زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج2

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
823 /
637

و دخلت سنة ثلاث عشرة و ستمائة

و وقعت المراسلة بين السلطان الملك الظاهر، و بين السلطان «كيكاوس بن كيخسرو»؛ و اتفقا على أن يمضي السّلطان إلى خدمته، و يتفق معه خوفا من عمّه، فأجابه «كيكاوس» إلى ذلك، و خرج بنفسه إلى أطراف البلاد.

و ندم السلطان على ما كان منه، و رأى أنّ حفظ بيته أولى، و أنّ اتفاقه مع عمّه أجمل، فسيّر القاضي بهاء الدّين- قاضي حلب- إلى عمّه إلى مصر برسالة، تتضمن الموافقة: أنّه قد جعل ابنه الملك العزيز محمدا، ابن ابنة الملك العادل، وليّ عهده، و طلب من الملك العادل أن يحلف له على ذلك، فسار إلى مصر، فرتّب السّلطان خيل البريد، تطالع بما يتجدّد من أخبار عمّه، لينظر في أمره، فإن وقع منه ما يستشعر منه، خرج بنفسه إلى «كيكاوس»، و هو مع هذا كلّه في همّه تجهيز الجيوش، و الإستعداد للخروج إلى «كيكاوس»، و الإجتماع معه على قصد بلد ابن «لاون» أولا، و كان «ابن لاون» قد ملك أنطاكية، و ضاق ذرع السّلطان بمجاورته، لعلمه بانتمائه إلى عمّه.

638

فوصلت الأخبار من «القاضي» من مصر، أنّ الملك العادل أجاب الملك الظاهر إلى كل ما اقترحه، و سارع إلى تحصيل أغراضه، و لم يتوقّف في أمر من الأمور.

و جعل كيكاوس يحث السّلطان على الخروج، و يذكر أنه ينتظره، و نشب السلطان به، و ضاق صدره، و بقي مفكرا في أنّ عمه قد وافقه، و لا يرى الرّجوع عنه إلى ملك الروم، فيفسد ما بينه و بين عمّه، و يغضّ من قدره بالخروج إليه و الإجتماع به إذا خرج، و أنه إن رجع عن ذلك فسد ما بينه و بين ملك الروم، و العسكر قد برز، و هو مهتمّ في ذلك الأمر.

و طلب الإعتذار إلى ملك الروم بوجه يجمل، فلشدّة فكره، و ضيق صدره، هجم عليه مرض حادّ في جمادى الآخرة في سنة ثلاث عشرة و ستمائة.

و اعترته أمراض شتّى و ماشيرا (1). و اشتدّ به الحال، و جمع مقدّمي البلد و أمراءه، و استحلفهم لابنه الملك العزيز محمد، ثم من بعده لابنه الملك الصالح أحمد، ثم من بعده لابن أخيه، و زوج ابنته: الملك المنصور محمّد بن الملك العزيز. و جعل الأمير سيف الدّين بن علم الدّين مقدّم العسكر؛ و شهاب الدين طغرل الخادم والي القلعة، و متولّي الخزانة، و تربية أولاده، و النظر في مصالح الدّار و النساء.

و أنزل «بدر الدين ايدمر» والي قلعة حلب منها، و أقطعه زيادة على ما كان في يده من الأقطاع «قلعة نجم»، بذخائرها و عددها، و «زردنا»،

____________

(1)- مرض تظهر آثاره على الوجه و الجلد.

639

مع تسع ضياع أخر من أمّهات الضياع. و حلف إخوة السلطان على ذلك.

و استشعر السلطان من أخيه الملك الظافر «خضر»- و كان مقيما «بالياروقية»- فأقطعه «كفرسود»، و تقدّم إليه بالتوجّه إليها، فسار إليها، فسبقه الملك «الزّاهر»، فاستولى عليها، و على «البيرة» و «حروص» و «المرزبان» و «نهر الجوز» و «الكرزين» و «العمق».

[وفاة الظاهر غازي‏]

و مات السّلطان الملك الظاهر- (رحمه اللّه)- بقلعة حلب، في الخامس و العشرين، من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة و ستمائة، و كتم خبر موته ذلك اليوم، حتى دفن في الحجرة، إلى جنب الدّار الكبيرة، التي أنشأها بقلعة حلب.

ثم أركب في اليوم الثاني من موته ولداه: الملك العزيز، و الملك الصالح، و أنزلا بالثياب السّود إلى أسفل جسر القلعة، و صعد أكابر البلد إليهما.

و أصيب أهل حلب بمصيبة فتّت في أعضادهم، و كان له- (رحمه اللّه)- في كل دار بها مأتم و عزاء، و في كل قلية (1) نكبة و بلاء:

و النّاس مأتمهم عليه واحد* * * في كلّ دار أنّة و زفير

و وصل «القاضي بهاء الدّين» من الرّسالة، في اليوم الثالث، و الوزير ابن أبي يعلى، قد استولى على التّدبير، و حكم على الصغير و الكبير، فصعد

____________

(1)- تصغير قلة، و هي أعلى مكان في القلعة، أو أنها تصحيف «قبيلة».

640

القلعة، و اجتمع «بشهاب الدّين طغرل»، و صرفه عن إضافة الأمور إلى الوزير.

و قرّر أن الأمراء يجتمعون، و يتشاورون فيما يدبّرونه، و أن لا يخرج الأمر عن رأي «شهاب الدّين» أيضا، فاجتمعوا «بدار العدل»، و اتّفقت آراؤهم على أن يكون «الملك المنصور بن العزيز» أتابك العسكر، و أمر الإقطاع إليه، و أمر المناصب الدينيّة يكون راجعا إلى «شهاب الدين طغرل»؛ و حلّفوه على ذلك، و ركب، و الأمراء كلّهم في خدمته.

[ولاية الملك العزيز]

و نزل الملك العزيز، و الملك الصالح، و جلسا في دار العدل، و الملك العزيز في منصب أبيه، و أخوه إلى جانبه، و الملك المنصور، إلى جانبهما ثم اضطّربت الحال، و لم يرض إخوة «الملك الظّاهر»، بولاية المنصور.

و وصل في أثناء ذلك رسول الملك الرومي كيكاوس- و كان مخيّما بالقرب من البلاد ينتظر وصول السّلطان «الملك الظّاهر» إليه- فسيّر رسولا معزّيا، و مشيرا بالموافقة معه، و أن يكون «الملك الأفضل» أتابك العسكر، فانّه عمّ الملك العزيز، و هو أولى بتربيته و حفظ ملكه.

و مال الأمراء المصريون مثل: «مبارز الدّين يوسف بن خطلخ»، و «مبارز الدين سنقر الحلبي»، و «ابن أبي ذكرى الكردي»، و غيرهم، إلى هذا الرأي، و قالوا: «أنّ هذا ملك كبير، و لا ينتظم حفظ الملك إلّا به، و إذا صار أمر حلب راجعا إليه كان قادرا على أخذ ثأره من عمّه، و أخذ الملك به».

641

و رأى القاضي «بهاء الدين»، و سيف الدّين بن علم الدّين و سيف الدين بن قلج، و غيرهما، غير ذلك، و قالوا: «إنّ هذا إذا فعل، كان الملك العزيز على خطر من الجانبين، لأنّ الملك العادل ملك عظيم، و صاحب الديار المصرية، فاذا قبلنا ذلك خرج من أيدينا، فان كانت الغلبة له انتزع الملك من أيدينا. «و إن كانت عليه فلا نأمن أنّ الملك الأفضل، يتغلّب على ابن أخيه و ينتزع الملك منه، و يستقلّ به، كما فعل الملك العادل بابن العزيز، و الملك العادل قد حلف للملك الظاهر، و لابنه الملك العزيز من بعده، و هو ابن ابنته، و ابنته بقلعة حلب، و نحن نطالبه بالوفاء بالعهد، و هو يذبّ عن حلب كما يذبّ عن غيرها من ممالكه، و أمور الخزائن و هي راجعة إلى شهاب الدّين طغرل، و هو متولّي القلعة، و الرأي أن يقع الإتّفاق عليه، فانّ المال عنده بالقلعة، و هو فيها ينتصف ممّن خالفه، و قد وقع إعتماد الملك الظّاهر عليه».

فاتفق رأيهم كلهم عليه، و عملت نسخة يمين، حلف بها جماعة الأمراء و المقدّمين من أهل البلد، على الموالاة و الطاعة للمك العزيز، ثم من بعده لأخيه الملك الصّالح، و على الموالاة لأتابكه «شهاب الدّين طغرل»، و انقاد الجميع له طائعين و مكرهين.

و أبعد الوزير ابن أبي يعلى، و صرف، و استقرّ الأمر على ذلك، في أواخر شعبان، من السّنة، و سار ابن أبي يعلى عن حلب، في شهر رمضان من السّنة، و استقلّ طغرل بترتيب البلاد و القلاع و تفريق الأموال و الأقطاع،

642

و لا يخرج في ذلك كلّه، عن رأي القاضي بهاء الدين، و سيف الدّين بن علم الدّين، و سيف الدّين بن قلج.

و أقطع علم الدين قيصر «دربساك»، و ابن أمير التركمان «الّلاذقية»، و سيّر علم الدّين إلى الملك الزّاهر، أولا، يعاتبه على إستيلائه على البلاد، فاعتلقه، و قال: «أنا أحقّ بذلك، فإنّني كنت وليّ العهد لأخي، و قد حلف لي الناس». و طمع بملك حلب، ثم انقاد إلى الطّاعة و الخطبة، و شرط أن تبقى البلاد، التي استولى عليها بيده، فأجيب إلى بذلك.

و لما استقرّ أمر الأتابكية لشهاب الدّين طغرل، كره ذلك جماعة من المماليك الظّاهرية، فعمد «عزّ الدين أيبك الجمدار» الظاهري، و استضاف إليه جماعة من المماليك الظّاهرية، و الأجناد. و كاتب «الأسد أقطغان»،- و كان والي حارم- و اتفق معه على أن يأتي إليه، إلى «حارم» بالجماعة الذين وافقهم، و يفتح له القلعة، فإذا حصلوا بها انضم إليهم جماعة غيرهم، و كان لهم شأن حينئذ.

و كان العسكر المقيم «بحارم» قد أصعد إلى القلعة، و رتّب بها، و فيهم «المبارز أيوب بن المبارز أقجا»، فأحسّوا باختلال أمر «الأسد» الوالي»، و أنكروا عليه أشياء، فاستيقظوا لأنفسهم، و اتّفقوا على حفظ القلعة، و الإحتياط عليها.

و سار أيبك الجمدار إلى حارم، و وقف تحت القلعة، و رام الصّعود إليها، فمنعه الأجناد و الأمراء، الذين في القلعة من ذلك، و لم يمكّنوا الوالي‏

643

من التحرّك فيها بحركة، و احتاطوا عليه.

فسار أيبك إلى «دربساك»، و طمع أن يتمّ له فيها حيلة أيضا، فلم يستتبّ له ذلك، و عصى «ألطنبغا» بقلعة بهسنى، و انضاف إلى ملك الرّوم «كيكاوس». و انتظم الأمر بعد ذلك، و سكنت الفتنة، في أواخر شوّال من السّنة.

و نزل «الملك العادل» من مصر إلى الشّام، و أرسل إلى «أتابك» بما يطيّب نفسه، و سيّر خلعة للملك العزيز، و سنجقا، و حلف له على ما أوجب السكون و الثقة.

و اتّفق خروج الفرنج من البحر، و تجمّعوا في أرض عكّار، و أغاروا على «الغور»، و اندفع «الملك العادل» بين أيديهم، إلى «عجلون»، ثم إلى «حوران»، ثم نازل الفرنج «الطّور»، و زحفوا عليه، فكانت النّصرة للمسلمين، و قتل منهم جمع كثير، و انهزموا عنها، و هدمها الملك العادل.

و سار الفرنج إلى «دمياط»، و نزلوا عليها، و بينها و بينهم «النّيل»، و الملك «الكامل» في مقابلتهم، و استدعى الملك «العادل» ابنه «الملك الأشرف»، فسار في عسكره إلى «حمص»، و دخل بلاد الفرنج، ليشغلهم عن محاصرة «دمياط» فدخل إلى «صافيتا»، فخربوا ربضها، و نهبوا رستاقها، و هدموا ما حولها من الحصون، و دخلوا إلى ربض «حصن الأكراد»، فنهبوه، و حاصروا القلعة، حتى أشرفت على الأخذ، و الملك العادل مقيم في «عالقين».

644

و دخلت سنة خمس عشرة و ستمائة

و تحرّك ملك الرّوم «كيكاوس»، و معه «الملك الأفضل»، طالبا أن يملك حلب، و يطمع «الأفضل» أن يأخذها له، ليرغب الأمراء في تمليكه عليهم؛ و كاتب جماعة من الأمراء، و كتب لهم التواقيع، و من جملة من كاتبه «علم الدّين قيصر». و كتب له توقيعا «بأبلستان». و اغتنما شغل قلب «الملك العادل» بالفرنج، و وافقهما الملك الصّالح- صاحب آمد- و كان «كيكاوس»، يريد الملك لنفسه، و يجعل «الأفضل» ذريعة للتوصّل إليه، و كاتبه أمراء حلب الّذين كانوا يميلون إلى «الأفضل». فجمع العساكر.

و احتشد، و استصحب المناجيق، و سار في شهر ربيع الأوّل، فنزل رعبان و حصرها، و فتحها.

فسيّر «الأتابك شهاب الدّين» «زين الدّين ابن الأستاذ» رسولا إلى «الملك العادل»، يستصرخه على «الرّومي»، و «الأفضل». فكتب إلى ولده «الملك الأشرف»، يأمره بالرّحيل إلى إنجاد حلب بالعساكر، و سيّر إليه خزانة، و جعل «الملك المجاهد»- صاحب حمص- في مقابلة الفرنج.

645

و سار «الملك الأشرف»، حتى نزل حلب «بالميدان الأخضر» و خرج الأمراء إلى خدمته و استحلفهم، و خلع عليهم، و أتاه «مانع» أمير العرب بجموعه المتوافرة، و عاث العرب في بلد حلب، «و الملك الأشرف» يداريهم لحاجته إليهم.

و سار علم الدّين قيصر إلى ملك الرّوم من «دربساك»، و جاهر بالعصيان، و نزل «نجم الدين ألطنبعا» إليه من «بهسنى». و تسلّم الروميّ «المرزبان»، و سار إلى «تلّ باشر» و هي في يد ولد «بدر الدين دلدرم»، فنازلها، و حصرها، و فتحها. و لم يعط الملك الأفضل شيئا من البلاد التي افتتحها. فتحقّق «الملك الأفضل» فساد نيته، و سار إلى منبج، ففتحها بتسليم أهلها، و كان قد صار في جملته رجل يقال له «الصّارم المنبجي»، و له اتباع بمنبج فتولّى له أمر «منبج» و شرع في ترميم سورها، و إصلاحه.

و سار «الملك الأشرف» نحوه من حلب إلى «وادي بزاعا» على عزم لقائه، و جماعة من الأمراء المخامرين في صحبته، فنزل في وادي بزاعا، و سيّر «الرّومي» ألف فارس، هم نخبة عسكره، و مقدّمهم «سوباشي سيواس»، فوصلوا إلى «تلّ قبّاسين» فوقع عليهم العرب، و احتووا عليهم، و على سوادهم. و ركب «الملك الأشرف»، فوصل إليهم، و قد استباحوهم قتلا و أسرا، و سيّروا الأسرى إلى حلب، و دخلوا بهم و البشائر تضرب بين يديهم، و أودعوا السّجن.

و لما سمع «كيكاوس» ذلك، سار عن منبج هاربا، و رحل «الملك‏

646

الأشرف» من منزلته، و اتبعه يتخطّف أطراف عسكره، حتى وصل إلى «تل باشر»، فنزل عليها، و حاصرها حتى افتتحها، و سلّمها إلى نوّاب الملك العزيز، و قال: «هذه كانت، أولا، للملك الظّاهر- (رحمه اللّه)- و كان يؤثر ارتجاعها إليه، و أنا أردّها إلى ولده». و ذلك في جمادى الأولى، من سنة خمس عشرة و ستمائة. ثم أنه ملّكها للأتابك شهاب الدين طغرل، في سنة ثمان عشرة و ستمائة، بجميع قراها.

ثم سار «الملك الأشرف» إلى «رعبان» و «تلّ خالد» فافتتحهما و افتتح «برج الرّصاص»، و أعطى الجميع «الملك العزيز»، و أقطعت «رعبان» لسيف الدين بن قلج. و عاد منكفئا إلى حلب، و نزل على «بانقوسا».

[وفاة الملك العادل‏]

و كان الخبر قد ورد بموت «الملك العادل»- (رحمه اللّه)- و كان مرض على «عالقين»، فرحل إلى دمشق، فمات في الطريق، في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة. فكتب الأتابك شهاب الدّين بذلك إلى الأمراء، و «الملك الأشرف» قد قارب «مدينة حلب»، فأعلموه بذلك، فجلس في خيمته للعزاء، و خرج أكابر البلد و الأمراء إلى خدمته، و أنشده الشعراء مراثي الملك العادل، و تكلّم الوعّاظ بين يديه.

و لما انفصل العزاء، سيّر «الأتابك شهاب الدّين» إلى «الملك الأشرف»، و تحدّث معه في أن يكون هو السّلطان موضع أبيه، و أن يخطب له في البلاد، و تضرب السكّة باسمه، و أن تكون العساكر الحلبيّة في خدمته. فقال: «لا و اللّه لا أغيّر قاعدة قرّرها أبي، بل يكون السّلطان أخي‏

647

«الملك الكامل»، و يكون قائما مقام أبي»، فاتّفق الحال بين «أتابك» و بينه، برأي القاضي «بهاء الدّين»، و سيف الدّين بن علم الدّين، و سيف الدّين بن قلج، على أن خطب بحلب و أعمالها «للملك الكامل»، و بعده للملك الأشرف، ثم للملك العزيز، و ضرب اسم «الملك الكامل»، و الملك العزيز، على السكّة. و جعل أمر الأجناد و الأقطاع في عسكر حلب إلى «الملك الأشرف»، و أخليت له دار «الملك الظافر» «بالياروقية»، فنزل فيها، و رتب له برسم المعونة، من أعمال حلب «سرمين» و «بزاعا» و «الجبّول»، و وصلت إليه رسل البلاد، من جميع الجهات، و مالوا إليه، و صاروا أتباعا له، و أمر و نهى ببلد حلب، في الأجناد و الأقطاع لا غير، و تردّد أكابر الحلبيّين إلى خدمته، و خلع عليهم، و انقضى فضل الشتاء.

648

و دخلت سنة ست عشرة و ستمائة

فأقطع الأقطاع لأجناد حلب، و رتّب أمور أمرائها، و لا يفعل شيئا من ذلك إلّا بمراجعة «الأتابك شهاب الدّين»، و بدا من الأمراء المصريين تحرّك في أمره، و كرهوا أمره و نهيه في حلب، و خافوا من استيلائه عليها، و انتقامه منهم لميلهم إلى «الملك الأفضل». و بلغه عنهم أشياء عزموا عليها، و هو ثابت لذلك كله.

و وصلته رسل أخيه «الملك الكامل»، يطلب منه النجدة إلى «دمياط». و كان «ابن المشطوب» قد أراد الوثوب عليه و تمليك «الفائز» أخيه، فأخرجه من الديار المصريّة، بعد أن رحل من منزلته، التي كان بها في قبالة الفرنج، و عبور الفرنج إليها، و نهب الخيم و منازلة «دمياط»، و قطعهم المادة عنها، فاتفق رأي «الملك الأشرف» على تسيير الأمراء، الذين كانوا يضمرون له الغدر، فسيّرهم نجدة إلى أخيه، و هم المبارزان: «ابن خطلخ» و «سنقر» الحلبيّان، و ابن كهدان، و غيرهم، و خاف ابن خطلخ منه، فاستحلفه على أن لا يؤذيه، فحلف له، و سيّرهم إلى أخيه «الملك الكامل»، فأقاموا عنده بالكلية.

649

[وفاة نور الدين الثاني صاحب الموصل‏]

و توفّي نور الدّين- صاحب الموصل- في هذه السنة. و ترك ابنا صغيرا قام «بدر الدين لؤلؤ»، مملوك جدّه بتربيته. و خطب للكامل و الأشرف.

و قام زنكي بن عز الدين، فأخذ «العمادية»- و هي قلعة حصينة فيها أموال الموصل- بمواطأة من أجنادها، و عزم على أخذ الموصل، و قال: «أنا أولى بكفالة ابن أخي». و ساعده «مظفّر الدّين» صاحب «إربل» على ذلك، فسيّر لؤلؤ رسولا إلى «الملك الأشرف» إلى حلب، يطلب إنجاده، فسيّر إليه عزّ الدّين أيبك الأشرفي.

و كان عماد الدّين بن سيف الدّين علي المشطوب، لما نفي من الديار المصريّة، قد وصل إلى «حماة»، و أقام عند صاحبها، و كاتب «الملك الأفضل»، و جمع جموعا كثيرة من الأكراد، و أرباب الفساد، و ساعده الملك المنصور- صاحب حماة- بالمال و الرجال على ذلك و عزم على أن يمضي، بمن جمعه من العساكر إلى الأفضل، و أن يقوم معه، و يساعده صاحب حماة، و سلطان الرّوم. ثم سار ابن المشطوب، بغتة، و خاض بلد حلب، و كان الزمن زمن الربيع، و خيول الأجناد متفرّقة في الربيع، فوصل إلى «قنّسرين» و نفذ منها إلى «تلّ أعرن» (1)، و بلغ «الساجور»، و استاق في طريقه ما وجد من الخيل، و غيره.

____________

(1)- كان يعرف أيضا باسم تل عرن، و هو ما يزال يحمل الاسم نفسه، و هو قرية في جبل الأحص تتبع منطقة السفيرة- محافظة حلب، و تبعد القرية 5 كم عن السفيرة، يتوسطها تل كبير، هو تل عرن. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

650

و بلغ خبره إلى الملك الأشرف، فأركب من كان بحضرته من العساكر، خلفه، و كان فيهم ابن عماد الدّين صاحب «قرقيسيا»، فلحقوه على «السّاجور»، و في صحبته «نجم الدّين بن أبي عصرون»، فقبضوا عليه و أتوا به إلى «الملك الأشرف»، فعفا عنه، و «عن ابن أبي عصرون»، و أقطع ابن المشطوب «رأس عين» و أقام عنده مخيّما «بالياروقيّة»، إلى أن دخل شعبان، من السنة المذكورة. و سار «الملك الأشرف»، إلى بلاده الشرقيّة، لا صلاح أمر الموصل، و كان صاحب إربل و زنكي، قد كسرا «لؤلؤ» و «أيبك الأشرفي»، على الموصل. فنزل الملك الأشرف على حرّان، و في صحبته عسكر حلب.

[وفاة كيكاوس ملك السلاجقة الروم‏]

و مات «كيكاوس»، ملك الروم، و ملك بعده أخوه كيقباذ، فراسل الملك الأشرف، و اتفق معه. و خربت القدس في أوائل هذه السنة.

و خرج إلى الفرنج المنازلين «دمياط» نجدة من البحر، و وقع الوباء في أهل «دمياط»، و ضعفوا عن حفظها، فهجمها الفرنج على غفلة من أهلها، في عاشر شهر رمضان، و الملك الكامل، مرابط حولها بالعساكر، و ابتنى مدينة سماها «المنصورة»، أقام فيها في مقابلة الفرنج.

651

و دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة

و الملك الأشرف في «حرّان»، و «ابن المشطوب» في اقطاعه «رأس عين»، و قد داخل صاحب «ماردين»؛ و قرّر الأمر معه على العصيان على «الملك الأشرف»، و جمع جماعة من الأكراد، فنمى الخبر إلى الملك الأشرف، و خاف «ابن المشطوب»، فسار إلى سنجار، فاعترضه والي «نصيبين»، من جهة الملك الأشرف، و قاتله فهزمه، و استباح عسكره، و سار إلى سنجار، فأجاره قطب الدّين صاحبها. و أرسل «الملك الأشرف» اليه، في طلبه، فلم يجبه إلى ذلك، فسار الملك الأشرف نحوه، فترك «سنجار»، و مضى إلى «تلعفر»، فعصى بها، فوصل إليه «ابن صبره» و عسكر الموصل. و وصل «الملك الأشرف» إلى «سنجار»، و فتحها، و عوّض صاحبها «بالرّقة» عنها، و فتح لؤلؤ «تلعفر»، و سلّمها إلى «الملك الأشرف»، و استجار «ابن المشطوب» بلؤلؤ، فأجاره على حكم الملك الأشرف، فيه، و سلّمه إلى الملك الأشرف، فقيّده، و سجنه بسنجار.

و سار الملك الأشرف إلى الموصل، و معه عسكر حلب، فأقام مخيّما

652

على ظاهرها، حتى أصلح أمرها مع صاحب «إربل»، و هادنه.

و وصل الملك «الفائز»، من الديار المصريّة، مستصرخا، و طالبا للنجد، و وصل إلى حلب، و أنزل «بالميدان الأخضر»، و سار إلى الموصل، إلى أخيه «الملك الأشرف»، فأقام عنده، بظاهر الموصل، شهرا و مات.

و انفصل الملك الأشرف عن الموصل، بعد إصلاح أمورها، و شتّى «بسنجار»، و قبض على «حسام الدين بن خشترين»- و كان أميرا من أمراء حلب- لغدر بلغه عنه، و قيّده، و سيّره، و ابن المشطوب إلى قلعة «حرّان»، فحبسهما فيها إلى أن ماتا. و قبض على ابن عماد الدّين- صاحب «قرقيسيا»- و أخذها، «و عانة» و البلاد التي كانت معه من يده، و قدم حرّان، فوصل إليه أخوه «الملك المعظّم» في محرّم سنة ثمان عشرة من دمشق، فوافقه على الصعود إلى الديار المصريّة، لا زاحة الفرنج عنها، فجهّز العساكر، و استدعى عسكر حلب، و عبر الفرات، و التقى بعسكر حلب.

و سار إلى دمياط، مع أخيه «الملك المعظّم»، و خرج الفرنج عن «دمياط»، و نزلوا في مقابلة المسلمين، فأرسلوا الماء عليهم، فمنعهم من العود إلى «دمياط»، و لم يبق لهم طريق اليها؛ و زحف المسلمون عليهم، و استداروا حولهم، فطلبوا الأمان و تسليم «دمياط» فتسلّمها المسلمون في العشرين من شهر رجب سنة ثمان عشرة و ستمائة.

و كان الملك المنصور- صاحب حماة- قد توفّي في ذي القعدة، سنة

653

سبع عشرة و ستمائة. و كان ابنه الكبير «الملك المظفر»، في نجدة خاله بدمياط، فاستولى ابنه الملك الناصر، على حماة، و سيّر إلى الأتابك شهاب الدين، يطلب الاعتضاد به، و السفارة بينه و بين خاله «الملك الأشرف»، على أن ينتمي إليه، و يخطب له، على أن يمنع عنه من يقصده، و روسل في ذلك، فأجاب، و حلف له على ذلك.

و نزل «الملك الأشرف» من الدّيار المصرية، و وصل إلى بلاده، و سيّر كتابا إلى الأتابك شهاب الدّين، يتضمّن أنّه: «لما وقع الاتفاق في الابتداء، و عرض عليّ «الجبول» و «بزاعا» و «سرمين»، أجبت إلى ذلك، ليعلم المخالف و العدوّ، أن البلاد قد صارت واحدة، و الكلمة متّفقة، و الآن فقد تحقّق الناس كلّهم ذلك، و أوثر الآن التقدّم إلى نوّاب المولى «الملك العزيز» في قبضها، و اجرائها على العادة، و صرفها في مصالح بلاده فأجبت إلى ذلك». و رفع «الملك الأشرف» أيدي نوابه عنها.

654

و دخلت سنة تسع عشرة و ستمائة

توجّه «الملك الصّالح» ابن «الملك الظّاهر» إلى «الشّغر» و «بكاس»، و أضيف اليه «الروج» و «معرة مصرين». و رتّب جماعة من الحجّاب و المماليك في خدمته، و ذلك في جمادى الأولى.

و في ذي الحجة- من سنة تسع عشرة و ستمائة- خرج الملك [الناصر] صاحب حماة إلى الصيّد، فبلغ ذلك «الملك المعظّم عيسى»، صاحب دمشق، فخرج مجدّا من دمشق، ليسبق صاحبها إليها فيملكها، فانتهى الخبر إلى «الناصر»، فسبق اليها. و وصل الملك المعظّم إلى حماة، فوجد الملك الناصر قد وصلها، و فاته ما أراد، فسار إلى «معرّة النّعمان»، و احتوى على مغّلاتها، و سيّر أتابك شهاب الدّين إليه، تقدمة مع مظفّر الدين بن جرديك، إلى المعرّة، فقبلها، و اعتذر بأنّه إنما جاء لكتاب وصله من «الملك الكامل»، يأمره أن يقبض على خادم هرب منه، و أنّه خرج خلفه ليدركه، فلما قرب من «حماة»، بدا من صاحبها من الامتهان، و عدم النزل و الاقامة ما لا يليق. و تجنّى عليه ذنوبا لا أصل لها، و الملك الكامل، و الملك الأشرف، حينئذ بمصر.

655

و دخلت سنة عشرين و ستمائة

فرحل «الملك المعظم» إلى «سلمية»، بعد أن رتّب «بالمعرّة» واليا، و رتّب «لسلمية» واليا من قبله، و عزم على حصار «حماة»، و استعدّ صاحبها للحصار، و وكّل الملك المعظّم العرب، لقطع الميرة عن حماة، و منع من يقصدها من الأجناد للانجاد، و حوّل طريق القافلة على سلمية.

و أرجف الناس بأن حسام الدين ابن أمير تركمان، قد وافق الملك المعظّم، و أنه قد صاهر صاحب «صهيون»، و كان سيف الدين بن قلج، هو الذي أشار بترتيبه في اللاذقية و ضمنه، فسار إليه، فلم يمتنع من تسليمها و لم يكن لما ذكر عنه صحّة؛ فترك سيف الدين بن قلج بها أخاه عماد الدين، و استصحب حسام الدين، معه إلى حلب. فأقام إلى أن زال الاستشعار من جهة «الملك المعظم»، و ردّت إليه.

و وصل حسام الدّين الحاجب علي- نائب الملك الأشرف في بلاده إلى حلب- و اجتمع بأتابك شهاب الدّين، و أعلمه أنّ الملك الأشرف، كتب إليه أن يرحل إلى «الملك المعظّم»، و يرحّله عن بلاد «الناصر»، و يعلم‏

656

«أتابك» أن هذا الّذي وقع، لم يكن بعلم «الملك الكامل»، و لا «الملك الأشرف»، و انّهما لا يوافقانه على ذلك، و سار الحاجب إليه في هذا المعنى.

و وصل «الناصح أبو المعالي الفارسي»- أحد أمراء حلب- برسالة «الملك الكامل» من مصر، و كان قد صعد إليها إلى خدمته «الملك الأشرف»، و كان هو الحاجب بين يديه إذ ذاك، و الأمور كلّها راجعة اليه، فقال له الناصح: «الملك الكامل يأمر المولى بالرّحيل، و ترك الخلاف»، فأجاب إلى ذلك، و قرّر الصلح بين صاحب حماة و بينه، و رحل إلى دمشق، و عاد الناصح إلى مصر.

و نقل السلطان الملك الظّاهر، من الحجرة التي دفن بها بالقلعة، إلى القبة، بالمدرسة التي ابتناها له أتابك، و دفنه بها في أول شعبان من سنة عشرين و ستمائة.

و نزل الملك الأشرف من مصر، و وصل إلى حلب في شوال من سنة عشرين، و التقاه «الملك العزيز»، و نزل في خيمته، قبلّي «المقام» و شرقيّة، بالقرب من «قرنبيا»، و كان قد صحبه خلعة للملك العزيز من «الملك الكامل»، و سنجق، و خرج «الملك العزيز»، و أهل البلد، في خدمته، بعد ذلك، و دخل الناس إلى الخيمة، في خدمة السلطان الملك العزيز، و مدّ «الملك الأشرف» السّماط، في ذلك اليوم للناس، فلما أكلوا، و خرج الناس من الخيمة، أحضر «الخلع الكاملية»، و أفاضها على الملك العزيز.

و وقف قائما في خدمته. ثم أحضر المركوب فأركبه. و حمل الغاشية بين‏

657

يديه، حتى خرج من الخيمة، و ركب إلى القلعة.

و أقام «الملك الأشرف»، مقدار عشرة أيام، و اتفق رأيه مع الأمراء على اخراب قلعة «الّلاذقية»، فسار العسكر إليها، و خرّبوها في هذه السّنة.

و توجّه الملك الأشرف إلى حرّان، و عصى الملك المظفّر «شهاب الدين غازي» أخوه، عليه «باخلاط»، و كان أخوه «الملك المعظّم»، هو الذي حمله على ذلك، و حسّنه له، لأجل ما سبق من «الملك الأشرف»، في نصرة صاحب حماة. فاستدعى «الملك الأشرف» عسكرا من حلب، فسار إليه عسكر قويّ فيهم: سيف الدّين بن قلج، و علم الدين قيصر، و حسام الدين بلدق، في سنة إحدى و عشرين و ستمائة، و سار إلى «اخلاط»، و اتّفق «مظفّر الدين»- صاحب إربل- و الملك المعظّم صاحب دمشق، على أن يخرج هذا إلى جهة «الموصل»، و هذا إلى جهة «حمص»، ليشغلا «الملك الأشرف» عن اخلاط، فسيّر «الملك الأشرف»، و طلب طائفة من عسكر حلب ليقيم بسنجار، خوفا من أن يغتالها صاحب «إربل». و خرج «الملك المعظّم»، و أغار على بلد حمص، وبارين، و وصل إلى «بحيرة قدس»، و عاد.

و وصل الملك الأشرف إلى «اخلاط»، فخرج أخوه، و قاتله، فهزمه إلى «اخلاط»، و فتحها أهلها للملك الأشرف. و احتمى الملك «المظفّر» بالقلعة، حتى عفا عنه أخوه الملك الأشرف، و خرج إليه، و أبقى عليه‏

658

«ميّافارقين»، و عاد عسكر حلب و الملك الأشرف، في رمضان، و شتّى الملك الأشرف بسنجار.

و انهدم في هذه السّنة من سور قلعة حلب الأبراج التي تلي «باب الجبل»، من حدّ المركز، و هي عشرة أبراج، و تساقطعت مع أبدانها، في سلخ ذي القعدة. و وافق ذلك شدّة البرد في الأربعينيات، فاهتم «أتابك شهاب الدّين» بعمارتها، و تحصيل آلاتها، من غير أن يستعين فيها بمعاونة أحد، و لازمها بنفسه، حتى أتّمها في سنة اثنتين و عشرين و ستمائة.

و مات الملك الأفضل، «بسميساط»، في هذه السنة في صفر، و حمل إلى حلب، فدفن في التربة، التي دفن فيها أمّة قبليّ «المقام».

659

و دخلت سنة ثلاث و عشرين و ستمائة

و وصل «محيي الدّين أبو المظفر ابن الجوزي»، إلى حلب بخلعة من «الامام الظّاهر»، إلى «الملك العزيز»، و كان قد توّلى الخلافة، في سنة اثنتين و عشرين، بعد موت أبيه «الإمام النّاصر»، فألبسها السلطان «الملك العزيز»، و ركب بها، و كانت خلعة سنيّة، واسعة الكمّ، سودآء، بعمامة سوداء، و هي مذهبّة، و الثوب بالزركش. و كان قد أحضر إلى «الملك الأشرف» خلعة، ألبسه أياها، و سار بخلعه أخرى إلى «الملك المعظّم»، و خلعه أخرى، إلى «الملك الكامل».

و كاتب «الملك المعظّم» خوارزمشاه، و أطمعه في بلاد أخيه «الملك الأشرف»، و نزل الملك المعظّم من دمشق، و نازل حمص، و كان سيّر جماعة من الأعراب، فنهبوا قراها؛ و وصل «مانع»، في جموع العرب لانجاد حمص، من جهة الملك الأشرف، فانتهبوا قرى «المعرّة» و «حماة»، و قسموا البيادر، و لم يؤدوا عدادا (1)، في هذه السنة، لأحد.

____________

(1)- ضريبة على رؤوس المواشي عرفتها بلاد الشام حتى وقت قريب.

660

و لما وصل «الملك المعظّم» إلى حمص، اندفع «مانع» و عرب حلب، و الجزيرة، إلى قنّسرين، ثم نزلوا قراحصار، ثم تركوا أظعانهم، بمرج دابق، و ساروا جريدة إلى نحو حمص، فتواقع «مانع» و عرب دمشق، وقعات، و جرّد عسكر من حلب إلى حمص، فوصلوا إليها، قبل أن ينازلها الملك المعظّم، فحين وصلوها اتّفق وصول عسكر دمشق، فاقتتلوا، ثم دخلوا إلى مدينة حمص.

و كان «الملك الأشرف» على «الرّقة» فجاءه الخبر بحركة «كيقباذ»، و خروجه إلى بلاد صاحب «آمد»، و أخذه «حصن منصور»، و «الكختا» (1)، فسيّر «الملك الأشرف» نجدة إلى آمد، فالتقاهم جيش «الرّومي»، و هزمهم، فعاد الملك الأشرف إلى «حرّان»، و خرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر «قنسرين» لانجاد صاحب حمص.

و وقع الفناء في عسكر «الملك المعظّم»، و ماتت دوابّهم، و كثر المرض في رجالهم، فرحل عن حمص، في شهر رمضان من السّنة. و سار «الملك الأشرف»، عند ذلك بنفسه إلى دمشق، و اجتمع بأخيه «الملك المعظّم» قطعا لمادّة شرّه، و زيّنت دمشق لقدوم الملك الأشرف، و عقدت بها القباب، و أظهر الملك المعظّم السّرور بقدومه، و حكّمه في ماله؛ و باطنه ليس كظاهره، و رسله تتردّد إلى «خوارزمشاه» في الباطن، و جاءته خلعة من «خوارزمشاه» فلبسها.

____________

(1)- حصن على أربعين ميلا من ملطية، في الجنوب الشرقي منها.

661

و كانا لما انقضى شهر رمضان، قد خرجا عن دمشق، إلى «المرج»، و ورد عليهما رسولا حلب: القاضي زين الدّين ابن الاستاذ نائب القاضي بهاء الدّين، و مظفّر الدّين بن جورديك، يطلبان تجديد الأيمان «للملك العزيز»، و «أتابك». فوجد «الملك الأشرف»، و قد أصبح مع «الملك المعظّم»، بمنزلة التبّع له، و يطلب مداراته بكلّ طريق، و هو لا يتجاسر أن ينفرد بهما في حديث، دون الملك المعظّم، و «الملك المعظّم» يشترط شروطا كثيرة، و المراجعات بينهما و بين أتابك إلى حلب مستمرة مدة شهرين. إلى أن وردت الأخبار بنزول «خوارزمشاه» على «اخلاط»، و محاصرتها، و فيها «الحاجب عليّ»- نائب الملك الأشرف- فهجم بعض عسكره اخلاط، و قام من بها من أهلها و جندها، و أخرجوهم منها، كرها. فوافق الملك الأشرف أخاه، على ما طلبه منه، و استدعى رسولي حلب، و حلفا لهما، و رحل خوارزمشاه عن «خلاط».

و شتّى الملك المعظّم، و الملك الأشرف «بالغور»، و اضحى «الملك الأشرف» كالأسير في يدي أخيه «الملك المعظّم»، لا يتجاسر على أن يخالفه في أمر من الأمور، و هو يتلوّن معه، و كلّما أجابه «الملك الأشرف» إلى قضية، رجع عنها إلى غيرها، و أقام عنده، إلى أن دخلت سنة أربع و عشرين و ستمائة.

و انقطعت مراسلة الملك الأشرف إلى حلب، لكثرة عيون أخيه عليه، و كونه لا يأمن من جهته من أمر يكرهه، لانه أصبح في قبضته، و اتّفق وصولي من الحجّ، في صفر من هذه السنة، فاستدعاني «الملك الأشرف»،

662

و حمّلني رسالة إلى أتابك شهاب الدّين، مضمونها ما قد وقع فيه مع أخيه.

«و أنه يتلوّن معه، تلوّن الحرباء، و لا يثبت على أمر من الأمور، و إنّ آخر ما قد وقع بيني و بينه، أنه التمس مني أن يحلف له أتابك على مساعدته و معاضدته، و أن لا يوافق الملك الكامل عليه، و أنّه متى قصده الملك الكامل، كان عونا له على الملك الكامل». فلما أبلغت «أتابك» ما قال، امتنع من الموافقة على ذلك، و قال: «أنا حلّفني الملك الأشرف للملك الكامل، و في جملة يمينه: أنني لا أهادن أحدا من الملوك على قضيّة إلّا بأمره، فاذا أراد هذا مني فليأتني بأمر من الملك الكامل، حتى أساعده على ذلك».

و حين رأى «الملك الأشرف» و قوعه في أنشوطة أخيه، و أن لا مخلص له إلّا بما يريده، ساعده على كلّ ما طلبه منه، و استحلفه على الملك الكامل، و صاحبي حماة و حمص، فاطمأن الملك المعظّم إلى ذلك، و مكّن الملك الأشرف من الرحيل، فسار إلى «الرّقة»، في جمادى الآخرة من السنة، فرجع «الملك الأشرف» عن جميع ما قرّرة مع أخيه، و تأوّل في أيمانه التي حلفها، بأنه كان مكرها عليها، و أنه علم أنه لا ينجيه من يدي أخيه إلّا موافقته فيما طلب، و ندم «الملك المعظّم» على تمكينه من الانفصال عنه، و سيّر العربان إلى بلد حمص و حماة، فعاثوا فيهما، و نهبوا.

و خرج عسكر الأنبرور- ملك الفرنج- إلى عكا، في جموع عظيمة، فطمع صاحب حماة، و صاحب حمص في «الملك المعظّم» حينئذ، و أرسلا إليه يطلبان العوض عما أخذه من بلادهما، فلاطف حينئذ أخاه «الملك‏

663

الأشرف»، و أرسل إليه يطلب موافقته، فعنّفه على أفعاله التي عامله بها، و قرّعه على ما اعتمد في حقّه و حقّ أهله. و مرض «الملك المعظّم» بدمشق و مات سلخ ذي القعدة. و ملك دمشق بعده «الملك الناصر» ولده.

و في هذه السّنة، سلّمت عين تاب، و الراوندان، و الزّوب، إلى «الملك الصالح» ابن الملك الظاهر، و أخذ منه «الشغر» و «بكاس»، و ما كان في يده معها.

و دخل الحاجب، في هذه السنة، و جمع من قدر عليه من العساكر، إلى بلد أذربيجان، و افتتح «خوي»، و «سلماس»، و أخذ زوجة أزبك و كانت في خوي- و هي التي سلّمت خوي إليه، و كانت قد تزوجت بخوارزمشاه.

و خرج الملك الكامل من مصر حين سمع بموت أخيه. و سيّر الملك الناصر، إلى عمّه الملك الأشرف، يعتضد به، و يستمسك بذيله، مع ابن موسك. فوصل إليه إلى سنجار، و طلبه ليأتي إلى دمشق، فسار إليه إلى دمشق، و نزل «الملك الكامل»، فخيّم بتلّ العجول في مقابلة الفرنج، و سيّر الملك الأشرف إليه، «سيف الدّين بن قلج» يطلب منه ابقاء دمشق على ابن أخيه، و يقول له: «إننا كلنا في طاعتك، و لم نخرج عن موافقتك». فخاطبه بما أطمع الملك الأشرف في دمشق.

و أما الملك العزيز، فانّه في هذه السنة، جلس في «دار العدل» في منصب أبيه، و رفعت إليه الشكاوي، فأجاب عنها، و أمر و نهى، و كان‏

664

يحضر عنده الفقهاء، في ليالي الجمع ليلا، و يتكلمون في المسألة بين يديه، و حضر عيد الفطر، فخلع على كافة الأمراء، و مقدّمي البلد، و أرباب المناصب، و عمل عيدا عظيما، احتفل فيه، و لم يعمل بحلب عيد، منذ مات «الملك الظّاهر»، قبل هذه السّنة.

و وصل «الأنبرور» إلى عكا، و خيّم الملك الكامل «بالعوجا». و توجّه الملك الأشرف، إليه من دمشق، فجدّد الأيمان فيما بينهما، و سارت النجدة من حلب، في آخر المحرم سنة ستّ و عشرين و ستمائة، فنزلت في «الغور».

[تسليم الكامل القدس للفرنجة]

و صالح «الملك الكامل» الفرنج على أن أعطاهم مدينة «القدس» سوى الصخرة و المسجد الأقصى- و ليس لهم في ظاهرها حكم، و أعطاهم «بيت لحم»، و ضياعا في طريقهم إلى القدس، من عكا.

و عاد الملك الأشرف، و اجتمع بعسكر حلب، و بالملك الناصر ابن الملك المعظم، فقال له: «إنّني قد اجتهدت في أمرك بالملك الكامل، فلم يرجع عن قصد دمشق، و كان آخر ما انتهى اليه أن قال: يعطى الملك الناصر البلاد الشرقية، و تأخذ أنت دمشق»، فعلم الملك الناصر، أنّهما قد توافقا على أخذ دمشق، و كان أيبك المعظّمي معه، فأشار عليه بالرحيل إلى دمشق، فقوّض خيامه، و سار، و لم يمكن الملك الأشرف منعه، و مضى إلى دمشق، و شرع في تحصينها، فسار الملك الأشرف بجيوش حلب، و نزل على دمشق، و قطع عنها الماء، فخرج عسكر دمشق، و قاتلوا أشدّ القتال، حتّى أعادوا الماء اليها، و وصل الملك الكامل، في جمادى الأولى، بالعساكر المصريّة، و خيّموا جميعا على دمشق.

665

و سار القاضي بهاء الدين، و في صحبته أكابر حلب و عدولها إلى دمشق، لعقد المصاهرة بين «الملك العزيز» و «الملك الكامل». و وصل إلى ظاهر دمشق من ناحية «ضمير»، و خرج الملك الكامل من المخيّم، و التقاه، و أنزله في المخيم، بالقرب من «مشهد القدم». و أحضره إلى خيمته، و قدّم ما كان وصل على يده، للملك الكامل. ثم نقله بعد ذلك إلى جوسق الملك العزيز «بالمزّة»، و كان يتردّد إليه «الملك الكامل»، في بعض الأوقات، إلى أن اتّفق الأمر، على أن حمل الذّهب الواصل، لتقدمة المهر، و الجواري، و الخدم، و الدراهم، و المتاع، و عقد العقد بحضور الملك الأشرف، في «مسجد خاتون»، و تولّى عقد النكاح «عماد الدّين ابن شيخ الشيوخ» عن الملك الكامل. لابنته «فاطمة خاتون»، على صداق، مبلغه خمسون ألف دينار. و قبل القاضي «بهاء الدّين» العقد عن الملك العزيز، و ذلك في سحرة يوم الأحد سادس عشر شهر رجب، و خلع «الملك الكامل» على القاضي، و على جميع أصحابه، و على الحاجي بشر أمير لالا الملك العزيز، بعد أن فتحت دمشق. و عاد القاضي و من كان في صحبته إلى حلب.

و استقرّ أن يأخذ الملك الكامل من الملك الأشرف، عوضا عن دمشق: حرّان، و الرّها، و الرّقة، و سروج، و رأس عين، و سار الملك الأشرف إلى بعلبك، فحصرها إلى أن أخذها من صاحبها.

و سار العسكر إلى حماة، بأمر الملك الكامل، فحصرها ليسلّمها

666

صاحبها إلى الملك «المظفّر ابن الملك المنصور»، فنزل إليه صاحبها الملك الناصر- و كان نازلا بمجمع المروج- فحبسه عنده إلى أن سلّمها إلى أخيه، و أعطاه «بارين». و سار الملك الكامل إلى الرقة.

[ظهور الخوارزمية]

و نزل خوارزمشاه على «أخلاط»، و وافقه ابن زين الدين، في الباطن، و صاحب آمد في الظاهر، و خطب له، و ضاق الأمر بأهل «أخلاط»، فطلبوا الأمان فلم يجبهم إلى ذلك، و افتتحها في ثامن و عشرين من جمادى الأولى، من سنة سبع و عشرين و ستمائة، و وضع السيف في أهلها، و سبى النّساء و الصبيان.

و في ثامن جمادى الأولى، ولد للسلطان «الملك العزيز»، مولود من جارية، و سمّاه باسم أبيه، و لقّبه بلقبه «الملك الظاهر غازي»، و زيّن المدينة، و عقد القباب، و لبس العسكر في أتمّ زينة و هيئة، و عمل الزّورق من القلعة إلى المدينة؛ و نزل الناس فيه، و انقطعت بكره برجل منهم، فوقع في سفح القلعة، فمات، فبطل الملك العزيز الزروق.

و ولد له أيضا في هذه السنة، ولد آخر لقّبه «بالملك العادل». و ولد له أيضا في هذه السنة، «السلطان الملك الناصر» و هو الذي أوصى له بالملك، بعد أن مات الولدان المتقدمان.

و اتفق الملك الكامل، و الملك الأشرف، و ملك الرّوم كيقباذ، على خوارزمشاه. و طلب الملك الأشرف نجدة من حلب، فسيّر الملك العزيز و أتابك، عسكرا يقدمه «عزّ الدين بن مجلي»، فدخل الملك الأشرف،

667

و اجتمع بملك الروم؛ و سار إلى ناحية «أرزنكان»، و اصطفّت العساكر للقتال، فكسر الخوارزمي في التاسع و العشرين من شهر رمضان، و هبّت ريح عاصفة في وجه عساكره، و انهزموا، و صادفوا شقيفا، في طريقهم، فوقع فيه أكثر الخوارزمية فهلكوا، و صار «الملك الأشرف» إلى «اخلاط» فاستعادها، و هادن الخوارزمي.

668

و دخلت سنة ثمان و عشرين و ستمائة

و كان للفرنج حركة، و خرج عسكر حلب مع بدر الدين بن الوالي، و أغاروا على ناحية «المرقب»، و نهبوا حصن بانياس، و خربوه، و سيّروا أسرى حلب، ثم تواقع المسلمون و الفرنج وقعة أخرى، قتل من الفريقين فيها جماعة، و كان الربح فيها للمسلمين، و سيّرت العساكر من حلب في النصف من شهر ربيع الآخر.

و احتبس الغيث في حلب، و ارتفعت الأسعار فيها، و خرج الناس، و استسقوا على «بانقوسا» فجاء مطر يسير، بعد ذلك، و انحطّت الأسعار قليلا.

و استقرّت الهدنة بين عسكر حلب و الداويّة، و الاسبتار، في العشرين من شعبان من السنة.

و استقلّ السلطان الملك العزيز بملكه، في هذه السنة، و تسلّم خزائنه من «أتابك شهاب الدّين»، و رتّب الولاة في القلاع، و استحلف الأجناد لنفسه؛ و خرج بنفسه، و دار القلاع و الحصون، و ركب أتابك شهاب‏

669

الدّين، في نصف شهر رمضان، من هذه السنة، و نزل من القلعة، و ركب النّاس في خدمته، و لم ينزل منها، منذ توفي الملك الظّاهر، إلّا هذه المرة، ثم عاد إلى القلعة، و كان يركب منها في الأحايين، إلى أن دخل السّلطان «الملك العزيز» بابنة الملك الكامل، و بقي «أتابك» مدّة في القلعة، ثم نزل منها، و سكن في داره، التي كانت تعرف بصاحب عين تاب، تجاه باب القلعة.

و استوزر الملك العزيز، في هذه السّنة، خطيب القلعة و ابن خطيبها «زين الدين عبد المحسن بن محمد بن حرب»، و مال إليه بجملته.

و سيّر الملك العزيز القاضي بهاء الدّين، في هذه السّنة في شوّال، إلى مصر، لإحضار زوجته بنت الملك الكامل، فأقام بمصر مدة، إلى أن قدم في صحبتها والدها «الملك الكامل»، إلى دمشق، و سيّرها من دمشق صحبته، و أصحبها من جماعته: فخر الدين البانياسي، و الشريف قاضي العسكر، و خرج وزيره، و أعيان دولته، فالتقوها من حماة، و أكابر أهل حلب أيضا، و التقتها والدة السلطان عمّتها من «جباب التركمان»، و التقاها بقية العساكر، «بتلّ السلطان»، و التقاها أخو السّلطان «الملك الصالح»، في عسكره، و تجمّله، و عادت العساكر في تجمّلها، و اصطفت أطلابا طلبا بعد طلب، في «الوضيحي». و خرج السّلطان إلى «الوضيحي»، و دخل مع زوجته، ليلا، إلى القلعة المنصورة، في شهر رمضان، من سنة تسع و عشرين و ستمائة.

670

و كانت العامة بحلب، قد ثاروا على محتسبها «مجد الدّين بن العجمي»، لأن السعر كان مرتفعا، و قد بلغ الرّطل من الخبز إلى عشرة قراطيس، ثم انحطّ السعر كان في تقاديم الغلّة، إلى أن بيع الرطل بخمسة و نصف، فركب نائب المحتسب و سعّره في البلد بستة قراطيس، فهاجت العامّة عليه، و قصدوا دكّة المحتسب، و همّوا بقتل نائبه، و خربوا الدكّة، و مضوا إلى دار المحتسب، لينهبوها، فنزل والي البلد، و الأمير «علم الدّين قيصر»، و سكنوا الفتنة، بعد أن صعد جماعة إلى السلطان، و استغاثوا على المحتسب، فظفروا بأخيه نائب الحشر «الكمال بن العجمي»، فرجموه بالحجارة، فانهزم، و اختفى في بعض دروب حلب، ثم هرب إلى المسجد الجامع، فهمّوا به مرّة ثانية، في الجامع، فحماه مقدّم الأحداث، و كان ذلك، في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان، من سنة تسع و عشرين و ستمائة.

و داوم «الملك العزيز» الخروج إلى الصيّد، ورمي البندق بنواحي «العمق» و غيرها، و حسّن له جماعة من أصحابه، أن يسير إلى قلعة «تلّ باشر»، و يستولي عليها، و ينزعها من نواب أتابكه «شهاب الدين طغرل»، و أن يبقي عليه رستاقها، و أن لا يكون شي‏ء من القلاع إلّا بيده، فنمى الخبر إلى «أتابك»، فسيّر إلى الوالي، و أمره أن لا يعارضه في القلعة، و أن يسلّمها إليه، و كان له بها خزانة، فاستدعاها، و خرج السّلطان إلى «عزاز»، و كانت في يد والدة أخت «الملك الصّالح»، و أولادها بني «ألطنبغا»، عوّضهم بها «أتابك» عن «بهسنى»، بعد قتل الرّومي كيكاوس الطنبغا، فصعد إلى قلعتها، و ولّى بها واليا من قبله، و أبقى عليهم ما كان‏

671

في أيديهم من بلدها. ثم سار السّلطان من «عزاز»، إلى «تلّ باشر»، و صعد إلى القلعة، و ولّى فيها واليا من جهته، و انتزعها من أيدي نواب أتابكه. و بلغه أخذ الخزانة، من «تلّ باشر»، فسيّر من اعترض أصحاب «أتابك» في الطّريق، فأخذ الخزانة منهم، و كان يظنّ أنّ بها مالا طائلا، فلم يجد الأمر كما ذكر، فأعادها على أتابك، فامتنع من أخذها، و قال:

«أنا ما ادّخرت المال إلّا لك» ثم دخل السّلطان إلى حلب، و كان ذلك كلّه، في شهر رمضان، من سنة تسع و عشرين و ستمائة.

ثم إن السّلطان «الملك العزيز»، خرج في خرجاته، لرمي البندق إلى «حارم»، و توجّه منها إلى «دركوش» ثم إلى «أفامية»، في سنة ثلاثين و ستمائة، فلم يحتفل به صاحب «شيزر» «شهاب الدّين يوسف بن مسعود بن سابق الدّين»، و أنفذ إليه إقامة يسيرة- و هي شي‏ء من الشّعير على حمير، سخّرها من بلد شيزر- فشقّ عليه ذلك. فلما دخل حلب استدعى «سيف الدّين عليّ بن قلج الظّاهري»، و سيّره إلى الملك الكامل، ليستأذنه في حصار «شيزر»، و أخذها، و كانت مضافة إلى حلب، و إنّما خاف أن يلقي صاحبها نفسه على «الملك الكامل»، فيشفع إليه في أمره، فلا يتمّ له ما يريد، فصعد «سيف الدّين» إلى دمشق، و قرّر مع الملك الكامل، الأمر على ما يختاره «الملك العزيز»؛ و سيّر إلى السّلطان الملك العزيز، و أعلمه بذلك، فأخرج العسكر، «و الزّردخاناه»، و نزل العسكر على «شيزر»، و احتاط الديوان، على ما في رستاق «شيزر» من المغلّات.

672

و وصل «سيف الدّين بن قلج» من دمشق، و خرج السّلطان بنفسه، فنصب عليها المناجيق، من جهة الجبل، و ترك المنجنيق المغربي، قبالة بابها، و سيّر إلى صاحبها، و قال له: «و اللّه لئن قتل واحد من أصحابي، لأشنقنّك بدله». فتقدّم إلى الجرخيّة بالقلعة، أن لا يرمي أحد بسهم، و تبلّد، و أسقط في يده.

و أرسل «الملك الكامل» إلى السلطان نجابين، و معهما خمسة آلاف دينار مصريّة، ليستخدم بها رجالة، يستعين بهم على حصار «شيزر».

و قدم إليه إلى شيزر «الملك المظفر محمود»- صاحب حماة- و أرسل إليه صاحب شيزر، يبذل له تسليمها، على أن يبقي عليه أمواله، التي بها، و يحلف له على أملاكه، بحلب، فأجابه إلى ذلك، و نزل من شيزر إلى خدمة السّلطان، و سلّمها إليه، و وفى له السلطان بما اشترطه، و صعد السّلطان إلى القلعة، و أقام أياما بشيزر، ثم دخل إلى مدينة حلب.

و مرض أتابك «شهاب الدّين طغرل بن عبد اللّه» في أواخر هذه السنة، و دام مرضه، إلى أن مات، ليلة الاثنين الحادية عشرة، من محرّم سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة.

و حضر السّلطان الملك العزيز محمد بن الملك الظّاهر، جنازته، صبيحة الليلة المذكورة. و مشى خلف جنازته، من داره إلى أن صلّى عليه خارج «باب الأربعين»، و دفن بتربته، التي أنشأها «بتلّ قيقان»، و وقفها مدرسة على أصحاب الإمام أبي حنيفة- رضي اللّه عنه- و بكى السّلطان عليه‏

673

بكاء عظيما، و حضر عزاءه، يومين بعد موته، بالمدرسة التي أنشأها «أتابك»، و جعل فيها تربة للسّلطان الملك الظّاهر- رحمهم اللّه-

و في هذه السّنة:

و هي سنة إحدى و ثلاثين نزل الملك الكامل، من مصر، و اتّفق مع أخيه الملك الأشرف، على قصد بلاد السلطان «كيقباذ بن كيخسرو»، للوحشة التي تجدّدت بينهم، بسبب إستيلاء كيقباذ على بلاد «أخلاط»، و انتزاعها من أيدي نواب «الملك الأشرف»، و سارا من دمشق، و خرج معهما الملك المجاهد، صاحب حمص، و الملك المظفّر، صاحب حماة، و وصل معهم الملك الناصر، صاحب الكرك، و وصلوا إلى «منبج» باذن السلطان «الملك العزيز».

و سيّر الملك العزيز، إليه إلى «منبج»، الإقامة العظيمة، و الزردخاناه، و عسكره، و مقدّمه عمّه «الملك المعظّم»، و ساروا من ناحية «تل باشر»، فنزل إليه «الملك الزّاهر داود بن الملك النّاصر».

و قدم إليه صاحب «سميساط» «الملك المفضل موسى»، و صاحب «عين تاب» «الملك الصالح بن الملك الظّاهر»، و الملك المظفّر شهاب الدّين بن الملك العادل، و الملك الحافظ أخوه، و غيرهم، من الملوك، حتى اجتمع في عسكره ستة عشر أميرا.

و سيّر ملك الروم إلى «الملك العزيز»، و قال له: «أنا راض منك بأن‏

674

تمدّه بالأجناد و الأموال، على أن لا تنزل إليه أبدا». و أعفاه الملك الكامل، من مثل ذلك، و رضي كلّ واحد من الملكين بفعله.

و سار الملك الكامل في جيوشه، في أوائل سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة، إلى أن نزل على «نهر الأزرق»، في طرف بلاد الروم، و جاء عسكر الروم حتّى نزل قبليّ زّلى- بينها و بين الدّربند- و السّلطان معهم، و صعد الرجالة إلى فم «الدّربند»، بالقرب من نور كغال، و بنوا عليه سورا، و قاتلوا منه، و منعوا من يطلع إليه، و قلّت الأقوات على العسكر الشّامي.

فرجع «الملك الكامل»، و خرج إلى طرف بلد «بهسنى»، و نزل على بحيرة أنزنيت، و وصل إليه صاحب خرتبرت، و دخل في طاعته، و أشار عليه بالدّخول من جهته، فسار إلى ناحية «خرتبرت».

و وقعت طائفة من عسكر الروم، على طائفة من عسكر الملك الكامل، و فيهم الملك المظفّر- صاحب حماة- و شمس الدين صواب، فكسر العسكر الكامليّ، و اعتصم من نجا منهم «بخرتبرت»، فحاصرهم ملك الرّوم إلى أن نزلوا بالأمان، و أطلقهم، و استولى «كيقباذ» على «خرتبرت»، و عفا عن صاحبها، و عوّضه عنها بأقطاع في بلاده.

و مرض «الملك الزّاهر» في العسكر، فحمل مريضا إلى «البيرة»، و قوي مرضه، و طمع بعض أولاده بملكها، و شرع في تحصينها و تقويتها، و بلغ «الملك الزّاهر» ذلك، فسيّر إلى السّلطان «الملك العزيز»، و استدعاه إليه، و أصعده إلى القلعة، و أوصى إليه بالقلاع التي في يده، و الخزائن‏

675

و عيّن لأولاده شيئا من ماله، و توفّى «بالبيرة»، و السّلطان بها عنده، في أوائل صفر، من سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة.

و أقام السّلطان بها يرتّب أحوالها، و أقام فيها واليا من قبله، فاتّفق وفاة القاضي بهاء الدّين بحلب، في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر، من سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة.

و طلب «الكمال ابن العجمي» قضاء حلب، و كاتب السلطان في ذلك، فلم يجبه إلى ذلك. و سار السلطان من «البيرة» إلى «حارم»، فخرج ابن العجمي إليه، إلى «حارم»، فمنعه الدّخول اليه، و بذل له في قضاء حلب ستّين ألف درهم، و أن يحمل في كل سنة، للسّلطان، من فواضل أوقاف الصدقة، و من كتابة الشروط، خمسين ألف درهم، فلم يصغ السّلطان إلى شي‏ء من ذلك، و كتب إلى القاضي زين الدّين، كتابا يأمره بأن يحكم بين النّاس، على جاري عادته، إلى أن يدخل الى المدينة، فلما دخل السلطان اجتهد «ابن العجمي» في قبول ما بذله، و بذل شيئا كثيرا غير ذلك، لخواصّ السّلطان، و حسنوا للسّلطان قبول ما بذله، و إجابته الى ما سأله، فجرى على مذهب أبيه و جدّه في الاحسان، و لم يبع منصب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلّم)- بالأثمان و نظر في مصلحة الرعيّة، و أرضى اللّه و نبيّه، و قلّد القضاء بمدينة حلب و أعمالها، في يوم الجمعة، الرابع عشر، من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة، القاضي زين الدّين أبا محمد عبد اللّه بن عبد الرحمن، بن علوان- المعروف بابن الأستاذ- و كان نائب القاضي بهاء الدّين في الحكم.

676

و أما الملك الكامل، فانه عاد في تلك الجيوش العظيمة، و لم يحظ بطائل، و دخل فصل الشتاء، و حال بين الفريقين، و عاد كلّ إلى بلاده، و لما خرج فصل الشتاء، خرج «علاء الدين كيقباذ» الى الجزيرة، و الرّها، و الرقة، و سبى عسكره أهل البلاد كما يسبى الكفّار، و ذلك في ذي الحجة، من سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة، و سار «الملك الكامل» نحوها، فاندفع ملك الرّوم، فعاد «الملك الكامل»، و استولى على البلاد، و خرّب قلعة الرّها و بلدها، و سيّر إليه السلطان العسكر الى الشّرق، و الزّردخاناه، و ذلك في الجماديين، سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة.

[وفاة العزيز بن غازي‏]

و دام «الملك العزيز»، في ملكه بحلب، و سمت همّته إلى معالي الأمور، و مال إلى رعيته، و أحسن إليهم الى أن دخلت سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، فغضب على وزيره «زين الدّين بن حرب»، و ألزمه داره بقلعة حلب، و ولّى الديوان مكانه، الوزير «جمال الدّين الأكرم أبا الحسن عليّ بن يوسف القفطيّ الشيباني».

[ولاية الناصر بن العزيز]

و خرج في أواخر شهر صفر إلى «النقرة»، ثم توجّه منها الى «حارم»، و حضر في الملقة (1)، لرمي البندق، و احتاج الى أن اغتسل بماء بارد، فحمّ، و دخل إلى حلب، فالتقاه النّاس، و هو موعوك، و دامت به الحمّى، الى أن قوي مرضه، و استحلف الناس لولده الملك «النّاصر صلاح الدّين يوسف بن الملك العزيز». و سيّرني إلى أخيه «الملك الصالح» إلى عين‏

____________

(1)- كذا بالأصل، و لعله أراد «الملقى» أو أنها تصحيف «الحلقة».

677

تاب، يستحلفه له، و لابنه «الملك الناصر»، و عدت، و قد مات، في شهر ربيع الأوّل، من سنة أربع و ثلاثين و ستمائة.

و تولّى تدبير دولته الأميران: شمس الدين لؤلؤ الأميني، و عزّ الدين عمر بن محلّى و وزير الدولة القاضي «جمال الدين الأكرم» و «جمال الدّولة اقبال الخاتوني»، يحضر بينهم في المشورة.

و اذا اتّفق رأيهم على شي‏ء، دخل جمال الدّولة إقبال الخاتوني، إلى جدّة السّلطان «الملك النّاصر»، والدة «الملك العزيز»، و عرّفها ما اتّفق رأي الجماعة عليه، فتأذن لهم في فعله، و العلامات على التواقيع، و المكاتبات إلى الستر العالي الخاتوني، والدة الملك العزيز. فاتّفق رأيهم، على أن سيّروا القاضي زين الدّين- قاضي حلب- و الأمير بدر الدّين بدر بن أبي الهيجاء، إلى مصر، رسولين إلى «الملك الكامل»، ليحلّفاه «للملك النّاصر»، و يتوثّقا من جهته، و استصحبا معهما كزاغند السّلطان الملك العزيز، و زرديته، و خوذته، و مركوبه.

فلما وصلا إليه، أظهر الألم و الحزن لموته، و قصّر في إكرامهما و عطائهما، و حلف للملك الناصر، على الوجه الذي اقترح عليه، و خاطب الرسولين بما يشيران به، عنه، من تقدمة «الملك الصالح بن الملك الظّاهر»، على العسكر، و أن تكون تربية «الملك الناصر» إليه، فلم ير الجماعة ذلك.

و اتّفق بعد ذلك بمدّة، أن سيّر الملك الكامل خلعة للملك الناصر،

678

بغير مركوب، و سيّر عدّة خلع لأمراء الدّولة، و سيّر مع رسول مفرد خلعة «للملك الصالح»، على أن يجي‏ء اليه إلى «عين تاب»، فاستشعر أرباب الدّولة التّدبير من ذلك، و حصل عند جدّة السّلطان وحشة من ذلك.

و اتفق رأيهم، على أن لبس السّلطان خلعته، و لم يخلع على أحد من الأمراء شي‏ء، مما سيّره لهم، و ردّوا الرسول الوارد إلى الملك الصالح بخلعته، و لم يمكنوه من الوصول إليه، و استوحشوا من جهة «الملك الكامل».

و كان «الملك الأشرف»، قد تتابعت من أخيه، «الملك الكامل» أفعال أوجبت ضيق صدره، و كان يغضّ على نفسه، و يحتملها، فمنها أنه أخذ بلاده الشرقيّة، حين أعطاه دمشق، و أخذ من مضافات دمشق، مواضع متعدّدة.

و اتفق أن «كيقباذ» ملك الرّوم، أخذ «خلاط»، فضاق ما في يد «الملك الأشرف» جدّا، و كان ينزل إليه في كلّ سنة إلى دمشق، في عبوره إلى الشّرق، فيقيم بدمشق مدّة، فيحتاج «الملك الأشرف»، في ضيافته إلى جملة.

و قبض على أملاكه التي كانت له بحرّان، و الرقّة، و سروج، و الرّها، و رأس عين، و على جميع تمليكاته التي ملكها بتلك الناحية، و فتح آمد، و هو في صحبته، فلم يطلق له من بلادها شيئا، و خذله في انتزاع «خلاط» من يد «الرّوميّ»، فاتفق هو، و الملك المجاهد- صاحب حمص- و الملك المظفّر- صاحب حماة- و عزموا على الخروج عليه، و عيّن لكلّ واحد منهم‏

679

شي‏ء من بلاده، و أرسل إلى الملكة «الخاتون» و الأمراء بحلب، و طلبوا موافقتهم على ذلك، و خوّفوهم من جهته، و ذكروا ما تمتدّ أطماعه إليه فوافقوهم.

و تحالفوا عليه، و سيّروا رسلا من جهتهم إلى ملك الروم «كيقباذ»؛ يطلبون منه مثل ذلك. فوصلوا إليه و مات «كيقباذ»، قبل اجتماعهم به فذكروا رسالتهم لابنه «كيخسرو»، فحلف لهم على ذلك.

و اتفقوا كلّهم على أن يرسلوا رسلا من جهتهم، إلى «الملك الكامل»، الى مصر، و معهم رسول من حلب، و قالوا له: «إنّنا قد اتفقنا كلنا، و نطلب منك أنّك لا تعود تخرج من مصر، و لا تنزل إلى الشام»، فقال لهم: «مبارك، أنتم قد اتفقتم، فما تطلبون من يمين، احلفوا أنتم أيضا لي: أن لا تقصدوا بلادي، و لا تتعرّضوا لشي‏ء مما في يدي و أنا أوافقكم على ما تطلبون». و نزل رسوله، و مرض «الملك الأشرف»، و اشتغل بمرضه، و طال الى أن مات- على ما نذكره-.

و مما تجدّد في حلب، في سنة أربع و ثلاثين و ستمائة: أنّ «شهاب الدّين» «صاحب شيزر»، و «كمال الدين عمر بن العجمي»، اتفقا، على أن سيّرا من جهتهما رجلا، يقال له «العزّ بن الأطغاني» إلى دمشق إلى «الملك الأشرف»، و حدّثاه في أن يقصد حلب، و أنهما يساعدانه بأموالهما، و أوهمه صاحب «شيزر» أنّ معظم الأمراء بحلب، يوافقونه على ذلك، و أوهمه ابن العجمي أنّ أقاربه، و جماعة كبيرة من الحلبيّين، يتابعونه، و يشايعونه،

680

و يوافقونه، على ذلك، و اشترط على «الملك الأشرف»، أن يولّيه قضاء حلب.

فمضى رسولهما إلى «الملك الأشرف»، و اجتمع ببعض خواصّه، و ذكر له الأمر الذي جاء فيه، فلم يحضره اليه، و أجابهما بأنّه: «لا تتصوّر أن يبدو مني غدر، و لا قبيح في حقّ أحد من ذريّة الملك الظاهر»، و أخبرني «فلك الدّين بن المسيري» أنّه هو الّذي كان المتكلّم بين «الملك الأشرف»، و بين رسولهما.

و نمي هذا الخبر إلى الملكة، و الأمراء، فسيّروا من يوقف الرسول و اتّفق وصوله إلى حلب فقبض في «باب العراق»، و أصعد إلى القلعة، و سئل عن ذلك، فأخبرهم بالحديث على فصّه، فحبس الرّسول، و حلقت لحيته، و سيّر الى «دربساك»، و حبس بها، و أصعد «ابن العجمي»، و صاحب شيزر، و اعتقلا بالقلعة، و أخذت أموال صاحب شيزر جميعها، و لم يتعرّض لأموال ابن العجمي، تطييبا لقلوب أهله. و داما في الاعتقال، من جمادى، من سنة أربع و ثلاثين الى أن مات الملك الكامل، في سنة خمس و ثلاثين و ستمائة، و أطلقا.

و ما حدث أيضا، في سنة أربع و ثلاثين، أنّ أميرا من التركمان، يقال له «قنغر» جمع إليه جمعا من التركمان، بعد موت «الملك العزيز»، و عاث في أطراف بلاد حلب، من ناحية «قورس»، و غيرها، و نهب ضياعا متعدّدة، و كان يغاز (1)، و يدخل الى بلد الروم، فخرج اليه عسكر من حلب، فكسر

____________

(1)- كذا بالأصل و لعله أراد «يغزو» أو «يغير».

681

ذلك العسكر، و نهبه.

و تخوف أمراء حلب، أن يكون ذلك بأمر «ملك الرّوم»، فسيّروا رسولا إلى ملك الروم، في معناه، فأنكر ذلك، و أمر بردّ ما أخذه، من بلد حلب، فردّ بعضه، و انكف عن العيث و الفساد.

و بذل «ملك الروم» من نفسه الموافقة، و النصرة «للملك النّاصر»، و كفّ من يقصد بلاده بأذى، فسيّر له تقدمة سنيّة، من حلب، على يد «شرف الدين بن أمير جاندار»، فأكرم الرّسول إكراما كثيرا، و سيّر اليه رسول في الباطن، و هو أوحد الدّين- قاضي خلاط- فاستحلفه على الموالاة «للملك الناصر»، و الذبّ عن بلاده، و دفع من يقصدها.

و اتفق أيضا، في هذه السنة، تحرّك الداويّة، من «بغراس»، و أغاروا في بلد «العمق»، و استاقوا أغناما للتركمان، و مواشي لغيرهم كثيرة.

فخرج «الملك المعظم بن الملك الناصر» يقدم عسكر حلب، و نزلوا على «بغراس» و حصروها مدّة، حتى ثغروا مواضع من سورها، و نفد ما فيها من الذخائر، و أشرفت على الأخذ، فسيّر البرنس- صاحب أنطاكية- و شفع فيهم، بعد أن كان مغاضبا لهم، فرأوا المصلحة، في إجابته إلى ذلك، و عقدوا الهدنة مع الداويّة، على «بغراس»، و رحلوا عنها، و لو أقاموا عليها يومين آخرين، لما استطاع من فيها الصبر على المدافعة.

و سار العسكر عن «بغراس»، بعد أن أخربوها، و بلدها، خرابا شنيعا، و نزل العسكر الاسلامي بالقرب من «دربساك»، فجمع «الداويّة»

682

جموعهم، و استنجدوا بصاحب «جبيل» و غيره، من الفرنج، و جمعوا راجلا كثيرا، و ساروا من جهة حجر «شغلان» إلى «دربساك»، ظنا منهم أن يكبسوا الربض، على غرّة من أهله، و أن ينالوا منه غرضا، فاستعدّ لهم من بالربض من الأجناد، و نزل جماعة من أجناد القلعة، و قاتلوهم في الربض، قتالا شديدا، و حموه منهم، و اشتغلوا بقتالهم، إلى أن وصل الخبر إلى عسكر حلب، فركبوا، و وصلوا إليهم، و قد تعب الفرنج، و كلّت خيولهم، فوقعوا عليهم، فانهزم الفرنج هزيمة شنيعة، و قتل منهم خلق عظيم، و استولى المسلمون على فارسهم و راجلهم، و كان فيهم جماعة من المقدّمين و اختبأ منهم جماعة من الخيّالة، و غيرهم، خلف الأشجار في الجبل، فأخذوا، و لم ينج منهم إلّا القليل، و دخلوا بالرؤوس و الأسرى إلى حلب، و كان يوما مشهودا و حبسوا في القلعة، ثم أنزلوا الى الخندق.

و استولى المسلمون على فارسهم و راجلهم، و كان فيهم جماعة من المقدّمين و اختبأ منهم جماعة من الخيّالة، و غيرهم، خلف الأشجار في الجبل، فأخذوا، و كان يوما مشهودا و حبسوا في القلعة، ثم أنزلوا إلى الخندق.

و فتّت هذه الوقعة في أعضاد «الداويّة»، بالساحل، و لم ينتعشوا بعدها، و كانوا قد استطالوا على المسلمين و الفرنج.

و مات في هذه السّنة «علاء الدين كيقباذ»- ملك الروم- «بقيصرية»، في أوائل شوّال، من سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، و سيّرت رسولا إلى ابنه «غياث الدين كيخسرو»، القائم في الملك بعده، بالتّعزية، و تجديد الأيمان عليه، على القاعدة التي كانت مع أبيه، فحلّفته على ذلك، في ذي القعدة.

683

و كان قد قبض على «قيرخان»- مقدّم الخوارزمية- فهرب من بقي منهم، من بلاد الروم، و نهبوا في طريقهم ما قدروا عليه، و عبروا الفرات، و استمالهم الملك الصالح بن الملك الكامل، و أقطعهم مواضع في الجزيرة.

و توفّي «الملك الأشرف» بدمشق، لأربع خلون من المحرم من سنة خمس و ثلاثين و ستمائة. و أوصى بها لأخيه «الملك الصالح اسماعيل»، و جدّد الأيمان مع الجماعة، الذين كانوا وافقوا أخاه «الملك الأشرف».

فخرج «الملك الكامل» من مصر، و قصد دمشق، و سيّر من حلب نجدة إلى دمشق و كذلك سيّر «الملك المجاهد» ولده «المنصور» إليها، و نزل «الملك الكامل» على دمشق، و حصرها مدّة، فرجع «الملك المظفّر»- صاحب حماة- عن موافقة الجماعة و داخل الملك الكامل، و أطلعه على جميع الأحوال، و وقع بينه و بين صاحب حمص اختلاف، و طلب من صاحب حمص «سلمية»، لتجري الموافقة على ما كان عليه.

فسيّرت من حلب، و معي الأمير «علاء الدّين طيبغا الظّاهري»، ليوفّق بين صاحب حمص و صاحب حماة، فأبى كلّ واحد منهما، أن يجيب صاحبه إلى ما يريد. و كان مطلوب صاحب حماة أن يعطيه صاحب حمص «سلمية» و القلعة الّتي جدّدها «الملك المجاهد» المعروفة «بشميميس» (1). فقال «الملك المجاهد»: «هذه ثمينة لي، و قد حلف لي على كلّ ما بيدي»، و أبى أن يجيبه إلى ذلك.

____________

(1)- ما تزال تحمل الاسم نفسه قرب سلمية، يراها على يمينه الخارج من سلمية إلى حماة.

684

فعدنا إلى «حماة»، و ذكرنا لصاحبها مقالة «الملك المجاهد»، و أنّ في ما يحاوله نقضا للعهد، فقال: «هو قد نقض عهدي، و أنفذ و استفسد جماعة من عسكري»، و عدّد له ذنوبا لا أصل لها، و قال: «لا بدّ من قصده، و إذا نزل الملك الكامل على حمص، نزلت معه عليها و فعلت ما يصل إليه جهدي.

و لكن حلب، أبذل نفسي و مالي دون الوصول إلى قرية منها، و لا أرجع عن اليمين الّتي حلفت بها للسّتر العالي، و الملك الناصر».

فقلت: «فالمولى يعلم ما جرى بيننا و بين صاحب حمص، من الأيمان، و ما نقض منها عهدا، و إذا قصده قاصد إلى حمص يتعيّن إنجاده و نصرته، و إذا وصل عسكر من حلب لنجدته، فكيف يفعل المولى»؟ فتلجلج، و قال:

«أنا أقاتله، و من قاتلني قاتلته».

فكتبنا بذلك إلى حلب، فجاء الأمر بالتوجّه إلى حلب، فسرنا في الحال من غير توديع، حتى وصلنا العبادي ليلة الاثنين، مستهلّ جمادى الأولى، من سنة خمس و ثلاثين و ستّمائة، فلحقنا «المهماندار» (1) بالخلع و التّسفير، فلم نقبل منه شيئا، و وصلنا إلى حلب يوم الثلاثاء، فتحقّق أنّه قد داخل «الملك الكامل»، و أنه يطالعه بالمتجدّدات جميعها.

و أما دمشق، فإنّ «الملك الكامل»، لازم حصارها، حتى صالحه «الملك الصّالح»، على أن أبقى له بعلبك، و بصرى، و أخذ منه دمشق، في تاسع‏

____________

(1)- أي مايماثل مدير المراسم.

685

عشر جمادى الأولى، من السّنة، و لم يتعرّض لنجدة حلب، و حمص، بسوء.

و خرجوا من دمشق إلى مستقرّهم.

و وصل «النّاصح»، و عسكر حلب، إلى حلب، و استدعى «الملك المعظّم»، و أقارب السلطان و الأمراء، و حلفوا للسّلطان «الملك الناصر» و «للخاتون الملكة»، على طبقاتهم. ثمّ حلف بعد ذلك أكابر البلد، و رؤساؤها. ثم حلف الأجناد و العامة، و استعدّ الناس للحصار بالذّخائر، و الأقوات، و الحطب، و ما يجري مجراه، و نقلت أحجار المناجيق إلى أبواب البلد، و استخدم جماعة من الخوارزميّة، و غيرهم.

و وصل «قنغر التركماني» فاستخدم بحلب، و قدّم على التركمان. و قفز جماعة من العسكر الكاملي إلى حلب، فاستخدموا، و تتابعت الرسل إلى «ملك الرّوم»، لطلب نجدة، تصل إلى حلب، من جهته، فسيّر نجدة من أجود عساكره، و عرض عليهم أن يسيّر غيرها، فاكتفوا بمن سيّره.

و سيّر ملك الروم رسولا إلى «الملك الكامل»، يخاطبه في الامتناع عن قصد حلب، فأمر بالتبريز من دمشق، لقصد حلب، و أخرج الخيم و الأعلام، فمرض، و مات بدمشق، في قلعتها، في حادي و عشرين، شهر رجب، من سنة خمس و ثلاثين و ستمائة، و وصل خبر موته، فعمل له العزاء بحلب، و حضره السّلطان «الملك النّاصر»، يومين، و أمر العسكر، في الحال، بالخروج إلى معرّة النعمان، فخرج، و نازل معرّة النّعمان، مع «الملك المعظّم»، و وصل رسول «الملك المظفّر»- صاحب حماة- يتلطّف الحال، فلم‏

686

يلتفت إليه، و لم يستحضر. و سيّرت المجانيق، و نصبت على قلعة المعرّة.

و وصل في أثناء ذلك، رسول من السّلطان «غياث الدّين كيخسرو»، يطلب الوصلة إلى «الخاتون الملكة»، بأن تزوّجه بنت السلطان «الملك العزيز»، أخت السّلطان «الملك الناصر»، و أن يزوّج السّلطان الملك الناصر، أخت السلطان «غياث الدين»، و استقرّ الأمر على ذلك، و اجتمع النّاس في دار السّلطان، بالقلعة، و عقد عقد السّلطان «غياث الدّين» على الستّ «غازية خاتون». و تولّيت عقد النكاح، على مذهب الإمام أبي حنيفة- رضي اللّه عنه- لصغر الزّوجة، على خمسين ألف دينار، و قبل النّكاح، عن السّلطان «غياث الدّين» الرسول الواصل من جهته، «عزّ الدّين»- قاضي دوقات‏ (1)- حينئذ- و نثر الذّهب، عند الفراغ من العقد.

و وصل، عند ذلك، الخبر بفتح «معرّة النّعمان»، في تلك السّاعة، على جناح طائر- و ضربت البشائر للأمرين، و ذلك في تاسع شعبان‏ (2) من سنة خمس و ثلاثين و ستّمائة.

و سار العسكر فنازل «حماة»، و ابتنى صاحبها سورا من اللّبن، على حاضرها، من جهة القبلة، و نهب عسكر حلب بلد «حماة» و رستاقها.

و وصل رسول من الملك «الصالح بن الملك الكامل»، يشفع في صاحب حماة، فلم يجب إلى سؤاله فيه، و اعتذر إليه بما بدا منه، و طلب‏

____________

(1)- هي توقات عند ياقوت، بلدة بين قونية و سيواس.

(2)- قراءة ترجيحية، بسبب طمس مطلع السطر.