سليمى فيثرب‏* * * فملقى الرمال من منى فالمحصب‏

و قد جاء ذكر وادي بطحان في بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي بينت فضله و بركته و أعلت من مكانته و شرفه فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «بطحان على ترعة من ترع الجنة» رواه البخاري في «تاريخه» (1)، و في لفظ «بطحان على بركة من برك الجنة» رواه البزار و ابن شبة (2).

و قد علق الدكتور خليل ملا خاطر عقب ذكر الحديثين بقوله: (و البركة هي الحوض فيكون بطحان يصب في حوض من أحواض الجنة، و أما الترعة فلها معان: منها الباب و منها الروضة على المكان المرتفع و منها الدرجة و منها أفواه الجداول) (3).

و من فضل هذا الوادي المبارك أن جعل في تربته الشفاء لما ورد من حديث ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، و قد عاده رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و هو مريض، فقال (صلى اللّه عليه و سلّم): «اكشف البأس، رب الناس، عن ثابت بن قيس بن شماس» ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح، ثم نفث عليه بماء و صبه عليه. رواه البخاري في «تاريخه» و أبو داود و الطبراني‏ (4). و يقال إن الموضع الذي أخذ منه التراب هو تربة صعيب و هي من بطحان.

قال الدكتور خليل ملا خاطر: (و إن كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أخذ التراب من بطحان أو من تربة صعيب فالمكان واحد لأن تربة صعيب من بطحان و هي على حافة بطحان) (5).

و قد أورد الدكتور محمد الخطراوي في كتابه ما رواه الحربي عن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قدم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) المدينة و واديها بطحان نجل تجترى‏ء عليه الإبل أي واسع فيه ماء ظاهر، يقال استجل الوادي، و استجلت الأرض- إذا خرج منها الماء (6).

____________

(1) «التاريخ الكبير» للبخاري- (2/ 51).

(2) «كشف الأستار»- (2/ 58)/ «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 167، 168).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 198).

(4) «التاريخ الكبير»- البخاري- (8/ 377)/ «سنن أبو داود»- (4/ 213) حديث (رقم 3885)/ «المعجم الكبير للطبراني»- (2/ 63) حديث (رقم 1323).

(5) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 231).

(6) «المدينة المنورة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- و أصل الكلام في كتاب «معجم ما استعجم»- (1/ 258).

615

و من فضائل وادي بطحان أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان يضرب به المثل، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)- و نحن في الصفة فقال:

«أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم و لا قطع رحم» فقلنا يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز و جل خير له من ناقتين و ثلاث خير من ثلاث و أربع خير له من أربع، و من أعدادهن من الإبل «رواه مسلم‏ (1). قال الدكتور خليل ملا خاطر: و قوله: (ناقتين كوماوين) أي يأتي بناقتين عظيمتي السنام، و الكوماء هي الناقة العظيمة السنام و الله أعلم‏ (2).

و قد جاء في «الصحيحين» أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و عمر بن الخطاب قد توضآ من هذا الوادي يوم الخندق، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، جعل يسب كفار قريش و قال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): «و الله ما صليتها» فنزلنا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بطحان فتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. متفق عليه‏ (3).

مصدر وادي بطحان:

يعتبر وادي بطحان من الأودية التي تمدها كثير من الشعاب و الشرائع المختلفة و القادمة من اتجاهات كثيرة منها الشعاب و الشرائع البعيدة و التي تهبط الى الوادي من مسافات تصل إلى حوالي 20 عشرون كيلومتر تقريبا و منها الشعاب و الشرائع القريبة و المعروفة بشعاب و شرائع الحرة العليا أو ما تعرف عند بعض المؤرخين بحرة معصم العليا و هي من أكبر و أهم مصادر هذا الوادي حيث تهبط إليه من مرتفعات و أعالي هذه الحرة و على أبعاد مختلفة.

و حرة معصم اسم أطلق على أغلب الأجزاء العليا من الحرة الجنوبية، كما تعرف منطقة الحرة العليا و عند معظم مصادر الشعاب الرئيسية للوادي بمنطقة ذي الجذر و هو اسم قديم ورد في كثير من الروايات التاريخية و هي المنطقة المقصودة بصدر جفاف حيث أن منطقة جفاف اسم يطلق على الجزء الأعلى من منطقة قربان.

____________

(1) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب صلاة المسافر: باب فضل قراءة القرآن في الصلاة و تعلمه- (حديث رقم 251)- (1/ 552).

(2) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 198).

(3) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب المغازي: باب غزوة الخندق، حديث (رقم 3886)- (4/ 1509)/ و «صحيح الإمام مسلم»- كتاب المساجد: باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر- حديث (رقم 209)- (1/ 428).

616

(4) (وادي بطحان) الموقع العام للمجرى الطبيعي لوادي بطحان من خلال المخطط العام للمدينة المنورة (1).

و ذي الجذر عبارة عن منطقة حرة واسعة و كبيرة تنتشر فيها بعض المرتفعات و الجبال، و من أهمها جبل ذي الجذر و هو جبل صغير يقع في الجنوب الشرقي من المدينة و هو على بعد حوالي 5، 2 اثنين كيلومتر و نصف تقريبا من سد بطحان القائم اليوم.

و تنحدر من هذه المنطقة كثير من الشرائع و الشعاب حيث تتحد في شريعة واحدة تنحدر إلى الشمال الغربي حيث تتصل به بعض الشرائع المنحدرة من شعاب الحرة و تجاويفها حتى يصل انحداره إلى تجويف بطحان و هو التجويف الكبير الذي أقيم عليه سد بطحان المعروف، ثم يفيض الوادي من السد لينحدر إلى منطقة جفاف.

و منطقة جفاف اسم قديم للمنطقة المعروفة اليوم بأم أعشر و أم أربع و هي المنطقة الوسطى من الحرة و فيها حصن كعب بن الأشرف النبهاني، ثم يواصل الوادي انحداره حيث يستمر في مجراه المعروف إلى اليوم.

و تعرف منطقة ذي الجذر قديما بمنطقة الحلابين أو ما يطلق عليها بعض المؤرخين بحلابي مصعب، قال السيد السمهودي فيما نقله عن ابن زبالة: (أن بطحان يأتي من الحلابين حلابي صعب على سبعة أميال من المدينة أو نحو ذلك،

____________

(1) صورة مصغرة من المخطط العام للمدينة المنورة (الاستشاري دار الهندسة) عام 1415 ه- أمانة المدينة المنورة.

617

(5) (وادي بطحان) مخطط للمدينة عام 1925 م و يظهر و قد اخترق وادي بطحان قلب المدينة (1).

و في رواية له أن بطحان يأتي من صدر جفاف ... قال السمهودي: فيتلخص أنه يأتي من الحلابين فيصل أولا إلى وادي جفاف ثم إلى بطحان و لهذا استغنى ابن زبالة و غيره ببطحان عن إفراد جفاف بالذكر، و جعل المطري و من تبعه الترجمة لجفاف، قالوا: و وادي جفاف على موضع في العوالي شرقي مسجد قباء) (2).

و قد أشار زين الدين المراغي إلى وادي جفاف و مصدر مياهه فقال:

(و وادي جفاف هو أعلى موضع بالعوالي شرقي مسجد قباء، و قيل إن بطحان يأتي من صدر جفاف) (3).

و صدر جفاف كما أشرنا هي منطقة ذي الجذر أو ما تعرف بالحرة العليا أو حرة معصم و هي المصدر الأساسي لشرائع و شعاب وادي بطحان، و قد أشار ابن شبة إلى ذلك بقوله: (و أما سيل بطحان فإنه يأخذ من ذي الجذر و الحدرة قراره في الحرة اليمانية من حليات الحرة العليا حرة معصم) (4). و قد تطرق مجد الدين الفيروز أبادي إلى ذكر هذا الوادي و وادي مهزور و أنهما الواديان الهابطان من الحرة فقال: (فنزل بنو النضير بطحان، و نزلت بنو قريظة مهزورا و هما واديان‏

____________

(1) «المدينة المنورة و تطورها العمراني»- د. صالح لمعي- (شكل 13 ص 29).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1071، 1072).

(3) «تحقيق النصرة»- زين الدين المراغي- (ص 168).

(4) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 167).

618

(6) (وادي بطحان) مسار وادي بطحان في منطقة قربان حيث تحف به المزارع و البساتين.

يهبطان من حرة هناك، فيصب منها مياه عذبة فاتخذ بنو النضير الحدائق و الآطام) (1).

ثم يحدد مجد الدين مصدر الوادي و مساره فيقول: (و مصدره من ذي جذر، فجفاف: و هي قرية قربان، ثم يسيل إلى فضاء متسع هو وادي بطحان حتى غربي مسجد الفتح ثم يسير إلى زغابة) (2).

و قد حدد بعض المؤرخين مصدر وادي بطحان بتحديد عام فمنهم من أشار إلى أنه الهابط من الحرة الشرقية، و منهم من أشار إلى أنه يأتي من الحرة العليا و جميع هذه المواضع هي مواضع غير محددة و هي تشمل منطقة شاسعة و واسعة، قد حددها بعض المؤرخين بمنطقة ذي الجذر أو بصدر جفاف أو بحرة معصم أو بالحلابين و جميع هذه المسميات علما على موضع محدد في أعلى الحرة في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة حيث المصادر الأساسية لهذا الوادي.

قال عاتق البلادي محددا مصدر الوادي بشكل عام فيقول: (و يسمى اليوم بأبو جيدة يأتي من الحرة الشرقية) (3). كما يشير المؤرخ السيد عبد السلام حافظ (رحمه الله تعالى) إلى وصف مشابه فيقول: (و وادي بطحان يأتي من الحرة العليا) (4).

و يعتبر هذا التحديد عام كما أشرنا يقصد من ورائه تحديد الجهة التي يصدر منها الوادي بشكل عام بالنسبة للمدينة المنورة، بينما قام بعض المؤرخين بتحديد مصدره بشكل محدود و دقيق و من أولئك ما أشار إليه الدكتور عمر الفاروق في تحديد مصدر هذا الوادي فيحدده بقوله: (و يأتي من الحرة العليا و مصدره «ذي‏ (7) (وادي بطحان) صورة تمثل البوابة التذكارية لإنشاء و إقامة سد وادي بطحان في أعلى الحرة حيث تحجز مياه وادي بطحان داخل تجويف الحرة.

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 56).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 454).

(3) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 108).

(4) «المدينة المنورة في التاريخ»- الأستاذ عبد السلام حافظ- (ص 39).

619

(8) (وادي بطحان) صورة للوحة التذكارية لإنشاء السد الذي أقيم في عهد صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) في الفترة بين عامي (1384- 1386 ه/ 1964- 1966 م).

الجذر»، قال محقق الكتاب: و ذو الجذر جبل صغير في الجنوب الشرقي من قرية قربان) (1).

أما المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري فيحدد مصدر الوادي و مساره بقوله: (و يصدر بطحان من ذوي جذر، فجفاف و هي قرية بقربان) (2).

ثم يناقش المؤرخ السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) موضع ذي الجذر و جفاف و الحرة العليا فيحقق مواضعها اليوم بقوله: (و الجذر من ما ثبت لي من التحقق هو جبل صغير في الجنوب الشرقي من منطقة قربان، عنده أقيم سد بطحان، و قد قامت الحكومة السعودية اليوم بعمل عظيم فيه يعرف عندهم بسد بطحان) (3).

و هنا أحب أن أشير إلى ما أشار إليه السيد العياشي من أن ذي الجذر هو الجبل الذي أقيم عنده سد بطحان هو تحديد مخالف لما جاء به المؤرخون لأن منطقة ذي الجذر هي المنطقة التي تصدر منها أهم شعاب و شرائع الوادي و هي على بعد حوالي 5، 2 إثنين و نصف كيلومتر تقريبا من موقع سد بطحان الحالي و عنده اليوم تقيم أمانة المدينة المنورة سدا عظيما من التراب لتغيير اتجاه انحدار

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 60).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 233).

(3) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 442).

620

هذه الشرائع من الجهة الغربية حيث تتصل بوادي العقيق الممتد في غربي المدينة.

و لعل تحديد السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) كان تحديدا كما هو واضح و ظاهر في عصره حيث لا يعرف أغلب الناس مصدر مياه هذا الوادي سوى أنها المنحدرة إلى تجويف الحرة عند سد بطحان و قد اعتبره كثير من الناس بأنه بداية الوادي و حددوا نهايته بزغابة عند التقائه بوادي العقيق في الجهة الشمالية الغربية من المدينة المنورة. على هذا فإن منطقة ذي الجذر هي المنطقة العليا من الحرة.

ثم يحقق الأستاذ إبراهيم العياشي موضع حرة معصم العليا فيقول: (حرة معصم العليا نسبة إلى جبل صغير في الجنوب الشرقي من جبل عير فتكون جميع الحرة الجنوبية هي حرة معصم» (1).

و يعتبر هذا التحديد عاما و لا يمكن الاستفادة منه في تحديد موضع محدد بذاته لأن جبل ذي الجذر الذي أورده المؤرخون بالجبل الصغير الواقع في الجنوب الشرقي من قرية قربان أقرب إلى التحديد لأنه يدل على نفس منطقة هبوط شرائع و شعاب الوادي و المعروفة بذي جذر، و على هذا فيكون مقصد السيد إبراهيم العياشي (بالجبل الصغير الواقع في الجنوب الشرقي من جبل عير) هو جبل غير الجبل الذي يقع عند مصدر وادي بطحان و المعروف بجبل ذي جذر، حيث يعتبر الجبل الأول هو مصدر تسمية حرة معصم العليا بذلك، و لعل هذا الجبل هو الذي يعرف بجبل معصم اليوم.

أما موضع جفاف اليوم فيحقق الأستاذ إبراهيم العياشي موضعه بقوله:

(و المقصود من قوله جفاف هو منطقة قربان ... إلى أن قال: أما صدر جفاف فالمقصود به حرة قربان التي فيها أم أعشر و أم أربع و حصن كعب بن الأشرف) (2).

و يلاحظ أن تحديد صدر جفاف لا يقف عند هذا الحد بل يمتد ليشمل منطقة مصدر الوادي في ذي الجذر حيث أن مسمى صدر جفاف مسمى عام و شامل لكافة المنطقة من ذي جذر و حتى منطقة أم عشر و أم أربع و التي تنتهي بمنطقة جفاف التي هي منطقة قربان اليوم، بينما يرى بعض الناس أن منطقة جفاف مسمى لكامل المنطقة المعروفة اليوم بقربان، و ما علا منها كمنطقة أم عشر و أم أربع، أما صدر جفاف فهي أعالي الحرة بعد أم أعشر لتشمل أعالي منطقة سد بطحان و هي المنطقة المعروفة بذي جذر و الله أعلم.

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 443).

(2) المصدر السابق نفسه.

621

(9) (وادي بطحان) المجرى الطبيعي لوادي بطحان في أول مساره بعد خروجه من السد.

(10) (وادي بطحان) بعض الحوائط الاستنادية التي أقيمت على جانبي الوادي عند خروجه من السد لحماية المناطق المجاورة.

مسار وادي بطحان:

إن مسار وادي بطحان مسار واضح و معروف منذ القدم و حتى اليوم إلا أن بعض أجزائه داخل المنطقة السكنية في وسط المدينة قد ضاعت معالمه نظرا لاستبدال مساره الطبيعي بعمل قناة صندوقية مغلقة من الخرسانة تحت الأرض، حيث أقيمت في أعلاها بعض الطرق و الشوارع و تم ربط المنطقة السكنية الشرقية بالمنطقة السكنية الغربية، فغطت المباني و العمائر كافة الأجزاء المتبقية من مسار هذا الوادي داخل المدينة حتى لم يبق من آثار مساره أي إشارة أو علامة.

و هذا ما دعا أمانة المدينة المنورة للقيام بتنفيذ مشروع إقامة السد الترابي الكبير الذي يقع على بعد حوالي 5، 2 إثنين و نصف كيلومتر تقريبا من موقع السد الحالي و ذلك لتغيير اتجاه مياه الوادي بقناة مفتوحة و كافية لاحتواء مياه هذا الوادي و تصريفه إلى وادي العقيق في الجهة الغربية من المدينة المنورة، و ذلك بعمل قناة مفتوحة يصل طولها إلى حوالي 500، 11 كلم إحدى عشر كيلومتر و نصف تقريبا في حين يبلغ عرض هذه القناة بنحو 68 م ثمان و ستون مترا و يصل عمقها إلى حوالي 3 م ثلاثة أمتار، و ذلك لحماية المدينة المنورة من خطورة هذا الوادي الذي قد يخشى من عواقبه الخطيرة عند دخوله المدينة لا قدر الله و في غياب مجراه الطبيعي الذي قد دفن و ضاعت معالمه.

كما أن القناة الصندوقية التي أقيمت غير كافية لتدفق مياه هذا الوادي، و أن فكرة إعادة مجراه الطبيعي قد يكلف الكثير من الجهد و المال لما أقيم على مجراه من إحداثات و منشآت كثيرة.

فأرجو من الله تعالى أن يوفق المسؤولين في أمانة المدينة المنورة بسرعة

622

(11) (وادي بطحان) صورة تمثل نموذج من نماذج الطبقات الرسوبية التي تكونت نتيجة كثرة الطمي الذي يجلبه الوادي إلى تجويف السد.

إكمال تنفيذ السد الترابي الذي يبلغ عرضه عند القاعدة بحوالي ثمانون مترا و يقل هذا العرض عند نهاية ارتفاعه ليصل إلى خمسة عشر مترا و طوله أكثر من 600 ستمائة مترا تقريبا في حين لا يقل ارتفاعه عن إحدى عشر مترا تقريبا و من ثم تكسية جوانب هذا السد بالحوائط الاستنادية من الخرسانة المسلحة عالية المقاومة ليؤدي وظائفه التي انشى‏ء من أجلها على أكمل و أتم وجه خطط له.

و قد أشار كثير من المؤرخين ممن تعرضوا إلى آثار و معالم المدينة المنورة إلى ذكر هذا الوادي الذي قد يكون من الأودية الصغيرة إلا أنه من أعظم و أخطر أودية المدينة لما يتميز به من شدة انحداره و قوة شرائعه التي تنحدر بين تجاويف و منخفضات الحرة و بشكل سريع و مفاجى‏ء و خاصة عند مصادره الأساسية و قبل وصوله إلى تجويف السد. و قد تناول هؤلاء المؤرخون وصفا لمصدر هذا الوادي و مساره الطبيعي الذي كان يعد من أبرز معالم المدينة المنورة آنذاك.

قال ابن شبة يذكر المسار الطبيعي لهذا الوادي في زمنه: (و هو سيل يفترش في الحرة حتى يصب على شرقي ابن الزبير و على جفاف و مر فيه و الحساة حتى يفضي إلى فضاء بين خطمة و الأعراس ثم يستن حتى يرد الجسر ثم يستبطن وادي بطحان حتى يصب في زغابة) (1).

قال السيد إبراهيم العياشي محققا لفضاء بني خطمة: (و قوله يفضي إلى فضاء بني خطمة، فبطحان أو ما انصب فيه لا يصل إلى فضاء بني خطمة و لا إلى منازل بني خطمة ففضاء بني خطمة يقع في منطقة العوالي في شمال البستان المنشية العائدة لورثة عبد العزيز بن بادي) (2).

ثم يتناول السيد العياشي ما أشار إليه السيد السمهودي في تحديد مسار هذا الوادي و مصادره فيقول مناقشا: (فإن سيل بطحان الذي يعرف اليوم بأبي جيدة هو مكون من جميع الأودية الجنوبية- مذينب و مهزور و رانوناء، يلتقي الجميع في شرقي بستان المشرفية و غربي بستان الطايبية ثم ينحدر الجميع في وادي أبي جيدة إلى غرب المصلى ثم في السيح).

ثم يشير إلى مسار هذا الوادي و ما يتصل به من أودية على ضوء ما أشار إليه ابن شبة و السمهودي فقال: (أما صدر جفاف فالمقصود به حرة قربان التي فيها أم أعشر و أم أربع و حصن كعب بن الأشرف، و هذا مجراه و لكنه مذينب عند هذه الحدود، و هذا ما عاد إليه في قوله يأتي من الحلاتين- أي قول السمهودي: في وادي مذينب من أنه يأتي من الحلاتين- و الحلاتان المعروفتان اليوم إحداهما بحلية المزين الشرقية و الثانية بحلية المزين القبلية، و هاتان غير حلأة قريظة مصدر مهزور.

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة.

(2) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 442).

623

و كل هذه المنطقة يجري فيها مذينب لا غير، يسقي معظم البساتين هناك، و ما فاض منه ينحدر إلى ناحية الماجشونية «المدشونية» اليوم، ثم قرر هذه الحقيقة ابن شبة فقال إن بطحان يبدأ من جسره قرب الماجشونية، و هذا يؤكد أن ما سال قبل الماجشونية إنما هو وادي مذينب. ثم يتكون بطحان هذا بعد الماجشونية مع ما يفيض عليه من شعبة وادي مهزور من شرقي المنطقة الممتدة من شمال الماجشونية ثم ينضم إليه وادي رانوناء في شرقي البستان المرجلين و يجتمع الكل في الفرش المذكور بين الطايبية و في شمالها المراكشية و بين المشرفية من الغرب) (1).

و يعتبر تحديد السيد إبراهيم العياشي في حدود التسمية حدودا قديمة و لا يعرف الوادي اليوم بسوى تسمية واحدة و هي وادي بطحان فقط ابتداءا من مصدره و حتى منتهاه و أما حدود وادي مهزور و الذي أشير إليه بأنه الجزء ما قبل الماجشونية فلعلها قد تكون تسمية قديمة اندثرت اليوم حتى لا تكاد تعرف أبدا.

كما أن كثيرا من المؤرخين لم يذكروا أو يبينوا في كتبهم حدود هذه التسمية أو تغيرها تبعا لمسار هذا الوادي و قد كان معظمهم يشير إلى هذا الوادي بأنه وادي بطحان أو سيل أبو جيدة و هو الوادي الذي يمر داخل المدينة و يخترقها من جنوبها إلى شمالها.

قال الأستاذ السيد عبد السلام حافظ (رحمه الله) عند حديثه عن وادي بطحان: (و هو المسيل الوحيد الذي يمر داخل المدينة و يخترقها من جنوبها إلى شمالها، و هو المعروف باسم أبو جيدة و له عدة شعب خارج المدينة) (2).

كما يشير المؤرخ علي بن موسى في وصفه للمدينة المنورة و عند تحديده‏ (12) (وادي بطحان) صورة تمثل الموقع العام لسد بطحان بين أحضان الحرة.

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 442).

(2) «المدينة المنورة في التاريخ»- الأستاذ السيد عبد السلام حافظ- (ص 39).

624

(13) (وادي بطحان) مسار وادي بطحان و هو يشق طريقه بين المزارع و البساتين منحدرا من الجنوب إلى الشمال.

لطريق قربان إلى أن بداية طريق قربان تبدأ من بطحان و هذا يدل على أن مسار هذا الوادي إلى ما قبل الماجشونية كان يعرف بوادي بطحان في زمنه، قال علي بن موسى: (و أما طريق قربان فمن بطحان الذي هو مجرى أبي جيدة) (1).

و قد جاء في مجلة «المنهل» دار الهجرة أن الأودية الثلاثة المعروفة بوادي مذينب و مهزور و الرانوناء ترفد وادي بطحان الذي كان يمر وسط المنطقة السكنية و يلتقي بوادي العقيق و وادي قناة في منطقة العيون شمال المدينة حيث يبدأ وادي الحمض الذي يلتقي بوادي نقمى شمال جبل أحد (2).

كما يشير المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى مسار وادي بطحان و مصدره فيقول: (و يصدر بطحان من ذي جذر فجفاف، و هي قرية قربان ثم يسيل في فضاء متسع و يستبطن بعده وادي بطحان و يذهب حتى غربي مسجد الفتح، حيث منتهى وادي بطحان ثم يسير إلى زغابة) (3).

أما المؤرخ الدكتور عمر الفاروق السيد رجب فيقول: (و يأتي من الحرة العليا و مصدره ذي جذر ثم يمر بقرية قربان، و يسيل بعدها في فضاء متسع حتى غربي مسجد الفتح حيث ينتهي إلى زغابة و يعرف محليا باسم أبي جيدة، و ينتهي إليه أودية رانوناء، مهزور و مذينب) (4).

كما يعطي المؤرخ عاتق البلادي وصفا لمسار هذا الوادي فيقول:

(وادي بطحان واد هو أصغر أوديتها غير أن شأنه بها عظيم، ذلك أنه يشق المدينة من الوسط و يمر قبلة مسجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قبلة مسجد الغمامة ثم يجتمع بالعقيق أسفل المدينة، و يسمى اليوم «أبو جيدة» يأتي من الحرة الشرقية و على صدره مزارع و نخيل العوالي، ثم يمر بقرية قربان قبل أن يدخل المدينة) (5).

و أما مسار وادي بطحان فلا يظهر منه سوى الجزء المكشوف و ذلك ابتداءا من مساره المعروف بعد خروجه من السد حيث يستمر في مجرى طبيعي يهبط بين منخفض الحرة و بين المزارع و البساتين حتى يصل إلى الطريق الدائري الثاني حيث أقيم له كبري أسفل الطريق الدائري يمر السيل من خلاله إلى منطقة مزارع و بساتين.

ثم يعبر هذا الوادي حتى يصل إلى طريق الأمير عبد المجيد المعروف سابقا

____________

(1) «وصف المدينة المنورة» لعلي بن موسى- ضمن «رسائل في تاريخ المدينة» لحمد الجاسر- (ص 45).

(2) مجلة «المنهل» دار الهجرة- العدد 499، مجلد 54- ص 90 سنة 1413 ه.

(3) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 233).

(4) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 60).

(5) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 108).

625

(14) (وادي بطحان) صورة لمسار وادي بطحان من الجهة الشمالية و يظهر أحد الكباري التي أقيمت على مساره في منطقة قربان.

بطريق الحزام الأخضر حيث يعبر عبر كبري صغير أعد له يخرج منه إلى منطقة مرتفعة من قربان يجري بين مزارعها و بساتينها حتى يصل إلى قرب مزرعة الشيخ حليت مسلم (رحمه الله)، الواقعة في غربه حيث أقيم له كبري آخر يعبر من خلاله إلى مجرى منحدر إلى الشمال حيث ينكسر بمنحدر ثبتت جوانبه بحوائط من الخرسانة المسلحة ثم ينحدر الوادي من أسفل كبري أقيم له على طريق امتداد الطريق السريع بالقرب من مغسلة القين حيث يفتح الوادي هناك و يعود لمجراه الطبيعي، ثم يستمر مسافة صغيرة حيث تتلقاه القناة الصندوقية التي أعدت مؤخرا و التي تبدأ بقناة مغلقة يبلغ قطاعها 145* 220 سم.

و تبدأ هذه القناة بطول المسار الطبيعي القديم للوادي داخل المنطقة السكنية حتى تنتهي هذه القناة الصندوقية عند خيف البركة حيث ملتقاه بوادي قناة «سيل سيدنا حمزة» و بقطاع يصل إلى 210* 410 سم، و قد صرفت على هذه القناة بعض المصارف الخاصة بمياه الأمطار.

626

وصف وادي بطحان:

إن الحديث عن وصف وادي بطحان أو ما يعرف عند أهل المدينة بسيل أبو جيدة انما يعني الحديث عن وصف مسار ذلك الوادي ابتداءا من مجتمعه عند تجويف بحيرة سد وادي بطحان و حتى منتهاه في زغابة حيث التقاؤه بوادي العقيق و لعل هذا المسار هو المسار القديم للوادي أما اليوم فلا يكاد يعرف مسار هذا الوادي سوى من مصدر تجمعه عند سد بطحان و حتى مزرعة السالمية بقربان حيث يختفي بعدها مسار الوادي الذي استبدل بالقناة الصندوقية الخرسانية المغلقة و التي تستمر حتى تفتح عند منطقة العيون قرب منتهاه.

و قد أشار كثير من المؤرخين إلى وصف هذا الوادي و عظمته لكونه الوادي الوحيد الذي يخترق المنطقة السكنية في المدينة، و قد لعب دوره البارز في تحديد النمط التخطيطي و الهيكل العمراني للأحواش و الأزقة المجاورة له.

و يشير المؤرخ عاتق البلادي إلى وصف هذا الوادي فيبين أهميته بقوله:

(وادي بطحان واد هو أصغر أوديتها نجد أن شأنه بها عظيم ذلك أنه يشق المدينة مع الوسط و يمر قبلة مسجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و قبلة مسجد الغمامة ثم يجتمع بالعقيق أسفل المدينة) ... ثم يصف لنا طبيعة مساره في العالية فيقول:

(و على صدره مزارع و نخيل العوالي) (1).

كما يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى تيامن أهل المدينة بقدومه فيقول: (و يتيامن سكان المدينة بقدوم سيل أبي جيدة، و لعل السبب في ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها من أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «إن بطحان على ترعة من ترع الجنة») (2).

(15) (وادي بطحان) صورة لوادي بطحان أثناء جريانه في عام 1413 ه.

____________

(1) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 108).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 233).

627

و تعتبر بداية وادي بطحان المعروفة عند أهل المدينة اليوم من سد وادي بطحان حيث تجويف الحرة الطبيعي الذي تنتهي إليه شعاب و شرائع مصادر الوادي و التي تكون بمجملها خزان مياه طبيعي بين أحضان صخور الحرة و التي تعتبر أحد المصادر الهامة لزيادة و ارتفاع منسوب المياه الجوفية في المنطقة نظرا لما تلعبه هذه الحرة ذات الشقوق و المسام الكثيرة في نفاذ كميات كبيرة من تلك المياه إلى المخزون الباطني لهذه الحرة و التي كانت أحد الأسباب الرئيسية و الهامة في توفر المياه الجوفية في منطقة الحرة و ما يتبعها من مناطق مجاورة كمنطقة قربان و العوالي و التي اشتهرت منذ القدم بوفرة مياهها و كثرة بساتينها و مزارعها التي احتوت على مئات الآلاف من أشجار النخيل و العنب و الرمان و الليمون إلى غير ذلك من المنتوجات الزراعية الأخرى، فأصبحت بذلك إحدى المناطق الهامة التي تمد سكان المدينة و ما جاورها بثمار و خيرات هذه الأرض المباركة.

و قد أدرك أهل المدينة و امراؤها و من تولى أمرها هذه الحقيقة الهامة و ما تلعبه مياه هذا الوادي عند تجمعه في حوض الحرة من أهمية كبيرة في إمداد و زيادة المخزون المائي الجوفي لعالية المدينة.

هذا بالإضافة إلى ما تميزت به طبيعة مياه هذا الوادي بأنها عبارة عن مجموعة مياه شرائع و شعاب هابطة تأتي مباغتة و مفاجأة في أغلب الأحيان مما يخشى منها لا قدر الله إحداث أضرار أو مشاكل على المدينة خاصة و ان مياه هذا الوادي تدخل إلى وسط المدينة.

و بناءا على ذلك جاء التفكير في إقامة السدود بين تجاويف و أحضان الحرة حيث كان الهدف منها تجميع أكبر كمية من هذه المياه داخل هذا الحوض الطبيعي و بالتالي بقاؤها فيه لأطول مدة ممكنة، كما يتم التحكم في خروج هذه المياه من السد بشكل بسيط و بطي‏ء يساعد أرض الحرة على امتصاص أكبر قدر من هذه المياه حتى تتم الاستفادة المرجوة من ذلك.

و قد توالى إنشاء هذه الحواجز المائية أو ما تعرف بالسدود على حوض هذا الوادي منذ القدم و لكن لم تتحدد فترة زمنية معينة لأول إنشاء له سوى ما أشار إليه مؤلف «الدر الثمين» من أن موضع السد القديم كان قد أقامه سكان المدينة عصرا بعد عصر من لدن العمالقة (1).

و يعتبر سد وادي بطحان الذي أقيم في عصر الدولة السعودية أيدها الله من أكبر و أشمل السدود التي أقيمت من قبل، و يتكون هذا السد في الحقيقة من ثلاثة سدود متصلة ببعضها أقيمت في موضع السد القديم، و لا يزال هذا السد قائما يؤدي‏

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 131، 132).

628

مهمته التي أقيم من أجلها و توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين الرعاية الدائمة حتى يظل شامخا قادرا على الصمود يؤدي مهامه التي انشى‏ء من أجلها.

و قد أنشى‏ء السد الأول و الثاني عام 1386 ه/ 1966 م، و يسمى سد بطحان، أما السد الثالث فقد أنشى‏ء عام 1401 ه/ 1981 م و يسمى سد الشرائع، و يطلق عليهما معا سد بطحان، و سد بطحان منفذ من الخرسانة بطول 266 مترا و ارتفاعه 12 متر و سعته التخزينية 000، 500 متر مكعب من المياه، و عدد بواباته خمسة بوابات و مقطعه العرضي «75، 1* 00، 1» متر مربع، و عدد هداراته 12 هدار و بمقطع عرضي «10، 3* 5، 00» متر مربع. أما سد الشرائع فمنشأ من الأتربة و طوله خمسمائة متر و ارتفاعه ثمانية أمتار وسعته التخزينية 000، 880 متر مكعب تقريبا.

كما أحب أن أشير هنا إلى أن قيام أمانة المدينة المنورة بعمل سد ترابي في أعلى مصادر هذا الوادي لتحويل مسارها إلى الجهة الغربية حيث تصب في وادي العقيق لا يعني التقليل من كفاءة أو إلغاء مهمة السد القائم لأنه لا يزال يقوم بحجز مياه شرائع الحرة المحلية المجاورة بالإضافة إلى مياه وادي الشرائع الذي يهبط إليه.

و قد أشار كثير من المؤرخين إلى سد وادي بطحان و أهميته، و من أولئك ما أشار إليه الدكتور عمر الفاروق السيد رجب فيصف موقع هذا السد و وظائفه فيقول: (و قد أقيم في علو قرية قربان في غرب جنوب «أم عشر» و انتهى تشييده في سنة 1386 ه- 1966 م، و يقوم بحجز مياه وادي بطحان للاستفادة بها في الزراعة، و تخليص المدينة من آثاره المدمرة على أساسات مبانيها، خاصة و أنه يخترق كتلها السكنية فرأى الخبراء إنشاء الجسر و جعله ذو مهمتين: سدا و جسرا لحل مشكلتي المياه و المواصلات معا) (1).

كما يشير صاحب «الدر الثمين» إلى هذا السد فيقول: (كما شيدت المملكة العربية السعودية على وادي بطحان سدا عظيما يتكون من ثلاثة سدود متصلة ببعضها و هو من نوع السدود الحديثة، و هذا السد أقيم في موضع السد القديم) (2).

كما يحدثنا الأخ محمد البليهشي عن السعة التخزينية لهذا السد، فيقول:

«و في جنوب المدينة يوجد سد بطحان و انشى‏ء عام 1386 ه/ 1966 م، و تبلغ سعته التخزينية خمسة مليون متر مكعب من المياه) (3).

هذا و قد تحدث عن هذا الوادي بقوله: (و قد أسس في أعلاه سد بطحان لحجز المياه لتستفيد منها آبار حرة قباء، و كان السيل يسير في هذا الوادي بين‏

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 73).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 131، 132).

(3) «المدينة اليوم»- محمد البليهشي- (ص 227).

629

البساتين من النخيل في قباء و قربان و السيح و يجتمع بالعقيق في أسفل المدينة، و بعد أن أقيم السد علت في الوادي صهاريج ضخمة يسير منها الفائض من السيل عبر السد و تم دفن وادي (أبو جيدة) و أقيمت العمارات الضخمة به و زفلت أكثره و لم يأت السيل عبره منذ عشرين عاما من الآن) (1).

و يبلغ طول وادي بطحان من بدايته بخروجه من سد بطحان و حتى منتهاه في زغابة أكثر من ثلاثة عشر كيلومتر تقريبا حيث يبلغ طوله من نقطة خروجه من السد و حتى وصوله إلى الطريق الدائري الثاني بمقدار كيلومتر و مائتان متر تقريبا.

و يتصف مجرى الوادي في هذا الجزء بأنه وادي منحدر يتعرج بين تجاويف الحرة مختلف العروض، حتى يصل إلى أرض فضاء قبل وصوله إلى الطريق الدائري فيتسع مجراه ثم ينحصر مرة أخرى ليعبر الكوبري الذي أقيم له أسفل الطريق الدائري الثاني و على هذا الجزء بعض المزارع و البساتين التي لا تزال قائمة حتى اليوم بوضعها الطبيعي المعروف. فحبذا لو تقوم الأمانة بالمحافظة على مجرى هذا الوادي في هذه المنطقة و إبقائه على وضعه عند تخطيط الأراضي المجاورة له. ثم ينحدر هذا الوادي من خلال كوبري الطريق الدائري الثاني و حتى الطريق السريع شرقي مسجد قباء حيث يبلغ طول الوادي في هذه المنطقة بمقدار اثنين كيلومتر و سبعمائة متر تقريبا.

و يتميز هذا الجزء بأنه يجري بين مزارع و بساتين قائمة، و قد أقيم له كوبري صغير يمر من خلاله شرقي مسجد قباء، و يبلغ عرض هذا الوادي في هذه المنطقة و خاصة في أولها بأنه عريض جدا و منبسط حيث تغطي مياهه أجزاء كبيرة ثم ينحصر في مجرى صغير يعبر عبر الكوبري إلى الكوبري الآخر الذي أقيم له أسفل امتداد الطريق السريع بالقرب من مزرعة الشيخ حليت مسلم (رحمه الله تعالى) ثم يستمر هذا الوادي بعد الطريق السريع ليظهر مساره الطبيعي لمسافة قصيرة و عند بداية مزرعة السالمية تقريبا حيث تتلقاه القناة الصندوقية الخرسانية التي أنشئت لتحتوي مياه هذا الوادي حتى منتهاه في زغابة.

و قد كان يبلغ طول مسار هذا الوادي من نقطة عبوره الكوبري بالقرب من مزرعة الشيخ حليت مسلم و حتى بداية السيح غرب مسجد الغمامة بالقرب من دكة الترجمان بمقدار ثلاثة كيلومترات و ستمائة متر تقريبا، في حين يبلغ طول مسار هذا الوادي من بدايته عند المدرج غرب مسجد الغمامة و بداية السيح و حتى الكوبري الذي أقيم له على طريق سلطانة عبر المساجد السبعة بمقدار كيلومتر واحد و سبعمائة متر تقريبا.

____________

(1) «المدينة اليوم»- محمد البليهشي- (ص 33).

630

و قد كان يمر هذا الوادي في مساره هذا في غرب المساجد السبعة من خلال بعض المزارع و البساتين التي كانت هناك و لا تزال بعض آثار ذلك المسار قائمة إلى اليوم، كما يبلغ طول هذا الوادي بعد عبوره من كوبري سلطانة و حتى منتهاه في زغابة بأكثر من ثلاثة كيلومترات تقريبا.

و قد أقيمت على مجرى هذا الوادي الكثير من المزارع و البساتين، و قد امتدت قديما و حتى وسط المدينة حيث كانت هذه المزارع مرتبطة إلى حد كبير بمسار و مجرى هذا الوادي.

و يمكننا أن نتذكر مجرى هذا الوادي في وسط المدينة عند ما كان يأتي من خلف المدشونية فيمر أمام مزرعة السالمية و أحيانا يطمرها بالمياه ثم يمر بجوار الطايبية للشيخ محمد عبد العال ثم يعبر إلى البلاجية و هو موضع سوق الحطب سابقا حيث تحده المشرفية من الغرب و البلاجية من الشرق.

ثم يستمر الوادي فتشرف عليه كل من بساتين و مزارع الحجارية ثم يليها المراكشية و المحمودية (المحمودية- موقع سوق الخضار اليوم) من الشرق ثم يصل الوادي إلى باب قباء ثم حوش مناع الذي يحد الوادي من الغرب و بيوت حوش منصور تحد الوادي مباشرة من الشرق، و عند باب قباء أقيمت على الوادي مشاية تحتها عقود و في وسط المشاية هناك خرزة يأخذ منها مياه العين الزرقاء.

و من بيوت حوش منصور و التي كانت تطل على هذا المجرى بيت صادق و بيت الشيخ محمد نور كتبي، أما حوش عميرة فكان يحد مجرى الوادي من الغرب بينما ظهر مقابلا له مسجد سيدنا عمر من الشرق.

ثم ينحدر الوادي بعد كوبري المدرج حيث يحده من الشرق مبنى قصر الإمارة و المالية القديم و الذي كان يعرف بالمبخرة و هو موقع الهاتف الآلي و البريد اليوم. ثم يشرف على هذا الوادي من الغرب وقف الداغستاني، وقف الحجار و قد أقيم عند كبري المدرج خرزة كبيرة تتصل بمجرى العين الزرقاء للحصول على مياه العين من خلاله، و ما ان يفتح الوادي على السيح حتى تظهر بركة الحج المصري و بيوت الترجمان و دكة الترجمان و بيت خشيم من الشرق، و هي تحد هذا الوادي من هذه الجهة ثم يلي ذلك و في نفس الجهة مدخل القشاشي ثم فرن السلكاوي ثم النورية و بها بيت السيد حسين طه و بيت حسني العلي «مدير دار الأيتام سابقا» و بيت سليهم و بيت إبراهيم الدرندري حتى ينتهي الوادي بكبري كبير ذو عقود يعرف بالبرابيخ و هو يفصل بين السيح و أرض محبت.

أما من الجهة الغربية فيشرف على هذا الوادي في جهة السيح وقف القطان ثم مدخل السلطانية ثم بيت علي حمد الله ثم بيت حسن دمياطي ثم مدخل حوش مرمه ثم بيت كان يسكنه ماجد عسيلان ثم بيت محمد درندري ثم مدخل‏

631

حوش أبو شوشة ثم بيت الشيخ الفاضل (رحمه الله) ثم ملك البلاجي ثم مركز العسكر الذي كان يعرف بالكركون.

و ما أن يخرج الوادي من البرابيخ حتى ينبسط في أرض محبت حتى يظهر بيت الوقعة «البصري» التي تحد الوادي من الغرب ثم يليها أرض فضاء تابعة لأرض محبت ثم ينعطف السيل إلى الشرق قليلا و ذلك بقرب حديقة حمام سكر و من ثم يتجه الوادي إلى غرب المساجد السبعة.

و قد كان يشرف على هذا الوادي من الشرق بعد عبوره من البرابيخ بيوت زقاق الطيار التي ظهرت كثير من منازلها و مساكنها على هذا المسيل، و من معالمها مسجد أبو عنق، ثم تظهر بيوت باب الكومة التي لها واجهة على هذا المسيل ثم نخيل صدقة كان موجودا شرقي هذا الوادي و يعترض بعض نخيلها مساره أيضا ثم يتابع هذا الوادي مساره حتى منتهاه في زغابة.

و لا أزال أتذكر حتى اليوم تلك الأوقات الجميلة و السعيدة عند ما جاء مسيل أبو جيدة في فترة من الفترات و كنا وقتها صغارا ندرس في مدرسة سعد بن معاذ الابتدائية، و كنا نسكن وقتئذ في حوش مناع بقرب باب قباء و كنا نقضي أوقات طويلة و نتأخر في بعض الأحيان عن الحضور إلى المنزل بعد الانصراف من المدرسة لكي نذهب إلى مسار وادي أبو جيدة الذي يجري أمام حوشنا فنعتلي المواسير الحديدية التي ثبتت من خلال أعمدة مربعة كحاجز للمسيل فنستمتع برؤية مياه هذا الوادي التي تتدفق بشدة و قد ارتفع منسوب مياهه إلى أكثر من النصف.

و قد كان عمق المجرى في هذه المنطقة أكثر من خمسة أمتار و تظهر بعض أجزاء الأدوار السفلى للمنازل و الدور المطلة عليه بلونها الحجري الجميل فما أن تنحدر مياه الوادي من أسفل عقود الكبري الذي أقيم له عند مسجد سيدنا عمر بن الخطاب الذي يستمر حتى شارع العنبرية حتى تخرج مياه الوادي في مساره الطبيعي عند السيح.

و تظهر مباني السيح و دورها شامخة عالية بنيت أغلب أساساتها و حوائطها السفلى من الحجر و بشكل متين و خالي تماما من أي فتحات أو منافذ ليقاوم معه مرور مياه الوادي المتدفقة و التي تستمر في بعض الأحيان إلى أكثر من عشرة أيام و ينخفض منسوب المجرى الطبيعي للوادي عن منسوب أرضية المباني المجاورة لأكثر من خمسة أمتار.

و قد أطلت هذه المنازل و المساكن على هذا الوادي من خلال تلك الرواشين الجميلة التي ظهرت في تكوين و تشكيل جميل، و قد تم تصميم مداخل هذه الدور و المنازل من داخل الأحواش بينما تركت الواجهات المطلة على الوادي خالية تماما من المداخل أو الفتحات.

632

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

633

3 وادي قناة (سيل سيدنا حمزة)

634

وادي قناة (سيل سيدنا حمزة):

تمهيد:

يعتبر وادي قناة من أهم و أكبر أودية المدينة المنورة، حيث يعرف هذا الوادي عند أهل المدينة بسيل سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، و قد اشتق هذا الاسم لهذا الوادي لكونه يمر من منطقة سيد الشهداء جنوب قبر سيدنا حمزة رضي الله عنه. و حيث إن هذه المنطقة تعتبر من أهم المعالم و المآثر (1) (وادي قناة) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1994 م يوضح الموقع العام لبحيرة العاقول و المصدر الأساسي لمياه وادي قناة (1).

____________

(1) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1994 م- مقياس رسم 1/ 20000- أمانة المدينة المنورة.

635

(2) (وادي قناة) وادي قناة أثناء مساره بين المزارع و البساتين و قبل إخضاعه لأعمال الصيانة و التحسين.

الإسلامية فأطلق على الوادي اسم أهم شخصية إسلامية في هذه المنطقة ألا و هو أسد الله و أسد رسوله الذي أبلى بلاءا حسنا في معركة أحد الخالدة حتى قتل رضي الله عنه و دفن فيها.

و يعتبر وادي قناة أو سيل سيد الشهداء ذو مصادر مائية كثيرة فتنحدر إليه مجموعة كبيرة من الشعاب و الأودية الهابطة إليه من الجبال و الحرار المجاورة، هذا بالإضافة إلى أودية ترد إليه من أماكن بعيدة من أهمها وادي وج بالطائف، و نظرا لهذا الكم الهائل من المصادر المائية جعلت هذا الوادي من أخطر أودية المدينة.

و يحدثنا التاريخ أن هذا الوادي قد فاض عدة مرات بشكل مخيف حتى خشي منه على غرق المدينة، و قد انقطعت الزيارة و الوصول إلى منطقة سيد الشهداء لفترة طويلة حتى أنه استمر في التدفق في بعض الاوقات لمدة أربعة أشهر دون انقطاع.

و يعتبر وادي قناة من الأودية القديمة جدا، و قد ظل محافظا على مساره و مجراه منذ القدم حيث تشير الروايات التاريخية أن بعض القبائل القديمة كالعمالقة و من تلاهم قد نزلوا إلى قرب هذا الوادي للاستفادة من ثرواته الطبيعية فأقاموا المزارع و البساتين و زرعوا النخيل.

و قد أدرك أهل المدينة خصوبة أرض الوادي فأقاموا المزارع و البساتين على جانبيه و التي لا تزال إلى يومنا هذا و التي اعتبرت من المصادر الترفيهية الجميلة لأهل المدينة حيث يقضون فيها أسعد و أجمل الأوقات و خاصة في أوقات فيضان الوادي أو زمن اعتدال الجو.

و قد حظي هذا الوادي و حوضه بالاهتمام و الرعاية منذ القدم فأقيمت السدود و الجسور ثم توالى هذا الاهتمام حتى توّج بإهتمام حكومتنا الرشيدة التي حافظت على مسار هذا الوادي و أقامت عليه السدود و الجسور و أحاطته بالرعاية و الاهتمام و ذلك لما يلعبه من أهمية كبيرة في انتشار الرقعة الزراعية و زيادة منسوب المياه الجوفية في المنطقة.

وادي قناة في اللغة:

القناة في اللغة الأرض المحفورة أو المنحدرة التي ينساب و يجري فيها الماء.

و منها يقال- شقت القناة إذا فتح مجراها. و في «عمدة الأخبار» (القناة لغة- آبار تحفر و تخرق تحت الأرض بعضها إلى بعض، و يجري فيها الماء حتى يظهر على‏

636

(3) (وادي قناة) مسار وادي قناة جنوب جبل الرماة حيث المنطقة التاريخية في شمالها.

وجه الأرض كالنهر، و قناة واد بالمدينة و هي إحدى أوديتها الثلاثة عليها حرث و هي بين أحد و المدينة) (1).

كما يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى هذا المعنى اللغوي فيقول:

(و القناة لغة: الأرض المحفورة ليجري الماء فيها) (2). و في «معجم البلدان»: (قنا- بالفتح و القصر، بلفظ قنا جمع قناة- من الرماح الهندية) (3).

و في «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس: (القنا- احديداب في الأنف و الفعل قنى و قنى. و يمكن أن تكون القناة من هذا لأنها تنصب و ترفع، و ألفها واو لأنها تجمع قنا و قنوات و قناة الماء عندنا مشبهة بهذه القناة إن كانت قناة في الماء عربية و التشبيه بها ليس من جهة الارتفاع، و لكن هي كظائم و آبار فكأنها هذه القناة لأنها كعوب و أنابيب) (4).

ما جاء في تسمية وادي قناة «سيل سيدنا حمزة»:

لقد نسب كثير من المؤرخين و الكتاب الذين تطرقوا في الحديث عن هذا الوادي إلى أن سبب تسميته بقناة ترجع إلى عصر تبع ملك حمير الذي جاء يثرب و كان موضع هذا الوادي من المواضع التي نزلها و عند ما شخص منه قال:

هذه قناة الأرض فعرف هذا الوادي بعد ذلك بقناة نسبة إلى ذلك، و يشير السيد السمهودي إلى هذه التسمية فيقول: (وادي قناة- سمي بذلك لأن تبعا لما غزا المدينة نزل به، فلما شخص عن منزله قال: هذه قناة الأرض، فسميت قناة) (5).

ثم تناقل بعد ذلك الكثير من المؤرخين ما أشار إليه السيد السمهودي عن مصدر هذه التسمية فنقله السيد المؤرخ إبراهيم العياشي (رحمه الله)(6). كما ذكره السيد أحمد العباسي في مؤلفه «عمدة الأخبار» حيث قال: (و قد يقال وادي قناة، قالوا سمي قناة لأن تبعا مر به فقال: هذه قناة الأرض) (7). كما أشار الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى هذه التسمية فقال: (و سمي بهذا الاسم لقول تبع فيه: هذه قناة الأرض) (8).

أما السيد أحمد ياسين الخياري فيقول: (هذا الوادي- و يقصد وادي قناة-

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 399).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 237).

(3) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (4/ 399).

(4) «معجم مقاييس اللغة»- ابن فارس- (5/ 30).

(5) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1074).

(6) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 490).

(7) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 399).

(8) «آثار المدينة المنورة»- الاستاذ عبد القدوس الانصاري- (ص 237).

637

نزله تبع ملك حمير، فلما شخص منه قال هذه قناة الأرض، فسمي به) (1).

كما أشار إلى مضمون هذه التسمية الأستاذ محمد شراب بقوله: (سمي بذلك لأن تبعا لما غزا المدينة نزل به فلما شخص عن منزله قال: هذه قناة الأرض) (2).

و قد أجمع أغلب المؤرخين على أن التسمية بقناة هي تسمية للوادي بعد ابتعاده عن حدود حرة النار و سدها الذي أحدثته نار الحرة، و هو الحوض المعروف اليوم بحوض العاقول فتكون التسمية بقناة هي للوادي بعد انحرافه و ابتعاده عن حدود الحرة و حتى منتهاه في منطقة مجمع الأسيال.

أما تسمية الوادي بوادي الشظاة فتطلق على مسار الوادي عند حوض السد، سواء في الجزء المتعرج قبل وصوله إلى الحوض و بعد اتحاد كامل شرائعه و شعابه أو بعد خروجه من السد في اتجاه المدينة، و تستمر هذه التسمية سارية على مسار الوادي حتى يفترق عن الحرة و يبتعد عنها حيث يعرف عندئذ بوادي قناة.

قال السيد السمهودي محددا حدود التسميتين بقوله: (و في «القاموس» إن هذا الوادي عند المدينة، أي ما حاذاها منه تسمى قناة، و من أعلى منها عند السد أي الذي أحدثته نار الحرة تسمى بالشظاة) (3).

ثم يوضح السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله) مسار هذه الوادي و يحدد هاتين التسميتين فيقول: (وادي قناة: يأتي من الشمال الشرقي من جبل تيم، ثم‏ (4) (وادي قناة) مسار وادي قناة في منطقة سيد الشهداء و عند عبوره أسفل طريق سيد الشهداء رضي الله عنه.

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد الخياري- (ص 206).

(2) «المدينة في العصر الأموي»- الأستاذ محمد شراب- (ص 317).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1074).

638

يملأ حوض العاقول في قسميه الرمرام و أم القروان. ثم يأتي ماضيا إلى الشمال في موازاة الحرة حتى يرجع إلى جهة المغرب مقابل جبلي و عيرة و وعيّرة، و يكون جبل أحد من الشرق، و عند ما يقابل قهوة رشوان يمضي نحو حرة النار «و هي الشظاة» فيطلق عليه وادي الشظاة في حدود حرة النار، و يبقى اسم قناة عليه حتى يفيض إلى جهة بركة الزبير و هناك يصب فيه وادي ذي حرض) (1).

و قد جاء في «الدر الثمين» أن تسمية الوادي بقناة إنما هي تسمية للجزء من الوادي الفاصل بين الشهداء و جبل الرماة. و أعتقد أن هذا التحديد ضيق جدا لأننا لو نظرنا إلى مسار الوادي في الجزء الذي يفصل بين الشهداء رضي الله عنهم و جبل الرماة لعرفنا بأنه عبارة عن شريعة صغيرة تفترق من نفس الوادي ثم تعود إلى الالتقاء بنفس الوادي الأساسي غرب جبل الرماة، و لا يزيد طول هذه الشريعة عن مائتي متر، أما اليوم فقد ألغيت هذه الشريعة و دفن مسارها تماما و بقي المسار الأساسي للوادي و هو الواقع في جنوب جبل الرماة.

و أن فيما ذكره السيد السمهودي و المؤرخ السيد إبراهيم العياشي رحمهما الله تعالى دلالة واضحة على أن حقيقة التسمية بقناة تمتد إلى أشمل من ذلك فأشارا إلى أن اسم الوادي قناة كاسم عام لهذا الوادي و لكنه يسمى عند سد الحرة «أي بسد العاقول و حوضها الذي أحدثته نار الحرة» بوادي شظاة و يؤيد قولهما قول الشاعر:

فأنك عمري لو رأيت ظعائنا* * * سلكن على ركن الشظاة متيأبا

و تيأب كما أشرنا سابقا هو الجبل الذي عليه خزان مصلحة العين الزرقاء اليوم و الواقع على طريق المطار و المعروف بجبل الخزان.

كما أشار مؤلف «الدر الثمين» إلى وادي الشظاة الذي هو المصدر الأساسي لمياه وادي قناة فأطلق اسم وادي الشظاة على منحدر الوادي الأساسي الوارد من مرتفعات قرب الطائف و الذي قدر طوله على ما يزيد على ثلاثمائة و خمسين ميلا (2).

و لعله يقصد هنا ذلك الوادي الذي أشار إليه المؤرخون بوادي وج الوادي المنحدر من مرتفعات الطائف و الذي اعتبر المصدر الأساسي لمياه حوض العاقول، و قد اعتبر المؤلف أن مسار الوادي بعد مخرجه من السد و حتى مروره في السهل الممتد شمال الحرة الشرقية من العريض و حتى جنوبي جبل الرماة هو استمرارية لوادي الشظاة مما جعله يبقى على تسمية الوادي بوادي الشظاة و حتى وصوله إلى جبل الرماة.

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 290).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 158).

639

(5) (وادي قناة) مجرى وادي قناة قبل إخضاعه للصيانة و التحسين.

(6) (وادي قناة) مجرى وادي قناة بعد عبوره منطقة سيد الشهداء في اتجاه الغرب.

و أعتقد أن في استمرار تسمية الوادي بوادي الشظاة حتى بعد خروجه منه و ابتعاده عن حدود حرة النار في اتجاه المدينة مخالف و مغاير لما جاء به المؤرخون و عرف أهل المدينة حتى اليوم، فالمعروف و الواضح أن وادي الشظاة هو ما ارتفع من الوادي عند حدود الحرة كما يطلق على الوادي قبل وصوله إلى حوض العاقول فقط. أما ما بقي من الوادي و حتى منتهاه فيعرف بوادي قناة أو عند بعض الناس بوادي العاقول، قال عاتق البلادي عند حديثه عن وادي قناة: (و يعرف اليوم باسم وادي العاقول) (1). و قد جاء في «تحقيق النصرة» لزين الدين المراغي مسار وادي الشظاة و حدود تسميته فقال: (ثم وادي الشظا يأتي من شرق المدينة من أماكن بعيدة إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في المدينة الشريفة في جمادى الآخر سنة أربع و خمسين و ستمائة) (2). كما أشار السيد العباسي إلى مسار وادي الشظاة و حدود تسميته فقال: و في «القاموس» أنه من أدنى المدينة يسمى قناة و من أعلا منها عند نار الحرة يسمى بالشظاة) (3).

و يعرف وادي قناة أيضا عند بعض الناس بسيل سيدنا حمزة أو قناة حمزة رضي الله عنه، و تطلق هاتين التسميتين على جزء مسار الوادي عند منطقة أحد ابتداءا من انحرافه إلى الغرب من أسفل جسر طريق المطار و حتى كامل مساره جنوبي جبل الرماة و الشهداء رضي الله عنهم و حتى منتهاه. و قد تطرق المؤرخ علي بن موسى في وصفه للمدينة المنورة إلى هذا الوادي فأشار إليه بسيل سيدنا حمزة حيث قال: (و من شامي مسيل سيدنا حمزة بسفح أحد عند شريعة الحمام عين الشريوفي فمنطقة دامرة، و فيها من بقايا نخلها خمسين و سدرة) (4).

كما أشار علي بن موسى أيضا إلى هذا الوادي عند حديثه عن وصف عين المصرع فأسماه بوادي قناة حيث قال: (إن عين المصرع كانت جارية من خمسمائة عام للشريف و يرى نخيلها على طرف وادي قناة تجاه مرقد سيد الشهداء و عن يمين و يسار الذاهب لزيارة شهداء أحد) (5).

كما أشار الدكتور عمر الفاروق السيد رجب إلى الاسم المحلي لهذا الوادي اليوم فقال: (و يعرف محليا باسم سيل سيدنا حمزة) (6). أما المؤرخ السيد

____________

(1) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 109).

(2) «تحقيق النصرة»- زين الدين المراغي- (ص 190).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- ص 443.

(4) «وصف المدينة المنورة» لعلي بن موسى- ضمن «رسائل في تاريخ المدينة» للمؤرخ حمد الجاسر- (ص 21).

(5) «وصف المدينة المنورة» لعلي بن موسى- ضمن «رسائل في تاريخ المدينة» للمؤرخ حمد الجاسر- (ص 22).

(6) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 60).

640

(7) (وادي قناة) صورة توضح مسار وادي قناة من الجهة الشرقية و يظهر جبل الرماة في شماله.

(8) (وادي قناة) وادي قناة عند منطقة انقسامه جنوب جبل الرماة و يظهر الحائط الاستنادي الذي أقيم لإلغاء الشعبة الشمالية.

عثمان حافظ فقال: (وادي قناة و يعرف بسيل سيدنا حمزة) (1).

كما أشار إلى هذه التسمية أيضا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عند حديثه عن وادي قناة حيث قال: (و يطلق عليه في عرف أهل المدينة الحاضر اسم «سيل سيدنا حمزة») (2). أما المؤرخ السيد العباسي فقد أشار إلى وادي قناة بقناة حمزة و ذلك عند حديثه عن آطام أهل الوالج حيث قال: (و كان لأهل والج أطم يقال له الأزرق بطرف الوالج مما يلي قناة حمزة) (3).

ما جاء في وادي قناة من الأحاديث و الآثار:

يعتبر وادي قناة من الأودية الهامة التي لعبت دورا بارزا في توجيه و إرساء دعائم البيئة العمرانية و مواضع الحضارة في يثرب فقد كان وادي قناة منذ القدم أحد مقومات الحياة الأساسية في موضع يثرب القديمة آنذاك. و يشير الدكتور عبد الباسط بدر عند تحديده لموضع يثرب القديمة فيقول: (و تقع هذه المنطقة في منبسط الأرض، يبدأ من شمالي جبل سلع و يمتد إلى أطراف أحد، و يسير في الاتجاه الغربي من أحد محاذيا لوادي قناة إلى أن يصل إلى القسم الأخير من مجرى وادي بطحان) (4).

و تعتبر منطقة يثرب مقصد الحضارات و أماكن نزول القبائل القديمة فسكنت العمالقة هذه المواضع من يثرب، ثم تلاهم القبائل الأخرى فأقاموا الحصون و الآطام و زرعوا النخيل و أقاموا المزارع و البساتين على جانبي وادي قناة حيث خصوبة أراضيه و وفرة مياهه، و من تلك الحصون التي أقيمت بمقربة من هذا الوادي حصن الشيخان و الأطمان اللذان على طريق العريض حين يهبط من الحرة بقرب قناة و أطم صرار و الريان إلى غير ذلك من آطام كثيرة.

و يشير السيد السمهودي إلى بعض هذه الآطام فيقول: (و منها بنو ثعلبة و أهل زهرة بزهرة، و هم رهط الفيطون و هو ملكهم) ... إلى أن قال: (و كان لهم الأطمان اللذان على طريق العريض حين يهبط من الحرة، و كانت بزهرة جماع من اليهود و كانت من أعظم قرى المدينة و قد بادوا، و منها ناس كانوا بالجوانية- بفتح الجيم و تشديد الواو و الياء المثناة- من تحت موضع بقرب أحد في شمالي المدينة و لهم أطمان صارا لبني حارثة بن الحارث و هما صرار و الريان)، ثم يتابع السيد السمهودي حديثه عن الآطام فيقول: (و كان لأهل الوالج أطم بطرفة مما يلي قناة، و كان لبعض من هناك من اليهود الأطمان اللذان‏

____________

(1) «صورة و ذكريات»- السيد عثمان حافظ- (ص 283).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 237).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 443).

(4) «التاريخ الشامل»- د. عبد الباسط بدر- (1/ 112).

641

(9) (وادي قناة) صورة لوادي قناة من الجهة الجنوبية و قد فاض بالمياه في حوالي عام 1412 ه.

(10) (وادي قناة) صورة لوادي قناة من الجهة الشمالية و يظهر و قد غطت المياه كافة أجزاء مساره و ذلك عند جريانه في حوالي عام 1412 ه.

642

يقال لهما الشيخان بمفضاها المسجد الذي صلى فيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى أحد) (1).

و قد سال هذا الوادي العظيم في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إثر دعائه بطلب الاستسقاء، و ظل يسير شهرا كاملا حتى عم الخير و انتشر الرخاء. (فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء «و في رواية البخاري من باب كان و جاء المنبر» و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب، فاستقبل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال و انقطعت السبل فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس: و لا و الله ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. قال: فلا و الله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب فاستقبله قائما. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال و انقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يديه ثم قال:

«اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم على الآكام و الظراب و بطون الأودية و منابت الشجر» فانقلعت. و خرجنا نمشي في الشمس) متفق عليه‏ (2).

و زاد عندهما أيضا (فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت و صارت المدينة مثل الجوبة، و سال وادي قناة شهرا و لم يجي‏ء أحد من ناحية إلا حدث بالجود) (3).

و بجانب هذا الوادي المبارك دفن شهداء أحد رضي الله تعالى عنهم، و قد ورد في «الموطأ» للإمام مالك أن عمرو بن الجموح و عبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما و كان قبرهما مما يلي السيل و كانا في قبر واحد و هما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، و كان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن و هو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت و كان بين يوم أحد و يوم حفر عنهما ست و أربعون سنة) (4).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 164، 165).

(2) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الاستسقاء في المسجد الجامع، حديث (رقم 967)- (1/ 343، 344)/ و «صحيح الإمام مسلم»- كتاب صلاة الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء (رقم 8)- (2/ 612، 613).

(3) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الجمعة: باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، حديث (رقم 891)- (1/ 315، 316)/ و «صحيح الإمام مسلم» في الكتاب و الباب السابقين (رقم 9)- (2/ 614).

(4) «الموطأ» للإمام مالك بن أنس- (2/ 470).

643

(11) (وادي قناة) المسار القديم لوادي قناة قبل تهذيبه و تحسينه.

(12) (وادي قناة) صورة توضح مسار وادي قناة عند عبوره من أسفل أحد الجسور الحديثة التي أقيمت عليه.

مصدر وادي قناة (سيل سيدنا حمزة):

تشير معظم الروايات التاريخية أن مصدر وادي قناة الأساسي هي تلك المياه المنحدرة من مرتفعات الطائف و التي تمثل مجرى وادي وج و يرد هذا الوادي من مسافات بعيدة تتجاوز الثلاثمائة و خمسين كيلومتر تقريبا، هذا بالإضافة إلى ما ينحدر إلى هذا الوادي من شرائع و وديان كثيرة أخرى على طول مساره حتى ينتهي بحوض العاقول.

قال السيد السمهودي موضحا مصادر هذا الوادي فيما رواه عن ابن زبالة بقوله: (إن سيول قناة إذا استجمعت تأتي من الطائف، قالوا: و فحول أودية العرب قناة و أضم، أي اللاتي في مجتمع السيول و وادي نخلة، إنما سميت فحولا بعد صدورها و كثرة دوافعها، و يأتي وادي قناة من المشرق حتى يصل السد الذي أحدثته نار الحجاز) (1).

و قال ابن شبة في «تاريخه»: (وادي قناة يأتي من وجه الطائف، و قال المدائني قناة واد يأتي من الطائف و يصب في الأرحضية) (2). كما يشير المؤرخ مجد الدين الفيروز أبادي إلى مصدر هذا الوادي فيقول: (يقال إن مصدره من وج الطائف، و يعرف باسم سيل سيدنا حمزة، و يبعد عن المدينة بما يقارب الكيلين و يقع بينها و بين ضريح حمزة) (3).

و في «تحقيق النصرة» لزين الدين المراغي إشارة إلى مصدر هذا الوادي و هو (13) (وادي قناة) صورة لوادي قناة أثناء انحداره إلى الجهة الجنوبية و قد امتلأ بالمياه في حين تظهر المزارع و البساتين التي أحاطت به.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1074).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 172).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 473).

644

(14) (وادي قناة) مسار وادي قناة في منطقة سيد الشهداء و يظهر جبل أحد في شماله.

المسمى بشظاة، فيقول: (ثم وادي الشظاة يأتي من شرق المدينة من أماكن بعيدة إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة) (1)، و يقصد بالسد هو السد الطبيعي لبحيرة العاقول و المعروف اليوم بحوض العاقول.

و يشير الدكتور عمر الفاروق السيد رجب إلى مصدر هذا الوادي فيقول:

(وادي قناة فالمرجح أن مصدره من «وج الطائف»، و يعرف محليا باسم سيل سيدنا حمزة، و يبعد عن المدينة نحو أربعة كيلومترات شمالا، يفصل بينهما و بين جبل أحد الذي يقع شمالي الوادي بنحو كيلومتر و نصف، و يتجمع في وادي قناة ما يسيل من الأودية النجدية أو يدخل منطقة المدينة منحدرا من جبل «تين» ثم يملأ حوض العاقول) (2).

و يؤكد الأستاذ عبد القدوس الأنصاري مصدر هذا الوادي طبقا لما أورده المؤرخون و الكتاب فيقول عند حديثه عن وادي قناة «يجي‏ء هذا الوادي من شرقي المدينة» ثم يحدد مصدره بقوله: (و أعلى مصادر وادي قناة من وج بالطائف ... إلى أن قال: و يبعد عن المدينة في أقرب جهاته بنحو ثلاثون دقيقة بالمشي المتوسط، و هذه الجهة هي الواقعة بين المدينة و ضريح حمزة عم الرسول و أسد الإسلام و سيد الشهداء رضي الله عنه) (3). قال الصاعدي: (و مصدر سيل وادي قناة من «وج بالطائف»، و تنضم إليه وديان فرعية حتى يصب في سد العاقول شمال شرق المدينة المنورة) (4).

كما جاء في كتاب المدينة اليوم (أن وادي قناة يأتي المدينة من جهة المشرق أي من جهة العاقول، و هو يسيل من عالية نجد و له اتصال بأودية الطائف و له روافد كثيرة) (5).

و يعتبر وادي قناة من أكبر أودية المدينة فهو ذو مصادر و روافد كثيرة تمده بالمياه، و قد يكون من الصعوبة بمكان تحديد جميع هذه الروافد و ما ينحدر إليه من شعاب و أودية إلا أننا نذكر من هذه الأودية و الشعاب الهابطة إلى هذا الوادي ما استطعنا معرفته سواءا مما أورده المؤرخون أو ما بدا واضحا من خلال المصورات الجوية المحيطة بهذا الوادي حيث يتضح لنا من الوهلة الأولى أن معظم الأودية و الشعاب التي تهبط إلى هذا الوادي العظيم تأتي معظمها من الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة المنورة و على مسافات متفاوتة.

____________

(1) «تحقيق النصرة»- زين الدين المراغي- (ص 190).

(2) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 60).

(3) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري (ص 237).

(4) «أحد»- سعود الصاعدي- (ص 24).

(5) «المدينة اليوم»- محمد البليهشي- (ص 34).

645

و يمكن ذكر هذه الأودية و الشعاب كما يلي:

1- شعيب اللواء:

و هو شعب كبير يهبط من الجهة الجنوبية للمدينة المنورة ثم يتجه شمالا ثم ينحرف قليلا إلى الغرب ليصب بعد ذلك في قاع كبير يؤدي إلى بحيرة العاقول، و مصدر هذا الشعب هو تجمع لمجموعة من الشعاب الهابطة من كثير من الجبال أهمها جبل الملساء جنوبا و ما يحيط به من هضاب، و جبل أبو غويشية الواقع جنوب جبل الملساء إلى جهة الشرق قليلا و السفوح الغربية لجبال روضة عطية و هذه الجبال تقع شرقي جبل الملساء، كما تنحدر كثير من الشعاب من حلية اللحيان و حلية عميط و حلية الأناهي حيث تتجمع هذه الشعاب جميعا و تهبط إلى جهة الشمال و تلتقي بالشعاب الأخرى و هكذا حتى تكون بمجملها شعيب اللواء الذي يصب في قاع العاقول.

2- وادي الخنق:

و هو أحد أهم و أكبر المصادر الممونة لوادي العاقول، و يتكون وادي الخنق من مجموعة كبيرة من المصادر سواءا الأودية أو الشعاب، من أهمها:

أ- شعيب صماخ: و هو الشعيب الهابط من الجهة الشمالية الشرقية من حرة القفيف الشرقية، و ينحدر هذا الوادي من الجهة الشمالية الشرقية إلى الجهة الجنوبية الغربية حتى يتلاقى مع شعب البديعة و هو شعب آخر يهبط من جنوب جبال السدير المشرفة على طريق الرياض- القصيم، و يسير هذا الشعب بصحبة بعض الشعاب الأخرى الهابطة من حرة القفيف من الجهة الشمالية الغربية حتى تتحد جميعا في شعيب البديعة، و يهبط هذا الشعب إلى الجهة الجنوبية الغربية ليلتقي مع شعيب صماخ عند منطقة الجار العليا ثم ينحرف هذا الشعب إلى جهة الجنوب قليلا ليلتقي مع وادي الخنق الهابط من الجهة الجنوبية الشرقية و المنحدر إلى الجهة الشمالية الغربية باتجاه قاع العاقول عند جبال الفرائد و منطقة العطافية.

ب- شعاب و أودية قاع الفريدة: و هو عبارة عن قاع واسع يقع جنوب جبل الفرائد و غربي جبال الغبى، و يمتلى‏ء هذا القاع بالمياه الصادرة من الشعاب الكثيرة الهابطة من جبال روضة عطية الشمالية و الهضاب الكثيرة المنتشرة في تلك المنطقة و خاصة الهضاب الغربية، و تتجمع هذه الشعاب في هذا القاع و عند امتلائه تهبط مياه هذا القاع في شرائع متعددة تتجه شرقا لتتقابل مع وادي الخنق.

ج- وادي حضوضاء: و يعتبر هذا الوادي هو أهم مصادر المياه التي تتجمع‏

646

ثم تهبط إلى الجهة الشمالية الغربية عبر وادي الخنق الضيق الذي لا يوجد مخرج آخر لوادي حضوضاء إلا هو، و هو عبارة عن مخرج بين مرتفعات محدود السعة تتجه منه مياه وادي حضوضاء بعد امتلاء قاعها لتصل إلى وادي الخنق مع الأودية و الشعاب السابقة لتصب في قاع العاقول، و يهبط وادي حضوضاء من أقصى الجهة الجنوبية الشرقية للمدينة المنورة.

و يصل وادي حضوضاء إلى منطقة الضميرية بعد أن يهبط من نفس الجهة الجنوبية الشرقية و من مسافات بعيدة مجمعا معه كثيرا من الشعاب و الأودية الهابطة على حافتيه حتى يصل إلى منطقة الضميرية و لو تتبعنا هذا الوادي من منطقة الضميرية، لوحدنا هناك الكثير من الاودية و الشعاب التي تمون هذا الوادي و يمكن إيجازها فيما يلي:

الأودية و الشعاب التي تمونه من الجهة الغربية:

1- شرائع و أودية قاع الحاقنة:

و هي أول شرائع تصل إلى الوادي بعد أن يفيض قاع الحاقنة بالمياه نتيجة هبوط شرائع المياه من حرة الرحضية، و هذه الحرة تقع في شمال قاع الحاقنة، و كذلك شرائع المرتفعات و الهضاب الجنوبية و الغربية. و يطلق على وادي حضوضاء في هذه الجهة عند التقاء أودية و شرائع قاع الحاقنة بوادي الشعبة، و يكون اتجاه الوادي في هذه المنطقة باتجاه الشمال الغربي يحده شرقا ضليعات أم العشاش و غربا حرة الرحضية، و يسير مستقيما قليل التعرج حتى يصل إلى منطقة دحلة الحاج و غرب جبال الزور فينحرف الوادي إلى الشمال نتيجة تصادمه بهضاب سفوح جبال الخيالة العالية، و يطلق على هذا الوادي في هذه الجهة نفس الاسم السابق و هو وادي الشعبة و يحده هنا من الشرق جبال الحاج و ضليعات الدونك و غربا يحده جبال و هضاب جبال الخيالة، و في هذه المنطقة لا توجد شعاب تحد الوادي تستحق الذكر فيما عدا بعض الشعاب الشرقية الهابطة من جبال الحاج و التي تتصل بالوادي و هي شعاب صغيرة و متعددة و بعد ذلك ينحدر الوادي و يرجع إلى مساره الطبيعي أي إلى الاتجاه الشمالي الغربي، و ذلك عند منطقة قاع القرن شرقا و جبال الوهيفة غربا، و عند هذا الانحدار يتسع الوادي بشكل كبير جدا، و يطلق عليه هنا اسم قاع حضوضاء و عند هذا القاع العظيم تتجمع كثير من الأودية و الشعاب التي لها دور كبير في تكون وادي حضوضاء بعد ذلك.

647

2- وادي أو شعب خريط:

و هو أحد أهم الشعاب، و يهبط هذا الشعب من الجهة الجنوبية و من قاع الحرجة بالضبط، و هذا القاع هو قاع كبير يقع بين جبال الخيالة شرقا و جبال الزور جنوبا، و جبل القهد شرقا و جبال ضبع الشمال و جبال أم جنب و جبل أم حمض و جبل الشعثاء غربا و يمتلى‏ء هذا القاع بالمياه الواردة إليه من الأودية و الشعاب التالية:

- وادي مخير: و هو وادي يأتي من أقصى الجهة الجنوبية الغربية، و هو تجمع شعاب كثير من الجبال الغربية و الجنوبية الواقعة غرب حرة الرحضية، ثم يتجه هذا الوادي شرقا و ينحرف شمالا عند منطقة الروزة و يستمر حتى يصل إلى سفوح جبال الزور الجنوبية، و هنا ينحرف الوادي ليسير مع سفحه متجها إلى الغرب حتى يتلاقى مع شعيب الظاينة و هو شعب يهبط من حلية الحليس و جبل الظاينة الغربية، ثم يسير الوادي بعد تجمعه بالشعب و يلتف حول جبال الزور و يتجه شمالا ليقابله شعبين هامين هما شعيب القيف و هو شعب يهبط من الجهة الغربية من عند سفح جبل الظاينة الشمالي و جبال السماك الغربية و أما الشعب الآخر فهو شعيب أبو سدرة و هو الهابط من نفس الجهة و من جبل أم رقبة بالجهة الغربية يتصل هذين الشعبين بالوادي الأساسي وادي مخير، و يستمر الوادي شمالا حتى يصل إلى جبل القهد و هنا تمده شرائع جبال القهد الجنوبية ثم ينحرف الوادي شرقا مكونا عدة شرائع تصب جميعا في قاع الحرجة.

- وادي ضعة: و هو الوادي الثاني الذي يمد قاع الحرجة بالمياه من الجهة الغربية، و يهبط هذا الوادي من الجهة الغربية، و يمده شعاب كثيرة أهمها شعيب الصباح و هو الشعب الهابط من الجهة الشمالية الغربية من عند قاع الأشديدة الذي يمتلى‏ء بالمياه من الشرائع الشرقية لجبال ضبع الشمالي و جبال أم جنب و جبل الشعتاء الواقعة في الجهة الغربية، كما يحد وادي ضعة شعيب صياد و هو الهابط من الغرب من جهة جبال أم زنبة الغربية، ثم يستمر وادي ضعة بعد ذلك في اتجاه الشرق ليصب في قاع الحرجة.

و هكذا بعد امتلاء قاع الحرجة بالشرائع و الأودية السابقة تسيل مياه هذا القاع في وادي خريط باتجاه الشمال ليقابل قاع حضوضاء العظيم و الذي يزوده بالمياه، و بعد ذلك يتسع القاع و يتشعب باتجاه الشمال الغربي، و عند ضليعات القاع و جبال القديرة غربا و جبل الأفيهد و حرة الناعمة شرقا. و عند هذا التشعب نجد اللحيان الهابطة من الجهة الغربية و من صلية اللحيان يزود هذا القاع بالمياه أيضا، ثم يعود قاع حضوضاء للتجمع مرة أخرى ليكون مسارا واحدا ثابتا تقريبا و يعود إلى اتجاهه الأساسي و هو الشمال الغربي حتى يصل إلى السفوح الشرقية لجبال روضة عطية و غرب جبل حضوضاء. و هنا يقابل هذا الوادي الكبير

648

مخرج واحد فقط و هو مخرج وادي الخنق الضيق الذي لا يوجد مخرج غيره فيسير عبر هذا المخرج وادي الخنق و الذي يهبط في نفس الاتجاه الشمالي الغربي فيمر جنوب جبال الغبي و جنوب العطافية ثم يعبر ما بين العطافية و جبال الفرائد عند جهته الشرقية، و بعد ذلك يغير وادي الخنق اتجاهه فيصل إلى جهة الغرب و بالضبط عند جبال الفرائد عند سفحها الشمالي ثم يستمر غربا حتى يعود إلى اتجاهه الأساسي الشمالي الغربي و ذلك عند جبل تيم فيسير عند سفح جبل تيم من الجهة الغربية متجها شمالا حتى يصل إلى قاع العاقول.

أما الأودية و الشعاب التي تمد وادي حضوضاء من الشرق فهي كما يلي:

نعود إلى أول مصدر للوادي عند منطقة الضميرية، و نذكر أهم الأودية التي تمده من الجهة الشرقية:

1- شرائع أم العشاش:

و هي من الشرائع الهامة التي تغذي وادي حضوضاء بالمياه من جهة الشرق عند منطقة الضميرية و تهبط هذه الشرائع للوادي من الجهة الشرقية، و بعدها يستمر الوادي ليمر وادي الشعبة كما ذكرنا، ثم يتجه الوادي شمالا لتتصل به شعاب جبال الحاج و ضليعات الدونك الشرقية و هي عبارة عن شعاب صغيرة، و لكنها منتشرة و عددها كبير و يسير الوادي بعد ذلك في اتجاهه الأساسي الشمالي الغربي دون شعاب أو أودية تذكر تمده من الجهة الشرقية حتى يصل إلى قاع حضوضاء و هنا يمد القاع أحد أهم الأودية و هو:

2- وادي مخيط:

و هذا الوادي يعتبر من أكبر الأودية التي تمد قاع حضوضاء بالمياه من الجهة الشرقية و يستمد هذا الوادي مياهه من ثلاثة اتجاهات (اتجاه شمالي و اتجاه شرقي و اتجاه جنوبي)، و هذه المصادر كما يلي:

- من الاتجاه الشمالي يمد وادي مخيط و عند جبال الشماء شعيب المفارق، و هذا الشعب يهبط من الشمال يمده كثير من الأودية و الشعاب و القيعان بالمياه و من أهمها قاع أبو تنضبة الشرقي الذي يمتلى‏ء بالمياه من خلال الشعاب المنحدرة إليه من حرة هرمة، و من ثم تنحدر مياه هذا القاع إلى شعيب المفارق و في الشمال أيضا يمد هذا الوادي شعيب نجار و ما يتبعه من شعاب هابطة من جنوب و غرب حرة القفيق، ثم إلى الشمال أيضا يمد الشعب قاع حرة هرمة الشرقي و ذلك من خلال مجموعة من الشعاب الكثيرة التي تهبط من حرة هرمة بعد امتلائه بالمياه نتيجة وصول كثير من شرائع و شعاب مياه حرة هرمة إليه و في الشمال أيضا يتسع الوادي ليطلق عليه قاع اليتمة.

و عند هذا القاع تهبط إليه كثير من شرائع حرة القفيف الغربية ثم يستمر

649

الوادي شمالا و بانحراف إلى جهة الغرب حيث يطلق عليه وادي المخلط، و هذا الوادي عند الصويدرة شمالا و هنا تتصل بالوادي بعض من شرائع جبال السدير الغربية و شعاب الضويهرية من الشرق و كذلك يتصل بالوادي وادي الشقرة الكبير و هذا الوادي يأتي من أقصى الشمال من جبل شقر و جبل المرموتة و غيرها من الجبال الواقعة شمال قرية الصويدرة ثم يهبط وادي الشقرة الكبير إلى الجنوب.

و يعبر أسفل طريق الرياض- القصيم في اتجاه الجنوب حيث يمده كل من شعيب المغادي الهابط من الشرق و التي أصل شعابه من جبال أظلم في الشمال و بعد أن يهبط وادي الشقرة جنوبا يقابل وادي المخلط فيتحد معه و يهبط جميعا حتى يصلا إلى وادي مخيط، و يطلق على هذا الوادي قبل التقائه بوادي مخيط شعيب أو وادي المفارق.

- أما من الشرق فيمد وادي مخيط كثير من الشعاب المنحدرة من الهضاب و الجبال الشرقية مثل جبال المدير و جبال فخاذ.

- أما من الجهة الجنوبية فيمد وادي مخيط كثير من الشعاب مثل شعيب علية و شعيب الدونك عند جبال العرف و شعيب القنيني عند جبال المنصى و جميع هذه الشعاب تهبط من الشرق في اتجاه الغرب، ثم تتجمع سويا عند قاع القرن و تتجه في شعيب واحد باتجاه الشمال حتى تتصل بوادي المخيط عند جبال الشحا.

و من هذه المصادر الثلاثة يتكون وادي المخيط الذي سبق و أن أشرنا إلى أنه من أهم الأودية التي تزود قاع حضوضاء بالمياه من الجهة الشرقية، و بعد هذا الوادي و عند جبل الأفيهد تصب في القاع أيضا بعض شعاب حرة الناعمة من جهتها الغربية، بالإضافة إلى بعض شعاب جبل وفل من سفحه الجنوبي و بعدها يتجمع تشعب قاع حضوضاء كما أشرنا و ينطلق إلى جهة الشمال الغربي عبر مخرجه الوحيد وادي الخنق و منه إلى قاع العاقول.

3- وادي البطان:

و هو من الأودية التي تمد وادي العاقول بالمياه، و هو يتكون من تجمع كثير من الشعاب الشمالية كجبال أبو زريبة و جبال الثعلبي، و من الشعاب الشرقية من منطقة الجار العليا و الجار السفلى.

كما أن الشعاب المنحدرة من جبل تيم من الجهة الشمالية الشرقية كان لها دورها الهام في تكوين هذا الوادي الذي يسير عند سفح جبل تيم بعد تجمعه مع الشعاب الشرقية و الشمالية و باتجاه الشمال الغربي ثم يغير اتجاهه إلى الغرب و يمر بين جبال الثعلبي و منطقة شمال العاقول ثم يتجه بعدها إلى الجنوب حيث يتصل‏

650

بقاع العاقول.

هذا بالإضافة إلى الكثير من الأودية الأخرى التي ذكرها المؤرخون، و من ذلك ما جاء في «المواضع» لأبي علي الهجري بقوله: (سأل عتمي بن محمد أبا السري «عن در» فقال واد يدفع في الشعبة و الشعبة تدفع في قناة. كما سئل الخلصي عبد الله بن محمد الجعفري عن «ذي رولان» فقال هو واد من شرقي الحرة يدفع في صفوى، ثم يدفع في الشعبة و الشعبة في قناة ... و قال «هكر» غدير عن المدينة بثمانية أميال يدفع في قناة) (1). كما أشار المؤرخ السيد إبراهيم العياشي‏ (2) إلى بعض من الأودية الأخرى التي تدفع في قناة، و هي من الأودية القائمة و المعروفة حتى اليوم، و يمكن إيجاز أهمها بما يلي:

1- وادي نقمي: و هذا الوادي يتجمع ماؤه مما يسيل من جبال حمر و شهب في شمال منطقة موقع المطار اليوم، و تعرف عند البادية بالضليعات الحمر و الضليعات الأشيهبات، و يجري ماؤه جنوبا ليمتد ما بين موقع المطار و بين جبلي و عيرة و وعيّرة، و في الجنوب الشرقي منها يلتقي مع وادي قناة فيشكلان سيلا واحدا.

2- وادي نعمان: يقع في الناحية الشمالية الشرقية و يبعد عن المدينة بنحو عشر كيلومترات عن طريق المطار و يمر بين جبال نعامين و الوعيرتين من جهة و من جهة أخرى بين نعامين و أحد. و وادي نعمان واد يفيض من جبال خضر في الشمال من جبلي أحد و جبل و عيرة و وعيّرة و يصب بين الوعيرتين من غربيها، و من شرقي جبل أحد و يلتقي مع ما فاض من قناة و من نقمي.

3- وادي القدوم: ينقسم وادي قناة عند ما يصطدم بجبل عينين «جبل الرماة» إلى قسمين شمالي و جنوبي، الشمالي هو وادي القدوم، و القدوم هو ما فيه الميدان الثالث يوم أحد و فيه الشهداء اليوم. و يصب القدوم من شعب أحد المعروف اليوم بالمهاريس أو طريق المهاريس و كان يعرف بشعب الجرار، و هذا الشعب يصب من غربي قبور الشهداء في وادي قناة.

4- وادي الضيقة: و يجري هذا الوادي في شمال يثرب القديمة، و ينحصر بين سلسلة جبال غريبات من المغرب و ضليعات الرس من المشرق، و عند هذا المضيق ينتهي العقيق و ما انصب فيه، كما ينتهي قناة الوارد من الشرق عنده و يكون المجرى بعده و هو وادي أضم.

5- وادي حرض: سيل صغير في أرض الزبير بن العوام رضي الله عنه يسيل من بعض جبال الضليعات الحمر و الدقاقات و حتى يصب في قناة.

____________

(1) «المواضع»- أبو علي الهجري- تخريج الأستاذ حمد الجاسر- (ص 311، 317، 388).

(2) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 491، 492، 493).

651

وصف وادي قناة و مساره:

يعتبر وادي قناة من أكبر أودية المدينة و أشدها خطورة، و ذلك لما تميز به هذا الوادي من كثرة مصادره و تعدد روافده، فهو من الأودية التي تهبط إليها أعداد كبيرة من الشرائع الهابطة من أغلب الجبال الواقعة في الجهة الشرقية و الشمالية الشرقية هذا بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الشعاب الهابطة من بين تجاويف و منحدرات الحرة.

هذا بالإضافة إلى مصادره الرئيسية التي أشار إليها المؤرخون التي أوصلها بعضهم إلى أودية و شعاب الطائف حيث اعتبروا أن وادي «وج» من أشهر و أهم تلك الأودية بل و أعظمها سعة و أكبرها موردا مائيا حيث يتصل بهذا الوادي مئات الشعاب و الشرائع الهابطة إليه و على طول خط مساره من الطائف و حتى وصوله إلى بحيرة الحرة المعروفة اليوم بحوض العاقول و التي عرفت في الماضي بحوض أو قاع حرة النار التي أحدثته نار الحرة و بركانها العظيم في شهر جمادى الآخرة من سنة أربع و خمسين و ستمائة.

و يشير السيد زين الدين المراغي إلى ذلك بوصف وادي الشظاة الذي يعتبر (15) (وادي قناة) مخطط يوضح مسار وادي قناة و التقائه بوادي العقيق في شمال غرب المدينة المنورة (1).

____________

(1) مجلة أمانة المدينة المنورة (إنجازات و أرقام)- صفر 1411 ه- ص 121.

652

من أكبر الأودية التي تتصل ببحيرة العاقول فيقول: (يأتي من شرق المدينة من أماكن بعيدة إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في المدينة الشريفة في جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة) (1).

و نظرا لهذا التجمع المائي الكبير الذي يحتويه حوض العاقول و تعدد مصادره و عظمة موارده فقد أصبح من أخطر أودية المدينة، و نجد في المصادر التاريخية ما يؤكد ذلك فقد فاض وادي قناة بالمياه المتدفقة إليه من هذا الحوض عدة مرات بشكل هائل و عظيم هلع منه الناس و خشي منه على المدينة و لكن الله سلم.

قال المؤرخ زين الدين المراغي يذكر شيئا عن خطورة هذا الوادي و تاريخه القديم فيقول: (و قد انخرق هذا السد- أي السد الطبيعي حوض العاقول- من تحته لما تكاثر الماء من خلفه سنة تسعين و ستمائة، فجرى الوادي المذكور سنة كاملة يملأ ما بين جانبي الوادي، و سنة أخرى دون ذلك.

ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة كاملة أو أزيد، ثم انخرق في سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، و كان ذلك بعد توافر أمطار عظيمة في تلك السنة، و كثر الماء و علا من جانبي السد و من دونه مما يلي الجبل و غيره في تلك النواحي، فجاء سيل لا يوصف، و مجراه مشهد حمزة و قبلي جبل عينين، و بقي المشهد و جبل عينين في وسط السيل نحو أربعة أشهر لا يقدر أحد على الوصول إلى قبر حمزة و لا إلى الجبل المذكور إلا بمشقة، و لو زاد بمقدار (16) (وادي قناة) مخطط يوضح بعضا من المصادر و الشعاب الواردة لبحيرة العاقول من المناطق المجاورة (2).

____________

(1) «تحقيق النصرة»- السيد زين الدين المراغي- (ص 190).

(2) أخذت هذه الخريطة من كتاب «اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 235). شكل رقم 16 مكبر.

653

ذراع في الارتفاع وصل المدينة الشريفة، و كان الواقف خارج باب البقيع على التل الذي هناك يراه و يسمع خريره، ثم استقر في الوادي بين القبلي الذي أحدثه و الشمالي قريبا من سنة) (1).

كما يشير المؤرخ محمد لبيب البيتوني في رحلته إلى فيضان هذا الوادي فيقول: (و في سنة 734 ه فاض وادي القناة فأغرق الجهة الشمالية من المدينة إلى جبل أحد و انقطع الناس بسببه عن زيارة سيدنا حمزة ستة شهور، و في سنة 1328 ه نزل السيل إلى المدينة و تكونت مياهه عند جبل أحد و بلغ عمقها نحو نصف متر) (2).

و يؤكد الأستاذ عبد القدوس الأنصاري‏ (3) فيضان هذا الوادي في أواخر القرن السابع الهجري عام 690 ه و في أوائل القرن الثامن الهجري من عام 734 ه و أربعة مرات بصفة عظيمة هلع منها الناس و خافوا من فيضانه على المدينة و إغراقها، و لكن الله سلم.

كما يشير السيد السمهودي إلى قصة هذا الفيضان فيما رواه عن ابن زبالة بقوله: (و هو أحد فحول أودية العرب فيأتي من الشرق حتى يصل السد الذي أحدثته نار الحرة و انقطع هذا الوادي بسببه ثم انخرق سنة 690 ه فجرى الوادي يملأ ما بين الجبلين في تلك السنة و سنة أخرى، ثم انخرق بعد السبعمائة فجرى سنة أو أزيد ثم انخرق سنة 734 ه بعد تواتر الأمطار فحفر واديا آخر غير مجراه الذي على مشهد سيدنا حمزة رضي الله عنه) (4).

كما يتحدث اللواء إبراهيم رفعت باشا إلى فيضان هذا الوادي في رحلته فيقول: (و قد فاض هذا الوادي في سنة 734 ه فأغرق الجهة الشمالية من المدينة و صعب على الناس أن يصلوا إلى مشهد حمزة أربعة أشهر) (5).

و قد لعب حوض العاقول دورا كبيرا و هاما في تجمع المياه الواردة إليه من مصادره المختلفة، و الذي أدى بالتالي إلى وجود مخزون مائي كبير قد تكون في الطبقات الجوفية للحرة مما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه الجوفية فازدادت مياه الآبار و انتشرت الرقعة الزراعية حتى كانت الحرة و لا تزال من أغنى مناطق المدينة بالمياه الجوفية، و من هذا المنطلق و ما لأهمية تخزين تلك المياه داخل حوض‏

____________

(1) «تحقيق النصرة»- السيد زين الدين المراغي- (ص 192)/ «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد الخياري- (ص 207).

(2) «الرحلة الحجازية»- محمد لبيب البيتوني- (ص 259).

(3) «آثار المدينة المنورة» الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 233).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1074).

(5) «مرآة الحرمين»- اللواء إبراهيم رفعت باشا- (ص 434).

654

(17) (وادي قناة) وادي قناة أثناء جريانه و تظهر المزارع و البساتين التي أقيمت على جانبيه‏ (1).

(18) (وادي قناة) مسار وادي قناة في منطقة انحرافه جنوب منطقة سيد الشهداء قبل إخضاعه لأعمال الصيانة و التحسين.

العاقول سعت الجهات المسؤولة منذ القدم على إقامة السدود بين تجاويف حوض الحرة بما يضمن زيادة كمية المياه المحجوزة داخل هذا الحوض.

و يشير مؤلف كتاب المدينة اليوم لأهمية هذا الحوض و ما يحتوي عليه من مياه حجزت بداخل هذا الحوض الطبيعي نتيجة إقامة السدود فقال: (و حيث إن المدينة تعتمد اعتمادا كليا على المياه الجوفية في الاستعمال للحياة الزراعية و نظرا لكثرة هذا الاستعمال لامتداد العمران و اتساع الرقعة الزراعية و الذي يعمل على انخفاض مستوى المياه في الآبار، و لهذا كان اهتمام الدولة بهذا الجانب كبيرا، فمنذ أن تولى الملك عبد العزيز (رحمه الله) الحكم، و هي مهتمة بإنشاء السدود لتوفير المياه و هذا ما نلمسه في تاريخ أول سد بالمدينة و هو سد العاقول حيث أنشى‏ء في عام 1374 ه/ 1954 م، أي قبل سبعة و عشرين عاما من الآن- في فترة تأليف الكتاب- لاستخدام الطمي و الماء في صناعة الطوب الأحمر و حجز الماء لتغذية الآبار الزراعية في المنطقة و بجانب هذا السد تم إنشاء سد آخر حديث من قبل وزارة الزراعة و المياه و تبلغ سعته المليون متر مكعب من المياه) (2).

و بقيام الدولة حفظها الله بإنشاء سد العاقول عملت على حجز المياه فتكونت بحيرة العاقول التي يبقى الماء فيها لفترة طويلة و لأهمية سيل هذا الوادي العظيم فقد عزز سده القديم بسد جديد ضخم و بقي الأول على حاله، و نظرا لكثرة المياه التي تأتي إلى حوض العاقول تكونت بحيرة عظيمة من الطمي تزيد مساحتها على عشرة كيلومترات مربعة تقريبا.

و يشير عاتق البلادي إلى طبيعة وادي قناة قبل إقامة سد العاقول فيقول:

____________

(1) «مجلة أمانة المدينة المنورة» (إنجازات و أرقام)- صفر 1411 ه- (ص 146).

(2) «المدينة اليوم»- محمد البليهشي- (ص 227).