الإحاطة في أخبار غرناطة - ج2

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
424 /
103

و سلّم الأمر فالأحكام ماضية* * *تجري على السّنن‏ المربوط بالقدر

* * *

محمد بن علي بن الخضر بن هارون الغساني‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن عسكر.

حاله: من كتاب «الذّيل و التكملة»: كان مقرئا مجوّدا، نحويا، متوقّد الذهن، متفنّنا في جملة معارف، ذا حظّ صالح من رواية الحديث، تاريخيا، حافظا، فهيما؛ مشاورا، دؤوبا في الفتوى، متينا في‏ الدّين، تامّ المروءة، سنيّا فاضلا، معظّما عند الخاصة و العامة، حسن الخلق، جميل العشرة، رحيب‏ الصّدر، مسارعا إلى قضاء الحوايج‏، شديد الإجمال‏، محسنا إلى من أساء إليه، نفّاعا بجاهه، سمحا بذات يده، متقدّما في عقد الوثائق، بصيرا بمعانيها، سريع البديهة في النظم و النثر، مع البلاغة و الإحسان في الفنّين.

ولّي قضاء مالقة نائبا عن القاضي‏ أبي عبد اللّه بن الحسن مدة، ثم ولي‏ مستبدّا بتقديم الأمير أبي عبد اللّه بن نصر، يوم السبت لليلتين بقيتا من رمضان عام‏ خمسة و ثلاثين‏. و أشفق‏ من ذلك و امتنع منه و خاطبه مستعفيا، و ذكر أنه لا يصلح للقيام بما قلّده من تلك الخطّة تورّعا منه، فلم يسعفه.

____________

(1) في الأصل: «السّنّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(2) ترجمة ابن عسكر في التكملة (ج 2 ص 139) و الذيل و التكملة (السفر السادس ص 449) و بغية الوعاة (ص 76) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 158) و اختصار القدح المعلى (ص 130) و المغرب (ج 1 ص 431) و نفح الطيب (ج 3 ص 111) و (ج 4 ص 478) و (ج 6 ص 84).

(3) الذيل و التكملة (السفر السادس ص 450).

(4) في الأصل: «مغربا» و التصويب من الذيل و التكملة.

(5) في الذيل: «نحويا ماهرا».

(6) في الذيل: «فقيها».

(7) في الذيل: «دربا بالفتوى».

(8) في الذيل: «متين الدين».

(9) في الذيل: «رحب».

(10) في الذيل: «حوائج الناس».

(11) في الذيل: «الاحتمال».

(12) في الذيل: «سريع القلم و البديهة في إغشاء نظم الكلام و نثره».

(13) كلمة «القاضي» ساقطة في الذيل.

(14) في الذيل: «وليه».

(15) هو الغالب بالله أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن نصر، أول سلاطين بني نصر بغرناطة، و قد حكم من سنة 635 ه- إلى سنة 671 ه-. اللمحة البدرية (ص 42).

(16) كلمة «عام» ساقطة في الذيل.

(17) في الأصل: «خمس و ثلاثين» و هو خطأ نحوي. و في الذيل: «خمس و ثلاثين و ستمائة».

(18) في الذيل: «فأشفق».

104

فتقلّدها، و سار فيها أحسن سيرة، و أظهر الحقوق التي كان الباطل قد غمرها، و نفّذ الأحكام.

و كان ماضي العزيمة، مقداما، مهيبا، جزلا في قضائه، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و استمرّ على ذلك بقية عمره.

مشيخته: روى‏ عن أبي إسحاق الزّوالي، و أبي بكر بن‏ عتيق بن منزول‏، و أبي جعفر الجيان‏، و أبي حسن الشقوري، و أبي الحجاج بن الشيخ، و أبي الخطّاب بن واجب، و أبي زكريا الأصبهاني مقيم غرناطة.

من روى عنه: روى‏ عنه أبو بكر بن خميس ابن أخته، و أبو العون‏، و أبو عبد اللّه بن بكر الإلبيري‏. و حدّث عنه بالإجازة، أبو عبد اللّه الأبّار، و أبو القاسم بن عمران، و كتب بالإجازة للعراقيين من‏ أهل بغداد الذين استدعوها من أهل الأندلس، حسبما تقدم‏ في رسم أبي بكر بن هشام، و ضمنها نظما و نثرا اعترف له بالإجادة فيهما.

تصانيفه: صنّف‏ كتبا كثيرة، أجاد فيها و أفاد، منها «المشرع الرّوي في الزيادة على المروي‏». و منها «أربعون حديثا» التزم فيها موافقة اسم شيخه، اسم الصابي‏، و ما أراه سبق إلى ذلك، و هو شاهد بكثرة شيوخه، وسعة روايته. و منها «نزهة الناظر في مناقب عمّار بن ياسر». و منها «الخبر المختصر، في السّلوى‏ عن ذهاب البصر»، ألّفه لأبي محمد بن أبي الأحوص‏ الضرير الواعظ. و منها

____________

(1) النص في الذيل: (السفر السادس ص 449).

(2) كلمة «بن» غير واردة في الذيل.

(3) في الذيل: «قنترال».

(4) في الذيل: «الجيار».

(5) ما يزال النقل عن الذيل و التكملة (السفر السادس ص 449).

(6) في الذيل: «و ابن أبي العيون».

(7) في الذيل: «و أبو عبد اللّه بن أبي بكر البري».

(8) في الذيل: «ابن الأبار».

(9) كلمة «من» غير واردة في الذيل.

(10) في الذيل: «تقدم ذكره».

(11) ما يزال النقل مستمرا عن الذيل (ج 6 ص 450).

(12) في الذيل: «على غريبي الهروي».

(13) في الذيل: «الصحابي».

(14) في الذيل: «الجزء».

(15) في الذيل و التكملة و تاريخ قضاة الأندلس: «السّلوّ».

(16) في الذيل: «خرص».

105

«رسالة في ادّخار الصبر، و افتخار القصر و الفقر». و منها «الإكمال و الإتمام في صلة الإعلام بمجالس‏ الأعلام من أهل مالقة الكرام». و له اسم آخر، و هو «مطلع الأنوار و نزهة الأبصار، فيما احتوت عليه مالقة من الرؤساء و الأعلام و الأخيار، و تقيّد من المناقب و الآثار». و اخترمته المنيّة عن إتمامه فتولّى إتمامه ابن أخته أبو بكر محمد بن خميس المذكور، و قد نقلت منه في هذا الكتاب.

شعره: و من شعره، و قد نعيت إليه نفسه قبل أن تغرب من سماء معارفه شمسه‏: [الطويل‏]

و لما انقضى‏ إحدى و خمسون حجّة* * *كأنّي منها بعد كرب‏ أحلم‏

* * *

ترقّيت أعلاها لأنظر فوقها* * *مدى‏ الحتف منّي علّني‏ منه‏ أسلم‏

* * *

إذا هو قد أدنت إليه كأنما* * *ترقّيت فيه نجوة و هو سلّم‏

* * *

و قال في أحدب: [السريع‏]

و أحدب تحسب في ظهره‏* * *جاء به في نهر عائمة

* * *

مثلّث الخلقة لكنّه‏* * *في ظهره زاوية قائمة

* * *

و من أمثال نظمه قوله، و قد استدعيت منه إجازة: [الطويل‏]

أجبتك لا أني‏ لما رمته أهل‏* * *و لكنّ ما أجبت‏ محتمل سهل‏

* * *

و ما العلم إلّا البحر طاب مذاقه‏* * *و ما لي علّ في الورود و لا نهل‏

* * *

____________

(1) في الذيل: «بمحاسن».

(2) في الذيل: «و نزهة البصائر و الأبصار».

(3) الأبيات في تاريخ قضاة الأندلس (ص 158).

(4) في تاريخ قضاة الأندلس: «و لمّا انقضت».

(5) في المصدر نفسه: «... منها ما تذكّرت أحلم».

(6) في تاريخ قضاة الأندلس: «إلى».

(7) في الأصل: «عليّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من تاريخ قضاة الأندلس.

(8) في تاريخ: «منها».

(9) رواية البيت في تاريخ قضاة الأندلس هي:

إذا هي قد أدنته مني كأنما* * *ترقيت فيها نحوه و هو سلّم‏

* * *

(10) في الأصل: «جابه» و هكذا ينكسر الوزن.

(11) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 6 ص 451).

(12) في الأصل: «لأني» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل.

(13) في الذيل: «أحببت».

(14) رواية البيت في الأصل مضطرب و منكسر الوزن هكذا:

106

فكيف‏ أراني أهل ذاك و قد أتى‏* * *عليّ المميتان‏ البطالة و الجهل‏

* * *

و أسأل‏ ربي العفو عني فإنه‏* * *لما يرتجيه العبد من فضله‏ أهل‏

* * *

مولده: تخمينا في نحو أربع و ثمانين و خمسمائة.

وفاته: ظهر يوم الأربعاء لأربع خلون من جمادى الآخرة، عام ستة و ثلاثين و ستمائة.

محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد ابن أبي بكر بن سعد الأشعري المالقي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن بكر، من ذرية بلج بن يحيى بن خالد بن عبد الرحمن بن يزيد بن أبي بردة. و اسمه عامر بن أبي عامر بن أبي موسى.

و اسمه عبد اللّه بن قيس، صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). ذكره ابن حزم‏ في جملة من دخل الأندلس من العرب‏.

حاله: من «عائد الصلة»: كان‏ من صدور العلماء، و أعلام الفضلاء، سذاجة و نزاهة و معرفة و تفننا. فسيح الدرس، أصيل النظر، واضح المذهب، مؤثرا

____________

و ما العلم إلّا بحر طال مدانه‏* * *و ما لي محمّ في الورود و لا نهل‏

* * *

و التصويب من الذيل و التكملة.

(1) في الذيل: «و كيف».

(2) في الأصل: «المحتيان» و التصويب من الذيل.

(3) في الذيل: «فنسأل».

(4) في الأصل: «فضل» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل.

(5) كذا في التكملة (ج 2 ص 140) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 452) و بغية الوعاة (ص 76) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 159). و في اختصار القدح المعلّى: «و مات بمالقة سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة».

(6) ترجمة محمد بن يحيى الأشعري في تاريخ قضاة الأندلس (ص 177) و اللمحة البدرية (ص 95، 104) و نفح الطيب (ج 7 ص 359) و نيل الابتهاج (ص 234) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 284).

(7) في نفح الطيب: «من ذرية أبي موسى الأشعري».

(8) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 378): «زيد».

(9) هاء الضمير في كلمة «ذكره» يعود إلى عبد اللّه بن قيس الأشعري، و قد ذكره ابن حزم في جمهرة أنساب العرب (ص 397).

(10) في تاريخ قضاة الأندلس: «المغرب».

(11) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 359- 360).

107

للإنصاف، عارفا بالأحكام و القراءات‏، مبرّزا في الحديث تاريخا و إسنادا و تعديلا و تجريحا، حافظا للأنساب و الأسماء و الكنى، قائما على العربية، مشاركا في الأصول و الفروع، و اللغة و العروض و الفرائض و الحساب، مخفوض الجناح، حسن التخلق‏، عطوفا على الطلبة، محبّا في العلم و العلماء، مجلّا لأهله‏، مطّرح‏ التصنّع، عديم المبالاة بالملبس، بادي الظاهر، عزيز النفس، نافذ الحكم، صوّالة، معروف بنصرة من أزر إليه. تقدّم للشياخة ببلده مالقة، ناظرا في أمور العقد و الحل، و مصالح الكافة. ثم ولّي القضاء بها، فأعزّ الخطة، و ترك الهوادة و إنفاد الحق‏ ملازما للقراءة و الإقراء، محافظا للأوقات، حريصا على الإفادة.

ثم ولّي القضاء و الخطابة بغرناطة في العشر الأول لمحرم سبعة و ثلاثين و سبعمائة، فقام بالوظائف، و صدع‏ بالحق، و جرّح‏ الشهود فزيّف منهم ما ينيف على السبعين‏ عددا، و استهدف بذلك إلى معاداة و مناضلة خاض ثبجها، و صادم تيّارها، غير مبال بالمغبّة، و لا حافل بالتّبعة، فناله لذلك من المشقّة، و الكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان‏ يمشي إلى الصلاة ليلا في مسلّة، لا يطمئن على حاله.

جرت في هذا الباب حكايات إلى أن استمرت الحال على ما أراده اللّه، و عزم عليه الأمير في بعض من الخطّة، ليردّه إلى العدالة، فلم يجد في قناته مغمزا، و لا في عوده معجما، و تصدّر لبثّ العلم بالحضرة، يقرئ فنونا منه جمّة، فنفع و خرّج، و درّس العربية و الفقه و الأصول، و أقرأ القرآن، و علم الفرائض و الحساب، و عقد مجالس الحديث شرحا و سماعا، على سبيل من انشراح الصّدر، و حسن التجمّل، و خفض الجناح‏.

____________

(1) في النفح: «و القراءة».

(2) في النفح: «و جرحا».

(3) في النفح: «الخلق».

(4) قوله: «مجلّا لأهله» غير وارد في النفح.

(5) في النفح: «مطرّحا للتصنع».

(6) هذه الكلمة غير واردة في النفح.

(7) في النفح: «و ترك الشوائب، و أنفذ الحقّ».

(8) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 179): «ثم ولّي قضاء الجماعة، فقام بالوظائف ...». و في نفح الطيب (ج 8 ص 360): «ثم ولّي القضاء بغرناطة المحروسة، سنة 737».

(9) صدع بالحق: جهر به. لسان العرب (صدع).

(10) في النفح: «و بهرج».

(11) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 179): «على الثلاثين عددا». و في نفح الطيب: «على سبعين، و استهدف ...».

(12) في النفح: «حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلا، و لا يطمئن ...».

(13) في النفح: «جناح».

108

و ذكره القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن، فقال‏: و أما شيخنا، و قريبنا مصاهرة، أبو عبد اللّه بن أبي بكر، فصاحب عزم و مضاء، و حكم صادع و قضاء. كان له، (رحمه اللّه)، مع كل قولة صولة، و على كل رابع لا يعرف ذرّة، فأحرق قلوب الحسدة و الصّب، و أعزّ الخطّة بما أزال عنها من الشّوائب، و ذهّب و فضّض‏ كواكب الحق بمعارفه، و نفذ في المشكلات، و ثبت في المذهلات‏، و احتج و بكّت، و تفقّه و نكّت.

توقيعه: قال: و حدّثنا صاحبنا أبو جعفر الشّقوري قال‏: كنت قاعدا في مجلس حكمه فرفعت إليه امرأة رقعة، مضمونها أنها محبّة في مطلّقها، و تبتغي من يستشفع لها في ردّها، فتناول الرّقعة، و وقع في ظهرها للحين من غير مهلة: الحمد للّه، من وقف على ما بالمقلوب‏، فليصغ لسماعه إصاغة مغيث، و ليشفع للمرأة عند زوجها، تأسّيا بشفاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لبربرة في مغيث. و اللّه يسلم لنا العقل و الدين، و يسلك بنا مسالك المهتدين. و السلام يعتمد على من وقف على هذه الأحرف من كاتبها، و رحمة اللّه. قال صاحبنا: فقال لي بعض الأصحاب: هلّا كان هو الشفيع لها؟ فقلت: الصحيح أنّ الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على النصوص‏.

شعره: و لم يسمع له شعر إلّا بيتين في وصف قوس عربي النّسب في شعر من لا شعر له، و هما: [البسيط]

هام الفؤاد ببنت‏ النّبع و النّشم‏* * *زوراء تزري بعطف البان و الصّنم‏

* * *

قوام قامتها تمام معطفها* * *من يلق مقتلها تصميه أو تصم‏

* * *

مشيخته: قرأ على الأستاذ المتفنّن الخطيب أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي‏ القرآن العظيم جمعا و إفرادا، و أخذ عنه العربية و الفقه و الحديث، و لازمه،

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 360). و هو لم يرد حرفيّا في تاريخ قضاة الأندلس، و جاء فيه ما في معناه.

(2) ذهّبها و فضّضها: جعلها ناصعة كالذهب و الفضة.

(3) في النفح: «المعضلات».

(4) النص في تاريخ قضاة الأندلس (ص 182) و نفح الطيب (ج 7 ص 361) ببعض اختلاف عما هنا.

(5) في المصدرين السابقين: «القلوب، فليصخ لسماعه». و المراد هنا بالمقلوب: ظهر الرّقعة.

(6) في النفح: «المنصوص».

(7) في الأصل: «في بنت»، و هكذا ينكسر الوزن.

(8) في الأصل: «زورا» و هكذا ينكسر الوزن.

(9) هو عبد الواحد بن محمد بن علي بن أبي السّداد الأموي المالقي، الشهير بالباهلي، و سيترجم‏

109

و تأدب به. و على الشيخ الراوية الصالح أبي عبد اللّه محمد بن عيّاش الخزرجي القرطبي، قرأ عليه كثيرا من كتب الحديث، منها كتاب صحيح مسلم، و سمع عليه جميعه إلّا دولة واحدة. و من أشياخه القاضي أبو القاسم قاسم بن أحمد بن حسن بن السّكوت، و الفقيه المشاور الصّدر الكبير أبو عبد اللّه بن ربيع، و الخطيب القدوة الولي أبو عبد اللّه بن أحمد الطّنجالي، و الشيخ القاضي أبو الحسن ابن الأستاذ العلّامة أبي الحجاج بن مصامد، و الأستاذ خاتمة المقرئين أبو جعفر بن الزّبير، و الخطيب المحدّث أبو عبد اللّه بن رشيد، و الخطيب الولي الصالح أبو الحسن‏ بن فضيلة، و الأستاذ أبو الحسن بن اللّباد المشرفي، و الشيخ الأستاذ أبو عبد اللّه بن الكماد السّطّي اللّبليسي. و أجازه من أهل سبتة شيخ الشّرفاء أبو علي بن أبي التّقى طاهر بن ربيع، و العدل الراوية أبو فارس عبد العزيز بن الهواري، و أبو إسحاق التلمساني، و الحاج العدل الراوية أبو عبد اللّه بن الحصّار، و الأستاذ المقرئ ابن أبي القاسم بن عبد الرحيم القيسي، و الأستاذ أبو بكر بن عبيدة، و الشيخ المعمر أبو عبد اللّه بن أبي القاسم بن عبيد اللّه الأنصاري. و من أهل إفريقية الأديب المعمر أبو عبد اللّه محمد بن هارون، و أبو العباس أحمد بن محمد الأشعري المالقي نزيل تونس، و محمد بن محمد بن سيّد الناس اليعمري، و عثمان بن عبد القوي البلوي.

و من أهل مصر النّسابة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطي، و المحدّث الراوية أبو المعالي أحمد بن إسحاق، و جماعة غيرهم من المصريين و الشاميين و الحجازيين.

مولده: في أواخر ذي حجة من عام أربعة و سبعين و ستمائة.

وفاته: فقد في مصاب‏ المسلمين يوم المناجزة بطريف‏ شهيدا محرّضا، زعموا أن بغلة كان عليها كبت به، و أفاق رابط الجأش، مجتمع القوى. و أشار عليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يكن عنده قوة عليه. و قال: انصرف، هذا يوم الفرج‏،

____________

له ابن الخطيب في الجزء الثالث من الإحاطة.

(1) في نفح الطيب (ج 7 ص 361): «أبو الحسين».

(2) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 184): «و مولده في أواخر شهر ذي الحجة من عام 673».

(3) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 183): «مصافّ».

(4) موقعه طريف: هي الموقعة الشهيرة التي كانت بين الإسبان و بني مرين، و كان مع بني مرين قوات الأندلس بقيادة السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري، سنة 741 ه، و كانت الهزيمة فيها للمسلمين. اللمحة البدرية (ص 105).

(5) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 184) و نفح الطيب (ج 7 ص 362): «الفرح».

110

إشارة إلى قوله تعالى في الشهداء: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏، و ذلك ضحى يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى عام أحد و أربعين و سبعمائة.

محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد ابن محمد بن محمد بن علي بن موسى بن إبراهيم بن محمد ابن ناصر بن حيّون بن القاسم بن الحسن بن محمد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه‏

حسبما نقل من خطه:

أوّليّته: معروفة، كان وليته مثله.

حاله: هذا الفاضل جملة من جمل الكمال، غريب في الوقار و الحصافة، و بلوغ المدى، و استولى على الأمم حلما و أناة، و بعدا عن الريب، و تمسكا بعرى النزاهة، و استمساكا مع الاسترسال، و انقباضا مع المداخلة، معتدل الطريقة، حسن المداراة، مالكا أزمّة الهوى، شديد الشفقة، كثير المواساة، مغار حبل الصبر، جميل العشرة، كثيف ستر الحيا، قوي النفس، رابط الجأش، رقيق الحاشية، ممتع المجالسة، متوقد الذهن، أصيل الإدراك، بارعا بأعمال المشيخة، إلى جلال المنتمى، و كرم المنصب و نزاهة النفس، و ملاحة الشّيبة، و حمل راية البلاغة، و الإعلام في ميادين البيان، رحلة الوقت في التبريز بعلوم اللسان، حائز الخصل‏ و الفضل في ميدانها، غريبة غزيرة الحفظ، مقنعة الشّاهد، مستبحرة النظر، أصيلة التوجيه، بريّة عن النّوك و الغفلة، مرهفة باللغة و الغريب و الخبر و التاريخ و البيان، و صناعة البديع، و ميزان العروض، و علم القافية، و تقدّما في الفقه، و درسا له، و براعة في الأحكام، و إتقان التّدريس، و الصبر، و الدّؤوب عليه، بارع التصنيف، حاضر الذهن، فصيح اللسان، مفخرة من مفاخر أهل بيته.

____________

(1) سورة آل عمران 3، الآية 170.

(2) ترجمة محمد بن أحمد الحسني في تاريخ قضاة الأندلس (ص 210) و نثير فرائد الجمان (ص 231) و جاء فيه أنه يكنى أبا القاسم، و نفح الطيب (ج 7 ص 182) و بغية الوعاة (ص 16) و الدرر الكامنة (ج 3 ص 352) و اللمحة البدرية (ص 105، 116) و كشف الظنون (ص 1807).

(3) النص في بغية الوعاة (ص 16) نقلا عن الإحاطة، و السيوطي ينقل بتصرف.

(4) كلمة «الخصل» غير واردة في بغية الوعاة.

(5) في بغية الوعاة: «عربية».

(6) في بغية الوعاة: «الشمائل».

111

ولايته: قدم على الحضرة في دولة الخامس من ملوك بني نصر، كما استجمع شبابه، يفهق علما باللسان، و معرفة بمواقع البيان، و ينطق بالعذب الزّلال من الشعر، فسهّل له كنف البر، و نظم في قلادة كتاب الإنشاء، و هو إذ ذاك ثمينة الخزرات، محكمة الرّصف، فشاع فضله، و ذاع رجله. ثم تقدم، فنقل من طور الحكم، إلى أن قلّد الكتابة و القضاء و الخطابة بالحاضرة، بعد ولاية غيرها التي أعقبها ولاية مالقة في الرابع من شهر ربيع الآخر عام سبعة و ثلاثين و سبعمائة. فاضطلع بالأحكام، و طبّق مفصل الفضل، ماضي الصّريمة، وحيّ الإجهار، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، قليل النّاقد، مطعم التوفيق، يصدع في مواقف الخطب، بكل بليغ من القول، مما يريق ديباجته، و يشفّ صقاله، و تبرأ من كلال الخطباء جوانبه و أطرافه. و استعمل في السّفارة للعدوّ ناجح المسعى، ميمون النّقيبة، جزيل الحياء و الكرامة، إلى أن عزل عن القضاء في شعبان من عام سبعة و أربعين و سبعمائة، من غير زلّة تخفض، و لا هنة تؤثر، فتحيّز إلى التّحليق لتدريس العلم، و تفرّغ لإقراء العربية و الفقه، و لم ينشب أميره المنطوي على الهاجس، المغري بمثله، أن قدّمه قاضيا بوادي آش، بنت حضرته، معزّزة بسندها الكبير الخطّة، فانتقل إليه بجملته. و كانت بينه و بين شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب، صداقة صادقة، و مودة مستحكمة، فجرت بينهما أثناء هذه النّقلة، بدائع، منها قوله، يرقب‏ خطّة القضاء التي اخترعها، و يوليها خطة الملامة:

[السريع‏]

لا مرحبا بالناشز الفارك‏* * *إن جهلت رفعة مقدارك‏

* * *

لو أنها قد أوتيت رشدها* * *ما برحت تعشو إلى نارك‏

* * *

أقسمت بالنّور المبين الذي‏* * *منه بدت مشكاة أنوارك‏

* * *

و مظهر الحكم الحكيم الذي‏* * *يتلو عليه‏ طيب أخبارك‏

* * *

ما لقيت مثلك كفؤا لها* * *و لا أوت أكرم من دارك‏

* * *

____________

(1) الخامس من سلاطين بني نصر هو أبو الوليد إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف، و قد حكم من سنة 713 إلى سنة 725 ه. راجع اللمحة البدرية (ص 78).

(2) في الأصل: «يوس عنه خطة»، و هو كلام لا معنى له، و صوبناه من تاريخ قضاة الأندلس (ص 212).

(3) الأبيات في تاريخ قضاة الأندلس (ص 212- 213).

(4) في تاريخ قضاة الأندلس: «علينا».

(5) رواية البيت في المصدر السابق هي:

ما ألفت مثلك كفؤا و لا* * *أوت إلى أكرم من دارك‏

* * *

112

ثم أعيد إلى القضاء بالحضرة، فوليها، و استمرت حاله و ولايته على متقدّم سمته من الفضل و النّزاهة و المراجعة فيما يأنف فيه من الخروج عن الجادّة، إلى أن هلك السلطان‏ مستقضيه، مأموما به، مقتديا بسجدته، يوم عيد الفطر، خمسة و خمسين و سبعمائة. و ولي الأمر ولده‏ الأسعد، فجدّد ولايته، و أكّد تجلّته، و رفع رتبته، و استدعى مجالسته.

مشيخته: قرأ ببلده سبتة على أبيه الشريف الطاهر، نسيج وحده في القيام، و على أبي عبد اللّه بن هاني و به جلّ انتفاعه، و عليه جلّ استفادته. و أخذ عن الإمام شيخ المشيخة أبي إسحاق الغافقي. و روى عن الخطيب أبي عبد اللّه الغماريّ، و الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد، و القاضي أبي عبد اللّه القرطبي، و الفقيه الصالح أبي عبد اللّه بن حريث. و أخذ عن الأستاذ النظار أبي القاسم بن الشاط و غيره.

محنته: دارت عليه يوم مهلك السلطان المذكور رحى الوقيعة، فعركته بالثّقال، و تخلّص من شرارها هولا، لتطارح الأمير المتوثّب أمام ألمريّة عليه، خاتما في السّجدة، و درس الحماة إياه عند الدّجلة، من غير التفات لمحل الوطأة، و لا افتقاد لمحل صلاة تلك الأمّة، فغشيه من الأرجل، رجل الرّبى كثيرة، و التفّ عليه مرسل طيلسانه، سادّا مجرى النّفس إلى قلبه، فعالج الحمام وقتا، إلى أن نفّس اللّه عنه، فاستقلّ من الرّدى، و انتبذ من مطّرح ذلك الوغى، و بودر بالفصاد، و قد أشفى، فكانت عثرة لقيت لما و متاعا، فسمح له المدى آخر من يوثق به، من محل البثّ، و مودعات السّرّ من حظيّات الملك، أن السلطان عرض عليه قبل وفاته في عالم الحلم، كونه في محراب مسجده، مع قاضيه المترجم به، و قد أقدم عليه كلب، أصابه بثوبه، و لطّخ ثوبه بدمه، فأهمّته رؤياه، و طرقت به الظنون مطارقها، و همّ بعزل القاضي، انقيادا لبواعث الفكر، و سدّا لأبواب التوقيعات، و قد تأذن اللّه بإرجاء العزم، و تصديق الحلم، و إمضاء الحكم، جلّ وجهه، و عزّت قدرته، فكان من الأمر ما تقرر في محله.

____________

(1) هو السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج، سابع سلاطين بني نصر بغرناطة. راجع اللمحة البدرية (ص 102).

(2) هو الغني بالله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج، ثامن سلاطين بني نصر بغرناطة، و المتوفّى سنة 793 ه. ترجمته في اللمحة البدرية (ص 113، 129) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 213) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 291) و أزهار الرياض (ج 1 ص 37، 58، 194).

(3) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 217).

113

تصانيفه: و تصانيفه بارعة، منها، «رفع الحجب المستورة في‏ محاسن المقصورة»، شرح فيها مقصورة الأديب أبي الحسن حازم بما تنقطع الأطماع فيه.

و منها «رياضة الأبيّ‏ في قصيدة الخزرجي»، أبدع في ذلك بما يدل على الاطلاع و سداد الفهم، و قيّد على «كتاب التّسهيل» لأبي عبد اللّه بن مالك تقييدا جليلا، و شرحا بديعا، قارب التمام. و شرع في تقييد على الخبر المسمّى ب «درر السّمط في خبر السّبط». و محاسنه جمّة، و أغراضه بديعة.

شعره: و أمّا الشعر، فله فيه القدح المعلّى، و الحظّ الأوفى، و الدّرجة العليا، طبقة وقته، و درجة عصره، و حجة زمانه، كلامه متكافئ في اللفظ و المعنى، صريح الدّلالة، كريم الخيم، متحصّد الحبل، خالص السّبك، و أنا أثبت منه جزما خصّني به، سمّاه جهد المقل، اشتمل من حرّ الكلام، على ما لا كفاء له.

الحمد للّه تردّده أخرى الليالي، فهو المسؤول أن يعصمنا من الزّلل، زلل القول، و زلل الأعمال. و الصلاة على سيدنا محمد خاتم الإرسال. هذه أوراق ضمنتها جملة من بنات فكري، و قطعا مما يحيش به في بعض الأحيان صدري، و لو حزمت لأضربت عن كتبها كل الإضراب، و لزمت في دفنها و إخفائها دين الأعراب، لكني آثرت على المحو الإثبات، و تمثلت بقولهم إن خير ما أوتيته العرب الأبيات. و إذا هي عرضت على ذلك المجد، و سألها كيف نجت من الوأد، فقد أوتيتها من حرمكم إلى ظلّ ظليل، و أحللتها من بنائكم معرّسا و مقيل، و أهديتها علما بأن كرمكم بالإغضاء عن عيوبها جدّ كفيل، فاغتنم قلة التهدئة مني، إن جهد المقلّ غير قليل، فحسبها شرفا أن تبوّأت في جنابك كنفا، و كفاها مجدا و فخرا أن عقدت بينها و بين فكرك عقدا و جوارا و مما قلت في حرف الهمزة.

مولده: بسبتة في السادس لشهر ربيع الأول‏ من عام سبعة و تسعين و ستمائة.

وفاته: توفي قاضيا بغرناطة في أوائل شعبان‏ من عام ستين و سبعمائة.

____________

(1) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 217): «عن».

(2) هي مقصورة أديب المغرب أبي الحسن حازم بن محمد القرطاجنّي الأندلسي، التي مدح بها أمير المؤمنين المستنصر بالله أبا عبد اللّه محمدا الحفصي. راجع نفح الطيب (ج 7 ص 182).

(3) في تاريخ قضاة الأندلس: «الآن في شرح قصيدة ...».

(4) هكذا في تاريخ قضاة الأندلس (ص 217). و في بغية الوعاة: «ربيع الآخر».

(5) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 217): «و وفاته بغرناطة ضحى يوم الخميس الحادي و العشرين لشهر شعبان من عام 760». و في نفح الطيب (ج 7 ص 190): «و كانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى و ستين و سبعمائة».

114

محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي‏

قاضي الجماعة ببيضة الإسلام فاس، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: هذا الرجل له أبوّة صالحة، و أصالة زاكية، قديم الطلب، ظاهر التخصّص، مفرط في الوقار، نابه البزّة و الركبة، كثير التهمة، يوهم به الفارّ، و صدر الصّدور في الوثيقة و الأدب، فاضل النفس، ممحوض النصح، جميل العشرة لإخوانه، مجري الصّداقة نصحا و مشاركة و تنفيقا على سجيّة الأشراف و سنن الحسباء، مديد الباع في فن الأدب، شاعر مجيد، كاتب بليغ، عارف بالتّحسين و التّقبيح، من أدركه، أدرك علما من أعلام المشيخة. قدّمه السلطان الكبير العالم أبو عنان فارس، قاضيا بحضرته، و اختصّه، و اشتمل عليه، فاتصل بعده سعده، و عرف حقّه. و تردّد إلى الأندلس في سبيل الرسالة عنه، فذاع فضله، و علم قدره. و لما كان الإزعاج من الأندلس نحو النّبوة التي أصابت الدولة، بلوت من فضله و نصحه و تأنيسه، ما أكد الغبطة، و أوجب الثناء، و خاطبته بما نصه: [الكامل‏]

من ذا يعدّ فضائل الفشتالي‏* * *و الدهر كاتب آيها و التّالي‏

* * *

علم إذا التمسوا الفنون بعلمه‏* * *مرعى المشيح و نجعة المكتال‏

* * *

نال الذي لا فوقها من رفعة* * *ما أمّلتها حيلة المحتال‏

* * *

و قضى قياس تراثه عن جدّه‏* * *إن المقدّم فيه عين التالي‏

* * *

قاضي الجماعة، بماذا أثنى على خلالك المرتضاة؟ أ بقديمك الموجب لتقديمك؟ أم بحديثك الداعي لتحمّل حديثك؟ و كلاهما غاية بعد مرماها، و تحامى المتصوّر حماها، و الضالع لا يسام سبقا، و المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى. و ما الظنّ بأصالة تعترف بها الآثار و تشهد، و أبوّة صالحة كانت في غير ذات الحق تزهد، و في نيل الاتصال به تجهد، و معارف تقرر قواعد الحق و تمهّد، و تهزم الشّبه إذا تشهّد. و قد علم اللّه أن جوارك لم يبق للدهر عليّ جوارا، و لا حتّ من غصني ورقا و لا نوّارا. هذا و قد زأر على أسد و حمل ثورا، فقد أصبحت في ظل الدولة التي وقف على سيدي اختيارها، و أظهر خلوص إبريزه معيارها، تحت كنف و عزّ مؤتنف، و جوار أبي دلف، و على ثقة من اللّه بحسن خلف. و ما منع من انتساب ما لديه من‏

____________

(1) نسبة إلى فشتاله و هي إحدى القبائل الجبلية التي تقطن في شمال مدينة فاس. الإحاطة (ج 2 ص 187) حاشية رقم 1.

(2) في الأصل: «جوار».

115

الفضائل إلّا رحلة لم يبرك بعد حملها، و لا قرّ عملها، و أوحال حال بيني و بين مسوّر البلد القديم‏ مهلها. و لو لا ذلك لا غتبطت الزّائد، و اقتنيت الفوائد، و اللّه يطيل بقاءه، حتى تتأكد القربة، التي تنسى بها الغربة، و تعظم الوسيلة، التي لا تذكر معها الفضيلة.

و أمّا ما أشار به من تقييد القصيدة التي نفق سوقها استحسانه، و أنس باستظرافها إحسانه، فقد أعمل و ما أمهل، و القصور باد إذا تأمّل، و الإغضاء أولى ما أمّل، فإنما هي فكرة قد أخمدت نارها الأيام، و غيّرت آثارها اللّئام. و قد كان الحق إجلال مطالعة سيدي من خللها، و تنزيه رجله عن تقبيل مرتجلها. لكنّ أمره ممتثل، و أتى من المجد أمرا لا مردّ له مثل. و السلام على سيدي من معظم قدره، و ملتزم برّه، ابن الخطيب، و رحمة اللّه.

فكتب إليّ مراجعا، و هو الملي‏ء بالإحسان: [الكامل‏]

وافت يجرّ الزّهو فضلة بردها* * *حسناء قد أضحت نسيجة وحدها

* * *

للّه أي قصيدة أهديت لو* * *يهتدي المعارض نحو غاية قصدها

* * *

لابن الخطيب بها محاسن جمّة* * *قارعت عنه الخطوب ففلّت من حدّها

* * *

سرّ البلاغة عنه أودع حافظا* * *قد صانه حتى فشا من عندها

* * *

في غير عقد نفثنه بسحرها* * *فلذا أتى سلسا منظّم عقدها

* * *

لم أدر ما فيها و قمت معاونا* * *من طرسها أو معلما من بردها

* * *

حتى دفعت بها لأبعد غاية* * *باعا تقصّر في البلوغ بحدّها

* * *

حدّان من نظم و نثر إنّ من‏* * *يلقاهما منها بذلّة عبدها

* * *

أولى يدا بيضاء موليها فما* * *لي مزية من‏ أن أقوم بحمدها

* * *

و رفضت تكذيب المنى متشيّعا* * *لعلي مرآها يصادق وعدها

* * *

فبذلت شعري رافعا من برّها* * *و هززت عطفي رافلا من بردها

* * *

خذها، أعزّ اللّه جنابك، و أدال للأنس على الوحشة اغترابك، كغبّة الطائر المتجعد، و نهبة الثائر المستوفز، و مقة اللّحظ، قليلة اللّفظ، قد جمعت من سوامها و انقحامها، بين نظم قيد، و صلود زند، و نوّعت، فعلى إقدامها و انحجامها إلى قاصر

____________

(1) البلد القديم هو مدينة فاس القديمة، و البلد الجديد هو ضاحية فاس الملوكية. الإحاطة (ج 2 ص 189) حاشية رقم 1.

(2) عجز هذا البيت منكسر الوزن.

(3) صدر هذا البيت منكسر الوزن.

(4) كلمة «من» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

(5) الغبّة: البلغة من العيش. محيط المحيط (غبب).

116

و معتد، و ليتني إذا جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الودق، و انجاب العاني عن مزنة فكرتي، بتقاضي الجواب، انجياب الطّوق، و أيقنت أني قد سدّ عليّ باب القول و أرتحج، و قلت: هذه السّالفة الكلية فسدت لها الدّاعة من تكلّم الإمرة و لم أنه إذ أعوزت المرّة بالحلوة، لكني قلت: وجدّ المكثر كجهد المقلّ، و الواجب قد يقلّ الامتثال فيه بالأقلّ. فبعثت بها على علّاتها، و أبلغتها عذرها، في أن كتبت عن شوقها بلغاتها، و هي لا تعدم من سيدي في إغضاء كريم، و إرضاء سليم. و اللّه، عزّ و جلّ، يصل بالتأنيس الحبل، و يجمع الشّمل.

و السلام الكريم يخصّ تلك السيادة، و رحمة اللّه و بركاته. من محمد بن أحمد الفشتالي.

و هو الآن قاض بفاس المذكورة، محمود السيرة، أبقاه، و أمتع به.

محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى ابن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي بن داود القرشي المقري‏

يكنى أبا عبد اللّه، قاضي الجماعة بفاس و تلمسان.

أوّليّته: نقلت من خطّه، قال‏: و كان الذي اتخذها من سلفنا قرارا بعد أن كانت لمن قبله مرارا، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري، صاحب أبي مدين‏، الذي دعا له و لذرّيته، بما ظهر فيهم من قبول‏ و تبيّن. و هو أبي الخامس؛ فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، و كان هذا الشيخ عروي‏ الصلاة، حتى أنه ربما امتحن بغير شي‏ء فلم يؤنس منه التفات، و لا استشعر منه شعور، و يقال: إن هذا الحضور، ممّا أدركه من مقامات شيخه أبي مدين. ثم‏ اشتهرت ذريّته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهّدوا طريق الصحراء

____________

(1) محمد بن محمد المقري، جدّ المقري صاحب كتاب نفح الطيب، و ترجمته في تاريخ قضاة الأندلس (ص 209) و التعريف بابن خلدون (ص 59) و نيل الابتهاج (ص 249) و نفح الطيب (ج 7 ص 195) و أزهار الرياض (ج 1 ص 5) و (ج 4 ص 204).

(2) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 195).

(3) في النفح: «مزارا».

(4) أبو مدين: هو شعيب بن الحسين الأندلسي التلمساني، المتوفى سنة 594 ه، و قد تقدم ذكره في الجزء الأول من الإحاطة في ترجمة جعفر بن عبد اللّه بن محمد بن سيد بونة الخزاعي.

(5) في النفح: «قبوله».

(6) أغلب الظن أنه ينسبه إلى عروة بن الزبير، الذي كان يطيل الصلاة و يكثر من الدعاء.

(7) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 196- 198).

117

بحفر الآبار، و تأمين التّجار، و اتخذوا طبل الرّحيل‏، و راية التّقدم‏ عند المسير.

و كان ولد يحيى، الذي‏ كان أحدهم أبو بكر، خمسة رجال، فعقدوا الشّركة بينهم فيما ملكوه‏ و فيما يملكونه على السواء بينهم و الاعتدال، و كان‏ أبو بكر و محمد، و هما أرومتا نسبي من جميع جهات الأم و الأب‏ بتلمسان، و عبد الرحمن و هو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، و عبد الواحد و علي، و هما شقيقاهم الصغيران، بأي والأتن‏ فاتخذوا هذه‏ الأقطار و الحوايط و الدّيار، فتزوجوا النساء، و استولدوا الإماء. و كان التلمساني يبعث إلى الصّحراوي بما يرسم له من السلع. و يبعث إليه الصحراوي بالجلد و العاج و الجوز و التّبر، و السّجلماسي كلسان الميزان يعرّفهما بقدر الرّجحان و الخسران‏، و يكاتبهما بأحوال التّجار، و أخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، و ارتفعت في الفخامة أحوالهم. و لما افتتح التّكرور كورة أي والأتن و أعمالها، أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرّجال، و نصب دون‏ ماله القتال. ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه، و مكّنه من التجارة بجميع بلاده، و خاطبه بالصديق الأحبّ، و الخلاصة الأقرب. ثم صار يكاتب من بتلمسان، يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، و عندي من كتبه و كتب الملوك بالمغرب، ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذلّلت لهم الأرض للسّلوك، فخرجت أموالهم عن الحدّ، و كادت تفوق‏ الحصر و العدّ؛ لأن بلاد الصحراء، قبل أن يدخلها أهل مصر، كانت‏ تجلب لها من المغرب ما لا بال له‏ من السّلع، فيعاوض‏ عنه بماله بال من الثمن‏. ثم قال أبو مدين:

الدنيا ضمّ جنب أبو حمو، و شمل ثوباه. كان يقول: لو لا الشناعة لم أزل في بلادي تاجرا من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السّلع، و يأتون بالتّبر الذي‏

____________

(1) في النفح: «طبلا للرحيل».

(2) في النفح: «تقدم».

(3) في النفح: «الذين أحدهم».

(4) في النفح: «بينهم في جميع ما ملكوه أو يملكونه ...».

(5) في النفح: «مكان».

(6) في النفح: «أمي و أبي».

(7) هو موضع بالصحراء.

(8) في النفح: «بهذه الأقطار الحوائط».

(9) في النفح: «و تزوجوا».

(10) في النفح: «بقدر الخسران و الرجحان».

(11) في النفح: «الضخامة».

(12) في النفح: «فيها».

(13) في النفح: «دونها و دون ما لهم القتال».

(14) في النفح: «تفوت».

(15) في النفح: «كان يجلب إليها من ...».

(16) ما لا بال له: أي ما ليس بذي شأن.

(17) في النفح: «فتعاوض».

(18) في النفح: «الثمن. أي مدبر دنيا ضمّ جنبا أبي حمو ...».

(19) أبو حمو: هو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان، كما سيرد بعد قليل في عنوان: مولده.

118

كلّ أمر الدنيا له تبع، و من سواهم يحمل منها الذّهب، و يأتي إليها بما يضمحلّ عن قريب و يذهب، إلى ما يغيّر من العوائد، و يجرّ السفهاء إلى المفاسد.

و لما هلك‏ هؤلاء الأشياخ، جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم و لم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، و صادفوا توالي الفتن، و لم يسلموا من جور السلطان‏، فلم تزل‏ حالهم في نقصان إلى هذا الزمان‏، فها أنا ذا لم أدرك‏ في ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فصوله عيشا، و أصوله حرمة. و من جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، و أسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرّغت بحول اللّه، عزّ و جلّ، للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، و أخذت عن بعضهم عرضا و إلقاء، سواء المقيم القاطن، و الوارد و الظاعن.

حاله: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة المغربية اجتهادا، و دؤوبا، و حفظا و عناية، و اطلاعا، و نقلا و نزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التّصنّع، كثير الهشّة، مفرط الخفّة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلّق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد و التوجّه، يكابد من تحصيل النيّة بالوجه و اليدين مشقّة، ثم يغافض‏ الوقت فيها، و يوقعها دفعة متبعا إياها زعقة التكبير، برجفة ينبو عنها سمع من لم يكن‏ تأنّس بها عادة، بما هو دليل على حسن المعاملة، و إرسال السّجية، قديم النّعمة، متصل الخيريّة، مكبّ على النظر و الدرس و القراءة، معلوم الصّيانة و العدالة، منصف في المذاكرة، حاسر الذراع‏ عند المباحثة، راحب عن الصّدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن، و لا ضانّ‏ بالفائدة، كثير الالتفاف، متقلّب الحدقة، جهير بالحجّة، بعيد عن المراء و المباهتة، قائل بفضل أولي الفضل من الطّلبة، يقوم أتمّ القيام على العربيّة و الفقه و التفسير، و يحفظ الحديث، و يتهجّر بحفظ الأخبار و التاريخ و الآداب، و يشارك مشاركة فاضلة في الأصلين و الجدل و المنطق، و يكتب و يشعر

____________

(1) في النفح: «و لمّا درج».

(2) في النفح: «السلاطين».

(3) في النفح: «يزل».

(4) في النفح: «الزمن».

(5) في النفح: «من».

(6) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 199- 200).

(7) في النفح: «يغافص».

(8) في النفح: «من لم تؤنسه بها العادة».

(9) في النفح: «للذراع».

(10) ضانّ: اسم فاعل ضنّ أي بخل. لسان العرب (ضنن).

(11) في النفح: «بحفظ التاريخ و الأخبار».

119

مصيبا في ذلك‏ غرض الإجادة، و يتكلم في طريقة الصّوفية كلام أرباب المقال، و يعتني بالتّدوين فيها. شرّق و حجّ، و لقي جلّة، و اضطبن‏ رحلة مفيدة، ثم آب إلى بلده، فأقرأ به، و انقطع إلى خدمة العلم. فلما ولي ملك المغرب السلطان، محالف الصّنع و نشيدة الملك، و أثير اللّه من بين القرابة و الإخوة أمير المسلمين‏ أبو عنان فارس‏، اجتذبه و خلطه بنفسه، و اشتمل عليه، و ولّاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقلّ بذلك أعظم الاستقلال، و أنفذ الحكم‏، و ألان الكلمة، و آثر التّسديد، و حمل الكلّ‏، و خفض الجناح، فحسنت عنه القالة، و أحبّته الخاصّة و العامة.

حضرت بعض مجالسه للحكم، فرأيت من صبره على اللّدد، و تأتّيه‏ للحجج و رفقه بالخصوم، ما قضيت منه العجب.

دخوله غرناطة: ثم‏ لمّا أخّر عن القضاء، استعمل بعد لأي في الرّسالة، فوصل الأندلس، أوائل جمادى الثانية من عام ستة و خمسين و سبعمائة. فلما قضى غرض الرسالة، و أبرم عقد وجهته، و احتلّ مالقة في منصرفه، بدا له في نبذ الكلفة، و اطّراح‏ وظيفة الخدمة، و حلّ التّقيّد، إلى ملازمة الإمرة، فتقاعد، و شهر غرضه، و بتّ في الانتقال، طمع من كان صحبته، و أقبل على شأنه، فخلّي بينه و بين همّه. و ترك و ما انتحله من الانقطاع إلى ربّه. و طار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة، و العدول عنها، بقصد التّخلّي و العبادة، و أنكر ما نحله‏ غاية الإنكار، من إبطال عمل الرسالة، و الانقباض قبل الخروج عن العهدة، فوغر صدره على صاحب الأمر، و لم يبعد حمله على الظّنّة و المواطأة على النّفرة، و تجهّزت جملة من الخدّام المجلّين في مآزق‏ الشّبهة، المضطلعين بإقامة الحجة، مولين خطّة الملام، مخيّرين بين سحائب عاد من الإسلام، مظنّة إغلاق النعمة،

____________

(1) قوله: «في ذلك» غير وارد في النفح.

(2) اضطبن الرحلة: اعتزمها.

(3) في النفح: «المؤمنين».

(4) هذه الكلمة غير واردة في النفح.

(5) في النفح: «الحق».

(6) الكلّ: التّعب. محيط المحيط (كلل).

(7) حسنت عنه القالة: حسن قول الناس فيه.

(8) اللّدد: الخصومة الشديدة. لسان العرب (لدد).

(9) في النفح: «و تأنّيه».

(10) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 200- 202).

(11) في الأصل: «ست» و هو خطأ نحوي. و في نفح الطيب: «سبعة».

(12) في النفح: «رسالته».

(13) في الأصل: «و اصطراح» و التصويب من النفح.

(14) في النفح: «ما حقه الإنكار».

(15) في النفح: «مأزق».

(16) في النفح: «النقمة».

120

و إيقاع المثلة، و الإساءة بسبب القطيعة و المنابذة. و قد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمّم بمسجدها، و جأر بالانقطاع إلى اللّه، و توعّد من يجيره‏ بنكير من يجير و لا يجار عليه سبحانه، فأهمّ أمره، و شغلت القلوب آبدته، و أمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضت‏ له رفع التّبعة، و تركه إلى تلك الوجهة.

و لمّا تحصّل ما تيسّر من ذلك، انصرف محفوفا بعالمي القطر، قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المترجم‏ به قبله، و الشيخ الخطيب أبي البركات بن الحاج، مستهلين‏ لوروده، مشافهين للشفاعة في غرضه، فأقشعت‏ الغمّة، و تنفّست الكربة. و جرى أثناء هذا من المراسلة و المراجعة، ما تضمّنه الكتاب المسمّى ب «كناسة الدّكان بعد انتقال السّكان» المجموع بسلا ما صورته:

«المقام الذي يحبّ الشّفاعة، و يرعى الوسيلة، و ينجز العدّة، و يتمّم الفضيلة، و يضفي مجده المنن الجزيلة، و يعيى حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محلّ و الدنا الذي كرم مجده، و وضح سعده، و صحّ في اللّه تعالى عقده، و خلص في الأعمال الصالحة قصده، و أعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه اللّه سبحانه لوسيلة يرعاها، و شفاعة يكرم مسعاها، و أخلاق جميلة تجيب دعوة الطّبع الكريم إذا دعاها، معظّم سلطانه الكبير، و ممجّد مقامه الشهير، المتشيّع لأبوّته الرفيعة قولا باللّسان و اعتقادا بالضمير، المعتمد منه بعد اللّه على الملجإ الأحمى و الوليّ النّصير. فلان‏. سلام كريم، طيب برّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، و أبوّتكم الفضلى، و رحمة اللّه و بركاته.

أما بعد حمد اللّه، الذي جعل الخلق الحميدة دليلا على عنايته بمن حلّاه حلاها، و ميّز بها النفوس النفيسة، التي اختصّها بكرامته و تولّاها، حمدا يكون كفوا

____________

(1) في النفح: «العقوبة».

(2) في النفح: «أو الإشادة بسبب إجارته بالقطيعة ...».

(3) في الأصل: «جار» بدون همزة، و التصويب من النفح. و جأر إلى اللّه: رفع صوته بالدعاء.

(4) في النفح: «يجبره».

(5) في النفح: «اقتضى له فيها رفع ...».

(6) في النفح: «المذكور قبله».

(7) في النفح: «مسلمين».

(8) في النفح: «بالشفاعة».

(9) في النفح: «فانقشعت».

(10) أغلب الظن أنه أبو عنان فارس ابن أبي الحسن المريني، سلطان المغرب، المتوفّى سنة 759 ه. راجع حاشية عنان.

(11) هو ثامن سلاطين بني نصر محمد بن أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل، و قد حكم غرناطة من عام 755 إلى عام 793 ه. راجع اللمحة البدرية (ص 113، 129).

(12) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 202- 204).

121

للنعم التي أولاها، و أعادها و والاها، و الصلاة و السلام‏ على سيدنا و مولانا محمد عبده و رسوله، المترقّي من درجات الاختصاص أرفعها و أعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها و أجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها، و الرضا عن آله و صحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لمّا ابتلاها، و عسل ذكرهم‏ في الأفواه فما أعذب أوصافهم على الألسن و أحلاها، و الدعاء لمقام أبوّتكم حرس اللّه تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح: أنا طلّاع الثّنايا و ابن جلاها، و الصّنائع التي تخترق المفاوز بركائبها المبشّرات فتفلي فلاها. فإنّا كتبنا إليكم، كتب اللّه تعالى لكم عزّة مشيّدة البناء، و حشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، و قلّدكم قلائد مكارم الأخلاق، ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء. من حمراء غرناطة حرسها اللّه، و الودّ باهر السّناء، مجدّ على الأناء، و التشيّع رحب الدّسيعة و الفناء.

و إلى هذا، وصل اللّه تعالى سعدكم، و حرس مجدكم! فإننا خاطبنا مقامكم الكريم، في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد اللّه المقري، خار اللّه تعالى لنا و له، و بلّغ الجميع من فضله العميم أمله، جوابا عمّا صدر من مثابتكم‏ فيه من الإشارة المتمثّلة، و المآرب المعملة، و القضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة التي مثلها بأبوابكم لا يردّ، و ظمآها عن منهل قبولكم لا تجلى‏ و لا تصدّ، حسبما سنّه الأب الكريم و الجدّ، و القبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم و الحدّ. و لم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيّلة، و تبلّج صبح الزّهادة و الفضيلة، وجود النفس الشّحيحة بالعرض الأدنى البخيلة، و ظهر تخلّيه عن هذه الدار، و اختلاطه باللفيف و الغمار، و إقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد، و مداومة الاستغفار.

و كنّا لما تعرّفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، و الفضل الذي أبرزه للعيان‏

____________

(1) كلمة «و السلام» غير واردة في النفح.

(2) عسل ذكرهم في الأفواه: أصبح حلوا كالعسل، و هو كناية عن استعذاب الحديث عنهم. لسان العرب (عسل).

(3) أخذه من قول سحيم بن وثيل الرياحي: [الوافر]

أنا ابن جلا و طلّاع الثنايا* * *متى أضع العمامة تعرفوني‏

* * *

الشعر و الشعراء (ص 538).

(4) في النفح: «من قلائد».

(5) في النفح: «السنا، ظاهر السناء، مجدّد على ...».

(6) الدسيعة: الخلق؛ و رحب الدسيعة: طيب الخلق و الطباع. محيط المحيط (دسع).

(7) في النفح: «مثابكم».

(8) في النفح: «الممتثلة».

(9) في النفح: «لاتحلأ».

122

و أظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، و يعان على فراغ باله، و يجرى عليه سيب من ديوان الأعشار الشرعية و صريح ماله، و قلنا: أما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففرّ من مالقة على ما تعرّفنا لهذا السبب، و قعد بحضرتنا مستور المنتمى و المنتسب، و سكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدّة لسكنى المتّسمين بالخير، و المحترفين ببضاعة الطّلب، بحيث لم يتعرّف وروده و وصوله إلّا ممّن لا يؤبه بتعريفه، و لم تتحقق زوائده و أصوله لقلّة تصريفه. ثم تلاحق إرسالكم الجلّة. فوجبت حينئذ الشفاعة، و عرضت على سوق الحلم و الفضل من الاستلطاف و الاستعطاف البضاعة، و قررنا ما تحققناه من أمره، و انقباضه عن زيد الخلق و عمره، و استقباله الوجهة التي من ولّى وجهه شطرها فقد آثر أثيرا، و من ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلا كبيرا و خيرا كثيرا، و سألنا منكم أن تبيحوه ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، و قصر عليه أقصى همّه. فما أخلق مقامكم أن يفوز منه طالب الدّنيا بسهمه، و يحصل منه طالب الآخرة على حظّه الباقي و قسمه، و يتوسّل الزاهد بزهده و العالم بعلمه، و يعوّل البري‏ء على فضله، و يثق المذنب بحلمه. فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان، و هو أرب من آراب‏، و فائدة من جراب، و وجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، و الإعادة ليس يثقلها خفاء، و لمجدكم بما ضمّنا عنه وفاء، و بادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، و أن يكون الانتقال عن رضا منه من صفة حاله، و أن يقتضي له ثمرة المقصد، و يبلغ طيّة الإسعاف في الطريق إن قصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلّق بجناب اللّه من مثلكم حاصلا، و الدّين المتين بين نفسه و بين المخافة فاصلا، و طالب‏ كيمياء السّعادة بإعانتكم واصلا. و لما مدّت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبدا يحرّض، و علمكم يصرّح بمزيتها و لا يعرّض، فكمّلوا أبقاكم اللّه ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، و ألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصحّ حديث في الباب، و وفّوا غرضنا من مجدكم، و خلّوا بينه و بين مراده من ترك الأسباب، و قصد غافر الذنب و قابل التّوب بإخلاص المتاب، و التّشمير ليوم العرض و موقف الحساب، و أظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلّق به، أعلق اللّه به يدكم من جناب، و معاذ اللّه أن تعود شفاعتنا من لدنكم عير مكملة الآراب. و قد بعثنا من ينوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، و يقتضي خلاصها بالرّغبة لا بالغلاب، و هما فلان و فلان. و لو لا الأعذار لكان في هذا الغرض إعمال الرّكاب، بسبق‏ أعلام الكتاب، و أنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفّر الثناء الجميل، و يربي على التّأميل، و يكتب على الودّ الصريح العقد وثيقة

____________

(1) الآراب: جمع أرب و هو البغية و المطلب. لسان العرب (أرب).

(2) في الأصل: «و طالبنا» و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «يسبق».

123

التّسجيل. و هو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، و إنالة الرّفد الجزيل. و السلام الكريم يخصّ مقامكم الأعلى، و مثابتكم الفضلى، و رحمة اللّه تعالى و بركاته. في الحادي و العشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة و خمسين و سبعمائة، و اللّه ينفع بقصده، و ييسر علينا الرجعة إلى وجهه و فضله‏.

مشيخته: قال‏: فممّن أخذت عنه، و استفدت منه علماها، يعني تلمسان، الشامخان، و عالماها الراسخان: أبو زيد عبد الرحمن، و أبو موسى عيسى، ابنا محمد بن عبد اللّه بن الإمام‏، و حافظها و مدرّسها و مفتيها أبو موسى عمران بن موسى بن يوسف المشذالي‏، صهر شيخ المتأخرين‏ أبي علي ناصر الدين‏ على ابنته، و مشكاة الأنوار التي يكاد زيتها يضي‏ء و لو لم تمسسه نار، الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن حكيم الكناني‏ السّلوى، (رحمه اللّه). و منهم القاضي أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن عبد النور، و الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الحسن‏ البرّوني، و أبو عمران موسى بومن‏ المصمودي الشهير بالبخاري. قال: سمعت البرّوني يقول: كان الشيخ أبو عمران يدرّس البخاري‏، و رفيق له يدرّس صحيح مسلم، و كانا يعرفان بالبخاري و مسلم، فشهدا عند قاض، فطلب المشهود عليه بالإعذار فيهما، فقال له أبو عمران: أتمكّنه من الإعذار في الصّحيحين البخاري و مسلم؟ فضحك القاضي، و أصلح بين الخصمين. ثم قال: و من شيوخي الصلحاء الذين لقيت بها، خطيبها الشيخ أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن علي الخياط، أدرك أبا

____________

(1) قوله: «و اللّه ينفع حتى: و فضله» غير وارد في النفح.

(2) تحدث المقري عن مشيخة ابن الخطيب في نفح الطيب (ج 7 ص 206، 213، 214، 223- 224، 228).

(3) ترجمة ابني محمد بن عبد اللّه بن الإمام في التعريف بابن خلدون (ص 28) و الديباج المذهب (ص 152) و نيل الابتهاج (ص 139).

(4) في نفح الطيب (ج 7 ص 213): «المشدّالي». و ترجمة المشدّالي في نيل الابتهاج (ص 377).

(5) في النفح: «المدرسين».

(6) هو منصور بن أحمد بن عبد الحق، المتوفّى سنة 731 ه. ترجمته في نيل الابتهاج (ص 377) و عنوان الدراية (ص 134).

(7) كلمة «الكناني» غير واردة في نفح الطيب (ج 7 ص 214).

(8) ترجمة أبي عبد اللّه بن عبد النور في التعريف بابن خلدون (ص 46) و جذوة الاقتباس (ص 190) و نيل الابتهاج (ص 240).

(9) في النفح: (ج 7 ص 214): «الحسين». و ترجمه البروني في نيل الابتهاج (ص 228).

(10) هذه الكلمة غير واردة في النفح.

(11) في النفح: «يدرس صحيح البخاري».

124

إسحاق الطيّار. و منهم أبو عبد اللّه بن محمد الكرموني، و كان بصيرا بتفسير الرّؤيا، فمن عجائب شأنه، أنه كان في سجن أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق مع من كان فيه، من أهل تلمسان أيام محاصرته لها، فرأى أبا جمعة علي التّلالسي الجرايحي منهم، كأنه قائم على ساقية دائرة، و جميع أقداحها و أقواسها تصب في نقير في وسطها، فجاء ليشرب، فاغترف الماء، فإذا فيه فرث و دم، فأرسله، و اغترف فإذا هو كذلك، ثلاثا أو أكثر، ثم عدل إلى خاصّة ماء، فجاءها و شرب منها. ثم استيقظ، و هو النهار، فأخبره، فقال: إن صدقت الرؤيا، فنحن عن قليل خارجون من هذا السجن. قال: كيف؟ قال: الساقية الزمان، و النّقير السلطان، و أنت جرايحي، تدخل يدك في جوفه فينالها الفرث و الدّم، و هذا ما لا يحتاج معه إلى دليل، فأخرج، فوجد السلطان مطعونا بخنجر، فأدخل يده في جوفه، فناله الفرث و الدّم، فخاط جراحته و خرج، فرأى خاصّة ماء، فغسل يده و شرب. و لم يلبث السلطان أن توفي، و سرّحوا من كان في سجنه. و من أشياخه الإمام نسيج وحده، أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن أحمد الآبلي التلمساني، و هو رحلة الوقت في القيام على الفنون العقلية، و إدراكه و صحّة نظره.

حدّث قال: قدم على مدينة فاس، شيخنا أبو عبد اللّه محمد بن يحيى الباهلي، عرف بابن المسفّر، رسولا من صاحب بجاية. و زاره الطلبة، فكان مما حدّثهم أنهم كانوا على زمان ناصر الدين، يستشكلون كلاما وقع في تفسير سورة الفاتحة من كتب فخر الدين، و استشكله الشيخ معهم. و هذا نصه: ثبت في بعض العلوم العقلية، أن المركّب مثل البسيط في الجنس، و البسيط مثل المركّب في الفصل، و أن الجنس أقوى من الفصل، فأخبروا بذلك الشيخ الآبلي لما رجعوا إليه، فتأمله ثم قال: هذا كلام مصحّف، و أصله أن المركّب قبل البسيط في الحسّ، و البسيط قبل المركّب في العقل، و أن الحسّ أقوى من العقل، فأخبروا ابن المسفّر، فلجّ، فقال لهم الشيخ: التمسوا النسخ، فوجدوا في لفظ بعضها كما قال الشيخ.

رحلته: رحل‏ إلى بجاية مشرّقا، فلقي بها جلّة، منهم الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن يحيى الباهلي، ابن المسفّر. و منهم قاضيها أبو عبد اللّه محمد ابن الشيخ‏

____________

(1) راجع نفح الطيب (ج 7 ص 236- 237، 239).

(2) توفي ابن المسفر في عام 743 ه، و ترجمته في نيل الابتهاج (ص 237) و الديباج المذهب (ص 332).

125

أبي يوسف يعقوب الزّواوي، فقيه ابن فقيه. و منهم أبو علي‏ حسن بن حسن إمام المعقولات بعد ناصر الدين. و بتونس قاضي الجماعة و فقيهها أبو عبد اللّه بن عبد السلام‏، و حضر دروسه، و قاضي المناكح أبو محمد اللخمي‏، و هو حافظ فقهائها في وقته، و الفقيه أبو عبد اللّه بن هارون شارح ابن الحاجب في الفقه و الأصول. ثم حجّ فلقي بمكة إمام الوقت أبا عبد اللّه محمد بن محمد بن عبد الرحمن التّوزري، المعروف بخليل، و إمام المقام أبا العباس رضيّ‏ الدين الشافعي، و غير واحد من الزّائرين و المجاورين و أهل البلد. ثم دخل الشام، فلقي بدمشق شمس الدين بن قيّم الجوزية، صاحب ابن تيميّة، و صدر الدين الغماري المالكي، و أبا القاسم بن محمد اليماني الشافعي و غيرهم. و ببيت القدس أبا عبد اللّه بن مثبت، و القاضي شمس الدين بن سالم، و الفقيه أبا عبد اللّه بن عثمان، و غيرهم.

تصانيفه: ألّف‏ كتابا يشتمل على أزيد من مائة مسألة فقهية، ضمّنها كل أصيل‏ من الرأي و المباحثة. و دوّن في التّصوّف إقامة المريد، و رحلة المتبتّل، و كتاب الحقائق و الرّقائق، و غير ذلك.

شعره: نقلت‏ من ذلك قوله: هذه لمحة العارض لتكملة ألفيّة ابن الفارض، سلب الدهر من فرائدها مائة و سبعة و سبعين، فاستعنت على ردّها بحول اللّه المعين.

من فصل الإقبال‏: [الطويل‏]

رفضت السّوى و هو الطّهارة عندما* * *تلفّعت في مرط الهوى و هو زينتي‏

* * *

و جئت الحمى و هو المصلّى ميمّما* * *بوجهة قلبي وجهها و هو قبلتي‏

* * *

و قمت و ما استفتحت إلّا بذكرها* * *و أحرمت إحراما لغير تجلّة

* * *

فديني إن لاحت ركوع و إن دنت‏* * *سجود و إن لاهت‏ قيام بحسرة

* * *

____________

(1) في النفح: «أبو علي حسين بن حسين».

(2) هو محمد بن عبد السلام المنستيري، المتوفى سنة 750 ه. و ترجمته في تاريخ قضاة الأندلس (ص 199) و التعريف بابن خلدون (ص 19) و الديباج المذهب (ص 336) و نيل الابتهاج (ص 240).

(3) في النفح: «الأجمي».

(4) في النفح: «بن رضي».

(5) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 266).

(6) في النفح: «أصل».

(7) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 306).

(8) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 306- 308).

(9) في النفح: «تحلّة» بالحاء غير المعجمة.

(10) لاهت: تسترت. محيط المحيط (لاه).

126

على أننا في القرب و البعد واحد* * *تؤلّفنا بالوصل عين التّشتّت‏

* * *

و كم من هجير خضت ظمآن طاويا* * *إليها و ديجور طويت برحلة

* * *

و فيها لقيت الموت أحمر و العدا* * *بزرقة أسنان الرّماح و حدّة

* * *

و بيني و بين العذل فيها منازل‏* * *تنسّيك أيام الفجار و مؤتة

* * *

و لمّا اقتسمنا خطّتينا فحامل‏* * *فجار بلا أجر و حامل برّة

* * *

خلا مسمعي من ذكرها فاستعدته‏* * *فعاد ختام الأمر أصل القضيّة

* * *

و كم لي على حكم الهوى من تجلّد* * *دليل على أنّ الهوى من سجيّتي‏

* * *

يقول سميري و الأسا سالم الأسى‏* * *و لا توضع الأوزار إلّا لمحنة

* * *

لو أنّ مجوسا بتّ موقد نارها* * *لما ظلّ إلّا منهلا ذا شريعة

* * *

و لو كنت بحرا لم يكن فيه نضحة* * *لعين إذا نار الغرام استحرّت‏

* * *

فلا ردم من نقب‏ المعاول آمن‏* * *و لا هدم إلّا منك‏ شيد بقوّة

* * *

فممّ تقول الأسطقسّات‏ منك أو* * *علام مزاج ركّبت أو طبيعة

* * *

فإن قام لم يثبت له منك قاعد* * *و إلّا فأنت الدّهر صاحب قعدة

* * *

فما أنت يا هذا الهوى؟ ماء أو هوا* * *أم النار أم دسّاس عرق الأمومة؟

* * *

و إني على صبري كما أنت‏ واصف‏* * *و حالي أقوى القائمين بحجّة

* * *

أقلّ الضّنى أن عجّ من جسمي الضّنى‏* * *و ما شاكه معشار بعض شكيّتي‏

* * *

و أيسر شوقي أنني ما ذكرتها* * *و لم أنسها إلّا احترقت بلوعة

* * *

و أخفي الجوى قرع الصواعق منك في‏* * *جواي و أخفى الوجد صبر المودّة

* * *

و أسهل ما ألقى من العذل أنني‏* * *أحبّ أقلّي‏ ذكرها و فضيحتي‏

* * *

و أوج حظوظي اليوم منها حضيضها* * *بالأمس و سل حرّ الجفون الغزيرة

* * *

و أوجز أمري أنّ دهري كلّه‏* * *كما شاءت الحسناء يوم الهزيمة

* * *

____________

(1) في الأصل: «تألّفنا» و التصويب من النفح.

(2) طاويا: أي طاويا بطني من الجوع. طويت: قطعت و اجتزت. لسان العرب (طوى).

(3) في الأصل: «مزرّقة» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) استحرّت: اشتدّت. محيط المحيط (حرر).

(5) في الأصل: «نقيب» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في الأصل: «إلّاك شيّد» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(7) في الأصل: «الأسفطسات» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «أنا».

(9) في الأصل: «أفلي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

127

أروح و ما يلقى التأسّف راحتي‏* * *و أغدو ما يعدو التفجّع خطّتي‏

* * *

و كالبيض بيض الدهر و السّمر سوده‏* * *مساءتها في طيّ طيب المسرّة

* * *

و شأن الهوى ما قد عرفت و لا تسل‏* * *و حسبك أن لم يخبر الحبّ رؤيتي‏

* * *

سقام بلا برء، ضلال بلا هدى‏* * *أوام بلا ريّ، دم لا بقيمة

* * *

و لا عتب فالأيام ليس لها رضا* * *و إن ترض منها الصّبر فهو تعنّتي‏

* * *

ألا أيها اللّوّام عني قوّضوا* * *ركاب ملامي فهو أول محنتي‏

* * *

و لا تعذلوني في البكاء و لا البكى‏* * *و خلّوا سبيلي ما استطعتم و لوعتي‏

* * *

فما سلسلت بالدمع عيني إن جنت‏* * *و لكن رأت ذاك الجمال فجنّت‏

* * *

تجلّى و أرجاء الرّجاء حوالك‏* * *و رشدي غاو و العمايات عمّت‏

* * *

فلم يستبن حتى كأني كاسف‏* * *و راجعت إبصاري‏ له و بصيرتي‏

* * *

و من فصل الاتصال‏: [الطويل‏]

و كم موقف لي في الهوى خضت دونه‏* * *عباب الرّدى بين الظّبا و الأسنّة

* * *

فجاوزت في حدّي مجاهدتي له‏* * *مشاهدتي لمّا سمت بي همّتي‏

* * *

و حلّ جمالي في الجلال فلا أرى‏* * *سوى صورة التّنزيه في كلّ صورة

* * *

وغبت عن الأغيار في تيه حالتي‏* * *فلم أنتبه حتى امتحى اسمي و كنيتي‏

* * *

و كاتبت ناسوتي بأمّارة الهوى‏* * *وعدت إلى اللاهوت بالمطمئنّة

* * *

و علم يقيني صار عينا حقيقة* * *و لم يبق دوني حاجب غير هيبتي‏

* * *

و بدّلت بالتّلوين تمكين عزّة* * *و من كلّ أحوالي مقامات رفعة

* * *

و قد غبت بعد الفرق و الجمع موقفي‏* * *مع المحو و الإثبات عند تثبّتي‏

* * *

و كم جلت في سمّ الخياط و ضاق بي‏* * *لبسطي و قبضي بسط وجه البسيطة

* * *

و ما اخترت إلّا دنّ بقراط زاهدا* * *و في ملكوت النفس أكبر عبرة

* * *

و فقري مع الصّبر اصطفيت على الغنى‏* * *مع الشكر إذ لم يحظ فيه مثوبتي‏

* * *

و أكتم حبّي ما كنى عنه أهله‏* * *و أكني إذا هم صرّحوا بالخبيّة

* * *

و إنّي في جنسي و منه لواحد* * *كنوع، ففصل النوع علّة حصّتي‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «بغيتي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «أبصاري»، و التصويب من النفح.

(3) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 308- 309) و جاء فيه: «و في» بدل «و من».

(4) سمّ الخياط: ثقب الإبرة. محيط المحيط (سمم) و (خيط).

128

تسبّبت في دعوى التوكّل ذاهبا* * *إلى أنّ أجدى حيلتي ترك حيلتي‏

* * *

و آخر حرف صار مني أولا* * *مريدا و حرف في مقام العبودة

* * *

تعرّفت يوم الوقف منزل قومها* * *فبتّ بجمع سدّ خرق التّشتّت‏

* * *

فأصبحت أقضي النفس منها منى الهوى‏* * *و أقضي على قلبي برعي الرعيّة

* * *

فبايعتها بالنفس دارا سكنتها* * *و بالقلب منه منزلا فيه حلّت‏

* * *

فخلّص الاستحقاق نفسي من الهوى‏* * *و أوجب الاسترقاق تسليم شفعة

* * *

فيا نفس لا ترجع تقطّع بيننا* * *و يا قلب لا تجزع ظفرت بوحدة

* * *

و من فصل الإدلال‏: [الطويل‏]

تبدّت‏ لعيني من جمالك لمحة* * *أبادت فؤداي من سناها بلفحة

* * *

و مرّت بسمعي من حديثك ملحة* * *تبدّت لها فيك القران و قرّت‏

* * *

ملامي أبن، عذري استبن، وجدي استعن‏* * *سماعي أعن، حالي أبن، قائلي اصمت‏

* * *

فمن شاهدي سخط و من قاتلي‏ رضا* * *و تلوين أحوالي و تمكين رتبتي‏

* * *

مرامي إشارات، مراعي تفكّر* * *مراقي نهايات، مراسي تثبّت‏

* * *

و في موقفي و الدّار أقوت رسومها* * *تقرّب أشواقي تبعّد حسرتي‏

* * *

معاني أمارات، مغاني تذكّر* * *مباني بدايات، مثاني تلفّت‏

* * *

و بثّ غرام، و الحبيب بحضرة* * *و ردّ سلام و الرقيب بغفلة

* * *

و مطلع بدر في قضيب على نقا* * *فويق محلّ عاطل دون دجية

* * *

و مكمن سحر بابليّ له بما* * *حوت أضلعي فعل القنا السّمهريّة

* * *

و منبت مسك من شقيق ابن منذر* * *على سوسن غضّ بجنّة و جنّة

* * *

و رصف اللآلي في اليواقيت كلّما* * *تعلّ بصرف الرّاح في كل سحرة

* * *

سل السلسبيل العذب عن طعم ريقه‏* * *و نكهته يخبرك عن علم خبرة

* * *

و رمّان كافور عليه طوابع‏* * *من الندّ لم تحمل به بنت مزنة

* * *

و لطف هواء بين خفق و بانة* * *و رقّة ماء في قوارير فضّة

* * *

لقد عزّ الصّبر حتى كأنّه‏* * *سراقة لحظ منك للمتلفّت‏

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 309- 311).

(2) في الأصل: «تبوّب»، و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «بلفعة» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «قائلي».

(5) في الأصل: «تعكر» و التصويب من النفح.

(6) النّدّ: عود يتبخّر به. لسان العرب (ندد).

129

و أنت و إن لم تبق مني صبابة* * *منى النفس لم تقصد سواك بوجهة

* * *

و كلّ فصيح منك يسري لمسمعي‏* * *و كلّ مليح منك يبدو لمقلتي‏

* * *

تهون عليّ النّفس فيك و إنها* * *لتكرم أن تغشى سواك بنظرة

* * *

فإن تنظريني بالرّضا تشف علّتي‏* * *و إن تظفريني باللقا تطف غلّتي‏

* * *

و إن تذكريني و الحياة بقيدها* * *عدلت لأمتي منيتي بمنيّتي‏

* * *

و إن تذكريني بعدما أسكن الثرى‏* * *تجلّت دجاه عند ذاك و ولّت‏

* * *

صليني و إلّا جدّدي الوعد تدركي‏* * *صبابة نفس أيقنت بتفلّت‏

* * *

فما أمّ بوّ هالك بتنوفة* * *أقيم لها خلف الحلاب فدرّت‏

* * *

فلمّا رأته لا ينازع خلفها* * *إذا هي لم ترسل عليه و ضنّت‏

* * *

بكت كلّما راحت عليه و إنها* * *إذا ذكرته آخر الليل حنّت‏

* * *

بأكثر منّي لوعة غير أنني‏* * *رأيت وقار الصّبر أحسن حلية

* * *

فرحت كما أغدو إذا ما ذكرتها* * *أطامن أحشائي على ما أجنّت‏

* * *

أهوّن ما ألقاه إلّا من القلى‏* * *هوى و نوى نيل الرّضا منك بغيتي‏

* * *

أخوض الصّلى أطفي العلا و العلوّ لا* * *أصلّ السّلا أرعى الخلى بين عبرتي‏

* * *

ألا قاتل اللّه الحمامة غدوة* * *لقد أصلت الأحشاء نيران لوعة

* * *

و قاتل مغناها و موقف شجوها* * *على الغصن ما ذا هيّجت حين غنّت‏

* * *

فغنّت غناء أعجميّا فهيّجت‏* * *غرامي من ذكرى عهود تولّت‏

* * *

فأرسلت الأجفان سحبا و أوقدت‏* * *جواي الذي كانت ضلوعي أكنّت‏

* * *

نظرت بصحراء البريقين نظرة* * *وصلت بها قلبي فصلّى و صلّت‏

* * *

فيا لهما قلبا شجيّا و نظرة* * *حجازيّة لو جنّ طرف لجنّت‏

* * *

و وا عجبا للقلب كيف اعترافه‏* * *و كيف بدت أسراره خلف سترة

* * *

و للعين لمّا سوئلت كيف أخبرت‏* * *و للنفس لما وطّنت كيف دلّت‏

* * *

و كنّا سلكنا في صعود من الهوى‏* * *يسامي بأعلام العلا كلّ رتبة

* * *

إلى مستوى ما فوقه فيه‏ مستوى‏* * *فلمّا توافينا ثبثّ و زلّت‏

* * *

____________

(1) البوّ: ولد الناقة. التنوفة: الأرض الواسعة التي لا ماء فيها و لا إنسان. محيط المحيط (بوو) و (تنف).

(2) أكنّت: سترت. محيط المحيط (كنن).

(3) كلمة «فيه» ساقطة من الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

130

و كنّا عقدنا عقدة الوصل بيننا* * *على نحر قربان لدى قبر شيبة

* * *

مؤكدة بالنّذر أيام عهده‏* * *فلمّا تواثقنا اشتددت و حلّت‏

* * *

و من فصل الاحتفال‏: [الطويل‏]

أزور اعتمارا أرضها بتنسّك‏* * *و أقصد حجّا بيتها بتحلّة

* * *

و في نشأتي الأخرى ظهرت بما علت‏* * *له نشأتي الأولى على كلّ فطرة

* * *

و لولا خفاء الرّمز لا و لن و لم‏* * *تجدها لشملي مسلكا بتشتّت‏

* * *

و لو لم يجدّد عهدنا عقد خلّة* * *قضيت و لم يقض المنى صدق توبة

* * *

بعثت إلى قلبي بشيرا بما رأت‏* * *على قدم عيناي منه فكفّت‏

* * *

فلم يعد أن شام البشارة شام ما* * *جفا الشّام من نور الصفات الكريمة

* * *

فيالك من نور لو أنّ التفاتة* * *تعارض منه بالنفوس النّفيسة

* * *

تحدّث أنفاس الصّبا أن طيبها* * *بما حملته من حراقة حرقة

* * *

و تنبى‏ء آصال الربيع عن الرّبا* * *و أشجاره إن قد تجلّت فجلّت‏

* * *

و تخبر أصوات البلابل أنها* * *تغنّت بترجيعي‏ على كلّ أيكة

* * *

فهذا جمالي منك في بعد حسرتي‏* * *فكيف به إن قرّبتني بخلّة

* * *

تبدّى و ما زال الحجاب و لا دنا* * *و غاب و لم يفقده شاهد حضرتي‏

* * *

له كلّ غير في تجلّيه مظهر* * *و لا غير إلّا ما محت كفّ غيرة

* * *

تجلّي دليل و احتجاب تنزه‏* * *و إثبات عرفان و محو تثبّت‏

* * *

فما شئت من شي‏ء و آليت أنه‏* * *هو الشي‏ء لم تحمد فجار أليّتي‏

* * *

و في كل خلق منه كلّ عجيبة* * *و في كلّ خلق منه كل لطيفة

* * *

و في كل خاف منه مكمن حكمة* * *و في كل باد منه مظهر جلوة

* * *

أراه بقلب‏ القلب و اللّغز كامنا* * *و في الزّجر و الفال الصحيح الأدلة

* * *

و في طيّ أوفاق الحساب و سرّ ما* * *يتمّ من الأعداد فابدأ بستّة

* * *

و في نفثات السّحر في العقد التي‏* * *تطوع‏ لها كلّ الطّباع الأبيّة

* * *

يصوّر شكلا مثل شكل و يعتلي‏* * *عليه بأوهام النفوس الخبيثة

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 311- 313).

(2) الترجيع: ترديد الصوت، و أراد هنا الغناء. لسان العرب (رجع).

(3) في الأصل: «يقلّب» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «تطوّع» و هكذا ينكسر الوزن.

131

و في كلّ تصحيف و عضو بذاته‏* * *اختلاج و في التّقويم مجلى لرؤية

* * *

و في خضرة الكمّون تزجي شرابه‏* * *مواعيد عرقوب على إثر صفرة

* * *

و في شجر قد خوّفت قطع أصلها* * *فبان بها حمل لأقرب مدّة

* * *

و في النّخل في تلقيحه و اعتبر بما* * *أتى فيه عن غير البريّة و اسكت‏

* * *

و في الطابع السّبتي في الأحرف التي‏* * *يبيّن منها النّظم كلّ خفية

* * *

و في صنعة الطّلسم و الكيمياء و ال* * *كنوز و تغوير المياه المعينة

* * *

و في حرز أقسام المؤدّب محرز* * *و حزب أصيل الشّاذليّ و بكرة

* * *

و في سيمياء الحاتميّ و مذهب اب* * *ن سبعين إذ يعزى إلى شرّ بدعة

* * *

و في المثل الأولى و في النّحل الألى‏* * *بها أوهموا لمّا تساموا بسنّة

* * *

و في كل ما في الكون من عجب و ما* * *حوى الكون إلّا ناطقا بعجيبة

* * *

فلا سرّ إلّا و هو فيه سريرة* * *و لا جهر إلّا و هو فيه كحلية

* * *

سل الذّكر عن أنصاف أصناف ما ابتنى‏* * *عليه الكلام من حروف سليمة

* * *

و عن وضعها في بعضها و بلوغ ما* * *أتت فيه أمضى عدّها و تثبّت‏

* * *

فلا بدّ من رمز الكنوز لذي الحجا* * *و لا ظلم إلّا ظلم صاحب حكمة

* * *

و لو لا سلام ساق للأمن خيفتي‏* * *لعاجل مسّ البرد خوفي لميتتي‏

* * *

و لو لم تداركني و لكن بعطفها* * *درجت رجائي أن نعتني خيبتي‏

* * *

و لو لم تؤانسني عنّا قبل لم و لم‏* * *قضى العتب منّي بغية بعد وحشتي‏

* * *

و نعم أقامت أمر ملكي بشكرها* * *كما هوّنت بالصبر كلّ بليّة

* * *

و من فصل الاعتقال‏: [الطويل‏]

سرت بفؤادي إذ سرت فيه نظرتي‏* * *و سارت و لم تثن العنان بعطفة

* * *

و ذلك لما أطلع الشمس في الدّجى‏* * *محيّا ابنة الحيّين في خير ليلة

* * *

يمانيّة لو أنجدت حين أنجدت‏* * *لما أبصرت عيناك حيّا كميّت‏

* * *

لأصحمة في نصحها قدم بنى‏* * *لكلّ نجاشيّ بها حصن ذمّة

* * *

ألمّت فحطّت رحلها ثم لم يكن‏* * *سوى وقفة التّوديع حتى استقلّت‏

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 313- 315).

(2) أنجدت الأولى: من النجدة. و أنجدت الثانية: دخلت نجدا. لسان العرب (نجد).

(3) أصحمة: هو نجاشي الحبشة، الذي استقبل بالحبشة مهاجري المسلمين و أحسن معاملاتهم، و لمّا توفّي صلّى عليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) صلاة الغائب.

132

فلو سمحت لي بالتفات و حلّ من‏* * *مهاوي الهوى و الهون جدّ تفلّتي‏

* * *

و لكنها همّت بنا فتذكّرت‏* * *قضاء قضاة الحسن قدما فصدّت‏

* * *

أجلت خيالا إنني لا أجلّه‏* * *و لم أنتسب منه لغير تعلّة

* * *

على أنني كلّي و بعضي حقيقة* * *و باطل أوصافي و حقّ حقيقتي‏

* * *

و جنسي و فصلي و العوارض كلّها* * *و نوعي و شخصي و الهواء و صورتي‏

* * *

و جسمي و نفسي و الحشا و غرامه‏* * *و عقلي و روحانيّتي القدسيّة

* * *

و في كلّ لفظ عنه ميل لمسمعي‏* * *و في كل معنى منه معنى للوعتي‏

* * *

و دهري به عيد ليوم عروبة* * *و أمري أمري و الورى تحت قبضتي‏

* * *

و وقتي شهود في فناء شهدته‏* * *و لا وقت لي إلّا مشاهد غيبة

* * *

أراه معي حسّا و وهما و إنه‏* * *مناط الثّريّا من مدارك رؤيتي‏

* * *

و أسمعه من غير نطق كأنه‏* * *يلقّن سمعي ما توسوس مهجتي‏

* * *

ملأت بأنوار المحبّة باطني‏* * *كأنّك نور في سرار سريرتي‏

* * *

و جلّيت بالإجلال أرجاء ظاهري‏* * *كأنّك في أفقي كواكب زينة

* * *

فأنت الذي أخفيه عند تستّري‏* * *و أنت الذي أبديه في حين شهرتي‏

* * *

فته أحتمل، و اقطع أصل و اعل استفل‏* * *و مر أمتثل و املل أمل، و ارم أثبت‏

* * *

فقلبي إن عاتبته فيك لم أجد* * *لعتبي فيه الدهر موقع نكنة

* * *

و نفسي تنبو عن سواك نفاسة* * *فلا تنتمي إلّا إليك بمنّة

* * *

تعلّقت الآمال منك بفوق ما* * *أرى دونه ما لا ينال بحيلة

* * *

و حامت حواليها و ما وافقت حمى‏* * *سحائب يأس أمطرت ماء عبرتي‏

* * *

فلو فاتني منك الرّضى و لحقتني‏* * *بعفو بكيت الدهر فوت فضيلة

* * *

و لو كنت في أهل اليمين منعّما* * *بكيت على ما كان من سبقيّة

* * *

و كم من مقام قمت عنك مسائلا* * *أرى كلّ حيّ كلّ حيّ و ميّت‏

* * *

أتيت بفاراب أبا نصرها فلم‏* * *أجد عنده علما يبرّد غلّتي‏

* * *

و لم يدر قولي ابن سيناء سائلا* * *فقل كيف أرجو عنده برء علّتي‏

* * *

فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجى‏* * *و في ابن طفيل لاحتثاث مطيّتي؟

* * *

لقد ضاع لو لا أن تداركني حمى‏* * *من اللّه سعي بينهم طول مدّتي‏

* * *

فقيّض لي نهجا إلى الحقّ سالكا* * *و أيقظني من نوم جهلي و غفلتي‏

* * *

____________

(1) يستعمل الشاعر في هذا البيت اصطلاحات علم المنطق.

133

فحصّنت أنظار الجنيد جنيدها* * *بترك فلي من رغبة ريح رهبة

* * *

و كسّرت عن رجل ابن أدهم أدهما* * *و أنقذته من أسر حبّ الأسرة

* * *

وعدت على حلّاج شكري‏ بصلبه‏* * *و ألقيت بلعام التّفاتي‏ بهوّة

* * *

فقولي مشكور و رأيي ناجح‏* * *و فعلي محمود بكلّ محلّة

* * *

رضيت بعرفاني فأعليت للعلا* * *و أجلسني بعد الرّضا فيه جلّتي‏

* * *

فعشت و لا ضيرا أخاف و لا قلى‏* * *و صرت حبيبا في ديار أحبّتي‏

* * *

فها أنا ذا أمسي و أصبح بينهم‏* * *مبلّغ نفسي منهم ما تمنّت‏

* * *

و أنشدني قوله في حال قبض و قيّدتها عنه‏: [الطويل‏]

إليك بسطت الكفّ أستنزل الفضلا* * *و منك قبضت الطّرف أستشعر الذّلّا

* * *

و ها أنا ذا قد قمت‏ يقدمني الرّجا* * *و يحجمني‏ الخوف الذي خامر العقلا

* * *

أقدّم رجلا إن يضي‏ء برق مطمع‏* * *و تظلم أرجائي فلا أنقل الرّجلا

* * *

ولي عثرات لست آمل أن هوت‏* * *بنفسي ألّا أستقل و أن أصلى‏

* * *

فإن تدرّكني رحمة أنتعش بها* * *و إن تكن الأخرى فأولى بي الأولى‏

* * *

قال، و مما نظمته من الشعر: [مجزوء الكامل‏]

وجد تسعّره الضلو* * *ع و ما تبرّده المدامع‏

* * *

همّ تحرّكه الصّبا* * *بة و المهابة لا تطاوع‏

* * *

أملي‏ إذا وصل الرّجا* * *أسبابه فالموت قاطع‏

* * *

بالله يا هذا الهوى‏* * *ما أنت بالعشّاق صانع؟

* * *

قال: و مما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشي‏ء: [الرمل‏]

نحن، إن تسأل بناس، معشر* * *أهل ماء فجّرته الهمم‏

* * *

عرب من بيضهم أرزاقهم‏* * *و من السّمر الطوال الخيم‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «الجند» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «سكرى» و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «التفاني» و التصويب من النفح.

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 315).

(5) في الأصل: «قدمت» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في النفح: «و يحجم بي».

(7) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 315).

(8) في النفح: «أمل».

(9) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 315- 316).

134

عرّضت أحسابهم أرواحهم‏* * *دون نيل العرض و هي الكرم‏

* * *

أورثونا المجد حتى إننا* * *نرتضي الموت و لا نزدحم‏

* * *

ما لنا في الناس من ذنب سوى‏* * *أننا نلوي إذا ما اقتحموا

* * *

قال: و مما قلته مذيّلا به قول القاضي أبي بكر بن العربي‏: [مجزوء الوافر]

أما و المسجد الأقصى‏* * *و ما يتلى به نصّا

* * *

لقد رقصت بنات الشو* * *ق بين جوانحي رقصا

* * *

قولي: [مجزوء الوافر]

فأقلع بي إليه هوى‏* * *جناحا عزمه قصّا

* * *

أقلّ القلب و استعدى‏* * *على الجثمان فاستعصى‏

* * *

فقمت أجول بينهما* * *فلا أدنى و لا أقصى‏

* * *

قال: و مما قلته في التورية بشأن راوي المدوّنة: [البسيط]

لا تعجبنّ لظبي قد دها أسدا* * *فقد دها أسدا من قبل سحنون‏

* * *

قال: و مما قلته من الشعر: [البسيط]

أنبتّ عودا بنعماء بدأت بها* * *فضلا و ألبستها بعد اللّحى الورقا

* * *

فظلّ مستشعرا مستدثرا أرجا* * *ريّان ذا بهجة يستوقف الحدقا

* * *

فلا تشنه بمكروه الجنى فلكم‏* * *عوّدته من جميل من لدن خلقا

* * *

و انف القذى عنه و اثر الدهر منبته‏* * *و غذّه برجاء و اسقه غدقا

* * *

و احفظه من حادثات الدهر أجمعها* * *ما جاء منها على ضوء و ما طرقا

* * *

و مما قيّدت عنه أيام مجالسته و مقامه بغرناطة، و قد أجرى ذكر أبي زيد ابن الإمام، أنه‏ شهد مجلسا بين يدي السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمّو،

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 316).

(2) أقلع: نشر شراع السفينة، و هنا يشبّه الهوى بالملّاح.

(3) البيت في نفح الطيب (ج 7 ص 316).

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 317).

(5) في النفح: «لنعماء».

(6) مستشعرا: لابسا الشعار، و هو اللباس الذي يلامس البدن. مستدثرا: لابسا الدثار. لسان العرب (شعر) و (دثر).

(7) الغدق: بالفتح: الماء الكثير. لسان العرب (غدق).

(8) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 208- 211).

135

ذكر فيه أبو زيد المذكور، أن ابن القاسم مقيد بالنظر بأصول مالك، و نازعه أبو موسى عمران بن موسى المشذالي‏، و ادّعى أنه مطلق الاجتهاد، و احتج له بمخالفته لبعض ما يرويه أو يبلغه عنه لما ليس من قوله، و أتى من ذلك بنظائر كثيرة. قال: فلو تقيّد بمذهبه لم يخالفه لغيره، فاستظهر أبو زيد بنصّ لشرف الدين بن‏ التلمساني، و مثّل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك، و المزني إلى الشافعي. فقال أبو موسى عمران‏: هذا مثال، و المثال لا يلزم‏ صحّته، فصاح به أبو زيد ابن الإمام و قال لأبي عبد اللّه بن أبي عمر: تكلّم، فقال: لا أعرف ما قال هذا الفقيه، و الذي أذكره من كلام أهل العلم أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثّل به، فقال أبو موسى للسلطان: هذا كلام أصولي محقق، فقلت لهما يومئذ، و أنا حديث السن: ما أنصفهما الرّجل، فإن المثل‏ كما يؤخذ على جهة التحقيق، كذلك يؤخذ على جهة التقريب، و من ثمّ جاء ما قال‏ هذا الشيخ، أعني ابن أبي عمران‏، و كيف لا و هذا سيبويه يقول: و هذا مثال و لا يتكلّم به، فإذا صحّ أن المثال قد يكون تقريبا، فلا يلزم صحة المثال، و لا فساد الممثّل لفساده، فهذان القولان من أصل واحد.

و قال: شهدت مجلسا آخر عند هذا السلطان، قرى‏ء فيه على أبي زيد ابن الإمام حديث: «لقّنوا موتاكم لا إله إلا اللّه»، من‏ صحيح مسلم، فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السّلوي: هذا الملقّن محتضر حقيقة، ميّت مجازا، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم، و الأصل الحقيقة؟ فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه. و كنت قد قرأت على الأستاذ بعض «التنقيح»، فقلت: زعم القرافي أن المشتقّ إنما يكون حقيقة في الحال، مجازا في الاستقبال، مختلفا فيه في الماضي، إذا كان محكوما به.

و أمّا إذا كان متعلّق الحكم كما هنا، فهو حقيقة مطلقا إجماعا، و على هذا التقرير لا مجاز و لا سؤال. و لا يقال: إنه احتجّ على ذلك بما فيه نظر؛ لأنّا نقول: إنه نقل الإجماع، و هو أحد الأربعة التي لا يطالب عنها بالدليل، كما ذكر أيضا. بل‏

____________

(1) في النفح: «المشدّالي».

(2) في النفح: «و يبلغه».

(3) كلمة «بن» غير واردة في نفح الطيب.

(4) في النفح: «فقال عمران».

(5) في النفح: «تلزم».

(6) في النفح: «أبو موسى».

(7) في النفح: «عمرو».

(8) في النفح: «لهما و أنا يومئذ حديث ...».

(9) في النفح: «أنصفتما».

(10) في النفح: «المثل كما تؤخذ».

(11) في النفح: «قاله».

(12) في النفح: «عمرو».

(13) في النفح: «في».

(14) في النفح: «أمّا».

(15) في النفح: «مدّعيها».

136

نقول: إنه أساء حيث احتجّ في موضع الوفاق، كما أساء اللخمي و غيره في الاحتجاج على وجوب الطّهارة و نحوها. بل هذا أشنع، لكونه مما علم كونه من الدّين ضرورة. ثم إنّا لو سلّمنا نفي الإجماع، فلنا أن نقول: إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة؛ لأنّ تلقينه قبل ذلك، إن لم يدهش، فقد يوحش، فهو تنبيه على وقت التلقين: أي لقّنوا من تحكمون بأنه ميت. أو يقال‏: إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام، ألا ترى اختلافهم فيه: هل هو أخذ من حضور الملائكة أو حضور الأجل، أو حضور الجلّاس؟ و لا شك أن هذه حالة خفيّة يحتاج في نصها إلى دليل الحكمة أو إلى وصف ظاهر يضبطها، و هو ما ذكرناه، أو من حضور الموت، و هو أيضا ممّا لا يعرّف بنفسه، بل بالعلامات. فلمّا وجب اعتبارها، وجب كون تلك التسمية إشارة إليها، و اللّه أعلم.

و قال: و كان أبو زيد يقول، فيما جاء من الأحاديث: ما معنى قول ابن أبي زيد: «و إذا سلّم الإمام، فلا يلبث‏ بعد سلامه و لينصرف»، و ذلك بعد أن ينتظر من يسلّم من خلفه لئلّا يمر بين يدي أحد، و قد ارتفع عنه حكمه، فيكون كالداخل مع المسبوق جمعا بين الأدلة.

و قلت‏: و هذا من ملح الفقيه. و قال: كان أبو زيد يعني الإمام، يصحّف قول الخونجي في الجمل و المقارنات التي يمكن اجتماعه معها، فيقول: و «المفارقات»، و لعلّه في هذا كما قال أبو عمرو بن العلاء للأصمعي لمّا قرأ عليه: [مجزوء الكامل‏]

و غررتني و زعمت أنك‏* * *لابن في الصّيف‏ تامر

* * *

فقال: [مجزوء الكامل‏]

و غررتني و زعمت أنك‏* * *لا تني‏ بالضّيف تامر

* * *

فقال: أنت في تصحيفك أشهر من الحطيئة، أو كما يحكى‏ عن الشافعي أنه لما صلّى في رمضان بالخليفة، لم يكن يومئذ يحفظ القرآن، فكان ينظر في‏

____________

(1) في النفح: «بالضرورة».

(2) في النفح: «أو نقول».

(3) كلمة «هو» غير واردة في النفح.

(4) في النفح: «في نصبها دليلا على الحكم إلى وصف».

(5) في النفح: «من».

(6) في النفح: «يثبت».

(7) في النفح: «ينتظر بقدر ما يسلّم ...».

(8) في النفح: «قلت».

(9) في النفح: «بالصيف».

(10) في النفح: «لابن».

(11) في النفح: «كما حكي عمن صلّى بالخليفة في رمضان، و لم ...».

137

المصحف، و قرأ الآية «صنعة اللّه أصيب بها من أساء. إنما المشركون نحس. وعدها إياه‏، تقية لكم خير لكم. هذا أن دعوا للرحمن ولدا، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».

و قال‏: و ذكر أبو زيد ابن الإمام في مجلسه يوما أنه سئل بالمشرق عن هاتين الشريطتين‏: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏ (23)، فإنهما يستلزمان‏ بحكم الإنتاج «و لو علم اللّه فيهم خيرا لتولّوا و هم معرضون» و هو محال. ثم أراد أن يرى ما عند الحاضرين، فقال ابن حكم: قال الخونجي: و الإهمال بإطلاق لفظه، لو و أن في المتّصلة، فهاتان القضيتان على هذا مهملتان، و المهملة في قوة الجزئية، و لا قياس على‏ جزئيّتين. فلما اجتمعت ببجاية بأبي علي حسين بن حسين، أخبرته بهذا، و بما أجاب به الزّمخشري و غيره، ممّا يرجع إلى انتفاء أمر تكرار الوسط. فقال لي: الجوابان في المعنى سواء؛ لأن القياس على الجزئيّتين إنما امتنع لانتفاء أمر تكرار الوسط. و أخبرت بذلك شيخنا أبا عبد اللّه الآبلي، فقال: إنما يقوم القياس على الوسط، ثم يشترط فيه بعد ذلك أن لا يكون من جزئيتين و لا سالبتين، إلى سائر ما يشترط، فقلت: ما المانع من كون هذه الشروط تفصيلا لمجمل ما ينبني عليه الوسط و غيره، و إلا فلا مانع لما قاله ابن حسين. قال الآبلي: و أجبت بجواب السّلوي، ثم رجعت إلى ما قاله الناس، لوجوب كون مهملات القرآن كلّية؛ لأن الشّرطية لا تنتج جزئيّة. فقلت: هذا فيما يساق منها للحجة مثل‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. أما في مثل هذا فلا قلت‏. و كان يلزم السؤال الأول لو لم يكن للمتولي سبب تأخر، حسبما تبين في مسألة، لو لم يطع اللّه، فلينظر ذلك في اسم شيخنا أبي بكر يحيى بن هذيل (رحمه اللّه).

و قال‏: لما ورد تلمسان الشيخ الأديب أبو الحسن بن فرحون، نزيل طيبة، على تربتها السلام، سأل ابن حكم عن معنى هذين البيتين: [الوافر]

____________

(1) في النفح: «أباه».

(2) في النفح: «يعنيه».

(3) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 215).

(4) في النفح: «الشرطيتين».

(5) سورة الأنفال 8، الآية 23.

(6) في النفح: «تستلزمان».

(7) في النفح: «عن».

(8) في النفح: «انتفاء تكرر الوسط».

(9) في النفح: «تكرر».

(10) في النفح: «من الوسط».

(11) سورة الأنبياء 21، الآية 22.

(12) كلمة «قلت» غير واردة في النفح.

(13) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 215- 218).

138

رأت قمر السماء فأذكرتني‏* * *ليالي وصلنا بالرّقمتين‏

* * *

كلانا ناظر قمرا و لكن‏* * *رأيت بعينها و رأت بعيني‏

* * *

ففكّر ثم قال: لعل هذا الرجل كان ينظر إليها، و هي تنظر إلى قمر السماء، فهي تنظر إلى القمر حقيقة، و هو لفرط الاستحسان يرى أنها الحقيقة. فقد رأى بعينها لأنها ناظرة الحقيقة. و أيضا و هو ينظر إلى قمر مجازا، و هو لإفراطه استحسانها يرى أنّ قمر السماء هو المجاز، فقد رأت بعينه؛ لأنها ناظرة المجاز.

قلت: و من هذا يعلم وجه الفاء في قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ‏ و الفاء فأذكرتني بمثابة قولك أذكرتني، فتأمّله، فإن بعض من لا يفهم كلام الأستاذ كل‏ الفهم، ينشده: «و أذكرتني». فالفاء في البيت الأول، منبّهة على الثاني، و هذا النحو يسمى «الإيذان في علم البيان».

و قال: سألني ابن حكم عن نسب هذا المجيب في هذا البيت: [الكامل‏]

و مهفهف الأعطاف قلت له انتسب‏* * *فأجاب ما قتل المحبّ حرام‏

* * *

ففكرت ثم قلت له‏: أراه تميميا؛ لإلغائه «ما» النافية. فاستحسنه مني لصغر سني يومئذ. و سأل ابن فرحون ابن حكم يوما: هل تجد في التّنزيل ستّ فاءات مرتبة ترتيبها في هذا البيت: [البسيط]

رأى فحبّ فرام الوصل فامتنعت‏* * *فسام صبرا فأعيا نيله فقضى‏

* * *

ففكر ابن‏ حكم، ثم قال: نعم قوله عزّ و جلّ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنادَوْا إلى آخرها، فمنعت له البناء في‏ فَتَنادَوْا.

فقال لابن فرحون: فهل عندك غيره؟ فقال: نعم، قوله عزّ و جلّ: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَ سُقْياها (13) إلى آخرها، فمنع لهم بناء الآخرة لقراءة الواو. فقلت له: امنع و لا تسند، فيقال‏: إن المعاني قد تختلف باختلاف الحروف، و إن كان السّند لا يسمع الكلام عليه. و أكثر ما وجدت الفاء تنتهي في كلامهم إلى هذا العدد، سواء بهذا الشرط و بدونه، كقول نوح (عليه السلام): فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ‏

____________

(1) في النفح: «وصلها».

(2) في النفح: «لإفراط».

(3) في النفح: «الاستحسان «لها يرى ...».

(4) في النفح: «حقّ».

(5) كلمة «هذا» غير واردة في النفح.

(6) كلمة «له» غير واردة في النفح.

(7) كلمة «يوما» غير واردة في النفح.

(8) في النفح: «ففكر ثم قال».

(9) سورة القلم 68، الآيات 19- 21.

(10) سورة الشمس 91، الآية 13.

(11) في النفح: «فيقال لك».

139

وَ شُرَكاءَكُمْ‏. و كقول امرئ القيس: «غشيت ديار الحيّ بالبكرات، البيتين‏». لا يقال قوله: فالحبّ‏ سابع؛ لأنا نقول إنه عطف على «عاقل» المجرّد منها، و لعلّ حكمة السّتة أنها أول الأعداد التامة، كما قيل في حكمة خلق السماوات و الأرض فيها، و شأن اللسان عجيب.

و قال‏: سمعت ابن حكم يقول: كتب‏ بعض أدباء فاس إلى صاحب له:

[المجتث‏]

ابعث إليّ بشي‏ء* * *مدار فاس عليه‏

* * *

و ليس عندك شي‏ء* * *ممّا أشير إليه‏

* * *

فبعث إليه ببطّة من مرّي‏ شرب، يشير بذلك إلى الرّياء.

و حدّثت أن قاضيها أبا محمد عبد اللّه بن أحمد بن الملجوم دعي‏ إلى وليمة، و كان كثير البلغم، فوضع بين يديه صهره أبو العباس بن الأشقر غضارا من اللّوز المطبوخ بالمرّي، لمناسبة لمزاجه، فخاف أن يكون قد عرّض له بالرياء. و كان ابن الأشقر يذكر بالوقوع في الناس، فقدّم‏ له القاضي غضار المقروض، فاستحسن الحاضرون فطنته.

و قال عند ذكر شيخه أبي محمد عبد اللّه بن عبد الواحد المجاصي: دخلت عليه بالفقيه أبي عبد اللّه السّطي في أيام عيد، فقدّم لنا طعاما، فقلت: لو أكلت معنا، فرجونا بذلك ما يرفع من حديث «من أكل مع مغفور له، غفر له» فتبسّم، و قال لي: دخلت على سيدي أبي عبد اللّه الفاسي بالإسكندرية، فقدّم‏

____________

(1) سورة يونس 10، الآية 71.

(2) بينا امرئ القيس هما [الطويل‏]:

غشيت ديار الحيّ بالبكرات‏* * *فعارمة فبرقة العيرات‏

* * *

فغول فحلّيت فمنعج‏* * *إلى عاقل فالجبّ ذي الأمرات‏

* * *

ديوان امرئ القيس (ص 78).

(3) في النفح: «فالجبّ».

(4) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 218- 221).

(5) في النفح: «بعث».

(6) البطّة: إناء كالقارورة. محيط المحيط (بطط). و المرّي، بتشديد الراء: نوع من مستحضرات تتخذ في صنع الأطعمة، و يقال إنه مركب يصنع من الدقيق و الملح و العسل و التمر و أشياء أخرى. و يقال هو نوع يعمل من السمك المالح و اللحوم المالحة. ملحق معجم المعاجم العربية لدوزي (مادة مري) و كتاب الطبيخ في المغرب و الأندلس في عصر الموحدين (ص 82).

(7) في النفح: «حضر وليمة».

(8) في النفح: «فناوله القاضي».

140

لنا طعاما، فسألته عن هذا الحديث فقال: وقع في نفسي‏ شي‏ء، فرأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) في المنام، فسألته عنه، فقال‏: لم أقله، و أرجو أن يكون كذلك. و صافحته بمصافحته الشيخ أبا عبد اللّه زيان، بمصافحته أبا سعيد عثمان بن عطية الصعيدي، بمصافحته أبا العباس أحمد الملثّم، بمصافحته المعمّر، بمصافحته رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و حدّث عن شيخه أبي محمد الدّلاصي، أنه كان للملك العادل مملوك اسمه محمد، فكان يخصّه لدينه و عقله، بالنداء باسمه، و إنما كان ينعق‏ بمماليكه: يا ساقي، يا طبّاخ، يا مزين. فناداه‏ ذات يوم: يا فرّاش، فظنّ أن‏ ذلك لموجدة عليه. فلم ير أثر ذلك، و تصوّرت له به خلوة، فسأله عن مخالفته لعادته‏، فقال له: لا عليك، كنت يومئذ جنبا، فكرهت أن أذكر اسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، على تلك الحالة. و قال: أنشدني المجاصي، قال: أنشدني الإمام‏ نجم الدين الواسطي، قال: أنشدني شرف الدين الدمياطي، قال: أنشدني تاج الدين الآمدي‏، مؤلف «الحاصل»، قال: أنشدني الإمام فخر الدين‏ لنفسه:

[الطويل‏]

نهاية إقدام العقول عقال‏* * *و أكثر سعي العالمين ضلال‏

* * *

و أرواحنا في وحشة من جسومنا* * *و حاصل دنيانا أذى‏ و وبال‏

* * *

____________

(1) كلمة «لنا» غير واردة في النفح.

(2) في النفح: «نفسي منه شي‏ء».

(3) في النفح: «فقال لي».

(4) يقال: نعق الغراب إذا صوّت، و نعق الراعي الغنم: صاح بها، و ينعق بمماليكه: ينادي. لسان العرب (نعق).

(5) في النفح: «فنادى به ذات ...».

(6) كلمة «أن» غير واردة في النفح.

(7) الموجدة: الغضب. لسان العرب (وجد).

(8) في النفح: «لعادته معه فقال».

(9) في النفح: «فكرهت ذكر رسول ...».

(10) كلمة «الإمام» غير واردة في النفح.

(11) في النفح: «الأرموي».

(12) هو فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن البكري الطبرستاني الأصل، الرازي المولد، إمام مفسّر و طبيب و أديب و شاعر. توفي سنة 606 ه. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 4 ص 82) و عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص 462) و البداية و النهاية (ج 13 ص 55). و أبياته هذه في وفيات الأعيان (ج 4 ص 84) و عيون الأنباء (ص 468) و الوافي بالوفيات (ج 4 ص 257- 258) و نفح الطيب (ج 7 ص 220- 221). و في البداية و النهاية (ص 56) فقط البيتان الثاني و الثالث.

(13) في عيون الأنباء: «في عقلة».

(14) في الوافي بالوفيات: «ردى».

(15) في الأصل: «و دبال»، و التصويب من المصادر المذكورة.

141

و لم نستفد من بحثنا طول عمرنا* * *سوى أن جمعنا فيه قيل و قال‏

* * *

و كم من رجال قد رأينا و دولة* * *فبادوا جميعا مسرعين و زالوا

* * *

و كم من جبال قد علت شرفاتها* * *رجال فماتوا و الجبال جبال‏

* * *

و قال‏: و قد مرّ من ذكر الشريف القاضي أبي علي حسين بن يوسف بن يحيى الحسني في عداد شيوخه و قال: حدّثني أبو العباس الرّندي عن القاضي أبي العباس بن الغمّاز، قال: لمّا قدم القاضي أبو العباس بن الغماز من بلنسية، نزل بجاية؛ فجلس بها في الشهود مع عبد الحق بن ربيع‏، فجاء عبد الحق يوما، و عليه برنس أبيض، و قد حسنت شارته، و كملت هيئته، فلمّا نظر إليه ابن الغماز أنشده:

[الخفيف‏]

لبس البرنس الفقيه فباهى‏* * *و رأى أنه المليح فتاها

* * *

لو زليخا رأته حين تبدّى‏* * *لتمنّته أن يكون فتاها

* * *

و قال أيضا: إن ابن الغمّاز جلس لارتقاب الهلال بجامع الزّيتونة، فنزل الشهود من المئذنة و أخبروا أنهم لم يهلّوه‏. و جاء حفيد له صغير، فأخبره أنه أهلّه، فردّهم معه، فأراهم إياه، فقال: ما أشبه الليلة بالبارحة. و قد وقع لنا مثل هذا مع أبي الربيع بن سالم‏، فأنشدنا فيه: [الطويل‏]

توارى هلال الأفق عن أعين الورى‏* * *و أرخى حجاب الغيم دون محيّاه‏

* * *

فلمّا تصدّى لارتقاب شقيقه‏* * *تبدّى له دون الأنام فحيّاه‏

* * *

____________

(1) في الوافي بالوفيات: «... طول دهرنا سوى ... فيه قلت و قالوا».

(2) في وفيات الأعيان و عيون الأنباء: «و كم قد رأينا من رجال و دولة».

(3) في المصدرين السابقين: «فزالوا» بدل «فماتوا». و رواية عجز البيت في الوافي بالوفيات هي:

و مال فزالت و الجبال جبال‏

(4) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 222).

(5) هو أحمد بن محمد بن الحسن بن الغماز الأنصاري؛ ولي قضاء بجاية، و توفي بتونس سنة 693 ه. عنوان الدراية (ص 70).

(6) لعبد الحق بن ربيع ترجمة ضافية في عنوان الدراية (ص 32).

(7) تاها: فعل ماض من التيه، و الألف للإطلاق، و أصل القول: تاه.

(8) لم يهلّوه: لم يروه. لسان العرب (هلل).

(9) كلمة «و قد» غير واردة في النفح.

(10) هو سليمان بن موسى بن سالم الحميري الكلاعي، المتوفى سنة 634 ه. و سيترجم له ابن الخطيب في الجزء الرابع من الإحاطة.

142

و جرى في ذكر أبي عبد اللّه بن النجار، الشيخ التعالمي من أهل تلمسان، فقال‏: ذكرت يوما قول ابن الحاجب فيما يحرّم من النساء بالقرابة، و هي «أصول و فصول، أول أصوله، و أول فصل من كل أصل و إن علا»، فقال: إن تركّب لفظ التّسمية العرفية من الطّرفين حلّت، و إلّا حرمت، فتأمّلته، فوجدته كما قال: لأن أقسام هذا الضابط أربعة: التّركيب من الطرفين، كابن العم و ابنة العم مقابله كالأب و البنت، و التركيب‏ من قبل الرجل كابنة الأخ و العمّ مقابله كابن الأخت و الخالة.

و ذكر الشيخ الرئيس أبا محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي. و قال‏:

كان ينكر إضافة الحول إلى اللّه عزّ و جلّ، فلا يجيز أن يقال: «بحول اللّه و قوّته»، قال: لأنه لم يرد إطلاقه‏، و المعنى يقتضي امتناعه؛ لأنّ الحول كالحيلة، أو قريب منها.

و حكى‏ عن شيخه أبي زيد عبد الرحمن الصّنهاجي‏، عن القاضي أبي زيد عبد الرحمن بن علي الدّكالي، أنه اختصم عنده رجلان في شاة، ادّعى أحدهما أنه أودعها الآخر، و ادّعى الآخر أنها ضاعت منه، فأوجب اليمين على المودع‏ أنها ضاعت من غير تضييع، فقال: كيف أضيّع، و قد شغلتني حراستها عن الصلاة، حتى خرج وقتها؟ فحكم عليه بالغرم، فقيل له في ذلك، فقال: تأوّلت قول عمر: و «من ضيّعها فهو لما سواها أضيع».

و حكى عن الشيخ الفقيه رحلة الوقت أبي عبد اللّه الآبلي، حكاية في باب الضّرب، و قوة الإدراك، قال‏: كنت يوما مع القاسم بن محمد الصّنهاجي، فوردت عليه طومارة من قبل القاضي أبي الحجاج الطرطوشي فيها: [السريع‏]

خيرات ما تحويه مبذولة* * *و مطلبي تصحيف مقلوبها

* * *

____________

(1) هو أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن علي بن النجار، و ترجمته في التعريف بابن خلدون (ص 47) و نيل الابتهاج (ص 239) و جذوة الاقتباس (ص 190) و نفح الطيب (ج 7 ص 224).

(2) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 225).

(3) في النفح: «التركب».

(4) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 227- 228).

(5) إطلاق الأسماء على اللّه سبحانه و تعالى مختلف فيه بين العلماء.

(6) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 229).

(7) في النفح: هو أبو زيد عبد الرحمن بن يعقوب بن علي الصنهاجي المكتب.

(8) في النفح: «المودع عنده أنها».

(9) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 231- 232).

143

فقال لي: ما مطلبه؟ فقلت: «نارنج». و دخل‏ عليه و أنا عنده بتلمسان الشيخ الطبيب‏ أبو عبد اللّه الدبّاغ المالقي‏، فأخبرنا أن أديبا استجدى وزيرا بهذا الشّطر:

«ثمّ حبيب قلّما ينصف» فأخذته و كتبته، ثم قلبته و صحّفته، فإذا به‏: قصبتا ملفّ شحمي.

و قال: قال‏ شيخنا الآبلي: لما نزلت تازة مع أبي الحسن بن برّي، و أبي عبد اللّه التّرجالي، فاحتجت إلى النوم، و كرهت قطعهما إلى‏ الكلام، فاستكشفت منهما عن معنى هذا البيت للمعري: [الطويل‏]

أقول لعبد اللّه لمّا سقاؤنا* * *و نحن بوادي عبد شمس و هاشم‏

* * *

فجعلا يفكّران فيه، فنمت حتى أصبحا، و لم يجداه، و سألوني عنه، فقلت:

معناه «أقول لعبد اللّه لمّا و هي سقاؤنا، و نحن بوادي عبد شمس: شم لنا برقا».

قلت: و فيه نظر. و إن استقصينا مثل هذا، خرجنا عن الغرض.

مولده: نقلت من خطه: كان‏ مولدي بتلمسان أيام أبي حمّو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيّان. و قد وقفت على تاريخ ذلك، و رأيت‏ الصّفح عنه؛ لأن أبا الحسن بن موسى‏ سأل أبا الطاهر السّلفي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفتح بن زيّان بن مسعدة عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت‏ محمد بن علي بن محمد اللبّان عن سنّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت حمزة بن يوسف السّهمي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن علي النفزي‏ عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل التّرمذي عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي‏ عن‏

____________

(1) في النفح: «دخل عليه الآبلي و أنا ...».

(2) كلمة «الطبيب» غير واردة في النفح.

(3) في النفح: «المالقي المتطبب».

(4) في النفح: «فإذا هو».

(5) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 233).

(6) في النفح: «عن الكلام، فاستكشفتهما».

(7) في النفح: «قلت: و في جواز مثل هذا نظر».

(8) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 198- 199).

(9) في النفح: «و لكني رأيت».

(10) في النفح: «مؤمن».

(11) قوله: «بن مسعدة» غير وارد في النفح.

(12) في النفح: «سألت علي بن محمد اللبان».

(13) في النفح: «محمد بن عدي المنقري».

(14) في النفح: «سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنّه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي ...».

144

سنّه، فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنّه، فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة إخبار الرجل عن سنّه‏.

وفاته: توفي بمدينة فاس في أخريات محرم من عام تسعة و خمسين و سبعمائة، و أراه توفي في ذي حجة من العام قبله. و نقل إلى تربة سلفه بمدينة تلمسان حرسها اللّه.

محمد بن عياض بن محمد بن عياض بن موسى اليحصبي‏

من أهل سبتة، حفيد القاضي الإمام أبي الفضل عياض، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: كان من عدول القضاة، و جلّة سراتهم، و أهل النزاهة فيهم، شديد التحري في الأحكام و الاحتياط، صابرا على الضعيف فيهم و الملهوف، شديد الوطأة على أهل الجاه و ذوي السّطوة، فاضلا، و قورا، حسن السّمت، يعرّفه كلامه أبدا، و يزينه ذلك لكثرة و قاره، محبّا في العلم و أهله، مقرّبا لأصاغر الطلبة، و مكرّما لهم، و معتنيا بهم، معملا جهده في الدّفع عنهم، لما عسى أن يسوءهم؛ ليحبّب إليهم العلم و أهله، ما رأينا بعده في هذا مثله. سكن مالقة مع أبيه عند انتقال أبيه إليها، إلى أن مات أبوه سنة خمس و خمسين و ستمائة.

حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، و جرى ذكر إعرابه لفظ من حديثه عن شيوخه، قال: دخلت على القاضي المذكور، فسأل أحدنا عن أبيه، فقال: ابن فلان.

و ذكر معرفة مشتركة بين تجّار فاس، فقال: أيهما الذي ينحت في الخشب، و الذي يعمل في السلاح؟ فما فطن لقصده لسذاجته. و حدّثني عن ذكر جزالته أنها كانت تقع له مع السلطان مستقضيه، مع كونه مرهوبا، شديد السّطوة، و قائع تنبى‏ء عن تصميمه، و بعده عن الهوادة؛ منها أن السلطان أمر بإطلاق محبوس كان قد سجنه، فأنفذ بين يدي السلطان الأمر للسّجّان بحبسه، و توعّده إن أطلقه. و منها إذاعة ثبوت العيد في أخريات يوم كان قد أمل السلطان البروز إلى العيد في صباحه، فنزل عن القلعة ينادي: عبد اللّه، يا ميمون، أخبر الناس عن عيدهم اليوم، و أمثال ذلك.

مشيخته: قرأ بسبتة، و أسند بها، فأخذ عن أبي الصبر أيوب بن عبد اللّه الفهري و غيره، و رحل إلى الجزيرة الخضراء، فأخذ بها كتاب سيبويه و غيره تفقيها على النحويّ الجليل أبي القاسم عبد الرحمن بن القاسم القاضي المتفنن. و أخذ بها أيضا كتاب «إيضاح الفارسي» عن الأستاذ أبي الحجاج بن مغرور، و أخذ بإشبيلية و غيرها

____________

(1) في النفح: «المروءة للرجل أن يخبر بسنّه».

145

عن آخرين. و قرأ على القاضي أبي القاسم بن بقيّ بن نافحة، و أجاز له. و كتب له من أهل المشرق جماعة كثيرة، منهم أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر بن أبي الفتح الصّيدلاني، و أجاز له بأصبهان، و هو سبط حسن بن مندة، أجاز له في شوال سنة ثمان و تسعين و خمسمائة. و تحمل عن أبي علي الحداد، شيخ السّلفي الحافظ عن محمود الصيرفي و نظائرهما، و جماعة من إصبهان كثيرة كتبوا له بالإجازة. و كتب له من غيرها من البلاد نيّف و ثمانون رجلا، منهم أحد و ستون رجلا كتبوا له مع الشيخ المحدث أبي العباس المغربي، و القاضي أبي عبد اللّه الأزدي، و قد نصح على جميعهم في برنامجيهما، و استوفى أبو العباس الغربي نصوص الإسترعات، و فيها اسم القاضي أبو عبد اللّه بن عياض.

من روى عنه: قال الأستاذ أبو جعفر، (رحمه اللّه): أجاز لي مرتين اثنتين‏.

و قال: حدّثني أبو عبد اللّه مشافهة بالإذن، أنبأنا أبو الطاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي كتابة من دمشق، أنبأنا أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الرّازي، المعروف بابن الحطّاب، بالحاء المهملة، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الوهاب البغدادي بالفسطاط، أخبرنا موسى بن محمد بن عرفة السمسار ببغداد، قال أبو عمرو بن أحمد بن الفضل النّفزي: أخبرنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يأتي على الناس زمان، الصّابر منهم على دينه، كالقابض على الجمر».

هذا الإسناد قريب يعزّ مثله في القرب لأمثالنا، ممن مولده بعد الستمائة، و إسماعيل بن موسى من شيوخ التّرمذي، قد خرّج عنه الحديث المذكور، لم يقع له في مصنّفه ثلاثي غيره.

مولده: بسبتة سنة أربع و ثمانين و خمسمائة.

وفاته: توفي بغرناطة يوم الخميس الثامن و العشرين لجمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة.

محمد بن عياض بن موسى بن عياض بن عمر بن موسى ابن عياض اليحصبي‏

من أهل سبتة، ولد الإمام أبي الفضل، يكنى أبا عبد اللّه.

____________

(1) في الأصل: «اثنين» و هو خطأ نحوي.

146

حاله: كان فقيها جليلا، أديبا، كاملا. دخل الأندلس، و قرأ على ابن بشكوال كتاب الصّلة، و ولي قضاء غرناطة. قال ابن الزّبير: وقفت على جزء ألّفه في شي‏ء من أخبار أبيه، و حاله في أخذه و علمه، و ما يرجع إلى هذا، أوقفني عليه حفدته بمالقة.

وفاته: توفي سنة خمس و سبعين و خمسمائة.

محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد ابن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان ابن عبد السلام بن جبير الكناني‏

الواصل إلى الأندلس.

أوّليّته: دخل جدّه عبد السلام بن جبير في طالعة بلج بن بشر بن عياض القشيري في محرم ثلاث و عشرين و مائة. و كان نزوله بكورة شدونة. و هو من ولد ضمرة بن كنانة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. بلنسي الأصل، ثم غرناطي الاستيطان. شرّق، و غرّب، و عاد إلى غرناطة.

حاله: كان‏ أديبا بارعا، شاعرا مجيدا، سنيّا فاضلا، نزيه المهمة، سريّ النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة في الخط. كتب بسبتة عن أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، و بغرناطة عن غيره من ذوي قرابته، و له فيهم أمداح كثيرة.

ثم نزع عن ذلك، و توجّه إلى المشرق. و جرت بينه و بين طائفة من أدباء عصره، مخاطبات ظهرت فيها براعته و إجادته. و نظمه فائق، و نثره بديع. و كلامه المرسل، سهل حسن، و أغراضه جليلة، و محاسنه ضخمة، و ذكره شهير، و رحلته نسيجة وحدها، طارت كل مطار، (رحمه اللّه).

رحلته: قال من عني بخبره‏: رحل ثلاثا من الأندلس إلى المشرق، و حجّ في كل واحدة منها. فصل عن غرناطة أول ساعة من يوم الخميس لثمان خلون من شوال، ثمان و سبعين و خمسمائة، صحبة أبي جعفر بن حسان، ثم عاد إلى وطنه‏

____________

(1) ترجمة ابن جبير في الذيل و التكملة (ج 5 ص 595) و التكملة (ج 2 ص 109) و زاد المسافر (ص 72) و النجوم الزاهرة (ج 6 ص 221) و شذرات الذهب (ج 5 ص 60) و المغرب (ج 2 ص 384) و نفح الطيب (ج 3 ص 138) و مقدمة كتابه «رحلة ابن جبير».

(2) النص في الذيل و التكملة (ج 5 ص 607- 608).

(3) في الذيل: «في شبيته».

(4) راجع الذيل و التكملة (ج 5 ص 596).

147

غرناطة لثمان بقين من محرم واحد و ثمانين، و لقي بها أعلاما يأتي التعريف بهم في مشيخته، و صنّف الرحلة المشهورة، و ذكر مناقله فيها و ما شاهده من عجايب البلدان، و غرايب المشاهد، و بدايع الصّنايع، و هو كتاب مؤنس ممتع، مثير سواكن النفوس إلى الرّفادة على تلك المعالم المكرمة و المشاهد العظيمة.

و لما شاع الخبر المبهج بفتح بيت المقدس على يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي‏، قوي عزمه على عمل الرحلة الثانية، فتحرك إليها من غرناطة، يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول من سنة خمس و ثمانين و خمسمائة، ثم آب إلى غرناطة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من شعبان سبع و ثمانين. و سكن غرناطة، ثم مالقة، ثم سبتة، ثم فاس‏، منقطعا إلى إسماع الحديث و التصوّف، و تروية ما عنده. و فضله بديع، و ورعه يتحقق، و أعماله الصالحة تزكو. ثم رحل الثالثة من سبتة، بعد موت زوجته عاتكة أم المجد بنت الوزير أبي جعفر الوقّشي‏، و كان كلفا بها، فعظم وجده عليها. فوصل مكة، و جاور بها طويلا، ثم بيت المقدس، ثم تجوّل بمصر و الإسكندرية، فأقام‏ يحدّث، و يؤخذ عنه إلى أن لحق بربه.

مشيخته: روى بالأندلس عن أبيه، و أبي الحسن بن محمد بن أبي العيش، و أبي عبد اللّه بن أحمد بن عروس، و ابن الأصيلي. و أخذ العربية عن أبي الحجاج بن يسعون. و بسبتة عن أبي عبد اللّه بن عيسى التميمي السّبتي. و أجاز له أبو الوليد بن سبكة، و إبراهيم بن إسحاق بن عبد اللّه الغسّاني التونسي، و أبو حفص عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي الميّانجي، نزيلا مكة، و أبو جعفر أحمد بن علي القرطبي الفنكي، و أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد البغدادي، و صدر الدين أبو محمد عبد اللطيف الحجري رئيس الشّافعية بأصبهان.

و ببغداد العالم الحافظ المتبحر نادرة الفلك أبو الفرج، و كناه أبو الفضل ابن الجوزي.

و حضر بعض مجالسه الوعظية و قال فيه: «فشاهدنا رجلا ليس بعمرو و لا زيد، و في جوف الفرا كلّ الصّيد»، و بدمشق أبو الحسن أحمد بن حمزة بن علي بن عبد اللّه بن عباس السّلمي الجواري، و أبو سعيد عبد اللّه بن محمد بن أبي عصرون، و أبو الطاهر

____________

(1) انظر: الذيل و التكملة (ج 5 ص 605- 606).

(2) في الذيل: «بوري».

(3) في الأصل: «عشر» و التصويب من الذيل.

(4) في الذيل: «ثم فاس ثم سبته».

(5) في الذيل: «أبي جعفر أحمد بن عبد الرحمن الوقشي».

(6) في الذيل: «فأقام بها».

148

بركات الخشوعي، و سمع عليه، و عماد الدين أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن حامد الأصبهاني من أئمة الكتاب، و أخذ عنه بعض كلامه، و غيره، و أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الأخضر بن علي بن عساكر، و سمع عليه، و أبو الوليد إسماعيل بن علي بن إبراهيم و الحسين بن هبة اللّه بن محفوظ بن نصر الرّبعي، و عبد الرحمن بن إسماعيل بن أبي سعيد الصّوفي، و أجازوا له، و بحرّان الصّوفي العارف أبو البركات حيّان بن عبد العزيز، و ابنه الحاذي حذوه.

من أخذ عنه: قال ابن عبد الملك‏: أخذ عنه أبو إسحاق بن مهيب، و ابن الواعظ، و أبو تمام بن إسماعيل، و أبو الحسن بن‏ نصر بن فاتح بن عبد اللّه البجّائي، و أبو الحسن بن علي الشّادي‏، و أبو سليمان بن حوط اللّه، و أبو زكريا، و أبو بكر يحيى بن محمد بن أبي الغصن‏، و أبو عبد اللّه بن حسن بن مجبر، و أبو العباس بن عبد المؤمن البنّاني‏، و أبو محمد بن حسن اللّواتي، و ابن‏ تامتيت، و ابن محمد الموروري، و أبو عمر بن سالم، و عثمان بن سفيان بن أشقر التّميمي التونسي.

و ممّن أخذ عنه‏ بالإسكندرية، رشيد الدين أبو محمد عبد الكريم بن عطاء اللّه، و بمصر رشيد الدين بن العطّار، و فخر القضاة ابن الجيّاب، و ابنه جمال القضاة.

تصانيفه: منها نظمه. قال ابن عبد الملك‏: «وقفت منه على مجلد متوسط يكون على‏ قدر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس. و منه جزء سماه «نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح» في مراثي زوجه أم المجد. و منه جزء سماه «نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان». «و له ترسيل بديع، و حكم مستجادة»، و كتاب رحلته. «و كان أبو الحسن الشّادي يقول: إنها ليست من تصانيفه، و إنما قيّد معاني ما

____________

(1) الذيل و التكملة (ج 5 ص 606- 607).

(2) في الذيل: «روي عنه».

(3) في الذيل: «و أبو الحسن ابن أبي نصر فاتح بن ...».

(4) في الذيل: «و ابن محمد الشاري».

(5) في الذيل: «أبو بكر يحيى بن عبد الملك بن أبي الغصن».

(6) في الأصل: «مجير» و التصويب من الذيل.

(7) في الذيل: «و آباء العباس: ابن عبد المؤمن و النباتي».

(8) في الذيل: «و ابن محمد».

(9) في الذيل: «ابن».

(10) في الذيل: «و ممن روي عنه».

(11) الذيل و التكملة (ج 5 ص 608).

(12) كلمة «على» ساقطة من الذيل و التكملة.

149

تضمنته، فتولى ترتيبها، و تنضيد معانيها بعض الآخذين عنه، على ما تلقاه منه». و اللّه أعلم.

شعره: من ذلك القصيدة الشهيرة التي نظمها، و قد شارف المدينة المكرّمة طيبة، على ساكنها من اللّه أفضل الصلوات، و أزكى التسليم‏: [المتقارب‏]

أقول و آنست بالليل نارا* * *لعلّ سراج الهدى قد أنارا

* * *

و إلّا فما بال أفق الدّجى‏* * *كأنّ سنا البرق فيه استطارا

* * *

و نحن من الليل في حندس‏* * *فما باله قد تجلّى نهارا؟

* * *

و هذا النّسيم شذا المسك قد* * *أعير أم المسك منه استعارا؟

* * *

و كانت رواحلنا تشتكي‏* * *وجاها فقد سابقتنا ابتدارا

* * *

و كنّا شكونا عناء السّرى‏* * *فعدنا نباري سراع المهارى‏

* * *

أظنّ النفوس قد استشعرت‏* * *بلوغ هوى تخذته شعارا

* * *

بشائر صبح السّرى آذنت‏* * *بأنّ الحبيب تدانى مزارا

* * *

جرى ذكر طيبة ما بيننا* * *فلا قلب في الركب إلّا و طارا

* * *

حنينا إلى أحمد المصطفى‏* * *و شوقا يهيج الضلوع استعارا

* * *

و لاح لنا أحد مشرقا* * *بنور من الشّهداء استنارا

* * *

فمن أجل ذلك ظلّ الدّجى‏* * *يحلّ عقود النجوم انتثارا

* * *

و من طرب الرّكب حثّ الخطا* * *إليها و نادى البدار البدارا

* * *

و لمّا حللنا فناء الرسول‏* * *نزلنا بأكرم مجد جوارا

* * *

و حين دنونا لفرض السلام‏* * *قصرنا الخطا و لزمنا الوقارا

* * *

فما نرسل اللّحظ إلّا اختلاسا* * *و لا نرجع‏ الطّرف إلّا انكسارا

* * *

و لا نظهر الوجد إلّا اكتتاما* * *و لا نلفظ القول إلّا سرارا

* * *

سوى أننا لم نطق أعينا* * *بأدمعها غلبتنا انفجارا

* * *

وقفنا بروضة دار السلام‏* * *نعيد السلام عليها مرارا

* * *

____________

(1) القصيدة في الذيل و التكملة (ج 5 ص 602- 603). و ورد منها الأبيات الثلاثة الأول في نفح الطيب (ج 3 ص 235).

(2) في الأصل: «استعارا»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(3) في الذيل و التكملة: «خلق».

(4) في الذيل و التكملة: «نرفع».

(5) رواية صدر البيت في الذيل و التكملة هي: وقفنا بروضته للسلام.

150

و لو لا مهابته في النفوس‏* * *لثمنا الثّرى و التزمنا الجدارا

* * *

قضينا بزورته‏ حجّنا* * *و بالعمرتين‏ ختمنا اعتمارا

* * *

إليك إليك نبيّ الهدى‏* * *ركبت البحار و جبت القفارا

* * *

و فارقت أهلي و لا منّة* * *و ربّ كلام يجرّ اعتذارا

* * *

و كيف نمنّ على من به‏* * *نؤمّل للسيّئات اغتفارا

* * *

دعاني إليك هوى كامن‏* * *أثار من الشوق ما قد أثارا

* * *

فناديت‏ لبّيك داعي الهوى‏* * *و ما كنت عنك أطيق اصطبارا

* * *

و وطّنت نفسي بحكم‏ الهوى‏* * *عليّ و قلت رضيت اختيارا

* * *

أخوض الدّجى و أروض السّرى‏* * *و لا أطعم النوم إلّا غرارا

* * *

و لو كنت لا أستطيع السبيل‏* * *لطرت و لو لم أصادف مطارا

* * *

و أجدر من نال منك الرضى‏* * *محبّ ثراك‏ على البعد زارا

* * *

عسى لحظة منك لي في غد* * *تمهّد لي في الجنان القرارا

* * *

فما ضلّ من بمسراك‏ اهتدى‏* * *و لا ذلّ من بذراك استجارا

* * *

و في غبطة من منّ اللّه عليه لحجّ بيته، و زيارة قبره (صلى اللّه عليه و سلم) يقول‏: [المتقارب‏]

هنيئا لمن حجّ بيت الهدى‏* * *و حطّ عن النّفس أوزارها

* * *

و إنّ السعادة مضمونة* * *لمن حجّ‏ طيبة أوزارها

* * *

و في مثل ذلك يقول‏: [المتقارب‏]

إذا بلغ المرء أرض الحجاز* * *فقد نال أفضل ما أمّ له‏

* * *

____________

(1) في الذيل: «بزورتنا».

(2) في الذيل: «و بالعمرين».

(3) في الأصل: «فناديتك» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في الذيل: «لحكم».

(5) أخذه من قول الأعمى التطيلي من موشحة تامة:

امتنع النوم و شطّ المزار و لا قرار* * *طرت و لكن لم أصادف مطار

* * *

ديوان الأعمى التطيلي (ص 261) و جيش التوشيح (ص 24) و توشيع التوشيح (ص 106).

(6) في الذيل: «ذراك».

(7) في الذيل: «بهداك».

(8) البيتان في الذيل و التكملة (ج 5 ص 604) و نفح الطيب (ج 3 ص 241).

(9) في الذيل: «حلّ».

(10) البيتان في الذيل و التكملة (ج 5 ص 604) و نفح الطيب (ج 3 ص 236).

(11) في النفح: «العبد».

(12) في الأصل و الذيل و التكملة: «أمّله»، و التصويب من النفح.

151

و إن‏ زار قبر نبيّ الهدى‏* * *فقد أكمل اللّه ما أمّله‏

* * *

و في تفضيل المشرق‏: [الكامل‏]

لا يستوى شرق البلاد و غربها* * *الشرق حاز الفضل باستحقاق‏

* * *

انظر جمال‏ الشمس عند طلوعها* * *زهراء تعجب‏ بهجة الإشراق‏

* * *

و انظر إليها عند الغروب كئيبة* * *صفراء تعقب ظلمة الآفاق‏

* * *

و كفى بيوم طلوعها من غربها* * *أن تؤذن الدنيا بعزم‏ فراق‏

* * *

و قال في الوصايا: [الطويل‏]

عليك بكتمان المصائب و اصطبر* * *عليها فما أبقى الزمان شفيقا

* * *

كفاك من الشكوى‏ إلى الناس أنها* * *تسرّ عدوّا أو تسي‏ء صديقا

* * *

و قال‏:

لصانع‏ المعروف فلتة عاقل‏* * *إن لم تضعها في محلّ عاقل‏

* * *

كالنفس في شهواتها إن لم تكن‏* * *وقفا لها عادت بضرّ عاجل‏

* * *

نثره: من حكمه قوله‏: إن شرف الإنسان فشرف‏ و إحسان، و إن فاق فتفضّل و إرفاق‏، ينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه، كما يحفظ الجفن إنسانه. فربّ كلمة تقال، تحدث عثرة لا تقال. كم كست فلتات الألسنة الحداد، من ورائها ملابس‏

____________

(1) في النفح: «فإن».

(2) في الذيل: «أمّ له».

(3) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 5 ص 610- 611).

(4) في الذيل و التكملة: «باسترقاق».

(5) في الأصل: «انظر إلى جمال» و كذا ينكسر الوزن.

(6) في الذيل و التكملة: «لحال».

(7) في المصدر نفسه: «تصحب».

(8) في المصدر نفسه: «بوشك».

(9) البيتان في الذيل و التكملة (ج 5 ص 612- 613).

(10) في الأصل: «بالشكوى»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(11) في الذيل و التكملة: «أنه».

(12) في الذيل و التكملة: «تسوء».

(13) البيتان في الذيل و التكملة (ج 5 ص 609- 610).

(14) في الأصل: «و صانع» و التصويب من الذيل و التكملة.

(15) في الذيل و التكملة: «قابل».

(16) في الذيل: «وفقا».

(17) قابل بالذيل و التكملة (ج 5 ص 608- 609).

(18) في الذيل و التكملة: «فبفضل».

(19) في الذيل و التكملة: «و إنفاق، ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه».

152

حداد. نحن في زمن لا يحظى فيه بنفاق، إلّا من عامل بنفاق. شغل الناس عن طريق الآخرة بزخارف الأغراض، فلجّوا في الصّدود عنها و الإعراض، آثروا دنيا هي أضغاث أحلام، و كم هفت في حبها من أحلام، أطالوا فيها آمالهم، و قصروا أعمالهم، ما بالهم، لم يتفرغ لغيرها بالهم، ما لهم في غير ميدانها استباق‏، و لا بسوى هواها اشتياق‏. تاللّه لو كشفت الأسرار، لما كان هذا الإصرار، و لسهرت العيون، و تفجّرت من شؤونها الجفون‏. فلو أن عين البصيرة من سنتها هابّة، لرأت جميع ما في الدنيا ريحا هابّة، و لكن استولى العمى على البصائر، و لا يعلم الإنسان‏ ما إليه صائر. أسأل اللّه هداية سبيله، و رحمة تورد نسيم الفردوس و سلسبيله، إنه الحنّان المنّان لا ربّ سواه.

و منها: فلتات الهبات، أشبه شي‏ء بفلتات الشّهوات. منها نافع لا يعقب ندما، و منها ضارّ يبقي في النفس ألما. فضرر الهبة وقوعها عند من لا يعتقد لحقّها أداء، و ربما أثمرت‏ عنده اعتداء. و ضرر الشهوة أن لا توافق ابتداء، فتصير لمتبّعها داء، مثلها كمثل السّكر يلتذّ صاحبه بحلاوة جناه، فإذا صحا يعرف‏ قدر ما جناه. عكس هذه القضية هي الحالة المرضية.

مولده: ببلنسية سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة، و قيل: بشاطبة سنة أربعين و خمسمائة.

وفاته: توفي بالإسكندرية ليلة الأربعاء التاسع و العشرين لشعبان أربع عشرة و ستمائة.

محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن شبرين‏

يكنى أبا بكر، شيخنا الفقيه القاضي المؤرخ الكاتب البارع، رحمة اللّه عليه.

____________

(1) في الذيل و التكملة: «من ملابس الحداد».

(2) في الذيل و التكملة: «استنان».

(3) في الذيل و التكملة: «استنان».

(4) في الذيل: «العيون».

(5) في الذيل: «ريح».

(6) في الذيل: «المرء».

(7) الذيل و التكملة (ج 5 ص 609).

(8) في الأصل: «أثرت»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(9) في الذيل: «فتعود لمستعملها».

(10) في الذيل: «بحلو».

(11) في الذيل: «تعرّف».

(12) ترجمة ابن شبرين في الكتيبة الكامنة (ص 166) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 190) و اللمحة البدرية (ص 64، 90، 98) و نفح الطيب (ج 8 ص 85).