الإحاطة في أخبار غرناطة - ج2

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
424 /
153

أوّليّته: أصله‏ من إشبيلية، من حصن شلب من كورة باجة، من غربيّ صقعها، يعرفون فيها ببني شبرين معرفة قديمة. ولّي جدّه القضاء بإشبيلية، و كان من كبار أهل العلم، تشهد بذلك الصلاة. و انتقل أبوه منها عند تغلّب العدو عليها عام ستة و أربعين و ستمائة، فاحتل رندة ثم غرناطة، ثم انتقل إلى سكنى سبتة، و بها ولد شيخنا أبو بكر، و انتقل عند الحادثة إلى غرناطة، فارتسم بالكتابة السلطانية، و ولّي القضاء بعدة جهات، و تأثّل مالا و شهرة، حتى جرى مجرى الأعيان من أهلها.

حاله: كان‏ فريد دهره، و نسيج وحده في حسن السّمت و الرّواء، و كمال الظّرف و جمال الشّارة، و براعة الخطّ، و طيب المجالسة، خاصّيا، و قورا، تام الخلق، عظيم الأبّهة، عذب التّلاوة لكتاب اللّه، من أهل الدين و الفضل و العدالة، تاريخيّا، مقيّدا، طلعة اختيار أصحابه، محققا لما ينقله، فكها مع وقاره، غزلا، لوذعيّا، عليّ شأن الكتابة، جميل العشرة، أشدّ الناس على الشّعر، ثم على المحافظة، ما يحفظه من الأبيات من غير اعتيام و لا تنقيح، يناغي الملكين في إثباتها، مقرّرة التواريخ، حتى عظم حجم ديوانه، تفرّدت أشعاره بما أبرّ على المكثرين، مليح الكتابة، سهلها، صانعا، سابقا في ميدانها، راجحا كفّة المنثور. و كانت له رحلة إلى تونس، اتّسع بها نطاق روايته. و تقلّب بين الكتابة و القضاء، منحوس الحظ في الاستعمال، مضيّقا فيه، و إن كان وافر الجدّ، موسّعا عليه.

و جرى ذكره في كتاب «التاج المحلّى» بما نصّه:

خاتمة المحسنين، و بقية الفصحاء اللّسنين، ملأ العيون هديا و سمتا، و سلك من الوقار طريقة لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، ما شئت من فضل ذات، و براعة أدوات. إن خطّ، نزل ابن مقلة عن درجته و إن خطّ. و إن نظم أو نثر، تبعت البلغاء ذلك الأثر.

و إن تكلّم أنصت الحفل لاستماعه، و شرع لدرره النّفيسة صدق أسماعه. وفد على الأندلس عند كائنة سبتة، و قد طرحت النّوى برحاله، و ظعن عن ربعه بتوالي إمحاله، و مصرّف بلاده، و المستولي على طارفها و تالدها، أبو عبد اللّه بن الحكيم، قدّس اللّه صداه، و سقى منتداه، فاهتزّ لقدومه اهتزاز الصّارم، و تلقاه تلقي الأكارم، و أنهض إلى لقائه آماله، و ألقى له قبل الوسادة ماله، و نظمه في سمط الكتّاب، و أسلاه عن أعمال‏

____________

(1) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 190).

(2) في تاريخ قضاة الأندلس: «ثم عاد عند الحادثة التي كانت بها في أواخر عام 705 إلى غرناطة».

(3) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 190).

(4) في المصدر السابق: «و جمال الرواء».

154

الأقتاد، و نزل ذمامه تأكّدا في هذه الدول، و قوفي له الآتية منها على الأول، فتصرّف في القضاء بجهاتها، و نادته السيادة هاك و هاتها، فجدّد عهد حكّامه العدول من سلفه و قضاتها. و له الأدب الذي تحلّت بقلائده اللّبات و النّحور، و قصرت عن جواهره البحور. و سيمرّ من ذلك في تضاعيف هذا المجموع ما يشهد بسعة ذرعه، و يخبر بكرم عنصره، و طيّب نبعه.

مشيخته: قرأ على جدّه لأمّه الأستاذ الإمام‏ أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، و سمع على الرئيس أبي حاتم، و على أخيه أبي عبد اللّه الحسين، و على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، و على الشريف أبي علي بن أبي الشرف، و على الإمام أبي عبد اللّه بن حريث. و سمع على العدل أبي فارس عبد العزيز الجزيري. و سمع بحضرة غرناطة على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، و على العدل أبي الحسن بن مستقور، و على الوزير أبي محمد بن المؤذن، و على الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد.

و بمالقة على الخطيب ولي اللّه تعالى، أبي عبد اللّه الطّنجالي، و على الوزير الصّدر أبي عبد اللّه بن ربيع، و على القاضي العدل أبي عبد اللّه بن برطال. و ببجاية على الإمام أبي علي ناصر الدين المشذالي، و على أبي العباس الغبريني. و بتونس على أبي علي بن علوان، و على قاضي الجماعة أبي إسحاق‏ بن عبد الرّفيع، و سمع على الخطيب الصّوفي وليّ اللّه تعالى، أبي جعفر الزيات، و الصوفي أبي عبد اللّه بن برطال، و على الصدر أبي القاسم محمد بن قائد الكلاعي. و أجازه عالم كثير من أهل المشرق و المغرب.

شعره: و شعره متعدّد الأسفار، كثير الأغراض. و في الإكثار مجلّل الاختيار، فمنه قوله‏: [الطويل‏]

أخذت بكظم الرّوح يا ساعة النوى‏* * *و أضرمت في طيّ الحشا لاعج الجوى‏

* * *

فمن مخبري يا ليت شعري متى اللّقا* * *و هل تحسن الدنيا و هل يرجع الهوى؟

* * *

سلا كلّ مشتاق و أكثر وجده‏* * *و عند النّوى‏ وجدي و في ساكن الهوى‏

* * *

ولي نيّة ما عشت في حفظ عهدهم‏* * *إلى يوم ألقاهم و للمرء ما نوى‏

* * *

____________

(1) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 190).

(2) كلمة «الإمام» ساقطة في تاريخ قضاة الأندلس.

(3) اسمه في المصدر السابق: إبراهيم بن عبد الرفيع.

(4) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 170- 171).

(5) في الكتيبة الكامنة: «في ساعة».

(6) في الكتيبة الكامنة: «و أقصر».

(7) في الكتيبة الكامنة: «اللوى».

155

و قال: [المنسرح‏]

باتوا فمن كان باكيا يبك‏* * *هذي ركاب الشرى بلا شكّ‏

* * *

فمن ظهور الرّكاب معملة* * *إلى بطون الرّبى إلى الفلك‏

* * *

تصدّع الشّمل مثلما انحدرت‏* * *إلى صبوب جواهر السّلك‏

* * *

كن بالذي حدّثوا على ثقة* * *ما في حديث الفراق من إفك‏

* * *

من النّوى قبل لم أزل حذرا* * *هذا النّوى جلّ‏ مالك الملك‏

* * *

و قال: [السريع‏]

يا أيها المعرّض اللّاهي‏* * *يسوؤني هجرك و اللّه‏

* * *

يا ليت شعري كم أرى فيك‏* * *لا أقفك عن ويّه و عزاه‏

* * *

و يحي مغيري إلى باخل واه‏* * *من ذا الذي رآه‏

* * *

من يرد اللّه فيه فتنة* * *يشغله في الدنيا بتيّاه‏

* * *

يا غصن البان ألا عطفة* * *على معنّى جسمه واه؟

* * *

أوسعني بعدك ذلّا و قد* * *را يثنيا عندك ذا جاه‏

* * *

ذكرك لا ينفكّ عن خاطري‏* * *و أنت عني غافل ساه‏

* * *

يكفيك يا عثمان من جفوني‏* * *لو كان ذنبي ذنب جهجاه‏

* * *

هيهات لا معترض لي على‏* * *حكمك أنت الآمر النّاهي‏

* * *

قلت: جهجاه المشار إليه رجل من غفّار، قيل: إنه تناول عصا الخطبة من يد عثمان، رضي اللّه عنه، فكسرها على ركبته، فوقعت فيها الأكلة فهلك.

و قال: [البسيط]

يا من أعاد صباحي فقده حلكا* * *قتلت عبدك لكن لم تخف دركا

* * *

مصيبتي ليست كالمصائب لا* * *و لا بكائي عليها مثل كلّ بكا

* * *

فمن أطالب في شرع الهوى بدمي‏* * *لحظي و لحظك في قتلي قد اشتركا

* * *

____________

(1) في الأصل: «جلّ مني مالك ...» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «فيا» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) عجز هذا البيت مضطرب، لم أهتد إلى تقويمه.

(4) البيت مضطرب في الوزن و المعنى معا.

(5) في الأصل: «يثنى» و هكذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «الناه».

156

و قال، و قد سبقه إليه الرّصافي؛ و هو ظريف: [المنسرح‏]

أشكو إلى اللّه فرط بلبالي‏* * *و لوعة لا تزال تذكي لي‏

* * *

بمهجتي حائك شغلت به‏* * *حلو المعاني طرازه عالي‏

* * *

سألته لثم خاله فأبى‏* * *و منّ ذا نخوة و إذلال‏

* * *

و قال حالي يصون خالي‏* * *يدني فويحي بالحال و الخال‏

* * *

يقرّبني الآل من مواعده‏* * *و أتّقي منه سطوة الآل‏

* * *

لكن على ظلمه و قسوته‏* * *فلست عنه الزّمان بالسالي‏

* * *

و قال أيضا مضمنا: [البسيط]

لي همّة كلّما حاولت أمسكها* * *على المذلّة في أرجاء أرضيها

* * *

قالت: أ لم تك‏ أرض اللّه واسعة* * *حتى يهاجر عبد مؤمن فيها

* * *

و قال مسترجعا من ذنبه، و مستوحشا من شيبه: [السريع‏]

قد كان عيبي قبل‏ في غيب‏* * *فمذ بدا شيبي بدا عيبي‏

* * *

لا عذر اليوم و لا حجّة* * *فضحتني و اللّه يا شيبي‏

* * *

و قال‏: [الخفيف‏]

أثقلتني الذنوب ويحي و ويسي‏* * *ليتني كنت زاهدا كأويس‏

* * *

و جرت بينه و بين السلطان ثالث الأمراء من بني نصر، بعد خلعه من ملكه، و انتثار سلكه، و استقراره بقصبة المنكّب، غريبا من قومه، معوّضا بالسهاد من نومه،

____________

(1) البلبال: شدة الهمّ و الوساوس. محيط المحيط (بلبل).

(2) في الأصل: «و الحال» بالحاء المهملة.

(3) البيتان في تاريخ قضاة الأندلس (ص 190) و الكتيبة الكامنة (ص 172).

(4) في تاريخ قضاة الأندلس: «أرجا أراضيها».

(5) في الأصل: «تكن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(6) في الأصل: «من قبل في ...» و هكذا ينكسر الوزن.

(7) البيت في الكتيبة الكامنة (ص 172).

(8) هو أويس القرني أحد زهّاد القرن الأول الهجري. و جاء في الكتيبة الكامنة بعد هذا البيت التالي:

إنما أصل محنتي حبّ دنيا* * *هي ليلى ولي بها وجد قيس‏

* * *

(9) هو محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، الملقب بالمخلوع، و قد حكم غرناطة من سنة 701 ه إلى سنة 708 ه. اللمحة البدرية (ص 60).

157

قد فلّ الدهر سباته، و تركه يندب ما فاته، و القاضي المترجم به يومئذ مدبّر أحكامها، و علم أعلامها، و متولّي نقضها و إبرامها، فارتاح يوما إلى إيناسه، و اجتلاب أدبه و التماسه، و طلب منه أن يعبّر عن حاله ببيانه، و ينوب في بثّه عن لسانه، فكتب إليه:

[الطويل‏]

قفا نفسا فالخطب فيها يهون‏* * *و لا تعجلا إنّ الحديث شجون‏

* * *

علمنا الذي قد كان من صرف دهرنا* * *و لسنا على علم بما سيكون‏

* * *

ذكرنا نعيما قد تقضّى نعيمه‏* * *فأقلقنا شوق له و حنين‏

* * *

و بالأمس كنّا كيف شئنا و للدّنا* * *حراك على أحكامنا و سكون‏

* * *

و إذا بابنا مثوى الفؤاد و نحونا* * *تمدّ رقاب أو تشير عيون‏

* * *

فنغص من ذاك السرور مهنأ* * *و كدر من ذاك النّعيم معين‏

* * *

و نبا عن الأوطان بين ضرورة* * *و قد يقرب الإنسان ثم يبين‏

* * *

أيا معهد الإسعاد حيّيت معهدا* * *و جادك من سكب الغمام هتون‏

* * *

تريد الليالي أن تهين مكاننا* * *رويدك إنّ الخير ليس يهون‏

* * *

فإن تكن الأيام قد لعبت بنا* * *و دارت علينا للخطوب فنون‏

* * *

فمن عادة الأيّام ذلّ كرامها* * *و لكنّ سبيل الصابرين مبين‏

* * *

لئن خاننا الدهر الذي كان عبدنا* * *فلا عجب إنّ العبيد تخون‏

* * *

و ما غضّ منّا مخبري غير أنه‏* * *تضاعف إيمان و زاد يقين‏

* * *

و كتب إلى الحكم بن مسعود، و هو شاهد المواريث بهذه الدّعابة التي تستخفّ الوقور، و تلج السّمع الموقور:

أطال اللّه بقاء أخي و سيدي، لأهل الفرائض يحسن الاحتيال في مداراتهم، و للمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط في أمواتهم، و دامت أقلامه مشرعة لصرم الأجل المنسّأ، معدّة لتحليل هذا الصّنف المنشّأ من الصّلصال و الحمأ. فمن ميّت يغسل و آخر يقبر، و من أجل يطوى و كفن ينشر، و من رمس يفتح و باب يغلق، و من عاصب يحبس و نعش يطلق، فكلما خربت ساحة، نشأت في الحانوت راحة، و كلما قامت في شعب مناحة، اتّسعت للرزق مساحة، فيباكر سيدي الحانوت و قد احتسى مرقته، و سهّل عنقفته، فيرى الصّعبة بالمناصب شطرا، فيلحظ هذا برفق و ينظر إلى هذا شزرا، و يأمر بشقّ الجيوب تارة و البحث عن الأوساط أخرى. ثم يأخذ القلم أخذا رفيقا، و يقول و قد خامره السرور: رحم اللّه فلانا لقد كان لنا صديقا، و ربما أدبره بالانزعاج الحثيث، و قال مستريح منه كما جاء في الحديث. و تختلف عند ذلك‏

158

المراتب، و تتبين الأصدقاء و الأجانب، فينصرف هذا، و حظّه التهريب، و النظر الحديد، و ينفصل هذا و بين يديه المنذر الصّيت و النعش الجديد. ثم يغشى دار الميت و يسأل عن الكيت و الكيت، و يقول: عليّ بما في البيت. أين دعاء الثّاغية و الرّاغية؟

أين عقود الأملاد بالبادية؟ و قد كانت لهذا الرجل حالا في حال. و قد ذكر في الأسماء الخمسة فقيل: ذو مال. و عيون الأعوام ترنو من عل، و أعناقهم تشرئبّ إلى خلف الكلل، و أرجلهم تدبّ إلى الأسفاط دبيب الصّقور إلى الحجل. و الموتى قد وجبت منهم الجنوب، و حضر الموروث و المكسوب، و قيّد المطعوم و المشروب. و عدّت الصحاح، و وزنت الأرطال و كيلت الأقداح. و الشّهود يغلظون على الورثة في الأليّة، و يصونهم بالبتات في النشأة الأوّلية. و الروائح حين تفعم الأرض طيبا، و تهدي الأرواح شذا يفعل في إزعاجها على الأبدان فعلا عجيبا. و الدلّال يقول: هذا مفتاح الباب، و السّمسار يصيح: قام النّدا فما تنتظرون بالثبات؟ و الشّاهد يصيح فتعلو صيحته، و المشرف يشرب فتسقط سبحته. و المحتضر يهسّ ألا حيّ فلا تسمعون، و يباهي لون العباء عليه الجواب رب أرجعون. ما هذا النّشيج و الضّجيج؟ متّ كلا لم أمت. و من حجّ له الحجيج، فترتفع له الأصوات، كي لا يفسح فيه الممات. و يبقر بطنه برغمه، و يحفر له بجانب أبيه و بحذا أمّه. ثم يشرع في نفسه الفرض، و لو أكفئت السماوات على الأرض. و يقال لأهل السّهام: أحسنوا، فالإحسان ثالث مراتب الإسلام، و قد نصّ ابن القاسم على أجرة القسّام. و سوّغه أصبغ و سحنون، و لم يختلف فيه مطّرف و ابن الماجشون. إن قيل إيصال الحقائق إلى أرجائها، حسن فجزاء الإحسان إحسان، و قيل إخراج النّسب و الكسور كفايه، فللكاهنين حلوان. اللهمّ غفرا، و نستقيل اللّه من انبساط يجرّ غدرا، و نسأل اللّه حمدا يوجب المزيد من نعمائه و شكرا. و لو لا أن أغفل عن الخصم، و أثقل رحل الفقيه أبي النجم، لأستغلّن المجلس شرحا، و لكان لنا في بحر المباسطة سبح، و لأفضنا في ذكر الوارث و الورّاث، و بيّنّا العلّة في أقسام الشهود مع المشتغل بنسبة الذكور مع الإناث. و اللّه يصل عزّ أخي و مجده، و يهب له قوة تخصّه بالفائدة و جدّه، و يزيده بصيرة يتّبع بها الحقوق إلى أقصاها، و بصرا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها، و دام يحصي الخراريب و الفلوس و الأطمار، و يملأ الطّوامر بأقلامه البديعة الصّنعة، و يصل الطّومار بالطّومار و السلام.

و الشي‏ء بالشي‏ء يذكر، قلت: و من أظرف ما وقعت عليه في هذا المعنى، قال بعض كتاب الدولة الحكمية بمنورقة، و قد ولّاه خطّة المواريث، و كتب إليه راغبا

____________

(1) هي دولة أبي عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم القرشي الذي ضبط منورقة و أقام عليها-

159

في الإعفاء: [الطويل‏]

و ما نلت من شغل المواريث رقعة* * *سوى شرح نعش كلّما مات ميّت‏

* * *

و أكتب للأموات صكّا كأنهم‏* * *يخاف عليهم في الجباب التّفلّت‏

* * *

كأني لعزرائيل صرت مناقضا* * *بما هو يمحو كلّ يوم و أثبت‏

* * *

و قال: فاستظرفها الرئيس أبو عثمان بن حكم و أعفاه.

مولده: في أواخر أربعة و سبعين و ستمائة.

وفاته: قال في العائد: و مضى لسبيله، شهابا من شهب هذا الأفق، و بقيّة من بقايا حلبة السّبق، (رحمه اللّه)، في ليلة السبت الثاني من شهر شعبان المكرم عام سبعة و أربعين و سبعمائة، و تخلّف و قرا لم يشتمل على شي‏ء من الكتب، لإيثاره اقتناء النّقدين، و عيّن جراية لمن يتلو كتاب اللّه على قبره على حدّ من التّعزرة و المحافظة على الإتقان. و دفن بباب إلبيرة في دار اتخذها لذلك.

محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم.

حاله: مجموع خلال بارعة، و أوصاف كاملة، حسن الخطّ، ذاكر للتاريخ و الأخبار، مستول على خصال حميدة من حسن رواء و سلامة صدر، إلى نزاهة الهمّة، و إرسال السّجية، و البعد عن المصانعة، و التحلّي بالوقار و الحشمة، شاعر، كاتب.

و مناقبه يقصر عنها الكثير من أبناء جنسه، كالفروسيّة، و التجنّد، و البسالة، و الرّماية، و السّباحة، و الشطرنج، متحمّد بحمل القنا، مع البراعة، مديم على المروءة، مواس للمحاويج من معارفه. ارتسم في الديوان فظهر غناؤه، و انتقل إلى الكتابة، معزّزة بالخطط النّبيهة العلمية، و حاله الموصوفة متّصلة إلى هذا العهد، و هو معدود من حسنات قطره.

____________

أحسن قيام، و هادن الأعداء، و طالت مدته في ذلك، و حسنت سيرته إلى أن مات سنة 680 ه.

ترجمته في بغية الوعاة (ص 255) و اختصار القدح المعلى (ص 28) و المغرب (ج 2 ص 469) و الحلة السيراء (ج 2 ص 318) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 274) و الذيل و التكملة (ج 4 ص 28) و الروض المعطار (ص 549، مادة: منورقة).

(1) ترجم ابن الخطيب في الكتيبة الكامنة (ص 289) لرجل قد يكون هو نفسه المترجم له، تحت عنوان: «الكاتب أبو القاسم محمد بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن قطبة الهرميسي» و قال إن ابن قطبة كتب له قصيدتين، الأولى لامية ساكنة و الثانية يائية، و هذا ما ينطبق على المترجم له هنا في الإحاطة.

160

و ثبت في «التاج المحلى» بما نصّه: «سابق ركض المحلّى، أتى من أدواته بالعجائب، و أصبح صدرا في الكتّاب و شهما في الكتائب. و كان أبوه، (رحمه اللّه)، بهذه البلدة، قطب أفلاكها، و واسطة أسلاكها، و مؤتمن رؤسائها و أملاكها، و صدر رجالها، و وليّ أرباب مجالها، فقد نثل ابنه سهامها، فخبر عدالة و براعة و فهما، و ألقاه بينهم قاضيا شهما، فظهر منه نجيبا، و دعاه إلى الجهاد سميعا مجيبا، فصحب السّرايا الغريبة المغيرة، و حضر على هذا العهد من الوقائع الصغيرة و الكبيرة، و على مصاحبة البعوث، وجوب السّهول و الوعوث، فما رفض اليراعة للباتر، و لا ترك الدّفاتر للزمان الفاتر.

شعره: و له أدب بارع المقاصد، قاعد للإجادة بالمراصد. و قال من الرّوضيات و ما في معناها: [الطويل‏]

دعيني و مطلول الرّياض فإنني‏* * *أنادم في بطحائها الآس و الوردا

* * *

أعلّل هذا بخضرة شارب‏* * *و أحكي بهذا في تورّده الخدّا

* * *

و أزهر غضّ البان رائد نسمة* * *ذكرت به لين المعاطف و القدّا

* * *

و قال: [الطويل‏]

و ليل أدرناها سلافا كأنها* * *على كفّ ساقيها تضرّم نار

* * *

غنينا عن المصباح في جنح ليلها* * *بخدّ مدير لا بكأس عقار

* * *

و قال: [الرمل‏]

يومنا يوم سرور فلتقم‏* * *تصدع الهمّ بكاسات المدام‏

* * *

إنما الدّنيا منام فلتكن‏* * *مغرما فيها بأحلى المنام‏

* * *

و قال: [الطويل‏]

و بي منك ما لو كان للشرب ما صحا* * *و بالهيم ما روّت صداها المناهل‏

* * *

أحبّك ما هبّت من الروض نسمة* * *و ما اهتزّ غصن في الحديقة مائل‏

* * *

فإن شئت أن تهجر و إن شئت فلتقبل‏* * *فإنّي لما حمّلتني اليوم حامل‏

* * *

و قال: [الكامل‏]

كم قلت للبدر المنير إذا بدا* * *هيهات وجه فلانة تحكي لنا

* * *

____________

(1) في الأصل: «الباتر». و الباتر: السيف القاطع. لسان العرب (بتر).

(2) في الأصل: «نارا».

161

فأجابني بلسان حال و اعتنى‏* * *لا الشمس تحكيها فأحكيها أنا

* * *

و صرفت وجهي نحو غصن أملد* * *قد رام يشبه قدّها لمّا انثنى‏

* * *

فضحكت هزءا عند هزّ قوامها* * *إذا رام أن يحكى قواما كالقنا

* * *

و كتبت إليه في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل‏]

جوانحنا نحو اللقاء جوانح‏* * *و مقدار ما بين الدّيار قريب‏

* * *

و تمضي الليالي و التزاور معوز* * *على الرغم منّا إنّ‏ ذا لغريب‏

* * *

فديتك عجّلها لعيني زيارة* * *و لو مثل ما ردّ اللّحاظ مريب‏

* * *

و إنّ لقائي جلّ عن ضرب موعد* * *لأكرم ما يهدى الأريب أريب‏

* * *

فراجعني بقوله، و التجنّي شيمة: [الطويل‏]

لعمرك ما يومي إذا كنت حاضرا* * *سوى يوم صبّ من عداه يغيب‏

* * *

أزور فلا ألفي لديك بشاشة* * *فيبعد منّي الخطو و هو قريب‏

* * *

فلا ذنب للأيام في البعد بيننا* * *فإني لداعي القرب منك مجيب‏

* * *

و إنّ لقاء جاء من غير موعد* * *ليحسن لكن مرّة و يطيب‏

* * *

و إحسانه كثير، و فيما ثبت كفاية لئلّا نخرج عن غرض الاختصار.

محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي‏

يكنى محمد أبا بكر، أخو الذي قبله.

حاله: تلوه في الفضل و السّراوة، و حسن الصورة، و نصاعة الطّرف، مرب عليه بمزيد من البشاشة و التنزّل، و بذل التودّد، و التبريز في ميدان الانقطاع، متأخر عنه في بعض خلال غير هذا. ذكيّ الذهن، مليح الكتابة، سهلها، جيّد العبارة، متأتّي اليراع، مطلق اليد، حسن الخطّ، سريع بديهة المنثور، معمّ، مخول في التخصّص و العدالة.

كتب الشّروط بين يدي أبيه، و نسخ كثيرا من أمّهات الفقه، و استظهر كتبا، من ذلك «المقامات الحريرية». و كتب بالدار السلطانية، و اختصّ بالمراجعة عمّن بها، و المفاتحة أيام حركات السلطان عنها إلى غيرها. حميد السيرة، حسن الوساطة، نجديّ الجاه،

____________

(1) في الأصل: «و إنّ» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) ترجمة أبي بكر محمد بن محمد ابن قطبة الدوسي في نثير فرائد الجمان (ص 318) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 167).

162

مشكور التصرّف، خفيف الوطأة. و ولّي الخطابة العليّة، مع الاستمساك بالكتابة. و لم يؤثر عنه الشعر، و لا عوّل عليه.

محمد بن محمد بن محمد بن قطبة الدّوسي‏

يكنى أبا بكر، و قد ذكرنا أباه و عمّه، و يأتي ذكر جدّه.

حاله: نبيل المقاصد في الفن الأدبي، مشغول به، مفتوح من اللّه عليه فيه، شاعر مطبوع، مكثر، انقاد له مركب النظم، في سنّ المراهقة، و اشتهر بالإجادة، و أنشد السلطان، و أخذ الصّلة، و ارتسم لهذا العهد في الكتابة. و شرع في تأليف يشتمل على أدباء عصره.

شعره: و مما خاطب به أحد أصحابه: [الطويل‏]

إذا شمت من نحو الحمى في الدّجا برقا* * *أبى الدّمع إلّا أن يسيل و لا يرقى‏

* * *

و مهما تذكّرت الزمان الذي مضى‏* * *تقطّعت الأحشاء من حرّ ما ألقى‏

* * *

خليليّ، لا تجزع لمحل فأدمعي‏* * *تبادر سقيا في الهوى لمن استسقى‏

* * *

و ما ضرّ من أصبحت ملك يمينه‏* * *إذا رقّ لي يوما و قد حازني رقّا

* * *

فنيت به عشقا و إن قال حاسد* * *أضلّ الورى من مات في هاجر شقّا

* * *

تلهّب قلبي من تلهّب خدّه‏* * *فيا نعم ذاك الخدّ فاض بأن أشقى‏

* * *

و منها:

و كم من صديق كنت أحسب أنه‏* * *إذا كذبت أوهامنا رفع الصّدقا

* * *

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي‏

ابن عمّ المذكورين قبله، يكنى أبا القاسم.

حاله: حسن‏ الصورة، لازم القراءة على شيوخ بلده، و نظم الشعر على الحداثة، و ترشح للكتب بالدار السلطانية مع الجماعة، ممن هو في نظمه.

____________

(1) قال عنه ابن الأحمر إنّ الشعر فتح له بابه و هو صغير، و أتى منه بما ملأ الأقطار بالكثرة، و أورد له بعض في «نثير فرائد الجمان» (ص 319- 320).

(2) ترجمة أبي القاسم محمد بن محمد ابن قطبة الدوسي في الكتيبة الكامنة (ص 272).

(3) يبدو أن نظرة ابن الخطيب لأبي القاسم تغيرت عند تأليف الكتيبة الكامنة، فهو هناك يذمّه و ينعته بأقبح النعوت، على خلاف ما ورد هنا.

163

و من شعره، كتب إليّ بما نصّه: [الكامل‏]

احسب و حدّه يوم رأسك ربما* * *تعطي السّلامة في الصراع سلّما

* * *

محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قطبة الدّوسي‏

أخو الفقيه أبي بكر بن القاسم بن محمد المذكور.

حاله: شاب حسن فاضل، دمث، متخلّق، جميل الصورة، حسن الشكل، أحمر الوجنتين. حفظ كتبا من المبادى‏ء النحوية، و كتب خطّا حسنا، و ارتسم في ديوان الجند مثل والده، و هو الآن بحاله الموصوفة.

شعره: قيّد أخوه لي من الشعر الذي زعم أنه من نظمه، قوله: [المتقارب‏]

حلفت بمن ذاد عنّي الكرى‏* * *و أسهر جفني ليلا طويلا

* * *

و ألبس جسمي ثياب النّحول‏* * *و عذّب بالهجر قلبي العليلا

* * *

ما حلت عن ودّه ساعة* * *و لا اعتضت منه سواه بديلا

* * *

محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن جزيّ الكلبي‏

من أهل غرناطة و أعيانها، يكنى أبا عبد اللّه.

أوّليّته: تنظر في اسم أبيه في ترجمة المقرئين و العلماء.

حاله: من أعلام الشّهرة على الفتاوة، و انتشار الذكر على الحداثة، تبريزا في الأدب، و اضطلاعا بمعاناة الشعر، و إتقان الخطّ، و إيضاحا للأحاجي و الملغزات. نشأ بغرناطة في كنف والده، (رحمه اللّه)، مقصور التّدريب عليه، مشارا إليه في ثقوب الذهن، وسعة الحفظ، ينطوي على نبل لا يظهر أثره على التفاتة، و إدراك، تغطّي شعلته مخيّلة غير صادقة، من تغافله. ثم جاش طبعه، و فهق حوضه، و تفجّرت ينابيعه، و توقّد إحسانه.

و لمّا فقد والده، (رحمه اللّه)، ارتسم في الكتابة، فبذّ جلّة الشعراء، إكثارا و اقتدارا، و وفور مادة، مجيدا في الأمداح، عجيبا في الأوضاع، صدّيقا في النّسيب، مطبوعا في المقطوعات، معتدلا في الكتابة، نشيط البنان، جلدا على العمل، سيّال‏

____________

(1) ترجمة محمد بن جزي في الكتيبة الكامنة (ص 223) و نثير فرائد الجمان (ص 292) و أزهار الرياض (ج 3 ص 189) و نفح الطيب (ج 8 ص 70).

164

المجاز، جموح عنان الدّعابة، غزلا، مؤثرا للفكاهة. انتقل إلى المغرب لشفوف خصله، على ما قد قسّم الحظوظ. سبحانه من رزقه بهذه البلاد، فاستقرّ بباب ملكه، مرعيّ الجناح، أثير الرتبة، مطلق الجراية، مقرّر السّهام، معتبا وطنه، راضيا عن جيرته، ديدن من يستند إلى قديم، و يتحيّز إلى أصالة.

تواليفه: أخبرني عند لقائه إياي بمدينة فاس في غرض الرسالة؛ عام خمسة و خمسين و سبعمائة، أنه شرع في تأليف تاريخ غرناطة، ذاهبا هذا المذهب الذي انتدبت إليه، و وقفت على أجزاء منه تشهد باضطلاعه، و قيّد بخطّه من الأجزاء الحديثة و الفوائد و الأشعار ما يفوت الوصف، و يفوق الحدّ. و جرى ذكره في «التاج» بما نصه‏:

«شمس في سماء البلاغة بازغة، و حجّة على بقاء الفطرة الغريزية في هذه البلاد المغربية بالغة، و فريدة وقت أصاب من فيها نادرة أو نابغة، من جذع‏ بن علي القادح، و جرى‏ من المعرفة كل بارح، لو تعلّقت الغوامض بالثريّا لنالها، و قال أنا لها. و ربما غلبت الغفلة على ظاهره، و تنطبق‏ أكمامها على أزاهره، حتى إذا قدح في الأدب زنده، تقدّم المواكب بنده، إلى خطّ بارع، يعنو طوال الطويل منه إلى سرّ و براعة، كما ترضى المسك و الكافور عن طرس و حبر.

شعره: فمن غرامياته و ما في معناها قوله‏: [الطويل‏]

متى يتلاقى شائق و مشوق‏* * *و يصبح عاني‏ الحبّ و هو طليق‏

* * *

أما أنها أمنيّة عزّ نيلها* * *و مرمى لعمري في الرّجاء سحيق‏

* * *

و لكنني‏ خدعت‏ قلبي تعلّة* * *أخاف انصداع القلب فهو رقيق‏

* * *

و قد يرزق الإنسان من بعد يأسه‏* * *و روض الرّبى بعد الذبول يروق‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «خمس» و هو خطأ نحوي.

(2) قارن بالكتيبة الكامنة (ص 223- 224).

(3) كلمة «سماء» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الكتيبة الكامنة.

(4) في الكتيبة: «العربية هي بالمغربية بالغة».

(5) في الكتيبة: «من جذع أبرّ على القارح».

(6) في الكتيبة: «و زجر ... كل سانح، لا بارح».

(7) في الأصل: «و تنطفق» و لا معنى له. و في الكتيبة الكامنة: «و انطبق كمامه».

(8) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 225- 226).

(9) في الأصل: «عير» و قد اخترنا هذه الكلمة من الكتيبة؛ لأنها أكثر ملاءمة للمعنى.

(10) في الأصل: «الرجا» و هكذا ينكسر الوزن.

(11) في الأصل: «و لكني» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(12) في الكتيبة: «خادعت».

165

تباعدت لما زادني القرب لوعة* * *لعلّ فؤادي من جواه يفيق‏

* * *

و رمت شفاء الداء بالداء مثله‏* * *و إني‏ بألّا أشتفي لحقيق‏

* * *

و تاللّه ما للصّبّ في الحبّ راحة* * *على كلّ حال إنه لمشوق‏

* * *

و يا ربّ قد ضاقت عليّ مسالكي‏* * *فها أنا في بحر الغرام غريق‏

* * *

و لا سلوة ترجى و لا صبر ممكن‏* * *و ليس إلى وصل الحبيب طريق‏

* * *

و لا الحبّ عن تعذيب قلبي ينثني‏* * *و لا القلب للتّعذيب منه يطيق‏

* * *

شجون يضيق الصّدر عن زفراتها* * *و شوق نطاق الصبر عنه يضيق‏

* * *

نثرت عقود الدّمع ثم نظمتها* * *قريضا فذا درّ و ذاك عقيق‏

* * *

بكيت أسى حتى بكى حاسدي معي‏* * *كأنّ عذولي عاد و هو صديق‏

* * *

و لو أنّ عند الناس بعض محبّتي‏* * *لما كان يلفى‏ في الأنام مفيق‏

* * *

أيا عين كفّي الدمع ما بقي الكرى‏* * *إذا منعوك النّوم‏ سوف تذوق‏

* * *

و يا نائما عن ناظريّ أما ترى‏* * *لشمسك من بعد الغروب شروق؟

* * *

رويدك رفقا بالفؤاد فإنه‏* * *عليك و إن عاديته‏ لشفيق‏

* * *

نقضت عهودي ظالما بعد عقدها* * *ألا إنّ عهدي كيف كنت وثيق‏

* * *

كتمتك حبّي‏ يعلم اللّه مدّة* * *و بين ضلوعي من هواك حريق‏

* * *

فما زلت بي حتى فضحت‏ فإن أكن‏* * *صبرت‏ فبعد اليوم لست أطيق‏

* * *

و قال‏: [الكامل‏]

و مورّد الوجنات معسول اللّمى‏* * *فتّاك لحظ العين في عشّاقه‏

* * *

____________

(1) في الكتيبة: «فإني».

(2) في الكتيبة: «أيا».

(3) في الكتيبة: «مذاهبي».

(4) في الكتيبة: «و لا الصبر».

(5) في الكتيبة الكامنة: «... حتى بكت لي حسّدي كأنّ عدوّي صار و هو ...».

(6) في الأصل: «يلقى» و التصويب من الكتيبة.

(7) في الكتيبة: «اليوم».

(8) المصدر نفسه: «غائبا».

(9) المصدر نفسه: «يرى».

(10) المصدر نفسه: «عذّبته».

(11) المصدر نفسه: «حبّا».

(12) المصدر نفسه: «حتى افتضحت».

(13) المصدر نفسه: «صبوت».

(14) في الأصل: «بعد» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(15) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 224).

(16) في الأصل: «فتّاك بلحظ»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

166

الخمر بين لثاته و الزّهر في‏* * *و جناته و السّحر في أحداقه‏

* * *

ميّاد غصن البان في أثوابه‏* * *و يلوح بدر التّمّ في أطواقه‏

* * *

من للهلال‏ بثغره أو خدّه‏* * *هب أنه يحكيه في إشراقه‏

* * *

و لقد تشبّهت الظّباء بشبهة* * *من خلقه و عجزن عن أخلاقه‏

* * *

نادمته و سنا محيّا الشمس قد* * *ألقى على الآفاق فضل رواقه‏

* * *

في روضة ضحكت ثغور أقاحها* * *و أسال‏ فيها المزن من آماقه‏

* * *

أسقيه كأس سلافة كالمسك في‏* * *نفحاته و الشهد عند مذاقه‏

* * *

صفراء لم يدر الفتى أكواسها* * *إلّا تداعى همّه لفراقه‏

* * *

و لقد تلين الصّخر من سطواته‏* * *فيعود للمعهود من إشفاقه‏

* * *

و أظلّ أرشف من سلافة ثغره‏* * *خمرا تداوي القلب من إحراقه‏

* * *

و لربما عطفته عندي‏ نشوة* * *تشفي‏ الخبال بضمّه و عناقه‏

* * *

أرجو نداه‏ إذا تبسّم ضاحكا* * *و أخاف منه العتب في إطراقه‏

* * *

أشكو القساوة من هواي‏ و قلبه‏* * *و الضّعف من جلدي و من ميثاقه‏

* * *

يا هل لعهد قد مضى من عودة* * *أم لا سبيل بحالة للحاقه‏

* * *

يا ليت‏ لو كانت لذلك حيلة* * *أو كان يعطى المرء باستحقاقه‏

* * *

فلقد يروق الغصن بعد ذبوله‏* * *و يتمّ‏ بدر التّمّ بعد محاقه‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «ينادى غصن ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(2) في الأصل: «للهلاك» و التصويب من الكتيبة.

(3) في الكتيبة: «بخدّه أو ثغره».

(4) في الأصل: «الظبا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(5) في الأصل: «و أمال»، و قد اخترنا هذه الكلمة من الكتيبة لأنها أكثر ملاءمة للمعنى.

(6) في الكتيبة: «الصمّ».

(7) في الكتيبة: «أقاحي».

(8) في الكتيبة: «نحوي».

(9) في الأصل: «فشفى الخيال» و التصويب من الكتيبة.

(10) في الكتيبة: «رضاه».

(11) في الكتيبة: «هواه».

(12) في الأصل: «يا ليت شعري لو ...» و هكذا ينكسر الوزن، و لذلك حذفنا كلمة «شعري» ليستقيم الوزن، كما في الكتيبة الكامنة.

(13) في الكتيبة: «و يروق».

167

و مما اشتهر عنه في هذا الغرض‏: [الكامل‏]

ذهبت حشاشة قلبي المصدوع‏* * *بين السّلام و وقفة التوديع‏

* * *

ما أنصف الأحباب يوم وداعهم‏* * *صبّا يحدّث نفسه برجوع‏

* * *

أنجد بغيثك‏ يا غمام فإنني‏* * *لم أرض يوم البين فعل‏ دموع‏

* * *

من كان يبكي الظاغنين بأدمع‏* * *فأنا الذي أبكيهم بنجيع‏

* * *

إيه و بين الصّدر مني و الحشا* * *شجن طويت على شجاه ضلوعي‏

* * *

هات الحديث عن‏ الذين تحمّلوا* * *و اقدح‏ بزند الذّكر نار ولوعي‏

* * *

عندي شجون في التي جنت النّوى‏* * *أشكو الغداة و هنّ في توديع‏

* * *

من وصلي الموقوف أو من سهدي‏ ال* * *موصول أو من نومي المقطوع‏

* * *

ليت الذي بيني و بين صبابتي‏* * *بعد الذي بيني و بين هجوعي‏

* * *

يا قلب‏ لا تجزع لما فعل النّوى‏* * *فالحرّ ليس لحادث بجزوع‏

* * *

أفبعد ما غودرت في أشراكه‏* * *تبغي النّزوع؟ و لات حين نزوع‏

* * *

و مهفهف مهما هبت ريح الصّبا* * *أبدت له عطفاه عطف مطيع‏

* * *

جمع المحاسن و هو منفرد بها* * *فاعجب لحسن مفرد مجموع‏

* * *

و الشمس لو لا إذنه ما آذنت‏* * *خجلا و إجلالا له بطلوع‏

* * *

____________

(1) القصيدة في نثير فرائد الجمان (ص 296- 298)، و بعضها في نفح الطيب (ج 8 ص 77- 78) و أزهار الرياض (ج 3 ص 197).

(2) في الأصل: «الصدوع» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من نثير فرائد الجمان.

(3) في النثير: «صبّ».

(4) في النثير: «بدمعك».

(5) في الأصل: «قلّ» و التصويب من نثير فرائد الجمان.

(6) في الأصل: «ضلوع» و التصويب من النثير.

(7) في النثير: «على».

(8) في النثير: «تقدح».

(9) في النثير و أزهار الرياض: «من أي أشجاني التي جنت الهوى». و في النفح: «من أي أشجاني التي جنت النوى»

(10) في النفح و أزهار الرياض: «العذاب».

(11) في المصادر الثلاثة: «تنويع».

(12) في المصادر الثلاثة: «هجري».

(13) في هذا البيت و البيتين التاليين مصطلحات الحديث و هي: الموقوف، و الموصول، و المقطوع، و الصحيح، و الموضوع، و المسند.

(14) في النثير: «مثل».

(15) في النثير: «يا قلبي».

(16) في النثير: «الهوى».

(17) في الأصل: «أبعد» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من نثير فرائد الجمان.

(18) في الأصل: «مطلوع»، و التصويب من النثير.

168

ما زلت أسقي خدّه من أدمعي‏* * *حتى تفتّح عن رياض ربيع‏

* * *

إن كان يرنو عن نواظر شادن‏* * *فلربّ ضرغام بهنّ صريع‏

* * *

عجبا لذاك الشعر زاد بفرقه‏* * *حسنا كحسن الشّعر بالتّصريع‏

* * *

منع الكرى ظلما و قد منع الضّنا* * *فشقيت‏ بالممنوح و الممنوع‏

* * *

جرّدت ثوب العزّ عني طائعا* * *أ تراه يعطفه عليّ خضوعي؟

* * *

لم أنتفع‏ لبسا من الملبوس في‏* * *حبّي و لا بعذاري المخلوع‏

* * *

بجماله استشفعت في إجماله‏* * *ليحوز أجر منعّم و شفيع‏

* * *

يا خادعي عن سلوتي و تصبّري‏* * *لو لا الهوى ما كنت بالمخدوع‏

* * *

أوسعتني بعد الوصال تفرّقا* * *و أثبتني سوءا لحسن صنيعي‏

* * *

أسرعت فيما ترتضي فجزيتني‏* * *بطويل هجران إليّ سريع‏

* * *

أشرعت رمحا من قوامك ذابلا* * *فمنعت من‏ ماء الرّضاب شروعي‏

* * *

خذ من حديث تولّعي و تولّهي‏* * *خبرا صحيحا ليس بالمصنوع‏

* * *

يرويه خدّي مسندا عن أدمعي‏* * *عن مقلتي عن قلبي المصدوع‏

* * *

كم من ليال في هواك قطعتها* * *و أنا لذكراهنّ في تقطيع‏

* * *

لا و الذي طبع الكرام على الهوى‏* * *و يعزّ سلوان‏ الهوى المطبوع‏

* * *

ما غيّرتني الحادثات و لم أكن‏* * *بمذيع سرّ للعهود مضيع‏

* * *

لا خير في الدنيا و ساكنها معا* * *إن كان قلبي منك غير جميع‏

* * *

و قال في غير ذلك في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل‏]

و قالوا عداك البخت و الحزم عندما* * *غدوت غريب الدّار منزلك الفنت‏

* * *

____________

(1) في النثير: «فسقيت».

(2) في النثير: «لم أقنع بسقامي الملبوس في ...».

(3) في النثير: «و يا خادعي ... و مصبّري».

(4) في النثير: «بعدا بفضل تقرّبي و جزيتني سوءا ...».

(5) في النثير: «فأثبتني».

(6) في النثير: «صريع».

(7) في الأصل: «دايلا» و التصويب من النثير.

(8) في النثير: «في».

(9) في النثير: «... تولعي و صبابتي ... ليس بالموضوع». و في النفح: «أو من حديث تولّهي و تولّعي ... ليس بالموضوع».

(10) في النفح: «المفجوع».

(11) في النثير: «قلبي».

(12) في الأصل: «و برّ سوا أن»، و التصويب من نثير فرائد الجمان.

(13) في النثير: «الدنيا و في لذاتها إن كان جمعي منك ...».

169

أ لم يعلموا أنّ اغترابي حرامة* * *و أن ارتحالي عن دارهم هو البخت؟

* * *

نعم لست أرضى عن زماني أو أرى‏* * *تهادي السفن المواخر و البخت‏

* * *

لقد سئمت نفسي المقام ببلدة* * *بها العيشة النّكراء و المكسب السّحت‏

* * *

يذلّ بها الحرّ الشريف لعبده‏* * *و يجفوه بين السّمت من سنة ستّ‏

* * *

إذا اصطافها المرء اشتكى من سمومها* * *أذى و يرى فيه أدّا يبتّ‏

* * *

و لست كقوم في تعصبّهم عتوا* * *يقولون بغداد لغرناطة أخت‏

* * *

رغبت بنفسي أن أساكن معشرا* * *مقالهم زور و ودّهم مقت‏

* * *

يدسّون في لين الكلام دواهيا* * *هي السّمّ بالآل المشود لها لتّ‏

* * *

فلا درّ درّ القوم إلّا عصيبة* * *إليّ بإخلاص المودّة قد متّوا

* * *

و آثرت أقواما حمدت جوارهم‏* * *مقالهم صدق و ودّهم بحت‏

* * *

لهم عن عيان الفاحشات إذا بدت‏* * *تعام و عن ما ليس يعينهم صمت‏

* * *

فما ألفوا لهوا و لا عرفوا خنى‏* * *و لا علموا أنّ الكروم لها بنت‏

* * *

به كل مرتاح إلى الضّيف و الوغى‏* * *إذا ما أتاه منهما النبأ البغت‏

* * *

و أشعث ذي طمرين أغناه زهده‏* * *فلم يتشوّف للذي ضمّه التّخت‏

* * *

صبور على الإيذاء بغيض على العدا* * *معين على ما يتّقي جأشه الشّتّ‏

* * *

ولي صاحب مثلي يمان جعلته‏* * *جليسي نهارا أو ضجيعي إذا بتّ‏

* * *

و أجرد جرّار الأعنّة فارح‏* * *كميت و خير الخيل قدّاحها الكمت‏

* * *

تسامت به الأعراق في آل أعوج‏* * *و لا عوج في الخلق منه و لا أمت‏

* * *

و حسبي لعضّات النوائب منجدا* * *عليها الكميت الهند و الصّارم الصّلت‏

* * *

قطعت زماني خبرة و بلوته‏* * *فبالغدر و التّخفيف عندي له نعت‏

* * *

و مارست أبناء الزمان مباحثا* * *فأصبح حبلي منهم و هو منبتّ‏

* * *

و ذي صلف يمشي الهوينا ترفّقا* * *على نفسه كيلا يزايلها السّمت‏

* * *

إذا غبت فهو المروة القوم عندهم‏* * *له الصّدر من ناديهم و له الدّست‏

* * *

و إن ضمّني يوما و إياه مشهد* * *هو المعجم السّكيت و العمّة الشّخت‏

* * *

فحسبي عداتي أن طويت مآربي‏* * *على عزمهم حتى صفا لهم الوقت‏

* * *

و قلت لدنياهم إذا شئت فاغربي‏* * *و كنت متى أعزم فقلبي هو البتّ‏

* * *

و أغضيت عن زلّاتهم غير عاجز* * *فماذا الذي يبغونه لهم الكبت؟

* * *

____________

(1) الشّتّ: المتفرّق. محيط المحيط (شتت).

170

و قال‏: [الكامل‏]

لا تعد ضيفك إن ذهبت لصاحب‏* * *تعتدّه لكن تخيّر و انتق‏

* * *

أو ما ترى الأشجار مهما ركّبت‏* * *إن خولفت أصنافها لم تغلق‏

* * *

و منه في المقطوعات: [السريع‏]

و شادن تيّمني حبّه‏* * *حظّي منه الدّهر هجرانه‏

* * *

مورّد الخدين حلو اللّمى‏* * *أحمر مضني الطّرف و سنانه‏

* * *

لم تنطو الأغصان في الروض بل‏* * *ضلّت له تسجد أغصانه‏

* * *

يا أيها الظّبي الذي قلبه‏* * *تضرّم في القلب نيرانه‏

* * *

هل عطفة ترجى لصبّ شبح‏* * *ليس يرجى عنك سلوانه؟

* * *

يودّ أن لو زرته في الكرى‏* * *لو متّعت بالنوم أجفانه‏

* * *

قد رام أن يكتب ما نابه‏* * *و الحبّ لا يمكن كتمانه‏

* * *

فأفضيت أسراره و استوى‏* * *إسراره الآن و إعلانه‏

* * *

و قال‏: [مخلع البسيط]

نهار وجه و ليل شعر* * *بينهما الشّوق يستثار

* * *

قد طلبا بالهوى فؤادي‏* * *فأين‏ لي عنهما الفرار؟

* * *

و كيف يبغي النجاة شي‏ء* * *يطلبه الليل و النهار؟

* * *

و قال في الدّوبيت:

زارت ليلا و أطلعت فجرها* * *صبحا فجمعت بين صبح و ظلام‏

* * *

لما بصرت بالشمس قالت يا فتى‏* * *جمع الإنسان بين الأختين حرام‏

* * *

و قال في غرض التّورية: [الطويل‏]

أبح لي يا روض‏ المحاسن نظرة* * *إلى ورد ذاك الخدّ أروي به الصّدى‏

* * *

و بالله لا تبخل عليّ بعطفة* * *فإني رأيت‏ الرّوض يوصف بالنّدى‏

* * *

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 83).

(2) في النفح: «تعلق» بالعين غير المعجمة.

(3) الأبيات في نثير فرائد الجمان (ص 302).

(4) في النثير: «و أين».

(5) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 227) و نثير فرائد الجمان (ص 300).

(6) في الأصل: «... لي في رياض المحاسن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(7) في المصدرين: «... الخدّ كنت لك الفدا».

(8) في الكتيبة: «بقطفة».

(9) في المصدرين: «عهدت».

171

و قال‏: [السريع‏]

و عاشق صلّى و محرابه‏* * *وجه غزال ظلّ يهواه‏

* * *

قالوا تعبّدت‏؟ فقلت نعم‏* * *تعبّدا يفهم معناه‏

* * *

و قال و هو مليح جدّا: [الخفيف‏]

و صديق شكا بما حمّلوه‏* * *من قضاء يقضي بطول‏ العناء

* * *

قلت فاردد ما حمّلوك عليهم‏* * *قال من يستطيع‏ ردّ القضاء؟

* * *

و قال‏: [المتقارب‏]

لسانان هاجا من خاصماه‏* * *لسان الفتى و لسان القضا

* * *

إذا لم تحز واحدا منهما* * *فلست أرى لك أن تنطقا

* * *

و قال‏: [الكامل‏]

تلك الذّؤابة ذبت من شوقي لها* * *و اللّحظ يحميها بأيّ سلاح‏

* * *

يا قلب فانجح‏ لا إخالك ناجيا* * *من فتنة الجعديّ و السفّاح‏

* * *

و إحسانه كثير. و يدل بعض الشي‏ء على كلّه، و يحجر طلّ الغيث على وبله.

وفاته: اتصل بنا خبر وفاته بفاس مبطونا في أوائل ثمانية و خمسين و سبعمائة.

ثم تحقّقت أن ذلك في آخر شوال من العام قبله‏.

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 83).

(2) في الأصل: «تعبد» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(3) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 28) و نثير فرائد الجمان (ص 301).

(4) في الكتيبة: «لما».

(5) في المصدرين: «بفرط».

(6) في الأصل: «يستطع» و هو خطأ نحوي لأنه ليس مجزوما، و كذا أيضا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(7) كلمة «و قال» ساقطة في الأصل.

(8) في الأصل: «هجيا» و هكذا ينكسر الوزن.

(9) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 83).

(10) في النفح: «الذوائب».

(11) في الكتيبة: «فانج و ما إخالك».

(12) أراد بالجعدي الشّعر الذي عبّر عنه بالذؤابة، و أراد بالسفّاح اللّحظ، و في الكلمتين تورية.

(13) كذا جاء في نفح الطيب (ج 8 ص 70- 71).

172

محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن الحكيم اللخمي‏

يكنى أبا القاسم.

حاله: من كتاب «عائد الصلة»: فرع دوحة الأصالة و الخصوصيّة، و العلم و الدين، و المكانة و الجلالة، مجلي بيته، و مجدّد مآثره برّا، و مجاملة، و خيريّة. نشأ بأطراف جملته من الفنون؛ من حساب و فريضة و أدب و قراءة و وثيقة، إلى خطّ حسن، و أدب تكفّله، حتى انقاد له أو كاد. أعبط في وقيعة الطاعون قاضيا ببعض الجهات، و كاتبا للدار السلطانية، فكانت فيه الفجيعة عظيمة.

و جرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه‏: «من فروع‏ مجد و جلالة، ورث الفضل لا عن كلالة. أشرف، مجيد، معظّم، مخوّل في العشيرة، وصل لباب المجد بفرائد الخلال الأثيرة، و أصبح طرفا في الخير و العفاف، و اتّصف من العدالة بأحسن اتّصاف، و سلك‏ من سنن سلفه، أثر هاد لا يزال يرشده و يدلّه، و يسدّده فيما يعقده أو يحلّه، و اتّسم بميسم الحياء، و الحياء خير كله، إلى نزاهة لا ترضى بالدّون، و نجابة تتهالك في صون الفنون، و طمح في هذا العهد إلى نمط في البلاغة رفيع، و جنح إلى مساجلة ما يستحسنه من مخترع و بديع، و صدرت منه طرف تستملح، و تستحلى إذا استحلى. و نحن نورد ما أمكن من آياته، و نجلي بعض غرره و شيّاته.

شعره: و من مقطوعات آياته: [الطويل‏]

وهبّت فهزّت عندما أن‏ رأت به‏* * *الطّلا مثل الطفل يرضع في المهد

* * *

و روض‏ حباه المزن خلعة برقة* * *و باتت رباه من حباه على وعد

* * *

يحدّثنا عن كرمها ماء مزنها* * *فتبدي ابتسام الزّهر في لثمة الخدّ

* * *

عجبنا لما رأينا من برّها* * *بدور حباب الكأس تلعب بالنّرد

* * *

____________

(1) ترجمة محمد بن محمد ابن الحكيم اللخمي في الكتيبة الكامنة (ص 196).

(2) قارن بالكتيبة الكامنة (ص 196).

(3) في الكتيبة: «فرع محمدة و جلالة».

(4) في المصدر نفسه: «و اقتفى».

(5) في الأصل: «هذا» و التصويب من الكتيبة.

(6) كلمة «أن» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم المعنى و الوزن معا.

(7) في الأصل: «و الروض حياه» و هكذا ينكسر الوزن.

(8) في الأصل: «ما من» و هكذا ينكسر الوزن، و لا معنى له.

(9) صدر هذا البيت مضطرب، و منكسر الوزن.

173

و قال: [الطويل‏]

شربنا و زنجيّ الدّياجي موقد* * *مصابيح من زهر النجوم الطّوالع‏

* * *

عقارا رأته حين أقبل حالكا* * *فجاءت بمصفرّ من اللون فاقع‏

* * *

عجبت لها ترتاع منه و إنها* * *لفي الفرقد قرّت لدم المدامع‏

* * *

و قال: [الخفيف‏]

لاح في الدّرّ و العقيق‏ فحيّا* * *أم مزاج أدّاه صرف المحيّا؟

* * *

من بنات الكروم و الرّوم بكرا* * *أقبلت ترتدي حياء يهيّا

* * *

خلتها و الحباب يطفو عليها* * *شفقا فوقه نجوم الثّريّا

* * *

قهوة كالعروس في الكأس تجلى‏* * *صاغ من لؤلئتها المزج حليا

* * *

و قال: [البسيط]

و يوم أنس صقيل الجوّ ذي نظر* * *كأنه من و ميض البرق قد خلقا

* * *

ما زلت فيه لشمس الطّست مصطحبا* * *و بالنجوم و بالأكواس مغتبقا

* * *

صفراء كالعسجد المسبوك إن شربت‏* * *تبدي احمرارا على الخدّين مؤتلقا

* * *

كذلك الشمس في أخرى عشيّتها* * *إذا توارت أثارت بعدها شفقا

* * *

و قال‏: [الطويل‏]

بنفسي حبيب صال‏ عامل قدّه‏* * *عليّ و لمّا ينعطف و هو كالغصن‏

* * *

و يا عجبا منه متى صار ذابلا* * *و نضرته لم تنأ عن خوطه اللّدن‏

* * *

و أعجب من ذا أن سيف لحاظه‏* * *يمزّق أفلاذ الحشا و هو في الجفن‏

* * *

و قال‏: [الكامل‏]

بأبي و غير أبي غزال نافر* * *بين الجوانح يغتدي و يروح‏

* * *

قمر تلألأ و استنار جبينه‏* * *غارت به بين الكواكب يوح‏

* * *

____________

(1) عجز البيت منكسر الوزن.

(2) في الأصل: «العقيق» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «حيا» و هكذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «لؤلئها» و هكذا ينكسر الوزن.

(5) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 197).

(6) في الكتيبة: «مال».

(7) في الأصل: «و نضرته تنار عن حوطة اللّدن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(8) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 197).

(9) في الأصل: «حبيبه» و التصويب من الكتيبة.

174

لم يرض غير القلب منزلة فهل‏* * *يا ليت شعري بالذّراع يلوح‏

* * *

و مما نسب لنفسه و أنشدنيه: [الكامل‏]

ليل الشّباب انجاب أول وهلة* * *عن صبح شيب لست عنه براض‏

* * *

إن سرّني يوما سواد خضابه‏* * *فنصوله عن ساقي‏ ببياض‏

* * *

هلّا اختفى فهو الذي سرق الصّبا* * *و القطع في السّرقات أمر ماض‏

* * *

فعليه ما اسطاع‏ الظهور بلمّتي‏* * *و عليّ أن ألقاه بالمقراض‏

* * *

وفاته: توفي، (رحمه اللّه)، بغرناطة في السابع عشر شهر ربيع الآخر عام خمسين و سبعمائة، في وقيعة الطاعون، و دفن بباب إلبيرة رحمة اللّه عليه.

محمد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن محمد بن علي ابن محمد اللّوشي اليحصبي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف باللوشي.

أوّليّته: من لوشة، و قرأ العلم بها، و تعرّف بالسلطان الغالب بالله محمد قبل تصيّر الملك له، و تقدم عنده. تضمّن ذكره الكتاب المسمّى ب «طرفة العصر في أخبار بني نصر»، و تقرر ذلك في حرف الحاء في اسم أبي عمر اللوشي، كاتب الدولة النّصرية، (رحمه اللّه).

حاله: من كتاب «عائد الصلة»: كان، (رحمه اللّه)، من أهل الحسب و الأصالة، شاعرا، مدّاحا. نشأ مدلّلا في حجور الدولة النصرية، خفيفا على أبوابها، مفضّلا على مدّاحها. ثم تجنّى بآخرة، و لزم طورا من الخمول في غير تشكّ، أعرض به عن أرباب الدّنيا، و أعرض عنه، و اقتصر على تبلّغ من علالة مؤمّل كان له خارج غرناطة، غير مساد من ثلمه، و لا مصلح في خلله، أخذ نفسه بالتّقشّف، و سوء المسكن، و التهاون بالملبس، حملا عليها في غير أبواب الرياضة، مجانبا أرباب الخطط، وفيّا لمن لحقته من السلطان موجدة، تختلف معاملته لمن يعرفه في اليوم مرّات، من إعراض عنه، و قبول عليه، و لصوق به، كل ذلك عن سلامة، و تهيّب نفس. مليح الدّعابة، ذاكرا لفنون من الأناشيد، حسن الجدّ، متجافيا عن الأعراض.

____________

(1) في الأصل: «ساق» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «ما استطاع» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) ترجمة محمد بن محمد اللوشي اليحصبي في الكتيبة الكامنة (ص 175) و نثير فرائد الجمان (ص 329).

175

و جرى ذكره في «التاج» بما نصّه‏: شاعر مفلق، و شهاب في أفق‏ البلاغة متألّق، طبّق مفاصل الكلام بحسام لسانه، و قلّد نحور الكلام‏ ما يزري بجواهر الملوك‏ من إحسانه. و نشأ في حجور الدولة النصرية مدللا بمتاته، متقلبا في العزّ في أفانينه و أشتاته، إذ لسلفه الذّمام الذي صفت منه الحياض و الحمام، و الوداد الذي قصرت عنه الأنداد، و السابقة التي أزرى بخبرها العيان، و شهدت بها أرجونة و جيّان، محيّز ثمرة الطيب. و له همّة عالية، بعيدة المرمى، كريمة المنتمى، حملته بآخرة على الانقباض و الازدراء و الزهد في الازدياد و الاستكثار، و الاقتصاد و الاقتصار، فعطف على انتجاع غلّته، و التزام محلّته، و مباشرة فلاحة صان بها وجهه؛ و وفّاه الدهر حقّه و نجمه، و احتجبت عقائل بيانه لهذا العهد و تقنّعت، و راودتها النّفس فتمنّعت، و له فكاهة و أنس الزمان مناجاة القينات، عند البيات، و أعذب من معاطاة الرّاح في الأقداح».

شعره: قال: و له أدب بلغ في الإجادة الغاية، و رفع للجبين من السّنن الرّاية. و من مقطوعاته يودع شيخنا الفقيه القاضي أبا البركات بن الحجاج:

[الطويل‏]

رأوني و قد أغرقت في عبراتي‏* * *و أحرقت في ناري لدى زفراتي‏

* * *

فقالوا سلوه تعلموا كنه حاله‏* * *فقلت سلوا عني أبا البركات‏

* * *

فمن قال إني بالرّحيل محدّث‏* * *روت عنه أجفاني غريب ثبات‏

* * *

و نادى فؤادي ركبه فأجابه‏* * *ترحّل و كن في القوم بعض عدات‏

* * *

و من مقطوعاته البديعة من قصيدة مجازيّة: [الطويل‏]

سيخطب قسّ العزم في منبر السّرى‏* * *و هل في الدّنا يوم المسير أطيق؟

* * *

و أقطع زند الهجر و القطع حقّه‏* * *فما زال طيب العمر عنّي يريق‏

* * *

مولده: في حدود ثمانية و سبعين و ستمائة.

وفاته: في الموفّى عشرين من شهر ربيع الثاني من عام اثنين و خمسين و سبعمائة.

____________

(1) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 175).

(2) كلمة «أفق» ساقطة من الكتيبة الكامنة.

(3) في الكتيبة: «الملوك».

(4) في المصدر نفسه: «السلوك».

(5) في الأصل: «يسترقّ» و هكذا ينكسر الوزن، و فيه عيب القافية.

176

محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى ابن الحكيم اللخمي‏

يكنى أبا بكر.

أوّليّته: مرّت في اسم ذي الوزارتين.

حاله: من كتاب «عائد الصلة»: «كان صدر أبناء أصحاب النّعم، و بقيّة أعلام البيوت، ترف نشأة، و عزّ تربية، و كرم نفس، و طيب مجالسة، و إمتاع محاضرة، و صحة وفاء، و شياع مشاركة في جملة فاضلة، محدّثا تاريخيا، كاتبا بليغا، حسن الخطّ، مليح الدّعابة، ظريف التوقيع، متقدم الحيلة في باب التحسين و التنقيح، يقرض الشعر، و يفكّ المعمّى، و يقوم على جمل الكتاب العزيز، حفظا و تجويدا، و إتقانا، و يسرد نتف التاريخ، و عيون الأخبار، إلى حسن الخلق، و كمال الأبّهة، و حلاوة البساطة، و احتمال المنابشة، و المثابرة على حفظ المودة، و الاستقالة من الهفوة، و التمسّك بالاستعتاب و المعذرة. كتب بالدار السلطانية أكثر عمره، و تصدّر بعد في قيادة المواضع النّبيهة، محاربا ذا قدرة في ذلك، و مع ذلك فشائع المعروف، ذائع المشاركة. قيّد الكثير، و دوّن و صنّف، و حمل عن الجلّة ممن يشقّ إحصاؤهم، و كان غرّة من غرر هذا القطر، و موكبا من مواكب هذا الأفق، لم يتخلف بعده مثله.

و جرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه‏: «ماجد أقام رسم‏ المجد بعد عفائه، فوفّى الفضل حقّ وفائه. بيته في رندة أشهر في الأصالة من بيت امرئ القيس، و أرسى في بحبوحة الفخر من قواعد الرّضوى و أبي قيس. استولى على الجود البديع البعيد المدى، و حجّت إليه من كل فج طلّاب النّدى، و عشت إلى ضوء ناره فوجدت على النار التّقى و الهدى. ولّي الوزارة النّصرية التي اعتصر منها طريفا بتالد، فأحيت مآثرها الخالدة مآثر يحيى بن خالد. و لمّا أدار عليها الدهر كأس النّوائب، و خلص إليها سهمه الصّائب، بين صحائف الكتب و صفائح الكتائب، تطلّعت من خلالها الرائقة لباب الوجود، و بكتها بسيل أجفانها عين الباس و الجود، و طلع على‏

____________

(1) ترجمة محمد بن محمد بن الحكيم في الكتيبة الكامنة (ص 195) و نفح الطيب (ج 8 ص 42).

(2) قارن بالكتيبة الكامنة (ص 195).

(3) في الكتيبة: «ربع».

(4) هو يحيى بن خالد البرمكي، وزير الخليفة هارون الرشيد.

177

أعقاب هذه الفضائل محلّى من صفحاتها، و أعاد لو ساعده الدهر من لمحاتها، و ارتقى من الكتابة إلى المحلّ النّبيه، و استحقّها من بعض ميراث أبيه، و بنى و شيّد، و دوّن فيها و قيّد، و شهر في كتب الحديث و روايته، و جنى‏ ثمرة رحلة أبيه، و هو في حجر ذؤابته‏، و أنشأ الفهارس، و أحيا الأثر الدّارس، و ألّف كتابه المسمى ب «الموارد المستعدبة و المقاصد المنتخبة» فسرح الطّرف، و روضه طيّب الجنى و العرف. و له شعر أنيق الحلية، حاز في نمط العلية. و بيني و بين هذا الفاضل وداد صافي الحياض، و فكاهة كقطع الرّياض، و دعابة سحبت الدّالة أذيالها، و أدارت الثّقة و المقة جريالها.

و سيمرّ في هذا الديوان كل رائق المحيّا، عاطر الريّا.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر الحريري، و الأستاذ أبي الحسن القيجاطي، و الأستاذ إسحاق بن أبي العاصي. و أخذ عن الطّم و الرّمّ، من مشايخ المشرق و المغرب، فمنهم الولي الصالح فضل بن فضيلة المعافري، إلى العدد الكثير من أهل الأندلس، كالخطباء الصلحاء أبي عبد اللّه الطّنجالي، و أبي جعفر الزيّات، و أبي عبد اللّه بن الكمّاد، و غيرهم من الرّنديين و المالقيين و الغرناطيين، حسبما تضمنه برنامجه.

تواليفه: ألّف الكتاب المسمى، «الفوائد المنتخبة و الموارد المستعدبة». و كمّل التاريخ المسمى ب «بميزان العمل» لابن رشيق. و دوّن كتابا في عبارة الرؤيا سمّاه «بشارة القلوب بما تخبره الرؤيا من الغيوب» و «الأخبار المذهّبة» و «الإشارة الصّوفية، و النّكت الأدبية». و الهودج في الكتب. و الإشارة في ألف إنشاده.

شعره و كتابته: قال في التاريخ ما نصّه: «و تهادته إلى هذا العهد رتب السّيادة، و استعمل في نبيهات القيادة؛ فوجّه إلى معقل قرطمة من كورة ريّه و هو واليه، و بطاحه في مجرى جياده و صحر عواليه. و قد حللت مالقة صحبة الرّكب السلطاني في بعض التّوجّهات، إلى تلك الجهات، في بعض ما أتحف من مقعده، المتصل المستمر، بهديّة مشتملة على ضروب من البرّ فخاطبته مقيما لسوق الانبساط، و غير حائد على الوداد و الاغتباط، على ما عوّل عليه من حمل الإفراط، و الانتظام في هذا المعنى و الانخراط: [الطويل‏]

ألام على أخذ القليل و إنما* * *أعامل أقواما أقلّ من الذّرّ

* * *

فإن أنا لم آخذه منهم فقدته‏* * *و لا بدّ من شي‏ء يعين على الدّهر

* * *

____________

(1) في الكتيبة: «و اجتنى ثمره رحلة إليه؛ و هو ...».

(2) في المصدر نفسه: «دايته، و دوّن الفهارس ...».

178

سيدي، أطلق اللّه يدك بما تملك، و فتر عن منحك البخل لئلّا تهلك. كنت قد هوّمت، و حذّرني القلق فتلوّمت. و لومي كما علمت سي‏ء الخصال، عزيز الوصال. يمطل ديني، و يعاف طيره ورد عيني. فإذا الباب يدقّ بحجر، فأنبأني عن ضجر، و جار الجنب يؤخذ بالذّنب، فقمت مبادرا و جزعت، و إن كان الجزع مني نادرا. و استفهمت من وراء الغلق، عن سبب هذا القلق. فقالت امرأة من سكان البوادي: رابطة الفؤاد يا قوم، رسول خير، و ناعق طير، و قرع إذلال، لا فرع إدلال. حطّوا شعار الحرب و الحرب، فقد ظفرتم ببلوغ الأرب، فتأخرت عن الإقدام، و أنهدت إليه، فحنّ عمر بن أبي ربيعة عمن كان بالدّار من الخدّام، فأسفرت الوقيعة عن سلام و سلم، و لم يزن أحد منا بكلم. و نظرت إلى رجل قرطبي الطّلعة و الأخلاق، خاو على الإطلاق، تنهّد قبل أن يسلّم، و ارتمض لما ذهب من الشّبيهة و تألّم. شنشنة معروفة، و عين تلك الجهات معاذ اللّه مصروفة.

و قد حمّلته سيادتكم من المبرّة ضروبا شتّى، و تجاوزت في المسرّات غاية حتى.

و لم تضع عضوا من جسده، فضلا عن منكبه ويده، إلّا علّقته و عاء ثقيلا، و ناطت به زنبيلا. و استلقى كالمنيّ إذا ترك المعترك، و علت حوله تلك الأثقال، و تعاورها الانتقال، و كثر بالزّقاق القيل و القال. فلمّا تخلّصت إلى الدار، و سترت معرفتها بالجدار، و تناولها الاختبار الفاضح، و بان قصورها الواضح، فتلاشت، بعد ما جاشت، و نظرت إلى قعب من اللّبن الممزوق، الذي لا يستعمل في البيوت و لا يباع في السّوق، فأذكرتني قول الشاعر: [البسيط]

تلك‏ المكارم لا قعبان من لبن‏* * *شيبت بماء فعادت بعد أبوالا

* * *

أما زبده فرفع، و أما جبنه فاقتيت به و انتفع، و أما من بعثه من فضلاء الخدّام فدفع، و كأني به قد ألحّ و صفع، و التفت إلى قفّة قد خيطت، و بعنق ذاك البائس قد نيطت، رمس فيها أفراخ الحمائم، و قلّدت بجيده كما يتقلد بالتمائم، و شدّ حبلها بمخنقه، و ألزم منها في العاجل طائره في عنقه، هذا بعد ما ذبحت، و أما حشوها فربحت. و لو سلكتم الطريقة المثلى، لحفظتم جثّتها من العفن كما تحفظ جثة القتلى، و أظنكم لم تغفلوا هذا الغرض الأدنى، و لا أهملتم هذه الهمم التي غريزة في المبنى. فإني رميت منها اللّهو رمي المختبر، فكلح من مرارة الصبر، و لما أخرجتها من كفن القفّة، و استدعيت لمواراتها أهل الصّفة، تمثّلت تمثّل اللبيب،

____________

(1) في الأصل: «في تلك ...» و هكذا ينكسر الوزن.

179

بقول أبي تمام حبيب‏: [الكامل‏]

هنّ الحمام فإن كسرت عيافة* * *من حائهنّ فإنهنّ حمام‏

* * *

و لو أن إحدى الدّجاجتين لاحت عليها مخيّلة سرّ، لكانت من بقايا مواطني ديوك بني مرّ، و بعث بها حلالك حلاله، و أهدى منها اجتهاد من أحسن. و لم يكن بالهديّة ما يذكر، و لا كانت مما ينكر، أستغقر اللّه، فلو لم تكن التّحفة، إلّا تلك الفكاهة العاطرة و الغمامة الماطرة، التي أحسبها الأمل الأقصى، و تجاوزت إلّا من التي لا تعدّ و لا تحصى، للزم الشكر و وجب، و برز من حرّ المدح ما تيسّر و احتجب.

فالمكارم و إن تغيّرت أنسابها، و جهل انتسابها، و ادّعي إرثها و اكتسابها، إليكم تنشر يدها، و تسعى لأقدامها، و لبيتكم تميل بهواديها، و بساحتكم يسيل واديها، و على أرضكم تسحّ غواديها. و مثلي أعزكم اللّه، لا يغضي من قدر تحفكم الحافلة، و لا يقدر من شكرها على فريضة و لا نافلة، و لكنها دعابة معتادة، و فكاهة أصدرتها ودادة. و لا شكّ أنكم بما جبلتم عليه قديما و حديثا، تغتفرون جفائي، الذي سيّرتموه سمرا و حديثا في جنب وفائي، و تغضون و تتحملون، و بقول الشاعر تتمثّلون، و أسمع من الألفاظ اللغوية التي يسرّ بها سمعي، و إن ضمنت شتمي و وصفي: [الطويل‏]

بعثت بشي‏ء كالجفاء و إنما* * *بعثت بعذري كالمدلّ إلى غدر

* * *

و قلت لنفسي لا تردعي فإنه‏* * *كما قيل شي‏ء قد يعين على الدهر

* * *

و ما كان قدر الودّ و المجد مثله‏* * *فخذه على قدر الحوادث أو قدري‏

* * *

و إن كنت لم أحسن صنيعي فإنّني‏* * *سأحسن في حسن القبول له شكري‏

* * *

و قدرك قدر النيل عندي و إنني‏* * *لدى قدرك العالي أدقّ من الذّرّ

* * *

قنعت و حظّي من زماني و ودّكم‏* * *هباء و مثلي ليس يقنع بالنّزر

* * *

أتاني كتاب منك باه مبارك‏* * *لقيت به الآمال باهتة الثّغر

* * *

جلا من بنات الفكر بكرا و زفّها* * *إلى ناظري تختال في حبر الحبر

* * *

فألفاظها كالزّهر و الزهر يانع‏* * *و قدر المعاني في الأصالة كالزهر

* * *

نجوم معان في سماء صحيفة* * *و لكنها تسري النجوم و لا تسري‏

* * *

تضمّن من نوع الدعابة ما به‏* * *رجوت الذي قد قيل في نشوة الخمر

* * *

____________

(1) البيت في ديوان أبي تمام (ص 247) من قصيدة من 56 بيتا.

(2) العيافة: زجر الطير.

(3) الحمام، بكسر الحاء: الموت.

180

رعى اللّه مسراها الكريم فجلّ ما* * *جلته من البشرى و أبدت من البشر

* * *

لعمري لقد أذكرتني دولة الصّبا* * *و أهديت لي نوع الجلال من السّحر

* * *

و لما أتت تلك الفكاهة غدوة* * *وجدت نشاطا سائر اليوم في بشري‏

* * *

و لا سيما إن كان ملحم بردها* * *عميد أولي الألباب نادرة العصر

* * *

نشرت بها ما قد طويت بساطه‏* * *زمانا وبي طيّ الأمور مع النشر

* * *

و نعم خليل الخير أنت محافظا* * *على سنن الإخلاص في السّرّ و الجهر

* * *

و دونكها تلهو بها و تديرها* * *سحيريّة الأنفاس طيّبة النّشر

* * *

فراجعني بقوله:

و قد منّ سيدي الجواب، محتويا على العجب العجاب، فيالك من فكاهة كوثرية المناهل، عنبرية المسائل، و لو لم يكن إلّا وصف القرطبي المستوى الطّلعة، الشّرطي الصّنعة. و أما وصف اللبن و فراخ الحمام، فقد بسطتم في المزاح القول. و امتنعتم في الكلام الفصل. و ذلك شي‏ء يعجز عن مساجلتكم فيه أرباب البلاغة و البيان، فكيف بمثلي ممن له القول المهلهل النّسيج الواهي البيان. و لا بدّ من عرض ذلك على سيدي القطب الكبير الإمام، و أستاذنا علم الأعلام، و كبير أئمة الإسلام، فيحكم بيننا بحكم الفصل، و ينصف بما لديه من الحق و العدل. و قد كنت أحيد عن مراجعتكم حيدة الجبان، و أميل عن ذلك ميلة الكودن‏ عن مجاراة السّمر الهجان، و أعدل عن مساجلة أدبكم الهتّان، عدول الأعزل عن مبارزة جيّد السّنان. إلى أن وثقت بالصفح، و عوّلت على ما لديكم من الإغضاء و السّمح، و وجّهت حاملة السرّ و الظروف، كي تتصل الهدايا و لا ينقطع المعروف. و أستقيل من انبساط يجرّ عذرا، و أسأله سبحانه و تعالى حمدا يوجب المزيد من إنعامه و شكرا. دام سيدي و آماله مساعدة، و الكلمة على فضله واحد.

و من شعره في النّسك و اللّجإ إلى اللّه تعالى‏:

أيا من له الحكم في خلقه‏* * *و يا من‏ بكربي له أشتكي‏

* * *

تولّ أموري و لا تسلمني‏* * *و إن أنت أسلمتني أهلك‏

* * *

تعاليت من مفضل‏ منعم‏* * *و نزّهت من طالب مدرك‏

* * *

____________

(1) الكودن: الفيل، و المراد هنا البطي‏ء في مشيه. محيط المحيط (كود).

(2) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 196).

(3) في الأصل: «و من» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(4) في الكتيبة: «من منعم مفضل».

181

و من ذلك و نقلته من خطّه‏: [الطويل‏]

تصبّر إذا ما أدركتك ملمّة* * *فصنع إله العالمين عجيب‏

* * *

و ما يدرك‏ الإنسان عار بنكبة* * *ينكّب‏ فيها صاحب و حبيب‏

* * *

ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة* * *و عيش كرام الناس ليس يطيب‏

* * *

و يوشك أن تهمي سحائب نعمة* * *فيخصب ربع للسّرور جديب‏

* * *

إلهك يا هذا مجيب‏ لمن دعا* * *و كلّ الذي عند القريب قريب‏

* * *

مولده: عام خمسة و ستين و ستمائة.

وفاته: من «عائد الصلة»، قال: و ختم اللّه عمره بخير العمل من الإنابة و التهدّج، و التزام الورد، و إن كان مستصحب الخيرية. و حلّ ببلد ولايتهم رندة، فكانت بها تربته في الثالث و العشرين لربيع الآخر عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن محمد بن علي بن العابد الأنصاري‏

ولد المذكور بعد، الكاتب بالدار السلطانية.

حاله: من كتاب طرفة العصر و غيره، قال: كان كاتبا مشهورا، بليغا، ذا معرفة، بارع الخطّ، أوحد زمانه في ذلك، و قورا، معذب اللفظ، منحطا في هوى نفسه، محارفا بحرفة الأدب على جلالة قدره. و كتابته نقيّة، جانحة إلى الاختصار.

شعره: وثيق، تقلّ فيه أرواح المعاني كشعر أبيه، و توشيحه فائق. تولّى كتابة الإنشاء لثاني الملوك النصريين‏، و استمرّ قيامه بها على حجر شديد من السلطان و محمل؛ لملازمته المعاقرة و انهماكه في البطالة، و استعمال الخمر، حتى زعموا أنه قاء يوما بين يديه، فأخّره عنها، و قدّم الوزير أبا عبد اللّه بن الحكيم. و في ذلك‏

____________

(1) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 195) و نفح الطيب (ج 8 ص 42).

(2) في النفح: «و ما يلحق».

(3) في الكتيبة: «فينكب».

(4) الأسوة: بضم الهمزة و كسرها؛ هو ما يأتسي به الحزين يتعزّى به. مختار الصحاح (أسا).

(5) في الأصل: «من ربع السرور» و التصويب من المصدرين.

(6) في النفح: «قريب».

(7) المحارفة: الاحتيال، و المراد هنا الاحتراف. محيط المحيط (حرف).

(8) هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، و قد حكم غرناطة من سنة 671 ه حتى سنة 701 ه. ترجمته في اللمحة البدرية (ص 50)، و تقدمت ترجمته في الجزء الأول من الإحاطة.

182

يقول: [الطويل‏]

أمن عادة الإنصاف و العدل أن أجفا* * *لأن زعموا أني تحسّيتها صرفا؟

* * *

و أقام بقيّة عمره تحت رفد و برّ.

وفاته: توفي في حدود التسعين و ستمائة. و كان شيخنا ابن الجيّاب قد آثره بكتبه، و كانت نفيسة أعلاها بخط أبيه، (رحمه اللّه).

محمد بن مالك المرّي الطّغنري‏

من أهل غرناطة، من ذوي البيتية و الحسب فيها. ذكره الأستاذ في الكتاب المسمّى بالصلة، و الغافقي‏، و غيرهما.

حاله: أديب نبيل، شاعر؛ على عهد الأمير عبد اللّه بن بلقّين بن باديس، صاحب غرناطة. قال: و كان أولا يميل إلى البطالة و الراحة. ثم إنه استيقظ من غفلته، و أقلع عن راحته، و أجبّ في توبته. و كان من أهل الفضل و الخير و العلم.

من تواليفه: كتابه الشهير في الفلاحة، و هو بديع، سمّاه «زهرة البستان، و نزهة الأذهان»، عبرة في الظّرف. قال: و جرى له مع سماجة خليفة عبد اللّه بن بلقّين قصة. إذ فاجأه سماجة مع إخوان له، و لم يشعروا به، فأنشده ابن مالك ارتجالا، و قد أخذ بلجام دابته: [الخفيف‏]

بينما نحن في المصلّى نساق‏* * *و جناح العشيّ فيه جنوح‏

* * *

إذ أتانا سماجة يتلألأ* * *فردى‏ الشمس من تجلّيه‏ يوح‏

* * *

فطفقنا يقول بعض لبعض‏* * *أغبوق شرابنا أم صبوح؟

* * *

____________

(1) ترجمة محمد بن مالك في الذخيرة (ق 1 ص 805)، و الطّغنري، نسبة إلى طغنرTignar ، إحدى قرى غرناطة. و كنيته كما جاء في الذخيرة، أبو عبد اللّه.

(2) المقصود هنا الأستاذ ابن الزبير صاحب كتاب «صلة الصلة».

(3) هو محمد بن عبد الواحد الغافقي، المعروف بالملاحي.

(4) سماجة الصنهاجي من وزراء باديس بن حبوس، صاحب غرناطة، و كان حازما شديد السطوة، مرهوب الجانب، شجاعا، جوادا، فاضلا. ثم لزم أمير غرناطة عبد اللّه بن بلقين بن باديس مدة كوزير، ثم أبعده عبد اللّه عن غرناطة، فلجأ إلى ألمرية و عاش في كنف صاحبها المعتصم بن صمادح. راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 161).

(5) في الأصل: «إذا» و هكذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «ردى» و هكذا ينكسر الوزن.

(7) في الأصل: «تجليله» و هكذا ينكسر الوزن و لا معنى له.

183

قال: فتكلّم الوزير سماجة باللسان البربري مع عبيده، فرجعوا مسرعين، و وقف سماجة مع الوزير ابن مالك، إلى أن أتاه عبيده، بوعاء فيه جملة كبيرة من الدراهم، تنيف على الثلاثمائة دينار. فقال: ادفعوها إليه، و انصرف. و أتاهم العبيد مع الدراهم، بطعام و شراب. قال ابن مالك: و ذلك أوّل مال تأثّلته.

شعره: و منه‏ [السريع‏]

صبّ على قلبي هوى لاعج‏* * *و دبّ في جسمي ضنى دارج‏

* * *

في شادن أحمر مستأنس‏* * *لسان تذكاري به لاهج‏

* * *

ما قدر نعمان إذا ما مشى‏* * *و ما عسى يفعله‏ عالج؟

* * *

فقدّه من رقّة مائس‏* * *و ردفه من ثقله‏ مائج‏

* * *

عنوان ما في ثوبه وجهه‏* * *تشابه الداخل و الخارج‏

* * *

فلا تقيسوه ببدر الدّجى‏* * *ذا معلم الوجه و ذا ساذج‏

* * *

و قد نسبها بعض الناس لغيره.

وفاته: قال الأستاذ: كان حيّا سنة ثمانين و أربعمائة. و أمر أن يكتب على قبره:

[الخفيف‏]

يا خليلي، عرّج على قبري تجد* * *أكلة التّرب بين جنبي ضريح‏

* * *

خافت الصوت إن نطقت و لكن‏* * *أيّ نطق إن اعتبرت فصيح؟

* * *

أبصرت عينيّ العجائب لكن‏* * *فرّق‏ الموت بين جسمي و روحي‏

* * *

محمد بن علي بن محمد بن عبد اللّه بن عبد الملك الأوسي‏

المدعو بالعقرب، من إقليم الآش‏.

حاله: كان حسن النظم و النثر، ذكيّا من أهل المعرفة بالعربية و الأدب، موصوفا بجودة القريحة، و النبل و الفطنة.

____________

(1) الأبيات في الذخيرة (ق 1 ص 808).

(2) في الذخيرة: «أحور».

(3) كلمة «ما» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الذخيرة.

(4) في الذخيرة: «يبلغه».

(5) في الذخيرة: «ثقل».

(6) في الأصل: «من أكلة» و هكذا ينكسر الوزن.

(7) في الأصل: «لما فرّق ...» و هكذا ينكسر الوزن.

(8) في الأصل: «و روح» بدون ياء.

(9) أي من إقليم وادي آش‏Guadix .

184

أدبه و شعره: ذكره الملّاحي و قال: حدّثني قاضي الأحكام بغرناطة، أبو القاسم الحسن بن قاسم، الهلالي صاحبنا، قال: كان الأستاذ أبو عبد اللّه العقرب جارنا، قد وقع بينه و بين زوجه زهرة بنت صاحب الأحكام، أبي الحسن علي بن محمد تنازع، فرفعته إلى القاضي بغرناطة، أبي عبد اللّه بن السّماك العاملي، و كنت يومئذ كاتبا له، فرأى القاضي قوّته و قدرته على الكلام و ضعفها، و إخفاق نظمها، و شفق لحالها. و كان يرى أن النساء ضعاف، و أن الأغلب من الرجال يكون ظالمهن. و كان كثيرا ما يقول في مجلسه: رويدك، رفقا بالقوارير، و حين رأى ما صدر عن القاضي من الجمل، فقلت له: و أين حلاوة شعرك و القاضي أديب يهتز إليه و يرتاح؟ فطلب مني قرطاسا، و جلس غير بعيد، ثم كتب على البديهة بما نصّه:

[الكامل‏]

للّه حيّ، يا أميم، حواك‏* * *و حمائم فوق الغصون حواك‏

* * *

غنّين حتى خلتهنّ عنينني‏* * *بغنائهنّ فنحت في مغناك‏

* * *

ذكّرنني‏ ما كنت قد أنسيته‏* * *بخطوب هذا الدهر من ذكراك‏

* * *

أشكو الزّمان إلى الزّمان و من شكى‏* * *صرف الزمان إلى الزمان فشاكي‏

* * *

يا ابن السّماك‏ المستظلّ برمحه‏* * *و العزل‏ ترهب ذا السلاح الشاكي‏

* * *

راع الجوار فبيننا في جوّنا* * *حقّ السّرى و السير في الأفلاك‏

* * *

و ابسط إلى الخلق المؤوب ببسطة* * *ظرف الكرام بعفّة النّساك‏

* * *

و أنا ذاكر إن لم يفت من لم يمت‏* * *فدارك ثم دارك ثم ذاك‏

* * *

ثم دفعها إلى القاضي، فكتب القاضي بخطه في ظهر الرقعة: لبّيك، لبّيك. ثم أرسلني أصلح بين العقرب و زوجه، فإن وصل صلحهما إلى خمسين دينارا، فأنا أؤدّيها عنه من مالي، فجمعت بينهما، و أصلحت بينهما عن تراض منهما، رحمهما اللّه تعالى.

محمد بن علي بن عبد اللّه بن علي القيسي العرادي‏

من أهل غرناطة.

____________

(1) في الأصل: «ذكّرتني» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى معا.

(2) السّماك: كوكب نيّر صغير في جهة الشمال، يقال له السماح الرامح. محيط المحيط (سمك).

(3) في الأصل: «و العزّل» بتشديد الزاي، و هكذا ينكسر الوزن. و العزل: جمع أعزل و هو أحد السماكين لأنه لا سلاح معه. محيط المحيط (عزل).

(4) هذا البيت منكسر الوزن.

185

حاله: كان فتى حسن السّمت، ظاهر السكون، بادي التّصوّن و العفّة، دمث الأخلاق، قليل الكلام، كثير الحياء، مليح الخط، ظريفه، بادي النّجابة. أبوه و جدّه من تجار سوق العطر، نبهاء السوق. نظم الشعر، فجاء منه بعجب، استرسالا و سهولة، و اقتدارا، و نفوذا في المطوّلات، فأنفت له من الإغفال، و جذبته إلى الدار السلطانية، و اشتدّت براعته، فكاد يستولي على الأمر لو لا أن المنية اخترمته شابا، فثكل منه الشعر، قريع إجادة، و بارع ثنيّة شهرة، لو انفسح له الأمد.

مولده: في ذي الحجة عام أحد و ثلاثين و سبعمائة.

وفاته: توفي مبطونا على أيام قريبة من إسراعه بغرناطة، عن سنّ قريبة من العشرين، في عام خمسة و خمسين و سبعمائة. و أبوه أمين العطارين.

محمد بن علي بن العابد الأنصاري‏

يكنى أبا عبد اللّه، أصله من مدينة فاس.

حاله: من خطّ القاضي أبي جعفر بن مسعدة، علم كتّاب دار الإمارة النّصرية الغالبيّة، الذي بنوره يستصبحون، و سراجهم الذي بإشراقه و بهجته و نهج محدته يهتدون. رفع لواء الحمد، و ارتدى بالفهم و العلم و الحلم. كان، (رحمه اللّه)، إماما في الكتابة، و الأدب، و اللغة، و الإعراب، و التاريخ و الفرائض و الحساب، و البرهان عليه، عارفا بالسّجلات و التّوثيق، أربى على الموثّقين من الفحول المبرّزين في حفظ الشعر و نظمه، و نسبته إلى قائله حافظا مبرّزا. درس الحديث، و حفظ الأحكام لعبد الحق الإشبيلي، و نسخ الدواوين الكبار، و ضبط كتب اللغة، و قيّد على كتب الحديث، و اختصر التّفسير للزمخشري، و أزال عنه الاعتزال، لم يفتر قطّ من قراءة أو درس أو نسخ أو مطالعة، ليله و نهاره. لم يكن في وقته مثله.

مشيخته: أخذ بفاس عن أبي العباس أحمد بن قاسم بن البقّال الأصولي، و أبي عبد اللّه بن البيوت المقرّي، و عن الزاهد أبي الحسن بن أبي الموالي، و غيرهم.

شعره: و منه قوله: [الكامل‏]

طرقت تتيه على الصّباح الأبلج‏* * *حسناء تختال اختيال تبرّج‏

* * *

في ليلة قد ألبست بظلامها* * *فضفاض برد بالنجوم مدبّج‏

* * *

و شعره مدوّن كثير.

وفاته: توفي بحضرة غرناطة عام اثنين و ستين و سبعمائة في ذي القعدة منه.

186

محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأزدي الإلبيري الغرناطي‏

من أهل قرية سكون، يكنى أبا القاسم، و يعرف بالأندلسي، و كأنها تفرقة بينه و بين الحكمي أبي نواس.

أوّليّته: قال غير واحد من المؤرخين‏: هو من ذرية يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، و قيل: من ولد أخيه روح بن حاتم.

حاله: كان من فحول الشعراء، و أمثال النظم، و برهان البلاغة، لا يدرك شأوه، و لا يشقّ غباره، مع المشاركة في العلوم، و النفوذ في فكّ المعمّى. خرج من الأندلس ابن سبع و عشرين سنة، فلقي جوهرا المعروف بالكاتب مولى المعزّ بن المنصور العبيدي، صاحب المغرب، و امتدحه، و كان لئيما، فأعطاه مائتي درهم، فوجد لذلك، و قال: أههنا كريم يقصد؟ فقيل: بلى، جعفر بن يحيى بن علي بن فلاح بن أبي مروان، و أبو علي بن حمدون، فامتدحهما، ثم اختصّ بجعفر بن يحيى و أبي علي، فبالغا في إكرامه، و أفاضا عليه من النعم و الإحسان ما لم يمرّ بباله، و سارت أشعاره فيهما، حتى أنشدت للمعزّ العبيدي، فوجهه جعفر بن علي إليه في جملة طرف و تحف بعث بها إليه، كان أبو القاسم أفضلها عنده، فامتدح المعز لدين اللّه، و بلغ المعزّ من إكرامه الغاية. ثم عاد إلى إفريقية، ثم توجه إلى مصر، فتوفي ببرقة.

و جرى ذكره في «تخليص الذهب» من تأليفنا بما نصّه: «العقاب الكاسرة، و الصّمصامة الباترة، و الشّوارد التي تهادتها الآفاق، و الغايات التي أعجز عنها السّباق».

وصمته: و ذكره ابن شرف في مقاماته، قال: و أما ابن هاني محمد، فهو نجدي الكلام، سردي النظام، إلّا أنه إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه، رمى عن منجنيق،

____________

(1) ترجمة ابن هانى‏ء الأندلسي في التكملة (ج 1 ص 295، رقم 1021) و مطمح الأنفس (ص 322) و المطرب (ص 192) و جذوة المقتبس (ص 96) و بغية الملتمس (ص 140) و وفيات الأعيان (ج 4 ص 215) و معجم الأدباء (ج 5 ص 468) و عبر الذهبي (ج 2 ص 328) و شذرات الذهب (ج 3 ص 41) و الفلاكة و المفلوكون (ص 102) و المغرب (ج 2 ص 97) و النجوم الزاهرة (ج 4 ص 67) ورايات المبرزين (ص 150) و مرآة الجنان (ص 375) و الأعلام (ج 7 ص 130) و نفح الطيب (ج 1 ص 282) و (ج 4 ص 183) و (ج 5 ص 187).

(2) قارن بالتكملة (ج 1 ص 295- 296).

187

لا يؤثر في النّفيق. و له غزل معرّي، لا عذري، لا يقنع بالطّيف، و لا يصفع بغير السيف، و قد قدّه به الذات، و عظم شأنه فاحتمل الثواب، و كان يقف دولته في أعلى منزلته، ناهيك من رجل يستعين على صلاح دنياه، بفساد أخراه، لرداءة دينه، و ضعف يقينه. و لو عقل ما ضاقت عليه معاني الشّعر، حتى يستعين عليه بالكفر.

شعره: كان أول ما مدح به جعفر بن علي قوله‏: [الكامل‏]

أحبب بتيّاك القباب قبابا* * *لا بالحداة و لا الرّكاب ركابا

* * *

فيها قلوب العاشقين تخالها* * *عنما بأيدي البيض و العنّابا

* * *

و قال يمدح جعفر بن علي من القصيدة الشهيرة: [الطويل‏]

أليلتنا إذا أرسلت واردا و حفا* * *و بانت‏ لنا الجوزاء في أذنها شنفا

* * *

و بات لنا ساق يقوم‏ على الدّجى‏* * *بشمعة صبح‏ لا تقطّ و لا تطفا

* * *

أغنّ غضيض خفّف‏ اللّين قدّه‏* * *و أثقلت‏ الصّهباء أجفانه الوطفا

* * *

و لم يبق إرعاش المدام له يدا* * *و لم يبق إعنات‏ التّثنّي له عطفا

* * *

نزيف قضاه السّكر إلّا ارتجاجة* * *إذا كلّ عنها الخصر حمّلها الرّدفا

* * *

____________

(1) ديوان ابن هانى‏ء الأندلسي (ص 49).

(2) الحداة: الذين يسوقون الإبل؛ أراد أنه يحب القباب لأنها تخص الحبيب، و لا يحب الحداة و لا الإبل لأنها سبب بعد الحبيب عنه.

(3) العنم: شجرة حجازية لها ثمر أحمر يشبّه به البنان المخضب. يقول: إن تلك القباب حمر، كأنها عنم أو عناب بأيدي النساء البيض.

(4) ديوان ابن هانى‏ء الأندلسي (ص 207- 210) و رايات المبرزين (ص 151- 154). و ورد منها في المغرب (ج 2 ص 97- 98) فقط سبعة أبيات.

(5) في الأصل: «و جفا» و التصويب من الديوان و المغرب. و الوارد: الشعر الطويل المسترسل.

و الوحف: الكثيف المسودّ.

(6) في الديوان و المغرب: «و بتنا نرى الجوزاء».

(7) الشّنف: ما يعلّق في أعلى الأذن، و هو القرط.

(8) في المغرب: «يصول».

(9) في الديوان: «نجم».

(10) لا تقط: لا يقطع رأسها.

(11) في الأصل: «جفّف» و التصويب من الديوان و المغرب.

(12) في الديوان: «و ثقّلت».

(13) الأغن: الذي في صوته غنّة. و الغضيض: الفاتر الطرف المسترخي الأجفان. و الوطف: جمع أوطف و هو الذي كثر شعر حاجبيه و عينيه.

(14) الإعنات: من أعنته: أي أدخل عليه مشقّة شديدة.

(15) في الديوان: «عنه الخصر حمّله ...».

188

يقولون حقف فوقه‏ خيزرانة* * *أما يعرفون الخيزرانة و الحقفا؟

* * *

جعلنا حشايانا ثياب مدامنا* * *و قدّت لنا الظّلماء من جلدها لحفا

* * *

فمن كبد تدني إلى كبد هوى‏* * *و من شفة توحي إلى شفة رشفا

* * *

بعيشك نبّه كأسه و جفونه‏* * *فقد نبّه الإبريق من بعد ما أغفا

* * *

و قد فكّت الظلماء بعض قيودنا* * *و قد قام جيش الليل للصبح فاصطفّا

* * *

و ولّت نجوم للثّريّا كأنها* * *خواتيم تبدو في بنان يد تخفى‏

* * *

و مرّ على آثارها دبرانها* * *كصاحب ردء كمّنت خيله خلفا

* * *

و أقبلت الشّعرى العبور ملمّة* * *بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا

* * *

و قد قبّلتها أختها من ورائها* * *لتخرق من ثنيي مجرّتها سجفا

* * *

تخاف زئير الليث قدّم‏ نثرة* * *و بربر في الظّلماء ينسفها نسفا

* * *

كأنّ معلّى قطبها فارس له‏* * *لواءان مركوزان قد كره الزّحفا

* * *

كأن السّماكين اللذين تظاهرا* * *على لبّتيه‏ ضامنان له الحتفا

* * *

فذا رامح يهوي إليه سنانه‏* * *و ذا أعزل قد عضّ أنمله لهفا

* * *

كأنّ قدامى النّسر و النّسر واقع‏* * *قصصن فلم تسم الخوافي له ضعفا

* * *

كأن أخاه حين دوّم طائرا* * *أتى دون نصف البدر فاختطف النّصفا

* * *

كأن رقيب الليل‏ أجدل مرقب‏* * *يقلّب تحت الليل في ريشه طرفا

* * *

____________

(1) في الأصل: «فوقي» و التصويب من الديوان و المغرب ...

(2) الحشايا: جمع حشية و هي الفراش المحشوّ.

(3) في الديوان: «و قد ولّت الظلماء تقفو نجومها ... جيش الفجر لليل و اصطفّا».

(4) في الأصل: «ردى‏ء» و التصويب من الديوان.

(5) في الديوان: «مكبّة».

(6) المرزم: نجم من الشّعرى اليمانية. اليعبوب: الفرس السريع الطويل. تجنبه: تقوده إلى جانبها.

الطّرف: المهر.

(7) في الديوان: «و قد بادرتها».

(8) أختها: الشعرى الشامية. الثّني: الطيّ، الطاقة. السّجف: السّتر.

(9) في الديوان: «يقدم».

(10) النّثرة: أنف الأسد، و كوكبان بينهما قدر شبر. بربر: غضب و صاح.

(11) معلّى القطب: نجم في القطب.

(12) في الديوان: «على لبدتيه».

(13) في الديوان: «حتفا». و السماكان: كوكبان، يقال لأحدهما السماك الرامح و للآخر السماك الأعزل.

(14) في الديوان: «به ضعفا». و القدامى: الريشات الكبار في مقدم الجناح. النسر: كوكب، و هما كوكبان؛ النسر الطائر، و النسر الواقع. الخوافي: الريشات الصغار في مؤخر الجناح.

(15) في الديوان: «النجم». و رقيب النجم: هو النجم الذي يغيب بطلوع النجم الذي يراقبه.

189

كأنّ بني نعش و نعش‏ مطافل‏* * *بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا

* * *

كأنّ سهاها عاشق بين عوّد* * *فآونة يبدو و آونة يخفى‏

* * *

كأنّ سهيلا في مطالع أفقه‏* * *مفارق إلف لم يجد بعده إلفا

* * *

كأنّ الهزيع الآبنوسيّ موهنا* * *سرى بالنسيج الخسروانيّ ملتفّا

* * *

كأن ظلام الليل إذ مال ميلة* * *صريع مدام بات يشربها صرفا

* * *

كأن نجوم الصّبح خاقان معشر* * *من التّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخفى‏

* * *

كأن لواء الشمس غرّة جعفر* * *رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا

* * *

و قد جاشت الظلماء بيضا صوارما* * *و مركوزة سمرا و فضفاضة زعفا

* * *

و جاءت عتاق الخيل تردي كأنها* * *تخطّ لنا أقلام آذانها صحفا

* * *

هنالك تلقى جعفرا خير جعفر* * *و قد بدّلت يمناه من لينها عنفا

* * *

و كائن‏ تراه في الكريهة جاعلا* * *عزيمته برقا و صولته خطفا

* * *

و شعره كثير مدوّن، و مقامه شهير. و فيما أوردناه كفاية. و هو من إلبيرة الأصيلة.

وفاته: قالوا: لمّا توجّه إلى مصر، شرب ببرقة و سكر و نام عريانا، و كان البرد شديدا فأفلج، و توفي في سنة إحدى و ستين و ثلاثمائة، و هو ابن‏

____________

و الأجدل: الصّقر.

(1) في الديوان: «و نعشا».

(2) في الأصل: «قشفا» و التصويب من الديوان. و بنات نعش: سبعة كواكب. و المطافل: ذوات الأطفال من الإنس و الوحش، و أراد هنا بها الظّباء، واحدها: مطفل. و جرة: موضع بين مكة و البصرة. الخشف: الظبي.

(3) السّهى: كوكب خفيّ.

(4) سهيل: كوكب.

(5) في الديوان: «لونه».

(6) الهزيع: قطعة من الليل. الآبنوسيّ: نسبة إلى الآبنوس و هو شجر لون عوده أسود، صلب.

الخسرواني: حرير رقيق أبيض منسوب إلى خسرو أحد ملوك الفرس.

(7) في الديوان: «كأن عمود الفجر خاقان عسكر».

(8) شبّه عمود الفجر بملك الترك، و هو الخاقان، في بياضه، و شبّه الليل بالنجاشيّ ملك الحبشة في سواده.

(9) القرن: الخصم. طلاقته: بشاشته.

(10) في الديوان: «الدأماء».

(11) في الديوان: «و مارنة».

(12) الزّعف: الواسعة من الدروع.

(13) في الديوان: «غير».

(14) في الديوان: «من رفقها».

(15) في الأصل: «و كاين» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(16) في الأصل: «عاجلا» و التصويب من الديوان.

(17) جاء في التكملة (ج 1 ص 296) أنه توفي سنة 361 ه، و قيل: سنة 362 ه. و في وفيات-

190

اثنتين‏ و أربعين سنة. و لما بلغت المعزّ وفاته، تأسّف عليه و قال: هذا رجل كنا نطمع أن نفاخر به أهل المشرق.

محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم ابن علي الغسّاني البرجي الغرناطي‏

يكنى أبا القاسم، من أهل غرناطة.

حاله: فاضل‏ مجمع على فضله، صالح الأبوّة، طاهر النشأة، بادي الصّيانة و العفّة، طرف في الخير و الحشمة، صدر في الأدب، جمّ المشاركة، ثاقب الذهن‏، جميل العشرة، ممتع المجالسة، حسن الخطّ و الشعر و الكتابة، فذّ في الانطباع، صنيع‏ اليدين، يحكم على‏ الكثير من الآلات العلمية، و يجيد تفسير الكتاب‏.

رحل إلى العدوة، و توسّل إلى ملكها، مجدّد الرسم، و مقام‏ الجلّة، و علم دست الشعر و الكتابة، أمير المسلمين أبي عنان فارس‏، فاشتمل عليه، و نوّه به، و ملأ بالخير يده، فاقتنى جدة و حظوة و شهرة و ذكرا، و انقبض مع استرسال الملك‏، و آثر الراحة، و جهد في التماس الرّحلة الحجازية، و نبذ الكلّ، و سلا الخطّة، فأسعفه سلطانه بغرضه، و جعل حبله‏ على غاربه، و أصحبه رسالة إلى النبيّ الكريم من إنشائه، متصلة بقصيدة من نظمه، و كلاهما تعلن‏ في الخلفاء بعد شأوه، و رسوخ قدم علمه، و عراقة البلاغة، في نسب خصله، حسبما تضمّنه الكتاب‏

____________

الأعيان: توفي سنة 362 ه.

(1) في الأصل: «اثنين» و هو خطأ نحوي.

(2) ترجمة محمد بن يحيى الغساني البرجي في الكتيبة الكامنة (ص 250) و نيل الابتهاج طبعة فاس (ص 172) و التعريف بابن خلدون (ص 64) و جذوة الاقتباس (ص 197) و نفح الطيب (ج 7 ص 241) و أزهار الرياض (ج 5 ص 77).

(3) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 203).

(4) في النفح: «الفهم».

(5) في النفح: «حسن الشّعر و الخط».

(6) في النفح: «صناع».

(7) في النفح: «محكم لعمل الكثير».

(8) في النفح: «الكتب».

(9) في النفح: «العدوة و لقي جلّة و توسّل».

(10) في النفح: «و مقام أولي الشهرة و عامر دست».

(11) كلمة «فارس» غير واردة في النفح.

(12) كلمة «و ذكرا» غير واردة في النفح.

(13) في النفح: «الملك لفضل عقله، حتى تشكى إليّ سلطانه بثّ ذلك عند قدومي عليه، و آثر الراحة ...».

(14) في النفح: «حبل همّه». و المعنى أنه تركه و شأنه.

(15) في النفح: «يعلن».

191

المسمى ب «مساجلة البيان». و لما هلك و ولّي ابنه، قدّمه قاضيا بمدينة ملكه، و ضاعف التّنويه به، فأجرى الخطّة، على سبيل من السّداد و النزاهة. ثم لمّا ولّي السلطان أبو سالم عمّه، أجراه على الرسم المذكور، و هو الآن بحاله الموصوفة، مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطاني على تعدّد مفاخره، يحظى بكل اعتبار.

شعره: ثبتّ‏ في كتاب «نفاضة الجراب» من تأليفنا، عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب، ليلة ميلاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ذكر من أنشد ليلتئذ من الشّعراء ما نصّه:

و تلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي، جملة السّذاجة، و كرم الخلق، و طيب النفس، و خدن العافية، و ابن الصّلاح و العبادة، و نشأة القرآن، المتحيّز إلى حزب السلامة، المنقبض عن الغمار، العزوف عن فضول القول و العمل، جامع المحاسن، من عقل رصين، و طلب ممتع، و أدب نقّادة، و يد صناع، أبو القاسم بن أبي زكريا البرجي، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة: [البسيط]

أصغى إلى الوجد لمّا جدّ عاتبه‏* * *صبّ له شغل عمّن يعاتبه‏

* * *

لم يعط للصبر من بعد الفراق يدا* * *فضلّ من ظلّ إرشادا يخاطبه‏

* * *

لو لا النّوى لم يبت حرّان‏ مكتئبا* * *يغالب الوجد كتما و هو غالبه‏

* * *

يستودع‏ الليل أسرار الغرام و ما* * *تمليه أشجانه فالدّمع كاتبه‏

* * *

للّه عصر بشرقيّ الحمى سمحت‏* * *بالوصل أوقاته لو عاد ذاهبه‏

* * *

يا جيرة أودعوا إذ ودّعوا حرقا* * *يصلى بها من صميم القلب ذائبه‏

* * *

يا هل ترى تجمع‏ الأيّام فرقتنا* * *كعهدنا أو يردّ القلب ساكبه؟

* * *

و يا أهيل ودادي، و النّوى قذف‏* * *و القرب قد أبهمت دوني مذاهبه‏

* * *

هل ناقض العهد بعد البعد حافظه‏* * *و صادع الشّمل يوم الشّعب شاعبه؟

* * *

____________

(1) النص في نفاضة الجراب (ص 382) و نفح الطيب (ج 8 ص 204).

(2) في نفاضة الجراب: «حملة».

(3) في نفاضة الجراب: «نقاوة». و في نفح الطيب: «و أدب و نقاوة».

(4) القصيدة في نفاضة الجراب (ص 382- 386) و الكتيبة الكامنة (ص 252- 254) و نفح الطيب (ج 8 ص 204- 208)، و جاء في الكتيبة الكامنة أنه قال هذه القصيدة عام 701 ه.

(5) في الأصل: «حيران» و التصويب من المصادر الثلاثة.

(6) في الكتيبة: «يوادع».

(7) في الكتيبة: «نائبه».

(8) في الكتيبة: «ترجع الأيام ألفتنا ... و يردّ ... سالبه».

192

و يا ربوع الحمى لا زلت ناعمة* * *يبكي عهودك مضنى الجسم شاحبه‏

* * *

يا من لقلب مع الأهواء منعطف‏* * *في كل أوب له شوق يجاذبه‏

* * *

يسمو إلى طلب الباقي بهمّته‏* * *و النفس بالميل للفاني تطالبه‏

* * *

و فتنة المرء بالمألوف معضلة* * *و الأنس بالإلف نحو الإلف جاذبه‏

* * *

أبكي لعهد الصّبا و الشّيب يضحك بي‏* * *يا للرّجال سبت جدّي ملاعبه‏

* * *

و لن ترى كالهوى أشجاه سالفه‏* * *و لا كوعد المنى أحلاه كاذبه‏

* * *

و همّة المرء تغليه و ترخصه‏* * *من عزّ نفسا لقد عزّت مطالبه‏

* * *

ما هان كسب المعالي أو تناولها* * *بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه‏

* * *

لو لا سرى الفلك السّامي لما ظهرت‏* * *آثاره و لما لاحت كواكبه‏

* * *

في ذمّة اللّه ركب للعلا ركبوا* * *ظهر السّرى فأجابتهم نجائبه‏

* * *

يرمون عرض الفلا بالسّير عن عرض‏* * *طيّ السّجلّ إذا ما جدّ كاتبه‏

* * *

كأنهم في فؤاد الليل سرّ هوى‏* * *لو لا الضّرام لما خفّت جوانبه‏

* * *

شدّوا على لهب الرّمضاء وطأتهم‏* * *فغاص في لجّة الظّلماء راسبه‏

* * *

و كلّفوا الليل من طول السّرى شططا* * *فخلّفوه و قد شابت ذوائبه‏

* * *

حتى إذا أبصروا الأعلام ماثلة* * *بجانب الحرم المحميّ جانبه‏

* * *

بحيث يأمن من مولاه خائفه‏* * *من ذنبه و ينال القصد راغبه‏

* * *

فيها و في طيبة الغرّاء لي أمل‏* * *يصاحب القلب منه ما يصاحبه‏

* * *

لم‏ أنس لا أنس أياما بظلّهما* * *سقى ثراه عميم الغيث ساكبه‏

* * *

شوقي إليها و إن شطّ المزار بها* * *شوق المقيم و قد سارت حبائبه‏

* * *

إن ردّها الدهر يوما بعد ما عبثت‏* * *في الشّمل منّا يداه لا نعاتبه‏

* * *

معاهد شرفت بالمصطفى فلها* * *من فضله‏ شرف تعلو مراتبه‏

* * *

محمد المجتبى الهادي الشّفيع إلى‏* * *ربّ العباد أمين الوحي عاقبه‏

* * *

أوفى الورى ذمما، أسماهم همما* * *أعلاهم كرما، جلّت مناقبه‏

* * *

هو المكمّل في خلق و في خلق‏* * *زكت حلاه‏ كما طابت مناسبه‏

* * *

____________

(1) في الكتيبة: «لي».

(2) في الأصل: «غرض» و التصويب من المصادر الثلاثة.

(3) في الكتيبة: «سواد».

(4) في نفاضة الجراب: «مائلة».

(5) في الكتيبة: «ما أنس».

(6) في نفاضة الجراب: «تعاتبه».

(7) في الكتيبة: «من أجله».

(8) في الكتيبة: «علاه».

193

عناية قبل بدء الخلق سابقة* * *من أجلها كان آتيه و ذاهبه‏

* * *

جاءت تبشّرنا الرّسل الكرام به‏* * *كالصّبح تبدو تباشيرا كواكبه‏

* * *

أخباره سرّ علم الأوّلين و سل‏* * *بدير تيماء ما أبداه راهبه‏

* * *

تطابق الكون في البشرى بمولده‏* * *و طبّق الأرض أعلاما تجاوبه‏

* * *

فالجنّ تهتف إعلانا هواتفه‏* * *و الجنّ تقذف إحراقا ثواقبه‏

* * *

و لم تزل عصمة التأييد تكنفه‏* * *حتى انجلى الحقّ و انزاحت شوائبه‏

* * *

سرى و جنح ظلام الليل منسدل‏* * *و النّجم لا يهتدي في الأفق ساربه‏

* * *

يسمو لكلّ سماء منه منفرد* * *عن الأنام و جبرائيل صاحبه‏

* * *

لمنتهى وقف الرّوح الأمين به‏* * *و امتاز قربا فلا خلق يقاربه‏

* * *

لقاب‏ قوسين أو أدنى فما علمت‏* * *نفس بمقدار ما أولاه واهبه‏

* * *

أراه أسرار ما قد كان أودعه‏* * *في الخلق و الأمر باديه و غائبه‏

* * *

و آب و البدر في بحر الدّجى غرق‏* * *و الصّبح لمّا يؤب للشرق آيبه‏

* * *

فأشرقت بسناه الأرض و اتّبعت‏* * *سبل النجاة بما أبدت مذاهبه‏

* * *

و أقبل الرّشد و التاحت زواهره‏* * *و أدبر الغيّ فانجابت‏ غياهبه‏

* * *

و جاء بالذكر آيات مفصّلة* * *يهدى بها من صراط اللّه لا حبه‏

* * *

نور من الحكم لا تخبو سواطعه‏* * *بحر من العلم لا تفنى عجائبه‏

* * *

له مقام الرّضا المحمود شاهده‏* * *في موقف الحشر إذ نابت نوائبه‏

* * *

و الرّسل تحت لواء الحمد يقدمها* * *محمد أحمد السامي مراتبه‏

* * *

له الشّفاعات مقبولا و سائلها* * *إذا دهى الأمر و اشتدّت مصاعبه‏

* * *

و الحوض يروي الصّدى من عذب مورده‏* * *لا يشتكي غلّة الظمآن شاربه‏

* * *

محامد المصطفى لا ينتهي أبدا* * *تعدادها، هل يعدّ القطر حاسبه؟

* * *

فضل تكفّل بالدّارين يوسعها* * *نعمى و رحمى فلا فضل يناسبه‏

* * *

حسبي التوسّل منها بالذي سمحت‏* * *به القوافي و جلّتها غرائبه‏

* * *

حيّاه من صلوات اللّه صوب حيا* * *تحدى إلى قبره الزّاكي نجائبه‏

* * *

____________

(1) في الكتيبة: «من أجله».

(2) هذا البيت و الأبيات التالية غير واردة في الكتيبة الكامنة.

(3) القاب: المقدار، و ما بين المقبض و السّية من القوس. و في القرآن الكريم: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ (9) [النجم: 9]، و محيط المحيط (قوب).

(4) انجابت: انجلت و انكشفت. محيط المحيط (جيب).

194

و خلّد اللّه ملك المستعين به‏* * *مؤيّد الأمر منصورا كتائبه‏

* * *

إمام عدل بتقوى اللّه مشتمل‏* * *في الأمر و النهي يرضيه يراقبه‏

* * *

مسدّد الحكم ميمون نقيبته‏* * *مظفّر العزم صدق الرأي صائبه‏

* * *

مشمّر للتّقى أذيال مجتهد* * *جرّار أذيال سحب الجود ساحبه‏

* * *

قد أوسعت أمل الرّاجي مكارمه‏* * *و أحسبت‏ رغبة العافي رغائبه‏

* * *

و فاز بالأمن محبورا مسالمه‏* * *و باء بالخزي مقهورا محاربه‏

* * *

كم وافد آمل معهود نائله‏* * *أثنى و أثنت بما أولى حقائبه‏

* * *

و مستجير بعزّ من مثابته‏* * *عزّت مراميه و انقادت مآربه‏

* * *

و جاءه الدهر يسترضيه معتذرا* * *مستغفرا من وقوع الذنب تائبه‏

* * *

لو لا الخليفة إبراهيم لانبهمت‏* * *طرق المعالي و نال الملك غاصبه‏

* * *

سمت لنيل تراث المجد همّته‏* * *و الملك ميراث مجد و هو عاصبه‏

* * *

ينميه للعزّ و العليا أبو حسن‏* * *سمح الخلائق محمود ضرائبه‏

* * *

من آل يعقوب حسب الملك مفتخرا* * *بباب عزّهم السامي تعاقبه‏

* * *

أطواد حلم رسا بالأرض محتده‏* * *و زاحمت‏ منكب الجوزا مناكبه‏

* * *

تحفّها من مرين أبحر زخرت‏* * *أمواجها و غمام ثار صائبه‏

* * *

بكلّ نجم لدى الهيجاء ملتهب‏* * *ينقضّ وسط سماء النّقع ثاقبه‏

* * *

أكفّهم في دياجيها مطالعه‏* * *و في نحور أعاديهم مغاربه‏

* * *

يا خير من خلصت للّه نيّته‏* * *في الملك أو خطب العلياء خاطبه‏

* * *

جرّدت و الفتنة الشّعواء ملبسة* * *سيفا من العزم لا تنبو مضاربه‏

* * *

و خضتها غير هيّاب و لا وكل‏* * *و قلّما أدرك المطلوب هائبه‏

* * *

صبرت نفسا لعقبى الصبر حامدة* * *و الصبر مذ كان محمود عواقبه‏

* * *

فليهن دين الهدى إذ كنت ناصره‏* * *أمن يواليه أو خوف يجانبه‏

* * *

لا زال ملكك و التأييد يخدمه‏* * *تقضي بخفض مناويه قواضبه‏

* * *

____________

(1) أحسبت: أكثرت و أجزلت. لسان العرب (حسب).

(2) في نفاضة الجراب: «مسالبه».

(3) في النفاضة و النفح: «غاصبه» بالغين المعجمة.

(4) في الأصل: «و زاحت» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفاضة و النفح.

(5) في نفاضة الجراب: «منذ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر الأخرى.

(6) القواضب: جمع قاضب و هو السيف القطّاع. محيط المحيط (قضب).

195

و دمت في نعم تضفو ملابسها* * *في ظلّ عزّ علا تصفو مشاربه‏

* * *

ثم الصلاة على خير البريّة ما* * *سارت إليه بمشتاق ركائبه‏

* * *

و من شعره ما قيّده لي بخطه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة المرينية، الفقيه الرئيس الصدر المتفنن أبو زيد بن خلدون‏: [الطويل‏]

صحا القلب عمّا تعلمين فأقلعا* * *و عطّل من تلك المعاهد أربعا

* * *

و أصبح لا يلوي على حدّ منزل‏* * *و لا يتبع الطّرف الخليّ المودّعا

* * *

و أضحى من السّلوان في حرز معقل‏* * *بعيد على الأيام أن يتضعضعا

* * *

يرد الجفان النّجل عن شرفاته‏* * *و إن لحظت عن كل أجيد أتلعا

* * *

عزيز على داعي الغرام انقياده‏* * *و كان إذا ناداه للوجد أهطعا

* * *

أهاب به للشّيب أنصح واعظ* * *أصاخ له قلبا منيبا و مسمعا

* * *

و سافر في أفق التفكّر و الحجا* * *زواهره لا تبرح الدّهر طلّعا

* * *

لعمري لقد أنضيت عزمي تطلّبا* * *و قضّيت عمري رقية و تطلّعا

* * *

و خضت عباب البحر أخضر مزبدا* * *و دست أديم الأرض أغبر أسفعا

* * *

و من شعره حسبما قيّده المذكور: [المتقارب‏]

نهاه النّهى بعد طول التجارب‏* * *و لاح له منهج الرّشد لاحب‏

* * *

و خاطبه دهره ناصحا* * *بألسنة الوعظ من كلّ جانب‏

* * *

فأضحى إلى نصحه واعيا* * *و ألغى حديث الأماني الكواذب‏

* * *

و أصبح لا تستبيه‏ الغواني‏* * *و لا تزدريه حظوظ المناصب‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «تضفوا». و في نفاضة الجراب: «تصفو».

(2) الحضرة المرينية: هي عاصمة بني مرين بالمغرب.

(3) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 208).

(4) الأربع: جمع ربع و هو الدار. لسان العرب (ربع).

(5) أهطع: أسرع. لسان العرب (هطع).

(6) في النفح: «رقبة».

(7) الأسفع: الأسود المائل إلى الحمرة. لسان العرب (سفع).

(8) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 251) و نفح الطيب (ج 8 ص 208).

(9) اللاحب: الطريق الواضح. محيط المحيط (لحب).

(10) في الكتيبة: «لا تشتهيه».

196

و إحسانه‏ كثير في النظم و النثر، و القصار و المطولات. و استعمل في السّفارة إلى ملك مصر و ملك قشتالة، و هو الآن قاضي‏ مدينة فاس، نسيج وحده في السلامة و التّخصيص‏، و اجتناب فضول القول و العمل، كان اللّه له.

محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف ابن محمد الصّريحي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن زمرك. أصله من شرق الأندلس، و سكن سلفه ربض البيّازين من غرناطة، و به ولد و نشأ، و هو من مفاخره.

حاله: هذا الفاضل صدر من صدور طلبة الأندلس و أفراد نجبائها، مختص‏، مقبول، هشّ، خلوب، عذب الفكاهة، حلو المجالسة، حسن التوقيع، خفيف الروح، عظيم الانطباع، شره المذاكرة، فطن بالمعاريض‏، حاضر الجواب، شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل مع حياء و حشمة، جواد بما في يده، مشارك لإخوانه. نشأ عفّا، طاهرا، كلفا بالقراءة، عظيم الدّؤوب، ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النّبل، بعيد مدى الإدراك، جيّد الفهم، فاشتهر فضله، و ذاع أرجه، و فشا خبره، و اضطلع بكثير من الأغراض، و شارك في جملة من الفنون، و أصبح متلقّف كرة البحث، و صارخ الحلقة، و سابق الحلبة، و مظنّة الكمال. ثم ترقّى في درج المعرفة و الاضطلاع، و خاض لجّة الحفظ، و ركض قلم التّقييد و التّسويد و التعليق، و نصب نفسه للناس، متكلّما فوق الكرسي المنصوب، و بين‏ الحفل المجموع، مستظهرا بالفنون‏ التي بعد فيها شأوه، من العربية و البيان و اللغة، و ما يقذف به في لج النقل، من الأخبار و التفسير. متشوّفا مع ذلك إلى السّلوك، مصاحبا للصّوفية، آخذا نفسه بارتياض و مجاهدة، ثم عانى الأدب، فكان‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 209).

(2) في النفح: «قاضي حضرة الملك».

(3) في النفح: «و التخصّص».

(4) ترجمة ابن زمرك في الكتيبة الكامنة (ص 282) و نثير فرائد الجمان (ص 327) و نيل الابتهاج طبعة فاس (ص 282) و أزهار الرياض (ج 2 ص 7) و نفح الطيب (ج 10 ص 3) و اسمه في الأزهار و النفح: «محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي».

(5) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 4- 5) و أزهار الرياض (ج 2 ص 8- 9).

(6) في النفح: «مختصر».

(7) أي المعاريض من الكلام، و هو ما عرض به و لم يصرّح.

(8) في النفح: «كثير».

(9) في النفح: «و فوق المحفل».

(10) مستظهرا بالفنون: متقوّيا بها.

197

أملك به، و أعمل الرّحلة في طلب العلم و الازدياد، و ترقّى‏ إلى الكتابة عن ولد السلطان أمير المسلمين بالمغرب أبي سالم إبراهيم ابن أمير المسلمين أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب، ثم عن السلطان، و عرف في باب‏ الإجادة. و لمّا جرت الحادثة على السلطان صاحب الأمر بالأندلس، و استقرّ بالمغرب، أنس به، و انقطع إليه، و كرّ صحبة ركابه إلى استرجاع حقّه، فلطف منه محلّه، و خصّه بكتابة سرّه.

و ثابت الحال، و دالت الدولة، و كانت له الطائلة، فأقرّه على رسمه معروف الانقطاع و الصّاغية، كثير الدالّة، مضطلعا بالخطّة خطّا و إنشاء و لسنا و نقدا، فحسن منابه، و اشتهر فضله، و ظهرت مشاركته، و حسنت وساطته، و وسع الناس تخلّقه، و أرضى للسلطان حمله، و امتدّ في ميدان النثر و النظم باعه، فصدر عنه من المنظوم في أمداحه قصائد بعيدة الشّأو في مدى الإجادة، [حسبما يشهد بذلك، ما تضمّنه اسم السلطان، أيّده اللّه، في أول حرف الميم، في الأغراض المتعددة من القصائد و الميلاديّات، و غيرها]. و هو بحاله الموصوفة إلى الآن‏، أعانه اللّه تعالى‏ و سدّده.

شيوخه: قرأ العربية على الأستاذ رحلة الوقت‏ في فنّها أبي عبد اللّه بن الفخّار ثم على إمامها القاضي الشريف، إمام الفنون اللّسانية، أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني، و الفقه و العربية على الأستاذ المفتي أبي سعيد بن لب، و اختصّ بالفقيه الخطيب الصّدر المحدّث أبي عبد اللّه بن مرزوق فأخذ عنه كثيرا من الرّواية، و لقي القاضي الحافظ أبا عبد اللّه المقري عندما قدم‏ رسولا إلى الأندلس، و ذاكره، و قرأ الأصول الفقهية على أبي علي منصور الزّواوي، و روى‏ عن جملة، منهم القاضي أبو البركات ابن الحاج، و المحدّث أبو الحسن‏ ابن التلمساني، و الخطيب أبو عبد اللّه ابن اللوشي، و المقرئ أبو عبد اللّه ابن بيبش. و قرأ بعض الفنون العقلية بمدينة فاس على الشّريف الرحلة الشهير أبي عبد اللّه العلوي التّلمساني، و اختصّ به اختصاصا لم يخل فيه من إفادة مران و حنكة في الصّناعة.

____________

(1) في النفح: «فترقّى».

(2) في النفح: «في بابه بالإجادة».

(3) في النفح: «في صحبة».

(4) في النفح: «النظم و النثر».

(5) ما بين قوسين ساقط في النفح.

(6) في النفح: «إلى هذا العهد».

(7) كلمة «تعالى» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

(8) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 5).

(9) في النفح: «رحلة إلى المغرب في ...».

(10) كلمة «إمامها» ساقطة في النفح.

(11) في النفح: «قدم من الأندلس».

(12) في النفح: «و يروي عن جماعة».

(13) في النفح: «أبو الحسين».

(14) في النفح: «استفادة».

(15) في النفح: «في الصنعة».

198

شعره: و شعره‏ مترام إلى نمط الإجادة، خفاجيّ‏ النّزعة، كلف بالمعاني البديعة، و الألفاظ الصّقيلة، غزير المادة. فمنه في غرض النّسيب‏:

رضيت بما تقضي عليّ و تحكم‏* * *أهان فأقصى أم أصافي فأكرم‏

* * *

إذا كان قلبي في يديك قياده‏* * *فمالي عليك في الهوى أتحكّم‏

* * *

على أن روحي في يديك بقاؤه‏* * *بوصلك يحيى أو بهجرك يعدم‏

* * *

و أنت إلى المشتاق نار و جنّة* * *ببعدك يشقى أو بقربك ينعم‏

* * *

ولي كبد تندى إذا ما ذكرتم‏* * *و قلب بنيران الشوق يتضرّم‏

* * *

و لو كان ما بي منك بالبرق ما سرى‏* * *و لا استصحب الأنواء تبكي و تبسم‏

* * *

أراعي نجوم الأفق في اللّيل ما دجى‏* * *و أقرب من عينيّ للنوم أنجم‏

* * *

و ما زلت أخفي الحبّ عن كل عادل‏* * *و تشفي دموع الصّب ما هو يكتم‏

* * *

كساني الهوى ثوب السّقام و إنه‏* * *متى صحّ حبّ المرء لا شي‏ء يسقم‏

* * *

فيا من له العقل الجميل سجيّة* * *و من جود يمناه الحيا يتعلّم‏

* * *

و عنه يروّي الناس كلّ غريبة* * *تخطّ على صفح الزمان و ترسم‏

* * *

إذا أنت لم ترحم خضوعي في الهوى‏* * *فمن ذا الذي يحني عليّ و يرحم‏

* * *

و حلمك حلم لا يليق بمذنب‏* * *فما بال ذنبي عند حلمك يعظم؟

* * *

و و اللّه ما في الحيّ حيّ و لم ينل‏* * *رضاك و عمّته أياد و أنعم‏

* * *

و من قبل ما طوّقتني كل نعمة* * *كأنّي و إياها سوار و معصم‏

* * *

و فتّحت لي باب القبول مع الرضى‏* * *يغضّ الحيّ طرفي كأني مجرم‏

* * *

و لو كان لي نفس تخونك في الهوى‏* * *لفارقتها طوعا و ما كنت أندم‏

* * *

و أترك أهلي في رضاك إلى الأسى‏* * *و أسلم نفسي في يديك و أسلم‏

* * *

أما و الذي أشقى فؤادي في الهوى‏* * *و إن كان في تلك الشّقاوة ينعم‏

* * *

لأنت من قلبي و نزهة خاطري‏* * *و مورد آمالي و إن كنت أحرم‏

* * *

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 209) و (ج 10 ص 5).

(2) في النفح: «هدف».

(3) نسبة إلى ابن خفاجة، شاعر الطبيعة في الأندلس.

(4) لم ترد هذه الأبيات في نفح الطيب.

199

و من ذلك ما خاطبني به، و هي‏ من أول نظمه، قصيدة مطلعها: [الطويل‏]

«أما و انصداع النّور في‏ مطلع الفجر»

و هي طويلة. و من بدائعه التي عقم عن مثلها قياس قيس، و اشتهرت بالإحسان اشتهار الزّهد بأويس‏، و لم يحل مجاريه و مباريه إلّا بويح و ويس، قوله في إعذار الأمير ولد سلطانه، المنوّه بمكانه، و هي من الكلام الذي عنيت الإجادة بتذهيبه و تهذيبه، و ناسب الحسن بين مديحه و نسيبه‏: [الطويل‏]

معاذ الهوى أن أصحب القلب ساليا* * *و أن يشغل اللوّام بالعذل باليا

* * *

دعاني أعط الحبّ فضل مقادتي‏* * *و يقضي عليّ الوجد ما كان قاضيا

* * *

و دون الذي رام العواذل صبوة* * *رمت بي في شعب الغرام المراميا

* * *

و قلب إذا ما البرق أومض موهنا* * *قدحت به زندا من الشوق واريا

* * *

خليليّ إني يوم طارقة النّوى‏* * *شقيت بمن لو شاء أنعم باليا

* * *

و بالخيف يوم النّفر يا أمّ مالك‏* * *تخلّفت‏ قلبي في حبالك عانيا

* * *

و ذي أشر عذب الثّنايا مخصّر* * *يسقّي به ماء النعيم الأقاحيا

* * *

أحوم عليه ما دجا الليل ساهرا* * *و أصبح دون الورد ظمآن صاديا

* * *

يضي‏ء ظلام الليل ما بين أضلعي‏* * *إذا البارق النّجديّ وهنا بدا ليا

* * *

أجيرتنا بالرّمل و الرّمل منزل‏* * *مضى العيش فيه بالشّبية حاليا

* * *

و لم أر ربعا منه أقضى لبانة* * *و أشجى حمامات و أحلى مجانيا

* * *

سقت طلّه‏ الغرّ الغوادي و نظّمت‏* * *من القطر في جيد الغصون لآليا

* * *

____________

(1) في نفح الطيب (ج 10 ص 5): «و هو».

(2) في النفح: «من».

(3) وردت في الكتيبة الكامنة (ص 284- 288) و أزهار الرياض (ج 2 ص 164- 166)، و عدد أبياتها 59 بيتا، و مطلعها:

لك اللّه من فذّ الجلالة أوحد* * *تطاوعه الآمال في النّهي و الأمر

* * *

(4) هو أويس القرني أحد أعلام الزهد في العصر الأموي، قتل في وقعة صفين عام 27 ه. الأعلام (ج 2 ص 32) و مصادر حاشيته.

(5) القصيدة في نفح الطيب (ج 10 ص 6) و أزهار الرياض (ج 2 ص 56).

(6) الموهن من الليل: نصفه أو بعد ساعة منه. لسان العرب (وهن).

(7) تخلّفت: تركته خلفي. لسان العرب (خلف).

(8) العاني: الأسير. لسان العرب (عنا).

(9) في الأصل: «ضاريا» و التصويب من المصدرين.

(10) في الأزهار: «ظلّه».

200

أبثّكم أني على النّأي حافظ* * *ذمام الهوى لو تحفظون ذماميا

* * *

أناشدكم و الحرّ أوفى بعهده‏* * *و لن يعدم الأحسان و الخير جازيا

* * *

و ورد على السلطان أبي سالم ملك المغرب، رحمة اللّه تعالى عليه، وفد الأحابيش بهديّة من ملك السودان، و من جملتها الحيوان الغريب المسمّى بالزّرافة، فأمر من يعاني الشعر من الكتّاب بالنظم في ذلك الغرض، فقال و هي من بدائعه:

[الكامل‏]

لو لا تألّق بارق التّذكار* * *ما صاب واكف دمعي المدرار

* * *

لكنه مهما تعرّض خافقا* * *قدحت يد الأشواق زند أواري‏

* * *

و على‏ المشوق إذا تذكّر معهدا* * *أن يغري الأجفان باستعبار

* * *

أ مذكّري غرناطة حلّت بها* * *أيدي السّحاب أزرّة النّوّار؟

* * *

كيف التخلّص للحديث و بيننا* * *عرض الفلاة و طافح زخّار؟

* * *

و غريبة قطعت إليك على الونى‏* * *بيدا تبيد بها هموم السّاري‏

* * *

تنسيه طيّته‏ التي قد أمّها* * *و الرّكب فيها ميّت الأخبار

* * *

يقتادها من كلّ مشتمل الدّجى‏* * *و كأنما عيناه جذوة نار

* * *

خاضوا بها لجج الفلا فتخلّصت‏* * *منها خلوص البدر بعد سرار

* * *

سلمت بسعدك من غوائل مثلها* * *و كفى بسعدك حاميا لذمار

* * *

و أتتك يا ملك الزمان غريبة* * *قيد النّواظر نزهة الأبصار

* * *

موشيّة الأعطاف رائقة الحلى‏* * *رقمت بدائعها يد الأقدار

* * *

راق العيون أديمها فكأنه‏* * *روض تفتّح عن شقيق بهار

* * *

ما بين مبيضّ و أصفر فاقع‏* * *سال اللّجين به خلال نضار

* * *

يحكي حدائق نرجس في شاهق‏* * *تنساب فيه أراقم الأنهار

* * *

____________

(1) في الأصل: «الخير و الإحسان» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(2) النص و القصيدة في نفح الطيب (ج 10 ص 10- 11) و أزهار الرياض (ج 2 ص 170- 172).

(3) في النفح: «الزرافة».

(4) الأوار: حرّ النار، و اللّهب. محيط المحيط (أور).

(5) في أزهار الرياض: «علّ المشوق ...».

(6) في أزهار الرياض: «و دونها».

(7) في نفح الطيب: «و طافح الزّخّار».

(8) الطيّة: النّيّة و الوجهة. لسان العرب (طوى).

(9) في أزهار الرياض: «رائعة».

201

و أنشد السلطان في ليلة ميلاد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، عقب ما فرغ من البنية الشهيرة ببابه، (رحمه اللّه تعالى): [الطويل‏]

تأمّل أطلال الهوى فتألّما* * *و سيما الجوى و السّقم منها تعلّما

* * *

أخو زفرة هاجت له منه‏ ذكرة* * *فأنجد في شعب الغرام و أتهما

* * *

و أنشد السلطان في وجهة للصّيد أعملها، و أطلق أعنّة الجياد في ميادين ذلك الطّراد و أرسلها قوله: [الكامل‏]

حيّاك يا دار الهوى من دار* * *نوء السّماك بديمة مدرار

* * *

و أعاد وجه رباك طلقا مشرقا* * *متضاحكا بمباسم النّوّار

* * *

أ مذكّري دار الصّبابة و الهوى‏* * *حيث الشّباب يرفّ‏ غصن نضار

* * *

عاطيتني عنها الحديث كأنما* * *عاطيتني عنها كؤوس عقار

* * *

إيه و إن أذكيت نار صبابتي‏* * *و قدحت زند الشّوق بالتّذكار

* * *

يا زاجر الأظعان و هي مشوقة* * *أشبهتها في زفرة و أوار

* * *

حنّت إلى نجد و ليست دارها* * *وصبت إلى هنديّة و القار

* * *

شاقت به برق الحمى و اعتادها* * *طيف الكرى بمزارها المزوار

* * *

و من شعره في غير المطولات‏: [الطويل‏]

لقد زادني وجدا و أغرى بي الجوى‏* * *ذبال‏ بأذيال الظّلام قد التفّا

* * *

تشير وراء الليل منه بنانة* * *مخضّبة و الليل قد حجب الكفّا

* * *

تلوح سنانا حين لا تنفح الصّبا* * *و تبدو سوارا حين تثني له العطفا

* * *

قطعت به ليلا يطارحني الجوى‏* * *فآونة يبدو و آونة يخفى‏

* * *

____________

(1) النص مع بيتي الشعر في نفح الطيب (ج 10 ص 12).

(2) في النفح: «له نار ذكرة».

(3) النص و القصيدة في نفح الطيب (ج 10 ص 12- 13) و أزهار الرياض (ج 2 ص 103).

(4) في أزهار الرياض: «يروق حسن نضار».

(5) في النفح: «هنديّة و الغار».

(6) رواية البيت في أزهار الرياض هي:

لكنها شامت به برق الحمى‏* * *و اعتادها طيف الكرى بمزار

* * *

. (7) الأبيات في نفح الطيب (ج 10 ص 16) و أزهار الرياض (ج 2 ص 169).

(8) الذّبال: جمع ذبالة و هي الفتيلة، و أراد المصباح الذي يصفه ابن زمرك في هذه الأبيات.

(9) في النفح: «و تبدي».

202

إذا قلت لا يبدو أشال لسانه‏* * *و إن قلت لا يخبو الصّبابة إذ لفّا

* * *

إلى أن أفاق الصّبح من غمرة الدّجى‏* * *و أهدى نسيم الروض من طيبه عرفا

* * *

لك اللّه يا مصباح أشبهت مهجتي‏* * *و قد شفّها من لوعة الحبّ ما شفّا

* * *

و ممّا ثبت له في صدر رسالة: [الطويل‏]

أزور بقلبي معهد الأنس و الهوى‏* * *و أنهب من أيدي النسيم رسائلا

* * *

و مهما سألت البرق يهفو من الحمى‏* * *يبادره‏ دمعي مجيبا و سائلا

* * *

فياليت شعري و الأماني تعلّل‏* * *أ يرعى لي الحيّ الكرام الوسائلا؟

* * *

و هل جيرتي الأولى كما قد عهدتهم‏* * *يوالون بالإحسان من جاء سائلا؟

* * *

و من أبياته الغراميات‏: [الوافر]

قيادي قد تملّكه الغرام‏* * *و وجدي لا يطاق و لا يرام‏

* * *

و دمعي دونه صوب الغوادي‏* * *و شجوي‏ فوق ما يشدو الحمام‏

* * *

إذا ما الوجد لم يبرح فؤادي‏* * *على الدّنيا و ساكنها السّلام‏

* * *

و في غرض يظهر من الأبيات‏: [الطويل‏]

و مشتمل بالحسن أحوى مهفهف‏* * *قضى رجع طرفي من محاسنه الوطر

* * *

فأبصرت أشباه الرياض محاسنا* * *و في خدّه جرح بدا منه لي أثر

* * *

فقلت لجلّاسي خذوا الحذر إنما* * *به وصب من أسهم الغنج و الحور

* * *

و يا وجنة قد جاورت سيف لحظه‏* * *و من شأنها تدمي من اللّمح بالبصر

* * *

تخبّل للعينين جرحا و إنما* * *بدا كلف منه على صفحة القمر

* * *

____________

(1) في النفح: «لا يخفى الضياء به كفّا» و في أزهار الرياض: «لا يخبو الضياء به كفّا».

(2) نفح الطيب (ج 10 ص 16) و أزهار الرياض (ج 2 ص 170).

(3) في أزهار الرياض: «يبادر به».

(4) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 288) و نفح الطيب (ج 10 ص 16- 17).

(5) يرام: يطلب. لسان العرب (روم).

(6) في الكتيبة: «و شوقي».

(7) في الكتيبة: «يشكي». و في النفح: «يشكو».

(8) الأبيات في نفح الطيب (ج 10 ص 17).

(9) الأحوى: الأسمر، و من كان لونه لون صدإ الحديد. الوطر: الحاجة. لسان العرب (هوى) و (وطر).