مباحث الأصول / تقريرات - ج2

- السيد كاظم الحسيني الحائري المزيد...
731 /
211

الفعلي [1].

أقول: إنّ تفطّنه- (قدّس سرّه)- لوجود الفرق بين المجالين و اشتراطه الظنّ الفعلي في المجال الأوّل، و عدم مضرية الظنّ بالخلاف في المجال الثاني في محلّه جدا، لكن تفسير ذلك على أساس الفرق في مرتبة الكشف المعتمد عليها، و الاقتصار على أدنى المراتب في الثاني، و الاعتماد على المرتبة العالية في الأوّل غير صحيح. و الصحيح أنّ مرتبة الكشف تقريبا واحدة و إنّما أساس هذا الفرق- كما عرفت فيما مضى- هو الفرق في كون الكشف المعتمد عليه مضافا إلى المخاطب أو إلى المتكلّم. ففي مجال الأغراض الشخصيّة للمخاطب يكون الأساس هو الكشف بالنسبة للمخاطب، أمّا في مجال الأغراض المولوية فالمولى يجعل الحجّية بلحاظ الكشف لديه، و لا يعتني بظنّ المخاطب صدفة بالخلاف أو عدم ظنّه بالوفاق، و هذا الظنّ بالخلاف لا يقلّل الكشف عند المولى.

نعم يمكن أن يفترض في بعض الموارد ما يقلّل الكشف عند المولى كما لو فرضنا أنّ القياس [2] تغلّب مطابقته للواقع. فإذا نظر المولى إجمالا إلى قائمة

____________

[1] الموجود في أجود التقريرات ج 2 ص 94 و 95 هو التفصيل بين مقام الاحتجاج بين المولى و العبد و مقام كشف المرادات الواقعية كما لو أراد تاجر تعيين الأسعار عن طريق مطالعة كتاب تاجر إلى تاجر آخر أخبره فيه بالأسعار، ففي الأول يكون الظهور حجّة حتى و لو ظنّ بالخلاف لصحّة احتجاج المولى على العبد و بالعكس بذلك، و في الثاني يكون الأخذ بالظهور مقيدا- على حدّ التعبير الّذي جاء في أجود التقريرات- بأعلى مراتب الظنّ و هي مرتبة الاطمئنان. و كأنّ هذا التعبير هو الّذي أوحى إلى ذهن أستاذنا- (رحمه اللّه)- بأنّ نكتة الفرق بين المجالين في نظر المحقّق النائيني- (رحمه اللّه)- تعود إلى مدى درجة الكشف المطلوبة هنا و هناك، فأورد عليه بما أورد.

[2] بالنسبة لخصوص القياس أودّ أن أنبّه إلى أنّ هذا المثال غير واقعيّ و إنّما هو مثال افتراضي. فإنّ علمنا بطبيعة الشريعة القائمة على أساس تفريق المتشابهات و جمع المتفرقات، و على أساس ملاكات غير منضبطة بظواهر الأمور يكشف لنا عن عدم قيمة نوعيّة حقيقيّة للقياس.

212

ظواهر كلامه التي يخالفها القياس رأى أنّه ليس الغالب فيها مطابقتها للمراد، و عندئذ تختلّ السيرة العقلائية على حجّية الظهور في هذا المورد، فالقياس- على أقل التقديرين- يمنع عن حجّية الظهور و لو كان في نفسه غير حجّة.

و لحلّ هذه المشكلة و إثبات حجّية الظهور في مثل هذا المورد توجد لدينا عدّة وجوه.

الأول- التمسّك بأخبار الردع عن القياس بناء على أنّ ظاهر لسان بعضها هو فرض وجود القياس كعدمه بتاتا كما ليس ببعيد.

الثاني- التمسّك بسيرة المتشرعة. فإنّ موارد تصادم الظهور للقياس كثيرة مع أنّ القياس أمر طال التشاجر في شأنه بين فقهاء العامّة و الشيعة، و خاص الأئمة (عليهم السلام) هذه المعركة. فمن الواضح أنّ الظهور المخالف للقياس لو كان مستثنى عن الدخول في سيرة المتشرعة القائمة على مبدأ حجّية الظهور و بني على مسقطية القياس لحجّية الظهور رغم عدم حجّيته، لكان هذا شيئا مهمّا يجلب الانتباه و يوجب الاهتمام به و انتشار ذكره في كتب الأصحاب، و لشاع و ذاع و وصلنا قطعا.

أمّا إذا فرض شي‏ء آخر غير القياس موجبا لانكسار الكشف عند المولى بحيث لم يتمّ فيه شي‏ء من الوجهين فالعلاج ينحصر بالوجه الثالث.

الثالث- هو التمسّك بالأخبار الواردة في مقام الإرجاع إلى الكتاب و السنة و الأخذ بأخبار العترة الطاهرة. فإنّ معنى الأخذ بها هو الأخذ بظاهرها، و لو لم ندّع الاطمئنان بأنّ هذه الأخبار وردت أساسا في مقام بيان الردع عن أيّ جهة أخرى تعارض ظاهر كلام المعصوم فلا أقل من أنّ مقتضى إطلاقها هو لزوم الأخذ بظواهر الأخبار و لو كانت على خلاف القياس، و هذا الإطلاق بنفسه ليس مخالفا للقياس حتى ينقل الكلام إليه. و القياس الّذي يخالف ما أردنا إثبات حجّيته من الظهور لا يخالف‏

213

هذه الأخبار، فإنّ ذاك القياس إنّما يمنع عن مطابقة الحكم الواقعي لهذا الظهور، و هذه الأخبار تثبت الحكم الظاهري و هو حجّية الظهور.

و إنّما لم نتمسّك ابتداء بهذه الأخبار لإثبات حجّية الظهور لأنّها بنفسها ظهورات فينقل الكلام إليها.

حالات التخصيص و التقييد:

التفصيل الخامس- أن يقال في باب العمومات و الإطلاقات بأنّه ما لم يحرز تخصيصها أو تقييدها فهي حجّة، فإذا خصصت بمخصّص سقطت عن الحجّية في الباقي، أو- على الأقل- إذا خصصت بعدّة مخصّصات سقطت عن الحجّية، أو أنّها إذا خصّصت بمخصّص مجمل مفهوما مردّد بين الأقل و الأكثر سقطت عن الحجّية في الأكثر.

و ما يقال عن ذلك من أنّ العموم بنفسه حجّة كما هو مسلّم عند هذا المفصّل فيجب أن لا نرفع اليد عنه إلّا بحجّة أخرى على خلافه، و المفروض عدم قيام الحجّة في مورد الشكّ على الخلاف. يجاب عليه بأنّ أصل حجّية العموم في هذه الحال أوّل الكلام.

و الوجه في ذلك دعوى اختلال الكشف عند المولى إذ بعد فرض خروج المولى عن المسلك العقلائي بالاعتماد على مخصّص منفصل فخروجه بالاعتماد على تخصيص زائد غير بعيد مطلقا، أو عند كثرة المخصّصات، أو في موارد الشبهة المفهوميّة المردّدة بين الأقل و الأكثر، فتختل هنا السيرة العقلائية. و لكن إن صحّ حقّا هذا التقريب و قلنا باختلال الكشف عند المولى بذلك كفتنا سيرة المتشرعة لإثبات الحجّيّة، و لو وسوس موسوس و شكّك مشكّك بأنّه بعد فرض اختلال السيرة العقلائية لا يفيدنا الرجوع إلى سيرة المتشرعة بشكل مطلق لأنّ القدر المتيقن منها مثلا هو التمسّك بالعامّ في احتمال التخصيص الزائد المستقل لا في الشبهة المفهومية المردّدة

214

بين الأقل و الأكثر. أقول: لو أنّ أحدا أورد أمثال هذه الشبهة رفعنا الشبهة بما مضى من التمسّك بالأخبار الآمرة بالرجوع إلى أخبارهم، و معنى ذلك هو الرجوع إلى ظواهرها، و إطلاقها يشمل فرض كون العام مخصّصا بمخصّص واحد أو بمخصّصات عديدة، أو بالمردّد مفهوما بين الأقل و الأكثر.

و هذا الإطلاق لم يقيّد بشي‏ء حتى ينقل الكلام إليه، فهذا الإطلاق مهرب لطيف عن أمثال هذه الشبهات. هذا بغضّ النّظر عمّا أشرنا إليه من إمكان دعوى أنّ هذه الأخبار إنّما وردت أساسا للردع عن أيّ احتمال آخر في مقابل ظواهر كلام المعصوم مهما كان منشؤه، و الحثّ على الأخذ بظواهر الأخبار في مقابل أيّ احتمال من الاحتمالات.

بقي هنا تقريب يكون في صالح جملة من التفصيلات الماضية و هو أن يقال: إنّ سيرة العقلاء على حجّية الظهور تختصّ بكلام مولى يتكلّم على طبق ما هو المتعارف، و لا تشمل كلمات الشارع الّذي قام دأبه و ديونه على الاعتماد على القرائن المنفصلة فلا بدّ من التمسّك في إثبات حجيّة الظهور بسيرة المتشرعة، و ليس لها إطلاق، و لها قدر متيقن نقتصر عليه. فيجعل هذا التقريب في صالح بعض التفصيلات السابقة الملاءمة معه. فمثلا يجعل في صالح التفصيل الثالث و يقال: إنّ تمسّك المتشرعة بالظهور مع احتمال قرينية المنفصل غير معلوم.

و الجواب بغض النّظر عمّا مضى من كفاية الأخبار الآمرة بالأخذ بالكتاب و السنة: إنّ العقلاء في أوّل الشريعة لم يكونوا عارفين بدأب الشارع و ديدنه الخاصّ فأخذوا يعاملون مع ظواهر كلامه معاملتهم لظواهر باقي العقلاء، و لم يردع الشارع عن ذلك فثبت إمضاء ذلك و رضا الشارع بأن ينظر إلى كلامه بنفس المنظار الّذي ينظر به إلى كلام باقي الموالي.

215

ظواهر القرآن الكريم:

التفصيل السادس: ما ينسب إلى الأخباريين من دعوى أنّ ظواهر القرآن بالخصوص غير حجّة، و لعدم الفرصة الآن لنا لمراجعة كلمات الأخباريين نعتمد هنا على ما نقل عنهم الأصوليّون.

و الّذي يظهر من نقل أصحابنا الأصوليين عنهم أنّ لهم في مقام سلخ الحجّية عن الآيات القرآنية مسلكين:

الأول- منع ثبوت ظهور للكتاب الكريم كي يكون حجّة أو غير حجّة.

و الثاني- دعوى ظهور خروج الكتاب الكريم عن قانون حجّية الظهور.

و الّذي يرتبط بما نحن فيه هو المسلك الثاني، فإنّ المسلك الأول ليس تفصيلا في حجّيّة الظهور كما هو واضح، و لذا نقدّم المسلك الثاني في البحث على المسلك الأول فنقول:

انّه ذكر في كلمات أصحابنا من قبل الأخباريين أو نقلا عنهم‏

الاستدلال على عدم حجّيّة ظهور الكتاب الكريم‏

بوجهين: أحدهما من نفس الكتاب، و الثاني من السنة:

إسقاط ظواهر القرآن بالقرآن‏

أمّا الوجه الأول: فهو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ. وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏. حيث يقال: إنّ النهي عن اتباع المتشابهات يشمل الظواهر أيضا. فالمحكم ما يكون نصّا في معنى واحد، و المتشابه ما يكون له عدّة معاني يشبه بعضها بعضا في كونه معنى لهذا الكلام سواء كانت تلك المعاني‏

216

متساوية، أو كان بعضها أرجح من بعض.

و التحقيق بعد فرض تسليم شمول كلمة المتشابه للظاهر عدم تماميّة الاستدلال بهذه الآية على مطلوب الأخباري. و لتوضيح ذلك نعرض أوّلا ما قاله أصحابنا- (رضوان اللّه عليهم)- في المقام ثم نستعرض ما هو الصحيح عندنا.

فقد جاء في كلمات أصحابنا- (رضوان اللّه عليهم)- في المقام: إنّه بعد فرض تسليم شمول كلمة المتشابه للظاهر لا يتمّ الاستدلال بالآية المباركة لإسقاط ظهور الكتاب عن الحجّيّة، لأنّ دلالة الآية المباركة على ذلك لو تمّت فإنّما هي بالظهور لا بالنصوصية و التصريح. و عليه فردع الآية الشريفة عن حجّية ظهور الكتاب يستلزم المحال، و هو ردعها عن حجّية نفسها. أمّا وجه الملازمة فواضح لأنّ الآية بنفسها- كما قلنا- ظهور و ليست نصّا و تصريحا بالمقصود. و أمّا وجه استحالة اللازم فلأنّها لو ردعت عن حجّية نفسها للزم من حجّيتها عدم حجّيتها، و ما يلزم من وجوده عدمه فهو مستحيل.

و يورد على هذا بأنّ المحال الّذي ذكر إنّما يكون لازما لشمول الآية الشريفة لنفسها و ردعها عن حجّية نفسها، و هذا دليل على عدم شمولها لنفسها، و عدم ردعها عن حجّية نفسها، و تبقى الآية شاملة لباقي ظواهر الكتاب، و تكون حجّة في الردع عن حجّية باقي ظواهر الكتاب غير ظهور نفس هذه الآية.

و يجاب على هذا الإيراد بدعوى القطع بعدم الفرق بين آية و آية في حجّية ظهورها و عدم الحجّية. فإمّا أنّ تمام ظواهر الآيات حجّة، أو أنّ شيئا منها ليست بحجّة. و هذه الآية لو ردعت عن حجّية ظهور آية فمن المقطوع به أنّها إنّما تردع عنها لأنّه ظهور قرآني، و لا فرق بينه و بين ظهور نفس هذه الآية فبالتالي تكون حجّيتها و ردعها عن ظواهر الكتاب مستلزمة لعدم‏

217

حجّيتها، و ما يلزم من وجوده عدمه فهو مستحيل [1].

إلى هنا تنتهي سلسلة البحث في كلمات أصحابنا على فرض شمول كلمة المتشابه للظاهر.

أقول: كأنّ الأصحاب- (قدس اللَّه أسرارهم)- فرضوا الآية الشريفة من سنخ كلام الأقريطشي الّذي قال تهجّما على منطق أرسطو: (إنّ جميع أخبار أهل أقريطش كذب)- و أقريطش بلد من بلاد يونان- فيعتبر هذا الكلام مستلزما لاجتماع النقيضين إذ يلزم من صدقه كذبه، و من كذبه على تقدير كذب باقي أخبار الأقريطشيين صدقه. فالأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- نسجوا الكلام على هذه الآية نسجا منطقيّا بينما لو أخذنا بمفهومها العرفي لا تصل النوبة إلى هذا السنخ من البحث، و يجب تبديل منهج البحث، و بما أنّهم نهجوا هذا المنهج فنحن أولا نقتفي أثرهم لنبيّن ما الّذي ينبغي أن يقال لو انتهجنا هذا المنهج، ثم نشرح بعد ذلك المنهج الصحيح للبحث.

أمّا ما نذكره بناء على انتهاج منهج الأصحاب في المقام فهو ما يلي:

قد وقع الخلاف بين أصحاب المنطق الأرسطي و المنطق الرمزي في الإيمان بالمعاني الكليّة من قبيل الإنسان و الحيوان و غير ذلك، و إنكارها.

فمنطق أرسطو يؤمن بالمعاني الكليّة إلى صفّ الأمور الجزئية، بينما المنطق الرمزي يقول: إنّ الألفاظ المفروض دلالتها على معان كلّية ليست إلّا

____________

[1] لا يخفى أنّ إنكار حجّية الآية بالنسبة لنفسها أو مطلقا لا يحلّ مشكلة استلزام وجود الشي‏ء لعدمه فإنّ نفس كون وجود الشي‏ء مستلزما لعدمه مستحيل، و استلزام الشي‏ء لنقيضه غير معقول، لا أنّ هذا معقول و ممكن غاية ما هناك أنّ ذاك الشي‏ء الّذي يلزم من وجوده عدمه يستحيل وجوده. و هذا يعني أنّ الأصحاب في المقام لم يستطيعوا الفرار من المحال بل التزموا بالمحال، و هو استلزام حجّية هذه الآية لعدم حجّيتها و إن أنكروا حجّية هذه الآية. و قد عرضت هذا الكلام على سيّدي الأستاذ الشهيد- (رضوان اللّه عليه)- فأمضاه.

218

رموزا للأفراد كنفس الأعلام الشخصيّة، فكلمة الإنسان مثلا لا تدلّ على معنى كليّ جامع بين أفراده و إنّما هي رمز لزيد و عمرو و بكر ... و بناء على هذا المبني لا يمكن للفظ أن يشمل نفسه لاستحالة اتحاد الدالّ و المدلول، أو الرمز و ذي الرمز، و على هذا لا مجال لتصوّر اجتماع المتناقضين في مثل كلام الأقريطشي لأنّ هذا الكلام لا يشمل نفسه. و كذلك الآية الشريفة لا تشمل نفسها، و لا تردع بالمباشرة إلّا عن ظواهر باقي الآيات، فإن قلنا بما ادّعى من العلم بتماثل تمام ظهورات الكتاب في الحجّية و عدمها لزم ردعها بالملازمة عن نفسها، و سيأتي- إن شاء الله تعالى- بيان استحالة ردعها عن نفسها، فيبطل القول بردعها عن باقي ظهورات الكتاب. أمّا إذا أنكرنا هذا العلم- و هو الصحيح- فهي حجّة في إثبات عدم حجّية باقي ظواهر الكتاب.

أمّا بناء على مبنى المنطق الأرسطي و هو الاعتراف بالمعاني الكلّيّة، و أنّها و إن كانت متّحدة خارجا مع الأفراد لكنّها متغايرة معها مفهوما و تصوّرا، و حاصلة بإجراء عملية التجريد بوجه من الوجوه على الأفراد و أخذ الجامع بينها. و هذا هو المبنى الصحيح فعليه لا مانع منطقيا من شمول اللفظ لنفسه، فقولنا مثلا: (الكلمة لفظ) يشمل لفظ الكلمة بلا لزوم اتحاد الدالّ و المدلول، فإنّ المدلول في الحقيقة هو المعنى الكلّي المتغاير مع الأفراد المنطبق على تمام الأفراد بوجه من الانطباق، و من تلك الأفراد المنطبق عليها ذاك المعنى الكلّي هو نفس لفظ الكلمة. و كذلك قولنا: (كلّ كلمة اسم و فعل و حرف) فلفظ (كلمة) ليس ابتداء مرآة إلى ذات الأفراد بل مرآة إلى معنى تجريدي منطبق على الأفراد بوجه من الوجوه.

و على هذا يستأنف البحث في مسألة شمول الآية الشريفة و كلام ذاك الأقريطشي لنفسها و عدمه. و الأصحاب أحالوا كلا الأمرين أعني حجّية الآية بلحاظ نفسها، و شمول كلام الأقريطشي لنفسه بنكتة واحدة، و هي‏

219

استلزام وجود الشي‏ء لعدمه فالآية لو شملت نفسها لزم من حجّيتها عدم حجّيتها، و كلام الأقريطشي لو شمل نفسه لزم من صدقه عدم صدقه. و لكن التحقيق أنّه لو تمّت دعوى الاستحالة في الموردين فهي بملاكين لا بملاك واحد ففي كلام الأقريطشي تكون الاستحالة بملاك استلزام وجود الشي‏ء لعدمه، و في الآية الشريفة ليس هذا هو ملاك الاستحالة فإنّها لو ردعت عن نفسها لم يلزم من حجّيتها الواقعية عدم حجّيتها الواقعية، و إنّما يلزم من حجّيتها التعبّد بعدم حجّيتها إذ لو دلّت أمارة شرعية على عدم حجّية شي‏ء ما كالشهرة مثلا لم يثبت بذلك عدم حجّية ذاك الشي‏ء واقعا، و إنّما يثبت بذلك عدم حجّيته ظاهرا. فالذي يلزم من حجّية هذه الآية هو التعبّد بعدم حجيّة نفسها لا عدمها واقعا، و هذا ليس محالا بنكتة استلزام وجود الشي‏ء لعدمه. نعم هو محال بملاك اللّغوية فإنّ جعل الحجّية لدلالة الآية الشريفة على عدم حجّية نفسها لغو، إذ لو لم يصل هذا الجعل لم يكن له أثر في إثبات عدم الحجّية، و لو وصل لم يمكن التعبّد بعدم الحجّية إذ التعبّد بعدم شي‏ء إنّما يكون في ظرف عدم وصول ذلك الشي‏ء و عدم العلم به، و عليه فلا أثر لهذا الجعل إطلاقا و ما ذكرناه من ثبوت الاستحالة في المقامين بملاكين إنّما هو من باب التسليم بما ذكروه في مسألة خبر الأقريطشي من لزوم استلزام وجود الشي‏ء لعدمه. و الواقع إنّ أساس المغالطة في مثل كلام الأقريطشي شي‏ء آخر، و هو بنفسه منشأ الاشتباه في النّظر إلى الآية الشريفة على أحد وجهين. و توضيح المقصود يتمّ بالكلام تارة بشأن خبر الأقريطشي، و أخرى بشأن الآية الشريفة.

أمّا خبر الأقريطشي فهو في الحقيقة ينحلّ إلى عدّة أخبار غير متناهية فإنّه قد أخبر عن كذب باقي أخبار الأقريطشيّين، و هذا بنفسه خبر لأقريطشي، فقد أخبر عن كذبه، و هذا أيضا بنفسه خبر لأقريطشي فقد أخبر عن كذبه، و هكذا إلى ما لا نهاية له، و هذا الانحلال جاء من ناحية كون‏

220

القضية حقيقية تنحلّ إلى قضايا متعدّدة بعدد أفراد موضوعها المحقّقة و المقدّرة. فهذا الكلام من الأقريطشي ليس خبرا واحدا يلزم من صدقه كذبه بل هو أخبار لا متناهية يلزم من صدق كل واحد منها كذب طرفيه، و من كذبه صدق طرفيه، فلم يلزم كون وجود الشي‏ء مستلزما لعدمه.

و أمّا الآية الشريفة فتارة يفرض أنّ موضوع الردع فيها هو ظهورات الكتاب، و أخرى يفرض أنّ موضوع الردع فيها هو الآيات الظاهرة، فإن فرض الأوّل كانت هذه الآية منحلة أيضا إلى قضايا لا متناهية بحسب الظهورات إذ هي تدلّ على عدم حجّية باقي ظهورات الكتاب، و هذا بنفسه ظهور فتدلّ على عدم حجّيّته، و هذا في صالح حجّيّة باقي ظهورات الكتاب و هو ظهور ثان لها فتدلّ على عدم حجّيّته، و هذا في صالح عدم حجّية باقي ظهورات الكتاب و هذا ظهور ثالث فتدلّ أيضا على عدم حجّيته، و هذا ظهور رابع لها في صالح حجّية باقي ظهورات الكتاب، و هكذا إلى ما لا نهاية له. فللآية ظهورات لا متناهية و الأفراد منها في صالح عدم حجيّة ظواهر الكتاب، و الأزواج منها في صالح حجّيتها، و لا يلزم من حجيّة أيّ واحد من تلك الظهورات عدم حجّيته، و إنّما يلزم منه عدم حجّية الظهور السابق عليه المردوع عنه بهذا الظهور اللاحق، و بالنتيجة تسقط هذه الآية عن الحجّية و تبقى باقي ظهورات الكتاب ثابتة على حجّيتها. و ذلك لأحد وجوه ثلاثة.

الأول- إنّ العرف لا يرى محصلا للكلام ينحلّ إلى ظهورات لا متناهية يردع كلّ واحد منها عمّا قبله فيصبح هذا الكلام مجملا ليس له ظهور في الردع عن باقي ظهورات الكتاب.

الثاني- إنّنا لو غضضنا النّظر عمّا ذكرناه من إجمال الآية قلنا: إنّ لدينا سلسلة من الظهورات اللامتناهية أوّلها ظهورات سائر الآيات غير هذه الآية الكريمة، و هي مردوعة بظهور هذه الآية المردوع بظهور آخر لها، و هكذا إلى ما لا نهاية له. و السيرة العقلائية قائمة على حجّية أيّ ظهور من الظهورات في‏

221

حدّ ذاته أي أنّ المرتكز عند العقلاء هو العمل بكلّ ظهور لم يردعهم رادع عن مرتكزاتهم. و لا يمكن إثبات حجّية كلّ هذه الظهورات بالفعل بالسيرة إذ حجّية الظهور الرادع يستحيل أن تجتمع مع حجّية الظهور المردوع عنه، و لو كانت الظهورات متناهية لكانت الحجّيّة تنصبّ على آخر السلسلة بوصفه ظهورا لا رادع عنه إذ هو في ذاته و لو خلّي و طبعه حجّة، و المفروض عدم رادع عنه. و الّذي قبله و إن كان أيضا حجّة لو خلّي و طبعه لكنه مردوع عنه بالظهور الأخير و لكن المفروض في المقام أنّ الظهورات ليست متناهية، عندئذ تنصبّ الحجّية على أوّل السلسلة بنكتة أنّ فرض الحجّية الفعلية لأول السلسلة، و هو باقي ظهورات الآيات غير هذه الآية لا يعني تعبّدا لنا بما هو خلاف طبع العقلاء، و إنّما يعني سقوط الظهور الثاني عن الحجّية بالقطع بكذبه، بينما فرض الحجّية الفعلية للظهور الثاني يعني التعبّد بعدم حجّية الظهور الأول أي التعبّد بما هو خلاف طبع العقلاء. فدوران الأمر بين هذين الفرضين أوجب فعلية تأثير الارتكاز العقلائي على حجّية أول السلسلة بعد ما لم يكن بالإمكان استقرار الارتكاز على حجّية كلّ ما في السلسلة.

الثالث- إنّ ظهورات هذه الآية متكاذبة فيما بينها، فإنّ تنافيها في الحجّية الفعليّة تؤدّي إلى تكاذبها، فمثلا الظهور الأوّل لها يدلّ على عدم حجّية ظهور باقي الآيات. و هذا السلب مع فرض سلب حجّية نفس ما يظهر من هذه الآية من السلب لغو [1] فنقطع بكذب أحد السلبين، و هذا بخلاف باقي ظهورات الآيات فلا تكاذب بينها و بين ظهور هذه الآية الرادع عنها إذ من‏

____________

[1] لا يخفى أن كل سلب بالنسبة لما بعده من السلب حكم واقعي بالنسبة للحكم الظاهر فيجمع بينهما بما يجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري من دون تكاذب. و دعوى اللغوية تكون كدعوى لغوية الحكم الواقعي الّذي نفاه الحكم الظاهري، و لو تمّت لسرت إلى باقي ظهورات آيات الأحكام فيقال: إنّها تلغو بسلب الحجّية عن الظهورات الدالّة عليها.

222

الممكن أن تكون تلك الظهورات مطابقة للواقع، و مع ذلك سلبت الحجّية عنها. إذن: فظهورات هذه الآية تتساقط بالتعارض و التكاذب، و يبقى باقي ظهورات الكتاب حجّة.

و إن فرض الثاني أي أنّ هذه الآية ردعت عن الآيات الظاهرة لا عن ظهورات الآيات (و لعلّ هذا هو الظاهر من الآية بعد فرض تسليم كونها بصدد الردع عن الحجّية). فعندئذ لا تنحلّ هذه الآية إلى قضايا لا متناهية لأنّ عدد الآيات الظاهرة متناه لا محالة فهذه الآية تدلّ على عدم حجّية باقي الآيات الظاهرة، و لكن لا تردع عن حجّية نفسها لما عرفت من استحالة ذلك. و حينئذ إن ادعينا العلم بعدم الفرق بين آية و آية في حجّية الظهور بطل ردع الآية عن حجّية باقي الآيات الظاهرة أيضا لاستلزام ذلك المحال الّذي عرفناه و إن لم ندّع ذلك- و هو الّذي ينبغي- تمّ مقصود الأخباري من الاستدلال بعدم حجّية ظهورات الكتاب بهذه الآية. و هذا تمام الكلام فيما لو نهجنا المنهج الّذي سلكه الأصحاب في المقام.

و التحقيق: إنّ هذا المنهج أساسا غير صحيح فإنّنا لسنا بإزاء بحث منطقي نتكلّم فيه عن شمول اللفظ لنفسه و عدمه، و إنّما نحن بإزاء كلام عرفيّ لا يشمل نفسه بحسب الظهور العرفي. و لا أقصد بذلك أنّ كل لفظ يشمل نفسه بحسب البحث المنطقي لا يشمل نفسه بحسب الظهور العرفي فلا بأس بالقول بشموله لنفسه عرفا ما لم تكن قرينة على الخلاف. فقولنا مثلا: الكلمة لفظ شامل للفظ الكلمة بلا إشكال، و إنّما نقول في ما نحن فيه بعدم شمول الآية لنفسها للقرينة، لأنّ الآية- حسب الفرض- ظاهرة في أنّها بصدد الردع عن اتباع المتشابهات و تركيز هذا القانون بين المتشرعة و هو ترك العمل بالآيات المتشابهة، و هذا بنفسه قرينة على عدم شمولها لنفسها إذ على فرض شمولها لنفسها لا يتحقّق ما هو الغرض منها من الردع عن اتباع المتشابهات.

223

و حينئذ إن ادعينا القطع بعدم الفرق بين آية و آية في حجيّة الظهور و عدمها بطل دليل الاخباري لما مضى من استحالة ردعها عن نفسها، و إلّا تمّ دليل الأخباري بناء على شمول المتشابهات للظواهر.

هذا كلّه بناء على تسليم أصل دلالة الآية الشريفة على الردع عن العمل بالمتشابهات.

و لكن الصحيح أنّ هذه الآية ليست بصدد الردع عن العمل بالمتشابهات أصلا. قال اللَّه تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» (1).

و هذه الآية- كما ترى- لا تدلّ على أكثر من عدم جواز الاقتصار على العمل بالمتشابهات ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و قطع صلتها بالمحكمات رغم أنّها أمّ الكتاب، كما كان ذلك عمل المشاغبين في صدر الإسلام، و لا زال عملهم إلى يومنا هذا. و ليس الشي‏ء المذموم في هذه الآية هو اتباع المتشابهات في ضوء المحكمات، و الاعتراف بأنّها أمّ الكتاب، و من دون قطع الصلة بين المتشابهات و المحكمات. و بتعبير آخر: إنّ الآية الشريفة لم تنه عن اتباع المتشابهات بلسان (لا تتّبع المتشابهات) مثلا، و إنّما جاءت بلسان التخصيص بعد القسمة كأن يقول أحد: (إنّ كتابي هذا ينقسم إلى قسمين منطق و حكمة، فالجالسون في الغرفة الفلانيّة درسوا المنطق). و هذا ظاهر في أنّ الجالسين في تلك الغرفة درسوا المنطق فقط لأنّ التخصيص بعد القسمة يعطي عرفا معنى أنّ من خصّص به أحد القسمين مقتصر على‏

____________

(1) س 3 آل عمران. الآية 7.

224

ذاك القسم. و الآية المباركة من هذا القبيل حيث قسّم الكتاب إلى قسمين آيات محكمات و أخر متشابهات، ثم ذكر أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتّبعون أحد القسمين و هو المتشابهات، و هذا يعني أنّهم يقتصرون على العمل بالمتشابهات. و من الواضح عدم جواز العمل بالمتشابهات حتى مع فرض شمولها للظواهر لا على ضوء المحكمات و النصوص. فالعمل بالظواهر يجب أن يكون بعد مدارسة النصوص و المحكمات التي يحتمل قرينيّتها لفهم المقصود من تلك الظواهر، أو أنّ أصل التبعيض في الدين و العمل بقسم دون قسم أيضا غير جائز.

فذمّ مثل هذه الطريقة التبعيضيّة لا يدلّ بوجه من الوجوه على ذمّ اتباع المتشابه المقرون باتباع المحكم و على ضوئه.

و هنا بحث آخر في مقام النقاش في الاستدلال بالآية الكريمة لعدم حجيّة ظواهر الكتاب و هو أنّه ما معنى المتشابه؟. فهم بعد أن تسالموا على أنّ المتشابه هو الكلام الّذي له عدّة معان بعضها يشبه بعضا اختلفوا في أنّ هذا الشبه الموجود بين المعاني هل هو الشبه في أصل علاقة تلك المعاني باللفظ حتى تشمل كلمة المتشابه الظواهر، أو هو الشبه في درجة العلاقة باللفظ فلا تشمل الظواهر لأنّ درجة علاقة المعنى الظاهر باللفظ أشدّ من المعاني الأخرى، و ليست المعاني متشابهة في درجة العلاقة باللفظ.

أقول: إنّنا حتى إذا قلنا: إنّ درجة الشبه هو أصل علاقة المعنى باللفظ. فكلمة ابتغاء تأويله (بناء على ما فسّروا به التأويل من حمل اللفظ على معنى غير قواعد اللّغة و قواعد اللسان) قرينة على أنّه لا يقصد باتّباع المتشابه ما يشمل اتباع الظاهر فحتى لو كان لكلمة المتشابه إطلاق يشمل الظاهر فهذا الإطلاق مقيّد بكلمة (ابتغاء تأويله).

هذا كلّه حسب ما تسالموا عليه من أنّ المتشابه في الآية عبارة عن اللفظ المتشابه المعاني، و التأويل عبارة عن حمل اللفظ على غير ما تقتضيه قواعد اللغة.

225

إلّا أنّ هذا مما لا نسلّم به. و أوّل من ذكر أنّ المراد من التأويل هنا غير التأويل بالمعنى المصطلح هو ابن تيميّة حيث ذكر: إنّ المراد بالتأويل في الآية المباركة ليس هو التّأويل بالمعنى المصطلح بل هو التأويل بمعنى الأول و ما يرجع إليه الشي‏ء و يؤول إليه. و استدل [1] على ذلك باستقراء آيات أخرى جاءت فيها كلمة التأويل، و أثبت أنّ التأويل فيها جاء بمعنى‏

____________

[1] الّذي يبدو ممّا هو منقول في تفسير المنار أنّ هذا الاستدلال ليس لابن تيميّة، و إنّما هو لمؤلف تفسير المنار «محمد رشيد رضا». أمّا ما ذكره ابن تيميّة فهو إبطال إرادة معنيين آخرين من كلمة التأويل في المقام لينحصر المقصود في إرادة معنى الأول و الرجوع. أمّا المعنيان الآخران فأحدهما التأويل بمعنى التفسير، و الثاني التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح. و يقول بالنسبة للمعنى الأوّل بأنّه ليس مقصودا في المقام، و ليس فهم المتشابه من القرآن محصورا باللَّه تعالى مثلا، لأنّ القرآن نزل نورا و هدى و شفاء للبشريّة، و أمرنا بتدبّره و تعقّله، و يذكر لذلك بعض الشواهد. و يقول بالنسبة للمعنى الثاني: إنّه لا يمكن صرف اللفظ في الآية الكريمة إليه لأنّ هذا المعنى لم يكن بعد قد عرف في عهد الصحابة، بل و لا التّابعين، بل و لا الأئمة الأربعة، و لا كان التكلّم بهذا الاصطلاح معروفا في القرون الثلاثة، بل و لا علمت أحدا منهم خصّ لفظ التأويل بهذا. راجع تفسير المنار ج 3 ص 172 إلى 196.

«فائدة»: من الطريف جواب جدليّ على استدلال الأخباريين بالآية المباركة نقل عن الدورة الأخيرة لأستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- و هو أنّه بناء على ما التزموا به من قطعيّة الكتب الأربعة، و من فتح باب التمسّك بالروايات في تأويل القرآن مهما كانت غريبة و مهما كان السند ضعيفا يقال لهم: قد روي في الكافي عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) في قول اللَّه تعالى‏ (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) قال أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام)‏ (وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) قال فلان و فلان‏ (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أصحابهم و أهل ولايتهم‏ (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) أمير المؤمنين و الأئمة- (عليهم السلام)(1)

____________

(1) تفسير البرهان ج 1 ص 270. و الكافي ج 1 باب فيه نكت و نتف و من التنزيل في الولاية ج 14 ص 414 و 415 بحسب الطبعة الجديدة. إلّا أنّه جاء في الطبعة الجديدة: (فلان و فلان) و لعل كلمة (فلان) الثالثة ساقطة عن الطبعة.

226

ما يؤول إليه.

و التحقيق أنّ هذا الرّجل و إن أصاب في المدّعى و لكنه أخطأ في الدليل، فإنّ ورود التأويل في آيات أخرى بهذا المعنى يكون منشئا لإمكان إرادة المعنى بهذا اللفظ لا تعيّن إرادته به، فيحتمل ذلك، و يحتمل وروده بالمعنى المصطلح الّذي استعملت فيه كلمة التأويل في عدّة من النصوص و الأخبار المقاربة لعهد القرآن الكريم، فغاية ما ينتج من هذا الاستقراء هي صيرورة التأويل في هذه الآية مجملا لنا بغض النّظر عن قرينة متصلة، أو منفصلة تعيّن لنا المراد منها.

أمّا ما نثبت به نحن نفس المدّعى فهو وجود قرينة في نفس الآية المباركة على المعنى الّذي ذكره. و هي فرض الاتباع في قوله: (يتبعون ما تشابه منه)، فإنّ فرض اتباع كلام هو فرض الأخذ بمدلوله المتعيّن، فإن الاتباع بقول مطلق في نظر العرف يعني الأخذ بالمعنى المفهوم من الكلام لا الأخذ بأحد معنيين متساويين للكلام بلا قرينة. فمثلا ما ذا يفهم من الأوامر التي وردت في التمسّك بالكتاب و السنة و اتباعها؟ هل يتوهّم أحد شمولها لحمل اللفظ على أحد معانيها المشتركة؟! إذن: فمعنى اتباع المتشابه هو اتباع ما يظهر من المتشابه، و اتباع الظهور ليس تأويلا بالمعنى المصطلح فيتعين أن يكون المراد بالتأويل هنا الأوّل و الرجوع.

يبقى الكلام في أنّ هذا الأوّل و الرجوع ما ذا يراد منه؟ و التحقيق: أنّ الآية الكريمة قسّمت الآيات إلى محكمات و متشابهات، و ليس المقصود بالمتشابه كون اللفظ متشابه المعنى بأن تكون للفظ معان متعدّدة متشابهة في علاقتها باللفظ، أو في مقدار علاقتها به، بل المقصود به كون المعنى متشابها أي مجمل الحقيقة غير معلوم الحدود بحسب عالم التطبيق، و تصوّر ذاك المعنى بتصوّر مصداقه. فمثلا استواء الرحمن على العرش ليس لفظا متشابه المعنى، لكن معناه بحسب التقريب إلى الذهن لا يخلو من غموض‏

227

و إبهام، و لا يمكن تصوّر المصداق المناسب منه له تعالى، و ما يؤول إليه المعنى من حقيقة الواقع و المصداق المتحقّق بحسب الخارج، و هذا بخلاف الآيات المحكمة فإنّها محدّدة المعنى سهلة التصوّر بحسب عالم التطبيق. و الخلاصة:

أنّ المقصود بالتأويل هو الأول و الرجوع و ما يؤول إليه المعنى في عالم التطبيق و المصداق. و المقصود بالمتشابه هو المتشابه من حيث المعنى لا يمكن اتباعه.

و المراد بالمحكم- بقرينة تقابله للمتشابه- هو المحكم بلحاظ ما يؤول إليه المعنى في عالم المصداق و تجسيد المعنى لا بلحاظ المعنى.

و بما ذكرناه أيضا يبطل تفسير التأويل بمعنى غامض و خفيّ بالنسبة لكلا قسمي الكتاب المحكمات و المتشابهات و هو دعوى أنّ التأويل يكون بمعنى الوجود الجمعي للقرآن الّذي أشير إليه في قوله تعالى: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) حيث فرض إحكاما ثم تفصيلا فاستظهر من تلك الآية إنّ هناك وجودين للقرآن وجودا جميعا و وجودا تفصيليّا فالوجود التفصيليّ هو هذا القرآن الموجود بأيدينا و الوجود الجمعي هو تأويل هذا القرآن.

أقول: هذا المطلب لا يحتمل في هذه الآية إذ أنّنا نتساءل ما هي الجهة التي بلحاظها فرضت الآية المتشابهة متشابهة؟ هل هي جهة المعنى أو جهة التأويل؟ إن قلتم انّها جهة المعنى لزم أن تكون الآية المتشابهة متشابهة المعنى، و قد فرغنا عن أنّ المقصود هو التشابه بالأول لا بالمعنى. و إن قلتم انّها جهة التأويل لزم أن تكون الآيات المحكمة محكمة التأويل بينما هي غير محكمة التأويل بناء على تفسير التأويل بذاك الوجود الجمعي، فإنّ الوجود الجمعي للقرآن بتمامه متشابه، و ممّا لا يمسّه إلّا المطهّرون مثلا [1].

____________

[1] كأنّ هذا المقطع الأخير من الكلام الّذي يبحث تفسير التأويل بمعنى الرجوع إلى الوجود الجمعي للقرآن إشارة إلى ردّ ما ذكره المرحوم العلامة الطباطبائي- (رحمه اللّه)- في تفسير الميزان ج 3 ص 54 و 55.

228

و على أي حال فهذا بحث تفسيريّ بحت لا علاقة له بوظيفة الأصولي لأنّنا بيّنا أنّ الاستدلال بالآية غير تام على كلّ حال.

إسقاط ظواهر القرآن بالسنّة:

و أمّا الوجه الثاني: فهو الأخبار المتوهّم دلالتها على النهي عن اتباع ظواهر القرآن الكريم. و تمام الروايات التي رأيناها في المقام ترجع إلى طوائف ثلاث:

1- ما تصدّى لبيان أنّ المراد من القرآن لا يفهمه إلّا الأئمة- (عليهم السلام)- و غيرهم يجب أن يأخذوا تفسير القرآن منهم (عليهم السلام).

2- ما تصدّى لبيان عدم جواز الاستقلال عن المعصومين في فهم القرآن، فهو وحده ليس حجّة و إنّما هو أحد الثقلين.

3- ما تصدّى للنهي عن تفسير القرآن بالرأي.

أمّا الطائفة الأولى‏

: فقد وردت بمضمونها عدّة روايات‏ (1) مع اختلاف في أساليب التعبير. و هي تامّة من حيث الدلالة فإنّ حصر الفهم بالأئمة المعصومين (عليهم السلام) يعني إلغاء الحجّية، و سدّ باب الاستنباط العرفي و إعمال القواعد العرفية لاستخراج المعاني من القرآن من قبل غيرهم- (عليهم السلام)-، إلّا أنّ هذه الأخبار غير تامّة من حيث السّند [1].

أضف إلى ذلك نكتتين قد يحصل بإضافتهما الاطمئنان بمجعوليّة هذه الروايات، أو كون المقصود غير ما يظهر منها.

الأولى- إنّه توجد في رواة هذه الروايات ظاهرة مشتركة تناسب لسان‏

____________

[1] و معه نشكّك في الردع، و نستصحب عدم الردع الثابت في أول الشريعة كما نقل عن الدورة الأخيرة لأستاذنا الشهيد (رحمه اللّه).

____________

(1) راجع الوسائل ج 18 ب 13 من أبواب صفات القاضي ح 25 و 38 و 41 و 64 و 69 و 73 و 74.

229

هذه الروايات الصادرة منهم، و تلك الظاهرة هي ظاهرة تبعيد الناس عن ظاهر الشرع، و ادعاء أمور باطنيّة و بعيدة عن ظواهر الشرع.

فهذا سعد بن طريف أحد هؤلاء الرّواة يروي أنّ الفحشاء رجل و المنكر رجل و أنّ الصلاة تتكلّم‏ (1)، و يقول عنه النجاشي: (حديثه يعرف و ينكر)، و يضعّف من قبل أشخاص آخرين.

و جابر بن يزيد أحد هؤلاء الرّواة يقول: دخلت على الإمام الباقر- (عليه السلام)- و أنا شاب فأعطاني كتابا للحفظ عندي، و كتاب آخر لحديث الناس به، و يقول أيضا انّ الإمام حدثني بسبعين ألف حديث و لم يأذن لي بأن أحدّث به فأذهب إلى حفيرة و أحدّثها به [1]. و نحو ذلك من الأمور التي لو ضممناها إلى شهادة الأكابر من سلفنا الصالح يحصل لنا الظنّ القوي بأنّ مثل مذاق هذا الشخص يريد غلق أبواب المعرفة و حكرها لنفسه، و جعل الإسلام أمرا عجيبا لا يصل إليه إلّا من كان مثله من الناس فبحساب الاحتمالات يحصل الظنّ القوي بكذب هذه الروايات، و كونها من إيحاءات هذا الذوق الّذي كان اتجاها عامّا في جماعة من غير سلفنا الصالح من أمثال زرارة، و محمد بن مسلم من فقهاء ظاهر الشريعة الذين أخذنا عنهم أحكامنا، و ذاك الاتجاه هو مسلك تعقيد المطالب، و تأويل‏

____________

[1] راجع معجم الرّجال للسيد الخوئي ج 4 ص 21 و 22 و جابر بن يزيد هو راوي الرواية 41 من صفات القاضي من الوسائل. و سعد بن طريف هو راوي الرواية 64 من ذاك الباب.

و أمّا الرواية 38 فراويها معلى بن خنيس صاحب الرواية الغريبة بشأن النيروز. و أمّا باقي روايات هذه الطائفة التي فيها ما رواه زرارة، و فيها ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج فهي من مراسيل العيّاشي و لا قيمة لها. نعم رواية زيد الشحام و هي الرواية 25 من ذاك الباب ليست مرسلة و لم نعرف من زيد الشحام ما يكون من قبيل هذه الغرائب، و لكن من المحتمل كون مقصوده بقوله (إنّما يعرف القرآن من خوطب به) معرفة تمام القرآن و حكمه و دقائقه على أنّ سند الحديث ضعيف بمحمد بن سنان.

____________

(1) راجع أصول الكافي ج 2 كتاب فضل القرآن ح 1 ص 598.

230

القضايا الدينيّة بما لا يناسب ذوق أولئك السلف الصالح.

و من هنا نحن ننبّه على مطلب عام و هو أنّه في جملة من الموارد تنفعنا في مقام تقدير رواية الراوي و تقييمها مراجعة حال الراوي، و تاريخه، و مجموع ما نقله من الروايات. فقد ترى مثلا عددا كبيرا من أحاديث متفقة على مضمون ما بحيث كان المفروض حصول العلم به بعنوان التواتر لكن تكشف بالفحص ظاهرة مشتركة عن حال رواتها تناسب الإيحاء المشترك بمضمون تلك الأحاديث مما يسقطها عن درجة التواتر المفيد للعلم.

فالاطلاع على خصوصيات الراوي و حاله و مزاجه، و ما ينقل من سائر الروايات قد يدخل في عمليّة الاستنباط كعنصر من عناصر تقييم الرواية.

الثانية- إنّ جواز العمل بظواهر القرآن و عدمه من أهمّ المسائل، و من المسائل الرئيسيّة بالنسبة للفقه و معرفة الأحكام، و لا يوجد هناك موضوع دار حوله النزاع و البحث و الجدل بين علماء الباطل من غير الشيعة أكثر من هذا البحث فجميع الدواعي التاريخيّة و الشرعيّة و الواقعيّة كانت تقتضي أن تكون هذه المسألة أهمّ مسألة في مقام السؤال و الجواب، و في مقام الاستفادة و التحقيق. أضف إلى ذلك أنّ العمل بظواهر القرآن يوافق مقتضى الطبع العقلائي، و إيقاف هذا الطبع بحاجة إلى بيانات كثيرة و إعلامات متتالية، فلو كان أمر من هذا القبيل لكثر نقله و شاع و ذاع، و ليس حاله حال وجوب السورة مثلا الّذي لو لم يصل إلينا إلّا ضمن ثلاث روايات أو أربع لم يكن غريبا. أ فهل نفترض مثلا أنّ هذا الأمر المهم و الّذي هو على خلاف الطبع لم يبيّن إلّا مرّات عديدة، و صدفة لم يكن يوجد شخص عند الإمام (عليه السلام) في تمام تلك المرات يسمع الحديث إلّا شخص ضعيف، أو ذو اتّجاه معيّن، و من غير أمثال زرارة و محمد بن مسلم أو كان هناك سامعون من أمثالهم و لكنّهم صدفة لم ينقلوا الرواية، أو نقلوها و صدفة لم تصلنا من أمثالهم؟!

231

فمجموعة هذه الأمور لو ضمّ بعضها إلى بعض حصل بمقتضى حساب الاحتمالات الاطمئنان بأنّ مثل هذه الروايات مجعولة على الأئمة- (عليهم السلام)-، و لو فرض صدورها عنهم فلا بدّ أن يكون لها محمل آخر غير ما هو الظاهر منها.

و أمّا الطائفة الثانية

: و هي الأخبار الدالة على عدم الاستغناء في مقام فهم القرآن و استنباط الحلال و الحرام من آيات الأحكام عن الأئمة- (عليهم السلام)- فهي تامّة سندا، و قد ورد بعضها بلسان تأنيب من يدّعي الاستغناء و لو عملا عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من فقهاء العامّة و المعاصرين لهم، و بعضها بلسان بيان أنّ حقائق القرآن و تمام معارفه موجودة عند الأئمة (عليهم السلام)، و هم المطّلعون على تمام مزايا القرآن و نكاتها و خصوصيات التخصيص، و النسخ، و العموم و الخصوص، و الإطلاق و التقييد. و كلّ هذا صحيح و أجنبيّ عمّا نحن بصدده، و مرجع اللسانين إلى بيان أنّ الناس لا يستغنون عن الأئمة (عليهم السلام) في مقام استنباط الأحكام و هذا مما لا شكّ فيه. فلا يجوز لأحد الاستغناء عن الثقل الأصغر في مقام استنباط الأحكام، و هذان الثقلان متقارنان في عملية الاستنباط و فهم الشريعة، بمعنى أنّه لا بد في مقام الأخذ من أحدهما ملاحظة الآخر أيضا بحيث يلحظ مجموع الكتاب و السنّة كأنّهما كلام شخص واحد. فكما لا يجوز العمل ببعض القرآن بقطع النّظر عن البعض الآخر و بدون التفات إلى مخصّصاته و مقيداته في البعض الآخر و لا يجوز العمل بالسنّة بقطع النّظر عن القرآن، كذلك لا يجوز العمل بالقرآن بقطع النّظر عن السنّة. و مثل هذا لا يدلّ على عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم و إنّما يدلّ على وجوب الفحص قبل العمل بالظاهر، و هذا أمر مفروغ عنه و متسالم عليه بن الأصولي و الأخباري.

و أمّا الطائفة الثالثة: و هي الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي‏

فقد

232

أجاب عنها علماؤنا الأصوليون بما في الكفاية و غيرها من الكتب المتأخرة عنها من أنّ التفسير- كما جاء في كتب اللّغة- عبارة عن كشف القناع، و لا قناع في باب الظواهر حتى يكشف فلا تفسير في المقام. و لو سلّم أنّه تفسير فليس تفسيرا بالرأي بل هو تفسير بالطريقة العرفية العامّة المتّفق عليها.

و لكن الصحيح إنّ هذا المقدار من الجواب لا يكفي في المقام، فنحن ان لاحظنا الظهورات التصوّرية و اللّغوية فهي و إن كان في كثير من الموارد لا يصدق عليها كشف القناع، و ذلك فيما لو فرض أنّ الوضع اللّغوي كان ثابتا ثبوتا عرفيا عامّا، و لكن في بعض الموارد لا يكون الأمر كذلك بل يكون الظهور مقنّعا يقع البحث و الخلاف في المعنى الموضوع له، و يكون المعنى مقنّعا بمقنّعية نفس الظهور و الوضع، و يكشف القناع بإعمال الصناعة لإثبات أنّ هذا اللفظ موضوع للمعنى الفلاني. و سوف يأتي في بحث صغرى حجّية الظهور- إن شاء الله تعالى- بيان أنّه كيف نثبت في بعض الأحيان أصل الوضع بالصناعة في مورد الشكّ.

و إن لاحظنا الظهورات السياقيّة التصديقيّة فالأمر فيها أوضح بكثير فبعض الظهورات السياقيّة ليس عليها قناع، و بعضها الآخر عليها قناع و بحاجة إلى كشف القناع بالبحث و الفحص و الاستنباط و إعمال الصناعة، سنخ ما فعلناه قبل صفحات في تفسير قوله تعالى: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏ ... وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ)، حيث استخرجنا المراد بضمّ بعض ظواهرها إلى بعض لمعرفة ما يستفاد من المجموع من المعنى المناسب لتمام ظواهر الآية.

فهذا الجواب بحسب الحقيقة ليس جوابا فنيّا في المقام لأنّه لم يلحظ فيه إلّا الظواهر التي ليس عليها قناع، و لا يختلف في فهمها أحد، و لعلّ الأخباريين أيضا لا يقولون بعدم جواز العمل بمثل هذه الظواهر من القرآن.

و نحن نجيب على الاستدلال بروايات النهي عن التفسير بالرأي بعدّة وجوه.

233

الوجه الأول: مأخوذ ممّا بيّنّاه في بحث حجّية الدليل العقلي و عدمها حيث استدل الأخباريون هناك على عدم الحجّية بالروايات التي تنهى عن العمل بالرأي بقول مطلق في الأحكام الشرعيّة، و هنا استدلوا على عدم حجّية ظهور القرآن بالروايات الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. و قد قلنا هناك: إنّ كلمة الرّأي و إن كان معناها اللغوي الأصلي هو النّظر مثلا أو ما يقرب من ذلك في المعنى، إلّا أنّ الّذي يطالع مجموع الروايات الواردة في باب الرّأي، و يطالع عصر هذه الروايات يعرف أنّ هذه الروايات كانت ملقاة من قبل الأئمة (عليهم السلام) على أناس كانوا يعيشون و يفكّرون في جوّ، علميّ خاص له مصطلحاته الخاصة، و تعبيراته الخاصة، و له مسائله المطروحة للبحث إثباتا و نفيا. و من أهمّ تلك المسائل التي راج بحثها و ذكرها و اختلف الناس بسببها هو مسألة الرّأي. ففي عصر الصادقين (عليهما السلام) وجدت مدرسة علميّة في صفوف علماء السّنة بعنوان مدرسة الرّأي في مقام الاستنباط و التفسير و إخراج الأحكام من النصوص، و كانت هذه الكلمة مصطلحا لمذاهب استحدثت و راجت و عمّت و انتشر الحديث عنها و تشعّبت فروعها. و أصحاب الأئمة كانوا يسمعون أبحاث السنة و كانوا يعرفون آراءهم، و كان جملة منهم يفتي بآراء السنة، و لعل بعضهم كانوا أعلم بآراء علماء السنة منهم، فمحمد بن مسلم كان يجلس في المسجد و كان يفتي أهل كل مذهب بمذهبهم و يفتي أهل الحق بمذهب جعفر بن محمد- (عليه السلام)-، فأصحاب الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعيشون هذا الجوّ و هذه المصطلحات. فمن يدّعي الاطمئنان بأنّ كلمة الرّأي التي تردد في كلام الأئمة (عليهم السلام) الملقاة على مثل هؤلاء الذين يعيشون في مثل هذا الجو لم يكن يفهم منها إلّا نفس ذلك المصطلح الّذي كان عنوانا لاتجاهات معينة و مشخصة في الفقه و الاستنباط و التفسير ليس بمجازف.

و لو فرض أنّ شخصا لم يحصل له الاطمئنان من ملاحظة مجموع هذه‏

234

الظروف و الملابسات التاريخية بأنّ المراد بالرأي هو المعنى المصطلح، و احتمل أنّ المراد به هو معناه اللغوي فأراد أن يجري أصالة بقاء ظهور اللفظ على معناه السابق فسوف يأتي- إن شاء الله تعالى- في بحث أوجه الوصول إلى صغرى الظهور إنّ مثل هذا الأصل في مثل هذا المورد لا يأتي لنكتة عامّة نبيّنها هناك- إن شاء الله تعالى-.

الوجه الثاني: مأخوذ من بحثنا في السيرة و هو أنّه لو سلّم شمول إطلاق مثل هذه الروايات لحمل اللفظ على المعنى الظاهر فهذا الإطلاق لا يصلح للردع عن حجّية الظهور، فإنّ إطلاق دليل و إن كان يصلح أن يكون بيانا لحكم شرعي نفيا أو إثباتا فيما إذا كان ذلك الحكم الشرعي تعبّديّا في نفسه كوجوب السورة و عدمها. و لكن حجّية ظهور القرآن الكريم ليست حكما شرعيّا ابتدائيّا تعبّديا، و إنّما هي مطلب عقلائي على طبق القريحة العقلائيّة المركوزة المستحكمة في أذهانهم بارتكازهم الجبلّي و المناسبات التي فطروا عليها في تعايشهم، و قد قلنا في بحث السيرة: إنّ الردع عن السيرة يكون بملاك التحفّظ على الغرض فلا بدّ أن يكون مناسبا لمقدار استحكامها حتى يحصل التحفّظ على الغرض. و من هنا أشرنا سابقا إلى أنّ إطلاق الآيات الناهية عن العمل بالظنّ مثلا، لا يمكن أن يكون رادعا عن حجّية خبر الواحد بعد فرض أنّها مورد للسيرة العقلائية. و على هذا فكيف يعقل الاكتفاء في الردع عن مثل السيرة العقلائيّة في باب حجّية الظهور المستحكمة الجذور في أذهانهم بإطلاق مثل هذه الروايات التي نحتاج إلى البحث في مقام بيان أنّه هل لها إطلاق أو لا؟.

الوجه الثالث: مأخوذ أيضا من القوانين و الأصول التي نقّحناها في بحث السيرة و هو أنّنا نستدلّ في المقام بسيرة المتشرعة، فسيرة المتشرعة و أصحاب الأئمة كانت قائمة على العمل بظهور القرآن جيلا بعد جيل، و لو لم يكن هذا من المسلّمات في أيام الأئمة بل كان مشكوكا لكثر السؤال عنه لأنّها من‏

235

المسائل ذات الأهميّة القصوى، و لو كثر السؤال كثر الجواب، و هو الجواب بالنفي حسب فرض الأخباري، و لو كثر الجواب كذلك أصبح بالتالي عدم حجّيته من المسلّمات، و لو كان عدم حجّيته من المسلّمات لنقل من المتقدّمين مع أنّه لم ينقل من أحد عدم حجّية ظواهر القرآن الكريم إلّا من قبل الأخباريين في العصور الأخيرة. و هذا أحد التطبيقات للقوانين الكليّة التي ذكرناها في بحث السيرة. و بعد ثبوت سيرة أصحاب الأئمة على العمل بظواهر القرآن لا تكون الإطلاقات المفروضة في المقام من روايات المنع عن التفسير بالرأي رادعة عن السيرة بل السيرة مقيدة للإطلاق لما ذكرنا في محلّه من أن الحاجة إلى إحراز عدم الردع إنّما هي بالنسبة للسيرة العقلائية، و أمّا سيرة المتشرعة فهي حجّة بالذات لا باعتبار عدم الردع عنها، فلو وجد في قبالها إطلاق أو عموم أو ظهور لكانت نفس السيرة دليلا على تقييد ذلك الإطلاق، أو تخصيص ذلك العموم، أو تأويل ذلك الظهور.

و قد ظهر حتى الآن أنّه لا يصحّ الاستدلال بهذه الروايات على عدم حجّية ظواهر الكتاب الكريم.

الأخبار الدّالة على حجّيّة ظواهر الكتاب:

و توجد هناك روايات أخرى- في قبال ما يستدلّ به الأخباري- يستدلّ بها لحجّيّة ظهور الكتاب الكريم. و ما استدلّ بها أو يمكن أن يستدلّ بها من الأخبار على حجّية ظهور الكتاب يمكن تقسيمها إلى أربع طوائف:

الطائفة الأولى: الأخبار الآمرة بالتمسّك بالكتاب الكريم‏

و الأخذ به و العمل بموجبة، فإنّها تدلّ على وجوب الأخذ بكل دلالة قرآنية نصّا أو ظهورا- و قد ذكرنا هذه الطائفة أيضا فيما سبق في قبال بعض التفصيلات الأخرى في حجّية الظهور كدليل على إبطال التفصيل.

ثم لو لوحظت النسبة بين هذه الطائفة و روايات المنع عن تفسير القرآن‏

236

بالرأي بعد تسليم دلالتها على نفي حجّية ظهور الكتاب و صلاحيتها للردع عن ذلك، فالنسبة بينهما عموم من وجه، فمادة الافتراق لتلك الأخبار هي تفسير المجمل بأحد معنييه، و مادة الافتراق لهذه الأخبار هي الأخذ بالنص، و مادة الاجتماع هي حمل الكلام على ظاهره. فتتعارضان في ذلك و تتساقطان. و بعده لا يمكن الرجوع إلى سيرة العقلاء بحجّة سقوط الرادع لما مضى منّا في بحث السيرة من أنّ سيرة العقلاء إنّما تصبح حجّة بالإمضاء، و الإمضاء يستكشف من عدم الردع فلا بدّ من إحراز عدم الردع و الجزم به، و مجرّد احتمال الردع يسقطها عن الحجّية لأنّه يعني احتمال عدم الإمضاء، و لذا قلنا: (لو جاء دليل غير تام الحجّية صالح- على تقدير صدوره من المعصوم- للردع فمجرّد احتمال صدوره و الردع به يكفي لسقوط السيرة عن الحجّية). و ما نحن فيه كذلك بعد فرض صلاحية تلك الأخبار على تقدير صدورها للردع، و إن كانت هي بالفعل غير حجّة لابتلائها بالمعارض.

أمّا استصحاب عدم الردع الثابت في أوّل الشريعة فهو عبارة عن استصحاب عدم النسخ، و يتوقّف على قبول استصحاب عدم النسخ في محلّه [1].

الطائفة الثانية: الأخبار الآمرة بعرض الشروط على كتاب اللَّه‏

التي تقول بسقوط الشرط المخالف للكتاب. و تقريب الاستدلال بها أنّه لو لم تكن ظواهر الكتاب حجّة فكيف نستطيع أن نعرف أنّ هذا الشرط موافق للكتاب أو مخالف له؟!، و لا يبقى لدينا إلّا خصوص النصوص، و النصوص القطعيّة قليلة جدّاً [2].

____________

[1] عدم الردع بالمعنى الملازم للإمضاء يكون استصحابه من الأصل المثبت فلا بدّ من أن يكون المقصود استصحاب عدم نقض الإمضاء، و هذا رجوع إلى استصحاب عدم النسخ.

[2] إن صحّ هذا البيان أمكن إسراؤه إلى الطائفة الأولى بأن يقال: انّ حملها على نصوص القرآن حمل لها على الفرد النادر. إذن: هي كالصريح في الأمر بالالتزام بظواهر القرآن فليست‏

237

و تحقيق هذا التقريب و مدى صلاحيته للمقابلة مع روايات النهي عن التفسير بالرأي لو تمّت دلالتها على مدّعى الأخباري، هو أنّ هذه الطائفة الآمرة بعرض الشروط على الكتاب إن أريد بالكتاب فيها لفظ الكتاب فهي دالّة عرفا على أنّ ألفاظ الكتاب لها دلالة، و يجوز فهمها بحيث يجعل القرآن مقياسا و معيارا لتمييز الشرط الصحيح عن الفاسد. أمّا إن أريد بالكتاب فيها مدلول الكتاب و المراد منه فهذه الأخبار بنفسها لا تدلّ على كيفيّة تحصيل هذا المدلول، غاية الأمر لعلّ الإطلاق المقامي و السكوت في مقام البيان مثلا يدلّ على إمضاء الطريقة العرفيّة المتعارفة لاستكشاف المراد، لكن نفس الكلام لا يدلّ بظهوره اللفظي على أنّ تعيين المدلول و المراد بأيّ شي‏ء يكون؟، و إنّما يدلّ على أنّ الشرط يجب أن لا يكون مخالفا لمدلول الكتاب. و عليه فتلك الأخبار التي يستدلّ بها الأخباريون على أنّ تعيين المراد يكون بلحاظ الروايات لا بإعمال النّظر لو تمّت دلالتها تكون حاكمة على هذه الطائفة، و منقّحة لموضوعها، و مستوجبة لانحصار طريقة معرفة مدلول الكتاب بالروايات [1].

____________

- النسبة بينها و بين روايات المنع عن التفسير بالرأي نسبة العموم من وجه كما مضى، بل هي كالأخصّ مطلقا، و بها تخصّص روايات المنع عن التفسير بتفسير المجمل بأحد معانيه أو الظاهر بما هو خلاف ظاهره. و الواقع أنّ إشكال كون الحمل على خصوص النصوص حملا على الفرد النادر غير وارد من أساسه فإنّ مسألة لزوم الحمل على الفرد النادر أو تخصيص الأكثر إنّما ترد في العام الّذي لا تكون نسبته إلى ما خرج أخفّ من نسبته إلى ما بقي باعتبار كون مفهومه مشكّكا مثلا. أمّا إذا كان كذلك كما لو قال: أكرم العلماء ثم قال: قصدت بذلك من هم وصلوا إلى مستوى الاجتهاد، لم يرد عليه أنّ هذا تخصيص بالفرد النادر أو استثناء لأكثر الأفراد. و ما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ مخالفة النص فرد بارز للمخالفة أكثر من مخالفة الظاهر، و الأخذ بالنص فرد واضح من الأخذ بالكتاب أكثر من الأخذ بالظاهر.

[1] هذا البيان لو تمّ أمكن إسراؤه إلى الطائفة الأولى فيقال: إنّ ما دلّ على الأمر بالأخذ بالكتاب قد يحمل على معنى الأخذ بما هو مراد من الكتاب. و روايات النهي عن التفسير بالرأي‏

238

الطائفة الثالثة: و هي الروايات الآمرة بعرض نفس أخبار الأئمة- (عليهم السلام)- على الكتاب‏

، و جعل الكتاب معيارا لتمييز الأخبار الصحيحة عن الأخبار الكاذبة، على عكس ما يقوله الأخباريّون من فرض أخبار الأئمة أصلا و الكتاب فرعا يفسر بلحاظها. و قد ادّعي تواتر هذه الطائفة.

و الإنصاف أنّ هذه الطائفة من أقوى الأدلة على حجّية ظواهر الكتاب الكريم، و لا يأتي هنا احتمالنا السابق في الطائفة الثانية إذ المفروض في هذه الأخبار جعل القرآن مقياسا لصحة الخبر و سقمه، فإذا فرض أنّ العبرة بالقرآن المفسّر بالخبر كان ذلك رجوعا مرة أخرى إلى الخبر فينتهي ذلك إلى جعل نفس الخبر مقياسا لصحّة الخبر و سقمه، و هذا مما لا معنى له و لا يحتمل. و هذا بخلاف باب الشروط فهناك لا يكون تهافت في أن يكون مقياس صحّة الشروط و فسادها مخالفتها للقرآن المفسر بالخبر و عدمها.

و الحاصل أنّ المتفاهم عرفا من هذه الطائفة بشكل واضح لا خفاء عليه أنّ القرآن هو الأصل و أنّ الأخبار هي الفرع، و أنّ كلّ ما خالف الكتاب‏

____________

- تنفي ثبوت كون ما يظهر من الكتاب ما لم نعرفه عن المعصومين مرادا من الكتاب فتكون حاكمة على الروايات الدالة على الأمر بالأخذ بالكتاب. و هذا لا ينافي العرضيّة المستفادة من بعض تلك الروايات بين الكتاب و السنة كحديث الثقلين فإنّه تكفي لانحفاظ العرضيّة نصوص الكتاب. و الصحيح ان هذا البيان بحدّ ذاته غير تامّ بناء على قبول دلالة الإطلاق المقامي على حجّية ظهور الكلام فإنّ الّذي يعارض روايات المنع عن التفسير بالرأي إنّما هو هذا الإطلاق المقامي، و هذا الإطلاق المقامي موضوعه هو ظهور الكتاب و ليس موضوعه هو المراد من الكتاب حتى يكون ما ينفي ثبوت مراديّة الظهور حاكما عليه بنفي موضوعه. فلا يقاس هذا الإطلاق مثلا بإطلاق أكرم العام الشامل لزيد العالم المحكوم لدليل ينفي تعبّدا عالميّة زيد، فإنّ هذا الإطلاق موضوعه العالم و الدليل الحاكم ينفي هذا الموضوع، بينما الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، و لعلّه لهذا لم يتعرّض أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في دورته الأخيرة لفكرة الحكومة في المقام حسب ما يبدو من تقرير بحثه الّذي ليس فيه تعرض هنا للحكومة.

239

سواء كانت مخالفة نصّيّة أو ظهوريّة يجب طرحه و لا يجوز العمل به بل هو ممّا لم يقولوه لأنّهم تلامذة القرآن و أبناؤه فلا يأمرون بشي‏ء يخالف القرآن.

و لا يتوهّم اختصاص مفاد هذه الأخبار بالمخالفة النصيّة فإنّه:

أولا- يصدق وجدانا عنوان المخالفة بالنسبة للظاهر كما يصدق بالنسبة للنص، فالأمر و النهي متخالفان، و إن أمكن تأويل أحدهما ببيان الرخصة في الفعل، و الآخر ببيان الرخصة في الترك.

و ثانيا- إنّ الّذي يتتبّع هذه الأخبار يرى أنّ المقصود منها النّظر إلى ما شاع و ذاع وقتئذ من الكذب و الافتراء و التزوير على الأئمة- (عليهم السلام)- من قبل الكذّابين، و هؤلاء الكذّابون كانوا يكذبون عادة بما يخالف ظاهر القرآن لا بما يخالف نصّ القرآن إذ لا يصدّق منه ما يخالف النص القطعي للقرآن الّذي لا شائبة فيه.

إذن فهذه الروايات بحدّ ذاتها من أحسن الأدلّة على حجّية ظهور الكتاب، و إنّ الكتاب حجّة قبل الخبر لا حجّة بلحاظ الخبر.

نعم هذه الطائفة تقع طرفا للمعارضة مع الطائفة التي استدل بها الأخباريون لو تمّت و تقدّم عليها إن صحّ ما ادّعي من تواترها، و ذلك لما سيأتي- إن شاء الله تعالى- في بحث التعادل و التراجيح من أنّ الخبر غير القطعي و إن كان حجّة في نفسه لا يعارض الخبر القطعي، كما لا يعارض القرآن [1].

الطائفة الرابعة

: الأخبار التي جاء فيها الاستدلال من قبل الإمام- (عليه السلام)- بجملة من الآيات على جملة من الأحكام، فلو لم تكن ظواهر الكتاب الكريم حجّة فكيف يستدلّ بتلك الظواهر في قبال الآخرين؟!

____________

[1] و إن لم تتمّ دعوى التواتر كفى في تقديمها على روايات النهي عن التفسير بالرأي- لو تمّ دلالتها على مدّعى الأخباري- بالأخصيّة. أو ما في حكمها بناء على عدم إمكان تخصيصها بما خالف نصّ الكتاب لأنّ الكذّابين كانوا عادة لا يكذبون بما خالف نصّ الكتاب.

240

و الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار يتوقّف على أن نقول: إنّ مراد الإمام (عليه السلام) من الاستدلال بتلك الآيات على الحكم الشرعي هو الاحتجاج مع الطرف المقابل و إقناعه بإرجاعه إلى أصل مشترك بينه و بين الإمام (عليه السلام) أمّا إذا قيل بأنّ من المحتمل كون ذلك تفسيرا من قبل الإمام (عليه السلام) للقرآن فلا يتمّ الاستدلال بهذه الأخبار، و هذا الاحتمال جار في أكثر روايات هذه الطائفة، نستثني منها رواية واحدة و هي رواية عبد الأعلى مولى آل سام الّذي سأل الإمام (عليه السلام) عن رجل انقطع ظفره فوضع عليه مرارة فما ذا يصنع بلحاظ المسح؟ قال (عليه السلام): هذا و أمثاله يعرف من كتاب اللَّه ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح على المرارة.

و تحقيق الكلام في هذه الرواية أنّ ما فرض من هذا الحديث أنّه يعرف من كتاب اللَّه إمّا أن يكون المقصود به هو مجرد الأمر السلبي و هو نفي وجوب المسح على البشرة، و إمّا الأمر الإيجابي أيضا و هو جعل البدل و هو المسح على المرارة. فإن كان المقصود هو المسح على البدل- كما لعلّه هو ظاهر الرواية، و لهذا احتجّ على السائل بأنّه يعرف هذا من كتاب اللَّه، إذ لو كان المراد هو معرفة الحكم السلبي لما تمّ هذا احتجاجا على السائل فإنّ السائل بحاجة إلى فهم الوظيفة الإيجابيّة-. أقول: إن كان المقصود هو المسح على البدل وجب إرجاع علم هذه الرواية إلى أهلها لأنّ مثل هذا لا يعرف من كتاب اللَّه، فإنّ قوله تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ ينفي الحكم الحرجي و لا يشرّع ما هو البدل و ما هي الوظيفة الاضطرارية، فنفس الكتاب الكريم بقدر فهمنا نحن العوام لا يمكن أن نستنبط منه مثل هذا الحكم. نعم الكتاب الكريم بواقعه الّذي يفهمه الإمام (عليه السلام) لعلّه يستنبط منه هذا الحكم. فإن كان المقصود من الحكم الّذي يعرف من كتاب اللَّه هو البدل وجب أن يكون المراد من المعرفة معرفة الأئمة (عليهم السلام).

241

و إن كان المقصود معرفة الحكم السلبي و هو عدم وجوب المسح على البشرة كان الحديث دالا على أنّ مثل هذا يعرفه الناس من الكتاب الكريم فتكون هذه الرواية دالّة على حجّية ظواهر القرآن الكريم.

إنكار وجود الظهور في القرآن:

بقي الكلام في المسلك الآخر للأخباريين و هو دعوى عدم الظهور للكتاب الكريم. و هذه الدعوى لها وجهان: فتارة يدّعى الإجمال الذاتي للقرآن و أخرى يدّعى الإجمال العرضي له بلحاظ العلم الإجمالي بالتخصيص و التقييد و التأويل و نحو ذلك.

أمّا الدعوى الأولى- و هو دعوى الإجمال الذاتي. فالإجمال الذاتي للقرآن يتصوّر من ناحيتين:

1- دعوى إنّه إجمال و تعمّد مقصود من قبله تعالى لمصلحة في المقام رغم إمكان صبّ مطالبه في قوالب واضحة و مفهومة، و لنفرض أنّ تلك المصلحة ما أشير إليها في بعض كلماتهم من جعل الناس محتاجين إلى الإمام (عليه السلام) إذ مع الوضوح يستغنون عن مراجعته (عليه السلام) مع أنّ نظام الأمّة لا ينتظم و لا يتمّ إلّا بربطهم بالإمام (عليه السلام).

2- دعوى أنّ طبع القضيّة كان يقتضي الإجمال، فإنّ القرآن الكريم هو كتاب اللَّه، و كتاب كلّ شخص يناسب مقدار عظمة ذاك الشخص، فإذا فرض أنّ كتاب هندسة أقليدس كان محل الإشكال و الغموض و الدقّة فما ظنّك بكتاب يؤلّفه مؤلف هذا العالم على سعته و جبروته؟ فيجب أن يكون في أعلى مراتب الدقّة و الشموخ النظريّ و الفكري، و يجب أن يكون هذا الكتاب المعجز في جميع خصوصياته بالغا حدّ الإعجاز في الدقّة، و عندئذ يصبح غير مفهوم لا محالة. و كلتا هاتين الدعويين باطلتان:

أمّا دعوى الإجمال المتعمّد فهو الّذي يحكم العقل السليم ببطلانه‏

242

بلا حاجة إلى استئناف بحث أو تأمّل في برهان إذ لو أنّ شخصا جاء إلى جماعة و ادعى لهم دعوى ثم تصدّى لبيان هذه الدعوى و إثباتها فذكر بيانا لإثبات دعواه، و تعمّد في جعله غامضا و مبهما لا يفهمه أحد من أولئك الّذي ادّعى عليهم هذه الدعوى لعدّ هذا الشخص ناقصا غير ملتفت إلى مقتضيات الحال فكيف ينسب مثل هذا إلى اللَّه العليم الحكيم، و يدّعى أنّه تعمّد في إجمال القرآن الكريم الّذي أنزله لهداية البشر و إثبات دعوى النبي (صلى اللّه عليه و آله) و إفهام الناس مع الاستدلال عليها بإعجاز القرآن؟!! فإنّ هذا خلف الفرض.

أمّا مسألة جعل الكتاب مبهما و غامضا كي تقع الحاجة إلى الإمام فلا بدّ في المرتبة السابقة على ذلك من إثبات أصل النبوة و الرسالة كي يصبح الناس مستعدّين للرجوع إلى الإمام (عليه السلام) في مقام تفسير القرآن. و القرآن هو المتصدّي لإثبات أصل النبوة و الرسالة في المرتبة السابقة على الإمام فلا بدّ أن يكون واضحا و مفهوما في المرتبة السابقة على إثبات الإمام.

و أمّا دعوى الإجمال الذاتي الناشئ من طبع القضيّة فأيضا سخيفة غاية السخف:

أمّا أولا- فلأنّ الكتاب تلحظ في مقام حصوله على أعلى درجات الكمال نكتة الغرض من ذلك الكتاب و مدى نجاحه في تحقيق الغرض.

فإذا كتب شخص كتابا في الهندسة فغرضه اكتشاف قوانين مطلقة لعالم الكون المادّي فكلما كان الكاتب أكثر دقّة و عمقا في اكتشاف تلك القوانين، و أكثر قدرة على البرهنة عليها و دفع الشبهات عنها يكون أحسن و أكمل، و هذا ما يبعده عن فهم الناس العاديين. و لو فرض أنّه تعالى أنزل كتابا بهذا الغرض للزم أن تكون دقّته فوق دقّة كتاب هندسة أقليدس بما لا يتناهى من المراتب. أمّا لو فرض أنّ شخصا ألّف كتابا بقصد هداية

243

البشر و توجيههم إلى طريق الحق، و صنع الإنسان الصالح المؤمن السعيد في دنياه و آخرته، فعندئذ يقاس مقدار نجاح هذا الكاتب و كماله بمقدار حصول هذا الغرض و إحاطته بالجهات الدخيلة في ذلك، و القرآن بالغ في ذلك حدّ الإعجاز، و يتحدّى الناس بذلك حتى يومنا هذا، و هذا يقتضي عكس ما ادّعيتم، فإنّ هذا الغرض لا يحصل ببيان الألغاز العلميّة و الرموز الفنيّة البعيدة عن فهم الناس، لأنّ هذه لا تخلق الناس الصالحين بل لا بدّ من ذكر تمام المؤثرات الدخيلة في تغيير الإنسان روحيّا و خلقيّا و فكريّا و عاطفيا و سائر النواحي الإنسانيّة. و لا بد أن تكون المعاني واضحة ميسّرة، و ملتقية مع عواطف الناس و مشاعرهم و أحاسيسهم، و قادرة على النفوذ إلى قلوب الناس كي تغيّر هذه القلوب و تخرجها من الظلمات إلى النور.

و هكذا كان الكتاب الكريم، و لذا كان المشركون يهتدون بسماع بضع آيات كانت تنفذ في قلوبهم و تنير بالإيمان عقولهم.

و أمّا ثانيا- فلأنّنا لا نتصور إعجازا يؤدّي إلى هذا الغموض و الإجمال في باب الأحكام الشرعية التي مرجعها إلى أنّ هذا حلال و هذا حرام، لأنّ الوجوب و الحلّ و الحرمة أمور مفهومة لدى الناس، و الإعجاز المتصوّر في الأحكام إنّما هو إعجاز بلحاظ ملاكات الأحكام الشرعيّة و المصالح و المفاسد التي يستند إليها الحكم الشرعي، و من الواضح أنّ الإعجاز بلحاظ الملاكات لا دخل له بفهم نفس الأحكام الشرعيّة المبيّنة في القرآن الكريم.

و أمّا الدعوى الثانية- و هي دعوى الإجمال العرضي بلحاظ العلم الإجمالي بابتلائه بورود التخصيصات و التقييدات و التأويل، و نحو ذلك من الأمور، فهي أيضا ليست بشي‏ء، و ينقض ذلك بالسّنة الشريفة، فإنّ حالها حال الكتاب من حيث الابتلاء بالتخصيص و التقييد و نحوها.

و الصحيح أنّ هذا البيان غير تام، لا في القرآن و لا في السنّة، و ذلك لما حقّقناه مفصّلا في بحث العام و الخاصّ، من أنّ هذا العلم الإجمالي‏

244

بالمخصّصات و المقيّدات، إنّما يقتضي وجوب الفحص عن المقيّد و المخصّص قبل العمل بالظهور، لا سقوط الظهور عن الحجّية رأسا، و تفصيل الحال سبق في بحث العام و الخاصّ.

هذا تمام الكلام في تفصيل الأخباريين بكلا معنييه بين ظهورات الكتاب و غيره، و من المؤسف أن يوجد في علمائنا جماعة تنكر حجّية ظهور القرآن الكريم الّذي هو كتاب الإسلام، و عزّنا و شرفنا، و عليه أساس ديننا، و لعمري أنّ تصوّر المطلب بتمام شئونه و خصوصيّاته، يكفي في التصديق بوضوح بطلان القول بعدم حجّيّة ظهور الكتاب الكريم، بلا حاجة إلى استئناف بحث و بيان بيّنة و برهان على المطلب.

و به نختم الكلام عن المقام الأوّل من مقامي مبحث الظهور، و هو في البحث عن أصل كبرى حجّية الظهور.

245

وسائل إثبات الظهور:

و أمّا المقام الثاني: فنتكلم فيه- بعد الفراغ عن حجّية الظهور- في أنّ الظهور إذا شكّ في وجوده فما هو طريق تعيينه و إحرازه؟.

و قبل أن ندخل في صلب البحث، لا بدّ من دفع توهّم مشهور في المقام قد يخطر في قبال عنوان هذه المسألة:

و هو ما قد يقال: من أنّه لا معنى لطرح هذه المسألة بهذه الصياغة، لأنّ الظهور الّذي هو موضوع للحجّية ليس أمرا غيبيّا يشكّ فيه، و ذلك بناء على ما استقر به الرّأي بين المحقّقين المتأخرين: من أنّ أصالة الحقيقة ليست أصلا تعبّديا، و إنّما هي بملاك الظهور الفعلي للفظ، و الظهور الفعلي للفظ ليس له وعاء و وجود إلّا وعاء ذهن السامع و انسباق ذهنه إلى معنى معيّن من اللفظ، فهو بمنزلة الأمور المعلومة بالعلم الحضوري، فإن كان للفظ ظهور بالفعل في ذهنه، فلا يتصوّر شكّ من قبله في الظهور، و إلّا فلا ظهور جزما، و إنّما يصحّ فرض الشكّ بناء على حجيّة أصالة الحقيقة من باب التعبّد، بأن يكون موضوع أصالة الحقيقة هو الوضع، و الوضع يقع محلا للشكّ: كما نشكّ في أنّ الصعيد مثلا موضوع لأيّ معنى من المعاني، و على‏

246

هذا النزاع بين المتقدّمين و المتأخرين بنيت مسألة احتمال قرينية المتصل، فلو كانت العبرة في أصالة الحقيقة بالوضع، فقرينيّة المتصل لا تنافي ثبوت الوضع، و مع ثبوت الوضع تجري أصالة الحقيقة ما دمنا نحتمل إرادة الحقيقة، و لكن بما أنّ العبرة بالظهور الفعلي لا بالوضع، فالاحتفاف بمحتمل القرينيّة لا يبقي مجالا للحجّية، لأنّه يفني أصل الظهور، و بما أنّ الصحيح هو المبنى الثاني، فلا مجال لطرح هذه المسألة في المقام بعنوان الشكّ في الظهور، بل لا بدّ من طرح عنوان آخر. هذا ما ينتزع من كلمات القوم من التوهّم بالنسبة لطرح هذه المسألة بعنوان الشكّ في الظهور.

و هذا يعني أنّه فرض أمر موضوع الحجّية مرددا بين الوضع و الظهور الفعلي، و بما أنّنا لا نقول بأنّ موضوع الحجّية هو الوضع، و إلّا لزم جريان أصالة الحقيقة عند الشكّ في قرينية المتصل، بينما لا نلتزم بذلك، إذن فلزم القول بأنّ موضوع الحجّية هو الظهور الفعلي و هو أمر لا معنى للشكّ فيه.

و الواقع أنّ توهّم دوران الأمر بين هذين الشقين أوجب كثيرا من التفريعات و المغالطات في كلمات الأصوليين المتأخّرين التي لم تكن موجودة في كلمات الأصوليين المتقدّمين، و الصحيح أنّ موضوع الحجيّة ليس أمره مردّدا بين الوضع و الظهور الفعلي بالمعنى الّذي لا يمكن الشكّ فيه، بل هناك أمر ثالث نختار كونه موضوعا للحجّية بإمكاننا أن نعبّر عنه بالظهور اللّغوي [1]، و معه نستطيع أن نجمع بين إمكانيّة الشكّ في الظهور من ناحية و بين عدم جريان أصالة الحقيقة عند الشكّ في قرينيّة المتصل من ناحية أخرى، و لا نقصد بالظهور اللّغوي ما نسب إلى المتقدّمين جعله موضوعا للحجّية من المعنى المستفاد من حاقّ الوضع، كي يلزم من ذلك جريان أصالة الحقيقة عند الشكّ في قرينيّة المتصل، بل نقصد به الدلالة

____________

[1] و هذا ما سمّاه أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في الحلقة الثالثة من حلقات كتابه (دروس في علم الأصول) بالظهور الموضوعي و سمّي الظهور الفعلي هناك بالظهور الذاتي.

247

التصديقيّة النهائيّة التي تتعيّن للكلام بلحاظ مجموع النظم و القوانين الموجودة لدى العرف لاقتناص المراد، و إن شئت فسمّ ذلك بلغة أهل العرف في مقابل اللّغة الأصيلة، و أظنّ أن مقصود المتقدّمين كان هو هذا لا ما نسب إليهم، و الظهور بهذا المعنى دائما هو شي‏ء واحد قد يعرفه شخص و يجهله شخص آخر، و من المعقول وقوع الشكّ فيه، فإنّ هذا الظهور أمر واقعي لا يختلف من شخص لآخر ثابت بثبوت تلك اللّغة العرفية و قوانينها و نظمها، فقوانين اللّغة دائما تقتضي معنى معيّنا أو أحد معاني متعدّدة عند الإجمال من دون أن يختلف الحال باختلاف الأشخاص، أمّا الظهور الفعلي بالمعنى الّذي لا يمكن الشكّ فيه فيختلف من شخص لآخر في أبناء اللّغة الواحدة، فإنّه عبارة عمّا ينسبق إليه ذهن السامع و وعاء ذهنه، و من المعلوم أنّ ذهن السامع ليس وعاء فارغا، بل هو وعاء ملي‏ء مشحون بمختلف الخصوصيّات السابقة و العوامل المؤثرة من المحاورات و التعايشات و التفكيرات و مقدار الاطلاع على استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى أو ذاك و ما إلى ذلك من أمور، و هذه كلّها أمور تختلف من شخص لآخر، فالظهور الفعلي شأنه شأن الماء الّذي يجري في أوعية مختلفة فيكتسب ألوانها، فالظهور الفعلي لكلّ كلام هو نتيجة اللّغة زائدا المؤثرات الشخصيّة.

و الدليل على كون موضوع الحجّية هو الظهور اللّغوي بالمعنى الّذي شرحناه، هو أنّ حجّية الظهور بالسيرة العقلائية إنّما هي باعتبار ما له من الكشف عن المراد، و هذا الكشف يكون باعتبار مقتضى الغلبة حسب طبع المتكلّم الناشئة عن حساب الاحتمالات، و من المعلوم أنّ المتكلم إنّما يحاول بمقتضى طبعه و بحسب الغالب أن يجعل مراده منطبقا على الظهور اللغوي لكلامه لا على الظهور الفعلي الّذي يختلف من سامع لآخر، فالظهور الفعلي يعبّر عن لغة شخصيّة لكلّ شخص، و الظهور اللّغوي يعبّر عن لغة

248

مشتركة، و من الواضح أنّ المتكلّم يحاول الكلام باللّغة المشتركة لا بلغة شخص من أشخاص السامعين، إذن فموضوع الحجّية هو الظهور اللّغوي لا الظهور الفعلي، نعم قد يكون الظهور الفعلي أمارة بوجه من الوجوه على الظهور اللّغوي كما سيأتي بيانه- إن شاء الله-، و هذا غير فرض كون موضوع الحجّية ابتداء هو الظهور الفعلي.

و الظهور اللغوي بالمعنى الّذي عرفت يكون احتمال قرينيّة المتصل مضرّا بالتمسّك به، لأنّ الظهور اللّغوي يعني الدلالة التصديقية النهائيّة المقتنصة من مجموع قوانين اللّغة، و احتمال قرينيّة المتّصل يساوق احتمال عدم كون مقتضى قوانين اللّغة إرادة المعنى الفلاني، فكما أنّ احتمال قرينيّة المتصل ينافي الحجّية بناء على مبنى المشهور من كون موضوع الحجّية هو الظهور الفعلي، كذلك ينافيها بناء على مبنانا من كون موضوع الحجّية هو الظهور اللّغوي، على فرق بين المبنيين و هو أنّه: على مبنى المشهور يقطع بعدم الظهور عند احتمال قرينية المتصل إذ ترى وجدانا عدم انسباق المعنى الفلاني إلى الذهن لمنع وجود محتمل القرينيّة عن هذا الانسباق، و على مبنانا لا يساوق احتمال قرينيّة المتصل القطع بعدم الظهور بل يساوق الشكّ في الظهور إذ على تقدير عدم قرينيّة في الواقع يكون الظهور اللّغوي محفوظا في المقام، و على أيّ حال فالكلام يسقط عن الحجّية، إذ لا فرق في ذلك بين فرض القطع بعدم الظهور و فرض الشكّ في ذلك.

و الفرق بين هذين المبنيين قد يؤدي بنا إلى بعض ثمرات عمليّة، كما لو قال المولى: يجب إكرام كلّ عالم و لا يجب إكرام زيد، و تردّد المقصود بزيد، بين زيد العالم و زيد الجاهل، و قال أيضا: يجب إكرام كلّ شاعر و لا يجب إكرام عمرو، و تردّد المقصود بعمرو، بين عمرو الشاعر و عمرو غير الشاعر، فدار أمر الدليلين في هذين الكلامين بين التخصيص و التخصّص،

249

و لنفرض أنّنا علمنا إجمالا بأنّ أحدهما تخصيص و الآخر تخصّص [1]، و عندئذ إن قلنا بمسلك المشهور من أنّ موضوع الحجّية هو الظهور الفعلي فهنا لم تتمّ حجّة على وجوب إكرام زيد العالم و لا عمرو الشاعر لعدم الظهور الفعلي لكلّ من الكلامين وجدانا لاحتفافه بما يصلح للقرينيّة، فنرجع في كليهما إلى البراءة عن وجوب الإكرام، و إن قلنا بمسلكنا من أنّ العبرة بالظهور اللّغوي فنحن نعلم إجمالا بثبوت الظهور اللّغوي في أحدهما لغرض عدم إرادة التخصيص من ذيله، فيتشكل عندنا علم إجمالي بقيام الحجّة على وجوب إكرام أحدهما، فيجب العمل بمقتضى قوانين العلم الإجمالي.

و هذا المثال بنفسه دليل على صحّة مسلكنا، إذ لا يشكّ أحد في أنّ العقلاء في مثل هذا المورد يطبقون قوانين العلم الإجمالي و لا يرجعون إلى أصالة البراءة، و هذا دليل على أنّ موضوع الحجّية عندهم إذن هو الظهور اللغوي لا الظهور الفعلي.

و الآن نبدأ ببحث الطرق التي ذكرت لإثبات الظهور:

1- التبادر:

الطريق الأوّل- هو التبادر فيقال: إنّ تبادر معنى من اللفظ إلى الذهن- لو كان من حاق اللفظ و غير مستند إلى القرينة- علامة الوضع و الحقيقة، لأنّ التبادر له علّتان لا غير: الوضع و القرينة فإذا انتفى الثاني انحصر الأمر في الأوّل، و كشف التبادر عن الوضع كشف المعلول عن علّته.

و علّق على هذا الكلام في كلمات المحقّقين بتعليقات ثلاثة:

التعليق الأول- إنّنا لا يهمّنا استكشاف الوضع اللّغوي، فإنّ مناط

____________

[1] و فرضنا أيضا أنّ التخصيص هنا يوجب المجاز لأنّ قوله: لا يجب إكرام فلان لم يكن بصيغة قيد المدخول كالوصف أو الاستثناء كي يقال: إنّ العموم إنّما هو لشمول أفراد المدخول مثلا.

250

الحجّية هو الظهور الفعلي لا الظهور اللغوي.

و هذا التعليق فرغنا سابقا عن تحقيق حاله و ظهر أنّ مناط الحجّية هو الظهور اللّغوي بالمعنى الّذي عرفت.

التعليق الثاني- ما هو مذكور في الكفاية من لزوم الدور، لأنّ التبادر معلول للعلم بالوضع فكيف يوجب العلم بالوضع؟! و أجابوا عن هذا الإشكال بطريقين كما هو موجود في الكفاية و غيره من الكتب المرسومة:

الأول- إنّ العلم التفصيليّ بالوضع يتوقّف على التبادر، و التبادر يتوقّف على العلم الإجمالي الارتكازي. و مقصودهم بالتفصيل و الإجمال هنا التفات النّفس إلى المعلوم و عدم التفاتها إليه رغم وجوده في حاق النّفس و ليس المقصود من عدم الالتفات النسيان فإنّ النسيان يوجب زوال العلم بل المقصود عدم توجه النّفس إليه بالفعل. مثلا كلّنا نعلم معنى التمر و لكن قبل إلقاء هذه الكلمة لم تكن متوجّها توجها خاصّا إلى علمك بمعنى التمر فقد كان علمك به إجماليا ارتكازيا و الآن أصبح علما تفصيليا.

و الثاني- الفرق بين العالم و المستعلم بأن نفرض أنّ التبادر عند العالم علامة لدى الجاهل، فلو أنّ شخصا من خارج أبناء اللسان مثلا دخل مجلسهم و رآهم أنّ كلمة التمر توجب تبادر المعنى الفلاني إلى أذهانهم عرف أنّ كلمة التمر موضوعة لذاك المعنى.

التعليق الثالث- إنّ التبادر إنّما يكون علامة على الحقيقة فيما إذا أحرز عدم القرينة، أمّا إذا شكّ في وجود القرينة و عدمها فلا يكون التبادر علامة الوضع، إذ لا يدلّ معلول له علّتان على إحدى العلّتين بالخصوص، و لا يمكن نفي القرينة بأصالة عدم القرينة كي يثبت انحصار الأمر بالوضع، لأنّ أصالة عدم القرينة- على ما قالوا- تجري في موارد الشكّ في المراد لا الشكّ في الاستناد.

251

أقول: إنّ بين التعليق الثاني و الثالث شيئا من التدافع، إذ في التعليق الثاني فرض أنّ التبادر مرتب على العلم بالوضع لا على نفس الوضع، بينما التعليق الثالث إنّما ينسجم مع فرض ترتب العلم على نفس الوضع حتى يعقل الشكّ في أنّ هذا التبادر هل هو مستند إلى الوضع أو لا يوجد وضع في المقام و أنّ التبادر نشأ من القرينة، أمّا إذا فرض التبادر مترتّبا على العلم بالوضع فلا معنى لهذا الشكّ إذ لا معنى لأن يشكّ أحد في أنّه هل يعلم بالوضع أو لا، فإنّ العلم الإجمالي الارتكازي بعد الالتفات إليه ينقلب إلى التفصيل و إلّا لم يكن علما بل كان أمرا منسيا خارجا عن خزانة النّفس [1].

و الصحيح- كما ستعرف إن شاء الله- هو منحى التعليق الثالث و ليس منحى التعليق الثاني.

و على أيّ حال فلنبحث الآن عمّا هو التحقيق في هذين التعليقين:

أمّا التعليق الثاني- و هو إشكال الدور، فهو مبنيّ- كما عرفت- على تسليم أنّ التبادر يترتّب على العلم بالوضع لا على نفس الوضع، و هذا إنّما يتمّ لو قصرنا النّظر في تعلّم اللّغة على طريقة الدراسة على يد القواميس أو على الأستاذ و نحو ذلك، فيقال مثلا ما لم يعلّمه الأستاذ المعنى الحقيقي للكلمة لا يتبادر لديه المعنى من اللفظ. و لكن طريق تعلّم اللّغة ليس منحصرا بذلك، بل هناك طريق آخر و هي الطريقة الحياتيّة في تعلّم اللغة و هي طريقة تعلّم اللّغة بالتعايش في وسط أبناء تلك اللّغة، و هي الطريقة التي يمرّ بها كلّ إنسان في حالة طفولته، فهو يولد في بيئة معيّنة تسودها لغة من اللغات و تتكوّن لديه بالتدريج تبادرات معيّنة، فحينما يسمع كلمة الماء مثلا- يتبادر في ذهنه المعنى المعترف به في ذلك المحيط، و هذا التبادر

____________

[1] كأنّ إشكال التدافع ينظر إلى فرض الجواب الأول من جوابي إشكال الدور و هو التمييز بين العلم التفصيليّ و الارتكازي إذ لو انحصر جوابهم بالجواب الثاني و هو التمييز بين العالم و المستعلم لما كان هناك تدافع بين التعليقين.

252

لا يخلق في ذهنه نتيجة للعلم بالوضع، إذ هو لا يتعقّل حتى الآن معنى الوضع و معنى الدلالة و المدلولية و نحو ذلك، و ليس حال هذا الطفل حال الرّجل الكبير الفيلسوف الّذي يدخل بلدا و يصبح بصدد التتبّع عن استعمالات كلمة الماء من قبل أبناء اللسان، فإذا رأى تبادر معنى لهم من هذه الكلمة جعل ذلك دليلا على الوضع.

فهذا الطفل رغم عدم تصوّره للوضع فضلا عن علمه به، قد تكوّن لديه التبادر، و لم يكن التبادر لديه معلولا لعلم ثابت له في الرتبة السابقة عليه بالوضع، و بعد هذا حينما يكبر الطفل و يعرف أنّ هناك لغة و لفظا و معنى و وضعا يستنتج من نفس التبادر الموجود لديه أنّ كلمة الماء موضوعة للمعنى الفلاني، فقد مرّ كلّ واحد منّا بدور استنتاج الأوضاع من التبادرات، حتى أولئك المشكلون بالدور قد مرّوا بهذه المرحلة و استخدموا هذه العلامة من دون أن يقعوا في الدور. هذا مثال وجداني لتوضيح الفكرة.

و أمّا حقيقة الفكرة في المقام فلا يسعنا تفصيل الكلام فيها هنا، فإنّ هذه الفكرة مستقاة من مباني و تحقيقات في بحث الوضع، و كان ينبغي جعل بحث الوضع مقدّمة لبحث الظواهر، و لكنّنا ما دمنا نبحث وفق المنهج الرسمي المتعارف لبحث الأصول، فقد حصل الفصل بين بحث الوضع و بحث الظواهر، و على أي حال فنحن نذكر المدّعى هنا بنحو الإجمال و نستنتج منه النتيجة المقصودة:

إنّ في بحث الوضع مشكلة عويصة جدا و هي كيف نفسّر علاقة اللفظ بالمعنى؟ و هذه العلاقة أمر حقيقيّ لا مجرّد اعتبار أو خيال، بدليل أنّ تصوّر أحدهما يخلق حقيقة تصوّر الآخر في الذهن، فهناك علّية و معلوليّة حقيقية بين الأمرين، أعني تصوّر اللفظ و تصوّر المعنى، و ليست علّية و معلوليّة اعتبارية فرضيّة من قبيل أن تعتبر النار علّة للبرودة بينما لا تترتّب البرودة

253

على النار مهما كررنا الاعتبار، لأنّ العلّية هنا لم توجد حقيقة و إنّما وجدت اعتبارا، بخلافها في محلّ الكلام، و إلّا لكان حال تصوّر اللفظ و تصوّر المعنى حال النار و البرودة.

إذن فكيف نفسر هذه العلاقة بين اللفظ و المعنى؟ هل هي علاقة ذاتية كما يتوهّم البعض، أو تخلق بالجعل و تنشأ بالإنشاء كما عليه جملة من الناس، أو تحصل بالتعهّد كما عليه بعض آخر، أو أنّها شي‏ء آخر غير هذه الأمور؟.

كلّ ما أفيد في الأصول الرسمي من التفصيلات لكيفية تكوّن هذه العلاقة قد أوضحنا في بحث الوضع أنّها لا تصلح لتفسير هذه العلاقة، و بيّنّا هناك حقيقة هذه العلاقة و كيفية تكوّنها، و لا يسع المجال للتفصيل و لكنّنا نشير إلى أنّه كما توجد في باب التصديق واسطة بين الحدّ الأصغر و الحدّ الأكبر و هي ما تسمّى بالحدّ الأوسط تؤدّي إلى الجزم بثبوت أحدهما للآخر، كذلك في باب التصوّر نتصوّر موضوعين بينهما واسطة و رابطة و هي رابطة القرن الأكيد تجعل الذهن ينتقل من تصور أحدهما إلى تصور الآخر، أي أنّ بينهما حد أوسط تصوّري أدّى إلى هذه النتيجة، مثلا نفترض أنّ شخصا سافر إلى البصرة مرة واحدة في حياته و سرق في هذه السفرة جميع أمواله و متاعه ثم رجع إلى محلّه، فهنا يوجد موضوعان: أحدهما السفر إلى البصرة و الآخر السرقة و قد ارتبطا برابط القرن الأكيد بين التصوّرين في الذهن، و بعد هذا ما دامت هذه الرابطة قائمة في عالم النّفس متى ما سمع هذا الشخص حديثا عن البصرة تذكّر السرقة، و نفس هذه الرابطة التي هي أمر عام في كثير من الموارد نتصوّرها في باب الوضع و نقول: إنّ وظيفة الوضع هي إحداث هذه الرابطة بين اللفظ و المعنى لا جعل الملازمة، لأنّ الملازمة غير قابلة للجعل، و إذا حدثت هذه الرابطة فما دامت قائمة ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى انتقالا تصوّريا، أمّا كيف تتمّ هذه العملية

254

و ما هو كنهها؟ فذا موكول إلى بحث الوضع. ثم الواضع إذا وضع اللفظ للمعنى دون أن يخبر أحدا بحسب الخارج، لم ينتقل ذهن السامع من هذا اللفظ إلى المعنى لأنّ الرابطة لم توجد في ذهنه، و الانتقال من أحد الحدّين إلى الآخر فرع وجود الرابطة في ذهن المنتقل، إلّا أن تكوّن هذه الرابطة في الذهن ليس منشؤه منحصرا في العلم بالوضع، بل هنا منشأ آخر لتكوّن هذه الرابطة في الذهن و هو الوقوف على استعمالات كثيرة، فالطفل حينما يسمع كثيرا كلمة الحليب مقترنا ذلك برؤية الحليب تتكوّن في ذهنه هذه الرابطة بين اللفظ و المعنى، فكثرة استعمال اللفظ أمامه في هذا المعنى مطلقا و في جميع الأحوال تقوم مقام العلم بالوضع و تحدث في ذهنه نفس الرابطة قبل أن يعلم شيئا عن الوضع و بعد هذا يستدلّ بهذه العلاقة على الحقيقة.

أمّا أنّه كيف يفرق بين الحقيقة و المجاز مع وجود هذه العلاقة في المجاز أيضا؟ فطريق الفرق بينهما هو أنّ هذه الرابطة في باب الحقيقة رابطة مطلقة و في باب المجاز رابطة مقيّدة بشروط معيّنة، و الرابطة المطلقة نتيجة للاستعمال المطّرد و الاستعمال المطّرد نتيجة للوضع، و حينما لا يكون الاستعمال مطّردا لا تتولّد رابطة مطلقة و لا يكون الاستعمال حقيقة بل هو مجاز.

و قد تحصل أنّ التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع حتى يلزم من الاستدلال به على الوضع الدور، و إذا اتّضح أنّ التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع انفتح المجال للدخول في التعليق الثالث فنقول:

و أمّا التعليق الثالث- و هو فرض الشكّ في استناد التبادر إلى القرينة و عدمه، فنحن نفسّره بالطريق الفنّي بأن نقول: إنّ هذا الطفل الّذي تعلّم اللغة على الطريقة الحياتية قد يشكّ في أنّ هذه الرابطة بين اللفظ و المعنى هل هي رابطة مطلقة أو رابطة مقيّدة بشروط معينة و مكتنفات خاصة

255

للكلام، و عندئذ تكون طريقة معرفة المطلب بتغيير الأحوال حالا بعد حال، فإذا رأى مثلا عشرين موردا مختلف الأحوال كلّها مشتركة في وجود هذا التبادر و هذه الرابطة عرف بحساب الاحتمالات أنّ هذه رابطة مطلقة كما هو الحال في اكتشاف العلّيّة في باب التجربة في الأمور الخارجيّة. و هذه العلاميّة للتبادر علامية حقيقيّة تكوينية قائمة على أساس قوانين حساب الاحتمالات غير محتاجة إلى جعل جاعل أو تعبّد متعبّد ثابت من قبل العقلاء أو الشارع أو إمضاء الشارع أو غير ذلك.

و هناك علاميّة أخرى للتبادر تعبّديّة، و توضيح ذلك أنّ السامع لو سمع من المولى قوله- مثلا- (ائتني بأسد يعيش في الحديقة) و تبادر إلى ذهنه من كلمة الأسد الحيوان المفترس، فهذا ظهور فعلي في طلب الحيوان المفترس و هو الّذي قال عنه الأصوليون المتأخرون انّه هو موضوع الحجيّة، و نحن بيّنّا أنّ موضوع الحجّية هو الظهور اللغوي لا الظهور الفعلي و لا يهمّنا الآن أنّ هذا التبادر هل نتج عن الوضع أو نتج عن القرينة و أنّ هذا المعنى هل هو معنى حقيقي أو مجازي؟ و إنّما يهمّنا أن نرى أنّ هذا الظهور الفعلي هل هو مطابق للظهور اللغوي أي لما يقتضيه نظام اللغة بالمعنى الواسع الشامل للقرائن و المناسبات العامة أو لا؟ فإن كان هذا الظهور الفعلي ناتجا عن نظام اللغة، إذن هو يكشف عن مراد المولى فهو حجّة لنا سواء كان حقيقة أو مجازا و إن كان قد تدخّلت في تكوّن هذا الظهور في ذهننا إضافة إلى نظام اللغة خصوصيات أخرى نفسيّة لا تمّت إلى نظام اللغة بصلة، إذن هذا الظهور لا يكشف عن مراد المولى، مثلا نفترض أنّنا ذهبنا بالأمس إلى حديقة الحيوانات فتبادر إلى ذهننا من هذا الكلام الحديقة التي رأيناها فإذا جاء هذا الاحتمال و هو احتمال تدخّل خصوصيات أخرى غير نظام اللّغة فيما تكوّن لدينا من ظهور ناتجة عن ثقافتنا الخاصة أو بيئاتنا الخاصة أو نحو ذلك، فعندئذ قد يتفق إمكان طرد هذا الاحتمال بعرض‏

256

الكلام على ناس آخرين من ثقافات و بيئات مختلفة فإن فهموا منها معنى معيّنا واحدا كان احتمال أن لا يكون هو المعنى اللغوي و أن يكون فهم جميع هؤلاء ناشئا من خصوصياتهم الشخصيّة مستبعدا بحساب الاحتمالات.

و قد لا تتاح للإنسان فرصة علاج من هذا القبيل، و لكن العقلاء بنوا على العلامية التعبّدية للتبادر، فإنّ بناء العقلاء قائم على التعبّد بإحراز الظهور اللغوي عن طريق الظهور الفعلي و الشارع أمضى ذلك، فما هو الحجّة أولا في نظر العقلاء لإثبات مراد المتكلّم هو الظهور اللغوي لأنّه الكاشف عن المراد، و لكن الطريق للوصول إلى الظهور اللغوي في نظر العقلاء هو الظهور الفعلي فمن الطبيعي أنّ كلّ واحد منّا يعيش ظروفه الخاصة و خصوصياته المعينة و يحتمل الفرق بين الظهور اللغوي و الظهور الفعلي، فجعل الظهور الفعلي أمارة على الظهور اللغوي. و لعل الوجه في جعله أمارة تعبّديّة من قبل العقلاء أنّ احتمال الفرق بين الظهور الفعلي و الظهور اللغوي في نظرهم موهون جدّاً و لو لأجل عدم تنبههم إلى تمام الخصوصيات التي يحتمل أن يكون لها دخل في تكوين الظهور الفعلي و عدم التفاتهم إلى أنّ الخصوصيات الشخصية لها تأثير مفصّل في ذلك [1].

2- قول اللغوي:

الطريق الثاني لإثبات الظهور هو قول اللغوي. يظهر من الكفاية

____________

[1] و من هنا قد يمكن إثبات الحقيقة و المعنى الموضوع له بالتبادر إثباتا تعبّديا و ذلك فيما لو افترضنا أنّ التبادر كان ثابتا و لم نكن نحتمل استناده إلى القرينة و لكنّنا كنّا نحتمل استناده إلى شئون شخصيّة لنا لا تمت إلى نظم اللغة بصلة أو إلى عدم استيعابنا لتمام النكات اللغوية و أساليب المحاورة فعندئذ ننفي ذلك بالأماريّة العقلائيّة للظهور الفعلي و تثبت بذلك الحقيقة بعد أن كان المفروض القطع بعدم استناد التبادر إلى القرينة.

257

و غيرها من الكتب الرسمية أنّ الإفتاء بحجّية قول اللغوي كان مشهورا حتى ادعي عليه الإجماعات في ألسنتهم و جعل الإجماع مثلا أحد الأدلة على حجّيته، إلّا أنّه لدى المتأخرين انقلب القول عن الحجّية إلى القول بعدمها.

و خلاصة ما يظهر من كلامهم بهذا الصدد: إنّ التمسّك بقول اللغوي تارة يكون لأجل إثبات موارد استعمال اللفظ، و أخرى يكون لتشخيص المعنى الحقيقي للكلام، و لا تتمّ حجّية قول اللغوي في شي‏ء من المقامين:

أمّا في المقام الأول: و هو إثبات موارد الاستعمال فالذي يستفاد من مجموع الكتب الرسمية للمحقّقين الإشكال على ذلك بوجهين:

أحدهما- ما يستظهر من عبارة المحقّق الخراسانيّ- (رحمه اللّه)(1)- و هو أنّ مجرّد معرفة موارد الاستعمال لا يفيد الفقيه و إنّما الّذي يفيده هو تمييز الظاهر منها من غير الظاهر أي تمييز الحقيقة عن المجاز كي تترتّب على ذلك حجّية الظهور فيعمل به.

و الثاني- ما يستفاد من كلمات المحقّقين المتأخّرين و هو أنّنا لو قلنا بحجّيّة قول اللغوي فإنّما هو على أساس سيرة العقلاء القائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة، و هذا هو الدليل المهم الّذي استند إليه المتقدّمون من علماء الأصول للقول بحجّية قول اللغوي. بينما هذا لا يتمّ في المقام فإنّ حجّية قول أهل الخبرة عقلائيا إنّما تكون في الخبرات الحدسيّة كخبرة الطبيب و المهندس و الفقيه. أمّا في الخبرات الحسّية من قبيل موت زيد و حياة عمرو فلا يعتمد على الإخبار عن ذلك إلّا بلحاظ الشهادة، فيعتبر فيه ما يعتبر في الشاهد من العدالة و التعدّد بناء على عدم قبول خبر الواحد في الشبهات الموضوعية، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ إخبار اللغوي عن موارد

____________

(1) في تعليقته على الرسائل.

258

الاستعمال إخبار عن حسّ، أو ما يقرب من الحسّ، و ليس إخبارا حدسيّا.

و أمّا في المقام الثاني- و هو إثبات المعنى الحقيقي الموضوع له الكلام في قبال المعنى المجازي، فالمتحصل من كلماتهم هنا أيضا وجهان في بيان عدم جواز الرجوع إلى قول اللغوي:

أحدهما: إنّ أهل اللّغة ليسوا من ناحية تعيين المعنى الحقيقي و تمييزه عن المعنى المجازي من أهل الخبرة بدليل أنّهم لم يتصدّوا لتحقيق هذا المطلب في كتبهم و بياناتهم، و لو كانوا من أهل الخبرة في ذلك لسجلوا نتائج خبراتهم في بحوثهم.

و الثاني- إنّ أهل اللغة لا يمكنهم أن يكونوا من أهل الخبرة في تمييز المعاني الحقيقية عن المجازية إذ لا توجد لديهم الوسائل التي تمكّنهم من هذه الخبرة، إذ ليست لديهم وسيلة عدا الاستماع إلى موارد الاستعمال و تجميعها، و من المعلوم أنّ الاستعمال أعم من الحقيقة.

أقول: التحقيق عدم إمكان المساعدة على أكثر هذه الكلمات:

أمّا عدم ترتّب الأثر على نقل اللغوي لمورد الاستعمال لأنّ الّذي يهمّنا هو الظهور و معرفة الحقيقة فيرد عليه: إنّنا لو قلنا بحجّيّة قول اللغوي في ذلك لترتّب عليه الأثر في الاستنباط من النصوص الشرعية في فروض عديدة.

أحدها- أن نفرض أنّنا عرفنا أنّ اللفظ الفلاني لم يستعمل إلّا في المعنى الواحد الفلاني و لكن التردّد كان في حدود ذلك المعنى المستعمل فيه، كما لو عرفنا أنّ لفظ الصعيد لم يستعمل إلّا في معنى واحد محدود بحدود خاصة و هو المعنى الحقيقي الظاهر منه و شككنا في أنّ هذا المعنى الواحد هل هو عبارة عن التراب أو مطلق ما على وجه الأرض؟ فنأخذ بقول اللغوي الناقل للمعنى المستعمل فيه، و هذا ليس من الرجوع إلى قول اللغوي في تشخيص الحقيقة.

ثانيها- أن نعرف أنّ لهذا اللفظ معنى و لا نعرف أنّ له عدّة معاني شكّ‏

259

في الحقيقة منها من المجاز، و اللغوي قد نقل لنا: أنّ هذا اللفظ لم يستعمل إلّا في المعنى الفلاني فلا بدّ أن يكون هو المراد من النص، و من البعيد جدا أن يكون له معنيان و موردان للاستعمال و مع هذا يخفى أحدهما على اللغوي.

ثالثها- ما لو أحرزنا أنّ هذا اللفظ لم يرد به بعض معانيه كما لو قال لنا اللغوي: إنّ موارد استعمال اللفظ الفلاني ثلاثة و شخّصها لنا، و نحن قد حصلنا على قرينة بلحاظ نصّنا الشرعي تدلّ على أنّ المعنى الأول و الثاني غير مقصودين من هذا النص فيتعيّن حمله على المعنى الثالث، و ليس هذا من تشخيص الحقيقة عن المجاز بل من باب تعيين موارد الاستعمال.

و أمّا القول بأنّ إخبار اللغوي عن موارد الاستعمال إخبار عن حسّ و ليس إخبارا عن حدس كي يشمله بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة فيرد عليه:

أولا- إنّ في كثير من الموارد يكون تعيين موارد الاستعمال قائما على أساس الحدس، فإنّ تعيين أصل المعنى المستعمل فيه اللفظ قد يكون قريبا من الحسّ، إلّا أنّ تعيين حدود المعنى و قيوده و إطلاقه و ضيقه ممّا لا بدّ فيه من استعمال الحدس في كثير من الأوقات، فإنّ اللغويين كانوا يتتبعون كلمات العرب و استعمالاتهم في جزئيات الموارد فيجمعونها و ينتزعون منها بعد إلغاء الخصوصيات التي يمتاز بها فرد من أفراد مورد الاستعمال عن آخر جامعا كي يعرفوا أنّ هذا هو المعنى المستعمل فيه، و عمليّة انتزاع هذا الجامع عمليّة حدسيّة و اجتهادية و ليست حسّية.

و ثانيا- إنّ معنى بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة منضمّا إلى عدم حجّية خبر الواحد في موضوعات من قبيل موت زيد و حياة عمرو- لو قلنا به- لا يعني اختصاص الحجّية العقلائية لقول أهل الخبرة بالخبرة الحدسية بأن يكون الحدس أولى بالاعتماد عليه من الحسّ، فلو قال: رأيت بعيني، لم يقبل منه و لو قال: إنّي أعمل نظرا و اجتهادا يكون في معرض الخطأ

260

و الصواب، و أضفت أشياء من عندي من الحدس و التخمين، قبل منه، فإنّ مثل هذا الأمر غير محتمل بشأن العقلاء، و الحدسية توجب الضعف لا القوّة، و فرض كون ما يوجب الضعف دخيلا في الحجّية و ما يوجب القوّة مانعا عن الحجّية مطلب غير مناسب لارتكاز العقلاء الذين يكون جعل الحجّية عندهم بملاك الكشف و الطريقية.

و الّذي دعا هؤلاء العلماء إلى مثل هذا التفصيل هو استثناء باب الشهادة بناء على عدم حجّية خبر الواحد في القضايا الجزئية من قبيل حياة زيد و موت عمرو، فتخيّل أنّ الميزان الفاصل في السيرة العقلائية إنّما هو كون الخبرة حسية أو حدسية، بينما ليس الأمر كذلك.

و إنّما الميزان الفاصل هو كون جهة الإخبار مربوطة بمطلب حياتي عامّ يحتاج استيعابه و تفهم خصوصياته إلى تفرّغ و تخصّص فبمقتضى قانون العمل بين الناس خصّص لكلّ مطلب من هذا القبيل جماعة يتّبعون في مقام تحصيل قضاياه على أساس الخبرة الحدسيّة أو الحسّية، حيث إنّه لو صار البناء على أنّ كلّ إنسان لا يبني موقفه إلّا على أساس الخبرات التي يحصّلها و يعمل بصحتها بنفسه، ككيفية معالجته لمريضه، أو بنائه لداره، أو ما شابه ذلك لتوقّفت الحياة، و لا يسع عمر الإنسان للتفرّغ لتحصيل كلّ هذه العلوم خصوص الإنسان الميداني الّذي يشتغل في الميادين الحياتية، فلهذه النكتة فرضت في القضايا العامّة التي ترتبط بالحياة ارتباطا عامّا فكرة التخصّص و الرجوع إلى المتخصصين. و هذا بخلاف الجهات الجزئية كموت زيد و حياته و وجوده في الدار و نحو ذلك من القضايا الجزئية و الأمور المحسوسة، فهذه أدوار يمكن طيّها لكلّ إنسان بمجرّد أن يتصدّى للاطلاع عليها و ترتيب الآثار عليها الخارج، و ليست من الأمور التي تكون بحاجة إلى التفرّغ و التخصص. فالتفصيل في السيرة العقلائية إنّما هو بين القضايا العامّة و الجزئية لا بين الحدس و الحسّ، ففي القضايا العامّة التي هي بحاجة