زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج2

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
823 /
487

«ما هذا نور الدّين، بل هو فلان»- يعنون رجلا كان يشبهه و قد طلى وجهه بصفرة، ليخدعوا الناس بذلك.

و لما تحقّق أمير أميران عافية أخيه خرج من الدّار الّتي كان بها تحت القلعة، و بيده ترس يحميه من النّشّاب، و كان النّاس قد تفرّقوا عنه، فسار إلى حرّان، فملكها.

و سير نور الدّين إلى قاضي حلب، جدّي أبي الفضل هبة اللّه بن أبي جرادة، و كان يلي بها القضاء و الخطابة و الإمامة، و قال له: «تمضي إلى الجامع، و تصلي بالنّاس، و يعاد الأذان إلى ما كان عليه».

فنزل جدّي، و جلس بشمالية الجامع تحت المنارة، و استدعى المؤذّنين، و أمرهم بالأذان المشروع على رأي أبي حنيفة، فخافوا فقال لهم:

«ها أنا أسفل منكم و لي أسوة بكم».

فصعد المؤذّنون و شرعوا في الأذان، فاجتمع تحت المنارة من عوامّ الشّيعة و غوغائهم خلق كثير؛ فقام القاضي إليهم، و قال: «يا أصحابنا، وفّقكم اللّه، من كان على طهارة فليدخل و ليصلّ، و من كان محدثا فليجدّد وضوءه و يصلي، فان المولى نور الدّين- بحمد اللّه- في عافية، و قد تقدّم بما يفعل، فانصرفوا راشدين». فانصرفوا و قالوا: «ايش نقول لقاضينا»! و نزل المؤذّنون و صلى بالنّاس، و سكنت الفتن.

فلما عوفي نور الدّين قصد حرّان، فهرب نصرة الدّين أمير أميران،

488

و ترك أولاده بالقعلة بحرّان فتسلّمها، و أخرجهم منها، و سلّمها إلى زين الدين على كوچك، نائب أخيه، قطب الدّين.

ثمّ سار إلى الرقّة و بها أولاد أميرك الجاندار، و قد مات أبوهم، فشفع إليه بعض الأمراء في إبقائها عليهم، فغضب، قال: «هلّا شفعتم في أولاد أخي لمّا أخذت منهم حرّان، و كانت الشّفاعة فيهم من أحب الأشياء إليّ»؛ و أخذها منهم.

و خرج مجد الدّين بن الدّاية من حلب إلى الغزاة، في شهر رجب من سنة خمس و خمسين، فلقي جوسلين بن جوسلين، فكسره، و أخذه أسيرا، و دخل به إلى قلعة حلب.

ثمّ إنّ الفرنج أغاروا على بلد عيّن تاب، فأخذوا التّركمان، و نهبوا أغنامهم، و عادوا يريدون أنطاكية، فخرج إليهم مجد الدّين، و لقيهم بالجومة (1)، و كسرهم، و قتل منهم خلقا عظيما، و أسر البرنس الثّاني و خلقا معه، و دخل بهم إلى حلب في مستهل ذي الحجة من سنة ست و خمسين و خمسمائة.

و في سنة سبع، ولى نور الدّين كمال الدّين أبا الفضل محمّد بن الشّهرزوري قضاء ممالكه كلّها؛ و أمر القضاة ببلاده أن يكتبوا في الكتب بالنّيابة عنه، و كان قد حلف له على ذلك و عاهده عليه، و كان ذلك بدمشق‏

____________

(1)- الجومة: من نواحي حلب. معجم البلدان.

489

في السّنة المذكورة، فامتنع زكيّ الدّين قاضي دمشق، فعزل؛ و كتب إلى جدّي أبي الفضل بحلب، فامتنع أيضا.

و وصل نور الدّين و معه مجد الدّين بن الدّاية، و استدعاه نور الدّين إلى القلعة، و قال: «كنّا قد عاهدنا كمال الدّين، و حلفنا له على هذا الأمر، و ما أنت إلّا نائبي، و له اسم قضاء البلاد لا غير» فامتنع و قال:

«لا أنوب عن مكانين». فولّى قضاء حلب محيي الدّين أبا حامد بن كمال الدّين، و أبا المفاخر عبد الغفور بن لقمان الكردي؛ و ذلك بإشارة مجد الدّين لوحشة كانت بينه و بين جدّي.

[هزيمة نور الدين في البقيعة]

ثمّ إنّ نور الدّين جمع العساكر بحلب، في سنة سبع، و سار إلى حارم، و قاتلها، فجمع الفرنج جموعهم، و ساروا إليه. فطلب منهم المصاف فلم يجيبوه، و تلطّفوا معه حتّى عاد إلى حلب.

ثمّ جمع العساكر في سنة ثمان و خمسين و خمسمائة، و دخل إلى بلاد الفرنج، و نزل في البقيعة تحت حصن الأكراد محاصرا له، و عازما على أن يقصد طرابلس.

فاجتمع الفرنج، و خرج معهم الدّوقس الرّومي، و كان قد خرج في جمع كثير من الرّوم، و اتّفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا، فإنّهم يكونون آمنين، فركبوا لوقتهم و لم يتوقفوا، و ساروا مجدين إلى أن قربوا من يزك‏ (1)

____________

(1)- اليزك: الحرس المتقدم أو الطلائع.

490

المسلمين، فلم يكن لهم بهم طاقة، و أرسلوا إلى نور الدّين يعرّفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالحملة عليهم فلم يثبت المسلمون و عادوا منهزمين إلى نور الدّين و الفرنج في ظهورهم، فوصلوا جميعا إلى عسكر نور الدّين، حتّى خالطهم الفرنج، فقتلوا، و أسروا، قتلا عظيما و أسرا كبيرا.

و كان الدّوقس أشدّهم على المسلمين، فلم يبق أصحابه على أحد و قصدوا خيمة نور الدّين، و قد ركب فيها فرسه، فنجا بنفسه؛ و لسرعته ركب الفرس و الشّبحة في رجله، فنزل انسان كرديّ، و فداه بنفسه، فقطع الشّبحة، و نجا نور الدّين، و قتل الكرديّ، فأحسن إلى مخلفيه، و وقف عليهم الوقوف‏ (1).

و وصل نور الدّين إلى بحيرة قدس‏ (2)، و بينه و بين المعركة نحو أربعة فراسخ؛ و تلاحق به من سلم من العسكر، فقال له بعضهم: «المصلحة أن نسير، فانّ الفرنج ربّما طمعوا و جاؤوا إلينا، و نحن على هذه الحال»؛ فوبّخه و أسكته، و قال: «إذا كان معي ألف فارس التقيتهم، و و اللّه لا أستظلّ بسقف حتى آخذ بثأري و ثأر الاسلام».

و أرسل إلى حلب و دمشق، و أحضر الأموال و الثّياب و الخيام و السّلاح و الخيل، فأعطى الناس عوضا عمّا أخذ منهم بقولهم، و أصبح عسكره كأن لم يهزم و لم ينكب، و كلّ من قتل أعطى أولاده أقطاعه.

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 887- 888.

(2)- بحيرة قدس هي بحيرة قطينة حاليا قرب حمص.

491

و لمّا رأى أصحاب نور الدّين كثرة خرجه قال له بعض صحابة السّوء:

«إنّ لك في بلادك إدرارات و صلات و وقوفا كثيرة على الفقهاء، و الفقراء، و القرّاء، و الصوفيّة و غيرهم؛ فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح»، فغضب من ذلك و قال: «و اللّه إنّني لا أرجو النّصر إلّا بدعاء أولئك، فإنّما ترزقون و تنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عنّي و أنا نائم على فراشي بسهام لا تخطى‏ء، و هؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحلّ لي أن أعطيه غيرهم!».

و قيل: إنّ برهان الدّين البلخي قال لنور الدّين: «أتريدون أن تنصرا و في عسكركم الخمور و الطّبول و الزّمور، كلّا و اللّه». فلمّا سمع نور الدّين كلامه عاهد اللّه على التّوبة، و نزع عنه ثيابه تلك التي كان يلبسها، و التزم بلبس الخشن؛ و بطل جميع ما كان بقي في بلاده من الأعشار و المكوس و الضّرائب؛ و منع من ارتكاب الفواحش، و كتب إلى البلاد إلى زهّادها و عبّادها يذكر لهم ما نال المسلمين من القتل و الأسر، و يستمدّ منهم الدّعاء، و ان يحثّوا المسلمين على الغزاة؛ و كاتب الملوك الإسلامية يطلب منهم النجد و الاستعداد، و امتنع من النّوم على الوطي‏ء و عن جميع الشّهوات.

[الوزير شاور السعدي في دمشق‏]

و راسله الفرنج في طلب الصّلح فامتنع، فبينا هو في الاستعداد للجهاد إذ ورد عليه في شهر ربيع الأوّل، من سنة تسع و خمسين و خمسمائة، شاور وزير العاضد بمصر إلى دمشق، ملتجئا إليه، و مستجيرا به على ضرغام، و كان قد نازعه في الوزارة و غلب عليها.

492

[حملة شيركوه الأولى إلى مصر]

و طلب منه إرسال العسكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه، و يكون لنور الدّين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، و يكون نائبه مقيما بعساكره في مصر، و يتصرّف بأمر نور الدّين و اختياره، فبقي متردّدا بين أن يفعل ذلك و بين أن يجعل جلّ قصده إلى الفرنج، ثمّ قوي عزمه و سيّر أسد الدّين شيركوه بن شادي، في عسكر معه، في جمادى الأولى من سنة تسع و خمسين، و تقدّم إلى أسد الدّين أن يعيد شاور إلى منصبه.

و سار نور الدّين إلى طرف بلاد الفرنج ممّا يلي دمشق، بما بقي من العساكر ليمنع الفرنج من التّعرّض لأسد الدّين و شاور في طريقهما، فاشتغل الفرنج بحفظ بلادهم من نور الدّين عن التّعرّض لهما، و وصل أسد الدّين و شاور إلى بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدّين أخو ضرغام بعسكر المصريّين، و لقيهم فانهزم و عاد إلى القاهرة.

و وصل أسد الدّين إلى القاهرة، فنزل عليها في آخر جمادى الآخرة، فخرج ضرغام فقتل، و قتل أخوه، و خلع على شاور و أعيد إلى الوزارة.

و أقام أسد الدّين بظاهر القاهرة، فغدر شاور، و عاد عمّا كان قرّره مع نور الدّين، و أمر أسد الدّين بالعود إلى الشّام فامتنع، و طلب ما كان استقرّ فلم يجبه إليه، فأرسل أسد الدّين نوّابه فتسلّموا بلبيس، و حكم على البلاد الشرقية.

فأرسل شاور إلى الفرنج، و استنجد بهم، و خوّفهم من نور الدّين إن ملك مصر، فسارعوا إلى تلبيته، و طمعوا في ملك الديار المصريّة، و ساروا

493

إلى بلبيس، و سار نور الدّين إلى طرف بلادهم ليمنعهم عن المسير، فلم يلتفتوا، و تركوا في بلادهم من يحفظها.

و سار ملك القدس في الباقين إلى بلبيس، و استعان بجمع كثير كانوا خرجوا إلى زيارة القدس؛ و أقام أسد الدّين ببلبيس، و حصره الفرنج، و العسكر المصريّ ثلاثة أشهر و هو يغاديهم القتال و يراوحهم، فلم يظفروا منه بطائل، مع أنّ سور بلبيس قصير، و هو من طين‏ (1).

فعند ذلك خرج نور الدّين لقصد بلاد الفرنج، و نزل إلى حلب و جمع العساكر و أرسل إلى أخيه قطب الدّين صاحب الموصل، و إلى فخر الدّين قرا أرسلان صاحب حصن كيفا و إلى نجم الدّين ألبي صاحب ماردين و غيرهم من أصحاب الأطراف و استنجد بهم.

فسار قطب الدّين و مقدّم عسكره زين الدّين علي كوچك، و سيّر صاحب ماردين عسكره؛ و أما صاحب الحصن فقال له خواصّة و ندماؤه:

«على أي شي‏ء عزمت»؟ فقال: «على القعود، فإنّ نور الدّين قد تحشّف من كثرة الصّوم و الصّلاة، فهو يلقي نفسه و من معه في المهالك».

فلمّا جاء الغد أمر العسكر أن يتجهّر للغزاة فسألوه عمّا صدفه عن رأيه، فقال: «إنّ نور الدّين إن لم أنجده خرجت بلادي عن يدي، فانه قد كاتب زهادها و المنقطعين عن الدّنيا يستمدّ منهم الدّعاء، و يطلب منهم أن‏

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 894- 922.

494

يحثّوا المسلمين على الغزاة، و قد قعد كلّ واحد منهم و معه أتباعه و أصحابه، و هم يقرؤون كتب نور الدّين، و يبكون، فأخاف أن يجتمعوا على لعنتي و الدعاء عليّ». ثم تجهّز و سار بنفسه.

و لمّا اجتمعت العساكر خرج نور الدّين إلى حارم، و حصرها، و نصب المجانيق عليها، و زحف إليها، فخرج البرنس بيمند، و القمص صاحب طرابلس، و ابن جوسلين و الدوك مقدّم كبير من الروم. و ابن لاون ملك الأرمن، و جمعوا جميع من بقي من الفرنج بالسّاحل، و قصدوا نور الدّين.

فرحل إلى أرتاح ليتمكّن منهم إن طلبوه (و يبتعدوا) عن البلاد إن لقوه؛ و سيّر أثقاله إلى تيزين‏ (1)، فساروا فنزلوا على الصفيف‏ (2)، ثم عادو إلى حارم، فتبعهم نور الدّين على تعبئة الحرب، فلمّا تقاربوا اصطفّوا للقتال فحمل الفرنج على ميمنة المسلمين، و فيها عسكر حلب و صاحب الحصن، فانهزم المسلمون حتّى وصلوا إلى جدارهم؛ و نور الدّين واقف بازائهم على تلّ هناك يتضرّع إلى اللّه، و هو مكشوف الرّأس.

و بقي راجل الفرنج فوق عمّ، ممّا يلي حارم بالصّفيف، فعطف عليهم زين الدّين عليّ كوچك في عسكر الموصل، و كان نور الدين قد جعله كمينا في طرف العمق، و آجام القصب، فقتلهم عن آخرهم.

____________

(1)- تيزين من نواحي حلب، كانت تعد من أعمال قنسرين. معجم البلدان.

(2)- في الروضتين نقلا عن العماد و الأصفهاني «نزلوا على عم» الروضتين ج 1 ص 133، هذا و يوجد الآن في منطقة حارم قرية اسمها صفصافة.

495

و رجعت الخيّالة من الفرنج خوفا على الرّاجل أن يتبعوا المسلمين، فيقع المسلمون عليهم، فوجدوا الأمر على ما قدّروه، فرأوا الرّجالة منهم قتلى و أسرى، و اتّبعهم نور الدين مع من انهزم من المسلمين، فأحاطوا بهم من جميع الجهات، فاشتدّ الحرب، و كثر القتل في الفرنج، فوقعت عليهم الغلبة.

و عدل المسلمون إلى الأسر، فأسروا صاحب أنطاكية، و صاحب طرابلس، و الدّوك مقدّم الروم، و ابن جوسلين، و لم يسلم إلّا مليح بن لاون، قيل إنّ الياروقيّة أفرجوا له حتى هرب، لأنّه كان خالهم، و كان عدّة القتلى تزيد على عشرة آلاف.

و سار إلى حارم فملكها في شهر رمضان من السنة، و بث سراياه في أعمال أنطاكية، فنهبوها و أسروا أهلها، و باع البرنس بمال عظيم و أسرى من المسلمين‏ (1).

ثمّ سار في هذه السّنة إلى دمشق، بعد أن أذن لعسكر الموصل و ديار بكر بالعود إلى بلادهم، ثمّ خرج إلى بانياس، فحصرها و قاتلها، و كان معه أخوه نصرة الدّين أمير أميران- و كان قد رضي عنه و سامحه- و هو على حارم، بعد أن دخل إلى الفرنج، فأصابه سهم أذهب إحدى عينيه، فقال له: «لو كشف لك عن الأجر الّذي أعدّ لك لتمنّيت ذهاب الأخرى»، و جدّ في حصارها و فتحها، و ملأ القلعة بالذّخائر و الرّجال، و شاطر الفرنج‏

____________

(1)- انظر و قارن الروضتين ج 1 ص 133- 134.

496

في أعمال طبرية، و قرّروا له على ما سوى ذلك مالا في كل سنة.

و وصل خبر فتح حارم و بانياس إلى الفرنج النّازلين على بلبيس، فأرادوا العود إلى بلادهم، فراسلوا أسد الدّين في الصّلح رجاء أن يلحقوا بانياس، فاتّفق الحال على أن يعود إلى الشّام، و يسلّم ما بيده من أعمال مصر إلى أهلها، و لم يكن عنده علم بما جرى لنور الدّين بالشّام، و كانت الذّخائر قد قلّت عنده ببلبيس.

و خرج من الدّيار المصرية إلى الشّام، و جاء الفرنج ليدركوا بانياس، فوجدوا الأمر قد فات، و كشف أسد الدّين الديار المصرية، و استصغر أمر من بها.

[حملة شيركوه الثانية]

و دخلت سنة إحدى و ستّين و خمسمائة، فسار نور الدّين إلى المنيطرة (1) جريدة في قلة العسكر، على غفلة من الفرنج، و حصر حصنها، و أخذه عنوة، و قتل من به، و سبى و غنم غنيمة كثيرة، و أيس الفرنج من استرجاعه بعد أن تجمّعوا له و تفرّقوا.

و تحدّث أسد الدّين مع نور الدّين، في عوده إلى الدّيار المصريّة، فلمّا رأى جدّه سيّره إليها في ألفي فارس من خيار العسكر، في سنة اثنتين و ستّين و خمسمائة.

فسار على البرّ، و ترك بلاد الفرنج على يمينه، فوصل الديار المصريّة

____________

(1)- حصن بالشام قرب طرابلس. معجم البلدان.

497

و عبر النّيل إلى الجانب الغربي عند أطفيح‏ (1)، و حكم على البلاد الغربيّة، و نزل بالجيزة مقابل مصر، فأقام نيّفا و خمسين يوما.

فأرسل شاور و استنجد بالفرنج، فسار أسد الدّين إلى الصّعيد، و بلغ إلى موضع يعرف بالبابين‏ (2)؛ و سارت العساكر المصريّة و الفرنجيّة خلفه، فوصلوا إليه و هو على تعبئة و قد جعل أثقاله في القلب ليتكثّر بها؛ و جعل ابن أخيه صلاح الدين في القلب، و أوصاهم متى حملوا عليه أن يندفع بين أيديهم قليلا، فإذا عادوا فارجعوا في أعقابهم.

و اختار من يثق بشجاعته، و وقف بهم في الميمنة، فحمل الفرنج على القلب، فاندفع بين أيديهم غير مفرقين، فحمل أسد الدّين بمن معه على من بقي منهم، فهزمهم و وضع السّيف فيهم، و أكثر القتل و الأسر، و عاد الذين حملوا على القلب فوجدوا أصحابهم قد مضوا قتلا و أسرا فانهزموا.

و سار أسد الدّين إلى الاسكندريّة، ففتحها باتّفاق من أهلها، و استناب بها صلاح الدين، و عاد إلى الصّعيد، و جبى أمواله.

و تجمّع الفرنج و المصريّون، و حصروا صلاح الدّين بالاسكندريّة، فصبروا على الحصار إلى أن عاد أسد الدّين، فوقع الصّلح على أن بذلوا لأسد الدين خمسين ألف دينار، سوى ما أخذ من البلاد، و أن الفرنج‏

____________

(1)- بلد بالصعيد الأدنى من أرض مصر، على شاطى‏ء النيل في شرقيه. معجم البلدان.

(2)- على عشرة أميال من المنية. وليم الصوري ص 911- 913 مع وصف المعركة بتفاصيل مفيدة جدا.

498

لا يقيمون في البلاد، فاصطلحوا على ذلك، و عاد إلى الشّام، و تسلّم المصريّون الاسكندرية (1).

و أمّا نور الدّين فإنّه جمع العساكر في هذه السّنة، و دخل من حمص إلى بلاد الفرنج، فنازل عرقة، و نهب بلدها، و خرّب بلادهم، و فتح صافيتا و العريمة، و عاد إلى حمص، و خرج إلى بانياس، و خرج إلى هونين‏ (2)، فانهزم الفرنج عنه و أحرقوه، فوصل إليه نور الدين من الغد، فخرب سوره و عاد.

و كان حسّان صاحب منبج قد مات، و أقطع نور الدّين منبج ولده غازي بن حسّان، فعصى عليه في هذه السّنة، فسيّر إليه عسكرا، و أخذوها منه فأقطعها أخاه قطب الدّين ينال بن حسّان، و هو الّذي ابتنى المدرسة الحنفيّة بمنبج.

و في سنة ثلاث و ستّين و خمسمائة، نزل شهاب الدّين مالك بن عليّ بن مالك صاحب قلعة جعبر ليتصيّد، فأخذه بنو كلاب أسيرا و حملوه إلى نور الدّين في رجب، فاعتقله و أحسن إليه، و رغّبه في الأقطاع فلم يجبه، فعدل إلى الشدّة و العنف.

ثمّ سيّر إليها عسكرا فلم يقدر على فتحها، فعدل إلى اللّين مع صاحبها، إلى أن اتّفق الحال على أن عوّضه عنها بسروج و بزاعا و الملوحة (3)،

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 913- 922.

(2)- هونين حصن بجبل عاملة في جنوب لبنان الحالي. انظر معجم البلدان.

(3)- الملوحة قرية كبيرة من قرى حلب.

499

و سلّم إليه القلعة في سنة أربع و ستّين، و قيل لمالك: «أيّما أحبّ إليك سروج أو القلعة؟» فقال: «هذه أكثر مالا، و أمّا العزّ ففارقناه بالقلعة».

و في هذه السّنة أطلق نور الدّين في بلاده بعض ما كان قد بقي من المظالم و المؤن.

[وزارة شيركوه للعاضد]

ثمّ إنّ الفرنج طمعوا في الدّيار المصريّة فصعدوا إليها في سنة أربع و ستّين و خمسمائة، و أخذوا بلبيس، و ساروا إلى القاهرة فقاتلوها؛ و سيّر العاضد يستغيث إلى نور الدّين، و سيّر شعور نسائه في الكتب، فوصله الرّسول و هو بحلب، و بذل له ثلث بلاد مصر، و أن يكون أسد الدّين مقيما عندهم.

و كتبوا إلى أسد الدّين بمثل ذلك، فوصل إلى نور الدين إلى حلب من حمص و قد عزم على الايفاد إليه، فأمره بالتجهّز إلى مصر، و أعطاه مائتي ألف دينار سوى الثّياب و السّلاح و الدّواب، و حكمه في العسكر و الخزائن فاختار ألفي فارس، و أخذ المال و جمع ستّة آلاف فارس، و سار هو و نور الدّين إلى دمشق، فوصلها سلخ صفر، و رحل إلى رأس الماء (1).

و أضاف إلى أسد الدّين جماعة من الأمراء منهم: عزّ الدّين جورديك، و غرس الدّين قلج، و شرف الدّين برغش، و عين الدّولة بن ياروق، و قطب الدّين ينال بن حسّان، و صلاح الدّين ابن أخيه.

____________

(1)- نبع السريا في حوران الذي تشرب منه بلدة الشيخ مسكين.

500

و سار أسد الدّين، فلمّا قارب مصر رحل عنها الفرنج إلى بلادهم، و وصل أسد الدّين إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة، و دخل إليها و اجتمع بالعاضد، و خلع عليه و عاد إلى خيامه، و في نفس شاور منه ما فيها، و لا يتجاسر على إظهاره.

و كان شاور يخرج في الأحيان إلى أسد الدّين يجتمع به، فخرج في بعض الأيّام على عادته فلم يجده في الخيام، و كان قد مضى لزيارة قبر الشّافعي- رضى اللّه عنه- فلقيه صلاح الدّين، و جورديك، في جمع من العسكر و خدموه، و أعلموه أنّ أسد الدّين قد مضى للزيّارة فقال: «نمضي إليه» فساروا جميعا، فساوره صلاح الدّين و جورديك، و ألقياه إلى الأرض، فهرب عنه أصحابه و أخذ أسيرا.

و أرسلوا إلى أسد الدّين فحضر في الحال، و جاءه التّوقيع في الحال بالوزارة على يد خادم خاص، و يقول: «لا بدّ من رأسه»، جريا على عادتهم في وزرائهم أنّ الذي يقوى على الآخر يقتله، فقتل و أنفذ رأسه إلى العاضد (1).

و أنفذ إلى أسد الدّين خلعه الوزارة، فسار و دخل القصر، و ترتّب وزيرا في سابع عشر شهر ربيع الآخر، و دام آمرا ناهيا إلى أن عرض له خوانيق، فمات في الثّاني و العشرين من جمادى الآخرة (2).

____________

(1)- انظر لمزيد من التفاصيل وليم الصوري ص 928- 936.

(2)- توفي نتيجة نهمه و تخليطه بالطعام انظر ما ذكره ابن الأزرق الفارقي ص 5319 من الموسوعة الشامية.

501

و فوّض الأمر بعده إلى ابن أخيه، و كان جماعة من الأمراء الذين كانوا مع أسد الدّين قد تطاولوا إلى الوزارة، منهم: عين الدّولة بن ياروق، و سيف الدّين المشطوب، و شهاب الدّين محمود الحارميّ- خال السّلطان صلاح الدّين- و قطب الدّين ينال بن حسّان.

[وزارة صلاح الدين للعاضد]

فأرسل العاضد إلى صلاح الدّين، و أحضره عنده، و ولّاه الوزارة بعد عمّه، و خلع عليه، و لقّبه بالملك النّاصر، فاستتبّت أحواله، و بذل المال، و تاب عن شرب الخمر، و أخذ في الجدّ و التشمير في أموره كلّها، و كان الفقيه عيسى الهكّاري معه، فميّل الأمراء الذين كانوا قد طمعوا بالوزارة إلى الانقياد إليه، فأجابوا سوى عين الدّولة بن ياروق، فإنّه امتنع، و عاد إلى نور الدّين إلى الشّام.

فاستمرّ الملك الناصر بالدّيار المصريّة وزيرا، و هو نائب عن نور الدّين، و كان إذا كتب إليه كتابا يكتب: «الأمير الاسفهسلار، و كافّة الأمراء بالدّيار المصريّة يفعلون كذا». و تكتب العلامة على رأس الكتاب، و لا يذكر اسمه.

و سيّر الملك النّاصر، و طلب أباه نجم الدّين و أهله، فسيّرهم نور الدّين إليه مع عسكر، و اجتمع معهم من التّجّار خلق عظيم، و ذلك في سنة خمس و ستّين.

و خاف نور الدّين عليهم من الفرنج، فسار في عساكره إلى الكرك فحصره و نصب عليه المجانيق، فتجمّع الفرنج، و ساروا إليه و تقدّمهم ابن‏

502

الهنفري، و ابن الرقيق‏ (1)، فرحل نور الدّين نحوهما قبل أن تلحقهما بقيّة عساكر الفرنج فرجعا خوفا منه و اجتمعا ببقيّة الفرنج.

و سلك نور الدّين وسط بلادهم، فنهب و أحرق ما في طريقه إلى أن وصل إلى بلاد الاسلام، فنزل على عشترا (2) على عزم الغزاة، فأتاه خبر الزّلازل الحادثة بالشّام، فإنّها خربت حلب خرابا شنيعا، و خرج أهلها إلى ظاهرها.

[أخبار الزلازل‏]

و تواترت الزّلازل بها أيّاما متعدّدة، و كانت في ثاني عشر شوّال من السّنة يوم الاثنين طلوع الشمس، و هلك من النّاس ما يزيد على خمسة آلاف نفر ذكر و انثى، و كان قد احترق جامع حلب و ما يجاوره من الأسواق قبل ذلك في سنة أربع و ستّين و خمسمائة، فاهتمّ نور الدّين في عمارته و إعادته و الأسواق التي تليه إلى ما كانت عليه، و قيل: إنّ الاسماعيليّة أحرقوه.

و بلغه أيضا وفاة مجد الدّين ابن دايته، أخيه من الرضاعة بحلب، في شهر رمضان سنة خمس و ستّين و خمسمائة، فتوجّه نور الدّين إلى حلب، فوجد أسوارها و أسواقها قد تهدّمت.

و نزل على ظاهر حلب حتى أحكم عمارة جميع أسوارها، و بنى الفصيل الدائر على البلد، و هو سور ثان.

____________

(1)- في الروضتين ج 1 ص 183: «و ساروا اليه و ان ابن الهنفري و فيليب بن الرقيق و هما فارسا الفرنج في وقتهما في المقدمة إليه».

(2)- على مقربة من بلدة نوى في حوران سورية.

503

و رمّم نوّابه ما خرب من الحصون و القلاع مثل بعلبك، و حمص و حماة، و بارين، و غيرها.

[توجه نور الدين إلى الموصل‏]

و خرج نور الدّين إلى تلّ باشر، فوصله الخبر بوفاة أخيه قطب الدّين بالموصل في ذي الحجّة، و كان أوصى بالملك لابنه الأكبر عماد الدّين زنكي، و كان طوع عمّه نور الدّين لكثرة مقامه عنده، و لأنّه زوج ابنته.

ثمّ إنّ فخر الدّين عبد المسيح و خاتون ابنة تمرتاش بن إيلغازي زوجة قطب الدّين، و هي والدة سيف الدّين غازي بن قطب الدّين اتفقا على صرف قطب الدّين عن وصيّته لابنه عماد الدّين إلى سيف الدّين غازي.

فرحل عماد الدّين إلى عمّه نور الدّين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك له؛ فسار نور الدّين في سنة ستّ و ستّين و خمسمائة، و عبر الفرات عند قلعة جعبر في مستهلّ المحرّم، و قصد الرّقّة فحصرها و أخذها، ثم سار في الخابور، فملكه جميعه، و ملك نصيبين، و أقام بها يجمع العساكر، و كانت أكثر عساكره في الشّام في مقابلة الفرنج.

فلمّا اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، و نصب عليها المجانيق، و فتحها فسلّمها إلى عماد الدّين زنكي ابن أخيه، و جاءته كتب الأمراء بالموصل يبذلون له الطّاعة، و يحثّونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل.

و كان سيف الدّين غازي و عبد المسيح قد سيّرا عزّ الدّين مسعود بن قطب الدّين إلى أتابك شمس الدّين إيلدكز صاحب أذربيجان و أصبهان،

504

يستنجدانه على نور الدّين، فأرسل إيلدكز إليه رسولا ينهاه عن التعرّض للموصل فقال نور الدين: «قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلا تدخل بيننا، و عند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون لي معك الحديث على باب همذان، فانك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، و أهملت الثّغور حتّى غلب الكرج عليها؛ و قد بليت أنا ولي مثل ربع بلادك بالفرنج، فأخذت معظم بلادهم، و أسرت ملوكهم».

و أقام على الموصل فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح بالعصيان، و تسليم البلد إلى نور الدّين، فعلم بذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد على أن يقره بيد سيف الدّين؛ و طلب الأمان لنفسه و على أن يمضي صحبته إلى الشّام، و يقطعه ما يرضيه فتسلّم البلد، و أبقى فيه سيف الدّين غازي.

و عاد إلى حلب فدخلها في شعبان من هذه السّنة.

[الغاء الخطبة الفاطمية]

و كتب إلى الملك النّاصر صلاح الدّين يأمره بقطع الخطبة العاضديّة و إقامة الخطبة المستضيئيّة العبّاسيّة، فامتنع و اعتذر بالخوف من قيام أهل الدّيار المصرية عليه، و كان يؤثر أن لا يقطع الخطبة للمصريّين في ذلك الوقت، خوفا من نور الدّين أن يدخل إلى الدّيار المصريّة فيأخذها منه، و إذا كان العاضد معه امتنع و أهل مصر معه، فلم يقبل عذره نور الدّين، و ألحّ عليه.

و كان العاضد مريضا فخطب للمستضي‏ء في الديار المصريّة، و توفيّ‏

505

العاضد، و لم يعلم بقطع الخطبة، و قيل: إنّه علم قبل موته؛ و كان ذلك في سنة سبع و ستّين و خمسمائة.

و في هذه السّنة تتبّع نور الدّين رسوم المظالم و المؤن في جميع البلاد الّتي بيده، فأزالها و عفى رسومها و محا آثار المنكرات و الفواحش، بعد ما كان أطلق من ذلك في تواريخ متقدّمة، و كان مبلغ ما أطلقه أوّلا و ثانيا خمسمائة ألف و ستّة و ثمانين ألفا و أربعمائة و ستّين دينارا.

و كان رأى وزيره موفّق الدّين خالد بن القيسراني في المنام كأنّه يفصل ثياب نور الدين، ففسّر ذلك عليه، ففكّر في ذلك و لم يردّ عليه جوابا، فخجل وزيره و بقي أيّاما و استدعاه، و قال: «تعال يا خالد، اغسل ثيابي»؛ و أمره فكتب توقيعا بازالة ما ذكرناه.

و سار الملك النّاصر من مصر غازيا، فنازل حصن الشّوبك و حصره، فطلبوا الأمان و استمهلوه عشرة أيّام، فلمّا سمع نور الدّين بذلك سار عن دمشق، فدخل بلاد الفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر: «إن دخل نور الدين من جانب و أنت من هذا الجانب ملك بلاد الفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، و إن جاء و أنت ههنا فلا بدّ لك من الاجتماع به، و يبقى هو المتحكم فيك بما شاء؛ و المصلحة الرّجوع إلى مصر».

فرحل عن الشّوبك إلى مصر، و كتب إلى نور الدّين يعتذر باختلال أمور الدّيار المصريّة و أنّ شيعتها عزموا على الوثوب بها، فلم يقبل نور الدّين‏

506

عذره، و تغيّر عليه و عزم على الدّخول إلى الديار المصريّة (1).

[بدايات الخلاف بين صلاح الدين و نور الدين‏]

فسمع الملك النّاصر، فجمع أباه نجم الدّين و خاله شهاب الدّين، و تقيّ الدّين عمر، و غيرهم من الأمراء، و أعلمهم ما بلغه من حركة نور الدّين و استشارهم، فلم يجبه أحد، فقام تقيّ الدّين، و قال: «إذا جاءنا قاتلناه» و وافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدّين أيّوب والد الملك النّاصر، و أقعد تقيّ الدّين، و قال للملك النّاصر: «أنا أبوك، و هذا شهاب الدّين خالك، و نحن أكثر محبّة لك من جميع من ترى؛ و و اللّه لو رأيت أنا و هذا خالك نور الدّين لم يمكننا إلّا أن نقبّل الأرض بين يديه، و لو أمرنا أن نضرب عنقك بالسّيف لفعلنا، فإذا كنّا نحن هكذا، فما ظنّك بغيرنا، و كلّ من نراه عندك، فهو كذلك، و هذه البلاد لنور الدّين، و نحن مماليكه و نوّابه فيها، فان أراد عزلك سمعنا و أطعنا، و الرّأي أن تكتب كتابا مع نجّاب و تقول له: بلغني أنّك تريد الحركة لأجل البلاد، و لا حاجة إلى ذلك بل يرسل المولى نجّابا يضع في رقبتي منديلا، و يأخذني إليك». و تفرّقوا.

فلمّا خلا نجم الدّين أيّوب بالملك النّاصر، قال له: «كيف فعلت مثل هذا؟ أما تعلم أنّ نور الدّين إذا سمع عزمنا على منعه و محاربته جعلنا أهمّ الوجوه إليه، و حينئذ لا نقوى به، و أمّا إذا بلغه طاعتنا له تركنا و اشتغل بغيرنا؛ و الأقدار بيد اللّه، و و اللّه لو أراد نور الدّين قصبة من قصب السّكّر

____________

(1)- انظر وليم الصوري ص 948- 953.

507

لقاتلته عليها حتّى أمنعه أو أقتل». ففعل ما أشار به عليه والده، فترك نور الدّين قصده، و اشتغل بغيره.

و خرج نور الدّين بالعساكر، ففتح حصن عرقة، و صافيتا، و عريمة (1)، و نهب و خرّب بلاد الفرنج ثم هادنهم.

ثمّ إن الفرنج ساروا إلى بلد حوران في سنة ثمان و ستّين للغارة، فسار نور الدّين إليهم، فنزل عشترا، و سيّر عسكره إلى أعمال طبريّة، فغنموا غنائم عظيمة، و عادوا.

[علاقات نور الدين مع مليح الأرمني‏]

و كان نور الدّين قد استخدم مليح بن لاون، ملك الأرمن، و أقطعه أقطاعا من بلاد الإسلام، و حضر معه حروبا متعدّدة فأنجده في هذه السّنة بطائفة من عسكره، فدخل مليح إلى أذنه و طرسوس و المصّيصة، و فتحها من يد ملك الرّوم، و أرسل إلى نور الدّين كثيرا من غنائمهم و ثلاثين أسيرا من أعيانهم‏ (2).

و قصد قلج أرسلان ذا النّون بن الدّانشمند صاحب ملطية و سيواس‏ (3)، و أخذ بلاده، و أخرجه عنها طريدا، فاستجار بنور الدين، و وصل إليه فأكرمه، و سيّر إلى قلج أرسلان يشفع إليه في إعادة بلاده إليه،

____________

(1)- قلعة قريبة من منطقة صافيتا.

(2)- انظر وليم الصوري ص 962- 963.

(3)- هي الآن مركز ولاية في تركية و تبعد عن أنقره مسافة 225 كم.

508

فلم يفعل فسار نور الدّين إليه في هذه السّنة فابتدأ بكيسوم‏ (1)، و بهسنى‏ (2)، و مرعش، و مرزبان‏ (3)، و ما يليها، و كان ملكه مرعش، في أوائل ذي القعدة، و الباقي بعدها.

و سيّر طائفة من عسكره إلى سيواس، فملكها؛ و راسله قلج أرسلان في الصّلح، و أتاه من أخبار الفرنج ما أزعجه فصالحه، و أعطى سيواس ذا النّون، و جعل معه قطعة من عسكره، و شرط على قلج أرسلان إنجاده بعساكره إلى الغزاة.

و اتّفق نور الدّين و صلاح الدّين على أن يصل كلّ واحد منهما من جهته، و تواعدا على يوم معلوم على أن يتّفقا على قتال الفرنج، و أيهما سبق أقام للآخر منتظرا، إلى أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدّين و وصل إلى الكرك و حصره.

و سار نور الدين فوصل الرّقيم‏ (4)- و بينه و بين الكرك مرحلتان- فخاف صلاح الدّين، و اتّفق رأيه و رأي أهله على العود إلى مصر لعلمهم بأنّهما متى اجتمعا كان نور الدّين قادرا على أخذ مصر منه.

[وفاة نجم الدين أيوب و نور الدين‏]

فعاد إلى مصر، و أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدّين يعتذر عن رحيله‏

____________

(1)- انظر حولها الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 442- 443.

(2)- انظر حولها بغية الطلب ص 326.

(3)- انظر حولها بغية الطلب ص 325.

(4)- قال ياقوت في معجمه: «و بقرب البلقاء من أطراف الشام موضع يقال له الرقيم، يزعم بعضهم أن به أهل الكهف» و المعني بهذا منطقة البتراء بالأردن.

509

بأنّه كان استخلف أباه نجم الدّين أيّوب على مصر، و أنّه بلغه أنّه مريض، و يخاف أن يحدث به حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، و لم يكن مريضا، و أرسل مع الفقيه عيسى من التّحف و الهدايا ما يجلّ عن الوصف، فجاء إليه فأعلمه برسالة صلاح الدّين، فعظم ذلك عليه و لم يظهر التأثّر بذلك، و قال: «حفظ مصر أهمّ عندنا».

و اتّفق أنّ صلاح الدّين وصل إلى مصر فوجد أباه قد سقط عن الفرس، و بقي أيّاما و مات، و هو غائب عنه، في السّابع و العشرين من ذي الحجّة من سنة ثمان و ستّين و خمسمائة. (1)

و خاف صلاح الدّين من نور الدّين أن يدخل مصر فيأخذها منهم، فشرع في تحصيل مملكة أخرى لتكون عدّة له بحيث أنّ نور الدّين إن غلبه إلى الديار المصريّة سار هو و أهله إليها و أقاموا بها.

فسيّر أخاه الأكبر تورانشاه بإذن نور الدّين له في ذلك، و سيّره قاصدا عبد النبي بن مهديّ، و كان دعا إلى نفسه، و قطع خطبة بني العبّاس، فمضى إليها، و فتح زبيد و عدن و معظم بلاد اليمن.

و صلاح الدّين على ما كان عليه من الطّاعة في الظّاهر لنور الدّين إلى أن اتّفق أن مرض نور الدّين بعلّة الخوانيق بدمشق، و توفّي بها يوم الأربعاء حادي عشر شوّال من سنة تسع و ستّين و خمسمائة، و كان قد شرع في التأهّب‏

____________

(1)- خير مصدر حول موضوع التوسع الأيوبي في اليمن هو كتاب «السمط الغالي الثمن في أخبار الملوك من الغز باليمن» لمحمد بن حاتم اليامي- ط، بيروت 1974.

510

للدخول إلى الديار المصريّة و ختن ولده الملك الصّالح اسماعيل بدمشق، في خامس شوّال، و أخرج صدقات كثيرة و كسوات للأيتام الّذين ختنهم معه.

و اتّسع ملكه بحيث خطب له بالحرمحين الشّريفين و بلاد اليمن الّتي افتتحها شمس الملوك، و انعمر بلد حلب في زمانه لعدله و حسن سيرته حتّى لم تبق مزرعة في جبل و لا واد إلّا فيها سكّان و لها مغلّ.

و صار على ظاهر حلب من العمارة و المساكن أكثر من المدينة، مثل الحاضر السّليماني، و خارج باب الأربعين، و غير ذلك من الأبواب جميعها.

و ارتفعت الأسعار مع كثرة المغلّات لكثرة العالم، حتّى كانت الأسعار في السّنة الّتي مات فيها بعد ذلك الرّخص في السّنة التي مات فيها والده:

الحنطة مكّوك و نصف بدينار، و الشّعير مكّوكان و نصف بدينار، و العدس مكّوك و مصع بدينار، و الجلبان كذلك، و القطن ستّة أرطال جوز بدينار.

و اللّه تعالى يرحمه‏

[أيام الصالح اسماعيل‏]

و قام الملك الصّالح بالملك بعده‏ (1)، و كان عمره إحدى عشرة سنة، و حلف له الأمراء بدمشق. و خطب له الملك النّاصر صلاح الدّين بمصر، و أرسل إليه رسولا يعزّيه، و معه دنانير مصرية عليها اسمه، و يعلمه أنّه في طاعته، و أنّ الخطبة أقيمت له بمصر.

و أمّا حلب فكان الوالي بقلعتها جمال الدّين شاذبخت- الخادم‏

____________

(1)- للصالح اسماعيل ترجمة مفيدة في بغية الطلب ص 1822- 1826.

511

الهنديّ عتيق نور الدّين- و هو الّذي بنى المدرسة (1) لأصحاب أبي حنيفة بحلب، و قبر بها، فوصله كتاب الطّير بوفاة نور الدّين؛ فأمر في الحال بضرب الدّبادب‏ (2)، و الكوسات، و البوقات، و أحضر المقدّمين و الأعيان بحلب، و الفقهاء و الأمراء، و قال:

«قد وصل كتاب الطّائر، يخبر أنّ مولانا الملك العادل قد ختن ولده؛ و ولّاه العهد بعده، و مشى بين يديه».

فأظهروا السّرور بذلك، و حمدوا اللّه تعالى، فقال لهم: «تحلفون لولده الملك الصّالح، كما أمر الملك العادل بأنّ حلب له، و أنّ طاعتكم له و خدمتكم، كما كانت لأبيه». فحلف النّاس على اختلاف طبقاتهم و منازلهم، في ذلك اليوم، و لم يترك أحدا منهم يزول من مكانه، ثم قام إلى مجلس آخر، و لبس ثياب الحداد، و خرج إليهم و قال: «يحسن اللّه عزاءكم في الملك العادل، فإنّ اللّه قد نقله إلى جنّات النّعيم».

و توجّه المؤيّد بن العميد، و عثمان زردك، و همام الدّين إلى حلب، لإثبات ما في الخزائن بحلب، و ختمها بخاتم الملك الصّالح.

و كان وزير الملك العادل نور الدّين: موفّق الدّين خالد بن محمد بن نصر بن القيسراني، رسولا عنه بمصر. فاتّفق رأي الجماعة على أن ولّوا وزارة الملك الصّالح: شهاب الدّين أبا صالح عبد الرّحيم بن أبي طالب بن‏

____________

(1)- يعرف موقعها الآن باسم جامع الشيخ معروف. الآثار الإسلامية ص 72- 73.

(2)- أي الطبول. القاموس.

512

العجمي، و كان عدلا على خزائن نور الدّين.

و كان شمس الدّين عليّ، ابن داية نور الدّين، (1) أخو مجد الدّين لأمّه، من أكبر الأمراء النّورية، و أمر حلب راجع إليه و إلى إخوته في أيام نور الدّين، و كان بحلب عند موت نور الدّين، و سابق الدّين عثمان و بدر الدّين حسن أخواه؛ فتولّى شمس الدّين عليّ تدبير حلب، و صعد إلى القلعة، و حصل بها مع شاذبخت، و الأمير بدر الدين حسن متولي الشّحنكية بالمدينة.

و كان نور الدّين قد سيّر إلى الموصل و غيرها من البلاد يستدعي العساكر، بحجة الغزاة، و مقصوده الطّلوع إلى مصر، فسار سيف الدّين غازي بعسكر الموصل، و على مقدّمته سعد الدّين كمشتكين الخادم، و كان قد جعله نور الدّين واليا من قبله بالموصل، فلما كانوا ببعض الطريق، وصلتهم الأخبار بموت نور الدّين هرب سعد الدين كمشتكين إلى حلب جريدة.

و أمّا سيف الدّين فإنّه أخذ بلاد الجزيرة جميعها، سوى قلعة جعبر؛ فأرسل شمس الدّين عليّ بن الدّاية يطلب الملك الصالح إلى حلب، ليمنع سيف الدّين ابن عمه من البلاد الجزرية، فلم يمكنه الأمراء الّذين معه‏

____________

(1)- في بغية الطلب ص 1823: «و كان شمس الدين علي بن محمد ابن داية نور الدين بقلعة حلب مع شاذبخت، و كان قد حدث نفسه بأمور، و اختلفت كلمة الأمراء، و تجهز الملك الناصر صلاح الدين من مصر للخروج إلى الشام، و طلب أن يكون هو الذي يتولى أمر الملك الصالح و تدبير ملكه».

513

بدمشق من الانتقال إلى حلب خوفا أن يغلبهم عليه شمس الدّين عليّ.

و كان شمس الدّين محمّد بن عبد الملك بن المقدّم قد صار متوّلي تدبيره بدمشق، و كمال الدين بن الشهرزوري و جماعة من الأمراء معه، و كان قد أشار كمال الدين على الامراء بمشاورة الملك النّاصر فيما يفعلونه، لئلا يجعل ذلك حجّة عليهم؛ فخافوا منه و لم يفعلوا.

و خرج الفرنج، و حصروا قلعة بانياس فراسلهم ابن المقدم، و بذل لهم مالا، و خوّفهم بالإستنجاد بصلاح الدّين و سيف الدّين، فعادوا. و بلغ ذلك كلّه الملك النّاصر صلاح الدّين؛ فأرسل صلاح الدّين إلى الملك الصّالح، و عتب عليه حيث لم يعلمه بما تجدّد من سيف الدّين في أخذ الجزيرة ليحضر و يكفّه، و أنكر صلح الفرنج، و بذل المال لهم، و بذل من نفسه قصد الفرنج، و كفّهم عن التّطاول إلى شي‏ء من بلاد الملك الصالح.

و كتب إلى كمال الدّين و ابن المقدّم، و الأمراء، و قال: «لو أنّ نور الدّين يعلم أنّ فيكم من يقوم مقامي، أو يثق به مثلي لسلّم إليه مصر، و لو لم يعجّل عليه الموت لعهد اليّ بتربية ولده، و أراكم قد تفردّتم بمولاي و ابن مولاي دوني، و سوف أصل إلى خدمته، و أكافي إنعام أبيه، و أجازي كلا منكم على فعله».

و كثر خوف شمس الدّين عليّ بن الدّاية من سيف الدّين غازي، و أن يعبر الفرات إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدّين كمشتكين إلى دمشق، ليحضر الملك الصّالح، فلما قارب دمشق سيّر إليه شمس الدين بن المقدّم‏

514

عسكرا، فنهبوه؛ و عاد منهزما إلى حلب، فأخلف عليه شمس الدين عليّ بن الدّاية، عوضا عما أخذ منه.

ثم إنّ الأمراء بدمشق، اتفقوا على إرسال الملك الصّالح إلى ابن الدّاية بحلب، لأنّها أمّ البلاد، فأنفذوا إليه يطلبون إرسال سعد الدّين ليأخذ الملك الصالح، فوصل إليهم سعد الدّين كمشتكين، و اتفقوا على أن يكون شمس الدّين عليّ أتابكا للملك الصالح، و حلف شمس الدين و جمال الدّين شاذبخت للأمراء على أقطاعهم، و نفذت النسخة مع سابق الدّين عثمان إلى دمشق.

[توجه الصالح إلى حلب‏]

و سار الملك الصّالح و أمّه مع سعد الدّين كمشتكين و الأمراء الّذين أقطاعهم بحلب، و لما وصلوا ما بين حماة و حلب وصل من جمال الدين شاذبخت من خوّف الأمراء من بني الدّاية، فقبضوا «سابق الدين عثمان»، بقنّسرين؛ و كتموا الحال؛ و وصلوا إلى باب حلب، فخرج بدر الدّين حسن، فقبضوه، و دخلوا من «باب الميدان» و قد عمل به الخوان، فلم يلتفتوا اليه، و بادروا بالملك الصّالح، و صعدوا به إلى القلعة.

و كان «بشمس الدّين عليّ» نقرس، فحمل في محفّة، و حضر بين يدي الملك الصّالح، فزندوا يديه، و قيّدوا أخويه، و جعلوا الجميع في المطمورة (1)، بالمركز.

____________

(1)- كشف حديثا عن سجن كان تحت الأرض في قلعة حلب و عثر به على ما يزيد عن عشرين من الهياكل العظيمة.

515

و كان شاذبخت قد احتاط، و استخدم جماعة من الأجناد، فصار في مقدار خمسمائة راجل، و «شمس الدّين» في مقدار مائة، و أمر اسباسلار (1) باب القلعة أبا بكر بن مقبل: أن يمنع من يصعد إلى القلعة من أصحابه و أصحاب إخوته، ما خلا سابق الدّين و بدر الدّين، فكانا يصعدان، و مع كلّ واحد منهما غلام واحد؛ و وكّل بباب شمس الدّين ثلاثين رجلا كلّ ليلة، فعتب على شاذبخت فقال له: «أنا أبعث الرجال إليك، ليقوموا في الخدمة»، و كان يوكّل بالأجناد الّذين خالفوه حفظة يمنعون من يدخل منهم أو يخرج، و كان هذا حال القلعة، في غيبة الملك الصّالح.

و أما حال المدينة فانّ السّنّة من أهل البلد مالوا إلى «المجدية»، لتعصبّهم للسّنّة على الشّيعة، و جمعهم بدر الدّين حسن شحنة حلب، و استحلفهم في اللّيل، و كان فيهم بنو العجمي، و الشيخ أبو يعلى بن أمين الدّولة، و بنو قاضي بالس- على ما ذكر- و طلب القاضي أبا الفضل بن الخشّاب و بني الطّرسوسي، فأبوا أن يحضروا.

و كان أهل حلب من الشّيعة، يتوالون أبا الفضل بن الخشّاب، و يقدّمونه عليهم، فوافقوه على حفظ البلد للملك الصّالح، و على مخالفة بني الدّاية، فسيّر بدر الدين حسن إلى ابن الخشّاب، و قال له: «إنّ جماعة عندي قذفوك، و تحدّثوا بأنك تطعن في الدّولة، و أنك تريد أن تملك حلب».

____________

(1)- الضابط المسؤول عن حراسة باب القلعة.

516

و كان بدر الدّين و أخواه أرادوا أن تقع الفتنة بحلب بين السّنة و الشّيعة، ليستقيم أمرهم، فثار الغوغاء من الشّيعة و نهبوا دار قطب الدين بن العجمي بالقرب من الزّجاجين، و دار أبي يعلى بن أمين الدّولة، بالجرن الأصفر (1). و كان فيها أموال الأيتام، و انتقل ابن العجمي بعد ذلك إلى البلاط، و ابن أمين الدولة إلى تحت القلعة بالقرب من «مسجد السّيدة» (2).

و قتل في ذلك اليوم في «مدرسة الزجّاجين» الشيخ أبو العباس المغربيّ، و كان مقرئا محدّثا.

و ثارت الفتنة بين الطائفتين؛ و طلب الفقراء دور الأغنياء فنهبت دار أبي جعفر بن المنذر بالعقبة (3)، فجمع بدر الدين حسن جماعة من الأجناد و من أهل البلد و السنّة و من العسكر، و ألبسهم السلاح، و صعد إلى شاذبخت، و قال له: «إنّ أبا الفضل بن الخشّاب يريد أن يملك البلد و قد مال إليه الشيعة و بعض السّنّة، فتعينني بنقّابين و زرّاقين حتى أقبض عليه، و أعتقله، إلى أن يحضر الملك الصالح».

____________

(1)- انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 188 حيث يستخلص أن الجرن الأصفر كان من أحياء حلب.

(2)- مسجد السيدة علوية بنت و ثاب زوجة ثمال بن صالح و أم محمود بن نصر مدفونه فيه.

الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 181.

(3)- انظر الآثار الإسلامية ص 54- 55.

517

فأمر الأجناد بلبس السّلاح و الخروج معه، و صار بهم إلى «تلّ فيروز» (1)- و هو موضع سوق الصّاغة الآن- و كان إذ ذاك تلا.

و أخذوا الفلايج و الأبواب، و سدّوا بها الدّروب، و زحفوا من الطّرق و الأسطحة، إلى دار ابن الخشّاب، و وقع قتال شديد، و قتل بين الفريقين جماعة كثيرة، و انتهى إلى الدّار، فأحرقها و نهبها، و نهب أدر جماعة من المجاروين له.

و انهزم القاضي أبا الفضل، و اختفى في دار فخرا و ابن كياعميد بالقرب من حمّام شراحيل‏ (2)، فأقام بها إلى أن وصل الملك الصّالح في المحرّم، من سنة سبعين و خمسمائة، و صعد إلى القلعة، و قبض على بني الدّاية- كما ذكرنا- و صار الأمر و التّدبير إلى سعد الدّين كمشتكين الخادم، و هو الّذي بني الخانكاه‏ (3) المنسوبة إليه بحلب، في جوارنا، و هي كانت دار «أبي الطّيّب المتنبي»، بحلب.

و كان شمس الدّين عليّ قد عزم على أنّ الملك الصّالح إذا قدم أخذ بمفرده، و صعد به إلى القلعة، و لا يمكّن أحدا من الأمراء من الصّعود، و يطردهم، و يستقلّ بالأمور.

فسيّر «شاذبخت» من أسرّ ذلك إلى الأمراء الذين كانوا في صحبة

____________

(1)- انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 346- 347.

(2)- لم يرد اسم هذه الدار أو الحمام في الأعلاق الخطيرة.

(3)- انظرها في الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 234.

518

«الملك الصّالح»، فاتّفق رأيهم في قنّسرين على قبض أولاد الدّاية، و تحالفوا على أن قدّموا كمشتكين، فلمّا رحلوا من قنّسرين، بدأوا بسابق الدّين، و كان قد وجّهه إلى دمشق في تقرير الأمور، فقبضوه، و حفظوا الطّرق لئّلا يصل إلى حلب من يخبر أخويه، إلى أن صعدوا إلى القلعة- كما ذكرنا-

[مقتل أبو فضل بن الخشاب‏]

و أما أبو الفضل بن الخشّاب، فإنّ «الملك الصالح» أمنّه، و سيّر له خاتما، و ركب إلى القلعة، و معه خلق كثير من أهل حلب، و عوامّها، يمشون في خدمته، و أكّد أمره، و قرّر على أن يقتل، فلما دخل إلى القلعة، و وصل قدّام الفرن بالقلعة، ضربه عليّ أخو عز الدين جورديك فرماه.

و جاء بعض أجناد القلعة فاحتزّ رأسه، و جعلوه على باب القلعة. ثم رفع على رمح إلى برج بالقلعة، يقال له «برج الزيت»؛ و تفرّق أصحابه من تحت القلعة، عند ذلك.

و استولى على دولة «الملك الصالح» أمير لالا المجاهد ياقوت، و هو الحاكم عليه، و هو الّذي ربّاه، و جمال الدين شاذبخت الهندي و هو والي القلعة و الحاكم بها، و سعد الدين كمشتكين مقدّم العساكر و متوّلي إقطاعهم، و شهاب الدين أبو صالح بن العجمي، وزير الملك الصالح؛ فخاف، و ولّوا رئاسة حلب الرئيس صفيّ الدين طارق بن الطريرة، و عزلوا أبا محمد الحكم، و كان يتولّى الرئاسة في أيام نور الدّين.

فخاف ابن المقدّم و الأمراء، الذين بدمشق، أن يستقرّ أمر كمشتكين بحلب، فيأخذ الملك الصالح، و يسير إلى دمشق، و يفعل كما فعل بأولاد

519

الدّاية، فكاتبوا سيف الدّين غازي صاحب الموصل، ليصل إليهم، و يسلّموا إليه دمشق، فخاف أن تكون مكيدة منهم، فامتنع من ذلك، و راسل سعد الدّين كمشتكين و الملك الصالح، و صالحهما على الجزيرة، و ابقائها في يده.

فخاف الأمراء، بدمشق من اتفاق «سيف الدين» و «الملك الصّالح» عليهم، فكاتبوا «الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب»، و استدعوه من مصر ليملكوه عليهم؛ فسار من مصر في سبعمائة فارس، و الفرنج في طريقه، فلم يبال بهم، فخرج إليه صاحب بصرى- و كان ممّن كاتبه-.

[قدوم صلاح الدين إلى دمشق‏]

و لما وصل إلى دمشق خرج كلّ من كان بها من العسكر، و التقوه، و دخل البلد، و نزل في دار أبيه المعروفة بدار «العقيقي» (1)، و عصى عليه في القلعة خادم اسمه «ريحان» فأعلمه أنه إنما جاء في خدمة «الملك الصالح» فسلّم إليه القلعة، و صعد «الملك الناصر» إليها، و أخذ ما فيها من الأموال، فاستعان به، و تزوّج «خاتون بنت معين الدّين»، و كانت زوجة «نور الدّين»، و استخلف أخاه طغتكين سيف الإسلام.

و سار إلى حمص و حماة، و هما في اقطاع «فخر الدّين مسعود بن الزعفراني». و كان ظالما، فسار منها بعد موت «نور الدّين»، فملك «الملك الناصر» في حادي عشر جمادى الأولى، من سنة سبعين، مدينة حمص.

____________

(1)- المكان الذي يقوم فيه الآن بناء المكتبة الظاهرية بدمشق.

520

و بقيت القلعة، و كان الولاة في القلاع من جهة نور الدّين، فترك في البلد من يحفظه، و يمنع من في القلعة من النّزول.

و سار إلى حماة، فملك مدينتها مستهلّ جمادى الآخرة، و كان بالقلعة عزّ الدّين جورديك، فأرسل إليه، و قال له: «إنّي في طاعة الملك الصّالح، و الخطبة له في البلاد التي في يدي على حالها، و المقصود اتّفاق الكلمة على طاعة الملك الصّالح، و أن نستعيد البلاد الجزرية و نحفظ بلاده». فاستحلفه جورديك على ذلك، و سيّره إلى حلب في اجتماع الكلمة، و في اطلاق شمس الدّين عليّ و أخويه من السّجن، و كان إقطاعهم قد قبض من نوّابهم، و لم يبق في أيديهم غير شيزر، «و قلعة جعبر».

و استخلف جورديك بقعلة «حماة» أخاه ليحفظها، فلمّا وصل جورديك قبض عليه كمشتكين، و سجنه، فعلم أخوه بذلك، فسلّم قلعة حماة إلى الملك النّاصر.

[حصار صلاح الدين لحلب‏]

و سار الملك النّاصر إلى حلب، فوصلها في ثالث جمادى الآخرة من سنة سبعين، و حصرها. فركب الملك الصّالح، و هو صبيّ عمره اثنتا عشرة سنة، و جمع أهل حلب، و قال لهم: «أنا يتيمكم، و قد عرفتم إحسان أبي إليكم، و قد جاء هذا الظّالم ينتزع ملكي»، و قال أقوالا كثيرة، و بكى فأبكى الناس، و بذلوا أنفسهم و أموالهم له، و اتّفقوا على القتال دونه، و الذبّ عنه.

فجعل الحلبيّون يخرجون، و يقاتلون الملك النّاصر عند «جبل‏

521

جوشن»، فلا يقدر أن يتقرّب إلى البلد؛ و أرسل سعد الدّين كمشتكين إلى «سنان» مقدّم الاسماعيليّة، و بذل له أموالا كثيرة ليقتل الملك الناصر، فقفزوا عليه، فحماه اللّه منهم، و قتلوا (1).

و بقي محاصرا حلب إلى سلخ جمادى الآخرة، و كان كمشتكين قد أرسل إلى سيف الدّين غازي يستنجده، و كان «ريمند»- صاحب طرابلس الّذي أسره نور الدّين- قد أطلقه كمشتكين بمائة ألف و خمسين ألفا صوريّة، في هذه السّنة، و صار موضع «مري» ملك الفرنج‏ (2)، فأرسل من بحلب إليه يطلبون منه أن يقصد بعض البلاد الّتي بيد الملك النّاصر، ليرحل عنهم، فسار إلى حمص و نازلها، فرحل الملك النّاصر عن حلب، مستهلّ شهر رجب. فلما نزل «الرّستن». رحل الفرنج عن حمص، و وصل الملك النّاصر إليها، و حصر قلعتها إلى أن تسلّمها.

و سار إلى بعلبك، فتسلّمها و قلعتها، في رابع شهر رمضان، من سنة سبعين و خمسمائة.

و أما سيف الدّين غازي فإنّه جمع عساكره، و كاتب أخاه عماد الدّين زنكي صاحب سنجار، لينزل إليه بعساكره ليجتمعا على نصرة الملك الصّالح، فامتنع، و كان الملك النّاصر قد كاتبه، و أطمعه في ملك الموصل، لأنّه الكبير من أولاد أبيه، فمضى سيف الدّين إلى «سنجار»

____________

(1)- منذ ذلك الحين أقيم لصلاح برج خشبي كان لا يفارقه خوفا من الاغتيال.

(2)- وصل إلى مرتبة الوصاية على بلدوين بن عموري. وليم الصوري ص 976- 977.

522

محاصرا لها، و سيّر عسكرا كثيرا إلى حلب مع أخيه عزّ الدّين مسعود، مع أكبر أمرائه «زلفندار»، فوصل عزّ الدّين إلى حلب، و اجتمعت عساكر حلب معه، و ساروا إلى حماة، فقاتلوها.

فأرسل الملك النّاصر، و بذل لهم تسليم حمص و حماة، و أن يقرّ بيده دمشق، و أن يكون فيها نائبا عن الملك الصّالح، فلم يجيبوه إلى ذلك، و قالوا: «لا بدّ من تسليم جميع ما أخذه من الشّام، و عوده إلى مصر».

[معركة قرون حماه‏]

فسار الملك النّاصر إلى عزّ الدّين و زلفندار، فالتقوا تاسع عشر شهر رمضان، على قرون‏ (1) حماة. فانهزم عسكر الموصل، و ثبت عزّ الدّين بعد الهزيمة، فقال الملك الناصر: «إما أن يكون هذا أشجع النّاس، أو أنه لا يعرف الحرب». و أمر أصحابه فحملوا عليه حتى أزالوه عن موقفه، و تمّت الهزيمة، و تبعهم الملك النّاصر، و غنموا غنائم كثيرة، و أسر جماعة كثيرة، فأطلقهم.

و نزل الملك النّاصر على حلب، محاصرا لها، و قطع حينئذ خطبة الملك الصّالح، و أزال اسمه عن السّكّة في بلاده، فلما طال الأمر عليهم راسلوه في الصّلح، على أن يكون له ما بيده من بلاد الشّام، و لهم ما بأيديهم، و أخذ المعرّة، و كفرطاب، و انتظم الحال بينهم على ذلك.

و رحل عن حلب، في العشر الأول من شوّال، إلى حماة، فوصلته‏

____________

(1)- جبلا زين العابدين و كفراع شمالي حماة.

523

خلع الخليفة بها مع رسوله، و وصل خبر الكسرة إلى سيف الدّين، و هو محاصر سنجار، فصالح «عماد الدّين» على ما بيده، و رحل إلى الموصل، و شرع في جمع العساكر.

و سار الملك النّاصر من حماة إلى «بارين»، و فيها نائب عزّ الدّين بن الزّعفراني، و لم يبق بيده غيرها، فحصرها إلى أن سلّمها واليها إليه بالأمان، فعاد إلى حماة، و أقطعها خاله شهاب الدّين محمود بن تكش الحارميّ، و أقطع حمص ناصر الدّين محمد ابن عمه أسد الدّين، و عاد إلى دمشق.

و خرج سيف الدّين غازي صاحب الموصل، في سنة إحدى و سبعين و خمسمائة. و سار إلى «نصيبين»، و استنجد صاحب «حصن كيفا» و صاحب «ماردين»، فاجتمع معه عسكر كثير بلغت عدّتهم ستة آلاف فارس، و أقام بنصيبين حتى خرج الشّتاء، فضجرت العساكر و فنيت نفقاتهم‏ (1).

ثم سار إلى حلب، فعبر ب «البيرة» و خيّم على جانب الفرات الشامي، و راسل كمشتكين و الملك الصالح، لتستقرّ قاعدة يصل عليها إليهم، و وصل كمشتكين إليه، و جرت مراجعات كثيرة، عزم فيها على العود مرارا، حتى استقرّ اجتماعه بالملك الصالح، و سمحوا به، فسار و وصل إلى حلب.

____________

(1)- انظر ما كتبه ابن الأزرق الفارقي. 5335- 5337 من الموسوعة الشامية.

524

و خرج الملك الصّالح للقائه بنفسه، فالتقاه قريب «القلعة»، و اعتنقه، و ضمّه إليه، و بكى، ثم أمره بالعود إلى القلعة فعاد، و سار هو، فنزل «بعين المباركة» (1)، و أقام بها مدّة و عسكر حلب تخرج إلى خدمته في كلّ يوم، و صعد إلى قلعة حلب جريدة، و أكل فيها شيئا، و نزل، و سار منها إلى «تلّ السّلطان» (2)، و معه عسكر حلب، مضافا إلى العساكر الواصلة معه.

[رجل يدعي النبوة]

و خرج رجل ادّعى أنّه المنتظر، و ادّعى النبوّة «بجبل ليلون» (3)، و استغوى أهل تلك النّاحية، و أظهر لهم زخارف، و محالا، و قال لهم: «إذا جاء العسكر إليكم، فسوف أرميهم بكفّ من تراب فأهلكهم». و أغاروا على «تركمان» «بجبل سمعان» و كان مقيما بأتباعه «بكفرند»، فخرج «طمان» من العسكر، و سعد الدّين كمشتكين بجماعة من العسكر، و وصلوا إليهم، فجعل أتباعه يصيحون؛ «وعدك يا مولانا»! و السّيف يعمل فيهم، فألقى التراب، فزحف إليه العسكر، و قتل الرجال و سبى النساء، و التجأ جماعة إلى المغاير، فاستخرجوهم و لم يبقوا إلّا على من أسلم منهم، و دخّنوا على جماعة في المغاير، فماتوا، ثم عاد العسكر إلى «تلّ السّلطان»، بعد أن قتل و صلب‏ (4).

____________

(1)- من منتزهات حلب المشهورة. انظر تاريخ حلب لابن الشحنة- ط. طوكيو 1990 ص 132، 245، 247.

(2)- انظر تاريخ ابن الشحنة ص 132.

(3)- جبل ليلون جبل مطل على حلب بينها و بين أنطاكية. معجم البلدان.

(4)- ذكر أبو شامة في الروضتين ج 1 ص 251- 252 نقلا عن ابن أبي طي‏ء أن هذا الرجل‏

525

و كان الملك النّاصر بدمشق في قلّ من العسكر، لأنّه كان قد سيّرها إلى مصر، و أنفذ إليها يستدعيها، فلو عاجله سيف الدّين لبلغ منه غرضا؛ لكنّه تأخّر، فوصل عسكر مصر إلى الملك النّاصر.

[معركة تل السلطان‏]

فسار من دمشق إلى ناحية حلب، ليلقى سيف الدّين، فالتقاه «بتلّ السّلطان»، و كان «سيف الدّين» قد سبقه إلى تلّ السلطان، فوصل الملك النّاصر العصر، و قد تعب هو و أصحابه و عطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة.

فأشير على سيف الدّين بلقائهم في تلك الحالة، فقال زلفندار: «ما بنا حاجة إلى القتال في هذه السّاعة، و غدا بكرة نأخذهم كلّهم»، فترك القتال إلى الغدّ، فلما أصبحوا اصطفّوا للقتال، فجعل «زلفندار» الأعلام في وهدة من الأرض، لا يراها إلّا من هو قريب منها فلمّا التقى الفريقان، ظنّ أكثر النّاس أنّ سيف الدّين قد انهزم، لأنّهم لم يروا الأعلام، فانهزموا بعد أن كان مظفّر الدّين بن زين الدّين- و هو في الميمنة- قد كسر ميسرة الملك النّاصر، و ولّوا الأدبار، و أسر منهم جماعة فأطلقهم الملك النّاصر، منهم:

فخر الدّين عبد المسيح، و أمسك عن تتبّع العسكر، فلم يقتل غير رجل‏

____________

أصله من المغرب ظهر أولا في قرية مشغرة في غوطة دمشق ثم هرب إلى بلد حلب، و كان ذلك سنة 570 ه، و أعتقد أن كفرند تصحيف لكفر نجد، و كانت- كما قال ياقوت- قرية كبيرة من أعمال حلب في جبل السماق، و كما ذكرها ابن العديم في بغية الطلب ص 477، و كفر نجد الآن من قرى منطقة أريحا في محافظة ادلب و تبعد عن ادلب مسافة 17 كم.

526

واحد، و ذلك في يوم الخميس العاشر من شوّال، سنة إحدى و سبعين و خمسمائة.

و نزل الملك النّاصر و عسكره، في بقيّة ذلك اليوم في خيم القوم، و استولوا على جميع ما فيها، و فرّق الاصطبلات و الخزائن، و وهب خيمة سيف الدّين عزّ الدّين فرّوخشاه، و وصل سيف الدّين إلى حلب، و ترك أخاه عزّ الدّين في جماعة من العسكر، و عبر الفرات، و سار إلى الموصل.

[حصار صلاح الدين حلب‏]

و وصل الملك النّاصر إلى حلب، يوم الأحد ثالث عشر شوّال، فأقام عليها أربعة أيام، و رحل عنها، يوم الجمعة ثامن عشر شوّال، فنزل بزاعا (1) فحصرها، و تسلّمها يوم الاثنين العشرين من شوّال و رحل فنزل منبج، فحصرها، في التّاسع و العشرين من شوّال، و بها قطب الدّين ينال بن حسّان، و كان شديد العداوة للملك النّاصر، و كان قد حنق عليه لذلك، فملك المدينة، و نقبت القلعة، فحصروه بها، و نقبها النقّابون، و ملكها عنوة، و أخذ كلّ ما كان فيها، و أخذ صاحبها أسيرا، ثم أطلقه، فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدّين «الرّقّة».

و رحل الملك النّاصر إلى «عزار» فنازلها ثالث ذي القعدة، و حصرها و نصب عليها المنجنيقات.

و جلس يوما في خيمة بعض أمرائه، و يقال له «جاولي» مقدّم الأسديّة، فوثب عليه باطنيّ، فجرحه بسكّين في رأسه، فردّ المغفر عنه،

____________

(1)- بزاعا بلدة من أعمال حلب في وادي بطنان بين منبج و حلب.

527

و أمسك الملك النّاصر يدي الباطني بيديه، إلّا أنه لا يقدر على منعه من الضّرب بالكليّة، بل يضرب ضربا ضعيفا، فبقي الباطنيّ يضربه بالسكّين في رقبته، و كان عليه كزاغند (1)، فكانت الضّربات تقع في زيقه، و الزّرد يمنعها من الوصول. و جاء «سيف الدّين يازكج» فأمسك السكّين، فجرحه الباطني، و لم يطلقها من يده إلى أن قتل، و جان باطنيّان آخران فقتلا.

و ركب الملك الناصر إلى خيمته، و لازم حصار عزاز، حتى تسلّمها بعد قتال شديد، في بكرة الأربعاء، ثاني عشر ذي الحجّة. و رحل عنها إلى «مرج دابق».

ثم سار فنزل حلب، يوم الجمعة، منتصف ذي الحجّة، و حصرها، و بها جماعة من العسكر، و منع أهل البلد الملك النّاصر من التقرّب إلى البلد، و كانوا يخرجون إلى خيم المعسكر فيقاتلوه، و إذا مسك واحد منهم شرحت قدماه، فيمتنع من المشي، و لا يكفّون عن القتال، و قام في نصرته السّنة و الشّيعة من الحلبيّين، و أعطي الشيعة «الشرقيّة» في المسجد الجامع، فكانوا يجتمعون بها للصّلاة.

و اتّفق أن الحلبيّين اجتمعوا تحت القلعة، شاكّين في السّلاح، يستأذنون الملك الصالح في الخروج إلى قتال العسكر، فدخل رسول من الملك النّاصر، يقال له «سعد الدّين أبو حامد العجمي الكاتب»، فصاح عوامّ الحلبيين: «ما نصالح يا رسول، رح، و دع عنك الفضول». و رجموه‏

____________

(1)- من أنواع الدروع السابغة.

528

بالحجارة، فخرج، و اتبعوه إلى قريب من الخيام.

ثم تردّدت الرسل بينهم في الصّلح بين الملك الصّالح، و سيف الدّين صاحب الموصل، و صاحب الحصن، و صاحب ماردين، و بين الملك النّاصر، و تحالفوا، و استقرّت على أن يكونوا كلّهم عونا على النّاكث الغادر، و استقرّ الصلح، و رحل الملك النّاصر، في السّادس عشر من محرّم، سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة.

و لما تقرّر الصلح، أخرج الملك الصّالح إلى الملك الناصر أخته بنت نور الدّين، و كانت طفلة صغيرة، فأكرمها، و حمل لها شيئا كثيرا، و قال لها: «ما تريدين؟» قالت: «أريد قلعة عزاز»- و كانوا قد علّموها ذلك- فسلّمها إليهم.

[رحيل صلاح الدين إلى بلد الاسماعيلية]

و رحل إلى بلد «الإسماعيليّة» (1)، و حصرهم، ثم صالحهم بوساطة خاله محمود بن تكش، و سار بعساكره إلى مصر، و كان في شروط الصّلح أن يطلق عزّ الدّين جورديك، و شمس الدّين عليّ بن الدّاية، و أخواه سابق الدّين، و بدر الدّين، فسار أولاد الدّاية إلى الملك النّاصر، فأكرمهم، و أنعم عليهم، و أما جورديك، فأقام في خدمة الملك الصّالح، و علم الجماعة براءته مما ظنّوا به.

و عصى غرس الدّين قلج في «تلّ خالد» (2) لأنه نسب إليه أمر أوجب‏

____________

(1)- مصياف غربي مدينة حماه.

(2)- تل خالد من الحصون التي كان نور الدين قد انتزعها من جوسلين. انظر تاريخ ابن الشحنة ص 177، 214.

529

وحشته، فحصل فيها بماله، و حصّنها، فخرج إليه سعد الدّين كمشتكين بالعسكر، و معه «طمان»، فحصره مدّة، فسيّر، و استشفع بالملك النّاصر، فقبل الشفاعة و أمنّه، فخرج بماله و أهله، و حاشيته، و مضى إلى منبج، فنزل بها عند «الدويل»، و كان الملك النّاصر قد أقطعه إيّاها، و كان ذلك في سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة.

و في هذه السّنة، أظهر أهل «جبل السمّاق» الفسق و الفجور، و تسمّوا بالصفاة؛ و اختلط النّساء و الرّجال في مجالس الشّرب، و لا يمتنع أحدهم من أخته و لا بنته، و لبس النساء ثياب الرّجال، و أعلن بعضهم بأن «سنانا» ربّه. فسيّر الملك الصالح اليهم عسكر حلب، فهربوا من «الجبل» و تحصّنوا في رؤوس الجبال، فأرسل «سنان»، و سأل فيهم، و أنكر حالتهم، و كانوا قد نسبوا ذلك إليه، و أنّهم فعلوا ذلك بأمره، فأشار سعد الدّين بقبول شفاعته فيهم، و عاد العسكر عنهم‏ (1).

و شرع «سنان» في تتبّع المقدّمين منهم، فأهلكهم، و كان في «الباب» منهم جماعة فثار بهم «النبوية» (2) من أهل ذلك البلد، و قاتلوهم من التّركمان، فانهزموا و اختبئوا في المغاير، فنهبوا دورهم، و عرّوا نساءهم، و دخّنوا عليهم في المغاير، و قتلوا من أمكنهم قتله.

ثم إنّ الاسماعيليّة قفزوا على الوزير شهاب الدّين أبي صالح بن‏

____________

(1)- لعل لهذا علاقة بالقيامة التي أعلنت من قبل في قهستان بوساطة امام ألموت. انظر كتاب الدعوة الاسماعيلية الجديدة- ط. بيروت 1970 ص 87- 90.

(2)- أفضل المعلومات حول هذا الحدث لدى ابن الأزرق ص 5334- 5335 من الموسوعة الشامية.

530

العجمي، يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة، و كان السّبب في ذلك أنّ أبا صالح كان يواطى‏ء المجاهد «الّلالا» و جمال الدّين شاذبخت، على سعد الدّين كمشتكين، و يحاولون حطّه عن مرتبته. فعلم كمشتكين ذلك، فكتب كتابا إلى «سنان» مقدّم الاسماعيلية «بالحصون»، على لسان الملك الصالح، يلتمس منه قتل أبي صالح، و الّلالا، و شاذبخت، و كان قد أحضر الكتاب إلى الملك الصّالح. و هو خارج إلى الصيّد، و طلب خطّه، و هو أبيض، لم يكتب فيه شي‏ء أصلا، و قال له: «المولى خارج، و يحتاج أن يكتب كتابا في أمر كذا و كذا، فيكتب المولى علامته». فكتب ثقة بأنّ الأمر كما ذكر.

فكتب كمشتكين إلى «سنان» بالأمر الذي أراده، و سيّره إليه، فلم يشكّ «سنان» في أنّ الأمر وقع من الملك الصّالح، ليستقلّ بأموره و ملكه، فندب جماعة لقتل المذكورين، فوثبوا على شهاب الدّين أبي صالح، عندما خرج من باب الجامع الشّرقي‏ (1)، بالقرب من داره، و قتل الاسماعيليّان الّلذان و ثبا عليه.

ثمّ وثب بعد ذلك بمدّة ثلاث منهم على «الّلالا»، بالقرب من «خانكاه القصر» (2)، و تعلّق بذيل «بغلتاقه» (3) ليضربه بالسكّين، فرفس الّلالا

____________

(1)- أي الجامع الأموي بحلب.

(2)- على مقربة من باب القلعة الصغير من جانب خندقها. الأعلاق- قسم حلب- ج 1 ص 71.

(3)- البغلطاق رداء بلا أكمام يلبس فوق الثياب. انظر معجم مفصل في أسماء الألبسه عند العرب لرينهارت دوزي ط. أمستردام 1845 ص 81- 84.

531

الفرس، و خرج من البغلتاق»، فنجا، و أحاط النّاس بالجماعة الّذين قفزوا عليه، و فيهم اثنان كانا يتردّدان إلى «ركابدار» (1) الّلالّا، فقتل، أحدهما و صلب، و صلب الركابدار أيضا، و كتب على صدره: «هذا جزاء من يؤوي الملحدة».

و أما الآخر، فصعدوا به إلى القلعة، فضرب ضربا عنيفا، و ثقب كعبه، ليقرّر على السّبب الّذي أوجب وثوبهم، فقال للملك الصّالح:

«أنت تبعث كتبك إلى مولانا سنان بقتل من أمرنا بقتله، ثم تنكر فعل ذلك؟» فقال: «ما أمرت بشي‏ء». و كتب إلى «سنان» يعتب عليه فيما فعل بأبي صالح و الّلالا، فقال: «أنا ما فعلت شيئا إلّا بأمرك و خطّك». و سيّر إليه كتابا فيه علامته بقتل الثّلاثة المذكورين، فعلم أن ذلك كان مكيدة من كمشتكين.

و كان الاسماعيليّة قد اجتهدوا في قتل شاذبخت، فلم يقدروا على الوثوب عليه، لشدّة احترازه في القلعة، فعند ذلك وجد أعداء كمشتكين طريقا للطّعن عليه، و قالوا: «إنّما أراد قتل هؤلاء ليستقلّ بملكك، و يفعل فيه ما لا يقدر أن يفعله معهم، و أنّه قد استصغرك، و احتقر أمرك».

و كانت حارم لسعد الدّين كمشتكين، أقطعه إياها الملك الصّالح، حين أخذها من بدر الدّين حسن، فأنهي إلى الملك الصّالح أنّ سعد الدّين يريد أن يسلّمها إلى الفرنج، لأنّ أصله فرنجي، و أنّه قد قرّر معهم أن‏

____________

(1)- المسؤول عن حفظ مراكب اللالا.

532

يبيعها عليهم بمال وافر، و الدّليل على صدق ذلك أنّه أطلق من كان بالقلعة، من أسرى الفرنج، من أيّام نور الدّين، و أطلق البرنس «أرناط»، فقطع الطّريق بالكرك، و سيّر أمواله من حلب و غيّبها، و كتب إليه رجل من الفرنج يقال له؛ الفارس «بدران» بشي‏ء من ذلك، و بعث بعدّة كتب من سعد الدّين إلى الفرنج، تشهد بما أنهاه، و لعلّه وضع ذلك كله عليه، حتى نالوا غرضهم منه.

فقبض الملك الصّالح على سعد الدّين، في التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث و سبعين، و كان قد جاء يطلب دستورا إلى حارم، و طلب تسليمها منه، فامتنع. فحمل إليها تحت «الحوطة» و جي‏ء به إلى تحت قلعتها، و عذّب، فاستدعى بعض من يثق إليه من المستحفظين بالقلعة، و أسرّ إليهما (1) أنّهم لا يسلّمونها، و لو قطع، ثم قال لهما جهرا:

«بعلامة كذا و كذا، سلّموا»، فصعدا إلى القلعة، و أظهر من فيها العصيان و المقاتلة، فعذّب عذابا شديدا، و علّق برجليه، و سقط بالخلّ، و الكلس. و الدّخان، و عصر، و أصحابه يشاهدونه، و لا يجيبون إلى التسليم.

و خرج الفرنج من «أنطاكية»؛ يطلبون «حاوم»، فتقدّم الملك الصّالح بخنق كمشتكين، فخنق بوتر، و أصحابه يشاهدونه و لا يسلمون، و كسروا يديه و عنقه، و رموه إلى خندق «حارم»، فحين علم الفرنج ذلك ساروا إلى شيزر.

____________

(1)- لعل عدد من استدعاه ممن كان يثق به كان اثنين.

533

و دخل الملك الصالح إلى حلب، و خلف العسكر بأرض «عمّ» (1) و «جاشر»، حول حارم؛ يمنعونها من الفرنج، و يباكرونها كلّ يوم لطلب التّسليم، و مقدّم العسكر «طمان بن غازي»- و كان من أكبر الأمراء-.

و عاد الفرنج إلى حماة فحصروها، و لم يظفروا بطائل، و طمعوا في حارم، لعصيان أصحاب كمشتكين بها، و ظنّوا أنّ الملك الصّالح صبي، و عسكره قليل، و الملك النّاصر بمصر، فلا ينجدهم إلّا بعد أن يأخذوا «حارم»، فنزلوا عليها، و معهم كند كبير من الفرنج، كان قد خرج من البحر إلى السّاحل، يقال له كندر «فلنط لماني» (2)، و معهم البرنس، و ابن لاون، و القومص صاحب طرابلس، فندم من «بحارم»، حيث لم يسلموها إلى الملك الصّالح.

و حصرها الفرنج، و ضايقوها بالمجانيق و السّلالم، فصاح من فيها:

«صلاح الدّين يا منصور»! فأحضروا خيمة، كانوا أخذوها من خيم الملك الناصر في كسرة «الرّملة» في هذه السنة (3) و أخبروهم بالكسرة ليضعفوا عزيمتهم، و عسكر حلب بإزائهم من «عمّ» إلى تيزين‏ (4).

____________

(1)- عم قرية غناء بين حلب و أنطاكية. معجم البلدان.

(2)- فلنط لماني هو كونت فلاندرز. انظر وليم الصوري ص 1005- 1007.

(3)- انظر وليم الصوري ص 1002- 1005.

(4)- تيزين قرية كبيرة من نواحي حلب كانت تعد من أعمال قنسرين. معجم البلدان.

534

و دخلت سنة أربع و سبعين:

و الفرنج مجدّون على قتال «حارم»، و نقبوا في تلّ القلعة، من جهة القبلة نقبا، و من جهة الشّمال آخر. فانهدّ السّور على من تحته، و هو موضع البغلة (1)، التي جدّدها السّلطان الملك الظّاهر- (قدّس اللّه روحه)-.

و امتنع القتال من تلك الناحية، خوفا من وقوع شي‏ء آخر. فأخرج المسلمون رجلا من عندهم إلى «طمان»، يطلب الأمان من الملك الصّالح و النجدة، فسيّر إلى الملك الصّالح، و أعلمه.

فانتخب الملك الصالح رجالا أجلادا من الحلبّيين، و أعطاهم مالا جزيلا، و قال لهم: «أريد منكم أن تدخلوا قلعة حارم»؛ فجاءوا، و الفرنج محدقون بها، في الّليل، فسلكوا خيامهم مفرّقين، حتى جاوزوها، و صاحوا بالتكبير و التّهليل، و صعدوا القلعة، و صار فيها شوكة من المقاتلة، بعد أن كان قتل من المسلمين بها رجال عدّة. و المسلمون- أعني عسكر حلب- إذ ذاك حول الفرنج جرايد، و أثقالهم «بدير سمعان»، و هم يتخطّفون من يمكنهم أخذه من الفرنج و يحفظون أطراف البلد.

و سار العسكر عند ذاك إلى «دير أطمة» (2) و صادفوا الفرنج في وطأة «أطمة»، فحملوا عليهم، فانهزموا و قتل من الفرنج، و أسر جماعة؛ فدام حصار الفرنج أربعة أشهر. و أرسل الملك الصّالح إليهم، و قال: «إنّ‏

____________

(1)- جدار استنادي لدعم جدار قديم حتى لا ينهار.

(2)- اطمة الآن من قرى منطقة حارم في محافظة أدلب و تبعد عن ادلب مسافة 89 كم.

535

الملك النّاصر واصل إلى الشّام، و ربّما يسلّم من بحارم إليه قلعتها، و يضحي في جواركم، و بذل لهم مالا بمقدار ما أنفقوا مدّة حصارهم لها، و انتظم الصّلح، و رحلوا.

و خرج الملك الصّالح، فنزل على «حارم»، فسلّمها إليه أصحاب كمشتكين، و صفح عن جرمهم، و ولّى فيها «سرخك» جمدار (1) أبيه نور الدّين، و دخل حلب و طالب نواب كمشتكين بماله، و اعتقل ابن التّنبي وزيره، فأحضر بعض المال، و عذّب حتّى أحضره، ثم هرب من الاعتقال.

و في سنة خمس و سبعين و خمسمائة:

سعى جماعة بالقاضي محيي الدّين أبي حامد بن الشّهرزوري، قاضي حلب، و قدحوا فيه عند جمال الدّين شاذبخت، و أوهموه أنه يميل إلى الملك الصّالح، و وضعوا على لسانه أشعارا نسبوها إليه، فأوجب ذلك استيحاشه، و توجّه إلى الموصل. و عرض القضاء على عمّي «أبي غانم محمّد بن هبة اللّه بن أبي جرادة» فامتنع، فقلّد والدي القضاء بحلب و أعمالها، و بقي على قضائها إلى أن مات الملك الصّالح، و في دولة عزّ الدّين، و عماد الدّين، و مدّة من دولة السّلطان الملك النّاصر.

و قبض الملك الصّالح قرية للاسماعيليّة تعرف بحجيرا من ضياع نقرة

____________

(1)- الجمدار المسؤول عن ثياب الحاكم.

536

بني أسد، فكتب «سنان» إلى الملك الصّالح كتبا عدّة في إطلاقها، فلم يطلقها، فأرسل جماعة من الرّجال معهم النفط و النار، فعمدوا إلى الدّكان التي في رأس «الزجّاجين» من الشّرق في القرنة، فألقوا فيها النار.

فنهض نائب رئيس البلد بمن معه في المربّعة، و الجماعة المرتّبون لحراسة الأسواق، و أخذوا السّقّائين ليطفئوا الحريق، فأتى الإسماعيليّة من أسطحة الأسواق، و ألقوا النار و النفط في الأسواق، فاحترق سوق البزّ الكبير، و سوق العطّارين، و سوق مجد الدّين، المعدّ للبز، و سوق الخليع، و سوق الشراشين- و هو الآن يعرف بالكتّانيّين- و سوق السرّاجين، و السّوق الذي غربيّ الجامع، جميعه، إلى أن انتهى الحريق إلى المدرسة الحلاويّة (1).

و احترق للتجّار و السّوقيّة، من القماش شي‏ء كثير، و افتقر كثير منهم بسبب ذلك، و لم يظفروا من الاسماعيليّة بأحد، و ذلك في سنة خمس و سبعين و خمسمائة.

و مات سيف الدّين غازي، صاحب الموصل، و وليها أخوه عزّ الدّين مسعود، و ذلك في سنة ستّ و سبعين و خمسمائة.

و كان الملك الصّالح في هاتين السنتين رخيّ البال، مستقرّا في مملكته، سالكا في الإحسان إلى أهل حلب طريق أبيه، عفيف اليد و الفرج‏

____________

(1)- ذكر ابن شداد بعض أسواق حلب في كتابه الأعلاق، كما ذكر بعضها ابن الشحنة، و اهتم بها طلس في كتابه الآثار الإسلامية، راجع الفهارس.