الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
53

محمد بن حوط اللّه، و عبد الحق بن بونه، و عبد الصّمد بن يعيش، و عبد المنعم بن الفرس، و أجازوا له. و تلا القرآن على أبي عبد اللّه الإستجّي. و روى الحديث عن أبي جعفر الحصّار. و حجّ في نحو سنة ثمانين و خمسمائة، و أخذ عن جماعة من أهل المشرق، كأبي الطّاهر الخشوعي و غيره.

وفاته: توفي شهيدا محرضا صابرا يوم الاثنين منتصف صفر عام تسعة و ستمائة.

محمد بن محمد بن أحمد بن علي الأنصاري‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن قرال، من أهل مالقة.

حاله: طالب عفيف مجتهد خيّر. قرأ بغرناطة، و قام على فنّ العربية قياما بالغا، و شارك في غيره، و انتسخ الكثير من الدّواوين بخطّ بالغ أقصى مبالغ الإجادة و الحسن، و انتقل إلى مالقة فأقرأ بها العربية، و اقتدى بصهره الصّالح أبي عبد اللّه القطّان، فكان من أهل الصلاح و الفضل. و توفي في محرم عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن محمد بن إدريس بن مالك بن عبد الواحد ابن عبد الملك بن محمد بن سعيد بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد اللّه القضاعي‏

من أهل إسطبونة (1)، يكنى أبا بكر، و يعرف بالقللوسي.

حاله: كان، (رحمه اللّه)، إماما في العربية و العروض و القوافي، موصوفا بذلك، منسوبا إليه، يحفظ الكثير من كتاب سيبويه، و لا يفارقه بياض يومه، شديد التعصّب له، مع خفّة و طيش يحمله على التوغّل في ذلك. حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، (رحمه اللّه)، قال: وقف أبو بكر القللوسي يوما على القاضي أبي عمرو بن الرّندون، و كان شديد الوقار، مهيبا، و تكلم في مسألة من العربية، نقلها عن سيبويه، فقال القاضي أبو عمرو: أخطأ سيبويه، فأصاب أبا بكر القللوسي قلق كاد يلبط به الأرض، و لم يقدر على جوابه بما يشفي به صدره لمكان رتبته. قال: فكان يدور بالمسجد، و الدموع تنحدر على وجهه، و هو يقول: أخطأ من خطّأه، يكرّرها، و القاضي أبو عمرو يتغافل عنه، و يزري عليه. و كان، مع ذلك، مشاركا في فنون، من‏

____________

(1) إسطبونة: بالإسبانية:estepona ، و هو بلد يقع على البحر المتوسط إلى الشمال من جبل طارق.

54

فقه و قراءات و فرائض، من أعلام الحفّاظ للغة، حجّة في العروض و القوافي، يخطط بالقافية عند ذكره في الكتب. و له في ذلك تواليف بديعة. و ولّي الخطابة ببلده مدة، و قعد للتدريس به، و انثال عليه الناس و أخذوا عنه. و نسخ بيده الكثير و قيّد، و كان بقطره علما من أعلام الفضل و الإيثار و المشاركة.

تواليفه: نظم رجزا شهيرا في الفرائض علما و عملا، و نظم في العروض و القوافي، و ألّف كتاب «الدّرة المكنونة في محاسن إسطبونة»، و ألّف تأليفا حسنا في ترحيل الشمس، و سوسطات الفجر، و معرفة الأوقات، و نظم أرجوزة في شرح ملاحن ابن دريد، و أرجوزة في شرح كتاب «الفصيح». و رفع للوزير ابن الحكيم كتابا في الخواص و صنعة الأمدّة و التطبّع الشاب، غريبا في معناه.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسن بن أبي الربيع، و لازمه، و أخذ عنه، و عن أبي القاسم بن الحصّار الضرير السّبتي، و على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير بغرناطة، و غيرهم.

شعره: من شعره قوله من قصيدة يمدح ابن الحكيم: [الطويل‏]

علاه رياض أورقت بمحامد* * * تنوّر بالجدوى و تثمر بالأمل‏

تسحّ عليها من نداه غمامة* * * تروي ثرى المعروف بالعلّ و النّيل‏

و هل هو إلّا الشمس نفسا و رفعة* * * فيغرب بالجدوى و يبعد بالأمل؟

تعمّ أياديه البريّة كلّها* * * فدان وقاص جود كفّيه قد شمل‏

و هي طويلة. و نقلت من خطّ صاحبنا أبي الحسن النّباهي، قال يمدح أبا عبد اللّه الرّنداحي: [الكامل‏]

أطلع بأفق الرّاح كأس الرّاح‏* * * وصل الزّمان مساءه بصباح‏

خذها على رغم العذول مدامة* * * تنفي الهموم و تأت بالأفراح‏

و الأرض قد لبست برود أزاهر* * * و تمنطقت من نهرها بوشاح‏

و الجوّ إذ يبكي بدمع غمامة* * * ضحك الربيع له بثغر أقاح‏

و الرّوض مرقوم بوشي أزاهر* * * و الطّير يفصح أيّما إفصاح‏

و الغصن من طرب يميل كأنما* * * سقيت بكفّ الرّيح كأس الراح‏

و الورد منتظم على أغصانه‏* * * يبدو فتحسبه خدود ملاح‏

و كأنّ عرف الريح من زهر الرّبى‏* * * عرف امتداح القائد الرّنداح‏

وفاته: ببلده عصر يوم الجمعة الثامن عشر لرجب الفرد سنة سبع و سبعمائة.

55

محمد بن محمد بن محارب الصّريحي‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن أبي الجيش.

حاله و أوليّته: أصل سلفه من حصن يسر من عمل مرسية، من بيت حسب و أصالة، و لخؤولته بالجهة التاكرونيّة ثورة.

و قلت فيه في «عائد الصلة»: كان من صدور المقرئين، و أعلام المتصدّرين تفنّنا و اضطلاعا و إدراكا و نظرا، إماما في الفرائض و الحساب، قائما على العربية، مشاركا في الفقه و الأصول و كثير من العلوم العقلية.

قعد للإقراء بمالقة، و خطب بجامع الرّبض.

مشيخته: قرأ على الأستاذ القاضي المتفنّن أبي عبد اللّه بن بكر، و لازمه. ثم ساء ما بينهما في مسألة وقعت بمالقة، و هي تجويز الخلف في وعد اللّه، شنّع فيها على شيخنا المذكور. و نسبه إلى أن قال: وعد اللّه ليس بلازم الصّدق، بل يجوز فيه الخلف، إذ الأشياء في حقه متساوية. و كتب في ذلك أسئلة للعلماء بالمغرب، فقاطعه و هجره. و لمّا ولّي القاضي أبو عبد اللّه بن بكر القضاء، خافه، فوجّه عنه إثر ولايته، فلم يشكّ في الشّرّ، فلما دخل عليه، رحّب به، و أظهر له القبول عليه، و العفو عنه، و استأنف مودّته، فكانت تعدّ في مآثر القاضي، (رحمه اللّه).

و رحل المذكور إلى سبتة، فقرأ بها على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، و من عاصره، ثم عاد إلى مالقة، فالتزم التدريس بها إلى حين وفاته.

دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرات، متعلّما، و طالب حاج. و دعي إلى الإقراء بمدرستها النّصرية (1)، عام تسعة و أربعين و سبعمائة، فقدم على الباب السّلطاني، و اعتذر بما قبل فيه عذره. و كان قد شرع في تقييد مفيد على كتاب «التسهيل» لابن مالك، في غاية النبل و الاستيفاء و الحصر و التّوجيه، عاقته المنية عن إتمامه.

وفاته: توفي بمالقة في كائنة الطاعون الأعظم في أخريات ربيع الآخر من عام خمسين و سبعمائة، بعد أن تصدّق بمال كثير، و عهد بريع مجد لطلبة العلم، و حبس عليهم كتبه.

____________

(1) هذه المدرسة أنشأها السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري، و مكانها ما يزال معروفا إلى اليوم بغرناطة، و يقع قبالة الكنيسة العظمى التي أنشئت على موقع المسجد الجامع. اللمحة البدرية (ص 109).

56

محمد بن محمد بن لب الكناني‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن لب.

حاله: كان ذاكرا للعلوم القديمة، معتنيا بها، عاكفا عليها، متقدّما في علمها على أهل وقته، لم يكن يشاركه أحد في معرفتها، من الرياضيّات و الطبيعيّات و الإلهيّات، ذاكرا لمذاهب القدماء، و مآخذهم في ذلك، حافظا جدا، ذاكرا لمذاهب المتكلّمين من الأشعريّة و غيرهم، إلّا أنه يؤثر ما غلب عليه من مآخذ خصومهم، و كان نفوذه في فهمه دون نفوذه في حفظه، فكان معتمده على حفظه في إيراده و مناظرته، و كان ذاكرا مع ذلك لأصول الفقه و فروعه، عجبا في ذلك؛ إذا وردت مسألة، أورد ما للناس فيها من المذاهب. و عزم عليه آخر عمره، فقعد بجامع مالقة، يتكلّم على الموطّأ، و ما كان من قبل تهيّأ لذلك، إلّا أنه ستر عليه حفظه، و تعظيم أهل بلده له. قال ابن الزّبير: و كانت فيه لوثة، و اخشيشان، و كان له أربّ في التّطواف، و خصوصا بأرض النصارى، يتكلم مع الأساقفة في الدّين، فيظهر عليهم، و كانت أموره غريبة، من امتزاج اليقظة بالغفلة، و خلط السّذاجة بالدّعابة. يحكى عنه أنه كانت له شجرة تين بداره بمالقة، فباع ما عليها من أحد أهل السّوق، فلمّا همّ بجمعها، ذهب ليمهّد للتّين بالورق في الوعاء، فمنعه من ذلك، و قال له: إنما اشتريت التين، و لم تدخل الورق في البيع، فتعب ذلك المشتري ما شاء اللّه، و جلب ورقا من غيرها، حتى انقضى الأمر، و عزم على معاملته في السنة الثانية، فأول ما اشترط الورق، فلمّا فرغ من الغلّة، دعاه فقال له: احمل ورقك، فإنه يؤذيني، فأصابه من المشقة في جمعه من أطراف الغصون ما لم يكن يحستب، و لم تأت السنة الثالثة، إلّا و الرجل فقيه، اشترط مقدار الكفاية من الورق، فسامحه و رفق به.

دخل غرناطة و غيرها، و أخباره عجيبة. قال أبو جعفر بن الزّبير: عرض لي بمالقة مسائل، يرجع بعضها إلى الطريقة البيانيّة، و المآخذ الأدبية؛ و ضحت ضرورة إلى الأخذ معه فيها، و في آيات من الكتاب العزيز، فاستدعيته إلى منزلي، و كان فيه تخلّق، و حسن ملاقاة، مع خفّته الطبيعية و تشتّت منازعه، فأجاب، و أخذت معه في ذلك، فألفيته صائما عن ذلك جملة.

و صمته: قال: و كان القاضي الجليل أبو القاسم بن ربيع و أخوه أبو الحسن ينافرانه على الإطلاق، و يحذران منه، و هو كان الظاهر من حاله. قال: و استدعاني في مرض اشتدّ به، قبل خروجي من مالقة على انفراد، فتنصّل لي مما كان يذنّ‏ (1) به، و أكثر البكاء، حتى رثيت له.

____________

(1) يذنّ به: يتّهم به؛ يقال: ذنّ في مشيته: مشى مشية ضعيفة، و ذنّ الشي‏ء: سال، و جاء هنا-

57

وفاته: توفي بمالقة، و وصّى قبل موته بوصايا من ماله، في صدقات و أشباهها، و حبس داره و طائفة من كتبه على الجامع الكبير بمالقة.

محمد بن محمد البدوي‏ (1)

الخطيب بالرّبض من بلّش‏ (2)، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من «العائد» (3): كان، (رحمه اللّه)، حسن التّلاوة لكتاب اللّه، ذا قدم في الفقه، له معرفة بالأصلين، شاعرا مجيدا، بصيرا، بليغا في خطبته، حسن الوعظ، سريع الدّمعة. حجّ و لقي جلّة. و أقرأ ببلّش زمانا، و انتفع به، و لقي شدايد أصلها الحسد.

مشيخته: قرأ العلم على الشّيخين المقرئين، الحجّتين، أبي جعفر بن الزّيّات، و أبي عبد اللّه بن الكمّاد، و قرأ العربية و الأصلين على الأستاذ أبي عمرو بن منظور، و لازمه و انتفع به، و قرأ الفقه على الشيخ القاضي أبي عبد اللّه بن عبد السّلام بمدينة تونس.

شعره: من شعره قوله في غرض النسيب‏ (4): [السريع‏]

خال على خدّك‏ (5) أم عنبر؟* * * و لؤلؤ ثغرك أم جوهر؟

أوريت نار الوجد طيّ الحشا* * * فصارت النّار به‏ (6) تسعر

لو جدت لي منك برشف اللّما* * * لقلت: خمر عسل‏ (7) سكّر

دعني في الحبّ أذب حسرة* * * سفك دم العاشق لا ينكر

____________

- بمعنى: يتّهم به. لسان العرب (ذنن).

(1) ترجمة محمد البدوي في الكتيبة الكامنة (ص 55).

(2) هي بلّش مالقةvelez malaga ، و قد ذكرها ياقوت مكتفيا بالقول: «بلّش؛ بالفتح و تشديد اللام و الشين معجمة، بلد بالأندلس، ينسب إليه يوسف بن جبارة البلّشي ...». معجم البلدان (ج 1 ص 484).

(3) هو كتاب «عائد الصلة» لابن الخطيب. و قد كتبه ابن الخطيب ليكون ذيلا لكتاب «صلة الصلة» لابن الزبير، المتوفّى سنة 708 ه.

(4) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 55- 56).

(5) في الكتيبة: «خدّيك».

(6) في الكتيبة: «بها».

(7) حرّكها المحقق بالكسر «عسل» ظنّا منه أنها مضاف إلى كلمة «خمر».

58

و قال‏ (1): [البسيط]

عيناي تفهم من عينيك أسرارا* * *و ورد خدّك يذكي في الحشا نارا

* * *

ملكت قلب محبّ فيك مكتئب‏* * *قد أثّر الدّمع في خدّيه آثارا

* * *

رضاب ثغرك يروي حرّ غلّته‏* * *يا ليت نفسي تقضي منه أوطارا

* * *

أنعم بطيف خيال منك ألمحه‏* * *ما ذا عليك بطيف‏ منك لو زارا

* * *

نفسي فداؤك من ظبي به كلفّ‏* * *يصبو له القلب مضطرّا و مختارا

* * *

و قال‏: [مجزوء الرمل‏]

أيها الظّبي ترفّق‏* * *بكئيب قد هلك‏

* * *

الذنب تتجنّى‏* * *أم لشي‏ء يوصلك؟

* * *

إنّ روحي لك ملك‏* * *و كذا قلبي لك‏

* * *

إنّما أنت هلال‏* * *فلك القلب فلك‏

* * *

و من مجموع نظمه و نثره ما خاطبني به، و قد طلبت من أدبه لبعض ما صدر عني من المجموعات: «يا سيدي، أبقاك اللّه بهجة للأعيان الفضلاء، و حجّة لأعلام العلاء، و لا زلت تسير فوق النّسر، و تجري في الفضائل على كرم النّجر. ذكر لي فلان أنكم أردتم أن يرد على كمالكم، بعض الهذيان الصادر عن معظّم جلالكم، فأكبرت ذلك، و رأيتني لست هنالك، و عجبت أن ينظم مع الدّرّ السّبج، أو يضارع العمش الدّعج. بيد أنّ لنظم الدّرّ صنّاع‏، و الحديث قد يذاع، و لا يضاع، و حين اعتذرت له فلم يعذرني، و انتظرته فلم ينظرني، بعد أن استعفيته فأبى، و استنهضت جواد الإجابة فكبى، و سلك غير طريقي، و لم يبلّغني ريقي، وفّيت الغرض، و قضيت من إجابته الحقّ المفترض، و رددت عن تعذاله النّصيح، و أثبتّ هنا ما معناه صحيح، و لفظه غير فصيح: [السريع‏]

بريت من حولي و من قوّتي‏* * *بحول من لا حول إلّا له‏

* * *

و ثقت بالخالق فهو الذي‏* * *يدبّر العبد و أفعاله‏

* * *

____________

(1) الأبيات في الكتيبة (ص 56).

(2) الأوطار: جمع وطر و هو الحاجة.

(3) في الكتيبة: «لطيف».

(4) في الكتيبة: «وطف».

(5) الأبيات في الكتيبة (ص 56).

(6) في الكتيبة: «ألشي‏ء».

(7) رواية صدر البيت في الكتيبة هي: «إنما روحي ملك».

(8) الأوجب أن يقول: «صنّاعا» لأنها اسم أنّ منصوب.

59

و قلت بالحرم عند الملتزم من المنظوم في مثل ذلك: [المتقارب‏]

أمولاي بالباب ذو فاقة* * *و هذا يحطّ خطايا الأمم‏

* * *

فجد لي بعفوك عن زلّتي‏* * *يجود الكريم بقدر الكرم‏

* * *

و مما أعددته للوفادة على خير من عقدت عليه ألوية السّيادة: [الكامل‏]

حمدت إليك مع الصباح سراها* * *و أتتك تطلب من نداك قراها

* * *

و سرت إليك مع النّسيم يمينها* * *شوقا يسابق في السّرى يسراها

* * *

و لو لا العجر لوصلت، و العذر لأطلت، لكن ثنيت عناني لثنائك، لحسن اعتنائك، و قلت معتذرا من الصّورة لمجدكم، و تاليا سورة حمدكم: [البسيط]

المجد يخبر عن صدق مآثره‏* * *و ناظم المجد في العلياء ناثره‏

* * *

و الجود إنّ جدّ جدّ المرء ينجده‏* * *و قلّما ثمّ في الأيّام ذاكره‏

* * *

من نال ما نلت من مجد و من شرف؟* * *فليس في الناس من‏ شخص يناظره‏

* * *

يا سيدا طاب في العلياء محتده‏* * *دم‏ ماجدا رسخت فيه أواصره‏

* * *

سريت في الفضل مستنّا على سنن ال* * *فضل‏ مآربه حقا و سامره‏

* * *

و رثته عن كبير أوحد علم‏* * *كذاك يحمله أيضا أكابره‏

* * *

مبارك الوجه وضّاح الجبين له‏* * *نور ينير أغرّ النّور باهره‏

* * *

موفّق بكفيل من عنايته‏* * *مرفّع العذر سامي الذّكر طاهره‏

* * *

رعيت في الفضل حقّ الفضل مجتهدا* * *مفهوم مجدك هذا الحكم ظاهره‏

* * *

علوت كالشمس إشراقا و منزلة* * *فأنت كالغيث يحيي الأرض ماطره‏

* * *

ينمّ بالفضل منك الفضل مشتهرا* * *كما ينمّ بزهر الرّوض عاطره‏

* * *

دم و ابق للمجد كهفا و العلا وزرا* * *فإنما المجد شخص أنت ناظره‏

* * *

مؤمّلا منك خيرا أنت صانعه‏* * *و صانع الخير عند اللّه شاكره‏

* * *

و ما وليت و ما أوليت من حسن‏* * *للنّاس‏ و العالم العلوي ذاكره‏

* * *

بقيت تكسب من والاك مكرمة* * *و ناصرا أبدا من قلّ ناصره‏

* * *

____________

(1) كلمة «من» ساقطة في الأصل.

(2) كلمة «دم» ساقطة في الأصل.

(3) في الأصل: «في الفضل»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) الوزر؛ بالفتح: الجبل المنيع أو الملجأ و المعتصم. لسان العرب (وزر).

(5) في الأصل: «فللناس»، و كذا ينكسر الوزن.

60

عذرا لك الفضل عمّا جئت من خطإ* * *أن يخط مثلي يوما أنت عاذره‏

* * *

ثم السلام على علياك من رجل‏* * *تهدي الذي أبدا تخفى ضمائره‏

* * *

دخوله غرناظة: دخلها غير ما مرّة، و لقيته بها لتقضّي بعض أغراض بباب السلطان، مما يليق بمثله.

مولده: ....

وفاته: توفي ببلّش في أخريات عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن عبد اللّه بن ميمون بن إدريس بن محمد ابن عبد اللّه العبدري‏

قرطبي، استوطن مدينة مرّاكش، يكنى أبا بكر.

حاله: كان عالما بالقراءات، ذاكرا للتفسير، حافظا للفقه و اللغات و الأدب، شاعرا محسنا، كاتبا بليغا، مبرّزا في النحو، جميل العشرة، حسن الخلق، متواضعا، فكه المحاضرة، مليح المداعبة. و صنّف في غير ما فنّ من العلم، و كلامه كثير مدوّن، نظما و نثرا.

مشيخته: روى عن أبي بكر بن العربي، و أبي الحسن شريح، و عبد الرحمن بن بقي، و ابن الباذش، و يونس بن مغيث، و أبي عبد اللّه بن الحاج، و أبي محمد بن عتّاب، و أبي الوليد بن رشد، و لازمه عشرين سنة. قرأ عليهم و سمع، و أجازوا له، و سمع أبا بحر الأسدي، و أبوي بكر عيّاش بن عبد الملك، و ابن أبي ركب، و أبا جعفر بن شانجة، و أبا الحسن عبد الجليل، و أبا عبد اللّه بن خلف الأيسري، و ابن المناصف، و ابن أخت غانم، و لم يذكر أنهم أجازوا له، و روى أيضا عن أبوي عبد اللّه مكّي، و ابن المعمر، و أبي الوليد بن طريف.

من روى عنه: روى عنه أبو البقاء يعيش بن القديم، و أبو الحسن بن مؤمن، و أبو زكريا المرجيعي، و أبو يحيى أبو بكر الضرير و اختصّ به.

____________

(1) كلمة «أبدا» ساقطة في الأصل.

(2) بياض في الأصل، كذلك لم يشر ابن الخطيب في الكتيبة الكامنة إلى سنة ولادته.

(3) في الأصل: «سانجة» بالسين غير المعجمة، و يبدو أن جعفر بن شانجة هذا من المولدين، و هم أولاد الإسبان النصارى الذين أسلموا.

61

تواليفه: من مصنّفاته «مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار» و شرحاه الكبير و الصغير على «جمل الزجّاجي»، و شرح أبيات الإيضاح العضدي، و «مقامات الحريري»، و شرح معشّراته الغزليّة، و مكفّراته الزهدية، إلى غير ذلك، و هما مما أبان عن وفور علمه، و غزارة مادّته، و اتّساع معارفه، و حسن تصرفه.

دخل غرناطة راويا عن الحسن بن الباذش و مثله.

محنته: كان يحضر مجلس عبد المؤمن‏ مع أكابر من يحضره من العلماء، فيشفّ على أكثرهم بما كان لديه من التحقيق بالمعارف، إلى أن أنشد أبا محمد عبد المؤمن أبياتا كان نظمها في أبي القاسم عبد المنعم بن محمد بن تست، و هي:

[المتقارب‏]

أبا قاسم و الهوى جنّة* * *و ها أنا من مسّها لم أفق‏

* * *

تقحّمت جامح نار الضلوع‏* * *كما خضت بحر دموع الحدق‏

* * *

أكنت الخليل، أكنت الكليم؟* * *أمنت الحريق، أمنت الغرق‏

* * *

فهجره عبد المؤمن، و منعه من الحضور بمجلسه، و صرف بنيه عن القراءة عليه، و سرى ذلك في أكثر من كان يقرأ عليه، و يتردّد إليه، على أنه كان في الطبقة العليا من الطّهارة و العفاف.

شعره: قال في أبي القاسم المذكور: و كان أزرق، و قد دخل عليه و معه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الشاطبي، و أبو عثمان سعيد بن قوسرة، فقال ابن قوسرة:

[الكامل‏]

عابوه بالزّرق الذي يجفونه‏* * *و الماء أزرق و العيون‏ كذلكا

* * *

فقال أبو عبد اللّه الشّاطبي: [الكامل‏]

الماء يهدي للنفوس حياتها* * *و الرّمح يشرع للمنون مسالكا

* * *

____________

(1) هو عبد المؤمن بن علي الموحدي، حكم المغرب و الأندلس سنة 524 ه، و في سنة 541 ه ضمّ الأندلس إلى المغرب. و توفي سنة 558 ه. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 79) و المعجب (ص 262، 265، 292) و الحلل الموشية (ص 107).

(2) الجنّة، بكسر الجيم: الجنون. لسان العرب (جنن).

(3) في الأصل: «و العينان»، و كذا ينكسر الوزن.

62

فقال أبو بكر بن ميمون المترجم به: [الكامل‏]

و كذاك‏ في أجفانه سبب الرّدى‏* * *لكن‏ أرى طيب الحياة هنالكا

* * *

و مما استفاض من شعره قوله في زمن الصّبا، عفا اللّه عنه: [الكامل‏]

لا تكترث بفراق أوطان الصبا* * *فعسى تنال بغيرهنّ سعودا

* * *

و الدّرّ ينظم عند فقد بحاره‏* * *بجميل أجياد الحسان عقودا

* * *

و من مشهور شعره: [الطويل‏]

توسّلت يا ربي بأني مؤمن‏* * *و ما قلت أني سامع و مطيع‏

* * *

أ يصلى بحرّ النار عاص موحّد* * *و أنت كريم و الرسول شفيع؟

* * *

و قال في مرضه: [مخلع البسيط]

أ يرتجي العيش من عليه‏* * *دلائل للرّدى جليّة؟

* * *

أوّلها مخبر بثان‏* * *ذاك أمان و ذا منيّه؟

* * *

وفاته: توفي بمراكش يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع و ستين و خمسمائة، و دفن بمقبرة تاغزوت داخل مراكش، و قد قارب السبعين سنة.

محمد بن عبد اللّه بن عبد العظيم بن أرقم النّميري‏

من أهل وادي آش، يكنى أبا عامر.

حاله: كان‏ أحد شيوخ بلده و طلبته‏، مشاركا في فنون، من فقه و أدب و عربية، و هي أغلب الفنون عليه، مطّرح‏ السّمت، مخشوشن الزّي، قليل المبالاة بنفسه، مختصرا في كافة شؤونه، مليح الدّعابة، شديد الحمل، كثير التواضع، و بيته معمور بالعلماء أولي الأصالة و التعيّن. تصدّر ببلده للفتيا و التدريس و الإسماع.

____________

(1) في الأصل: «و كذلك»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «و لكن»، و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا حرف الواو.

(3) ترجمة ابن عبد العظيم في الكتيبة الكامنة (ص 99) و بغية الوعاة (ص 58).

(4) قارن ببغية الوعاة (ص 58).

(5) كلمة «و طلبته» ساقطة في بغية الوعاة.

(6) في بغية الوعاة: «مطرحا مخشوشنا مليح الدعابة ...».

63

مشيخته: قرأ على الأستاذ القاضي أبي‏ خالد بن أرقم، و الأستاذ أبي العبّاس بن عبد النّور. و روى عن أبيه مديح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و عن الوزير العالم أبي عبد اللّه بن ربيع، و القاضي أبي جعفر بن مسعدة، و الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، و ولي اللّه الحسن بن فضيلة.

و رحل إلى العدوة، فأخذ بسبته عن الأستاذ أبي بكر بن عبيدة، و الإمام الزاهد أبي عبد اللّه بن حريث، و أبي عبد اللّه بن الخضار، و أبي القاسم بن الشّاط، و غيرهم.

شعره: و هو من الجزء المسمى ب «شعر من لا شعر له» و الحمد للّه. فمن ذلك قوله يمدح أبا زكريا العزفي بسبتة، و يذكر ظفره بالأسطول من قصيدة أولها:

[الكامل‏]

أمّا الوصال فإنّه كالعيد* * *عذر المتيّم واضح في الغيد

* * *

وفاته: توفي ببلده عام أربعين و سبعمائة. و دخل غرناطة راويا و متعلما، و غير ذلك.

محمد بن عبد اللّه بن يحيى بن عبد اللّه بن فرج ابن الجدّ الفهري‏

الحافظ الجليل، يكنى أبا بكر، جليل إشبيلية، و زعيم وقته في الحفظ. لبلي‏ الأصل، إشبيلي، استدعاه السّيد أبو سعيد والي غرناطة، فأقام بها عنده في جملة من الفضلاء مثله سنين. ذكر ذلك صاحب كتاب «ثورة المريدين».

حاله: كان في حفظ الفقه بحرا يغرف من محيط. يقال: إنه ما طالع شيئا من الكتب فنسيه، إلى الجلالة و الأصالة، و بعد الصّيت، و اشتهار المحلّ. و كان مع هذا يتكلّم عند الملوك، و يخطب بين يديها، و يأتي بعجاب، و في كتاب «الإعلام» شي‏ء من خبره، قال ابن الزبير.

____________

(1) قارن ببغية الوعاة (ص 58).

(2) في البغية: «ابن خالد أرقم».

(3) في البغية: «بن عبيد».

(4) البيت في الكتيبة الكامنة (ص 99).

(5) نسبة إلى لبلة،niebla ، و هي مدينة قديمة في غرب الأندلس، كان بها ثلاث عيون. الروض المعطار (ص 507).

(6) صاحب هذا الكتاب الذي لم يصلنا حتى اليوم هو ابن صاحب الصلاة، صاحب كتاب «المن بالإمامة».

64

مشيخته: روى عن أبي الحسن بن الأخضر، أخذ عنه كتاب سيبويه و غير ذلك، و عن أبي محمد بن عتّاب، و سمع عليه بعض الموطّإ، و عن أبي بحر الأسدي، و أبي الوليد بن طريف، و أبي القاسم بن منظور القاضي، و سمع عليه صحيح البخاري كله، و شريح بن محمد، و أبي الوليد بن رشد، و ناوله كتاب «البيان و التحصيل». و كتاب «المقدّمات». لقي هؤلاء كلهم، و أجازوا له عامة. و أخذ أيضا عن مالك بن وهيب.

من حدّث عنه: أبو الحسن بن زرقون، و أبو محمد القرطبي الحافظ، و ابنا حوط اللّه، و غيرهم. و عليه من ختمت به المائة السادسة كأبي محمد بن جمهور، و أبي العبّاس بن خليل، و إخوته الثلاثة أبي محمد عبد اللّه، و أبي زيد عبد الرحمن، و أبي محمد عبد الحق. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: حدّثني عنه ابن خليل و أبو القاسم الجيّاني، و أبو الحسن بن السّرّاج.

مولده: بلبلة في ربيع الأول سنة ست و تسعين و أربعمائة.

وفاته: و توفي بإشبيلية في شوال سنة ست و ثمانين و خمسمائة. ذكره ابن الملجوم، و أبو الربيع بن سالم، و ابن فرتون.

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن الفخّار الجذامي‏

يكنى أبا بكر، أركشي‏ المولد و المنشإ، مالقي‏ الاستيطان، شريشي‏ التدرّب و القراءة.

حاله: من «عائد الصّلة»: كان، (رحمه اللّه)، خيّرا صالحا، شديد الانقباض، مغرقا في باب الورع، سليم الباطن، كثير العكوف على العلم و الملازمة، قليل الرياء و التصنّع. خرج من بلده أركش عند استيلاء العدو على قصبتها، و كان يصفها، و ينشد فيها من شعر أستاذه الأديب أبي الحسن الكرماني: [المجتث‏]

أكرم بأركش دارا* * *تاهت على البدر قدرا

* * *

____________

(1) نسبة إلى أركش‏arcos de la jrontera ، و هي حصن على وادي لكة. الروض المعطار (ص 28).

(2) نسبة إلى مدينة مالقة، و قد سبق التعريف بها.

(3) نسبة إلى شريش‏jerez و هي من كور شذونة بالأندلس، كثيرة الكروم و الزيتون و التين. الروض المعطار (ص 340).

65

يخاطب المجد عنها* * *للقلب‏ تدني شكرا

* * *

و استوطن مدينة شريش، و قرأ بها، و روى بها عن علمائها، و أقرأ بها، و لمّا استولى العدوّ عليها لحق بالجزيرة الخضراء، فدرّس بها، ثم عبر البحر إلى سبتة، فقرأ بها و روّى. ثم كرّ إلى الأندلس، فقصد غرناطة، و أخذ عن أهلها. ثم استوطن مالقة، و تصدّر للإقراء بها؛ مفيد التعليم، متفنّنه، من فقه و عربية و قراءات و أدب و حديث، عظيم الصبر، مستغرق الوقت. يدرس من لدن صلاة الصبح إلى الزّوال. ثم يسند ظهره إلى طاق المسجد بعد ذلك، فيقرى‏ء، و تأتيه النساء من خلفه للفتيا، فيفتيهنّ على حال سؤالاتهنّ إلى نصف ما بين العصر و العشاء الأولى. ثم يأتي المسجد الأعظم بعد الغروب، فيقعد للفتيا إلى العشاء الآخرة، من غير أن يقبل من أحد شيئا. و من أخذ منه بعد تحكيم الورع، أثابه بمثله، ما رئي في وقته أورع منه. و كان يتّخذ روميّة مملوكة، لا يشتمل منزله على سواها، فإذا أنس منها الضّجر للحصر و تمادى الحجاب، أعتقها، و أصحبها إلى أرضها.

و نشأت بينه و بين فقهاء بلده خصومة في أمور عدّوها عليه، مما ارتكبها اجتهاده في مناط الفتوى، و عقد لهم أمير المسلمين بالأندلس مجلسا أجلى عن ظهوره فيه، و بقاء رسمه، فكانت محنة، و خلّصه اللّه منها. و بلغ من تعظيم الناس إيّاه، و انحياشهم إليه، مبلغا لم ينله مثله، و انتفع بتعليمه، و استفيد منه الأدب على نسكه و سذاجته.

مشيخته: قرأ ببلده شريش على المكتّب الحاج أبي محمد عبد اللّه بن أبي بكر بن داود القيسي، و على الأستاذ أبي بكر محمد بن محمد بن الرّياح، و على الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حكيم السّكوني الكرماني؛ أخذ عنه العربية و الأدب، و على الحافظ أبي الحسن علي بن عيسى، المعروف بابن متيوان، و على الأصولي الكاتب أبي الحسن هلال بن أبي سنان الأزدي المرّاكشي، و على الخطيب أبي العرب إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري، و على الفقيه أبي عبد اللّه الجنيدي، المعروف بالغرّاق، و على الفقيه العددي أبي عبد اللّه محمد بن علي بن يوسف، المعروف بابن الكاتب المكناسي. و قرأ بالجزيرة الخضراء على الخطيب الصالح أبي محمد الرّكبي، و روى عنه، و قرأ بها على الخطيب أبي عبيد اللّه بن خميس، و على الأصولي أبي أميّة. و قرأ بسبتة على الأستاذ الفرضي إمام النحاة أبي الحسن بن أبي الربيع، و على أبي يعقوب المحبساني، و على المحدّث أبي عمرو عثمان بن عبد اللّه‏

____________

(1) في الأصل: «لقلب» و كذا ينكسر الوزن.

66

العبدري، و على الفقيه المالكي الحافظ أبي الحسن المتيوي، و الأصولي أبي الحسن البصري، و الفقيه المعمّر الراوية أبي عبد اللّه محمد الأزدي، و المحدّث الحافظ أبي محمد بن الكمّاد، و على الأستاذ العروضي الكفيف أبي الحسن بن الخضّار التلمساني. و لقي بغرناطة قاضي الجماعة أبا القاسم بن أبي عامر بن ربيع، و الأستاذ أبا جعفر الطبّاع، و أبا الوليد إسماعيل بن عيسى بن أبي الوليد الأزدي، و الأستاذ أبا الحسن بن الصّائغ. و لقي بمالقة الخطيب الصالح أبا محمد عبد العظيم ابن الشيخ، و الرّاوية أبا عبد اللّه محمد بن علي بن الحسن الجذامي السّهيلي. و سمع على الرّاوية أبي عمرو بن حوط اللّه، و على الأستاذ أبي عبد اللّه بن عباس القرطبي.

تواليفه: كان، (رحمه اللّه)، مغرّى بالتأليف، فألّف نحو الثلاثين تأليفا في فنون مختلفة، منها كتاب «تحبير نظم الجمان، في تفسير أم القرآن»، و «انتفاع الطّلبة النّبهاء، في اجتماع السّبعة القرّاء». و «الأحاديث الأربعون، بما ينتفع به القارئون و السّامعون»، و كتاب «منظوم الدّرر، في شرح كتاب المختصر»، و «كتاب نصح المقالة، في شرح الرسالة»، و كتاب «الجواب المختصر المروم، في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الرّوم»، و كتاب «استواء النّهج، في تحريم اللعب بالشطرنج»، و كتاب «الفيصل المنتضى المهزوز، في الرّد على من أنكر صيام يوم النّيروز»، و كتاب «جواب البيان، على مصارمة أهل الزمان»، و كتاب «تفضيل صلاة الصبح للجماعة في آخر الوقت المختار، على صلاة الصبح للمنفرد في أول وقتها بالابتدار»، و كتاب «إرشاد السّالك، في بيان إسناد زياد عن مالك»، و كتاب «الجوابات المجتمعة، عن السّؤالات المنوّعة»، و كتاب «إملاء فوائد الدول، في ابتداء مقاصد الجمل»، و كتاب «أجوبة الإقناع و الإحساب، في مشكلات مسائل الكتاب»، و كتاب «منهج الضّوابط المقسّمة، في شرح قوانين المقدّمة»، و كتاب «التوجيه الأوضح الأسمى، في حذف التنوين من حديث أسما»، و كتاب «التكملة و التّبرئة، في إعراب البسملة و التّصلية»، و كتاب «سحّ مزنة الانتخاب، في شرح خطبة الكتاب». و منها اللّائح المعتمد عليه، في الردّ على من رفع الخبر بلا إلى سيبويه، و غير ذلك من مجيد و مقصر.

شعره: و شعره كثير، غريب النّزعة، دالّ على السّذاجة، و عدم الاسترابة و الشعور، و الغفلة المعربة عن السّلامة، من ارتكاب الحوشي، و اقتحام الضّرار، و استعمال الألفاظ المشتركة التي تتشبّت بها أطراف الملاحين و المعاريض، و لع كثير من أهل زمانه بالرّدّ عليه، و التّملّح بما يصدر عنه، منهم القاضي أبو عبد اللّه بن عبد الملك.

67

و من منتخب شعره قوله: [الكامل‏]

انظر إلى ورد الرّياض كأنّه‏* * *ديباج خدّ في بنان زبرجد

* * *

قد فتّحته نضارة فبدا له‏* * *في القلب رونق صفرة كالعسجد

* * *

حكت الجوانب خدّ حبّ ناعم‏* * *و القلب يحكي خدّ صبّ مكمد

* * *

حدّث الفقيه العدل أبو جعفر أحمد بن مفضل المالقي، قال: قال لي يوما الشيخ الأستاذ أبو بكر بن الفخّار: خرجت ذات يوم و أنا شاب من حلقة الأستاذ بشريش، أعادها اللّه للإسلام، في جملة من الطلبة، و كان يقابل باب المسجد حانوت سرّاج، و إذا فتى و سيم في الحانوت يرقم جلدا كان في يده، فقالوا لي: لا تجاوز هذا الباب، حتى تصنع لنا شعرا في هذا الفتى. فقلت: [الوافر]

و ربّ معذّر للحبّ داع‏* * *يروق بهاء منظره البهيج‏

* * *

و شى في وجنتيه الحسن و شيا* * *كوشي يديه في أدم السروج‏

* * *

مولده: بحصن أركش بلده، و كان لا يخبر به، في ما بين الثلاثين و الأربعين و ستمائة.

وفاته: توفي بمالقة في عام ثلاثة و عشرين و سبعمائة، و كانت جنازته بمالقة مشهورة.

محمد بن علي بن عمر بن يحيى بن العربي الغستاني‏

من أهل الحمّة من عمل المريّة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن العربي، و ينتمي في بني أسود من أعيانها.

حاله: من «العائد»: كان، (رحمه اللّه)، من أهل العلم و الدين و الفضل، طلق الوجه، حسن السّير، كثير الحياء، كأنّك إذا كلّمته تخاطب البكر العذراء، لا تلقاه إلّا مبتسما، في حسن سمت، و فضل هوى، و جميل وقار، كثير الخشوع، و خصوصا عند الدخول في الصّلاة، تلوح عليه بذلك، عند تلاوته سيما الحضور، و حلاوة الإقبال. و كان له تحقّق بضبط القراءات، و القيام عليها، و عناية بعلم العربية، مع مشاركة في غير ذلك من الفنون السّنية، و العلوم الدينية. انتصب للإقراء و التدريس‏

____________

(1) الحمّة أو الحامة: بالإسبانيةalhama ، من مدن غرناطة، و تقع غربيّ غرناطة إلى الجنوب من مدينة لوشة. استولى عليها الإسبان سنة 887 ه، أي قبل سقوط غرناطة بعشر سنين. راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيزي البرير (ص 60).

68

بالحمّة المذكورة، فقرّب النّجعة على أهل الحصون و القرى الشّرقية، فصار مجتمعا لأرباب الطّلب من أهل تلك الجهات و مرتفقاتهم. و كان رجلا صالحا، مبارك النيّة، حسن التّعليم، نفع اللّه به من هنالك، و تخرّج على يديه جمع وافر من الطّلبة، عمرت بهم سائر الحصون. و كان له منزل رحب للقاصدين، و منتدى عذب للواردين. تجول في آخرة بالأندلس و العدوة، و أخذ عمن لقي بها من العلماء، و أقام مدّة بسبتة مكبّا على قراءة القرآن و العربية. و بعد عوده من تجواله لزم التصدّر للإقراء بحيث ذكر، و قد كانت الحواضر فقيرة لمثله، غير أنه آثر الوطن، و اختار الاقتصاد.

مشيخته: أخذ بألمريّة عن شيخها أبي الحسن بن أبي العيش، و بغرناطة عن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، و العدل أبي الحسن بن مستقور. و ببلّش عن الأستاذ أبي عبد اللّه بن الكمّاد، و الخطيب أبي جعفر بن الزيات. و بمالقة عن الأستاذ أبي عبد اللّه بن الفخّار، و الشّيخ أبي عبد اللّه محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري.

و بالجزيرة عن خطيبها أبي العبّاس بن خميس. و بسبتة عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، و الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد، و الإمام الصالح أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن حريث، و القاضي أبي عبد اللّه القرطبي، و الزّاهد أبي عبد اللّه بن معلّى، و الشيخ الخطيب أبي عبد اللّه الغماري. و بمكناسة من القاضي و ارياش. و بفاس من الحاج الخطيب أبي الربيع سليمان بن مفتاح اللجّائي، و الأستاذ أبي الحسن بن سليمان، و الأستاذ أبي عبد اللّه بن أجروم الصّنهاجي، و الحاج أبي القاسم بن رجا بن محمد بن علي و غيرهم، و كل من ذكر أجاز له عامة، إلّا قاضي مكناسة أبي عبد اللّه محمد بن علي الكلبي الشهير بوارياش.

مولده: في أول عام اثنين و ثمانين و ستمائة.

وفاته: توفي بالحمّة ليلة الاثنين الثامن عشر لشهر محرّم عام ثمانية و أربعين و سبعمائة.

محمد بن علي بن محمد العبدري‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف باليتيم.

____________

(1) المقصود المغرب.

(2) ترجمة أبي عبد اللّه العبدري اليتيم في الكتيبة الكامنة (ص 59) و نفح الطيب (ج 8 ص 226).

69

حاله: كان، (رحمه اللّه)، أحد الظرفاء من أهل بلده، مليح الشكل، حسن الشّيبة، لوذعيا في وقار، رشيق النظم و النثر، غزلا مع الصّون، كثير الدّعابة من غير إفحاش، غزير الأدب، حسن الصّوت، رائق الخطّ، بديع الوراقة، معسول الألفاظ، ممتع المجالسة، طيّب العشرة، أدّب الصّبيان مدة، و عقد الشروط أخرى، و كان يقرأ كتب الحديث و التفسير و الرّقائق للعامة بالمسجد الأعظم، بأعذب نغمة، و أمثل طريقة، مذ أزيد من ثلاثين سنة، لم يخل منها وقتا إلّا ليلتين، إحداهما بسبب امتساكنا به في نزهة برياض بعض الطلبة، لم يخلف مثله بعده. و خطب بقصبة مالقة، و مال أخيرا إلى نظر الطّب، فكان الناس يميلون إليه، و ينتفعون به لسياغ مشاركته، و عموم انقياده، و برّه، و عمله على التّودّد و التّجمّل.

و جرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه‏: مجموع أدوات حسان، من خطّ و نغمة و لسان، أوراقه‏ روض تتضوّع نسماته، و بشره صبح تتألّق قسماته، و لا تخفى‏ سماته. يقرطس أغراض الدّعابة و يصميها، و يفوّق سهام الفكاهة إلى مراميها، فكلّما صدرت في عصره قصيدة هازلة، أو أبيات منحطّة عن الإجادة نازلة، خمّس أبياتها و ذيّلها، و صرف معانيها و سهّلها، و تركها سمر النّدمان، و أضحوكة الزمان‏. و هو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة، متحلّ بوقار و سكينة، حالّ من أهلها بمكانة مكينة، لسهولة جانبه، و اتّضاح مقاصده في الخير و مذاهبه. و اشتغل لأوّل أمره بالتّعليم‏ و التّكتيب، و بلغ الغاية في الوقار و التّرتيب، و الشّباب‏ لم ينصل خضابه، و لا سلّت للمشيب عضابه، و نفسه بالمحاسن كلفة صبّة، و شأنه كله هوى و محبّة، و لذلك ما خاطبه به بعض أودّائه‏، و كلاهما رمى أهله بدائه، حسبما يأتي خلال هذا القول‏ و في أثنائه، بحول اللّه.

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 230) و بعضه في الكتيبة الكامنة (ص 59- 60).

(2) في المصدرين: «أخلاقه».

(3) في الأصل: «يخفى» و التصويب من المصدرين.

(4) في النفح: «و سيّلها».

(5) في النفح: «الأزمان».

(6) في المصدر نفسه: «بمالقة».

(7) في النفح: «أمره بالتكتيب».

(8) في النفح: «في التعليم و الترتيب».

(9) في الأصل: «و للشباب» و التصويب من النفح.

(10) كلمة «صبّة» ساقطة في الأصل.

(11) الأودّاء: جمع ودود و هو المحب. لسان العرب (ودد).

(12) في الأصل: «المقول» و التصويب من النفح.

70

شعره: كتبت إليه أسأل منه ما أثبت في كتاب «التّاج» من شعره، فكتب إليّ‏: [البسيط]

أمّا الغرام فلم أخلل بمذهبه‏* * *فلم حرمت فؤادي نيل مطلبه؟

* * *

يا معرضا عن فؤاد لم يزل كلفا* * *بحبّه ذا حذار من تجنّبه‏

* * *

قطعت عنه الذي عوّدته فغدا* * *و حظّه من رضاه برق خلّبه‏

* * *

أيام وصلك مبذول، و برّك بي‏* * *مجدّد، قد صفا لي عذب مشربه‏

* * *

و سمع ودّك عن إفك العواذل في‏* * *شغل و بدر الدّجى ناس لمغربه‏

* * *

لا أنت‏ تمنعني نيل الرّضا كرما* * *و لا فؤادي بوان في تطلّبه‏

* * *

للّه عرفك ما أذكى تنسّمه‏* * *لو كنت تمنحني استنشاق طيّبه‏

* * *

أنت الحبيب الذي لم أتّخذ بدلا* * *منه و حاش لقلبي من تقلّبه‏

* * *

يا ابن الخطيب الذي قد فقت كلّ سنا* * *أزال عن ناظري إظلام غيهبه‏

* * *

محمد الحسن في خلق و في خلق‏* * *أكملت‏ باسمك معنى الحسن فازه به‏

* * *

نأيت‏ أو غبت ما لي عن هواك غنى‏* * *لا ينقص البدر حسنا في تغيّبه‏

* * *

سيّان حال التّداني و البعاد، و هل‏* * *لمبصر البدر نيل في ترقّبه؟

* * *

يا من أحسن‏ ظنّي في رضاه و ما* * *ينفكّ يبدي قبيحا من تغضّبه‏

* * *

إن كان ذنبي الهوى فالقلب منّي لا* * *يصغي لسمع ملام من مؤنّبه‏

* * *

فأجبته بهذه الرسالة، و هي ظريفة في معناها:

«يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقّيتها باليدين‏، و إذا قسّمت سهام وداده‏

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 226- 227).

(2) البرق الخلّب: الذي يطمع في المطر و ليس وراءه مطر، و يضرب مثلا في الشي‏ء الذي لا منفعة وراءه. لسان العرب (خلب).

(3) في الأصل: «ألأنت» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «كملت»، و التصويب من نفح الطيب.

(5) في النفح: «حضرت».

(6) في الأصل: «أحسن» و كذا ينكسر الوزن و التصويب من نفح الطيب.

(7) الرسالة في نفح الطيب (ج 8 ص 227- 228).

(8) أخذ هذا من قول الشماخ بن ضرار في عرابة الأوسي: [الوافر]

إذا ما راية رفعت لمجد* * *تلقّاها عرابة باليمين‏

* * *

الشعر و الشعراء (ص 235).

71

على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة و الدّين، دام بقاؤك لطرفة تبديها، و غريبة تردفها بأخرى تليها، و عقيلة بيان تجلّيها، و نفس أخذ الحزن بكظمها، و كلف الدّهر بشتّ نظمها، تؤنسها و تسلّيها، لم أزل أعزّك اللّه، أشدّ على بدائعها يد الضّنين‏، و أقتني درر كلامك، و نفثات أقلامك، اقتناء الدّرّ الثمين، و الأيام بلقياك تعد، و لا تسعد، و في هذه الأيام انثالت عليّ سماوك بعد قحط، و توالت‏ عليّ آلاوك على شحط، و زارتني من عقائل بيانك كلّ فاتنة الطّرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان و الظّرف، لو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرّت لنا العرب العاربة بالإعجاز، ما شئت من رصف المبنى، و مطاوعة اللّفظ لغرض المعنى، و طيب الأسلوب، و التّشبّث بالقلوب، غير أن سيّدي أفرط في التّنزّل، و خلط المخاطبة بالتّغزّل، و راجع الالتفات، و رام استدراك ما فات. يرحم‏ اللّه شاعر المعرّة، فلقد أجاد في قوله، و أنكر مناجاة الشّوق‏ بعد انصرام حوله، فقال‏: [البسيط]

أبعد حول تناجي الشّوق‏ ناجية* * *هلّا و نحن على عشر من العشر

* * *

و قد تجاوزت في الأمد، و أنسيت أخبار صاحبك عبد الصّمد، فأقسم بألفات القدود، و همزات الجفون السّود، و حاملي‏ الأرواح مع الألواح، بالغدوّ و الرّواح، لو لا بعد مزارك، ما أمنت غائلة ما تحت إزارك. ثمّ إنّي حقّقت الغرض، و بحثت عن المشكل الذي عرض، فقلت: للخواطر انتقال، و لكلّ مقام مقال، و تختلف الحوائج باختلاف الأوقات، ثم رفع اللّبس خبر الثّقات.

____________

(1) الفريضة: الإرث أو الحصّة منه. لسان العرب (فرض).

(2) الطرفة: الغريب المستحسن. لسان العرب (طرف).

(3) في النفح: «بدائعك».

(4) الضنين: البخيل. لسان العرب (ضنن).

(5) في النفح: «و تواترت لديّ».

(6) الشّحط: البعد.

(7) في النفح: «و يرحم اللّه تعالى».

(8) في الأصل: «للشوق»، و التصويب من النفح.

(9) كلمة «فقال» غير واردة في النفح. و البيت للمعري و هو في شروح سقط الزند (ص 114).

(10) في الأصل: «للشوق»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(11) الناجية: الناقة السريعة. العشر: شجر؛ و أراد هنا المكان الذي ينبت فيه. لسان العرب (نجا) و (عشر).

(12) في النفح: «و لقد».

(13) في الأصل: «الأمل»: و التصويب من النفح.

(14) في نفح الطيب: «و حامل».

72

و منها: و تعرّفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التّكتيب و التّعليم، و الحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، و فضل ماله، و إن لا حظ الملاحظ، ما قال الجاحظ، فاعتراض لا يردّ، و قياس لا يضطرد، حبّذا و اللّه عيش أهل‏ التّأديب، فلا بالضّنك و لا بالجديب‏، معاهدة الإحسان، و مشاهدة الصّور الحسان، يمينا إنّ المعلّمين، لسادة المسلمين، و إنّي لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب، أمراء فوق المراتب، من كل مسيطر الدّرّة، متقطّب الأسرّة، متنمّر للوارد تنمّر الهرّة، يغدو إلى مكتبه، كالأمير في موكبه، حتى إذا استقلّ في فرشه، و استولى على عرشه، و ترنّم بتلاوة قالونه‏ و ورشه، أظهر للخلق احتقارا، و أزرى‏ بالجبال وقارا، و رفعت إليه الخصوم، و وقف بين يديه الظّالم و المظلوم، فتقول: كسرى في إيوانه، و الرّشيد في زمانه‏، و الحجّاج بين أعوانه. و إذا استولى على البدر السّرار، و تبيّن للشهر الغرار، تحرّك‏ إلى الخرج‏، تحرّك العود إلى الفرج، أستغفر اللّه مما يشقّ على سيدي سماعه، و تشمئزّ من ذكره‏ طباعه، شيم اللّسان، خلط الإساءة بالإحسان، و الغفلة من صفات الإنسان. فأيّ عيش هذا العيش، و كيف حال أمير هذا الجيش؟ طاعة معروفة، و وجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الغصّات‏، فكأنّما طمس الأفواه‏، و لأم بين الشّفاه، و إن أمر بالإفصاح، و تلاوة الألواح، علا الضّجيج و العجيج، و حفّ به كما حفّ بالبيت الحجيج. و كم بين ذلك من رشوة تدسّ، و غمزة لا تحسّ، و وعد يستنجز، و حاجة تستعجل و تحفز. هنّأ اللّه سيدي ما خوّله، و أنساه بطيب آخره أوّله. و قد بعثت‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 228- 229).

(2) في النفح: «اللاحظ».

(3) يشير إلى ذمّ الجاحظ معلمي الصبيان، و يداعب أبا عبد اللّه اليتيم في رجوعه إلى هذه الحرفة.

(4) في النفح: «لا يطرد».

(5) كلمة «أهل» ساقطة في النفح.

(6) الضّنك: الضّيّق. الجديب: المكان المقفر الذي لا نبات فيه. لسان العرب (ضنك) و (جدب).

(7) في الأصل: «أمرا» و كذا لا معنى له، و التصويب من النفح.

(8) في الأصل: «و الأمير»، و التصويب من النفح.

(9) في الأصل: «قانونه» و التصويب من النفح. و قالون و ورش: مقرئان، لكل منهما قراءته الخاصة.

(10) في الأصل: «و أندى» و التصويب من النفح.

(11) في النفح: «أوانه».

(12) في النفح: «فإذا».

(13) في الأصل: «القرار» و التصويب من النفح.

(14) في الأصل: «و تحرك» و التصويب من النفح.

(15) في الأصل: «الخوج» و لا معنى له، و التصويب من النفح.

(16) في الأصل: «القرد» و التصويب من النفح.

(17) في الأصل: «ذكراه» و التصويب من النفح.

(18) في النفح: «كهذا».

(19) في النفح: «لتحقّق القصّات».

(20) في النفح: «على الأفواه».

73

بدعابتي هذه مع إجلال قدره، و الثّقة بسعة صدره، فليتلقّها بيمينه، و يفسح لها في المرتبة بينه و بين خدينه‏، و يفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا بمقتضى دينه، و فضل يقينه، و السّلام.

و من شعره ما كتب به إليّ‏: [الكامل‏]

آيات حسنك حجّة للقال‏* * *في الحبّ قائمة على العذّال‏

* * *

يا من سبى طوعا عقول ذوي النّهى‏* * *ببلاغة قد أيّدت بجمال‏

* * *

يستعبد الأبصار و الأسماع ما* * *يجلو و يتلو من سنيّ مقال‏

* * *

و عليك أهواء النفوس بأسرها* * *وقفت فغيرك‏ لا يمرّ ببال‏

* * *

رفعت لديك‏ في البلاغة راية* * *لمّا احتللت بها وحيد كمال‏

* * *

و غدت تباهي منك بالبدر الذي‏* * *تعنو البدور لنوره المتلالي‏

* * *

ما ذا ترى يا ابن الخطيب لخاطب‏* * *ودّا ينافس فيك كلّ مغال‏؟

* * *

جذبته نحو هواك غرّ محاسن‏* * *مشفوعة أفرادها بمعال‏

* * *

و شمائل رقّت لرقّة طبعها* * *فزلالها يزري بكل زلال‏

* * *

و حليّ آداب بمثل نفيسها* * *تزهو الحلى و يجلّ قدر الحالي‏

* * *

تستخدم‏ الياقوت عند نظامها* * *فمقصّر من قاسها بلآل‏

* * *

سبق الأخير الأوّلين بفضلها* * *فغدا المقدّم تابعا للتّالي‏

* * *

شغفي ببكر من عقائلها إذا* * *تبدو تصان من الحجى بحجال‏

* * *

فابعث بها بنت‏ المنى ممهورة* * *طيب الثّناء لنقدها و الكالي‏

* * *

لا زلت شمسا في الفضائل يهتدى‏* * *بسناك في الأفعال و الأقوال‏

* * *

ثم السّلام عليك يترى ما تلت‏* * *بكر الزّمان روادف الآصال‏

* * *

____________

(1) الخدين: الخدن، الصديق. لسان العرب (خدن).

(2) كلمة «عملا» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(3) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 60).

(4) في الكتيبة: «للتالي».

(5) في الأصل: «فطيرك» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(6) في الأصل: «لريّه»، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(7) في الكتيبة: «يخاطب».

(8) في الأصل: «مقال» و التصويب من الكتيبة.

(9) في الأصل: «يستخدم» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(10) في الأصل: «بذكر» و التصويب من الكتيبة.

(11) في الأصل: «نلت» و التصويب من الكتيبة.

(12) في الكتيبة: «في الأقوال و الأفعال».

74

و من الدّعابة، و قد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السّلام‏: [الوافر]

أبا عبد اللّه نداء خلّ‏* * *و فيّ جاء يمنحك النّصيحه‏

* * *

إلى كم تألف الشّبان غيّا* * *و خذلانا، أما تخشى الفضيحة؟

* * *

فأجابه (رحمه اللّه): [الوافر]

فديتك، صاحب السّمة المليحه‏* * *و من طابت أرومته الصّريحه‏

* * *

و من قلبي وضعت له محلّا* * *فما عنه يحلّ بأن أزيحه‏

* * *

نأيت فدمع عيني في انسكاب‏* * *و أكباد لفرقتكم قريحه‏

* * *

و طرفي لا يتاح له رقاد* * *و هل نوم لأجفان جريحه؟

* * *

و زاد تشوّقي أبيات شعر* * *أتت منكم بألفاظ فصيحه‏

* * *

و لم تقصد بها جدّا، و لكن‏* * *قصدت بها مداعبة قبيحه‏

* * *

فقلت: أتألف الشبّان غيّا* * *و خذلانا، أما تخشى الفضيحه؟

* * *

و فيهم‏ حرفتي و قوام عيشي‏* * *و أحوالي بخلطتهم نجيحه‏

* * *

و أمري فيهم أمر مطاع‏* * *و أوجههم مصابيح صبيحه‏

* * *

و تعلم أنّني رجل حصور* * *و تعرف ذاك معرفة صحيحه‏

* * *

قال في «التّاج»: و لمّا اشتهر المشيب بعارضه و لمّته، و خفر الدهر لعمود صباه و أذمّته، أقلع و استرجع، و تألّم لما فرط و توجّع، و هو الآن من جلّة الخطباء طاهر العرض و الثّوب، خالص من الشّوب، باد عليه قبول قابل التوب.

وفاته (رحمه اللّه): في آخر صفر من عام خمسين و سبعمائة في وقيعة الطاعون العام، و دخل غرناطة.

____________

(1) البيتان و جوابهما في نفح الطيب (ج 8 ص 229).

(2) في النفح: «و أكبادي».

(3) في نفح الطيب: «وقيحة».

(4) في المصدر نفسه: «ففيهم».

(5) الحصور: من انقطع عن النساء و تفرّغ للعبادة. و في القرآن الكريم: وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً. سورة آل عمران 3، الآية 39، و لسان العرب (حصر).

(6) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 230).

(7) في النفح: «لصباه».

75

و من الغرباء في هذا الباب‏

محمد بن أحمد بن محمد ابن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي‏

من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد اللّه، و يلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين.

حاله: هذا الرجل من طرف دهره ظرفا و خصوصيّة و لطافة، مليح التوسّل، حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التّودّد، نطيف البزّة، لطيف التّأنّي‏، خيّر البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيّب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك و الأشراف، متقاض لإيثار السلاطين و الأمراء، يسحرهم بخلابة لفظه، و يفتلهم‏ في الذّروة و الغارب بتنزّله، و يهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، و يصنع‏ غاشيتهم بتلطّفه، ممزوج الدّعابة بالوقار، و الفكاهة بالنّسك، و الحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل ودّه، و التّعصّب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع و العلق‏، مسخّر الرّقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاصّ المنزل بالطّلبة، منقاد الدّعوة، بارع الخطّ أنيقه، عذب التّلاوة، متّسع الرّواية، مشارك في فنون من أصول و فروع و تفسير، يكتب و يشعر و يقيّد و يؤلّف، فلا يعدو السّداد في ذلك، فارس منبر، غير جزوع و لا هيابة. رحل إلى المشرق في كنف حشمة من جناب والده، (رحمه اللّه)، فحجّ و جاور، و لقي الجلّة، ثم فارقه، و قد عرف بالمشرق حقّه، و صرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره اشتمالا خلطه بنفسه، و جعله مفضى سرّه، و إمام جمعته، و خطيب منبره، و أمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في‏ أواخر عام ثمانية و أربعين و سبعمائة، فاجتذبه‏ سلطانها، (رحمه اللّه)، و أجراه على تلك الوتيرة، فقلّده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة، و أقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. و في أخريات عام أربعة

____________

(1) ترجمة ابن مرزوق في التعريف بابن خلدون (ص 49) و نيل الابتهاج (ص 272) و الديباج المذهب (ص 305) و الدرر الكامنة (ج 3 ص 450) و نفح الطيب (ج 7 ص 365).

(2) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 366).

(3) في الأصل: «التأتي» و التصويب من النفح.

(4) يفتلهم: يداورهم. لسان العرب (فتل).

(5) في النفح: «و يصطنع».

(6) العلق: الذين يتعلقون به و يتبعونه. لسان العرب (علق).

(7) في النفح: «هيّاب».

(8) كلمة «في» غير واردة في النفح.

(9) في الأصل: «و اجذبه» و التصويب من النفح.

76

و خمسين‏ بعده أطرف عنه جفن برّه، في أسلوب طماح، و دالّة، و سبيل هوى و قحة، فاغتنم العبرة، و انتهز الفرصة، و أنفذ في الرّحيل العزمة، و انصرف عزيز الرّحلة، مغبوط المنقلب، في أوائل شعبان عام أربعة و خمسين و سبعمائة، فاستقرّ بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محلّ تجلّة، و بساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسّط، ناجع الشّفاعة، و اللّه يتولّاه و يزيده من فضله.

مشيخته: من كتابه المسمى «عجالة المستوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب و الشّام و الحجاز»: فممن‏ لقيه بالمدينة المشرّفة على ساكنها الصلاة و السلام، الإمام العلّامة عزّ الدين محمد أبو الحسن بن علي بن إسماعيل الواسطي، صاحب خطّتي الإمامة و الخطابة بالمسجد النبوي‏ الكريم، و أفرد جزءا في مناقبه. و منهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السّعدي العبادي، تحمّل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع و أبي اليمن و غيره. و الشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم، و نائب الإمامة و الخطابة به، و منشد الأمداح النبوية هنالك و بمكة، شرّفها اللّه، الشيخ المعمّر الثّقة شرف الدين أبو عبد اللّه عيسى بن عبد اللّه الحجي‏ المكيّ. و الشيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي.

و الشيخ مقرئ الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي‏ المصري.

و الشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد اللّه بن أسعد الشافعي الحجّة، انتهت إليه الرّياسة العلمية و الخطط الشّرعية بالحرم. و الشيخ قاضي القضاة و خطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني، قاضي القضاة بمصر.

و بمصر الشيخ علاء الدين القونوي. و التّقي السعدي، و قاضي القضاة القزويني، و الشرف أقضى القضاة الإخميمي، و كثيرون غيرهم. و سمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة و الحفّاظ و العلماء بتونس، و بجاية، و الزّاب، و تلمسان.

محنته: اقتضى‏ الخوض الواقع بين يدي تأميل الأمير أبي الحسن، (رحمه اللّه)، و توقّع‏ عودة الأمر إليه، و قد ألقاه اليمّ بالسّاحل بمدينة الجزائر، أن قبض‏

____________

(1) في النفح: «و خمسين صرف عنه جفن ...».

(2) في النفح: «الفترة».

(3) قوله: «في أوائل ... و سبعمائة» غير وارد في النفح.

(4) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 367- 369). بتصرف المقري.

(5) في النفح: «بالمسجد الكريم النبوي».

(6) في النفح: «الحجبي».

(7) في النفح: «الآيلي».

(8) في النفح: «القضاة بالديار المصرية».

(9) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 371).

(10) كلمة «و توقع» غير واردة في نفح الطيب.

77

عليه بتلمسان أمراؤها المتوثّبون عليها في هذه الفترة من بني زيّان، إرضاء لقبيلهم المتّهم بمداخلته، و قد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، فصرف مأخوذا عليه طريقه، منتهبا رحله، منتهكة حرمته، و أسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. و لأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الرّكيّة، و انقطع لشدّة الثّقاف‏ أثره، و أيقن الناس بفوات الأمر فيه. و لزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة، فنجا و لا تسل كيف، و خلّصه اللّه خلاصا جميلا، و قدم على الأندلس، و اللّه ينفعه بمحنته‏.

شعره، و ما وقع من المكاتبة بيني و بينه: ركب‏ مع السلطان خارج‏ الحمراء، أيام ضربت اللّوز قبابها البيض، و زيّنت الفحص العريض، و الرّوض الأريض‏، فارتجل في ذلك: [الكامل‏]

انظر إلى النّوار في أغصانه‏* * *يحكي النجوم إذا تبدّت في الحلك‏

* * *

حيّا أمير المسلمين و قال: قد* * *عميت بصيرة من بغيرك مثّلك‏

* * *

يا يوسفا حزت الجمال بأسره‏* * *فمحاسن الأيام تومي هيت لك‏

* * *

أنت الذي صعدت به أوصافه‏* * *فيقال فيه: ذا مليك أو ملك‏

* * *

و لما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه‏: [الكامل‏]

يا قادما وافى بكلّ نجاح‏* * *أبشر بما تلقاه من أفراح‏

* * *

هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها* * *تنل المنى و تفز بكلّ سماح‏

* * *

مغنى الإمام أبي عنان يمّمن‏* * *تظفر ببحر في العلى طفّاح‏

* * *

____________

(1) قوله: «لشدّة الثقاف» غير وارد في النفح.

(2) في النفح: «بنيّته».

(3) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 372).

(4) في النفح: «بخارج».

(5) الأريض: الكثير العشب. لسان العرب (أرض).

(6) مثّلك: زعم أن لك مثيلا. لسان العرب (مثل).

(7) هيت لك: اسم فعل أمر بمعنى هلمّ و تعال؛ يقول سبحانه و تعالى: وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ‏ سورة يوسف 12، الآية 23.

(8) أخذه من قول اللّه تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏ سورة يوسف 12، الآية 31.

(9) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 198- 199).

78

من قاس جود أبي عنان ذي‏ الندى‏* * *بسواه قاس البحر بالضّحضاح‏

* * *

ملك يفيض على العفاة نواله‏* * *قبل السّؤال و قبل بسطة راح‏

* * *

فلجود كعب و ابن سعدى‏ في الندى‏* * *ذكر محاه من نداه ماح‏

* * *

ما أن رأيت و لا سمعت بمثله‏* * *من أريحيّ للندى مرتاح‏

* * *

بسط الأمان على الأنام فأصبحوا* * *قد ألحفوا منه بظلّ جناح‏

* * *

و همى على العافين سيب نواله‏* * *حتى حكى سحّ الغمام الساحي‏

* * *

فنواله و جلاله و فعاله‏* * *فاقت و أعيت ألسن المدّاح‏

* * *

و به الدّنا أضحت تروق و أصبحت‏* * *كلّ المنى تنقاد بعد جماح‏

* * *

من كان ذا ترح فرؤية وجهه‏* * *متلافة الأحزان و الأتراح‏

* * *

فانهض أبا عبد الإله تفز بما* * *تبغيه من أمل و نيل نجاح‏

* * *

لا زلت ترتشف الأماني راحة* * *من راحة المولى بكلّ صباح‏

* * *

و الحمد للّه يا سيدي و أخي على نعمه التي لا تحصى، حمدا يؤمّ به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظّم سيدي للأسى في خبال، و للأسف بين اشتغال بال، و اشتغال بلبال‏. و لقدومكم على هذا المقام‏ العلي في ارتقاب، و لمواعدكم‏ بذلك في تحقّق وقوعه من غير شكّ و لا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لتشيّعك‏ وجوه المسرّات صباحا، و تتلقّى أحاديث مكارمه و مواهبه مسندة صحاحا، بحول اللّه. و لسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه و لجامه، فهو من بعض ما لدى المحب‏ من إحسان مولاي‏ و إنعامه. و لعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقرّه مع غيره. فالحمد للّه الذي يسّر في إيصاله، على أفضل أحواله.

فراجعته بقولي‏: [الكامل‏]

راحت تذكّرني كؤوس الرّاح‏* * *و القرب يخفض للجنوح جناحي‏

* * *

____________

(1) في النفح: «في الندى».

(2) الضحضاح: الماء القليل. محيط المحيط (ضحضح).

(3) ابن سعدى: هو أوس بن حارثة الطائي.

(4) في النفح: «ما إن سمعت و لا رأيت بمثله».

(5) ما يزال النص النثري و الشعري في نفح الطيب (ج 8 ص 199- 200).

(6) البلبال: الوسواس. لسان العرب (بلبل).

(7) في النفح: «هذا المحل المولوي».

(8) في النفح: «و لمواعيدكم».

(9) في النفح: «بتشيّعك».

(10) في النفح: «المعظم».

(11) في النفح: «مولاه».

(12) في النفح: «بما نصّه».

79

و سرت تدلّ على القبول كأنما* * *دلّ النسيم على انبلاج صباح‏

* * *

حسناء قد غنيت بحسن صفاتها* * *عن دملج و قلادة و وشاح‏

* * *

أمست تحضّ على اللّياذ بمن جرت‏* * *بسعوده الأقلام في الأفراح‏

* * *

بخليفة اللّه المؤيّد فارس‏* * *شمس المعالي الأزهر الوضّاح‏

* * *

ما شئت من همم‏ و من شيم غدت‏* * *كالزّهر أو كالزّهر في الأدواح‏

* * *

فضل الملوك فليس يدرك شأوه‏* * *أنّى يقاس الغمر بالضّحضاح؟

* * *

أسنى بني عبّاسهم بلوائه ال* * *منصور أو بحسامه السّفّاح‏

* * *

و غدت مغاني الملك لمّا حلّها* * *تزهى ببدر هدى و بحر سماح‏

* * *

و حياة من أهداك تحفة قادم‏* * *في العرف منها راحة الأرواح‏

* * *

ما زلت أجعل ذكره و ثناءه‏* * *روحي و ريحاني الأريج و راحي‏

* * *

و لقد تمازج حبّه بجوارحي‏* * *كتمازج الأجسام بالأرواح‏

* * *

و لو أنني أبصرت يوما في يدي‏* * *أمري لطرت إليه دون جناح‏

* * *

فالآن ساعدني الزّمان و أيقنت‏* * *من قربه نفسي بفوز قداحي‏

* * *

إيه أبا عبد الإله و إنه‏* * *لنداء ودّ في علاك صراح‏

* * *

أما إذا استنجدتني من بعد ما* * *ركدت لما خبت الخطوب رياحي‏

* * *

فإليكها مهزولة و أنا امرؤ* * *قرّرت عجزي و اطّرحت سلاحي‏

* * *

سيدي‏، أبقاك اللّه لعهد تحفظه، و وليّ بعين الولاء تلحظه، وصلتني رقعتك التي ابتدعت‏، و بالحق من مدح‏ المولى الخليفة صدعت، و ألفتني و قد سطت بي الأوحال‏، حتى كادت تتلف الرّحال، و الحاجة إلى الغذاء قد شمّرت كشح البطين، و ثانية العجماوين‏ قد توقع فوات وقتها و إن كانت صلاتها صلاة الطّين، و الفكر قد غاض معينه، و ضعف و على اللّه جزاء المولى الذي يعينه، فغزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، و علمها منصور، و ألفاظها ليس فيها قصور، و معانيها عليها الحسن مقصور، و اعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول و منّة، و قول «لا أدري» للعالم فكيف لغيره‏

____________

(1) في النفح: «في الألواح».

(2) في النفح: «من شيم و من همم ...».

(3) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 200- 201).

(4) في النفح: «أبدعت».

(5) في النفح: «من مولى».

(6) في النفح: «الأوجال».

(7) ثانية العجماوين: صلاة العصر، و أولاهما صلاة الظهر؛ لأنهما لا يجهر فيهما بالقراءة. لسان العرب (عجم).

80

جنّة، لكنها بشّرتني بما يقلّ لمهديه‏ بذل النفوس و إن جلّت، و أطلعتني من السرّاء على وجه تحسده الشمس إذا تجلّت، بما أعلمت‏ به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيّده اللّه، في عبده، و صدق المخيلة في كرم مجده. و هذا هو الجود المحض، و الفضل الذي شكره هو الفرض. و تلك الخلافة المولويّة تتّصف بصفة من يبدأ بالنّوال، من قبل الضّراعة و السؤال، من غير اعتبار للأسباب و لا مجازاة للأعمال. نسأل اللّه أن يبقي منها على الإسلام أوفى الظّلال، و يبلغها من فضله أقصى الآمال. و وصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهديّة، و التحفة الوديّة، و قبلتها امتثالا، و استجليت منها عتقا و جمالا. و سيدي في الوقت أنسب إلى اتخاذ ذلك الجنس، و أقدر على الاستكثار من إناث البهم و الإنس. و أنا ضعيف القدرة، غير مستطيع لذلك إلّا في النّدرة، فلو رأى سيدي، و رأيه سداد، و قصده فضل و وداد، أن ينقل القضيّة إلى باب العارية من باب الهبة، مع وجوب‏ الحقوق المترتّبة، لبسط خاطري و جمعه، و عمل في رفع المؤنة على شاكلة حالي معه، و قد استصحبت مركوبا يشقّ عليّ هجره، و يناسب مقامي شكله و نجره‏، و سيدي في الإسعاف على اللّه أجره، و هذا أمر عرض، و فرض فرض، و على نظره المعوّل، و اعتماد إغضائه هو المعقول الأول. و السلام على سيدي من معظّم قدره، و ملتزم برّه، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع و العشرين لذي قعدة سنة خمس‏ و خمسين و سبعمائة، و السّماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، و ظنّ أنه طوفان، و اللّحاف في غد بالباب المولوي، مؤمل بحول اللّه.

و من الشعر المنسوب إلى محاسنه، ما أنشد عنه، و بين يديه، في ليلة الميلاد المعظم، من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة بمدينة فاس المحروسة: [مجزوء الرجز]

أيا نسيم‏ السّحر* * *بالله‏ بلّغ خبري‏

* * *

إن أنت يوما بالحمى‏* * *جررت فضل المئزر

* * *

____________

(1) في النفح: «لمؤديه».

(2) في النفح: «أعلمتني».

(3) في النفح: «بصفات».

(4) في النفح: «لاتخاذ».

(5) في النفح: «وجود».

(6) النّجر، بفتح النون و سكون الجيم: الأصل و اللون. لسان العرب (نجر).

(7) كلمة «سنة» غير واردة في النفح.

(8) في الأصل: «خمسة» و هو خطأ نحوي.

(9) في النفح: «غدها».

(10) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 372- 378).

(11) في نفح الطيب: «قل لنسيم».

(12) في نفح الطيب: «للّه».

81

ثم حثثت الخطو من‏* * *فوق الكثيب الأعفر

* * *

مستقريا في عشبه‏* * *خفيّ‏ وطء المطر

* * *

تروي عن الضّحاك في الر* * *وض حديث الزّهر

* * *

مخلّق الأذيال بال* * *عبير أو بالعنبر

* * *

وصف لجيران الحمى‏* * *وجدي بهم و سهري‏

* * *

و حقّهم ما غيّرت‏* * *ودّي صروف الغير

* * *

للّه عهد فيه قضّ‏* * *يت حميد الأثر

* * *

أيّامه هي التي‏* * *أحسبها من عمري‏

* * *

و بالليل فيه ما* * *عيب بغير القصر

* * *

العمر فينان و وج* * *ه الدهر طلق الغرر

* * *

و الشّمل بالأحباب من* * *ظوم كنظم الدّرر

* * *

صفو من العيش بلا* * *شائبة من كدر

* * *

ما بين أهل تقطف ال* * *أنس جنيّ الثمر

* * *

و بين آمال تبي* * *ح القرب صافي الغدر

* * *

يا شجرات الحيّ حيّ‏* * *اك الحيا من شجر

* * *

إذا أجال الشوق في‏* * *تلك المغاني فكري‏

* * *

خرّجت من خدّي حدي* * *ث الدمع فوق الطّرر

* * *

و قلت يا خدّ أرو من‏* * *دمعي صحاح الجوهري‏

* * *

عهدي بحادي‏ الرّكب كال* * *ورقاء عند السّحر

* * *

و العيس تجتاب الفلا* * *و اليعملات تنبري‏

* * *

تخبط بالأخفاف مظ* * *لوم البرى و هو بري‏

* * *

قد عطفت عن ميد* * *و التفتت‏ عن حور

* * *

____________

(1) في نفح الطيب: «مخفيّ وطء».

(2) الغدر: جمع غدير. لسان العرب (غدر).

(3) حادي الركب: الذي يحدو للإبل لتنشط في سيرها. لسان العرب (حدا).

(4) اليعملات: جمع يعملة و هي الناقة النجيبة المعتملة المطبوعة على العمل. تنبري: تعترض، أي إنها تباري الإبل في سرعة سيرها. محيط المحيط (عمل) و (برى).

(5) البرى، بالفتح: التراب. بري: أي بري‏ء، فسهّل الهمزة. لسان العرب (برى) و (برأ).

(6) في الأصل: «و التفّت» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

82

قسيّ سير ما سوى ال* * *عزم لها من وتر

* * *

حتى إذا الأعلام حل* * *لت لحفيّ البشر

* * *

و استبشر النازح بال* * *قرب و نيل الوطر

* * *

و عيّن الميقات للسّ‏* * *فر نجاح السّفر

* * *

و الناس‏ بين محرم‏* * *بالحجّ أو معتمر

* * *

لبّيك لبيك إل* * *ه الخلق باري الصّور

* * *

و لاحت الكعبة بي* * *ت اللّه ذات الأثر

* * *

مقام إبراهيم وال* * *مأمن عند الذّعر

* * *

و اغتنم القوم طوا* * *ف القادم المبتدر

* * *

و أعقبوا ركعتي السّ‏* * *عي استلام الحجر

* * *

و عرّفوا في عرفا* * *ت كلّ عرف أذفر

* * *

ثم أفاض الناس سع* * *يا في غد للمشعر

* * *

فوقفوا و كبّروا* * *قبل الصباح المسفر

* * *

و في منّى نالوا المنى‏* * *و أيقنوا بالظّفر

* * *

و بعد رمي الجمرا* * *ت كان خلق الشّعر

* * *

أكرم بذاك الصّحب‏ وال* * *له و ذاك النّفر

* * *

يا فوزه من موقف‏* * *يا ربحه من متجر

* * *

حتى إذا كان الودا* * *ع و طواف الصّدر

* * *

فأيّ صبر لم يخن‏* * *أو جلد لم يغدر

* * *

و أيّ وجد لم يصل‏* * *و سلوة لم تهجر

* * *

____________

(1) يشبه الإبل الهزيلة السريعة بالقسيّ.

(2) السّفر: المسافرون. لسان العرب (سفر).

(3) في النفح: «فالناس».

(4) المبتدر: المسرع إلى عمل شي‏ء، و أراد: طواف القدوم. لسان العرب (بدر).

(5) الأذفر: الطيب الرائحة. لسان العرب (ذفر).

(6) المشعر: موضع مناسك الحج. محيط المحيط (شعر).

(7) في النفح: «السّفر».

(8) في النفح: «السّفر».

(9) الصّدر: الرجوع، و طواف الصدر هو الطواف الذي يكون آخر أعمال الحجّ، سمي بذلك لأنهم يعودون بعده إلى بلادهم.

(10) يقول: إنهم جزعوا لمفارقة مكة.

83

ما أفجع البين لقل* * *ب الواله المستغفر

* * *

ثم ثنوا نحو رسو* * *ل اللّه سير الضّمّر

* * *

فعاينوا في طيبة* * *لألاء نور نيّر

* * *

زاروا رسول اللّه و اس* * *تشفعوا بلثم الجدر

* * *

نالوا به ما أمّلوا* * *و عرّجوا في الأثر

* * *

على الضّجيعين أبي‏* * *بكر الرّضا و عمر

* * *

زيارة الهادي الشّفي* * *ع جنّة في المحشر

* * *

فأحسن اللّه عزا* * *ء قاصد لم يزر

* * *

ربع ترى مستنزل ال* * *آي به و السّور

* * *

و ملتقى جبريل بال* * *هادي الزّكيّ العنصر

* * *

و روضة الجنّة ب* * *ين روضة و منبر

* * *

منتخب اللّه و مخ* * *تار الورى من مضر

* * *

و المنتقى و الكون من‏* * *ملابس الخلق عري‏

* * *

إذ لم يكن في أفق‏* * *من زحل أو مشتري‏

* * *

ذو المعجزات الغرّ أم* * *ثال النجوم الزّهر

* * *

يشهد بالصّدق له‏* * *منها انشقاق القمر

* * *

و الضّبّ و الظّبي إلى‏* * *نطق الحصى و الشّجر

* * *

من أطعم الألف بصا* * *ع في صحيح الخبر

* * *

و الجيش روّاه بما* * *ء الرّاحة المنهمر

* * *

يا نكتة الكون التي‏* * *فاتت منال الفكر

* * *

يا حجّة اللّه على ال* * *رائح و المبتكر

* * *

يا أكرم الرّسل على ال* * *له و خير البشر

* * *

____________

(1) في النفح: «المستعبر».

(2) الجنّة: بضم الجيم: الوقاية. لسان العرب (جنن).

(3) أراد بالزكي العنصر: النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم).

(4) في نفح الطيب: «و مشتري».

(5) انشقاق القمر من معجزات النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)؛ قال اللّه تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (1). سورة القمر 54، الآية 1.

(6) الفكر: جمع فكرة، و أراد العقول، و قوله: فاتت منال الفكر: أي عجز المفكرون عن إدراك حقيقته.

84

يا من له التّقدم ال* * *حقّ على التّأخر

* * *

يا من لدى مولده‏* * *المقدّس المطهّر

* * *

إيوان كسرى ارتجّ إذ* * *ضاقت‏ قصور قيصر

* * *

و موقد النار طفا* * *كأنها لم تسعر

* * *

يا عمدتي يا ملجئي‏* * *يا مفزعي يا وزري‏

* * *

يا من له اللّواء و ال* * *حوض و ورد الكوثر

* * *

يا منقذ الغرقى و هم‏* * *رهن العذاب الأكبر

* * *

إن لم تحقّق أملي‏* * *بؤت بسعي المخسر

* * *

صلّى عليك اللّه يا* * *نور الدّجا المعتكر

* * *

يا ويح نفسي كم أرى‏* * *من غفلتي في غمر

* * *

وا حسرتا من قلّة ال* * *زّاد و بعد السّفر

* * *

يحجّني و اللّه بال* * *برهان وعظ المنبر

* * *

يا حسنها من خطب‏* * *لو حرّكت من نظري‏

* * *

يا حسنها من شجر* * *لو أورقت من ثمر

* * *

أومّل الأوبة و ال* * *أمر بكفّ القدر

* * *

أ سوف العزم بها* * *من شهر لشهر

* * *

من صفر لرجب‏* * *من رجب لصفر

* * *

ضيّعت في الكبرة ما* * *أعددته في صغري‏

* * *

و ليس ما مرّ من ال* * *أيام بالمنتظر

* * *

و قلّ ما أن حمدت‏* * *سلامة في غرر

* * *

ولي غريم لا يني‏* * *عن‏ طلب المنكسر

* * *

يا نفس جدّي قد بدا ال* * *صبح ألا فاعتبري‏

* * *

و اتّعظي بمن مضى‏* * *و ارتدعي و ازدجري‏

* * *

____________

(1) في النفح: «ضاءت».

(2) في النفح: «... طفي كأنه لم يسعر».

(3) في النفح: «في غفلة من عمري».

(4) في الأصل: «و احسروا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) في الأصل: «من نظر» و التصويب من النفح.

(6) في النفح: «به».

(7) في النفح: «في».

85

ما بعد شيب الفود من‏* * *مرتقب فشمّري‏

* * *

أنت و إن طال المدى‏* * *في قلعة أو سفر

* * *

و ليس من عذر يقي* * *م حجّة المعتذر

* * *

يا ليت شعري و المنى‏* * *تسرق طيب العمر

* * *

هل أرتجي من عودة* * *أو رجعة أو صدر

* * *

فأبرّد الغلّة من‏* * *ذاك الزّلال الخصر؟

* * *

مقتديا بمن مضى‏* * *من سلف و معشر

* * *

نالوا جوار اللّه و ه* * *و الفخر للمفتخر

* * *

أرجو بإبراهيم مو* * *لانا بلوغ الوطر

* * *

فوعده لا يمتري‏* * *في الصّدق منه الممتري‏

* * *

فهو الإمام المرتضى‏* * *و الخيّر ابن الخيّر

* * *

أكرم من نال المنى‏* * *بالمرهفات البتر

* * *

ممهّد الملك و سي* * *ف الحقّ و الليث الجري‏

* * *

خليفة اللّه الذي‏* * *فاق بحسن السّير

* * *

و كان منه الخبر في ال* * *علياء وفق الخبر

* * *

فصدّق التّصديق من‏* * *مرآه للتّصور

* * *

و مستعين اللّه في‏* * *ورد له و صدر

* * *

فاق الملوك الصّيدا بال* * *مجد الرّفيع الخطر

* * *

فأصبحت ألقابهم‏* * *منسيّة لم تذكر

* * *

و حاز منهم‏ أوحد* * *وصف العديد الأكثر

* * *

برأيه المأمون أو* * *عسكره المظفّر

* * *

بسيفه السّفاح أو* * *بعزمه المقتدر

* * *

____________

(1) القلعة: الانتقال. لسان العرب (قلع).

(2) في النفح: «و سفر».

(3) الخصر: العذب البارد. لسان العرب (خصر).

(4) في نفح الطيب: «ممتري». و امترى في الشي‏ء: شكّ فيه. محيط المحيط (مرى).

(5) في نفح الطيب: «و هو».

(6) في نفح الطيب: «العلا».

(7) في الأصل: «الصيد»، و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «منه».

(9) في هذا البيت و الذي يليه تورية بأسماء بعض الخلفاء.

86

بالعلم المنصور أو* * *بالذّابل المستنصر

* * *

بابن‏ الإمام الط* * *اهر البرّ الزّكي السّير

* * *

مدحك قد علّم نظ* * *م الشّعر من لم يشعر

* * *

جهد المقلّ اليوم من‏* * *مثلي كوسع المكثر

* * *

فإن يقصّر ظاهري‏* * *فلم يقصّر مضمري‏

* * *

و وردت‏ على‏ باب السلطان الكبير العالم‏ أبي عنان، فبلوت من مشاركته، و حميد سعيه ما يليق بمثله. و لمّا نكبه لم أقصّر عن ممكن حيلة في أمره.

و لما هلك السلطان أبو عنان، (رحمه اللّه)، و صار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمّى بالسّعيد، كان ممن دمث‏ له الطّاعة، و أناخ راحلة الملك، و حلب ضرع الدّعوة، و خطب عروس الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة، فاستحكم عن قرب، و استغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، و خلطه بنفسه، و لم يستأثر عنه ببثّه، و لا انفرد بما سوى بضع أهله، بحيث لا يقطع في شي‏ء إلّا عن رأيه، و لا يمحو و يثبت إلّا واقفا عند حدّه، فغشيت بابه الوفود، و صرفت إليه الوجوه، و وقفت عليه الآمال، و خدمته الأشراف و جلبت إلى سدّته بضائع العقول و الأموال، و هادته الملوك، فلا تحدو الحداة إلّا إليه، و لا تحطّ الرّحال إلّا لديه. إن حضر أجري الرسم، و أنفذ الأمر و النّهي، لحظا أو سرارا أو مكاتبة، و إن غاب، تردّدت الرّقاع، و اختلفت الرّسل. ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة، و منتبذ المناجاة، من دونه مصطفّ الوزراء، و غايات الحجّاب، فإذا انصرف تبعته الدّنيا، و سارت بين يديه الوزراء، و وقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكلّ لحظه، و شملهم بحسب الرّتب و الأموال رعيه، و وسم أفذاذهم تسويده، و عقدت ببنان عليتهم بنانه. لكن رضى الناس غاية لا تدرك، و الحقد بين بني آدم قديم، و قبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه‏ على سل،

____________

(1) في النفح: «المنتصر».

(2) في النفح: «يا ابن».

(3) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 379- 380).

(4) كلمة «على» غير واردة في النفح.

(5) كلمة «العالم» غير واردة في النفح.

(6) في النفح: «فلما».

(7) في النفح: «دانت».

(8) في النفح: «الدولة».

(9) في النفح: «التقرب».

(10) لا تحدو الحداة إلّا إليه: لا تشد الرحال إلّا إليه.

(11) في النفح: «الغاية».

(12) في النفح: «و الحسد».

(13) كلمة «منه» غير واردة في النفح.

87

و حنيت الضّلوع على بثّ، و أغمضت الجفون على قذى، إلى أن كان من نكبته‏ ما هو معروف، جعلها اللّه له طهورا.

و لمّا جرت الحادثة على السلطان‏ بالأندلس، و كان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في ودّه، فوفّى كيل‏ الوفا، و أشرك في الجاه، و أدرّ الرّزق، و رفع المجلس بعد التّسبيب‏ في الخلاص و السّعي في الجبر، جبره اللّه تعالى، و كان له أحوج ما يكون إلى ذلك، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89).

و لما انقضى أمر سلطانه، (رحمه اللّه)، و قذف به بحر التّمحيص إلى شطّه، و أضحى جوّ النّكبة بعد انطباقه، آثر التّشريق بأهله و جملته، و استقرّ بتونس خطيب الخلافة، مقيما على رسمه من التّجلّة، ذائع الفضل هنالك و المشاركة، و هو بحاله الموصوفة إلى الآن، كان اللّه له.

و كنت‏ أحسست منه في بعض الكتب‏ الواردة صاغية إلى الدّنيا، و حنينا لما فارق‏ من غرورها، فحملني الطّور الذي ارتكبته في هذا الأيام، بتوفيق اللّه، على أن خاطبته‏ بهذه الرسالة، و حقّها أن يجعلها خدمة الملوك ممّن ينسب إلى نبل، أو يلمّ‏ بمعرفة، مصحفا يدرسه، و شعارا يلتزمه، و هي‏:

سيدي الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة، و لم تختلف في مدحها الأفعال و لا تغايرت في حمدها الصّفات، و لا تزال تعترف بها العظام الرّفات، أطلقك اللّه من أسر الكون‏ كما أطلقك من أسر بعضه، و رشّدك‏ في سمائه العالية و أرضه، و حقّر الحظّ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتّصل بي الخبر السّار من تركك لشانك، و إجناء اللّه إيّاك ثمرة إحسانك، و انجياب ظلام‏

____________

(1) في النفح: «نكبته الثالثة».

(2) في النفح: «الدولة».

(3) في النفح: «فوفّى الكيل».

(4) في النفح: «التسبّب».

(5) سورة الشعراء 26، الآيتان: 88، 89.

(6) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 137- 138).

(7) في النفح: «كتبه الواردة إليّ صاغية ...».

(8) في النفح: «بلاه».

(9) في النفح: «أخاطبه».

(10) في النفح: «ويلمّ».

(11) الرسالة مع الشعر في نفح الطيب (ج 7 ص 138- 139).

(12) في النفح: «المكافات».

(13) قوله: «في حمدها» غير وارد في النفح.

(14) في النفح: «كل الكون».

(15) في النفح: «و زهّدك في سمأته الفانية و في أرضه».

88

الشّدة الحالك، عن أفق حالك، فكبّرت‏ لانتشاق عفو اللّه العطر، و استعبرت لتضاؤل الشّدة بين يدي الفرج لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يؤمر فيأتمر، و يدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو في‏ء، و ظلّ ليس له من الأمر شي‏ء، و نسأله‏ جلّ و تعالى أن يجعلها آخر عهدك بالدّنيا و بنيها، و أوّل معارج نفسك التي تقرّبها من الحقّ و تدنيها، و كأنّني‏ و اللّه أحسّ بثقل هذه الدعوة على سمعك، و مضادّتها و لا حول و لا قوة إلّا بالله لطبعك، و أنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس اللّه في عالم الإنسان، و الآلة لبثّ العدل و الإحسان، و الملك الذي يبين عنه ترجمان اللّسان، فأقول: ليت شعري ما الذي غبط سيدي بالدّنيا، و إن بلغ من زبرجها الرّتبة العليا، و أفرض‏ المثال لحالة إقبالها، و وصل حبالها، و ضراعة سبالها، و خشوع جبالها.

التوقّع المكروه صباح مسا، و ارتقاب الحوالة التي تديل من النّعيم البأساء، و لزوم المنافسة التي تعادي الأشراف و الرؤسا؟ أ لترتّب العتب، حتى‏ على التّقصير في الكتب، و ضعينة جار الجنب، و ولوع الصّديق بإحصاء الذّنب؟ أ لنسبة وقائع الدولة إليك و أنت بري، و تطويقك الموبقات و أنت منها عري؟ أ لاستهدافك للمضّار التي تنتجها غيرة الفروج، و الأحقاد التي تضطبنها ركبة السّروج و سرحة المروج، و نجوم السّما ذات البروج؟ أ لتقليدك التّقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، و صحّت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود، و لا يكيّفها الرّكوع للملك و السّجود؟ أ لقطع الزّمان بين سلطان يعبد، و سهام للغيوب تكبّد، و عجاجة شرّ تلبّد، و أقبوحة تخلّد و توبّد؟ ألوزير يصانع و يدارى، و ذي حجّة صحيحة يجادل في مرضاة السّلطان و يمارى، و عورة لا توارى؟ أ لمباكرة كلّ عائب‏ حاسد، و عدوّ مستأسد، و سوق للإنصاف و الشّفقة كاسد، و حال فاسد؟ أ للوفود تتزاحم بسدّتك،

____________

(1) قوله: «فكبرت، و في الفرج من بعد الشدة اعتبرت، لا يسوى ...»، غير وارد في النفح.

(2) في الأصل: «العاطر»، و قد صوبناه لتستقيم السجعة.

(3) يبتدر: يسرع.

(4) الفي‏ء: الظلّ.

(5) في النفح: «و نسأل اللّه جلّ و علا ...».

(6) في النفح: «و كأني».

(7) الزّبرج: الزينة من وشي أو جوهر و نحو ذلك. محيط المحيط (زبرج).

(8) في النفح: «و نفرض».

(9) في النفح: «بحال».

(10) في النفح: «صباحا و مساء».

(11) في النفح: «البأساء».

(12) في النفح: «و الرؤساء».

(13) كلمة «حتى» غير واردة في النفح.

(14) في النفح: «تضبطها».

(15) في الأصل: «قضاها» و التصويب من النفح.

(16) في النفح: «و لا يكفيها».

(17) العجاجة: العجاج و هو الغبار. محيط المحيط (عجج).

(18) في النفح: «قرن».

(19) فى النفح: «ألوفود».

89

مكلّفة لك غير ما في طوقك، فإن لم تنل أغراضها قلبت عليك السّماء من فوقك؟ أ لجلساء ببابك، لا يقطعون زمن‏ رجوعك و إيابك، إلّا بقبيح اغتيابك؟

فالتّصرّفات تمقت، و القواطع النّجوميّات‏ توقّت، و الألاقيّ‏ تبثّ، و السعايات تحثّ، و المساجد يشتكى فيها البثّ، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور، و اليتيم المحجور، و الأسير المأمور، ليس له شهوة و لا غضب، و لا أمل في الملك و لا أرب، و لا موجدة لأحد كامنة، و للشّر ضامنة، و ليس في نفسه عن رأي نفرة، و لا بإزاء ما لا يقبله نزوة و طفرة، إنما هو جارحة لصيدك، و عان في قيدك، و آلة لتصرّف كيدك، و أنّك علّة حيفه، و مسلّط سيفه: الشّرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزّقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخّلهم الوجود أخبث ما فيه، و اختارهم السّفيه فالسّفيه، إذ الخير يسرّه‏ اللّه عن الدّول و يخفيه، و يقنعه بالقليل فيكفيه، فهم يمتاحون بك و يولونك الملامة، و يقتحمون‏ عليك أبواب القول و يسدّون طرق السّلامة، و ليس لك في أثناء هذه إلّا ما يعوزك مع ارتفاعه، و لا يفوتك مع انقشاعه، و ذهاب صداعه، من غذاء يشبع، و ثوب يقنع، و فراش ينيم، و خديم يقعد و يقيم. و ما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، و مال من ورائه سوء القضا، و جاه يحلّق عليه سيف منتضى؟ و إذا بلغت النّفس إلى الالتذاذ بما لا تملك، و اللّجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك‏، فكيف تنسب‏ إلى نبل، أو تسير مع‏ السعادة في سبل؟ و إن وجدت في القعود بمجلس التّحية، بعض الأريحيّة، فليت شعري أيّ شي‏ء زادها، أو معنى أفادها، إلّا مباكرة وجه الحاسد، و ذي القلب الفاسد، و مواجهة العدوّ المستأسد؟ أو شعرت ببعض الإيناس، في الركوب بين الناس. هل‏ التذّت إلّا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور مجاذب‏؟ إنما الحلية و افتك من يحدّق إلى البزّة، و يستطيل مدّة العزّة، و يرتاب إذا حدّث‏

____________

(1) في النفح: «فإن لم يقع الإسعاف قلبت ...».

(2) في النفح: «زمان».

(3) كلمة «النجوميات» ساقطة في النفح.

(4) الألاقيّ: جمع ألقيّة و هي ما ألقي من التحاجي و الألغاز. لسان العرب (لقي).

(5) في النفح: «في حلقها».

(6) الموجدة: الغضب. لسان العرب (وجد).

(7) في النفح: «يستره».

(8) في المصدر نفسه: «و يفتحون».

(9) في الأصل: «تملك» و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «ينسب» و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «أو يسر» و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «من».

(13) في النفح: «الجلوس».

(14) في النفح: «ما».

(15) في النفح: «جاذب».

(16) في النفح: «إنما راكبك من يحدّق إلى الحلية و البزّة ...».

(17) في النفح: «حدثت».

90

بخبرك، و يتبع بالنّقد و التّجسّس مواقع نظرك، و يمنعك من مسايرة أنيسك‏، و يحتال على فراغ كيسك، و يضمر الشّرّ لك و لرئيسك‏. و أيّ راحة لمن لا يباشر قصده، و يسير متى شاء وحده؟ و لو صحّ في هذه الحال للّه حظّ، و هبه زهيدا، أو عيّن‏ للرّشد عملا حميدا، لساغ الصّاب‏، و خفّت الأوصاب‏، و سهل المصاب. لكن الوقت أشغل، و الفكر أوغل، و الزّمن قد غمرته الحصص الوهميّة، و استنفدت منه الكميّة، أما ليله ففكر أو نوم، و عتب يجرّ الضّراس و لوم، و أمّا يومه فتدبير، و قبيل و دبير، و أمور يعيا بها ثبير، و بلاء مبير، و لغط لا يدخل فيه حكيم كبير، و أنا بمثل ذلك خبير. و و اللّه يا سيّدي، و من فلق الحبّ و أخرج الأبّ‏، و ذرأ من مشى و من‏ دبّ، و سمّى نفسه الربّ، لو تعلّق المال الذي يجده هذا الكدح‏، و يوري سقيطه هذا القدح، بأذيال الكواكب، و زاحمت البدر بدره بالمناكب، لما ورثه عقب، و لا خلص به محتقب‏، و لا فاز به سافر و لا منتقب. و الشّاهد الدّول و المشائيم‏ الأول: فأين الرّباع المقتناة؟ و أين الدّيار المبتناة؟ و أين الحدائق‏ المغترسات، و أين الذّخائر المختلسات؟ و أين الودائع المؤمّلة، و أين الأمانات المحمّلة؟ تأذّن اللّه بتتبيرها، و إدناء نار التّبار من دنانيرها، فقلّما تلقى أعقابهم إلّا أعراء الظّهور، مترمّقين بجرايات‏ الشّهور، متعلّلين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها آباؤهم، و عرف‏

____________

(1) في الأصل: «من شارة أنسك»، و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «و لرسيك» و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «و يمشي إذا شاء ...».

(4) في النفح: «و عيّن».

(5) الصاب: عصارة شجر مرّ. لسان العرب (صوب).

(6) الأوصاب: جمع وصب و هو المرض. لسان العرب (وصب).

(7) في النفح: «بجراء الضرائر و لوم».

(8) ثبير: أعلى جبال مكة و أعظمها. الروض المعطار (ص 149).

(9) الأبّ: الكلأ و المرعى. لسان العرب (أبب).

(10) في الأصل: «ما» و التصويب من النفح.

(11) في النفح: «الذي يجرّه هذا القدح».

(12) في الأصل: «لا» و التصويب من النفح.

(13) محتقب: محتمل؛ يقال: احتقب الشي‏ء إذا وضعه في حقيبته. لسان العرب (حقب).

(14) في الأصل: «و المشايم».

(15) في الأصل: «المبتداة» و التصويب من النفح.

(16) في النفح: «الحوائط».

(17) في الأصل: «و إدناء و تار التيّار»، و التصويب من النفح. و التتبير: الإهلاك. و التّبار: الهلاك.

محيط المحيط (تبر).

(18) في الأصل: «إلّا أعربا للطمور» و التصويب من النفح.

(19) في النفح: «لجرايات».

(20) في النفح: «عنها».

91

منها إباؤهم، و شمّ من مقاصيرها عنبرهم و كباؤهم، لم‏ تسامحهم الأيام إلّا في إرث محرّر، أو حلال مقرّر، و ربما محقه الحرام، و تعذّر منه المرام. هذه، أعزّك اللّه، حال قبولها و مالها مع التّرفيه، و على فرض أن يستوفي العمر في العزّ مستوفيه. و أما ضدّه من عدوّ يتحكّم و ينتقم، و حوت بغي يبتلع و يلتقم، و طبق‏ يحجب الهواء، و يطيل في التّراب الثّواء، و ثعبان قيد يعضّ السّاق، و شؤبوب عذاب يمزّق الأبشار الرّقاق، و غيلة يهديها الواقب‏ الغاسق، و يجرعها العدوّ الفاسق، [فصرف السوق، و سلعته المعتادة الطروق‏،] مع الأفول و الشروق. فهل في شي‏ء من هذا مغتبط لنفس حرّة، أو ما يساوي جرعة حال مرّة؟ وا حسرتاه للأحلام ضلّت، و للأقدام زلّت، و يا لها مصيبة جلّت! و لسيدي أن يقول: حكمت عليّ‏ باستثقال الموعظة و استجفائها، و مراودة الدّنيا بين خلّانها و أكفائها، و تناسي عدم وفائها، فأقول: الطّبيب بالعلل أدرى، و الشّفيق بسوء الظّنّ مغرى، و كيف لا و أنا أقف على السّحاءات بخطّ يد سيدي من مطارح الاعتقال، و مثاقف النّوب الثّقال، و خلوات‏ الاستعداد للقاء الخطوب الشّداد، و نوش‏ الأسنّة الحداد، و حيث يجمل بمثله إلّا يصرف في غير الخضوع للّه بنانا، و لا يثني لمخلوق عنانا.

و أتعرف أنها قد ملأت الجوّ و الدوّ، و قصدت الجماد و البوّ، تقتحم أكفّ أولي الشّمات، و حفظة المذمّات، و أعوان النّوب الملمّات، زيادة في الشّقاء، و قصدا بريّا من الاختيار و الانتقاء، مشتملة من التّجاوز على أغرب من العنقاء، و من النّقاق على أشهر من البلقاء. فهذا يوصف بالإمامة، [و هذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة]، و هذا يجعل من أهل الكرامة، و هذا يكلّف الدّعاء و ليس من أهله، و هذا يطلب منه لقاء الصّالحين و ليسوا من شكله، إلى ما أحفظني و اللّه من البحث عن‏

____________

(1) في النفح: «و لم».

(2) في النفح: «قبولها مع الترفيه، و مالها المرغوب فيه، و على فرض ...».

(3) في النفح: «و مطبق».

(4) في الأصل: «قميد» و التصويب من النفح.

(5) يقال: وقب الرجل: أي دخل في الوقب، أي عند غياب الشمس. محيط المحيط (وقب).

(6) ما بين قوسين ساقط في الأصل، و قد أضفناه من النفح.

(7) كلمة «عليّ» ساقطة في النفح.

(8) كلمة «يد» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(9) في النفح: «و خطوات».

(10) في النفح: «و نوشى».

(11) الدّوّ: المفازة. محيط المحيط (دوو).

(12) البوّ: جلد الحوار يحشى تبنا فيقرّب من أمّ الفصيل إذا فقدت ولدها فتعطف عليه فتدرّ. محيط المحيط (بوو).

(13) ما بين قوسين ساقط في النفح.

92

السّموم، و كتب النجوم، و المذموم من المعلوم، هلّا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، و أعتقد أنّ اللّه قد جعل لزمن الخير و الشّرّ ميقاتا، و أنّا لا نملك موتا و لا نشورا و لا حياتا، و أنّ اللّوح قد حصر الأشياء محوا و إثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع مما قدر إفلاتا؟ أفيدونا ما يرجّح العقيدة المقررة نتحوّل إليه، و بيّنوا لنا الحقّ نعوّل عليه. اللّه اللّه يا سيدي في النّفس المرشّحة، و الذّات المحلّاة بالفضائل الموشّحة، و السّلف الشهير الخير، و العمر المشرف على الرّحلة بعد حثّ السّير، و دع الدنيا لأهلها فما أوكس حظوظهم، و أخسّ لحوظهم، و أقلّ متاعهم، و أعجل إسراعهم، و أكثر عناءهم، و أقصر آناءهم:

[مجزوء الكامل‏]

ما ثمّ‏ إلّا ما رأي* * *ت، و ربما تعيي السّلامة

* * *

و الناس إمّا جائر* * *أو حائر يشكو ظلامه‏

* * *

و اللّه ما احتقب الحري* * *ص سوى الذّنوب أو الملامه‏

* * *

هل ثمّ شكّ في المعا* * *د الحقّ أو يوم القيامه‏

* * *

قولوا لنا ما عندكم‏* * *أهل الخطابة و الإمامه‏

* * *

و إن رميت بأحجاري، و أوجرت‏ المرّ من أشجاري، فو اللّه ما تلبّست منها اليوم‏ بشي‏ء قديم و لا حديث، و لا استاثرت بطيّب فضلا عن خبيث. و ما أنا إلّا عابر سبيل، و هاجر مرعى و بيل، و مرتقب وعد قدر فيه الإنجاز، و عاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفرّ من الأسد، و حاولت المقاطعة حتى بين روحي و الجسد، و غسل اللّه قلبي، و للّه‏ الحمد، من الطّمع و الحسد، فلم أبق عادة إلّا قطعتها، و لا جنّة للصّبر إلّا ادّرعتها، أمّا اللّباس فالصّوف، و أما الزّهد فيما في أيدي‏ الناس فمعروف، و أما المال الغبيط فعلى الصّدقة مصروف. و و اللّه‏

____________

(1) في النفح: «المتقررة فنتحوّل ...».

(2) في الأصل: «و اللّذّات المحلات»، و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «لبنيها».

(4) في الأصل: «تمّ». و التصويب من النفح.

(5) جاء بعد هذا البيت في نفح الطيب البيت التالي:

و إذا أردت العزّ لا* * *ترزأ بني الدّنيا قلامه‏

* * *

(6) أوجرت المرّ: صببته في الفم. لسان العرب (وجر).

(7) في الأصل: «لليوم». و في النفح: «اليوم منها».

(8) في النفح: «وعدا».

(9) في الأصل: «و له» و التصويب من النفح.

(10) في النفح: «بأيدي الخلق فمعروف».

93

لو علمت أنّ حالي هذه تتّصل، و عراها لا تنفصل، و أن ترتيبي هذا يدوم، و لا يحيّرني‏ الوعد المحتوم، و الوقت المعلوم، لمتّ أسفا، و حسبي اللّه و كفى. و مع هذا يا سيدي، فالموعظة تتلقّى من لسان الوجود، و الحكمة ضالّة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، و يأخذها من غير اعتبار بمحلّها المذموم أو المحمود. و لقد أعملت نظري فيما يكافى‏ء عني بعض يدك، أو ينتهي‏ في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدّنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، و ألفيت بذل النّفس قليلا لك من غير شرط و لا ثنيا، فلمّا ألهمني اللّه لمخاطبتك بهذه النّصيحة المفرغة في قالب الجفا، لمن لا يثبت عين الصّفا، و لا يشيم بارقة الوفا، و لا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنّسين بها المنهمكين، و ينظر عوّارها القادح‏ بعين اليقين، و يعلم أنها المومسة التي حسنها زور، و عاشقها مغرور، و سرورها شرور، تبيّن لي أني‏ قد كافيت‏ صنيعتك المتقدّمة، و خرجت عن عهدتك الملتزمة، و أمحضت‏ لك النّصح الذي يعزّ بعزّ اللّه ذاتك، و يطيب حياتك، و يحيي مواتك، و يريح جوارحك من الوصب‏، و قلبك من النّصب‏، و يحقّر الدنيا و أهلها في عينك إذا اعتبرت، و يلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت. كلّ من تقع عليه‏ عينك حقير قليل، و فقير ذليل، لا يفضلك بشيّ إلّا باقتفاء رشد أو ترك غيّ، أثوابه النّبيهة يجرّدها الغاسل، و عروة عزّه‏ يفصّلها الفاصل‏، و ماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، و اللّه ما تعيّن للخلف إلّا ما تعيّن للسّلف، و لا مصير المجموع إلّا إلى التّلف، و لا صحّ من الهياط و المياط، و الصّياح و العياط، و جمع القيراط إلى القيراط، و الاستظهار بالوزعة و الأشراط، و الخبط و الخبّاط، و الاستكثار و الاغتباط،

____________

(1) في النفح: «و أن عراها».

(2) في الأصل: «يجيزني» و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «و لا».

(4) في الأصل: «ينتمي» و التصويب من النفح.

(5) الثنيا: الاستثناء. لسان العرب (ثنا).

(6) يشيم: ينظر. البارقة: السحابة ذات البرق. لسان العرب (شام) و (برق).

(7) في الأصل: «عواره الفادح» و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «أنني».

(9) في النفح: «كافأت».

(10) في الأصل: «و محضت للّه» و التصويب من النفح. و أمحض: أخلص. لسان العرب (محض).

(11) في الأصل: «يقرّ» و التصويب من النفح.

(12) الوصب: المرض. لسان العرب (وصب).

(13) النّصب: التعب. لسان العرب (نصب).

(14) في النفح: «عينك عليه فهو حقير ...».

(15) في الأصل: «غيره» و التصويب من النفح.

(16) في النفح: «يقصلها القاصل».

(17) الهياط: مصدر هاط يهيط، أي ضجّ و أجلب. المياط: الدفع و الزجر، و المراد من «الهياط و المياط»: الدنوّ و التباعد. محيط المحيط (هاط) و (ماط).

(18) العياط: الصياح. محيط المحيط (عاط).

94

و الغلوّ و الاشتطاط، و بنا الصّرح و عمل السّاباط، و رفع العماد و إدارة الفسطاط، إلّا ألم‏ يذهب القوة، و ينسي الآمال المرجوّة، ثمّ نفس يصعد، و سكرات تتردّد، و حسرات لفراق الدّنيا تتجدّد، و لسان يثقل، و عين تبصر الفراق الحقّ‏ و تمقل‏ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68). ثم القبر و ما بعده، و اللّه منجز وعيده و وعده، فالإضراب الإضراب، و التّراب التّراب. و إن اعتذر سيدي بقلّة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزّاق، و بيده من التّسبّب ما يتكفّل بإمساك أرماق، أين النّسخ الذي يتبلّغ الإنسان بأجرته‏، في كن حجرته؟ لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرّته؟ السؤال و اللّه أقوم طريقا، و أكرم فريقا، من يد تمتدّ إلى حرام، لا يقوم بمرام، و لا يومّن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، و قلبت الأديان و الملل، و ضربت الأبشار، و نحرت العشار، و لم يصل منه على يدي واسطة السّوء المعشار.

ثم طلب عند الشّدّة ففضح، و بان سومه‏ و وضح، اللهمّ طهّر منها أيدينا و قلوبنا، و بلّغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، و عرّفنا بمن لا يعرف غيرك، و لا يسترفد إلّا خيرك، يا اللّه. و حقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضبارة، أو لبس منها شارة، أو تشوّف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، و لا يغترّوا بسمة و لا خلق و لا لباس، فما عدا، عمّا بدا؟ تقضّى العمر في سجن و قيد، و عمرو و زيد، و ضرّ و كيد، و طراد صيد، و سعد و سعيد، و عبد و عبيد، فمتى تظهر الأفكار، و يقرّ القرار، و تلازم الأذكار، و تشام الأنوار، و تتجلّى‏ الأسرار؟ ثم يقع الشّهود الذي تذهب معه الأفكار، ثم يحقّ الوصول الذي إليه من كلّ ما سواه الفرار، و عليه المدار. و حقّ الحقّ الذي ما سواه فباطل، و الفيض الرّحماني الذي ربابه‏ الأبد هاطل، ما شابت‏

____________

(1) في النفح: «العمد».

(2) في النفح: «أمل».

(3) كلمة «الحق» ساقطة في النفح.

(4) سورة ص، الآيتان: 67، 68.

(5) المراد نسخ الكتب و كتابتها.

(6) في النفح: «شؤمه».

(7) في الأصل: «منّا» و التصويب من النفح.

(8) الإضبارة: الحزمة من الصحف. محيط المحيط (ضبر).

(9) في الأصل: «بسمت» و التصويب من النفح.

(10) أخذه من المثل: «ما عدا مما بدا». أي ما منعك ما ظهر لك أولا. مجمع الأمثال (ج 2 ص 296).

(11) في الأصل: «الادّكار» و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «و تستجلى».

(13) في النفح: «الذي يذهب معه الإخبار».

(14) الرباب: السحاب. لسان العرب (ريب).

(15) في الأصل: «لا بدّ» و التصويب من النفح.

(16) في الأصل: «ما شاب» و التصويب من النفح.

95

مخاطبتي لك شائبة تريب‏، و لقد محضت لك ما يمحضه الحبيب إلى الحبيب‏، فيحمل جفاء في الذي حملت عليه الغيره، و لا تظنّ بي غيره. و إن‏ أقدر قدري في مكاشفة سيادتك بهذا البثّ، في الأسلوب الرّث، فالحقّ أقدم، و بناؤه لا يهدم، و شأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، و نفسي في النّفوس المتهافتة عليهم معدودة، و شبابي فاحم، و على الشّهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشّيب، و نصح الجيب، و استكشاف العيب؟ إنما أنا اليوم على كلّ من عرفني كلّ ثقيل، و سيف العذل‏ في كفّي صقيل، أعذل أهل الهوى، و ليست النّفوس في القبول سوا، و لا لكلّ مرض‏ دوا، و قد شفيت صدري، و إن جهلت قدري، فاحملني، حملك اللّه، على الجادّة الواضحة، و سحب عليك ستر الأبوّة الصّالحة، و السّلام.

و لمّا شرح كتاب «الشّفا» للقاضي‏ أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، (رحمه اللّه)، و استبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم‏ مقطوعات تتضمّن الثّناء على الكتاب المذكور، و إطراء مؤلّفه، فانثال عليه من ذلك الطّم و الرّم، بما تعدّدت منه الأوراق، و اختلفت في الإجادة و غيرها الأرزاق، إيثارا لغرضه، و مبادرة من أهل‏ الجهات لإسعاف أربه، و طلب مني أن ألمّ في ذلك بشي‏ء، فكتبت في‏ ذلك:

[الطويل‏]

شفاء عياض للصّدور شفاء* * *و ليس‏ بفضل قد حواه خفاء

* * *

هديّة برّ لم يكن لجزيلها* * *سوى الأجر و الذّكر الجميل كفاء

* * *

وفى لنبيّ اللّه حقّ وفائه‏* * *و أكرم أوصاف الكرام وفاء

* * *

____________

(1) في الأصل: «بريب» و التصويب من النفح.

(2) في النفح: «للحبيب».

(3) في النفح: «فتحمّل جفائي الذي ...».

(4) في النفح: «و إن لم تعذرني مكاشفة سيادتك بهذا النّثّ، في الأسلوب الرّثّ».

(5) في النفح: «العدل» بالدال غير المعجمة.

(6) في الأصل: «لا لكل من ضرّ؟» و التصويب من النفح.

(7) النص مع الشعر في نفح الطيب (ج 7 ص 384).

(8) في النفح: «للقاضي عياض (رحمه اللّه تعالى)».

(9) في النفح: «نظم».

(10) في النفح: «كل».

(11) في النفح: «له في ذلك». و الأبيات أيضا في نفاضة الجراب ص 128.

(12) في الأصل: «شفا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(13) في نفاضة الجراب: «للقلوب».

(14) في المصدر نفسه: «فليس».

(15) في النفح: «لمديلها».

96

و جاء به بحرا يقول بفضله‏* * *على البحر طعم طيّب و صفاء

* * *

و حقّ رسول اللّه بعد وفاته‏* * *رعاه، و إغفال الحقوق جفاء

* * *

هو الذّخر يغني في الحياة عتاده‏* * *و يترك منه لليقين‏ رفاء

* * *

هو الأثر المحمود ليس يناله‏* * *دثور و لا يخشى‏ عليه عفاء

* * *

حرصت على الإطناب في نشر فضله‏* * *و تمجيده لو ساعدتني فاء

* * *

و استزاد من هذا الغرض الذي لم يقنع منه‏ بالقليل، فبعثت إليه من محلّ انتقالي بمدينة سلا حرسها اللّه‏: [مجزوء الرمل‏]

أ أزاهير رياض‏* * *أم شفاء لعياض‏

* * *

جدّل الباطل للحقّ‏* * *بأسياف مواض‏

* * *

و جلا الأنوار برها* * *نا بحقّ‏ و افتراض‏

* * *

و شفى‏ من يشتكي الغلّ‏* * *ة في زرق الحياض‏

* * *

أيّ بنيان معار* * *آمن فوق‏ انقضاض‏

* * *

أيّ عهد ليس يرمى‏* * *بانتكاث‏ و انتقاض‏

* * *

و معان في سطور* * *كأسود في غياض‏

* * *

و شفاء لصدور* * *من ضنى الجهل مراض‏

* * *

حرّر القصد فما شي* * *ن بنقد و اعتراض‏

* * *

يا أبا الفضل أدر أنّ‏* * *اللّه عن سعيك راض‏

* * *

فاز عبد أقرض اللّ‏* * *ه برجحان القراض‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «اليقين» و هكذا ينكسر الوزن. و في المصدرين: «للبنين».

(2) في نفاضة الجراب: «و لا يخفى».

(3) العفاء: الزوال. لسان العرب (عفا).

(4) ما يزال النص شعرا و نثرا في نفح الطيب (ج 7 ص 385).

(5) في النفح: «فيه».

(6) في النفح: «من مدينة».

(7) الأبيات أيضا في نفاضة الجراب (ص 192- 193).

(8) في نفاضة الجراب: «بخلف».

(9) في نفاضة الجراب: «و سقى».

(10) في النفح: «مقال». و في نفاضة الجراب: «معال».

(11) في المصدرين: «خوف».

(12) الانتكاث: الانتقاض. لسان العرب (نكث).

(13) في نفاضة الجراب: «لنفوس».

(14) في الأصل: «بأن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(15) إشارة إلى قول اللّه تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ‏ سورة البقرة 2، الآية 245.

97

وجبت عزّ المزايا* * *من طوال و عراض‏

* * *

لك يا أصدق راو* * *لك يا أعدل قاض‏

* * *

لرسول اللّه وفّي* * *ت بجدّ و انتهاض‏

* * *

خير خلق اللّه في حا* * *ل و في آت و ماض‏

* * *

سدّد اللّه ابن مرزو* * *ق إلى تلك المراضي‏

* * *

زبدة العرفان معنى‏* * *كلّ نسك و ارتياض‏

* * *

فتولّى بسط ما أج* * *ملت من غير انقباض‏

* * *

ساهر لم يدر في استخ* * *لاصه طعم اغتماض‏

* * *

إن يكن دينا على الأي* * *ام قد حان التّقاضي‏

* * *

دام في علوّ و من عا* * *داه يهوي في انخفاض‏

* * *

ما وشى الصّبح الدّياجي‏* * *في سواد بيياض‏

* * *

ثم‏ نظمت له أيضا في الغرض المذكور، و الإكثار من هذا النمط، في هذا الموضع، ليس على سبيل التّبجّح بغرابته و إجادته‏، و لكن على سبيل الإشادة بالشّرح المشار إليه، فهو بالغ غاية الاستبحار: [السريع‏]

حيّيت يا مختطّ سبت بن نوح‏* * *بكلّ مزن يغتدي أو يروح‏

* * *

و حمل الرّيحان ريح الصّبا* * *أمانة فيك‏ إلى كلّ روح‏

* * *

دار أبي الفضل عياض الذي‏* * *أضحت بريّاه رياضا تفوح‏

* * *

يا ناقل الآثار يعنى بها* * *و واصلا في العلم جري الجموح‏

* * *

طرفك في الفخر بعيد المدى‏* * *طرفك للمجد شديد الطّموح‏

* * *

كفاك إعجازا كتاب الشّفا* * *و الصبح لا ينكر عند الوضوح‏

* * *

للّه ما أجزلت فينا به من‏* * *منحة تقصر عنها المنوح‏

* * *

روض من العلم همى فوقه‏* * *من صيّب الفكر الغمام السّفوح‏

* * *

____________

(1) في المصدرين: «غرّ».

(2) في المصدرين: «أو عراض».

(3) في نفاضة الجراب: «داو».

(4) في المصدر نفسه: «بجهد».

(5) في المصدرين: «ساهرا».

(6) في النفح: «بسواد في بياض».

(7) النص في الطيب (ج 7 ص 386).

(8) في النفح: «بإجادته و غرابته».

(9) القصيدة في نفح الطيب (ج 7 ص 386- 387) و نفاضة الجراب (ص 190- 192).

(10) في الأصل: «في كل» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(11) في النفح: «في الفضل».

98

فمن بيان الحقّ زهر ند* * *و من لسان الصّدق طير صدوح‏

* * *

تأرّج العرف و طاب الجنى‏* * *و كيف لا يثمر أو لا يفوح‏

* * *

و حلّة من طيب خير الورى‏* * *في الجيب و الأعطاف منها نضوح‏

* * *

و معلم للدين‏ شيّدته‏* * *فهذه الأعلام منه‏ تلوح‏

* * *

فقل لهامان كذا أو فلا* * *يا من أضلّ الرّشد تبني الصّروح‏

* * *

في أحسن التّقويم أنشأته‏* * *خلقا جديدا بين جسم و روح‏

* * *

فعمره المكتوب لا ينقضي‏* * *إذا تقضّى عمر سام و نوح‏

* * *

كأنّه في الحفل ريح الصّبا* * *و كلّ عطف فهو غضّ‏ مروح‏

* * *

ما عذر مشغوف بخير الورى‏* * *إن هاج منه الذّكر أن لا يبوح‏

* * *

عجبت من أكباد أهل الهوى‏* * *و قد سطا البعد و طال النّزوح‏

* * *

إن ذكر المحبوب سالت دما* * *ما هنّ أكباد و لكن جروح‏

* * *

يا سيّد الأوضاع يا من له‏* * *بسيّد الإرسال فضل الرّجوح‏

* * *

يا من له الفخر على غيره‏* * *و الشّهب‏ تخفى عند إشراق يوح‏

* * *

يا خير مشروح و في و اكتفى‏* * *منه ابن‏ مرزوق بخير الشّروح‏

* * *

فتح من اللّه حباه به‏* * *و من جناب اللّه تأتي الفتوح‏

* * *

مولده: بتلمسان عام أحد عشر و سبعمائة.

محمد بن عبد الرحمن بن سعد التّميمي التّسلي‏ الكرسوطي‏

من أهل فاس، نزيل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: الشيخ‏ الفقيه المتكلّم أبو عبد اللّه، غزير الحفظ، متبحّر الذّكر، عديم القرين، عظيم الاطّلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على المسائل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوبا إلى أمانة، و منوطا برجاله، و الحديث بأسانيده و متونه،

____________

(1) في الأصل: «زهر ندّ» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في نفاضة الجراب: «لا يطعم».

(3) في المصدر نفسه: «في الدين».

(4) في المصدرين: «منها».

(5) في المصدرين: «غصن».

(6) في النفح: «و الشمس».

(7) في نفاضة الجراب: «و من ابن».

(8) التسلي: نسبة إلى قبيلة تسولة البربرية.

(9) ترجمة محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي في نفح الطيب (ج 8 ص 230).

(10) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 231).

99

خوّار العنان، وسّاع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، و من أدب إلى حكاية، و يتعدّى ذلك إلى غرائب المنظومات، ممّا يختصّ بنظمه أولو الشّطارة و الحرفة من المغاربة، و يستظهر مطوّلات القصاص، و طوابير الوعّاظ، و مساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاح يفضحه الإعراب، حسن الخلق، جمّ الاحتمال، مطرّح الوقار، رافض التّصنّع، متبذّل‏ اللّبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات، يلقي بمعاطنهم البرك، و ينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلائه، مخصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين و عشرين و سبعمائة، فأقام بالجزيرة مقرئا بمسجد الصّواع منها، و مسجد الرّايات، ثم قدم على مالقة و أقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة و عشرين و سبعمائة، فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، و خفّ به موقعه، فلم يعدم صلة، و لا فقد مرفقة، حتى ارتاش و تأثّل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلّة، و عقارا مفيدا. و طال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة، حملا من الخاصّة و العامّة، لتلبّسه بالعرض الأدني. و هو الآن خطيب مسجد القصبة بها، و محلّه من الشهرة، بالحفظ و الاستظهار لفروع الفقه، كبير.

مشيخته: قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب و الأندلس، منهم أبوه، و الأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوي، و أبو إسحاق الحريري، و أبو الحسن بن سليمان، و أبو عبد اللّه بن أجروم. و قرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، و عبد الرحمن بن عفّان، و أبي الحسن الصغير، و عبد المؤمن الجاناتي، و قرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، و لذلك حكاية. حدّثني الشيخ أبو عبد اللّه الكرسوطي، المترجم به، قال: قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، و الدّجاج و الأوز المخلات، فقال: انظر، هل يقال الدّجاج أو الجدّاد، لغة القرآن أفصح، قال اللّه تعالى: و جدد بيض، و حمر مختلف ألوانها، و غرابيب سود. فأزرى به، و نقل إليه إزاره، فعزله. و قعد بعد ذلك للإقراء بفاس، كذا حدث. و أخذ عن أبي إسحاق الزناتي، و عن خلف اللّه المجاصي، و أبي عبد اللّه بن عبد الرحمن الجزولي، و أبي الحسين المزدغي، و أبي الفضل ابنه، و أبي العبّاس بن راشد العمراني، و أبي عبد اللّه بن رشيد. و روى الحديث بسبتة عن أبي عبد اللّه الغماري، و أبي عبد اللّه بن هاني، و ذاكر أبا الحسن بن وشّاش. و بمالقة عن الخطيب الصالح الطّنجالي، و أبي عمرو بن منظور.

____________

(1) خوار العنان: سهل المعطف ليّنه.

(2) متبذل اللبسة: غير معتن بملبسه و هندامه، بخلاف مبتذل اللبسة أي رثّ الملابس.

100

و بغرناطة عن أبي الحسن القيجاطي، و أبي إسحاق بن أبي العاص. و ببلّش عن أبي جعفر الزيات.

تواليفه: منها «الغرر في تكميل الطّرر»، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم‏ «الدّرر في اختصار الطّرر» المذكور. و تقييدان على الرسالة، كبير و صغير.

و لخّص «التهذيب» لابن بشير، و حذف أسانيد المصنّفات الثلاثة، البخاري، و الترمذي، و مسلم‏، و التزم إسقاط التكرار، و استدراك‏ الصّحاح الواقعة في التهذيب‏ على مسلم و البخاري. و قيّد على مختصر الطّليطلي، و شرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى‏ بن عياض، برسم ولدي، أسعده اللّه.

شعره: أنشدني، و أنا أحاول بمالقة لوث‏ العمامة، و أستعين بالغير على إصلاح العمل، و إحكام اللّياثة: [الكامل‏]

أ معمّما قمرا تكامل حسنه‏* * *أربى على الشمس المنيرة في البها

* * *

لا تلتمس ممّن لديك زيادة* * *فالبدر لا يمتار من نور السّها

* * *

و يصدر منه الشعر مصدّرا، لا تكنفه العناية.

محنته: أسر ببحر الزّقاق‏، قادما على الأندلس في جملة من الفضلاء، منهم والده. و استقرّ بطريف‏ عام ستة و عشرين و سبعمائة، و لقي بها شدّة و نكالا، ثم سرّح والده، لمحاولة فكاك نفسه، و فكّ ابنه، و يسّر اللّه عليه، فتخلّصا من تلك المحنة في سبيل كدية، و أفلت من بين أنياب مشقّة.

____________

(1) قارن بنفح الطيب (ج 8 ص 231).

(2) في النفح: «ثم كتاب الدرر ...».

(3) قوله: «البخاري و الترمذي و مسلم» ساقط في النفح.

(4) في النفح: «و استدرك».

(5) في النفح: «في الترمذي على البخاري و مسلم».

(6) في النفح: «موسى برسم ولدي».

(7) لوث العمامة: عصبها و لفّها. لسان العرب (لوث).

(8) البيتان في نفح الطيب (ج 8 ص 230).

(9) بحر الزقاق: هو الداخل من المحيط الأطلسي الذي عليه سبتة ما بين طنجة المغربية و بين الأندلس، و يتسع كلما امتدّ إلى ما لا نهاية. الروض المعطار (ص 294).

(10) جزيرة طريف على البحر المتوسط في أول المجاز المسمى بالزقاق، و هي مدينة صغيرة.

الروض المعطار (ص 392).

101

بعض أخباره: قال: لقيت الشيخ وليّ اللّه أبا يعقوب بساحل بادس‏، قاصدا الأخذ عنه، و التّبرّك به، و لم يكن رآني قط، و ألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلا يقرأ عليه القرآن، فلمّا فرغ أراد أن يقرأ عليه أسطرا من الرّسالة، فقال له:

اقرأها على هذا الفقيه، و أشار إليّ، و رأيت في عرصة له أصول خصّ، فتمنيت الأكل منها، و كان ربّاعها غير حاضر، فقام عن سرعة، و اقتلع منها أصولا ثلاثة، و دفعها إليّ، و قال: كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور ربّاعها، فقال لي: إذا أردت الأكل من هذه الخضرة، فكل من هذا القسم، فإنّه لي. قلت: و خبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرّؤيا ما قضيت منه العجب في غير ما شي‏ء جرّبته. و هو الآن بحاله الموصوفة. و أصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه؛ لتوفر الحمل عليه من الخاصّ و العامّ، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاح، و اللّه يتولّاه.

مولده: بمدينة فاس عام تسعين و ستمائة.

محمد بن عبد المنعم الصّنهاجي الحميري‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة، الأستاذ الحافظ.

حاله: من «العائد»: كان، (رحمه اللّه)، رجل صدق، طيّب اللهجة، سليم الصدر، تام الرّجولة، صالحا، عابدا، كثير القرب و الأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كثيرا، و سنّه تنيف على سبع و عشرين، ففات أهل الدّؤب و السّابقة، و كان من صدور الحفّاظ، لم يستظهر أحد في زمانه من اللّغة ما استظهره، فكاد يستظهر كتاب التّاج للجوهري و غيره، آية تتلى، و مثلا يضرب، قائما على كتاب سيبويه، يسرده بلفظه. اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة. طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوبا، مشاركا في الأصول، آخذا في العلوم العقلية، مع الملازمة للسّنّة، يعرب أبدا كلامه و يزينه.

مشيخته: أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، و لازم أبا القاسم بن الشّاط و انتفع به و بغيره من العلماء.

____________

(1) بادس: مدينة بها نخل كثير و فواكه و عيون كثيرة. الروض المعطار (ص 75).

(2) هو صاحب كتاب «الروض المعطار، في خبر الأقطار» و كانت وفاته في سنة 727 ه. راجع مقدمة كتاب «الروض المعطار»، ففيها ثبت بأسماء المصادر و المراجع التي ترجمت له.

102

دخوله غرناطة: قدم غرناطة مع الوفد من أهل بلده عندما صارت إلى إيالة الملوك من بني نصر، لما وصلوا بالبيعة.

وفاته: كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان عند منصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب، بأحواز تيزى‏، حسبما وقع التّنبيه على بعضهم.

محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس ابن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر ابن رشيد الفهري‏

من أهل سبتة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن رشيد.

حاله: من «عائد الصلة»: الخطيب المحدّث، المتبحّر في علوم الرّواية و الإسناد. كان، (رحمه اللّه)، فريد دهره عدالة و جلالة، و حفظا و أدبا، و سمتا و هديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النّقل، أصيل الضّبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيّما عليها، بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها الرجال، جمّاعة للكتب، محافظا على الطّريقة، مضطلعا بغيرها من العربية و اللغة و العروض، فقيها أصيل النّظر، ذاكرا للتفسير، ريّان من الأدب، حافظا للأخبار و التواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار و السّكينة، بارع الخطّ، حسن الخلق، كثير التّواضع، رقيق الوجه، متجمّلا، كلف الخاصة و العامّة، مبذول الجاه و الشّفاعة، كهفا لأصناف الطّلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، و رفيق طريقه، في حجّه و تشريقه، أبي عبد اللّه بن الحكيم، فلقي برّا، و تقدّم للخطابة بالمسجد الأعظم، و نفع اللّه لديه بشفاعته المبذولة طائفة من خلقه، و انصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقرّ بمدينة فاس، معظّما عند الملوك و الخاصّة، معروف القدر عندهم.

مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النّحاة أبي الحسن بن أبي الربيع كتاب سيبويه. و قيّد على ذلك تقييدا مفيدا، و أخذ عنه القراءات. و أخذ أيضا عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطّار. و رحل من بلده سبتة لأداء الفريضة. حجّ و لقي‏

____________

(1) جاء في الروض المعطار (ص 128): «تازا: من بلاد المغرب، أول بلاد تازا حدّ ما بين المغرب الأوسط و بلاد المغرب ... و قد بني فيها في هذا العهد القريب مدينة الرباط، أعني في جبال تازا».

(2) ترجمة ابن رشيد في نفح الطيب (ج 5 ص 69) و (ج 7 ص 214، 257، 363).