الإحاطة في أخبار غرناطة - ج2

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
424 /
353

و تغشاه سويعة و تنصرف، ما أراه إلّا بطول ذلك المقام، و توالي الأهوال العظام، أصابه مرض في فصل من فصول العام، فعادته كما يعاد المريض، و بكته الأيام الغرّ و الليالي البيض، و قلن: كلأك اللّه و كفاك، و حاطك و شفاك، و قل: كيف نجدك لا فضّ فاك، هذا على الظّن لا على التحقيق، و مجاز لا يحكم التّصديق. و ليبعد مثل هذا المقدار، أن يقدح فيه طول الغيب و تواتر الأسفار. أليس هو قد ألف مجالي الرّياح، و صحب برد الصّباح، و شاهد الأهوية مع الغدو و الرّواح، و طواها بتجربته طيّ الوشاح؟ ما ذاك إلّا أنّه رأى الشمس في بعض الأيام ماشية، و الحسن يأخذ منها وسطا و حاشية، و دلائل شبابها ظاهرة فاشية، فوقع منها في نفسه ما وقع، و ثبت على قلبه من النّظر ما زرع، و وقع في شركها و حقّ له أن يقع. فرثت هي لحاله و أشفقت، و نهجت بوصالها و تأنّقت، و قطعت من معدن نيلها و أنفقت، و رأت أنها له شاكلة يبلغ أملها، و تبلغ مأمله، و لذلك ما مدّت لذيذ السّماح، فتعرّضت بالعشيّ و ارتصدها في الصباح، مع ما أيقنّا به من الانقطاع، و يمسّنا من الاجتماع، كما نفد القدر، و صدر الخبر، و قال: تعلن لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، فوجد لذلك وجدا شديدا، و أذاقه مع الساعات شوقا جديدا، و أصبح بها دنفا، و أمسى عميدا، حتى سلب ذلك بهاه، و أذهب سناه، و ردّه النحول كما شاه، و لقي منها مثل ما لقي غيلان من ميّته، و جميل من بثينته، و حنّ إليها حنين عروة إلى عفراء، و موعدهما يوم وهب ناقته الصّفراء. على رسلك أني وهمت، و حسبت ذلك حقّا و توهّمت، و الآن و قد فطنت، و أصبت الفصّ فيما ظننت، إنه لقي رمضان في إقباله، و ضمّه نقصان هلاله، و صامه فجأة و لم يك في باله، فأثّر ذلك في وجهه الطّلق، و أضعفه كما فعل بسائر الخلق، وها هو قد أقبل من سفره البعيد، فقل هو هلال الفطر أو قل هو هلال العيد، فلقه صباح مشى الناس فيه مشي الحباب، و لبسوا أفضل الثياب، و برزوا إلى مصلّاهم من كل باب، فارتفعت همّة الإسلام، و شرفت أمة محمد (عليه السلام)، و خطب بالناس و دعا للإمام، عندما طلعت الشمس بوجه كدور المرآة، و لون كصفا المهراة، و خرج لا ينسيها ريم الفلاة. و قضوا السّنّة، و بذلوا الجهد في ذلك و المنّة، و سألوا من اللّه أن يدخلهم الجنّة، ثم خطبوا حمدا للّه و شكرا، و ذكروه كذكرهم آباءهم أو أشدّ ذكرا، ثم انصرفوا راشدين، و افترقوا حامدين، و شبك الشيخ بيديه، و نظر الشّاب في كفّيه، و رجعوا على غير الطريق الذي أتوا عليه، فلقد استشفى من الرّؤية ذو عينين، و تذكّر العاشق موقف البين، و شقّ المتنزّه بين الصّفين، فنقل عينيه من الوشي إلى الدّيباج، و وجوه كضوء السّراج، و عيون أقتل من سيف الحجّاج، و نظرات لا يدفع داؤها بالعلاج، و قد زيّنت العيون بالتكحيل، و الشعور بالتّرجيل، و كرّر السّواك على مواضع التّقبيل، و طوّقت الأعناق بالعقود، و ضرب الفكر في صفحات الخدود، و مدّ بالغالية

354

على مواضع السجود، و أقبلت صنعاء بأوشيتها، و عنت بأرديتها، و دخلت العروس في حليتها، و رقمت الكفوف بالحنّاء، و أثني على الحسن و هو أحقّ بالثناء، و طلّقت التّوبة ثلاثا بعد البناء، و غصّ الذّراع بالسّوار، و تختّم في اليمين و اليسار، و أمسكت الثياب بأيدي الأبكار، و مشت الإماء أمام الأحرار، و تقدمت الدّايات بالأطفال الصّغار، و امتلأت الدّنيا سرورا (1)، و انقلب الكلّ إلى أهله مسرورا. و بينما كانت الحال كما نصصت، و الحكاية كما قصصت، إذ تلألأت الدنيا برقا، و امتدّ مع الأفقين غربا و شرقا، و ردّ لمعانه عيون الناظرين زرقا، و لو لا أنه جرّب حتى يدرى، لقيل قد طلعت مع الشمس شمس أخرى، حتى أقبل من شرفت العرب بنسبه، و فخر الإسلام بسببه، من انتسب إلى زهرة و قصيّ، و ازدانت به آل غالب و آل لؤي، من إذا ذكر المجد فهو ممسك بعده، أو الفضل فهو لابس برده، أو الفخر فهو واسطة عقده، أو الحسن فهو نسيج وحده، الذي رفع لواء العليا، و عارضت مكارمه صوب الحيا، و حكت محاسنه زهرة الحياة الدنيا. فأما وجهه فكما شرقت الشمس و أشرقت، و غربت كواكب سمائها و شرقت، و تفتّحت أطواق الليل عن غرر مجده و تشقّقت.

و لو لا حيا يغلب عليه، و خفر يصحبه إذا نظرت إليه، لاستحال النهار، و غارت لنوره كواكب الأسحار، و لكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، لا يحفل بالصبح إذا انفلق، و لا بالفجر إذا عمّ آفاق الدّجا و طبّق، و لو بدا للمسافر في ليله لطرق، و قد عجم الأبنوس على العاج، و أدار جفنا كما عطف على أطفالها النّعاج، يضرب بها ضرب السيف، و يلمّ بالفؤاد إلمام الطّيف، و يتلقّاها السّحر تلقّي الكريم للضيف. لو جرّدها على الرّيم لوقف، أو على فرعون ما صرف من سحره ما صرف، أو على بسطام ابن قيس لألقى سلاحه و انصرف. و أما أدواته فكما انشقّت الأرض عن نباتها، و أخذت زخرفها في إنباتها، و نفح عرف النّسيم في جنباتها، يتفنّن أفانين الزهر، و يتقلب تقلّب الدهر، و تطلع له نوادر كالنجوم الزهر، لو أبصره مطرّف ما شهر بخطّه، و لا جرّ من العجب ذيل مرطه، و لا كان المخبر معه من شرطه. و أما أنه لو قرى‏ء على سحبان كتابه، و انحدر على نهره عبابه، و ملأت مسامعه أطنابه و أسبابه، ما قام في بيانه و لا قعد، و لنزل عن مقامه الذي إليه صعد، و لا خلّف من بلاغته ما وعد. لعمرك ما كان بشر بن المعتمر يتفنّن للبلاغة فنونا، و لا يتقبّلها بطونا و متونا، و لا أبو العتاهية ليشرطها كلاما موزونا، و لا نمّق الحسن بن سهل الألفاظ، و لا رفع قسّ بن ساعدة صوته بعكاظ، و لا أغاظ زيد بن علي هشاما بما أغاظ، و أما مكارمه‏

____________

(1) في الأصل: «سررا».

355

فكما انسكب الغيث عن ظلاله، و خرج الودق من غلاله، فتدارك النّعمة عن فوتها، و أحيا الأرض بعد موتها، ذلك الشريف الأجلّ، الوزير الأفضل، أبو طالب ابن القرشي الزّهري، أدام اللّه اعتزازه، كما رقم في حلل الفخر طرازه، فاجتمعت به السيادة بعد افتراقها، و أشرق وجه الأرض لإشراقها، و التفّت الثياب بالثياب، و ضمّ الرّكاب بالرّكاب، و لا عهد كأيام الشباب، فوصل القريب البعيد، و هنّوه كما جرت العادة بالعيد، فوقف مع ركابه و سلّمت، و جرت كلاما و به تكلّمت، فقلت: تقبّل اللّه سعيك، و زكّى عملك، و بلّغك فيما تودّه أملك، و لا تأمّلت وجها من السّرور إلّا تأمّلك، و نفعك بما أوليت، و أجزل حظّك على ما صمت و صلّيت، و وافقتك لعلّ و ساعدتك ليت، و هنّاك عيد الفطر و هنّأته، و بدأك بالمسرات و بدأته، و تبرّأ لك الدهر مما تحسد و برّأته. و هكذا بحول اللّه أعياد و اعتياد، و عمر في دوام و عزّ في ازدياد، و السّنّة تفصح بفضلك إفصاح الخطباء من إياد، و أقرأ عليك سلام اللّه ما أشرق الضّحى، و دام الفطر و الأضحى.

دخوله غرناطة: دخل غرناطة، و تردّد إليها غير ما مرة، و أقام بها، و امتدح ابن أضحى‏ (1) و ابن هاني، و ابن سعيد و غيرهم من أهلها. قال ابن سعيد في «طالعه»:

و قد وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة، و اجتماعه بجنّته بقرية الزاوية من خارجها، بنزهون القليعية الأديبة، و ما جرى بينهما، و أنها قالت له بعقب ارتجال بديع، و كان لبس غفارة صفراء: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلّا أنّك لا تسرّ النّاظرين، فقال لها: إن لم أسرّ الناظرين، فأنا أسرّ السامعين، و إنما يطلب سرور الناظرين منك، يا فاعلة يا صانعة. و تمكّن السّكر من ابن قزمان، و آل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج منها إلّا و ثيابه تقطر، و قد شرب كثيرا من الماء، فقال:

اسمع يا وزير ثم أنشد (2): [السريع‏]

إيه أبا بكر و لا حول لي‏* * * بدفع أعيان و أنذال‏

و ذات فرج‏ (3) واسع دافق‏* * * بالماء يحكي حال أذيالي‏

(4)

غرّقتني في الماء يا سيدي‏* * * كفّره بالتغريق في المال‏

____________

(1) هو الوزير أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى، من بيت عظيم بغرناطة، ثار بها و دعا لنفسه بعد مقتل تاشفين بن يوسف بن تاشفين المرابطي سنة 539 ه. توفي سنة 540 ه. و قد تقدم التعريف به في الجزء الأول من الإحاطة في ترجمة أبي بكر المخزومي الأعمى. و سيترجم له ابن الخطيب في الجزء الرابع من الإحاطة.

(2) الأبيات في نفح الطيب (ج 6 ص 71).

(3) في الأصل: «جرح» و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «أذيال» و التصويب من النفح.

356

فأمر بتجريده، و خلع عليه ما يليق به، و لم يمرّ لهم بعد عهدهم بمثله.

و لم ينتقل ابن قزمان من غرناطة، إلّا بعد ما أجزل له من الإحسان، و مدحه بما هو في ديوان أزجاله.

محنته: جرت عليه بابن حمدين‏ (1) محنة كبيرة عظم لها نكاله، بسبب شكاسة أخلاق كان موصوفا بها، و حدّة شقي بسببها. و قد ألمّ الفتح في قلائده بذلك، و اختلّت حاله بآخرة، و احتاج بعد انفصال أمر مخدومه الذي نوّه به.

وفاته: توفي بقرطبة لليلة بقيت من رمضان سنة خمس و خمسين و خمسمائة، و الأمير ابن سعد يحاصر قرطبة (رحمه اللّه).

محمد بن غالب الرّصافي‏ (2)

يكنى أبا عبد اللّه، بلنسي الأصل، سكن غرناطة مدة، ثم مالقة.

حاله: قال الأستاذ (3): كان فحلا من فحول الشعراء، و رئيسا في الأدباء، عفيفا، ساكنا، و قورا، ذا سمت و عقل. و قال القاضي‏ (4): كان شاعرا مجيدا، رقيق الغزل، سلس الطبع، بارع التّشبيهات، بديع الاستعارات، نبيل المقاصد و الأغراض، كاتبا بليغا، ديّنا، و قورا، عفيفا، متفقها، عالي الهمة، حسن الخلق و الخلق و السّمت، تام العقل، مقبلا على ما يعنيه من التّعيش بصناعة الرّفي التي كان يعالجها بيده، لم يبتذل نفسه في خدمة، و لا تعرض لانتجاع بقافية، خلا وقت سكناه بغرناطة، فإنه امتدح و اليها حينئذ، ثم نزع عن ذلك، راضيا بالخمول حالا، و القناعة مالا، على شدّه الرغبة فيه، و اغتنام ما يصدر عنه.

أخبار عقله و سكونه: قال الفقيه أبو الحسن شاكر بن الفخّار المالقي، و كان خبيرا بأحواله: ما رأيت عمري رجلا أحسن سمتا، و أطول صمتا، من أبي عبد اللّه الرصافي. و قال غيره من أصحابه: كان رفّاء، فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد. و قال أبو عمرو بن سالم: كان صاحبا لأبي، و لقيته غير ما مرة، و كان له‏

____________

(1) هو أبو جعفر بن حمدين، قاضي قرطبة، الذي ثار بها في رمضان من العام 539 ه. و تمّ له الأمر إلى أن ثار عليه ابن غانية في شعبان من عام 540 ه. راجع الجزء الرابع من الإحاطة في ترجمة يحيى بن علي بن غانية.

(2) ترجمة ابن غالب الرصافي في مقدمة ديوانه بقلم محققه الدكتور إحسان عباس، و فيها ثبت بأسماء المصادر التي ترجمت له.

(3) المراد بالأستاذ أبا جعفر ابن الزبير صاحب كتاب: صلة الصلة.

(4) المراد بالقاضي: ابن عبد الملك المراكشي صاحب كتاب: الذيل و التكملة.

357

موضع يخرج إليه في فصل العصير، فكنت أجتاز عليه مع أبي فألثم يده، فربما قبّل رأسي، و دعا لي، و كان أبي يسأله الدعاء فيخجل، و يقول: أنا و اللّه أصغر من ذلك.

قال: و كان بإزائه أبو جعفر البلنسي، و كان متوقّد الخاطر، فربما تكلم مع أحد التجار، فكان منه هفوة، فيقول له جلساؤه: شتّان و اللّه بينك و بين أبي عبيد اللّه في العقل و الصمت، فربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها، فما يزيد على التبسم. فلما كان أحد الأيام، جاء البلنسي ليفتح دكانه، فتعمّد إلقاء الغلق من يده، فوقع على رأس أبي عبد اللّه، و هو مقبل على شغله، فسال دمه، فما زاد على أن قام و مسح الدم، ثم ربط رأسه، و عاد إلى شغله. فلمّا رأى ذلك منه أبو جعفر ترامى عليه، و جعل يقبّل يديه، و يقول: و اللّه ما سمعت برجل أصبر منك، و لا أعقل.

شعره: و شعره لا نهاية فوقه رونقا و مائية، و حلاوة و طلاوة، و رقّة ديباجة، و تمكّن ألفاظ، و تأصّل معنى. و كان، (رحمه اللّه)، قد خرج صغيرا من وطنه، فكان أبدا يكثر الحنين إليه، و يقصر أكثر منظومه عليه. و محاسنه كثيرة فيه، فمن ذلك قوله‏ (1): [الطويل‏]

خليليّ، ما للبيد قد عبقت نشرا؟* * * و ما لرؤوس الرّكب قد رنّحت‏ (2)

سكرا؟

هل المسك مفتوقا (3) بمدرجة الصّبا* * * أم القوم أجروا من بلنسية

ذكرا؟

خليليّ، عوجا بي قليلا (4) فإنه‏* * * حديث كبرد الماء في الكبد الحرّى‏

قفا غير مأمورين و لتتصدّيا (5)* * * على ثقة للمزن‏

(6) فاستسقيا القطرا

بجسر معان و الرّصافة أنه‏* * * على القطر أن يسقي الرّصافة و الجسرا

(7)

بلادي التي ريشت قويدمتي‏ (8) بها* * * فريخا و أورثتني قرارتها وكرا

مبادئ‏ (9) أنيق‏ (10) العيش في ريّق الصّبا* * * أبى

اللّه أن أنسى اغتراري بها غرّا (11)

____________

(1) القصيدة في ديوان الرصافي البلنسي (ص 68- 71).

(2) في الأصل: «رجحت» و التصويب من الديوان.

(3) في الأصل: «مفتوتا» و التصويب من الديوان.

(4) في الديوان: «عليها».

(5) في الديوان: «و لتصديا بها».

(6) في الديوان: «للغيث».

(7) الرصافة: من أبدع منازه بلنسية تقع بين بلنسية و البحر. الروض المعطار (ص 269)، و المغرب في حلى المغرب (ج 2 ص 298). و جسر معان: أغلب الظن أنه جسر نهر معان، و هو نهر ببلنسية؛ يذكر الحميري أن بلنسية تقع على نهر جار ينتفع به، و تدخله السفن.

(8) القويدمة: تصغير القادمة و هى إحدى القوادم أربع ريشات في مقدّم الجناح. لسان العرب (قدم).

(9) في الأصل: «فبادى» و التصويب من الديوان.

(10) في الديوان: «لين».

(11) في الديوان: «... أنسى لها أبدا ذكرا».

358

لبسنا بها ثوب الشباب لباسها* * * و لكن عرينا من حلاه، و لم تعرا (1)

أ منزلنا عصر الشبيبة ما الذي‏* * * طوى دوننا تلك الشبيبة و العصرا؟

محلّ أغرّ العهد لم نبد ذكره‏* * * على كبد إلا امترى أدمعا حمرا

أكلّ مكان كان‏ (2) في الأرض مسقطا* * * لرأس الفتى يهواه ما عاش

مضطرّا (3)

و لا مثل مدحوّ من المسك تربة* * * تملّي الصّبا فيه حقيبتها (4) عطرا

نبات كأنّ الخدّ يحمل نوره‏* * * تخال لجينا في أعاليه أو تبرا

و ماء (5) كترصيع المجرّة جلّلت‏* * * نواحيه‏ (6)

الأزهار و اشتبكت‏ (7) زهرا

أنيق كريّان‏ (8) الحياة التي خلت‏ (9)* * * طليق

كريعان‏ (10) الشّباب الذي مرّا

و قالوا: هل الفردوس ما قد وصفته؟* * * فقلت: و ما الفردوس في الجنّة الأخرى‏

(11)

بلنسية تلك الزّمرّدة (12) التي‏* * * تسيل عليها كلّ لؤلؤة نهرا

كأنّ عروسا أبدع اللّه حسنها* * * فصيّر من شرخ الشّباب لها عمرا

توبّد (13) فيها شعشعانيّة الضّحى‏ (14)* * * مضاحكة

الشمس البحيرة و البحرا (15)

تزاحم‏ (16) أنفاس الرياح بزهرها* * * نجوما فلا شيطان يقربها

(17) ذعرا

و إن كان قد مدّت يد البين بيننا* * * من الأرض ما يهوى المجدّ به شهرا

(18)

____________

(1) هذا البيت و البيتان التاليان لم ترد في الديوان.

(2) في الديوان: «راح».

(3) مضطرّا: أي أنه يهوى مسقط رأسه اضطرارا دون حاجة إلى إقناع.

(4) في الأصل: «حقيقتها» و التصويب من الديوان.

(5) في الأصل: «و ما» و التصويب من الديوان.

(6) في الأصل: «نواحيه» و التصويب من الديوان.

(7) في الديوان: «فاشتبكت».

(8) في الديوان: «كريعان».

(9) في الديوان: «حلت» بالحاء المهملة.

(10) في الديوان: «كريّان».

(11) هذا البيت غير وارد في الديوان.

(12) في الديوان: «الزّبرجدة».

(13) في الأصل: «يؤيّد منها» و التصويب من الديوان. و تؤبّد فيها: تقيم فيها و لا تبرح.

(14) شعشانية الضحى: أي أن أنوارها مشعشعة كشمس الصباح.

(15) في الديوان: «إذا ضاحك الشمس ...». و البحيرة: هي بحيرة بلنسية التي تزيد في ضياء بلنسية صحو الشمس عليها. المغرب (ج 2 ص 297).

(16) في الأصل: «تراجم» و التصويب من الديوان.

(17) في الأصل: «يغرّبها» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(18) هذا البيت لم يرد في الديوان.

359

هي الدّرّة البيضاء من حيث جئتها (1)* * * أضاءت و من للدّرّ أن يشبه

البدرا؟ (2)

خليليّ، أن أصدر لها فإنها (3)* * * هي الوطن المحبوب أوكله‏

(4) الصّدرا (5)

و لم أطو عنها الخطو هجرا لها إذا* * * فلا لثمت نعلي مساكنها الخضرا

و لكنّ إجلالا لتربتها التي‏* * * تضمّ فتاها النّدب أو كهلها الحرّى‏

أكارم، عاث الدهر ما شاء فيهم‏* * * فبادت لياليهم فهل أشتكي الدهرا؟

هجوع ببطن و ارض قد ضرب الرّدى‏* * * عليهم قبيبات فويق الثّرى غبرا

تقضّوا فمن نجم سالك ساقط (6)* * * أبى اللّه أن يرعى السّماك أو

النّشرا

و من سابق هذا إذا شاء (7) غاية* * * و غير محمود جياد العلا خضرا

(8)

أناس إذا لاقيت من شئت منهم‏* * * تلقّوك لا غثّ الحديث و لا غمرا

و قد درجت أعمارهم فتطلّعوا* * * هلال ثلاث لو شفا رقّ أو بدرا

ثلاثة أمجاد من النّفر الألى‏* * * زكوا خبرا بين الورى و زكوا خبرا

أثكّلتهم‏ (9) ثكلا دهى العين و الحشا* * * فعجّر ذا أمّا و سجّر ذا جمرا؟

كفى حزنا أني تباعدت عنهم‏* * * فلم ألق من سرّي منها و لا سرّا

و إلّا (10) متى أسلو (11) بهم كلّ راكب‏* * * ليظهر

لي خيرا تأبّط لي شرّا

أباحثه عن صالحات عهدتها* * * هناك فيسبيني‏ (12) بما يقصم الظّهرا

محيّا خليل غاض ماء حياته‏* * * و ساكن قصر ضرّ (13) مسكنه القبرا

و أزهر كالإصباح قد كنت أجتلي‏* * * سناء كما يستقبل الأرق الفجرا

فتى لم يكن خلو الصّفات من النّدى‏* * * و لم يتناس الجود أصرم أم أثرا

يصرّف ما بين اليراعة و القنا* * * أنامله لا بل هواطله الغرّا

طويل نجاد السيف لان كأنما* * * تخطّى به في البرد خطّيّة سمرا

سقته على ما فيك من أريحية* * * خلائق هنّ الخمر أو تشبه الخمرا

____________

(1) في الأصل: «جدّتها» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(2) في الأصل: «الدرّا» و التصويب من الديوان.

(3) صدر هذا البيت منكسر الوزن.

(4) في الأصل: «أوكلته» و كذا ينكسر الوزن.

(5) من هنا حتى آخر الأبيات غير وارد في الديوان.

(6) صدر البيت مختل الوزن و المعنى.

(7) في الأصل: «شا» و كذا ينكسر الوزن.

(8) عجز البيت مختل الوزن و المعنى.

(9) في الأصل: «ثكلتهم» و كذا ينكسر الوزن.

(10) في الأصل: «و إلى» و كذا ينكسر الوزن.

(11) في الأصل: «أسل» و كذا ينكسر الوزن.

(12) في الأصل: «فيسّبني» و كذا ينكسر الوزن.

(13) في الأصل: «أضرّ» و كذا ينكسر الوزن.

360

و نشر محيّا للمكارم لو سرت‏* * * حميّاه في وجه الأصيل لما اصفرّا

هل السّعد إلّا حيث حطّ صعيده‏* * * لمن بلّ في شفري ضريح له شفرا؟

طوين الليالي طيّهنّ و إنما* * * أطوين‏ (1) عنّي التّجلّد و الصّبرا

فلا حرمت سقياه أدمع مزنة* * * ترى مبسم النّوار عنبر معترّا

و ما دعوتي للمزن عذرا لدعوتي‏* * * إذا ما جعلت البعد عن قربه عذرا

و قال يرثي أبا محمد بن أبي العباس بمالقة (2): [الكامل‏]

أبني البلاغة، فيم حفل النادي؟* * * هبها عكاظ، فأين قسّ إياد؟

أما البيان، فقد أجرّ لسانه‏* * * فيكم بفتكته الحمام العادي‏

عرشت سماء (3) علاكم‏ (4) ما أنتم‏* * * من بعد ذلكم

الشّهاب الهادي‏

حطّوا على عمد الطريق فقد خبا (5)* * * لألاء (6)

ذاك الكوكب الوقّاد

ما فلّ لهذمه‏ (7) الصّقيل و إنما* * * نثرت كعوب قناكم المنآد

إيه عميد الحيّ غير مدافع‏* * * إيه فدى لك غابر الأمجاد

ما عذر سلك كنت عقد نظامه‏* * * إن لم يصر بردا إلى الآباد؟

حسب‏ (8) الزمان عليك ثكلا أن يرى‏* * * من طول ليل في قميص حداد

يومي بأنجمه لما قلّدته‏* * * من درّ ألفاظ و بيض أياد

كثف الحجاب فما ترى متفضلا* * * في ساعة تصغي به و تنادي‏ (9)

ألمم بربعك غير مأمور فقد* * * غصّ الفناء (10) بأرجل القصّاد

خبرا يبلّغه إليك و دونه‏* * * أمن العداة و راحة الحسّاد

قد طأطأ الجبل المنيف قذاله‏* * * للجار بعدك و اقشعرّ الوادي‏ (11)

أعد التفاتك نحونا و أظنّه‏* * * مثل الحديث لديك غير معاد

____________

(1) في الأصل: «طوين» و كذا ينكسر الوزن.

(2) هو الفقيه الأديب عبد اللّه بن أبي العباس الجذامي المالقي، و له شعر في مدح يوسف بن عبد المؤمن الموحدي. المغرب (ج 1 ص 426). و البيت الأول في المغرب (ج 1 ص 426) و بعض أبيات هذه القصيدة في ديوان الرصافي البلنسي (ص 60- 61).

(3) في الأصل: «سما» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «علايكم» و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «خبت».

(6) في الأصل: «لآلى‏ء» و كذا ينكسر الوزن.

(7) في الأصل: «لهزمه» بالزاي. و اللّهذم: اتحاد القاطع من الأسنّة. محيط المحيط (لهذم).

(8) في الأصل: «حيث» و التصويب من الديوان.

(9) في الأصل: «و تناد» بدون ياء.

(10) في الأصل: «الفنا» بدون همزة و كذا ينكسر الوزن.

(11) في الأصل: «الواد» بدون ياء.

361

و امسح لنا عن مقلتيك من الكرى‏* * * نوما تكابد من بكا و سهاد

هذا الصباح و لا تهبّ إلى متى‏* * * طال الرّقاد و لات حين رقاد

و كأنما قال الرّدى نم وادعا* * * سبقت إلى البشرى بحسن معاد

أموسّدا تلك الرخام بمرقد* * * أخشن به من مرقد و وساد

خصبت بقدرك حفرة فكأنها* * * من جوفها في مثل حرف الصّاد

وثّر لجنبك من أثاث مخيّم‏* * * ترب النّدى‏ (1) و صفائح أنضاد

يا ظاعنا ركب السّرى في ليلة* * * طار الدليل بها و حاد الحادي‏

أعزز علينا إن حططت بمنزل‏* * * تبلى‏ (2) عن الزّوار و العوّاد

جار الأفراد هنالك جيرة (3)* * * سقيا لتلك الجيرة الأفراد!

الساكنين إلى المعاد، قبابهم‏* * * منشورة الأطناب و الأغماد

من كل ملقية الجراب بمضرب‏* * * ناب البلى فيه عن الأوتاد

بمعرّس السّفر الألى ركبوا السّرى‏* * * مجهولة الغايات و الآماد

سيّان فيهم ليلة و نهارها* * * ما أشبه التّأويب بالإسناد

لحق البطون من اللّعب على الطّوى‏ (4)* * * و على الرّواحل عنفوان

الزاد

للّه هم فلشدّ ما نفضوا من ام* * * تعة الحياة (5) حقائب الأجساد

يا ليت شعري و المنى لك جنّة* * * و الحال مؤذنة بطول بعاد

هل للعلا بك بعدها من نهضة* * * أم لانقضاء نواك من ميعاد؟

بأبي و قد ساروا بنعشك صارم‏* * * كثرت حمائله على الأكتاد (6)

ذلّت عواتق حامليك فإنّهم‏* * * شاموك في غمد بغير نجاد

نعم الذّماء (7) البرّ ما قد غوّروا* * * جثمانه بالأبرق المنقاد

علياء (8) خصّ بها الضريح و إنما* * * نعم الغوير بأبؤس الأنجاد

____________

(1) في الأصل: «ندّ» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «تبلّ» و كذا لا يستقيم لا الوزن و لا المعنى.

(3) صدر البيت منكسر الوزن.

(4) صدر البيت غير مستقيم الوزن و المعنى. و الطّوى: الجوع. محيط المحيط (طوى).

(5) في الأصل: «... الحياة في حقائب ...» و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا كلمة «في».

(6) الأكتاد: جمع كتد و هو مجتمع الكتفين. لسان العرب (كتد).

(7) أصل القول: «الذما» بدون همزة، و كذا ينكسر الوزن.

(8) أصل القول: «عليا» بدون همزة، و كذا ينكسر الوزن.

362

أبني العباس، أيّ حلاحل‏* * * سلبتكم الدّنيا و أيّ مصاد

هل كان إلّا العين وافق سهمها* * * قدرا فأقصد أيّما إقصاد؟

أخلل بمجد لا يسدّ مكانه‏* * * بالإخوة النّجباء و الأولاد

و لكم يرى بك من هضاب لم يكن‏* * * لولاك غير دكادك و وهاد

ما زلت تنعشها بسيبك قابضا* * * منها على الأضباع و الأعضاد

حتى أراك أبا محمد الرّدى‏* * * كيف انهداد بواذخ الأطواد

يا حرّها من جمرة مشبوبة* * * يلقى لها الأيدي على الأكتاد

كيف العزاء و إنها لرزيّة* * * خرج الأسى فيها عن المعتاد

صدع النّعاة بها فقلت لمدمعي‏* * * كيف انسكابك يا أبا الجوّاد؟

لك من دمي ما شئت غير منهنه‏* * * صب كيف شئت معصفر الأبراد

بقصير مجتهد و حسبك غاية* * * لو قد بلغت بها كبير مراد

أمّا الدموع فهنّ‏ (1) أضعف ناصر* * * لكنّهنّ كثيرة التّعداد

(2)

ثم السّلام و لا أغبّ قراره‏* * * و أرتك صوب روائح و غواد

تسقيك ما سفحت عليك يراعة* * * في خدّ قرطاس دموع مداد

و من غراميّاته و إخوانيّاته قوله من قصيدة (3): [البسيط]

عاد الحديث إلى ما جرّ أطيبه‏* * * و الشي‏ء يبعث ذكر الشي‏ء عن سبب‏

إيه عن الكدية البيضاء إنّ لها* * * هوى بقلب‏ (4) أخيك الواله الوصب‏

راوح بها (5) السّهل من أكنافها و أرح‏* * * ركابنا ليلنا

(6) هذا من التّعب‏

و انضح نواحيها (7) من مقلتيك و سل‏* * * عن‏ (8)

الكثيب الكريم العهد في الكتب‏ (9)

و قل لسرحته يا سرحة كرمت‏* * * على أبي عامر: عزّي عن السّحب‏

يا عذبة الماء و الظلّ أنعمي طفلا* * * حيّيت ممسية ميّادة القضب‏ (10)

ما ذا على ظلّك الألمى و قد قلصت‏* * * أفياؤه لو ضفا شيئا لمغترب‏

____________

(1) في الأصل: «فهي» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الديوان: «الأعداد».

(3) القصيدة في ديوان الرصافي البلنسي (ص 31- 34).

(4) في الأصل: «يغلب» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(5) في الديوان: «بنا».

(6) في الديوان: «ليلها».

(7) في الديوان: «جوانبها».

(8) في الأصل: «من» و التصويب من الديوان.

(9) في الديوان: «الكثب» بالثاء المثلثة.

(10) في الأصل: «الغضب» و التصويب من الديوان.

363

أهكذا تنقضي نفسي لديك ظما* * * اللّه في رمق من جارك الجنب‏ (1)

لولاك يا سرح لم يبق‏ (2) الفلا عطلا* * * من السّرى، و الدّجى خفاقة

الطّنب‏

و لم نبت نتقاضى من مدامعنا* * * دينا لتربك من رقراقها السّرب‏

إنّا (3) إذا ما تصدّى من هوى طلل‏* * * عجنا عليه فحيّيناه عن كثب‏

مستعطفين سخيّات الشؤون له‏* * * حتى تحاك‏ (4) عليه نمرق‏

(5) العشب‏

سلي خميلتك الرّيّا بأيّة (6) ما* * * كانت ترفّ بها ريحانة الأدب‏

عن فتية نزلوا عليا (7) سرارتها* * * عفت محاسنهم إلّا من الكتب‏

محافظين على العليا و ربّتما* * * هزّوا السجايا قليلا بابنة العنب‏

حتى إذا ما قضوا من كأسها وطرا* * * و ضاحكوها إلى حدّ (8) من

الطّرب‏

راحوا رواحا و قد زيدت عمائمهم‏* * * حلما و دارت على أبهى من الشّهب‏

(9)

لا يظهر السّكر (10) حالا من‏ (11) ذوائبهم‏* * * إلّا

التفاف‏ (12) الصّبا في ألسن العذب‏

المنزلين القوافي من معاقلها* * * و الخاضدين لديها شوكة العرب‏

و من مقطوعاته قوله‏ (13): [الطويل‏]

دعاك خليل و الأصيل كأنه‏* * * عليل يقضّي مدة الزمن الباقي‏ (14)

إلى شطّ منساب كأنّك ماؤه‏* * * صفاء ضمير أو عذوبة أخلاق‏ (15)

و مهوى جناح للصّبا يمسح الرّبى‏* * * خفيّ الخوافي و القوادم خفّاق‏

و فتيان صدق كالنجوم تألّفوا* * * على النّأي من شتّى بروج و آفاق‏

____________

(1) الجار الجنب: الذي يجاور واحدا و نسبه في قوم آخرين، فهو في الأصل غريب.

(2) في الديوان: «لم نبق».

(3) في الديوان: «أخا».

(4) في الأصل: «يحاك» و التصويب من الديوان.

(5) في الأصل: «مموّق»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

(6) في الديوان: «لأيّة».

(7) في الأصل: «على» و التصويب من الديوان. و السرارة من الشي‏ء: وسطه و أفضله.

(8) في الأصل: «لدى جدّ» و التصويب من الديوان.

(9) في الأصل: «أسفى من السّهب» و التصويب من الديوان.

(10) في الأصل: «الشكر» و التصويب من الديوان.

(11) في الأصل: «في» و التصويب من الديوان.

(12) في الأصل: «التفات» و التصويب من الديوان.

(13) ورد منها في الديوان (ص 117) فقط البيت الثاني.

(14) في الأصل: «الباق» بدون ياء.

(15) في الأصل: «صفا ضميرا و عذوبة أخلاق» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الديوان.

364

على حين راح البرق في الجو مغمدا* * * ظباه و دمع المزن في جفنه راق‏

و جالت بعيني في الرياض التفاتة* * * حبست بها كأسي قليلا عن السّاقي‏

(1)

على سطر خيريّ ذكرتك فانثنى‏* * * يميل بأعناق و يرنو بأحداق‏

وقف وقفة المحبوب منه فإنها* * * شمائل مشغوف بمرآك مشتاق‏

وصل زهرات منه صفر كأنها* * * و قد خضلت قطرا محاجر عشّاق‏

و قال، و كلفها في حائك، و هو بديع‏ (2): [البسيط]

قالوا و قد أكثروا في حبّه عذلي‏ (3)* * * لو لم تهم بمذال‏

(4) القدر مبتذل‏

فقلت لو أنّ أمري في الصّبابة لي‏* * * لاخترت ذاك و لكن ليس ذلك لي‏

في كلّ قلب عزيزات مذلّلة* * * للحسن و الحسن ملك حيث جلّ ولي‏

علّقته حببيّ‏ (5) الثّغر عاطره‏* * * درّيّ لون المحيّا أحور المقل‏

(6)

إذا تأمّلته أعطاك ملتفتا* * * ما شئت من لحظات الشّادن الوجل‏ (7)

هيهات أبغي به من غيره بدلا* * * أخرى الليالي و هل في الغير من بدل؟

غزيّل لم تزل في الغزل جائلة* * * بنانه جولان الفكر في الغزل‏

جذلان تلعب بالمحواك‏ (8) أنمله‏* * * على السّدى لعب الأيام بالأمل‏

(9)

ما إن يني تعب الأطراف مشتغلا* * * أفديه من تعب الأطراف مشتغل‏

ضربا (10) بكفّيه أو فحصا بأخمصه‏* * * تخبّط الظّبي في أشراك محتبل‏

و قال‏ (11): [الكامل‏]

و مهفهف كالغصن إلّا أنّه‏* * * سلب التّثنّي النوم عن أثنائه‏

____________

(1) في الأصل: «الساق» بدون ياء.

(2) الأبيات في ديوان الرصافي البلنسي (ص 121- 122). و جاء في المغرب (ج 2 ص 352):

«و قوله في غلام حائك».

(3) في الأصل: «عذل» و التصويب من الديوان.

(4) في الأصل: «بمزال» بالزاي، و التصويب من الديوان. و المذال: الممتهن، المبتذل.

(5) في الأصل: «حبيبيّ». و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) في الديوان: «ألمى المقبّل أحوى ساحر المقل».

(7) في الديوان: «الغزل».

(8) في الأصل: «بالمحراك»، و التصويب من الديوان.

(9) في الديوان: «بالدول».

(10) في الديوان: «جذبا».

(11) البيتان في ديوان الرصافي البلنسي (ص 28).

365

أضحى ينام و قد تخدّد (1) خدّه‏* * * عرقا فقلت الورد رشّ بمائه‏

و قال‏ (2): [الوافر]

أدرها فالغمامة قد أجالت‏* * * سيوف البرق في لمم البطاح‏

وراق الروض طاووسا بهيّا* * * تهبّ عليه أنفاس الرياح‏

تقول و قد ثنى قزح عليه‏* * * ثياب الغيم معلمة النواح‏

خذوا للصّحو أهبتكم فإني‏* * * أعرت المزن قادمتي جناح‏

و قال‏ (3): [الطويل‏]

أدرها على أمر فما ثم من باس‏* * * و إن جدّدت آذانها ورق الآس‏

و ما هي إلّا ضاحكات غمائم‏* * * لواعب من و مض البروق بمقياس‏

و وفد رياح زعزع النّهر مدّه‏* * * كما وطئت درعا سنابك أفراس‏

و قال في وصف مغنّ محسن‏ (4): [الكامل‏]

و مطارح ممّا تجسّ‏ (5) بنانه‏* * * صوتا (6) أفاض

عليه ماء وقاره‏

يثني الحمام فلا يروح لوكره‏* * * طربا و رزق بنيه في منقاره‏

و قال يصف جدول ماء عليه سرحة، و لها حكاية معروفة (7): [الكامل‏]

و مهدّل الشّطّين تحسب أنه‏* * * متسيّل من درّة لصفائه‏

فاءت عليه مع العشيّة (8) سرحة* * * صدئت لفيئتها صفيحة مائه‏

فتراه أزرق في غلالة سمرة* * * كالدّراع استلقى بظلّ لوائه‏

نثره: قال من مقامة يصف القلم‏ (9): [المتقارب‏]

قصير الأنابيب‏ (10) لكنه‏* * * يطول مضاء (11)

طوال الرّماح‏

____________

(1) في الديوان: «تحبّب».

(2) الأبيات لم ترد في ديوان الرصافي البلنسي.

(3) هذه الأبيات لم ترد أيضا في ديوان الرصافي البلنسي.

(4) البيتان في ديوان الرصافي البلنسي (ص 101).

(5) في الأصل: «تحسّ» بالحاء المهملة، و التصويب من الديوان.

(6) في الديوان: «لحنا».

(7) الأبيات في ديوان الرصافي البلنسي (ص 26- 27).

(8) في الديوان: «الهجيرة».

(9) لم ترد هذه الأبيات في ديوان الرصافي البلنسي.

(10) في الأصل: «كالأنابيب» و كذا ينكسر الوزن.

(11) في الأصل: «مضا».

366

إذا عبّ للنفس في دامس‏* * * و دبّ من الطّرس فوق الصّفاح‏

تجلّت به مشكلات الأمور* * * و لان له الصّعب بعد الجماح‏

فلو لا هو (1) لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، و بيوت الأموال خاوية، و أسرعت إليها البوسى، و أصبحت كفؤاد أمّ موسى، فهو لا محالة تجرها الأربح، و ميزانها الأرجح. به تدرّ ألبانها، و تثمر أفنانها، و تستمرّ أفضالها و إحسانها، و هو رأس مالها، و قطب عمّالها و أعمالها. و صاحب القلم قد حوى المملكة بأسرها، و تحكّم في طيّها و نشرها، و هو قطب مدارها، و جهينة أخبارها، و سرّ اختيارها و اختبارها، و مظهر مجدها و فخارها، يعقد الرّايات لكل وال، و يمنحهم من المبرّة كلّ صافية المقيل ضافية السّربال، يطفي جمرة الحرب العوان، و يكايد العدوّ بلا صارم و لا سنان، يقدّ المفاصل، و يتخلل الأباطح و المعاقل، و يقمع الحواسد و العوذال.

وفاته: توفي بمالقة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة اثنتين‏ (2) و سبعين و خمسمائة. و قبره مشهور بها.

محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي‏

من أهل مالقة، و سكن غرناطة و تردد إليها.

حاله: كان لبيبا لوذعيّا، جامعا لخصال؛ من خطّ بارع، و كتابة، و نظم، و شطرنج، إلى نادر حار، و خاطر ذكي، و جرأة. توجّه إلى العدوة، و ارتسم بها طبيبا؛ و تولّى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني من عام أربعة و خمسين و سبعمائة.

شعره: أنشدني بمدينة فاس عام ستة و خمسين، في وجهتي رسولا إلى المغرب، قوله في رجل يقطع في الكاغد: [المجتث‏]

أبا عليّ حسينا* * * أين الوفا منك أينا؟

قد بيّن الدمع وجدي‏* * * و أنت تزداد بينا

بلّت لحاظك قلبي‏* * * تاللّه ما قلت مينا

قطّ المقصّ لهذا* * * سبب الصّبّ مينا

بقيت تفتر حسنا* * * و دمت تزداد زينا

____________

(1) أي: فلولاه.

(2) في الأصل: «اثنين» و هو خطأ نحوي.

367

و قال أيضا: [البسيط]

فضل التجارات باد في الصناعات‏* * * لو لا الذي هو فيها هاجر عات‏

حاز الجمال فأعياني و أعجزني‏* * * و إن دعيت بوصّاف و نعّات‏

و كان شديد المغالطة، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، يحرّك من لا يتحرك، و يغضب من لا يغضب. عتب يوما جدّته على طعام طبخته له، و لم يستطبه، و كان بين يديه القط يصدعه بصياج طلبه، فقال له: ضجرا، خمسمائة سوط، فقالت له جدّته: لم تعط هذه السياط للقط، إنما عنيتني بها، و أعطيتها باسم القط، فقال لها:

حاش للّه يا مولاتي، و بهذا البخل تدريني أو الزحام عليها، بل ذلك للقط حلالا طيبا، و لك أنت ألف من طيبة قلب، فأرسلها مثلا، و ما زلنا نتفكّه بذلك، و كان في هذا الباب لا يشقّ غباره.

مولده: بمالقة عام ثلاثة و سبعمائة.

وفاته: بعث إليّ الفقيه أبو عبد اللّه الشّديد، يعرفني أنه توفي في أواسط عام سبعة و خمسين و سبعمائة.

محمد بن سليمان بن القصيرة (1)

أبو بكر، كاتب الدولة اللّمتونية، و علم وقته.

حاله: قال ابن الصيرفي: الوزير الكاتب، الناظم، الناثر، القائم بعمود الكتابة، و الحامل لواء (2) البلاغة، و السابق الذي لا يشقّ غباره، و لا تخمد أبدا أنواره. اجتمع له براعة النثر، و جزالة النظم، رقيق النّسيج، حصيف المتن، رقعته ما شئت في العين و اليد. قال ابن عبد الملك‏ (3): و كان كاتبا مجيدا، بارع الخطّ، كتب عن يوسف بن تاشفين‏ (4).

مشيخته: روى عن أبي الحجاج الأعلم، و أبي الحسن بن‏ (5) شريح، و روى عنه أبو الوليد هشام بن يوسف بن الملجوم، لقيه بمرّاكش‏ (6).

____________

(1) ترجمة ابن القصيرة في الذخيرة (ق 2 ص 239) و المغرب (ج 1 ص 350) و المطرب (ص 76) و المعجب (ص 227) و الوافي بالوفيات (ج 3 ص 128) و المحمدون من الشعراء (ص 358) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 227) و قلائد العقيان (ص 103) و الصلة (ص 830) و البيان المغرب (ج 4 ص 60) و نفح الطيب (ج 6 ص 130) و (ج 9 ص 257).

(2) في الأصل: «للواء».

(3) الذيل و التكملة (ج 6 ص 227).

(4) في الذيل و التكملة: «كتب عن أبي يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني».

(5) في الذيل و التكملة: «و أبي الحسن شريح».

(6) في الذيل و التكملة: «لقيه بمراكش سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة».

368

شعره: و هو عندي في نمط دون ما وصف به. فمن ذلك قوله من قصيدة أنحى فيها على ابن ذي النّون، و مدح ابن عباد، عند خلع ابن جهور، أبي الوليد، و تصيير قرطبة إليه: [الطويل‏]

فسل عنه أحشاء ابن ذي النون هل سرى‏* * * إليها سكون منذ زلزلها الذّعر؟

و هل قدّرت مذ أوحشته طلائع ال* * * ظهور عليه أنّى‏ (1) تؤنسه

الخمر؟

أ لم يجن يحيى من تعاطيك ظلّه‏* * * سجا لك هيهات السّهى منك يا بدر

لجاراك و استوفيت أبعد غاية* * * و آخره عن شأوك الكفّ و العثر

فأحرزت فضل السّبق عفوا و كفّه‏* * * على رغمه مما توهّمه صفر

و يا شدّ ما أغرته قرطبة و قد* * * أبشرتها خيلنا فكان لك الدّرّ

و منها:

أتتك و قد أزرى ببهجة حسنها* * * و لا أنها (2) من جور مالكها طمر

فألبستها من سابغ العدل حلّة* * * زهاها بها تيه و غازلها كبر

و جاءتك متفالا فضمّخ حيّها* * * و إزدانها (3) من ذكرك المعتلي عطر

و أجريت ماء الجود في عرصاتها* * * فروّض حتى كاد أن يورق الصّخر

و طاب هواء (4) أفقها فكأنها* * * تهبّ نسيما فيه أخلاقك الزّهر

و ما أدركتهم في هواك هوادة* * * و ما ائتمروا إلّا لما أمر البرّ

و ما قلّدوك الأمر (5) إلّا لواجب‏* * * و ما (6) جئته

فيه المجرّب و الغمر

و بوّأهم في ذروة المجد معقلا* * * حرام على الأيام إلمامه حجر

و أوردهم من فضل سيبك موردا* * * على كثرة الوارد مشرعه غمر

فلولاك لم تفصل عرى الإصر عنهم‏* * * و لا انفكّ من ربق الأذى لهم أسر

أعدت نهار ليلهم و لطالما* * * أراهم نجوم الليل في أفقه الظهر

و لا زلت تؤويهم إلى ظلّ دوحة* * * من العزّ في أرحابها النّعم الخضر

____________

(1) في الأصل: «أن» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «و لا لأنها» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) همزة الوصل هنا جعلناها همزة قطع لكي لا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «هوا» و هكذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «لأمر» و هكذا ينكسر الوزن.

(6) كلمة «و ما» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى.

369

كتابته: و هي من قلّة التصنّع و الإخشوشان، بحيث لا يخفى غرضها، و لكل زمان رجاله. و هي مع ذلك تزينها السذاجة، و تشفع لها الغضاضة. كتب عن الأمير يوسف بن تاشفين ولاية عهده لولده:

«هذا كتاب تولية عظيم جسيم، و توصية حميم كريم، مهدت على الرّضا قواعده، و أكّدت بيد التقوى مواعده و معاقده، و سدّدت إلى الحسنى مقاصده، و أبعدت عن الهوادة و الهوى مصادره و موارده. أنفذه أمير المسلمين، و ناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، أدام اللّه أمره، و أعزّ نصره، و أطال فيما يرضيه منه، و يرضى به عنه عمره، غير محاب، و لا تارك في النصيحة للّه و لرسوله و المسلمين موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبي الحسن عليّ ابنه، المتقبّل هممه وشيمه، المتأثّل حلمه و تحلّمه، الناشى‏ء في حجر تقويمه و تأديبه، المتصرّف بين يدي تخريجه و تدريبه، أدام اللّه عزّه و توفيقه، و نهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، و قد تهمّم بمن تحت عصاه من المسلمين، و هدى في انتقاء من يخلفه هدى المتّقين، و لم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، و اعتام في النّصاب الرفيع و اختار و استنصح أولي الرأي و الدين، و استشار فلم يوقع بعد طول تأمل، و تراخي مدة، و تمثل اختياره، و اختبار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى و الحنكة و استشارة الأعلية، و لا صار بدونهم الارتياد و الاجتهاد إلّا إليه، و لا التقى روّاد الرأي و التشاور إلّا لديه. فولّاه عن استحكام بصيرة، و بعد طول مشورة، عهده، و أفضى إليه الأمر و النهي، و القبض و البسط عنده بعده، و جعله خليفته السّاد في رعاياه مسّده، و أوطأ عقبه جماهير الرجال، و ناط به مهمات الأمور و الأعمال، و عهد إليه أن يتّقي اللّه ما استطاع، و لا يعدل عن سمت العدل و حكم الكتاب و السّنّة في أحد عصا أو أطاع، و لا ينام عن حماه الحيف و الخوف بالاضطجاع، و لا يتليّن دون معلن شكوى، و لا يتصام عن مستصرخ لذي بلوى، و أن ينظم أقصى البلاد و أدناها في سلك تدبيره، و لا يكون بين القريب و البعيد بون في إحصائه و تقديره. ثم دعا، أدام اللّه تأييده، لمبايعته، أدام اللّه عزّه و نصره، من حضر ودنا من المسلمين، فلبّوا مسرعين، و أتوا مهطعين، و أعطوا صفقة إيمانهم متبرّعين متطوعين، و بايعوه على السمع و الطاعة، و التزام سنن الجماعة، و بذل النصيحة جهد الاستطاعة، و مناصفة من ناصفه، و محاربة من حاربه، و مكايدة من كايده، و معاندة من عانده، لا يدّخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، و لا يحتجون في حالتي الرضا و السخط إلى معذرة. ثم أمر بمخاطبة سائر أهل البلاد لمبايعته، كل طائفة منهم في بلدها، و تعطيه كما أعطاه من حضر صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب و البعيد، و يجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغائب‏

370

و الشهيد، و تطمئنّ من أعلام الناس و خيارهم نفوس قلقة، و تنام عيون لم تزل مخافة إقذائها مورقة، و يشمل الناس كافة السرور و الاستبشار، و تتمكن لديهم الدّعة و يتمهّد القرار، و تنشأ لهم في الصلاح آمال، و يستقبلهم جدّ صالح و إقبال. و اللّه يبارك لهم بيعة رضوان، و صفقة رجحان، و دعوة يمن و أمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو، نعم المولى و نعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنه فوق هذا من بيعته، و لقيه حملة عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، و أعطي صفقته طائعا متبرعا بها. و بالله التوفيق. و كتب بحضرة قرطبة في ذي الحجة سنة ست و تسعين و أربعمائة».

دخل غرناطة غير ما مرّة، وحده، و في ركاب أميره.

وفاته: توفي في جمادى الآخرة من عام ثمانية و خمسمائة.

محمد بن يوسف بن عبد اللّه بن إبراهيم التميمي المازني‏

من أهل سرقسطة، و دخل غرناطة، و روى عن أبي الحسن بن الباذش بها، يكنى أبا الطاهر. و له المقامات اللّزوميات المعروفة.

حاله: كان كاتبا لغويا شاعرا، معتمدا في الأدب، فردا، متقدما في ذلك في وقته، و له المقامات المعروفة، و شعره كثير مدوّن.

مشيخته: روى عن أبي علي الصّدفي، و أبي محمد بن السيد، و أبي الحسن بن الأخضر، و أبي عبد اللّه بن سليمان، المعروف بابن أخت غانم، و أبي محمد بن عتّاب، و أبي الحسن بن الباذش، و أبي محمد عبد اللّه بن محمد التّجيبي الدّكلي، و أبي القاسم بن صوابه، و أبي عمران بن أبي تليد، و غيرهم. أخذ عنه القاضي أبو العباس بن مضاء، أخذ عنه الكامل للمبرّد، قال: و عليه اعتمد في تقييده. و روى عنه المقرئ المسنّ الخطيب أبو جعفر بن يحيى الكتامي، و ذكره هو و ابن مضاء.

وفاته: توفي بقرطبة ظهر يوم الثلاثاء، الحادي و العشرين من جمادى الأولى، سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة، بزمانة (1) لازمته نحوا من ثلاثة أعوام، نفعه اللّه.

شعره: [الوافر]

أيا قمر، أتطلع من وشاح‏* * * على غض فاخر من كل راح؟

____________

(1) الزمانة: العاهة. لسان العرب (زمن).

371

أدار السّحر من عينيه خمرا* * * معتّقة فأسكر كلّ صاح‏

و أهدى إذ تهادى كلّ طيب‏* * * كخوط البان في أيدي الرياح‏

و أحيا حين حيّا نفس صبّ‏* * * غدت في قبضة الحبّ المتاح‏

و سوّغ منه عتبي بعد عتب‏* * * و علّلني براح فوق راح‏

و أجناني الأماني في أمان‏* * * و جنح الليل مسدول الجناح‏

و قال أيضا: [الكامل‏]

و منعّم الأعطاف معسول اللّمى‏* * * ما شئت من بدع المحاسن فيه‏

لمّا ظفرت بليلة من وصله‏* * * و الصّبّ غير الوصل لا يشفيه‏

أنضحت وردة خدّه بنفسي‏* * * و ظللت أشرب ماءها من فيه‏

و قال أيضا: [الكامل‏]

حكت السّلاف صفاته بحبابها* * * من ثغره و مذاقها من رشفه‏

و تورّدت فحكت شقائق خدّه‏* * * و تأرّجت فيسيمها من عرفه‏

وصفت فوق أديمها فكأنها* * * من حسن رونق و جنتيه و لطفه‏

لعبت بألباب الرجال و غادرت‏* * * أجسامهم صرعى كفعلة طرفه‏

«و من الغرباء في هذا الحرف»

محمد بن حسن العمراني الشريف‏ (1)

من أهل فاس.

حاله: كان جهويا ساذجا، خشن البزة، غير مرهف التّجند، ينظم الشعر، و يذكر كثيرا من مسائل الفروع، و معاناة الفرائض، يجعجع بها في مجالس الدّروس، فشقي به المدرسون، على و تيرة من صحة السّجية، و حسن العهد، و قلّة التصنّع.

و جرى ذكره في الإكليل‏ (2): كريم الانتماء، مستظل‏ (3) بأغصان الشجرة الشّمّاء، من رجل سليم الضمير، ذي باطن أصفى من الماء النّمير، له في الشعر طبع يشهد بعروبية أصوله، و مضاء نصوله.

____________

(1) ترجمة الشريف العمراني في الدرر الكامنة (ج 4 ص 46) و نفح الطيب (ج 8 ص 374).

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 374).

(3) في النفح: «متظلّل».

372

فمن ذلك قوله يخاطب السلطان أمير المسلمين، و قد أمر له بكسوة:

[الطويل‏]

منحت منحت النّصر و العزّ و الرضا* * * و لا زلت بالإحسان منها (1)

مقرّضا

و لا زلت للعليا جنى و مكارما (2)* * * و للأمر، للملك‏

(3) العزيز، مقيّضا

و لا زالت الأملاك باسمك تتّقى‏* * * و جيشك وفرا يملأ الأرض و الفضا

و لا زلت ميمون النّقيبة ظافرا* * * مهيبا و وهّابا و سيفك منتضى‏

تقرّ به الدّين الحنيف و أهله‏* * * و تقمع جبّارا و تهلك مبغضا

وصلت شريف البيت من آل هاشم‏* * * و خوّلته أسنى مراد و مقتضى‏

وجدت بإعطاء اللّجين و كسوة* * * ستكسى بها (4) ثوبا من النور أبيضا

و ما زالت الأنصار تفعل هكذا* * * فعال‏ (5) عليّ في الزمان الذي

مضى‏

هم نصروا الهادي و آووا و جدّلوا* * * بحدّ ذباب السيف من كان معرضا

فخذ ذا أبا الحجاج من خير مادح‏* * * لخير مليك في البريّة مرتضى‏

فقد كان قبل اليوم غاض قريضه‏* * * فلمّا رأى الإحسان منك تفيّضا

و نظم الفتى يسمو على قدر ما يرى‏* * * من الجود مهما ينقضي نيله انقضى‏

و من حكم القول اللّهى متح اللّهى‏* * * و من مدح الأملاك يرجو التّعرّضا

فلا زال يهديك الشريف قصائدا* * * ينال بها منك المودة و الرضى‏

و قال يخاطب من أخلفته بوارق الأمل فيه، و خابت لديه وسائل قوافيه:

[البسيط]

الشّعر أسنى كلام خصّ بالعرب‏* * * و الجود في كل صنف خير مكتسب‏

و أفضل الشعر أبيات يقدّمها* * * في صدر حاجته من كان ذا أدب‏

فما يوفّي كريم حقّ مادحه‏* * * لو كان أولاه ما يحويه من نشب‏

المال يفنى إذا طال الثواء به‏* * * و المدح يبقى مدى الأزمان و الحقب‏

و قد مدحت لأقوام ذوي‏ (6) حسب‏* * * فيما ظننت و ليسوا من ذوي

حسب‏

____________

(1) في الأصل: «له»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «مكارما»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «الملك»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) كلمة «بها» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

(5) في الأصل: «نال» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) في الأصل: «ذي» و كذا ينكسر الوزن.

373

مدحتهم بكلام لو مدحت به‏* * * دهري أمنت من الإملاق و النّصب‏

فعاد مدحي لهم هجوا يصدّقه‏* * * من لؤمهم عودتي عنهم بلا أرب‏

فكان ما قلت من مدحهم كذبا* * * أستغفر اللّه من زور و من كذب‏

و قال في غرض يظهر من الأبيات، يخاطب السلطان: [الكامل‏]

ما لي أرى تاج الملوك و حوله‏* * * عبدان لا حلم و لا آداب‏

فكأنه البازي الصّيود و حوله‏* * * نغر (1) يقلّب ريشه و غراب‏

يا أيها الملك الكرام جدوده‏* * * أسنى المحافل غيرها أتراب‏

أبدلهما بالبيض‏ (2) من صفّيهما* * * إن العبيد محلّها الأبواب‏

وفاته: توفي في حدود ثمانية و أربعين و سبعمائة أو بعد ذلك‏ (3).

محمد بن محمد بن إبراهيم بن المرادي ابن العشاب‏ (4)

قرطبي الأصل، تونسي الولادة و المنشأ، ابن نعمة و غذي جاه و حرمة.

حاله: كان حييّا فاضلا كريما، سخيّا. ورد على الأندلس، مفلتا من نكبة أبيه، و قد عركته عرك الرّحى لثقالها، على سنن من الوقار و الدّيانة و الحما، يقوم على بعض الأعمال النبيهة.

و جرى ذكره في الإكليل بما نصّه‏ (5): جواد لا يتعاطى طلقه، و صبح فضل لا يماثل فلقه. كانت لوالده‏ (6)، (رحمه اللّه تعالى)(7)، من الدول الحفصيّة منزلة لطيفة المحلّ، و مفاوضة في العقد و الحلّ، و لم يزل تسمو (8) به قدم النّجابة، من العمل إلى الحجابة. و نشأ ابنه هذا مقضيّ الديون، مفدّى بالأنفس و العيون. و الدهر ذو ألوان،

____________

(1) النغر: البلبل. محيط المحيط (نغر).

(2) في الأصل: «من البيض» و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا كلمة «من».

(3) قال في النفح (ج 8 ص 374): «و ذكر في الإحاطة أن الشريف المذكور توفي في حدود ثمانية و ثلاثين و سبعمائة».

(4) ترجمة ابن العشاب في نفح الطيب (ج 8 ص 224) و جاء فيه: «أبو عبد اللّه العشاب». و له ترجمة أخرى في نفح الطيب (ج 8 ص 374) و جاء فيه: «محمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم المرادي العشاب».

(5) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 374- 375).

(6) في النفح: «لأبيه».

(7) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(8) في الأصل: «يسمو» و التصويب من النفح.

374

و مارق حرب عوان‏ (1)، و الأيام كرات تتلقّف، و أهوال‏ (2) لا تتوقّف، فألوى بهم الدهر و أنحى‏ (3)، و أغام جوّهم بعقب ما أصحى‏ (4)، فشملهم الاعتقال، و تعاورتهم‏ (5) النّوب الثقال، و استقرّت بالمشرق ركابه، و حطّت به أقتابه، فحجّ و اعتمر، و استوطن تلك المعاهد و عمر، و عكف على كتاب اللّه تعالى‏ (6) فجوّد الحروف، و أحكم‏ (7) الخلف المعروف، و قيّد و أسند، و تكرّر إلى دور الحديث و تردّد، و قدم على هذا الوطن قدوم النّسيم البليل، على كبد العليل. و لمّا استقرّ به قراره، و اشتمل على جفنه غراره، بادرت إلى مؤانسته، و ثابرت على مجالسته، فاجتليت للسّرو (8) شخصا، و طالعت ديوان الوفاء مستقصا.

شعره: و شعره ليس بحايد عن الإحسان، و لا غفل من النكت الحسان. فمن ذلك ما خاطبني به‏ (9): [الطويل‏]

بيمن أبي عبد الإله‏ (10) محمد* * * تيمّن هذا القطر و انسجم القطر

أفاض علينا من جزيل عطائه‏* * * بحورا تديم‏ (11) المدّ ليس لها جزر

و أنسنا لمّا عدمنا مغانيا* * * إذا ذكرت في القلب من ذكرها عبر (12)

هنيئا بعيد الفطر يا خير ماجد* * * كريم به تسمو السّيادة و الفخر

و دمت مدى الأيام في ظلّ نعمة* * * تطيع لك الدنيا و يعنو (13) لك

الدهر

و ممّا خاطب به سلطانه في حال الاعتقال: [البسيط]

لعلّ عفوك بعد السّخط يغشاني‏* * * يوما فينعش قلب الوالد العاني‏ (14)

____________

(1) الحرب العوان: الشديدة التي قوتل فيها مرة بعد مرة. لسان العرب (عون).

(2) في النفح: «و أحوال».

(3) ألوى بهم الدهر، و أنحى عليهم الدهر: أهلكهم. لسان العرب (لوى) و (نحا).

(4) في الأصل: «ما أضحى» و التصويب من النفح.

(5) تعاورتهم: تداولت عليهم. لسان العرب (عور).

(6) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(7) في النفح: «و قرأ المعروف».

(8) في النفح: «للسّرّ». و السّرو: الفضل. محيط المحيط (سرو).

(9) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 224).

(10) في الأصل: «عبد اللّه محمد يمن هدأ القطر ...» و هكذا ينكسر الوزن، و لا معنى له، و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «بحور الدّيم ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «... القلب ليس لها ذعر».

(13) يعنو: يخضع. لسان العرب (عنا).

(14) في الأصل: «العان» بدون ياء.

375

مولاي، رحماك، إني قد عهدتك ذا* * * حلم و عفو و إشفاق و تحنان‏

فاصرف حنانك ثمّ اعطف‏ (1) عليّ وجد* * * برحمة منك تحيي جسمي

الفاني‏ (2)

فقد تناهى الأسى عندي و عذّبني‏* * * و شرّد النوم عن عيني و أعياني‏

(3)

و حقّ آلائك الحسنى و ما لك من‏* * * طول و فضل و إنعام و إحسان‏

إني و لو حلّت البلوى على كبدي‏* * * و أسكبت فوق خدّ دمعي القاني‏

(4)

لوائق بحنان منك يطرقني‏* * * عمّا قريب و عفو عاجل دان‏

دامت سعودك في الدنيا مضاعفة* * * تذلّ من دان‏ (5) طوعا كلّ سلطان‏

محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي‏ (6)

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن عبد الملك، من أهل مرّاكش، و سكن غرناطة.

حاله: من عائد الصلة (7): كان، (رحمه اللّه)، غريب المنزع، شديد الانقباض، محجوب المحاسن، تنبو العين عنه جهامة، و غرابة شكل، و وحشة ظاهر (8)، في طيّ ذلك أدب غضّ، و نفس حرّة، و حديث ممتع، و أبوّة كريمة، أحد الصابرين على الجهد، المتمسكين‏ (9) بأسباب الحشمة، الراضين بالخصاصة. و أبوه قاضي القضاة، نسيج وحده، الإمام العالم، التاريخي، المتبحّر في الأدب‏ (10)، تقلّبت به أيدي الدهر (11) بعد وفاته لتبعة سلّطت على نسبه‏ (12)، فاستقرّ بمالقة، متحارفا مقدورا عليه، لا يهتدي لمكان فضله، إلّا من عثر عليه جزافا.

شعره: (13) [السريع‏]

من لم يصن في أمل وجهه‏* * * عنك فصن وجهك عن ردّه‏

____________

(1) في الأصل: «و اعطف» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «الفان» بدون ياء.

(3) في الأصل: «و أعيان» بدون ياء.

(4) في الأصل: «القان» بدون ياء.

(5) قوله: «من دان» ساقط في الأصل، و قد أضفناه ليستقيم المعنى و الوزن معا.

(6) ترجمة محمد بن محمد بن عبد الملك في نفح الطيب (ج 8 ص 224).

(7) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 225) بتصرف.

(8) في النفح: «ظاهرة».

(9) في النفح: «المستمسكين».

(10) في النفح: «الآداب». و هنا يشير إلى والد محمد، القاضي ابن عبد الملك المراكشي، صاحب كتاب «الذيل و التكملة».

(11) في النفح: «الليالي».

(12) في النفح: «نشبه».

(13) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 225).

376

و اعرف له الفضل و عرّف به‏ (1)* * * حيث أحلّ النّفس من قصده‏

و مما خاطبني به قوله‏ (2): [الوافر]

وليت ولاية أحسنت فيها* * * ليعلم أنها شرفت بقدرك‏

و كم وال أساء فقيل فيه‏* * * دنيّ القدر ليس لها بمدرك‏

و أنشدني في ذلك أيضا رحمة اللّه عليه‏ (3): [الوافر]

وليت فقيل أحسن‏ (4) خير وال‏* * * ففاق‏ (5) مدى

مداركها بفضله‏

و كم وال أساء فقيل فيه‏ (6)* * * دنا فمحا محاسنها بفعله‏

و ممّا خاطب به السلطان يستعديه على من مطله من العمال، و عذّر عليه واجبه من الطعام و المال: [مخلع البسيط]

مولاي نصرا (7)، فكم يضام‏* * * من ما له غيرك اعتصام‏

أمرت لي بالخلاص فامرر (8)* * * لي عنده المال و الطعام‏

فقال ما اعتاده جوابا* * * و حسبي اللّه و الإمام‏

هذا مقام و لا فعال‏* * * بغير مولاي و السلام‏

وفاته: فقد في وقيعة على المسلمين من جيش مالقة بأحواز إستبّة (9) في ذي قعدة من عام ثلاثة و أربعين و سبعمائة.

محمد بن خميس بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد ابن خميس الحجري حجر ذي رعين التّلمساني‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن خميس‏ (10).

____________

(1) في النفح: «له».

(2) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 224).

(3) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 224).

(4) في الأصل: «أحسّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) في الأصل: «فعاق»، و التصويب من النفح.

(6) كلمة «فيه» ساقطة في الإحاطة، و قد أضفناها من النفح.

(7) في الأصل: «نصيرا» و هكذا ينكسر الوزن.

(8) في الأصل: «فمر» و هكذا ينكسر الوزن.

(9) إستبّة: كورة تابعة لقرطبة، كما جاء في المغرب في حلى المغرب (ج 1 ص 35). و أغلب الظن أن المراد هنا: إشتبونةEstepona ، الواقعة على البحر المتوسط على مقربة من مالقة.

(10) ترجمة ابن خميس في بغية الوعاة (ص 86) و أزهار الرياض (ج 2 ص 301) و نفح الطيب (ج 7 ص 334).

377

حاله: من عائد الصلة (1): كان، (رحمه اللّه)، نسيج وحده زهدا و انقباضا، و أدبا و همّة، حسن الشّيبة، جميل الهيئة، سليم الصّدر، قليل التّصنّع، بعيدا عن الرّياء و الهوادة (2) عاملا على السياحة و العزلة، عالما (3) بالمعارف القديمة، مضطلعا بتفاريق النّحل، قائما على صناعة (4) العربية و الأصلين، طبقة الوقت في الشعر، و فحل الأوان في النظم‏ (5) المطوّل، أقدر الناس على اجتلاب الغريب، و مزج‏ (6) الجزالة بالسّلاسة، و وضع الألفاظ البيانيّة مواضعها، شديد الانتقاء و الإرجاء، خامد نار الرّوية، منافسا في الطريقة منافسة كبيرة. كتب بتلمسان عن ملوكها من بني زيّان، ثم فرّ عنهم، و قد أوجس منهم خيفة، لبعض ما يجري بأبواب الملوك. و بعد ذلك بمدة، قدم غرناطة، فاهتزّ الوزير ابن الحكيم لتلقّيه، و متّ إليه بالوسيلة العلمية، و اجتذبه بخطبة التلميذ، و استفزّه بتأنيسه و برّه، و أقعده للإقراء بجواره. و كان يروم الرّحلة، و ينوي السفر، و القضاء يثبّطه. حدّثني شيخنا الرئيس أبو الحسن بن الجياب، قال: بلغ الوزير أبا عبد اللّه‏ (7) الحكيم أنه يروم السفر، فشقّ ذلك عليه، و كلّفنا (8) تحريك الحديث بحضرته. و جرى ذلك، فقال الشيخ: أنا كالدّم بطبعي، أتحرّك في كل ربيع.

شعره: و شعره بديع، فمن ذلك قوله يمدح أبا سعيد بن عامر، و يذكر الوحشة الواقعة بينه و بين أبي بكر بن خطّاب‏ (9): [الوافر]

مشوق زار ربعك يا إماما* * * محا آثار دمنتها التثاما (10)

تتبّع ريقة الطّلّ ارتشافا* * * فما (11) نفعت و لا نقعت أواما

و قبّل خدّ وردتها جهارا* * * و ما راعى لضرّتها ذماما

و ما لحريم بيتك أن يدانى‏* * * و لا لعليّ‏ (12) قدرك أن يساما

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 334) و أزهار الرياض (ج 2 ص 301- 302).

(2) هذه الكلمة غير واردة في النفح. و في أزهار الرياض: «و الهوى».

(3) في النفح و أزهار الرياض: «عارفا».

(4) كلمة «صناعة» ساقطة من المصدرين السابقين.

(5) كلمة «النظم» غير واردة في المصدرين السابقين.

(6) من هنا حتى قوله: «أبو الحسن بن الجياب» غير وارد في المصدرين السابقين.

(7) في المصدرين السابقين: «أبا عبد اللّه بن الحكيم».

(8) في المصدرين السابقين: «و كلّفه».

(9) ورد فقط البيتان الأول و الثاني في أزهار الرياض (ج 2 ص 305).

(10) في أزهار الرياض: «الشآما».

(11) في المصدر السابق: «فلا».

(12) في الأصل: «لعلا» و هكذا ينكسر الوزن.

378

و لكن عاش في رسم لمغنى‏ (1)* * * تجشّمه سلاما و استلاما

تنفّس روضة المطلول و هنا* * * فحنّ و شمّ‏ (2) ريّاه فهاما

تلقى طيب ب ... ته‏ (3) حديثا* * * روت مسندا عنه النّعاما

فيا نفس الصّبا إن جئت ساحا* * * و لم تعرف لساكنها مقاما

و أخطأت الطريق إلى حماها* * * فردّتك العرادة و الخزاما

فلا تبصر بسرحتها قضيبا* * * و لا تذعر بمسرحها سواما

و عانق قربانتها ارتباطا* * * و صافح كفّ سوسنها التزاما

و نافح عرف زهرتها كبا* * * تعاطك ماء ريقتها مداما

و يا برقا أضاء على أوال‏* * * يمانيّا متى جئت الشّآما

أثغر إمامة أنت ابتساما* * * أم الدّرّ الأوامى انتظاما؟

خفقت ببطن واديها لوا* * * و لحت على ثنيّتها حساما

أمشبه قلبي المضني احتداما* * * على م ذدت عن عيني المناما؟

و لم أسهرتني و طردت عني‏* * * خيالا كان يأتيني لماما؟

و أبلغ منه تأريقا لجفني‏* * * كلام أثخن الأحشا كلاما

تعرّض لي فأيقظت القوافي‏* * * و لو ترك القطا يوما لناما

و قيل و ما أرى يومي كأمسي‏* * * جدعت رواطبا و قلبت هاما

و جرّعت العدوّ سمّا زعافا* * * فكان لحسد موتا زواما

دعوت زعيمهم ذاك ابتياسا* * * ورعت خميسهم ذاك اللّماما

نزعت شواه كبشهم نطاحا* * * و لم أترك لقرمهم سناما

أضام و في يدي قلبي لماذا* * * أضام أبا سعيد أو علاما؟

به و بما أذلق من لساني‏* * * أفل الصارم العضب انهزاما

و غرام الوزير أبي سعيد* * * أصرفه إذا شئت انتقاما

به و بنجله البرّ انتصاري‏* * * لما أكلوه من لحمي حراما

أعثمن بن عامر لا تكلني‏* * * لدهر علّم الشحّ الغماما

وردت فلم أرد إلّا سرابا* * * و شمت فلم أشم إلّا جهاما

____________

(1) في الأصل: «مغنى» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «و شم» و هكذا ينكسر الوزن، و لا يستقيم المعنى.

(3) بياض في الأصل.

379

قطعت الأرض طولا ثم عرضا* * * أزور بني ممالكها الكراما

و جاجاني على كرم نداهم‏* * * و أعجلت الخوافي و القداما

و ذلّلت المطامع من إبائي‏* * * و قبّلت البراجم و السّلاما

و من أدبي نصبت لهم حبالا* * * أصيد بها النّعام و لا النّعامى‏

فلم أر مثل ربعي دار أنس‏* * * و لم أر مثل عثمن إماما

و لا كأبيه أو كنى أبيه‏* * * أبيّ يحيي غيوثا أو رهاما

كفاني بابن عامر خفض عيش‏* * * و رفع مكاتبي إلّا أضاما

و إني من ولائك في يفاع‏* * * أقابل منهم بدرهم التّماما

و من شعره، (رحمه اللّه)، قوله‏ (1): [الطويل‏]

تراجع من دنياك ما أنت تارك‏* * * و تسألها (2) العتبى و ها هي فارك‏

(3)

تؤمّل بعد التّرك رجع ودادها* * * و شرّ وداد ما تودّ التّرائك‏

حلا لك منها ما خلا (4) لك في الصّبا* * * فأنت على حلوائه متهالك‏

تظاهر بالسّلوان عنها تجمّلا* * * فقلبك محزون و ثغرك ضاحك‏

تنزّهت عنها نخوة لا زهادة* * * و شعر عذاري أسود اللون حالك‏

ليالي تغري بي و إن هي أعرضت‏* * * زنانب من ضوّاتها و عواتك‏

غصون قدود في حقاف روادف‏* * * تمايل من ثقل بين الأرائك‏

تطاعنني منهن في كل ملعب‏* * * ثديّ كأسنان الرماح فواتك‏

و كم كلّة فيها هتكت و دونها* * * صدور العوالي و السّيوف البواتك‏

و لا خدن إلّا ما أعدت ردينه‏* * * لطالبها أو ما تحيّر هالك‏

تضلّ فواد المرء عن قصد رشده‏* * * فواتر ألحاظ للظّبا الفواتك‏

و في كل سنّ لابن آدم و إن تطل‏* * * سنوه طباع جمّة و عوائك‏

و إلّا فما لي بعد ما شاب مفرقي‏* * * و أعجز رأيي عجزهنّ‏ (5)

الرّكارك‏

____________

(1) بعض أبيات هذه القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 337- 338) و أزهار الرياض (ج 2 ص 305- 306).

(2) في الأصل: «و تسلها» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح و أزهار الرياض.

(3) الفارك: المرأة التي تكره زوجها. العتبى: الاسترخاء. لسان العرب (فرك) و (عتب).

(4) في النفح و أزهار الرياض: «ما حلا».

(5) في الأصل: «عجز من» و هكذا ينكسر الوزن، و يصبح في القافية عيب الإقواء.

380

أجوب إليها كلّ بيداء مملق‏* * * ترافقني فيها الرجال الحواتك‏ (1)

و أسترشد الشّهب الشوابك جار* * * إذا اشتبهت فيها عليّ المسالك‏

نهازز أمثال الجياد تؤودة* * * اغوارب أمثال الهضاب توامك‏

ظماء و ما غير السّماوة مورد* * * و ينحى و ما دون الصآة مبارك‏

ذواهل عن عضّ الرجال ظهورها* * * إذا ما اشتكت عضّ السروج الموارك‏

إذا ما نبا عن سنبك الأرض سنبك‏* * * هلعن فلانت تحتهنّ السّنابك‏

تقدّ بنا في كل قاع و فدفد* * * بوائكها و المنغيات الدّراهك‏

فأمامها ريّ كالسحاب موالع‏* * * و أمامها ركّا كالرّياح بواشك‏

قلاص بأطواف الجديل بوالع‏* * * و جرد لأوساط الشّكيم عوالك‏

ترامى بها نياقها كلّ مرتمى‏* * * فهنّ نواح للرّدى أو هوالك‏

و كم منزل خلّيته لطلابها* * * تعفّيه تعدي السّافيات السّواهك‏

يمرّ به زوّاره و عفاته‏* * * و ما إن به إلّا لصوق حبائك‏

و آثارتنا تقادم عهدهم‏* * * و هنّ عليه جاثيات بوارك‏

لوارب أفراس و نؤى حذاة* * * ثلاث أثاف كالحمام سوادك‏

تمرّ عليه نسمة الفجر مثلما* * * تمرّ على طيب العروس المداوك‏

و أركب كالشّهد ينفح برده‏* * * لمجهول حسيّ ما له للدّهر مبانك‏

و يطلبها منّي غريم مماحك‏* * * و يمطلني منها عديم مماعك‏ (2)

أحاول منها ما تعذّر في الصّبا* * * و من دونه وقع الحمام المواشك‏

يسلّي الفتى منها و إن راق حسنها* * * حسائف لا تحصى هنا و مبارك‏

فمنها ملال دائم لا تملّه‏* * * تزوّر إفك عن رضى الحق آفك‏

تهاون بالإفك الرجال جهالة* * * و ما أهلك الأحياء إلّا الأفايك‏

تزن طول تسهادي و قدري تململي‏* * * طوال الليالي و النجوم النّوابك‏

تغير على الدهر منه جحافل‏* * * كأن مدوّم الرّجم فيها نيازك‏

فليت الذي سوّدت فيها معوّض‏* * * بما بيّضت مني دجاها الحوالك‏

ألا لا تذكّرني تلمسان و الهوى‏* * * و ما دهكت منّا الخطوب الدّواهك‏

فإنّ ادّكار ما مضى من زمانها* * * لجسمي و للصّبر الجميل لناهك‏

____________

(1) الحواتك: من حتك، أي أسرع في السير. لسان العرب (حتك).

(2) المماعك: «المماطل». لسان العرب (معك).

381

و لا تصفن أمواهها لي فإنها* * * لنيران أشواقي إليها محارك‏

و من حال عن عهد أو اخفر ذمّة* * * فإني على تلك العهود لرامك‏

سقى منزلي فيها و إن محّ رسمه‏* * * عهاد الغوادي و الدّموع السّوافك‏

و جادت ثرى قبر بمسجد صالح‏* * * رواعدها و المدخمات الحواشك‏

و لا أقلعت عن دار يونس مزنة* * * يروّي صداه قطرها المتدارك‏

إلى أن يروق النّاظرين رواؤها* * * و يرضي الرّعاوى نبتها المتلاحك‏

و يصبح من حول الحيا في عراصها* * * زراق تحاكي بسطها و درانك‏

(1)

و لا برحت منه ملائكة الرّضى‏* * * تصلّي على ذاك الصّدى و تبارك‏

و طوبى لمن روى منازله الحيا* * * و بشرى لمن صلّت عليه الملائك‏

ألا ليت شعري هل تقضّى لبانتي‏* * * إذا ما انقضت عشر عليها دكادك‏

و هل مكّن الطّيف المغبّ زيارة* * * فيرقب أو تلقى إليه الرّوامك‏

و هل تغفل الأيام عنها بقدر ما* * * تؤدي إليها بالعتاب الحالك‏

و يا ليت شعري أي أرض تقلّني‏* * * إذا كلّ عن رحلي الجلال اللكالك‏

و أي غرار من صفاها يحثني‏* * * إذا فقدتني مسّها و الدّكادك‏

إذا جهل الناس الزمان فإنني‏* * * بدونهم دون الأنام لحاتك‏

تثبّت إذا ما قمت تعمل خطوة* * * فإن بقاع الأرض طرّا شوائك‏

و لا تبذلن‏ (2) وجها لصاحب نعمة* * * فما مثل بذل الوجه للسّتر هاتك‏

تجشّم إن‏ استطعت و احذر أذاهم‏* * *و لا تلقهم إلّا و هرّك شانك‏

* * *

فكلّ على ما أنعم اللّه حاسد* * *و كلّ إذا لم يعصم اللّه حاسك‏

* * *

و لا تأس‏ ريبة الزمان فإنه‏* * *بمن فات منّا لا محالة فاتك‏

* * *

تمنّى مصاب بربر و أعاره‏* * *و ترضى ذكامي فارس و الهنادك‏

* * *

و بدّرت ليل الجون حوض لجاجها* * *و تعرف إقدامي عليها المهالك‏

* * *

فما أذعنت إلّا إليّ عشار* * *و لا أصفقت إلّا عليّ الشكاشك‏

* * *

و لا قصدت إلا فنائي وقودها* * *و لن أملت إلّا قتامي الضرارك‏

* * *

به شرفت أذواؤها و ملوكها* * *كما شرفت بالنّويهار البرامك‏

* * *

____________

(1) الدرانك: ضرب من البسط.

(2) في الأصل: «تبذل» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «ما» و هكذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «تأنس» و هكذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «و بدّرت الليالي الجون حوضي لجاجها» و هكذا ينكسر الوزن.

382

فلا تدعون غيري لدفع ملمّة* * *إذا ما دهى من حادث الدهر داهك‏

* * *

فما إن لذاك الصوت غيري سامع‏* * *و ما إن لبيت المجد بعدي سامك‏

* * *

يغصّ و يشجى نهشل و مجاشع‏* * *بما أورثتني حمير و السكاسك‏

* * *

تفارقني روحي‏ التي لست غيرها* * *و طيب ثنائي‏ لاصق بي صائك‏

* * *

و ما ذا عسى ترجو لداتي و أرتجي‏* * *و قد شمطت منا اللّحا و الأفانك‏

* * *

يعود لنا شرخ الشّباب الذي مضى‏* * *إذا عاد للدّنيا عقيل و مالك‏

* * *

و من شعره أيضا قوله: [الكامل‏]

سحّت بساحك يا محلّ الأدمع‏* * *و تصرّمت سقّا عليك الأضلع‏

* * *

و لطالما جادت ثرى الآمال من‏* * *جاوي مؤمّلك الغيوث الهمّع‏

* * *

للّه أيام بها قضّيتها* * *قد كنت أعلم أنها لا ترجع‏

* * *

فلقد رشفت بها رضاب مدامة* * *بنسيم أنفاس البديع تشعشع‏

* * *

في روضة يرضيك منها أنها* * *مرعى لأفكار النّدام و مشرع‏

* * *

تجري بها فقر سكنت رهانها* * *أجدى بميدان الكلام و أسرع‏

* * *

فقر كريعان الشباب و عهدنا* * *بجنابها و هو الجناب الأمنع‏

* * *

نفّاثة الأنواء في عقد الثّرى‏* * *و النّفث في عقد الثّرى لا يمنع‏

* * *

حتى إذا حاك الربيع برودها* * *و كسا رباها و شيه المتنوّع‏

* * *

بدأت كمائم زهرها تبدي بها* * *بدعا تفرّق تارة و تجمّع‏

* * *

قد صمّ منها ما تجمّع مغلق‏* * *إذ بتّ منها ما تفرّق مصقع‏

* * *

و كلاهما مهما أردت مسالم‏* * *و محارب و مؤمّن و مروّع‏

* * *

كلّ له شرع البيان محلّل‏* * *و منكر في مثل هذا مدفع‏

* * *

حيث ازدهت أنوار كلّ حديقة* * *أدبا ينظّم تارة و يسجّع‏

* * *

____________

(1) الداهك: الطاحن الكاسر. لسان العرب (دهك).

(2) السامك: الرافع للقواعد المحلي للبناء. لسان العرب (سمك).

(3) نهشل و مجاشع و حمير و السكاسك: قبائل عربية.

(4) في النفح و أزهار الرياض: «الروح».

(5) في الأصل: «ثناى» و هكذا ينكسر الوزن و التصويب من النفح و أزهار الرياض.

(6) الصائك: اللاحق. محيط المحيط (حوك).

(7) في النفح و أزهار الرياض: «مني».

(8) الأفانك: جمع إفنيك و هو مجمع اللحيين. لسان العرب (فنك).

(9) في الأصل: «المنكر» و كذا ينكسر الوزن.

383

فمرجّل من رقمها و مهلّل‏* * *و مسمّط من نظمها و مصرّع‏

* * *

أبدى البديع بها بدائع صنعه‏* * *فمجنّس و مبدّل و مرصّع‏

* * *

و موشّح و مرشّح و مصدّر* * *و مكرّر و مفرّع و متبّع‏

* * *

كلّ يروق بها بحسن روائه‏* * *و إذا تزين به كلامك تبرع‏

* * *

و لقد غدوت بها و في وكناتها* * *طير لها فوق الغصون ترجّع‏

* * *

بمطهّم الفكر الذي ما إن له‏* * *إلّا بمستنّ الأدلّة مرتع‏

* * *

قيد المطالب لا نزال‏ نحبّه‏* * *بين الجياد لعتقه أو يوضع‏

* * *

أرمى به الأمد البعيد و إنه‏* * *حمل يضلّ به الدليل الأصمع‏

* * *

من بعد ما عفت السّواري سبله‏* * *و محت معالمه الرّياح الأربع‏

* * *

لكنني جدّدت داثر رسمه‏* * *فطريقه من بعد ذلك مهيع‏

* * *

أوضحت فهم حدوده و ضروبه‏* * *و الكلّ في كلّ المسالك ينفع‏

* * *

حتى وردت من السماع مواردا* * *فيها لظمآن المباحث مكرع‏

* * *

مع كل مصقول الذكاء فحدسه‏* * *لذكاء أسرار الطبائع مطلع‏

* * *

يرتاد من نجع العناصر نجعة* * *فيها مصيف للعقول و مربع‏

* * *

لا شي‏ء أبدع من تجاورها و ما* * *يبدى‏ بها ذاك التجاور أبدع‏

* * *

فإذا تشعشع مزجها أورى بها* * *نار الحباحب مرجها المتشعشع‏

* * *

فمكين سرّ حياته بحبابها* * *من بعد قدح زنادها مستودع‏

* * *

و هنا تفاض عليه صورته التي‏* * *لبهائها شمّ الطبائع تخضع‏

* * *

من واهب الصّور التي قد خصّها* * *ببديع حكمته الحكيم المبدع‏

* * *

ربّ له في كل شي‏ء حكمة* * *يقضي بها البدعيّ و المتشرّع‏

* * *

و حللت من أرض الرياضة أربعا* * *نفسي الفداء لها و هذي الأربع‏

* * *

قامت زواياها فما أوتادها* * *إلّا تقوّم ما تقيم الأضلع‏

* * *

و تناسب أقدارها نسبا لها* * *لو كنت تبصرها فروع فرّع‏

* * *

فأجلّ ما قد سمته بحلولها* * *من بارق لجناب رشدي يلمع‏

* * *

لا شك أنّ وراءه مطرا له‏* * *في كل ضرب من قياسي موقع‏

* * *

بحر رويّ مترع ملّاحه‏* * *من فيضه هذا الرّويّ المترع‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «لا يزال».

(2) في الأصل: «يبتدى» و كذا ينكسر الوزن.

384

لم لا أضيع بها عهاد مدامعي‏* * *إني إذا لعهودها لمضيّع‏

* * *

خلّيّ، لو لم تسعداني في البكا* * *لقطعت من حبليكما ما يقطع‏

* * *

أ رأيتما نفسا تفارق جسمها* * *و به تنعّمها و لا تتوجّع؟

* * *

عظمت رزيّتها و أيّ رزيّة* * *ظلّت لها أكبادنا تتصدّع‏

* * *

هذي حمامك، يا عليّ، سواجع‏* * *و أخالها أسفا عليها تسجع‏

* * *

إن طارحتني ورقها فبأضلعي‏* * *شوق يطارحه ادّكار موجع‏

* * *

آه على جسمي الذي فارقته‏* * *لا كنت ممّن جسمه لا يرجع‏

* * *

و من العجاب رجوع ما أودى به‏* * *دهر بتشتيت‏ الأحبّة مولع‏

* * *

الجور منه إذا استمرّ طبيعة* * *و العدل منه إذا استقام تطبّع‏

* * *

هذي عقوبة زلّة سلفت بها* * *من أكل طعمته التي لا تشبع‏

* * *

قد كنت أمنع رسخ نفسي قبلها* * *و اليوم أوجب أنّه لا يمنح‏

* * *

لم لا و قد أصبحت بعد محلّة* * *فيها السحائب بالرغائب تهمع؟

* * *

دار يدرّ الرزق من أخلاقها* * *و لكم دعا داع بها من يوضع‏

* * *

و كأنّ مجلسها البهيّ بصدرها* * *ملك بأعلى دسته متربّع‏

* * *

و كأنّ مجمر عنبر بفنائها* * *يذكي و ما قد سيف منه يسطع‏

* * *

و كأنها المتوكلية بهجة* * *و عليّ بن الجهم فيها يبدع‏

* * *

في حجر ضبّ خافض بجواره‏* * *من كان قبل له العوامل ترفع‏

* * *

يا نفثة المصدور كم لك قبلها* * *من زفرة بين الجوانح تسفع‏

* * *

و عساك تنقع غلّة بك إنها* * *بجحيم ما أسبلته لا تنقع‏

* * *

للّه أنت مذاعة أودعتها* * *من كل سرّ بالضمائر يودع‏

* * *

بدويّة في لفظها و نظامها* * *حضرية فيما به يترجّع‏

* * *

لم لا تشفع في الذي أشكو بها* * *و مثالها في مثله يتشفّع؟

* * *

كملت و ما افترعت فأيّ خريدة* * *لو كان يفرعها همام أروع‏

* * *

بارت عليّ فأصبحت لحيائها* * *مني بضافي مرطها تتلفّع‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «لعهوها» و كذا لا يستقيم المعنى و لا الوزن.

(2) في الأصل: «بتشتّت»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «ما» و كذا ينكسر الوزن.

385

و من شعره قوله يمدح ذا الوزارتين أبا عبد اللّه بن الحكيم، و هي من مشاهير أمداحه‏: [الطويل‏]

سل الرّيح إن لم تسعد السّفن أنواء* * *فعند صباها من تلمسان أنباء

* * *

و في خفقان البرق منها إشارة* * *إليك بما تنمي إليها و إيماء

* * *

تمرّ الليالي ليلة بعد ليلة* * *و للأذن إصغاء و للعين إكلاء

* * *

و إني لأصبو للصّبا كلّما سرت‏* * *و للنّجم مهما كان للنّجم إصباء

* * *

و أهدي إليها كلّ حين‏ تحيّة* * *و في ردّ إهداء التحية إهداء

* * *

و أستجلب النوم الغرار و مضجعي‏* * *قتاد كما شاءت نواها و سلّاء

* * *

لعلّ خيالا من لدنها يمرّ بي‏* * *ففي مرّه بي من جوى الشوق إبراء

* * *

و كيف خلوص الطّيف منها و حولها* * *عيون لها في كلّ طالعة راء

* * *

و إني لمشتاق إليها و منبئ‏* * *ببعض اشتياقي لو تمكّن إنباء

* * *

و كم قائل تفنى غراما بحبّها* * *و قد أخلقت منها ملاء و أملاء

* * *

لعشرة أعوام عليها تجرّمت‏* * *إذا مضى قيظ بها جاء إهراء

* * *

يطنّب فيها عائثون و خرّب‏* * *و يرحل عنها قاطنون و أحياء

* * *

كأنّ رماح الذاهبين‏ لملكها* * *قداح، و أموال المنازل أبداء

* * *

فلا تبغين فيها مناخا لراكب‏* * *فقد قلّصت منها ظلال و أفياء

* * *

و من عجبي‏ أن طال سقمي و نزعها* * *و قسّم إضناء علينا و إطناء

* * *

و كم أرجفوا غيظا بها ثم أرجأوا* * *فيكذب إرجاف و يصدق إرجاء

* * *

____________

(1) القصيدة في أزهار الرياض (ج 2 ص 336- 340) و نفح الطيب (ج 7 ص 351- 353).

(2) في أزهار الرياض: «إليك».

(3) الإكلاء: ترديد البصر. محيط المحيط (كلأ).

(4) في أزهار الرياض: «إسراء».

(5) في المصدرين: «كل يوم».

(6) القتاد و السّلّاء: شوك. لسان العرب (قتد) و (سلأ).

(7) في المصدرين: «و دونها».

(8) أخلقت: بليت. الملاء: جمع ملاءة. الأملاء: جمع ملا و هو الأرض الواسعة. لسان العرب (خلق) و (ملأ).

(9) الإهراء: شدة البرد التي تهرأ الأجسام. لسان العرب (هرأ).

(10) في الأصل: «عابثون و حزّب»، و التصويب من المصدرين.

(11) في أزهار الرياض: «و تنّاء».

(12) في المصدرين: «الناهبين».

(13) الأبداء: جمع بدء و هو النصيب من الجزور. محيط المحيط (بدأ).

(14) في المصدرين: «و من عجب».

(15) الإطناء: الداء. لسان العرب (طنأ).

386

يردّدها عيّابها الدّهر مثلما* * *يردّد حرف الفاء في النطق فأفاء

* * *

فيا منزلا نال الردى منه ما اشتهى‏* * *ترى و هل لعمر الأنس بعدك إنساء؟

* * *

و هل للظى الحرب التي فيك تلتظي‏* * *إذا ما انقضت أيام بوسك إطفاء؟

* * *

و هل لي زمان أرتجي فيه عودة* * *إليك و وجه البشر أزهر و ضّاء؟

* * *

فواسيئي حالي‏ إن هلكت و لم أقل‏* * *لصحبي بها الغرّ الكرام ألا هاؤا

* * *

و لم أطرق الدّير الذي كنت طارقا* * *كعادى‏ و بدر الأفق أسلع مشناء

* * *

أطيف به حتى تهرّ كلابه‏* * *و قد نام عسّاس و هوّم سبّاء

* * *

و لا صاحب إلّا حسام‏ و لهذم‏* * *و طرف لخدّ الليل مذ كان و طّاء

* * *

و أسحم قاريّ كشعري حلكة* * *تلألأ فيه من سنى الصبح أضواء

* * *

فما لشرابي في سواك مرارة* * *و لا لطعامي دون بابك‏ إمراء

* * *

و يا داري الأولى بدرب حلاوة* * *و قد جدّ عيث في بلاها و إرداء

* * *

أما آن أن يحمى حماك كعهده‏* * *و تجتاز أحماش‏ عليك و أحماء؟

* * *

أما آن أن يعشو لنارك طارق‏* * *جنيب له رفع إليك و دأداء؟

* * *

يرجّي نوالا أو يؤمّل دعوة* * *فما زال قار في ذراك و قرّاء

* * *

أحنّ لها ما أطّت النّيب حولها* * *و ما عاقها عن مورد الماء أظماء

* * *

فما فاتها مني نزاع على النّوى‏* * *و لا فاتني منها على القرب إجشاء

* * *

____________

(1) في الأصل: «عيا بها» و التصويب من المصدرين.

(2) الإنساء: التأخير. لسان العرب (نسأ).

(3) في أزهار الرياض: «فيا هيّ ما لي». و من هنا حتى البيت (يرجى نوالا) غير وارد في نفح الطيب.

(4) في أزهار الرياض: «الدرب».

(5) في المصدر نفسه: «لعاد».

(6) في الأصل: «أسلغ مسناء». و التصويب من أزهار الرياض. و الأسلع: الذي به البرص.

و المشناء: الذي يبغضه الناس.

(7) في الأصل: «الأحسام» و هكذا ينكسر الوزن، و لا معنى له، و التصويب من الأزهار.

(8) في أزهار الرياض: «مزازة».

(9) في أزهار الرياض: «مائك».

(10) في أزهار الرياض: «مخيلة».

(11) في أزهار الرياض: «و يجتال أحماس».

(12) الرفع: المبالغة في السير. و الدأداء: أشدّ العدو.

(13) أطّت: صوّتت. النّيب: الإبل، واحدها ناب. الأظماء: جمع ظم‏ء و هو المدة التي تنقطع فيها عن ورود الماء. لسان العرب (أطط) و (ناب) و (ظمأ).

(14) الإجشاء: مصدر أجشأ؛ يقال: جشأت نفسه من حزن أو فزع: ثارت و جاشت. و الإجشاء أيضا: تحرك النفس بالشوق. لسان العرب (جشأ).

387

كذلك جدّي في صحابي و أسرتي‏* * *و من لي به من‏ أهل ودّي إن فاؤوا

* * *

و لو لا جوار ابن الحكيم محمد* * *لما فات نفسي من بني الدهر إقماء

* * *

حماني فلم تنتب محلّي نوائب‏* * *بسوء و لم ترزأ فؤادي أرزاء

* * *

و أكفاء بيتي في كفالة جاهه‏* * *فصاروا عبيدا لي و هم لي أكفاء

* * *

يؤمّون قصدي طاعة و محبة* * *فما عفته عافوا و ما شئته شاءوا

* * *

دعاني إلى المجد لذي كنت آملا* * *فلم يك لي عن دعوة المجد إبطاء

* * *

و بوّأني من هضبة العزّ تلعة* * *يناجي السّها منه‏ صعود و طأطاء

* * *

يشيّعني منها إذا سرت حافظ* * *و يكلأني منها إذا نمت كلّاء

* * *

و لا مثل نومي في كفالة غيره‏* * *و للذّئب إلمام و للصّلّ إلماء

* * *

بغيضة ليث أن بمرقب خالب‏* * *تندّ كسا فيه و تقطع أكساء

* * *

إذا كان لي من نائب الملك كافل‏* * *ففي حيثما هوّمت كنّ و إدفاء

* * *

و إخوان صدق من صنايع جاهه‏* * *يبادرني منهم قيام و إيلاء

* * *

سراع لما يرجى من الخير عندهم‏* * *و من كلّ ما يخشى من الشّرّ أبراء

* * *

إليك أبا عبد الإله صنعتها* * *لزوميّة فيها لوجدي إفشاء

* * *

مبرّاة مما يعيب لزومها* * *إذا عاب إكفاء سواها و إيطاء

* * *

أذعت بها السّرّ الذي كان قبلها* * *عليه لأحناء الجوانح إضناء

* * *

و إن لم يكن كلّ الذي كنت آملا* * *و أعوز إكلاء فما عاز إكماء

* * *

و من يتكلّف مفحما شكر منّة* * *فما لي إلى ذاك التكلّف إلجاء

* * *

إذا منشد لم يكن عنك و منشئ‏* * *فلا كان إنشاد و لا كان إنشاء

* * *

____________

(1) في النفح: «في».

(2) في أزهار الرياض: «ودّي إرفاء».

(3) الإقماء: الإذلال. لسان العرب (قمأ).

(4) في المصدرين: «و أكفأ»؛ يقال: أكفأ البيت إذا ستره. لسان العرب (أكفأ).

(5) في الأصل: «شاء». و التصويب من المصدرين.

(6) في المصدرين: «منها».

(7) الطأطأ: المنخفض من الأرض. لسان العرب (طأطأ).

(8) في الأصل: «يشاعني فيها» و التصويب من المصدرين.

(9) الكلّاء: الحافظ. لسان العرب (كلأ).

(10) في المصدرين: «تبزّ».

(11) الأبراء: جمع بري‏ء و هو الذي لا ذنب له. لسان العرب (برأ).

(12) الإكفاء و الإيطاء: عيبان من عيوب القافية. راجع: كتاب القوافي للأخفش (ص 43، 55).

(13) الإكماء: كثرة الكمأة. لسان العرب (كمأ).

388

و من شعره قوله: [المتقارب‏]

أطار فؤادي برق ألاحا* * *و قد ضمّ بعد لوكر جناحا

* * *

كأنّ تألّقه في الدّجى‏* * *حسام جبان يهاب الكفاحا

* * *

أضاء و للعين إغفاءة* * *تلذّ إذا ما سنا الفجر لاحا

* * *

كمعنى خفيّ بدا بعضه‏* * *و زيد بيانا فزاد اتّضاحا

* * *

كأن النجوم و قد غربت‏* * *نواهل ماء صدرن قماحا

* * *

لواغب باتت تجدّ السّرى‏* * *فأدركها الصبح روحي طلاحا

* * *

و قد لبس الليل أسماله‏* * *فمحّت عليه بلا و انصياحا

* * *

و أيقظ روض الرّبا زهره‏* * *فحيّا نسيم صباه الصّباحا

* * *

كأنّ النهار و قد غالها* * *مبيت مال حواه اجتياحا

* * *

أتى يستفيض دموعي امتياحا* * *و يلهب نار ضلوعي اقتداحا

* * *

فلم يلق دجن انتحابي شحيحا* * *و لم يلف زند اشتياقي شحاحا

* * *

و لو لا توقّد نار الحشا* * *لأنفدت ماء جفوني امتياحا

* * *

و ممّا يشرّد عني الكرى‏* * *هديل حمام إذا نمت صاحا

* * *

ينوح عليّ و أبكي له‏* * *فأقطع ليلي بكا أو نياحا

* * *

أعين، أريحي أطلت الأسى‏* * *عليك و ما زدت إلّا انتزاحا

* * *

دعيني أرد ماء دمعي فلم‏* * *أرد بعد مائك ماء قراحا

* * *

أحنّ إليك إذا سفت ريحا* * *و أبكي عليك إذا ذقت راحا

* * *

و أفنى التياحا إليك و كم‏* * *أشحت بوجهي عنك اتّشاحا

* * *

و لو لا سخائم قوم أبوا* * *إيابي ركبت إليك الرّياحا

* * *

أباحوا حماي و كم مرة* * *حميت حمى عرضهم أن يباحا

* * *

و دافعت عنهم بشعري انتصارا* * *فكان الجزاء جلائي المتاحا

* * *

أباعوا ودادي بخسا فسل‏* * *أكان سماحهم بي رباحا؟

* * *

و أغروا بنفسي طلابها* * *سرارا فجاءوا لقتلي صراحا

* * *

و آلوا يمينا على أنّ ما* * *توهّمت لم يك إلّا مزاحا

* * *

فشاورت نفسي في ذا فما* * *رأت لي بغير الفلاة فلاحا

* * *

فبتّ أناغي نجوم الدّجى‏* * *نجاء فلم ألق إلّا نجاحا

* * *

389

أجوب الدياجير وحدي و لا* * *مؤانس إلّا القطا و السّراحا

* * *

و إلّا الثعالب تحتس في‏* * *مبيتي فتملأ سمعي ضباحا

* * *

أجوز الأفاحيص فيحا قفارا* * *و أعرو الأداحيّ غبرا فساحا

* * *

فأعيي شوارد هذي عداء* * *و أعلو لواغي تلك صياحا

* * *

و جوّاب بدو إذا استنبحوا* * *أجابوا عواء و أمّوا النّباحا

* * *

يرون قتالي في الحجر حلّا* * *و إذهاب نفسي فيه مباحا

* * *

قصدت هناهم فلم أخطهم‏* * *أعاجم شوس العيون قباحا

* * *

فسل كيف كان خلاصي من‏* * *أ سارهم أسرى أم سراحا؟

* * *

و لا مثل بيت تيمّمته‏* * *فلم ألف إلّا الغنا و السّماحا

* * *

عيابا ملاء و نيبا سمانا* * *و غيدا خدالا و عودا أقاحا

* * *

و إلّا أعاريب شمّ الأنوف‏* * *كرام الجدود فصاحا صباحا

* * *

و إلّا يعافير سود العيون‏* * *يرين فساد المحبّ صلاحا

* * *

يردّدن فينا لحاظا مراضا* * *يمرّضن منّا القلوب الصّحاحا

* * *

و تحت الوجاح طلا ربرب‏* * *لو أنّ‏ القيان رفعن الوجاحا

* * *

أراني محاسن منه فلم‏* * *أطق عن حماه بقلبي براحا

* * *

محيّا و سيما و فرعا أثيثا* * *و قدّا قويما و ردفا رداحا

* * *

و أبدى لعيني بدائع لم‏* * *يدع لي عقلا بها حين راحا

* * *

إذا لم يرد غير سفك دمي‏* * *فحلّ و بلّ‏ له ما استباحا

* * *

و ما زلت سمحا بنفسي كذا* * *متى ما رأيت الوجوه الملاحا

* * *

و بابن رشيد تعوّذت من‏* * *هواه فقد زدت فيه افتضاحا

* * *

و قد ضاق صدري عن كتمه‏* * *و أودعته جفن عيني فباحا

* * *

____________

(1) السّراح: جمع سرحان و هو الذئب. محيط المحيط (سرح).

(2) الضّباح: صوت الثعلب. محيط المحيط (ضبح).

(3) الأفاحيص: جمع أفحوص و هو الموضع الذي تبيض فيه القطا. الأداحيّ: جمع أدحيّ و هو مبيض النعام. محيط المحيط (فحص) و (دحا).

(4) العياب: جمع عيبة و هي ما يجعل فيها الثياب. و النّيب: جمع نيباء و هي الناقة المسنّة. و الغيد الخدال: الغليظة الممتلئة. محيط المحيط (عيب) و (نيب) و (خدل).

(5) الوجاح: السّتر. الربرب: القطيع من بقر الوحش. محيط المحيط (وجح) و (ربرب).

(6) في الأصل: «لو أنّ» و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا الهمزة الأصلية همزة وصل.

(7) حلّ و بلّ: حلال و مباح. محيط المحيط (حلل).

390

و بابن رشيد تعوّذت من‏* * *خطوب أجلن عليّ القداحا

* * *

ألحّ الزمان بأحداثه‏* * *فألقيت طوعا إليه السّلاحا

* * *

أعاد شبابي مشيبا كما* * *سمعت و صيّر نسكي طلاحا

* * *

و فرّق بيني و بين الأهيل‏* * *و لم ير ذا عليه جناحا

* * *

أخي و سمييّ، أصخ مسعدا* * *لشجو حزين إليك استراحا

* * *

فقد جبّ ظهري على ضعفه‏* * *كداما و أدهى شواتي نطاحا

* * *

و طوّح بي عن تلمسان ما* * *ظننت فراقي لها أن يتاحا

* * *

و أعجل سيري عنه و لم‏* * *يدعني أودّع تلك البطاحا

* * *

نأى بصديقك عن ربعه‏* * *فكان له النّأي موتا صراحا

* * *

و كان عزيزا على قومه‏* * *إذا هاج خاضوا إليه الرّماحا

* * *

فها هو إن قال لم يلتفت‏* * *إليه امتهانا له و اطّراحا

* * *

عجبت لدهري هذا و ما* * *ألاقي مساء به و صباحا

* * *

لقد هدّ منّي ركنا شديدا* * *و ذلّل منّي حياء لقاحا

* * *

وقيت الرّدى من أخ مخلص‏* * *لو اسطعت‏ طرت إليه ارتياحا

* * *

و إني على فيح ما بيننا* * *لأتبع ذاك الشّذا حيث فاحا

* * *

أحنّ إليه حنين الفحول‏* * *و نوح الحمام إذا هو ناحا

* * *

و أسأل عنه هبوب النّسيم‏* * *و خفق الوميض إذا ما ألاحا

* * *

و إن شئت عرفان حالي و ما* * *يعانيه جسمي ضنى أو صحاحا

* * *

فقلب يذوب إليك اشتياقا* * *و صدر يفاح إليك انشراحا

* * *

و غرس وداد أصاب فضاء* * *نديّا و صادف أرضا براحا

* * *

كراسخ مجد تأثّلته‏* * *فلم تخش بعد عليه امتصاحا

* * *

و علياء بوّئتها لو بغى‏* * *سموّا إليها السّماك لطاحا

* * *

مكارم جمّعت أفذاذها* * *فكانت لعطف علاك و شاحا

* * *

و درس علوم تهيم بها* * *عمرت الغدوّ به و الرّواحا

* * *

____________

(1) الطّلاح: ضدّ الصلاح. محيط المحيط (طلح).

(2) جبّ: قطع. و الكدام: أصل المرعى و هو نبات يتكسّر على الأرض. محيط المحيط (جبب) و (كدم).

(3) الصّراح: الخالص من كل شي‏ء. محيط المحيط (صرح).

(4) في الأصل: «استطعت»، و كذا ينكسر الوزن.

391

نشأت عن الخير و اعتدته‏* * *فلم تدر إلّا التّقى و الصّلاحا

* * *

و قمت لها أيّما رحلة* * *كسحت المعارف فيها اكتساحا

* * *

بهرت رجال الحديث اقتداء* * *و فتّ رجال الكمال اقتراحا

* * *

فما إن جليس إذا قلت قال‏* * *أو أنّ‏ الخطيب إذا لحت لاحا

* * *

و لو لم تحجّ بها مكة* * *لحجّ الملائك عنك صراحا

* * *

و أما أنا بعد نهي النّهى‏* * *فما زادني الطّبع إلّا جماحا

* * *

أدير كؤوس هواي اغتباقا* * *و أشرب ماء دموعي اصطباحا

* * *

فبرّد جواي بردّ جواب‏* * *توبّخ فيه مشي الوقاحا

* * *

و هنّ بنيّات فكري و قد* * *أتيتك فاخفض لهنّ الجناحا

* * *

و من شعره، (رحمه اللّه)، و له يمدح ذا الوزارتين المتقدم ذكره، و يذكر غفارة وجّهها له مع هدية: [الكامل‏]

كبت العدى، إنعامك البغت‏* * *فلي الهناء و للعدى الكبت‏

* * *

يا من إلى جدوى أنامله‏* * *يزجى السّفين و تزجر البخت‏

* * *

لولاك لم يوصل بناحية* * *و خد و لم يقطع بها دشت‏

* * *

لولاك لم يطلع بها نشر* * *منه و لم يهبط بها خبت‏

* * *

خوّلتني ما لم تسعه يدي‏* * *فأصابني من كثره غمت‏

* * *

شتّى أياد كلما عظمت‏* * *عندي تلكّأ خاطري الهتّ‏

* * *

يعيا لساني عن إذاعتها* * *و يضيق عن شكري لها الوقت‏

* * *

و طّأت لي الدنيا فلا عوج‏* * *فيما أرى منها و لا أمت‏

* * *

أمكنتني منها فما ليدي‏* * *ردء و لا لمقالتي عتّ‏

* * *

بالغت في برّي و لا نسب‏* * *أدلي إليك به و لا حسب‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «أو أنّ» و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا الهمزة الأصلية همزة قطع.

(2) في الأصل: «الهنا» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «للسفين» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى. و السفين: جمع سفينة و هي المركب.

و البخت، بضم الخاء: الإبل الخراسانية. محيط المحيط (سفن) و (بخت).

(4) الدّشت: الصحراء. محيط المحيط (دشت).

(5) الغمت هنا بمعنى: التخمة؛ يقال: غمته الطعام: ثقل على قلبه فصيّره كالسكران. محيط المحيط (غمت).

(6) الهتّ: المكسور؛ يقال: هتّ الشي‏ء إذا كسره و فتّه. محيط المحيط (هتت).

392

لكنّ حسبي إن متتّ به‏* * *يوما إليك ودادي البحت‏

* * *

بوركت من رجل برؤيته‏* * *يوسى الضّنى و يعالج الغتّ‏

* * *

لو سار في بهماء مقفرة* * *في حيث لا ماء و لا نبت‏

* * *

لتفجّر الماء النّمير بها* * *و لأعشبت أرجاؤها المرت‏

* * *

لا تحسبنّ البخت نيل غنى‏* * *نيل الرضا منه هو البخت‏

* * *

آلت جلالته و حقّ لها* * *أن لا يحيط بكنهها نعت‏

* * *

أظهرت دين اللّه في زمن‏* * *ما زال يغلب حقّه البهت‏

* * *

شيّدته و هددت ممتعضا* * *لضياعه ما شيّد الجبت‏

* * *

أمّنت أرض المسلمين فلا* * *ذئب يخاف بها و لا لصت‏

* * *

و حفظتها من كل نائبة* * *تخشى فأنت حفيظها الثّبت‏

* * *

و نهجت سبل‏ المكرمات فما* * *لمؤمّل عن غايه ألت‏

* * *

لم تبق غفلا من متالعها* * *إلّا و فيه لحائر برت‏

* * *

هادن طغاة الكفر ما هدأت‏* * *حتى يجي‏ء نهارها المحت‏

* * *

دعها تودّع في معاقلها* * *ما لم تعدّ جفاتها العفت‏

* * *

كم ذدتها عنّا و قد هبرت‏* * *لهراشنا أشداقها الهرت‏

* * *

بوقوف طرفك عند شدّته‏* * *يبأى و يفخر ملكها الرّتّ‏

* * *

و الشّكر ما أظهرت من كرم‏* * *في ذاك تفصح عجمها المرت‏

* * *

لك من ممالكها و إن رغمت‏* * *ما جال فيه جوادك الحتّ‏

* * *

و لكلّ أصيد من بطارقها* * *في كلّ أري له دعت‏

* * *

____________

(1) الغتّ: الغمّ و الحزن. لسان العرب (غتت).

(2) الجبت: الذي لا خير فيه. محيط المحيط (جبت).

(3) اللّصت: اللصّ. محيط المحيط (لصت).

(4) في الأصل: «سبيل» و كذا ينكسر الوزن.

(5) الألت: مصدر ألته، أي حبسه و صرفه عن وجهه. محيط المحيط (ألت).

(6) البرت: الدليل الماهر. محيط المحيط (برت).

(7) النهار المحت: الحارّ. محيط المحيط (محت).

(8) العفت: مصدر عفت؛ يقال عفت الشي‏ء إذا لواه و كسره. محيط المحيط (عفت).

(9) الأشداق الهرت: الواسعة. محيط المحيط (هرت).

(10) الرّتّ: الرئيس. محيط المحيط (رتت).

(11) في الأصل: «و يشكر»، و كذا ينكسر الوزن.

(12) الحتّ: الساقط. محيط المحيط (حتت).

(13) الدّعت: الدّفع الشديد. محيط المحيط (دعت).

393

لو لا لباك البيض ما أرقت‏* * *للقائها أفراسنا الكمت‏

* * *

عندي‏ لمن ينتابه مقة* * *و لمن ينيب لغيره مقت‏

* * *

و لو أنّ‏ بيضك لم تسل لمّا* * *ذلّت أنوف طغاتها السّلت‏

* * *

يا ابن الحكيم أمنت صرف ردى‏* * *أبدا له في أثلتي نحت‏

* * *

و بيمنه أنّست من أملي‏* * *ما لم يكن يوما له عرت‏

* * *

مثنى الوزارة موئلي و له‏* * *ما دمت أملك قدرتي أقت‏

* * *

و ببأسه أطفي شرارة من‏* * *يعثو و أقدح أنف من يعتو

* * *

عمّ الورى جودا و فضل غنى‏* * *حتى تساوى العدّ و الغلت‏

* * *

و همي على عال و منخفض‏* * *لم يبق فوق لا و لا تحت‏

* * *

ظلّ إذا نصطاف معتدل‏* * *عطر الشّذا و حيا إذا نشتو

* * *

يتضاءل الصبح المنير إذا* * *لاقى سناه جبينك الصّلت‏

* * *

حتى كأن شمس الضحى قمر* * *و كأنّ ضوء شعاعها فخت‏

* * *

و غريبة في لطف صنعتها* * *يمضي الزمان و ما لها أخت‏

* * *

ينأى النّدى بها إذا لبست‏* * *و يتيه إن طويت بها التّخت‏

* * *

زنجيّة لكن لمحتدها* * *في الرّوم يعنو القسّ و الشّنت‏

* * *

مثل العروس على منصّتها* * *من شأنها التّزيين و الزّتّ‏

* * *

لأكون أنحل ما أكون هدى‏* * *فيها فيعبل جسمي الشّخت‏

* * *

و بمثل شيبي فوق حلكتها* * *يبدو الوقار و يحفظ السّمت‏

* * *

تظهرنني‏ بلباسها و به‏* * *عندي لها الإيثار ما عشت‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «عنده»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «و لو أنّ» و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا الهمزة الأصلية همزة وصل.

(3) الأثلة: الأصل؛ و قوله: له في أثلتي نحت: أي يطعن في حسبي. محيط المحيط (أثل).

(4) العرت: الشدّة و الاضطراب. محيط المحيط (عرت).

(5) الأقت: الوقت المعين. محيط المحيط (أقت).

(6) في الأصل: «يعت» بدون واو.

(7) الغلت: الغلط. محيط المحيط (غلت).

(8) في الأصل: «نشت» بدون واو.

(9) الفخت: ضوء القمر أول ما يبدو. محيط المحيط (فخت).

(10) الشّنت: كلمة إسبانيةSanto ، و تعني القديس.

(11) زتّ العروس: تزيينها. محيط المحيط (زتت).

(12) في الأصل: «تظهريني» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

394

لا زلت تؤثرني بها أبدا* * *و لا تف من يشقى بذا السّلت‏

* * *

و بقيت تدرك ما تريد و ما* * *تهوى بقاء ما له فتّ‏

* * *

و من شعره أيضا في المدح قوله، (رحمه اللّه)، من قصيدة ثبتت في ديوان مجموع من أمداحه منها قوله: [الكامل‏]

طرقتك و هنا أخت آل علاج‏* * *و الرّكب بين دكادك و حراج‏

* * *

في ليلة ليلاء لم ينبح بها* * *كلب و لم يصرخ أذين دجاج‏

* * *

أنّى اهتدت لمضللين توهّنوا* * *منها لهتك دياجر و دياج‏

* * *

متسربلي برد الظّلام كأنهم‏* * *فيه قداح في رماية ساج‏

* * *

وثقوا بمحمود السّرى و تسلّموا* * *لمخارم مجهولة و فجاج‏

* * *

و منازل درس الرسوم بلاقع‏* * *أخوين من هيج و من هجهاج‏

* * *

محّت معالمهنّ غير مثلّم‏* * *كسوار تاج أو كدملج عاج‏

* * *

و مواثل مثل الحمام جواثم‏* * *ورق و أسمج دائم التّشحاج‏

* * *

و مشجّج ما زال منهل الحيا* * *يبكي صداه بدمعه الثّجّاج‏

* * *

حتى أعاد لعوده أوراقه‏* * *خضر الظّلال ذكيّة الآراج‏

* * *

و كسا عراة عراصه من وشيه‏* * *حللا تبوّر صنعة الديباج‏

* * *

لا مثل ليلات مضين سريعة* * *بردت حرارة قلبي المهتاج‏

* * *

أدركت منها في صباي مطالبي‏* * *و قضيت منها في شبابي حاجي‏

* * *

كم ليلة مرّت و لم يشعر بها* * *غيري و غير منادمي و سراجي‏

* * *

بتنا ندير إلى انبلاج صباحها* * *كأس الهوى صرفا بغير مزاج‏

* * *

و تدير أعيننا حديث غرامنا* * *بمرامز من فضّها و أحاج‏

* * *

بمآرج النّفحات من دارين أو* * *بمدارج النّسمات من درّاج‏

* * *

و خلوص ودّ في نقاء سريرة* * *كسلاف راح في صفاء زجاج‏

* * *

أمحضته حظّي من الزمن الذي‏* * *أعيا مرامي أهله و علاجي‏

* * *

و اخترت قرب جواره لخلوصه‏* * *و تركت كلّ مماذق‏ مرّاج‏

* * *

ما في زمانك غيره فاخلص له‏* * *غيبا و داهن من أردت وداج‏

* * *

لا تحفلنّ بغيره و استعفين‏* * *بوقاره عن كل غمر ماج‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «حاج» بدون ياء.

(2) في الأصل: «و سراج» بدون ياء.

(3) في الأصل: «و علاج» بدون ياء.

(4) مماذق: غير مخلص. محيط المحيط (مذق).

395

اترك بني الدنيا و أعرض عنهم‏* * *فعساك تطعم لذّة الإثلاج‏

* * *

نزّهت نفسي عنهم بنواله‏* * *و حفظتها من جاهه بسياج‏

* * *

أصبحت من آلائه و ولائه‏* * *في عزّة ضحيا و عزّ داج‏

* * *

و لو انني‏ عجت الركاب ميمّما* * *أحدا سواه ما حمدت معاجي‏

* * *

طلق إذا احتلك الزمان أنار في‏* * *ظلمائه كالكوكب الوهّاج‏

* * *

طود الرّصانة و الرّزانة و الحجا* * *بحر النّدى المتلاطم الأمواج‏

* * *

و غمامه الهامي على آماله‏* * *من غير إرعاد و لا إرعاج‏

* * *

و هزبر آجام القنا الضّاري إذا* * *سقطت عواتمها على الأزجاج‏

* * *

ضمن الإله له على أعدائه‏* * *ما شاء من ظفر و من إفلاج‏

* * *

أبقى أبو عبد الإله محمد* * *ما شاد والده أبو الحجّاج‏

* * *

و بنى أبو إسحاق قبل و صنوه‏* * *ركنا الضعيف و معدنا المحتاج‏

* * *

و جرى على آثار أسلاف لهم‏* * *درجوا و كلّهم على منهاج‏

* * *

ما منهم إلّا أعزّ مبارك‏* * *مصباح ليل أو صباح عجاج‏

* * *

بيت بنوه من سراوة حمير* * *في الذّروة العلياء من صنهاج‏

* * *

كم كان في الماضين من أسلافهم‏* * *من ربّ إكليل و صاحب تاج‏

* * *

أساس كل رئاسة و رؤوس كل* * *ل سياسة و ليوث كل هياج‏

* * *

أعيت نجوم الليل من سهر و ما* * *أعيا أبو موسى من الإدلاج‏

* * *

حتى أصارته لرحمة ربّه‏* * *يوم العقاب وقيعة الأعلاج‏

* * *

و أقيم نجل أخيه بعد مقامه‏* * *فيهم يطاعن مثله و يواج‏

* * *

فردا يلفّ كتائبا بكتائب‏* * *و يكبّ أفواجا على أفواج‏

* * *

حتى تجلّى دجن كلّ عجاجة* * *عنهم و أمسك رعد كل ضجاج‏

* * *

من مثل يوسف في قراع كتائب‏* * *و لقاء أعداء و خوض لجاج؟

* * *

أو من يشقّ من الأنام غباره‏* * *في ردّ آراء و نقض حجاج‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «و لو أنني» و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا الهمزة الأصلية همزة وصل.

(2) في الأصل: «معاج» بدون ياء.

(3) أبو عبد الإله محمد هو الغني بالله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن نصر، و قد تقدمت ترجمته في أول هذا الجزء من الإحاطة. و والده أبو الحجاج هو يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن نصر، و سيترجم له ابن الخطيب في الجزء الرابع من الإحاطة.

396

إن خاض يوما في بيان حقيقة* * *أنهى عن الثّوري و الحلّاج‏

* * *

و إذا تكلّم في الغريب و ضبطه‏* * *لم يعبأ بالعتبيّ و الزّجّاج‏

* * *

أنست قصائد جرول أشعاره‏* * *و أراجز العجليّ و العجّاج‏

* * *

جمع الفصاحة و الصبّاحة و التقى‏* * *و الجود في وجد و في إحراج‏

* * *

تخشاه أسد الغاب في أجماتها* * *و الرّوم في الأسوار و الأبراج‏

* * *

إنّا بني قحطان لم نخلق لغي* * *ر غياث ملهوف و منعة لاج‏

* * *

نبري طلى الأعراب في الهيجا و في الل* * *أواء سوف نماري الأعراجي‏

* * *

بسيوفنا البيض اليمانية التي‏* * *طبعت لحزّ غلاصم و وداج‏

* * *

تأبى لنا الإحجام عن أعدائنا* * *يوم اللّقاء طهارة الأمشاج‏

* * *

أنصار خير العالمين و حزبه‏* * *و حماته في الجحفل الرّجراج‏

* * *

و فداته بنفوسهم و نفيسهم‏* * *من غدر مغتال و سبّة هاج‏

* * *

هم صفوة الخلق التي اختيرت له‏* * *و سواهم همج من الأهماج‏

* * *

إلّا الألى سبقوا بباهر فضلهم‏* * *من سائر الأصحاب و الأزواج‏

* * *

و كفى بحكمتنا إقامة حجّة* * *و بركننا من كعبة الحجّاج‏

* * *

و لنا مفاخر في القديم شهيرة* * *كالصّبح في وضح و في إبلاج‏

* * *

منّا التّبابعة الذين ببابهم‏* * *كانت تنيخ جباة كلّ خراج‏

* * *

و لأمرهم كانت تدين ممالك ال* * *دّنيا بلا قهر و لا إحراج‏

* * *

من يقتدح زندا فإنّ زنادهم‏* * *في الجود وارية بلا إخراج‏

* * *

____________

(1) الثوري: هو سفيان بن سعيد الثوري، إمام علم الحديث و غيره من العلوم. توفي سنة 161 ه.

و فيات الأعيان (ج 2 ص 322). و الحلاج: هو الحسين بن منصور، الزاهد المشهور، و المتوفى سنة 309 ه. الفهرست (ص 328).

(2) العتبي: هو محمد بن عبيد اللّه بن عمرو، الذي اشتهر بالفصاحة. توفي سنة 228 ه. معجم الشعراء (ص 420). و الزجاج: هو إبراهيم بن محمد بن السري، النحوي، المتوفى سنة 310 ه. بغية الوعاة (ص 179).

(3) جرول: هو جرول بن أوس بن مالك، المعروف بالحطيئة. توفي نحو 30 ه. فوات الوفيات (ج 1 ص 276). و العجلي: هو الأغلب بن عمرو بن عبيدة، شاعر راجز، توفي سنة 21 ه.

الأعلام (ج 1 ص 335) و فيه ثبت بأسماء المصادر التي ترجمت له. و العجّاج: هو عبد اللّه بن رؤبة، راجز مجيد، توفي نحو 590. الأعلام (ج 4 ص 86) و فيه ثبت بأسماء المصادر التي ترجمت له.

(4) في الأصل: «الأعراج» بدون ياء. و الطّلى: جمع طلية و هي العنق. و اللأواء: الشدة و المحنة.

و نماري: نجادل. محيط المحيط (لأى) و (مرى).

397

أبوابهم مفتوحة لضيوفهم‏* * *أبدا بلا قفل و لا مزلاج‏

* * *

و مما اشتهر من شعره قوله‏: [السريع‏]

أرّق عيني بارق من أثال‏* * *كأنّه في جنح ليلي ذبال‏

* * *

أثار شوقا في‏ ضمير الحشا* * *و عبرتي في صحن خدّي أسال‏

* * *

حكى فؤادي قلقا و اشتعال‏* * *و جفن عيني أرقا و انهمال‏

* * *

جوانح تلفح نيرانها* * *و أدمع تنهلّ مثل العزال‏

* * *

قولوا و شاة الحبّ ما شئتم‏* * *ما لذّة الحبّ سوى أن يقال‏

* * *

عذرا للوّامي‏ و لا عذر لي‏* * *فزلّة العالم ما إن تقال‏

* * *

قم نطرد الهمّ بمشمولة* * *تقصّر الليل إذا الليل طال‏

* * *

و عاطها صفراء ذمّيّة* * *تمنعها الذّمّة من أن تنال‏

* * *

كالمسك ريحا و اللّمى مطعما* * *و التّبر لونا و الهوى في اعتدال‏

* * *

عتّقها في الدّنّ خمّارها* * *و البكر لا تعرف غير الحجال‏

* * *

لا تثقب المصباح‏ لا و اسقني‏* * *على سنى البرق و ضوء الهلال‏

* * *

فالعيش نوم و الرّدى يقظة* * *و المرء ما بينهما كالخيال‏

* * *

خذها على تنغيم مسطارها* * *بين خوابيها و بين الدّوال‏

* * *

في روضة باكر وسميّها* * *أخمل دارين و أنسى أوال‏

* * *

كأنّ فأر المسك مغبوقة* * *فيها إذا هبّت صبا أو شمال‏

* * *

من كلّ‏ ساجي الطّرف ألحاظه‏* * *مفوّقات أبدا للنضال‏

* * *

من عاذري و الكلّ لي عاذل‏* * *من حسن الوجه قبيح الفعال‏

* * *

من خلّبيّ الوعد كذّابه‏* * *ليّان لا يعرف غير المطال‏

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 338- 339) و أزهار الرياض (ج 2 ص 306- 308).

(2) في أزهار الرياض: «من صميم».

(3) أراد العزالي و هي جمع عزلاء، و العزلاء هو مصب الماء من الراوية. محيط المحيط (عزل).

(4) في أزهار الرياض: «أعذر لوّامي».

(5) أثقب المصباح: جعل ضوءه ساطعا. لسان العرب (ثقب).

(6) المسطار، بضم الميم و كسرها و سكون السين: الخمرة الصارعة لشاربها. محيط المحيط (سطر).

(7) الوسميّ: مطر الربيع الأول. و أوال: الاسم القديم للبحرين.

(8) في المصدرين: «مفتوتة».

(9) في المصدرين: «من كفّ».

(10) في المصدرين: «عاذر».

398

كأنه الدهر و أيّ امرئ‏* * *يبقى على حال‏ إذا الدهر حال‏

* * *

أما تراني آخذا ناقضا* * *عليه ما سوّغني من محال؟

* * *

و لم أكن قطّ له عائبا* * *كمثل ما عابته قبلي رجال‏

* * *

يأبى ثراء المال علمي، و هل‏* * *يجتمع الضّدّان: علم و مال؟

* * *

و تأنف الأرض مقامي بها* * *حتى تهاداني ظهور الرجال‏

* * *

لو لا بنو زيّان ما لذّ لي ال* * *عيش و لا هانت عليّ اللّيال‏

* * *

هم خوّفوا الدهر و هم خفّفوا* * *على بني الدهر خطاه الثّقال‏

* * *

ورثت‏ من عامرهم سيّدا* * *غمر رداء الحمد عمر النّوال‏

* * *

و كعبة للجود منصوبة* * *يسعى إليها الناس من كل حال‏

* * *

خذها أبا زيّان من شاعر* * *مستملح النّزعة عذب المقال‏

* * *

يلتفظ الألفاظ لفظ النّوى‏* * *و ينظم الآلاء نظم اللآل‏

* * *

مجاريا مهيار في قوله‏* * *(ما كنت لو لا طمعي في الخيال)

* * *

و مما قال أيضا، و اشتمل ذلك على شي‏ء من نظمه و نثره، و هذا الرجل مغرب النزعة، في شفوف نظمه على نثره‏: [الكامل‏]

عجبا لها أ يذوق طعم وصالها* * *من ليس يطمع‏ أن يمرّ ببالها؟

* * *

و أنا الفقير إلى تعلّة ساعة* * *منها، و تمنعني زكاة جمالها

* * *

كم ذاد عن‏ عيني الكرى متأنف‏* * *يبدو و يخفى في خفيّ مطالها

* * *

____________

(1) في المصدرين: «على الدهر».

(2) في المصدرين: «الرّحال».

(3) في المصدرين: «الدنيا».

(4) في النفح: «لقيت»، و في أزهار الرياض: «ألفيت».

(5) في المصدرين: «جمّ».

(6) في المصدرين: «بال».

(7) هو مهيار الديلمي، و عجز هذا البيت هو مطلع قصيدة [السريع‏]:

ما كنت لو لا طمعي في الخيال‏* * *أنشد ليلي بين طول الليال‏

* * *

ديوان مهيار الديلمي (ج 3 ص 166) و نفح الطيب (ج 7 ص 339) و أزهار الرياض (ج 2 ص 308).

(8) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 343- 344) و أزهار الرياض (ج 2 ص 319- 322).

(9) في المصدرين: «يأمل».

(10) في الأصل: «كم ذا و عن»، و التصويب من المصدرين.

(11) في المصدرين: «متألّق».

399

يسمو لها بدر الدّجى متضائلا* * *كتضاؤل الحسناء في أسمالها

* * *

و ابن السّبيل يجي‏ء يقبس نارها* * *ليلا فتمنحه عقيلة مالها

* * *

يعتادني في النوم طيف خيالها* * *فتصيبني ألحاظها بنبالها

* * *

كم ليلة جادت به فكأنّما* * *زفّت عليّ ذكاء وقت زوالها

* * *

أسرى فعطّلها و عطّل شهبها* * *بأبي شذا المعطار من معطالها

* * *

و سواد طرّته كجنح ظلامها* * *و بياض غرّته كضوء هلالها

* * *

دعني أشم بالوهم أدنى لمحة* * *من ثغرها و أشمّ مسكة خالها

* * *

ما راد طرفي في حديقة خدّها* * *إلّا لفتنته بحسن دلالها

* * *

أ نسيب شعري رقّ مثل نسيمها* * *فشمول راحك مثل ريح شمالها

* * *

و انقل أحاديث الهوى و اشرح غري* * *ب لغاتها و اذكر ثقات رجالها

* * *

و إذا مررت برامة فتوقّ من‏* * *أطلائها و تمشّ في أطلالها

* * *

و انصب لمغزلها حبالة قانص‏* * *ودع الكرى شركا لصيد غزالها

* * *

و أسل جداولها بفيض دموعها* * *و انضح جوانحها بفضل سجالها

* * *

أنا من بقيّة معشر عركتهم‏* * *هذي النّوى عرك الرّحى بثفالها

* * *

أكرم بها فئة أريق نجيعها* * *بغيا فراق العين حسن جمالها

* * *

حلّت مدامة وصلها و حلت لهم‏* * *فإن انتشوا فبحلوها و حلالها

* * *

بلغت بهرمس غاية ما نالها* * *أحد وناء بها لبعد منالها

* * *

وعدت على سقراط صورة كأسها* * *فهريق ما في الدّن من جريالها

* * *

____________

(1) أخذه من قول أبي تمام [الكامل‏]:

كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت‏* * *كتضاؤل الحسناء في الأطمار

* * *

ديوان أبي تمام (ص 134).

(2) عقيلة المال: أكرمه. محيط المحيط (عقل).

(3) ذكاء: اسم الشمس. محيط المحيط (ذكو).

(4) في الأصل: «أسري فعطرها و عطل شهبها يأبى ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(5) في المصدرين: «لمعة».

(6) الأطلاء: جمع طلا و هو ولد الظبية. لسان العرب (طلا).

(7) في الأصل: «بثقالها» و التصويب من المصدرين. و هنا يعتمد الشاعر على قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:

فتعرككم عرك الرّحى بثفالها* * *و تلقح كشافا ثم تنتج فتتئم‏

* * *

المعلقات العشر (ص 122).

(8) في المصدرين: «مآلها».

(9) في المصدرين: «سورة».

400

و سرت إلى فاراب منها نفحة* * *قدسيّة جاءت بنخبة آلها

* * *

ليصوغ من ألحانه في حانها* * *ما سوّغ القسيس من أرمالها

* * *

و تعلقت‏ في سهرورد فأسهرت‏* * *عينا يؤرّقها طروق خيالها

* * *

فخبا شهاب الدّين لمّا أشرقت‏* * *و خبا فلم يثبت لنور جلالها

* * *

ما جنّ مثل جنونه أحد و لا* * *سمحت يد بيضا بمثل نوالها

* * *

و بدت على الشّوذيّ‏ منها نفحة* * *ما لاح منها غير لمعة آلها

* * *

بطلت حقيقته و حالت حاله‏* * *فيما يعبّر عن حقيقة حالها

* * *

هذي صبابتهم ترقّ صبابة* * *فيروق شاربها صفاء زلالها

* * *

اعلم أبا الفضل بن يحيى أنني‏* * *من بعدها أجري على آسالها

* * *

فإذا رأيت مولّها مثلي فخذ* * *في عذله إن كنت من عذّالها

* * *

لا تعجبنّ لما ترى من شأنها* * *في حلّها إن كان أو ترحالها

* * *

فصلاحها بفسادها و نعيمها* * *بعذابها و رشادها بضلالها

* * *

و من العجائب أن أقيم ببلدة* * *يوما و أسلم من أذى جهّالها

* * *

شغلوا بدنياهم أما شغلتهم‏* * *عنّي فكم ضيّعت من أشغالها

* * *

حجبوا بجهلهم فإن لاحت لهم‏* * *شمس الهدى عبثوا بضوء ذبالها

* * *

و إن انتسبت فإنني من دوحة* * *تتقيّل‏ الأقيال برد ظلالها

* * *

من حمير من ذي رعين من ذرى‏* * *حجر من العظماء من أقيالها

* * *

و إذا رجعت لطينتي معنى فما* * *سلسالهم‏ بأرقّ من صلصالها

* * *

____________

(1) إشارة إلى الفارابي الفيلسوف و قدرته في الموسيقى.

(2) في المصدرين: «و تغلغلت».

(3) هنا إشارة إلى السّهروردي المتصوف.

(4) في المصدرين: «و خوى».

(5) الشوذي: هو الشيخ أبو عبد اللّه الحلوي، أحد فقهاء مرسيه، و الشوذية طريقة صوفية تشبه طريقة ابن عربي، إلّا أنها أكثر إيجابية.

(6) في المصدرين: «نشوة».

(7) في الأصل: «حقيقته» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(8) من هنا حتى آخر القصيدة غير وارد في نفح الطيب. و في أزهار الرياض: «أحرى على آمالها».

(9) في أزهار الرياض: «مدلّها».

(10) في الأصل: «عشوا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من أزهار الرياض.

(11) في أزهار الرياض: «يتفيّأ الإنسان برد ...».

(12) في الأزهار: «ذوي».

(13) في الأزهار: «سلساله».

401

للّه درّك أيّ نجل كريمة* * *ولدته فاس منك بعد حبالها

* * *

و لأنت لا عدمتك والد فخرها* * *و سماك سؤددها و بدر كمالها

* * *

اغلظ على من عاث من أنذالها* * *و اخشع لمن تلقاه من أبدالها

* * *

و البس بما أوليتها من نعمة* * *حلل الثّناء و جرّ من أذيالها

* * *

خذها أبا الفضل بن يحيى تحفة* * *جاءتك لم ينسج على منوالها

* * *

ما جال في مضمارها شعر و لا* * *سمحت قريحة شاعر بمثالها

* * *

و أثل أبا البركات من بركاتها* * *و ادفع محال شكوكه بمحالها

* * *

هذه، أمتع اللّه ببقائك، و أسعد بلقائك، و أراها بما تؤمّله من شريف اعتنائك، و ترجوه من جميل احتفائك، ما تعرف به من احتذائك، و تعترف له ببركة اعتفائك، كريمة الأحياء، و عقيلة الأموات و الأحياء، بنت الأذواء و الأقيال، و مقصورة الأسرّة و الحجال، بل أسيرة الأساوير و الأحجال، على أنها حليفة آلام و أوصأب، و أليفة أشجان و أطراب، صبابة أغراب من صيّابة أعراب، جاورت سيف بن ذي يزن في رأس غمدان، و جاوزت مسلمة بن مخلد يوم جابية الجولان، و ذلقت لسان ابن أخته حسّان، فتضاءلت لرقة حدّه جسوم بني عبد المدان، و قرّبه و ما شيم من غمده قيد ابن الإطنابة بين يدي النّعمان، قربت ببني جفنة مزار جلّق، و سعرت لبني تميم نار محلق، و مرّت على معتاد غالب فما أنست ناره، و طافت ببيت عبد اللّه بن دارم فلم ترض جواره، و لو حلّت بفنائه، و استحلّت ما أحلّ لها من مبذول حبائه، لاغتفر لها ما جنته ببطن أواره، و لحلّت لها حبوتا مجاشع و زراره، مزقت على مزيقيا حللا، و أذهبت يوم حليمة مثلا، و أركبت عنزا شرّ يومها يجدع جملا، و ناطت بأذن مارية قرطها، و جرّت على أثر الكندي مرطها، وقفها بين الدّخول فحومل فوقفت، و أنفها يوم دارة جلجل فأنفت منه و ما ألفت، عقر ناقته و انتهس عبيطها، و دخل خدر عنيزة و أمال غبيطها. أغرت أبا قابوس بزياد، و أسرجت للزبيدي فرس أبي داود و نافرت بحاتم طيّ كعب إياد، و ساورت للمساور، بمثل جوده السّائر. و لئن بلت الجعفري لبيدا، فلقد استعبدت الأسدي عبيدا، و قطعت به في أثر سليماه الأسدية بيدا، أرته المنيّة على حربة هندها الملحوب، و ما حال قريضه، دون جريضه، و أقفر من أهله ملحوب، و ما زالت تخبط في شعاب الأنساب فترشد، و تنشد ضالتها اليمانية، فتنشد:

[الكامل‏]

إن كنت من سيف بن ذي يزن‏* * *فانزل بسيف البحر من عدن‏

* * *

____________

(1) في الأزهار: «حيالها».

(2) في الأزهار: «من آلها».

402

و ذر الشآم و ما بناه به الر* * *روميّ من قصر و من فدن‏

* * *

تعلف سيل العرم و تردغسان، و تمهد لها أهضام تبالة فتقول: مرعى و لا كالسّعدان‏، تساجل عن سميحة بابن خرام، و تناضل بسمير يوم خزام، و تنسى قاتل ستة آلاف، و كاسي بيت اللّه الحرام ثلاثة الأفواف، فلو ساجلت بنبعها أبا كرب، و أرته ضراعة خدّها التّرب، لساجلت به أخضر الجلدة في بيت العرب، ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب، بل لو حطت بفناء بيتها الحجري رحلها، و ساجلت بفناء جدّها ذي رعين لاستوفت سجلها. كم عاذت بسيفها اليزني، فأدركت ذحلها، و لاذت بركنها اليمني، فأجزل محلها، و لو استسقت بأوديتها لأذهبت محلها. كافحت عن دينها الحنيفيّ، فما كهم حسامها، و نافحت عن نبيّها الأمّيّ فأيّدت بروح القدس سهامها. سدّت باب الدرب دون بني الأصفر، و شدّت لموته ثوب موت أحمر، و ما شغلها كسر تاج كسرى عن قرع هامة قيصر. و لقد حلّت من سنام نسبها اليعربي باسمك ذروة، و تعلّقت من ذمام نبيّها العربي بأوثق عروة. تفرّد صاحب تيماء بأبلقه الفرد فعزّ، و تمرّد ربّ دومة الجندل لما كان من مارد في حرز، فما ظنك، أعزك اللّه، بمن حلّ من قدسي عقله، بمعقل قدس، يطار إليه فلا يطار، وراد من فردوس أدبه في جنّة لا يضام رائدها و لا يضار. زها بمجاورة الملك، فازدهى رؤساء الممالك، و شغف بمجاورة الملك، فاشتغل عن مطالعة المسالك، أ يشقّ غباره، و على جبين المرزم مثاره، أو ينتهك ذماره، و قلب الأسد بيته و دار أخيه أسامة زاره. و لما قضت من أنديتها العربية أوطارها، و استوفت على أشرف منازعها الأدبية أطوارها، و عطّرت بنوافح أنفاسها الذّكية آثارها، و أطلعت في ظلم أنفاسها الدّجوجية كواكبها النيّرة و أقمارها، عطفت على معقلتها الشاذلية فحلّت عقالها، و أمر لها فراق الوطن فلمّا استمرّ لها حلالها، استودعت بطنان تبالة آلها، و تركت أهضامها المخصبة و حلالها، أطلّت على دارات العرب فحيّت أطلالها، ودعت لزيارة أختها اليونانية أذواء حمير و أقيالها. أطمعتها بلمعيّة ألمعيّتها الأعجمية، و مثلها يطمع، و جاء بها من قدماء الحكماء كلّ أوحدي الأحوذية، فباتت تخبّ إليه و توضع، باحثة عن مركز دارتهم الفيثاغورية، آخذة في إصلاح هيئتهم الإنكساغورية، مؤثرة لما تدلّ عليه دقائق حقائق بقايا علوم مقايسهم البرهانية، و تشير إليه رموز كنوز وصايا علماء نواميسهم الكلدانية، من مأثور تأثير لاهوتية قواهم‏

____________

(1) «مرعى و لا كالسّعدان» مثل، و السّعدان: نبت ذو شوك كأنه فلكة، ينبت في سهول الأرض، و هو من أطيب مراعي الإبل ما دام رطبا. مجمع الأمثال (ج 2 ص 275) و لسان العرب (سعد).