الإحاطة في أخبار غرناطة - ج2

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
424 /
53

و كان يعقد للناس مجلسا عاما، يومين في كل أسبوع، فترتفع إليه الظلامات، و يشافه طالب الحاجات، و تنشده الشعراء، و تدخل إليه الوفود، و يشافه أرباب النصائح في مجلس اختصّ به أهل الحضرة، و قضاة الجماعة، و أولي الرتب النّبيهة في الخدمة، بقراءة أحاديث من الصّحيحين، و يختم بأعشار من القرآن. ثم ينتقل إلى مجلس خاص، ينظر فيه في أموره، فيصرف كل قصد إلى من يليق به ذلك، و يؤاكل بالعشيّات خاصته من القرابة؛ و من يليهم من نبهاء القوّاد.

أولاده: أعقب ثلاثة من الذكور، محمدا وليّ عهده و أمير المسلمين على أثره؛ و الأميرين أبا سعيد فرج، و أبا الحجاج يوسف؛ توفّيا على حياته؛ حسبما يتقرر بعد إن شاء اللّه.

وزراء دولته: وزر له جماعة؛ الوزير أبو مروان عبد الملك بن يوسف بن صناديد، زعيم قاعدة جيّان؛ و هو الذي مكّنه من ناصية جيّان المذكورة. و استوزر علي بن إبراهيم الشّيباني من وجوه حضرته، و ذوي النّسب من الفضلاء أولي الدّماثة و الوقار. و استوزر الرئيس أبا عبد اللّه ابن الرئيس أبي عبد اللّه الرّميمي. و استوزر الوزير أبا يحيى ابن الكاتب من أهل حضرته، و غيرهم ممن تبلغ به الشهرة مبلغا فيهم.

كتّابه: كتب له من الجلّة جماعة، كالكاتب المحدّث الشهير أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن سعيد اليحصبي اللّوشي، و لما توفي كتب عنه ولده أبو بكر بن محمد. هؤلاء مشاهير كتّابه، و من المرؤوسين أعلام، كأبي بكر بن خطاب و غيره.

قضاته: ولي له قضاء الجماعة، القاضي العالم الشهير، أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، من جلّة أهل الأندلس في كبر البيت، و جلالة المنصب، و غزارة العلم. ثم ولي بعده الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن عبد الجليل بن غالب الأنصاري الخزرجي. ثم ولي بعده الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن عبد السلام التميمي، و هذا الرجل من أهل الدين و الأصالة، و آخر قضاة العدل. ثم ولي بعده الفقيه القاضي أبو عبد اللّه محمد بن عياض بن موسى اليحصبي. ثم ولي بعده الفقيه القاضي الحسيب أبو عبد اللّه بن أضحى، و بيته شهير، و لم تطل مدته. و ولي بعده آخر قضاته أبو بكر محمد بن فتح بن علي الإشبيلي، الملقب بالأشبرون.

54

الملوك على عهده:

بمرّاكش المأمون إدريس، مأمون الموحّدين، مزاحما بأبي زكريا يحيى بن الناصر بن المنصور بن عبد المؤمن بالجبل. و لما توفي المأمون ولي الرشيد أبو محمد عبد الواحد في سنة ثلاثين و ستمائة، و ولي بعده أبو حفص عمر بن إسحاق المرتضى، إلى أن قتله إدريس الواثق أبو دبّوس في عام خمسة و ستين. و ولي بعده يسيرا بنو عامر بن علي بمراكش، و تعاقب منهم على عهده جلّة؛ كالأمير عثمان و ابنه حمو، و أخيه أبي يحيى بن عبد الحق. و استمرّ الملك في أسنّ أملاكهم، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق بن محيو إلى آخر أيامه.

و بتلمسان، شبيهه يغمراسن بن زيّان، أول ملوكهم، و تقدمه أخوه أكبر منه برهة. و يغمراسن أول من أثّل الملك، و حاز الذّكر، و استحق الشهرة.

و بتونس، الأمير أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص. و خاطبه السلطان المترجم به، و التمس رفده، و قد حصل على إعانته، و ولي بعد موته ولده المستنصر أبو عبد اللّه، و دامت أيامه إلى أول أيام ولد السلطان المترجم له عام أربعة و سبعين.

و بقشتالة هراندة بن ألهنشة بن شانجه الإنبرطور. و هراندة هذا هو الذي ملك قرطبة و إشبيلية، و لما هلك ولي بعده ألفنش ولده ثلاثا و ثلاثين سنة، و استمرّ ملكه مدة ولايته، و صدرا من دولة ولده بعده.

و برغون جايمش ابن بطره ابن ألفونش قمط برجلونه. و جايمش هذا هو الذي ملك بلنسية و صيّرها دار ملكه من يد أبي جميل زيّان بن مردنيش.

لمع من أخباره: قام ابن أبي خالد بدعوته بغرناطة، كما ذكر في اسمه، و دعاه و هو بجيّان، فبادر إليها في أخريات رمضان من عام خمسة و ثلاثين و ستمائة، بعد أن بعث إليه الملأ من أهلها ببيعتهم مع رجلين من مشيختهم؛ أبي بكر الكاتب، و أبي جعفر التّيزولي.

قال ابن عذاري في تاريخه‏: أقبل و ما زيّه بفاخر، و نزل‏ عشي اليوم الذي‏

____________

(1) في البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 342): «أبي بكر ابن الكاتب، و أبي جعفر النمزولي».

(2) البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 342).

(3) في البيان المغرب: «و نزل بخارج غرناطة على أن يدخلها من الغد غدوا ثم بدا له غير ذلك فدخلها مع غروب الشمس يوم نزوله».

55

وصل بخارج غرناطة، على أن يدخلها من الغد، ثم بدا له فدخلها عند غروب الشمس، نظرا للحزم.

و حدّث أبو محمد البسطي قال‏: عاينته‏ يوم دخوله و عليه شاشيّة ملفّ مضلعة أكتافها مخرّقة. و عند ما نزل بباب جامع القصبة، كان مؤذن المغرب في الحيعلة، و إمامه يومئذ أبو المجد المرادي قد غاب، فدفع الشيخ السلطان إلى المحراب، و صلّى‏ بهم، على هيئته تلك، بفاتحة الكتاب. و إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ (1). و الثانية ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1). ثم وصل قصر باديس، و الشمع بين يديه‏.

و في سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، صالح طاغية الروم، و عقد معه السّلم الذي طاحت في شروطه جيّان. و كان واقع بالعدو الراتب تجاه حضرته، المختص بحصن بليلش على بريد من الحضرة، و كان الفتح عظيما، ثم حالفه الصّنع بما يضيق المجال عن استيعابه. و في حدود اثنين و ستين و ستمائة صالح طاغية الروم، و عقد معه السلم، و عقد البيعة لولي عهده، و استدعى القبائل للجهاد.

مولده: في عام خمسة و تسعين و خمسمائة بأرجونة، عام الأرك‏.

وفاته: في منتصف جمادى الثانية من عام واحد و سبعين و ستمائة، ورد عليه و قد أسنّ، جملة من كتّاب الزّعائم، يقودون جيشا من أتباعهم، فبرز إلى لقائهم بظاهر حضرته، و لما كرّ آئبا إلى قصره، سقط ببعض طريقه، و خامره خصر، و هو راكب، و أردفه بعض مماليكه، و اسمه صابر الكبير، و كانت وفاته ليلة الجمعة التاسع‏

____________

(1) النص في البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 342- 343).

(2) في البيان المغرب: «فعاينته».

(3) في المصدر نفسه: «دخوله بشاية». و الشاية و الشاشية: لباس حربي محشو بالقطن لوقاية المحارب.

(4) في المصدر نفسه: «مقطعة».

(5) في المصدر نفسه: «فصلّى بهم على هيئة سفره بفاتحة ...».

(6) سورة النصر 110، الآية 1.

(7) سورة الإخلاص 112، الآية 1.

(8) في البيان المغرب: «ثم خرج إلى قصر باديس ابن حبوس و الشمع بين الأبواب يتّقد ...».

(9) كانت وقعة الأرك سنة 591 ه- و ليس سنة 595 ه، و ذلك بين المنصور يعقوب بن يوسف الموحدي و جيوش قشتالة بقيادة ألفونسو الثامن، و كان النصر فيها للموحدين، و كان عدد قتلى النصارى ثلاثين ألفا، و استشهد من المسلمين نحو الخمسمائة. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 218).

56

و العشرين لجمادى الثانية المذكورة، و دفن بالمقبرة الجامعة العتيقة بسنام السّبيكة، و على قبره اليوم منقوش:

«هذا قبر السلطان الأعلى، عزّ الإسلام، جمال الأنام، فخر الليالي و الأيام، غياث الأمة، غيث الرحمة، قطب الملة، نور الشريعة، حامي السنّة، سيف الحق، كافل الخلق، أسد الهيجاء، حمام الأعداء، قوام الأمور، ضابط الثغور، كاسر الجيوش، قامع الطغاة، قاهر الكفرة و البغاة، أمير المؤمنين، علم المهتدين، قدوة المتقين، عصمة الدين، شرف الملوك و السلاطين، الغالب بالله، المجاهد في سبيل اللّه، أمير المسلمين، أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري، رفعه اللّه إلى أعلى عليّين، و ألحقه بالذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصّدّيقين، و الشهداء و الصالحين. ولد، رضي اللّه عنه، و أتاه رحمة من لدنه، عام أحد و تسعين و خمسمائة، و بويع له يوم الجمعة السادس و العشرين من رمضان عام خمسة و ثلاثين و ستمائة، و كانت وفاته يوم الجمعة بعد صلاة العصر التاسع و العشرين لجمادى الآخرة عام أحد و سبعين و ستمائة، فسبحان من لا يفنى سلطانه، و لا يبيد ملكه، و لا ينقضي زمانه، لا إله إلّا هو الرحمن الرحيم».

و من جهة أخرى: [البسيط]

هذا محلّ العلى و المجد و الكرم‏* * *قبر الإمام الهمام الطاهر العلم‏

* * *

للّه ما ضمّ هذا اللحد من شرف‏* * *و من شيم علوية الشّيم‏

* * *

بالجود و الباس ما تحوي صفائحه‏* * *لا بأس عنترة و لا ندى هرم‏

* * *

مغني الكرامة و الرضوان يعهده‏* * *فخر الملوك الكريم الذات و الشيم‏

* * *

مقامه في كلا يومي ندى و وغى‏* * *كالغيث في مجد و كالليث في أجم‏

* * *

مآثر تليت آثارها سورا* * *تقرّ بالحق فيها جملة الأمم‏

* * *

كأنه لم يسر في محفل لجب‏* * *تضيق عنه بلاد العرب و العجم‏

* * *

و لم يباد العدا منه ببادرة* * *يفتر منها الهدى عن ثغر مبتسم‏

* * *

و لم يجهز لهم خيلا مضمرة* * *لا تشرب الماء إلّا من قليب دم‏

* * *

و لم يقم حكم عدل في سياسته‏* * *تأوي رعيته منه إلى حرم‏

* * *

من كان يجهل ما أولاه من نعم‏* * *و ما حواه لدين للّه من حرم‏

* * *

فتلك آثاره في كل مكرمة* * *أبدى و أوضح من نار على علم‏

* * *

لا زال تهمي على قبر تضمّنه‏* * *سحائب الرحمة الوكّافة الدّيم‏

* * *

57

محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن أبي عامر ابن محمد بن أبي الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري، المنصور بن أبي عامر

معظّم الظّفر، و خدن السّعد، و ملقى عصيّ الجدّ، و جوّ رياح الشهرة، و ديوان فنون السياسة، و حجاج الدولة العبشميّة، في التّخوم المغربية، المزيّ‏ بالظّرف و كمال السّجية، و الجهاد العظيم، العريق في بحبوحة بلاد الكفار، (رحمه اللّه تعالى).

أوّليّته: دخل جدّه عبد الملك الأندلس مع طارق مولى موسى بن نصير في أول الداخلين من المغرب، و كان له في فتحها أثرا جميلا، و إلى ذلك أشار مادحه محمد بن حسان‏: [الطويل‏]

و كلّ عدوّ أنت تهزم‏ عرشه‏* * *و كلّ فتوح عنك يفتح بابها

* * *

و إنّك‏ من عبد المليك الذي له‏* * *حلى فتح قرطاجنّة و انتهابها

* * *

و نزل عبد الملك الجزيرة الخضراء لأول الفتح، فساد أهلها، و كثر عقبه بها؛ و تكررت فيهم النّباهة، و جاوروا الخلفاء بقرطبة. و كان والد محمد هذا، من أهل الدين و العفاف و الزهد في الدنيا و القعود عن السلطان. سمع الحديث، و أدّى الفريضة، و مات منصرفا عن الحج بإطرابلس.

حاله: كان هذا الرجل بكر الدهر، و فائدة الأيام، و بيضة العمر، و فرد الخلق في اضطراد السّعد، و تملد العاجل من الحظ، حازما، داهية، مشتملا على أقطار السؤدد، هويّا إلى الأقاصي، و طموحا، سوسا حميّا، مصطنعا للرجال، جالبا

____________

(1) ترجمة المنصور العامري في البيان المغرب (ج 2 ص 256) و الذخيرة (ق 4 ص 56) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 59) و الحلة السيراء (ج 1 ص 268) و مطمح الأنفس (ص 388) و جذوة المقتبس (ص 17، 78) و بغية الملتمس (ص 21، 115) و المعجب (ص 72) و كتاب العبر (م 4 ص 318) و المغرب (ج 1 ص 195) و المختصر في أخبار البشر (ج 2 ص 117، 136) و تتمة المختصر في أخبار البشر (ج 1 ص 477) و نفح الطيب (ج 1 ص 382).

(2) العبشمية: نسبة إلى عبد شمس، و هي من أوصاف الدولة الأموية. محيط المحيط (شمس).

(3) المزيّ: الظريف. محيط المحيط (مزي).

(4) البيتان في البيان المغرب (ج 2 ص 256) و جاء فيه أن المادح هو محمد بن حسين الشاعر العالم بأخبار الأندلس.

(5) في البيان المغرب: «تهدم».

(6) في الأصل: «برأيك» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من البيان المغرب.

(7) في الأصل: «قرطبة» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من البيان المغرب.

58

للأشراف، مستميلا للقلوب، مطبقا المفاصل، مزيحا للعلل، مستبصرا في الاستبداد، خاطبا جميل الذكر، عظيم الصبر، رحيب الذّرع، طموح الطرف، جشع السيف، مهادي جياد العقاب و المثوبة، مهيبا، جزلا، منكسف اللون، مصفر الكفّ، آية اللّه، جلّ جلاله، في النّصر على الأعداء و مصاحبة الظّفر، و توالي الصّنع.

نباهته: قال المؤرخ‏: سلك سبيل القضاء في أوّليّته، مقتفيا آثار عمومته و خؤولته، يطلب‏ الحديث في حداثته. و كتب منه كثيرا، و لقي الجلّة من رجاله، ثم صحب الخليفة الحكم‏ متحزّبا في زمرته، و ولي له الأعمال من القضاء و الإمامة، ثم استكفاه، فعدل عن سبيله، و صار في أهل الخدمة. ثم اختصّه بخدمة أمّ ولده هشام، فزاد بخاصّته لولي العهد، عزّا و مكانة من الدولة، فاحتاج الناس إليه، و غشوا بابه، و بلغ الغاية من أصحاب السلطان معه، إسعاف، و كرم لقاء، و سهولة حجاب، و حسن أخلاق، فاستطار ذكره، و عمّر بابه، و ساعده الجدّ. و لمّا صار أمر المسلمين إليه، بلغ‏ التي لا فوقها عزّا و شهرة.

الثناء عليه: قال: و في الدولة العامرية، و أعين محمد على أمره، مع قوة سعده، بخصال مؤلفة لم تجتمع لمن قبله، منها الجود، و الوقار، و الجدّ و الهيبة، و العدل و الأمن، و حبّ العمارة، و تأمير المال، و الضبط للرعية، و أخذهم بترك الجدل و الخلاف و التّشغّب، من غير وهن في دينه، و صحّة الباطن، و شرح كل فضل، و جلب كلّ ما يوجب عن المنصور فيه.

غزواته و ظهوره على أعدائه:

واصل، (رحمه اللّه)، الغزو بنفسه، فيما يناهز خمسين غزوة، و فتح فيها البلاد، و خضد شوكة الكفر، و أذلّ الطواغيت و فضّ مصاف الكفّار، و بلغ الأعماق، و ضرب على العدو الضرائب، إلى أن تلقّاه عظيم الروم بنفسه و أتحفه بابنته في سبيل الرغبة في صهره، فكانت أحظى عقائله، و أبرّت في الدين و الفضل على سائر أزواجه، و عقد اثني عشر بروزا إلى تلقي ملوك الروم القادمين عليه مصطهرين بإلحاح سيفه، منكبّين على لثم سريره.

____________

(1) النص في البيان المغرب (ج 2 ص 257- 258) بتصرف.

(2) في البيان المغرب: «القضاة».

(3) في البيان المغرب: «فطلب».

(4) هو خليفة الأندلس الحكم بن عبد الرحمن الناصر، المعروف بالحكم المستنصر، و قد حكم الأندلس من سنة 350 ه- إلى سنة 366 ه.

(5) في الأصل: «فبلغ».

59

شعره: و مما يؤثر من شعره‏: [الطويل‏]

رميت بنفسي هول كلّ عظيمة* * *و خاطرت و الحرّ الكريم يخاطر

* * *

و ما صاحبي إلّا جنان مشيّع‏* * *و أسمر خطّيّ و أبيض باتر

* * *

و من شيمتي‏ أني على كلّ‏ طالب‏* * *أجود بمال لا تقيه المعاذر

* * *

و إني لزجّاء الجيوش إلى الوغى‏* * *أسود تلاقيها أسود خوادر

* * *

فسدت‏ بنفسي أهل كلّ سيادة* * *و كاثرت‏ حتى لم أجد من أكاثر

* * *

و ما شدت بنيانا و لكن زيادة* * *على ما بنى عبد المليك و عامر

* * *

رفعنا العوالي‏ بالعوالي سياسة* * *و أورثناها في القديم معافر

* * *

و بلغ في ملكه أقطار المغرب، إلى حدود القبلة، و بمدينة فاس، إثر ولده المقلّد فتح تلك الأقطار، و نهد أولئك الملوك الكبار.

دخوله غرناطة: قال صاحب الديوان في الدولة العامرية، و قد مرّ ذكر المنصور، قومس الفرنجة بمدينة برشلونة: و هذه الأمة أكثر النصرانية جمعا، و أوسعها، و أوفرها من الاستعداد، و ما أوطى‏ء من الممالك و البلاد، و فتح من القواعد، و هزم من الجيوش. و قفل المنصور عنها، و هو أطمع الناس في استئصالها؛ ثم خصّهم بصائفة سنة خمس و سبعين، و هي الثالثة عشرة لغزواته؛

____________

(1) الأبيات في البيان المغرب (ج 2 ص 274) و الحلة السيراء (ج 1 ص 274) و نفح الطيب (ج 1 ص 383). و ورد منها ثلاثة أبيات في المغرب (ج 1 ص 203).

(2) في البيان المغرب: «كريهة».

(3) في البيان المغرب و الحلة السيراء: «مخاطر».

(4) الجنان: القلب. المشيّع: الجري‏ء. الأسمر: الرمح. الخطيّ: المنسوب إلى الخط و هو موضع باليمامة كانت تصنع منه الرماح. الأبيض: السيف. لسان العرب (جنن) و (شيع) و (سمر) و (خطط) و (بيض).

(5) في الحلة السيراء: «شيمي».

(6) كلمة «كلّ» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الحلة السيراء.

(7) في الحلة و البيان: «لسدت».

(8) في النفح: «و فاخرت ... من أفاخر».

(9) في المغرب: «بيتا لي».

(10) في الأصل: «العلى» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر الأربعة.

(11) في المغرب: «بسالة». و في الحلة: «حديثه». و في البيان المغرب و النفح: «حديثة».

(12) رفعنا العوالي: رفعنا المجد. و العوالي: الرماح. معافر: قبيلة المنصور العامري.

(13) تقع بلاد القبلة في جنوب المغرب.

(14) في الأصل: «عشر» و هو خطأ نحوي.

60

و قد احتفل لذلك، و استبلغ في النّفير، و استوفى أتمّ الأبّهة، و أكمل العدّة، فجعل طريقه على شرقي الأندلس؛ لاستكمال ما هنالك من الأطعمة، فسلك طريق إلبيرة، إلى بسطة، إلى تدمير؛ و عزم في هذه الغزوات بريل ملك فرنجة و نازل مدينة برجلونة؛ فدخلها عنوة يوم الاثنين النصف من صفر، سنة أربع و سبعين أو خمس بعدها.

قلت: و في دخول المنصور بجيشه بلد إلبيرة؛ ما يحقق دعوى من ادّعى دخول المعتمدين من أهل الأندلس لذلك العهد؛ إذ كان يصحب المنصور في هذه الغزوة، من الشعراء المرتزقين بديوانه من يذكر؛ فضلا عن سائر الأصناف على ندارة هذا الصنف من الخدام؛ بالنسبة للبحر الزاخر من غيرهم.

و الذي صحّ أنه حضر ذلك، أبو عبد اللّه محمد بن حسين الطّبني، أبو القاسم حسين بن الوليد، المعروف بابن العريف، أبو الوضّاح بن شهيد، عبد الرحمن بن أحمد، أبو العلا صاعد بن الحسن اللغوي، أبو بكر زيادة اللّه بن علي بن حسن اليمني، عمر بن المنجم البغدادي، أبو الحسن علي بن محمد القرشي العباسي، عبد العزيز بن الخطيب المحرود، أبو عمر يوسف بن هارون الزيّادي، موسى بن أبي طالب، مروان بن عبد الحكم بن عبد الرحمن، يحيى بن هذيل بن عبد الملك بن هذيل المكفوف، سعد بن محمد القاضي، ابن عمرون القرشي المرواني، علي النقاش البغدادي، أبو بكر يحيى بن أمية بن وهب، محمد بن إسماعيل الزبيدي، صاحب المختصر في اللغة، أحمد بن درّاح القسطليّ، متنبيّ الأندلس، أبو الفرج منيل بن منيل الأشجعي، محمد بن عبد البصير، الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، محمد بن عبد الملك بن جهور، محمد بن الحسن القرشي، من أهل المشرق، أبو عبيدة حسان بن مالك بن هاني، طاهر بن محمد المعروف بالمهنّد، محمد بن مطرّف بن شخيص، سعيد بن عبد اللّه الشّنتريني، وليد بن مسلمة المرادي، أغلب بن سعيد، أبو الفضل أحمد بن عبد الوهاب، أحمد بن أبي غالب الرّصافي، محمد بن مسعود البلخي، عبادة بن محمد بن ماء السماء، عبد الرحمن بن أبي الفهد الإلبيري، أبو الحسن بن المضي‏ء البجلي الكاتب، عبد الملك بن سهل، الوزير عبد الملك بن إدريس الجزيري، قاسم بن محمد الجيّاني.

قال المؤرخ: هؤلاء من حفظته منهم، و هم أكثر من أن يحصوا، فعلى هذا يتبنى القياس في ضخامة هذا الملك، و انفساح هذا العزّ.

61

وفاته: توفي، (رحمه اللّه)، منصرفا من غزاته المسمّاة بقنالش و الرّيد، و قد دوّخ أقطار قشتالة، ليلة الاثنين سبع و عشرين لرمضان عام اثنين و تسعين و ثلاثمائة، و قد عهد أن يدفن ببلد وفاته، بعد وصية شهيرة صدرت عنه، إلى المظفّر ولده، فدفن بمدينة سالم، التي بناها في نحر العدو من وادي الحجارة، و بقصرها، و قبره معروف إلى اليوم. و كان قد اتخذ له من غبار ثيابه الذي علاها في الجهاد، و عاء كبيرا بحديه، (رحمه اللّه). و كتب على قبره هذا الشعر: [الكامل‏]

آثاره تنبيك عن أخباره‏* * *حتى كأنّك بالعيان‏ تراه‏

* * *

تاللّه لا يأتي الزمان بمثله‏* * *أبدا و لا يحمي الثغور سواه‏

* * *

محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن قريش بن عباد بن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عطاف ابن نعيم، لخمي النسب‏

أوّليّته: دخل الأندلس جدّه عطاف مع بلج بن بشر القشيري، من أشراف الطّالعة البلجية، و هم من عرب حمص من أرض الشام، و موضعه بها يعرف بالعريش في آخر الجفار بين مصر و الشام. و نزل عطاف بقرية تعرف بيومين من إقليم طشانة على ضفة النهر الأعظم من أرض إشبيلية. و لمّا هلك قريش، ورث السيادة إسماعيل بن قريش، و هو القاضي المشهور بالفضل و الدهاء، يكنّى أبا الوليد. ولي الشرطة الوسطى لهشام بن الحكم، و خطّة الإمامة إلى صلاة الجمعة.

ثم خلفه أبو القاسم المنفرد برئاسة إشبيلية، المتحف فيها بخطط الوزارتين و القضاء

____________

(1) في كتاب العبر لابن خلدون: هلك المنصور سنة 374 ه- بعد 27 سنة من ملكه. و في جذوة المقتبس و بغية الملتمس و المعجب و المختصر في أخبار البشر، و تتمة المختصر في أخبار البشر:

توفي المنصور سنة 393 ه.

(2) البيتان في البيان المغرب (ج 2 ص 301) و الحلة السيراء (ج 1 ص 273) و المغرب (ج 1 ص 202- 203).

(3) في المغرب: «عن أوصافه».

(4) في البيان المغرب: «بالعيون».

(5) رواية البيت في البيان المغرب هي:

تاللّه ما ملك الجزيرة مثله‏* * *حقّا و لا قاد الجيوش سواه‏

* * *

(6) ترجمة المعتمد بن عباد في قلائد العقيان (ص 4) و الذخيرة (ق 2 ص 41) و المعجب (ص 158) و الحلة السيراء (ج 2 ص 52) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 157) و البيان المغرب (ج 3 ص 244، 257) و الوافي بالوفيات (ج 3 ص 183) و وفيات الأعيان (ج 4 ص 274) و الصلة (ص 499، في ترجمة القاضي عبد الرحمن بن سوار).

62

و المظالم. و عزّ جاهه، و كثرت حاشيته، و تعدّدت غلمانه، و أذعنت له عداته. ثم خلفه الأمير المعتضد ولده، و كان خيّرا حازما، سديد الرأي، مصنوعا له في الأعداء، فلمّا توفي، تصيّر الأمر إلى ولده المترجم به، المكني أبا القاسم إلى حين خلعه.

حاله: قالوا كلّهم: كان المعتمد، (رحمه اللّه)، فارسا شجاعا، بطلا مقداما، شاعرا ماضيا، مشكور السيرة في رعيته. و قال أبو نصر في قلائده‏: «و كان المعتمد على اللّه ملكا قمع العدا، و جمع‏ بين البأس و النّدا، و طلع على الدنيا بدر هدى، لم يتعطل يوما كفّه و لا بنانه، آونة يراعه و آونة سنانه، و كانت أيامه مواسم، و ثغور برّه بواسم». لقبه أولا الظّافر، ثم تلقب‏ بالمعتمد، كلفا بجاريته اعتماد، لمّا ملّكها، لتتّفق حروف لقبه بحروف اسمها، لشدة ولوعه بها.

وزراؤه: ابن زيدون. و ابن عمّار، و غيرهما.

أولاده المملّكون: عبيد اللّه، يكنى أبا الحسن، و هو الرّشيد، و هو الذي لم يوافق أباه على استصراخ المرابطين، و عرّض بزوال الملك عنهم، فقال: أحبّ إليّ أن أكون راعي إبل بالعدوة من أن ألقى اللّه، و قد حوّلت الأندلس دار كفر، و كان قد ولّاه عهده، و بويع له بإشبيلية، و هو المحمول معه إلى العدوة. ثم الفتح، و هو الملقب بالمأمون، كان قد بويع له بقرطبة، و هو المقتول بها، المحمل رأسه إلى محلّة العدوّ المرابطين، المحاصرة لأبيه بإشبيلية. ثم يزيد الراضي، و كان قد ولّاه رندة، فقتل لما ملكها اللمتونيون. ثم عبد اللّه، و يكنّى أبا بكر. هؤلاء الأربعة من جاريته اعتماد، السيدة الكبرى، و المدعوة بالرّميكيّة منسوبة إلى مولاها رميك بن حجاج، الذي ابتاعها منه المعتمد.

ملمّته: لمّا تكالب أدفونش بن فردلاند على الأندلس بعد أخذه مدين طليطلة ضيق بالمعتمد، و أجحف في الجزية التي كان يتّقي بها على المسلمين عاديته، و على ذلك أقسم أخذها و تجنّى عليه، و طمع في البلاد، فحكى بعض الإخباريين أنه وجّه إليه رسله في آخر أمره لقبض تلك الضريبة، مع قوم من رؤساء النصارى، و نزلوا خارج باب إشبيلية، فوجّه إليهم المال، مع بعض الوزراء، فدخلوا على اليهودي‏

____________

(1) قلائد العقيان (ص 4).

(2) كلمة «بين» غير واردة في القلائد.

(3) في الأصل: «و ثغوره برّة»، و التصويب من القلائد.

(4) عن لقبه بالمعتمد لتتفق حروف لقبه بحروف اسم زوجته اعتماد ورد في الحلة السيراء (ج 2 ص 62).

63

المذكور في خبائه، و أخرجوا المال، فقال لهم: لا أخذت منه هذا العيار و لا أخذت منه إلّا ذهبا مشجّرا، و لا يؤخذ منه في هذا العام إلّا أجفان البلاد، و نقل كلامه إلى المعتمد، فبادر بالقبض عليه و على النصارى، و نكّل بهم، و قتل اليهودي بعد أن بذل في نفسه زنة جسمه ذهبا، فلم يقبل منه، و احتبس النصارى، و راسله الطاغية في إطلاقهم، فأبى إلّا أن يخلي منه حصن الحدود، فكان ذلك. و استصرخ اللّمتونيّين، و أجاز البحر بنفسه، و أقسم الطاغية بإيمانه المغلّطة ألّا يرفع عنه يده. و هاجت حفيظة المعتمد، و اجتهد في جواز المرابطين، و كان مما هو معلوم من الإيقاع بالطاغية في وقعة الزّلاقة، فإنه الذي أصلى نارها بنفسه، فعظم بلاؤه، و شهر صبره، و أصابته الجراح في وجهه و يده، (رحمه اللّه). و في ذلك يقول أبو بكر بن عبادة المرّي‏:

[الوافر]

و قالوا كفّه جرحت فقلنا* * *أعاديه تواقعها الجراح‏

* * *

و ما أثر الجراحة ما رأيتم‏* * *فتوهنها المناصل و الرّماح‏

* * *

و لكن فاض سيل البأس‏ منها* * *ففيها من مجاريه انسياح‏

* * *

و قد صحّت و سحّت بالأماني‏* * *و فاض الجود منها و السّماح‏

* * *

رأى منه أبو يعقوب فيها* * *عقابا لا يهاض له جناح‏

* * *

فقال له لك القدح المعلّى‏* * *إذا ضربت بمشهدك القداح‏

* * *

و لما اتصلت به الصّيحة؛ بين يدي دخول المدينة، ركب في أفراد من عبيده؛ و عليه قميص يشفّ عن بدنه، و السيف منتضى بيده، و يمّم باب الفرج، فقدّم الداخلين، فردّهم على أعقابهم؛ و قتل فارسا منهم؛ فانزعجوا أمامه؛ و خلّفوا الباب؛ فأمر بإغلاقه؛ و سكنت الحال؛ و عاد إلى قصره. و في ذلك‏

____________

(1) كانت وقعة الزلاقة في سنة 479 ه- بين المرابطين و ملوك الطوائف من جهة و الإسبان من جهة ثانية. و كان النصر فيها للمسلمين. و هناك دراسة مستفيضة عنها في كتاب: مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 183- 204) فلتنظر.

(2) هو أبو بكر بن عبادة، المعروف بابن القزاز، و الأبيات في قلائد العقيان (ص 13) و المغرب (ج 2 ص 135) و أعمال الأعلام (القسم الثالث ص 149).

(3) في المغرب: «توافقها».

(4) في الأصل: «و ما لمرتد» و التصويب من القلائد و المغرب.

(5) في المغرب «الجود».

(6) رواية عجز البيت في المغرب هي: فأمسى في جوانبها انسياح.

(7) هذا البيت و الذي يليه غير واردين في المغرب.

64

يقول‏: [مجزوء الكامل‏]

إن يسلب القوم العدا* * *ملكي و تسلمني الجموع‏

* * *

فالقلب بين ضلوعه‏* * *لم تسلم القلب الضّلوع‏

* * *

قد رمت يوم نزالهم‏* * *ألّا تحصّنني الدّروع‏

* * *

و برزت ليس سوى القمي* * *ص عن الحشا شي‏ء دفوع‏

* * *

أجلي تأخّر لم يكن‏* * *بهواي ذلّي و الخضوع‏

* * *

ما سرت قطّ إلى القتا* * *ل‏ و كان من أملي الرجوع‏

* * *

شيم الأولى‏ أنا منهم‏* * *و الأصل تتبعه الفروع‏

* * *

جوده: و أخبار جوده شهيرة، و مما يؤثر من ذلك، على استصحاب حال العزّ، و وفور ذات اليد، و أدوات الملك، غريب. و الشاهد المقبول بقاء السجيّة و مصاحبة الخلق الملكية، مع الإقتار و الإيسار، و تقلّب الأطوار. و تعرّض له الحصري القرموني الضرير بخارج طنجة؛ و هو يجتاز عليها في السواحل من قهر و اعتقال، بأشعار ظاهرة المقت، غير لائقة بالوقت، و لم يكن بيده، زعموا، غير ثلاثين دينارا كانت بخفّه، معدّة لضرورة ضرر و أزمة، و أطبع عليها دمه، و أدرج قطعة شعر طيّها اعتذار عن نزرها، راغبا في قبول أمرها، فلم يراجعه الحصري بشي‏ء عن ذلك، فكتب إليه‏: [مجزوء الرمل‏]

قل لمن جمع العل* * *م و ما أحصى صوابه‏

* * *

كان في الصّرة شعر* * *فتنظّرنا جوابه‏

* * *

قد أثبناك‏ فهلّا* * *جلب الشّعر جوابه‏؟

* * *

____________

(1) الأبيات في ديوان المعتمد بن عباد (ص 88- 89) و قلائد العقيان (ص 21- 22) و الحلة السيراء (ج 2 ص 65- 66).

(2) رواية صدر البيت في الحلة السيراء هي: إن تستلب عنّي الدّنا.

(3) في الحلة السيراء: «إلى الكماة».

(4) في الديوان: «الألى».

(5) قارن بالذخيرة (ص 2 ص 66- 67).

(6) في الذخيرة (ق 2 ص 67): «مثقالا».

(7) الأبيات في ديوان المعتمد بن عباد (ص 91) و الذخيرة (ق 2 ص 67) و المعجب (ص 206).

(8) في الذخيرة: «و من».

(9) في الأصل: «فانتظرنا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان و المصدرين الآخرين.

(10) في الأصل: «أتيناك» و هو تحريف، و التصويب من الديوان و المصدرين الآخرين.

(11) في الديوان و المصدرين الآخرين: «ثوابه».

65

حلمه: رفع إليه صدر دولته شعر، أغري فيه بأبي الوليد بن زيدون، و هو شهير، و تخيّر له موقع و ترصّد حين، و انتظر به مؤجره، و هو: [الكامل‏]

يا أيها الملك الأعزّ الأعظم‏* * *اقطع و ريدي كلّ باغ يسلم‏

* * *

و احسم بسيفك داء كلّ منافق‏* * *يبدي الجميل و ضدّ ذلك يكتم‏

* * *

لا تتركن للناس موضع شبهة* * *و احزم فمثلك في العظائم يحزم‏

* * *

قد قال شاعر كندة فيما مضى‏* * *قولا على مرّ الليالي يعلم‏

* * *

«لا يسلم الشّرف الرفيع من الأذى‏* * *حتى يراق على جوانبه الدّم‏»

* * *

فوقّع على الرقعة: [الكامل‏]

كذبت مناكم، صرّحوا أو جمجموا* * *الدّين أمتن و السجيّة أكرم‏

* * *

خنتم و رمتم أن أخون و إنما* * *حاولتم أن يستخفّ يلملم‏

* * *

و أردتم تضييق صدر لم يضق‏* * *و السّمر في صدر النّحور تحطّم‏

* * *

و زحفتم بمحالكم لمجرّب‏* * *ما زال يثبت للمحال‏ فيهزم‏

* * *

أنّى رجوتم غدر من جرّبتم‏* * *منه الوفاء و ظلم‏ من لا يظلم‏

* * *

أنا ذا كم لا السّعي‏ يثمر غرسه‏* * *عندي و لا مبنى الصّنيعة يهدم‏

* * *

كفّوا و إلّا فارقبوا لي بطشة* * *يبقى‏ السّفيه بمثلها يتحلّم‏

* * *

____________

(1) الأبيات في الذخيرة (ق 2 ص 51) و قلائد العقيان (ص 14- 15).

(2) في المصدرين: «العليّ».

(3) في الذخيرة: «ينئم». و في القلائد: «ييتم».

(4) كلمة «داء» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من المصدرين.

(5) في القلائد: «تهمة».

(6) في المصدرين: «بيتا».

(7) البيت للمتنبي و هو في ديوانه (ص 630).

(8) الأبيات في ديوان المعتمد بن عباد (ص 67) و الذخيرة (ص 2 ص 51- 52) و قلائد العقيان (ص 15- 16).

(9) في الديوان و الذخيرة: «و المروءة».

(10) يلملم: موضع على ليلتين من مكة، و هو ميقات أهل اليمن. معجم البلدان (ج 5 ص 441).

(11) في الديوان و القلائد: «في ثغر». و في الذخيرة: «ما في ثغر الصدور».

(12) في الديوان: «في المجال». و في الذخيرة: «في المحال».

(13) في الديوان و الذخيرة: «و جور».

(14) في القلائد: «أنا ذلكم».

(15) في الديوان و المصدرين: «لا البغي».

(16) في الذخيرة: «يثلم».

(17) في الديوان و المصدرين: «يلقى».

(18) في الديوان و المصدرين: «فيحلّم».

66

توقيعه و نثره في البديهة:

كتب مع الحمائم إلى ولده الرشيد عقب الفراغ من وقعة الزّلّاقة:

يا بني، و من أبقاه اللّه و سلّمه، و وقاه الأسواء و عصمه، و أسبغ عليه آلاءه و أنعمه، كتبته، و قد أعزّ اللّه الدين، و أظهر المسلمين، و فتح لهم على يدي مستدعيات الفتح المبين، بما يسّره اللّه في أمسه و سناه، و قدّره سبحانه و قضاه، من هزيمة أدفونش ابن فردلند لعنه اللّه و أصلاه، و إن كان طاح للجحيم، و لا أعدمه و إن كان أهل العيش الذّميم، كما قنعه الخزي العظيم. و أتى القتل على أكثر رجاله و حماته، و اتصل النّهب سائر اليوم، و الليلة المتصلة به، جميع محلّاته، و جمع من رؤوسهم بين يديّ، من مشهوري رجالهم، و مذكوري أبطالهم، و لم يختر منهم إلّا من شهر و قرّب، و امتلأت الأيدي ممّا سلب و نهب. و الذي لا مرية فيه، أن الناجي منهم قليل، و المفلت من سيوف الجزع و البعد قتيل، و لم يصبني بفضل اللّه إلّا جرح أشوى، و حسن الحال عندنا و اللّه و زكى، و لا يشغل بذلك بال، و لا يتوهم غير الحال التي أشرت إليها حال، و الأدفونش بن فرذلاند، إن لم يصبح تحت السيوف فسيموت لا محالة كمدا، و إن كان لم تعلقه أسراد الحمام فغدا، فإن برأسه طمرة و لحام. فإذا ورد كتابي هذا، فمر بجمع الخاص و العام، من أهل إشبيلية، و جيرانها الأقربين، و أصفيائنا المحبين، في المسجد الجامع، أعزّهم اللّه، و ليقرأ عليهم فيه، ليأخذوا من المسرّة بأنصبائهم، و يضيفوا شكرا للّه إلى صالح دعائهم، و الحمد للّه على ما صنع حقّ حمده، جلّ المزيد لأمر حين، إلّا من عنده و السلام.

تلطّفه و ظرفه: قال أبو بكر الداني: سألني في بعض الأيام عند قدومي عليه بأغمات، قاضيا حقّ نعمته، مستكثرا من زيارته، مستمتعا برائق أدبه، على حال محنته، عن كتبي، فأعلمته بذهابها في نهب حضرته. و كنت قد جلبت في سفرتي تلك، الأشعار الستة، بشرح الأستاذ أبي الحجاج الشّنتمري الأعلم، و كانت مستعارة، فكتمتها عنه. و وشى إليه أحد الأصحاب، فخجل بكرمه و حسن شيمته، من الأخذ معي في ذكر ما كتمته، فاستطرد إلى ذلك بغرض نبيل، و نحا فيه نحوا، يعرب عن الشّرف الأصيل، و أملى عليّ، في جملة ما كان يمليه: [الكامل‏]

و كواكب لم أدر قبل وجوهها* * *أنّ البدور تدور في الأزرار

* * *

نادمتها في جنح ليل دامس‏* * *فأعرنه مثلا من الأنوار

* * *

في وسط روضة نرجس كعيونها* * *ما أشبه النّوار بالنّوار

* * *

فإذا تواصفنا الحديث حسبتني‏* * *ألهو بملتقط لدرّ نثار

* * *

67

فإذا اكتحلت برقّ ثغر باسم‏* * *سكبت جفوني أغزر الأمطار

* * *

حذر الملام و خيفة من جفوة* * *تذر الصدور على شفير هار

* * *

ترك الجواري الآنسات مذاهبي‏* * *و سوّلها ظفر بريشة الأشعار

* * *

فلم أتمالك عند ذلك ضحكا، و علمت أن الأمر قد سرّي إليه، فأعلمته قصّتها، فبسط العذر بفضله، و تأوّل الأمر، و قسّم الأشعار، على ثلاثة من بنيه؛ ذوي خطّ رائع، و نقل حسن، و أدب بارع، أخذوا في نسخها، و صرفوا الأصل لأجل قريب.

محنته: و لم يلبث أمير اللمتونيين بعد جوازه إلى الأندلس، و ظهوره على طائفة الروم، أن فسد ما بينه و بين رؤساء الطوائف بالأندلس، و عزم على خلعهم، فأجاز من سبتة العساكر، و سرب الأمداد. و أخذ المعتمد بالعزم يحصّن حصونه، و أودع المعاقل عدّته، و قسّم على مظان الامتناع ولده، و صمدت الجموع صمدة بنيه، و نازل الأمير سير إشبيلية، دار المعتمد، و حضرة ملكه، و نازل الأمير محمد ابن الحاج قرطبة، و بها المأمون، و نزل جرور من قواده رندة، و بها الرّاضي ابن المعتمد. و استمرّ الأمر، و اتصلت المحاصرة، و وقعت أمور يضيق الكتاب على استقصائها. فدخلت قرطبة في جمادى الآخرة عام أربعة و ثمانين و أربعمائة، و قتل الراضي، و جلب رأسه فطيف به بمرأى من أبيه. و كان دخول إشبيلية على المعتمد، دخول القهر و الغلبة، يوم الأحد لعشر بقين من رجب، و شملت الغارة، و اقتحمت الدّور، و خرج ابن عباد في شكّته‏، و ابنه مالك في أمّته معهما، فقتل مالك الملقب بفخر الدولة و رهقت الخيل، و كثر، فدخل القصر ملقيا بيده. و لما جنّ الليل، وجّه ابنه الأكبر الرشيد إلى الأمير، فحجب عنه، و وكّل بعض خدمه به، و عاد إلى المعتمد فأخبره بالإعراض عنه، فأيقن بالهلكة، و ودّع أهله، و علا البكاء، و كثر الصّراخ، و خرج هو و ابنه، فأنزلا في خباء حصين، و رقبا بالحرس، و أخرج الحرم من قصره، و ضمّ ما اشتمل عليه، و أمر بالكتب إلى ولده برندة ففعل. و لمّا نزل، و استوصلت ذخيرته، سلا، و أجيز المعتمد البحر، و من معه إلى طنجة، فاستقرّ بها في شعبان من العام، و في هول البحر عليه في هذا الحال، يقول (رحمه اللّه): [البسيط]

لم أنس و الموت يدنيني و يقصيني‏* * *و الموت كأنّ المنى يأتيني‏

* * *

أبصرت هولا لو أنّ الدهر أبصره‏* * *لما خوّفا لأمر ليس بالدّون‏

* * *

____________

(1) الشّكّة: السلاح و عدّة الحرب. لسان العرب (شكك).

68

قد كنت ضانّا بنفس لا أجود بها* * *فبعتها باضطرار بيع مغبون‏

* * *

كم ليلة بتّ مطويا على حرق‏* * *في عسر من عيون الدبر في العين‏

* * *

فتلك أحسن أم ظللت به‏* * *في ظلّ عزّة سلطان و تمكين؟

* * *

و لم يكن و الذي تعنو الوجوه له‏* * *عرضي مهانا و لا مالي بمخزون‏

* * *

و كم خلوت من الهيجا بمعترك‏* * *و الحرب ترفل في أثوابها الجون‏

* * *

يا ربّ إن لم تدع حالا أسرّ به‏* * *فهب لعبدك أجرا غير ممنون‏

* * *

و جرى على بناته شي‏ء يوم خروجهن، و اضطرتهن الضيقة إلى معيشتهنّ من غزل أيديهن، و جرت عليه محن طال لها شجنه و أقعده قيده، إلى أن نقل إلى أغمات و ريكة، و حلّ عنه الاعتقال، و أجري عليه رزقه، تبلّغ به لمدة من أعوام أربعة، و استنقذه حمامه، رحمة اللّه عليه.

وصوله إلى غرناطة: قال ابن الصّيرفي: و قد أجرى ذكر تملّك يوسف بن تاشفين غرناطة، و خلع أميرها عبد اللّه بن بلقّين حفيد باديس، يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من رجب عام ثلاثة و ثمانين‏، و لحق ابن عباد و حليفه ابن مسلمة بخيل و رجل و رماة و عدد، و حلّ ذلك من ابن عباد تضمّنا لمسرّة أمير المسلمين، و تحقّقا بموالاته، فدخلا عليه، و هنّئاه، و قد تحكّمت في نفس ابن عباد الطماعيّة في إسلام غرناطة إلى ابنه، بعد استصفاء نعمة صاحبها، عوضا عن الجزيرة الخضراء، و كان قد أشخصه معه، فعرّض بغرضه، فأعرض أمير المسلمين عن الجميع إعراضا، كانت منية كل منهما التخلّص من يده، و الرجوع إلى بلده، فأعمل ابن عباد الحيلة، فكتب، يزعم أنه وردت عليه تحثّه من إشبيلية في اللحاق أنباء مهمة طرقت بتحرك العدو، و استأذن بها في الصّدور، فأخذ له و لحليفه ابن مسلمة، فانتهزا الفرصة، و ابتدرا الرجعة، و لحق كل بموضعه يظنّ أنه ملك رئاسة أمره.

مولده: ولد المعتمد على اللّه بمدينة باجة سنة إحدى و ثلاثين و أربعمائة. و ولّي سنة إحدى و ستين. و خلع سنة أربع و ثمانين.

____________

(1) كذا ورد في الإعلام بمن حلّ مراكش و أغمات من الأعلام (ص 320).

(2) هو المعتمد بن عباد، صاحب إشبيلية. و قصته و المتوكل بن الأفطس مع ابن تاشفين الواردة هنا، انظرها في وفيات الأعيان (ج 5 ص 485) و الحلل الموشية (ص 51- 52) و البيان المغرب (ج 4 ص 127، 143- 144).

(3) هو المتوكل بن الأفطس، صاحب بطليوس. (4) هو الراضي يزيد ابن المعتمد بن عباد.

69

وفاته: كانت وفاة المعتمد على اللّه بأغمات في ربيع الأول سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، بعد أن تقدمت وفاته وفاة الحرة اعتماد، و جزع عليها جزعا أقرب سرعة لحاقه بها. و لما أحسّ بالمنية رثى نفسه بهذه الأبيات و أمر أن تكتب على قبره‏:

[البسيط]

قبر الغريب سقاك الرّائح الغادي‏* * *حقّا ظفرت بأشلاء ابن عبّاد

* * *

بالحلم بالعلم بالنّعمى إذا اتصلت‏* * *بالخصب إن أجدبوا بالرّيّ للصادي‏

* * *

بالطّاعن الضارب الرّامي إذا اقتتلوا* * *بالموت أحمر بالضّرغامة العادي‏

* * *

بالدهر في نقم بالبحر في نعم‏* * *بالبدر في ظلم بالصّدر في النادي‏

* * *

نعم هو الحقّ فاجاني‏ على قدر* * *من السماء و وافاني‏ لميعاد

* * *

و لم أكن قبل ذاك النّعش أعلمه‏* * *أنّ الجبال تهادى فوق أعواد

* * *

كفاك فارفق بما استودعت من كرم‏* * *روّاك كلّ قطوب البرق رعّاد

* * *

يبكي أخاه الذي غيّبت وابله‏* * *تحت الصّفيح بدمع رائح غادي‏

* * *

حتى يجودك دمع الطّلّ منهمرا* * *من أعين الزّهر لم تبخل بإسعاد

* * *

فلا تزل صلوات اللّه نازلة* * *على دفينك لا تحصى بتعداد

* * *

بعض ما رثي به: قال ابن الصّيرفي: و خالف في وفاة المعتمد، فقال:

كانت في ذي حجة. فلمّا انفصل الناس من صلاة العيد، حفّ بقبره ملأ، يتوجعون و يترحمون عليه، و أقبل ابن عبد الصمد، فوقف على قبره و أنشد:

[الكامل‏]

ملك الملوك، أ سامع فأنادي‏* * *أم قد عدتك عن السّماع عوادي؟

* * *

لمّا خلت‏ منك القصور فلم‏ تكن‏* * *فيها كما قد كنت في الأعياد

* * *

أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا* * *و تخذت‏ قبرك موضع الإنشاد

* * *

____________

(1) الأبيات في المعجب (ص 222)، و هي غير واردة في ديوانه.

(2) في الأصل: «فاجأني» و هكذا ينكسر الوزن. و في المعجب: «نعم هو الحقّ حاباني به قدر».

(3) في المعجب: «فوافاني».

(4) في المعجب: «و لا».

(5) في المعجب: «دائمة».

(6) الأبيات في قلائد العقيان (ص 30) و وفيات الأعيان (ج 4 ص 289) و جاء في الأخير أن الشاعر هو: أبو بحر عبد الصمد.

(7) في وفيات الأعيان: «نقلت عن».

(8) في المصدر: «و لم».

(9) في وفيات الأعيان: «و جعلت».

70

ثم خرّ يبكي، و يقبّل القبر و يعفر وجهه في التّراب، فبكى ذلك الملأ حتى أخضلوا ملابسهم، و ارتفع نشيجهم، فللّه درّ ابن عبد الصمد، و ملاذ ذلك البلد.

محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش الجذامي‏

قال بعضهم: ينتمي في تجيب، الأمير أبو عبد اللّه.

أوّليّته: معروفة. و على يد أبيه جرت الوقيعة الكبرى بظاهر إفراغة، على ابن رذمير الطاغية، فجلّت الشّهرة، و عظمت الأثرة. قال بعضهم: تولى أبوه سعد قيادة إفراغه و ما إليها، و ضبطها. و نازلها ابن رذمير، فشهر غناؤه بها في دفاعه، و صبره على حصاره، إلى أن هزمه اللّه عزّ و جلّ، على يدي ابن غانية. و ظهر بعد ذلك فحسن بلاؤه، و بعد صيته. و رأس ابنه محمد، و نفق في ألفته. و كان بينه و بين ابن عياض المتأمّر بمرسية صهر، ولّاه لأجله بلنسية. فلما توفي ابن عياض، بادرها ابن سعد، و بلغه أثناء طريقه غدر العدوّ بحصن جلال، فكرّ و قاد له و فتحه. و عاد فملك بلنسية، و قد ارتفع له صيت شهير، ثم دخلت مرسية في أمره، و استقام له الشّرق، و عظمت حاله.

حاله: قال ابن حمامة: ساد من صغره بشجاعته و نجابته، وصيت أبيه، فمال بذلك إلى القيادة، و سنّه إحدى و عشرون سنة. ثم ارتقى إلى الملك الراسخ، و السلطان الشامخ، بباهر شجاعته و شهامته، فسما قدره، و عظم أمره، و فشى في كل أمة ذكره.

و قال غيره: كان بعيد الغور، قويّ السّاعد، أصيل الرأي، شديد العزم، بعيد العفو، مؤثرا للانتقام، مرهوب العقوبة.

و قال في مختصر «ثورة المريدين»: كان عظيم القوة في جسمه، ذا أيد في عظمته، جزّارة في لحمه، و كان له فروسيّة، و شجاعة، و شهامة، و رئاسة.

____________

(1) ترجمة ابن مردنيش في المعجب (ص 278) و المغرب (ج 2 ص 250) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 259) و كتاب العبر (م 4 ص 357) و اسمه فيه: محمد بن أحمد بن سعيد بن مردنيش، و نفح الطيب (ج 4 ص 185، 289) و (ج 5 ص 41، 45) و (ج 6 ص 147، 215، 235).

(2) إفراغه بالإسبانيةFraga ، و هي مدينة بغربي لاردة، لها حصن منيع و بساتين كثيرة. حاصرها ابن رذمير سنة 528 ه، فتصدّى له يحيى بن علي بن غانية فهزمه بعد أن قتل أكثر رجاله بالجملة، و فرّ ابن رذمير. الروض المعطار (ص 48).

(3) هذا الكتاب لابن صاحب الصلاة، صاحب كتاب: «تأريخ المن بالإمامة». و لسوء الحظ، فقد-

71

بطالته وجوده: قال: و كان له يومان في كل جمعة؛ الاثنين و الخميس، يشرب مع ندمائه فيهما، و يجود على قوّاده، و خاصته و أجناده، و يذبح البقر فيهما، و يفرق لحومها على الأجناد، و يحضر القيان بمزاميرهن و أعوادهن، و يتخلل ذلك لهو كثير، حتى ملك القلوب من الجند، و عاملوه بغاية النّصح، و ربما وهب المال في مجالس أنسه.

ذكر أنه استدعى يوما ابن الأزرق أحد قوّاده، فشرب معه و مع القرابة، في مجلس قد كساه بأحمر الوشي و الوطي‏ء و الآنية من الفضة و غيرها، و تمادى في لهو و شراب عامة اليوم، فلما كمل نهاره معهم، وهبهم الآنية، و كلّ ما كان في المجلس من الوشي و غير ذلك.

ما نقم عليه و وصم به:

قالوا: كان عظيم الانهماك في ميدان البطالة، و اتخذ جملة من الجواري، فصار يراقد منهن جملة تحت لحاف واحد. و انهمك في حب القيان، و الزّمر و الرقص.

قالوا: و كان له فتى اسمه حسن، ذو رقبة سمينة، وقفا عريض، فإذا شرب، كان يرزّه، و يعطيه بعد ذلك عطاء جزيلا. و في ذلك يقول كاتبه المعروف بالسّالمي، و كان يحضر شرابه و يخمر: [المنسرح‏]

أدر كؤوس المدام و الرّزّ* * *فقد ظفرنا بدولة العزّ

* * *

و نعم الكفّ من قفا حسن‏* * *فإنها في ليانة الخزّ

* * *

و صاحب إن طلبت أخدعه‏* * *فلم يك‏ في بذله بمعتزّ

* * *

انحنى على أخداعي فأطربني‏* * *و هزّ عطفيّ أيّما هزّ

* * *

و أجزل صلة السّالمي حين أنشدها إياه، و اشتهرت هذه الأبيات بالشرق، و استظرفها الناس. فردّ مرسية دار مجونه، و بلغ في زمانه ألفا و أربعين. و آثر زيّ النصارى من الملابس، و السلاح، و اللّجم، و السروج. و كلف بلسانهم يتكلم مباهتة، و ألجأه الخروج عن الجماعة، و الانفراد بنفسه إلى الاحتماء بالنصارى، و مصانعتهم، و الاستعانة بطواغيتهم، فصالح صاحب برشلونة لأول أمره على ضريبة، و صالح ملك‏

____________

- هذا الكتاب، و هو يتناول تاريخ طائفة دينية دعت إلى الزهد و التقشف بزعامة أبي العباس أحمد بن قسي. راجع تأريخ المن بالإمامة (مقدمة المحقق).

(1) قال ابن الخطيب في أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 261): «فكان يراقد أزيد من مائتي جارية تحت لحاف واحد».

(2) في الأصل: «فلم يكن» و هكذا ينكسر الوزن.

72

قشتالة على أخرى؛ فكان يبذل لهم في السنة خمسين ألف مثقال. و ابتنى لجيشه من النصارى منازل معلومات و حانات للخمور، و أجحف برعيّته لأرزاق من استعان به منهم، فعظمت في بلاده المغارم و ثقلت، و اتخذ حوانيت بيع الأدم و المرافق، تختنق بجانبه، و جعل على الأغنام و عروض البقر، مؤنا غريبة. و أما رسوم الأعراس و الملاهي، فكانت قبالاتها غريبة. حدّث بعض المؤرخين عن الثقة، قال: كنت بجيّان مع الوزير أبي جعفر الوقّشي، فوصل إليه رجل من أهل مرسية، كان يعرفه، فسأله الوزير عن أحوال ابن مردنيش و عن سيره، فقال الرجل: أخبرك بما رأيته من جور عمّاله و ظلمهم؛ و ذلك أن أحد الرعية بشاطبة و اسمه محمد بن عبد الرحمن، كان له بنظر شاطبة، ضويعة يعيش بها، و كان لازمها أكثر من فائدها، فأعطى لازمها حتى افتقر، و فرّ إلى مرسية. و كان أمر ابن مردنيش، أنه من فرّ من الرعيّة أمام الغزو، أخذ ماله للمخزن. قال الرجل الشّاطبي: فلما وصلت إلى مرسية فارّا عن وطني، خدمت الناس في البنيان، فاجتمع لي مثقالان سعديّان، فبينما أنا أمشي في السوق، و إذا بقوم من أهل بلدي شاطبة، و من قرابتي، فسألتهم عن أولادي و زوجتي، فقالوا: إنهم في عافية، ففرحت فرحا عظيما، و سألتهم عن الضّويعة، فقالوا: إنها باقية بيد أولادك، فقلت لهم: عسى تبيتوا عندي الليلة، فاشتريت لحما و شرابا، و ضربنا دفّا. فلمّا كان عند الصباح، و إذا بنقر عنيف بالباب. فقلت: من أنت؟ فقال: أنا الطّرقون الذي بيده قبالة اللهو، و هي متّفقة بيدي، و أنتم ضربتم البارحة الدّف فأعطنا حق العرس الذي عملت. فقلت له: و اللّه ما كانت لي عرس، فأخذت و سجنت، حتى افتديت بمثقال واحد من الذي خدمت به، و جئت إلى الدار، فقيل لي إن فلانا وصل من شاطبة السّاعة، فمشيت لأسأله عن أولادي، فقال: تركتهم في السّجن، و أخذت الضّويعة من أيديهم في رسم الجبالي، فرجعت إلى الدار، إلى قرابتي، و عرّفتهم بالذي طرأ عليّ، و بكيت طول ليلتي، و بكوا معي، فلمّا كان من الغد، و إذا بناقر بالباب، فخرجت، فقال: أنا رجل صاحب المواريث، أعلمنا أنكم بكيتم البارحة، و أنه قد مات لكم ميت من قرابتكم غنيّ، و أخذتم كلّ ما ترك، فقلت: و اللّه ما بكيت إلّا نفسي، فكذبني و حملني إلى السجن، فدفعت المثقال الثاني، و رجعت إلى الدار و قلت:

أخرج إلى الوادي، إلى باب القنطرة، أغسل ثيابي من درن السجن، و أفرّ إلى العدوة، فقلت لامرأة تغسل الثياب: اغسلي مما عليّ، و جرّدتها، و دفعت لي زنارا ألبسه. فبينا أنا كذلك، و إذا بالخصيّ قائد ابن مردنيش، يسوق ستين رجلا من أهل الجبل، لابسي الزنانير، فرآني على شكلهم، فأمر بحملي إلى السّخرة و الخدمة بحصن مسقوط عشرة أيام، فلبثت أخدم و أحضر مدة عشرة أيام، و أنا أبكي و أشتكي للقائد المذكور، حتى أشفق عليّ و سرّحني. فرجعت أريد مرسية، فقيل لي عند باب البلد: كيف اسمك؟

73

فقلت: محمد بن عبد الرحمن، فأخذني الشرطي، و حملت إلى القابض بباب القنطرة، فقالوا: هذا من كتبته من أرباب الحالي بكذا و كذا دينار، فقلت: و اللّه ما أنا إلّا من شاطبة، و إنما اسمي وافق ذلك الاسم، و وصفت له ما جرى عليّ، فأشفق و ضحك مني؛ و أمر بتسريحي، فسرت على وجهي إلى هنا.

بعض الأحداث في أيامه، و نبذ من أخباره:

استولى على بلاد الشّرق، مرسية و بلنسية و شاطبة و دانية، ثم اتسع نطاق ملكه، فولّي جيّان، و أبدة، و بيّاسة، و بسطة، و وادي آش. و ملك قرمونة، و نازل قرطبة و إشبيلية، و كاد يستولي على جميع بلاد الأندلس، فولّي صهره ابن همشك، و قد مرّ في باب إبراهيم، مدينة جيّان و أبدة و بيّاسة، و ضيّق منها على قرطبة، و استولى على إستجة، و دخل غرناطة سنة سبع و خمسين و خمسمائة، و ثار عليه يوسف بن هلال من أصهاره بحصن مطرنيش و ما إليه. ثم تفاسد ما بينه و بين صهره الآخر ابن همشك، فكان سبب إدبار أمره، و استولى العدو في مدة ابن سعد على مدينة طرطوشة عام ثلاثة و أربعين و خمسمائة، و على حصن إقليج، و حصن شرانية.

دخوله غرناطة: و لما دخل ابن همشك‏ مدينة غرناطة، و امتنعت عليه قصبتها، و هزم الجيش المصرخ لمن حصر بها من الموحدين بمرج الرّقاد و ثاب أثناء ذلك أمر الموحدين، فتجهز لنصرهم السيد أبو يعقوب، و أجاز البحر، و اجتمعوا بالسيد أبي سعيد بمالقة، استمدّ ابن همشك صهره الأسعد، أبا عبد اللّه محمد بن سعد، فخرج بنفسه في العسكر الكبير من أهل الشرق و النصارى، فوصل إلى غرناطة، و اضطربت محلته بالربوة السامية المتصلة بربض البيّازين، و تعرف إلى اليوم بكدية مردنيش، و تلاحق جيش الموحدين بأحواز غرناطة، فأبينوا جيش عدوهم، فكانت عليه الدّبرة، وفر ابن مردنيش، فلحق بجيان، و اتصلت عليه الغلبة من لدن منتصف عام ستين، فلم يكن له بعده ظهور.

وفاته: و ظهر عليه أمر الموحدين، فاستخلصوا معظم ما بيده، و أوقعوا بجنده الوقائع العظيمة، و حصر بمدينة مرسية، و اتصل حصاره، فمات أثناء الحصار في عاشر

____________

(1) هو القائد أبو الحسن بن همشك، صهر محمد بن مردنيش، كما ورد في أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 261).

(2) مرج الرقاد: موضع بظاهر غرناطة، انهزم فيه الموحدون أقبح هزيمة سنة 557 ه- على يد أبي الحسن بن همشك، صهر محمد بن مردنيش. راجع أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 261).

74

رجب من عام سبعة و ستين و خمسمائة و له ثمانية و أربعون عاما، و وصل أمره أبو القمر هلال‏، و ألقى باليدين إلى الموحدين، فنزل على عهد و رسوم حسبما يأتي في موضعه.

محمد بن يوسف بن هود الجذامي‏

أمير المسلمين بالأندلس، يكنى أبا عبد اللّه، و يلقب من الألقاب السلطانية بالمتوكل على اللّه‏.

أوّليّته: من ولد المستعين بن هود. و أوّليتهم معروفة، و دولتهم مشهورة، و أمراؤهم مذكورون. خرج من مرسية تاسع رجب عام خمسة و عشرين و ستمائة إلى «الصّخور» من جهاتها، في نفر يسير من الجنود معه، و كان الناس يستشعرون ذلك، و يرتقبون ظهور مسمّى باسمه و اسم أبيه، و يندّدون بإمرته و سلطانه. و جرى عليه بسبب ذلك امتحان في زمن الموحّدين مرات، إذ كان بعض الهاتفين بالأمور الكائنة، و القضايا المستقبلة، يقول لهم: يقوم عليكم قائم من صنف الجند، اسمه محمد بن يوسف، فقتلوا بسبب ذلك شخصا من أهل جيّان. و يقال إن شخصا ممن ينتحل ذلك، لقي ابن هود، فأمعن النظر إليه، ثم قال له: أنت سلطان الأندلس، فانظر لنفسك، و أنا أدلّك على من يقيم ملكك، فاذهب إلى المقدّم الغشتي فهو القائم بأمرك. و كان الغشتي‏ رجلا صعلوكا يقطع الطريق، و تحت يده جماعة من أنجاد الرجال، و سباع الشرّار، قد اشتهر أمرهم، فنهض إلى المقدم، و عرض عليه الأمر، و قال: نستفتح بمغاورة إلى أرض العدو، على اسمك و على سعدك، ففعلوا، فجلبوا كثيرا من الغنائم و الأسرى، و انضاف إلى ابن هود طوائف مثل هؤلاء، و بايعوه‏

____________

(1) كذا في أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 262)، و في المعجب (ص 279) أنه مات في شهور سن 568 ه. و في نفح الطيب (ج 6 ص 147، 235) أن وفاته كانت سنة 566 ه.

(2) هو هلال بن محمد بن سعد بن مردنيش، تولّى الأمر بعد موت أبيه سنة 567 ه، و لكنه خالف أباه في العداء للموحدين، فتخلّى عن مرسيه، و أذعن للخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن. أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 271).

(3) ترجمة المتوكل محمد بن يوسف بن هود في البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 276) و المعجب (ص 417) و المغرب (ج 2 ص 251) و كتاب العبر (م 4 ص 361) و الحلة السيراء (ج 128 ص 296، 303، 308) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 277) و الأعلام للزركلي (ج 7 ص 149).

(4) قارن بالبيان المغرب (قسم الموحدين ص 276).

(5) في البيان المغرب: «حواسا».

(6) في البيان المغرب (ص 277): «من أراذل الناس».

75

ب «الصّخيرات» كما ذكر، من ظاهر مرسية، و تحرّك إليه السيد أبو العباس بعسكر مرسية، فأوقع به و شرّده، ثم ثاب إليه ناسه، و عدل إلى الدّعاء للعباسيين، فتبعه اللّفيف، و وصل تقليد الخليفة المستنصر بالله ببغداد، فاستنصر الناس في دعوته، و شاع ذكره، و ملك القواعد، و جيّش الجيوش، و قهر الأعداء، و وفّى للغشتي بوعده، فولّاه أسطول إشبيلية، ثم أسطول سبتة، مضافا إلى أمرها، و ما يرجع إليه، فثار به أهلها بعد و خلعوه، و فرّ أمامهم في البحر، و خفي أثره إلى أن تحقق استقراره أسيرا في البحر بغرب الأندلس، و دام زمانا، ثم تخلّص في سنّ الشيخوخة، و مات برباط آسفي.

حاله: كان شجاعا، ثبتا، كريما حيّيا، فاضلا، وفيّا، متوكّلا عليه، سليم الصدر، قليل المبالاة، فاستعلى لذلك عليه ولاته بالقواعد، كأبي عبد اللّه بن الرّميمي بألمريّة، و أبي عبد اللّه بن زنون بمالقة، و أبي يحيى عتبة بن يحيى الجزولي بغرناطة.

و كان مجدودا، لم ينهض له جيش، و لا وفّق لرأي؛ لغلبة الخفّة عليه، و استعجاله الحركات، و نشاطه إلى اللقاء، من غير كمال استعداد.

بعض الأحداث في أيامه‏:

جرت عليه هزائم، منها هزيمة السلطان الغالب بالله إيّاه مرّتين، إحداهما بظاهر إشبيلية، و ركب البحر فنجا بنفسه، ثم هزمه بإلبيرة من أحواز غرناطة، زعموا كل ذلك في سنة أربع و ثلاثين و ستمائة أو نحوها.

و في سنة خمس و ثلاثين، كان اللقاء بينه و بين المأمون إدريس أمير الموحدين بإشبيلية، فهزمه المأمون أقبح هزيمة، و استولى على محلّته، و لاذ منه بمدينة مرسية.

ثم شغل المأمون الأمر، و أهمّته الفتنة الواقعة بمرّاكش، فصرف وجهه إليها، و ثاب الأمر للمتوكل، فدخلت في طاعته ألمريّة، ثم غرناطة، ثم مالقة. و في سبع و عشرين و ستمائة، تحرّك بفضل شهامته بجيوش عظيمة، لإصراخ مدينة ماردة، و قد نازلها العدوّ و حاصر، و لقي الطّاغية بظاهرها، فلم يتأنّ، زعموا، حتى دفع بنفسه العدوّ، و دخل في مصافّه، ثم لمّا كرّ إلى ساقته، وجد الناس منهزمين لما غاب عنهم، فاستولت عليه هزيمة شنيعة، و استولى العدو على ماردة بعد ذلك.

____________

(1) في البيان المغرب (ص 277) أن الصخيرات موضع بمقربة من مرسية.

(2) قارن بالبيان المغرب- قسم الموحدين (ص 288- 289، 294).

76

و فتح عليه في أمور، منها تملّكه إشبيلية سنة تسع و عشرين و ستمائة، و ولّى عليها أخاه الأمير أبا النجاة سالما الملقب بعماد الدولة. و في سنة إحدى و ثلاثين، رجعت قرطبة إلى طاعته، و استوسق أمره. و تملّك غرناطة و مالقة عام خمسة و عشرين و ستمائة، و دانت له البلاد. و في العشر الأول من شوال، دخل في طاعته الريّسان أبو زكريا، و أبو عبد اللّه، ابنا الرئيس أبي سلطان عزيز بن أبي الحجاج بن سعد، و خرجا عن طاعة الأمير أبي جميل، و أخذا البيعة لابن هود على ما في أيديهما. و في سنة ست و عشرين و ستمائة، تملك الجزيرة الخضراء عنوة، يوم الجمعة التاسع لشعبان من العام، و في العشر الوسط من شوال ورد عليه الخبر ليلا بقصد العدوّ وجهة مدينة وادي آش، فأسرى ليله مسرجا بقية يومه، و لحق بالعدو على ثمانين ميلا، فأتى على آخرهم، و لم ينج منه أحد.

إخوته: الرئيس أبو النجاة سالم، و علامته: «وثقت بالله»، و لقبه «عماد الدولة»، و الأمير أبو الحسن عضد الدولة، و أسره العدو في غارة، و افتكّه بمال كثير، و الأمير أبو إسحاق شرف الدولة. و كلهم يكتب عنه، من الأمير فلان.

ولده: أبو بكر الملقب بالواثق بالله، أخذ له البيعة على أهل الأندلس، في كذا، و ولّي بعده وليّ عهده، و استقلّ بملك مرسية، ثم لم ينشب أن هلك.

دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرّات عديدة، إحداها في سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة، و قد وردت عليه الرّاية و التقليد من الخليفة العباسي ببغداد. و بمصلّى غرناطة، قرى‏ء على الناس كتابه، و هو قائم، وزيّه السّواد، و رايته السوداء بين يديه، و كان يوم استسقاء، فلم يستتمّ على الناس قراءة الكتاب يومئذ، إلّا و قد جادت السماء بالمطر، و كان يوما مشهودا، و صنعا غريبا، و أمر بعد انصرافه، أن يكتب عنه بتلك الألقاب التي تضمّنها الكتاب المذكور إلى البلاد.

وفاته: اختلف الناس في سبب وفاته، فذكر أنه قد عاهد زوجه ألّا يتخذ عليها امرأة طول عمره، فلمّا تصيّر إليه الأمر، أعجبته روميّة حصلت له بسبب السّبي من أبناء زعمائهم، من أجمل الناس، فسترها عند ابن الرّميمي خليفته، فزعموا أن ابن الرميمي علق بها، و لما ظهر حملها، خاف افتضاح القصة، فدبّر عليه الحيلة، فلمّا حلّ بظاهر ألمريّة، عرض عليه الدخول إليها، فاغتاله ليلا، بأن أقعد له أربعة رجال، قضوا عليه خنقا بالوسائد. و من الغد ادّعى أنه مات فجأة، و وقف عليه العدول، و اللّه أعلم بحقيقة الأمر سبحانه، و كانت وفاته ليلة الرابع و العشرين من جمادى الآخرة عام خمسة و ثلاثين و ستمائة. و في إرجاف الناس بولاية ابن هود، و الأمر قبل وقوعه،

77

يقول الشاعر: [الطويل‏]

همام به زاد الزمان طلاقة* * *و لذّت لنا فيه الأماني موردا

* * *

فقل لبني العباس ها هي دولة* * *أغار بها الحقّ المبين و أنجدا

* * *

فإن الذي قد جاء في الكتب وصفه‏* * *بتمهيد هذي الأرض قد جاء فاهتدا

* * *

فإن بشّرتنا بابن هود محمد* * *فقد أظهر اللّه ابن هود محمّدا

* * *

محمد بن أحمد بن زيد بن أحمد بن زيد بن الحسن ابن أيوب بن حامد بن زيد بن منخل الغافقي‏

يكنى أبا بكر، من أهل غرناطة. و سكن وادي آش.

أوّليّته: أصل هذا البيت من إشبيلية، و ذكره الرّازي في الاستيعاب، فقال:

و بإشبيلية بيت زيد الغافقي، و هم هناك جماعة كبيرة، فرسان و لهم شرف قديم، و قد تصرّفوا في الخدمة. بلديّون‏، ثم انتقلوا إلى طليطلة، ثم قرطبة، ثم غرناطة. و ذكر الملّاحي في كتابه الحسن بن أيوب بن حامد بن أيوب بن زيد، و عدّه من أهل الشّورى، و قضاة الجماعة بغرناطة. و أحمد بن زيد بن الحسن هو المقتول يوم قيام بني خالد، بدعوة السلطان أبي عبد اللّه الغالب بالله بن نصر، و كان عامل المتوكل على اللّه بن هود بها، و عمّن جمع له بين الدّين و الفضل و الماليّة.

حاله و نباهته و محنته و وفاته:

كان هذا الرجل عينا من أعيان الأندلس، و صدرا من صدورها، نشأ عفّا متصاونا عزوفا، و طلاوة، نزيها، أبيّا، كريم الخؤولة، طيّب الطّعمة، حرّ الأصالة، نبيه الصّهر. ثم استعمل في الوزارة ببلده، ثم قدّم على من به من الفرسان، فأوردهم الموارد الصفيّة بإقدامه، و استباح من العدوّ الفرصة، و أكسبهم الذكر و الشهرة، و أنفق في سبيل اللّه، إلى غضاضة الإيمان، و صحّة العقد، و حسن الشّيمة، و الاسترسال في ذكر التواريخ، و الأشعار الجاهليّة، و الأمثال، و التمسّك بأسباب الدين، و سحب أذيال الطّهارة، و هجر الخبايث، و إيثار الجدّ، و الانحطاط في هوى الجماعة.

____________

(1) البلديون: هم العرب الذين دخلوا الأندلس على يد موسى بن نصير، و الشاميون هم العرب الذين دخلوا الأندلس مع بلج بن بشر القشيري سنة 123 ه. راجع الجزء الأول من الإحاطة في «فصل في فتح هذه المدينة».

(2) هو أبو عبد اللّه الغالب بالله محمد بن يوسف بن محمد بن نصر الخزرجي الأنصاري، حكم غرناطة من سنة 635 ه- إلى سنة 671 ه. راجع اللمحة البدرية (ص 42).

78

مشيخته: قرأ بغرناطة على شيخ الجماعة أبي عبد اللّه بن الفخّار، و ببلده على الأستاذ أبي عبد اللّه الطرسوني، و به انتفاعه. و كان جهوري الصّوت، متفاضلا، قليل التهيّب في الحفل. و لما حدث بالسلطان أبي عبد اللّه من كياد دولته، و تلاحق بوادي آش مفلتا، قام بأمره، و ضبط البلد على دعوته، و لمّ المداهنة في أمره، و جعل حيل عدوه دبر أذنه، إلى أن خرج عنها إلى العدوة، فكان زمان طريقه مفديا له بنفسه، حتى لحق بمأمنه، فتركها مغربة.

خبر في وفاته و معرجه:

و كانت الحمد للّه على محمده، و استأثر به الدّاخل، فشدّ عليه يد اغتباطه، و أغرى به عقد ضنانته، و خلطه بنفسه، ثم أغرى به لمكانته من الشهامة و الرياسة، فتقبّض عليه، و على ولده، لباب بني وقته، و غرّة أبناء جنسه، فأودعهما مطبق أرباب الجرائم، و همّ باغتيالهما، ثم نقلهما إلى مدينة المنكّب ليلة المنتصف لمحرم من عام اثنين و ستين و سبعمائة في جملة من النّبهاء مأخوذين بمثل تلك الجريرة. ثم صرف الجميع في البحر إلى بجاية، في العشر الأول لربيع الأول مصفّدين. و لما حلّوا بها، أقاموا تحت برّ و تجلّة. ثم ركبوا البحر إلى تونس، فقطع بهم أسطول العدو بأحواز تكرنت، و وقعت بينه و بين المسلمين حرب، فكرم مقام المترجم يومئذ، و حسن بلاؤه. قال المخبر: عهدي به، و قد سلّ سيفا، و هو يضرب العدو و يقول: اللهمّ اكتبها لي شهادة. و استولى العدو على من كان معه من المسلمين، و منهم ولده، و كتب: افتكّ الجميع ببلد العنّاب، و انصرف ابنه إلى الحج، و آب لهذا العهد بخلال حميدة كريمة، من سكون و فضل و دين و حياء، و تلاوة، إلى ما كان يجده من الرّكض، و يعانيه من فروسية، فمضى على هذا السبيل من الشهادة، نفعه اللّه، في ليلة الجمعة الثامن لرجب من عام اثنين و ستين و سبعمائة.

شعره: أنشدني قاضي الجماعة أبو الحسن بن الحسن له: [البسيط]

يا أيها المرتجي للطف‏ خالقه‏* * *و فضله في صلاح الحال و المال‏

* * *

لو كنت توقن حقا لطف قدرته‏* * *فاشمخ بأنفك عن قيل و عن‏ قال‏

* * *

فإنّ للّه لطفا عزّ خالقنا* * *عن أن يقاس بتشبيه و تمثال‏

* * *

و كل أمر و إن أعياك ظاهره‏* * *فالصّنع في ذاك لا يجري على بال‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «لطف» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) كلمة «عن» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

79

محمد بن أحمد بن محمد الأشعري‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن المحروق، الوكيل بالدار السلطانية، القهرمان بها، المستوزر آخر عمره، سداد من عون.

حاله و أوليته و ظهوره: كان، (رحمه اللّه)، من أهل العفاف و التّصاون، جانحا إلى الخير، محبّا في أهل الإصلاح، مغضوض الطّرف عن الحرم، عفيفا عن الدماء، مستمسكا بالعدالة، من أهل الخصوصيّة، كتب الشروط، و برّز في عدول الحضرة.

و كان له خط حسن، و مشاركة في الطلب، و خصوصا في الفرائض، و حظّه تافه من الأدب. امتدح الأمراء، فترقى إلى الكتابة مرءوسا مع الجملة. و عند الإيقاع بالوزير ابن الحكيم، تعيّن لحصر ما استرفع من منتهب ماله، و تحصّل بالدار السلطانية من أثاثه و خرثيّه‏، فحزم و اضطلع بما كان داعية ترقيه إلى الوكالة، فساعده الوقت، و طلع له جاه كبير، و تملّك أموالا عريضة، و أرضا واسعة، فجمع الدنيا بحزمه و مثابرته على تنمية داخله. و ترقى إلى سماء الوزارة في الدّولة السادسة من الدول النّصرية، بتدبير شيخ الغزاة، و زعيم الطائفة عثمان بن أبي العلي‏، فوصله إلى أدوار دنياه، و اللّه قد خبّأ له المكروه في المحبوب، و تأذّن اللّه سبحانه بنفاد أجله على يده، فاستولى و حجب السلطان. ثم وقعت بينه و بين مرشّحه الوحشة الشهيرة عام سبعة و عشرين و سبعمائة، مارسا لمكان الفتنة، صلة فارط في حجب السلطان، و أجلى جمهور ما كان ببابه، و منع من الدخول إليه، فاضطربت حاله، و أعمل التدبير عليه، فهجم عليه بدار الحرّة الكبيرة جدّة السلطان، و كان يعارضها في الأمور، و يجعلها تكأة لغرضه، فتيان من أحداث المماليك المستبقين مع محجوبه، تناولاه سطّا بالخناجر، و رمى نفسه في صهريج الدار، و ما زالا يتعاورانه من كل جانب حتى فارق الحياة، (رحمه اللّه تعالى).

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، و كانت له فيه فراسة صادقة.

____________

(1) الأثاث: ما جدّ من متاع البيت، و لا واحد له. و الخرثيّ: أردأ متاع البيت. محيط المحيط (أثث) و (خرث).

(2) المراد بالدولة السادسة سادس سلاطين بني نصر، و هو أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن نصر. و ترجمته في اللمحة البدرية (ص 90). و ترجم له ابن الخطيب في الجزء الأول من الإحاطة ترجمة ضافية.

(3) في الأصل: «العلاء» و التصويب من اللمحة البدرية (ص 93).

(4) في الأصل: «سبع» و هو خطأ نحوي.

80

محمد بن فتح بن علي الأنصاري‏

يكنى أبا بكر، و يشهر بالأشبرون، قاضي الجماعة.

حاله: كان طرفا في الدّهاء و التخلّق و المعرفة بمقاطع الحقوق، و مغامز الرّيب، و علل الشهادات، فذّا في الجزالة، و الصّرامة، مقداما، بصيرا بالأمور، حسن السيرة، عذب الفكاهة، ظاهر الحظوة، عليّ الرتبة. خرج من إشبيلية عند تغلّب العدوّ عليها، و ولّي القضاء بمالقة و بسطة. ثم ولّي الحسبة بغرناطة، ثم جمعت له إليها الشّرطة. ثم قدّم قاضيا، و استمرّت ولايته نحوا من ثلاثين سنة.

وفاته: توفي ليلة الحادي عشر من شهر ربيع الأول عام ثمانية و تسعين و ستمائة.

محمد بن أحمد بن علي بن حسن بن علي ابن الزيات الكلاعي‏

ولد الشيخ الخطيب أبي جعفر بن الزيات، من أهل بلّش، يكنى أبا بكر.

حاله: من «عائد الصلة» من تأليفنا: كان، (رحمه اللّه)، شبيها بأبيه، في هديه، و حسن سمته و وقاره، إلّا أنه كان حافظا للرتبة، مقيما للأبّهة، مستدعيا بأبيه و نفسه للتجلّة، بقية من أبناء المشايخ، ظرفا و أدبا و مروءة و حشمة، إلى خطّ بديع قيد البصر، و رواية عالية، و مشاركة في فنون، و قراءة، وفقه، و عربية، و أدب و فريضة، و معرفة بالوثاق و الأحكام. تولّى القضاء ببلده، و خلف أباه على الخطابة و الإمامة، فأقام الرّسم، و استعمل في السّفارة، فسدّ مسدّ مثله، و أقرأ ببلده، فانتفع به.

مشيخته: قرأ على الأستاذ الخطيب أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي، و بغرناطة على شيخ الجماعة الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، و من أعلام مشيخته جدّه للأمّ، خال أبيه، الحكمي العارف أبو جعفر ابن الخطيب أبي الحسن بن الحسن المذحجي الحمي، و الخطيب الربّاني أبو الحسن فضل بن فضيلة، و الوزير أبو عبد اللّه بن رشيد.

____________

(1) ترجمة محمد بن أحمد بن الزيات الكلاعي في الكتيبة الكامنة (ص 115) و نيل الابتهاج (ص 237).

81

محمد بن علي بن عبد اللّه بن محمد بن الحاج‏

يكنّى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن الحاج.

أوّليّته و حاله: كان أبوه نجّارا من مدجّني مدينة إشبيلية، من العارفين بالحيل الهندسية، بصيرا باتخاذ الآلات الحربية الجافية، و العمل بها. و انتقل إلى مدينة فاس على عهد أبي يوسف المنصور بن عبد الحق، و اتخذ له الدّولاب المنفسح القطر، البعيد المدى، مليّن المركز و المحيط، المتعدّد الأكواب، الخفيّ الحركة، حسبما هو اليوم ماثل بالبلد الجديد، دار الملك بمدينة فاس، أحد الآثار التي تحدو إلى مشاهدتها الرّكاب، و بناء دار الصّنعة بسلا. و انتقل بعد مهلك أبيه إلى باب السلطان ثاني الملوك من بني نصر، و متّ إليه بوسيلة أدنت محلّه، و أسنت جراياته، إلى أن تولّى وزارة ولده أمير المسلمين، أبي الجيوش نصر، و اضطلع بتدبيره، و نقم الناس عليه إيثاره لمقالات الرّوم، و انحطاطه في مهوى لهم، و التشبّه بهم في الأكل و الحديث، و كثير من الأحوال و الهيئات و الاستحسان، و تطريز المجالس بأمثالهم و حكمهم، سمة و سمت منه عقلا، لنشأته بين ظهرانيهم، و سبقت إلى قوى عقله المكتسب في بيوتهم، فلم تفارقه بحال، و إن كان آية في الدهاء، و النظر في رجل بعيد الغور، عميق الفكر، قائم على الدّمنة، منطو على الرّضف، ليّن الجانب، مبذول البشر، وحيد زمانه في المعرفة بلسان الرّوم و سيرهم، محكم الأوضاع في أدب الخدمة، ذرب بالتصرف في أبواب الملوك.

و كان من ثورة العامة بسلطانه ما تقدم، و جهروا بإسلامه إليهم، و قد ولّوه بسبب الثورة، و طوّقوه كياد الأزمة، فضنّ به السلطان ضنانة أعربت عن وفائه، و صان مهجته، و استمرّ الأمر إلى أن خلع الملك عن الملك. و كان نزول الوزير المذكور تحت خفارة شيخ الغزاة، و كبير الطائفة، عثمان بن أبي العلى، فانتقل محفوظ

____________

(1) ذكره ابن الخطيب في اللمحة البدرية (ص 71)، و قال: إنه تولّى وزارة سلطان غرناطة أبا الجيوش نصر بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر.

(2) الصواب أنه ثالث سلاطين بني نصر، و هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، الملقب بالمخلوع، و والد أبي الجيوش نصر. و قد حكم غرناطة من سنة 701 ه- إلى سنة 708 ه. ترجمته في اللمحة البدرية (ص 60). و قد تقدمت ترجمته في الجزء الأول من الإحاطة.

(3) هو أبو الجيوش نصر بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، رابع سلاطين بني نصر بغرناطة، حكم من سنة 708 ه- إلى سنة 722 ه. ترجمته في اللمحة البدرية (ص 70). و سيترجم له ابن الخطيب في الجزء الثالث من الإحاطة.

82

الجملة، محوط الوفر، و لم ينشب إلى أن لجأ إلى العدوة، و اتصل بالأمير أبي علي عمر بن السلطان الكبير أبي سعيد، فحرّكه، زعموا، على محادّة أبيه، و حمله على الانتزاء، فكان ما هو معلوم من دعائه إلى نفسه، و منازعة أبيه، و لقائه إياه بالمقرمدة، و فلّ جيشه، و في أثنائه هلك المترجم به.

وفاته: توفي بفاس الجديد في العشر الأول من شعبان عام أربعة عشر و سبعمائة.

محمد بن رضوان بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن أرقم النّميري‏

من أهل وادي آش، يكنى أبا يحيى.

حاله: كان صدرا شهيرا، عالما علما، حسيبا، أصيلا، جمّ التحصيل، قويّ الإدراك، مضطلعا بالعربية و اللغة، إماما في ذلك، مشاركا في علوم من حساب و هيئة و هندسة. قال الشيخ: كان في هذا كله أبرع من لقيته، إلى سراوة و فضل و تواضع و دين، جاريا في ذلك على سنن سلفه، و علوّ محتده، جالسته، (رحمه اللّه)، كثيرا عند علية من أدركته بغرناظة؛ لإقامته بها، و تكرر لقائي إياه بها و بغيرها، فرأيت أصيلا جليلا قد جمع علما و فضلا، و حسن خلق، و كان حسن التقييد، لخطّه رونق يمتاز به، و يبعد عن غيره. ولّي القضاء ببلده، ثم ولّي بعد مدة ببرشانة، فحمدت سيرته.

مشيخته: أخذ القراءات السبع عن أبي كرم جودي بن عبد الرحمن، و قرأ عليه الغريب و اللغة، و لازمه في ذلك، و أجاز له إجازة عامة، و أخذ من غيره ببلده، و صحب بغرناطة جملة من العلماء بها، أيام اختلافه إليها، و إقامته بها.

تواليفه: ألّف كتابا سماه «الاحتفال في استيفاء ما للخيل من الأحوال»، و هو كتاب ضخم وقفت عليه من قبله و أفدته. و اختصر الغريب المصنّف، و له تقاييد منثور و منظوم في علم النجوم، و رسالة في الأسطرلاب الخطي و العمل به، و شجرة في أنساب العرب.

وفاته: وفي ليلة السبت السابع عشر لشهر ربيع الآخر عام سبعة و خمسين و سبعمائة.

____________

(1) المقرمدة: بلدة تقع جنوب شرقي مدينة فاس.

(2) في الأصل: «أربع عشرة» و هو خطأ نحوي.

(3) برشانة: بالإسبانيةPurchena ، و هي حصن على مجتمع نهرين. الروض المعطار (ص 88).

و ذكرها ياقوت في معجم البلدان (ج 1 ص 384) و قال: إنها من قرى إشبيلية بالأندلس.

83

محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار ابن أحمد بن حزب اللّه بن عامر بن سعد الخير بن عيّاش‏

المكنى بأبي عيشون بن حمّود، الداخل إلى الأندلس صحبة موسى بن نصير، ابن عنبسة بن حارثة بن العباس بن المرداس، يكنّى أبا البركات، بلفيقي‏ الأصل، مروي‏ النشأة و الولادة و السلف، يعرف بابن الحاج، و شهر الآن في غير بلده بالبلفيقي، و في بلده بالمعرفة القديمة.

أوّليّته: قد تقدم اتصال نسبه بحارثة بن العباس بن مرداس، صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أحد خطبائه و شعرائه، رئيس في الإسلام، و رئيس في الجاهلية. و كان لسلفه، و خصوصا لإبراهيم، من الشهرة بولاية اللّه، و إيجاب الحقّ من خلقه ما هو مشهور، حسبما تنطق به الفهارس، يعضّد هذا المجد من جهة الأمومة، كأبي بكر بن صهيب، و ابن عمه أبي إسحاق، و غيرهم، الكثير ممن صنّف في رجال الأندلس، كأبي عبد المجيد المالقي، و ابن الأبار، و ابن طلحة، و ابن فرتون، و ابن صاحب الصلاة، و ابن الزّبير، و ابن عبد الملك، فلينظر هناك.

حاله: نشأ ببلده ألمرية عمود العفة، فضفاض جلباب الصّيانة، غضيض طرف الحياء، نائي جنب السّلام، حليف الانقباض و الازورار، آويا إلى خالص النّشب و بحت الطّعمة، لا يرى إلّا في منزل من سأله، و في حلق الأسانيد، أو في مسجد من المساجد خارج المدينة المعدّة للتّعبّد، لا يجي‏ء سوقا، و لا مجمعا، و لا وليمة، و لا مجلس حاكم أو وال، و لا يلابس أمرا من الأمور التي جرت عادته أن يلابسها بوجه من الوجوه. ثم ترامى إلى رحلة، فجاس خلال القطر الغربي إلى بجاية، نافضا إياه من العلماء و الصلحاء و الأدباء و الآثار بتقييده، و أخذه قيام ذكر، و إغفال شهرة. ثم صرف عنانه إلى الأندلس، فتصرف في الإقراء، و القضاء، و الخطابة. و هو الآن نسيج‏

____________

(1) ترجمة أبي البركات محمد بن محمد بن الحاج البلفيقي في الكتبية الكامنة (ص 127) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 202) و نفح الطيب (ج 8 ص 16) و أزهار الرياض (ج 4 ص 107) و الديباج المذهب (ص 164) و التعريف بابن خلدون (ص 61) و جذوة الاقتباس (ص 183) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 155)، و غاية النهاية (ج 2 ص 235).

(2) نسبة إلى بلفيق‏Vellefique و هي بلدة تابعة لمدينة ألمرية. الإحاطة (ج 2 ص 143) حاشية رقم 1 بتحقيق عنان.

(3) نسبة إلى مدينة ألمرية.

84

وحده في أصالة عريقة، و سجيّة على السلامة مفطورة، فما شئت من صدر سليم، و عقد وثيق، و غور قريب، و نصح مبذول، و تصنّع مرفوض، و نفس ساذجة، و باطن مساو للظاهر، و دمعة سريعة، و هزل يثمر تجلّة، و انبساط يفيد حسن نيّة، إلى حسن العهد، و فضل المشاركة، و رقّة الحاشية، و صلابة العود، و صدق العزيمة، و قوة الحامية، و بلاغة الموعظة، و جلّة الوقت، و فائدة العصر، تفننا و إمتاعا، فارس المنابر غير الهيّابة، و لا الجزوع، طيّب النّغمة بالقرآن، مجهشا في مجال الرّقة، كثير الشفقة لصالح العامة، متأسفا لضياع الأوقات، مدمعا على الفيئة، مجمّا، محوّلا في رئاسة الدين و الدنيا. هذا ما يسامح فيه الإيجاز، و يتجافى عنه الاختصار، و يكفي فيه الإلماع و الإشارة، أبقى اللّه شيخنا أبا البركات.

مشيخته و ولايته: تقدم قاضيا بقنالش‏، في جمادى الثانية عام خمسة عشر و سبع مائة ثم ولّي مربلّة، و إستبونة ثم كانت رحلته إلى بجاية. ثم عاد فقعد بمجلس الإقراء من مالقة للكلام على صحيح مسلم، متّفقا على اضطلاعه بذلك. ثم رحل إلى فاس. ثم آب إلى الأندلس، و استقرّ ببلده ألمرية، فقعد بمسجدها الجامع للإقراء، ثم قدّم قاضيا ببرجة و دلّاية، و البينول‏ و فنيانة، ثم نقل عنها إلى بيرة، ثم غربي ألمرية. ثم قدّم قاضيا بمالقة، ثم قدّم بغربها مضافا إلى الخطابة، ثم أعيد إلى قضاء ألمرية، بعد وفاة القاضي أبي محمد بن الصائغ. و من كتاب «طرفة العصر» من تأليفنا في خبر ولايته ما نصه:

فتقلّد الحكم في الثالث و العشرين لشعبان من عام سبعة و أربعين و سبعمائة، ثالث يوم وصوله مستدعى، و انتابه الطّلبة و وجوه الحضرة و الدولة، مهنئين بمثواه من دار الصيانة، و محل التّجلّة، إحدى دور الملوك بالحمراء، فطفقوا يغشونه بها زرافات و وحدانا، في إتاحة الخير، و إلهام السّداد، و تسويغ الموهبة. و كان وصوله، و الأفق قد اغبرّ، و الأرض قد اقشعرّت لانصرام حظّ من أيام الشتاء الموافق لشهر ولايته، لم‏

____________

(1) قنالش: بلدة تابعة لمقاطعة ألمرية، على مقربة من بلفيق بلد المترجم له أبي البركات البلفيقي.

الإحاطة (ج 2 ص 145) حاشية رقم 2.

(2) إستبونة أو أشتبونة: بالإسبانيةEstepona ، و هي بلدة تقع على البحر المتوسط شمال جبل طارق. الإحاطة (ج 2 ص 24) حاشية رقم 3.

(3) البينول: بالإسبانية:Albinol ، و هي بلدة تابعة لمقاطعة مالقة. الإحاطة (ج 2 ص 145) حاشية رقم 6.

(4) فنيانةFinana : قرية بقرب وادي آش من الأندلس، و قيل هي حصن. نزهة المشتاق (ص 567) و الروض المعطار (ص 441).

(5) في الأصل: «سبع» و هو خطأ نحوي.

85

يسح فيه الغمام بقطرة، و لا لمعت السماء بنزعة، حتى أضرّت الأنفس الشحّ، و حسر العسر عن ساقه، و توقفت البذور، فساعده الجدّ بنزول الرّحمة عند نزوله من مرقاة المنبر، مجابة دعوة استسقائه، ظاهرة بركة خشوعه، و لذلك ما أنشدته في تلك الحال‏: [الكامل‏]

ظمئت إلى السّقيا الأباطح و الرّبا* * *حتى دعونا العام عاما مجدبا

* * *

و الغيث مسدول الحجاب و إنما* * *علم الغمام قدومكم فتأدّبا

* * *

و تولى النظر في الأحكام فأجال قداحها، مضطلعا بأصالة النظر، و إرجاء المشبّهات، و سلك في الخطابة طريقة مثلى، يفرغ في قوالب البيان أغراضها، و يصرف على الأحكام الكوائن و البساطات أساليبها، من المحاكاة، باختلاف القبض و البسط، و الوعد و الوعيد، حظوظها على مقبض العدل، و سبب الصواب يقوم على كثير مما يصدع به، من ذلك شاهد البديهة، و دليل الاستيعاب. قال شيخنا أبو البركات: ثم صرفت عنها للسبب المتقدم، و بقيت مقيما بها، لما اشتهر من وقوع الوباء بألمريّة، ثم أعدت إلى القضاء و الخطابة بألمرية، و كتب بذلك في أوايل رجب عام تسعة و أربعين. و بقيت على ذلك إلى أن صرفت بسبب ما ذكر. ثم أعدت إليها في أواخر رجب سنة ست و خمسين، عسى أن يكون الانقطاع للّه سبحانه. فأنا الآن أتمثل بما قاله أبو مطرّف‏ بن عميرة (رحمه اللّه): [الخفيف‏]

قد نسبنا إلى الكتابة يوما* * *و أتت‏ خطّة القضاء تليها

* * *

و بكلّ لم نطق للمجد إلّا* * *منزلا نابيا و عيشا كريها

* * *

نسبة بدّلت فلم تتغيّر* * *مثل ما يزعم المهندس فيها

* * *

بدّل من لفظ الكتابة إلى الخطابة. و أغرب ما رأيت ما أحكي لك، و أنت أعلم ببعض ذلك، أن أفضل ما صدر عني في ذلك، الخطة من العمل الذي أخلصت للّه فيه، و رجوت منه المثوبة عليه، و فيه مع ذلك مفتخر لمن أراد أن يفتخر غير ملتفت للدنيا، فعليه عوّلت سبحانه. انتهى كلامه.

تصانيفه: كتب إليّ بخطّه ما نصه، و هو فصل من فصول: و أما تواليفي فأكثرها، أو كلها عير متمّمة، في مبيّضات. منها كتاب قد يكبو الجواد في أربعين‏

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 17).

(2) هو أحمد بن عبد اللّه بن عميرة البلنسي، و قد تقدمت ترجمته في الجزء الأول من الإحاطة، و وردت أبياته التالية هناك ببعض اختلاف عما هنا.

(3) في الأصل: «ثم جاءت» و هكذا ينكسر الوزن.

86

غلطة عن أربعين من النّقّاد، و هو نوع من تصحيف الحفّاظ للدّارقطني، منها «سلوة الخاطر فيما أشكل من نسبة النّسب الرّتب إلى الذّاكر». و منها كتاب «قدر جمّ في نظم الجمل». و منها كتاب «خطر فبطر، و نظر فحظر، على تنبيهات على وثائق ابن فتّوح». و منها كتاب «الإفصاح فيمن عرف بالأندلس بالصّلاح». و منها «حركة الدّخولية في المسألة المالقية». و منها «خطرة المجلس في كلمة وقعت في شعر استنصر به أهل الأندلس» جزء صغير. و منها «تاريخ ألمريّة» غير تام. و منها ديوان شعره المسمى ب «العذب و الأجاج في شعر أبي البركات ابن الحاج». و مختصره سمّاه القاضي الشريف «اللؤلؤ و المرجان، اللذان من العذب و الأجاج يستخرجان». و منها «عرائس بنات الخواطر المجلوّة على منصّات المنابر» يحتوي على فصول الخطب التي أنشئت بطول بنى و الخطابة. و منها «المؤتمن على أنباء أبناء الزمن». و منها تأليف في أسماء الكتب، و التّعريف بمؤلفيها، على حروف المعجم.

و منها «ما اتفق لأبي البركات فيما يشبه الكرامات». و منها كتاب «ما رأيت و ما رئي لي من المقامات». و منها كتاب «المرجع بالدّرك على من أنكر وقوع المشترك».

و منها «مشبّهات اصطلاح العلوم». و منها «ما كثر وروده في مجلس القضاء». و منها «الغلسيّات»، و هو ما صدر عني من الكلام على صحيح مسلم أيام التكلّم عليه في التّغليس. و منها «الفصول و الأبواب، في ذكر من أخذ عني من الشيوخ و الأتباع و الأصحاب».

ثم قال: و قد ذهب شرخ الشّباب و نشاطه، و تقطّعت أوصاله، و رحل رباطه، و أصبحت النفس تنظر لهذا كله بعين الإمهال و الإغفال، و قلّة المبالاة التي لا يصل أحد بها إلى منال. و هذه الأعمال لا ينشّط إليها إلّا المحرّكات التي هي مفقودة عندي، أحدها طلبة مجتمعون متعطّشون إلى ما عندي، متشوّفون غاية التّشوّف، و أين هذه بألمرية؟ الثاني، طلب رياسة على هذا، و متى يرأس أحد بهذا اليوم، و على تقدير أن يرأس به و هو محال في عادة هذا الوقت، فالتشوّف لهذه الرياسة مفقود عندي.

الثالث، سلطان يملأ يد من يظهر مثل هذا، على يده غبطة، و ما تم هذا. الرابع، نيّة خالصة لوجه اللّه تعالى في الإفادة، و هذا أيضا مفقود عندي، و لا بدّ من الإنصاف.

الخامس، قصد بقاء الذّكر، و هذا خيال ضعيف بعيد عني. السادس، الشفقة على شي‏ء ابتدى، و سعي في تحصيل مباديه، أن يضيع على قطع ما سوى هذا الإشفاق،

____________

(1) في نفح الطيب (ج 8 ص 19): «العذب و الأجاج، من كلام أبي البركات ابن الحاج».

(2) في المصدر نفسه: «اللؤلؤ و المرجان، من بحر أبي البركات ابن الحاج يستخرجان».

87

و هذا السادس، هو الذي في نفسي منه شي‏ء، و به أنا أقيد أسماء من لقيت، و ما أخذت، و يكون إن شاء اللّه إبراز إذا الصّحف نشرت. و أكثر زماني يذهب في كيفية الخروج عما أنا فيه، فإذا ينظر إليّ العاقل في هذا الوقت بعين البصيرة، لا يسعه إلّا الشّفقة عليّ، و الرّحمة لي، فإنه يرى رجلا مطرقا أكثر نهاره، ينظر إلى مآله، فلا ينشط إلى إصلاحه، و هو سابع و لا يلبس بالعبادة، و هو في زمانها المقارب للفوت، و لا ينهض إلى إقامة حقّ كما ينبغي لعدم المعين، و لا يجنح إلى شي‏ء من راحات الدنيا، و يشاهد من علوم الباطل الذي لا طاقة له على رفعه ما يضيّق صدر الحرّ يقضي نصف النهار، محتلّا في مكان غير حسن، تارة يفكر، و تارة يكتب ما هو على يقين منه أنه كذا لا ينتفع به، و نصف النهار يقعد للناس، تارة يرى ما يكره، و تارة يسمع ما يكره، لا صديق يذكّره بأمر الآخرة، و لا صديق يسليه بأمر الدنيا، يكفيني من هذه الغزارة، اللهمّ إليك المشتكى يا من بيده الخلق، و لا حول و لا قوة إلّا بالله.

شعره: من مطوّلاته في النزعة الغربية التي انفرد بها، منقولا من ديوانه، قال:

و مما نظمته بسبتة في ذي الحجة من عام خمسة و عشرين و سبعمائة، في وصف حالي، و أخذها عني الأستاذ بسبتة، أبو عبد اللّه بن هاني، و الأديب البارع أبو القاسم الحسيني، و أبو القاسم بن حزب اللّه، و سواهم. و لما انفصلت من سبتة إلى بلاد الريف‏ زدت عليها أبياتا في أولها، و كثر ذلك بوادي لو من بلاد الريف و هي:

[الطويل‏]

تأسفت لكن حين عزّ التأسّف‏* * *و كفكفت دمعا حين لا عين تذرف‏

* * *

و رام سكونا هو في رجل طائر* * *و نادى بأنس و المنازل تعنف‏

* * *

أراقب قلبي مرّة بعد مرة* * *فألفيه ذيّاك الذي أنا أعرف‏

* * *

سقيم و لكن لا يحسّ بدائه‏* * *سوى من له في مأزق الموت موقف‏

* * *

و جاذب قلبا ليس يأوي لمألف‏* * *و عالج نفسا داؤها يتضاعف‏

* * *

و أعجب ما فيه استواء صفاته‏* * *إذ الهمّ يشقيه أو السرّ ينزف‏

* * *

إذا حلّت الضّرّاء لم ينفعل لها* * *و إن حلّت السّراء لا يتكيّف‏

* * *

مذاهبه لم تبد غاية أمره‏* * *فؤاد، لعمري، لا يرى منه أطرف‏

* * *

فما أنا من قوم قصارى همومهم‏* * *بنوهم و أهلهم و ثوب و أرغف‏

* * *

____________

(1) تقع بلاد الريف في المغرب الأقصى. الإحاطة (ج 2 ص 151) حاشية رقم 1.

88

و لا لي بالإسراف فكر محدث‏* * *سيغدو حبيبي أو سيشعر مطرف‏

* * *

و لا أنا ممّن لهوه جلّ شأنه‏* * *بروض أنيق أو غزال مهفهف‏

* * *

و لا أنا ممّن أنسه غاية المنى‏* * *بصوت رخيم أو نديم و قرقف‏

* * *

و لا أنا ممّن تزدهيه مصانع‏* * *و يسبيه بستان و يلهيه مخرّف‏

* * *

و لا أنا ممن همّه جمعها فإن‏* * *تراءت يثب بسعي لها و هو مرجف‏

* * *

على أنّ دهري لم تدع لي صروفه‏* * *من المال إلّا مسحة أو مجلف‏

* * *

و لا أنا ممن هذه الدار همّه‏* * *و قد غرّه منها جمال و زخرف‏

* * *

و لا أنا ممن للسّؤال قد انبرى‏* * *و لا أنا ممن صان عنه التّعطف‏

* * *

و لا أنا ممن نجّح اللّه سعيهم‏* * *فهمّتهم فيها مصلّى و مصحف‏

* * *

فلا في هوى أضحى إلى اللهو قائدا* * *و لا في تقى أمسى إلى اللّه يزلف‏

* * *

أحارب دهري في نقيض طباعه‏* * *و حربك من يقضي عليك تعجرف‏

* * *

و أنظره شزرا بأصلف ناظر* * *فيعرض عنّي و هو أزهى و أصلف‏

* * *

و أضبطه ضبط المحدّث صحفه‏* * *فيخرج في التّوقيع أنت المصحف‏

* * *

و يأخذ مني كلّ ما عزّ نيله‏* * *و يبدو بجهلي منه في الأخذ محتف‏

* * *

أدور له في كل وجه لعلّني‏* * *سأثبته و هو الذي ظلّ يحذف‏

* * *

و لما يئسنا منه تهنّا ضرورة* * *فلم تبق لي فيها عليه تشوّف‏

* * *

تكلّفت قطع الأرض أطلب سلوة* * *لنفسي فما أجدى بتلك التكلّف‏

* * *

و خاطرت بالنفس العزيزة مقدما* * *إذا ما تخطّى النّصل قصد مرهف‏

* * *

و صرّفت نفسي في شؤون كثيرة* * *لحظّي فلم يظفر بذاك التّصرّف‏

* * *

و خضت لأنواع المعارف أبحرا* * *ففي الحين ما استجرتها و هي تترف‏

* * *

و لم أحل من تلك المعاني بطائل‏* * *و إن كان أهلوها أطالوا و أسرفوا

* * *

و قد مرّ من عمري الألذّ وها أنا* * *على ما مضى من عهده أتلهّف‏

* * *

و إني على ما قد بقي منه إن بقي‏* * *لحرمة ما قد ضاع لي أتخوّف‏

* * *

أعدّ ليالي العمر و الفرض صومها* * *و حسبك من فرض المحال تعسّف‏

* * *

على أنها إن سلّمت جدليّة* * *تعارض آمالا عليها ينيّف‏

* * *

تحدّثني الآمال و هي كدينها* * *تبدّل في تحديثها و تحرّف‏

* * *

بأنّي في الدّنيا سأقضي مآربي‏* * *و بعد يحقّ الزهد لي و التقشّف‏

* * *

و تلك أمان لا حقيقة عندها* * *أفي قرني الضّدّين يبقى التكلّف؟

* * *

89

و ربّ أخلّاء شكوت إليهم‏* * *و لكن لفهم الحال إذ ذاك لم يفوا

* * *

فبعضهم يزري عليّ و بعضهم‏* * *يغضّ و بعض يرثي ثم يصدف‏

* * *

و بعضهم يومي إليّ تعجّبا* * *و بعض بما قد رأيته يتوقف‏

* * *

و بعضهم يلقي جوابه على‏* * *مقتضى العقل الذي عنه يتوقّف‏

* * *

يسي‏ء استماعا ثم يعدّ إجابة* * *على غير ما تحذوه يحذو و يخصف‏

* * *

و لا هو يبدي لي عليّ تعقّلا* * *و لا هو يرثي لي و لا هو يعنف‏

* * *

و ما أمرنا إلّا سواء إنما* * *عرفنا و كلّ منهم ليس يعرف‏

* * *

فلو قد فرغنا من علاج نفوسنا* * *و حطّوا الدنيّة من عليل و أنصفوا

* * *

أما لهم من علّة أرمت بهم‏* * *و لم يعرفوا أغوارها و هي تتلف؟

* * *

و حضنا لهم في الكتب عن كنه أمرهم‏* * *و مثلي عن تلك الحقائق يكشف‏

* * *

و صنّفت في الآفات كلّ غريبة* * *فجاء كما يهوى الغريب المصنّف‏

* * *

و ليس عجيبا من تركّب جهلهم‏* * *فإن يحجبوا عن مثل ذاك و صرّفوا

* * *

إذا جاءنا بالسّخف من نزو عقله‏* * *إذا ما مثلناه أزهى و أسخف‏

* * *

فما جاءنا إلّا بأمر مناسب‏* * *أ ينهض عن كفّ الجبان المثقّف؟

* * *

و لكن عجيب الأمر علمي و غفلتي‏* * *فديتكم أيّ المحاسن أكشف‏

* * *

إلّا أنها الأقدار يظهر سرّها* * *إذا ما وفى المقدور فالرأي يخلف‏

* * *

أيا ربّ إن اللّب طاش بما جرى‏* * *به قلم الأقدار و القلب يرجف‏

* * *

و إنّا لندعوهم و نخشى و إنما* * *على رسمك الشّرعي من لك يعكف‏

* * *

أقول وفي أثناء ما أنا قائل‏* * *رأيت المنايا و هي لي تتخطّف‏

* * *

و إني مع السّاعات كيف تقلّبت‏* * *لأسهمها إن فوّقت متهدّف‏

* * *

و ما جرّ ذا التّسويف إلّا شيبتي‏* * *تخيّل لي طول المدى فأسوّف‏

* * *

إذا جاء يوم قلت هو الذي يلي‏* * *و وقتك في الدنيا جليس مخفّف‏

* * *

أقدّم رجلا عند تأخير أختها* * *إذا لاح شمس فالنّفس تكسف‏

* * *

كأنّي لداني المراقد منهم‏* * *و لم أودعهم و الخضّ ريّان ينسف‏

* * *

وهبني أعيش هل إذا شاب مفرقي‏* * *و ولّى شبابي هل يباح التّشوّف؟

* * *

و كيف و يستدعي الطريق رياضة* * *و تلك على عصر الشّباب توظّف‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «يف».

(2) في الأصل: «و أنصف».

(3) في الأصل: «و صرف».

90

متى يقبل التّقويم غير عطوفة* * *و بي بعده حسّان‏ فالنّار تنسف؟

* * *

و لو لم يكن إلّا ظهورة سرّه‏* * *إذا ما دنا التّدليس هان التنطّف‏

* * *

أمولى الأسارى أنت أولى بعذرهم‏* * *و أنت على المملوك أحقّ و أعطف‏

* * *

قذفنا بلجّ البحر و القيد آخذ* * *بأرجلنا و الرّيح بالموج تعصف‏

* * *

و في الكون من سرّ الوجود عجائب‏* * *أطلّ عليها العارفون و أشرفوا

* * *

و كعت عليهم نكثة فتأخّروا* * *وددت بأن القوم بالكل أسعف‏

* * *

فليس لنا إلّا أن نحطّ رقابنا* * *بأبواب الاستسلام و اللّه يلطف‏

* * *

فهذا سبيل ليس للعبد غيرها* * *و إلّا فماذا يستطيع المكلّف‏

* * *

و قال: و ضمنها محاورة بينه و بين نفسه، و قيّدتها عنه زوال يوم الثلاثاء التاسع و العشرين لمحرم خمس و خمسين و سبعمائة، برابطة العقاب‏، متعبد الشيخ ولي اللّه أبي إسحاق الإلبيري، (رحمه اللّه)، فمنها: [الكامل‏]

يأبى شجون حديثي الإفصاح‏* * *إذ لا تقوم بشرحه الألواح‏

* * *

قالت صفية إذ مررت‏ بها* * *أفلا تنزّل ساعة ترتاح؟

* * *

فأجبتها لو لا الرقيب لكان لي‏* * *ما تبتغي بعد الغدوّ رواح‏

* * *

قالت: و هل في الحيّ حيّ غيرنا؟* * *فاسمح فديتك فالسماح رياح‏

* * *

فأجبتها: إنّ الرقيب هو الذي‏* * *بيديه منّا هذه الأرواح‏

* * *

و هو الشهيد على موارد عبده‏* * *سيّان ما الإخفاء و الإفصاح‏

* * *

قالت و أين يكون جود اللّه إذ* * *يخشى‏ و منه هذه الأفراح‏

* * *

فافرح بإذن‏ اللّه جلّ جلاله‏* * *و اشطح فنشوان الهوى شطّاح‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «بعد حسّا» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «و أشرف».

(3) هي رابطة العقاب أو رباط العقاب، كانت تخصص للعبادة، و كانت على مقربة من مدينة غرناطة. الإحاطة (ج 2 ص 155) حاشية رقم 4 من تعليق الأستاذ محمد عبد اللّه عنان.

(4) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 128- 129).

(5) في الكتيبة: «... صفية عند ما مرّت بها إبلي أتنزل ...».

(6) في الكتيبة: «في».

(7) في الكتيبة: «الرقيب هوالك».

(8) في الكتيبة: «و الإيضاح».

(9) في الأصل: «وجود» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(10) في الأصل: «تخشى» و التصويب من الكتيبة.

(11) في الكتيبة: «فافرح على اسم اللّه».

91

و انهج‏ على ذمم الرجال و لا تخف‏* * *فالحكم‏ رحب و النّوال مباح‏

* * *

و انزل على حكم السّرور و لا تبل‏* * *فالوقت صاف ما عليك جناح‏

* * *

و اخلع عذارك في الخلاعة يا أخي‏* * *باسم الذي دارت به الأقداح‏

* * *

و انظر إلى هذا النهار فسنّه‏* * *ضحكت و نور جبينه و ضّاح‏

* * *

أنواره ضحكت‏ و أترع كأسه‏* * *فقد استوى ريحانه و الرّاح‏

* * *

و انظر إلى الدنيا بنظرة رحمة* * *فجفاؤها بوفائها ينزاح‏

* * *

فأجبتها لو كنت تعلم‏ ما الذي‏* * *يبدو لتاركها و ما يلتاح‏

* * *

من كلّ معنى غامض من أجله‏* * *قد ساح قوم في الجبال و ناحوا

* * *

حتى لقد سكروا من الأمر الذي‏* * *هاموا به عند العيان فباحوا

* * *

لعذرتني و علمت أني طالب‏* * *ما الزهد في الدنيا له مفتاح‏

* * *

فاترك صفيّك قارعا باب الرضى‏* * *و اللّه جلّ جلاله الفتّاح‏

* * *

يا حيّ‏، حيّ على الفلاح و خلّني‏* * *فجماعتي حثّوا المطيّ و راحوا

* * *

و قيدت من خطه في جملة ما كتب إليّ ما نصه:

و مما نظمته بغرناطة، و بعضه ببرجة، و هو مما يعجبني، و أظنه كتبه لك، و هو غريب المنزع، و إنه لكما، قال‏: [الكامل‏]

خذها على رغم الفقيه سلافة* * *تجلى بها الأقمار في شمس الضّحى‏

* * *

أبدى أطباء القلوب لأهلها* * *منها شرابا للنفس مبرّحا

* * *

و إذا المرائي‏ قال في نشوانها* * *قل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا

* * *

ياقوتة دارت على أربابها* * *فاهتزّت الأقدام منها و اللّحا

* * *

مزجت فغار الشيخ من تركيبها* * *فلذاك جرّدها و صاح و سرّحا

* * *

فبدت‏ فغار الشيخ من إظهارها* * *فاشتدّ يبتدر الحجاب ملوّحا

* * *

____________

(1) في الكتيبة: «و ارهج».

(2) في الكتيبة: «فالحلم».

(3) في الكتيبة: «نفحت».

(4) في الكتيبة: «كنت عالمة الذي».

(5) في الأصل: «و تاح» و التصويب من الكتيبة.

(6) في الأصل: «و ساح» و التصويب من الكتيبة.

(7) في الكتيبة: «يا أخت».

(8) في الأصل: «و راح» و التصويب من الكتيبة.

(9) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 129- 130).

(10) في الكتيبة: «مفرّحا».

(11) في الأصل: «و إذا امرؤ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(12) في الكتيبة: «يا قهوة».

(13) في الكتيبة: «و صرّحا».

(14) في الكتيبة: «و بدت».

92

لا تعترض أبدا على مسترفد* * *قد غار من أسرارها أن يفضحا

* * *

و كذاك لا تعتب على مستهتر* * *لم يدر ما الإيضاح لمّا أوضحا

* * *

سكران يعثر في ذيول لسانه‏* * *كفرا و يحسب أنه قد سبّحا

* * *

كتم الهوى حريّة بعض و بع* * *ض ضاق ذرعا بالغرام فبرّحا

* * *

لا تخشينّ‏ على العدالة هاتفا* * *ثغر ارتياح العاشقين فجرّحا

* * *

الحبّ خمر العارفين قد ضفت‏* * *حتما على من ذاقها أن يشطحا

* * *

فاشطح على هذا الوجود و أهله‏* * *عجبا فليس براجح من رجّحا

* * *

كبّر عليهم إنهم موتى على‏* * *غير الشّهادة ما أغرّ و أقبحا

* * *

و اهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهم‏* * *أهج‏ فقل حتى ألاقي مفلحا

* * *

و إذا أريبهم‏ استخفّ فقل له‏* * *بالله يا يحيى بن يحيى دع جحا

* * *

أبني سليم قد نجا مجنونكم‏* * *مجنون ليلى العارفين‏ به قد محا

* * *

هل يستوي من لم يبح بحبيبه‏* * *مع من بذكر حبيبه قد أفصحا

* * *

فافرح و طب و ابهج‏ و قل ما شئته‏* * *ما أملح الفقراء يا ما أملحا

* * *

و من مقطوعاته التي هي آيات العجائب، و طرر حلل البدائع في شتى الأغراض و المقاصد، قوله يعتذر لبعض الطلبة، و قد استدبره ببعض حلق العلم بسبتة: [السريع‏]

إن كنت أبصرتك لا أبصرت‏* * *بصيرتي في الحقّ برهانها

* * *

لا غرو أني لم أشاهدكم‏* * *فالعين لا تبصر إنسانها

* * *

____________

(1) في الكتيبة: «مستهتر».

(2) في الكتيبة: «تفضحا».

(3) في الأصل: «كم الهوى حرب ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(4) في الكتيبة: «لا تحسبنّ».

(5) في الكتيبة: «نقد».

(6) في الكتيبة: «مبرّحا».

(7) في الكتيبة: «خمر العاشقين و قد قضت».

(8) في الكتيبة: «أفلح».

(9) في الكتيبة: «و إذا رزينهم استخفّك ...».

(10) في الكتيبة: «العامرية».

(11) في الكتيبة: «صرحا».

(12) في الكتيبة: «و ارهج».

(13) في الأصل: «شئت» و التصويب من الكتيبة.

(14) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 131) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 206) و نفح الطيب (ج 8 ص 26).

(15) إنسان العين: بؤبؤها. لسان العرب (أنس).

93

و منها قوله في غرض التورية، و هو بديع في معناه‏: [الطويل‏]

يلومونني بعد العذار على الهوى‏* * *و مثلي في وجدي‏ له لا يفنّد

* * *

يقولون‏ أمسك عنه قد ذهب الصّبا* * *و كيف يرى‏ الإمساك و الخيط أسود؟

* * *

و منها قوله في المجبّنات، و هو من الغريب البديع‏: [الطويل‏]

و مصفرّة الخدّين مطويّة الحشا* * *على‏ الجبن و المصفرّ يؤذن بالخوف‏

* * *

لها هيئة كالشمس عند طلوعها* * *و لكنها في الحين تغرب في الجوف‏

* * *

و منها قوله في النّصح، و لها حكاية تقتضي ذلك: [الكامل‏]

لا تبذلنّ نصيحة إلّا لمن‏* * *تلقى لبذل النّصح منه قبولا

* * *

فالنصح إن وجد القبول فضيلة* * *و يكون إن عدم القبول فضولا

* * *

و منها في الحكم‏: [الخفيف‏]

ما رأيت الهموم تدخل إلّا* * *من دروب العيون و الآذان‏

* * *

غضّ طرفا و سدّ سمعا و مهما* * *تلق همّا فلا تثق بضمان‏

* * *

و منها قوله، و هو من المعاني المبتكرات‏: [الكامل‏]

حزنت عليك العين يا مغنى الهوى‏* * *فالدمع منها بعد بعدك ما رقا

* * *

____________

(1) البيتان في الكتيبة (ص 131) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 206) و نفح الطيب (ج 8 ص 23).

(2) في الكتيبة و تاريخ قضاة الأندلس: «حبّي».

(3) يفنّد: يتّهم بالكذب. لسان العرب (فند).

(4) في الأصل: «يقولون لي أمسك ...». و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(5) في المصادر: «أرى».

(6) في البيت تورية؛ فالإمساك يطلق على الصوم، و أراد هنا الكفّ عن الحب. و الخيط الأسود يطلق على الليل، و أراد العذار، و في التنزيل الكريم: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. سورة البقرة 2، الآية 187.

(7) البيتان في الكتيبة (ص 131)، و تاريخ قضاة الأندلس (ص 205)، و نفح الطيب (ج 8 ص 23).

(8) في الكتيبة: «عن».

(9) في الكتيبة و تاريخ قضاة الأندلس و نفح الطيب: «بهجة».

(10) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 132).

(11) في الكتيبة: «... سمعا و إن أحسست همّا ...».

(12) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 132- 133) و نفح الطيب (ج 8 ص 27).

(13) أصل القول: «رقأ»، و قد أسقط الهمزة للضرورة الشعرية؛ يقال: رفأ الدمع إذا جفّ. لسان العرب (رفأ).

94

و لذاك قد صبغت‏ بلون أزرق‏* * *أو ما ترى ثوب المآتم أزرقا؟

* * *

و منها قوله في المعاني الغربية. قال: و مما نظمته في عام أربعة و أربعين في التفكر في المعاني، مغلق العينين: [السريع‏]

أبحث فيما أنا حصّلته‏* * *عند انغماض العين في جفنها

* * *

أحسبني كالشاة مجترّة* * *تمضغ ما يخرج من بطنها

* * *

و قال: و مما نظمته بين أندرش و برجة عام أربعة و أربعين، و أنا راكب مسافر، و هو مما يعجبني، إذ ليس كل ما يصدر عني يعجبني. قلت و يحقّ أن يعجبه‏:

[الطويل‏]

تطالبني نفسي بما ليس لي به‏* * *يدان‏ فأعطيها الأمان‏ فتقبل‏

* * *

عجبت لخصم لجّ في طلباته‏* * *يصالح عنها بالمحال فيفصل‏

* * *

[قال: و مما نظمته في السنّة المذكورة من ذمّ النساء]: [الخفيف‏]

ما رأيت النّساء يصلحن إلّا* * *للذي يصلح الكنيف لأجله‏

* * *

فعلى هذه الشريطة صالح* * *هنّ لا تعد بامرئ عن محلّه‏

* * *

قال: و مما نظمته في السنّة المذكورة: [الخفيف‏]

قد هجرت‏ النساء دهرا فلم أب* * *لغ أذاني‏ صفاتهنّ الذميمه‏

* * *

ما عسى أن يقال في هجو من قد* * *خصّه المصطفى بأقبح شيمه‏

* * *

أو يبقى لناقص‏ العقل و الدّي* * *ن إذا عدّت المثالب قيمه؟

* * *

و قال: و ما نظمته في تاريخ لا أذكره الآن، هذان البيتان، و لم أر معناهما لمن مضى. و لو رحل رجل إلى خراسان، و لم يأت إلّا بهما، كان ممن لم يخفق‏

____________

(1) في الكتيبة: «ما».

(2) في النفح: «ظهرت».

(3) أندرش و برجة كانتا في عهد ابن الخطيب تابعتين لمقاطعة ألمرية.

(4) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 133) و نفح الطيب (ج 8 ص 26).

(5) ليس لي به يدان: ليس لي عليه قدرة.

(6) في الكتيبة: «و أعطيها الأماني».

(7) في الكتيبة: «عنه».

(8) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 133).

(9) في الأصل: «من أجله» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب في الكتيبة الكامنة.

(10) في الكتيبة: «فأصحبهنّ».

(11) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 133).

(12) في الكتيبة: «قد هجوت».

(13) في الأصل: «آذاني» و هكذا ينكسر الوزن. و في الكتيبة الكامنة: «أداني» بدال غير معجمة.

(14) في الأصل: «لنا قصر» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

95

مسعاه، و لا أجدب مرعاه، ينفتح بهما للقلب باب من الراحة فسيح، إذا أجهده ما يكابد من المضاضة، و نقض العهود، و اختلاف الوعود. و هذه المحنة من شرّ ما ابتلي به بنو آدم، شنشنة نعرفها من أمرهم. و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي‏:

[الطويل‏]

رعى اللّه إخوان الخيانة إنهم‏* * *كفونا مؤونات البقاء على العهد

* * *

فلو قد وفوا كنّا أسارى حقوقهم‏* * *نراوح ما بين النّسيئة و النقد

* * *

و قال يداعبني، و على سبيل الكناية يخاطبني: و لقد لقيت رجلا ببلاد الهند يعرف بأبي البركات ابن الحاج، و كان برد في بستان كان له، فقلت أهجوه عام أربعة و أربعين و سبعمائة: [الكامل‏]

قالوا أبو البركات جمّ‏ ماؤه‏* * *فغدا أبو البركات لا البركات‏

* * *

قلنا لأن يكنى بموجوداته‏* * *أولى من أن يكنى بمعدومات‏

* * *

و مما نظمته عام خمسة و أربعين و سبعمائة: [السريع‏]

قد كنت معذورا بعلمي و ما* * *أبثّ من وعظي بين البشر

* * *

من حيث قد أمّلت إصلاحهم‏* * *بالوعظ و العلم فخان النّطر

* * *

فلم أجد أوعظ للناس من‏* * *أصوات وعّاظ جلود البقر

* * *

و مما نظمته بمرسى تلهى، من بلد هنين‏، عام ثلاثة و خمسين، و قد أصابني هوس في البحر و خاطبت به بعض الأصحاب: [الكامل‏]

رأسي به هوس جديد لا الذي‏* * *تدريه من هوس قديم فيه‏

* * *

قد حلّ ما أبديه من هذا كما* * *قد حلّ من ذاك الذي أخفيه‏

* * *

____________

(1) البيتان في تاريخ قضاة الأندلس (ص 205) و نفح الطيب (ج 8 ص 26).

(2) في الأصل: «البقا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين السابقين.

(3) في تاريخ قضاة الأندلس: «و لو قرّبوا كنّا ...».

(4) في النفح: «كانوا».

(5) كلمة «ما» ساقطة في الأصل، و هكذا ينكسر الوزن، و قد أضفناها من المصدرين السابقين.

(6) جمّ ماؤه: كثر و اجتمع. محيط المحيط (جمم).

(7) في الأصل: «لا أبا البركات» و هكذا ينكسر الوزن.

(8) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 133- 134).

(9) في الكتيبة: «... مغرورا بوعظي و ما ... علمي بين ...».

(10) هونين: بلد في جبال عاملة في جنوب لبنان. معجم البلدان (ج 5 ص 420).

96

و من الملح قوله: قال: و بتّ بحمام الخندق من داخل ألمرية ليلة الجمعة الثامن من شهر محرم عام اثنين و ثلاثين منفردا، فطفى‏ء المصباح، و بقيت مفكرا، فخطر ببالي ما يقول الناس من تخيّل الجنّ في الأرحاء و الحمامات، و عدم إقدام كافة الناس إلّا ما شذّ عند دخولها منفردين بالليل، لا سيما في الظلام، و استشعرت قوة في نفسي عند ذلك، أعراض و أوهام، فقلت مرتجلا، رافعا بذلك صوتي: [الكامل‏]

زعم الذين عقولهم قدرها* * *إن عرّضت للبيع غير ثمين‏

* * *

أن الرّحا معمورة بالجن و ال* * *حمّام عندهم كذا بيقين‏

* * *

إن كان ما قالوه حقا فاحضروا* * *للحرب هذا اليوم من صفّين‏

* * *

فلئن حضرتم فاعلموا بحقيقة* * *بأني مصارع قيس المجنون‏

* * *

قال: و دخلت رياضا يوما، فوجدت كساء منشورا للشمس لم أعرفه من حوائجي، و لا من حوائج حارسة البستان، فسألتها فقالت: هو لجارتي، فقلت:

[الكامل‏]

من منصفي من جارتي جارت على‏* * *مالي كأني كنت من أعدائها

* * *

عمدت إلى الشمس التي انتشرت على‏* * *أرضي و أمّت فيه بئس كسائها

* * *

لو لا غيوم يوم تيبس الكسا* * *سرّت لحجب السّحب جلّ ضيائها

* * *

لقضيت منهم الخسار لأنني‏* * *أصبحت مزورا على بخلائها

* * *

قلت: و صرت إلى مغنى بحمّة بجّانة، و سار معي كلب كان يحرس رياضي اسمه قطمير، و هو، فيما يذكر، كلب أهل الكهف، في بعض الأقوال، فتبعني من ألمريّة إلى الحمّة، ثم من الحمّة إلى ألمرية، فقلت: [المتقارب‏]

رحلت و قطمير كلبي رفيقي‏* * *يونس قلبي بطول الطريق‏

* * *

فلمّا أنخت أناخ حذائي‏* * *يلاحظني لحظ خلّ شفيق‏

* * *

و يرعى أذمّة رفقي كما* * *يتغنّى الصديق الصدوق‏

* * *

على حين قومي بني آدم‏* * *بلؤمهم لم يوفوا حقوقي‏

* * *

و لا فرق بين الأباعد منهم‏* * *و بين أخ مستحب شفيق‏

* * *

أو ابن متى تلقاه تلقه‏* * *هويّ اشتياق بقلب خفوق‏

* * *

____________

(1) بجانة: بالإسبانيةPechina ، و هي مدينة بالأندلس، و حمّة بجانة عجيبة الشأن، تقع في جبل شامخ يبعد عن بجانة ثلاثة أميال. الروض المعطار (ص 79).

97

فما منهم من وليّ حميم‏* * *و لا ذي إخاء صحيح حقيق‏

* * *

و ناهيك ممن يفضّل كلبا* * *عليهم فيا ويلهم من رفيق‏

* * *

ألا من يرقّ لشيخ غريب‏* * *أبي البركات الفتى البلفيق‏

* * *

و قال: و ممّا نظمته بتاريخ لا أذكره هذين البيتين‏: [الطويل‏]

و إنّي لخير من زماني و أهله‏* * *على أنني للشّرّ أوّل سائق‏

* * *

لحى اللّه دهرا قد تقدّمت أهله‏* * *فتلك لعمر اللّه إحدى البوائق‏

* * *

و من النزعات الشاذة الأغراض: [البسيط]

لا بارك اللّه في الزّهاد إنهم‏* * *لم يتركوا عرض الدنيا لفضلهم‏

* * *

بل أثقلتهم تكاليف الحياة فلم‏* * *يصايروها فملّوا ثقل حملهم‏

* * *

و عظّم الناس منهم تركها فغدوا* * *من غبطة التّرك في حرص لأجلهم‏

* * *

نعم أسلّم أن القوم إذ زهدوا* * *زادا و أعلى الناس طرّا فضل تركهم‏

* * *

من حيث قد أحرزوا التّرجيح دونهم‏* * *لا شي‏ء أبين من ترجيح فضلهم‏

* * *

فالمال و الجود و الراحات غاية ما* * *يحكي لنا الزهد في ذاعن أجلّهم‏

* * *

و الزاهدون براحات القلوب مع ال* * *أبدان سرّوا و عزّوا بعد ذلّهم‏

* * *

فكل ما فرّقوا قد حصّلوا غرضا* * *منه و زادوا ثناء الناس كلّهم‏

* * *

قال: و مما نظمته عام أربعين في ذم الخمر من جهة الدنيا، لا من جهة الدين، إذ ليس بغريب: [الطويل‏]

لقد ذمّ بعض الخمر قوم لأنها* * *تكرّ على دين الفتى بفساد

* * *

و قد سلّموا قول الذي قال إنها* * *تحلّ من الدنيا بأعظم ناد

* * *

و تذهب بالمال العظيم فلن ترى‏* * *لمدمنها من طارف و تلاد

* * *

فيمسي كريما سيّدا ثم يغتدي‏* * *سفيها حليف الغيّ بعد رشاد

* * *

و قالوا: تسلّى و هو عارية لها* * *و إلّا فلم يأتوا لذاك بشاد

* * *

و صلّ‏ و نور و حسناء طفلة* * *و مرأى به للطّريف سير جواد

* * *

____________

(1) البيتان في تاريخ قضاة الأندلس (ص 206).

(2) في الأصل: «و أين الخير» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من تاريخ قضاة الأندلس.

(3) في الأصل: «سابق»: و التصويب من تاريخ قضاة الأندلس.

(4) أصل القول: «وصلة» و هكذا ينكسر الوزن.

98

و هلّا يداوى من مرارتها التي‏* * *أواخرها مقرونة بمهاد؟

* * *

و لو أشرب الإنسان مهلا بهذه‏* * *لأصبح مسرورا بأطيب زاد

* * *

و من حسن حال الشّاربين يقيّؤ* * *نها بالرغم من برق وساد

* * *

و من حسن ذا المحروم أنّ مدامه‏* * *إذا غلبت تكسوه ثوب رقاد

* * *

فيختلف النّدمان طرّا لروحه‏* * *و يحدوهم نحو المروءة حادي‏

* * *

و من حسنه بين الورى ضرب ظهره‏* * *فيمسي بلا حرب رهين جلاد

* * *

مجانين في الأوهام قد ضلّ سعيهم‏* * *يخففون بيعا بحسن غواد

* * *

و من نظمه في الإنحاء على نفسه، و استبعاد وجوه المطالب في جنسه، ممّا نظمته يوم عرفة عام خمسين‏ و أنا منزو في غار ببعض جبال ألمرية:

[الخفيف‏]

زعموا أنّ في الجبال رجالا* * *صالحينا قالوا من الأبدال‏

* * *

و ادّعوا أنّ كلّ من ساح فيها* * *فسيلقاهم على كلّ حال‏

* * *

فاخترقنا تلك الجبال مرارا* * *بنعال طورا و دون نعال‏

* * *

ما رأينا فيها سويّ‏ الأفاعي‏* * *و شبا عقرب كمثل النبال‏

* * *

و سباعا يجرون‏ بالليل عدوا* * *لا تسلني عنهم بتلك الليالي‏

* * *

و لو أنّا لدى العدوة الأخ* * *رى رأينا نواجذ الرّئبال‏

* * *

و إذا أظلم الدّجى جاء إبلي* * *س إلينا يزور طيف الخيال‏

* * *

____________

(1) أصل القول: «و هل» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) هكذا ورد عجز هذا البيت، و هو منكسر الوزن.

(3) يعني عام خمسين و سبعمائة كما في نفح الطيب (ج 8 ص 18).

(4) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 18).

(5) في الأصل: «قوما» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في الأصل و النفح: «صالحين» و هكذا ينكسر الوزن.

(7) في النفح: «خلاف».

(8) شبا العقرب: إبرتها التي تلدغ بها، واحدتها شباة. محيط المحيط (شبا).

(9) في الأصل: «يخترون» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «الفيال» و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «و لو كنّا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(12) الرئبال: الأسد، و نواجذه: أنيابه، واحدها ناجد. محيط المحيط (رأبل) و (نجذ).

(13) في النفح: «خيال».

99

هو كان الأنيس فيها و لولا* * *ه أصيبت عقولنا بالخبال‏

* * *

خلّ عنك المحال يا من تعنّى‏* * *ليس يلقى‏ الرّجال غير الرجال‏

* * *

قال: و من المنازع الغريبة ذمّ الأصحاب و مدح الأعداء، فمن ذلك قولي:

[المتقارب‏]

جزى اللّه بالخير أعداءنا* * *فموردهم أنسى المصدر

* * *

هم حملونا على العرف كرها* * *و هم صرفونا عن المنكر

* * *

و هم أقعدونا بمجلس حكم‏* * *و هم بوّؤونا ذرى المنبر

* * *

و هم صيّرونا أئمة علم‏* * *و دين و حسبك من مفخر

* * *

عدوّي بأول فدي مأثم‏* * *و إن جئت بالإثم لم يعذر

* * *

و أنت ترى تمحيص من يعد* * *ل بين المسي‏ء و بين البري‏

* * *

و لا زوّد اللّه أصحابنا* * *بزاد تقيّ و لا خيّر

* * *

هم جرّؤونا على كل إثم‏* * *و ما كنت لولاهم بالمخبر

* * *

و عدّوا من اكبار آثامنا* * *فكانوا أضرّ من الفاتر

* * *

أعارني القوم ثوب التّقى‏* * *و إني مما أعاروني بري‏

* * *

إذا خدعوني و لم ينصحوا* * *و إني بالنّصح منهم حري‏

* * *

فمن كان يكذب حال الرّضى‏* * *يصدق في غضب يفتري‏

* * *

بلى سوف تلقى لدى الحالتين‏* * *يحكم النّفس هوى الفري‏

* * *

فياربّ أبق علينا عقولنا* * *نبيع بها و بها نشتري‏

* * *

قال: و ما رأيت هذا المعنى قط لأحد، ثم رأيت بعد ذلك لبعضهم ما معناه:

[الطويل‏]

عداتي لهم فضل عليّ و منّة* * *فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا

* * *

هم بحثوا عن زلّتي فاجتنبتها* * *و هم نافسوني فاكتسبت المعاليا

* * *

فوقع حافري على ساق هذا. قال: و مما نظمته، متخيّلا أني سابق معناه:

[الوافر]

خلسنا ليلة من كفّ دهر* * *ضنين بالليالي الطيّبات‏

* * *

____________

(1) الخبال: الجنون. لسان العرب (خبل).

(2) في الأصل: «تلقى» و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «البر». و البري: أصلها: البري‏ء، و قد حذفت الهمزة للضرورة الشعرية.

100

سلكنا للهوى و العقل فيها* * *مسالك قد جلين على الشّتات‏

* * *

قضينا بعض حقّ النفس فيها* * *و حقّ اللّه مرعيّ الثّبات‏

* * *

فلم نر قبله في الدهر وقتا* * *بدت حسناته في السيّئات‏

* * *

ثم رأيت بعد ذلك على هذا: [مخلع البسيط]

لا و ليال على المصلّى‏* * *تسرق في نسكها الذنوب‏

* * *

فوقعت ساقي على حافر هذا المحروم، إلا أني جرّدت ذلك في المعنى، و أوضحته، و جلوته على كرسي التّقعيد و التّنجيد، فلو لا التاريخ لعاد سارق البرق.

نثره: و أمّا نثره، فنمط مرتفع عن معتاد عصره، استنفارا و بلاغة، و استرسالا و حلاوة، قلّما يعرّج على السّجع، أو يأمر على التّكليف، و هو كثير بحيث لا يتعيّن عيونه، و لكن نلمع منه نبذة، و نجلب منه يسيرا. كتب إليّ عند إيابي من الرّسالة إلى ملك المغرب، متمثّلا ببيتين لمن قبله، صدّر بهما: [السريع‏]

أيتها النفس إليه اذهبي‏* * *فحبّه المشهور من مذهبي‏

* * *

أيأسني‏ التّوبة من حبّه‏* * *طلوعه شمسا من المغرب‏

* * *

بل محلّك أمثل من التمثيل بالشمس، فلو كان طلوعك على هذه الأقطار شمسا، لأصبح جلّها لك عبّاد. و لو كان نزولك مطرا لتكيّفت الصّخور ترابا دمثا.

و لو لا معرفتنا معشر إخوان الصّفا، بإقرار أنفسنا، لحكمنا بأن قلوبنا تمائم لأصدقائنا، و لكن سبقت عيون السعادة بالكلّات، فلو تصادف بالرضى محلّا؛ لأنّ تحصيل الحاصل محال، لا زلت محروسا، بعين الذي لا تأخذه سنة و لا نوم مكنوفة ببركة الذي يرومه رائم، و السلام.

و كتب إليّ عند ما تقلّدت من رئاسة الإنشاء ما تقلدت: تخصكم يا محلّ الابن الأرضى ولادة، و الأخ الصادق إخلاصا و ودّا، خصّكم اللّه من السعادة بأعلاها مرقى، و أفضلها عقبى، و أحمدها غنى، و أكرمها مسعى، تحيّة اللّهفان إلى أيام لقائك، المسلى عنها بتأميل العود إليها، المزجى أوقاته بترداد الفكر فيها، محمد بن الحاج، أبقاه اللّه، عن شوق، و الذي لا إله إلّا هو، لم أجد قط مثله إلى وليّ حميم. و اللّه على ما نقول وكيل، معرّفا أنني بعلاقمه، و تصليني عن كسره مجامعه، لما اعتنى به‏

____________

(1) البيتان لابن خروف الشاعر، و قيل لغيره، و هما في نفح الطيب (ج 8 ص 26).

(2) في الأصل: «يا أيتها» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «إيأسي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

101

من توقّلكم بالرّتبة التي ما زال أحبّاؤكم بها ممطولي برّه، على أنك لم تزد بذلك رتبة على ما كنت باعتبار الأهليّة، و المكانة العليّة، إلّا عند الأطفال و الأغفال، و المحلّقين من النساء و الرجال، لكن أفزعتنا هذه المخاطبة المحظيّة في قالب الجمهور، و لم نسر فيها، على الأصح، لكن على الجمهور، و لو كانت مصارف الوجود بيدي، لوافتك من الوجود منازل أسمائه منازل، و أوطأتك أفلاكه مراكب، و أوردتك كوثره مشربا، و أحللتك أرفعه معقلا، و أقبستك بدره مصباحا، و أهدتك أسراره تحفا. و قد تبلغ المقاصد مبالغ لا تنتهي أقاصيها الأعمال، فنحن و ما نضمره لتلك الجملة الجليلة الفاضلة، مما اللّه رقيب عليه، و محيط بدقائقه. و لو كانت لهذا العبد الغافل، المأسور في قيد نفسه، المحزون على انتهاب الأيام، رأس عمره في غير شي‏ء، دعوة يساعدها الوجد حتى يغلب على ظنّه أن العليم بذات الصدور، ولّاها من قبوله بارقة لخصّك بها، و اللّه شهيد على ما تكنّه الأفئدة، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

و الفضل جمّ، و المحاسن عديدة، فلنقصر اضطرارا، و لنكفّ امتثالا للرسم، و انقيادا، أمتع اللّه به.

محمد بن عبد اللّه بن منظور القيسي‏

من أهل مالقة، يكنى أبا بكر.

أوّليّته: أصله‏ من إشبيلية، من البيت المشهور بالتّعيين و التقدّم، و الأصالة، تشهد بذلك جملة أوضاع، منها «الرّوض المحظور في أوصاف بني منظور»، و غيره.

حاله: من كتاب «عائد الصلة». كان‏ جمّ التواضع و التخلّق، كثير البرّ، مفرط الهشّة، مبذول‏ البشر، عظيم المشاركة، سريع اللسان إلى الثّناء، مسترسلا في باب الإطراء، دربا على الحكم، كثير الحنكة، قديم العالة، بصيرا بالشّروط، ولّي القضاء بجهات كثيرة، و تقدم بمالقة، بلده فشكرت‏ سيرته، و حمدت مدارته. و كان سريع‏

____________

(1) ترجمة ابن منظور في الكتيبة الكامنة (ص 119) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 37) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 192). و جاء في المصدر الأخير أنه «أبو بكر محمد بن عبيد اللّه بن محمد بن يوسف بن يحيى بن عبيد اللّه بن منظور ...».

(2) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 192).

(3) في تاريخ قضاة الأندلس: «المنظور».

(4) النص في تاريخ قضاة الأندلس (ص 192).

(5) في تاريخ قضاة الأندلس: «مبدول» بالدال المهملة.

(6) في المصدر نفسه: «فحمدت سيرته، و شكرت طريقته ...».

102

العبرة، كثير الخشية، حسن الاعتقاد، معروف الإيثار و الصّدقة، شائع الإقراء لمن ألمّ بصقعه، و اجتاز على محلّ ولايته، جاريا على سنن سلفه، ينظم و ينثر، فلا يقصر.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي، و لازمه و انتفع به، و سمع على غيره من الأعلام، كالخطيب الولي أبي عبد اللّه الطّنجالي، و العدل الراوية المسنّ أبي عبد اللّه بن الأديب، و المسن أبي الحكم مالك بن المرحّل، و على الشيخ الصوفي أبي عبد اللّه محمد بن أحمد الأقشري الفاسي، و لبس عنه خرقة التّصوف، و على الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد، و عن الشيخ القاضي أبي المجد بن الأحوص، و على ابن مجاهد الرّندي، المعروف بالسّمّار، و الخطيب أبي العباس بن خميس بالجزيرة الخضراء، و على الخطيب الزاهد أبي عبد اللّه السلّال. و كتب إليه بالإجازة، أبو عبد اللّه بن الزبير، و الفقيه أبو الحسن بن عقيل الرّندي، و الوزير المعمّر أبو عمر الطّنجي، و أبو الحكم بن منظور، ابن عم أبيه، و الأستاذ أبو عبد اللّه بن الكماد. نقلت ذلك من خطه.

تواليفه: أخبرني‏ أنه ألّف «نفحات المسوك‏، و عيون التّبر المسبوك في أشعار الخلفاء و الوزراء و الملوك». و كتاب «السّحب‏ الواكفة و الظلال الوارفة، في الردّ على ما تضمّنه المضنون‏ به على غير أهله من اعتقاد الفلاسفة». و كتاب الصّيّب الهتّان، الواكف بغايات الإحسان، و المشتمل على أدعية مستخرجة من الأحاديث الصحيحة النبوية و سور القرآن». و كتاب «البرهان و الدليل في خواص سور التّنزيل، و ما في قراءتها في النوم من بديع التأويل‏». و كتاب يشتمل على أربعين حديثا في الرقائق، موصولة الأسانيد. و كتاب «تحفة الأبرار في مسألة النبوة و الرسالة، و ما اشتملت عليه من الأسرار». و كتاب «الفعل المبرور، و السّعي المشكور، فيما وصل إليه، أو تحصل لديه من نوازل القاضي أبي عمر بن منظور».

شعره: و من شعره قوله‏: [البسيط]

ما للعطاس و لا للفأل من أثر* * *فثق فديتك‏ بالرحمن و اصطبر

* * *

____________

(1) النص أيضا في تاريخ قضاة الأندلس (ص 192)، و لكن باختصار.

(2) في المصدر نفسه: «أبو عمرو».

(3) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 192).

(4) في تاريخ قضاة الأندلس: «النسوك».

(5) في المصدر نفسه: «السجم».

(6) في المصدر نفسه: «المظنون به من اعتقادات الفلاسفة».

(7) و قوله: «و ما في قراءتها ... التأويل» ساقط في تاريخ قضاة الأندلس.

(8) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 119) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 192).

(9) في تاريخ قضاة الأندلس: «بدينك».