مباحث الأصول / تقريرات - ج2

- السيد كاظم الحسيني الحائري المزيد...
731 /
361

..........

____________

- شمول كلام الإمام لنقل نفس هذا الكلام ليس شمولا للكلام لنفسه، و لا بلحاظ السند، لعدم إمكان تحليل السند في المقام على شرح مضى.

و تطبيق الوجه الأوّل من هذين الوجهين على روايتنا في المقام قد أورد عليه أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح بأنّ احتمال الفرق في خصوص المقام وارد، لأنّ هذه الرواية تريد أن تقرّبنا نحو الكتاب، فتمنع عن حجّيّة خبر ليس له شاهد من الكتاب، و هذه الرواية و إن لم يكن لها شاهد من الكتاب حسب الفرض إلّا أنّها تقرّبنا نحو الكتاب، لأنّها تأمر بأن لا يؤخذ إلّا بما يوافق الكتاب، فاحتمال الفرق بينها و بين غيرها بحجّيتها دون حجّية غيرها موجود.

و قد جاء في تعارض الأدلّة للسيّد الهاشمي- حفظه اللَّه- (المفارقة الأولى و الثالثة ص 319- 320) ذكر مفارقات على الاستدلال برواية ابن أبي يعفور لإسقاط خبر الواحد عن الحجّية. منها- أنّ هذا لو تمّ، لا يسقط خصوص ما لا شاهد له من الكتاب، بل يسقط مطلق خبر الواحد، لأنّ حجّية ما له شاهد من الكتاب لا ثمرة له إلّا نادرا، فالمفهوم عرفا من ذلك بيان أنّ الحجّة إنّما هي الكتاب لا خبر الواحد سواء وافق الكتاب أولا، و إسقاط حجّيّة خبر الواحد بخبر الواحد خلف. و منها- أنّه لو جعلت هذه الرواية مسقطة لما شاهد له من الكتاب فهي تسقط نفسها، لأنّها لا شاهد لها من الكتاب. و هذا غير ممكن. و قد فرضت في كتاب تعارض الأدلّة المفارقة الأولى تامّة و المفارقة الثانية غير صحيحة، لأنّ هذه الرواية لئن لم يمكن إسقاطها لنفسها فإسقاطها لغيرها ممكن، و احتمال الفرق عرفا وارد، لأنّ هذه الرواية تقرّبنا من الكتاب.

أقول: كأنّ توجيه الفرق بين المفارقتين بقبول الأولى دون الثانية مبتن على النّظر إلى الوجه الأوّل من وجهي تتميم الإشكال، و هو دعوى القطع بعدم الخصوصية و الميزة لهذه الرواية بحيث تجعل حجّة دون غيرها. فيقال: إنّ هذا القطع يرتفع حينما يفرض أنّ مفاد الرواية هو إسقاط الخبر الّذي لا شاهد له من الكتاب عن الحجّية، باعتبار أنّ هذه الرواية بالذات و ان كان لا شاهد لها من الكتاب لكنّها تقرّب إلى الكتاب، لأنّ المنع عمّا لا شاهد له من الكتاب بما هو كذلك تقريب إلى الكتاب، فلعلّه لهذا اختصّت بالحجّيّة. أمّا إذا فرض أنّ مفاد الرواية هو إسقاط خبر الواحد بما هو خبر الواحد عن الحجّية، فعندئذ نقطع بعدم مزيّة و خصوصيّة في هذه الرواية التي هي أيضا خبر واحد.

و قد يقال: إنّ الردع عمّا لا شاهد له من الكتاب بما هو كذلك ليس تقريبا نحو الكتاب،

362

الجواب الثاني- أنّنا لو سلّمنا عدم شمول هذا الحديث لنفسه، قلنا: إنّه تقع المعارضة بين هذا الحديث و بين الكتاب و السنّة القطعية بالعموم من وجه:

أمّا معارضته للكتاب بالعموم من وجه، فبناء على فرض تماميّة دلالة آية النفر على حجّية خبر الواحد، فإنّ دلالتها على ذلك تكون بإطلاقها الدالّ على وجوب الحذر سواء حصل العلم أو لا. ففرض حصول العلم مادة للافتراق للآية، و فرض ورود خبر في الأحكام لم يحصل العلم به و لا يوافق الكتاب [1] مادة للاجتماع، و الخبر الّذي ورد في غير الأحكام من قبيل أصول الدين، أو كتاب السماء و العالم، و نحو ذلك، و لم يوافق الكتاب، و لم يحصل العلم به مادة للافتراق لهذا الحديث، لأنّ الآية تختصّ بباب الأحكام، بينما

____________

- لأنّ المفروض أنّ هذا العنوان يعمّ ما لا يخالف الكتاب و لا يوافقه، و الردع عنه ليس تقريبا إلى الكتاب. أمّا لو اكتفينا بأنّ الردع عمّا لا شاهد له من الكتاب ردع ضمنا عمّا يخالف الكتاب، و هذا تقريب نحو الكتاب، فالردع عن مطلق خبر الواحد أيضا ردع ضمنا عمّا يخالف الكتاب، فهو تقريب نحو الكتاب. إذن فالوجه الأوّل من وجهي تتميم الإشكال نسبته إلى المفارقتين الراجعتين بروحهما إلى مفارقة واحدة على حدّ سواء. و قد يجاب على ذلك بأنّه فرض مفاد الرواية الردع عن خصوص ما لا شاهد له من الكتاب، فهو تقريب نحو الكتاب و لو ضمنا، باعتبار أنّ ما لا شاهد له من الكتاب يشمل ما خالف الكتاب، و ما عداه ليس مقرّبا نحو الكتاب سواء كان مبعّدا عنه من قبيل ما يخالف الكتاب، أو غير مبعّد و لا مقرّب من قبيل ما لا يخالف و لا يوافق الكتاب، فمن المحتمل كون مقرّبيّة هذه الرواية نحو الكتاب دون غيره هي المزية التي جعلتها حجّة دون غيرها. أمّا لو فرض مفاد الرواية الردع عن مطلق خبر الواحد الشامل لما وافق الكتاب، فاحتمال المزيّة ينتفي في المقام، إذ كما هو مقرّب للكتاب كذلك ما وافق الكتاب مقرّب للكتاب. و على أيّ حال فلو تمّ كلّ هذا فإنّما هو في إطار التتميم الأوّل للإشكال، فيفترض أنّ هذا التتميم إنّما يتمّ في المفارقة الأولى دون الثانية، و لكن يبقى أنّ التتميم الثاني يتمّ في كلتا المفارقتين اللتين هما في روحهما شقّان لمفارقة واحدة.

[1] قيد عدم موافقة الكتاب ذكره مبني على كون الرواية رادعة عمّا لا يوافق الكتاب، لا عن خبر الواحد بشكل مطلق.

363

هذا الحديث ينفي حجّية الخبر غير الموافق للكتاب في باب الأحكام بالإطلاق، و ليس صريحا في خصوص باب الأحكام و تشخيص الوظيفة العملية، فإنّ الجزاء في قوله: «إذا ورد عليكم حديث، فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه، أو من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)» محذوف، و لا شاهد على كون المحذوف مثل (فاعملوا به في صلاتكم و صومكم)، بل المناسب و القدر المتيقّن من الجزاء هو (فاقبلوه)، أي انسبوا مفاده إلى الدين. و لم نذكر هنا آية النبأ، و اقتصرنا على آية النفر، لأنّ آية النبأ غير مختصّة بباب الأحكام.

و أمّا معارضته للسنّة القطعية بالعموم من وجه، فلأنّ السنّة القطعيّة دلّت- كما سيأتي- إن شاء الله- على جعل الحجّية لخبر الثقة في الأحكام، و لا يمكن تقييدها بخصوص ما إذا كان مضمونه موجودا في القرآن الكريم، فإنّ هذا تقييد بالفرد النادر، و لكن يمكن تقييد بعضها بباب أخذ العامي للفتوى من الفقيه، فإنّ السنّة القطعيّة لم تدلّ على حجّية خبر الثقة بالنصوصية، و إنّما دلّت على ذلك بالإطلاق فإنّ مثل قوله: «أ يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم» (1) يدلّ بالإطلاق على أمرين: أخذ العامي للفتوى من الفقيه، و أخذ الفقيه للخبر من الراوي، فإنّ كليهما أخذ لمعالم الدين. فالفتوى مادة للافتراق للسنّة القطعيّة، و الخبر الّذي لا يوافق الكتاب إن كان في مثل أصول الدين، و أخبار السماء و العالم، فهو مادة للافتراق لهذا الحديث، و إن كان في باب الأحكام فهو مادة للاجتماع.

فإذا كان هذا الحديث معارضا للكتاب و السنة القطعية كان مردوعا عنه بما دلّ على طرح المخالف للكتاب و السنة القطعيّة [1]. فكما يقال: إنّ‏

____________

[1] هذا إن لم نحمله على المخالفة للروح العامّة للكتاب، و إلّا لم يدلّ على سقوط ما يعارض الكتاب بالعموم من وجه. و قد أشار إلى عدم دلالته على ما يعارض الكتاب بالعموم من وجه في- تعارض الأدلّة ص 335.

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 11 من صفات القاضي ح 33 ص 107.

364

هذا الحديث مشمول للسيرة العقلائية و رادع عن باقي الأحاديث يمكن أن يقال: إنّ ما أمر بطرح مخالف الكتاب و السنّة مشمول للسيرة العقلائية و رادع عن هذا الحديث.

و ما سيأتي من الخبر المختار تماميّة الاستدلال به على طرح المخالف و لو بالعموم من وجه، و إن كان قد نصّ فقط على مخالفة الكتاب، لكنّا نفهم أنّ ذلك بنكتة قطعيّة الكتاب، فلا فرق في ذلك بين الكتاب و السنة القطعية.

إنّ قلت: إنّ الردع ثابت من الطرفين، فرواية ابن أبي يعفور تردع عمّا يأمر بطرح ما يخالف الكتاب و السنّة، إذ لا شاهد له من الكتاب و السنّة، و ما يأمر بطرح ما يخالف الكتاب و السنّة يردع عن رواية ابن أبي يعفور المخالفة للكتاب و السنّة الدالّين على حجّية خبر الواحد.

قلت: أوّلا- يكفينا الترادع من الطرفين و التساقط، إذ نرجع بعد ذلك إلى الكتاب و السنّة القطعيّة الدالّين على حجّية خبر الواحد.

و ثانيا- أنّ رواية ابن أبي يعفور لا تردع عن الأخذ بما يأمر بطرح ما خالف الكتاب و السنّة، فإنّ تلك الرواية إن كانت صادرة من الإمام، فما يأمر بطرح ما خالف الكتاب و السنّة قد وافق السنّة، فإنّ تلك الرواية تدلّ على عدم حجّية غير الموافق، و هذا يدلّ على عدم حجّية المخالف، و المخالف قسم من غير الموافق و داخل فيه. و إن لم تكن صادرة عن الإمام، فدليل حجّية خبر الواحد ثابت على حاله، و لا إشكال عليه من ناحية هذه الرواية [1].

و ثالثا- أنّ الترادع يكون بين إطلاق رواية ابن أبي يعفور و نفس‏

____________

[1] هذا الجواب مبنيّ على تفسير رواية ابن أبي يعفور بالردع عمّا لا يوافق الكتاب. أمّا لو فسّرت بالردع عن مطلق خبر الواحد فلا مجال لهذا الجواب.

365

الحديث الدالّ على طرح ما خالف الكتاب و السنّة. و إطلاق الأوّل مبتلى بالمعارض، و هو أدلّة حجّية الخبر، فلا يفيد ردعه.

الجواب الثالث- أنّنا لو قطعنا النّظر عمّا دلّ على عدم حجّية المخالف للكتاب و السنّة القطعيّة قلنا: إنّ السنّة القطعية الدالّة على حجّية خبر الثقة مقدّمة على رواية ابن أبي يعفور، لأنّ بعض الأخبار الدالّة على حجّية خبر الثقة ممّا يشكّل جزء من التواتر و إن كان دالّا على ذلك بالإطلاق، فتكون دلالة السنّة القطعيّة على حجّية خبر الثقة دلالة إطلاقية، لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، و لكن بعض تلك الأخبار ممّا هو تام سندا يدلّ على حجّية خبر الثقة بالخصوص. إذن فرغم أنّ النسبة بين السنّة القطعيّة الدالّة على حجّية خبر الثقة و رواية ابن أبي يعفور عموم من وجه نقول: إنّ تلك السنّة القطعيّة تصلح للقرينيّة و الحاكميّة على إطلاق رواية ابن أبي يعفور على حدّ حكومة الخاصّ على العامّ و قرينيّته، و رواية ابن أبي يعفور لا تصلح للقرينيّة و الحاكميّة على السنّة القطعيّة: أمّا عدم صلاحية رواية ابن أبي يعفور لذلك فواضح، لأنّ النسبة بينهما عموم من وجه، و لا نكتة لتقديمها على السنّة القطعيّة من سنخ تقديم الخاصّ على العامّ. و أمّا صلاحية إطلاق السنّة القطعيّة للتقدّم على إطلاق رواية ابن أبي يعفور كتقديم الخاصّ على العامّ، فلأنّ إطلاقها يدلّ على حجّية ذاك القسم منها الدالّ بالخصوص على حجيّة خبر الثقة في الأحكام الّذي نسبته إلى رواية ابن أبي يعفور نسبة الخاصّ إلى العامّ. و هذا المطلب يمكن بيانه بعدّة تقريبات صناعيّة تحت صياغة الدور و نحو ذلك [1]، و جوهر المطلب‏

____________

[1] ذكر أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح في مقام تقريب هذا البيان بصياغة الدور: أنّ تماميّة مقتضى الحجّية لإطلاق رواية ابن أبي يعفور فرع عدم تخصيصها بذاك الخبر الواحد الّذي هو فرع عدم حجّيته بإطلاق الكتاب و السنّة القطعيّة، أي عدم حجّية إطلاق آية النفر أو السنّة القطعيّة، فتماميّة مقتضى الحجّية لإطلاق رواية ابن‏

366

ما ذكرناه. و لعلّه لا نظير لهذين العامّين من وجه في تمام الفقه، بأن يقع التعارض بين عامّين من وجه و يكون الأمر بحيث لو قدّمنا هذا على ذاك كان في قوّة تقديم أحد العامّين من وجه على الآخر بلا مبرر، و لو قدّمنا ذاك على هذا، كان التقديم بالمبرر الّذي يجعل الخاصّ مقدّما على العام. و من المعلوم أنّه متى ما دار الأمر بين تقديم هذا بلا مبرر و تقديم ذاك بمقتضى الصناعة تعين الثاني في مقابل الأوّل لا محالة [1].

____________

- أبي يعفور فرع عدم حجّيّة إطلاق آية النفر و السنّة القطعيّة. و ما يكون فرع عدم شي‏ء يستحيل أن يمنع عن ذلك الشي‏ء، و إلّا لزم الدور.

[1] أفاد أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح: أنّ هذا بناء على كون مفاد رواية ابن أبي يعفور إسقاط حجّية خبر الواحد مطلقا. أمّا لو قلنا: إنّ مفادها إسقاط ما لا شاهد له من الكتاب، فالأمر أوضح، لأنّ خبر الواحد الّذي دلّ على حجّية أخبار الآحاد في الأحكام له شاهد من كتاب اللَّه و هو آية النفر، فهذا حجّة يقينا، فتخصّص به رواية ابن أبي يعفور بلا حاجة إلى ما عرفته من البيان.

و لأستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- جوابان آخران على رواية ابن أبي يعفور ذكرهما في بحث التعادل و التراجيح.

أحدهما- أنّ رواية بن أبي يعفور بعد تفسيرها بنفي الحجّية لا محيص عن تخصيصها بأصول الدين و نحوها من المعارف الإلهية من قبيل تفاصيل القيامة و أمثال ذلك، و لا تشمل الأحكام، و ذلك لوجود مخصّص قطعي كالمتّصل، و هو ارتكاز الأصحاب- و منهم نفس ابن أبي يعفور راوي هذه الرواية- الذين كانوا يهتمّون بضبط الأحاديث و لو مع الواسطة و يعملون بها و بنقل أحاديث الآخرين، و يتوقّعون من الآخرين العمل بهذا النقل، فإنّ حجّية الخبر في باب الأحكام كانت ارتكازية عندهم.

أمّا لو افترضنا ظهور رواية ابن أبي يعفور في نفي الصدور، فنحن قاطعون بكذب مفادها حتى في مثل أصول الدين. ففرق بين الإمام و بين الفقيه الاعتيادي. فالفقيه لا يجوز له الإفتاء بغير ما في الكتاب و السنّة. أمّا الإمام فمن شأنه- حسب فكرة الشيعة عن الإمامة- أن يبين التفاصيل و الأمور التي لم تصلنا في الكتاب أو سنّة الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، على أنّنا نعلم إجمالا بوقوع ذلك عنهم (عليهم السلام) في الأصول و الفروع للتواترات الإجمالية فيهما. إذن فيحمل الحديث على محمل التقيّة، و أنّ الإمام فرض نفسه لدى ذكره لهذا النص منزلة إنسان اعتيادي كأيّ عالم آخر من‏

367

..........

____________

العلماء، كما كان ذلك معتقد العامّة بشأنهم، فليس من حقّه أن يبيّن شيئا ليس في كتاب اللَّه أو سنّة الرسول (صلى اللّه عليه و آله).

و إن فرضنا إجمال الرواية بين المعنيين، أي نفي الحجّية و نفي الصدور، فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمات و تكون الرواية مردّدة بين معنى نقطع بكذبه و معنى لا يجري في باب الأحكام. فعلى أيّ حال لا أثر لهذه الرواية في باب الأحكام.

و قبل أن أنتقل إلى الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح أقول: إنّ أستاذنا الشهيد أبدى هنا وجها- على تقدير إجمال الرواية بين المعنيين، أي نفي الحجّية و نفي الصدور- لرفع هذا الإجمال و تفسيرها بمعنى نفي الحجّية، و ذاك الوجه هو التمسّك بأصالة الجهة باعتبار أنّه لو حمل على معنى نفي الصدور، لكان ذلك محمولا على التقيّة. فأصالة الجهة تعيّن المعنى الآخر و هو نفي الحجّية.

و أورد أستاذنا الشهيد هنا على ذلك بأنّ أصالة الجهة مفادها قضيّة شرطية، و هي أنّ المعنى الفلاني إن كان مرادا استعماليا، فهو مراد جدّي، و هذه القضيّة الشرطيّة بالنسبة لمعنى نفى الصدور في المقام ساقطة قطعا، إمّا تخصيصا، أو تخصّصا. و الأصول العقلائية عند العلم الإجمالي بالتخصّص أو التخصيص لا تجري. نعم تجري أصالة الجهة بلحاظ المعنى الآخر، و هو نفى الحجّية، و مفادها أنّه لو كان نفي الحجّية مرادا استعماليا، فهو مراد جدّي، لكن صدق القضيّة الشرطيّة لا يستلزم صدق شرطها، فلا يثبت أنّ نفي الحجّية هو المراد، فلعلّ المراد الاستعمالي هو نفي الصدور المحمول على التقيّة.

و لكن أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- قد عدل في القسم الّذي لم أحضره من الدورة الأخيرة عن هذا الرّأي، و أفاد: أنّ أصالة الجهة منشؤها هي غلبة التطابق بين المراد الاستعمالي و المراد الجدّي، و هي كما تقتضي إثبات المراد الجدّي عند ثبوت المراد الاستعمالي كذلك تقتضي نفى المراد الاستعمالي عند انتفاء المراد الجدّي، و حمل الكلام على معنى آخر من المعاني المحتملة.

و أصالة الجهة نسبتها إلى المحورين و هما المراد الاستعمالي و المراد الجدّي على حدّ سواء، فهي تقتضي التطابق بينهما، و ليست متّجهة إلى مركز واحد و هو المراد الاستعمالي.

الجواب الثاني- أنّنا لو سلّمنا تعارض رواية ابن أبي يعفور بما يساويها في النسبة من أدلّة الحجّية، أو ما تكون النسبة بينه و بينها العموم من وجه و تساقطهما، فالمرجع بعد ذلك ليس هو أصالة عدم الحجّية، بل المرجع العام الفوقاني لو كان عندنا من قبيل مفهوم آية النبأ بناء على تماميّته.

368

و أمّا العنوان الثاني- و هو عنوان مخالفة الكتاب، فالروايات الواردة في الردع عمّا يخالف الكتاب يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

الأول- ما يكون في مقام بيان نفي الحجّيّة (1). و هذا يشمل المخالفة بالأخصيّة فضلا عن المخالفة بالعموم من وجه، و فضلا عن المخالفة بالتباين.

و العلم الإجمالي بورود أخبار مخالفة عنهم (عليهم السلام) لا ينافي عدم الحجّية، غاية الأمر أنّه في مورد العلم الإجمالي تطبق قوانين العلم الإجمالي.

أمّا مورد العلم التفصيليّ بالمخالف فهو خارج عن مفاد الحديث.

الثاني- ما يكون في مقام الإخبار عن عدم الصدور [1] بلا بيان نكتة في ذلك. و هذا لا يمكنه أن يشمل المخالفة بالأخصيّة و نحوها، و إلّا لكان بنفسه‏

____________

و قد جاء في كتاب تعارض الأدلّة وجه آخر لإسقاط رواية ابن أبي يعفور بناء على معارضتها بالتباين، أو العموم من وجه للكتاب أو السنّة القطعيّة الدالّين على حجّية خبر الثقة، و هو عبارة عن أنّ رواية ابن أبي يعفور تسقط عندئذ عن الحجيّة لا بروايات الردع عمّا خالف الكتاب و السنّة، كي يرجع الكلام إلى أحد الوجوه السابقة بإسقاطها هي لنفسها عن الحجّية، إذ ما مضى من احتمال كونها رادعة عن باقي أخبار الآحاد غير الموافقة للكتاب من دون أن تردع عن نفسها لأنّها تقرّب نحو الكتاب، غير وارد هنا، لأنّ هذه الرواية قد افترضناها معارضة للكتاب و السنة القطعيّة، فلئن كان ما لا يوافق الكتاب و السنة غير حجّة، فهي أولى بعدم الحجّية.

[1] راجع نفس المصدر ح 15 و السند ضعيف في أحد طريقيه بأبي أيوب المدني و في الطريق الآخر بمحمد بن إسماعيل الّذي هو في أكبر الظنّ محمد بن إسماعيل النيسابوري، و لا دليل على وثاقته عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات. و هذا عندنا غير كاف في التوثيق.

و هذا الحديث قد جعله في كتاب تعارض الأدلّة من أحاديث استنكار الصدور و التحاشي عنه دون مجرّد الإخبار بعدمه، بدعوى أنّ كلمة (لم أقله) يفهم منه عرفا ذلك. إلّا أنّ هذا غير واضح عندي. و نصّ الحديث ما يلي: (عن أبي عبد اللَّه (عليهم السلام) قال: خطب النبي (صلى اللّه عليه و آله) بمنى فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللَّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللَّه فلم أقله).

____________

(1) راجع الوسائل ج 18 ب 9 من صفات القاضي ح 10 و 35.

369

معلوم الكذب للعلم الإجمالي بورود الأخبار المعارضة للكتاب عنهم- (عليهم السلام)- بمثل الأخصيّة، و هذا العلم الإجمالي كالقرينة المتّصلة، لأنّه علم إجمالي عامّ، و ارتكاز متشرعي موجود عند الكلّ حتى الراوي نفسه، فيصرف ظهور الحديث إلى خصوص المخالفة التباينيّة و المخالفة بالعموم من وجه على كلام في الثاني [1].

الثالث- ما دلّ على نفي صدور المخالف مع بيان نكتة ذلك من أنّ هذا لا يناسبنا، و أنّ قولنا قول اللَّه [2]، و نحو ذلك. و هذا لا يشمل المخالفة بالعموم من وجه، كما لا يشمل المخالفة بالعموم المطلق، فإنّ ورود ما لا يلزم من تقديمه على الكتاب عدا التخصيص و التقييد للكتاب ليس ممّا لا يناسبهم (عليهم السلام) بلا فرق بين كون ذلك بنحو الأخصيّة أو العموم من وجه.

نعم في مورد العموم من وجه لا يساعد اللّفظ على الجمع بالتخصيص، لكن على فرض التقديم لا يلزم إلّا محذور التخصيص لا التكذيب، و هو ليس بعيدا عنهم. فهذا القسم يختصّ بالمخالفة التباينيّة، بل لعلّه لا يشمل أيضا مطلق موارد المخالفة التباينيّة، بل بعض مواردها.

إذا عرفت ذلك قلنا: بناء على ما مضى نقله عن الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- من أنّ روايات الباب إنّما تثبت أخصّ المضامين، لأنّه الّذي يتركّز عليه التواتر الإجمالي، و ما عداه لا يثبت في المقام، لعدم إمكان الاستدلال على عدم حجّية خبر الواحد بخبر الواحد، يمكن القول هنا بأنّ أخصّ المضامين إنّما هو ما دلّ على عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب‏

____________

[1] لعلّ هذا إشارة إلى أنّ الإخبار بعدم الصدور بنحو القضية العامّة قد يقال: إنّه يفهم منه عرفا اعتماده على نكتة عامّة لا على الاستقراء البحث، فيأتي في هذا القسم ما سنذكره في القسم الثالث.

[2] كأنّه إشارة إلى ما سيأتي- إن شاء الله- من رواية يونس بن عبد الرحمن عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) في ص 27.

370

بالمخالفة التباينيّة، و لا ضير في ذلك.

أمّا بناء على ما مضى منّا من إمكان الاستدلال بخبر الواحد المشمول للسيرة العقلائيّة على عدم حجّية أخبار أخرى غيره، فقد يقال في المقام: إنّ هناك رواية واحدة صحيحة السند و مشمولة للسيرة العقلائية، و تدلّ على الردع عمّا خالف الكتاب و لا تشمل نفسها، لأنّها غير مخالفة للكتاب، و مفادها ليس هو الردع عمّا يخالف الكتاب مخالفة تباينيّة فحسب، بل إطلاقها يشمل المخالف بالأخصّيّة. و هي صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة. إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فدعوه» (1). فهذه الرواية مستجمعة لجميع النكات المطلوبة في مقام إثبات عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب و لو بالأخصّيّة فهي:

أوّلا- صحيحة السند و مشمولة للسيرة العقلائية.

ثانيا- أنّ مدلولها نفي الحجّية، لا نفي الصدور، لتكون مختصّة بمرتبة خاصّة من المخالفة، فإنّ الموجود فيها الأمر بالترك و النهي عن العمل، و يكون ذلك مساوقا لإسقاط الحجّية، و ليس ذلك ناظرا إلى الإخبار عن عدم المطابقة للواقع.

و ثالثا- أنّ هذه الرواية مخصوصة بخصوص باب الأحكام بقرينة ما في صدرها من (أنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة)، فالنسبة بين هذه الرواية و السنة القطعية الدالّة على حجيّة خبر الثقة في الأحكام هي الأخصيّة مطلقا لا العموم من وجه، حتى يرد عليها الإشكال السابق في‏

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 9 من صفات القاضي ح 35. ص 86.

371

رواية ابن أبي يعفور [1].

و رابعا- أنّ ما مضى من إشكال شمول ردع الحديث لنفسه الّذي أكملناه ببيان منّا لا يأتي هنا بعد فرض الالتفات إلى ما سيأتي- إن شاء الله- من عدم تماميّة آيتي النبأ و النفر على حجّية خبر الواحد، فإنّ هذا الحديث إنّما ردع عمّا يخالف الكتاب، و هو بنفسه ليس مخالفا للكتاب [2].

إذن فهذه الرواية خير رواية في مقام إسقاط الخبر المخالف للكتاب و لو بالأخصّيّة عن الحجّية.

و ما يدّعى من أنّ المخالفة في نفسها لا تشمل المخالفة بالعموم‏

____________

[1] ذكر أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح أنّه يمكن أن يقال: إنّ عنوان (ما خالف كتاب اللَّه) لا يختصّ بالأخبار، بل يشمل غيرها من قبيل القياس و الشهرة و الإجماع المنقول و غير ذلك ممّا خالف الكتاب سواء كان حجّة في نفسه أو لا. إذن فالنسبة بين هذه الرواية و دليل حجّية خبر الثقة هي العموم من وجه لا العموم المطلق.

و ذكر- (رضوان اللّه عليه)- في علاج ذلك: أنّ كون النسبة العموم من وجه لا تمنع عن تقديم هذه الرواية، لأنّ هذه الرواية تبيّن المانعيّة، أي تجعل مخالفة الكتاب مانعة عن الحجّية في كلّ ما تفترض حجيّته لو لا المانع، فلها نظر إلى كلّ أدلّة الحجّية، فتقدّم عليها بالحكومة، من قبيل ما لو وردت رواية تدلّ على شرطيّة الطهارة أو مانعيّة الحدث في جميع العبادات، فإنّها تقدّم على إطلاق جميع أدلّة العبادات لو كانت مطلقة.

و أضاف في كتاب تعارض الأدلة علاجا آخر و هو أنّ القدر المتيقّن من روايات الردع عمّا خالف الكتاب هو خبر الثقة باعتباره الفرد البارز و المتعارف و الداخل في محل الابتلاء وقتئذ الّذي كان تترقّب مخالفته للكتاب تارة و موافقته له أخرى، فلا يمكن تخصيصها بغير خبر الثقة، فهي بحكم الأخصّ.

أقول: لو التزمنا بأنّ دليل حجيّة خبر الثقة لا يشمل في نفسه الخبر المخالف للكتاب بمثل التباين أو العموم من وجه- و إن شمل الخبر المخالف له بمثل الأخصيّة- عادت النسبة بينه و بين رواية الردع عمّا خالف الكتاب عموما من وجه، و يبقى عندئذ الجواب بالحكومة.

[2] يمكن أن يقال: إنّ هذا الحديث و إن لم يكن مخالفا للكتاب و لكنه مخالف للسنّة القطعيّة الدالّة على حجّية خبر الواحد. فبناء على مذاق أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- من التعدّي من الكتاب إلى السنّة القطعيّة يعود هنا إشكال شمول ردع الحديث لنفسه.

372

و الخصوص المطلق، لأنّ الخاصّ ليس بحسب الفهم العرفي معارضا للعام غير صحيح، فإنّه لو أريد بعدم التعارض عدم وجود التنافي بينهما في مقام الدلالة، فهذا خلاف الواقع بناء على ما بيّناه في بحث الظواهر من أنّ القرينة المنفصلة لا توجب هدم الظهور التصديقي. و إن أريد بذلك عدم استحكام التنافي بحيث يوجب التساقط، بل يقدّم هذا على ذاك في مقام الحجّية، فهذا صحيح، إلّا أنّ هذا علاج للتعارض، و ليس موجبا لنفي صدق عنوان المخالفة، فإنّ الملحوظ في المخالفة إنّما هو عالم الدلالة و الظهور، و المخالفة في هذا العالم ثابتة و إن قدّم أحدهما على الآخر في مقام الحجّيّة [1].

____________

[1] أفاد أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح في تحقيق حال الجواب عن صحيحة جميل بأنّ مثل المخالفة بالأخصيّة لا تعدّ مخالفة. و كذلك الجواب عنها بأنّ العلم الإجمالي بصدور مثل المخالفة بالأخصيّة يمنع عن الاستدلال بها على عدم حجيّة المخالف بالأخصيّة و نحوها: أنّ تحقيق الحال في هذين الجوابين موقوف على فهم معنى ما جاء فيها من مخالفة الكتاب، فهل تقصد بها المخالفة لمضمون الكتاب مطلقا، أو المخالفة لمضمون الكتاب الّذي يكون حجّة لو لا هذا المعارض، أو المخالفة لمضمون الكتاب التامّ فيه مقتضى الحجيّة رغم هذا المعارض؟ فعلى الأوّل لا يتمّ شي‏ء من الجوابين، لأنّ المخالفة بالقرينية أيضا مخالفة، فلا يتمّ الجواب الأوّل، و العلم الإجمالي بالصدور لا ينافي العلم الإجمالي، فلا يتمّ الجواب الثاني. و على الثاني لا يتمّ الجواب الأوّل أيضا، لثبوت الحجيّة اللولائية في المقام، أي لو لا المعارض لكانت الآية حجّة. إذن فالحديث مخالف لمضمون الكتاب الّذي يكون حجّة لولاه. و أمّا الجواب الثاني، فبالإمكان أن يقال بتماميّته، لأنّ العلم الإجمالي بالتخصيص و التقييد يسقط عمومات الكتاب و مطلقاته عن الحجّية و لا تعود إلى الحجّية إلّا بعد الحصول على المقدار المعلوم بالإجمال ضمن المخصصات و المقيدات إذن فالحجيّة اللولائية منثلمة في المقام، و عليه فالمخصّص في المقام ليس مخالفا لمضمون الكتاب التمتع بالحجّية اللولائيّة، إلّا أنّ المظنون انحلال هذا العلم الإجمالي في المقام بما نعلم من تخصيصات و تقييدات قطعية عن طريق التواتر، أو الإجماع، أو ما يورث القطع أحيانا من مثل الشهرة، و الإجماع المنقول، و بناء على هذا لا يتمّ هذا الجواب أيضا. و على الثالث يكون حال الجواب الثاني هو حاله على الاحتمال الثاني. و يكون الجواب الأوّل تامّا، لأنّ حجّية الخبر المخالف بنحو القرينيّة تسقط الكتاب عن الحجّية الاقتضائية، لأنّ قرينيّة الخبر تثلم اقتضاء حجّية ذي القرينة.

373

و التحقيق: رغم ذلك كلّه هو الالتزام بحجّيّة الأخبار المخالفة للكتاب بالعموم و الخصوص المطلق، و ذلك لأنّ هذا الحديث مخصّص بصحيحة الراوندي، و هي التي رواها الراوندي بسند تامّ عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه قال: «قال الصادق (عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللَّه، فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فردّوه. فإن لم تجدوهما في كتاب اللَّه فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه» (1).

فإنّ الظاهر من هذه الصحيحة أنّ كلّ واحد من الحديثين- بقطع النّظر عن التعارض- كان حجّة، و إلّا لما كان التعارض موجبا للتحيّر، و لم تكن حاجة إلى تحكيم الكتاب و أخبار العامّة و رفع التحيّر بذلك، كما هو ظاهر الصحيحة. فقد دلّت هذه الصحيحة على حجّيّة الخبر المخالف للكتاب في الجملة بغض النّظر عن خبر آخر معارض له، و هي لا تدلّ على أزيد من حجّية الخبر المخالف للكتاب بالأخصيّة و ما يشبهه ممّا يصلح للقرينيّة، و لا تشمل مثل المخالفة بالعموم من وجه. إمّا لأنّها قضيّة مهملة، إذ ليست بصدد بيان الحجّية حتى يكون لها إطلاق، و المهملة في قوّة الجزئيّة، فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقّن و هو ما ذكرناه، أو لأنّها بنفسها قضيّة جزئيّة

____________

- أمّا ما هو الصحيح من هذه الاحتمالات الثلاثة، فقد كان مختار أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح حين حضرته هو الاحتمال الأوّل، فإنّ تقييد مخالفة الكتاب بأمر زائد من فرض الحجّية اللولائية أو الاقتضائية بحاجة إلى مئونة زائدة، و لكن جاء في كتاب تعارض الأدلّة ترجيح الاحتمال الثاني، لأنّ الأمر بطرح ما خالف الكتاب ظاهر في توجيه المكلّف نحو العمل بالكتاب و هذا إنّما يناسب فرض حجّية الكتاب لو لا الخبر المخالف.

أمّا أخذ قيد إضافي و هو تماميّة مقتضى الحجيّة رغم الخبر المخالف فبحاجة إلى إعمال مئونة زائدة مفقودة في المقام.

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 9 من صفات القاضي ح 29 ص 84.

374

توجد فيها قرينة على عدم إرادة مثل المخالفة بالعموم من وجه، و ذلك لأنّ المخالف بالعموم من وجه للكتاب في نفسه غير حجّة بقطع النّظر عن خبر آخر معارض له، إذ هو مبتلى بمعارضة الكتاب، فيسقط عن الحجّية و لو من باب تساقط كلا المتعارضين عن الحجّية. و قد قلنا: إنّ ظاهر الصحيحة أنّ كلّا من الحديثين لو لا الآخر لكان حجّة.

ثم إنّ السيرة العقلائية القائمة على العمل بهذا الحديث لصحّة سنده غير مردوعة بما مضى من صحيحة جميل، إذ ليست هذه الصحيحة خلاف الكتاب، إذ لم يدلّ الكتاب على عدم حجّيّة خبر مخالف للكتاب، فكلّ من الصحيحتين حجّة، نأخذ بكلتيهما و نقيّد الأولى بالثانية، لاختصاص الثانية بالمخالف بنحو القرينيّة، فيتحصّل من ذلك أنّ كلّ خبر خالف الكتاب إن كان بنحو يصلح للقرينية، كالخاص بالنسبة للعام، فهو حجّة، و يقدّم على ظاهر الكتاب. و إن كان مخالفا للكتاب بمثل العموم من وجه، فهو غير حجّة، و يطرح و يؤخذ بالكتاب، لا أنّه يتساقط هو مع الكتاب بالتعارض عن الحجّية [1].

____________

[1] و هناك وجوه أخرى للردّ على الاستدلال بصحيحة جميل لإسقاط الخبر المخالف للكتاب بمثل الأخصيّة عن الحجّية.

الأوّل- أن يقال: إنّ المقصود بصحيحة جميل نفي الصدور لا نفي مجرّد الحجّية، و ذلك بقرينة قوله: (إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا) فكأنّه يقول: إنّ ما ليس عليه النور ليس حقّا و صوابا، و هذا يعني نفي الصدور و الصدق، لا مجرّد نفي الحجّية، و عليه لا بدّ من حمله على مثل المخالفة التباينية، إذ لا شكّ إجمالا في صدور المخالف بمثل الأخصيّة عنهم (عليهم السلام).

و قد أورد أستاذنا الشهيد في بحث التعادل و التراجيح على تفسير هذا الحديث بنفي الصدور بقرينة قوله: (إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا) بأنّ هذه العبارة لا تعني ملازمة دائميّة بين الحقّ و النور، و إنّما هي تعبير عرفي، حيث تعارف القول بأنّ الحقّ واضح و أنّ الكلام الصادق تبدو أماراته، و هذا لا يعني الملازمة الدائمية بين الصدق و ظهور أماراته. و يشهد لذلك قوله في صدر الحديث: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) فإنّ ما خالف‏

375

..........

____________

- الكتاب، أو ما لم يوافقه لو كان مقطوع الكذب، لم يكن شبهة.

الثاني- ما جاء في تعارض الأدلّة (ص 325) من حمل المخالفة في هذا الحديث على عدم الموافقة بقرينة قوله: (إنّ لكلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا)، و جعل التفصيل في الحكم بلزوم أخذ ما يوافق الكتاب و طرح ما يخالفه من تفريعات تلك الكبرى، و بالتالي يصبح مفاد الحديث إلغاء كلّ ما لا شاهد له من الكتاب عن الحجّية، و الّذي قد يكون عرفا بحكم إلغاء الخبر عن الحجّية مطلقا، و بعد اصطدام ذلك بالسيرة المتشرعيّة القطعيّة يحمل على مثل التقيّة.

أقول: إنّ الجواب على الوجه الأوّل بأنّ قوله: (إنّ على كلّ حقّ حقيقة و على كلّ صواب نورا) لا يعدو أن يكون تعبيرا متعارفا عن أنّ الحقّ يتضح، و أنّ الصواب تبدو دلائله في أغلب الأحيان و إلّا فما أكثر الصواب الّذي يبقى غير واضح، يصلح جوابا لهذا الوجه أيضا، إذ لو كان هذا تعبيرا عرفيّا من هذا القبيل و لم يكن تعبيرا منطقيّا دقيقا، إذن لا تؤخذ بالمعنى الدّقيق لكلمة النور الّذي قد يختصّ بالموافقة، بل يقال: إنّ النور له درجات، و الصواب يتّسم كثيرا ببعض درجات النور الشديدة أو الضعيفة، و نفس عدم المخالفة درجة ضعيفة من النور، و الموافقة درجة أقوى من النور، و عليه فهذه العبارة لا تكون قرينة على حمل المخالفة على معنى عدم الموافقة، فلعلّ المقصود إنّما هو إسقاط المخالف عن الحجّية، لكونه عاريا عن النور بتمام معنى الكلمة. و قد مضى منّا في المتن أن نقلنا عن أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- استظهار حمل عدم الموافقة على المخالفة، أو احتمال ذلك بدعوى أنّ الظاهر عرفا هو تحكيم الضابط الأخصّ في الضابط الأعمّ.

و لأستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في بحث التعادل و التراجيح وجه آخر لحمل عدم الموافقة على المخالفة بعد فرض ضرورة إدخال ما لا يوافق و لا يخالف، و هو الأكثرية الغالبة في أحد القسمين، و استبعاد خروجها من مورد نظر الحديث، و هو أنّ ارتكازيّة حجّية تلك الأخبار عند المتشرعة جيلا بعد جيل توجب صرف العبارة إلى تفسير الموافقة بعدم المخالفة دون العكس.

الثالث- ما تقدّم في ما سبق من حمل ما اشتمل على كلا عنواني الموافقة و المخالفة على موافقة الروح العامّة للقرآن الكريم و مخالفتها. و عليه فالرواية تكون أجنبيّة عمّا نحن فيه. و لا شك في عدم حجّية خبر غير منسجم مع طبيعة تشريعات القرآن، و مزاج أحكامه العام للقطع بعدم موافقته للواقع. و عليه فالحديث لا يدلّ على سقوط الخبر المخالف للكتاب بالعموم من وجه، بل و حتى التباين ما لم تكن دلالة القرآن قطعية فضلا عن التعارض بمثل الأخصيّة. فما ذكره أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) هنا من دلالة الحديث على عدم حجّية ما يخالف الكتاب بالعموم من وجه غير صحيح، و الصحيح ما جاء في تعارض الأدلّة ص 335 من إنكار دلالة من هذا القبيل.

376

و يبقى الكلام في أنّ الحديث المخالف للكتاب بالعموم من وجه هل يسقط عن الحجّية في خصوص مادة الاجتماع، أو يسقط عن الحجّية مطلقا؟.

يمكن أن يتوهّم أنّه يسقط عن الحجّية مطلقا، لأنّ ظاهر النهي عن الإذن بحديث يخالف كتاب اللَّه هو إسقاط الحديث نفسه لا إسقاط إطلاقه، فإنّ عنوان الحديث عنوان وجداني بوحدة الكلام الصادر عن المتحدّث، و لا ينحلّ إلى أحاديث متعدّدة، و هذا الأمر الواحد فرض كونه مخالفا للكتاب بنحو العموم من وجه. لكن هذه الصحيحة لم يؤخذ فيها عنوان الحديث، و إنّما أخذ فيها عنوان ما خالف كتاب اللَّه و ظاهره (الدلالة و الكشف الّذي يخالف كتاب اللَّه)، و إنّما قلنا بشموله للأحاديث لأنّها القدر المتيقّن من هذا الميزان و لا نحتمل وروده في خصوص غير الأحاديث.

و الدلالة بالمقدار المخالف للكتاب إنّما هي إطلاق الحديث لا أصل الحديث، فالصحيح أنّ الساقط عن الحجّية إنّما هو مادة الاجتماع.

و في ختام الحديث نتعرض لذكر رواية مذكورة في كتاب الكشّي، كي نبحث بعض الخصوصيّات المتعلّقة بهذه الرواية. و هي ما رواه بسند تامّ عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن: أنّ بعض أصحابنا سأله و أنا حاضر فقال يا أبا محمد ما أشدّك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الّذي يحملك على ردّ الأحاديث، فقال حدثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللَّه (عليه السلام) يقول:

«و لا تقبلوا علينا حديثا إلّا ما وافق القرآن و السنّة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد- لعنه اللَّه- دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث ما لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا اللَّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنّة نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال اللَّه عزّ و جلّ و قال رسول اللَّه (صلى اللّه عليه و آله)» قال يونس: «وافيت العراق فوجدت بها

377

قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) و وجدت أصحاب أبي عبد اللَّه (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم و أخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، و قال لي: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد اللَّه (عليه السلام)- لعن اللَّه أبا الخطّاب-، و كذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا في كتب أصحاب أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إذا تحدثنا حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السنّة، إنّا عن اللَّه و عن رسوله نتحدّث، و لا نقول: قال فلان، و قال فلان، فيناقض كلامنا: إنّ كلام أوّلنا مثل كلام آخرنا، و كلام أوّلنا مصدّق لكلام آخرنا، و إذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك، فردّوه عليه و قولوا أنت أعلم و ما جئت به، فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة و عليه نور، فما لا حقيقة له و لا نور عليه فذلك قول الشيطان» [1].

____________

[1] في سند الحديث محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، و محمد بن عيسى بن عبيد قد وثّقه النجاشي، و الكشّي، و الفضل بن شاذان. إلّا أنّه ضعّفه الشيخ حيث قال في الفهرست:

«ضعيف استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة، و قال لا أروي ما يختص برواياته، و قيل: إنّه كان يذهب مذهب الغلاة ...» و في رجاله ضعّفه مرتين، و في الإستبصار ج 3 في ذيل الحديث 568 قال: «إنّ هذا الخبر مرسل منقطع، و طريقه محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس و هو ضعيف، و قد استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه- (رحمه اللّه)- من جملة الرّجال الذين روى عنهم صاحب نوادر الحكمة (يعني محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران). و قال: ما يختصّ بروايته لا أرويه و من هذه صورته في الضعف لا يعترض بحديثه».

و قال النجاشي في ترجمة محمد بن عيسى بن عبيد: «جليل في أصحابنا ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف روى عن أبي جعفر (عليه السلام) مكاتبة و مشافهة. ذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنّه قال: ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا يعتمد عليه، و رأيت بعض أصحابنا ينكرون هذا القول و يقولون من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى».

و قال النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران: «كان ثقة في الحديث إلّا أنّ‏

378

..........

____________

- أصحابنا قالوا كان يروي عن الضعفاء، و يعتمد المراسيل و لا يبالي عمّن أخذ، و ما عليه في نفسه من مطعن في شي‏ء، و كان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمد بن أحمد ابن يحيى ما رواه عن محمد بن موسى الهمداني، أو ما رواه عن رجل أو يقول بعض أصحابنا، أو عن محمد بن يحيى المعاذي ... أو عن محمد بن عيسى بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع ... قال أبو العباس ابن نوح: و قد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه، و تبعه أبو جعفر بن بابويه- (رحمه اللّه)- على ذلك كلّه إلّا في محمد بن عيسى، فلا أدري ما رأيه فيه‏ (1)، لأنّه كان على ظاهر العدالة و الثّقة».

و قال الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بعد عدّ كتبه:

«أخبرنا بجميع رواياته و كتبه ... جماعة عن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه و محمد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس و محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى. و قال محمد بن علي بن الحسين بن بابويه إلّا ما كان فيه من تخليط، و هو الّذي طريقه محمد بن موسى الهمداني، أو يرويه عن رجل أو عن بعض أصحابنا ... أو عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع ينفرد به ...».

و قال أيضا الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في ترجمة يونس بن عبد الرحمن: «قال أبو جعفر بن بابويه: سمعت ابن الوليد (رحمه اللّه) يقول: كتب يونس بن عبد الرحمن التي هي بالروايات كلّها صحيحة يعتمد عليها إلّا ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، و لم يروه غيره، فإنّه لا يعتمد عليه و لا يفتى به» و المتحصّل من مجموعة هذه النقول: أنّ الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- قد ضعّف محمد بن عيسى بن عبيد، و أنّ تضعيفه مستند إلى تضعيف الصدوق و محمد بن الحسن بن الوليد، بينما لم يثبت تضعيف الصدوق و ابن الوليد لمحمد بن عيسى بن عبيد، فما نقله الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في ترجمة يونس بن عبد الرحمن عن الصدوق عن ابن الوليد من أنّه يقول:

(كتب يونس بن عبد الرحمن التي هي بالروايات كلّها صحيحة إلّا ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، و لم يروه غيره، فإنّه لا يعتمد عليه و لا يفتى به) و إن كان قد يوحي إلى الذهن بأنّ العيب في محمد بن عيسى بن عبيد، و أنّه ضعيف أو لم تثبت وثاقته، و لكن نقل النجاشي (رحمه اللّه) في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى من قوله: (و كان محمد بن الحسن بن الوليد يستثني من‏

____________

(1) قال الشيخ المامقاني (رحمه اللّه) في تنقيح المقال: إنّ الظاهر أنّ العبارة هكذا: (ما رابه فيه) بالباء الموحدة كي يناسب التعليل الوارد في العبارة.

379

..........

____________

- رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه ... عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع) ظاهر في أنّ العيب المنظور لابن الوليد إنّما هو انقطاع السند، و أنّ نقل محمد بن عيسى بن عبيد ليس دليلا على أنّ المروي عنه الّذي قطعه و حذف ذكر اسمه ثقة. و كذلك يظهر من نقل الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى حيث قال: (... و قال محمد بن علي بن الحسين بن بابويه إلّا ما كان فيه تخليط و هو الّذي طريقه محمد بن موسى الهمداني، أو يرويه عن رجل أو عن بعض أصحابنا ... أو عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع ينفرد به) أنّ العيب المنظور للصدوق في انقطاع الإسناد و أنّ نقل محمد بن عيسى بن عبيد عمّن حذف اسمه لا يبرر الأخذ بالحديث. فخلاصة نقطة الضعف في روايات محمد بن عيسى بن عبيد- على ما يظهر من المنقول عن الصدوق و عن ابن الوليد- هي أنّه لا يبالي عمّن يأخذ، و لا يهتمّ بحال الواسطة لا أنّه هو غير ثقة. و من هنا يجب أن يحمل قول ابن الوليد الّذي نقله الطوسي (رحمه اللّه) في ترجمة يونس بن عبد الرحمن عن الصدوق عنه من (أنّ كتب يونس بن عبد الرحمن التي هي بالروايات كلّها صحيحة إلّا ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد) على عدم الوثوق بمأخذ الكتب عند محمد بن عيسى بن عبيد، لا على عدم وثاقة نفس محمد بن عيسى. و يؤيّد ذلك ما ذكره السيّد الخوئي في ترجمة محمد بن عيسى بن عبيد من أنّ الصدوق (رحمه اللّه) لم يرو في الفقيه و لا رواية واحدة عن محمد بن عيسى عن يونس، و قد روى فيه عن محمد بن عيسى عن غير يونس في نفس الكتاب في المشيخة (1) في نيف و ثلاثين موضعا غير ما ذكره في طريقه إليه، و هذا شاهد على أنّ الاستثناء غير مبتن على تضعيف محمد بن عيسى بن عبيد نفسه. و نحن نقول: إنّ عدم اعتماد ابن الوليد على نقل محمد بن عيسى لكتب يونس اجتهاد له و حجّة بشأن نفسه، أمّا نحن فنرى حجّية أصالة الحسّ أو ما يقرب من الحسّ في النقل.

على أنّ الرواية التي هي محل الكلام فعلا لم ينقلها محمد بن عيسى عن كتب يونس، بل صرّح بأنّه كان حاضرا مجلس يونس و سمع كلامه مباشرة، فاحتمال الاعتماد على واسطة غير ثقة لا يرد في المقام. نعم من المحتمل أن يكون تضعيف الصدوق و ابن الوليد لرواية محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بنكتة صغر سنّة عند السماع، أو التشكيك في أصل السماع و قوّة احتمال الإرسال، أو الجزم به، لأنّ محمد بن عيسى بن عبيد يروي عن الجواد (عليه السلام)، و يونس بن عبد الرحمن من أقدم أصحاب الرضا (عليه السلام) بحيث كان أدرك الصادق- عليه‏

____________

(1) الظاهر (و في المشيخة).

380

و الإنصاف أنّ من أصدق المصاديق للكلام الّذي عليه نور هو هذه الرواية المباركة. و ذكرنا هذه الرواية هنا للبحث عن جهات ثلاث:

الجهة الأولى- أنّه قد يستشكل في المقام بلحاظ هذه الرواية الصحيحة سندا، الواضحة دلالة، المخبرة عن وجود دسّ في كتب أصحاب أبي عبد اللَّه (عليه السلام) و أصحاب الباقر (عليه السلام)، فهذا يولّد العلم الإجمالي بوقوع التحريف و التبديل و الدسّ في الروايات المأخوذة من تلك الكتب، فتسقط تمام تلك الروايات عن الحجّية. و يؤكد هذا العلم الإجمالي ما في ذيل الحديث من إنكار الرضا (عليه السلام) روايات كثيرة ممّا أخذها يونس من أصول الأصحاب.

و لا يقال: إنّ هذا الخبر يعارض أخبار أصحاب تلك الأصول، كي يقال: ما هو المبرّر لتقديم هذا الخبر على تلك الأخبار؟! فإنّ هذا الخبر لا يكذّب زرارة و عمّار الساباطي و غيرهما، كي يقع التعارض بين خبره و خبرهم، و إنّما ينصّ هذا الخبر على أنّه دسّت في كتبهم روايات كاذبة [1].

فما هو المخلص من ناحية هذا العلم الإجمالي؟

المخلص من هذا العلم الإجمالي أنّ حدود هذا الوضع و الدسّ غير معلومة، و نحن نعرف أو نطمئن أنّ أصول الأصحاب كانت مكتوبة في نسخ متعدّدة، و أنّ كثيرا من الشيوخ كانوا يروون تلك الأخبار طبقة بعد طبقة عن الطبقة السابقة فتتعدّد النسخ لا محالة، و لا أقلّ من احتمال ذلك.

و مقتضى العادة أنّ الدسّاس مهما يكن نافذا ببصره و خبثه لا يتّفق له أن‏

____________

- السلام- بين الصفا و المروة، و لكن لم يرو عنه. و عليه فلا يختصّ التضعيف بنقله لكتب يونس.

و على أيّ حال فالتشكيك في أصل السماع في المقام غير وارد، لتصريحه بأنه كان حاضرا و سمع كلامه مباشرة. و قد روى محمد بن عيسى عن جماعة قد أدركوا الصادق (عليه السلام) غير يونس، و صغر سنّة عند تحمّل الخبر غير مضرّ بعد ما كان عند الأداء رشيدا ثقة.

[1] على أنّه يكفي العلم الإجمالي بكذب هذا الخبر أو كذب بعض تلك الأخبار.

381

يدسّ في تمام النسخ، و إنّما تتّفق له السيطرة على بعض النسخ عن طريق الاستعارة أو طريق آخر فيدسّ فيها، و عليه فلسنا نعلم أنّ النسخ التي انتهى أمرها إلى المشايخ الثلاثة- (رضوان اللّه عليهم)- كانت من النسخ المدسوسة.

و هذا الحديث لم يبين إلّا قضية مهملة لا إطلاق فيها، فدليل الحجّية يشمل الطرق الصحيحة لهم- (رضوان اللّه عليهم)- إلى تلك الأصول لاحتمال مطابقة تلك النسخ للواقع بان لم يجد الدسّ من أوّل الأمر إليها سبيلا، أو أنّها طهّرت من الدّس بالتدريج و تطبيق نسخة على نسخة. و إذا جاء هذا الاحتمال- حتى لو لم يصل إلى مستوى الظنّ- كفى في شمول دليل الحجّية لتلك الطرق، و لا يبقى للعلم الإجمالي المذكور أثر في المقام.

الجهة الثانية- أنّه قد يقال في المقام: لو تمّ الاستدلال ببعض الروايات السابقة على تحكيم الكتاب في الروايات بمعنى إسقاط ما يخالف الكتاب بمثل العموم من وجه من دون أن يتعارضا و يتساقطا، فظاهر هذه الرواية يخالف ذلك في مورد العلم بعدم الدسّ، لأنّ ظاهرها أنّ تحكيم الكتاب إنّما هو بلحاظ الدسّ، إذ علّل ذلك بالدسّ، فلو علمنا في حديث ما أنّه قد صدر حقا عن هذا الثقة و ليس مدسوسا و موضوعا عليه لم يصح تحكيم الكتاب بالنسبة إليه.

و التحقيق أنّ التحكيم الّذي جعله في هذه الرواية في طول الدسّ غير التحكيم الّذي قد يفرض مسقطا لما يخالف الكتاب بمثل العموم من وجه، فالثاني عبارة عن جعل المخالفة للكتاب موجبة لإسقاط الحديث و مانعة عن حجّيته، و الأوّل عبارة عن تحكيم الموافقة للكتاب في طول الدسّ، و هذا يعني في الحقيقة أنّ الخبر في طول الدسّ سقط عن الحجّية و لم يبق مبرّر للعمل به في نفسه، فلا يجوز العمل به إلّا إذا كان موافقا للكتاب، كي يكون العمل به في الحقيقة عملا بالكتاب.

الجهة الثالثة- أنّ ما ذكرناه من خلوّ النسخ التي انتهى أمرها إلى‏

382

الشيخ و الصدوق و الكليني (رحمهم اللَّه) عن الدس إنّما كان صرف احتمال، و هو يكفي في مقام الحجّية، و لسنا قاطعين بخلوّها عن الدّس، فمن المحتمل تسرّب هذا الدسّ إلى الكتب الأربعة و إلى المصادر الأخرى، و هذا الاحتمال مع التصريح بأصل الدسّ من قبل الأئمة (عليهم السلام) بنحو الإجمال يكفي لنا في مقام دفع كثير من الإشكالات التي قد تورد بلحاظ كثير من مضامين الروايات التي قد تكون منافية لبعض المسلمات العقلية أو غير العقلية. فيقال: كيف يصدر عن الأئمة (عليهم السلام) مثل هذا الكلام؟! فنقول في مقام الجواب: إنّ الأئمّة الذين ينسب إليهم مثل هذا الكلام صرّحوا بأنّه قد دسّت علينا أخبار كثيرة، فلنفرض مثلا أنّه وردت رواية صحيحة تدلّ على أنّ كرة الأرض واقفة على الثور و الآن نعلم بالحسّ و الوجدان، أو ما يقرب من ذلك بعدم صحة شي‏ء من هذا القبيل، لكنّنا لا نقع في ضيق عن مثل هذا الحديث و أشباهه، إذ بعد تصريحهم (عليهم السلام) بالدسّ عليهم يكون لإبداء احتمال الدسّ في مثل هذه الروايات باب واسع و ليس مجرّد احتمال ابتدائي، و إنّما هو احتمال مستند إلى تصريحاتهم- عليهم أفضل الصلاة و السلام-. و هذا باب من أبواب الدفاع عن الدين.

3- دعوى التمسّك بالإجماع:

و أمّا الإجماع- فقد نسب إلى السيّد المرتضى- (رحمه اللّه)- دعوى الإجماع على عدم حجّية خبر الواحد، بل ذكر- على ما نسب إليه-: أنّ الأخبار الآحاد من المعلوم ضرورة من مذهبنا و حال الطائفة عدم جواز العمل بها حتى أنّ شأنها بالنسبة للطائفة شأن القياس بالنسبة لهم.

و يرد على الاستدلال بهذا الإجماع المنقول في كلام السيد- (قدّس سرّه)- وجوه:

383

الوجه الأوّل- أنّ من المطمئنّ به أنّ ظاهر كلام السيد- (قدّس سرّه)- ليس مرادا له، فشيخ الطائفة- (رحمه اللّه)- قد نقل الإجماع على حجيّة خبر الواحد، و ليس مقصودي بيان أنّ هذين إجماعان منقولان متعارضان و متساقطان [1]، و إنّما المقصود بيان القرائن التي توجب الاطمئنان بعدم إرادة السيد ظاهر كلامه، ففرض اختلاف شخصين في دعوى الإجماع على أمرين متناقضين في مسألة واحدة لا يتصوّر إلّا بأحد وجوه:

الأول- أن يفرض أنّ ناقل كلّ واحد من الإجماعين يقصد نقل آراء دائرة معينة من الفقهاء و ليس كلّهم، مع كفاية ذلك في نظره للقطع برأي المعصوم، فهو يسمي اتّفاق ثلّة من الفقهاء على رأي اتّفاقا كاشفا عن رأي المعصوم بالإجماع. و هذا الوجه غير محتمل بشأن هذين العلمين في ما نحن فيه، إذ كلّ منهما قد صرّح بأنّ الطائفة بتمامها قد انعقد بناؤهم على ذلك.

الثاني- أن يفرض أنّ كلّ واحد من ناقلي الإجماع قد اتّصل بدائرة معينة من الفقهاء، و حدس موافقة الباقين لمن رأي أقوالهم فادّعى الإجماع.

و هذا أيضا غير محتمل في المقام، فإنّه إنّما يحتمل إذا كان الناقلان متباعدين زمانا أو مكانا، و السيد و الشيخ- رحمهما اللَّه- كانا متعاصرين و متعاشرين، و كان الشيخ تلميذا للسيد، و ليس من التلامذة المتأخرين، بل هو من‏

____________

[1] و التساقط أيضا جواب كاف في المقام. و قد نقل عن أستاذنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في القسم الّذي لم أحضره في الدورة الأخيرة التمسّك بذلك كوجه من وجوه إبطال الاستدلال بإجماع السيد المرتضى (رحمه اللّه).

أقول: إنّ توجيه هذا الوجه يكون بأن يقال: إنّ نقلي الإجماع يتعارضان و يتساقطان، و نرجع إلى العامّ الفوقاني و هو الروايات الدالّة بالإطلاق على حجّية خبر الثقة، فليس ذاك الإطلاق طرفا للمعارضة مع هذين النقلين كي يتساقط معهما و ينحصر ما يثبت بتلك الروايات بخصوص التقليد، لسقوط إطلاقها الدال على حجّية خبر الواحد بالتعارض الثلاثي الأطراف، لأنّ العام الفوقاني يفترض طرفا في عرض مخصّصه المبتلى بالمعارض.

384

الطبقة المتقدّمة، فقد أدرك أستاذ السيد، أعني الشيخ المفيد و تتلمذا عليه.

إذن قد سمع من الشيخ المفيد و معاصريه كما سمع السيد المرتضى، فكلّ منهما متصل بنفس الدائرة التي اتّصل بها الآخر، فلا يوجد بشأنهما هذا الاحتمال.

الثالث- أن يفرض التسامح في مقام النقل و التهاون و عدم الضبط، و من الواضح أنّ هذا الاحتمال في نفسه ساقط بالنسبة لمثل هذين الرجلين الجليلين العدلين.

فنستكشف من ذلك كلّه- و لو بنحو الاطمئنان- أنّ أحدهما جاء كلامه على خلاف ظاهره، و الظاهر أنّ ذاك هو السيد المرتضى لا الشيخ الطوسي- (قدّس سرّهما)- و ذلك لأنّه:

أوّلا- يحتمل في كلام السيّد- (رحمه اللّه)- التقيّة، بأن كان مقصوده نفى الحجّية عن أخبار السنة، لكنّه ذكر ذلك بصيغة عامّة مراعاة للتقيّة و للظروف الخارجية وقتئذ، و لا يحتمل في كلام الشيخ الطوسي التقية، إذ هو صرّح بالفرق بين أخبار الطائفة و غيرهم، و قال بأنّ الطائفة أجمعت على حجّية أخبار الثقات من الشيعة دون رواة الفرق الأخرى.

و ثانيا- أنّ الظاهر أنّ الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- بنفسه فسّر كلام السيد- (قدّس سرّه)- بما ذكرناه، حيث ذكر في العدّة بعد دعوى الإجماع على حجّية خبر الواحد: (فإن قيل: أ ليس شيوخكم لا تزال يناظرون خصومهم في أنّ خبر الواحد لا يعمل به و يدفعونهم عن صحّة ذلك، حتى أنّ منهم من يقول: لا يجوز ذلك عقلا و منهم من يقول: لا يجوز ذلك لأنّ السمع لم يرد به، و ما رأينا أحدا منهم تكلّم في جواز ذلك، و لا صنّف فيه كتابا و لا أملى فيه مسألة فكيف تدّعون أنتم خلاف ذلك؟!. قيل له: الذين أشرت إليهم من المنكرين لأخبار الآحاد إنّما كلّموا من خالفهم في الاعتقاد و دفعوهم عن وجوب العمل بما يروونه من الأخبار المتضمّنة الأحكام التي يروون هم‏

385

خلافها، و ذلك صحيح على ما قدّمناه، و لم نجدهم اختلفوا فيما بينهم، و أنكر بعضهم على بعض بما يروونه، إلّا مسائل دلّ الدليل الموجب للعلم على صحّتها، فإذا خالفوهم فيها، أنكروا عليهم لمكان الأدلّة الموجبة للعلم و الأخبار المتواترة بخلافه.

فأمّا من أحال ذلك عقلا، فقد دللنا في ما مضى على بطلان قوله، و بيّنا أنّ ذلك جائز فمن أنكره كان محجوجا بذلك.) (1).

و الظاهر: أنّ مقصوده من شيخه الّذي يقول بعدم حجّية خبر الواحد لأنّ السمع لم يرد به هو السيّد المرتضى- (رحمه اللّه)-، فقد فسّر ذلك بما أشرنا إليه من احتمال إرادة مخاصمة العامّة بذلك. و لا ينبغي أن يحمل ذلك على كونه تفسيرا اجتهاديا، فإنّه تفسير تلميذ لكلام أستاذه بعد طول معاشرته و خبرته، و هذه المسألة كانت محلا للابتلاء في تمام أبواب الفقه، و ليست هي مسألة زكاة مثلا، أو أي مسألة أخرى مرتبطة بكتاب آخر من كتب الفقه فقط حتى يقال: لعلّ الشيخ لم يدرس على السيّد ذاك الكتاب، فحجّية خبر الواحد مسألة يكثر الابتلاء بها في كلّ أبواب الفقه من أوّلها إلى آخرها، فأيّ مقدار نفترض أنّه درس على أستاذه لا بد أنّه قد عرف ذوقه في مسألة خبر الواحد، و بعد الجزم بذلك يكون تفسيره حجّة في المقام في الكشف عن مراد السيّد. و بعد مثل هذه التفصيلات يحصل لنا الاطمئنان بأنّ مراد السيّد المرتضى (رحمه اللّه) ليس هو ظاهر كلامه: فلم تثبت لدينا دعوى الإجماع على عدم حجّية خبر الواحد.

الوجه الثاني- أنّنا لو فرضنا أنّ السيد- (رحمه اللّه)- أراد ظاهر كلامه قلنا:

إنّ هذا الإجماع المنقول غير حجّة.

و لا أقصد بذلك ما تقدّم من عدم حجّية الإجماعات المنقولة، فإنّ الإجماع‏

____________

(1) عدّة الأصول ج 1 ص 339 و 340.

386

المنقول لو اجتمع فيه شرطان كان حجّة- كما تعرفه مفصّلا بمراجعة ما ذكرناه في بحث الإجماع المنقول- و كلا الشرطين حاصل هنا:

الشرط الأول- أن ينقل ما لو كان ثابتا عندنا بالوجدان لكشفنا به عن حكم المعصوم. و هذا الشرط حاصل في المقام، لأنّ السيّد المرتضى (رحمه اللّه) نقل كون عدم حجّية خبر الواحد من ضروريات المذهب، و أنه عند فقهائنا كالقياس، و لا إشكال في أنّنا لو أدركنا ذلك بالوجدان لم نحتمل بمقتضى حساب الاحتمالات كون هذا خلاف رأي المعصوم.

الشرط الثاني- أن ينقل الناقل ذلك الأمر الملازم لقول المعصوم عن حسّ. و كلام السيّد- (رحمه اللّه)- في المقام كالصريح في النقل عن حسّه، إذ نسب كلامه إلى ضرورة المذهب، و من المعلوم أنّ التوصّل إلى ضروريّ المذهب يكون عن طريق الحسّ أو ما يقرب من الحسّ، و مسلّمات كلّ طائفة تعرف بوضوح حتى لغير المنتسبين إلى تلك الطائفة فضلا عن عالم من علماء تلك الطائفة. و الخلاصة أنّه ليس لكلامه- (قدّس سرّه)- مجرّد ظهور ابتدائي في الإخبار عن حسّ حتى يرفع اليد عنه بما مضى من العلم الإجمالي بإعمال الحدس في جملة من الإجماعات المنقولة، فإنّ ذلك العلم الإجمالي إنّما ينفع فيما إذا لم يكن كلام الناقل كالصريح في الحسّ.

و لكن مع ذلك نقول في المقام: إنّ الإجماع المنقول بواسطة السيّد المرتضى- (رحمه اللّه)- غير حجّة، لأنّه خبر واحد عن رأي المعصوم بالإخبار عمّا يلازمه و هو الإجماع، و نحن لا نحتمل اختصاص الحجّية بهذا دون سائر أخبار الثقات عن الأئمة (عليهم السلام) بالمباشرة و بلا توسط نقل الإجماع، فلو فرض حجّية مثل هذا الإخبار عن رأي المعصوم بتوسط نقل الإجماع، لكانت الأخبار الصادرة من الرّواة الثقات عنهم (عليهم السلام) مباشرة حجّة يقينا. و هذا يعني أنّ حجّية هذا الخبر تساوق كذبه، و كلّ ما تكون حجّيته مستلزمة لكذبه لا يكون حجّة. و هذا هو ما أشار إليه في الكفاية

387

بقوله: (خصوصا في المسألة) حيث قال: «و أمّا عن الإجماع، فبأنّ المحصّل منه غير حاصل، و المنقول منه للاستدلال به غير قابل خصوصا في المسألة كما يظهر وجهه للمتأمّل».

فما يشير إليه بقوله: «خصوصا في المسألة» مقبول، و لكن ما يظهر من العبارة من إبطال هذا الإجماع بنكتة كونه من الإجماعات المنقولة قد عرفت ما فيه.

الوجه الثالث- أنّه لا دليل على حجّية مثل هذا الإخبار من قبل السيّد المرتضى- (رحمه اللّه)- عدا السيرة العقلائية، و سيأتي- إن شاء الله- نقل أخبار الثقات عن الإمام (عليه السلام) إمضاء العمل بخبر الواحد، فلا يمكن انعقاد سيرة من هذا القبيل في المقام، لأنّ نسبة السيرة العقلائيّة إلى الإمضاء و إلى الردع المنقولين على حدّ سواء [1].

الوجه الرابع- مبنيّ على رادعيّة صحيحة جميل عن الخبر المخالف للكتاب و السنة القطعية فيقال: إنّ خبر المرتضى- (رحمه اللّه)- يخالف ما سيأتي- إن شاء الله- من السنّة القطعيّة الدالّة- و لو بالإطلاق- على حجّية خبر الثقة، فهو مردوع عنه بصحيحة جميل فكما يقال: إنّ خبر السيّد

____________

[1] لعلّ المقصود من هذا الكلام هو أنّ دليل حجّية خبر السيّد المرتضى لا يمكن أن يكون عبارة عن الأدلّة اللّفظية لحجّية خبر الواحد و لا سيرة المتشرعة، فينحصر الأمر في أن يكون عبارة عن السيرة العقلائية. أمّا الأدلّة اللّفظيّة فلأنّها لا يمكن أن تشمل هذا الخبر مع باقي الأخبار المردوعة بهذا الخبر للزوم اللّغوية عرفا، و لا هذا الخبر بالخصوص للزوم تخصيص الكلام بالفرد النادر. و أمّا سيرة المتشرعة فلأنّه إذا كانت قائمة بالفعل على العمل بخبر الواحد الوارد من المعصوم فهذا خلف فرض الإجماع المدّعى للسيّد المرتضى، فينحصر الأمر في تقريب الاستدلال بخبر السيد المرتضى في القول بأنّ خبر السيّد المرتضى حجّة بالسيرة العقلائية، و رادع عن العمل بالسيرة في الأخبار الناقلة لنصوص الأئمة (عليهم السلام) و عندئذ يجاب على ذلك بأنّ هناك أخبار دلّت على إمضاء حجّية خبر الواحد، و نسبة السيرة العقلائية إلى أخبار الإمضاء و خبر الردع و هو خبر السيّد المرتضى على حدّ سواء، فلا يمكن انعقاد سيرة من هذا القبيل و الاستدلال بها.

388

المرتضى تطبّق عليه السيرة العقلائية و هو يردع عن غيره من الأخبار، كذلك يمكن أن يقال: إنّ صحيحة جميل تطبق عليها السيرة العقلائيّة و هي تردع عن خبر السيّد المرتضى.

و لا يقال: إنّ صحيحة جميل إنّما تردع عن مثل المخالفة التباينية، و خبر السيّد المرتضى يخالف الكتاب أو السنّة القطعية بالأخصية، لأنّه يردع عن العمل بخبر الواحد، و السنة القطعية دلّت على أخذ معالم الدين من الثقة مثلا الشامل للتقليد و لحجّية خبر الثقة، و المخالفة بالأخصيّة لم تكن مردوعا عنها بصحيحة جميل.

فإنّه يقال: إنّ صحيحة جميل شملت كلّ ألوان المخالفة حتى المخالفة بالأخصيّة، و إنّما أخرجنا منها المخالفة بالأخصيّة بصحيحة عبد الرحمن التي رواها الراوندي، و هي واردة في الخبر الناقل لنص كلام الإمام. أمّا الخبر الناقل للإجماع الكاشف عن رأي الإمام [1] فهو غير مشمول لصحيحة عبد الرحمن، فيبقى تحت إطلاق صحيحة جميل و لو كانت مخالفته للكتاب و السنة بالأخصية.

الوجه الخامس- أنّ نقل السيد المرتضى- (رحمه اللّه)- للإجماع على عدم حجّية خبر الواحد لا يمكن أن يكون حجّة، لأنّ الأمارة إنّما تكون حجّة في مورد الشكّ لا مع القطع بالخلاف [2] و نحن نقطع بعدم انعقاد إجماع الطائفة

____________

[1] قد يقال: إنّ احتمال الفرق غير موجود.

[2] القطع بالخلاف تارة يفسّر بمعنى القطع بعدم الإجماع و هو المقصود لأستاذنا- (رحمه اللّه)- هنا في ما حضرته من البحث، و أخرى يقصد به القطع بحجّية خبر الثقة لما سيأتي- إن شاء الله- عند البحث عن دليل الحجّية من قطعية حجّية خبر الثقة، فهذا أيضا يسقط نقل السيّد المرتضى- (رحمه اللّه)- عن الاعتبار. و هذا هو المنهج الّذي سلكه أستاذنا- (قدّس سرّه)- في المقام لإثبات القطع بعدم مطابقة خبر السيّد المرتضى للواقع في القسم الّذي لم أحضره من الدورة الأخيرة على ما نقل عنه.

389

على عدم العمل بخبر الواحد خصوصا بقرينة روايات كثيرة واردة عن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) و علاقات بعضهم مع البعض، و اعتماد بعضهم على روايات البعض و أخذها منه، كما سنشير إليه- إن شاء الله- عند الاستدلال على حجّية خبر الواحد، فإنّ تلك الأمور إن لم تكف دليلا على انعقاد الإجماع على الحجّية تكفي لتحصيل الوثوق و الاطمئنان بعدم انعقاد الإجماع على عدم الحجّية، و أنّ ديدن كثير من الأصحاب كان على العمل بخبر الواحد غير المورث للقطع.

4- دعوى التمسّك بالعقل:

و أمّا العقل- فقد مضى تقريره في بحث الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي و بيان وجه القول باستحالة التعبّد بالظنّ مع جوابه.

هذا تمام الكلام في أدلّة عدم حجّية خبر الواحد.

390

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

391

أدلّة حجّيّة الخبر:

و أمّا الدليل على حجّية خبر الواحد فقد استدلّ عليها أيضا بالأدلّة الأربعة:

دلالة الكتاب على حجّيّة الخبر:

الأول- الكتاب الكريم، و قد استدل بعدّة آيات:

1- آية النبأ:

الآية الأولى- آية النبأ، قال اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1)- حيث يقال: إنّ الآية الشريفة قد دلّت بالمفهوم على نفي وجوب التبيّن عن خبر العادل و هذا يعني حجّية خبر العادل.

أمّا كيف يدلّ نفي وجوب التبيّن على حجّية خبر العادل، فالبيان‏

____________

(1) سورة الحجرات الآية: 6.

392

الابتدائي لذلك هو ما يقال من أنّه إذا لم يجب التبيّن عند مجي‏ء العادل بالنبإ، فإمّا أن لا يجب التبيّن عنه و لا يعمل به أيضا، أو أنّه يعمل به بلا تبيّن. و الأوّل يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق، و هو باطل بالضرورة، فيتعيّن الثاني.

و ذكر الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)- أنّ تخيّل الحاجة إلى لزوم الأسوئيّة مبني على تخيّل أنّ وجوب التبيّن هنا وجوب نفسي فيقال: إنّ غاية ما يقتضيه المفهوم هو انتفاء هذا الوجوب النفسيّ، و أمّا حجّية النبأ فلا تفهم بذلك إلّا بعد إضافة أنّه لو لا حجّيته لزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق. و لكن حمل وجوب التبيّن على الوجوب النفسيّ غير صحيح، و لو صحّ لما صحّ القول بأنّ عدم حجيّة خبر العادل مع عدم وجوب التبيّن يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق، إذ لعلّه أوجب اللّه تعالى التجسّس عن خبر الفاسق لفضحه و كشف كذبه عن صدقه، و لم يوجب التجسّس عن خبر العادل، فهذا نحو مجاملة و احترام له و لطف به. هذا بناء على الوجوب النفسيّ، أمّا إذا حملنا الوجوب على الوجوب الشرطي- كما هو الصحيح- فهذا يعني أنّ العمل بخبر الفاسق مشروط بالتبيّن، و يدلّ بالمفهوم على أنّ العمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن، و هذا يعني حجّية خبر العادل بلا حاجة إلى ضمّ لزوم أسوئية حال العادل لو لا الحجّيّة.

و مقصود الشيخ (رحمه اللّه) من كون التبيّن شرطا للعمل بخبر الفاسق- على ما يتراءى من عبارته- كونه شرطا للعمل بخبر الفاسق بلحاظ عالم المولوية.

فمن الواضح أنّ التبيّن ليس شرطا في وجود العمل بخبر الفاسق تكوينا، و إنّما هو شرط لوجوده بحسب لحاظ المولى، فكأنّ المولى قسّم العمل بخبر الفاسق إلى قسمين: العمل بلا تبيّن و العمل بتبيّن، و قد حرّم القسم الأوّل مولويّا، فبنظره التحريمي كأنّه أعدمه في الخارج فبعد إعدام القسم الأول إعداما

393

تشريعيا انحصر العمل بخبر الفاسق بالقسم الثاني و هو مشروط بالتبيّن لا محالة، و يدلّ هذا بالمفهوم على أنّ العمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن.

و هذا يكون بأحد نحوين: الأول أن يجوز العمل به حتى قبل التبيّن، و الثاني أن لا يجوز العمل به حتى بعد التبيّن و معرفة الصدق. و الثاني غير محتمل لا من ناحية لزوم الأسوئيّة، بل من ناحية عدم معقوليّة حرمة العمل مع التبيّن و حصول العلم بالمطلب، فيتعيّن الشقّ الأول، و هو مساوق للحجّيّة بلا حاجة إلى فرض مقدّمة الأسوئية. هذا حاصل ما أفاده الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)-، أو حاصل ما يمكن أن يكون مرادا له في المقام.

حقيقة الأمر بالتبيّن:

و تحقيق الحال في الحاجة إلى ضمّ مقدّمة الأسوئية و عدمها يبتني على تحقيق ما هو حقيقة الأمر بالتبيّن الوارد في الآية الكريمة، فهذا الأمر فيه احتمالات عديدة في بادئ النّظر:

الاحتمال الأوّل- أن يكون أمرا نفسيّا بوجوب التبيّن، بأن يكون إخبار الفاسق مقدّمة وجوبية لثبوت واجب نفسيّ على المكلّف، و هو التجسّس عن خبره، و بناء على هذا تتصوّر الحاجة إلى مقدّمة الأسوئية.

و لكن لا تتمّ المقدّمة، إذ لا تلزم من عدم حجيّة خبر العادل أسوئية حال العادل من الفاسق كما مضى عند بيان كلام الشيخ الأعظم (رحمه اللّه).

إلّا أنّ هذا الاحتمال في نفسه غير صحيح كما ذكره الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)-.

إذ أوّلا- لم يحتمل حتى الآن أحد من الفقهاء أو المسلمين وجوب التجسّس نفسيا عن كلّ ما أخبر به الفاسق، فهذا ما دلّ الارتكاز و الضرورة على عدم احتماله فقهيا، و هذا قرينة على عدم إرادة ذلك من الآية الكريمة.

394

و ثانيا- أنّ حمل الأمر هنا على الوجوب النفسيّ خلاف ما يظهر من كلمة التبيّن، فإنّ مادة التبيّن كعنوان التعلّم توجب ظهور الحكم المتعلّق به في الطريقية.

و ثالثا- أنّ التعليل الموجود في الآية هو خوف إصابة القوم بجهالة، و خوف الندامة لا يناسب الوجوب النفسيّ للتبيّن، و إنّما يناسب الوجوب الطريقي له.

الاحتمال الثاني- ما اختاره المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- بناء على حمل التبيّن على معنى تحصيل العلم لا تحصيل ما يعمّ الظنّ مثلا، و هو أن يكون المقصود بالأمر بالتبيّن الإرشاد إلى حكم العقل بوجوب التبيّن و تحصيل العلم بالواقع، فإنّ العقل يستقل بلزوم تحصيل العلم بالواقع عند عدم قيام حجّة تقوم مقام العلم، و ذكر- (قدّس سرّه)-: أنّه على هذا نحتاج إلى مقدّمة الأسوئية، لأنّ الآية أرشدت إلى وجوب تحصيل العلم إذا كان المخبر فاسقا، و دلّت بالمفهوم على عدم وجوب تحصيل العلم إذا كان المخبر عادلا، و عدم وجوب تحصيل العلم كما يمكن أن يكون بنكتة حجّية خبر العادل القائمة مقام العلم، كذلك يمكن أن يكون بنكتة العلم بكذبه فيردّ خبره بلا تبيّن، و بما أنّ الثاني يستلزم أسوئيّة حال العادل من الفاسق إذن تعيّن الأمر في حجّية خبر العادل.

أقول: إنّ أصل الاحتمال الّذي استظهره في غير محلّه. و على فرض صحّته لا نحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة:

أمّا عدم صحّة ما استظهره من الاحتمال فلأنّه يرد عليه:

أوّلا- أنّ العقل لا يستقلّ بوجوب تحصيل العلم بالواقع، و إنّما يستقلّ بوجوب تحصيل العلم بالامتثال و لو عن طريق الاحتياط، إلّا على مبنى من يقول بأنّ الامتثال التفصيليّ مقدّم على الامتثال الإجمالي، لكن من يقول بذلك إنّما يقول به في خصوص باب العبادات، مضافا إلى أنّ هذا

395

المبنى باطل في نفسه [1].

و ثانيا- أنّه لا معنى لتعليق هذا الحكم الإرشادي على مجي‏ء الفاسق بالخبر، فإنّ حكم العقل بوجوب تحصيل العلم لو قلنا به فهو ثابت حتى مع عدم الخبر، و لا فرق بين إخبار الفاسق بوجوب صلاة الجمعة مثلا و عدمه، فإنّه على أيّ حال يجب تحصيل العلم بما هو الفريضة في يوم الجمعة، فيكون هذا التعليق مجرّد ربط إثباتي بين الشرط و الجزاء.

____________

[1] إنّما يرد هذا الإشكال على المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- لو أراد القول بأنّ الأمر بالتبيّن إرشاد إلى وجوب تحصيل العلم بالواقع بالخصوص. أمّا إذا كان المقصود كونه إرشادا إلى تحصيل العلم بالواقع و لو من باب كونه أحد فردي ما يحقّق العلم بالامتثال- و هما تحصيل العلم بالواقع، و الاحتياط- فلا يرد عليه هذا الإشكال. و الإرشاد إلى خصوص وجوب تحصيل العلم بالواقع ليس دخيلا في روح دليله الّذي استدلّ به على مدّعاه، فإنّ دليله- كما يظهر من مراجعة كلامه في المقالات (ج 2 ص 30)- هو أنّه بعد حمل التبيّن على معنى تحصيل العلم لا يمكن أن يكون الأمر بالتبيّن أمرا شرطيّا، إذ لا معنى لكون حجّية خبر الفاسق مشروطة بالعلم بصدقة، كي يكون المفهوم عدم اشتراط حجّية خبر العادل بالتبيّن، و بالتالي نستغني عن مقدّمة الأسوئية، و ذلك لأنّه مع وجود العلم يكون تمام الحجّة هو العلم لا خبر الفاسق. إذن فالأمر بالتبيّن ليس شرطيا، كما أنّه ليس نفسيّا بلا إشكال، فانحصر في أن يكون إرشاديا يرشد إلى طلب العلم بالواقع، و هذا الإرشاد كما يمكن أن ينتفي لدى عدالة المخبر بحجّية خبره كذلك يمكن أن ينتفي بالعلم بكذبه، و الثاني يوجب الأسوئيّة فيتعين الأوّل. فتمام روح الدليل هو إبطال كون الأمر بالتبيّن أمرا شرطيا للحجّية الموجب للاستغناء عن مقدّمة الأسوئيّة، و لا يختلف بحاله أن يفرض إرشادا إلى وجوب تحصيل العلم بالواقع، أو يفرض إرشادا إلى أحد الفردين و هو تحصيل العلم بالواقع لا إلى وجوبه معيّنا. فإشكال أستاذنا (رحمه اللّه) و إن كان قد يرد على حاقّ المدلول اللفظي للعبارة لكن روح الدليل تبقى سالمة عن هذا الإشكال.

نعم يرد عليه: أنّ هذا البيان غير كاف لإثبات عدم كون الأمر بالتبين أمرا شرطيا، فصحيح أنّ الحجيّة الشرعية لا يمكن أن تشترط بالعلم و لكن جامع كون تطبيق العمل على الخبر مؤمنا للإنسان يمكن أن يشترط بالعلم، فبالإمكان حمل الأمر بالتبيّن على الأمر الشرطي بهذا المعنى و يكون مفهومه أنّ مؤمنيّة العمل بخبر العادل غير مشروطة بالعلم، و هذا يعني حجّية خبر العادل بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئية.

396

إلّا أن يراد بهذا الإرشاد إلى حكم العقل الكناية عن ملزومة و هو عدم حجّية خبر الفاسق [1]، حيث إنّ العقل يحكم بوجوب تحصيل العلم حيث لا حجّية، فكأنّه يرشد إلى حكم العقل لأجل أن يلفت النّظر إلى الملزوم و هو عدم حجّية خبر الفاسق، و عندئذ فلا نحتاج إلى مثل هذا التعسّف، بل يتعيّن ما سوف نذكره- إن شاء الله- من الاحتمال من كون الأمر بالتبيّن ابتداء كناية عن سلب الحجّية بلا حاجة إلى توسيط هذا الإرشاد إلى حكم العقل في المقام [2].

و أمّا عدم الحاجة إلى مقدّمة الأسوئيّة لو تمّ هذا الوجه، فلأنّه لو كان الأمر بالتبيّن إرشادا إلى حكم العقل بلزوم تحصيل العلم قلنا: إنّ هذا الحكم ليس حكما مولويّا جعل للتحريك كي يقال: إنّ عدم لزوم تحصيل العلم عند إخبار العادل الثابت بالمفهوم تارة يكون لأجل الحجّية، و أخرى لأجل العلم بالكذب، إذ مع العلم بالكذب يكون تحصيل العلم بالواقع تحصيلا للحاصل، فنبطل الثاني بلزوم الأسوئيّة لتثبت الحجّية، و إنّما هو

____________

[1] و عندئذ تثبت حجّية خبر العادل بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئية.

[2] يمكن الجواب على هذا الإشكال لو سلّمنا الفرضيّة التي تفهم من كلام المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- من دوران حال الأمر بالتبيّن بين أمور ثلاثة، فإمّا هو أمر نفسي، أو هو أمر شرطي، أو أمر إرشادي. فإذا كان الأوّلان مقطوعي العدم، لعدم احتمال وجوب التبيّن نفسيا، و لعدم معقولية اشتراط الحجّية بالعلم، لأنّه إذا جاء العلم كان هو الحجّة لا خبر الفاسق، تعيّن الثالث لا محالة، و هو حمله على الإرشاد، و كون التعليق مجرّد ربط إثباتي لا يضرّ بذلك، فإنّ التعليق و إن كان بطبعه له ظهور في الربط الثبوتي لكن إذا انحصر الأمر بكون المقصود هو الأمر الإرشادي الّذي لا يحتمل تعليقه ثبوتا على إخبار الفاسق رفع اليد لا محالة عن الظهور الأوّلي للتعليق، و حمل على مجرّد ربط إثباتي، فالمهم إنّما هو إبطال الحصر بين الأمور الثلاثة و إبراز احتمال آخر، ككون العبارة كناية عن سلب الحجّية، أو بيان أنّ حمل الأمر على كونه شرطيّا ممكن، و ذلك بأن يكون العلم شرطا لجامع كون تطبيق العمل على مضمون الخبر مؤمنا لا شرطا للحجّية بالمعنى المصطلح.

397

بمعنى اللّابديّة العقلية، أي أنّ العقل أدرك أنّه لا بد من العلم. و من الواضح أنّ اللّابديّة العقليّة لشي‏ء لا تنتفي بثبوت ذلك الشي‏ء، و لابديّة العلم إنّما تنتفي بقيام الحجّة، إذ مع الحجّية لا حاجة إلى العلم، فمفهوم الآية مساوق للحجّية بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئيّة [1].

الاحتمال الثالث- ما اختاره المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- بناء على كون المراد بالتبيّن ما يعمّ الظنّ. و قد أفاد- (قدّس سرّه)- أنّه بناء على هذا لا يمكن أن يكون الأمر بالتبيّن إرشادا إلى حكم العقل، لأنّ العقل لا يكتفي بالظنّ، بل يكون الأمر بالتبيّن أمرا مقدّميا و غيريّا ناشئا من أمر نفسي طريقي‏

____________

[1] هذا الإشكال أيضا لا يمسّ روح برهان المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- و إنّما يمسّ تعبيره القائل بأن (عدم وجوب التبيّن عن خبر العادل قد يكون للعلم بكذبه) بناء على أن يكون مقصوده بذلك العلم الوجداني، و من المحتمل أن يكون مقصوده العلم التعبّدي، إذ من الواضح أنّه لا علم وجداني بكذب خبر العادل و مورد العلم بالكذب خارج عن محل البحث، و نفي علمنا بكذب خبر العادل ليس بنكتة عدم الأسوئية، بل أمر وجداني بنفسه، فلعلّ مقصوده العلم التعبّدي، أي كون خبر العادل حجّة في إثبات نقيضه، فكأنّه يقول: إنّ عدم وجوب التبيّن عن خبر العادل يكون لأحد أمرين: إمّا لحجّية خبر العادل في إثبات مفاده فالحجّية تغني عن لابديّة العلم، و إمّا لحجيّة خبر العادل في إثبات نقيض مفاده، فالحجّة أيضا تغني عن لا بدية العلم.

و الثاني يستلزم أسوئيّة حال العادل من الفاسق، فيتعيّن الأول. فإن كان هذا هو مقصود المحقّق العراقي، أو غيّرنا ما فرضه من العلم بكذب خبر العادل إلى فرض حجّية خبر العادل في إثبات نقيض مفاده لم يرد عليه الإشكال الّذي أفاده أستاذنا الشهيد. نعم يرد عليه على كلّ حال:

أنّ العلم بكذب خبر العادل سواء كان بمعنى العلم الوجداني أو العلم التعبّدي مقطوع العدم في نفسه بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئية، أمّا العلم الوجداني بالكذب فواضح، فإنّ محل بحثنا إنّما هو فرض عدم العلم، و أمّا العلم التعبّدي بالكذب، فلأنّنا نعلم أنّه لم يجعل خبر أيّ شخص في الشريعة سواء كان عادلا متنسكا، أو فاسقا متهتكا، أو شيطانا مريدا أمارة على خلاف مفاده و لا يرتبط علمنا هذا بمسألة لزوم الأسوئية، فأمر خبر العادل بذاته دائر بين ان يكون حجّة في إثبات مفاده و أن لا يكون حجّة، و على الثاني يجب التبيّن، فمفهوم الآية الدال على عدم وجوب التبيّن يدلّ لا محالة على الحجّية بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئية.

398

متعلّق بالعمل بخبر الفاسق. و على هذا فنحن بحاجة أيضا إلى برهان الأسوئيّة لأنّ المفهوم إنّما دلّ على أنّه إن كان الجائي بالنبإ عادلا لم يجب التبيّن بالوجوب الغيري المقدّمي، و ذلك إمّا لعدم وجوب ذي المقدّمة أصلا، أي عدم وجوب العمل بخبر العادل حتى بعد التبيّن، و إمّا لعدم المقدّمية، أي أنّه يجب العمل به بلا تبيّن، و بما أنّ الأوّل مستلزم للأسوئيّة يتعيّن الثاني.

أقول: ما فرّعه على كلامه من الاحتياج إلى برهان الأسوئيّة تفريع صحيح، لكن أصل كلامه غير صحيح، لأنّنا نقول: هل الأمر النفسيّ الّذي فرضه متعلّقا بالعمل بخبر الفاسق متعلّق بالعمل به مطلقا؟ أو متعلّق بالعمل به على تقدير حصول الوثوق و الظنّ فلا يجب العمل بمطلق خبر الفاسق، بل يجب العمل بخصوص خبره الموثوق به المظنون صدقه؟ [1]. فإن فرض الأوّل، لم يكن التبيّن مقدّمة لذلك، إذ من الواضح إمكان العمل بخبر الفاسق بلا تبيّن، فلا معنى لكون التبيّن واجبا بالوجوب الغيري. و إن فرض الثاني فالتبيّن يكون واقعا في طريق تحصيل مقدّمة الوجوب لا مقدّمة الواجب، و من المعلوم أن إيجاب مقدّمة الوجوب لا يكون تحت الوجوب الغيري [2].

____________

[1] و إذا أردنا تكميل الشقوق الثلاثة التي يمكن فرضها في المقام، فهنا احتمالان آخران ذكرهما أستاذنا الشهيد فيما لم أحضره في دورته الأخيرة- على ما نقل عنه- و أبطلهما:

أحدهما- كون تحصيل الظنّ بالصدق قيدا للواجب لا للوجوب، أي يجب العمل بخبر الفاسق بعد تحصل الظنّ بصدقة، أي أنّه لا بدّ أن نحصّل الظنّ بصدقة أو لا ثم نعمل به.

و هذا واضح البطلان، إذ ليس المطلوب تحصيل الظنّ بصدق الفاسق، و إنّما المطلوب هو الإبعاد عن الإصابة بجهالة.

و ثانيهما- أن يكون قيد الواجب أو الوجوب هو الظنّ بالكذب لا الظنّ بالصدق. و هذا أيضا واضح البطلان، فالظنّ بالكذب لا يمكن أن يكون دخيلا و قيدا للعمل بالخبر.

[2] هذا الإشكال تارة نقيسه إلى الاحتمال الثالث في الأمر بالتبيّن و هو كونه أمرا

399

..........

____________

- مقدّميّا و غيريّا في مقابل الاحتمالات الأخرى بما فيها الاحتمال الخامس و هو كونه أمرا شرطيا من دون إرجاع الأمر الشرطي إلى الأمر المقدّمي، و أخرى نقيسه إلى كلام المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)-، فإن قسناه إلى الاحتمال الثالث في الأمر بالتبيّن و هو كونه أمرا مقدّميا فلا إشكال في وروده عليه بتمام معنى الكلمة، و إن قسناه إلى كلام المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- فهو وارد على نقطة من كلامه، و لكن لا نعلم أنّه هل كان يعتقد كون هذه النقطة جوهرية في الاستدلال في المقام أو لا؟. و توضيح ذلك: أنّ مراد المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- كما يبدو من مقالاته يتألف من ثلاث نقاط:

الأولى- أنّ الأمر بالتبيّن لئن لم يمكن حمله على الأمر الشرطي بناء على كون المقصود بالتبيّن تحصيل العلم، فبالإمكان حمله على الأمر الشرطي بناء على كون المقصود بالتبيّن ما يشمل تحصيل الظنّ أو الوثوق، و ذلك لأنّ حجّية خبر الفاسق و إن لم يمكن اشتراطها بالعلم، إذ مع العلم لا يبقى مجال لحجّية الخبر، و لكن بالإمكان اشتراطها بالظنّ و الوثوق، بل حينما يفسّر التبيّن بما يشمل الظنّ و الوثوق لا معنى لحمل الأمر بالتبيّن على الإرشاد إلى حكم العقل، لأنّ العقل لا يكتفي بالظنّ في غير باب الانسداد، كما أنّ احتمال الوجوب النفسيّ أيضا غير وارد، فانحصر الأمر في الوجوب الشرطي.

الثانية- أنّ معنى الوجوب الشرطي للتبيّن هو الوجوب الغيري مقدّمة لواجب نفسي طريقي و هو العمل بخبر الفاسق لا نفس الشرطية، فإنّ تفسير الأمر بنفس الشرطية بعيد.

الثالثة- أنّ هذا الوجوب الغيري المقدّمي ينتفي بالمفهوم بانتفاء الفسق، لكن هذا لا ينحصر تفسيره بفرض بقاء الواجب النفسيّ على حاله بأن يجب العمل بخبر العادل بلا حاجة إلى التبيّن، بل من المحتمل انتفاء أصل الوجوب النفسيّ بأن لا يجب العمل بخبر العادل حتى بعد التبيّن، و هذا الاحتمال إنّما ينفي ببرهان الأسوئيّة.

و لا أعرف هل أنّ المحقّق العراقي- (رحمه اللّه)- يعتقد أنّ النقطة الثانية حلقة من حلقات الوصول إلى النتيجة المطلوبة، و هي الحاجة إلى برهان الأسوئيّة، أو أنّه يراها إلفاتا إلى نكتة ثابتة في المقام- و إن لم تكن هذه النكتة دخيلة في المقصود-، و هي نكتة أنّ الأمر الشرطي ينبغي أن يقصد به الأمر المقدّمي. أمّا حمله على بيان الشرطيّة مباشرة فخلاف الظاهر.

و على أيّ حال فالصحيح أنّ النقطة الثانية لا دخل لها في الواقع في الوصول إلى النتيجة المطلوبة، فبالإمكان حذفها من المقام، و أن يقال رأسا- بعد أن نثبت في النقطة الأولى كون الأمر بالتبيّن أمرا شرطيّا-: إنّ مفاد الآية بناء على هذا و إن كان هو مشروطيّة حجّية خبر

400

الاحتمال الرابع- أن يكون الأمر بالتبيّن أمرا نفسيا طريقيّا لا نفسيّا حقيقيّا كما فرض في الوجه الأوّل، فهذا الأمر قد جعل بداعي التحفّظ على الواقع بقدر ما، فالمولى في مورد عدم مجي‏ء الخبر لم يتحفّظ على الواقع الإلزاميّ أصلا و شرّع لنا الرجوع إلى أصالة البراءة مثلا. و في مورد مجي‏ء الخبر الدالّ على الحكم الإلزاميّ من قبل ناقل فاسق لم يتحفّظ على الواقع تحفّظا كاملا، و لكن تحفّظ على الواقع بقدر ما، فلم يجعل الخبر حجّة يجب الالتزام بمفاده كي يتمّم التحفّظ على الواقع بالشكل الكامل، و لكن في نفس الوقت لم يسمح للرجوع بالبراءة بلا تبيّن كي يكون تركا للتحفّظ على الواقع بشكل مطلق، بل أوجب التبيّن بمعنى حرمة مخالفة الخبر قبل التبيّن، فإذا تبيّن و لم يثبت له الصدق و لا الكذب جاز له عندئذ الرجوع إلى البراءة، فهذا مستوى وسط بين الحجّية بتمام المعنى و بين رفض الخبر بتمام المعنى.

و عليه فنحن بحاجة في مقام إثبات حجّية خبر العادل إلى برهان الأسوئيّة

____________

- الفاسق بحصول الظنّ و الوثوق، و هذا يدلّ بمفهومه على عدم مشروطيّة حجّية خبر العادل بحصول الظنّ، لكن عدم مشروطيّة حجّية خبر العادل بحصول الظنّ كما يتصوّر بثبوت الحجّية له مطلقا، كذلك يتصوّر بنفي الحجّية عنه مطلقا حتى بعد التبيّن و حصول الظنّ، فلا بدّ من أن ننفي الثاني ببرهان الأسوئيّة كي تثبت حجّية خبر العادل مطلقا، و لو فرض أنّ حمل الأمر على الشرطية لا بمعنى حمله على الوجوب المقدّمي خلاف الظاهر فقد يقال: إنّه لا بدّ من ذلك بعد عدم تصوير الوجوب المقدّمي في المقام، كما هو مقتضى إشكال أستاذنا الشهيد.

و إشكال أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) إنّما يرد على النقطة الثانية التي يمكن حذفها في المقام.

نعم حذف هذه النقطة الثانية يعني إرجاع هذا الاحتمال إلى الاحتمال الخامس في الأمر بالتبيّن و هو كون المقصود به الأمر الشرطي، فلم يعد احتمالا مستقلا في الأمر بالتبيّن و هو الأمر المقدّمي. أمّا لما ذا احتجنا هنا إلى ضمّ برهان الأسوئيّة بينما بناء على الاحتمال الخامس لا حاجة إلى برهان الأسوئيّة؟. فهذا الاحتياج نشأ في الحقيقة من ضمّ فرضية أخرى إلى أصل احتمال حمل الأمر بالتبيّن على الأمر الشرطي، و تلك الفرضيّة هي فرضيّة تفسير التبيّن بالظنّ أو ما يشمل الظنّ. هذا و تفسير التبيّن بالظنّ، أو ما يشمل الظنّ خلاف الظاهر.

401

بأن نقول: إذا لم يجب التبيّن في خبر العادل وجوبا طريقيّا، فهذا إمّا أن يكون بمعنى حجّية خبر العادل بتمام معنى الكلمة، أو يكون بمعنى رفض خبر العادل بلا تبيّن، أي أنّه يجوز الرجوع في مورده إلى البراءة قبل التبيّن، و الثاني يستلزم أسوئيّة حال العادل من الفاسق، فيتعيّن الأوّل.

إلّا أنّ هذا الاحتمال في نفسه خلاف الظاهر، لأنّه لا يناسب التعليل الوارد في الآية الكريمة، فإنّ الأمر بالتبيّن قد علّل في الآية بالخوف من إصابة القوم بالجهالة، أي بالخوف من نتائج العمل بخبر الفاسق، و لم يعلّل بالخوف من نتائج ترك العمل به مع أنّ هذا الوجوب الطريقي ملاكه بحسب الحقيقة هو مجموع الخوفين.

الاحتمال الخامس- ما مضى عن الشيخ الأعظم- (رحمه اللّه)- من أنّ الأمر بالتبيّن إرشاد إلى كون التبيّن شرطا في العمل بخبر الفاسق، أي شرطا لوجوده بحسب لحاظ المولى لا بحسب عالم التكوين، و ذلك بتحريمه للعمل به بلا تبيّن، و مقتضى المفهوم عندئذ هو أنّ خبر العادل لا يشترط في العمل به التبيّن، و ذلك إمّا لحجّيته، أو لعدم جواز العمل به حتى بعد التبيّن. و الثاني باطل لا لمقدّمة الأسوئيّة، بل لاستحالة تحريم العمل به بعد التبيّن و وضوح صدقه، فيتعيّن الأول. و من هنا مضى أنّ هذا الوجه لا يحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة، و لعلّ هذا الوجه مرجعه بحسب الدّقة، أو بحسب التحليل العرفي إلى الوجه السادس.

الاحتمال السادس- و هو المختار الّذي نستظهره من الآية الكريمة، هو أن يكون الأمر بالتبيّن في المقام إرشادا بنفسه إلى سلب الحجّية عن خبر الفاسق، و هذا هو المتفاهم عرفا من مثل هذا الكلام. فلو أنّ شخصا جاء إلى شخص آخر و قال له: «حدّثني فلان بكذا» فأجابه المخاطب بقوله:

«تبيّن و تأمل في صدق إخبار فلان» فالذي يفهمه السامع من هذا الكلام أنّ هذا المخبر لا يجوز التعويل عليه في إخباره، فيكون هذا بنفسه إرشادا إلى‏

402

عدم الحجّية، و ذلك الوجوب الشرطيّ الّذي مضى في الوجه الخامس بحسب الحقيقة هو مصداق لعدم الحجّية، و المتحصّل منه، و الفرق بينهما كالفرق بين العنوان و المعنون و المفهوم و الواقع.

و إذا كان الكلام إرشادا إلى سلب الحجّية، فالمفهوم يكون بنفسه دالا على الحجّية بلا حاجة إلى توسط مقدّمة أخرى في المقام.

و هذا الوجه مناسب لظهور الآية، و ظهور التبيّن في الطريقية، و ظهور التعليل. فإنّ سلب الحجّية إنّما هو بلحاظ الخوف من نتائج العمل بخبر الفاسق و إصابة القوم بجهالة.

هذا تمام الكلام في محتملات الأمر بالتبيّن. و قد عرفت أنّ المختار هو الوجه الأخير، و أنّه بناء عليه لا حاجة إلى برهان الأسوئيّة.

ثم الكلام في الاستدلال بمفهوم آية النبأ على حجّية خبر الواحد يقع في مقامين: الأوّل: في ثبوت المقتضي في الآية الكريمة للدلالة على حجّية خبر الواحد و عدمه. و الثاني: في ما يتصوّر مانعا عن تأثير المقتضي بعد فرض تماميّته، إمّا بمعنى المنع عن فعليّة الظهور بعد تمام مقتضية، أو بمعنى المنع عن حجّية الظهور بعد فرض فعليته:

دلالة الآية على المفهوم:

أمّا المقام الأوّل- فتارة يتمسّك بمفهوم الوصف في الآية الشريفة، و أخرى يتمسّك بمفهوم الشرط:

أمّا التمسّك بمفهوم الوصف في الآية الشريفة لإثبات حجّية خبر الواحد، فتارة يكون بدعوى دلالة الوصف بشكل عام على المفهوم و هو انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف. فبما أنّ الآية الشريفة وصفت النبأ بكون من جاء به فاسقا، فقد دلّت- بناء على الإيمان بكبرى مفهوم الوصف- على عدم وجوب التبيّن إن لم يكن الجائي به فاسقا و هو يساوق الحجّية كما مضى.

403

و قد أجابوا على ذلك بمنع المبنى، و هو الإيمان بكبرى مفهوم الوصف، حيث ثبت في محلّه عدم دلالة الوصف على انتفاء سنخ الحكم بانتفائه، خصوصا في الوصف غير المعتمد على الموصوف كما في الآية الشريفة، فإنّه كاللّقب.

و أخرى يكون بدعوى دلالة الوصف على المفهوم في خصوص مورد الآية الشريفة، و إن لم نؤمن بكبرى مفهوم الوصف بشكل عامّ.

و خير تقريب لذلك هو أن يقال: إنّ تعليق الحكم بوصف مع ثبوته في حال آخر كما لو قيل: (أكرم الرّجل العالم) بينما يجب أيضا إكرام الرّجل العادل و لو لم يكن عالما يكون بأحد نحوين:

أحدهما- أن يفرض أنّ الحكم في كلا الفرضين جعل بجعل واحد، و إن كان المقدار المبرز بالبيان المشتمل على ذلك الوصف إنّما هو ثبوت ذاك الحكم عند وجود هذا الوصف.

و ثانيهما- أن يفرض أنّ الحكم جعل في الفرضين بجعلين، و البيان المشتمل على قيد الوصف بيان لأحد الجعلين.

و بما أنّ الثاني كان محتملا في موارد ذكر الوصف، فسدّ باب احتمال الأوّل لم يكن كافيا للبرهنة على ثبوت المفهوم للوصف، و لكن في خصوص ما نحن فيه لا يكون الثاني محتملا، إذ ليس من المحتمل أن تكون العدالة كالفسق دخيلة في عدم الحجّية. و غاية ما يمكن أن يفترض هي عدم كونها ملاكا للحجّية، أمّا كونها ملاكا لعدم الحجّية فغير محتمل، كما هو واضح.

و عندئذ فيكون سدّ باب احتمال الأوّل دليلا على ثبوت المفهوم للآية الشريفة، و نقول: إنّ احتمال الأوّل منفي بظهور الآية المباركة، إذ حتى المنكرون لمفهوم الوصف معترفون بانتفاء شخص الحكم بعدم الوصف، و لهذا قالوا: إنّ الأصل في القيد الاحترازية. و لهذا ذكروا: أنّ المطلق يحمل على المقيّد عند إحراز وحدة الجعل، و على حدّ تعبيرنا نقول: إنّ احتمال‏

404

الأوّل منفي بأصالة تطابق عالم الإثبات لعالم الثبوت، فلو كان الجعل في عالم الثبوت يعمّ حالا أخرى غير حال ثبوت الوصف، و في عالم الإثبات ربط الحكم بالوصف لزم التخالف بين عالمي الإثبات و الثبوت.

و هناك تقريبات [1] أخرى لاستفادة المفهوم من ذكر الوصف في خصوص الآية الكريمة:

الأوّل- ما يتراءى من كلام الشيخ الأنصاري- (رحمه اللّه)- من أنّ خبر الواحد إضافة إلى كونه خبرا واحدا قد يكون خبرا قد أتى به الفاسق، و عندئذ فعنوان كون الجائي به فاسقا عنوان عرضيّ له، بينما عنوان كونه خبرا واحدا هو عنوانه الذاتي، و علّة وجوب التبيّن إن كانت هي فسق المخبر فقط هذا يعني أنّ خبر الواحد بما هو خبر لا يجب التبيّن عنه، و هو معنى حجّية خبر غير الفاسق، و إن كانت هي كونه خبرا واحدا من دون دخل للفسق في ذلك، فهذا خلاف ظاهر الآية التي أخذت وصف الفسق في المقام، و إن كانت هناك علّتان لوجوب التبيّن و هما ذات كون الخبر واحدا مع وصف فسق المخبر فلا يمكن إناطة الحكم بالوصف العرضي ما دام الوصف الذاتي علّة أسبق منه رتبة، و الشي‏ء يسند إلى أسبق العلل.

و هذا البيان- كما ترى- لا يمكن أن يكتمل ما لم يضمّ إليه بيانا، إذ بالإمكان كون العلّة هي الوصف العرضي و هو الفسق مع احتمال وجود علّة عرضيّة أخرى و هي العدالة، و هذا لا يدفعه إلّا ما ذكرناه.

على أنّ قاعدة إسناد المعلول إلى أسبق العلل إنّما هي في السبق الزمني لا السبق الرتبي.

الثاني- ما جاء في فوائد الأصول، حيث لم يذكر المحذور العقلي من لزوم‏

____________

[1] البحث من هنا إلى حين الشروع في الردّ على التقريب الماضي لثبوت المفهوم للوصف في خصوص مورد الآية أخذته من تقرير الأخ السيد علي أكبر- حفظه اللَّه- لما لم أحضره من الدورة الأخيرة و لم آخذه مما كتبته أنا حين حضوري للبحث لأني وجدته أكمل من ذاك.

405

إناطة الحكم إلى أسبق العلل، و لكنه ذكر محذورا عرفيّا و هو أنّ العنوان الذاتي إذا كان كافيا في ثبوت الحكم فتعليقه على العنوان العرضي يكون مستهجنا عرفا. فقولنا مثلا: (الدم الملاقي للنجس نجس) يستهجن عرفا، لكون الدم بذاته نجسا بلا حاجة إلى ملاقاته لنجس آخر.

و هذا الكلام أيضا- كما ترى- لا ينفي وحده احتمال كون العدالة وصفا عرضيا آخر يكون كالفسق في المنع عن الحجّية، و إنّما ينفي ذلك ببياننا الماضي.

على أنّه يرد على هذا الوجه أنّه يكفي لمناسبة ذكر الوصف العرضي و هو الفسق في الآية التنبيه على القضية الخارجية من فسق المخبر.

الثالث- ما يمكن أن يكون تعميقا لبيان الشيخ الأنصاري- (رحمه اللّه)- و هو أن يقال: إنّ خبر الواحد في حدّ ذاته إن كان لا يقتضي الحجّية فعدم الحجّية هنا يكون من باب عدم المقتضي. و لا يسند إلى الفسق كمانع عن الحجّية، فإنّ عدم الشي‏ء إذا كان فاقدا لمقتضيه يسند عدمه إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع، فبدلا عن أن نقول: بأنّ العنوان الذاتي أسبق من العنوان العرضي نقول: إنّ منشئيّة عدم المقتضي أسبق من منشئيّة وجود المانع. إذن فإسناد عدم الحجّية إلى الفسق في الآية الكريمة يدلّ على وجود مقتضي الحجّية و هو الخبر، و أنّ الفسق مانع، فخبر غير الفاسق حجّة، لأنّ المقتضي و هو ذات الخبر موجود و المانع و هو الفسق مفقود.

و هذا أيضا- كما ترى- لا يمكن تتميمه بغير ضمّ بياننا المتقدّم، إذ بدونه يثار احتمال كون العدالة كالفسق مانعا عن الحجّية.

على أنّه يرد عليه: أنّ مقتضي الحجّية في الحقيقة هو كاشفية الخبر، و احتمال الخلاف هو المانع، و كلّما اشتدّ احتمال الخلاف و كثرت قرائنه اشتدّت المانعيّة، و لا شكّ أنّ الفسق قرينة للخلاف، فهو يوجب تشديد المانعية، فبالإمكان أن يقال: إنّ ذكر الفسق في المقام من باب إسناد عدم‏

406

الحجّية إلى المانع الشديد مع كون المقتضي للحجّية موجودا، و هذا لا يمنع عن فرض عدم الحجّية عند عدم الفسق، لوجود المانع بمستوى خفيف.

و للمحقّق الأصفهانيّ- (رحمه اللّه)- هنا في تعليقه على الكفاية بيان لتقريب المفهوم في المقام، و هو أنّه إن فرض في المقام أنّ الوصف العرضي هو العلّة لوجوب التبيّن، أو أنّ مجموع الوصفين الذاتي و العرضي هو العلّة لذلك ثبت المطلوب، و هو عدم وجوب التبين عند انتفاء الوصف العرضي، و إن فرض خصوص الذاتي علّة، أو فرض أنّ كلّا منهما علّة، فهو خلاف ظاهر الآية.

و قال: إنّه لا يعقل أيضا أن يكون هذا الوصف العرضي علّة مع وجود وصف عرضي آخر و هو العدالة يكون علّة أخرى للحكم، إذ لو فرض الجامع علّة، لكان خلاف ظاهر الآية التي أناطت الحكم بخصوصيّة الفسق، و لو فرض كلّ منهما علّة بعنوانه لزم صدور الواحد من اثنين.

و أنت ترى أنّ هذا تقريب لأصل ثبوت المفهوم للوصف فهو راجع إلى الاستدلال بالكبرى العامّة لمفهوم الوصف، و قد أبطلنا ذلك في بحث المفاهيم [1].

____________

[1] إبطال احتمال كون العدالة قائمة مقام الفسق بالبيان الّذي ذكره هو استدلال ببيانه لأصل كبرى مفهوم الوصف، و معه لا تبقى حاجة إلى التعرّض لوجود وصفين هنا، وصف ذاتي و وصف عرضيّ، و لا يكون هذا الكلام توجيها للاستفادة من نكتة الفرق بين الوصفين، بينما ذكر المحقّق الأصفهانيّ- (قدّس سرّه)- هذا الكلام كتوجيه لذلك.

و الّذي أظنّه على ضوء مراجعتي لعبارة المحقّق الأصفهانيّ- (رحمه اللّه)- في المقام- في نهاية الدراية ج 2 ص 74- هو أنّه أراد التمسّك في المقام بكبرى مفهوم الوصف ببيان أنّه لو حلّ وصف آخر محل الوصف المذكور في الكلام و كان الجامع هو العلّة، كان هذا خلاف ظاهر دخل الوصف بعنوانه. و لو حلّ وصف آخر محلّه بأن كان كلّ منهما بعنوانه علّة، كان هذا خلاف قاعدة أنّ الواحد لا يصدر من اثنين، و لكنّه- (رحمه اللّه)- فرض أنّ هذا البيان العام لإثبات كبرى مفهوم الوصف لا يكفي لإثبات المفهوم في خصوص الآية المباركة إلّا بإضافة نكتة أخرى إليه، و ذلك لأنّ الآية المباركة مشتملة على ذكر وصفين و هما وصف الخبرية و وصف الفسق،

407

..........

____________

- و عندئذ يأتي احتمال أن تكون العلّة هي الجامع بين الوصفين فيقال: إنّ كون العلّة هي الجامع ليس خلاف ظاهر الكلام، لأنّ الكلام لم يشتمل على أحد الوصفين بالخصوص كي يقال: إنّ هذا ظاهر في دخله بعنوانه، بل اشتمل على ذكر كلا الوصفين، و هذا يناسب فرض كون علّة الحكم هي الجامع بينهما، كما يناسب فرض عليّة المجموع، أو خصوص الفسق، فلا بدّ من جواب على احتمال علّية الجامع بين هذين الوصفين، كي يتمّ الاستدلال بالمفهوم في المقام.

و الجواب على ذلك- حسب ما يفهم من عبارة المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللّه) في المقام- هو أنّه إذا كانت العلّة عبارة عن الجامع بين وصفين أحدهما ذاتي موجود في كلّ موارد الحكم و هو خبريّة الخبر، و الثاني عرضي موجود في بعض موارد الحكم و هو فسق المخبر، فالمفروض هو أن يعلّل الحكم بالذاتي الموجود في كلّ موارد الحكم لا العرضي المفقود في بعض الموارد.

ثم قال- (رحمه اللّه)-: لا يقال: إذا كان كلّ منهما علّة فعند اجتماعهما يكونان معا علّة واحدة، فالحكم الواحد حيث كان منبعثا عنهما رتّبه عليهما.

و أجاب على ذلك بما محصّله: أنّ ما رتّب على الوصف لو كان هو شخص الحكم تمّ هذا الإشكال، لكن المفروض على القول بمفهوم الوصف هو أنّ الّذي رتّب على الوصف هو كلّي الحكم. و عندئذ فلو كان الوصف الذاتي الموجود في تمام موارد الحكم كافيا في تحقيق الحكم كان المفروض تعليل الحكم بذاك الوصف الذاتي، لا بالوصف العرضي الّذي قد يفقد في بعض الموارد.

أقول: إنّ هذا الكلام الأخير لا يرجع إلى محصّل إلّا بأن يراد من ترتيب كلّي الحكم على الوصف تعليق كلّيّ الحكم عليه لا مجرّد استلزام الوصف للحكم، و هذا لو تمّ كان بنفسه ملاكا كاملا لاقتناص المفهوم بلا حاجة إلى قانون أنّ الواحد لا يصدر من اثنين. أمّا الاستدلال على مفهوم الوصف بقانون أنّ الواحد لا يصدر من اثنين فليس بحاجة إلى افتراض التعليق، و لا إلى افتراض كون المعلّق سنخ الحكم و كلّيه، فقوله: «إنّ المفروض على القول بالمفهوم كون المرتّب على الوصف كلّي الحكم» في غير محلّه.

و على أيّ حال فسواء أثبتنا مفهوم الوصف بفرض تعليق سنخ الحكم، أو أثبتناه بقانون أنّ الواحد لا يصدر من اثنين، فلا حاجة لنا إلى التعرّض لوجود وصف ذاتي في المقام ثابت في كلّ الموارد و وصف عرضي غير ثابت في كلّ الموارد، أمّا بناء على تعليق سنخ الحكم فلأنّ الآية على أيّ حال دلّت على تعليق كلّي وجوب التبيّن على الفسق، و هذا كاف في ثبوت المفهوم، و أمّا بناء على قانون أنّ الواحد لا يصدر من اثنين، فلأنّ أخذ الفسق في الآية لا محالة ظاهر في دخله‏

408

بقي [1] الكلام في الوجه الّذي نحن ذكرناه لإثبات المفهوم في المقام من أنّ العدالة لا يحتمل أن تكون دخيلة في عدم الحجّية كالفسق، فإذا تمّ انتفاء شخص الحكم بانتفاء الفسق ثبت انتفاء وجوب التبيّن عند العدالة لا محالة، لعدم احتمال شخص آخر للحكم متقوّم بالعدالة.

و التحقيق أنّ هذا الوجه أيضا غير تامّ إذ يرد عليه أمور: أهمّها: أنّ الثابت في المقام ليس هو جعل عدم الحجّية، حتى تكون موضوعيّة خبر الواحد الفاسق و خبر الواحد العادل لذلك مساوقة لكون الفسق و العدالة ملاكين لعدم الحجّية، فيقال: إنّ ذلك غير محتمل في جانب العدالة. و إنّما الآية الشريفة تبيّن عدم جعل الحجّية و جعل خبر الواحد الفاسق موضوعا لذلك، و معنى موضوعيّته لذلك أنّ شيئا من الأجزاء التحليلية لهذا العنوان- و منها الفسق- ليس فيه ملاك لجعل الحجّية فخبر الواحد الفاسق ليس حجّة، و من المحتمل كون خبر الواحد العادل أيضا موضوعا لذلك، و لا يلزم من ذلك عدا عدم كون العدالة ملاكا للحجّية لا كونها ملاكا لعدم الحجّية [2].

و يرد أيضا على هذا الوجه: أنّ هذا البيان لو تمّ فإنّما يثبت حجّية خبر الواحد في الجملة لا على الإطلاق، و ذلك لما يمكن أن يفترض من حالة أخرى غير العدالة قد تجتمع مع العدالة، كعدم الظنّ بصحّة الخبر، أو وجود

____________

- بعنوانه في الحكم، و مجرّد ذكر كلا الوصفين لا يبرّر احتمال كون الدخيل هو الجامع بينهما، بل تبقى كفاية الجامع، و عدم دخل الوصف بعنوانه خلاف ظاهر أخذ العنوان، فإذا ثبت أنّ الفسق بعنوانه دخيل في الحكم ثبت المفهوم، لأنّ ترتّب الحكم على عنوان آخر أيضا منفصلا عنه يستلزم صدور الواحد من اثنين.

[1] من هنا عدنا إلى الدورة التي حضرناها من البحث.

[2] أمّا لزوم لغويّة ذكر الفسق فيكفي في دفعه ترتّب فائدة ما عليه، كالتنبيه على فسق من نزلت الآية بشأنه، أو كون الفسق مقوّيا لانتفاء ملاك الحجّية.

409

أمارة على خلافه تكون كالفسق ملاكا لعدم الحجّية [1].

و أمّا التمسّك بمفهوم الشرط في الآية الشريفة لإثبات حجّية خبر الواحد، فبعد فرض الفراغ عن كبرى دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم يقع الكلام في المقام في مقياس اقتناص المفهوم من القضيّة الشرطيّة، هل ينطبق على ما نحن فيه أو لا؟.

و حاصل ما قد يقال في المقام هو: أنّ القضيّة الشرطيّة فيها أركان ثلاثة: الشرط، و الموضوع، و الجزاء، و هو الحكم، و انتزاع المفهوم عبارة عن عدم ترتّب الحكم على هذا الموضوع عند عدم هذا الشرط، فلا بدّ من فرض موضوع محفوظ في كلا جانبي وجود الشرط و عدمه، و ليس المراد بالموضوع في المقام ما كان موضوعا بحسب عالم الجعل و التشريع، أي تمام ما أخذ مفروض الوجود في عالم جعله و تشريعه، إذ من المعلوم أنّ الشرط داخل في الموضوع بهذا المعنى، بل المقصود من الموضوع في المقام الركن الأساسي الّذي أضيف إليه الشرط أوّلا، و أضيف إليه الحكم في طول إضافة الشرط. و بهذا ظهر أنّ هذا الركن الأساس إن كان ينتفي بانتفاء الشرط كما في مثل: (إن وجد عالم فأكرمه) لم يكن للكلام مفهوم، إذ المفهوم كما عرفت عبارة عن انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، و المفروض أنّه لا موضوع عند انتفاء الشرط حتى ينتفي الحكم عنه، و هذا هو الّذي يسمّى بالسالبة بانتفاء الموضوع، فلا بدّ أن يكون وجود الموضوع محفوظا في كلا جانبي وجود الشرط و عدمه حتى يكون للكلام مفهوم. و عندئذ نأتي إلى محل الكلام لنرى أنّ الشرطيّة هل هي من القسم الأوّل، أو من القسم الثاني؟

____________

[1] و يمكن أن يورد أيضا على هذا الوجه: أنّ ذكر كلمة الفاسق و إن كان ظاهرا في دخل الفسق في وجوب التبيّن، لكن يكفي إشباعا لهذا الظهور افتراض أن الفسق دخيل في روح الحكم في المقام، بمعنى تشديده لملاك الحكم. فملاك وجوب التبيّن ثابت في كلّ خبر غير قطعي، و لكنه يشتدّ فيما إذا كان المخبر فاسقا.

410

و أحسن من جمع الكلام في المقام هو المحقّق العراقي (رحمه اللّه)، فنقتصر هنا على ذكر كلامه مع التعليق عليه، ثم بيان ما هو مقتضى التحقيق في المقام فنقول:

قد أفاد المحقّق العراقي- (قدّس سرّه)- في المقام: أنّ موضوع وجوب التبيّن و هو النبأ يتصوّر وقوعه موضوعا على أنحاء ثلاثة:

الأول- أن يكون الموضوع هو ذات النبأ، و تمام المعاني الأخرى الحاصلة من قوله: (إن جاءكم فاسق بنبإ) تكون مندرجة في الشرط لا في الموضوع، فكأنّ الآية قالت: النبأ إن جاء الفاسق به فتبيّنوا، و مفهومه انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء مجي‏ء الفاسق بالنبإ. و لانتفاء مجي‏ء الفاسق بالنبإ حالتان: حالة انعدام النبأ بقول مطلق، و حالة مجيئه من ناحية العادل، و انتفاء الجزاء في الحالة الأولى يكون بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، و في الحالة الثانية يكون بنحو السالبة بانتفاء المحمول، فالمفهوم بحسب الحقيقة يكون منحلّا إلى جانبين، جانب منه يكون من السالبة بانتفاء الموضوع فيخرج عن باب الدلالة اللّفظية، و جانب منه يكون من باب السالبة بانتفاء المحمول، فيتمّ المفهوم باعتبار هذا الجانب.

الثاني- أن يكون الموضوع نبأ الفاسق لا ذات النبأ على الإطلاق، فكأنّه قال: نبأ الفاسق إن جاءكم فتبيّنوا، و عليه ينحصر انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط بالسالبة بانتفاء الموضوع، إذ لو لم يجئنا نبأ الفاسق لم يكن نبأ الفاسق الّذي هو الموضوع موجودا حتى يجب التبيّن عنه أو لا يجب.

الثالث- أن يكون الموضوع النبأ المجي‏ء به، و يبقى الفسق في الشرط فكأنّه قال: النبأ الّذي جي‏ء به إن كان الجائي به فاسقا فتبيّنوا. و عندئذ يتمحّض المفهوم في السالبة بانتفاء المحمول بعكس الثاني، فإنّ النبأ الّذي فرض أنّه جي‏ء به إن لم يكن الجائي به فاسقا كان ذلك مساوقا لمجي‏ء العادل به، لأنّ كون النبأ مجيئا به مفروغ عنه.