الإحاطة في أخبار غرناطة - ج2

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
424 /
203

و ممّا يرجع إلى باب الفخر، و لعمري لقد صدق في ذلك‏: [الطويل‏]

أ لائمة في الجود و الجود شيمتي‏* * *جبلت على آثارها يوم مولدي‏

* * *

ذريني فلو أنّي أخلّد بالغنى‏* * *لكنت ضنينا بالذي ملكت يدي‏

* * *

و من مقطوعاته‏: [المتقارب‏]

لقد علم اللّه أنّي امرؤ* * *أجرّر ثوب العفاف القشيب‏

* * *

فكم غمّض الدهر أجفانه‏* * *و فازت قداحي بوصل الحبيب‏

* * *

و قيل رقيبك في غفلة* * *فقلت أخاف الإله الرّقيب‏

* * *

و في مدح كتاب «الشّفا» طلبه الفقيه أبو عبد اللّه بن مرزوق عندما شرع في شرحه‏: [الطويل‏]

و مسرى ركاب للصّبا قد ونت به‏* * *نجائب سحب للتراب نزوعها

* * *

تسلّ سيوف البرق أيدي حداتها* * *فتنهلّ خوفا من سطاها دموعها

* * *

و منها:

و لا مثل تعريف الشّفاء حقوقه‏* * *فقد بان فيه للعقول جميعها

* * *

بمرآة حسن قد جلتها يد النّهى‏* * *فأوصافه يلتاح فيه بديعها

* * *

نجوم اهتداء، و المداد يجنّها* * *و أسرار غيب و اليراع تذيعها

* * *

لقد حزت فضلا يا أبا الفضل شاملا* * *فيجزيك عن نصح البرايا شفيعها

* * *

و للّه ممّن قد تصدّى لشرحه‏* * *فلبّاه من غرّ المعاني مطيعها

* * *

فكم مجمل فصّلت منه و حكمة* * *إذا كتم الإدماج منه تشيعها

* * *

محاسن و الإحسان يبدو خلالها* * *كما افترّ عن زهر البطاح ربيعها

* * *

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 10 ص 17) و أزهار الرياض (ج 2 ص 10).

(2) في الأصل: «يا لائمي» و التصويب من نفح الطيب. و في أزهار الرياض: «و لائمتي».

(3) في النفح: «شيمة».

(4) في المصدرين: «إيثارها».

(5) الأبيات في أزهار الرياض (ج 2 ص 10) و نفح الطيب (ج 10 ص 17).

(6) كتاب «الشفا» للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، و اسمه كاملا: «الشفا، بالتعريف بحقوق المصطفى».

(7) البيتان في نفح الطيب (ج 10 ص 17- 18).

(8) افترّ: ابتسم. مختار الصحاح (فرر).

204

إذا ما أصول المرء طابت أرومة* * *فلا عجب أن أشبهتها فروعها

* * *

بقيت لأعلام الزمان تنيلها* * *هدى و لأحداث الخطوب تروعها

* * *

و مما امتزج فيه نثره و نظمه، و ظهر فيه أدبه و علمه، قوله يخاطبني جوابا عن رسالة خاطبت بها الأولاد، و هم مع مولانا أيّده اللّه بالمنكّب‏: [مخلع البسيط]

ما لي بحمل الهوى يدان‏* * *من بعد ما أعوز التّداني‏

* * *

أصبحت أشكو إلى‏ زمان‏* * *ما بتّ منه على أمان‏

* * *

ما بال عينيك تسجمان‏* * *و الدّمع يرفضّ كالجمان؟

* * *

ناداك و الإلف عنك وان‏* * *و البعد من بعده كواني؟

* * *

يا شقّة النفس، من هوان‏* * *لجج‏ في أبحر الهوان‏

* * *

لم يثنني‏ عن هواك ثان‏* * *يا بغية القلب‏ قد كفاني‏

* * *

يا جانحة الأصيل، أين يذهب قرصك المذهّب، و قد ضاق بالشوق المذهب.

أمست شموس الأنس محجوبة عن عيني، و قد ضرب البعد الحجاب بينها و بيني.

و على كل حال، من إقامة و ارتحال. فما محلك من قلبي محلا بينها. و ما كنت لأقنع من وجهك تخيّلا و شبيها. و من أين انتظمت لك عقول التّشبيه و اتّسقت، و من بعض المواقع و الشمس لو قطعت. صادك منذور، و أنت تتجمل بثوبي زور، و جيب الظلام على دينارك حتى الصباح مزرور، و وراءك من الغروب غريم لا يرحم، و مطالب تتقلّب منه في كفّه المطالب. و يا برق الغمام من أي حجاب تبتسم، و بأي صبح ترتسم، و أي غفل من السحاب تسم. أليست مباسم الثغور، لا تنجد بأفقي و لا تغور؟

هذا و إن كانت مباسمك مساعدة، و الجوّ ملبس لها من الوجوم شعارا، فلطالما ضحكت فأبكت الغوادي، وعقت الرائح و الغادي. أعوذ بواشم البروق، بنواسم الطّفل و الشروق، ذوات الزائرات المتعددة الطّروق، فهي التي قطعت و هادا و نجادا، و اهتدت بسيف الصباح من السحاب قرابا و من البروق نجادا، و اهتدت خبر الذين أحبّهم‏

____________

(1) الأرومة: الأصل. لسان العرب (أرم).

(2) الأبيات في أزهار الرياض (ج 2 ص 10- 11).

(3) في الأصل: «من» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من أزهار الرياض.

(4) في الأصل: «كوان» و التصويب من أزهار الرياض.

(5) في الأزهار: «يا شقوة».

(6) في الأزهار: «لججت».

(7) في الأصل: «لم يثن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من أزهار الرياض.

(8) في الأصل: «القلوب» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من أزهار الرياض.

(9) في الأصل: «كفان» و التصويب من أزهار الرياض.

205

مستظرفا مستجادا، فعالها و لعلها، و اللّه يصل في أرض الوجود نهلها و علّها، و أن يبل ظعين الشوق بنسيمها البليل، و أن نعوضه من نار الغليل، بنار الخليل، و خير طبيب يداوي الناس و هو عليل. فشكواي إلى اللّه لا أشكو إلى أحد. هل هو إلّا فرد تسطو رياح الأشواق على ذبالته، و عمر الشوق قد شبّ على الطّوق، و وهب الجمع للفرق و لم يقنع بالمشاهدة بالوصف دون الذّوق. و قلب تقسم أحشاؤه الوجد، و قسم باله الغور و النّجد. و هموم متى وردت قليب القلب، لم تبرح و لم تعد، فللّه الأمر من قبل و من بعد.

أستغفر اللّه يا سيدي الذي يوقد أفكاري حلو لقائه، و أتنسّم أرواح القبول من تلقائه، و أسأل اللّه أن يديم لي آمالي بدوام بقائه. إن بعد مداه، قربت منّا يداه، و إن أخطأنا رفده أصبنا نداه. فثمرات آدابه الزّهر تجي‏ء إلينا، و سحائب بنانه الغرّ تصوّب دوالينا أو علينا، على شحط هواه، و بعد منتواه. و لا كرسالة سيدي الذي عمّت فضائله و خصّت، و تلت على أولياء نعمته أنباء الكمال و قصّت، و آي قضى كل منها عجبا، و نال من التماح غرّتها و اجتلاء صفحتها أربا. فلقد كرمت عنه بالاشتراك في بنوّته الكريمة نسبا، و وصلت لي بالعناية منه سببا. تولّى سيدي خيرك من يتولّى خير المحسنين، و يجزل شكر المنعمين. أما ما تحدّث به من الأغراض البعيدة العذيبة، و أخبر عنه من المعاني الفريدة العجيبة، و الأساليب المطيلة، فيعجز عن وصفه، و إحكام رصفه، القلم و اللسان، و يعترف لها بالإبداع المستولي على أمد الإحسان البديع و حسّان. و لقد أجهدت جياد الارتجال، في مجال الاستعجال، فما سمحت القريحة إلّا بتوقّع الآجال، و عادت من الإقدام إلى الكلال. فعلمت أن تلك الرسالة الكريمة، من الحق الواجب على من قرأها و تأمّلها، أن لا يجري في لجّة من ميادينها، و يديم يراع سيدي الإحسان كرينها، لكن على أن يفسح الرياض للقصي مدى، و يقتدي بأخلاق سيدي التي هي نور و هدى، فإنه و اللّه يبقيه، و يقيه ممّا يتّقيه، بعد ما أعاد في شكوى البين و أبدى، و تظلّم من البعد و استعدى، و رفع حكم العتاب عن ذرات النّسيم و الاقتعاب، و رعى وسيلة ذكرها في محكم الكتاب. و ولّى فضله ما تولّى، و صرف هواه إلى هوى المولى أن صور السعادة على رأيه، أيّده اللّه تجلّى، و ثمرة فكره المقدس، أيّده اللّه تتحلّى. شكر اللّه له عن جميع نعمه التي أولى، و حفظ عليه مراتب الكمال التي هو الأحقّ بها و الأولى. و قد طال الكلام، و جمحت الأقلاح. و لسيدي و بركتي الفضل، أبقى اللّه بركته، و أعلى في الدارين درجته، و السلام الكريم يخصّكم، من مملوككم ابن زمرك، و رحمة اللّه و بركاته، في الخامس عشر لجمادى الأولى عام تسعة و ستين.

206

و خاطبني كذلك، و هو من الكلام المرسل: أبو معارفي، و وليّ نعمتي، و معيد جاهي، و مقوّم كمالي، و مورد آمالي، ممن توالى نعمه عليّ، و يتوفّر قسمه لدي؛ و أبوء له بالعجز، عن شكر أياديه التي أحيت الأمل، و ملأت أكفّ الرغبة، و أنطقت الحدائق، فضلا عن اللسان، و أياديه البيض و إن تعددت، و مننه العميمة و إن تجدّدت، تقصر عن إقطاع أسمى شرف المجلس في الروض الممطور بيانه. فماذا أقول، فيمن صار مؤثرا إليّ بالتقديم، جاليا صورة تشريفي، بالانتساب إليه في أحسن التقويم ... و إني ثالث اثنين أتشرف بخدمتها، و أسحب في أذيال نعمتها:

[الطويل‏]

خليليّ، هل أبصرتما أو سمعتما* * *بأكرم من تمشي إليه عبيد؟

* * *

اللهمّ، أوزعني شكر هذا المنعم، الذي أثقلت نعمه ظهر الشكر، و أنهضت كمال الحمد، اللهمّ أدم بجميع حياته، و أمتع بدوام بقائه الإسلام و العباد، و أمسك بيمن آرائه رمق ثغر الجهاد. يا أكرم مسئول، و أعزّ ناصر. تفضّل سيدي، و الفضل عادته، بالتعريف بما يقرّ عين التطلّع و يقنع غلّة التشوّف. و لقد كان المماليك لما مثلنا بين يدي مولانا، أيّده اللّه، لم يقدم عملا عن السؤال و لا عن الحال، إقامة لرسم الزيارة، و عملا بالواجب، فإنني أرى الديار بطرفي، فعلى أن أرى الديار بعيني، و على ذلك يكون العمل إن شاء اللّه. و إن سأل سيدي شكر اللّه احتفاءه، و أبقى اهتمامه، عن حال المماليك، من تعب السفر، و كدّ الطريق، فهي بحمد اللّه دون ما يظنّ. فقد وصلنا المنكّب تحت الحفظ و الكلاءة، محرزين شرف المساوقة، لمواكب المولى، يمن اللّه وجهته، و كتب عصمته، و استقرّ جميعنا بمحلّ القصبة، و تاج أهبتها، و مهبّ رياح أجرائها، تحت النعم الثرّة، و الأنس الكامل الشامل. قرّب اللّه أمد لقائكم، و طلع على ما يسرّ من تلقائكم. و لما بلغنا هذه الطّيّة، و أنخنا المطيّة، قمنا بواجب تعريفكم على الفور بالأدوار، و رفعنا مخاطبة المالك على الابتدا. و السلام.

مولده: في الرابع عشر من شوال ثلاثة و ثلاثين و سبعمائة.

انتهى السفر السادس هنا، و الحمد للّه ربّ العالمين‏

____________

(1) بياض في الأصل.

207

و من السفر السابع المفتتح بقوله و من الطّارئين منهم في هذا الباب‏

محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة الجبّائي‏

سكن غرناطة، يكنى أبا الحسن.

حاله: كان مبرّزا في علوم اللسان نحوا و لغة و أدبا، متقدما في الكتابة و الفصاحة، جامعا فنون الفضائل، على غفلة كانت فيه.

مشيخته: روى عن أبي الحسن بن سهل، و أبي بكر بن سابق، و أبي الحسن بن الباذش، و أبي علي الغساني و غيرهم. و صحب أبا الحسن بن سراج صحبة مواخاة.

تواليفه: صنّف في شرح غريب البخاري مصنّفا مفيدا.

وفاته: توفي ليلة الثامن و العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين و خمسمائة.

محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد الإستجّي الحميري‏

من أهل مالقة، و أصله من إستجّة، انتقل سلفه إلى مالقة، يكنّى أبا عبد اللّه.

حاله: كان من جملة حملة العلم، و الغالب عليه الأدب، و كان من أهل الجلالة، و من بيت علم و دين. أقرأ ببلده، و قعد بالجامع الكبير منه، يتكلّم على صحيح البخاري، و انتقل في آخر عمره إلى غرناطة.

و قال الأستاذ: كان من أبرع أهل زمانه في الأدب نظما و نثرا.

شعره: منقولا من خط الوزير الرّاوية أبي محمد عبد المنعم بن سماك، و قد ذكر أشياخه فقال: الشيخ المتفنن الأديب، البارع، الشاعر المفلق، قرأ على أشياخها، و أقرأ و هو دون العشرين سنة. و كانت بينه و بين الأستاذ المقرئ الشهير أبي العباس، الملقب بالوزعي، قرابة، و له قصيدة أولها: [الكامل‏]

ما للنسيم لدى الأصيل عليلا و منها:

حتى النسيم إذا ألّم بأرضهم‏* * *خلعوا عليه رقّة و نحولا

* * *

____________

(1) هو ابن الزبير، صاحب كتاب «صلة الصلة».

208

و كان يقول: كان الأستاذ أبو العباس يستعيدني هذا البيت و يقول: نعم أنت قريبي. و قدم على غرناطة، أظنّ سنة تسع و ثلاثين و ستمائة.

محنته: قال الأستاذ: جرى له قصة، نقل بعض كلامه فيها، على بعض أحاديث الكتّاب من جهة استشهاد أدبي عليه فيها، غالب أدبه، فأطلق عنان الكلام، و ما أكثر مما يطاق فيما يأنفه إدراكات تلك الأفهام، و لكل مقام مقال، و من الذي يسلم من قيل و قال. و كان ذلك سبب الانقطاع، و لم يؤت من قصر باع، و انتقل إلى غرناطة، فتوفي في أثر انقطاعه و انتقاله.

شعره: من ذلك قوله في غرض يظهر من الأبيات: [الطويل‏]

قضوا في ربى نجد ففي القلب مرساه‏* * *و غنّوا إن أبصرتم‏ ثمّ مغناه‏

* * *

أما هذه نجد أما ذلك الحمى؟* * *فهل عميت عيناه أم صمّ‏ أذناه؟

* * *

دعوه يوفّي ذكره باتّشامه‏* * *ديون هواه قبل أن يتوفّاه‏

* * *

و لا تسألوه سلوة فمن العنا* * *رياضة من قد شاب في الحب فوداه‏

* * *

أ يحسب من أصلى فؤادي بحبّه‏* * *بأني‏ سأسلو عنه، حاشاه حاشاه؟

* * *

متى غدر الصّبّ الكريم وفى‏ له‏* * *و إن أتلف القلب الحزين تلافاه‏

* * *

و إن حجروا معناه و صرّحوا به‏* * *فإن معناه أحقّ بمعناه‏

* * *

و يا سابقا عيس الغرام سيوفه‏* * *و كلّ إذا يخشاه في الحبّ يخشاه‏

* * *

أرحها فقد ذابت من الوجد و السّرى‏* * *و لم يبق إلّا عظمها أو بقاياه‏

* * *

و يا صاحبي عج بي على الخيف‏ من منى‏* * *و ما للتعنّي‏ لي بأنّي ألقاه‏

* * *

و عرّج على وادي العقيق لعلّني‏* * *أسائل عمّن كان بالأمس مأواه‏

* * *

و قل للّيالي قد سلفن بعيشه‏* * *و عمر على رغم العذول قطعناه‏

* * *

هل العود أرجوه أم العمر ينقضي‏* * *فأقضي و لا يقضى الذي أتمنّاه؟

* * *

____________

(1) في الأصل: «إن أبصرتم» و هكذا ينكسر الوزن، لذلك جعلنا همزة القطع همزة وصل.

(2) في الأصل: «صمّت» و كذا ينكسر الوزن.

(3) الفود: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن. محيط المحيط (فود).

(4) في الأصل: «أني أسلو ...» و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «وفّى» بتشديد الفاء، و كذا ينكسر الوزن.

(6) الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل. محيط المحيط (خيف).

(7) في الأصل: «و ما التعني لي من بأني ألقاه» و كذا لا يستقر الوزن و المعنى معا.

209

و من شعره أيضا، قوله، (رحمه اللّه): [الطويل‏]

سرت من ربى نجد معطّرة الرّيّا* * *يموت لها قلبي و آونة يحيا

* * *

تمسّح أعطاف الأراك بليلة* * *و تنثر كافورا على التربة اللّميا

* * *

و ترتدّ في حجر الرياض مريضة* * *فتحيي بطيب العرف من لم يكن يحيا

* * *

و بشرى‏ بأنفاس الأحبّة سحرة* * *فيسرع دمع العين في إثرها جريا

* * *

سقى‏ اللّه دهرا ذكره بنعيمه‏* * *فكم لجفوني عند ذكراه من سقيا

* * *

نآني‏ محيّاه الأنيق و حسنه‏* * *و من خلقي قد كنت لا أحمل النأيا

* * *

و بي رشأ من أهل غرناطة غدا* * *يجود بتعذيبي و يبخل باللّقيا

* * *

رماني فصابني‏ بأول نظرة* * *فيا عجبا من علّم الرّشأ الرّميا

* * *

و بدّد جسمي نوره و كأنه‏* * *أشعّة شمس قابلت جسدي مليا

* * *

تصوّر لي من عالم الحسن خالصا* * *فمن عجب أن كان من عالم الدنيا

* * *

و همّ بأن يرقى إلى الحور جسمه‏* * *فثقّلته كتبا و حمّلته حليا

* * *

إذا ما انثنى أو لاح أو جاح أو رنا* * *سبا القصب و الأقمار و المسك و الضيا

* * *

رعى اللّه دهرا كان ينشر وصله‏* * *برود طواها البين في صدره طيّا

* * *

مشيخته: و مما يشتمل على أسماء شيوخه، و يدلّ على تبحّره في الأدب و رسوخه، إجازته أبا الوليد إسماعيل بن تبر الأيادي، و عندها يقال: أتى الوادي:

[الخفيف‏]

إنّ لي عند كلّ نفحة بستا* * *ن من الورد أو من الياسمينا

* * *

نظرة و التفاتة أتمنّى‏* * *أن تكوني حللت فيما تلينا

* * *

ما هذه الأنوار اللائحة، و النّوار الفائحة، إني لأجد ريح الحكمة، و لا مفنّد، و أرد مورد النعمة، و لا منكد، أمسك دارين ينهب، أم المندل الرطب في الغرام الملهب، أم نفحت أبواب الجنّة ففاح نسيمها، و توضحت أسباب المنّة فلاح‏

____________

(1) في الأصل: «و مرتد».

(2) في الأصل: «و بشرت».

(3) في الأصل: «سقني» و هكذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «ملني». و نآني محيّاه: بعد عني.

(5) في الأصل: «فأصابني» و هكذا ينكسر الوزن.

210

و سيمها: [الطويل‏]

محيّاك أم نور الصباح تبسّما* * *و ريّاك أم نور الأقاحي‏ تنسّما

* * *

فمن شمّ من ذا نفحة رقّ شيمة* * *و من شام من ذا لمحة راق مبسما؟

* * *

أجل خلق الإنسان من عجل. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لتفهموا أسرار الحكم و تعوا، و إذا رأيتم رياض الجنّة فارتعوا، يعني مجالس الذّكر، و مأنس النظر و الفكر، و مطالع المناظرة، و مواضع المحاضرة، فهذه بتلك، و قد انتظمت الجواهر النبوية في سلك، و لهان حمى للعطارة و طيس، بين مسك المداد و كافور القراطيس. فيا أيها المعلم الأوحد، و العالم الذي لا تنكر أمامته و لا تجحد، حوّمت على علم الملوك، و لزمت بحلم طريق الحكم المسلوك، فلم تعد أمل الحكماء، و لم تعد إلّا بعمل العلماء، و قد قال حكيمهم الفاضل، و عظيمهم الذي لا مناظر له و لا مفاضل: إذا خدمت الأمراء فكن بين استلطاف و استعطاف، تجن المعارف و العوارف دانية القطاف، فتعلّمهم و كأنك تتعلّم منهم، و ترويهم و كأنك تروي عنهم، فأجريت الباب، و امتريت من العلم اللّباب، ثم لم تبعد، فقد فعل النحويون ذلك في يكرم، و يعد، و يعزّ، و لا غرو أن تقرأ على من هو دونك، و تستجيز الإجازة عن القوم العظام يقصدونك. فهذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قد أمره اللّه بأن يقرأ على أبيّ بن كعب، فهل في حيّ الخواطر الذكية من حيّ؟ فقال له، رضي اللّه عنه: اللّه أمرك أن تقرأ عليّ، و العناية الرّبانية تنادي إليّ إليّ، و إذا قال لي: من أحبّ مولاي، و استعار لزينته حلاي:

فما على الحبيب من اعتراض‏* * *و للطّبيب تصرّف في المراض‏

* * *

قد يرحل المرء لمطلوبه‏* * *و السبب المطلوب في الرّاحل‏

* * *

عجت متواضعا، فما أبرمت في معاجك، و لا ظلمت في السؤال نعجته إلى نعاجك، فإنه سرّ اللّه، لا يحلّ فيه الإفشاء، و حكمة اللّه البالغة، و اللّه يؤتي الحكمة من يشاء، و إن لبست من التواضع شعارا، و لبست عن الترفع تنبيها على السّر المكتوم و إشعارا، فهذه الثريّا من العجائب إذا ارتفعت في أعلى صعودها، و أسمى راياتها الخافقة و بنودها، نهاية وجودها الحسّي عدم، و غاية وصفها الشّبهي أن تشبّه بقدم، فإذا همّت بالركوع، و شمّت في المغرب ريح الوقوع، كان لها من السّمو القدح‏

____________

(1) في الأصل: «الأقاح».

(2) المراض: جمع مرض و هو ذو المرض. محيط المحيط (مرض).

(3) هذا البيت على البحر السريع.

211

المعلّى، و عادت قرطا تتزيّن به الآذان و تتحلّى:

و في الشرق كأس و في مغاربها* * *قرط و في وسط السماء قدم‏

* * *

هذه آثار التواضع متلوّة السّور، مجلوّة الصّور، و كان بعضهم إذا أعطى الصّدقة، يعطيها و يده تحت يد السّائل، و هكذا تفهم المسائل. فإنه لما سمع النبوة تقول: اليد العليا خير من اليد السّفلى، أراد أن يؤثر المقام الأعلى. و لما أعطى أبو بكر، رضي اللّه عنه، ماله كله، أعطى عمر، رضي اللّه عنه، النصف من المال، لا احتياطا على ماله، و لكن ليقف لأبي بكر في مقام القصور عن كماله، تفويضا و تسليما، و تنبيها لمن كان له قلب و تعليما. و رؤي الدّارقطني، (رحمه اللّه) عليه، يحبس أباه بركابه، فلا ينكر عليه، فقيل له في ذلك، فقال: رأيته يبادر إلى فضيلة، فكرهت مخالفته: [البسيط]

فوق السماء و فوق الزّهر ما طلبوا* * *و هم إذا ما أرادوا غاية نزلوا

* * *

و إلى هذا وصل اللّه حفظك، و أجزك من الخيرات حظّك، فإنه وصلتني الكرّاسة المباركة، الدّالّة على التفنن في العلوم و المشاركة، فبينما أنا أتلو الإجازة، و أريق صدور البيان و إعجازه، ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من أبي الوليد، و إنه بسم اللّه الرحمن الرحيم، فحرت، و وقفت كأنني سحرت، و قلت: ساحران تظاهرا معا، و أحدهما قاتلي، فكيف إذا اجتمعا: [الطويل‏]

فلو كان رمحا واحدا لاتّقيته‏* * *و لكنه رمح و ثان و ثالث‏

* * *

و من لعبت بشيمته المثاني‏* * *فأحرى أن تطير به المثالث‏

* * *

و طار بي الشوق كلّ مطار، و قرأت سماء فكرتي سورة الانفطار، و كدت أصعد إلى السماء توقّدا، و اختلط بالهواء تودّدا: [الكامل‏]

كانت جواهرنا أوائل قبل ذان‏* * *فالآن صارت بالتحول ثوان‏

* * *

وجدت وراء الحسن و هي كثيفة* * *فوجودهن الآن في الأذهان‏

* * *

و لم يكف أن بهرت بالحسن الخلوب، حتى أمرت أن أنظم على ذاك الأسلوب، و بالحريّ لذلك النثر البديع، الحريريّ أو البديع، و لذلك النّظم العجيب، المتنبي أو حبيب، و لذلك التصوف الرقيق، الحارث بن أسد ذي التحقيق. و أما الحديث، فما لك تقطع تلك المسالك، إلّا أن العربية ليس لأحد معه فيها دليل،

____________

(1) في الأصل: «و إذا» و كذا ينكسر الوزن.

(2) هذا البيت على البحر الوافر.

212

أستغفر اللّه إلّا للخليل، لكن أصول الدين مجريّة، تركت تلك الميادين. هنّاك اللّه جمع كل منقبة جليلة، فترى الفضيلة لا تردّ فضيلة، فمر الرديف و قد ركب غضنفرا، أو المدّعي صفة فضل، و كلّ الصّيد في جوف الفرا. من يزحم البحر يغرق، و من يطعم الشجر يشرق. و هل يبارى التوحيد بعمل، أو يجارى البراق بجمل؟ ذلك انتهى إلى سدرة المنتهى، و هل انبرى ليلطم خدّه في الثرى؟ لا تقاس الملائكة بالحدّادين، و لا حكماء يونان بالفدادين. أفي طريق الكواكب يسلك، و على الفلك الأثير يستملك؟ أين الغد من الأمس، و ظلمة الغسق من وضح الشمس؟ و لو لا ثقتي بغمام فضلك الصّيّب، لتمثلت لنفسي بقول أبي الطيب‏: [الطويل‏]

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق‏* * *أراه غباري ثم قال له ألحق‏

* * *

فإن رضيت أيها العلم، فما لجرح إذا أرضاكم. أ لم تر كيف أجاري أعوج بمغرب أهوج و أجاري ذا العقال بجحش في عقال؟ ظهر بهذه الظّلمة، ذلك الضياء، و بضدّها تتبين الأشياء. و ما يزكو بياض العاج حتى يضاف إلى سواد الأبنوس. ألفاظ تذوب رقّة، و أغراض تملك حبّ الكريم و رقّة الزّهر، و الزّهر بين بنان و بيان، و الدرّ طوع لسان و إحسان: [الوافر]

و قالوا ذاك سحر باهليّ‏* * *فقلت و في مكان الهاء باء

* * *

و أما محاسن أبي الوليد، فيقصر عنها أبو تمام و ابن الوليد: [المتقارب‏]

معان لبسن ثياب الجمال‏* * *و هزّت لها الغانيات القدودا

* * *

كسون عبيدا ثياب عبيد* * *و أضحى لبيد لديها بليدا

* * *

و كيف أعجب من إجرائك لهذه الجياد، و أياديك من إياد؟ أورثت هذه البراعة المساعدة، عن قسّ بن ساعدة؟ أجدّك أنت الذي وصف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أورق، و هو يقول أيها الناس: مطر و نبات، و آباء و أمهات، إلى قوله: [مجزوء الكامل‏]

في الذاهبين الأوّلي* * *ن من القرون لنا بصائر

* * *

____________

(1) قوله: «كلّ الصّيد في جوف الفرا» مثل يضرب لمن يفضّل على أقرانه. و الفرا: الحمار الوحشي، و جمعه فراء. مجمع الأمثال (ج 2 ص 136).

(2) هو بيت من قصيدة مؤلفة من 43 بيتا، و هو في ديوان المتنبي (ص 362).

(3) يقول: إذا أراد سيف الدولة أن يسخر بأحمق من الشعراء أراه أثر المتنبي، ثم أمره أن يلحق به، لأنه لا يقدر على ذلك. و الغبار و اللحاق استعارة من سباق الخيل.

(4) في الأصل: «بأهلي».

213

لمّا رأيت موارد* * *للموت ليس لها مصادر

* * *

أيقنت أنّي لا محا* * *لة حيث صار القوم صائر

* * *

إيه بغير تمويه. رجع الحديث الأول إلى ما عليه المعوّل. سألتني، أيها السيد الذي يجب إسعافه، أن أرغم أنف القلم حتى يجري رعافه، و أن أكحّل جفون الأوراق بمداد الأقلام، و أن أجمع الطّروس و الأمدّة، بين إصباح و إظلام، و أطرّز بياض السّوسن بخضرة الآس، و أبرز العلم الأبيض تحت راية بني العباس، فقلت مبادرا ممتثلا، و جلت في ميدان الموافقة متمثّلا: [البسيط]

لبّيك لبّيك أضعافا مضاعفة* * *إنّي أجبت و لكن داعي الكرم‏

* * *

أتى من المجد أمر لا مردّ له‏* * *أمشي على الرأس فيه لا على القدم‏

* * *

دعاء و اللّه مجاب؛ و نداء ليس دونه حجاب: [المتقارب‏]

كتبت و لو أني أستطيع‏* * *لإجلال قدرك بين البشر

* * *

قددت البراعة من أنملي‏* * *كأنّ‏ المداد سواد البصر

* * *

نعم أجزت، سيدي الفقيه الأجل، الخطيب الأكرم، العالم العلم، الأوحد الأكمل، الحسيب الأحفل الأطول، أبا الوليد بن الفقيه الأجل، المعظم الموقر، المكرم المبارك الأظهر، المرحوم أبي زكريا يحيى بن سعيد بن قتري الأيادي القرموني، و نبيه السّادات النجباء المباركين، أبا القاسم أحمد، و أبا إسحاق إبراهيم، و أبا الحسين بتزيا. و نعمت الأغصان و الشجرة، و الأقنان و الثمرة، أقرّ اللّه بهم أعين المجد، و لا زالوا بدورا في مطالع السّعد، و لا برحوا في مكارم يجنون نوّارها، و يجتلون أنوارها، و تفيض عليهم يد العناية الإلهية، نهرها الكوثري و نهارها، جميع ما رويته قراءة و سماعا، و إجازة و مناولة، من العلوم على اختلافها، و تباين أصنافها، بأي وجه رويته، و على أي وصف تقلّدته و دريته، و كذلك أجزتهم جميع ما قلته و أقوله، من مسطور و مرسوم، و منثور و منظوم، و تصرّفت فيه من منقول و مفهوم، و قصائدي المسماة بالرّوحانيات، و معشّراتي الحبيبات، و ما نظمته من الوتريات، و شرحي لشعر أبي الطيب المسمى ب «ظهور الإعجاز بين الصدور و الأعجاز»، و كتابي المسمى «شمس البيان في لمس البنان»، و الزهرة الفائحة في الزّهرة اللائحة، و نفح‏

____________

(1) الطروس: جمع طرس و هو الصحيفة. و الأمدّة: سدى الغزل و المساك في جانبي الثوب إذا ابتدئ به، و المراد هنا: الحبر، مفردها: مداد. لسان العرب (طرس) و (مدد).

(2) في الأصل: «و كأن» و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفت الواو.

214

الكمامات في شرح المقامات، و اقتراح المتعلمين في اصطلاح المتكلمين، و كتاب التّصوّر و التصديق، في التوطية لعلم التحقيق، و رقم الحلل، في نظم الجمل، و مفتاح الإحسان، في إصلاح اللسان. و ما أنشأته من السلطانيات نظما و نثرا، و خطابة و شعرا.

و اللّه تعالى يجعل أعمالنا خالصة لوجهه بمنّه و كرمه، فليقل الفقيه الأجل، و بنوه الأكرمون، رضي اللّه عنهم، أنبأنا و أخبرنا و حدّثنا، أو ما شاءوا من ألفاظ الرواية، بعد تحري الشروط المرعيّة، في الإجازات الشرعية، و إن ذهبوا حفظ اللّه كمالهم، و أراهم في الدارين آمالهم، إلى تسمية من لي من المشايخ، (قدّس اللّه أرواحهم)، و زحزح عن النار أشباحهم:

فمنهم الأستاذ الخطيب الكبير، العالم الفاضل الجليل، البقيّة الصالحة، آخر الأدباء، و خاتمة الفضلاء، أبو جعفر أحمد بن يحيى بن إبراهيم الحميري القرطبي الدّار، رضي اللّه عنه. قرأت عليه بقرطبة شعر أبي الطيب قراءة فهم لمعانيه، و إعراب لألفاظه؛ و تحقيق للغته، و تنقير عن بديعه. و كذلك قرأت عليه أكثر شعر أبي تمام.

و سمعت عليه كتاب الكامل لأبي العباس المبرّد، و مقامات التميمي، كان يرويها عن منشئها، و كانت عنده بخط أبي الطاهر. و تفقهت عليه «تبصرة الضمري». و كان على شياخته، (رحمه اللّه)، ثابت الذهن، مقبل الخاطر، حافظ المعيّا: [الوافر]

يروع ركانة و يذوب ظرفا* * *فما تدري أ شيخ أم غلام‏

* * *

نأتيه بمقاطيع الشعر فيصلحها لنا. و يقف على ما نستحسنه منها، فنجده أثبت منّا، و لقد أنشدته يوما، في فتى مفقود العين اليسرى: [الكامل‏]

لم تزو إحدى زهرتيه و لا انثنت‏* * *عن نورها و بديع ما تحويه‏

* * *

لكنه قد رام يغلق جفنه‏* * *ليصيب بالسّهم الذي يرميه‏

* * *

فاستفادهما و حفظهما، و لم يزل، (رحمه اللّه)، يعيدهما مستحسنا لهما، متى وقع ذكرى. و كان يروي عن الإمام المازري بالإجازة، و عن القاضي أبي مروان بن مسرّة، و عن الأستاذ عباس، و عن أبي عبد اللّه بن أبي الخصال.

و منهم الفقيه الأجل العالم العدل، المحدّث الأكمل، المتفنن، الخطيب، القاضي أبو محمد بن حوط اللّه. سمعت عليه كتبا كثيرة بمالقة، بقراءة الفقيه الأستاذ أبي العباس بن غالب، و لقيته بقرطبة أيضا، و هو قاضيها. و حدّثني عن جدّي، و عن جملة شيوخ، و له برنامج كبير، و أخوه القاضي الفاضل أبو سليمان أيضا منهم.

215

و منهم الفقيه الأجلّ، العالم العلم، الأوحد، النحوي، الأديب المتفنن، أبو علي عمر بن عبد المجيد الأزدي، قرأت عليه القرآن العزيز مفردات، و كتاب الجمل، و الإيضاح، و سيبويه تفقها، و كذلك الأشعار السّتة تفقها، و ما زلت مواظبا له إلى أن توفي (رحمه اللّه). و كان فريد عصره في الذكاء و الزكا. و لم يكن في حلبة الأستاذ أبي زيد السّهيلي أنجب منه على كثرتهم. و قد قال الأستاذ أبو القاسم السهيلي للإمام المنصور، رضي اللّه: هو أقعد لكتاب سيبويه منّا. و قال لي يوما، و قد نظر إلى طالب يصغي بكليته إلى ثان، فقلت: ما ذا؟ فقال: إنّ حبّ الشي‏ء يعمي و يصمّ، فقلت له:

و يعيد الصّبح ليلا مدلهمّ، فاستحسنه.

و منهم الفقيه الأجلّ، الأديب الأريب الكامل، اللغوي الشهير، أبو علي ابن كسرى الموري، قريبي و معلّمي. و كان من طلبة أبي القاسم السّهيلي، و ممن نبغ صغيرا. و هو الذي أنشد في طفولته السيد أبا إسحاق الكبير بإشبيلية: [الكامل‏]

قسما بحمص‏ و إنه لعظيم‏* * *فهي المقام و أنت إبراهيم‏

* * *

و كان بالحضرة الأستاذ أبو القاسم السهيلي، فقام عند إتمامه القصيدة، فقال: لمثل هذا كنت أحسيك الحسا، و لمثل هذا كنت أواصل في تعليمك الإصباح و الإمساء. و قد أنشد هذا لأمير المؤمنين أبي يعقوب‏، رضي اللّه عنه:

[الطويل‏]

أ معشر أهل الأرض بالطّول و العرض‏* * *بهذا أنادي في القيامة و العرض‏

* * *

فقد قال اللّه فيك ما أنت أهله‏* * *فيقضى بحكم اللّه فيك بلا نقض‏

* * *

فإياك يعنى ذو الجلال بقوله‏* * *كذلك مكّنّا ليوسف في الأرض‏

* * *

و منهم الفقيه الأجل، العالم المحدّث، الحافظ الفاضل المؤثر، السيد أبو محمد القرطبي، قرأت عليه القرآن بالروايات مفردات، و تفقهت في الجمل و الأشعار، و أجازني جميع ما رواه. و كذلك فعل كل واحد ممن تقدّم ذكره. و كان، (رحمه اللّه)، آخر الناس علما و نزاهة و حسن خلق، و جمال سمت و أبهة و وقار، و إتقان و ضبط، و جودة و حفظ.

____________

(1) حمص هنا هي إشبيلية، و قد سميت إشبيلية بحمص لشبهها بها.

(2) هو أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، و قد حكم المغرب و الأندلس من سنة 558 ه إلى سنة 580 ه. ترجمته في البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 83، 130) و الحلل الموشيّة (ص 119).

216

و منهم الفقيه الأجل، الحاج الفاضل، الشّهيد في كائنة العقاب‏، المحدّث الورع، الزاهد الطاهر، أبو عبد اللّه بن حسين بن صاحب الصلاة الأنصاري، و عليه كان ابتدائي للقراءة، و كان مبارك التعليم، حسن التفهيم، شديد التواضع.

و منهم الفقيه الأجل الفاضل الورع، المحدث، الحاج الملهم، المجاب الدعوة، الميمون النّقيبة، الأوّاب، أبو الحجاج بن الشيخ، رضي اللّه عنه. و هذا الكتاب على الإطالة مني، و لكن القرطاس فنّي، و السلام الأتمّ عليكم، و رحمة اللّه و بركاته. قال ذلك، و كتبه العبد المعترف بذنبه، الراجي رحمة ربّه، محمد بن عبد اللّه الحميري ثم الإستجي، في أواسط شعبان المكرم من عام أحد و أربعين و ستمائة.

وفاته: من خطّ الوزير أبي محمد عبد المنعم بن سماك، قال: قدم غرناطة، أظنّ سنة تسع و ثلاثين و ستمائة، و شكى علّة البطن مدة ثمانية أشهر بدار أبي، (رحمه اللّه)، مرّضناه الثلاثة الأخوة، إلى أن توفي، (رحمه اللّه)، و دفن بمدفنه، مغنى الأدب، بروضة الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك.

محمد بن أحمد بن علي الهوّاري‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن جابر، من أهل ألمريّة.

حاله: رجل‏ كفيف البصر، مدلّ على الشعر، عظيم الكفاية و المنّة على زمانته‏. رحل إلى المشرق، و تظافر برجل من أصحابنا يعرف بأبي جعفر الإلبيري، صارا روحين في جسد، و وقع الشّعر منهما بين لحيي أسد، و شمّرا للكدية، فكان وظيف الكفيف النّظم، و وظيف‏ البصير الكتب، و انقطع الآن‏

____________

(1) كانت وقعة العقاب في منتصف شهر صفر سنة 609 ه، بين الناصر أبي عبد اللّه محمد بن يعقوب بن يوسف الموحدي و جيوش قشتالة بقيادة ألفونسو الثامن، و كانت الهزيمة فيها للمسلمين، فكانت السبب في هلاك الأندلس. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 263) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 149).

(2) ترجمة ابن جابر الهواري في نفح الطيب (ج 10 ص 155).

(3) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 155).

(4) الزمانة: العاهة الدائمة. لسان العرب (زمن).

(5) في النفح: «و تظاهر».

(6) في النفح: «و شمّر للعلم و طلبه، فكان وظيفة الكفيف ...».

(7) في النفح: «و وظيفة».

217

خبرهما. و جرى ذكره في الإكليل بما نصّه‏: محسوب من طلبتها الجلّة، و معدود فيمن طلع بأفقها من الأهلّة، رحل إلى المشرق، و قد أصيب ببصره، و استهان في جنب الاستفادة بمشقّة سفره، على بيان عذره، و وضوح ضرّه.

شعره: و شعره كثير، فمنه قوله‏: [الطويل‏]

سلو مسرّ ذاك الخال في صفحة الخدّ* * *متى رقموا بالمسك في ناعم الورد

* * *

و من هزّ غصن القدّ منها لفتنتي‏* * *و أودعه رمّانتي ذلك النّهد

* * *

و من متّع‏ القضب اللّدان بوصلها* * *إلى أن أعرن‏ الحسن من ذلك القدّ

* * *

فتاة تفتّ القلب مني بمقلة* * *له رقّة الغزلان في سطوة الأسد

* * *

تمنّيت أن تهدي إليّ نهودها* * *فقالت رأيت البدر يهداه أو يهدي‏

* * *

فقلت و للرّمان‏ بدّ من الجنى‏* * *فتاهت و قالت باللّواحظ لا الأيدي‏

* * *

فقلت أليس القلب عندك حاصلا؟* * *فقالت‏ قلوب الناس كلّهم عندي‏

* * *

و قلت‏ اجعليني من عبيدك في الهوى‏* * *فقالت كفاني كم لحسني من عبد

* * *

إذا شئت أن أرضاك عبدا فمت جوى‏* * *و لا تشتكي‏ و اصبر على ألم الصّدّ

* * *

أ لم تر النّحل يحمل ضرّها* * *لأجل الذي تجنيه من خالص الشهد؟

* * *

كذلك بذل النّفيس سهل لذي النّهى‏* * *لما يكسب الإنسان من شرف الحمد

* * *

أ لست ترى كفّ ابن جانة طالما* * *أضاع كريم المال في طلب المجد

* * *

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 156).

(2) في النفح: «الإفادة».

(3) القصيدة في نفح الطيب (ج 10 ص 156- 157).

(4) في النفح: «حسن».

(5) في الأصل: «هو» و التصويب من النفح.

(6) في الأصل: «و مز متى» و لا معنى له، و قد صوبناه من النفح.

(7) في النفح: «بوصفها».

(8) في الأصل: «أعزر» و لا معنى له، و التصويب من النفح.

(9) في النفح: «أ للرمّان».

(10) في الأصل: «فقلت ليس للقلب عندك حاصل» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «و قالت» و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «فقلت».

(13) في الأصل: «هوى» و التصويب من النفح.

(14) في الأصل: «و لا تشكي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(15) في الأصل: «... ترى أزجاته طالما» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

218

و من شعره أيضا قوله‏: [الكامل‏]

عرّج على بان العذيب و ناد* * *و أنشد فديتك أين‏ حلّ فؤادي‏

* * *

و إذا مررت على المنازل بالحمى‏* * *فاشرح هنالك لوعتي و سهادي‏

* * *

إيه فديتك يا نسيمة خبّري‏* * *أرب‏ الأحبّة و الحمى و الوادي‏

* * *

يا سعد، قد بان العذيب و بانه‏* * *فانزل فديتك قد بدا إسعادي‏

* * *

خذ في البشارة مهجتي يوما إذا* * *بان العذيب و نور حسن سعاد

* * *

قد صحّ عيدي يوم أبصر حسنها* * *و كذا الهلال علامة الأعياد

* * *

و ممّا نقلناه من خبر قيّده لصاحبنا الفقيه الأستاذ أبي علي منصور الزواوي، و ممّا ادعاه لنفسه‏: [الوافر]

عليّ لكلّ ذي كرم ذمام‏* * *ولي بمدارك المجد اهتمام‏

* * *

و أحسن ما لديّ لقاء حرّ* * *و صحبة معشر بالمجد هاموا

* * *

و إني حين أنسب من أناس‏* * *على قمم النجوم لها مقام‏

* * *

يميل بهم إلى المجد ارتياح‏* * *كما مالت بشاربها المدام‏

* * *

هم لبسوا أديم الليل‏ بردا* * *ليسفر من مرادهم‏ الظلام‏

* * *

هم جعلوا متون العيس‏ أرضا* * *فمذ عزموا الرّحيل فقد أقاموا

* * *

فمن كلّ البلاد لنا ارتحال‏* * *و في كلّ البلاد لنا مقام‏

* * *

و حول موارد العلياء منها* * *لنا مع كلّ ذي شرف زحام‏

* * *

تصيب سهامنا غرض المعالي‏* * *إذا ضلّت عن الغوص‏ السّهام‏

* * *

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 10 ص 157).

(2) في الأصل: «إن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «كيف».

(4) في الأصل: «و نوّر حسنه سعادي»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) القصيدة في نفح الطيب (ج 10 ص 157- 158).

(6) في الأصل: «و صحبته معشر» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(7) في الأصل: «هام» و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «لهم».

(9) في الأصل: «بشارتها المرام»، و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «القيل» و التصويب من النفح.

(11) في النفح: «عن أديمهم».

(12) في الأصل: «العيش» و التصويب من النفح.

(13) في الأصل: «أقام» و التصويب من النفح.

(14) في النفح: «منّا».

(15) في النفح: «الغرض».

219

و ليس لنا من المجد اقتناع‏* * *و لو أنّ النجوم لنا خيام‏

* * *

ننزّه عرضنا عن كل لوم‏* * *فليس يشين سؤددنا ملام‏

* * *

و نبذل لا نقول العام ما ذا* * *سواء كان خصب أو حطام‏

* * *

إذا ما المحل عمّ بلاد قوم‏* * *أثبناها فجاد بنا الغمام‏

* * *

و إن حضر الكرام ففي يدينا* * *ملاك أمورهم و لنا الكلام‏

* * *

و فينا المستشار بكل علم‏* * *و منّا اللّيث و البطل الهمام‏

* * *

فميدان الكلام لنا مداه‏* * *و ميدان الحروب بنا يقام‏

* * *

كلا الأمرين ليس له بقوم‏* * *سوانا يوم نازلة تمام‏

* * *

يريق دم المداد بكل طرس‏* * *و ليس سوى اليراع لنا سهام‏

* * *

و كتب بالمثقّفة العوالي‏* * *بحيث الطّرس لبّات و هام‏

* * *

إذا عبست وجوه الدهر منّا* * *إليها فانثنت و لها انتقام‏

* * *

لقد علمت قلوب الرّوم أنّا* * *أناس ليس يعوزنا مرام‏

* * *

و ليس يضيرنا أنا قليل‏* * *لعمر أبيك ما كثر الكرام‏

* * *

إذا ما الرّاية الحمراء هزّت‏* * *نعم فهناك للحرب ازدحام‏

* * *

و ما أحمرّت سدى بل من دماء* * *ليس على جوانبها انسجام‏

* * *

تظلّل من بني نصر ملوكا* * *حلال النّوم عندهم حرام‏

* * *

فكم قطعوا الدّجى في وصل مجد* * *و كم سهروا إذا ما الناس ناموا

* * *

أبا الحجاج لم تأت الليالي‏* * *بأكرم منك إن عدّ الكرام‏

* * *

و لا حملت ظهور الخيل أمضى‏* * *و أشجع منه إن هزّ الحسام‏

* * *

و أنّى جئت من شرق لغرب‏* * *و رمت بي الزمان كما ترام‏

* * *

و جرّبت الملوك و كل شخص‏* * *تحدّث عن مكارمه الأنام‏

* * *

فلم أر مثلكم يا آل نصر* * *جمال الخلق و الخلق العظام‏

* * *

و منها:

لأندلس بكم شرف و ذكر* * *تودّ بلوغ أدناه الشّآم‏

* * *

سعى صوب الغمام بلاد قوم‏* * *هم في كل مجدبة غمام‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «قيام» و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «نام».

220

إليك بها مهذّبة المعاني‏* * *يرينها ابتسام و انتظام‏

* * *

لها لجناب مجدكم انتظام‏* * *طواف و في أركان إسلام‏

* * *

نجزت و ما كادت، و قد وطي الإيطاء صروحكم، و أعيا الإكثار حارثها و سروجها، و اللّه وليّ التّجاوز بفضله.

محمد بن أحمد بن الحدّاد الوادي آشي‏

يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: شاعر مفلق، و أديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفكّ المعمّى. سكن ألمريّة، و اشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح. و قال ابن بسّام: كان‏ أبو عبد اللّه هذا شمس ظهيرة، و بحر خبر و سيرة، و ديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصّبح المتهلّل، و ضرب فيها بقدح ابن مقبل‏، إلى جلالة مقطع، و أصالة منزع، ترى العلم ينمّ على أشعاره، و يتبيّن في منازعه و آثاره.

تواليفه: ديوان‏ شعر كبير معروف. و له في العروض تصنيف‏، مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، و الآراء الجليلة.

بعض أخباره: حدّث‏ بعض المؤرخين ممّا يدلّ على ظرفه أنه فقد سكنا عزيزا عليه، و أحوجت الحال‏ إلى تكلّف سلوة، فلمّا حضر الندماء، و كان قد رصد الخسوف بالقمر، فلمّا حقّق أنه قد ابتدأ، أخذ العود

____________

(1) ترجمة ابن الحداد في مقدمة ديوان ابن الحداد الأندلسي، بقلمنا، و فيها ثبت بأسماء المصادر و المراجع التي ترجمت له.

(2) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 252).

(3) النص في الذخيرة (ق 1 ص 691- 692) و مسالك الأبصار (ج 11، الورقة 401).

(4) هو أبو كعب تميم بن أبيّ بن مقبل؛ شاعر خنديد، كان من أوصف العرب لقدح، و لذلك يقال: قدح ابن مقبل. توفي بعد 37 ه. الشعر و الشعراء (ص 366) و طبقات الشعراء (ص 61) و الأعلام (ج 2 ص 87).

(5) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 252).

(6) في النفح: «شعره».

(7) في النفح: «تصنيف مشهور مزج فيه من الألحان الموسيقية و الآراء الخليلية».

(8) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 253).

(9) السّكن: المرأة لأنها يسكن إليها، و الساكن. لسان العرب (سكن).

(10) في النفح: «الحاجة».

(11) في النفح: «القمري».

(12) كلمة «قد» ساقطة في النفح.

221

و غنّى‏: [المتقارب‏]

شقيقك غيّب في لحده‏* * *و تشرق يا بدر من بعده‏

* * *

فهلّا خسفت و كان الخسوف‏* * *حدادا لبست على فقده؟

* * *

و جعل يردّدها، و يخاطب البدر، فلم يتمّ ذلك إلّا و اعترضه الخسوف، و عظم من الحاضرين التعجّب. قال‏: و كان مني في صباه بصبية من الرّوم، نصرانية، ذهبت بلبّه و هواه، تسمّى نويرة، افتضح بها، و كثر نسيبه.

شعره: قال في الغرض المذكور: [الطويل‏]

حديثك ما أحلى! فزيدي و حدّثي‏* * *عن الرّشإ الفرد الجمال المثلّث‏

* * *

و لا تسأمي ذكراه فالذّكر مؤنسي‏* * *و إن بعث الأشواق من كلّ مبعث‏

* * *

و بالله فارقي خبل نفسي بقوله‏* * *و في عقد وجدي بالإعادة فانفثي‏

* * *

أ حقّا و قد صرّحت ما بي أنه‏* * *تبسّم كاللاهي، بنا، المتعبّث‏

* * *

و أقسم بالإنجيل إنّي شابق‏* * *و ناهيك دمعي من محقّ محنّث‏

* * *

و لا بدّ من قصّي على القسّ قصّتي‏* * *عساه مغيث المذنف المتغوّث‏

* * *

و لم‏ يأتهم عيسى بدين قساوة* * *فيقسو على بثّي‏ و يلهو بمكرث‏

* * *

و قلبي من حلي التجلّد عاطل‏* * *هوى في غزال الواديين المرعّث‏

* * *

سيصبح سرّي كالصباح‏ مشهّرا* * *و يمسي حديثي عرضة المتحدّث‏

* * *

و يغرى بذكري بين كأس و روضة* * *و يشدو بشعري فوق مثنى و مثلث‏

* * *

____________

(1) البيتان في ديوان ابن الحداد الأندلسي (ص 207).

(2) رواية صدر البيت في الديوان هي: فهلّا خسفت و كان الخسوف.

(3) القول لابن بسام و هو في الذخيرة (ق 1 ص 693) و لكن ببعض اختلاف عمّا هنا. كذلك ورد النص في مسالك الأبصار، (ج 11، الورقة 401).

(4) القصيدة في ديوان ابن الحداد الأندلسي (ص 169- 172).

(5) في الأصل: «فابعث» و التصويب من الديوان.

(6) في الديوان: «لمائن».

(7) في الديوان: «فلم».

(8) في الديوان: «مضنى».

(9) في الديوان: «غزال ذي نفار مرعّث».

(10) في الأصل: «كالصبح» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(11) في الديوان: «و ينشد شعري بين مثنى ...».

222

و من شعره في الأمداح الصّمادحية: [الطويل‏]

لعلّك بالوادي المقدّس شاطى‏ء* * *و كالعنبر الهنديّ ما أنت واطئ‏

* * *

و إنّي في ريّاك واجد ريحهم‏* * *فروح الجوى بين الجوانح ناشئ‏

* * *

ولي في السّرى من نارهم و منارهم‏* * *هداة حداة و النجوم طوافى‏ء

* * *

لذلك ما حنّت ركابي‏ و حمحمت‏* * *عرابي و أوحى سيرها المتباطى‏ء

* * *

فهل هاجها ما هاجني؟ أو لعلّها* * *إلى الوخد من نيران وجدي لواجى‏ء

* * *

رويدا فذا وادي لبيني و إنه‏* * *لورد لباناتي و إني لظامى‏ء

* * *

ميادين تهيامي و مسرح ناظري‏* * *فللشّوق غايات لها و مبادئ‏

* * *

و لا تحسبوا غيدا حمتها مقاصر* * *فتلك قلوب ضمّنتها جآجى‏ء

* * *

و منها:

محا ملّة السّلوان مبعث حسنه‏* * *فكلّ إلى دين الصّبابة صابى‏ء

* * *

فكيف أرفّي كلم طرفك في الحشا* * *و ليس لتمزيق المهنّد رافى‏ء؟

* * *

و ما لي لا أسمو مرادا و همّة* * *و قد كرمت نفس و طابت ضآضى‏ء؟

* * *

و ما أخّرتني عن تناه مبادئ‏* * *و لا قصّرت بي عن تباه مناشئ‏

* * *

و لكنّه الدّهر المناقض فعله‏* * *فذو الفضل منحطّ و ذو النقص نامئ‏

* * *

كأنّ زماني إذ رآني جذيله‏* * *يلابسني منه‏ عدوّ ممالئ‏

* * *

فداريت إعتابا و دارأت عاتبا* * *و لم يغنني أني مدار مدارى‏ء

* * *

فألقيت أعباء الزمان و أهله‏* * *فما أنا إلّا بالحقائق عابى‏ء

* * *

و لازمت سمت الصّمت لاعن فدامة* * *فلي منطق للسّمع و القلب صابى‏ء

* * *

و لو لا علا الملك ابن معن محمد* * *لما برحت أصدافهنّ اللآلئ‏

* * *

لآلى‏ء إلا أنّ فكري غائص‏* * *و علمي ذو ماء و نطقي شاطى‏ء

* * *

____________

(1) القصيدة في ديوان ابن الحداد الأندلسي (ص 140- 149).

(2) في الديوان: «فكالعنبر الهندي ما أنا واطئ».

(3) في الأصل: «... واجد عرف ريحهم»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(4) في الأصل: «ركايبي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(5) في الديوان: «به».

(6) في الديوان: «قلاني فلي منه».

(7) في الأصل: «مذامة» و التصويب من الديوان. و الفدامة: قلّة الفهم و الفطنة.

(8) في الديوان: «مالئ».

(9) في الديوان: «دأماء».

223

تجاوز حدّ الوهم و اللّحظ و المنى‏* * *و أعشى الحجا لألاؤه المتلالى‏ء

* * *

فتنعكس الأبصار و هي حواسر* * *و تنقلب الأفكار و هي خواسى‏ء

* * *

و قال من أخرى‏: [الكامل‏]

أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا* * *و يرين في‏ حلل الوراشين‏ القطا

* * *

سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنه‏* * *أن يرتعي حبّ القلوب و يلقطا

* * *

مالت معاطفهنّ من سكر الصّبا* * *ميلا يخيف قدودها أن تسقطا

* * *

و بمسقط العلمين أوضح معلم‏* * *لمهفهف سكن الحشا و المسقطا

* * *

ما أخجل البدر المنير إذا مشى‏* * *يختال و الخوط النضير إذا خطا

* * *

و منها في المدح:

يا وافدي شرق البلاد و غربها* * *أكرمتما خيل الوفادة فاربطا

* * *

و رأيتما ملك البريّة فاهنآ* * *و وردتما أرض المريّة فاحططا

* * *

يدمي نحور الدّارعين إذا ارتأى‏* * *و يذلّ عزّ العالمين إذا سطا

* * *

و إحسانه كثير. دخل غرناطة، و من بنات عملها وطنه، (رحمه اللّه).

محمد بن إبراهيم بن خيرة

يكنى أبا القاسم. و يعرف بابن المواعيني‏، حرفة أبيه، من أهل قرطبة.

و استدعاه السيد أبو سعيد الوالي بغرناطة إليه، فأقام عنده مدة من عامين في جملة من الفضلاء مثله.

حاله: قال ابن عبد الملك‏: كان كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، استكتبه أبو حفص بن عبد المؤمن، و حظي عنده حظوة عظيمة، لصهر كان بينهما بوجه ما،

____________

(1) في الديوان: «الأنصار و هي خواسر و تنقلب الأبصار ...».

(2) القصيدة في ديوان ابن الحداد الأندلسي (ص 232- 233).

(3) كلمة «في» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من الديوان.

(4) في الأصل: «الوارشين» و التصويب من الديوان. و الوراشين: طيور تشبه الحمام، واحدها ورشان. لسان العرب (ورش).

(5) في الأصل: «الحسا» بالسين المهملة، و التصويب من الديوان.

(6) ترجمة ابن المواعيني في التكملة (ج 2 ص 43) و اسمه فيه: «محمد بن إبراهيم بن خير».

و الذيل و التكملة (ج 6 ص 91) و المغرب (ج 1 ص 247) و تأريخ المن بالإمامة (ص 311).

(7) في التكملة: «يعرف بالمواعيني».

(8) الذيل و التكملة (ج 6 ص 91).

224

و نال‏ فيه جاها عظيما، و ثروة واسعة. و كان حسن الخطّ رائقه، سلك فيه‏ في ابتدائه مسلك المتقن أبي بكر بن خيرة.

مشيخته: روى‏ عن أبي بكر بن عبد العزيز، و ابن العربي، و أبي الحسن شريح، و يونس بن مغيث، و أبي عبد اللّه حفيد مكّي، و ابن أبي الخصال، و ابن بقيّ‏.

تواليفه: له‏ تصانيف تاريخية و أدبية منها «ريحان الآداب‏، و ريعان الشباب» لا نظير له. و «الوشاح المفضّل». و كتاب في الأمثال السائرة. و كتاب في الأدب‏ نحا فيه‏ منحى أبي عمر بن عبد البرّ في «بهجة المجالس».

وفاته: توفي بمرّاكش سنة أربع و ستين و خمسمائة.

محمد بن إبراهيم بن علي بن باق الأموي‏

مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الإسكان، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من عائد الصلة: كان، (رحمه اللّه تعالى)‏، كاتبا أديبا ذكيّا، لوذعيّا، يجيد الخطّ، و يرسل النادرة، و يقوم‏ على العمل، و يشارك في الفريضة.

و بذّ السّبّاق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس. عمر زمانا من عمره، محارفا للفاقة، يعالج بالأدب الكدية، ثم استقام له الميسم، و أمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب و شاهد و محاسب و مدير تجر، فأثرى و نما ماله، و عظمت حاله، و عهد عندما شارف الرحيل بجملة تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البرّ، فتوهّم أنها كانت زكاة امتسك‏ بها.

____________

(1) في الذيل و التكملة: «و نال باختصاص أبي حفص إياه جاها عريضا و غزوة واسعة».

(2) في المصدر نفسه: «به».

(3) في المصدر نفسه: «خير».

(4) الذيل و التكملة (ج 6 ص 91).

(5) جاء في الذيل و التكملة أنه أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي.

(6) الذيل و التكملة (ج 6 ص 91).

(7) في التكملة: «الألباب».

(8) في الذيل و التكملة: «المفصل» بالصاد المهملة.

(9) في المصدر نفسه: «في الآداب».

(10) في المصدر نفسه: «به».

(11) قال ابن الأبار في التكملة: «و توفي في نحو السبعين و خمسمائة».

(12) ترجمة ابن باق الأموي في الدرر الكامنة (ج 3 ص 376) و نفح الطيب (ج 8 ص 400).

(13) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 401).

(14) كلمة «تعالى» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

(15) في النفح: «و يقدم».

(16) في النفح: «غبر».

(17) في النفح: «عهد».

(18) في النفح: «أمسك».

225

و جرى ذكره في التاج بما نصّه‏: مدير أكواس‏ البيان المعتّق، و لعوب بأطراف الكلام المشقّق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز درّ معانيه من أصدافه، و جنى ثمرة الإبداع لحين قطافه. ثم تجاوزه إلى المعرّب‏ و تخطّاه، فأدار كأسه المترع و عاطاه، فأصبح لفنّيه‏ جامعا، و في فلكيه شهابا لامعا، و له ذكاء يطير شرره، و إدراك تتبلّج غرره، و ذهن يكشف الغوامض، و يسبق البارق الوامض‏، و على ذلاقة لسانه، و انفساح أمد إحسانه، فشديد الصّبابة بشعره‏، مغل لسعره.

شعره: أخبرني الكاتب أبو عبد اللّه بن سلمة، أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله، في رويّه‏: [الخفيف‏]

أحرز الخصل من بني سلمه‏* * *كاتب تخدم الظّبا قلمه‏

* * *

يحمل الطّرس عن‏ أنامله‏* * *أثر الطّرس‏ كلّما رقمه‏

* * *

و تمدّ البيان فكرته‏* * *مرسلا حيث يمّمت ديمه‏

* * *

خصّني متحفا بخمس إذا* * *بسم الرّوض فقن مبتسمه‏

* * *

قلت أهدى زهر الرّبا خضلا* * *فإذا كلّ زهرة كلمه‏

* * *

أقسم الحسن لا يفارقها* * *فأبرّ انتقاؤها قسمه‏

* * *

خطّ أسطارها و نمّقها* * *فأتت كالقعود منتظمه‏

* * *

كاسيا من حلاه لي حللا* * *رسمها من بديع ما رسمه‏

* * *

طالبا عند عاطش نهلا* * *ولديه الغيوث منسجمه‏

* * *

يبتغي الشّعر من أخي بله‏* * *أخرس العيّ و القصور فمه‏

* * *

أيها الفاضل الذي حمدت‏* * *ألسن المدح و الثّنا شيمه‏

* * *

لا تكلّف أخاك مقترحا* * *نشر عار لديه قد كتمه‏

* * *

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 400- 401).

(2) في النفح: «أكؤس».

(3) في النفح: «المغرب».

(4) أي فنّي النظم و النثر.

(5) الوامض: المضي‏ء. لسان العرب (و مض).

(6) في الأصل: «الضنانة يشعره» و التصويب من النفح.

(7) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 401- 402).

(8) في النفح: «من».

(9) في النفح: «الحسن».

(10) في الأصل: «رقّه» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «و يمدّ البيان بفكرته» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «حفظت».

226

وابق في عزّة و في دعة* * *صافي‏ العيش واردا شبمه‏

* * *

ما ثنى الغصن عطفه طربا* * *وشدا الطير فوقه‏ نغمه‏

* * *

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن‏ الزّبير، و الخطيب أبي عثمان بن عيسى.

وفاته: توفي‏ بمالقة في اليوم الثامن و العشرين لمحرم‏ عام اثنين و خمسين و ستمائة، و أوصى بعد أن حفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد اللّه الطّنجالي و أبي عثمان بن عيسى، أن يدفن به‏، و أن يكتب على قبره هذه الأبيات:

[الطويل‏]

ترحّم على قبر ابن باق وحيّه‏* * *فمن حقّ ميت الحيّ تسليم حيّه‏

* * *

و قل آمن الرحمن روعة خائف‏* * *لتفريطه في الواجبات وغيّه‏

* * *

قد اختار هذا القبر في الأرض راجيا* * *من اللّه تخفيفا بقرب‏ وليّه‏

* * *

فقد يشفع الجار الكريم لجاره‏* * *و يشمل بالمعروف أهل نديّه‏

* * *

و إني بفضل اللّه أوثق واثق‏* * *و حسبي و إن أذنبت حبّ نبيّه‏

* * *

محمد بن إبراهيم بن سالم بن فضيلة المعافري‏

من أهل ألمرية، يدعى بالبيوّ، و يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من الإكليل الزاهر: شيخ‏ أخلاقه ليّنة، و نفسه كما قيل هيّنة، ينظم الشعر سهلا مساقه، محكما اتّساقه، على فاقة ما لها من إفاقة. أنشد السلطان‏

____________

(1) في النفح: «ضافي».

(2) الشّبم: البارد. لسان العرب (شبم).

(3) في الأصل: «فوق» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) النص مع الشعر في نفح الطيب (ج 8 ص 402- 403).

(5) كلمة «بن» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

(6) في النفح: «و توفي».

(7) في النفح: «لمحرم فاتح عام ...».

(8) في النفح: «و سبعمائة».

(9) كلمة «به» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

(10) في النفح: «بقدر».

(11) ترجمة ابن فضيلة المعافري في الدرر الكامنة (ج 3 ص 367) و نفح الطيب (ج 8 ص 403).

(12) في النفح: «المدعوّ بالتنوء».

(13) النص مع بعض أبيات القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 403- 404).

(14) في النفح: «أنشد المقام السلطاني».

227

بظاهر بلده قوله: [الطويل‏]

سرت ريح نجد من ربى أرض بابل‏* * *فهاجت إلى مسرى سراها بلابلي‏

* * *

و ذكّرني عرف النّسيم الذي سرى‏* * *معاهد أحباب سراة أفاضل‏

* * *

فأصبحت مشغوفا بذكرى منازل‏* * *ألفت، فوا شوقي لتلك المنازل‏

* * *

فيا ريح هبّي بالبطاح و بالرّبا* * *و مرّي على أغصان زهر الخمائل‏

* * *

و سيري بجسمي للتي الروح عندها* * *فروحي لديها من أجلّ الوسائل‏

* * *

و قولي لها عني معنّاك بالهوى‏* * *له شوق معمود و عبرة ثاكل‏

* * *

فيا بأبي هيفاء كالغصن تنثني‏* * *بقدّ يقدّ كاد ينقدّ مائل‏

* * *

فتاة براها اللّه من فتنة فمن‏* * *رآها و لم يفتن فليس بعاقل‏

* * *

لها منظر كالشمس في رونق الضّحا* * *و لحظ كحيل ساحر الطّرف بابلي‏

* * *

بطيب شذاها عطّرت كلّ عاطر* * *كما بحلاها زيّنت كلّ عاطل‏

* * *

رمتني بسهم من سهام جفونها* * *فصادف ذاك السّهم مني مقاتلي‏

* * *

فظلت غريقا في بحار من الهوى‏* * *و ما الحبّ إلّا لجّة دون ساحل‏

* * *

فيا من سبت عقلي و أفنت تجلّدي‏* * *صليني فإنّ البعد لا شكّ قاتلي‏

* * *

فلي كبد شوقي إليك تفطّرت‏* * *و قلب بنيران الجوى في مشاعلي‏

* * *

ولي أدمع تحكي ندا كف يوسف‏* * *أمير العلى الأرضي الجميل الفضائل‏

* * *

إذا مدّ بالجود الأنامل لم تزل‏* * *بحور النّدى تهمي بتلك الأنامل‏

* * *

و من شعره قوله من قصيدة: [الكامل‏]

بهرت كشمس في غلالة عسجد* * *و كبدر تمّ في قضيب زبرجد

* * *

ثم انثنت كالغصن هزّته الصّبا* * *طربا فتزري بالغصون الميّد

* * *

____________

(1) في الأصل: «بلابل» و التصويب من النفح.

(2) في النفح: «بالنوى».

(3) المعمود: اسم مفعول من قولهم: عمده الحب إذا أحزنه. و الثاكل: الفاقد. و العبرة: الدمعة.

لسان العرب (عمد) و (ثكل) و (عبر).

(4) في الأصل: «تثنّى» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) في النفح: «تقدّ بقدّ».

(6) في الأصل: «بابل».

(7) في الأصل: «مقاتل».

(8) في الأصل: «قاتل».

(9) في الأصل: «مشاعل».

(10) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 403- 404).

228

حوراء بارعة الجمال غريرة* * *تزهى فتزري بالقضيب الأملد

* * *

إن أدبرت لم تبق عقل مدبّر* * *أو أقبلت قتلت و لكن لا تدي‏

* * *

تواليفه: قال شيخنا أبو البركات: و ابتلي‏ باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمّى ب «الدّرر المنظومة الموسومة، في اشتقاق حروف الهجا المرسومة»، و كتاب في حكايات تسمى «روضة الجنان»، و غير ذلك.

وفاته: توفي في أواخر رمضان من عام تسعة و أربعين و سبعمائة، و دخل غرناطة غير مرة.

محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم‏

من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن مرج الكحل‏.

حاله: كان شاعرا مفلقا غزلا، بارع التّوليد، رقيق الغزل. و قال الأستاذ أبو جعفر: كان‏ شاعرا مطبوعا، حسن الكفاية، ذاكرا للأدب، متصرّفا فيه. قال ابن عبد الملك: و كانت بينه و بين طائفة من أدباء عصره مخاطبات، ظهرت فيها إجادته.

و كان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية، و يقال إنه كان أمّيّا.

____________

(1) في الأصل: «غريدة» و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «تد» و التصويب من النفح. و تدي: تدفع الدّيّة. لسان العرب (ودى).

(3) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 404).

(4) في النفح: «الدرر الموسومة، في اشتقاق الحروف المرسومة».

(5) في النفح: «و كتاب حكايات يسمى دوحة الجنان و راحة الجنان ...».

(6) شقر، بالإسبانيةJucar : جزيرة بالأندلس، قريبة من شاطبة؛ كثيرة الأشجار و الأنهار. الروض المعطار (ص 349).

(7) ترجمة ابن مرج الكحل في المغرب (ج 2 ص 373) و اسمه فيه: محمد بن الدمن، المعروف بمرج الكحل. و زاد المسافر (ص 27) و الوافي بالوفيات (ج 2 ص 181) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 278) في ترجمة محمد بن يوسف بن هود الجذامي، و برنامج شيوخ الرعيني (ص 208) ورايات المبرزين (ص 220) و المقتضب من كتاب تحفة القادم (ص 114، 152) و التكملة (ج 2 ص 136) و جاء فيه أنه يعرف بمرج الكحل. و الذيل و التكملة (السفر السادس ص 110) و نفح الطيب (ج 7 ص 47). و الترجمة هنا مع الشعر في نفح الطيب (ج 7 ص 47- 51) و وفيات الأعيان (ج 2 ص 331) في ترجمة سكينة بنت الحسين.

(8) في التكملة «كان شاعرا مغلقا بديع التوليد و التجويد ...».

(9) في النفح: «شاعر مطبوع، حسن الكتابة ذاكر للأدب متصرف فيه».

229

من أخذ عنه: روى عنه أبو جعفر بن عثمان الورّاد، و أبو الربيع بن سالم، و أبو عبد اللّه بن الأبّار، و ابن عسكر، و ابن أبي البقاء، و أبو محمد بن عبد الرحمن بن برطلة، و أبو الحسن الرعيني.

شعره و دخوله غرناطة

قال في عشيّة بنهر الغنداق، خارج‏ بلدنا لوشة بنت الحضرة، و المحسوب من دخلها فقد دخل إلبيرة، و قد قيل: إن‏ هذا النهر من أحواز برجة، و هذا الخلاف داع إلى ذكره‏: [الكامل‏]

عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر* * *بين الفرات و بين شطّ الكوثر

* * *

و لنغتبقها قهوة ذهبيّة* * *من راحتي أحوى المراشف‏ أحور

* * *

و عشيّة قد كنت أرقب وقتها* * *سمحت بها الأيام بعد تعذّر

* * *

نلنا بها آمالنا في روضة* * *تهدي لناشقها شميم العنبر

* * *

و الدّهر من ندم‏ يسفّه رأيه‏* * *فيما مضى منه بغير تكدّر

* * *

و الورق تشدو و الأراكة تنثني‏* * *و الشمس ترفل في قميص أصفر

* * *

و الرّوض بين مفضّض و مذهّب‏* * *و الزّهر بين مدرهم و مدنّر

* * *

و النهر مرقوم الأباطح و الرّبى‏* * *بمصندل من زهره و معصفر

* * *

و كأنّه و كأنّ خضرة شطّه‏* * *سيف يسلّ على بساط أخضر

* * *

و كأنما ذاك الحباب فرنده‏* * *مهما طفا في صفحة كالجوهر

* * *

و كأنّه، وجهاته محفوفة* * *بالآس و النّعمان، خدّ معذّر

* * *

____________

(1) في النفح: «من خارج».

(2) في النفح: «إن نهر الغنداق».

(3) في النفح: «لذكره». و الشعر في الذيل و التكملة (السفر السادس ص 111- 112) و رايات المبرزين (ص 221) و أزهار الرياض (ج 2 ص 315- 316)، و نفح الطيب (ج 7 ص 46- 49) و المغرب (ج 2 ص 373- 374) و المقتضب من كتاب تحفة القادم (ص 114- 115).

(4) في النفح و المغرب و المقتضب و الذيل و التكملة: «و لتغتبقها».

(5) في المغرب و المقتضب و الذيل و التكملة: «المدامع».

(6) في الذيل و النفح: «كم كنت». و في رايات المبرزين و المقتضب و المغرب: «كم بتّ».

(7) في النفح: «فلنا بهذا ما لنا في ...». و في المغرب و رايات المبرزين: «في جنّة أهدت ...».

(8) في الأصل: «لنا بشقّها» و هكذا ينكسر الوزن. و التصويب من النفح. و في المقتضب: «شفها نسيم العنبر».

(9) في أزهار الرياض: «قدم».

(10) في أزهار الرياض: «و معسجد».

(11) رواية صدر البيت في رايات المبرزين هي: و النهر فيها و النبات يحفّه.

230

نهر يهيم بحسنه من لم يهم‏* * *و يجيد فيه الشّعر من لم يشعر

* * *

ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها* * *إلّا لفرقة حسن ذاك المنظر

* * *

و لا خفاء ببراعة هذا النظم‏. و قال منها:

أرأت جفونك مثله من منظر* * *ظلّ و شمس مثل خدّ معذّر

* * *

و هذا تتميم عجيب لم يسبق إليه. ثم قال منها:

و قرارة كالعشر بين خميلة* * *سالت مذانبها بها كالأسطر

* * *

فكأنّها مشكولة بمصندل‏* * *من يانع الأزهار أو بمعصفر

* * *

أمل بلغناه بهضب حديقة* * *قد طرّزته يد الغمام الممطر

* * *

فكأنه و الزّهر تاج فوقه‏* * *ملك تجلّى في بساط أخضر

* * *

راق النّواظر منه رائق منظر* * *يصف النّضارة عن جنان الكوثر

* * *

كم قاد خاطر خاطر مستوفز* * *و كم استفزّ جماله من مبصر

* * *

لو لاح لي فيما تقدّم‏ لم أقل‏* * *(عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر)

* * *

قال أبو الحسن الرّعيني، و أنشدني لنفسه‏: [الكامل‏]

و عشيّة كانت قنيصة فتية* * *ألفوا من الأدب الصّريح شيوخا

* * *

فكأنما العنقاء قد نصبوا لها* * *من الانحناء إلى الوقوع فخوخا

* * *

شملتهم آدابهم فتجاذبوا* * *سرّ السّرور محدّثا و مصيخا

* * *

و الورق تقرأ سيرة الطرب التي‏* * *ينسيك منها ناسخا منسوخا

* * *

و النهر قد صفحت به نارنجة* * *فتيمّمت من كان فيه منيخا

* * *

فتخالهم حلل‏ السّماء كواكبا* * *قد قارنت بسعودها المرّيخا

* * *

خرق العوائد في السّرور نهارهم‏* * *فجعلت أبياتي لهم‏ تاريخا

* * *

____________

(1) في النفح: «هذا الشعر».

(2) في الأصل: «أيضا» و التصويب من النفح.

(3) المعذّر: الذي نبت عذاره و هو شعر الخدّ. لسان العرب (عذر). و جاء في النفح بيت آخر لم يرد في الإحاطة و هو:

و جداول كأراقم حصباؤها* * *كبطونها و حبابها كالأظهر

* * *

(4) في النفح: «تقادم».

(5) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 49).

(6) في النفح و الذيل: «سورة».

(7) في الذيل و النفح: «ناسخ».

(8) في الذيل و النفح: «خلل»، بالخاء المعجمة.

(9) في النفح و الذيل و التكملة: «له».

231

و من أبياته في البديهة: [الوافر]

و عندي من مراشفها حديث‏* * *يخبّر أنّ ريقتها مدام‏

* * *

و في أجفانها السّكرى دليل‏* * *و ما ذقنا و لا زعم الهمام‏

* * *

تعالى اللّه ما أجرى دموعي‏* * *إذا عنّت‏ لمقلتي الخيام‏

* * *

و أشجاني إذا لاحت بروق‏* * *و أطربني إذا غنّت حمام‏

* * *

و من قصيدة: [الطويل‏]

عذيري من الآمال خابت قصودها* * *و نالت جزيل الحظّ منها الأخابث‏

* * *

و قالوا: ذكرنا بالغنى، فأجبتهم‏* * *خمولا و ما ذكر مع البخل ماكث‏

* * *

يهون علينا أن يبيد أثاثنا* * *و تبقى علينا المكرمات الأثائث‏

* * *

و ما ضرّ أصلا طيّبا عدم الغنى‏* * *إذا لم يغيّره من الدهر حادث‏

* * *

و له يتشوق إلى أبي‏ عمرو بن أبي غياث: [الوافر]

أبا عمرو متى تقضى الليالي‏* * *بلقياكم و هنّ قصصن ريشي‏

* * *

أبت نفسي هوى إلّا شريشا* * *و ما بعد الجزيرة من شريش‏

* * *

و له من قصيدة: [الكامل‏]

طفل المساء و للنسيم تضوّع‏* * *و الأنس ينظم‏ شملنا و يجمّع‏

* * *

و الزّهر يضحك من بكاء غمامة* * *ريعت لشيم سيوف برق تلمع‏

* * *

و النّهر من طرب يصفّق موجه‏* * *و الغصن يرقص و الحمامة تسجع‏

* * *

فانعم أبا عمران واله بروضة* * *حسن المصيف بها و طاب المربع‏

* * *

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 49) و أزهار الرياض (ج 2 ص 316). و ورد البيتان الأول و الثاني في المغرب (ج 2 ص 374).

(2) في المغرب: «معاطفها».

(3) في المغرب: «ألحاظها».

(4) في المغرب: «و لا».

(5) في أزهار الرياض: «عرضت».

(6) في أزهار الرياض: «إذا غنّى الحمام».

(7) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 49).

(8) في الأصل: «الأثابت»، و التصويب من نفح الطيب.

(9) في النفح (ج 7 ص 49) «إلى عمرو بن أبي غياث». و البيتان في المصدر المذكور.

(10) في النفح: «أيا».

(11) في المصدر نفسه: «و يا».

(12) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 50).

(13) في النفح: «يجمع».

232

يا شادن البان الذي دون النقا* * *حيث التقى وادي الحمى و الأجرع‏

* * *

الشمس يغرب نورها و لربما* * *كسفت و نورك كلّ حين يسطع‏

* * *

إن غاب نور الشمس بتنا نتقي‏* * *بسناك ليل تفرّق يتطلّع‏

* * *

أفلت فناب سناك عن إشراقها* * *وجلا من الظلماء ما يتوقّع‏

* * *

فأمنت يا موسى الغروب و لم أقل‏* * *«فوددت يا موسى لو أنّك يوشع»

* * *

و قال‏: [الطويل‏]

ألا بشّروا بالصبح من كان باكيا* * *أضرّ به الليل الطويل مع البكا

* * *

ففي الصبح للصّبّ المتيّم راحة* * *إذا الليل أجرى دمعه و إذا شكا

* * *

و لا عجب أن يمسك الصبح عبرتي‏* * *فلم يزل الكافور للدّم ممسكا

* * *

و من بديع مقطوعاته قوله‏: [الرمل‏]

مثل الرّزق الذي تطلبه‏* * *مثل الظّلّ الذي يمشي معك‏

* * *

أنت لا تدركه متّبعا* * *فإذا ولّيت عنه أتبعك‏

* * *

و قال‏: [الطويل‏]

دخلتم فأفسدتم قلوبا بملككم‏* * *فأنتم على ما جاء في سورة النّمل‏

* * *

و بالعدل‏ و الإحسان لم تتخلّقوا* * *فأنتم على ما جاء في سورة النحل‏

* * *

____________

(1) في النفح: «لسنا».

(2) عجز هذا البيت للرصافي البلنسي، و البيت بتمامه هو:

سقطت و لم تملك يمينك ردّها* * *فوددت يا موسى لو أنّك يوشع‏

* * *

ديوان الرصافي البلنسي (ص 105).

(3) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 50).

(4) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 50) و وفيات الأعيان (ج 2 ص 331) و التكملة (ج 2 ص 136).

(5) في النفح و الوفيات: «تبعك».

(6) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 50- 51).

(7) في النفح: «بملكها».

(8) يشير هنا إلى قول اللّه تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها [النمل: 34].

(9) في النفح: «و بالجود».

(10) يشير هنا إلى ما جاء في سورة النحل 16، الآية 76: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ.

233

و قال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجا أحمر قد أجهد نفسه في خدمته فلم ينجب، فقلت‏: [البسيط]

يا مرج كحل و من هذي المروج له‏* * *ما كان أحوج هذا المرج للكحل‏

* * *

يا حمرة الأرض من طيب و من كرم‏* * *فلا تكن طمعا في رزقها العجل‏

* * *

فإنّ من شأنها إخلاف آملها* * *فما تفارقها كيفيّة الخجل‏

* * *

فقال مجيبا بما نصّه‏: [البسيط]

يا قائلا إذ رأى مرجي و حمرته‏* * *ما كان أحوج هذا المرج للكحل‏

* * *

هو احمرار دماء الرّوم سيّلها* * *بالبيض من مرّ من آبائي الأول‏

* * *

أحببته أن حكى‏ من فتنت به‏* * *في حمرة الخدّ أو إخلافه أملي‏

* * *

وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، و دفن في اليوم بعده.

محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري‏

من أهل مرسية، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن الجنّان‏.

حاله: كان‏ محدّثا راوية، ضابطا، كاتبا بليغا، شاعرا بارعا، رائق الخطّ، ديّنا فاضلا، خيّرا، زكيّا. استكتبه بعض أمراء الأندلس، فكان يتبرّم من ذلك، و يقلق منه. ثم خلّصه اللّه تعالى‏ منه. و كان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة، حتى يظنّ رائيه إذا استدبره أنه طفل ابن ثمانية أعوام أو نحوها، متناسب الخلقة، لطيف الشمائل، و قورا. خرج من بلده حين تمكّن العدو من بيضته‏ عام أربعين.

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 51).

(2) في النفح: «ما حمرة».

(3) قوله: «بما نصّه» ساقط من النفح (ج 7 ص 51).

(4) في الأصل: «أحببته إنّ من فتنت به» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) في النفح: «عام أربعة ...».

(6) ترجمة ابن الجنان في عنوان الدراية (ص 213) و نفح الطيب (ج 10 ص 259).

(7) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 260- 261).

(8) في النفح: «ذكيّا».

(9) كلمة «تعالى» ساقطة في الإحاطة، و أضفناها من النفح.

(10) القماءة: القصر. لسان العرب (قمأ).

(11) في النفح: «الذي».

(12) في النفح: «قبضته سنة 640».

234

و ستمائة، فاستقرّ بأوريولة، إلى أن استدعاه‏ إلى سبتة الرئيس بها، أبو علي بن خلاص‏، فوفد عليه، فأجلّ وفادته، و أجزل إفادته، و حظي عنده حظوة تامة. ثم توجّه إلى إفريقية، فاستقرّ ببجاية. و كانت بينه و بين كتّاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته.

مشيخته: روى‏ ببلده و غيرها عن أبي بكر عزيز بن خطّاب، و أبي الحسن‏ سهل بن مالك، و ابن قطرال، و أبي الرّبيع بن سالم، و أبي عيسى بن أبي السّداد، و أبي علي الشّلوبين، و غيرهم.

من روى عنه: روى عنه صهره أبو القاسم بن نبيل، و أبو الحسن محمد بن رزيق.

شعره: قال القاضي أبو عبد اللّه بن عبد الملك: و كان له في الزّهد، و مدح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، بدائع، و نظم في المواعظ للمذكّرين كثيرا. فمن ذلك قوله في توديع رمضان و ليلة القدر: [الطويل‏]

مضى رمضان كأن‏ بك قد مضى‏* * *و غاب سناه بعد ما كان أومضا

* * *

فيا عهده ما كان أكرم معهدا* * *و يا عصره أعزر عليّ أن انقضا

* * *

ألمّ بنا كالطيف في الصيف زائرا* * *فخيّم فينا ساعة ثم قوّضا

* * *

فياليت شعري إذ نوى غربة النّوى‏* * *أ بالسّخط عنّا قد تولّى أم الرّضا؟

* * *

قضى الحقّ فينا بالفضيلة جاهدا* * *فأي فتى فينا له الحق قد قضا؟

* * *

و كم من يد بيضاء أسدى لذي تقى‏* * *بتوبته فيه الصحائف بيّضا

* * *

و كم حسن قد زاده حسنا و سنا* * *محاه و بالإحسان و الحسن عوّضا

* * *

فللّه من شهر كريم تعرّضت‏* * *مكارمه إلّا لمن كان أعرضا

* * *

____________

(1) في النفح: «بأريولة». و هي بالإسبانيةOrihuela ، من بلاد شرقي الأندلس، تقع على نهر شقوره. الروض المعطار (ص 67).

(2) في النفح: «دعاه».

(3) كلمة «بها» ساقطة في النفح.

(4) هو أبو علي الحسن بن خلاص البلنسي، تولّى سبتة سنة 637 ه، ثم ثار فيها على عهد السعيد أبي الحسن علي بن إدريس بن المنصور الموحدي سنة 641 ه، و بايع الأمير أبا زكريا الحفصي، صاحب تونس. توفي سنة 646 ه. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 359- 360).

(5) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 261).

(6) في النفح: «و غيره».

(7) في الأصل: «و أبي الحسن بن سهل ...» و التصويب من النفح.

(8) في الأصل: «و كأن» و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا حرف الواو.

235

نفى بينه و بين شجوك‏ معلما* * *و في إثره أرسل جفونك فيّضا

* * *

وقف بثنيّات الوداع فإنها* * *تمحّص مشتاقا إليها و تمحضا

* * *

و إن قضيت قبل التفرّق وقفة* * *فمقضيها من ليلة القدر ما قضى‏

* * *

فيا حسنها من ليلة جلّ قدرها* * *و حضّ عليها الهاشميّ و حرّضا

* * *

لعلّ بقايا الشهر و هي كريمة* * *تبيّن سرّا للأواخر أغمضا

* * *

و قد كان أضفى ورده كي يفيضه‏* * *و لكن تلاحى من تلاحى فقيّضا

* * *

و قال اطلبوها تسعدوا بطلابها* * *فحرّك أرباب القلوب و أنهضا

* * *

جزى اللّه عنّا أحمدا للجزاء* * *على كرم أضفاه بردا و فضفضا

* * *

و صلّى عليه من نبيّ مبارك‏* * *رؤوف رحيم للرسالة مرتضى‏

* * *

له عزّة أعلى من الشمس منزلا* * *و عزمته أمضى من السّيف منتضى‏

* * *

له الذّكر يهمي فضّ مسك ختامه‏* * *تأرّج من ريّا فضائله الفضا

* * *

عليه سلام اللّه ما انهلّ ساكب‏* * *و ذهّب موشيّ الرياض و فضّضا

* * *

و من ذلك قصيدة في الحج: [الطويل‏]

مذاكرة الذّكرى تهيج اللّواعجا* * *فعالجن أشجانا يكاثرن عالجا

* * *

ركابا سرت بين العذيب و بارق‏* * *نوافيج‏ في تلك الشّعاب نواعجا

* * *

تيمّمن من وادي الأراك منازلا* * *يطرّينها في الأراك سجاسجا

* * *

لهنّ من الأشواق حاد فإن ونت‏* * *حداه يرجّعن الحنين أهازجا

* * *

ألا بأبي تلك الركاب إذا سرت‏* * *هوادي يملأن الفلاة هوادجا

* * *

____________

(1) في الأصل: «شجونك» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «أحمد الجزا» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «تذاكر الذكر و تهيج اللواعجا» و كذا ينكسر الوزن.

(4) عالج: رمال بالبادية، سمي بذلك تشبيها له بالبعير العالج و هو الذي يأكل العلجان. معجم البلدان (ج 4 ص 69).

(5) في الأصل: «نواريج».

(6) الرّكاب: الإبل، واحدتها راحلة. الشّعاب: جمع شعب و هو الطريق في الجبل. النواعج: جمع ناعجة و هي الناقة البيضاء و السريعة و التي يصاد عليها. محيط المحيط (ركب) و (شعب) و (نعج). و العذيب: ماء بين القادسية و المغيثة. معجم البلدان (ج 4 ص 92). و بارق: ماء بالعراق و هو الحد بين القادسية و البصرة. معجم البلدان (ج 1 ص 319).

(7) في الأصل: «يطرنها إلّا في الأراك سجاسجا» و كذا ينكسر الوزن. و الأراك: شجر يستاك به و ترعاه الإبل.

236

براهم سوامح أو سراهم فأصبحوا* * *رسوما على تلك الرسوم عوالجا

* * *

لهم في منّى أسنى المنا ولدى الصّفا* * *يرجّون من أهل الصّفاء المناهجا

* * *

سما بهم طوف ببيت طامح‏* * *أراهم قبابا للعلى و معارجا

* * *

فأبدوا من اللّوعات ما كان كامنا* * *و أذروا دموعا بل قلوبا مناضجا

* * *

و لمّا دنوا نودوا هنيّا و أقبلوا* * *إلى الرّكن من كل الفجاج أدراجا

* * *

و قضّوا بتقبيل الجدار و لثمه‏* * *حقوقا تقضّي للنفوس حوائجا

* * *

إذا اعتنقوا تلك المعالم خلتهم‏* * *أساور في إيمانها و جهالجا

* * *

فللّه ركب يمّموا نحو مكة* * *لقد كرموا قصدا و حلّوا مناسجا

* * *

أناخوا بأرجاء الرّجاء و عرّسوا* * *فأصبح كلّ مايز القدح فالجا

* * *

فبشرى‏ لهم كم خوّلوا من كرامة* * *فكانت لما قدّموه نتائجا

* * *

بفتحهم باب القبول و للرّضا* * *و وفدهم أضحى على الباب و الجا

* * *

تميّز أهل السّبق لكنّ غيرهم‏* * *غدا همجا بين الخليقة هامجا

* * *

أ يلحق جلس‏ للبيوت مداهم‏* * *و لم يله‏ في تلك المدارج دارجا؟

* * *

ألا ليت شعري للضرورة هل أرى‏* * *إلى اللّه و البيت المحجّب خارجا؟

* * *

له اللّه من ذي كربة ليس يرتجى‏* * *لمرتجّها يوما سوى اللّه فارجا

* * *

قد أسهمت شتّى المسالك دونه‏* * *فلا نهج يلقى فيه للّه ناهجا

* * *

يخوض بحار الذّنب ليس يهابها* * *و يصعق ذعرا إن يرى البحر هائجا

* * *

جبان إذا عنّ الهدى و إذا الهوى‏* * *يعنّ له كان الجري‏ء المهارجا

* * *

يتيه ضلالا في غيابة همّه‏* * *فلا حجر تهديه لرشد و لا حجا

* * *

فواحربا لاح الصباح لمبصر* * *و قلبي لم يبصر سوى الليل إذ سجا

* * *

لعلّ شفيعي أن يكون معاجلا* * *لداء ذنوب بالشّفاء معالجا

* * *

فينشقني بيت الإله نوافحا* * *و يعبق لي قبر النّبيّ نوافجا

* * *

____________

(1) في الأصل: «الصفا» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «ما بزّ» و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(3) في الأصل: «فبشروا» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «بفتح باب للقبول و للرضا» و كذا ينكسر الوزن.

(5) الجلس: الجليس. محيط المحيط (جلس).

(6) في الأصل: «و لم يلعب» و كذا ينكسر الوزن و لا يستقيم المعنى.

(7) في الأصل: «لمرتجيها» و كذا ينكسر الوزن و لا يستقيم المعنى.

237

فما لي لإمالتي‏ سوى حبّ أحمد* * *وصلت له من قرب قلبي و شائجا

* * *

عليه سلام اللّه من ذي صبابة* * *حليف شجا يكنّى من البعد ناشجا

* * *

و لو أنصفت أجفانه حقّ وجده‏* * *سفكت دما للدموع موازجا

* * *

كتابته: و كتابته شهيرة، تضرب بذكره فيها الأمثال، و تطوى عليه الخناصر.

قالوا: لما عقد أمير المسلمين أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن هود البيعة لابنه الواثق بالإمارة من بعده، تولّى إنشاءها، و جعل الحاء المهملة سجعها مردفا إياها بالألف، نحو «صباحا» و «صلاحا»، و ما أشبه ذلك، طال مجموعها فناهزت الأربعين، و طاب مسمعها، فأحرزت بغية المستمعين، فكتب إليه أبو المطرّف ابن عميرة، رسالته الشهيرة، يداعبه في ذلك، و هي التي أولها:

«تحييك الأقلام تحيّة كسرى، و تقف دون مداك حسرى». و منها في الغرض:

«و ما لك أمنت تغيّر الحالات، فشننت غارتك على الحاءات، و نفضت عنها المهارق، و بعثت في طلبها السّوابق، و لفظتها من الأفواه، و طلبتها بين الشّفاه، حتى شهد أهل اللسان بتزحزحها عن ذلك المكان، و توارت بالحلوق، و لو تغلغلت إلى العروق، لآثرتها جيادك، و اقتنصها قلمك و مدادك». و هي طويلة.

فراجعه بقوله: «ما هذه التحية الكسرويّة؟ و ما هذا الرأي و ما هذه الرويّة؟

أ تنكيت من الأقلام؟ أم‏ تبكيت من الأعلام؟ أم‏ كلا الأمرين توجّه القصد إليه، و هو الحق مصدّقا لما بين يديه؟ و إلّا فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه‏، و يترامى إلى الغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم، و دانت أعاربه‏ بدين الأعاجم؟

وا عجبا لقد استنوق الجمل‏، و اختلف القول و العمل، لأمر ما جدع أنفه قصير، و ارتدّ على عقبه الأعمى أبو بصير. أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني، و أستشفي بأسمائه فلا يشفيني. و اليوم يحلّني محلّ أنو شروان، و يشكو مني شكوى اليزيديّة

____________

(1) في الأصل: «لإمالني» و كذا ينكسر الوزن. و الإملة: الأمل. محيط المحيط (أمل).

(2) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 261- 267).

(3) في النفح: «و هذه».

(4) في النفح: «و هذه».

(5) في النفح: «أو».

(6) عكس القلم هو: الملق.

(7) في النفح: «أعاريبه للأعاجم».

(8) أخذه من المثل: «قد استنوق الجمل» أي صار ناقة، يضرب هذا المثل في التخليط، و المراد:

تغيّرت الطباع. مجمع الأمثال (ج 2 ص 93) و محيط المحيط (نوق).

(9) هو مثل آخر، قيل في قصة احتيال قصير بن سعد القضاعي على الزبّاء ملكة تدمر حتى أخذ منها بالثأر. محيط المحيط (زبأ).

(10) في النفح: «الزيدية».

238

من بني مروان، و يزعم أني أبطلت سحره‏ كما أبطل سحر بردوران، و يخفي في نفسه ما اللّه مبديه‏، و يستجدي بالأثر ما عند مستجديه. فمن أين جاءت هذه الطريقة المتّبعة، و الطّريفة المبتدعة، أ يظنّ أنّ معمّاه لا يفكّ‏، و أنه لا يتجلّى‏ هذا الشّك؟ هل هذا منه إلّا إمحاض التّيه، و إحماض تفتّيه، و نشوة من خمرة الهزل، و نخوة من ذي ولاية آمن العزل؟ تاللّه لو لا محلّه من القسم، و فضله في تعليم النّسم، لأسمعته‏ ما ينقطع به صلفه، و أودعته ما ينصدع به صدفه، و أشدت‏ بشرف المشرقي و مجده‏، و أشرت إلى تعاليه عن اللّعب بجدّه. و لكن هو القلم الأول، فقوله على أحسن الوجوه يتأوّل، و معدود في تهذيبه، كلّ ما لسانه يهذي به. و ما أنسانيه‏، إلّا الشيطان أياديه، أن أذكرها، و أنما أقول: [البسيط]

ليت التحيّة كانت لي فأشكرها

و لا عتب إلّا على الحاء، المبرّحة بالبرحاء، فهي التي قيّمت‏ قيامتي في الأندية، و قامت عليّ قيام المعتدية، يتظلّم و هو عين الظالم، و يلين القول و تحته سمّ الأراقم‏، و لعمر البراعة و ما نصعت‏، و اليراعة و ما صنعت، ما خامرني هواها، و لا كلفت بها دون سواها. و لقد عرضت نفسها عليّ مرارا، فأعرضت عنها ازورارا، و دفعتها عني بكل وجه، تارة بلطف و أخرى بنجه‏،

____________

(1) في النفح: «سحره ببئر ذروان».

(2) أخذه من قوله تعالى: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ‏ [الأحزاب: 37].

(3) في النفح: «و الشريعة».

(4) في النفح: «لا ينفكّ».

(5) في النفح: «لا ينجلي».

(6) في النفح: «ذلك».

(7) في النفح: «خمر».

(8) في النفح: «لأسلمته».

(9) في النفح: «و أشرت».

(10) في النفح: «المشرفي و حدّه».

(11) في النفح: «و ما أنساني».

(12) أخذه من قوله تعالى: وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏ [الكهف: 63].

(13) هو صدر بيت لكثير عزّه، و البيت بتمامه هو: [البسيط]

ليت التحيّة كانت لي فأشكرها* * *مكان يا جمل حيّيت يا رجل‏

* * *

الأغاني (ج 9 ص 43) و الشعر و الشعراء (ص 418).

(14) قد تكون قصيدة حائية، أو رسالة بنيت على تكرير حرف الحاء في كل كلمة.

(15) في النفح: «أقامت».

(16) في النفح: «المتعدية».

(17) الأراقم: جمع أرقم و هو الثعبان. لسان العرب (رقم).

(18) في النفح: «و لعمر اليراعة و ما رضعت».

(19) هاء الضمير يعود إلى «الحاء».

(20) النّجه: الردّ القبيح. لسان العرب (نجه).

239

و خفت منها السآمة، و قلت انكحي أسامة. فرضيت منها بأبي جهم‏ و سوء سلكته‏، و ابن أبي سفيان و صعلكته، و كانت أسرع من أمّ خارجة للخطبة، و أسمج من سجاح‏ في استنجاح تلك الخطبة. و لقد كنت أخاف من انتقال الطباع في عترتها، و استثقال الاجتماع من عشرتها، و أرى من الغبن و السّفاه، أخذها و ترك بنات الأفواه و الشّفاه‏، إذ هي أيسر مؤونة، و أكثر معونة، فغلطي‏ فيها أن كانت بمنزل تتوارى صونا عن الشمس، و من نسوة خفرات لا ينطقن إلّا بالهمس، و وجدتها أطوع من البنان للكفّ، و العنان للوكف‏، و المعنى للاسم، و المغنى للرّسم، و الظّلّ للشخص، و المستبدل‏ للنصّ. فما عرفت منها إلّا خبرا أرضاه، حتى حسبتها من الحافظات للغيب بما حفظ اللّه، فعجبت لها الآن كيف زلّت نعلها، و نشزت فنشرت ما استكتمها بعلها، و اضطربت في رأيها اضطراب المختار بن‏ أبي عبيد، و ضربت في الأرض تسعى عليّ بكلّ مكر و كيد، و زعمت أنّ حرف‏ الجيم خدعها، و ألان‏ أخدعها، و أخبرها أن سيبلّغ بخبرها الخابور، و أحضرها لصاحبها كما أحضر بين يدي قيصر سابور، فقد جاءت إفكا وزورا، و كثرت من أمرها شزورا، و كانت كالقوس أرنّت و قد أصمت القنيص، و المراودة قالت‏ ما جَزاءُ و هي التي قدّت‏

____________

(1) في النفح: «مني».

(2) يشير هنا إلى قصة فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك، حين خطبها معاوية بن أبي سفيان و أبو جهم، فتزوجت أسامة بن زيد؛ لأن معاوية وصف بأنه صعلوك لا مال له، و أبو جهم كان لا يضع عصاه عن عاتقه، أي أنه كان يضرب النساء.

(3) في النفح: «ملكته».

(4) في النفح: «و أسمح من سجاح». و أخبار سجاح مع مسيلمة الكذاب معروفة، و قد ضرب بها المثل في الإسماح.

(5) في النفح: «عشرتها».

(6) في النفح: «عترتها».

(7) بنات الأفواه و الشفاه: الحروف مثل الباء و الميم و غيرهما.

(8) في النفح: «و أكبر».

(9) في النفح: «فغلطني».

(10) في النفح: «للكفّ».

(11) في النفح: «و المستدلّ».

(12) في النفح: «خيرا أرضاه، و حسبتها».

(13) كلمة «بن» ساقطة من الإحاطة. و هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي ثار عام 65 ه، مطالبا بدم الحسين بن علي، عليهما الصلاة و السلام.

(14) في النفح: «أن الجيم».

(15) في الأصل: «و الآن» و التصويب من النفح.

(16) الخابور: من روافد نهر الفرات؛ يريد أن يقول: إنه سيبلغ خبرها إلى مكان ناء.

(17) هو سابور ذو الأكتاف، يقال إنه تنكّر و دخل بلاد الروم فوقع في يدي قيصر.

(18) في النفح: «منزورا».

(19) سورة يوسف 12: الآية 25.

240

القميص‏، و ربما يظنّ بها الصدق، و ظنّ الغيب ترجيم، و يقال: لقد خفضت الحاء بالمجاورة لهذا الأمر الجسيم‏، و تنتصر لها أختها التي خيّمت بين النرجسة و الرّيحانة، و ختمت السورة باسم جعلت ثانيه أكرم نبيّ على اللّه سبحانه، فإن امتعضت لهذه المتظلّمة، تلك التي سبقت بكلمتها بشارة المتكلّمة، فأنا ألوذ بعدلها، و أعوذ بفضلها، و أسألها أن تقضي قضاء مثلها، و تعمل بمقتضى:

فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها على أنّ هذه التي قد أبدت مينها، و نسيت الفضل بيني و بينها، أن قال الحكمان: منها كان النشوز، عادت حرورية العجوز، و قالت: التّحكّم‏ في دين اللّه لا يجوز، فعند ذلك يحصحص‏ الحقّ، و يعلم من الأولى بالحكم و الأحقّ، و يصيبها ما أصاب أروى، من دعوة سعيدة حين الدّعوى، و يا ويحها أن‏ أرادت أن تجني عليّ فجنت لي، و أناخت لي مركب السعادة و ما ابتغت إلّا ختلي، فأتى شرّها بالخير، و جاء النّفع من طريق ذلك الضّير. أ تراها علمت بما يثيره اعوجاجها، و ينجلي عنه عجاجها؟ فقد أفادت عظيم الفوائد، و نظيم الفرائد، و نفس الفخر، و نفيس الذّخر، و هي لا تنكر أن كانت من الأسباب، و لا تذكر إلّا يوم الملاحاة و السّباب. و إنما يستوجب الشكر جسيما، و الثناء الذي يتضوّع نسيما، الذي شرّف إذ أهدى أشرف السّحاءات، و عرّف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات، فإنه و إن ألمّ بالفكاهة، فما أملى‏ من البداهة، و سمّى باسم السابق السّكيت، و كان من أمر مداعبته كيت و كيت، و تلاعب بالصّفات‏، تلاعب السّيل بالصفاة، و الصّبا بالبانة، و الصّبا بالعاشق ذي اللّبانة، فقد أغرب بفنونه، و أغرى‏

____________

(1) إشارة إلى قصة امرأة العزيز في قوله تعالى: وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ‏ [يوسف: 23]. و عندما انفضح أمرها قالت: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ الآية.

(2) في النفح: «لهذا الجيم».

(3) كلمة «أختها» ساقطة في النفح.

(4) في النفح: «التكملة».

(5) في النفح: «الكلمة».

(6) سورة النساء 4، الآية 35.

(7) المين: الكذب. لسان العرب (مين).

(8) حرورية: أي ترفض التحكيم و تقول: لا حكم إلّا للّه.

(9) في النفح: «التحكيم».

(10) يحصحص الحقّ: يظهر و يبين. لسان العرب (حصحص).

(11) في النفح: «سعدية».

(12) كلمة «أن» ساقطة في النفح.

(13) في النفح: «الدرّ».

(14) في النفح: «لا تشكر».

(15) في النفح: «بما أملّ».

(16) في النفح: «في الصفات تلاعب الصفاح و الصّبا بالبانة».

241

القلوب بفتونه، و نفث بجفنه‏ الأطراف، و عبث من الكلام المشقّق الأطراف‏، و علم كيف يلخّص‏ البيان، و يخلّص العقيان. فمن الحقّ أن أشكره على أياديه البيض، و أن آخذ لفظه‏ من معناه في طرف النقيض. تاللّه أيها الإمام الأكبر، و الغمام المستمطر، و الخبر الذي يشفي سائله، و البحر الذي لا يرى ساحله، ما أنا المراد بهذا المسلك، و من أين حصل‏ النور لهذا الحلك؟ و صحّ أن يقاس بين الحدّاد و الملك؟ إنه لتواضع الأعزّة، و ما يكون للأكارم‏ عند المكارم من العزّة، و تحريض الشيخ للتلميذ، في‏ إجازة الوضوء بالنّبيذ. و لو حضر الذي قضي له بجانب الغربيّ أمر البلاغة، و ارتضى ما له في هذه الصناعة، من حسن السّبك لحليتها و الصّياغة، و أطاعته فيما أطلعته طاعة القوافي الحسان، و أتبعته فيما جمعته لكن بغير إحسان، لأذعن كما أذعنت، و ظعن عن محلّ دعوى‏ الإجادة كما ظعنت، و أنّى يضاهى الفرات المعين‏ بالنّغبة، و يباهى بالفلوس من أوتي من الكنوز ما أنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، و أي حظّ للكلالة في النّشب‏، و قد اتصل للورثة عمود النّسب. هيهات و اللّه بعد المطلب، و شتّان الدّرّ و الخشلب‏، و قد سيم الغلب، و رجع إلى قيادة السّلب، و إن كنّا ممّن تقدّم لشدّة الظمإ إلى المنهل، و كمن أقدم إلى عين تبوك بعد النّهي للعل و النّهل. فقد ظهرت بذلك‏ المعجزة عيانا، و ملئ ما هناك‏ جنانا، و ما تعرّضنا بإساءة الأدب و اللّوم، و لكن علمنا أن آخر الشّرب‏ ساقي القوم، و إن أسهبنا فما نلنا رتبة ذلك الإيجاز، و إن أعرقنا فهوانا في الحجاز، فلكم قصيرات الحجال، و لنا قصيرات الخطا في هذا المجال، و إكثارنا في قلّة، و جارنا من الفقر في فقر و ذلّة. و من لنا بواحدة يشرق ضياؤها، و يخفي النجوم خجلها منها و حياؤها؟ إن لم تطل فلأنها للفروع كالأصل، و في المجموع‏ كليلة الوصل. فلو سطع نورها الزاهر، و نورها الذي تطيب منه‏

____________

(1) في النفح: «بخفية».

(2) في النفح: «بالأطراف».

(3) في النفح: «يمحض».

(4) في النفح: «و إن أخذ لفظة ...».

(5) في النفح: «و الحبر».

(6) في النفح: «حصل ذلك النور».

(7) في النفح: «عند الكرام من الهزّة».

(8) في النفح: «و ترخيص في ...».

(9) في النفح: «لحليها».

(10) كلمة «دعوى» ساقطة في النفح.

(11) كلمة «المعين» ساقطة في النفح.

(12) النّغبة: الجرعة من الماء. لسان العرب (نغب).

(13) في النفح: «بالنشب».

(14) كلمة «بعد» ساقطة في النفح.

(15) في النفح: «و المخشلب».

(16) في النفح: «بعد ذلك».

(17) في النفح: «و ملأ ما هنالك».

(18) في الأصل: «الشرّاب» و التصويب من النفح.

(19) في النفح: «الجموع».

242

الأنوار الأزاهر، لسجدت النّيران ليوسف ذلك الجمال، و وجدت نفحات ريّاها في أعطاف الجنوب و الشمال، و أسرعت نحوها النفوس إسراع الحجيج يوم النّفر، و سار خبرها و سرى فصار حديث المقيمين و السّفر. و ما أظن‏ تلك السّاخرة في تدلّيها، إلّا السّاحرة بتجنّيها، إذ كانت ربيبتها، بل ربيئتها، هذه التي سبقتني لمّا سقتني بسينها، و وجدت ريحها، لما فصلت من مصرها غيرها و حين وصلت لم يدلني على سابقها إلّا عبيرها، و كم رامت أن تستتر عني بليل حبرها في هذه المغاني، فأغراني بهاؤها و كل مغرم مغرى ببياض صبح الألفاظ و المعاني. و هل كان ينفعها تلفّحها بمرطها و تلفّعها؟ إذ نادتها المودّة، فقد عرفناك يا سودة. فأقبلت على شمّ نشرها و عرفها، و لثم سطرها و حرفها، و قريتها الثناء الحافل، و قرأتها فزيّنت بها المحاضر و المحافل‏. و رمت أمر الجواب، فغرّتني‏ في الخطاب، لكن رسمت هذه الرّقعة التي هي لديكم بعجزي واشية، و إليكم منيّ على استحياء ماشية، و إن رقّ وجهها فما رقّت لها حاشية، فمنوا بقبولها على علّاتها، و انقعوا بماء سماحتكم حرّ غللها، فإنها وافدة من استقرّ قلبه عندكم و ثوى، و أقرّ بأنه يلقط في هذه الصناعة ما يلقى للمساكين من النّوى. بقيتم، سيدي الأعلى‏ للفضل و الإغضاء، و دمتم غرّة في جبين السّمحة البيضاء، و اقتضيتم السعادة المتّصلة مدّة الاقتضاء، بيمن اللّه سبحانه. انتهى.

و محاسنه عديدة، و آماده بعيدة.

دخوله غرناطة: دخلها مع المتوكل مخدومه، أو وجده بها.

من روى عنه: روي عن أبي الحسن سهل بن مالك.

وفاته: قال الأستاذ في الصلة: انتقل إلى بجاية فتوفي بها في عشر الخمسين و ستمائة.

____________

(1) في النفح: «و ما ضرّ تلك».

(2) في النفح: «في تجلّيها، الساحرة بتجنّيها، أن كانت بمنزلة ربيبتها بل تربها، هذه ...».

(3) في النفح: «بسيبها».

(4) في النفح: «من مصر عيرها».

(5) في النفح: «ساريها».

(6) في النفح: «فزيّنت بها المحافل».

(7) في النفح: «فعزّني».

(8) في النفح: «عللها».

(9) كلمة «الأعلى» ساقطة في النفح.

(10) المراد «صلة الصلة» لابن الزبير.

(11) كذا ورد في نفح الطيب (ج 10 ص 276).

243

محمد بن محمد بن أحمد بن شلبطور الهاشمي‏

من أهل‏ ألمريّة، يكنى أبا عبد اللّه، من وجوه بلده و أعيانه، نشأ نبيه البيت، ساحبا بنفسه و بماله ذيل الحظوة، متحلّيا بخصل من خطّ و أدب، وزيرا، متجنّدا، ظريفا، دربا على ركوب البحر و قيادة الأساطيل. ثم انحطّ في هواه انحطاطا أضاع مروءته، و استهلك عقاره، و هدّ بيته، و ألجأه أخيرا إلى اللّحاق بالعدوة فهلك بها.

و جرى ذكره في الإكليل بما نصّه‏: مجموع شعر و خطّ، و ذكاء عن درجة الظّرفاء غير منحطّ، إلى مجادة أثيلة البيت، شهيرة الحيّ و الميت. نشأ في حجر التّرف و النعمة، محفوفا بالماليّة الجمّة، فلما غفل‏ عن ذاته، و ترعرع بين لداته، أجرى خيول لذّاته، فلم يدع منها ربعا إلّا أقفره، و لا عقارا إلّا عقره، حتى حطّ بساحلها، و استولى بسعر الإنفاق على جميع مراحلها، إلّا أنه خلص بنفس طيّبة، و سراوة سماؤها صيّبة، و تمتّع ما شاء من زير و بمّ‏، و تأنّس لا يعطي‏ القياد لهمّ.

و في عفو اللّه سعة، و ليس مع التوكل على اللّه ضعة.

شعره: من شعره‏ قوله يمدح السلطان، و أنشدها إياه بالمضارب من وادي الغيران عند قدومه من ألمرية: [الطويل‏]

أ ثغرك أم سمط من الدّرّ ينظم؟* * *و ريقك أم مسك به الرّاح تختم؟

* * *

و وجهك أم باد من الصّبح نيّر؟* * *و فرعك أم داج من الليل مظلم؟

* * *

أعلّل منك النفس و الوجد متلفي‏* * *و هل ينفع التّعليل و الخطب أعظم‏؟

* * *

و أقنع من طيف الخيال يزورني‏* * *لو أنّ جفوني بالمنام تنعم‏

* * *

حملت الهوى حينا فلمّا علمته‏* * *سلوت لأني بالمكارم مغرم‏

* * *

____________

(1) ترجمة ابن شلبطور في نفح الطيب (ج 8 ص 215) و جاء فيه «ابن سلبطور» بالسين المهملة.

و شلبطور: بالإسبانيةSalvador ، ما يدل على أنه من أصل مولّدي.

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 317).

(3) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 317).

(4) في النفح: «عقل».

(5) في النفح: «بسفر».

(6) الزّير و البمّ: من أوتار العود. لسان العرب (زير) و (بمم).

(7) في النفح: «لم يعط».

(8) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 218).

(9) ورد من هذه القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 218) فقط الأبيات الأربعة الأول، و جاء هناك:

«عند قدومه ألمرية».

(10) في النفح: «... منك الوجد و الليل مظلم و هل ... و الخطب مؤلم».

(11) في النفح: «بزورة».

244

ولي في أمير المسلمين محبّة* * *فؤادي مشغوف بها و متيّم‏

* * *

بلغت المنى لما لثمت يمينه‏* * *فها أنذا في جنّة الخلد أنعم‏

* * *

يصوغ قومي الشّعر في طيب ذكره‏* * *و يحسن فيه النّظم من ليس ينظم‏

* * *

فاستمسك الدّين الحنيف زمانه‏* * *و قام منار الحقّ و الشّرك مغرم‏

* * *

له نظر في المشكلات مؤيّد* * *و اللّه مهد إلى الرشد ملهم‏

* * *

و يستغرق طارحا فيه وابل جوده‏* * *فمن فعله في جوده يتعلم‏

* * *

فلو أن أملاك البسيطة أنصفوا* * *لألقوا إليه الأمر طوعا و سلّموا

* * *

و في الدّين و الدنيا و في البأس و النّدى‏* * *لكم يا بني نصر مقام معظّم‏

* * *

و منها:

إليك أمير المسلمين اقتضيتها* * *حمائل شكر طيرها مترنّم‏

* * *

تنمّ بعرف المسك أنفاسها* * *إذا يفوه لراو في الندى بها فم‏

* * *

فباسمك سيّرت في المسامع ذكرها* * *و يغزى في أقصى البلاد و يشمم‏

* * *

و لو أنني في المدح سحبان وائل‏* * *و أنجدني فيه حبيب و مسلم‏

* * *

لما كنت إلّا عن علاك مقصّر* * *و من بعض ما نشدت و تولي و تنعم‏

* * *

بقيت ملاذا للأنام و رحمة* * *و ساعدك الإسعاد حيث يتمّم‏

* * *

و من شعره مذيّلا على البيت الأخير حسبما نسب إليه‏: [البسيط]

نامت جفونك يا سؤلي و لم أنم‏* * *ما ذاك إلّا لفرط الوجد و الألم‏

* * *

أشكو إلى اللّه ما بي من محبّتكم‏* * *فهو العليم بما نلقى من السّقم‏

* * *

«إن كان سفك دمي أقصى مرادكم‏* * *فما غلت نظرة منكم بسفك دمي»

* * *

و ممّا نسب إليه كذلك‏: [السريع‏]

قف بي و ناد بين تلك الطّلول‏* * *أين الألى كانوا عليها نزول‏

* * *

أين ليالينا بهم و المنى‏* * *نجنيه غضّا بالرضا و القبول‏

* * *

لا حمّلوا بعض الذي حمّلوا* * *يوم تولّت بالقباب الحمول‏

* * *

إن غبتم يا أهل نجد ففي‏* * *قلبي أنتم و ضلوعي حلول‏

* * *

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 218).

(2) في النفح: «و السّقم».

(3) في النفح: «... بما ألقى من الألم».

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 218).

245

و ممّا خاطبني‏ به: [الرجز]

تاللّه ما أورى زناد القلق‏* * *سوى ريح‏ لاح لي بالأبرق‏

* * *

أيقنت بالحين‏ فلو لا نفحة* * *نجديّة منكم تلافت رمقي‏

* * *

لكنت أقضي بتلظّي زفرة* * *و حسرة بين الدموع‏ تلتقي‏

* * *

فآه من هول النّوى و ما جنى‏* * *على القلوب موقف التّفرّق‏

* * *

يا حاكي الغصن انثنى متوّجا* * *بالبدر تحت لمّة من غسق‏

* * *

اللّه في نفس معنّى أقصدت‏* * *من لاعج الشّوق بما لم تطق‏

* * *

أتى على أكثرها برح‏ الأسى‏* * *دع ما مضى منها و أدرك ما بقي‏

* * *

و لو بإلمام خيال في الكرى‏* * *إن ساعد الجفن رقيب الأرق‏

* * *

فربّ زور من خيال زائر* * *أقرّ عينيّ و إن لم يصدق‏

* * *

شفيت‏ من برح الأسى لو أنّ من‏* * *أصبح رقّي في يديه معتقي‏

* * *

ففي معاناة الليالي عائق‏* * *عن التّصابي و فنون القلق‏

* * *

و في ضمان ما يعاني المرء من‏* * *نوائب الدهر مشيب المفرق‏

* * *

هذا لعمري مع أني لم أبت‏* * *منها بشكوى روعة أو فرق‏

* * *

فقد أخذت من خطوب غدرها* * *بابن الخطيب الأمن ممّا أتّقي‏

* * *

فخر الوزارة الذي ما مثله‏* * *بدر علا في مغرب أو مشرق‏

* * *

و مذ أرانيه زماني لم أبل‏* * *من صرفه من مرعد أو مبرق‏

* * *

لا سيما منذ حططت في حمى‏* * *جواره‏ الأمنع رحل أينقي‏

* * *

أيقنت أني في رجائي لم أخب‏* * *و أنّ مسعى بغيتي لم يخفق‏

* * *

ندب له في كلّ حسن آية* * *تناسبت في الخلق أو في‏ الخلق‏

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 215- 217).

(2) في النفح: «بريق».

(3) الأبرق: اسم مكان.

(4) الحين: الهلاك. لسان العرب (حين).

(5) في النفح: «الضلوع».

(6) البرح: الشدّة. لسان العرب (برح).

(7) في النفح: «شقيت».

(8) الفرق، بالفتح: الخوف. لسان العرب (فرق).

(9) في الأصل: «إلّا من ممّا أتّق». و التصويب من النفح.

(10) لم أبل: أصله: لم أبال، أي لم أكترث.

(11) في النفح: «بمرعد».

(12) في الأصل: «مذ» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(13) في النفح: «مقامه».

(14) كلمة «في» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

246

في وجهه مسحة بشر إن بدت‏* * *تبهرجت أنوار شمس الأفق‏

* * *

تعتبر الأبصار في لألئها* * *عليه من نور السّماح المشرق‏

* * *

كالدهر في استينائه و بطشه‏* * *كالسيف في حدّ الظّبا و الرونق‏

* * *

إن بخل الغيث استهلّت يده‏* * *بوابل من غيث جود غدق‏

* * *

و إن وشت صفحة طرس انجلى‏* * *ليل دجاها عن سنى مؤتلق‏

* * *

بمثلها من حبرات أخجلت‏* * *حواشي الرّوض خدود المهرق‏

* * *

ما راق في الآذان أشناف سوى‏* * *ملتقطات لفظه المفترق‏

* * *

تودّ أجياد الغواني أن يرى‏* * *حليّها من درّ ذاك المنطق‏

* * *

فسل به هل آده‏ الأمر الذي‏* * *حمّل في شرخ الشباب المونق؟

* * *

إذا رأى الرّأي فلا يخطئه‏* * *يمن اختيار للطريق الأوفق‏

* * *

إيه أبا عبد الإله هاكها* * *عذراء تحثو في وجوه السّبق‏

* * *

خذها إليك بكر فكر يزدري‏* * *لديك بالأعشى لدى المحلّق‏

* * *

لا زلت مرهوب الجناب مرتجى‏* * *موصول عزّ في سعود ترتقي‏

* * *

مبلّغ الآمال فيما تبتغي‏* * *مؤمّن الأغراض فيما تتّقي‏

* * *

ناب‏ في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرّنداحي، و ولّي أسطول المنكّب برهة. توفي‏ بمراكش في‏ عام خمسة و خمسين و سبعمائة (رحمه اللّه).

محمد بن محمد بن جعفر بن مشتمل الأسلمي‏

من أهل ألمرية، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالبلياني.

____________

(1) في الأصل: «لألأتها» و كذا ينكسر الوزن. و في النفح: «في اللألأ ما».

(2) استهلّت يده: كثر إغداقها، و هنا يشبّه اليد بالديمة التي اشتدّ انصبابها على سبيل الاستعارة.

(3) آده: ثقل عليه. لسان العرب (أدي).

(4) الأعشى: هو الأعشى ميمون بن قيس. و المحلّق: رجل فقير استضاف الأعشى و نحر له و سقاه، ثم شكا له أن له بنات لم يتزوّجن، فأنشد الأعشى في عكاظ قصيدته الكافية بمدح المحلّق و منها [الطويل‏]:

تشب لمقرورين يصطليانها* * *و بات على النار الندى و المحلّق‏

* * *

فلم يحل الحول حتى تزوجت بنات المحلق كلهنّ. لسان العرب (حلق).

(5) في النفح: «ممّا».

(6) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 219).

(7) في النفح: «و توفي».

(8) كلمة «في» غير واردة في النفح.

247

حاله: قال شيخنا أبو البركات: ناب عني في بعض الأعمال بألمريّة، و خطب بنحانس من غربيها، ثم خطب بحمة مرشانة، و هو الآن بها، و عقد الشروط قبل بألمريّة. عفيف طاهر الذّيل، نبيل الأغراض، مهذّب الأخلاق، قيّم على القراءات و النحو و الأدب، جيّد الشعر و الكتابة ...... من الضبط، و إجادة العبارة عن المعنى المراد.

تواليفه: قال: له رجز في علم الكلام جيد، و رجز آخر في ألفاظ فصيح ثعلب، عريّ عن الحشو، على تقعير فيه يغتفر لما جمع من اقتصاره، و له تأليف في الوباء سماه بإصلاح النّيّة في المسألة الطاعونية.

مشيخته: قال: أخذ عنّي و عن أبيه جملة من الدواوين، و عن غيري من أهل بلده.

شعره: قال: و مما أنشدني من شعره قوله: [الطويل‏]

هفا بي من بين المغاني عقيقها* * *و من بينه انفضّت لعيني عقيقها

* * *

و مالت من البيداء عنها قبابه‏* * *و أشرقني بالدمع منها شروقها

* * *

يهيّج أنفاسي غراما نسيمها* * *و تقدح نار الشوق عندي بروقها

* * *

و من دون واديها ظباء خوادل‏* * *حكى لحظها ماضي الشّفار رقيقها

* * *

فلو برزت للشمس‏ منهنّ في الضحى‏* * *مخدّرة أضحت كمالا تفوقها

* * *

نسيم الصّبا، إن سيّرت نحو الحمى‏* * *تحيّي‏ الدّيار النّازحات تشوقها

* * *

غريب كئيب مستهام متيّم‏* * *جريح الجفون السّاهرات عريقها

* * *

فهل عطفة ترجى و هل أمل يرى‏* * *بعودة أيام تقضّى أنيقها؟

* * *

سقتنا و من أدمع الصّبّ جودها* * *و من‏ ديم الغيث الملتّات ريقها

* * *

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) في الأصل: «الوبا».

(3) في الأصل: «المسلة».

(4) قوله: «من البيداء عنها» ساقط في الأصل، و قد أضفناه ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(5) في الأصل: «ظبا» و كذا ينكسر الوزن.

(6) الخوادل: جمع خدلاء و هي المرأة الممتلئة الأعضاء لحما في دقة عظام. محيط المحيط (خدل).

(7) في الأصل: «الشمس» و كذا ينكسر الوزن.

(8) في الأصل: «فقل تحي الديار ...» و كذا ينكسر الوزن.

(9) في الأصل: «سقى و تعلم من أدمع الصب جودها» و كذا ينكسر الوزن.

(10) في الأصل: «من».

248

قال: و أنشدني أيضا، و قال: كلفت إجازة هذا البيت الأول من هذه القصيدة، إذ ليس لي: [الكامل‏]

من عادلي؟ من ناصري أو منصفي‏؟* * *هذا دمي‏ سفكته بنت المنصف‏

* * *

أو من يخلّصني و قد أوهى صحي* * *ح الجسم منّي لحظ طرف مدنف‏

* * *

جفن تحيّر و الهوى يهديه‏* * *لفؤاد كلّ من الهوى لم يألف‏

* * *

متناعس يهدي السّهاد و يصرع ال* * *بطل الكميّ بلحظه المتضعّف‏

* * *

تبدو و تشدو للعيون و للمسا* * *مع فهي بين مكحّل و مشنّف‏

* * *

ملكت بصنعتها عنان عنانها* * *وعدت عليها كأنّها لم تعرف‏

* * *

تغني إذا غنّت بطيب صوتها* * *عن أن يزوّد لحنها بالمعزف‏

* * *

أمّا تغنّت أو تثنّت تهتف‏* * *قمريّ نغمتها و غضّ المعطف‏

* * *

يأتي على تكرار ما غنّت به‏* * *صدقا بكلّ غريب مستطرف‏

* * *

تهدي النفوس‏ على اختلاف طباعها* * *من نبلها ما تشتهي بتلطّف‏

* * *

كنّا و جفن الدهر عنّا ناعس‏* * *من‏ خلف ستر للأمان مسجّف‏

* * *

حتى وشى بالسّر دهر حاسد* * *كلف بتنغيص الكريم الأشرف‏

* * *

و اخجلتا إن لم أمت يوم النّوى‏* * *لهفا و ما إن كنت بعد بمنصف‏

* * *

لكنني مما نحلت و ذبت لم‏* * *يرني الحمام فكنت عنه أختفي‏

* * *

كم ذا أبيت و ليس لي من مسعد* * *في حالتي غير الدموع الذّرف‏

* * *

يا هل ترى هذا الزمان و صرفه‏* * *هل يسمحان بعودة و تألّف؟

* * *

صبرا أبا يعقوبهم فهي النّوى‏* * *لو لا همت شوقا للقيا يوسف‏

* * *

قال: و أنشدني أيضا لنفسه، و البيت الأخير لغيره: [البسيط]

ما للأحبّة في أحكامهم جاروا؟* * *نأوا جميعا فلا خلّ و لا جار

* * *

____________

(1) في الأصل: «من عادى و من ناصري و منصفي» و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(2) في الأصل: «دمعي» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «كأن» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «تكرّر» و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «أو مستطرف» و كذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «للنفوس» و هكذا يختل الوزن و المعنى معا.

(7) كلمة «من» ساقطة في الأصل.

(8) في الأصل: «أختف» بدون ياء.

249

كيف البقاء و قد بانت قبابهم‏* * *و قد خلت منهم وا أسفي الدّار؟

* * *

حداة تمسهم بالقلب قد رحلوا* * *يا ليتهم حملوا الجثمان إذ ساروا

* * *

جار الزمان علينا في فراقهم‏* * *من قبل أن تنقضي للصّبّ أوطار

* * *

ساروا فخيّمت الأشواق بعدهم‏* * *ما لي عليها سوى الآماق أنصار

* * *

تراك يا ربعهم ترجو رجوعهم؟* * *يا ليت لو ساعدت في ذاك أقدار

* * *

ودّعت منهم شموسا ما مطالعها* * *إلّا من الوشي أطواق و أزرار

* * *

أستودع اللّه من فاز الفراق بهم‏* * *و خلّفونا و دمع العين مدرار

* * *

قلت: و لا خفاء بتخلّف هذا النمط عن الإجادة، و اللّه يقبض و يبسط، و شافعنا عرض الإكثار.

وفاته: توفي في آخر أربعة و ستين و سبعمائة.

محمد بن محمد بن حزب اللّه‏

من أهل وادي آش، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف باسم جدّه.

حاله: دمث، متخلق، سهل الجانب، كثير الدّعابة، خفيف الروح، له خطّ حسن، و وراقة بديعة، و إحكام لبعض العملية، و اقتدار على النظم. اتصل بباب السلطان ملك المغرب، و ارتسم كاتبا مع الجملة، فارتاش، و حسنت حاله.

و جرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصّه: راقم‏ واشي، رقيق الجوانب و الحواشي، تزهى بخطّه المهارق و الطروس، و تتجلّى في حلل بدائعه كما تتجلّى العروس، إلى خلق كثير التجمل، و نفس عظيمة التحمّل. و دود سهل الجانب، عذب المذانب. لمّا قضيت الوقيعة بطريف‏، أقال اللّه عثارها، و عجّل ثارها، قذف به موج ذلك البحر، و تفلّت إفلات الهدي المقرب إلى النحر، و رمى به إلى رندة القرار، و قد عرى من أثوابه كما عرى الغرار، فتعرّف للحين بأديبها المفلق، و بارقها المتألق‏

____________

(1) في الأصل: «البقا» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «سار».

(3) في الأصل: «و خلّفوا» و كذا ينكسر الوزن.

(4) ترجمة ابن حزب اللّه في الكتيبة الكامنة (ص 274).

(5) قارن بالكتيبة الكامنة (ص 274).

(6) كانت موقعة طريف الشهيرة بين الإسبان و بني مرين، و كان مع بني مرين قوات الأندلس بقيادة سلطان غرناطة أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري، سنة 741 ه، و كانت الهزيمة فيها للمسلمين. اللمحة البدرية (ص 105).

250

أبي الحجاج المنتشافري، فراقه ببشر لقائه، و نهل على الظمأ في سقائه، و كانت بينهما مخاطبات، أنشدنيها بعد إيابه، و أخبرني بما كان من ذهاب زاده و سلب ثيابه.

و خاطبني من شرح حاله في ارتحاله بما نصّه: و لما دخلت رندة الأنيقة البطاح، المحتوية على الأدب و السّماح، و العلم و الصلاح، أبرز القدر أن لقيت بها شيخنا المعمّر رئيس الأدباء، و قدوة الفقهاء، أبا الحجاج المنتشافري، و كنت لم أشاهده قبل هذا العيان، و لا سمح لي بلقائه صرف الزمان، و لم أزل أكلف بمقطوعاته العجيبة، و أولع بضرائبه الغريبة، و تأتي منه مخاطبات تزري بالعقود بهجة، و تطير لها العقود لهجة. نظم كما تنفّس الصبح عن تسيمه، و نثر كما تأسس الدّر بتنظيمه، فأحلّني منه محلّ الروح من الجسد، و شهد لي أني أعزّ من عليه ورد، و رآني قد ظهرت على مضاضة الاكتئاب، لكوني قريب عهد بالإياب، مهزوما انهزام الأحزاب، خالي الوطاب‏، نزر الثياب، فقال: فيم الجزع، ذهب بحول اللّه الخوف و أمن الفزع، فأجبته عجلا، و قلت أخاطبه مرتجلا: [الكامل‏]

لا تجزعي، نفسي، لفقد معاشري‏* * *و ذهاب مالي في سبيل القادر

* * *

يا رندة، ها أنت خير بلاده‏* * *و بها أبو حجاج المنتشافري‏

* * *

سيريك حسن فرائد من نظمه‏* * *فتزيل كل كآبة في الخاطر

* * *

فأجابني مرتجلا: [الكامل‏]

سرّاي، يا قلبي المشوق، و ناظري،* * *بمزار ذي الشّرف السّنيّ الطاهر

* * *

روض المعارف زهرها الزّاهي‏* * *أوصافه‏ أعيت ثناء الشاكر

* * *

و لواد آش من‏ فخار لم يزل‏* * *من كابن حزب اللّه نور النّاظر

* * *

وافى يشرّف رندة بقدومه‏* * *فغدت به أفقا لبدر زاهر

* * *

من روضة الأدباء أبدى زهرة* * *قد أينعت عن فكر حبر ماهر

* * *

جمع المآثر بالسّناء و بالسّنا* * *أعظم به من صانع لمآثر

* * *

ما زلت أسمع من ثناه مآثرا* * *كانت لسامعها معا و الذّاكر

* * *

____________

(1) الوطاب: جمع وطب و هو سقاء اللبن و هو جلد الجذع فما فوقه. و قوله: خالي الوطاب: أي انهزم أو قتل. محيط المحيط (وطب).

(2) في الأصل: «ورندة» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «و من أوصافه» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «ثنا» و كذا ينكسر الوزن.

(5) كلمة «من» ساقطة في الأصل.

(6) في الأصل: «السناة».

251

حتى رأى بصري حقائق وصفه‏* * *فتنعّمت كالأقمار نواظري‏

* * *

لا زال محبوّا بكل مسرّة* * *تجري له بالحظّ حكم مغادر

* * *

ثم خاطبه القاضي المنتشاقري بعد انصرافه إلى وطنه بقوله: [المتقارب‏]

أبى الدّمع بعدك إلّا انفجارا* * *لدهر ببعدك في الحكم جارا

* * *

أذاق اللقاء الحلو لو لم يصل‏* * *به للنّوى جرعات مرارا

* * *

رعى اللّه لمح ذاك اللقاء* * *و إن يك أشواقنا قد أثارا

* * *

قصاراي شكواي طول النوى‏* * *و فقدي أناة وصل قصارا

* * *

سقتني القداح و من بعده‏* * *فؤادي‏ القريح قد اذكت أوارا

* * *

ألا يا صبا، هبّ من أربعي‏* * *إلى وادي آشي‏ تحي الدّيارا

* * *

ألا خصّ من ربعها منزلا* * *بأربابه الأكرمين استنارا

* * *

و هم إلى حزب الإله الألى‏* * *تساموا فخارا و طابوا نجارا

* * *

فأجابه بأبيات منها:

تألّق برق العلا و استنارا* * *فأجّج إذ لاح في القلب نارا

* * *

و ذكّرني وقت‏ أنس مضى‏* * *برندة حيث الجلال استشارا

* * *

و كانت لنفسي سنا في حماها* * *طوالا فأصبحت‏ لديها قصارا

* * *

فأجريت دمع العيون اشتياقا* * *ففاضت لأجل فراقي بحارا

* * *

و قالت لي النّفس من لم يجد* * *نصيرا سوى الدّمع قلّ انتصارا

* * *

قطعت المنى عندها لمحة* * *و ودّعتها و امتطيت القفارا

* * *

و ضيّعت تلك المنى غفلة* * *و وافيت أبغي المنى‏ ديارا

* * *

و منها:

أرقت لذاك السّنا ليلة* * *و ما نومها ذقت إلّا غرارا

* * *

____________

(1) عجز هذا البيت منكسر الوزن.

(2) صدر هذا البيت منكسر الوزن.

(3) في الأصل: «فوادي القريح قد أذكت ...» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «واد آش» و كذا ينكسر الوزن.

(5) صدر هذا البيت منكسر الوزن.

(6) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 275).

(7) في الكتيبة الكامنة: «أنس وقت».

(8) في الكتيبة: «استنارا».

(9) في الكتيبة: «منى».

(10) في المصدر نفسه: «فأضحت».

(11) في الأصل: «نابس». و لا معنى لها.

(12) هذا البيت ساقط في الكتيبة الكامنة.

252

و جسمي أجلّ الجسوم التهابا* * *و قلبي أشدّ القلوب انكسارا

* * *

إلى أن تجرّعت كأس النّوى‏* * *و قلت زماني على الشّمل جارا

* * *

و صبّرت نفسي لفقدانها* * *هنالك بالرّغم ليس اختيارا

* * *

و قال من قصيدة: [الطويل‏]

حننت‏ لبرق لاح من سرحتي نجد* * *حنين تهاميّ‏ يحنّ‏ إلى نجد

* * *

و قلت لعلّ القلب تبرا كلومه‏* * *و من ذا يصدّ النار عن شيمة الوقد؟

* * *

لكن‏ شاركتني في المحبّة فرقة* * *فها أنا في وجدي و في كلفي وحدي‏

* * *

و هو إلى هذا العهد بالحال الموصوفة.

محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن عيسى.

حاله: كان أديبا، حسن الخطّ، جيّد النظم، متظرّفا، لوذعيّا، مطبوعا، منحطّا في هواه، جامحا في ميدان بطالته، معاقرا للنّبيذ، على حفظ للرسم، و اضطلاع بالخدمة، و إيثار للمروءة، و معرفة بمقادير الأمور، و تشبّث بأذيال الحظوة. كتب للرئاسة السّعيدية بمالقة، و نظر على ألقاب جبايتها، و انتفع الناس بجاهه و ماله، و وقع الثناء على حسن وساطته. ثم سافر عنها، و قد سمت مجادة السلطان في غرض انتقالها إلى العدوة، معوّضة بمدينة سلا من مالقة. و كان ما كان من معاجلة الأمر، و القبض على الريّس، و قيام ولده بالأمر، فانبتّ المذكور بالعدوة، و كانت بها وفاته.

و جرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه‏: علم من أعلام هذا الفن،

____________

(1) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 275- 276).

(2) في الأصل: «حللت» و التصويب من الكتيبة.

(3) التهامي: نسبة إلى تهامة و هي من اليمن. معجم البلدان (ج 2 ص 63).

(4) في الأصل: «تحنّ» و التصويب من الكتيبة.

(5) في الأصل: «إن» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(6) في الأصل: «وجد» بالجيم، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(7) ترجمة محمد الحميري في الكتيبة الكامنة (ص 158) و جاء فيه أنه أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن عيسى الحميري، و نفح الطيب (ج 8 ص 365) و جاء فيه أنه: أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن إبراهيم بن عيسى بن داود الحميري.

(8) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 365- 366) و الكتيبة الكامنة (ص 158- 159) و الدرر الكامنة (ج 4 ص 271).