زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج2

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
823 /
537

و اللّسان، فقدّر اللّه تعالى أن حضر أجله، و له نحو من تسع عشرة سنة (1)، فمرض بالقولنج و اشتدّ مرضه.

فدخل إليه طبيبه «ابن سكّرة اليهوديّ»، و قال له سرّا: «يا مولانا شفاؤك في الخمر، فان رأيت أن تأذن لي في حمله في كمّي، بحيث لا يطّلع الّلالا، و لا شاذبخت، و لا أحد من خلق اللّه على ذلك»، فقال:

«يا حكيم، كنت و اللّه أظنك عاقلا، و نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلّم)- يقول:

إنّ اللّه لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها (2) و ما يؤمّنني أن أموت عقيب شربها- فألقى اللّه، و الخمر في بطني، و اللّه لو قال لي ملك من الملائكة: إنّ شفاءك في الخمر لما استعملته».

حكي لي ذلك والدي عن ابن سكّرة الطبيب.

[وفاة الصالح اسماعيل‏]

و لما أيس من نفسه أحضر الأمراء و المستحفظين، و أوصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمّه عزّ الدّين مسعود بن مودود بن زنكي، و استحلفهم على ذلك، فقال له بعضهم: «إنّ عماد الدّين ابن عمّك أيضا، و هو زوج أختك، و كان والدك يحبّه و يؤثره، و هو تولّى تربيته، و ليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح، و عزّ الدّين له من البلاد من الفرات إلى همذان، و لا حاجة له إلى بلدك»، فقال له» «إنّ هذا لم يغب عنّي، و لكن قد علمتم أنّ صلاح الدّين، قد تغلّب على البلاد الشّامية، سوى‏

____________

(1)- في بغية الطلب ص 1826: «له نحو من ثمانية عشر سنة».

(2)- انظره في موسوعة أطراف الحديث النبوي- اعداد محمد السعيد بسيوني- ط. بيروت 1989 ج 3 ص 182.

538

ما بيدي، و متى سلمت حلب إلى عماد الدّين يعجز عن حفظها، و إن ملكها صلاح الدّين لم يبق لأهلنا معه مقام، و ان سلّمتها إلى عزّ الدّين أمكنه حفظها بكثرة عساكره و بلاده». فاستحسنوا هذا القول منه، و عجبوا من حسن رأيه مع شدّة مرضه، و صغر سنّة.

ثم مات يوم الجمعة خامس و عشرين شهر رجب، من سنة سبع و سبعين و خمسمائة، و دفن بقلعة حلب، إلى أن ابتنت والدته «الخانكاه» (1) تجاه القلعة، و نقل إليها في أيام، فسيّر الأمراء. جورديك، و البصيريّ، و بزغش، و جمال الدّين شاذبخت، النّوريّون، مع جماعة المماليك النّورية، إلى «عزّ الدّين»، يستدعونه، و جدّدوا الأيمان فيما بينهم له.

و أما علم الدّين سليمان بن جندر، و حسام الدّين طمان بن غازي، و أهل الحاضر، فإنّهم راسلوا «عماد الدّين» صاحب سنجار، و كتموا أمرهم، و «شاذبخت» هو الوالي بالقلعة، و الحافظ لخزانتها، و المدبّر للأمور مع «النّورية»، فسيّر إلى علم الدّين سليمان، و حسام الدّين طمان، و طلب منهما الموافقة في اليمين لعزّ الدّين، فماطلا، و دافعا، فلما تأخّر وصول «عماد الدّين» عليهما، وافقا على اليمين لعزّ الدّين.

و لما وصل رسول الأمير إلى عزّ الدّين، سار هو و مجد الدّين قايماز إلى الفرات، فنزل على «البيرة»، و وصل شهاب الدّين- أخو عماد الدّين- مختفيا- و اجتمع بطمان و ابن جندر، و أعلمهما أن «عماد الدّين» في بعض‏

____________

(1)- في محلة الفرافرة تحت القلعة. انظر الآثار الإسلامية ص 321.

539

الطّريق، فأخبروه بأخذ اليمين عليهم، و أنّ تربّصه بالحركة أحوجهم إلى ذلك، فعاد إليه أخوه و عرّفه، فعاد إلى بلاده.

[أيام بقية الأتابكة]

و أمّا «عزّ الدّين»، فحين وصل إلى «البيرة» أرسل إلى الأمراء الّذين بحلب، و استدعاهم إليه. فخرجوا و التقوه «بالبيرة»، و ساروا معه إلى حلب، و دخلها في العشرين من شعبان، و استقبله مقدّموها و رؤساؤها، و صعد إلى القلعة.

و كان «تقيّ الدّين عمر»- ابن أخي الملك النّاصر- بمنبج، فعزم على أن يحول بين «عزّ الدّين» و حلب، حين وصل إلى «البيرة» لأنّه وصل جريدة، و تخلّف عنهم الغلمان و الحشد، ثم إنه تثاقل هو و أصحابه عن ذلك.

و لما وصل «عزّ الدّين» إلى حلب، سار تقيّ الدّين من منبج إلى حماة، و ثار أهل حماة، و نادوا بشعار «عزّ الدّين»، فأشار عسكر حلب على عزّ الدّين بقصدها، و قصد دمشق، و أطمعوه فيها و في غيرها من الشّام، و أعلموه محبّة أهل الشّام لأهل بيته.

و كان «الملك النّاصر» بالدّيار المصرية، فلم يفعل، و قال: «بيننا يمين، و لا نغدر به»، و لما بلغ «الملك الناصر» أخذ عزّ الدّين حلب قال:

«خرجت حلب عن أيدينا، و لم يبق لنا فيها طمع».

و أقام عزّ الدّين بحلب، فسيّر إليه أخوه «عماد الدّين زنكي بن‏

540

مودود»، و قال: «كيف تختصّ أنت ببلاد عمي و ابنه و بأمواله، دوني، و هذا أمر لا صبر لي عنه». و طلب منه تسليم حلب إليه، و أن يأخذ منه «سنجار» عوضا عنها.

فامتنع «عزّ الدّين»، و لم يجبه إلى ما أراد، فأرسل إليه و هدّده بأن يسلّم «سنجار» إلى «الملك النّاصر» فيضايق الموصل بها، فأشار عليه طائفة من الأمراء بأخذ «سنجار» منه و اعطائه حلب، و كان أشدّ الناس في ذلك «مجاهد الدّين»، و هو الذي كان يتولّى تدبيره، و كان أمراء حلب لا يلتفتون إلى «مجاهد الدّين»، و لا يسلكون معه ما يسلكه عسكر الموصل، فلذلك ميّل «عزّ الدّين» إلى ذلك.

و شرع «عزّ الدّين» في الميل إلى الأمراء، الّذين حلفوا له أولا، و الإعراض عن الّذين مالوا إلى أخيه «عماد الدّين»، و أحسن إلى أهل حلب، و خلع عليهم، و أجراهم على عادتهم في أيّام عمّه «نور الدّين»، و ابنه «الملك الصّالح»، و أبقى قاضيها والدي، و خطيبها عمّي، و رئيسها «صفيّ الدّين طارق بن الطريرة» على ولاياتهم، و ولّى بقلعة حلب «شهاب الدّين اسحق بن أميرك» الجاندار (1)، صاحب الرّقّة، و أبقي «شاذبخت» في القلعة ناظرا معه؛ و ولّى مدينة حلب و الديوان مظفر الدّين بن زين الدّين.

و كان الصّلح قد انفسخ، بموت الملك الصّالح، بين الفرنج و المسلمين، و كانت «شيح الحديد» (2) مناصفة بين المسلمين و الفرنج،

____________

(1)- الجاندار: حافظ السلاح.

(2)- شيح الحديد قرية كبيرة في طرف العمق. بغية الطلب ص 474.

541

فأضافها عسكر حلب، قبل وصول عزّ الدّين إلى «الدّربساك» (1)، و اختصّوا بها دون الفرنج، و حضر أهلها إلى طمان، فأعطاهم الأمان.

فلمّا وصل «عزّ الدّين»، سيّر العساكر إلى ناحية «حارم»، و حاولوا نهب «العمق»، فانحاز أهله كلّهم إلى «شيح» لعلمهم بأنّ «طمانا» أمّنهم، فأراد عسكر الموصل أن ينهبوها، فقال لهم: «إنّ شيح لحلب، و إنّهم في أماني». فلم يلتفتوا إلى قوله، و سار و اليها ليلا، فسبقهم إلى «المخاض»، و وقف في وجوههم يردّهم، فقتل منهم جماعة، ثم تكاثروا و عبروا، فسبقهم طمان إلى «شيح»، و أمرهم أن يجعلوا النساء في المغاير و دربها.

فوصل عسكر الموصل، فرأوا ذلك، فعزموا على القتال، فصاح طمان: «إذا كنتم تخفرون ذمّتي، فأنا أرحل إلى الفرنج». و سار في أصحابه إلى أن قرب من «يغرا»، فوصله من أخبره بأنّهم عادوا عنها، و لم ينالوا منها طائلا، و خافوا من ملامة عزّ الدّين، فعاد «طمان»، و نزل كلّ منهم في خيامه «بحارم».

و كاتب المواصلة «عزّ الدّين»، يطعنون على «طمان»، و أنّه وافق أهل «شيح» في العصيان، و أراد اللّحاق بالفرنج، فأحضر «طمان» و المواصلة، و تقابلوا بين يديه، فقال عزّ الدّين: «الحق مع حسام الدّين، و لا يجوز نقص العهد لواحد من المسلمين». و كان ذلك في شهر رمضان من السّنة.

____________

(1)- حصن الدربساك قريب من بغراس. بغية الطلب ص 151.

542

و بقيت المواحشة بين أمراء حلب و المواصلة؛ و الحلبيّون لا يرون التغاضي لمجاهد الدّين، و مجاهد الدّين يحاول أن يكونوا معه كأمراء الموصل، و الأمراء الحلبيّون يمنّون عليه. بأنّهم اختاروه لهذا الأمر، و يطلبون منه الزّيادة، و يختلق المواصلة عليهم الأكاذيب.

فهرب الأمير علم الدّين سليمان بن جندر، قاصدا «الملك النّاصر» إلى مصر، فقالوا لعزّ الدّين: «إنّ طمانا سيهرب بعده، فأمر عزّ الدّين، مظفر بن زين الدين، و بني الغراف، و الجراحي و غيرهم أن يمدوا من «السّعدي» إلى «المباركة» في طريقه، و أن يقف جماعة حول دار «طمان»- و كان يسكن خارج المدينة-.

فلما لم يجر من «طمان» شي‏ء من ذلك، جاءوا إليه نصف اللّيل، و طلبوه، فخرج إليهم، فوجد ابن زين الدّين و بني الغراف، فسألهم عمّا يريدون، فقالوا: «إنّه أنهي إلى عزّ الدّين بأنّك تريد الهرب، و قد أمرنا بأن نعوقك» فقال: «و اللّه ما لهذا صحّة، و لو أردت المسير عن حلب لمضيت، لا على وجه الخفية، و لا أخاف من أحد».

فجعلوا لهم طريقا آخر إلى نيل غرضهم، و أصبحوا، و عزّ الدّين منتظر ما يكون، فقالوا له: «كان قد عزم على الهرب، فلما علم أنّ الطريق قد أخذ عليه، و أن الدّار قد أحيط بها أخّر ذلك إلى وقت ينتهز فيه الفرصة، و المصلحة قبضة قبل هربه». فأمرهم بأن يقبضوه محترما، و يحضروه إليه.

فجاؤوه ليلا، من أعلى الدّار و أسفلها، و أزعجوه، و كان نائما،

543

فخرج إلى الباب، فوجد مظفّر الدّين بن زين الدّين مع بني الغراف، فقالوا له: «إنّ المولى عزّ الدّين قد أمرنا بالقبض عليك». فقال لهم: «السمع و الطاعة، فشأنكم و ما أمرتم به»؛ فأركبوه، و حملوه، و الرجال محيطة به، و فتحوا باللّيل باب القلعة، و اعتقلوه بها غير مضيّق عليه.

و أحضره «عزّ الدّين»، و وانسه و قال: «لم أفعل ما فعلت إلّا لشدّة رغبتي فيك، و افتقاري إلى مثلك»؛ فعرّفه ما ينطوي عليه، و أنّ ما نقل عنه لم يخطر بباله. فقال: «إنّ وقيعة أعدائك فيك، لم تزدك عندي إلّا حظوة».

و بقي معتقلا في القلعة أسبوعا، ثمّ خلع عليه، و أطلقه و زاد في أقطاعه «الأخترين» (1).

و أقام «عزّ الدّين» حتّى انقضت مدّة الشّتاء، ثم تزوّج أمّ الملك الصالح، في خامس شوّال من السنة، ثم سيّرها إلى الموصل، و استولى على جميع الخزائن التي كانت لنور الدّين و ولده بقلعة حلب، و ما كان فيها من السّلاح، و الزرد، و القسيّ، و الخوذ، و البركسطونات‏ (2)، و النشّاب، و الآلات، و لم يترك فيها إلّا شيئا يسيرا من السّلاح العتيق، و سيّر ذلك كلّه إلى «الرّقّة».

و ترك في قلعة حلب ولده نور الدّين محمودا طفلا صغيرا، وردّ أمره‏

____________

(1)- الأخترين مركز ناحية تابعة لقضاء عزاز في محافظة حلب، و تبعد عن حلب مسافة 45 كم.

(2)- البركسطونات: دروع الفرسان أو الحيوانات في الحرب.

544

إلى الوالي بالقلعة: شهاب الدّين اسحق، و سلّم البلد و العسكر إلى مظفّر الدّين بن زين الدّين، و سار إلى الرقّة، سادس عشر شوّال، فأقام بها فصل الرّبيع.

و راسل أخاه «عماد الدّين»، في المقايضة «بسنجار»، ليتوفّر على حفظ بلاده، و يضمّ بعضها إلى بعض، و لعلمه أنّه يحتاج إلى الإقامة بالشّام، لتعلّق أطماع «الملك النّاصر» بحلب، و قدم عليه أخوه. و استقرّت المقايضة على ذلك، و تحالفا على أن تكون حلب و أعمالها لعماد الدّين و «سنجار» و أعمالها لعزّ الدين، و أنّ كل واحد منهما ينجد صاحبه، و أن يكون «طمان» مع عماد الدّين، فسيّر «طمان»، و صعد إلى قلعة حلب، و كان معهم علامة من عزّ الدّين، فتسلّمها، و سيّر عزّ الدّين من تسلّم سنجار.

و في حال طلوع «طمان»، و نقل الوالي متاعه، طمع «مظفّر الدّين بن زين الدين» بأن يملك القلعة، و وافقه جماعة من الحلبيين كانوا بقربه، في الدّار المعروفة بشمس الدّين عليّ بن الدّاية و جماعة من الأجناد، و لبس هو زرديّة، تحت قبائه، و ألبس جماعة من أصحابه الزّرد تحت الثّياب، و مع كلّ واحد منهم سيف، و أرسل إلى شهاب الدّين، و قال له:

«إنّه وصلني كتاب من أتابك عز الدّين، و أمرني أن أطلع في جماعة إليك»، فأمره بالصّعود.

و كان «جمال الدّين شاذبخت»، في حوش القلعة الشرقي، الّذي‏

545

هدمه الملك العادل- و كان بين الجسرين اللّذين جدّدهما السلطان الملك الظاهر- (رحمه اللّه)- و عمل مكان ذلك الحوش بغلة (1)- فرأى الجند مجتمعين تحت القلعة، فسيّر «شاذبخت»، و أحضر بوّابا كان للقلعة، يقال له «عليّ بن منيعة» و كان جلدا يقظا، و أمره بالاحتزاز.

فلما أراد أن يدخل من باب القلعة، تقدّم إليه، و قال له: «لا تدخل إلّا أنت وحدك». و كان في ركابه جماعة فمنعوهم، فلم يتمّ له ما أراد.

و عاد ابن زين الدّين إلى داره، و قيل أنّ ابن مقبل الاسباسلار، قال له: «أنت تصعد إلى القلعة، فما هذا الزّرد عليك؟» فعاد، و جعل يعتذر عمّا شاع في النّاس من فعله.

و كتب شهاب الدّين الوالي و جمال الدّين شاذبخت إلى عزّ الدّين كتابا بخطّ «حسين بن يلدك»، إمام «المقام». و أخذ تحته خطوط الأجناد، و النقيب، و الاسباسلار. فلم يمكن «عزّ الدّين» مكاشفته في ذلك، لقرب «الملك النّاصر» من البلاد.

و بعث «مظفّر الدّين» إلى «عزّ الدين» يعتذر، و يقول: «إنّ الاسماعيليّة أوعدوني القتل، و ما أمكنني إلّا الاحتزاز بالسّلاح، أنا، و من معي، و أنكر الحفظة بالقلعة ذلك عليّ، و لم يكن ذلك لأمر غير ما ذكرته».

فلم يقابله على ذلك.

____________

(1)- البغلة دعامة تبنى للجدار الواهي و تحشي الأساس لتقيه من السقوط. موسوعة حلب المقارنة للأسدي ط. حلب- مطبعة جامعة حلب.

546

و أما «طمان»، فإنه قبض على الجماعة الّذين كانوا معه، و حبسهم في القلعة، و اطّلع على ما كانوا أضمروه، و أطلقهم في اليوم الثاني، و ستر هذا الأمر.

ثم وصل قطب الدّين ابن عماد الدّين إلى حلب، ثم ورد أبوه «عماد الدّين»، فوصل بأهله، و ماله، و أجناده، و زوجته بنت نور الدّين.

و وصل على البريّة من جهة «الأحصّ» (1)، و التقاه الأكابر من الحلبييّن، و صعد إلى قلعة حلب، في ثالث عشر المحرّم، من سنة ثمان و سبعين و خمسمائة، و قيل في مستهلّه.

و ولّى القلعة «عبد الصّمد بن الحكّاك الموصليّ»؛ و العسكر، و الخزائن، و النظر في أحوال القلعة إلى مجاهد الدّين بزغش، و أنزل «شاذبخت» من القلعة، و القضاء، و الخطابة، و الرئاسة، على ما كان عليه، في أيّام أخيه و ابن عمّه.

و ولّى الوزارة «بهاء الدّين أبا الفتح نصر بن محمّد بن القيسرانيّ»، أخا «موفّق الدّين خالد»- وزير نور الدّين- و استمرّ الشّيعة في أيّامه، و أيّام أخيه، على قاعدتهم، الّتي أقرّهم عليها «الملك الصّالح»، من إقامة شعارهم بالشرقيّة، بالمسجد الجامع.

____________

(1)- كانت الأحص كورة كبيرة من كور حلب قصبتها خناصره. معجم البلدان، هذا و نقل ابن العديم في ترجمته لزنكي الثاني- بغية الطلب ص 3857- 3864 وصف دخوله إلى حلب عن عمه و والده.

547

و أبقى «سرخك» في حارم على ما كان عليه. و حكم «شاذبخت» في عزاز و قلعتها- و هو وكيل عن ابنة نور الدّين التي أطلقها الملك النّاصر لها- و صالح الفرنج.

و جرى في الاحسان إلى أهل حلب، على قاعدة عمّه و ابن عمه و أخيه، و لما بلغ الملك النّاصر حديث حلب و أخذ عماد الدّين إياها، قال:

«أخذنا و اللّه حلب»، فقيل له: «كيف قلت في عزّ الدّين لما أخذها:

خرجت حلب عن أيدينا، و قلت: حين أخذها عماد الدّين: أخذنا حلب؟» فقال: «لأنّ عزّ الدّين ملك صاحب رجال و مال، و عماد الدّين، لا مال و لا رجال»!

و خرج «الملك النّاصر»، من مصر في خامس المحرّم من هذه السّنة، و خرج الناس يودّعونه، و يسيرون معه و يتأسّفون على فراقه، و كان معه معلّم لبعض أولاده فالتفت إلى بعض الحاضرين، و أنشد:

تمتّع من شميم عرار «نجد»* * * فما بعد العشيّة من عرار

فانقبض السّلطان، و تطيّر، فقدّر أنّه لم يعد إلى مصر، إلى أن مات، مع طول مدّته، و اتّساع ملكه في غيرها.

و سار على «أيلة» و أغار على بلاد الفرنج في طريقه، و وصل دمشق في صفر، ثم خرج منها إلى ناحية «الغور»، فأغار على ناحية «طبريّة» و «بيسان»، و عاد إلى دمشق، ثم خرج إلى «بيروت»، و نازلها، و اجتمع الفرنج فرحّلوه عنها. فدخل إلى دمشق، و بلغه أنّ المواصلة كاتبوا الفرنج‏

548

على قتاله، فجعل ذلك حجّة عليهم.

و سار حتّى نزل على حلب، في ثامن عشر من جمادى الأولى، سنة ثمان و سبعين و خمسمائة. و نزل على «عين أشمونيث» (1)، و امتد عسكره حولها شرقا، و أقام ثلاثة أيّام، فقال له عماد الدّين: «امض إلى سنجار، و خذها و ادفعها إليّ، و أنا أعطيك حلب».

و كان «عماد الدين» قد ندم على مقايضة أخيه بحلب و سنجار، حيث وصل و وجد خزائنها صفرا من المال، و قلعتها خالية من العدد و السّلاح و الآلات، و أنّه يجاور مثل «الملك الناصر» فيها.

فعند ذلك سار «الملك الناصر» إلى جسر «البيرة»، و كان صاحبها «شهاب الدّين بن أرتق» قد صار في طاعته، فعبر إليه مظفّر الدّين بن زين الدّين إلى الناحية الشّاميّة، و حرّان، إذ ذاك في يده، كان أقطعه إياها عزّ الدّين صاحب الموصل، و حصلت بينه و بينه و حشة من الوقت الّذي عزم فيه على أخذ قلعة حلب، فكانت رسله تتردّد إلى «الملك الناصر»، تطمعه في البلاد، و تحثّه على الوصول.

و عاد ابن زين الدّين معه حتى عبر الفرات في جسر «البيرة»، و كان «عزّ الدّين» قد وصل بعساكر الموصل إلى «دارا» (2)، ليمنع «الملك النّاصر» من‏

____________

(1)- تعرف أيضا باسم عين اشمول، ذكرها ابن الشحنه ص 245 بين منتزهات حلب.

(2)- دارا مدينة في لحف جبل بين ماردين و نصيبين ذات بساتين و مياه جارية. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ص 792.

549

حلب، فلما عبر الفرات عاد إلى الموصل، و عبر «الملك النّاصر»، فأخذ «الرّها» من ابن الزعفراني، و سلّمها إلى ابن زين الدّين، و أخذ الرّقّة من ابن حسّان، و دفعها إلى ابن الزّعفراني، و كاتب ملوك الشّرق، فأطاعوه، و قصد «نصيبين»، فأخذها.

و سار إلى الموصل، و فيها عسكر قويّ، فقوتل قتالا شديدا، و لم يظفر منها بطائل، فرحل عنها إلى «سنجار»، فأنفذ «مجاهد الدّين» إليها عسكرا، فمنعه «الملك النّاصر» من الوصول، و حاصر «سنجار»، فسلمّها إليه أمير من الأكراد الزرزارية، و كان في برج من أبراجها، فسلّم إليه تلك النّاحية، و صارت «الباشورة» (1) معه، فضعفت نفس واليها «أمير أميران» أخي عزّ الدّين، فسلّمها بالأمان، في ثاني شهر رمضان من السّنة و قرّر «الملك النّاصر» أمورها، و عاد إلى حرّان.

و لما قصد «الملك النّاصر» البلاد الشرقيّة، رأى عماد الدّين أن يخرّب المعاقل المطيفة ببلد حلب، فشنّ الغارات على شاطى‏ء الفرات، و هدم حصن بالس، و حصر قليعة نادر (2) ففتحها، ثم هدمها بعد ذلك، و أغار على قرى الشطّ، فأخربها و استاق مواشيها، و أحرق جسر «قلعة جعبر» (3).

ثم وصل إلى «منبج» و قاتلها، و أغار على بلدها، و وصلت الغارة إلى‏

____________

(1)- باشورة كل قلعة مدخلها.

(2)- على مقربة من بالس انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 25.

(3)- في بغية الطلب ص 3858: «فخرب عزاز و حصن بزاعا و حصن بالس و حصن كفرلاثا».

550

«قلعة نجم» (1)، و عبر الفرات، فأغار على «سروج» (2).

ثم عاد إلى حلب؛ ثم خرج و هدم «حصن الكرزين» (3) و خرب حصن «بزاعا» و قلعة «عزاز»، في جمادى الآخرة، و خرب حصن «كفرلاثا» (4) بعد أخذه من صاحبه بكمش، و كان قد استأمن إلى «الملك الناصر»، و ضاق الحال عليه، فشرع في قطع جامكية أجناد من القلعة، و قتّر على نفسه في النفقات.

و أما «الملك النّاصر»، فرحل من «حرّان» فنزل «بحرزم» (5) تحت قلعة ماردين. فلم ير له فيها طمعا، فسار إلى «آمد»، في ذي الحجّة، و كان قد وعد «نور الدين محمد بن قرا أرسلان» بأخذها من ابن نيسان، و تسليمها إليه، و حلف له على ذلك، فتسلّمها في العشر الأول، من المحرّم من سنة تسع و سبعين و خمسمائة، و كان فيها من المال شي‏ء عظيم، فسلّم ذلك كلّه مع البلد إلى نور الدّين، و قيل له في أخذ الأموال و تسليم البلد، فقال:

«ما كنت لأعطيه الأصل و أبخل بالفرع».

ثم إنّ الملك الناصر عبر إلى الشّام، فمرّ «بتلّ خالد» فحصرها،

____________

(1)- قلعة مطلة على الفرات قرب جسر منبج. الأعلاق- قسم الجزيرة- ص 826.

(2)- سروج بلدة قريبة من حران من ديار مضر. معجم البلدان.

(3)- في منطقة منبج قرية اسمها «كرسان» فلعلها الموقع المقصود.

(4)- كفرلاثة من قرى منطقة أريحا في محافظة ادلب و تبعد عن ادلب مسافة 20 كم.

(5)- بليدة بين ماردين و دنيسر من أعمال الجزيرة. معجم البلدان.

551

فسلّمها أهلها بالأمان في المحّرم. ثم سار منها إلى عين تاب، و بها «ناصر الدّين محمد» أخو «الشّيخ اسماعيل الخزندار»، فدخل في طاعته، فأبقاها عليه.

و لمّا علم «عماد الدّين» ذلك، و تحقّق قصده لحلب، أخذ رهائن الحلبييّن، و أصعد جماعة من أولادهم و أقاربهم، خوفا من تسليم البلد، و قسم الأبراج و الأبواب على جماعة من الأمراء، و كان الأمراء «الياروقية» بها في شوكتهم.

و جاء الملك النّاصر، و نزل على حلب في السّادس و العشرين من محرّم سنة تسع و سبعين و خمسمائة. و امتدّ عسكره من «بابلّى» إلى النّهر ممتّدا إلى «باسلين» (1)، و نزل هو على «الخناقيّة» (2)، و قاتل عسكر حلب قتالا عظيما، في ذلك اليوم، و أسر «حسام الدّين محمود بن الختلو»، بالقرب من «بانقوسا» (3)، و هو الذي تولى شحنكية حلب، فيما بعد.

و هجم تاج الملوك بوري بن أيّوب، أخو «الملك النّاصر»، على عسكر حلب، فضرب بنشّاب زنبورك‏ (4) فأصاب ركبته، فوقع في الأكحل، فبقي‏

____________

(1)- بابلى و باسلين من منتزهات حلب. انظر الأعلاق- قسم حلب- ج 1 ص 367، 371.

(2)- من منتزهات حلب. ابن الشحنه ص 246.

(3)- عد ابن الشحنة ص 237 بانقوسا بين حارات حلب خارج الأسوار.

(4)- من أنواع النشاب المرمي بواسطة النوابض، و معروف أن الأسلحة تطورت كثيرا في هذه الحقبة.

552

أيّاما، و مات بعد فتح حلب، و دفن بتربة «شهاب الدّين الحارميّ»، «بالمقام» (1) ثم نقل إلى دمشق.

و جدّ الملك الناصر، بسبب أخيه على محاصرة حلب أياما، فاجتمع‏ (2) إليه الأجناد من العسكر و الرّجال، و طلبوا منه قرارهم فمطلهم، فقالوا:

«قد ذهبت أخبازنا (3)، و نحتاج لغلاء الأسعار إلى ما لا بدّ منه»، و شحّ بماله، فقال لهم: «أنتم تعلمون حالي، و قلّة مالي، و أنني تسلّمت حلب صفرا من الأموال، و ضياعها في أقطاعكم». فقال له بعضهم: «من يريد حلب يحتاج إلى أن يخرج الأموال و لو باع حلي نسائه»؛ فأحضر أواني من الذّهب و الفضّة، و غيرها؛ و باع ذلك، و أنفقه فيهم.

و كان الحلبيّون يخرجون على جاري عادتهم، و يقاتلون أشدّ قتال بغير جامكيّة (4)، و لا قرار، نخوة على البلد، و محبّة لملكهم، فأفكر عماد الدّين، و رأى أنه لا قبل له بالملك النّاصر، و أنّ ماله ينفد، و لا يفيده شيئا، فخلا ليلة بطمان، و قال له:

«ما عندك في أمرنا؟ هذا الملك النّاصر، قد نزل محاصرا لنا، و هو ملك قويّ، ذو مال، و الظّاهر أنّه يطيل الحصار، و تعلم أنّني أخذت حلب‏

____________

(1)- مقام إبراهيم الخليل داخل القلعة.

(2)- الضمير يعود هنا إلى زنكي الثاني، فقد طالبه الجند بالرواتب المقررة لهم مع التعويضات.

(3)- الخبز الراتب.

(4)- أي بدون نفقات و مرتبات.

553

خالية من الخزائن، و الجند فيطالبونني و ليس لي من المال ما يكفيني لمصابرته، و لا أدري عاقبة هذا الأمر إلى ما ينتهي».

فأحسّ طمان عند ذلك بما قد حصل في نفسه، فقال له: «أنا أذكر لك ما عندي، على شريطة الكتمان و الاحتياط بالمواثيق و الأيمان، على أن لا يطّلع أحد على ما يدور بيننا، فإنّ هؤلاء الأمراء إن اطّلعوا على شي‏ء ممّا نحن فيه أفسدوه، و انعكس الغرض»، فتحالفا على كتمان ذلك، فقال له طمان: «أرى من الرأي في حلب أن تسلّمها إلى الملك النّاصر، بجاهها، و حرمتها، قبل أن تنتهك حرمتها، و يضعف أمرها، و تفنى الأموال، و تضجر الرجال، و يستغلّ بلدها فيتقوّى هو و عسكره به، و نحن لا نزداد إلّا ضعفا، و الآن فنحن عندنا قوة، و نأخذ منه ما نريد من الأموال و البلاد، و نستريح من الأجناد و إلحاحهم في الطّلب، ثمّ قد أصبح ملكا عظيما، و هو صاحب مصر، و أكثر الشّام، و ملوك الشّرق قد أطاعوه و معظم الجزيرة في يده».

فقال له: «و اللّه هذا الّذي قلته كلّه رأيي، و هو الذي وقع لي، فاخرج إليه، و تحدّث معه على أن يعطيني: الخابور، و سنجار؛ و أيّ شي‏ء قدرت على أن تزداده فافعل، و اطلب الرّقّة لنفسك».

ثم إنّ طمان كتم ذلك الأمر، و باكر القتال، و أظهر أنّ بداره و اصطبله «بالحاضر» خشبا عظيما، و أنه يريد نقضها، كيلا يحرقها العسكر، فكان يبيت كلّ ليلة في داره، خارج المدينة. و يجتمع بالسّلطان‏

554

الملك النّاصر، خاليا، و يرتّب الأمور معه، و يجي‏ء إلى عماد الدّين و يقرّر الحال معه، و ينزل، و يصعد إلى القلعة من «برج المنشار»- و كان عند باب الجبل الآن متّصلا بالمنشار- إلى أن قرّر مع الملك النّاصر: أن يأخذ حلب و عملها، و لا يأخذ معها شيئا من أموالها، و ذخائرها، و جميع ما فيها من الآلات و السّلاح، و أن يعطي عماد الدّين عوضا عنها: سنجار، و الخابور، و نصيبين، و سروج، و أن يكون لطمان الرّقّة (1)؛ و يكون مع عماد الدّين.

و شرط عليه أن تكون الخطابة و القضاء للحنفيّة (2) بحلب، في بني العديم، على ما هي عليه، كما كان في دولة الملك الصّالح، و أن لا ينقل إلى الشافعيّة.

هذا كلّه يتقرّر، و القتال في كلّ يوم بين العسكرين على حاله. و ليس عند الطائفتين علم بما يجري، و يخرج من الحلبيّن في كلّ يوم عشرة آلاف مقاتل أو أكثر، يقاتلون أشدّ قتال.

و لم يعلم أحد من الأمراء و لا من أهل البلد، حتّى صعدت أعلام «الملك النّاصر» على القلعة، بعد أن توثّق كلّ واحد من الملكين من صاحبه بالأيمان. فأسقط في أيدي أهل حلب و الأمراء من «الياروقيّة»، و غيرهم،

____________

(1)- في بغية الطلب ص 3858 «و أن يعوضه عنها بسنجار و نصيبين و الخابور و الرقة و سروج و أن تكون بصرى لطمان، و يكون في خدمة زنكي».

(2)- كان صلاح الدين شافعيا.

555

و خاف «الياروقيّة» على أخبازهم، و الحلبيّون على أنفسهم، لما تكرّر منهم من قتال «الملك النّاصر» على القلعة، بعد أن توثّق كلّ واحد، في أيّام الملك الصّالح.

و صرّح العوامّ بسبّه، و حمل رجل من الحلبّين يقال له «سيف بن المؤذن» إجانة الغسّال، و صار بها إلى تحت الطيّارة (1) بالقلعة، و عماد الدّين جالس بها يشير إليه أن يغسل فيها كالمخانيث، و نادى إليه: «يا عماد الدّين، نحن كنّا نقاتل بلا جامكيّة و لا جراية، فما حملك على أن فعلت ما فعلت؟».

و قيل: إنّ بعضهم رماه بالنشّاب فوقع في وسط الطيّارة، و عمل عوامّ حلب أشعارا عاميّة، كانوا يغنّون بها، و يدقّون على طبيلاتهم بها، منها:

أحباب قلبي لا تلوموني‏* * * هذا «عماد الدّين» مجنون‏

و دقّ آخر على طبله، و قال مشيرا إلى «عماد الدّين»:

و بعت «بسنجار» قلعة حلب‏* * * عدمتك من بايع مشتري‏

خريت على حلب خرية* * * نسخت بها خرية «الأشعري» (2)

و صعد إليه «صفيّ الدّين»- رئيس البلد- و وبّخه على ما فعل، و هو

____________

(1)- امتداد مسقوف لقاعة مشرفة على الشارع يطل منه الحاكم فيرى ما يجري بالخارج دون أن يرى و هو بالوقت نفسه متمتع بالحماية.

(2)- لعله أراد أبا موسى الأشعرى و ما راج بين الناس عن موقفه في التحكيم.

556

في قلعة حلب لم يخرج منها بعد، فقال له عماد الدّين: فما فات، فاستهزأ به‏ (1).

و أنفذ عسكر حلب و أهلها، إلى السلطان الملك النّاصر:

عزّ الدّين جورديك، و زين الدّين بلك، فاستحلفوه للعسكر و لأهل البلد، في سابع عشر صفر، من سنة تسع و سبعين و خمسمائة.

و خرجت العساكر و مقدّمو حلب إليه إلى «الميدان الأخضر» (2) و خلع عليهم، و طيّب قلوبهم.

و لما استقرّ أمر الصّلح، حضر الملك النّاصر صلاح الدّين عند أخيه تاج الملوك، «بالخناقية» يعوده و قال له: «هذه حلب، قد أخذناها، و هي لك» فقال: «لو كان و أنا حيّ، و و اللّه، لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي». فبكى الملك النّاصر و الحاضرون.

و أقام «عماد الدّين» بالقلعة، يقضي أشغاله، و ينقل أقمشته، و خزائنه، و السلطان الملك النّاصر مقيم «بالميدان الأخضر»، إلى يوم‏

____________

(1)- عبارة بغية الطلب ص 3860 أقوم و أوضح قوله: «و وبخه على ذلك، فقال و هو بالقلعة:

لم نخرج منها بعد، فما فات شي‏ء، فاستهزأ به».

(2)- خارج أسوار المدينة. الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 66، 396.

557

الخميس ثالث و عشرين من صفر، فنزل «عماد الدّين» من القلعة و رتّب فيها «طمان» مقيما بها، إلى أن يتسلّم نواب «عماد الدّين» ما اعتاض به عن حلب، و استنابه في بيع جميع ما كان في قلعة حلب، حتى باع الأغلاق و الخوابي، و اشترى الملك النّاصر منها شيئا كثيرا.

558

[عصر الدولة الأيوبية] (1)

و نزل عماد الدّين، في ذلك اليوم إلى السّلطان الملك النّاصر و عمل له السّلطان وليمة و احتفل و قدّم «لعماد الدّين» أشياء فاخرة من الخيل و العدد، و المتاع الفاخر، و هم في ذلك إذ جاءه بعض أصحابه و أسرّ إليه بموت أخيه «تاج الملوك»، فلم يظهر جزعا و لا هلعا، و كتم ذلك عن عماد الدّين، إلى أن انقضى المجلس، و أمرهم بتجهيزه.

فلما انقضى أمر الدّعوة و علم عماد الدّين بعد ذلك عزّاه عن أخيه، و سار السّلطان الملك النّاصر معه مشيّعا في ذلك اليوم، فسار حتى نزل «مرج قراحصار» (2) فنزل به، و السّلطان في خيمته إلى أن وصل «عماد الدّين» رسل أصحابه يخبرونه بأنّهم تسلموا «سنجار»، و المواضع التي تقرّرت له معها،

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- على نحو فرسخين من حلب في جهة المشرق. بغية الطلب ص 3862.

559

فرفعت أعلام الملك النّاصر، عند ذلك على القلعة، و صعد إليها في يوم الاثنين السّابع و العشرين، من صفر، من سنة تسع و سبعين و خمسمائة.

و امتنع سرخك، والي «حارم»، من تسليمها إلى السّلطان الملك النّاصر، فبذل له ما يحب من الإقطاع، فاشتطّ في الطّلب، و راسل الفرنج، ليست .. نجد بهم، فسمع بعض الأجناد، بقلعة حارم، ذلك، فخافوا أن يسلّمها إلى الفرنج، فوثبوا عليه، و حبسوه، و أرسلوا إلى السّلطان، يعلمونه بذلك، و يطلبون منه الأمان و الإنعام، فأجابهم إلى ذلك و تسلّمها.

و أقرّ عين تاب بيد صاحبها، و سلّم «تلّ خالد» إلى «بدر الدّين دلدرم» صاحب «تل باشر»، و كان من كبار الياروقية، و أقطع «عزاز» الأمير علم الدين سليمان بن جندر. و ولّى الملك النّاصر قلعة حلب سيف الدّين يازكج الأسدي، و ولّى شحنكية حلب حسام الدّين تميرك بن يونس، و ولّى ديوان حلب ناصح الدّين بن العميد الدمشقي، و أبقى الرئيس «صفيّ الدين طارق بن أبي غانم بن الطّريرة»، في منصبه على حاله، و زاد إقطاعه.

و كان الفقيه «عيسى» كثير التعصّب، فمازال به، و عزل عنها عمّي «أبو المعالي». و وليها «أبو البركات سعيد بن هاشم»، و فعل في القضاء كذلك، فسيّر إلى القاضي محيي الدّين محمد بن زكيّ الدّين عليّ إلى دمشق،

560

بسفارة «القاضي الفاضل»، فأحضر إلى حلب و ولّي قضاءها، و عزل «والدي» عن القضاء، و امتدحه محيي الدّين بن الزّكيّ، بقصيدة بائيّة، قال فيها:

و فتحكم «حلبا» بالسّيف في صفر* * * مبشّر بفتوح «القدس» في رجب‏

فاتّفق من أحسن الإتفاقات، و أعجبها، فتح القدس في شهر رجب من سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة.

و أقام محيي الدّين في القضاء بحلب مدّة، ثم استناب القاضي زين الدّين أبا البيان نبأ بن البانياسي في قضاء حلب، و سار إلى بلده دمشق.

[أيام صلاح الدين‏]

ثم إنّ السّلطان «الملك الناصر» أقام بحلب، و رحل منها في الثاني و العشرين من ربيع الآخر، من سنة تسع و خمسمائة. و جعل فيها ولده الملك «الظّاهر غازي»- و كان صبيا- و جعل تدبير أمره إلى سيف الدّين يازكج.

و سار إلى دمشق، ثمّ خرج إلى الغزاة في جمادى الآخرة، و سار إلى «بيسان»، و قد هرب أهلها، فخرّبها، و نهبها؛ و خرّب حصنها. ثم سار إلى «عفربلا»، فخرّبها، و جرّد قطعة من العسكر، فخربوا «النّاصرة» و «الفولة» (1)، و ما حولهما من الضّياع.

____________

(1)- الفولة قرية في قضاء الناصرة. معجم بلدان فلسطين لمحمد شراب ط. دمشق 1987.

و انظر أيضا وليم الصوري ص 1061- 1062.

561

و جاء الفرنج فنزلوا «عين الجالوت»، و دار المسلمون بهم، و بثّوا السّرايا في ديارهم، للغارة و النّهب، و وقع جورديك، و جاولي الأسدي، و جماعة من النّورية على عسكر «الكرك» و «الشّوبك»، سائرين في نجدة الفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، و أسروا مائة نفر، و عادوا.

و جرى للمسلمين مع الفرنج وقعات، و لم يتجاسروا على الخروج للمصاف، و عاد السلطان «إلى الطّور» (1) في سابع عشر جمادى الآخرة.

فنزل تحت «الجبل»، مترقبا رحيلهم، ليجد فرصة، فأصبحوا، و رحلوا راجعين على أعقابهم. و رحل نحوهم، و ناوشهم العسكر الإسلاميّ، فلم يخرجوا إليهم، و المسلمون حولهم، حتى نزلوا «الفولة» راجعين؛ و فرغت أزواد المسلمين، فعادوا إلى دمشق، و دخل السّلطان دمشق، في رابع و عشرين جمادى الآخرة.

ثم عزم على غزو «الكرك»، فخرج إليها في رجب، و كتب إلى أخيه «الملك العادل»، و أمره أن يلتقيه إلى الكرك، و سار السّلطان إلى الكرك، و حاصرها، و نهب أعمالها، و هجم ربضها، في رابع شعبان. و هدم سورها بالمنجنيقات، و أعجزه طمّ خندقها، و وصلت الفرنج لنجدتها فلما اجتمعوا «بالجليل»، رحل عنها، و نزل بازائها (2).

____________

(1)- و يسمى أيضا جبل طابور، يقع شرقي الناصرة. معجم بلدان فلسطين.

(2)- انظر وليم الصوري ص 1065- 1067، 1069- 1071.

562

[ولاية العادل حلب‏]

و وصل أخوه «الملك العادل»، من مصر، و عقد لابن أخيه «تقيّ الدّين عمر»، على ولايتها، فسار إليها في نصف شعبان.

و عاد السّلطان الملك الناصر إلى دمشق، و الملك العادل أخوه معه، فعقد له على ولاية حلب، و سار إليها في ثاني شهر رمضان، فوصلها، و صعد قلعتها في يوم الجمعة، ثاني و عشرين من شهر رمضان، و خرج السّلطان الملك الظّاهر منها و معه «يازكج»، فوصل إلى والده في شوّال.

و يقال إنّ «الملك العادل» دفع إلى السّلطان، لأجل حلب، ثلاثمائة ألف دينار مصريّة، و قيل دون ذلك، و كان السّلطان محتاجا إليها لأجل الغزاة، فلذلك سلّم إليه حلب، و أخذها من ولده.

و لما دخلها «الملك العال»، ولّى بقلعتها صارم الدّين بزغش، و ولّى الدّيوان و الأقطاع و الجند، و استهداء الأموال، و شحنكيّة البلد: «شجاع الدّين محمّد بن بزغش البصراوي»، و استكتب الصّنيعة ابن النحّال- و كان نصرانيا- فأسلم على يديه، و ولّى وقوف الجامع فخر الدّين أحمد بن عبد اللّه بن القصري، و أمره بتجديد المساجد الدّاثرة بحلب، و القيام بمصالحها، و توفير أوقافها عليها، و ان لا يتعرّض لوقف المسجد الجامع، بل‏

563

يوفّر وقفه على مصالحه، و لا يرفع إلى «الزّردخاناه‏ (1)» إلا ما فضل عن ذلك كلّه، و جدّد في أيامه مساجد متعدّدة كانت قد تهدّمت.

و وقع في أيامه وقعة بين الحنفيّة و الشافعيّة، و صار بينهم جراح، فصنع لهم الملك العادل دعوة في الميدان الأخضر؛ و أصلح بين الفريقين، و خلع على الأكابر من الفقهاء و المدرّسين، و هدم الحوش القبليّ الشّرقيّ الذي كان للقلعة، و هو ما بين الجسرين تحت المركز، و رأى أن يسفّحه، فسفّحه السّلطان الملك الظّاهر بعده، و كتب عليه اسمه بالسّواد إلى أن غاب في أيام ابنه الملك العزيز فجدّد، و زالت الكتابة، و بقي بعضها.

و وصل رسول الخليفة شيخ الشّيوخ «صدر الدّين عبد الرّحيم بن اسماعيل»، إلى السّلطان «الملك النّاصر»، في الاصلاح بينه و بين عزّ الدّين- صاحب الموصل- و ورد معه من الموصل القاضي محيي الدّين أبو حامد بن الشّهرزوري، الّذي كان قاضي حلب ثم تولّى قضاء الموصل، و القاضي بهاء الدين أبو المحاسن بن شدّاد، الذي صار قاضي عسكر السلطان «الملك الناصر»، و ولى قضاء حلب في أيام ابنه الملك الظّاهر، و لم يتفق الصلح. بينهما (2).

____________

(1)- الزردخاناه: مستودع حفظ الأسلحة، و يبدو من النص أنه كان يحفظ به ما فضل من دخل الأوقاف.

(2)- مكث ابن شداد لدى صلاح الدين و هو الذي ألف حوله كتاب المحاسن اليوسفية.

564

و حضرني حكاية جرت لشيخ الشيوخ مع «محيي الدّين»، في هذه السّفرة، و ذلك أن شيخ الشيوخ كان قد وصل إلى السّلطان «الملك النّاصر»، و هو محاصر للموصل، ليصلح بينه و بين عزّ الدّين، في المحاصرة الأولى، فلم يتّفق الصلح، و اتّهم أهل الموصل شيخ الشّيوخ بالميل مع «الملك النّاصر»، فعمل محيي الدّين فيه أبياتا منها:

بعثت رسولا أم بعثت محرّضا* * * على القتل تستجلي القتال و تستحلي؟

و قال فيها مخاطبا للإمام النّاصر:

فلا تغترر منه بفضل تنمّس‏* * * فما هكذا كان «الجنيد» و لا «الشّبلي»

(1)

فبلغت الأبيات شيخ الشيوخ.

فلما اجتمعا في هذه السفرة و تباسطا، قال له شيخ الشيوخ: «كيف تلك الأبيات التي عملتها فيّ؟» فغالطه عنها، فأقسم عليه باللّه أن ينشده إيّاها، فذكرها له، حتى أنشده البيت الذي ذكرناه أوّلا، فقال: «و اللّه لقد ظلمتني، و انني و اللّه، اجتهدت في الاصلاح فما اتّفق» فأنشده تمامها، حتى بلغ إلى قوله: «فما هكذا كان الجنيد و لا الشّبلي» فقال: «و اللّه لقد صدقت، فما هكذا كان الجنيد و لا الشّبلي، أدور على أبواب الملوك من باب هذا إلى باب هذا».

ثمّ إنّ الرّسل ساروا عن غير زبدة، و توجّه الملك العادل من حلب في ذي الحجّة، و عيّد عند أخيه بدمشق، ثم عاد إلى حلب.

____________

(1)- من أشهر أئمة الصوفية.

565

و اهتمّ السّلطان الملك النّاصر، في سنة ثمانين و خمسمائة، لغزاة «الكرك»، فوصل إليه «نور الدّين بن قرا أرسلان»، و اجتاز بحلب، فأكرمه «الملك العادل»، و أطلعه إلى قلعتها في صفر، ثم رحل معه إلى دمشق، فخرج السّلطان، و التقاه على عين الجر (1)، «بالبقاع»، ثم تقدّم إلى دمشق و تجرد و تأهب للغزاة، و خرج إلى «الكرك»، و استحضر العساكر المصرية، فوصل تقيّ الدّين ابن أخيه، و معه بيت الملك العادل، و خزائنه، فسيرهم إلى حلب.

و نازل الكرك، و أحدقت العساكر بها، و هجموا الربض، و بينه و بين القلعة خندق و هما جميعا على سطح جبل، و سدّوا أكثر الخندق، و قاربوا فتح الحصن، و كانت للبرنس «أرناط»، فكاتب من فيها الفرنج، فوصلوا في جموعهم إلى موضع يعرف «بالواله» (2)، فسيّر «الملك النّاصر» الأثقال، و رحل بعد أن هدم الحصن بالمنجنيقات.

و رحل عنها في جمادى الآخرة، و أمر بعض العسكر فدخلوا إلى بلاد الفرنج، فهجموا نابلس، و نهبوها، و خربوها، و استنقذوا منها أسرى من المسلمين، و فعلوا في «سبسطية» (3) و «جينين» (4) مثل ذلك، و عادوا و دخلوا

____________

(1)- هي عنجر الحالية في لبنان على مقربة من الحدود السورية اللبنانية الحالية قبل بلدة شتورا.

(2)- لم يرد ذكر هذا الموقع في المعاجم العامة أو المتخصصة بفلسطين، و يستفاد من وليم الصوري ص 1070، أنه كان على أطراف البحر الميت.

(3)- سبسطية قرية في الشمال الغربي من مدينة نابلس على بعد مسافة 15 كم منها. معجم بلدان فلسطين.

(4)- تمثل مدينة جينين (جنين) الرأس الجنوبي للمثلث المتكون من مرج بني عامر. معجم بلدان فلسطين.

566

دمشق مع السلطان.

و وصل إليه «شيخ الشّيوخ» بالخلع، من الخليفة النّاصر، له و لأخيه «الملك العادل»، و لابن عمّه ناصر الدّين‏ (1)، فلبسوها، ثم خلع السّلطان، بعد أيّام خلعته الواردة من الخليفة على نور الدّين بن قرا أرسلان.

و ورد إليه رسول مظفّر الدّين بن زين الدّين، يخبره أن عسكر «الموصل»، و عسكر «قزل» نزلوا على «إربل»، و أنهم نهبوا و أخربوا، و أنّه انتصر عليهم، و يشير عليه بقصد الموصل، و يقوّي طمعه، و بذل له إذا سار إليها خمسين ألف دينار، فعند ذلك هادن الفرنج مدّة.

و رحل من دمشق في ذي القعدة من سنة ثمانين، فوصل حلب و أقام بها إلى أن خرجت السنة، و سار منها إلى «حرّان»، و التقاه مظفر الدين بالبيرة، في المحرم سنة إحدى و ثمانين، و عاد معه إلى «حرّان»، و طالبه بما بذل له من المال، فأنكر ذلك فأحضر رسوله العلم بن ماهان، فقابله على ذلك، فأنكر، فقبض عليه، و وكّل به.

ثم أخذ منه مدينتي حرّان و الرّها، و أقام في الاعتقال إلى مستهل شهر ربيع الأول، ثم أطلقه خوفا من انحراف الناس عنه، لأنهم علموا أنه الذي ملّكه البلاد الجزرية، و أعاد عليه «حرّان»، و وعده باعادة الرها، إذا عاد من سفرته، فأعادهما عليه.

____________

(1)- ابن أسد الدين شيركوه، و كان إقطاعه حمص.

567

[حصار صلاح الدين للموصل‏]

و سار الملك النّاصر إلى الموصل، فوصل «بلد» (1)، فنزلت إليه والدة عزّ الدّين، و معها ابنة نور الدّين، و غيرها من نساء بني أتابك، يطلبن منه المصالحة، و الموافقة، فردّهن خائبات، ظنا منه أن «عزّ الدّين» أرسلهنّ عجزا عن حفظ الموصل؛ و اعتذر بأعذار ندم عليها بعد ذلك.

و رحل، حتّى صار بينه و بين الموصل مقدار فرسخ فكان يجري القتال بين العسكرين، و بذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لردّه النّساء، و ندم السّلطان على ردّهن، و افتتح «تل عفر»، فأعطاها عماد الدّين صاحب سنجار.

و أقام على حصار الموصل شهرين، ثمّ رحل عنها، و جاءه الخبر بموت شاه أرمن، و كاتبه جماعة من أهل خلاط، فترك الموصل طمعا في خلاط فاصطلح أهل خلاط مع البهلوان صاحب «أذربيجان»، فنزل السّلطان على «ميّافارقين»، و كان صاحبها «قطب الدّين ايلغازي بن ألبي بن تمرتاش»، و ملك بعده حسام الدّين بولق أرسلان، و هو طفل، فطمع في أخذها، و نازلها، فتسلّمها من واليها، و زوّج بعض بنيه ببنت الخاتون بنت قرا أرسلان، ثم عاد إلى الموصل عند إياسه من خلاط، فوصل إلى «كفر زمّار» (2)، في شعبان، من سنة إحدى و ثمانين، فأقام بها مدّة، و الرسل تتردّد بينه و بين عزّ الدّين.

____________

(1)- مدينة قديمة فوق الموصل على دجلة بينهما سبعة فراسخ. الأعلاق- قسم الجزيرة- ص 768.

(2)- كفر زمار: قرية من قرى الموصل: معجم البلدان.

568

فمرض السّلطان بكفر زمار، فسار عائدا إلى حرّان، و أتبعه عزّ الدين بالقاضي بهاء الدين بن شداد، و بهاء الدّين الرّبيب، رسولين إليه في موافقته على الخطبة و السكّة، و أن يكون معه عسكر من جهته، و أن يسلم إليه «شهرزور» (1)، و أعمالها، و ما وراء «الزّاب».

[مرض صلاح الدين بحران‏]

و اشتد مرض السّلطان بحرّان في شوّال، و أيس منه، و أرجف بموته، و وصل إليه الملك العادل من حلب، و معه أطبّاؤها، و استدعى المقدّمين من الأمراء من البلاد، فوصلوا إليه. و عزم «الملك العادل» على استحلاف الناس لنفسه.

و سار ناصر الدين صاحب حمص طمعا في ملك الشّام، و قيل انه اجتاز بحلب، ففرّق على أحداثها مالا، و سار إلى حمص، و جرى من تقيّ الدّين بمصر حركات من يريد أن يستبدّ بالملك.

و تماثل السّلطان، و بلغه ذلك كلّه، و أركب، فرآه الناس، و فرحوا، و ابتنى دارا ظاهر «حرّان» فجلس فيها حين عوفي، فسمّيت «دار العافية». و لما عوفي ردّ على مظفّر الدّين «الرّها»، و أعطاه سنجقا، و أحضر رسولي الموصل، و حلف لهما على ما تقرّر في يوم عرفة.

و بلغه موت ابن عمّه ناصر الدّين، صاحب حمص، و رحل عن حرّان إلى حلب، و صعد قلعتها يوم الأحد، رابع عشر محرم سنة اثنتين‏

____________

(1)- شهرزور: كورة واسعة في الجبال بين اربل و همذان. معجم البلدان.

569

و خمسمائة. و أقام بها أربعة أيام، ثم رحل إلى دمشق، فلقيه «أسد الدّين شيركوه»، ابن صاحب حمص، فأعطاه حمص، و سار إلى دمشق.

و سيّر إلى «الملك العادل»، و طلبه إليه إلى دمشق، فخرج من حلب جريدة، ليلة السّبت الرّابع و العشرين، من شهر ربيع الأوّل من سنة اثنتين. فوصل إليه إلى دمشق، و جرت بينهما أحاديث و مراجعات استقرّت على أن الملك العادل يطلع إلى مصر، و معه الملك العزيز، و يكون أتابكة؛ و يسلّم حلب إلى الملك «الظّاهر غازي»، و ينزل الأفضل إلى دمشق من مصر، و ينزل تقيّ الدين أيضا منها.

و كان الّذي حمله على إخراج الملك العادل من حلب أنّ علم الدين سليمان بن جندر كان بينه و بين الملك النّاصر صحبة قديمة، قبل الملك، و معاشرة، و انبساط، و كان الملك العادل و هو بحلب لا يوفيه ما يجب له، و يقدّم عليه غيره.

فلما عوفي الملك النّاصر سايره يوما «سليمان»، و جرى حديث مرضه، و كان قد أوصى لكلّ واحد من أولاده بشي‏ء من البلاد، فقال له «سليمان بن جندر»: «بأيّ رأي كنت تظنّ أن وصيتّك تمضي كأنّك كنت خارجا إلى الصيد، و تعود فلا يخالفونك، أما تستحي أن يكون الطّائر أهدى منك إلى المصلحة؟». قال: «و كيف ذلك؟»- و هو يضحك-. قال: «إذا أراد الطائر أن يعمل عشّا لفراخه، قصد أعالي الشّجرة، ليحمي فراخه، و أنت سلّمت الحصون إلى أهلك، و جعلت أولادك على الأرض، هذه حلب،

570

و هي أمّ البلاد بيد أخيك؛ و حماة بيد تقيّ الدّين، و حمص بيد ابن أسد الدّين، و ابنك الأفضل مع تقيّ الدّين بمصر يخرجه متى شاء، و ابنك الآخر مع أخيك في خيمته يفعل به ما أراد». فقال له: «صدقت، و اكتم هذا الأمر».

[ولاية الظاهر غازي لحلب‏]

ثم أخذ حلب من أخيه، و أعطاها ابنه «الملك الظاهر»، و أعطى الملك العادل بعد ذلك حرّان، و الرّها، و ميافارقين، ليخرجه من الشام، و يتوفّر الشام على أولاده. فكان ما كان، و أخرج «تقيّ الدّين» من مصر، فشقّ عليه ذلك و امتنع من القدوم، ثم خاف، فقدم عليه.

و سيّر الملك العادل «الصّنيعة» لا حضار أهله من حلب، و سار «الملك الظّاهر»- (قدّس اللّه روحه)- إلى حلب، و سيّر في خدمته «شجاع الدين عيسى بن بلاشوا» (1)، و ولّاه قلعة حلب، و أوصاه بتربية الملك الظّاهر، و أخيه الملك الزّاهر، و حسام الدين بشارة- صاحب بانياس- و ولّاه المدينة، و جعل الديوان بينهما.

و جعل قرار «الملك الظاهر» في السنة ثمانية و أربعين ألف دينار بيضاء في كلّ شهر أربعة آلاف دينار، و كلّ يوم قباء و كمه‏ (2)، و عليق دوابّه من‏

____________

(1)- في مفرج الكروب ج 2 ص 179 «عيسى بن بلاشق».

(2)- كذا بالأصل و لعلها تصحيف «كمر» أي قباء و نطاق.

571

الأهراء، و خبزه من الأهراء، و استمرّت هذه الوظيفة، إلى سنة ستّ و ثمانين إلى رجب.

فورد كتاب الملك النّاصر إلى ولده الملك الظّاهر، يأمره بأن يأمر و ينهى، و أن يقطع الإقطاعات، و أنّ البلد بلده. و كان القاضي الزبداني يكتب له، فلم يعجبه، فانصرف على حال غير محمودة.

و على ذكر «علم الدين سليمان بن جندر»، تذكرت حكاية مستملحة عنه، فأثبتها:

أخبرني الزكي أحمد بن مسعود الموصلي المقرى‏ء، قال: كنت أؤم بعلم الدّين سليمان بن جندر، فاتّفق أن خرجت معه إلى حارم، في سنة سبع و سبعين و خمسمائة، و جلست معه تحت شجرة هناك، فقال: كنت و مجد الدّين أبو بكر بن الدّاية و الملك النّاصر صلاح الدّين، تحت هذه الشجرة، و نور الدّين إذ ذاك يحاصر حارم، و هي في أيدي الفرنج، فقال مجد الدّين: كنت أتمنّى أن نور الدّين يفتح حارم، و يعطيني إيّاها، فقال صلاح الدّين: أتمنّى على اللّه مصر، ثم قالا لي: تمنّ أنت شيئا، فقلت:

إذا كان مجد الدّين صاحب حارم و صلاح الدّين صاحب مصر، ما أضيع بينهما، فقالا: لا بدّ من أن تتمنّى شيئا، فقلت: إذا كان و لا بدّ من ذلك فأريد «عمّ».

فقدّر اللّه أنّ نور الدّين كسر الفرنج، و فتح حارم، و أعطاها مجد الدّين، و أعطاني «عمّ». فقال صلاح الدّين: أخذت أنا مصر و اللّه، فانّنا

572

كنّا ثلاثة، و تمنّى «مجد الدّين» حارم، و أخذها، و تمنّى علم الدّين «عمّ» و أخذها. و قد بقيت أمنيتي. فقدّر اللّه تعالى: أن فتح أسد الدّين مصر، ثمّ آل الأمر إلى أن ملكها صلاح الدين. و هذا من أغرب الاتفاقات.

و زوّج السّلطان الملك النّاصر ولده «الملك الظّاهر»، في هذه السّنة، بابنة أخيه «غازية خاتون» بنت «الملك العادل». و دخل بها يوم الأربعاء سادس و عشرين من شهر رمضان.

ثم إنّ السّلطان عزم على قصد «الكرك» مرّة أخرى فبرز من دمشق، في النّصف من محرّم سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و سيّر إلى حلب يستدعي عسكرها، فاعتاق عليه، لاشتغاله بالفرنج بأرض «أنطاكية»، و بلاد «ابن لاون»، و ذلك أنه كان قد مات، و أوصى لابن أخيه بالملك.

و كان الملك المظفّر تقيّ الدّين بحماة، فسيّر إليه السّلطان، و أمره بالدّخول إلى بلاد العدوّ، فوصل إلى حلب في سابع عشري محرّم، و نزل في دار «عفيف الدّين بن زريق» (1)، و أقام بها إلى ثالث صفر، و انتقل إلى داري الآن، و كانت إذ ذاك في ملك الأمير طمان، ثم خرج إلى «حارم»، و أقام بها إلى أن صالحهم، في العشر الأواخر من شهر ربيع الأوّل، ثم سار حتى لحق السّلطان، و أما السّلطان فانه سار إلى رأس الماء (2)، و اجتمعت اليه العساكر

____________

(1)- تحولت إلى مدرسة عرفت بالمدرسة الصلاحية في محلة سويقة علي. الآثار الاسلامية ص 228.

(2)- سلف أن ذكرت أن رأس الماء يعرف الآن باسم نبع السريا و منه تشرب بلدة الشيخ مسكين في حوران.

573

الاسلامية من الموصل، و الشّرق، و مصر، و الشّام، «بعشترا»، بعد أن أتته الأخبار أن البرنس «أرناط» يريد الخروج على الحاجّ، فأقام قريبا من «الكرك» مشغلا خاطره، ليلزم مكانه إلى أن وصل الحاج، و تقدّم إلى الكرك، و بثّ سراياه، فنهبوا بلدها و بلد «الشوبك»، و خربوه.

و أرسل إلى ولده الملك الأفضل، فأخذ قطعة من العسكر، فدخل إلى بلد عكا، فأخربوا و نهبوا، و خرج إليهم جمع من الداوية و الاسبتاريّة، فظفروا بهم، و قتل منهم جماعة، و أسر الباقون، و قتل مقدّم الاسبتار.

و عاد السّلطان إلى العسكر، و عرض العسكر قلبا و جناحين، و ميمنة و ميسرة، و جاليشيّة و ساقة، و عرّف كلّا منهم موضعة، و سار على تعبئة، فنزل «بالأقحوانة» (1) بالقرب من طبرية، و كان القمص صاحبها (2) قد انتمى إلى السّلطان، لخلف جرى بينه و بين الفرنج. فأرسل الفرنج إليه البطرك و القسوس و الرّهبان، و تهدّدوه بفسخ نكاح زوجته، و تحريمه، فاعتذر، و تنصّل، و رجع عن السّلطان إليهم، ثم ساروا كلّهم بجموعهم إلى «صفّورية» (3).

فرحل السّلطان، يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، و خلّف طبرية ورآء ظهره، و صعد جبلها، و تقدّم إلى الفرنج، فلم يخرجوا من‏

____________

(1)- بوادي الأردن قرب عقبة أفيق. معجم البلدان.

(2)- كانت طبرية لزوجة القمص- الكونت- ريموند الثالث صاحب طرابلس.

(3)- على بعد 7 كم غرب مدينة الناصرة. معجم بلدان فلسطين.

574

خيمهم، فنزل، و أمر العسكر بالنّزول، فلما جنّة اللّيل، جعل في مقابلة الفرنج من يمنعهم من القتال، و نزل إلى طبريّة جريدة، و قاتلها، و أخذها في ساعة من نهار، و نهبوا المدينة و أحرقوها.

فلما سمع الفرنج بذلك، تقدّموا إلى عساكر المسلمين، فعاد السّلطان إلى عسكره، و التقى الفريقان، و جرى بينهما قتال، و فرّق بينهما اللّيل، و طمع المسلمون فيهم، و باتوا يحرّض بعضهم بعضا.

فلما كان صباح السّبت لخمس بقين من الشهر، طلب كل من الفريقين موضعه، و علم المسلمون أنّ «الأردنّ» من ورآئهم، و بلاد القوم بين أيديهم، فحملت العساكر الاسلاميّة من الجوانب؛ و حمل القلب، و صاحوا صيحة واحدة، فهرب القمص في أوائل الأمر نحو «صور»، و تبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده، فلم يزل سقيما حتى مات في رجب.

[معركة حطين‏]

و أحاط بالباقين من كلّ جانب، فانهزمت منهم طائفة، فتبعها المسلمون فلم ينج منهم أحد. و اعتصمت الطائفة الأخرى بتلّ حطّين- و حطّين: قرية عندها قبر شعيب (عليه السلام)- فضائقهم المسلمون على التلّ، و أوقدوا النيران حولهم، فقتلهم العطش، و ضاق الأمر بهم حتّى استسلموا للأسر، فأسر مقدّموهم و هم: الملك كي‏ (1)، و البرنس أرناط صاحب الكرك و أخو الملك، و ابن الهنفري، و أولاد الست‏ (2)، و صاحب‏

____________

(1)- صحف بالأصل إلى «جفري».

(2)- صاحبة طبريا.

575

جبيل، و مقدّم الداويّة، و مقدّم الاسبتار، و أمم لا يقع عليها الإحصاء، حتى كان الرّجل المسلم يقتاد منهم عشرين فرنجيا، في حلقهم حبل.

و أسروا من المصافّ، و من بلاد الفرنج أكثر من ثلاثين ألفا من الفرنج، ما بين رجل، و امرأة، و صبيّ، و قتل من المقدّمين و غيرهم خلق لا يحصى؛ و لم يجر على الفرنج منذ خرجوا إلى السّاحل مثل هذه الوقعة.

و كان من جملة الغنيمة في يوم المصاف صليب الصّلبوت، و هو قطعة خشب مغلّفة بالذّهب، مرصّعة بالجوهر، يزعمون أنّ ربّهم صلب عليها، و ضربت في يديه المسامير، أحضروه معهم المصاف تبرّكا به، و رفعوه على رمح عال.

فأمّا مقدّم الداويّة و الاسبتار، فاختار السّلطان قتلهم فقتلوا، و أما الملك «كي»، فإنّه أكرمه، و جلس له في دهليز الخمية، و استحضره، و أحضر معه «البرنس أرناط»، و ناول الملك «كي» شربة من جلّاب بثلج، فشرب منها و كان على أشدّ حال من العطش، ثم ناول الملك بعضها «ابرنس أرناط»، فقال السّلطان للتّرجمان: «قل للملك: أنت الّذي سقيته، و إلّا ما سقيته أنا». و أراد بذلك عادة العرب أنّ الأسير إذا أكل أو شرب ممّن أسره أمن.

و كان السّلطان قد نذر مرّتين إن أظفره اللّه به أن يقتله: إحداهما لما أراد المسير إلى مكّة و المدينة، و بعثرة قبر النبي- (صلى اللّه عليه و سلّم)-

و المرّة الأخرى أنّ السّلطان كان قد هادنه، و تحالفا على أمن القوافل‏

576

المتردّدة من الشّام إلى مصر، فاجتاز به قافلة عظيمة، غزيرة الأموال، كثيرة الرّجال، و معها جماعة من الأجناد، فغدر بهم الملعون، و اخذهم و أموالهم و قال لهم: «قولوا لمحمد يجي‏ء ينصركم»، فبلغ ذلك السّلطان و سيّر إليه، و هدّده، و لامه، و طلب منه ردّها فلم يجب، فنذر أن يقتله متى ظفر به.

فالتفت السّلطان إلى «ارناط»، و واقفه على ما قال، و قال له: «ها أنا أنتصر لمحمد». ثم عرض (عليه السلام)، فلم يفعل. فسلّ السيف، و ضربه به، فحلّ كتفه، و تمّم عليه من حضر، و أخذ و رمي على باب الخيمة.

فلما رآه الملك على تلك الصّورة لم يشكّ في أنّه يثنّي به، فاستحضره، و طيّب قلبه، و قال: «لم تجر عادة الملوك أنّهم يقتلون الملوك، و لكنّ هذا طغى، و تجاوز حدّة فجرى ما جرى».

ثم إنّ السّلطان أصبح يوم الأحد، الخامس و العشرين، فنزل على «طبرية»، و تسلّم قلعتها بالأمان من صاحبتها ثم رحل منها يوم الثلاثاء إلى «عكّا»، فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ الشّهر، و قاتلها يوم الخميس مستهلّ جمادى الأولى، فأخذها، و استنقذ منها أربعة آلاف أسير من المسلمين، و أخذ جميع ما فيها، و تفرّق العسكر.

و فتح بعدها: قيسارية، و نابلس، و حيفا، و صفّورية، و الناصرة، و الشقيف، و الفولة، فأخذوها، و استولوا على سكّانها، و أموالها.

و رحل السّلطان من عكّا إلى «تبنين»، و قاتلها، و فتحها يوم الأحد

577

ثامن عشر جمادى الأولى، ثم رحل منها إلى «صيدا» فتسلّمها يوم الأربعاء العشرين منه، ثم سار إلى «بيروت»، ففتحها في التاسع و العشرين منه، ثم سلّمت «جبيل» إلى أصحابه و هو على بيروت.

ثم سار إلى «عسقلان»، و نازلها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة، و تسلّمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، بعد أن تسلّم في طريقه مواضع «كالرّملة» «و يبنا» (1) و «الدّاروم». و أقام على عسقلان، و تسلّم أصحابه غزة، و بيت جبرين، و النّطرون، و بيت لحم، و مسجد الخليل (عليه السلام).

و سار إلى «بيت المقدس»، فنزل عليه الأحد الخامس عشر من شهر رجب من سنة ثلاث و ثمانين، فنزل بالجانب الغربي، و كان مشحونا بالمقاتلة من الخيّالة و الرجّالة، و كان عليه من المقاتلة ما يزيد على ستّين ألفا غير النسآء و الصّبيان، ثم انتقل إلى الجانب الشمالي، يوم الجمعة العشرين من شهر رجب و نصب عليه المنجنيقات، و ضايقه بالزّحف، و القتال، و كثرة الرّماة، حتى أخذ النّقب في السّور، مما يلي «وادي جهنّم»، في قرنة شمالية.

و لمّا رأوا ذلك و علموا أن لا ناصر لهم، و أنّ جميع البلاد التي افتتحها السّلطان صار من بقي من أهلها إلى «القدس»، خرج عند ذلك إليه ابن‏

____________

(1)- كانت يبنا من اقطاعيات الفرنجة الهامة، و هي تبعد 7 كم عن البحر و كانت قبل عام 1948 محطة قطار بين فلسطين و مصر، معجم بلدان فلسطين.

578

بارزان‏ (1)، ملقيا بيده، و متوسطا لأمر قومه، حتّى استقرّ مع السّلطان خروج الفرنج عنها بأموالهم و عيالهم، و أن يؤدّوا الأمانة، يؤدّوا عن كلّ رجل منهم عشرة دنانير، و عن كلّ امرأة خمسة دنانير، و عن كلّ طفل لم يبلغ الحلم دينارين. و من عجز عن ذلك استرق، فبلغ الحاصل من ذلك عن من خرج منهم مائتين و ستّين ألف دينار صوريّة، و استرقّ بعد ذلك منهم نحو ستّة عشر ألفا.

و كان السّلطان قد رتّب في كلّ باب أميرا أمينا لأخذ ما استقرّ عليهم، فخانوا، و لم يؤدّوا الأمانة، فانه كان فيه، على التّحقيق، العدّة التي ذكرناها، و أطلق «ابن بارزان» ثمانية عشر ألف رجل من الفقراء، وزن عنهم ثلاثين ألف دينار.

[تحرير القدس‏]

و تسلّم القدس في يوم الجمعة السابع و العشرين، من شهر رجب، و أقيمت صلاة الجمعة فيه، في الجمعة التي تلي هذه، و هي رابع شعبان.

و خطب بالناس محيي الدّين بن زكيّ الدين- و هو يومئذ قاضي حلب- و أزيلت الصلّبان من قبّة الصخرة، و محراب داود، و أزيل ما كان بالمسجد الأقصى من حوانيت الخمّارين، و هدمت كنائسهم و المعابد، و بنيت المحاريب و المساجد.

و أقام السّلطان على «القدس»، ثم رحل عنه، في الخامس و العشرين‏

____________

(1)- أنظر كتابي حطين- ط. دمشق 1984 ص 167.

579

من شعبان، فنزل على صور بعد أن قدم عليه ولده «الملك الظّاهر»، من حلب في ثامن عشر شهر رمضان، قبل وصوله إليها.

و كان نزوله على «صور» في ثاني عشرين من شهر رمضان، و ضايقها، و قاتلها، و استدعى أسطول مصر، فكانت منه غرّة في بعض اللّيالي، و ظنّوا أنه ليس في البحر من يخافونه، فما راعهم إلّا و مراكب الفرنج من «صور» قد كبستهم، و اخذوا منهم جماعة، و قتلوا جماعة، فانكسر نشاط السّلطان، و رحل عنها في ثاني ذي القعدة، و أعطى العساكر دستورا، و ساروا إلى بلادهم‏ (1).

و أقام هو بعكا، إلى أن دخلت سنة أربع و ثمانين و خمسمائة، و كان من «بهونين» (2) قد أرسلوا إلى السّلطان، و هو «بصور»، فأمّنهم، و سيّر من تسلّمها، و سار السّلطان، فنزل على حصن «كوكب» (3) في أوائل المحرم من هذه السنة، و كان قد جعل حولها جماعة يحفظونها من دخول قوة، فأخذ الفرنج غرّتهم ليلا، و كبسوهم بعفربلا (4) و قتلوا مقدّمهم «سيف الدّين» أخا «الجاولي»، فسار السلطان، و نزل عليها بمن كان قد بقي من خواصّه بعكا، و كان ولده «الملك الظّاهر» قد عاد عنه إلى حلب، و عاد أخوه «الملك‏

____________

(1)- انظر كتابي حطين ص 170- 171.

(2)- هونين الآن في جنوب لبنان.

(3)- كوكب قلعة على الجبل المطل على مدينة طبرية حصينة رصينة. معجم البلدان.

(4)- سلف أن نقلنا عن ياقوت أن عفربلا: بلد بغور الأردن قرب بيسان و طبرية.

580

العادل» إلى مصر، فحصره، ثم رأى أنه حصن منيع، فرحل عنه و جعل عليه قايماز النجمي محاصرا.

[تحرير الساحل الشامي‏]

و سار إلى دمشق، ثم سار من دمشق في النّصف من ربيع الأول إلى حمص، فنزل على بحيرة «قدس» (1)، و وصل إليه «عماد الدّين زنكي» صاحب سنجار، و تلاحقت به العساكر، و اجتمعت عنده، فنزل على تلّ قبالة «حصن الأكراد»، في مستهل ربيع الآخر، و سيّر إلى الملك الظاهر إلى حلب و إلى «الملك المظفر»، بأن يجتمعا و ينزلا «بتيزين» قبالة «انطاكية» لحفظ ذلك الجانب، فسارا حتى نزلا «تيزين» في شهر ربيع الآخر و تواصلت إليه العساكر في هذه المنزلة.

ثم رحل يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، على تعبئة لقاء العدو، و دخل إلى بلاد العدو، و أغار على «صافيتا» و «العريمة» و غير ذلك من ولاياتهم، و وصل إلى «انطرطوس» (2) في سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها، و نظر إليها، و سيّر من ردّ الميمنة، و أمرها بالنزول على جانب البحر، و أمر الميسرة بالنزول على البحر، من الجانب الآخر، و نزل في موضعه، و أحدقت العساكر بها من البحر إلى البحر، و زحف عليها، فما استتمّ نصب الخيم حتى صعد الناس السور، و أخذها بالسيف، و غنم العسكر جميع ما بها، و خرب سور البلد.

____________

(1)- هي بحيرة قطينة الحالية.

(2)- هي مدينة طرطوس الحالية.

581

و سار إلى حلب، فوصل إليه ولده «الملك الظّاهر» في أثناء الطريق، بالعساكر التي كانت «بتيزين». و وصل إلى «جبلة» في ثامن عشر يوم الجمعة، فما استّم نزول العسكر حتى تسلّم البلد، سلّمها إليه قاضيها و أهلها، و كانوا مسلمين تحت يد الفرنج، فعملوا عليها و سلّموها و بقيت القلعة ممتنعة، و قاتل القلعة، فسلّمت بالأمان يوم السبت تاسع عشر الشهر.

و سار عنها إلى «الّلاذقية»، فنزل عليها يوم الخميس رابع عشري جمادى الأولى، و لها قلعتان، فقاتلها، و أخذ البلد، و غنموا منه غنيمة، و فرّق اللّيل بين الناس، و أصبح المسلمون يوم السبت، و اجتهدوا في قتال القلعتين، و نقبوا في السور مقدار ستّين ذراعا، فأيقن الفرنج بالعطب، فطلبوا الأمان، يوم الجمعة الخامس و العشرين من جمادى الأولى، و سلموها يوم السبت.

و رحل عن الّلاذقيّة، يوم الأحد، فنزل على صهيون‏ (1)، و نزل عليها يوم الثلاثاء تاسع عشري جمادى الأولى، و استدار العسكر حولها، و اشتدّ القتال عليها من جميع الجوانب، فضربها منجنيق ولده «الملك الظاهر»، حتى هدم قطعة من سورها تمكّن الصاعد الصعود منها، و زحف عليها السّلطان بكرة الجمعة، ثاني جمادى الآخرة، فما كان إلّا ساعة حتى ارتقى‏

____________

(1)- غير اسمها، برغم صحته بالعربية إلى قلعة صلاح الدين، فصهيون اسم مشتق من الصهوة، و صهوة الجبل أعلاه.

582

المسلمون على أسوار الربض، فهجموه، فانضم أهله إلى القلعة، فقاتلهم المسلمون فصاحوا: الأمان، و سلّموها على صلح القدس.

و أقام السلطان بها حتى تسلم عدّة قلاع، «كالعيد» و «قلعة الجماهريين» و «حصن بلاطنس». ثم رحل و نزل على بكاس‏ (1)؛ و هي قلعة حصينة، من أعمال حلب على جانب العاصي، و لها نهر يخرج من تحتها- يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة على شاطى‏ء «العاصي»، و صعد السلطان جريدة إلى القلعة، و هي على جبل مطل على العاصي، فأحدق بها من كل جانب، و قاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات و الزحف، و فتحها يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة عنوة، و أسر من كان بقي فيها، و غنم جميع ما كان فيها. و كان لها قلعة تسمى «الشّغر» قريبا منها يعبر من إحداهما إلى الأخرى بجسر، فضربها بالمنجنيقات إلى أن طلبوا الأمان، ثم سلمها أهلها بعد ثلاثة أيام، يوم الجمعة سادس عشر الشهر، ثم عاد السلطان إلى الثقل، و سيّر ولده الملك الظّاهر إلى قلعة تسمى «سرمانية» يوم السبت، فقاتلها قتالا شديدا، و تسلّمها يوم الجمعة ثالث عشري الشّهر المذكور.

و اتفق له هذه الفتوحات المتتابعة كلها في أيام الجمع، و كذلك القدس يوم الجمعة.

ثم سار السلطان جريدة إلى «حصن برزية» و هو الذي يضرب به المثل في الحصانة، و يحيط به أودية من سائر جوانبه، و علوها خمسمائة ذراع و نيف‏

____________

(1)- انظر النوادر السلطانية لابن شداد- ط. القاهرة 1903 ص 60- 61.

583

و سبعون ذراعا، فتأمله و قوّى عزمه على حصاره، و استدعى الثقل و بقية العسكر، يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة. فنزل الثقل تحت الجبل.

و في بكرة الأحد صعد السّلطان جريدة، مع المقاتلة، و المنجنيقات، و آلات الحصار إلى الجبل، فأحدق بالقلعة، و ركب المنجنيقات عليها فقاتلها ليلا و نهارا، ثم قسم العسكر على ثلاثة أقسام؛ يوم الثلاثاء، و رتب كل قسم يقاتل شطرا من النهار، بحيث لا يفتر القتال عليها.

و حضرت نوبة السّلطان، فتسلّمها بنفسه، و ركب، و صاح في النّاس، فحملوا حملة الرجل الواحد، و طلعوا إلى الأسوار، و هجموها عنوة، و نهبوا جميع ما فيها، و أسروا من كان فيها، و عاد السلطان إلى الثقل، و أحضر صاحبها و معه من أهله سبعة عشر نفرا، فرّق له السّلطان، و أطلقه مع جماعته، و أنفذهم إلى صاحب «انطاكية»، استمالة له، فإنهم كانوا من أهله‏ (1).

ثم سار السّلطان حتى نزل على «درب ساك»، يوم الجمعة ثامن شهر رجب من السنة، فقاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات، و أخذ النقب تحت برج منها، فوقع، و حماه الفرنج بالرّجال، و وقفوا فيه يحمونه عن كلّ من يروم الصعود فيه، و جعلوا كلّما قتل منهم واحدا أقاموا غيره مقامه، عوضا عن السّور.

____________

(1)- من الواضح أن مصدر ابن العديم هو ابن شداد، لأنه كان من شيوخه- انظر النوادر السلطانية ص 61- 62.

584

ثم طلبوا الأمان على أن ينزلوا بأنفسهم و ثيابهم لا غير، بعد مراجعتهم أنطاكية، و تسلّمها السّلطان، يوم الجمعة الثاني و العشرين من شهر رجب، و أعطاها علم الدين سليمان بن جندر.

و سار عنها بكرة السبت، ثالث عشري الشّهر، و نزل في مرج «بغراس»، و أحدق بعض العسكر «ببغراس»، و أقام‏ (1) يزكا على باب أنطاكية بحيث لا يشذ عنه من يخرج منها، و قاتل البلد مقاتلة شديدة حتى طلبوا الأمان، و شرطوا استئذان أنطاكية، و تسلّمها في ثاني شعبان من السنة (2).

و في ذلك اليوم عاد إلى الخيم، و راسله أهل «أنطاكية» في طلب الصلح فصالحهم، لشدّة ضجر العسكر، و قلق عماد الدّين- صاحب سنجار- لطلب العود إلى بلاده، و استقرّ الصّلح بينه و بين صاحب أنطاكية على أنطاكية لا غير، دون غيرها من بلاد الفرنج، على أن يطلقوا جميع أسرى المسلمين الذين عندهم، و أن يكون ذلك إلى سبعة أشهر، فإن جاءهم من ينصرهم و إلّا سلّموا البلد إلى السّلطان.

و طلبه ولده «الملك الظاهر» أن يتوجه معه إلى حلب، فسار معه إليها، و دخلها في حادي عشر شعبان، و أقام بقلعتها ثلاثة أيام في ضيافة «الملك الظّاهر»، و أنعم «الملك الظاهر» على جماعة كثيرة من عسكره،

____________

(1)- اليزك: الطلائع.

(2)- انظر النوادر السلطانية ص 62- 63.

585

فأشفق السّلطان عليه، و سار من حلب في رابع عشر شعبان، فوصل دمشق قبل دخول شهر رمضان.

فسار في أوائل شهر رمضان حتى نزل «صفد»، و نصب عليها المناجيق، و داومها بالقتال حتى تسلّمها بالأمان في رابع عشر شوال، و كان أصحابه الذين جعلهم على حصار «الكرك» لازموا الحصار هذه المدّة العظيمة، و صابرهم من بها من الفرنج، حتى فنيت أزوادهم و ذخائرهم، و أكلوا دوابّهم، فراسلوا أخا السّلطان «الملك العادل»- و كان قريبا منهم، منازلا بعض القلاع- فطلبوا منه الأمان فأمّنهم و تسلّمها، و تسلّم أيضا «الشوبك»، و غيرها من القلاع التي تجاورها.

ثم سار السّلطان من «صفد» إلى «كوكب» (1)، فنزل على سطح الجبل، و أحدق العسكر بالقلعة، و ضايقها بالقتال، حتى تمكّن النّقب من سورها، فطلب أهلها الأمان فتسلّمها في النّصف من ذي القعدة (2).

و سار بعد ذلك بمدّة إلى «بيت المقدس» فدخله يوم الجمعة ثامن ذي الحجة، و سار إلى «عسقلان» مودعا أخاه «الملك العادل» و كان متوجها إلى مصر، فأخذ من أخيه عسقلان، و أعطاه «الكرك».

و توجّه لتفقد البلاد السّاحلية- و دخلت سنة خمس و ثمانين و خمسمائة- و هو بعكا. و توجّه إلى دمشق فدخلها مستهل صفر.

____________

(1)- تعرف أيضا باسم كوكب الهوا و هي قرية إلى الشمال من بيسان. معجم بلدان فلسطين.

(2)- انظر المحاسن اليوسفية ص 63- 65.

586

ثم توجه في الثالث من شهر ربيع الأول، إلى «مرج فلوس» (1) محاصرا «لشقيف أرنون» (2) و رحل من «مرج فلوس» فأتى «مرج عيون»- و هو قريب من شقيف أرنون- في سابع عشر ربيع الأول.

و ضاق على الفرنج المجال، و قلّت أزوادهم. فنزل «أرناط» صاحب الشقيف إليه- و كان عظيما فيهم ذا رأي و دهاء- فأظهر الطاعة و المودة للسّلطان، و وعده بتسليم المكان و قال:

«أريد أن تمهلني حتى أخلّص أولادي و أهلي من الفرنج، و أسلم اليك الحصن، و تعطيني موضعا أسكن فيه بدمشق، و أقطاعا يقوم بي و بأهلي، و تمكنني الآن من الاقامة بالشقيف، حتى أخلّص أولادي»، فأجابه السلطان إلى ذلك، و جعل يتردّد إلى خدمته.

و كانت الهدنة بين أنطاكية و بينه قد قرب وقتها، و خاطره مشغول بذلك، و قد سيّر إلى تقي الدين أن يجمع من يقارب تلك الناحية من العساكر، و يكون بازاء «أنطاكية».

و بلغه أيضا أن الفرنج قد تجمعوا «بصور» في جموع عظيمة، و كان الأمر قد استقرّ مع «ارناط» أن يسلّم اليه «الشقيف»، في جمادى الآخرة، و هو مقيم «بمرج عيون» ينتظر الميعاد، و «ارناط» في هذه المدّة يشتري الأقوات من سوق المسلمين، و يقوي الشقيف، و السّلطان يحسن الظن به،

____________

(1)- في المحاسن اليوسفية ص 65: مرج برغوث.

(2)- ما تزال بقاياها في جنوب لبنان.