زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج2

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
823 /
587

و لا يسمع فيه قول من يعلمه بغدره و مكره.

فلما بقي من المدّة ثلاثة أيام و حضر عنده «أرناط» قال له في معنى تسليم «الشّقيف»، فاعتذر بأولاده و أهله، و أنّ «المركيس» لم يمكنهم من المجي‏ء إليه، و طلب التأخير مدّة أخرى، فعلم السّلطان مكره، فأخذه و حبسه، فأجاب إلى التسليم، فسيّر مع جماعة من العسكر إلى تحت «الشقيف»، فأمرهم بالتّسليم، فامتنعوا، و طلب قسّيسا حدّثه بلسانه و عاد بما قال إليهم، فاشتدّوا في المنع.

فعلم حينئذ أنّ ذلك كان تأكيدا مع القسّيس، فأعادوه إلى السّلطان؛ و سيّره إلى «بانياس»، و تقدّم إلى «الشّقيف» فحصره، و ضيّق عليه، و جعل عليه من يحفظه، إلى أن سلّمها من بها، بعد أن عذّب صاحبها، في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول من سنة ست و ثمانين‏ (1).

و أما بقية الفرنج، فانّ ملكهم كان وعده السّلطان أنّه متى سلّم «عسقلان» أطلقه، فاتفق أنه أطلقه «بانطرطوس»، حين فتح تلك الناحية، و اشترط عليه أن لا يشهر في وجهه سيفا أبدا، فنكث، و اتفق مع «المركيس» صاحب «صور» و عسكرا مع جموع الفرنج على باب «صور».

و اتّفق بينهم و بين المسلمين حروب و غارات، كانت النكاية فيها سجالا بين الفريقين، بحيث تحاجز الفريقان في آخر تلك الأيام، من جمادى الآخرة من هذه السّنة.

____________

(1)- انظر المحاسن اليوسفية ص 65- 66.

588

[معارك عكا]

و سار الفرنج إلى حصار «عكا»، فنزلوا عليها في يوم الأربعاء ثامن شهر رجب. و سار السّلطان فنزل عليهم بظاهر «عكا»، و منعهم من الإحاطة بسورها، فكان نازلا على قطعة منها تلي الشّمال، و معه الباب الشمالي من «عكا» مفتوحا، و المسلمون يدخلون اليها و يخرجون، و الفرنج على الجانب الجنوبي، و قد أغلق في وجوهم الباب المعروف بباب «عين البقر»، و كان الفرنج يقومون بمحاربة المسلمين، من جانب المدينة و من جانب العسكر.

و جرت بينهم و بين الفرنج وقعات متعدّدة، من أعظمها وقعة اتفقت يوم الجمعة الثالث و العشرين من شعبان، خرج الفرنج و اصطفوا على تعبئة القتال، و الملك في القلب و بين يديه الانجيل، فوقف المسلمون أيضا على تعبئة، و تحرّكت ميسرة الفرنج على ميمنة المسلمين، و فيها الملك المظفّر، فتراجع عنهم، و أمدّه السلطان بأطلاب عدّة من القلب، فخفّ القلب، و عادت ميسرة الفرنج فطمعت فيه، فحملوا على القلب، فانكسر، و انكسر معه معظم الميمنة، و بلغت هزيمتهم إلى «الأقحوانة»، و منهم من دخل دمشق.

و وصل الفرنج إلى خيم السّلطان، فقتلوا ذلك اليوم «أبا عليّ الحسين بن عبد اللّه بن رواحة». و كان قد مدح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلّم) و وقف بازآء قبره، و أنشد قصيدته، و قال: «يا رسول اللّه إنّ لكل شاعر جائزة و قرى، و إني أطلب جائزتي الشّهادة، فاستجاب اللّه دعاءه».

589

و قتل ذلك اليوم مكبّس السلطان و طشت داره‏ (1)، و ثبتت ميسرة المسلمين، و صاح «السّلطان» فيمن بقي من المسلمين: «يال الاسلام»، و عادت ميسرة الفرنج إلى عسكره، فتكاثر الناس وراءهم، و حملوا عليهم، فانهزموا، و تبعهم المسلمون، فقتلوا منهم زهاء سبعة آلاف، و لم يقتل من المسلمين غير مائة و خمسين نفرا.

ثم إنّ الحرب اتّصلت بينهم ليلا و نهارا، و كثر القتل بينهم، و أقبل الشّتاء، فلقي المسلمون منه شدّة. و حضروا إلى السّلطان؛ و أشاروا عليه بالرّحيل عن «عكا» إلى «الخروبة» (2) ليفسح ما بين العسكرين. و كان ذلك للضّجر من تلك المواقفة، و ملازمة القتال، حتى أوهم السّلطان [و قالوا له:] (3) «إنك قد ضيّقت على الفرنج مجال الهرب، و حلت بينهم و بين صور، و طرابلس، و لو أفرجت لهم عن الطّريق لما وقفوا بين يديك».

فرحل السّلطان إلى «الخروبة».

فأصبح الفرنج و قد انبسطوا على عكا، و أحاطوا بها من سائر جهاتها، و اتّصل ما بينهم و بين «صور»، و جاءت مراكبهم منها، فحصرت «عكّا» من جانب البحر، و ضعفت قلوب المسلمين بعكا، و عادوا يقتاتون من الحواصل المدخورة، بعد أن كان من المير المجلوبة.

و توفّر الفرنج على قتال أهل «عكا» بعد أن كانوا مشغولين بالعسكر،

____________

(1)- الطشت دار المسؤول عن غسيل أواني السلطان و ثيابه و أحيانا حمامه و وضوئه.

(2)- الخروبة حصن كان على مقربة من عكا. معجم بلدان فلسطين.

(3)- زيادة اقتضاها السياق.

590

و شرع الفرنج في إدارة خندق على عساكرهم، كاستدارتهم بعكا، و جعلوه شكلا هلاليا: طرفاه متّصلان بالبحر، و أقاموا عليه سورا مما يليهم، و شرّفوه بالجنويات و الطوارق‏ (1)، و التراس.

و اتصلت الأمداد إليهم من البحر، بالأقوات و الرجال و الأسلحة، حتى كان ينقل إليهم البقول الرّطبة، و الخضراوات من جزيرة «قبرس» فتصبح عندهم في اليوم الثاني.

و سيّر السّلطان إلى الخليفة، و إلى ملوك الاسلام، يستنفر و يستصرخ، و اتّصلت الأخبار بوصول ملك الألمان إلى «القسطنطينية»، في ستمائة ألف رجل، منهم ثلاثمائة ألف مقاتل، و ثلاثمائة ألف سوقة، و أتباع و صنّاع.

و حكي أنّه كان في عسكره خمسة و عشرون ألف عجلة تنقل الأسلحة و العلوفات، فأسقط في أيدي المسلمين، و استولى اليأس عليهم، و تعلّقت آمالهم أنه ربّما مانعه من في طريقة من «الأوج» (2) و من قلج أرسلان‏ (3)، فلم يتّفق شي‏ء من ذلك، بل سار، و قطع البلاد، حتى وصل إلى المصيصة.

و أرسل اللّه عليهم و بآء عظيما و حرّا عظيما، و مجاعة أحوجتهم إلى نحر

____________

(1)- من أنواع ستائر الحماية و الدفاع و الترسة.

(2)- الأوج سكان المناطق الثغرية المتقدمة.

(3)- تبعا لابن شداد. المحاسن اليوسفية ص 87 كان قلج أرسلان على وفاق ضمني مع ملك الألمان.

591

دوابّهم، و ذبح البقر الذي يجرّ العجل، فكان يموت في كل يوم ألوف من الرّجال، و يسابقون الموتان إلى ما معهم من الدوابّ الحاملة للأثقال، حتى وصلوا إلى «أنطاكية» و لم يبق منهم إلّا دون العشر.

و كان في جملة من مات منهم ملكهم الذي غزا الشام، في سنة أربع و أربعين، و حاصر دمشق، مات غريقا في نهر «بطرسوس» يقال له «الفاتر»، نزل، و سبح فيه فغرق، و قيل بأنه سبح فيه و كان المآء باردا، فمرض و مات، و أخذ و سلق في خلّ، و جمعت عظامه، ليدفن في البيت المقدّس.

و أوصى بالملك لابنه مكانه، و اتفقت الكلمة عليه، فمرض «بالتينات» (1)، و أقام بها، و سير «كندأكرا» على عسكره، و وصل إلى «أنطاكية»، فمات ذلك «الكند» بها. و خرج البرنس إلى الملك، و استدعاه إلى أنطاكية طمعا في أنه يموت و يأخذ ماله؛ و كان قد فرّق عسكره ثلاث فرق لكثرته، فالفرقة الأولى: اجتازت تحت «بغراس» مع الكند المذكور، فوقع عليه عسكر حلب فأخذ منهم مائتي رجل، و وقع أيضا على جمع عظيم خرجوا للعلوفة، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، و أسروا زهاء خمسمائة نفر.

و لما وصل ملك الألمان إلى أنطاكية أخذها من صاحبها، و أودع فيها خزائنه، و سار منها يوم الأربعاء خامس و عشرين من شهر رجب، سنة ستّ و ثمانين و خمسمائة، متوجها إلى عكا، و فشا فيهم الوبآء حتّى لم يسلم من كلّ‏

____________

(1)- التينات: حصن على شاطى‏ء البحر بين بياس و المصيصة. بغية الطلب ص 223.

592

عشرة واحد، و لم يخرجوا من «أنطاكية» حتى ملؤوها قبورا.

و وصل الملك إلى «طرابلس»، في نحو ألفي فارس، لو صادفهم مائة من المسلمين لأخذوهم، و وصلوا إلى «عكّا» رجالة ضعفاء، لا ينفعون، و مات ابن ملك الألمان على «عكّا» في ذي الحجة، من سنة ستّ‏ (1).

و وصل إلى المسلمين «بعكا» الأسطول المصري في خمسين شينيّا غنم في طريقه إليها بطس و مراكب فرنجية، أسر رجالها و غنم أموالها، و جرى له مصادمات مع مراكب الفرنج المحاصرة لعكا، كانت الغلبة فيها للمسلمين، فدخلوا إلى عكّا، و تماسكت بما دخل فيها من الأقوات و السّلاح، و كان دخولها في يوم الأثنين رابع عشر شعبان، من سنة ستّ و ثمانين.

و في هذا الشهر، جهّز الفرنج بطسا متعدّدة، لمحاصرة «برج الذّبّان»- و هو على باب ميناء عكا- فجعلوا على صواري البطس برجا، و ملؤوه حطبا و نفطا، على أنهم يسيرون بالبطس، فاذا قاربت «برج الذّبان» و لا صقته، أحرقوا البرج الّذي على الصّاري، و ألصقوه ببرج الذّبان، ليلقوه على سطحه، و يقتل من عليه من المقاتلة و يأخذونه.

و جلعوا في البطسة وقودا كثيرا، ليلقوه في البرج إذا اشتعلت النار فيه. و عبؤوا بطسا ملؤوها حطبا، على أنهم يدفعونها لتدخل بين بطس المسلمين، ثم يلهبونها لتحرق بطس المسلمين.

____________

(1)- انظر المحاسن اليوسفية ص 87- 94.

593

و جعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة، تحت قبو، بحيث لا يصل إليهم نشّاب، و يكونون تحت القبو، و يقدّمون البطسة إلى البرج، فأوقدوا النّار، و ضربوا النفط، فانعكس الهواء عليهم، فاحترقت البطسة، و هلك من فيها، و احترقت البطسة الثانية، و أخذها المسلمون، و انقلبت الثّالثة الّتي فيها القبو بمن فيها (1).

و في هذه السنة، في ربيع الأول، أحرق المسلمون ما كان صنعه الفرنج من آلات الحرب و الزحف إليهم، و هي أبرجة عظيمة المقدار، يزحف بها على عجل، و فيها المقاتلة و الجروخ، و المجانيق، فعمد لها رجل دمشقي يعرف «بعليّ بن النحاس»، فرماها من السّور، بقدور نفط متتابعة، و صار فيها ريح غريبة، كانت سببا لا حراق تلك الآلات و ما فيها و من فيها.

و اشتد حصار الفرنج على عكّا، و ملّ من بها من الأجناد المقام، و وصل اليهم من مصر مراكب فيها غلّة، فاتلفوها بالاضاعة و بالتغريق، تبرما بالمقام.

و في ربيع الأول، وصلت من بلاد الفرنج مراكب كثيرة، فيها ألوف من مقاتلة الفرنج من أكبرهم ملكان: يعرف أحدهما بملك «الفرنسيس» و الآخر بملك «انكتير»، فاشتدّت و طأتهما على عكا، و عظمت نكايتهما، في سورها، و قلّ ما بها من الميرة و السّلاح.

____________

(1)- انظر المحاسن اليوسفية ص 100- 101.

594

فأمر السّلطان بأن أوسق مركب عظيم من «بيروت»، و استكثر فيه من السّلاح و الأقوات و المقاتلة، و أظهر عليه زيّ الفرنج و شعارهم، و أخذ قوم من أسارى الفرنج الّذين في قبضة المسلمين، فتركوا على ظاهر المركب، و أنزل معهم في المركب جماعة من المسلمين ممّن يعرف لغة الفرنج، و تزيّوا بزيّ الفرنج، و حلقوا شعورهم، و أخذوا معهم خنازير، و رفعوا على قلع المركب صليبا. و أوهموا الفرنج أنهم واصلون إليهم نجدة من بلادهم، و أقلعوا داخلين إلى مرسى «عكا»، مسلّمين على الفرنج بلغتهم، مبشّرين لهم بأنّ وراءهم من المدد، من تشتد به منتهم، و تعزّ به نصرتهم، فلم يرتب المحاصرون بذلك، و أفرجوا لهم عن المرسى‏ (1).

فدخلوا إلى «عكا»، و أوصلوا إلى المسلمين بها، ما كان معهم من الميرة و السلاح و الرجال، و تمّت هذه الحيلة، و كانت من الفرص التي لا ينبغي أن تعاود فركن المسلمون إليها، و طمعوا في أخرى مثلها، فجهّزوا مركبا عظيما من «بيروت» أيضا، و أودعوه مثل ما كان قبله من الآلات و السلاح و الأقوات بما مبلغ قيمته خمسة آلاف دينار، و جعل فيه سبعمائة من مقاتله المسلمين.

و كان خبرهم قد وصل إلى الفرنج، فأخذوا عليهم الأرصاد، فمكثوا أياما يلججون في البحر، و يقاربون عكّا، فلا يجدون في الدّخول مطمعا، حتى صادفتهم مراكب «الانكتير» في حال قدومه من بلاده، في إحدى‏

____________

(1)- انظر المحاسن اليوسفية ص 97.

595

و عشرين مركبا فقاتلوا ذلك المركب الاسلامي يومين، و ثبت لهم مع قلّته، فغرّق المسلمون من مراكب الفرنج ثلاثة.

و لما رأوا أنهم قد يئسوا من النجاة، و أنّ الفرنج إن ظفروا بالمركب حصل لهم به قوة عظيمة، و حصلوا في الأسر و الذلّة، عمد رجل حلبيّ حجّار من أهل «باب الأربعين» (1)، يقال له «يعقوب» و كان مقدّم الجماعة إلى سفل المركب و أخذ قطّاعته، و خسف المركب، و دخل فيه الماء، و غرق، و لم يظفر الكفّار منه بشي‏ء، سوى رجلين تخطّفهما الفرنج من رأس المال، و احتملوهما في مراكبهم، فأخبروا بهذه الكائنة.

و لما وصل هذا الخبر إلى «عكا» قطع قلوب من بها، و أسقط في أيديهم، و هرب جماعة من الأمراء منها، فألقوا أنفسهم في شخاتير صغار، فأضعف ذلك قلوب من بقي بها، و عظمت النكاية في سور المدينة، و فشلوا، و كاتبوا السلطان، فأذن لهم في مصالحة الفرنج عن أنفسهم بالبلد.

فصالحوا الفرنج على تسليم البلد، و جميع ما فيه من الآلات، و العدد و الأسلحة، و المراكب، و غير ذلك، و على مائتي ألف دينار و ألف و خمسمائة أسير، مجاهيل الأحوال، و مائة أسير معيّنين من جانبهم يختارونهم، و صليب الصلبوت، على أن يخرجوا سالمين بأنفسهم، و ذراريهم، و أموالهم، و قماشهم، و ضمنوا «للمركيس» عشرة آلاف دينار، لأنّه كان‏

____________

(1)- انظر حوله بغية الطلب ص 55- 56.

596

الواسطة، و لأصحابه أربعة آلاف.

و حلف الفرنج لهم على ذلك، و تسلّموا «عكا»، في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة، سنة سبع و ثمانين و خمسمائة، و نكثوا ذلك العهد، و أسروا كلّ من كان بها من المسلمين، و فرّقوا بينهم، و استصفوا أموالهم، و سلبوهم ثيابهم و أسلحتهم، ثم قتلوا منهم ألفين و مائتين صبرا، على دم واحد، في يوم واحد، حيث توهّموا فيهم أنهم فقراء، ليس لهم مفاد، و أسروا من رجوا منه أن يفتدى بمال، أو يكون من السّلطان على بال‏ (1).

و أقامو بعكّا نحو أربعين يوما، و «الملك النّاصر» على حصارهم، ثم خرجوا منها متوجهين إلى «عسقلان»، فسار في عراضهم، ليمنعهم أن يخرجوا من ساحل البحر، فساروا من عكّا إلى «يافا»، و هي مسيرة يوم واحد، في شهر كامل، لمضايقة السلطان لهم، و جرى بينهم و بين المسلمين مناضلة و مطاردة، فلما أشفق السّلطان من أخذهم «عسقلان» سبق إليها فهدمها، و أخرج أهلها منها، في شهر رمضان من سنة سبع.

فأقام الفرنج «بيافا»، و انتقل السّلطان إلى «الرّملة»، و شرع الفرنج في بنآء «يافا» و تحصينها، ثم ساروا عنها، فنزلوا بعسقلان، و شرعوا في عمارتها، ثم ساروا إلى «الدّاروم»، فحصروها ثلاث مرات، أخذوها في المرة الثالثة بالأمان.

و عاد السّلطان، في ثالث ذي الحجة، بالعساكر إلى البيت المقدّس،

____________

(1)- انظر كتابي حطين ص 178- 180.

597

و عمّره، و حصّنه، و وعّر طريقه، و عمّق خندقه، و جعل «الملك العادل»، بازآء الفرنج «بالرّملة».

[وفاة تقي الدين عمر]

و توفي الملك المظفّر تقيّ الدّين، على «منازكرد»، و هو محاصر لها، بعد أن جرى له مصاف مع بكتمر صاحب «خلاط»، و كسره تقيّ الدّين.

و دخلت سنة ثمان و ثمانين، و السّلطان بالبيت المقدّس، و الملك العادل في الرّملة، و قد صار بيد الفرنج مما كان بيد المسلمين من الفتوح، ما بين عكا و «الدّاروم»، و لم يمكنهم مفارقة الساحل، خوفا من أن يحول المسلمون بينهم و بين مراكبهم، فتنقطع مادتهم.

و عصى فيها الملك المنصور بن تقيّ الدّين على السّلطان بميافارقين، و حينى‏ (1)، و حرّان، و الرّها، و سميساط، و الموزر، فسيّر إليه ابنه الملك الأفضل و أقطعه تلك البلاد الشرقية، فسار إلى حلب و معه أخوه «الملك الظّافر»، و وصلا إلى حلب. فأرسل السّلطان أخاه «الملك العادل»، جريدة، في عشرين فارسا من مماليكه، و أمره أن يردّ «الملك الأفضل»، و يطيّب قلب «الملك المنصور»، و يعطيه ما يريد، فوصل «الملك العادل»، و اجتمع بالملك المنصور، و قرّر أمره.

ثم أن السلطان جرت له أحوال مع الفرنج، و وقعات، و مراسلات، يطول الكتاب بتعدادها، إلى أن انتظم الصلح بينه وبين الفرنج، في حادي و عشرين من شعبان سنة ثمان و ثمانين، لمدة ثلاث سنين‏

____________

(1)- بلدة في ديار بكر يقال لها حاني أيضا. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ص 788.

598

و خمسة أشهر، على أن سلّموا إلى المسلمين «عسقلان»، و «غزة»، و «الدّاروم». و اقتصروا من البلاد السّاحلية على ما بين «صور» و «يافا» بعد أن فتح السلطان «يافا»، و بقي القلعة.

و اتفق ملوك الجزائر من الفرنج على تمليك الساحل رجلا منهم يعرف «بالكند هري»، و زوّجوه بنت ملكهم القديم، التي قد استقرّ عندهم أن يجعلوها على كلّ من ملكوه‏ (1).

و سار السّلطان من القدس إلى بيروت في شوّال، و وصل إلى خدمته صاحب أنطاكية «الابرنس» و ولده «قومص طرابلس»؛ و خلع عليهما، و جدّد بينه و بينهما الهدنة و العقد.

و في سادس عشري ذي القعدة، دخل إلى دمشق، بعد مدّة تقارب أربع سنين. و كان «الملك الظاهر» قد ودّعه من «القدس»، و رحل إلى حلب في شهر رمضان، و أخبرني القاضي بهاء الدّين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم: أنه ودّعه، ثم سيّر إليه، و استأذنه في مراجعته في أشياء فأدخله عليه- و كنت حاضرا- ثم قال للملك الظاهر:

«أوصيك بتقوى اللّه فإنّها رأس كلّ خير: و آمرك بما أمرك اللّه به، فانه سبب نجاتك، و أحذّرك من الدّماء و الدخول فيها و التقلّد لها، فإنّ الدم لا ينام، و أوصيك بحفظ قلوب الرعيّة، و النّظر في أحوالهم، فأنت أميني و أمين اللّه عليهم، و أوصيك بحفظ قلوب الأمراء، و أرباب الدّولة

____________

(1)- انظر كتابي حطين ص 182- 184.

599

و الأكابر، فما بلغت ما بلغت إلّا بمداراة النّاس، و لا تحقد على أحد، فانّ الموت لا يبقي على أحد، و احذر ما بينك و بين النّاس، فانّه لا يغفر إلّا برضاهم؛ و ما بينك و بين اللّه يغفره اللّه بتوبتك إليه، فانّه كريم».

و في شهر ذي القعدة، سلّم إلى «الملك المنصور» ما كان لأبيه بالشام، و هو «منبج، و حماة، و سلمية، و معرّة النعمان» و انقضت سنة ثمان و ثمانين.

و الهدنة مع الفرنج مستمرّة، و «الملك النّاصر» بدمشق، «و الملك الظّاهر» بحلب، و الملك العزيز بمصر، و الملك الأفضل، و هو أكبر ولد السّلطان، معه بدمشق.

[وفاة صلاح الدين‏]

فمرض السّلطان، في اليوم الخامس عشر، من صفر، بحمّى حادة، و اختلط ذهنه في السّابع، و حبس كلامه، و انجذبت مادّة المرض إلى دماغه، و توفي- (رحمه اللّه)- في الثّالث عشر من مرضه، في وقت الفجر، من يوم الأربعاء، السّابع و العشرين من صفر، من سنة تسع و ثمانين و خمسمائة.

و ليس في خزانته من المال يوم وفاته سوى دينار واحد صوري، و سبعة و أربعين درهما نقرة (1)، و دعوته على المنابر من أقصى حضر موت في الجنوب إلى أوائل بلاد «أرانية» (2) في الشّمال عرضا، و من طرابلس الغرب إلى باب همذان طولا. و نقودها من الدّراهم و الدنانير مضروبة باسمه، و عساكرها مطيعة لأمره، سائرة تحت لوائه. و من جملة ملكه ديار مصر، و الشّام‏

____________

(1)- أي من الفضة.

(2)- أرّان اقليم مشهور بين أذربيجان و أرمينية. معجم البلدان.

600

جميعه، و الجزيرة و ديار بكر، و اليمن.

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

و كان وزيره القاضي «عبد الرحيم بن علي البيساني»، صاحب البلاغة في الكتابه.

و استقرّ ملك ابنه السلطان «الملك الظّاهر غازي بن الملك النّاصر يوسف بن أيّوب» لحلب، و البيرة، و كفرطاب، و عزاز، و حارم، و شيرز، و بارين، و تلّ باشر. و استقلّ بملك حلب، و أنعم على رعيّته، و استمال قلوبهم بالاحسان، و عمل بوصيّة أبيه في الأفعال الحسان، و شارك أهل حلب في سرورهم و الحزن، و قلّد أعناقهم أطواق الانعام و المنن، و جالس الكبير منهم و الصّغير، و استمال الجليل و الحقير.

و كان- (رحمه اللّه)- مع طلاقة وجهه، من أعظم الملوك هيبة، و أشدّهم سطوة، و أسدّهم رأيا، و أكثرهم عطاء، و كانت الوفود في كلّ عام تزدحم ببابه من الشّعراء، و القرّاء، و الفقراء، و غيرهم. و كان يوسعهم فضلا و إنعاما، و يوليهم مبرّة و إكراما.

و لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد «سيف الدّولة بن حمدان» ما اجتمع ببابه- (رحمه اللّه)- و زاد على «سيف الدولة» في الحباء، و الفضل و العطاء.

و خرج صاحب الموصل «عزّ الدّين»، باتفاق «عماد الدّين» و صاحب‏

601

ماردين، لاستنقاذ حرّان و الرّها، من يد «الملك العادل»، في شهر ربيع الآخر من هذه السنة؛ و نزل بدنيسر.

[الصراعات الأيوبية]

و نزل «الملك العادل» بحرّان، و استنجد بعساكر «الملك الظّاهر» و «الملك الأفضل»، فسيّر الملك الظّاهر عسكره و مقدّمة الملك المنصور بن تقيّ الدّين، و نزل الملك العادل على سروج فافتتحها. و مرض عزّ الدّين، و عاد إلى الموصل عن غير لقاء.

ثم نزل الملك العادل على الرّقة، فأخذها، و أعطاها ابن أخيه «الملك الظافر». و سار بالعساكر إلى نصيبين، و أقطع الخابور و بلد القنا، ثم اصطلحوا في شهر رمضان.

و كان الياروقية و مقدّمهم «دلدرم» صاحب «تلّ باشر»، قد تكبّروا و تحامقوا على الملك الظّاهر، و قصّروا في خدمته، في حياة أبيه. و كانوا يعظّمون «بدر الدين دلدرم»، و يركبون كلّهم في خدمته حتى كأنه السلطان، و كان بأيديهم من الأقطاع خير ضياع «جبل السّماق»، و غيرها؛ و ملك الملك الظاهر حلب، فسلكوا معه من الحماقة، ما كانوا يسلكون من قبل، فاعتقل مقدّمهم «دلدرم» في قلعة حلب، و قيّده، و أخرج الباقين عن حلب، و قبض أقطاعهم، و طلب من «دلدرم» تسليم «تلّ باشر» فامتنع، و ذلك في سنة تسعين و خمسمائة.

و اتّفق أن وقع خلف بين الأفضل و الملك العزيز، بسبب أميرين من النّاصرية، أحدهما ميمون القصري، و الآخر سنقر الكبير، و كان بأيديهما

602

عدّة من القلاع، فاستشعرا من الملك الأفضل أن يقبضهما، فسارا إلى مصر، و كاشفا «الأفضل» بالعصيان.

و طلبا من العزيز الكون في خدمته على أن يذّب عما في أيديهما، فأقطع الملك الأفضل بلادهما، و أقطعهما الملك العزيز نابلس- و كانت مقطعة مع ابن المشطوب- فامتنع من تسليمها إليهما، و سار إلى الملك الأفضل فوقع الشرّ بينهما بسبب ذلك.

و نزل الملك العزيز إلى دمشق، في جمادى الآخرة، و أقطع بلدها، و قاتلها، فسيّر الملك الأفضل إلى عمّه، و أعلمه بذلك، فسار «الملك العادل» من بلاده شرقي الفرات جريدة، و اجتمع بالملك الظاهر غازي بحلب، و أصعده إلى قلعة حلب، و أنزله في الدار، التي فيها ابنة الملك العادل «غازية خاتون»، زوجة السلطان الملك الظّاهر. و طلب من الملك الظّاهر موافقته على المسير إلى نصره الملك الأفضل، و اصلاح ما في قلوب الملكين من المضاغنة، فوافقه على ذلك. ثم قال له الملك العادل: «انا ضيفك، و لا بدّ للضّيف من قرى، و أطلب أن تكون ضيافتي منك دلدرم».

فأجابه إلى ذلك و أطلقه.

و كان «العلم بن ماهان» في خدمة السّلطان «الملك الظاهر»، في محلّ الوزارة، فأشار عليه بقبض عمّه الملك العادل، فامتنع، و قال: «هذا عمّي، و محلّه محلّ الوالد». و نزل الملك «بدلدرم» من القلعة، فمضى في يومه إلى «تلّ باشر».

603

و صعد الملك العادل و الملك الظّاهر، إلى نصرة الملك الأفضل، بعد أن سلّم الملك الأفضل إلى الملك الظّاهر جبلة، و اللاذقية، و بلاطنس و أعمال ذلك كلّه، لينصره على أخيه. و اجتمع الملك العادل، و الملك الظّاهر بالملك الأفضل، و تأخّر الملك العزيز عن دمشق.

و جرت بين الملوك الثلاثة مراسلات أفضت إلى الاتّفاق و الصّلح، على أن تكون بلاد الملك الأفضل بحالها، و ما كان بيد «ميمون» و «سنقر»، على حاله، و يكونان في خدمة «الملك العزيز». و وقعت الأيمان و العهود على ذلك، في شعبان من سنة تسعين و خمسمائة.

و عاد «الملك العزيز» إلى مصر، و «الملك الظّاهر» إلى حلب، و الملك العادل إلى الشرق.

و في سنة إحدى و تسعين اتّصل القاضي «بهاء الدّين أبو المحاسن، يوسف بن رافع بن تميم» بخدمة «الملك الظاهر»، و قدم إليه إلى حلب، و ولّاه قضاء حلب و وقوفها، و عزل عن قضائها «زين الدين أبا البيان نبأ» نائب «محيي الدّين بن الزكي»، و حلّ عنده بهاء الدّين في رتبة الوزارة و المشورة.

ثم إنّ «الملك الأفضل» استشعر من أخيه «الملك العزيز» أن ينزل إلى دمشق، و يحاصرها، في سنة إحدى و تسعين، كما فعل في السّنة الخالية، فسار إلى «قلعة جعبر»، و اجتمع بعمّه «الملك العادل. بها، و فاوضه في‏

604

الوصول إليه إلى دمشق، لينصره على الملك العزيز إن وصل إلى دمشق، إمّا بصلح أو بغيره، فوافقه على ذلك.

و توجّه الملك العادل إلى دمشق، ثم عدل الملك الأفضل إلى حلب، إلى أخيه الملك الظاهر، و وصل إليه حلب، و فاوضه في انجاده على الملك العزيز، فلم يجد عنده نيّة صادقة في الحركة معه إلى دمشق، و اشترط عليه شرائط من جملتها أن صاحب «حماة» الملك المنصور محمّد بن تقي الدّين، و عزّ الدّين بن المقدّم صاحب «بارين»، و «بدر الدّين دلدرم بن ياروق»، صاحب «تل باشر»، كانوا كلّهم في طاعته، و مضافين إليه، و بلادهم من جملة بلاد الملك الظّاهر، و أنهم كانوا من جملة أصحابه، فانحرفوا عنه، و انضافوا إلى عمه الملك العادل.

و كان الملك العادل قد شفع إليه في دلدرم، و أطلقه لأجله، و ضمن له عنه الطاعة و القيام بما يجب، فانضاف إلى عمّه.

و طلب «الملك الظّاهر» أنّ الملك العادل يقوم له، بما جرى بينه و بينه من الشرط، و أن لا يعرض لأتباعه المذكورين.

و سار الملك الأفضل إلى دمشق، على أن يقرّر مع عمّه ما التمسه الملك الظّاهر. فلم يتّفق للملك الظّاهر شي‏ء مما التمسه. فعاد بالكليّة عنهما، و أرسل إلى الملك العزيز، يحضّه، و يحرضه على قصدهما لأن الملك الأفضل مال إلى الملك العادل، و ألقى أموره كلّها إليه.

605

و وصلت رسل الملك العزيز إلى الملك الظّاهر، بموافقته معه، و معاضدته. و حلف له الملك الظّاهر، في شهر رجب من السّنة.

و نزل الملك العزيز، من مصر، في شهر رمضان؛ و الأسدية و الأكراد مخامرون عليه، و الملك العادل و الملك الأفضل، قد كاتباهم، فمالوا إليهما لتقدمة الملك العزيز الناصريّة عليهم.

و خرج الملك الظّاهر، فنزل بقنسرين، و عيّد بها عيد الفطر، و عيّد الملك العزيز «بالفوّار»، و عزم الملك العزيز على الرحيل إلى دمشق، و النزول عليها، و رحل أبو الهيجاء السمين و المهرانيّة، و الأسدية في رابع شوال. و ساروا إلى دمشق.

و رحل الملك الظّاهر من «قنّسرين» إلى «قراحصار»، قاصدا حصار منبج- و هي في يد الملك المنصور صاحب حماة- فلما وصل الملك الظّاهر إلى «بزاعا»، وصله الخبر بأنّ العسكر خامر على الملك العزيز، و أنّه رجع عن دمشق؛ و سار الملك العادل و الأفضل خلفه إلى مصر، فعاد الملك الظّاهر إلى «قرا حصار» حتي انسلخ شوال، و دخل حلب.

و وصله الخبر بأن الملك العادل و الأفضل، سارا خلف الملك العزيز إلى مصر، و نزلا على «بلبيس»، و دخل الملك العزيز إلى مصر، و استقرّ أمره بها، و علم الملك العادل بأنّه لا يتمشّى أمرهما مع الملك العزيز، فكتب إلى القاضي الفاضل، و طلب الاجتماع به، فألزمه الملك العزيز بالخروج إليه، فاجتمع به، و أصلح حاله مع الملك العزيز، و شرط عليه أن يعفو عن‏

606

الأسدية. و قال للملك الأفضل: «أنا كان مقصودي الاصلاح بينكم، و أن لا يقع على دولتكم خلل، و قد حصل ذلك».

و تحالفوا، و عاد الملك الأفضل، و معه أبو الهيجاء السمين، و بقي الملك العادل مع الملك العزيز بمصر، و وافقه، فانحرف الملك الظّاهر عن الملك العزيز بذلك السبب، و مال إلى الملك الأفضل.

و كان الملك العادل قد احتوى على الملك العزيز، و أوقع في نفسه أن السّلطنة تكون له في بلاد الاسلام، و الخطبة و السكّة، و كان يبلغه عن الملك الأفضل كلمات توجب الحنق عليه، فاتّفق مع الملك العزيز على أن ينزلا جميعا إلى الشام، لتقرير هذه القاعدة في جميع بلاد الاسلام.

فسيّر الملك الظّاهر أخاه الملك الزّاهر داود، و القاضي بهاء الدين قاضي حلب، و سابق الدين عثمان، صاحب شيزر، في سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة إلى الملك العزيز، لتسكين الفتنة، و الرجوع إلى ما فيه صلاح النيّة و الموافقة بين الأهل.

فوصلوا و الملك العادل، و الملك العزيز، قد خرجا مبرزين إلى «البركة» في ربيع الأول من السّنة، و أعادوا الرسل بغير زبدة، فعرفوا الملك الأفضل في اجتيازهم عليه، بما قد عزم الملك العزيز، و الملك العادل عليه، من إقامة الخطبة و السكّة للملك العزيز، و تعجّب من نقضهما الهدنة معه.

و لمّا وصلوا إلى حلب، راسل الملك الظّاهر أخاه الأفضل، في تحديد الصلح بينهما، و تحالفا على المعاضدة و المناصرة. و وصل إلى الملك الظّاهر من‏

607

الأمراء: علم الدين قيصر الناصري، أمير جاندار أبيه الملك الناصر، فأقطعه اللاذقية؛ و أخذها من ابن السّلار. و سيّر العلم بن ماهان، ليعتبر ما في قلعتها و يسلّمها إلى قيصر، و يجعل الأجناد فيها على حالهم، و يحلّفهم للسلطان الملك الظّاهر.

و كان العلم بن ماهان، إذ ذاك عند الملك الظّاهر في محلّ الوزارة، فلما وصل إليها، و دخل قلعتها طمع بالّلاذقية، و حدثته نفسه بالعصيان، و استحلف الأجناد لنفسه، و خالفه بعضهم، و امتنعوا، و كتبوا إلى «الملك الظّاهر»، و قبضوا على ابن ماهان. فسارع الملك الظّاهر، و خرج إلى الّلاذقيّة، و صعد إلى القلعة، و أحضر ابن ماهان و قطع يده، و قلع عينه، و قتل غلاما من خواصّه، و قطع لسان البدر بن ماهان قرابته و أذنية، و سلخ العامل النصراني الذي كان بها.

و احتوى على جميع ما كان لابن ماهان، و فرّقه، و دخل إلى حلب و هو معه، فأركبه حمارا مقلوبا، و على رأسه خفّ امرأة، و يده معلّقة في عنقه. و طيف به على تلك الحال، و لطم بالدرّة، ثم صعدوا به إلى القلعة، فالتقاه «ابن منيفة» بوّابها، و قال له: «أريد حقي منك». و أخذ نعله من رجله، و لطمه به لطما كثيرا، و حبس في القلعة.

و تحدّث بعض النّاس أن الملك الظّاهر أراد أن يرجع عن إقطاع قيصر الّلاذقية، فكتب إلى ابن ماهان يأمره بالعصيان، ثم التزم بما فعل، و لم يظهر صحة ذلك.

608

و لما دخل السلطان الملك الظّاهر من الّلاذقية، سيّر عسكرا من عسكر حلب، نجده لأخيه الملك الأفضل، و وصل الملك العزيز و الملك العادل، فنزلا على دمشق، و حصراها، و تسلّمها الملك العزيز بمخامرة أوجبت دخول الملك العادل من «باب توما»، و الملك العزيز من باب «الفرج».

و خرج الملك الأفضل من القلعة، و عوّض عن دمشق بصرخد، فسار إليها، و وصل «الملك الظافر» إلى أخيه «الملك الظاهر» إلى حلب، فأكرمه، و احتفل به، و ذلك في شعبان من سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة.

و شرع «الملك الظاهر» في حفر الخنادق بحلب و تحصينها، و سيّر القاضي بهاء الدّين، و غرس الدّين قلج، إلى الملك العزيز، يطلب موافقته، و كان قد رحل إلى مصر، و أبقى الملك العادل بدمشق.

و خرج «الملك الظاهر» إلى «مرج دابق»، و أقام بها، و أظهر أن صاحب «مرعش» عاث في بلد «رعبان»، و سيّر يقدمه عسكره إلى «عين تاب»، فخاف صاحبها حسام الدّين بن ناصر الدّين، و حفظ القلعة.

و نزل العسكر في الربض مظهرين أن لا غرض لهم في حصار القلعة، بل لشدّة البرد و الثلج. ثم أظهر أن صاحب مرعش سيّر إلى «الملك الظاهر»، و اعتذر، و انقاد إلى طاعته، و حلف له.

فرحل السّلطان إلى «الراوندان»، و أقام بها ثلاثة أيام، و رحل إلى «عزاز» ليلا، و هي في أيدي نواب الأمير «سيف الدّين بن علم الدّين عليّ بن سليمان بن جندر»، و كان مريضا بحلب، فأراد السّلطان أن يصعد

609

إلى القلعة من شدّة المطر، فمنعه من في القلعة أن يطلع إلّا باذن «سيف الدّين»، فسار إلى «دربساك» و بها «ركن الدين الياس» ابن عمّ «سيف الدين»، فقبض عليه.

و عاد إلى حلب مغضبا، و دخل إلى دار سيف الدّين بنفسه، و أخذه في محفّة، و سيّره إلى «عزاز» ليسلمها، و وكّل به «حسام الدّين عثمان بن طمان»، فوصل معه إليها و سلّمها إلى نواب السّلطان «الملك الظاهر»، و عادوا به إلى حلب.

و لما جرى على سيف الدين ذلك، و كانت «دربساك» معه، و فيها ماله و نوّابه، و بها جماعة من أسرى الفرنج، فأعملوا الحيلة، و كسروا القيود، و فتحوا خزانة السلاح، و لبسوا العدد، و قاموا في القلعة، فاحتمى الوالي في القلعة مع جماعة من الأجناد، و القتال عليهم. فعلم الملك الظاهر، بذلك، فخرج مجدّا في السير حتى وصل «درب ساك»، فوجد الوالي قد انتصر على الأسرى، و قتلهم.

و عاد السلطان إلى «حارم»، ثم دخل إلى حلب، فأقام حتى تقضّت سنة اثنتين و تسعين. و وصله القاضي «و قلج» بجواب الملك العزيز، بانتظام الصلح بينه و بينه.

و رحل الملك العادل إلى بلاده الشرقية، و وصل ابنه «الملك الكامل محمد» إلى حلب، زائرا ابن عمه الملك الظّاهر، و كان قد طلبه من أبيه ليزوره، فالتقاه الملك الظاهر، و أحسن ضيافته ثم سار إلى أبيه.

610

و عصى «سربك» «برعبان» على الملك الظّاهر، و قد كانت في يده، عوّضة بها عن «حارم» و كان من مماليك أبيه الشجعان، فأظهر الملك الظّاهر أنّه يخرج إلى الغزاة، و خرج إلى «قنّسرين»، ثم عطف من غير أن يعلم أحد حتى وصل إلى «رعبان»، فنزل عليها، و أقام أياما لا يقاتلها، في شهر رمضان، من سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة.

و استغل بلدها، فلبس «سربك» سلاحه، و ركب، و حوله جماعة، قد لبسوا، و فتح باب القلعة، و نزل إلى السّلطان، و التمس منه العفو فعفا عنه. و ردّ «رعبان» إليه، و سار إلى حلب، فأقام بها إلى أول ذي الحجة من سنة ثلاث و تسعين.

و كان الملك العادل قد سار إلى حلب، فأقام بها إلى أول ذي الحجة من سنة ثلاث و تسعين.

و كان الملك العادل قد سار إلى «الغور» لحركة الفرنج، و استصحب معه نجدة من الملك الظّاهر، فوصلت رسله إلى السّلطان الملك الظاهر، يخبره أن الفرنج قد عزموا على قصد جبلة و اللّاذقية فخرج الملك الظاهر إلى «الأثارب»، و سيّر الحجّارين و الزرّاقين، لهدم حصني جبلة و الّلاذقية.

و سار «المبارز أقجا» لهدم «جبلة»، فهدموا سورها و دورها، و أجلى أهلها منها.

و سار غرس الدين قلج، و ابن طمان، لهدم الّلاذقية، فنقبوا القلعة، و علّقوها، و رفعوا ذخائرها، و هدموا المدينة، و ذهب أهلها،

611

و بقي العسكر منتظرا وصول العدوّ، ليلقوا النار في الأخشاب المحشوّة في الأنقاب، فلم يصل أحد منهم.

و جاء البرنس في البحر تحت «المرقب»، و طلب غرس الدّين و ابن طمان فوصلا إليه، و كلّماه على جانب البحر، فأشار عليهما بأن لا تهدم الّلاذقية، و أخبرهما أن الفرنج فتحوا «صيدا» و «بيروت»، و عادوا إلى «صور».

فسيّرا و أعلما السلطان و هو «بريحا» (1)، فأمر ببناء ما استهدم منها، و سار إلى «حارم»، فوصلها في محرّم سنة أربع و تسعين. و أقام بها مدّة، ثم رحل إلى الّلاذقية، فعمّرها و عمّر ضياعها، و توجه إلى حلب.

و توفّي غرس الدّين قلج، فعصى أولاده بالقلاع التي كانت بيده، و هي: دركوش»، و «الشغر»، و «بكاس»، و «شقيف الروج»، و امتنعوا من تسليمها إلى الملك الظاهر، فخرج إليها، و نازلها، و أخذ عليها النقوب، و استنزلهم منها، و صفح عن جرمهم، و أجرى لهم المعيشة السنيّة، و تقدّم عنده منهم: سيف الدين عليّ بن قلج.

____________

(1)- أرجح أنه قصد هنا أريحا جبل السماق، لا أريحا فلسطين، و تتبع بلدة أريحا الآن محافظة أدلب، و تبعد عنها مسافة 13 كم و عن المعرة 20 كم، و 60 كم عن جسر الشغور (الشغر).

612

و دخلت سنة خمس و تسعين‏

و مات الملك العزيز بمصر، و اختلف أمراؤها، فمال الأسديّة إلى الملك الأفضل و الناصريّة إلى الملك العادل. و انقاد الناصريّة على نيّات غير موافقة، و استدعوا الملك الأفضل، فسار من «صرخد» إلى مصر و دخلها، و تلقّاه إخوته على مرحلتين منها، و استوثقوا منه بالأيمان، على أن يكون كافلا للملك المنصور «محمد بن الملك العزيز» و مربّيا له.

و خرج الجحاف، و جهاركس، إلى «ميمون» إلى القدس، فقيّد «الملك الأفضل» أخاه «الملك المؤيّد» و جماعة من الأمراء كاتبوا «الملك العادل»، و أرسل الملك الظّاهر وزيره نظام الدين أبا المؤيد محمد بن الحسين، إلى أخيه الملك الأفضل، مهنئا له بولاية مصر، فأقام عنده مدّة، و الرسل تتردّد إليه من «الملك الظّاهر» في الاتفاق على الملك.

و كان الملك العادل، إذ ذاك محاصرا «ماردين»، و قد أشرف على أخذها، فسار الملك الأفضل إلى دمشق، و خرج الملك الظاهر إلى‏

613

«حارم»، لغدر وقع من الفرنج بناحية «العمق»، و أغاروا على التركمان، في تلك الناحية. و سيّر بعض العسكر إلى «خناصرة» ليقطع الطريق على الملك العادل إن توجّه إلى دمشق.

و صالح الملك الظّاهر الفرنج و رحل إلى «مرج قراحصار» في سلخ رجب من سنة خمس و تسعين.

و سار الملك العادل حتى بلغ إلى «تدمر»، و سار في البرية إلى دمشق، و نزل الملك الأفضل على دمشق، في نصف شعبان من السنة، و نزل بعض عسكره في «الميدان»، و هجم بعض العسكر المدينة بمخامرة من أهلها، و نادوا بشعار الملك الأفضل.

و كان مجد الدّين- أخو الفقيه عيسى- هو الّذي دخل منها حتى بلغ السّوق، و شربوا الفقاع، فخرج الملك العادل، من القلعة، و أخرجهم من البلد.

و خامر بعض العسكر على «الملك الأفضل»، و دخلوا في اللّيل إلى دمشق، فاختلّ الأمر عند ذلك، و تأخر الملك الأفضل إلى «جسر الخشب».

و سار الملك الظّاهر إلى حماة، فالتقى سيف الدين طغرل الظّاهري قطعة من عسكر حماة سائرة إلى منبج فظفر بها «طغرل» و أسر رجالها، و أحضرهم إلى الملك الظاهر، فأطلقهم بعدّتهم و دوابّهم.

614

و لمّا وصل الملك الظاهر إلى «حماة»، منعه عسكرها من العبور على الجسر فعبر قهرا، و نزل عليها، و قاتلها، فهادنه الملك المنصور صاحبها، و أخرج اليه تقدمة سنية، و سيّر عسكره في خدمته، فأقطعه الملك الظاهر «بارين» و كانت في يد ابن المقدّم، فخرج صاحب «حماة» إليها محاصرا لها.

و سيّر الملك الظاهر إلى «الموصل» رسولا يأمر صاحبها بانجاد «ماردين»؛ و ترحيل الملك الكامل و الملك العادل عنها، و وصل الملك الظّاهر إلى دمشق، و اجتمع بالملك الأفضل في منزلته، و خيموا بأرض «داريّا»، ثم إنّهم زحفوا على المدينة، و قاتلوها.

و بلغ الملك الظاهر أنّ «جهاركس» و «سامة» و «سراسنقر» و غيرهم، قد عزموا على الدخول إلى دمشق، نجدة للملك العادل، فسيّر الملك الظاهر عسكرا مقدّمه «سيف الدّين بن علم الدّين»، ليمنعوهم من الدخول، فاختلفوا في الطريق، و دخل المذكورون إلى الملك العادل، فاشتدّ بهم أزره، و لم يكن ينصح في القتال، وقت الحصار غير العسكر الحلبيّ، فأما المصري فأكثره منافق.

و وصل المواصلة إلى «ماردين»؛ و رحّلوا الملك الكامل عنها، و نهبوا ما كان لعسكره بها، فضربت البشائر خارج دمشق في العسكر.

و سيّر الملك «الظّاهر» عسكرا، مقدّمه «سيف الدّين» المذكور إلى الشرق، ليجتمعوا مع المواصلة، و يحصروا بلاد الملك العادل بالشّرق، و أقطع سيف الدّين «سروج»، و كان الأمر قد استقرّ مع المواصلة، أن يردّ

615

إليهم سروج و الرقّة. فلما علموا بأنّ السلطان أقطع سيف الدين «سروج» انحرفوا عنه، و عادوا، و خرج عسكر الرّها، فوقعوا على سيف الدين فانهزم عن سروج.

و فتح الملك المنصور صاحب حماة «بارين» في ذي القعدة من ابن المقدّم، و عوّضه عنها بمنبج، بعد ذلك، على ما سنذكره فيما بعد.

و وصلت رسل الشّرق إلى الملك الظّاهر- و هو على دمشق- و اتفقوا على أن يكون لصاحب الموصل حرّان، و الرّها، و الرّقة، و سروج، و أن يكونوا يدا واحدة على من خالفهم، و تحالفوا على ذلك، في ذي الحجّة من سنة خمس و تسعين و خمسمائة.

616

و دخلت سنة ست و تسعين‏

و الحصار على دمشق على حاله، و أكثر الأجناد يحملون الأزواد في اللّيل، و يبيعونه على أهل البلد، فأخرج الملك العادل خزائنه جميعها، ثم اقترض من التّجار جملة كبيرة، و أمر بعمل الرّوايا و القرب، للصعود إلى مصر، و استدعى ابنه الملك الكامل من البلاد الشرقيّة، فجمع و حشد.

و سيّر الملك الظاهر إلى سيف الدّين بن علم الدّين، و إلى الملك المنصور صاحب حماة، فاجتمعوا على «سلمية» ليمنعوا الملك الكامل من العبور، فعبر في جيش عظيم، لم يكن لهما به طاقة، فانحازوا إلى «حماة»، و ساق سيف الدين بن علم الدين، و أعلم السلطان الملك الظّاهر بذلك.

و وصل الملك الكامل إلى دمشق، فرحل الملك الظّاهر، و الملك الأفضل، إلى «مرج الصّفر»، ثم إلى «رأس المآء».

و رحل الملك الظّاهر، و أخفى نفسه جريدة إلى ناحية «صرخد» و معه الملك المجاهد صاحب حمص، و سار إلى طرف «السّماوة»، و خرجوا إلى‏

617

«تدمر». و سار الملك الظّاهر إلى حلب، و وصل بعده بغال الثقل، دون الجمال على البريّة، حتى وصلوا إلى «القريتين»، و لحقهم الملك الكامل «بالقريتين»، و هو مسرع إلى الشرق، و وقع عسكر حلب على قطعة من أصحابه، فظفروا بهم.

فلما وصل الملك الكامل، و قد دخل ثقل السّلطان إلى «القريتين»، سيّر إلى مقدّم عسكر حلب «علم الدين قيصر الناصريّ»، و استدعاه و قال له: «ما بيننا و بينكم إلّا الخير، و ما جئنا لنتبعكم، فردّوا علينا ما أخذتم لنا». ففعل ذلك، و سار الملك الكامل إلى الشرق، و وصلت البغال إلى حلب، في تاسع عشر شهر ربيع الأوّل.

و أما الملك الأفضل، فانّه توجّه من «رأس المآء» إلى مصر، و توجّه ثقل الملك الظاهر و خزانته معه إلى مصر. و خرج الملك العادل من دمشق، و سار خلفه إلى مصر، فدخلها، و هرب الملك الأفضل إلى «صرخد».

و استولى الملك العادل على الديار المصرية، في صورة الكافل، و المربّي، للملك المنصور محمد بن العزيز، و سيّر خزانة «الملك الظّاهر»، و بقية ثقلة جميعه إليه؛ و خفر أصحابه حتى وصلوا إلى حلب، في نصف جمادى الأولى، و السّلطان «بتلّ السلطان»، فدخل إلى حلب.

و وصلته رسل الملك العادل تطلب منه الموافقة، فلم يجبهم إلى ذلك، و خرج إلى «بكاس» و «حارم» فمرض. و دخل حلب، و اشتدّ مرضه، و طلب إليه إلى القلعة الزهاد الّذين كانوا بحلب، مثل أبي الحسن‏

618

الفاسي، و عمّي أبي غانم، و عبد الرحمن ابن الأستاذ، و سألهم الدّعاء، و تبرك بهم، و أزال مظالم كثيرة. ثم أبلّ من مرضه ذلك، في ذي الحجة من سنة ستّ و تسعين.

و انفصل عنه صاحب حمص و صاحب حماة، و صارا مع عمّه الملك العادل، و عوّض صاحب حماة عزّ الدّين بن المقدّم بمنبج عن «بارين»، باشارة الملك العادل. و مات ابن المقدّم بأفامية، و صار فيها أخ له صغير.

و استقلّ الملك العادل بملك مصر، و قطع الخطبة و السكّة للملك المنصور بن العزيز، و اختلف جندها، فمنهم من مال إلى تمليك الملك العادل، و أقام في خدمته، و منهم من كان يريد ابن العزيز، فانفصل منهم جهاركس، و الجحاف، و غيرهما، فانهم انفصلوا عن مصر، و اتفقوا مع الملك الأفضل.

فوصل الملك الأفضل إلى أخيه السلطان الملك الظاهر إلى حلب، في عاشر جمادى الأولى من سنة سبع و تسعين و خمسمائة، و وصل معه الجحاف، و أخبراه أن جهاركس «بالغور»، مع العسكر، و اتفقوا على محاصرة دمشق.

و سيّر الملك الظاهر إلى الموصل بطلب نجدة تصله، و برز مع أخيه الأفضل، و قصدا منبج، ففتحها الملك الظّاهر، و قبض على ابن المقدّم و حبسه، و أقطعها الجحاف، بعد أن خرب حصنها. و كان ابن فاخر سعد الدّين مسعود بقلعة نجم، نائبا عن ابن المقدّم، و أخته معه، فسلّمها إلى «الملك الظّاهر»، و عوضه «بمائز»- قرية من بلد عزاز- و سلّمها الملك الظّاهر إلى الأفضل.

619

و سار إلى أفامية، و معه ابن المقدم، فعاقبه تحتها ليسلّموا اليه، فلم يسلّموا، فسيّره، و حبسه بحلب، و أقام بكفرطاب، و استولى على بلدها، و نزل بمعرة النعمان، و نهب بلدها، و أخذ ما فيها لبيت المال، و سار إلى حماة، فنزل عليها، في شعبان، و قاتلها إلى أن صالحه الملك المنصور صاحبها، و وزن له ثلاثين ألف دينار، و وافقه.

و سار إلى حمص، فصالح الملك المجاهد صاحبها، و وافقه، و سار إلى دمشق فنازلها، و استدعى «جهاركس» و «قراجا» من الغور، فدافعا عن الوصول، فسار السلطان الملك الظاهر اليهما بنفسه، و لا طفهما حتى رحلا معه، بعد أن أعطى الملك الأفضل قراجا «صرخد»، و أخرج أمه و عياله منها، و نزلوا على دمشق، و عزموا على قتالها، ففند جهاركس عن ذلك، و كان قد صار في الباقين مع الملك العادل، و قال: «المصلحة أننا نلقى الملك العادل، فاذا كسرناه تمّ لنا ما نريد».

و كان الملك العادل قد نزل من مصر إلى «الكرك»، ثم توجّه إلى نابلس، فلما رأى جهاركس جدّ الملك الظّاهر على حصار دمشق هرب من العسكر إلى الملك العادل إلى نابلس، و هرب قراجا إلى صرخد، و عصى بها، و تركا خيامهما على حالها و بركهما فأنهب السلطان الملك الظاهر ذلك جميعه، ثم زحف بالعساكر على دمشق، و قاتلوها قتالا شديدا، و أحرقوا «العقيبة»، و نهبوا الخانات.

و راسل الملك العادل صاحب الموصل، فاتفق معه، و رجع عن الملك‏

620

الظاهر، بعد أن وصل إلى «رأس عين» (1).

و سار الملك «الفائز بن العادل» من البلاد الشرقية، طالبا تشعيث بلاد السلطان الملك الظاهر، و شغل خاطره عن حصار دمشق، فسيّر الملك الظاهر «المبارز أقجا»- و كان من أكبر أمراء حلب- و معه بعض العسكر، فنزل على «بالس» و نهبها، و سار إلى «منبج» فنزلها، فوصل الملك «الفائز» إليها، فانهزم بمن كان معه من العسكر إلى «بزاعا»، و دخلها الفائز، و بنى قلعتها و حصّنها، و سار منها طالبا عسكر حلب إلى «بزاعا»، فاندفعوا بين يديه إلى حلب، و أقام على بزاعا أياما، و جفل بلد حلب خوفا منه، و هرب فلّاحوه.

و رحل إلى أبيه إلى نابلس، فسيّر الملك العادل نجدة تدخل إلى دمشق، فبلغ حديثها الملك الظاهر، و قد أحدقت العساكر بدمشق، فكمن لهم كمينا، فوقعوا عليهم، و قتلوا منهم جمعا كثيرا، و انهزم بعضهم، و لم يدخل إلى المدينة إلّا القليل. و نكث صاحب حماة، و خرج إلى ناحية «الروج»، و أغار عليه، و نهب رستاق «شيرز».

و سار عسكر حلب إلى منبج، فلم يجد فيها مطمعا، و استدعاهم الملك الظاهر، فمضوا إليه إلى دمشق، و طال الحصار، و ضجر العسكر، و هرب شقير، و الجحاف، بعد استيلاء الفائز على منبج، و كانت خبز الجحاف.

____________

(1)- رأس العين بلدة في الجزيرة السورية تتبع محافظة الحسكة و تبعد عن الحسكة/ 84/ كم، و هي إلى الشمال الغربي منها.

621

و وقع الخلف بين الملك الأفضل و الملك الظاهر على دمشق، فالملك الظاهر يريدها لنفسه، لأنه أخرج الخزائن، و بذل الأموال، و حصرها بعسكره، و الملك الأفضل يريدها لنفسه لأنها بلده، و أنه أخرج «صرخد» من يده بسببها. و حصل بينهما منافرة أوجبت رحيل الملك الظاهر، و معه ميمون القصري، و سراسنقر، و أيبك فطيس، و البكي الفارس، و القبيسي.

و رحل الملك الأفضل فنزل حمص، عند صاحبها الملك المجاهد، و زوّج ابنه «الملك المنصور إبراهيم» بابنة الملك الأفضل.

و سار الملك الظاهر إلى حماة، فأغار عليها، و شعّث بلدها، و صانع صاحبها الملك المنصور، على مال أخذه منه، و سار إلى منبج، و عزم على أن يهجمها بالسيف، و يقتل جميع من بها، لأنهم قاموا مع الملك «الفائز»، فشفع إليه الأمراء في أن يسلّموها طائعين، و يعفو عنهم، فتسلّمها، و أقطعها ابن المشطوب، في المحرّم من سنة ثمان و تسعين و خمسمائة.

ثم دخل إلى حلب، و أقطع ميمون القصري عزاز، و شيح، و بلد الحوّار، و أقطع أيبك فطيس أقطاعا أرضاه، و عاد عنه سراسنقر، و تسلّم السلطان أفاميّة من ابن المقدّم، و عوضه عنها «بالراوندان».

و توفي وزير السّلطان الملك الظاهر «جمال الدين أبو غالب عبد الواحد بن الحصين البغدادي» في شعبان سنة سبع و تسعين، و كان في خدمة أبيه الملك الناصر، فانتقل بعد موته إلى حلب، و وزر له، و صار وزيره‏

622

بعده نظام الدين أبو المؤيد محمد بن الحسين.

و وصل الملك العادل إلى دمشق، فتوجّه إليه الملك المجاهد صاحب حمص، و معه الملك الأفضل، و ترقّق اليه، فأعطى الملك الأفضل «شبختان» و «جملين» و «الموزر» و «قلعة السنّ» و «سميساط». و سار إليها الملك الأفضل، و نزل الملك العادل إلى حماة، و راسل الملك الظّاهر، حتى استقرّ الصلح بينه و بينه، على أن خطب له الملك الظاهر بحلب، و ضرب السكّة باسمه مع اسمه، في شهر جمادى الآخرة، من سنة ثمان و تسعين و خمسمائة.

و صعد الرسول شمس الدين بن التنبي إلى المنبر، وقت اقامة الدعوة له، يوم الجمعة، و نثر ذهبا كثيرا على الناس. و بلغ الملك الظاهر، عن ابن المشطوب، أنّه كان قد عزم على المخامرة، فسيّر إلى «منبج» العسكر، و أخذها منه، و عفا عنه، و هدم قلعتها و سورها، فمضى ابن المشطوب إلى الشرق.

و جمع الملك الظّاهر العرب في دابق، لأخذ العداد منهم، و خاف ابن المقدّم منه، فهرب إلى «الراوندان»، ليعصي بها، فسار الملك الظاهر خلفه، و لم يمهله، فلم يبت في قلعتها غير ليلة واحدة. و مضى إلى «بدر الدين دلدرم»، بتل باشر، منهزما من السلطان. فوصل السلطان اليها، و نزل عليها محاصرا لها، فسلّمها من كان بها إليه، و حاز جميع ما كان فيها من الذخائر و الأموال، و رتّب أمورها.

623

و سار منها إلى منبج، و سيّر نجدة للملك الكامل ابن عمه العادل، و كان نازلا على «ماردين»، لأن صاحبها صار مع ركن الدين بن قلج أرسلان، و نزل السلطان في «بدّايا»، و اتفق الأمر بينه و بين [صاحب‏] «ماردين» و ابن الملك على الصلح، فعاد إلى حلب بعد أن توجه إلى «البيرة».

و خرج من البحر جمع كبير من الفرنج، في سنة تسع و تسعين و خمسمائة. و وصلت طائفة منهم إلى جهة «انطاكية»، مجتازة على اللاذقية في البر، و كان مقطع اللاذقية إذ ذاك، سيف الدّين بن علم الدين، و عبروا في أرض الّلاذقيّة، على كره من المسلمين، و في عزمهم إن رأوا لهم طمعا في اللّاذقية يأخذوها.

فخرج سيف الدّين بعسكره، و التقوا، و نصره اللّه عليهم، و أسر ملوكهم و مقدّميهم- و كان ملكهم أعور- و قتل منهم جمعا كثيرا، و وصل الأسرى، و الملك، و الرؤوس، و الخيل، و السلاح، إلى حلب و كانت غنيمة عظيمة.

و عصى الملك الأفضل على عمّه الملك العادل، في البلاد التي كان أعطاه إيّاها، فسيّر، و استعاد منه شبختان، و جملين، و الموزر، و سروج، و السنّ، و سار الملك الظاهر إلى «قلعة نجم»، فأخذها من الملك الأفضل خوفا أن يستولي عليها عمّه، و كان «الملك الظّاهر» قد سلّمها إلى الأفضل، فوصلت أمّ الملك الأفضل إلى حلب، تسأل الملك الظاهر،

624

سؤال عمه فيه، و في ردّ البلاد عليه، فسيّر معها إلى دمشق «سيف الدّين بن علم الدّين» في ذلك، فلم يجب إلى ترك شي‏ء من البلاد عليه، سوى «سميساط». و شرط عليه أن لا تكون له حركة بعد ذلك.

625

و دخلت سنة ستمائة

و وصلت الأخبار بحركة الفرنج إلى «جبلة» و «الّلاذقية»، فسيّر السّلطان إليها العساكر، و أمرهم بخراب «جبلة» و «الّلاذقية»، فلم يكن للفرنج حركة، و خربت قلعة «اللاذقية» و «العتيقة»- و كانت من جهة الشمال- و ذلك بعد أن أخذت اللاذقية من ابن جندر- سيف الدين بن علم الدين.

و ولد للسّلطان «الملك الظّاهر» ولده، الملك «الصّالح أحمد» في صفر، و سر به سرورا عظيما، و زيّن البلد و القلعة، و لبس العسكر في أجمل هيئة و زيّ. و لبس السلطان، و لعب العسكر معه في ميدان «باب الصغير».

و في محرّم سنة إحدى و ستّمائة، هجم ملك الأرمن «ابن لاون»- و هو من ولد «بردس الفقاس»، الذي كان في زمن سيف الدّولة [صاحب‏] أنطاكية- فسيّر الملك الظاهر عسكرا من حلب، لنجدة البرنس صاحبها، فلما وصلوا إلى «العاصي»، ضعف أمر ابن «لاون» عندهم، و قاموا عليه،

626

و أخرجوه منها، و قتلوا جماعة كبيرة من أصحابه، فعاد عسكر حلب إليها، ففسخ «ابن لاون» الهدنة، و أغار في بلد العمق، و استاق مواشيها، و شرع في عمارة حصن داثر في الجبل، بالقرب من «دربساك»، ليضيّق به عليها.

و أرسل إلى السلطان، و سأله أن يخلي بينه و بين «أنطاكية». و أن يعيد جميع ما أخذه من «العمق»، فأجابه إلى ذلك، و هادنه على هذا الأمر. و نزل على «أنطاكية»، و خرّب رستاقها، و وقع فيها غلاء عظيم، فكان الملك الظّاهر يمدّ أهل «أنطاكية» بالغلال، حتى قويت.

627

و دخلت سنة اثنتين و ستمائة

فجرّد «ابن لاون» في جمادى الأولى، في اللّيل، عسكرا في ليلة الميلاد، و جاء على غفلة إلى ربض «دربساك»، فلم ينكروا وقود النار في ليلة الميلاد، فقاتلهم أهل الربض و من به من الأجناد، في بيوت الربض، فلم يظفروا منهم بطائل، و طلع الفجر، فانتشروا في أرض «العمق»، و نهبوا من كان فيه من التركمان، و داموا إلى ضحوة ذلك النّهار، و رجعوا.

و ابتدرت عساكر تلك الناحية من المسلمين فلم يدركوهم، و دخل الأرمن إلى «جبل اللكّام»، فجاءهم في اللّيل ثلج عظيم، و هلك معهم من الخيل و المواشي، فكانوا يسلخون الشاء و يلبسون جلودها، لشدّة البرد، فسيّر الملك الظاهر عسكرا من عسكر حلب يقدمه «ميمون القصري»، و معه «أيبك فطيس»، فنزلوا على «حارم»، و قطعة من العسكر مع ابن طمان «بدربساك»، و سيف الدين بن علم الدّين نازل بعسكره على «تيزين»- و كانت جارية في أقطاعه- و في أكثر الأيّام تجري وقعات بين العسكر المقيم «بدربساك»، و بين عسكر ابن لاون «ببغراس».

628

و خرج السّلطان إلى «مرج دابق»، في شعبان من هذه السّنة، للدّخول إلى بلد «لاون»، و جمع العساكر، و سيّر إليه عمّه «الملك العادل»، و غيره من ملوك الإسلام النجد، فأقام «بدابق» إلى أن انسلخ شهر الصيّام.

فسار «ابن لاون» من «التينات»، و جاء على غير طريق اليزك في الليل، فأصبح في «العمق» غائرا على غرّة من العسكر، و كبس العسكر الذي كان مع ميمون، حتى حصلوا معهم في الخيام، و قابلوهم على غير أهبة فقاتلهم المسلمون، فقتل منهم جماعة، و لم يلبث إلّا قليلا، و عاد، و ساق سيف الدين من «تيزين»، فوجده قد رجع.

و بلغ الخبر إلى السّلطان، و هو «بدابق»، فسار بالجيوش التي معه فنزل «بالعمق»، و اجتمع من العساكر و التركمان ما لا يحدّ كثرة، فسيّر «ابن لاون» يبذل الطاعة، و أن يهدم الحصن الذي بناه بقرب «دربساك».

فأعرض عنه، و ردّ فلّاحي «العمق»، و عمر ضياعه، و كمل استغلال ذلك البلد، و الرّسل تتردّد في إصلاح الحال، إلى أن استقرّت القاعدة: على أن يهدم «ابن لاون» الحصن الذي بناه، و يردّ جميع ما أخذ في الغارة، و يردّ جميع أسارى المسلمين الذين في يده، و أن لا يعرض «لأنطاكية». و قرّر الصّلح إلى ثماني سنين، و خرب الحصن، ورد ما استقرّ الأمر عليه.

و دخل السّلطان حلب، في سنة ثلاث و ستمائة، و أمّر جماعة من مماليكه و أصحابه. و عاث الفرنج على بلد «حماة»، في سنة خمس و ستمائة،

629

فسيّر الملك الظاهر من حلب، نجدة من عسكره.

و نزل الملك العادل على «قدس»، و غارت خيله على طرابلس، و خربوا حصونها، و شتّى «بحماة» إلى أن انقضى فصل الربيع، و عاد إلى دمشق، و عاد ابنه «الأشرف»، إلى بلاده، من خدمة أبيه، فعبر في حلب، فالتقاه الملك «الظّاهر»، و احتفل به و أنزله في داره بقلعة حلب، و قدّم له تحفا جليلة من السّلاح، و الخيل، و الذّهب، و الجوهر، و المماليك، و الجواري، و الثياب، بما قيمته ألف دينار، و ودّعه بعد سبعة أيام، إلى قراحصار، و عاد إلى حلب.

و قصد كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد «ابن لاون»، و طلب نجدة من السّلطان الملك الظّاهر، فأرسل إليه عسكرا مقدّمه سيف الدّين بن علم الدين، و في صحبته أيبك فطيس، فاجتمعوا بمرعش، و نزلوا على برتوس‏ (1) في سنة خمس و ستمائة، فافتتحوها، و افتتحوا حصونا عدة من بلد ابن لاون.

فراسل «ابن لاون» الملك العادل، و التجأ إليه، فأرسل الملك العادل إلى كيخسرو و إلى الملك الظاهر، فابتدر كيخسرو، و صالح «ابن لاون» على أن يردّ حصن «بغراس» إلى «الداويّة»، و أن لا يعرض لأنطاكية، و أن يردّ ماله الذي تركه عنده، في حياة أخيه ركن الدّين. و كان قد خاف من أخيه، فقدم حلب، و أقام عند الملك الظّاهر مدّة، و خاف الملك الظّاهر من‏

____________

(1)- كذا بالأصل، و في مفرج الكروب «غرقوس» فلعلها تصحيف «عربسوس» أي «أفسوس».

630

أخيه ركن الدّين، أن يتغيّر قلبه عليه بسببه، و أنّه ربّما يطلبه منه، فلا يمكنه تسليمه إليه، فأعرض عنه. فدخل إلى «ابن لاون»، ثم خاف منه، فانهزم، و ترك عنده مالا وافرا، فاحتوى عليه فردّه عليه، عند هذه الهدنة. و دفع إليه جميع الأسرى من المسلمين، الذين كانوا في بلاده، و أن لا يعرض لبلاد السّلطان الملك الظاهر. و وصلت نجدة حلب إلى حلب.

و خرج العادل من دمشق، في سنة ستّ و ستمائة، و طلب من الملك الظّاهر نجدة، تكون معه إلى الشرق، ليمضي إلى خلاط، لدفع «الكرج» عنها، فسيّر إليه نجدة، و عبر «الفرات». فلما وصل إلى «رأس عين»؛ رحل «الكرج» عن خلاط، و وصل إليه صاحب «آمد»، فسار في العسكر إلى «سنجار»، و أقطع بلد الخابور، و نصيبين.

و نزل على «سنجار» محاصرا لها، و شفع إليه مظفّر الدّين بن زين الدّين، في صاحب سنجار، فلم يقبل شفاعته. و قال: «لا يجوز لي في الشّرع، تمكين هؤلاء من أخذ أموال بيت المال في الفساد، و ترك خدمة الأجناد، و في مصلحة الجهاد»، و ضايق سنجار، و قاتلها في شهر جمادى الآخرة.

و قام نور الدّين بن عزّ الدّين- صاحب الموصل- في نصرة ابن عمه صاحبها، و اتّفق مع «مظفّر الدّين»، و تحالفا، و أفسدا جماعة من عسكر «الملك العادل» و راسلا «الملك الظاهر»، على أن يجعلاه السّلطان، و يخطبوا له، و يضربوا السكّة باسمه.

631

و جعل «الملك الظّاهر» يداري الجهتين، و الرسل تتواتر إليه من البلدان، و هو في الظاهر في طاعة عمّه، و عسكره معه، و في الباطن في النّظر في حفظ سنجار، و مداخلة المواصلة، و هو يظهر لعمّه أنه متمّسك بيمينه له، إلى أن أرسل أخاه «الملك المؤيّد»، و وزيره «نظام الدّين الكاتب» إلى عمّه، معلما له أن رسول الموصل، و مظفّر الدّين، وصلا يطلبان منه الشفاعة إليه، في إطلاق سنجار، و تقرير الأمر على حالة يراها.

و توسّط الحال عند قدومه، على أن شفع فيهم الملك الظّاهر، و أطلق لهم «سنجار»، و استنزلهم عن «الخابور» و «نصيبين». و عاد «الملك المؤيّد»، من حضرة عمّه بالبرّ الوافر، فلما وصل «رأس عين»، دخل إليها في ليلة باردة كثيرة الثلج، فنزل في دار فيها منزل مجصّص، فستر بابه، و سدّ ما فيه من المنافس، و أوقد فيه نار في منقل، و عنده ثلاثة من أصحابه، فاختنق، و واحد من أصحابه، و حمل إلى «حلب» ميتا في شعبان، من سنة ست و ستمائة. و جرى على الملك الظّاهر منه ما لا يوصف من الحزن و الأسف.

و وصل الملك العادل إلى «حرّان»، و خافه صاحب الموصل و الجزيرة، فراسل الملك الظّاهر، و طلب منه أن يخلي بينه و بين ملوك الشرق، و أن يحتكم في ما يطلبه منه، و راسله صاحب الموصل، و صاحب إربل، و صاحب الجزيرة، يعتضدون به و هو لا يؤيسهم، فخرج السلطان إلى «حيلان» بعسكره، ثم رحل إلى «السمّوقة» و راسل عمّه في مهادنتهم، و تطييب قلوبهم، و هو مخيم على «السموقة»- على نهر قويق- و طلب منه أن تكون كلمة المسلمين كلّهم متفقة.

632

و كذلك تدخّل في الصّلح ملك الرّوم، و أن يقصدوا الفرنج بجملتهم، فانّ الفرنج في نية التحرك، و خامر جماعة من عسكر الملك العادل، و وصل ابن كهدان إلى السّلطان الملك الظّاهر، فأكرمه، فتخاذل عسكر الملك العادل، فاتفق الحال بينهم على الصلح، و دخول ملوك الإسلام فيه.

و تمّت المصاهرة بين «الملك العادل» و «الملك الظّاهر»، على ابنته الخاتون الجليلة «ضيفة خاتون»- بنت الملك العادل- و شرع السّلطان في عمل «قناة حلب» و فرّقها على الآمراء، و الخواص. و حرّر عيونها، و كلس طريقها جميعه، حتى كثر الماء بحلب. و قسم الماء في جميع محال حلب.

و ابتنى القساطل في المحالّ. و وقف عليها وقفا لإصلاحها، و ذلك في سنة سبع و ستمائة.

و توفّي وزير السّلطان الملك الظاهر «نظام الدّين محمد بن الحسين» بحلب، بعلة الدوسنطاريا، في صفر سنة سبع و ستمائة. و كان- (رحمه اللّه)- وزيرا صالحا، مشفقا، ناصحا، واسطة خير عند السّلطان، لا يشير عليه إلّا بما فيه مصلحة رعيته، و الإحسان إليهم. و قام بعده بكتابة الإنشاء و الأسرار «شرف الدين أبو منصور بن الحصين»، و «شمس الدين بن أبي يعلى» كان مستوفي الدواوين. فلما مات أبو منصور بن الحصين استقلّ بالوزارة، و أضيف إليه ديوان الإنشاء مع الإستيفاء.

و عمر السلطان باب قلعة حلب، و الدركاه، و أوسع خندقها و عمل‏

633

«البغلة» من الحجارة الهرقليّة، و عمق الخندق، إلى أن نبع الماء في سنة ثمان و ستمائة.

و خرجت من مصر، في هذه السنة، الملكة الخاتون، «ضيفة خاتون» بنت الملك العادل إلى حلب، مع «شمس الدّين بن التنبي». و التقاها الملك الظاهر بالقاضي بهاء الدين من دمشق، ثم بالعساكر الحلبية بعد ذلك «بتلّ السّلطان»، و احتفل في اللقاء، و بالغ في العطاء، و وصلت إلى حلب في النصف من المحرّم، من سنة تسع و ستمائة.

و ملّك ابن التنبي قرية من قرى حلب، من ضياع «الأرتيق» (1) يقال لها تلع، و أعطاه عطاء وافرا، و حظيت عنده حظوة، لم يسمع بمثلها.

و وقعت النّار في مقام إبراهيم- (عليه السلام)- و هو الذي فيه المنبر، ليلة الميلاد، و كان فيه من الخيم و الآلات و السلاح ما لا يوصف، فاحترق الجميع، و لم يسلم غير الجرن الذي فيه رأس يحيى بن زكريا- (عليه السلام)- و احترقت السقوف و الأبواب، فجدّده السلطان الملك الظّاهر، في أقرب مدة أحسن مما كان.

و توفي شرف الدين عبد اللّه بن الحصين كاتب السلطان، و استقلّ شمس الدين عبد الباقي بن أبي يعلى بالوزارة، في سنة تسع و ستمائة.

و شرع الملك الظاهر في هدم «باب اليهود» و حفر خندقه و توسعته،

____________

(1)- الأرتيق: من كور حلب قرب عزاز. بغية الطلب لابن العديم- ص 437.

634

و بناه بناء حسنا، و غيّره عن صورته التي كان عليها، و بنى عليه برجين عظيمين، و سمّاه «باب النصر». و أتم بناءه، في سنة عشر و ستمائة.

و ولد للسّلطان الملك الظّاهر ولده الملك العزيز، من ابنة عمه الخاتون «ضيفة خاتون»، في يوم الخميس خامس ذي الحجة من سنة عشر و ستمائة، فضربت البشائر، و زيّنت مدينة حلب و عقدت القباب، و في اليوم السابع عشر، من ميلاده، ختن السّلطان أخاه الملك الصالح، و احتفل بختانه، و نصب الزّورق، من قلعة حلب إلى المدينة، و نزل فيه الرجال، و عملوا من الآلات و التماثيل التي ركبوها، حالة النزول أنواعا، و طهّر أولاد الأكابر من أهل المدينة، و شرّفهم، و خلع عليهم.

635

و دخلت سنة إحدى عشرة و ستمائة

فجدّد السلطان الملك الظّاهر «باشورة» حلب، من «باب الجنان» إلى «برج الثعابين»، و بنى لها سورا قويا ظاهرا عن السّور العتيق، و جدّد فيه أبرجة كالقلاع، و عزم على أن يفتتح بالقرب من «برج الثعابين» بابا للمدينة، و يسميه «باب الفراديس»، و كان يباشر الإشراف على العمارة بنفسه.

و أمر في هذه السنة بتجديد ربض الظاهرية، خارج «باب قنّسرين»، فيما بينه و بين النهر، فنسب إليه، لذلك، و خربت «الياروقية»، و انتقل معظم أهلها إليه.

و وثب الإسماعيلية على ابن الابرنس، «بكنيسة انطرسوس»، فقتلوه، فجمع البرنس جموع الفرنج، و نزل على حصونهم، و قتل و سبى، و حصر «حصن الخوابي» فكتبوا إلى السّلطان، يستغيثون به، و يستنجدونه، فاستخدم السلطان مائتي راجل، و سيّر جماعة من عسكر حلب، يحفظونه، ليدخلوا إلى «حصن الخوابي»، و يمنعوا الفرنج من الإستيلاء عليه.

636

و جرّد عسكرا من حلب، مع سيف الدّين بن علم الدّين، ليشتغل الفرنج من جهة «الّلاذقية» ليتمكن الرجالة من الدخول إلى الحصن، فلما سمع الفرنج بذلك، كمنوا كمينا للرجالة و الخيالة، الذين يحفظونهم، فأسروا الرجالة، و قتلوهم، و قبضوا ثلاثين من الخيالة، و ذلك في حادي عشر شهر رجب.

فعند ذلك خرج الملك المعظّم بن العادل، من دمشق، بعسكره، و دخل غائرا في بلد «طرابلس»، فلم يترك في بلدها قرية إلّا نهبها، و خربها، و استاق الغنائم و الأسرى، فرحلوا عن «الخوابي»؛ و أطلقوا الأسرى الذين أسروهم من أصحاب السلطان الملك الظاهر، و راسلوه، معتذرين، متلطّفين، و افترقوا عن غير زبدة حصلت لهم.

و تمت الباشورة، و الباب، و الأبرجة، في سنة اثنتي عشر و ستمائة.

و لم يتم فتح الباب، و سدّه طغرل الأتابك، لما مات الملك الظّاهر، إلى أن فتحه السلطان الملك النّاصر- أعزّ اللّه نصره- على ما نذكره، في سنة اثنتين و أربعين و ستمائة.