الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
103

المشايخ عام ثمانية و ثمانين و ستمائة، فوافى في طريقه الحاجّ المحدّث الرّاوية، ذا الوزارتين بعد، أبا عبد اللّه الحكيم، و أخذ عن الجلّة الذين يشقّ إحصاؤهم، فممّن لقي بإفريقية الرّاوية العدل أبا محمد عبد اللّه بن هارون، يروي عن ابن بقيّ، و الأديب المتبحّر أبا الحسن حازم بن محمد القرطاجنّي. و روى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار اللّه أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصّفا تجاه الكعبة المعظّمة، و هو موضع جلوسه للسّماع، غرّة شوال عام أربعة و ثمانين و ستمائة، و عن غيره، كأبي العزّ عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة اللّه، و غيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السّماع و الرّحلة أبي عبد اللّه بن الحكيم، (رحمه اللّه)، فلينظر هنالك.

تواليفه: ألّف فوائد رحلته في كتاب سمّاه «مل‏ء العيبة، فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين‏ الكريمتين إلى مكّة و طيبة». قال شيخنا أبو بكر بن شبرين: وقفت على مسوّدته، و رأيت فيه فنونا و ضروبا من الفوائد العلمية و التاريخ، و طرفا من الأخبار الحسان، و المسندات العوالي و الأناشيد. و هو ديوان كبير، و لم يسبق إلى مثله. قلت: و رأيت شيئا من مختصره بسبتة.

دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في عام اثنين و تسعين و ستمائة، فعقد مجالس للخاصّ و العام، يقرئ بها فنونا من العلم. و تقدّم خطيبا و إماما بالمسجد الأعظم منها. حدّثني بعض شيوخنا، قال: قعد يوما على المنبر، و ظنّ أن المؤذّن الثالث قد فرغ، فقام يخطب و المؤذّن قد رفع صوته بآذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، و همّ آخر بإشعاره و تنبيهه، و كلّمه آخر، فلم يثنه ذلك عمّا شرع فيه، و قال بديهة: أيها الناس، رحمكم اللّه، إنّ الواجب لا يبطله المندوب، و أن الأذان الذي بعد الأوّل غير مشروع الوجوب، فتأهّبوا لطلب العلم، و انتبهوا، و تذكّروا قوله، عزّ و جلّ: و ما أتاكم الرّسول فخذوه، و ما نهاكم عنه فانتهوا، و قد روّينا عنه (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه قال: من قال لأخيه و الإمام يخطب، اصمت، فقد لغا، و من لغا فلا جمعة له. جعلنا اللّه و إيّاكم ممّن علم فعمل، و عمل فقبل، و أخلص فتخلّص. و كان ذلك مما استدلّ به على قوّة جنانه، و انقياد لسانه لبيانه.

شعره: و له شعر يتكلفه، إذ كان لا يزن أعاريضه إلّا بميزان العروض، فمن ذلك ما حدّث به، قال: لما حللت بدمشق، و دخلت دار الحديث الأشرفيّة، برسم رؤية النّعل الكريمة، نعل المصطفى، (صلوات اللّه عليه)، و لثمتها، حضرتني هذه‏

____________

(1) في نفح الطيب (ج 5 ص 70): «في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة و طيبة».

104

الأبيات: [الطويل‏]

هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمد* * *فيا سعد، جدّي قد ظفرت بأسعد

* * *

و قبّلتها أشفي الغليل فزادني‏* * *فيا عجبا زاد الظّما عند مورد

* * *

فللّه ذاك اللّثم فهو ألذّ من‏* * *لمى شفة لميا و خدّ مورّد

* * *

و للّه ذاك اليوم عيدا و معلما* * *بتاريخه أرّخت مولد أسعد

* * *

عليه صلاة نشرها طيّب كما* * *يحبّ و يرضى ربّنا لمحمّد

* * *

و قال: و قلت في موسم عام ستة و ثمانين و ستمائة، بثغر سبتة حرسها اللّه تعالى: [الطويل‏]

أقول إذا هبّ النّسيم المعطّر* * *لعلّ بشيرا باللقاء يبشّر

* * *

و عالي الصّبا مرّت على ربع جيرتي‏* * *فعن طيبهم عرف النّسيم يعبّر

* * *

و أذكر أوقاتي بسلمى و بالحمى‏* * *فتذكو لظى في أضلعي حين أذكر

* * *

ربوع يودّ المسك طيب ترابها* * *و يهوى حصى فيها عقيق و جوهر

* * *

بها جيرة لا يخفرون بذمّة* * *هم لمواليهم جمال و مفخر

* * *

إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهم‏* * *تغار لباهي نورهم فتغوّر

* * *

و من جود جدواهم يرى اللّيث يعمر* * *و من خوف عدواهم يرى الليث‏ يذعر

* * *

و من سيب يمناهم يرى الرّوض يزهر* * *و من فيض نعماهم يرى البحر يزخر

* * *

رعى اللّه عهدا بالمصلّى عهدته‏* * *و روض المنى غضّ يرقّ و ينضر

* * *

زمانا نعمنا فيه و الظلّ وارف‏* * *بجنّات عدن تحتها العذب يخضر

* * *

و للّه أيام المصلّى و طيبها* * *و أنفسنا بالقرب و الأنس تجبر

* * *

بحيث يرى بدر الكمال و شمسه‏* * *و روضته فردوس حوض‏ و منبر

* * *

أروم دنوّا من بهاء جمالها* * *و لثما فتأبى هيبة و توقّر

* * *

خضعت و ذلّي للحبيب تعزّز* * *فطرفي مغضوض و خدّي معفّر

* * *

و وجه سروري سافر متهلّل‏* * *و حالي بهم حلّ‏ و عيشي أخضر

* * *

فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاويا* * *يجرّ بأذيال‏ الفخار و ينشر

* * *

____________

(1) قوله: «يرى الليث» ساقط في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(2) في الأصل: «فردوس و حوض»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «حلل» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «أذيال»، و كذا ينكسر الوزن.

105

و إذ فات عيني أن تراهم فردّدوا* * *على مسمعي ذكر المصلّى و كرّروا

* * *

وردت فيا طيب الورود بطيبة* * *صدرت فواحزني فلا كان مصدر

* * *

رماني زماني بالفراق فغرّني‏* * *على مثل من فارقت عزّ التّصبّر

* * *

و أضمرت أشجاني و دمعي مظهّر* * *و أسررت هجراني و حالي تخبّر

* * *

فمن أدمعي ماء يفيض و يهمر* * *و من أضلعي نار تفور و تسعر

* * *

فجسمي مصفرّ و فودي أبيض‏* * *و عيشي مغبرّ و دمعي أحمر

* * *

و حين دنا التّوديع ممّن أحبّه‏* * *و حان الذي ما زلت منه أحذّر

* * *

و نادى صحابي بالرّحيل و أزمعوا* * *و سارت مطاياهم و ظلت أقهقر

* * *

و ألوى إليه الجيد حتى وجعته‏* * *و ظلّ فؤادي لوعة يتفطّر

* * *

وقفت لأقضي زفرة و صبابة* * *و لا أنثني فالموت أجدى و أجدر

* * *

و لو أنّني بعت الحياة بنظرة* * *لأبّت و حظّي فيه أوفى و أوفر

* * *

و ما باختياري إنما قدر جرى‏* * *رضيت بما يقضي الإله و يقدر

* * *

حنيني إلى مغنى الجمال مواصل‏* * *و شوقي إلى معنى الجمال موفّر

* * *

و غير جميل أن يرى عن جمالها* * *فؤادي صبورا و المسير ميسّر

* * *

أ يصبر ظمآن يغال بغلّة* * *و في روضة الرّضوان شهد و كوثر؟

* * *

فيا عينها الزّرقاء إنّ عيونها* * *من الحزن فيض بالنّجيع تفجّر

* * *

سأقطع ليلي بالسّرى أو أزورها* * *و أحمي الكرى عينا لبعدك يظهر

* * *

و أنضي المطايا أو أوافي ربعها* * *فتنجدني طورا و طورا تغوّر

* * *

حظرت على نفسي الحذار من الرّدى‏* * *أتحذر نفس الحبيب تسيّر؟

* * *

أ ينكر تغرير المشوق بنفسه‏* * *و قد علموا أنّ المحبّ مغرّر؟

* * *

وقفت على فتوى المحبّين كلّهم‏* * *فلم أجد التّغرير في الوصل ينكر

* * *

و إني إذا ما خطرة خطرت قضت‏* * *بهمّي و عزمي همّة لا تؤطّر

* * *

أقيم فألفي بين عينيّ همّتي‏* * *و سيري في سبل العلا ليس ينكر

* * *

إذا ما بدت للعين أعلام طيبة* * *و لاحت قباب كالكواكب تزهر

* * *

و للقبّة الزّهراء سمك سما علا* * *وراق سنى كالشمس بل هو أزهر

* * *

لها منظر قيد النّواظر و النّهى‏* * *لها ساكن من نوره البدر يبدر

* * *

106

فأعرجوا على أهل‏ الكمال و سلّموا* * *سلمتم و بلّغتم مناكم فأبشروا

* * *

بنفسي لا بالمال أرضى بشارة* * *إذا لاح نور في سناها مبشّر

* * *

و ما قدر نفسي أن تكون كفاء* * *و لكنها جهد المقلّ فأعذر

* * *

أقول إذا أوفيت أكرم مرسل‏* * *قراي عليكم أنّ ذنبي يغفر

* * *

و أحظى بتقريب الجوار مكرّما* * *و أصفح عن جور البعاد و أعذر

* * *

و أرتع في ظلّ الجنان منعّما* * *و أمني بقرب من حماك و أجبر

* * *

هناك هناك القرب فانعم بنيله‏* * *بحيث ثوى جسم كريم مطهّر

* * *

و دع عنك تطواف البلاد و خيّم‏* * *بطيبة طابت فهي مسك و عنبر

* * *

فخرت بمدحي للنّبيّ محمد* * *و من مدحه المدّاح يزهى و يفخر

* * *

أطلت و إنّي في المديح مقصّر* * *فكلّ طويل في معاليك يقصر

* * *

ما بلغت كفّ امرئ متناول‏* * *بها المجد إلّا و الذي نلت أكبر

* * *

و ما بلغ المهدون في القول مدحة* * *و إن أطنبوا إلّا الذي فيك أفخر

* * *

عليك صلاة اللّه ما مرّ سبق‏* * *إليك و ما هبّ النّسيم المعطّر

* * *

و قال يرثي ابنا نجيبا ثكله بغرناطة: [الطويل‏]

شباب ثوى شابت عليه المفارق‏* * *و غصن ذوى تاقت إليه الحدائق‏

* * *

على حين راق النّاظرين بسوقه‏* * *رمته سهام للعيون رواشق‏

* * *

فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها* * *فلا أبصرت تلك العيون الرّوانق‏

* * *

و حين تدانى للكمال هلاله‏* * *ألمّ به نقص و جدّت مواحق‏

* * *

إلى اللّه أشكو فهو يشكى نوازعا* * *عظاما سطاها للعظام عوارق‏

* * *

و لا مثل فقدان البنيّ فجيعة* * *و إن طال ما لجّت و جلّت بوائق‏

* * *

محمد إنّ الصّبر صبر و علقم‏* * *على أنه حلو المثوبة سابق‏

* * *

فإن جزعا فاللّه للعبد عاذر* * *و إن جلدا فالوعد للّه صادق‏

* * *

و تاللّه ما لي بعد عيشك لذّة* * *و لا راقني مرأى لعيني رائق‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «فعرّجوا» و كذا ينكسر الوزن. و أعرجوا: ادخلوا في وقت غيبوبة الشمس. محيط المحيط (عرج).

(2) في الأصل: «كمل»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) في الأصل: «كفّا»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «و خيمن».

107

فأني به و المذكرات عديدة* * *فنبل و همّ للعوائد خارق‏

* * *

فإن ألتفت‏ فالشخص للعين ماثل‏* * *و إن أستمع فالصّوت للأذن طارق‏

* * *

و إن أدع شخصا باسمه لضرورة* * *فإنّ أسمك المحبوب للنّطق سابق‏

* * *

و إن تقرع الأبواب راحة قارع‏* * *يطر عندها قلب لذكرك خافق‏

* * *

و كلّ كتاب قد حويت فمذكر* * *و آثاره كلّ إليك توائق‏

* * *

سبقت كهولا في الطّفولة لا تني‏* * *و أرهقت أشياخا و أنت مراهق‏

* * *

فلو لم يغلك الموت دمت مجلّيا* * *و أقبل سكّيتا و جيئا و لا حق‏

* * *

على مهل أحرزت ما شئت ثانيا* * *عنانك لا تجهد و أنت مسابق‏

* * *

رأتك المنايا سابقا فأغرتها* * *فجدّ طلابا إنّهن لواحق‏

* * *

لئن سلبت منّي نفيس ذخائر* * *فإنّي بمذخور الأجور لواثق‏

* * *

و قد كان ظنّي أنّني لك سابق‏* * *فقد صار علمي أنّني بك لاحق‏

* * *

غريبين كنّا فرّق البين بيننا* * *فأبرح ما يلقى الغريب المفارق‏

* * *

فبين و بعد بالغريب توكّلا* * *قد رعى بما حملت و اللّه ضائق‏

* * *

عسى وطن يدنو فتدنو له‏ منى‏* * *و أيّ الأماني و الخطوب عوائق؟

* * *

فلولا الأسى ذاب الفؤاد من الأسى‏* * *و لو لا البكا لم يحمل الحزن طائق‏

* * *

فخطّ الأسى خطّا تروق سطوره‏* * *و تمحو البكا فالدّمع ماح و ساحق‏

* * *

فيا واحدا قد كان للعين نورها* * *عليك ضياء بعد بعدك غاسق‏

* * *

عليك سلام اللّه ما جنّ ساجع‏* * *و ما طلعت شمس و ما ذرّ شارق‏

* * *

و ما همعت سحب غواد روائح‏* * *و ما لمعت تحدو الرّعود بوارق‏

* * *

و جاد على مثواك غيث مروّض‏* * *عباد لرضوان الإله موافق‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «فأين التفتّ» و كذا لا يستقيم المعنى و الوزن.

(2) في الأصل: «يطير» و كذا ينكسر الوزن، و الوجوب جزمه لأنه جواب الشرط.

(3) في الأصل: «كهولة» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(4) في الأصل: «وجيية» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(5) عجز هذا البيت مختل الوزن و المعنى.

(6) كلمة «له» ساقطة في الأصل.

(7) في الأصل: «تل ضيا» و كذا ينكسر الوزن و لا معنى له.

(8) في الأصل: «عبّاد» بتشديد الباء، و كذا ينكسر الوزن.

108

محنته: تعرّض إليه قوم يوم قتل صديقه أبي عبد اللّه الحكيم بإذاءة قبيحة، و أسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجّر و ترهم القتيل، فتخلّص و لا تسل كيف، و أزمع الرّحيل فلم يلبث بعد ذلك.

وفاته: كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهر المحرم مفتتح عام أحد و عشرين و سبعمائة. و دفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالرّوضة المعروفة بمطرح الجنّة، التي اشتملت على العلماء و الصلحاء و الفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس، و كان مولده بسبتة عام سبعة و خمسين و ستمائة.

محمد بن علي بن هاني اللّخمي السّبتي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف باسم جدّه، أصلهم من إشبيلية.

حاله: كان، (رحمه اللّه)، فريد دهره في سموّ الهمّة، و إيثار الاقتصاد و التّحلّي بالقناعة، و شموخ الأنف على أهل الرّئاسة، مقتصرا على فائدة ربع له ببلده، يتبلّغ مع الاستقامة، مع الصّبر و العمل على حفظ المروءة، و صون ماء الوجه، إماما في علم العربيّة، مبرّزا متقدّما فيه، حافظا للأقوال، مستوعبا لطريق الخلاف، مستحضرا لحجج التّوجيه، لا يشقّ في ذلك غباره، ريّان من الأدب، بارع الخطّ، سهل مقادة الكلام، مشاركا في الأصلين، قائما على القراءات، حسن المجلس، رائق البزّة، بارع المحاضرة، فائق التّرسّل، متوسط النّظم، كثير الاجتهاد و العكوف، مليح الخلق، ظاهر الخشوع، قريب الدّمعة، بيته شهير الحسب و الجلالة.

و جرى ذكره في «الإكليل الزاهر» بما نصّه‏: علم تشير إليه الأكفّ‏، و يعمل إلى لقائه الحافر و الخفّ‏، رفع للعربيّة ببلده راية لا تتأخّر، و مرج منها لجّة تزخر، فانفسح مجال درسه، و أثمرت أدواح غرسه، فركض بما شاء و برّح، و دوّن و شرح، إلى شمائل تملّك‏ الظّرف زمامها، و دعابة راشت الحلاوة سهامها.

و لمّا أخذ المسلمون في منازلة الجبل‏ و حصاره، و أصابوا الكفر منه بجارحة

____________

(1) ترجمة ابن هاني اللخمي في نفح الطيب (ج 8 ص 381).

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 381- 382).

(3) قوله: تشير إليه الأكفّ: كناية عن الشهرة.

(4) يعمل إلى لقائه الحافر و الخفّ: كناية عن أنه مقصود من كل الناس.

(5) في النفح: «ما».

(6) في المصدر نفسه: «يملك».

(7) يقصد جبل طارق أو جبل الفتح.

109

أبصاره، و رموا بالثّكل فيه نازح أمصاره، كان ممّن انتدب و تطوّع، و سمع النّداء فأهطع‏، فلازمه إلى أن نفد لأهله القوت، و بلغ من فسحة الأجل الموقوت، فأقام الصّلاة بمحرابه، و قد غيّر محيّاه طول اغترابه، و بادره الطّاغية قبل أن يستقرّ نصل الإسلام في قرابه‏، أو يعلق أصل الدّين في ترابه. و انتدب إلى الحصار به و تبرّع، و دعاه أجله فلبّى و أسرع. و لمّا هدر عليه الفنيق‏، و ركعت إلى قبلته المجانيق‏، أصيب بحجر دوّم عليه كالجارح المحلّق، و انقضّ إليه انقضاض البارق المتألّق، فاقتنصه و اختطفه، و عمد إلى زهره فقطفه‏، فمضى إلى اللّه طوع نيّته، و صحبته غرابة المنازع حتى في منيّته‏.

مشيخته: قرأ على الأستاذ العلّامة أبي إسحاق الغافقي، و على الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة، و اعتمد عليه، و قرأ على الإمام الصالح أبي عبد اللّه بن حريث.

تواليفه: ألّف‏ كتبا، منها كتاب «شرح التّسهيل لابن مالك»، و هو أجلّ كتبه، أبدع فيه، و تنافس الناس فيه. و منها «الغرّة الطّالعة في شعراء المائة السابعة»، و منها «إنشاد الضّوّال، و إرشاد السّوّال في لحن العامة»، و هو كتاب‏ مفيد، و «قوت المقيم». و دوّن ترسّل‏ رئيس الكتّاب أبي المطرّف بن عميرة و ضمّه في سفرين. و له رجز في الفرائض مفيد.

شعره: حدّثنا شيخنا القاضي الشّريف، نسيج وحده، أبو القاسم الحسني، قال: خاطبت الأستاذ أبا عبد اللّه بن هانى‏ء، (رحمه اللّه)، بقصيدة من نظمي أولها:

____________

(1) أهطع: أسرع. لسان العرب (هطع).

(2) في الأصل: «فتحة» و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «و حيّاه و قد ...».

(4) القراب: جفن السيف و غمده. لسان العرب (قرب).

(5) في الأصل: «الفتيق» و التصويب من النفح. و الفنيق: الفحل من الإبل. لسان العرب (فنق).

(6) في النفح: «و ركع إلى قبلة المنجنيق».

(7) في النفح: «فاقتطفه».

(8) في النفح: «أمنيته».

(9) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 382).

(10) في النفح: «منها شرح «تسهيل الفوائد» لابن مالك، مبدع تنافس الناس فيه ...».

(11) في النفح: «و كتاب».

(12) في النفح: «و كتاب».

(13) في النفح: «و كتاب».

(14) كلمة «كتاب» ساقطة في النفح.

(15) في النفح: «ترسيل أبي المطرّف ...».

(16) في النفح: «جزء».

(17) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 282) و جاء فيه: «و حدّثني شيخنا الشريف القاضي أبو القاسم قال: خاطبت ابن هانى‏ء بقصيدة ...».

(18) الشعر في نفح الطيب (ج 8 ص 382- 383).

110

[البسيط]

هات‏ الحديث عن الرّكب‏ الذي شخصا

فأجابني عن ذلك بقصيدة في رويّها:

لو لا مشيب بفودي للفؤاد عصى‏* * *نضيت‏ في مهمه التّشبيب لي قلصا

* * *

و استوقفت عبراتي و هي جارية* * *و كفاء توهم ربعا للحبيب قصا

* * *

مسائلا عن لياليه التي انتهزت‏* * *أيدي الأماني بها ما شئته فرصا

* * *

و كنت جاريت فيها من جرى طلقا* * *من الإجادة لم يحجم‏ و لا نكصا

* * *

أصاب شاكلة المرميّ حين رمى‏* * *من الشّوارد ما لولاه ما اقتنصا

* * *

و من أعدّ مكان النّبل نبل حجا* * *لم يرض إلّا بأبكار النّهى قنصا

* * *

ثم انثنى ثانيا عطف النّسيب إلى‏* * *مدح به قد غلا ما كان قد رخصا

* * *

فظلت أرفل فيها لبسة شرفت‏* * *ذاتا و منتسبا أعزز به قمصا

* * *

يقول فيها و قد خولت منحتها* * *و جرّع الكاشح المغرى بها غصصا

* * *

هذي عقائل وافت منك ذا شرف‏* * *لو لا أياديه بيع الحمد مرتخصا

* * *

فقلت: هلّا عكست القول منك له‏* * *و لم يكن قابلا من‏ مدحه الرّخصا؟

* * *

و قلت: ذي بكر فكر من أخي شرف‏* * *يردي و يرضي بها الحسّاد و الخلّصا

* * *

لها حلى حسنيّات على حلل‏* * *حسنيّة تستبي من حلّ أو شخصا

* * *

خوّلتها و قد اعتزّت ملابسها* * *بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا

* * *

خذها أبا قاسم منّي نتيجة ذي‏* * *ودّ إذا شئت ودّا للورى خلصا

* * *

جاءت تجاوب عمّا قد بعثت به‏* * *إن كنت تأخذ من درّ النحور حصا

* * *

____________

(1) في الأصل: «هلّت» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «الكرب» و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «فأجابني بقصيدة على رويّها أولها».

(4) في النفح: «أنضيت».

(5) القلص: جمع قلوص و هي الناقة. لسان العرب (قلص).

(6) في النفح: «لم يجمح».

(7) جرّع: سقي. و الكاشح: المبغض. و الغصص: جمع غصّة و هي عدم انسياغ الطعام في الحلق.

لسان العرب (جرع) و (كشح) و (غصص).

(8) في النفح: «في».

(9) عوص: صعب. لسان العرب (عوص).

111

و هي طويلة. و ممّا ينسب إليه، و هو مليح في معناه‏: [الكامل‏]

ما للنّوى مدّت لغير ضرورة* * *و لقبل ما عهدي بها مقصوره‏

* * *

إنّ الخليل و إن دعته ضرورة* * *لم يرض ذاك فكيف دون ضروره‏

* * *

و قال مضمّنا: [الرمل‏]

لا يلمني عاذلي حتى يرى‏* * *وجه من أهوى فلومي مستحيل‏

* * *

لو رأى وجه حبيبي عاذلي‏* * *لتفارقنا على وجه جميل‏

* * *

و قال في الفخر: [الكامل‏]

قل للموالي: عش بغبطة حامد* * *و للمعادي: بت بضغنة حاسد

* * *

المزن كفّي و الثريّا همّتي‏* * *و ذكاء ذكري و السّعود مقاصدي‏

* * *

و قال في غير ذلك: [البسيط]

غنيت بي دون غيري الدّهر عن مثل‏* * *بعضي لبعضي أضحى يضرب المثلا

* * *

ظهري انحنى لمشيب لاح وا عجبا* * *غضّ إذا أينعت أزهاره ذبلا

* * *

أذاك‏ أم زهر لاحت تخبّر أن‏* * *يوم الصّبا و التّصابي آنس الطّفلا

* * *

و مما جمع فيه بين نظمه و نثره، ما راجع به شيخنا القاضي الشريف أبا القاسم الحسني، عن القصيدة الهمزية التي ثبتت في اسمه‏: [الكامل‏]

يا أوحد الأدباء أو يا أوحد ال* * *فضلاء أو يا أوحد الشّرفاء

* * *

من ذا تراه أحقّ منك إذا التوت‏* * *طرق الحجاج بأن يجيب ندائي‏

* * *

أدب أرقّ من الهواء و إن تشا* * *فمن الهوا و الماء و الصّهباء

* * *

و ألذّ من ظلم‏ الحبيب و ظلمه‏* * *بالظّاء مفتوحا و ضمّ الظّاء

* * *

ما السّحر إلّا ما تصوغ بنانه‏* * *و لسانه من حلية الإنشاء

* * *

[و الفضل ما حلّيته و حبيته‏* * *و حبوتني منه بخير حباء

* * *

____________

(1) هذان البيتان و البيتان التاليان في نفح الطيب (ج 8 ص 383).

(2) في النفح: «لا تلمني عاذلي حين ترى».

(3) في الأصل: «و ذكا» و هكذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «مقاصد» بدون ياء.

(5) في الأصل: «أ ذلك» و هكذا ينكسر الوزن.

(6) بعض أبيات هذه القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 383- 384).

(7) في الأصل: «نداء»، و التصويب من النفح.

(8) الظّلم، بفتح الطاء و سكون اللام: الريق. لسان العرب (ظلم).

112

أبكار فكرك قد زفّت‏ بمدحتي‏* * *تمشي روائعها على استحياء

* * *

لا من قصور بل لتقصيها* * *من حيث لم يظفرن بالإرفاء

* * *

لكن جبرن و قد جبلن على الرضا* * *فالجبر للأبكار للآباء

* * *

هذا إلى الشّرف الذي قد فزت‏* * *علياءه‏ بالعزّة القعساء

* * *

شرف السّليل من الرسول وسيلة* * *قامت بابن‏ سنا و ابن‏ سناء

* * *

حسن أبو حسن و فاطمة ابنة ال* * *هادي البريّة خاتم النّبلاء

* * *

شرف على شرف إلى شرفين‏* * *من حائز ما حزت من علياء

* * *

هذي ثلاث أنت واحد فخرها* * *فاشمخ لها شرفا بأنف علاء

* * *

من رام رتبتك السّنيّة فليقف‏* * *دون المرام مواقف الإقصاء

* * *

هذي مآثر قد شأوت بصيتها* * *من كان من آب لها أو شاء

* * *

و اللّيث يرهب زأره في موطن‏* * *ما كان من نقد به أو شاء

* * *

يكفيك من نكد المعاند أن يرى‏* * *متقلّد الأعضاء بالبغضاء

* * *

السّنّ يفنى بالأنامل قرعه‏* * *أو عضّه متوقّد الأحشاء

* * *

أتحفتني بقصيدة همزيّة* * *مقصورة ممدودة الآراء

* * *

كم بين تلك و هذه لكنّها* * *غطّى على هذي ذهاب فتائي‏

* * *

ذو الشيب يعذره الشّباب فما لهم‏* * *بذكاء نبل أو بنبل ذكاء

* * *

من قارب الخمسين خطوا سنّه‏* * *فمحاله مستوجب الإبطاء

* * *

أ بنيّ، إنك أنت أسدى من به‏* * *يتعاظم الآباء بالأبناء]

* * *

للّه نفثة سحر ما قد شدت لي‏* * *من نفث سحرك في مشاد ثناء

* * *

عارضت صفوانا بها فأريت ما* * *يستعظم الرّاوي له و الرّائي‏

* * *

لو راء لؤلؤك المنظّم لم يفز* * *في‏ نظم لؤلؤه بغير عناء

* * *

____________

(1) في الأصل: «زفّفت» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «من عليائه» و هكذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «بابن» و هكذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا همزة الوصل همزة قطع للضرورة الشعرية.

(4) في الأصل: «بابن» و هكذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا همزة الوصل همزة قطع للضرورة الشعرية.

(5) في الأصل: «و أبو» و هكذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «من ذا حاز ...» و هكذا ينكسر الوزن.

(7) في الأصل: «فتاء» بدون ياء.

(8) في الأصل: «بذكا» و هكذا ينكسر الوزن.

(9) ما بين قوسين ساقط في نفح الطيب.

(10) في الأصل: «و الراء» و التصويب من النفح.

(11) في النفح: «من».

113

بوّأتني منها أجلّ مبوّإ* * *فلأخمصي مستوطن‏ الجوزاء

* * *

و سما بها اسمي سائرا فأنا بما* * *أسديت ذو الأسماء في الأسماء

* * *

و أشدت ذكري في البلاد فلي بها* * *طول الثّناء و إن أطلت ثوائي‏

* * *

و لقومي الفخر المشيد بنيته‏* * *يا حسن‏ تشييد و حسن بناء

* * *

فليهن هانيهم يد بيضاء ما* * *إن مثلها لك من يد بيضاء

* * *

حلّيت أبياتا لهم‏ لخميّة* * *تجلى على‏ مضريّة غرّاء

* * *

فليشمخوا أنفا بما أوليتهم‏* * *يا محرز الآلاء بالإيلاء

* * *

هذا، بنيّ، وصل اللّه سبحانه‏ لك ولي بك علوّ المقدار، و أجرى وفق أو فوق إرادتك أو إرادتي لك جاريات الأقدار! ما سمح‏ به الذهن الكليل، و اللسان الفليل، في مراجعة قصيدتك الغرّاء، الجالية السّراء، الآخذة بمجامع القلوب، الآتية بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع‏ و الأسلوب، المتحلّية بالحلى السّنيّة، العريقة المنتسب في العلى الحسنيّة، الجالية صدأ قلوب ران عليها الكسل، و خانها المسعدان السّؤل و الأمل، فمتى حامت المعاني حولها، و لو أقامت حولها، شكت ويلها و عولها، و حرمت من فريضة الفضيلة عولها، و عهدي بها و الزمان زمان، و أحكامه‏ الماضية أمانيّ مقضيّة و أمان، تتوارد ألّافها، و يجمع إجماعها و خلافها، و يساعدها من الألفاظ كلّ سهل ممتع، مفترق مجمع‏، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلا، واضح العلا، وضّاح الغرّة و الجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيّد من الفصاحة بأياد، فلم يحفل بصاحبي طيّ و إياد، و كسي‏

____________

(1) في النفح: «مستوطئ».

(2) في الأصل: «سائر» و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «ثواء» و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «بأحسن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) في النفح: «له».

(6) في الأصل: «بحلا علا» و التصويب من النفح.

(7) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 384- 387).

(8) كلمة «سبحانه» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(9) في النفح: «و إرادتي».

(10) في النفح: «ما سنح».

(11) في الأصل: «الجالية للسّرّاء»، و التصويب من النفح.

(12) في النفح: «الموفية».

(13) المهيع: الطريقة. لسان العرب (هيع).

(14) في الأصل: «الحسنية» و التصويب من النفح.

(15) في النفح: «لصدإ القلوب».

(16) في النفح: «و أحكامها».

(17) في النفح: «مجتمع».

114

بضاعة البلاغة، فلم يعبأ بهمّام و ابن المراغة. شفاء المحزون، و علم السّرّ المخزون، ما بين منثوره و الموزون. و الآن لا ملهج و لا مبهج، و لا مرشد و لا منهج، عكست القضايا فلم تنتج، فتبلّد القلب الذّكي، و لم يرشح القليب البكي‏، و عمّ الإفحام، و غمّ الإحجام، و تمكّن الإكداء و الإجبال، و كوّرت الشّمس و سيّرت الجبال، و علت سآمة، و غلبت ندامة، و ارتفعت ملامة، و قامت لنوعي الأدب قيامة. حتى إذا ورد ذلك المهرق، و فرّع غصنه المورق، تغنّى‏ به الحمام الأورق، و أحاط بعداد عداته الغصص و الشّرق، و أمن من الغصب و السّرق، و أقبل الأمن و ذهب بإقباله الفرق، نفخ في صور أهل المنظوم و المنثور، و بعثر ما في القبور، و حصّل ما في الصدور، و تراءت للأدب صور، و عمرت للبلاغة كور، و همت لليراعة درر، و نظمت للبراعة درر، و عندها يتبيّن‏ أنك واحد حلبة البيان، و السّابق في ذلك الميدان، يوم الرّهان، فكان لك القدم، و أقرّ لك مع التأخر السّابق الأقدم، فوحقّ نصاعة ألفاظ أجدتها، حين أوردتها، و أسلتها حين أرسلتها، و أزنتها حين وزنتها، و براعة معان سلكتها حين ملكتها، و أرويتها حين روّأتها و أرويتها، و أصلتها حين فصّلتها و وصلتها، و نظام جعلته لجسد البيان قلبا، و لمعصمه قلبا، و هصرت حدائقه غلبا، و ارتكبت رويّه‏ صعبا، و نثار أتبعته له خديما، و صيّرته لمدير كأسه نديما، و لحفظ ذمامه المداميّ أو مدامه الذّماميّ مديما، لقد فتنتني حين أتتني، و سبتني حين نصبتني‏، فذهبت خفّتها بوقاري، و لم يرعها بعد شيب عذاري، بل دعت للتّصابي فقلت مرحبا، و حللت لفتنتها الحبا، و لم أحفل بشيب، و ألفيت ما ردّ نصابي نصيب‏، و إن كنّا فرسي رهان، و سابقي حلبة ميدان، غير أنّ الجلدة

____________

(1) في النفح: «نصاعة».

(2) همّام: هو الفرزدق. و ابن المراغة: هو جرير بن عطية.

(3) في النفح: «سرّ».

(4) في النفح: «و لم يرشح القلم الذكي».

(5) في النفح: «و تغنّى».

(6) في النفح: «تبين».

(7) في النفح: «رويتها أو روّيتها».

(8) في النفح: «أو وصلتها».

(9) في النفح: «بجسد».

(10) في الأصل: «و المعصمة قلما» و التصويب من النفح. و القلب: السوار. لسان العرب (قلب).

(11) في الأصل: «روية» و التصويب من النفح. و هنا يشير إلى صعوبة القافية و إن كانت همزية، و هي غير صعبة.

(12) في الأصل: «و نثارا» و التصويب من النفح.

(13) في النفح: «و لحفظه».

(14) في النفح: «اطّبتني».

(15) يشير هنا إلى قول نصيب [الوافر]

و لو لا أن يقال صبا نصيب‏* * *لقلت بنفسي النش‏ء الصغار

* * *

-

115

بيضاء، و المرجوّ الإغضاء، بل الإرضاء. بنيّ، كيف رأيت للبيان هذا الطّوع، و الخروج فيه من نوع إلى نوع؟ أين صفوان بن إدريس، و محلّ دعواه بين رحلة و تعريس‏؟ كم بين ثغاء بقر هذا الفلا، و بين زئير ليث العريس؟ كما أني أقطع‏ علما، و أعلم قطعا، و أحكم مضاء و أمضى حكما، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرّائقة، و فريدتك الحالية الفائقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته، لذهب عرضا و طولا، ثم اعتقد لك اليد الطّولى، و أقرّ بارتفاع‏ النّزاع، و ذهبت له تلك العلالات‏ و الأطماع، و نسي كلمته اللّؤلؤية، و رجع عن دعواه الأدبيّة، و استغفر اللّه ربّه من تلك الإلهية. بنيّ، و هذا من ذلك، من الجري في تلك المسالك، و التّبسّط في تلك المآخذ و المتارك، أ ينزع غيري هذا المنزع؟ أم المرء بشعره‏ و ابنه مولع؟ حيّا اللّه الأدب و بنيه، و أعاد علينا من أيّامه و سنيه! ما أعلى منازعه، و أكبا منازعه، و أجلّ مآخذه، و أجهل تاركه و أعلم آخذه، و أرقّ طباعه، و أحقّ أشياعه و أتباعه، و أبعد طريقه، و أسعد فريقه، و أقوم نهجه، و أوثق نسجه، و أسمح ألفاظه، و أفصح عكاظه، و أصدق معانيه و ألفاظه، و أحمد نظامه و نثاره، و أغنى شعاره و دثاره، فعائبه مطرود، و عاتبه مصفود، و جاهله محصود، و عالمه محسود، غير أن الإحسان فيه قليل، و لطريق الإصابة فيه علم و دليل، من ظفر بهما وصل، و على الغاية القصوى منهما حصل، و من نكب عن الطريق، لم يعدّ من ذلك الفريق، فليهنك أيها الابن الذّكيّ، البرّ الزّكيّ، الحبيب الحفيّ‏، الصّفيّ الوفيّ، أنك حامل رايته، و واصل غايته، ليس أوّلوه و آخروه لذلك بمنكرين، و لا تجد أكثرهم شاكرين. و لو لا أن يطول الكتاب، و ينحرف الشّعراء و الكتّاب، لفاضت ينابيع هذا الفصل‏ فيضا، و خرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضا، قرّت عيون أودّائك‏، و ملئت غيظا صدور أعدائك، و رقيت درج الآمال، و وقيت عين الكمال، و حفظ منصبك العالي، بفضل ربّك الكبير المتعالي. و السلام‏

____________

- و ترجمة نصيب في الأغاني (ج 1 ص 312) و الشعر و الشعراء (ص 322).

(1) التعريس: النزول ليلا للراحة. لسان العرب (عرس).

(2) في النفح: «بقر الفلاة و بين ليث الفريس».

(3) في النفح: «أعلم قطعا، و أقطع علما».

(4) في النفح: «فارتفع».

(5) في النفح: «العلاقات».

(6) في النفح: «الأليّة».

(7) في النفح: «بنفسه».

(8) في النفح: «منه».

(9) الحفيّ: الذي يبالغ في السؤال عن الشي‏ء. لسان العرب (حفي).

(10) في النفح: «الفضل».

(11) الأودّاء: جمع ودود و هو المحبّ. لسان العرب (ودد).

116

الأتم‏ الأكمل الأعمّ، يخصّك به من طال في مدحه إرقالك و إغذاذك‏، و راد روض حمده‏ طلّك و رذاذك، و غدت مصالح سعيه في سعي مصالحك، و سينفعك بحول اللّه و قوته و فضله و منّته معاذك، و وسمت نفسك بتلميذه فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هانى‏ء، و رحمة اللّه و بركاته.

دخوله غرناطة: دخل غرناطة مع الوفد من أهل بلده عند تصيّرها إلى الإيالة النّصرية، حسبما ثبت في موضعه.

وفاته: توفي بجبل الفتح، و العدوّ يحاصره، أصابه حجر المنجنيق في رأسه، فذهب به، تقبّل اللّه شهادته و نفعه، في أواخر ذي قعدة، من عام ثلاثة و ثلاثين و سبعمائة.

و ممّن رثاه قاضي الجماعة شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني، و هي القصيدة التي أولها: [الطويل‏]

سقى اللّه بالخضراء أشلاء سؤدد* * *تضمّنهنّ التّرب صوب الغمائم‏

* * *

و قد ثبت في «جهد المقل» في اسم المذكور، فلينظر هنالك.

و ممّن رثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين، (رحمه اللّه) بقوله‏: [مجزوء الكامل‏]

قد كان ما قال اليزيد* * *فاصبر فحزنك لا يفيد

* * *

أودى ابن هانى‏ء الوضا* * *فاعتادني للثّكل عيد

* * *

بحر العلوم و صدرها* * *و عميدها إذ لا عميد

* * *

قد كان زينا للوجو* * *د ففيه قد فجع الوجود

* * *

العلم و التّحقيق و الت* * *وفيق و الحسب التّليد

* * *

تندى خلائقه فقل‏* * *فيها: هي الرّوض المجود

* * *

____________

(1) في النفح: «الأتمّ الأتمّ الأكمل ...».

(2) الإرقال و الإغذاذ: ضربان من السير السريع. لسان العرب (رقد) و (غذذ).

(3) في النفح: «حمدك و ابلك و طلّك و رذاذك».

(4) في نفح الطيب (ج 8 ص 388): «و كانت وفاته شهادة في أواخر ذي القعدة عام ثلاثة و سبعمائة».

(5) البيت في نفح الطيب (ج 8 ص 388).

(6) قصيدة ابن شبرين في نفح الطيب (ج 8 ص 388- 389).

(7) في النفح: «البريد».

117

مغض عن الإخوان لا* * *جهم اللقاء و لا كنود

* * *

أودى شهيدا باذلا* * *مجهوده نعم الشّهيد

* * *

لم أنسه حين المعا* * *رف باسمه فينا تشيد

* * *

و له صبوب في طلا* * *ب العلم يتلوه صعود

* * *

للّه وقت كان ين* * *ظمنا كما نظم الفريد

* * *

أيام نغدو أو نرو* * *ح و سعينا السّعي الحميد

* * *

و إذا المشيخة جثّم‏* * *هضبات حلم لا تبيد

* * *

و مرادنا جمّ النّبا* * *ت و عيشنا خضر برود

* * *

لهفي على الإخوان و ال* * *أتراب كلّهم فقيد

* * *

لو جئت أوطاني لأن* * *كرني التّهائم و النّجود

* * *

و لراع نفسي شيب من‏* * *غادرته و هو الوليد

* * *

و لطفت ما بين اللّحو* * *د و قد تكاثرت اللّحود

* * *

سرعان ما عاث الحما* * *م و نحن أيقاظ هجود

* * *

كم رمت إعمال المسي* * *ر فقيّدت عزمي قيود

* * *

و الآن أخلفت الوعو* * *د و أخلقت تلك البرود

* * *

ما للفتى ما يبتغي‏* * *و اللّه‏ يفعل ما يريد

* * *

أعلى القديم الملك يا* * *ويلاه يعترض العبيد

* * *

يا بين، قد طال المدى‏* * *أرعد و أبرق يا يزيد

* * *

و لكل شي‏ء غاية* * *و لربما لان الحديد

* * *

إيه أبا عبد الإل* * *ه و دوننا مرمى بعيد

* * *

أين الرسائل منك تأ* * *تينا كما نظم‏ العقود؟

* * *

أين الرّسوم الصالحا* * *ت؟ تصرّمت، أين العهود؟

* * *

____________

(1) الكنود: كافر النعمة، البخيل. لسان العرب (كند).

(2) في النفح: «لا تميد».

(3) في الأصل: «خضر البرود» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «فاللّه».

(5) في النفح: «أبرق و أرعد ...». و قد أخذ المعنى من قول الكميت [مجزوء الكامل‏]:

أرعد و أبرق يا يزي* * *د فما وعيدك بضائر

* * *

. (6) في النفح: «نسق».

118

أنعم مساء لا تخطّت* * *ك‏ البشائر و السّعود

* * *

و أقدم على دار الرّضا* * *حيث الإقامة و الخلود

* * *

و الق الأحبّة حيث دا* * *ر الملك و القصر المشيد

* * *

حتى الشّهادة لم تفت* * *ك فنجمك النّجم السّعيد

* * *

لا تبعدن وعدا لو أن‏* * *ن الميت‏ في الدنيا يعود

* * *

و لئن‏ بليت فإنّ ذكر* * *ك في الدّنا غضّ جديد

* * *

تاللّه لا تنساك أن* * *دية العلى ما اخضرّ عود

* * *

و إذا تسومح في الحقو* * *ق فحقّك الحقّ الأكيد

* * *

جادت صداك غمامة* * *يروى‏ بها ذاك الصّعيد

* * *

و تعهّدتك من المهي* * *من رحمة أبدا وجود

* * *

محمد بن يحيى العبدري‏

من أهل فاس، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالصّدفي.

حاله: قال الأستاذ في «صلته»: إمام في العربية، ذاكر للّغات و الآداب، متكلم، أصولي مفيد، متفنّن، حافظ، ماهر، عالم، زاهد، ورع، فاضل. أخذ علم العربية و الآداب عن النّحوي أبي الحسن بن خروف، و عن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، و أكثر عنهما، و أكمل الكتاب على ابن خروف، تفقّها و تقييدا و ضبطا. و كان حسن الإقراء، جيّد العبارة، متين المعارف و الدّين، شديد الورع، متواضعا جليلا، عالما عاملا، من أجلّ من لقيته، و أجمعهم لفنون المعارف، و ضروب الأعمال، و كان الحفظ أغلب عليه، و كان سريع القلم إذا كتب أو قيّد، و سمعته يقول: ما سمعت شيئا من أحد من أشياخي، من نكت العلم، و تفسير مشكل، و ما يرجع إلى ذلك، إلّا و قيّدته، و لا قيّدت بخطّي شيئا إلّا حفظته، و لا حفظت شيئا فنسيته. هذا ما سمعت منه.

____________

(1) في النفح: «لا تخطّيك».

(2) في الأصل: «وعد» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «البدء».

(4) في النفح: «فلئن».

(5) في النفح: «يرمي».

(6) الأستاذ هو أبو جعفر بن الزبير، و كتابه هو: «صلة الصلة».

119

مشيخته: أخذ العربيّة عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، و عن النّحوي الأديب الضّابط أبي ذرّ الخشني، و أكثر عنه، و أخذ معهما عن أبي محمد بن زيدان، و لازم ثلاثتهم، و سمع و قرأ على الفقيه الصالح أبي محمد صالح، و أخذ عن غير من ذكر.

دخوله غرناطة: قال: دخل الأندلس مرارا بيسير بضاعة كانت لديه، يتّجر فيها، و دخل إشبيلية، و تردّد آخر عمره إلى غرناطة و مالقة إلى حين وفاته.

وفاته: توفي، (رحمه اللّه)، شهيدا بمرسى جبل الفتح. دخل عليهم العدوّ فيه، فقاتل حين قتل، و ذلك سنة إحدى‏ و خمسين و ستمائة. و سمعته يتوسل إلى اللّه، و يسأله الشهادة.

المحدّثون و الفقهاء و الطلبة النجباء و أولا الأصليون‏

محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزّبير

من أهل غرناطة، ولد الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، يكنى أبا عمرو.

حاله: هذا الشيخ سكّيت حلبة، ولد أبيه في علوّ النّباهة، إلّا أنه لوذعي فكه، حسن الحديث، رافض للتّصنّع، ركض طرف الشّبيبة في ميدان الراحة، منكبا عن سنن أبيه و قومه، مع شغوف‏ إدراك، و جودة حفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعدم قادحا. و رحل إلى العدوة، و شرّق و نال حظوة، و جرت عليه خطوب. ثم عاد إلى الأندلس على معروف رسمه يتكوّر بها، و هو الآن قد نال منه الكبر، يزجي الوقت‏ بمالقة، متعلّلا بوقف‏ من بعض الخدم المخزنيّة، لطف اللّه به.

مشيخته: استجاز له والده الطّم و الرّم، من أهل المغرب و المشرق، و وقف عليه منهم في الصّغر وقفا لم يغتبط به عمره، و ادّكره الآن بعد أمّة، عندما نقر عنه لديه، فأثرت به يده من علوّ رواية، و توفّر سبب مبرّة، و داعية إلى إقالة عثرة، و ستر

____________

(1) في الأصل: «أحد» و هو خطأ نحوي.

(2) ترجمة ابن الزبير في نفح الطيب (ج 8 ص 231).

(3) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 232- 233).

(4) في النفح: «شفوف».

(5) في النفح: «لوقته».

(6) في النفح: «برمق».

(7) نسبة إلى المخزن. و جاء في النفح: «المخزونية».

120

هيبة شيبة. فمن ذلك الشيخ الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، إجازة ثم لقاء و سماعا، و الشيخ الخطيب الرّاوية أبو عبد اللّه بن غريون. و أجازه الأستاذ أبو إسحاق الغافقي، و أبو القاسم بن الشّاط، و الشّريف أبو العباس أحمد الحسني، و الأستاذ الإمام أبو الحسين عبد اللّه بن أبي الربيع القرشي، نزيل سبتة.

و محمد بن صالح بن أحمد بن محمد الكتّاني الشّاطبي ببجاية، و الإمام أبو اليمن بن عساكر بالمسجد الحرام، و ابن دقيق العيد و غيرهم. و من أهل الأندلس أبو محمد بن أبي السّداد، و أبو جعفر بن الزيات، و أبو عبد اللّه بن الكمّاد، و أبو عبد اللّه بن ربيع الأشعري، و أبو عبد اللّه بن برطال، و أبو محمد عبد المنعم بن سماك، و العدل أبو الحسن بن مستقور. و أجازه من أهل المشرق و المغرب عالم كبير.

شعره: و بضاعته فيه مزجاة، فمن ذلك ما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة عن السلطان‏: [الوافر]

نوالي الشّكر للرحمن فرضا* * *علم نعم كست طولا و عرضا

* * *

و كم للّه من لطف خفيّ‏* * *لنا منه الذي قد شا و أمضى‏

* * *

بمقدمك السّعيد أتت سعود* * *ننال‏ بها نعيم الدّهر محضا

* * *

فيا بشرى لأندلس بما قد* * *به والاك بارينا و أرضى‏

* * *

و يا للّه من سفر سعيد* * *قد أقرضت‏ المهيمن فيه قرضا

* * *

نهضت‏ بنيّة أخلصت فيها* * *فأبت‏ بكل ما يبغي و يرضى‏

* * *

و ثبت لنصرة الإسلام لمّا* * *علمت بأنّ الأمر إليك أفضى‏

* * *

لقد أحييت بالتّقوى رسوما* * *كما أرضيت بالتّمهيد أرضا

* * *

و قمت بسنّة المختار فينا* * *تمهّد سنّة و تقيم فرضا

* * *

و رضت‏ من العلوم الصّعب حتى‏* * *جنيت ثمارها رطبا و غضّا

* * *

____________

(1) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 231- 232).

(2) أصل القول: «شاء»، فحذف الهمزة للضرورة الشعرية.

(3) في الأصل: «الذي يشاء ... و أمضا»، أي في الأصل بياض مكان كلمة «قد»، و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «تنال» و التصويب من النفح.

(5) في النفح: «قد أقرضك».

(6) في النفح: «و رحت».

(7) في الأصل: «فأتت» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(8) رضت: ذلّلت و مهّدت. لسان العرب (روض).

121

فرأيك ناجح‏ فيما تراه‏* * *و عزمك من مواضي الهند أمضى‏

* * *

تدبّر أمر مولانا فيلقى ال* * *مسي‏ء لديك إشفاقا و إغضا

* * *

فأعقبنا شفاء و انبساطا* * *و قد كانت قلوب الناس مرضى‏

* * *

و من أضحى على ظمإ و أمسى‏* * *يرد إن شاء من نعماك حوضا

* * *

أبا عبد الإله إليك أشكو* * *زماني حين زاد الفقر عضّا

* * *

و من نعماك أستجدي لباسا* * *يفيض‏ به عليّ الجاه فيضا

* * *

بقيت مؤمّلا ترجى و تخشى‏* * *و مثلك من إذا ما جاد أرضى‏

* * *

وفاته: توفي في التاسع لمحرم من عام خمسة و ستين و سبعمائة.

محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك ابن غالب الغسّاني‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا أبكر، و يعرف بالقليعي‏،

أوليته: قد جرى من ذكره و ذكر بيته في الطبقات ما فيه كفاية.

حاله: كان‏ نبيه البيت، رفيع القدر، عالي الصيت، من أهل العلم و الفضل و الحسب و الدّين، و أجمع على استقضائه أهل بلده بعد أبي محمد بن سمحون سنة ثمان و خمسمائة.

وفاته: توفي بغرناطة أوائل صفر عشرة و خمسمائة، و دفن في روضة أبيه. ذكره ابن الصّيرفي و أطنب.

____________

(1) في النفح: «راجح».

(2) إغضا: أصلها: إغضاء، فحذفت الهمزة للضرورة الشعرية.

(3) في الأصل: «شفا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «خوضا» بالخاء و التصويب من النفح.

(5) رواية عجز البيت في الأصل هكذا:

حين ناب الفقر عضّا

و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في النفح: «تفيض».

(7) ترجمة القليعي في التكملة (ج 1 ص 335) و الذيل و التكملة (ج 5 ص 625).

(8) تقدمت ترجمة أبيه أحمد بن خلف في الجزء الأول من الإحاطة.

(9) قارن بالذيل و التكملة (ج 5 ص 625) و التكملة (ج 1 ص 335).

122

محمد بن أحمد بن محمد الدّوسي‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه و يعرف بابن قطبة.

حاله: من «عائد الصلة»: كان، (رحمه اللّه)، شيخ الفقهاء و الموثّقين، صدر أرباب الشورى، نسيج وحده في الفضل و التّخلّق و العدالة، طرفا في الخير، محبّبا إلى الكافة، مجبولا على المشاركة، مطبوعا على الفضيلة، كهفا للغرباء و القادمين، مألفا للمتعلمين، ثمالا للأسرى و العانين، تخلّص منهم على يديه أمم؛ لقصد الناس إيّاه بالصّدقة، مقصودا في الشّفاعات، معتمدا بالأمانات، لا يسدل دونه ستر، و لا تحجب عنه حرمة، فقيها حافظا، أخباريا محدّثا ممتعا، متقدما في صناعة التوثيق، حسن المشاركة في غيرها، كثير الحضّ على الصدقة في المحول و الأزمات، يقوم في ذلك مقامات حميدة، ينفع اللّه بها الضعفاء، و ينقاد الناس لموعظته، و يؤثّر في القلوب بصدقة. فقد بفقدانه رسم من رسوم البرّ و الصّدقة.

مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزّبير، و الخطيب وليّ اللّه أبي الحسن بن فضيلة، و روى عن الشيخ الوزير المسنّ المحدّث أبي محمد عبد المنعم بن سماك، و أبي القاسم بن السّكوت المالقي، و الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد، و القاضي أبي يحيى بن مسعود، و العدل أبي علي البجلي، و أبي محمد عبد المؤمن الخولاني. و أجازه جماعة من أهل المشرق و المغرب، و ناب عن بعض القضاة بغرناطة. ولد عام تسعة و ستين و ستمائة، و توفي في الثالث لربيع الأول من عام ثمانية و ثلاثين و سبعمائة. و كانت جنازته مشهودة.

محمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن يوسف بن روبيل الأنصاري‏

من أهل غرناطة، و يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن السّراج. طليطلي الأصل، طبيب الدار السلطانية.

حاله: من «العائد»: كان، (رحمه اللّه)، من أهل التّفنّن و المعرفة، متناهي الأبّهة و الحظوة، جميل الصورة، مليح المجالسة، كثير الدّعابة و المؤانسة، ذاكرا للأخبار و الطّرف، صاحب حظّ من العربية و الأدب و التفسير، قارضا للشّعر، حسن الخط،

____________

(1) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 177): «أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن قطبة الدوسي ...».

123

ظريف الوراقة، طرفا في المعرفة بالعشب، و تمييز أعيان النّبات، سنيّا، محافظا، محبّا في الصالحين، ملازما لهم، معتنيا بأخبارهم، متلمذا لهم. انحاش إلى الولي أبي عبد اللّه التّونسي، و انقطع إليه مدة حياته، و دوّن أحواله و كراماته. و عيّن ريع ما يستفيده في الطّبّ صدقة على يديه، أجرى ذلك بعد موته لبنيه. و نال حظا عريضا من جاه السلطان، فاطّرح حظّ نفسه مع المساكين و المحتاجين، فكان على بأوه على أهل الدنيا، يؤثر ذوي الحاجة، و يخفّ إلى زيارتهم، و يرفدهم، و يعينهم على معالجة عللهم.

مشيخته: قرأ الطّبّ على الشيخ الطبيب، نسج وحده أبي جعفر الكزني، رئيس الصناعة في وقته، و لقي فيه الأستاذ إمام التّعاليم و المعارف أبا عبد اللّه الرّقوطي المرسي و غيره. و قرأ القرآن على المقرئ الشهير أبي جعفر الطبّاع بالروايات السّبع، و العربية على الأستاذ أبي الحسن بن الصائغ الإشبيلي، و أكثر القراءة على شيخ الجماعة العلّامة أبي جعفر بن الزّبير.

تواليفه: ألّف كتبا كثيرة، منها في النّبات و الرؤيا، و منها كتاب سمّاه، «السّرّ المذاع، في تفضيل غرناطة على كثير من البقاع».

شعره: من ذلك قوله ملغّزا في المطر: [الطويل‏]

و ما زائر مهما أتى ابتهجت به‏* * *نفوس و عمّ الخلق جودا و إحسانا

* * *

يقيم فيشكو الخلق منه مقامه‏* * *و يكربهم طرّا إذا عنهم بانا

* * *

يسرّ إذا وافى و يكرب إن نأى‏* * *و يكره منه الوصل إن زار أحيانا

* * *

و أعجب شي‏ء هجر حبّ مواصل‏* * *به لم‏ يطل هواه إن لم يطل خانا

* * *

محنته: ذكر أنه لما توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر فجأة، و هو يصلّي المغرب، و باكر الطبيب بابه غداة ليلة موته، سأل عن الطعام القريب عهد موته بتناوله، فأخبر أنّه تناول كعكا وصله من وليّ عهده، فقال كلاما أوجب نكبته، فامتحن بالسّجن الطويل، و التمست الأسباب الموصلة إلى هلاكه، ثم أجلي إلى العدوة. ثم دالت الأيام، فعاد إلى وطنه مستأنفا ما عهده من البرّ و فقده من التّجلّة.

ميلاده: بغرناطة عام أربعة و خمسين و ستمائة.

____________

(1) في الأصل: «حين»، و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(2) هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر «ولي سلطنة غرناطة من سنة 671 ه إلى سنة 701 ه. و قد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الأول من الإحاطة.

124

وفاته: ليلة الخميس التاسع من شهر ربيع الأول من عام ثلاثين و سبعمائة.

محمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن أبي زمنين المرّي‏

يكنى أبا عبد اللّه‏، و بيته معلوم.

حاله: كان من أهل المعرفة و النّبل و الذكاء.

مشيخته: قرأ القرآن على أبي بكر بن النّفيس، و أبي عبد اللّه بن شهيد المرّي المقرئ بطخشارش من غرناطة. و درس الفقه عند المشاور أبي عبد اللّه بن مالك‏ المقرئ، و أبي الحسن علي بن عمر بن أضحى، و على غيرهما من شيوخ غرناطة.

وفاته: توفي سنة أربعين و خمسمائة.

قلت: و إنما ذكرت هذا المترجم به مع كوني اشترطت صدر خطبته ألّا أذكر هذا النمط لمكان مصاهرتي في هذا البيت. و لعلّ حافد هذا المترجم به من ولدي يطّلع على تعدادهم و ذكرهم في هذا التأليف و تردادهم، فيكون ذلك محرّضا له على النّجابة، محرّضا للإجابة، جعلنا اللّه ممّن انتمى للعلم و أهله، و اقتفى من سننه واضح سبله.

محمد بن جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم ابن حسّان القيسي‏

الوادآشي الأصل و المعرفة، التّونسي الاستيطان، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن جابر.

حاله: من «عائد الصلة»: نشأ بتونس، و جال في البلاد المشرقية و المغربية، و استكثر من الرّواية و نقّب عن المشايخ، و قيّد الكثير، حتى أصبح جمّاعة المغرب، و راوية الوقت. ثم قدم الأندلس ظريف النّزعة، عظيم الوقار، قويم السّمت، يأوي في‏

____________

(1) ترجمة ابن أبي زمنين في الذيل و التكملة (ج 6 ص 101) و هو فيه: «محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد اللّه ...».

(2) كنيته في الذيل و التكملة: أبو بكر.

(3) في الأصل: «ملك» و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) ترجمة محمد بن جابر القيسي في التعريف بابن خلدون (ص 18) و الديباج المذهب (ص 311) و نفح الطيب (ج 6 ص 92) و (ج 7 ص 192).

125

فضل التّعيش إلى فضل ما كان بيده، يصرفه في مصارف التجارة. و قعد للإسماع و الرّواية، و انتقل إلى بلّش، فقرأ بها القرآن العظيم و الروايات السّبع، على الخطيب أبي جعفر بن الزيات. ثم رحل إلى المغرب، ثم أعاد الرّحلة الحجازية، و أعرق، فلقي أمّة من العلماء و المحدّثين، و أصبح بهم شيخ وحده، انفساح رواية، و علوّ إسناد.

مشيخته: من شيوخه قاضي الجماعة بتونس أبو العباس بن الغمّاز الخزرجي البلنسي، و قاضي الجماعة بها أبو إسحاق بن عبد الرفيع، و قاضي قضاة الدّيار المصرية بدر الدين بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة بن علي بن جماعة بن صخر الكناني. و قاضي الجماعة ببجاية أبو العباس الغبريني، و سراج الدين أبو جعفر عمر بن الخضر بن طاهر بن طرّاد بن إبراهيم بن محمد بن منصور الأصبحي، و أبو محمد عبد الغفار بن محمد السّعدي المصري، و رضيّ الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الخليلي الجعفري، و شرف الدين أبو عبد اللّه بن الحسن بن عبد اللّه بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، و أبو الفضل أبو القاسم بن حمّاد بن أبي بكر بن عبد الواحد الحضرمي اللبيد، و عبد اللّه بن يوسف بن موسى الخلاسي، و عبد اللّه بن محمد بن هارون، و إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن الحاج التّجيبي، و أحمد بن يوسف بن يعقوب بن علي الفهري اللّبلي‏، و ولده جابر بن محمد بن قاسم معين الدين، و عزّ الدين أبو القاسم بن محمد بن الخطيب، و جمال الدين أبو عبد اللّه محمد بن عبد الباقي بن الصّفّار، و أبو بكر بن عبد الكريم بن صدقة العزفي، و محمد بن إبراهيم بن أحمد التجيبي، و أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عقاب الجذامي الشاطبي، و عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد اللّه الأنصاري الأسدي القيرواني، و أبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري‏، و علي بن محمد بن أبي القاسم بن رزين التّجيبي، و أحمد بن موسى بن عيسى البطرني‏، و غرّ القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير، و تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري، و صدر النحاة أبو حيّان، و ظهير الدين أبو محمد بن عبد الخالق المخزومي المقدسي الدّلاصي، و رضيّ‏

____________

(1) نسبة إلى لبلةniebla و هي مدينة في غرب الأندلس. الروض المعطار (ص 507).

(2) نسبة إلى قبتور و هي قرية من قرى إشبيلية. الروض المعطار (ص 454).

(3) نسبته إلى بطرنة و هي قرية بساحل إلبيرة. نزهة المشتاق (ص 564) و جغرافية الأندلس و أوروبا (ص 129) و مملكة غرناطة (ص 288).

126

الدين بن إبراهيم بن أبي بكر الطّبري، و المعمّر بهاء الدين أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن هبة اللّه بن عساكر الدمشقي. و أما من كتب إليه فنحو مائة و ثمانين من أهل المشرق و المغرب.

قدم غرناطة في أول عام ستة و عشرين و سبعمائة، فهو باعتبار أصله أصلي، و باعتبار قدومه طارى‏ء و غريب.

تواليفه: له تواليف حديثيّة جملة، منها أربعون حديثا، أغرب فيها بما دلّ على سعة خطوه و انفساح رحله.

وفاته: كان حيّا سنة أربعين و سبعمائة، و بلغني أنه توفي عام سبعة بعدها.

محمد بن خلف بن موسى الأنصاري الأوسي‏

من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: كان‏ متكلّما، واقفا على مذاهب المتكلّمين، متحققا برأي الأشعرية، ذاكرا لكتب الأصول و الاعتقادات، مشاركا في الأدب، مقدّما في الطّبّ.

مشيخته: روى عن أبي جعفر بن محمد بن حكم بن باق، و أبي جعفر بن خلف بن الهيثم، و أبوي الحسن بن خلف العنسي، و ابن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن حمدين، و أبوي عبد اللّه بن عبد العزيز الموري، و ابن فرج مولى الطلّاع، و أبي العباس بن محمد الجذامي، و أبي علي الغساني، و أبي عمرو زياد بن الصّفار، و أبي القاسم أحمد بن عمر. و أخذ علم الكلام عن أبي بكر بن الحسن المرادي، و أبي جعفر بن محمد بن باق، و أبي الحجاج بن موسى الكلبي.

و تأدّب في بعض مسائل النحو بأبي القاسم بن خلف بن يوسف بن فرتون بن الأبرش.

من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق بن قرقول، و أبو خالد المرواني، و أبو زيد بن نزار، و أبو عبد اللّه بن الصّيقل المرسي، و أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن سمعان، و أبو الوليد بن خيرة.

____________

(1) ترجمة محمد بن خلف في التكملة (ج 1 ص 358) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 193) و نفح الطيب (ج 4 ص 315).

(2) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 194) و بنفح الطيب (ج 4 ص 315).

127

تواليفه: من تواليفه: «النّكت و الأمالي، في الرّد على الغزالي»، و «الإيضاح‏ و البيان، في الكلام على القرآن»، و «الأصول‏، إلى معرفة اللّه و نبوة الرسول» و رسالة «الاقتصار، على مذاهب الأئمّة الأخيار»، و رسالة «البيان، في‏ حقيقة الإيمان»، و الرّد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء الواقعة له في الجزء الأول من مقدّماته، و «شرح مشكل ما وقع في الموطّإ و صحيح‏ البخاري»، و قد كان شرع في تصنيفه عام ثمانية عشر و خمسمائة في شوال منه، و بلغ في الكلام فيه إلى النّكتة الرابعة و الخمسين، و قطعت به قواطع المرض، و شرع في معالجة العين لرؤيا رآها، يقال له: ألّفت في نور البصيرة، فألّف في نور البصر تنفع و تنتفع، فأقبل على تأليفه في مداواة العين، و هو كتاب جمّ الإفادة، ثم أكمل النّكت.

شعره: و كان له حظّ من قرض الشعر، فمن ذلك ما مدح به إمام الحرمين أبا المعالي الجويني‏: [الخفيف‏]

حبّ حبر يكنى أبا للمعالي‏* * *هو ديني ففيه لا تعذلوني‏

* * *

أنا و اللّه مغرم في هواه‏* * *علّلوني بذكره علّلوني‏

* * *

مولده: ولد يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة سبع و خمسين و خمسمائة.

محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد اللّه الخولاني‏

غرناطي، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالشّريشي‏.

____________

(1) في التكملة (ج 1 ص 358): «في النقض».

(2) كلمة «و الإيضاح» ساقطة في الذيل و التكملة (ج 6 ص 194).

(3) في الأصل: «و الوصول» و التصويب من التكملة و الذيل و التكملة.

(4) في التكملة و الذيل: «الانتصار».

(5) في التكملة و الذيل: «عن».

(6) في التكملة «و كتاب».

(7) في الأصل: «و ستمائة» و هو خطأ، و صوبناه من الذيل و التكملة.

(8) هو يوسف بن عبد اللّه بن عبد الملك الجويني، و البيتان في الذيل و التكملة (ج 6 ص 195) و نفح الطيب (ج 4 ص 315).

(9) الحبر: العالم، جمعه أحبار. لسان العرب (حبر).

(10) في الأصل: «أبا المعالي»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(11) في المصدرين: «بهواه».

(12) جاء في الذيل و التكملة (ج 6 ص 195): «و توفي في جمادى الآخرة سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة».

(13) ترجمة أبي عبد اللّه الشريشي في الكتيبة الكامنة (ص 215) و نفح الطيب (ج 9 ص 230)-

128

حاله: من أهل التّصاون و الحشمة و الوقار، معرق في بيت الخيريّة و العفّة، و كان والده صاحبنا، (رحمه اللّه)، آية في الدّؤوب و الصّبر على انتساخ الدّواوين العلمية و الأجزاء، بحيث لا مظنّة معرفة أو حجرة طلب تخلو عن شي‏ء من خطّه إلّا ما يقلّ، على سكون و عدالة و انقباض و صبر و قناعة. و أكتب للصّبيان في بعض أطواره، و نشأ ابنه المذكور ظاهر النّبل و الخصوصيّة، مشاركا في فنون؛ من عربية و أدب و حساب و فريضة. و تصرّف في الشهادة المخزنيّة برهة، ثم نزع عنها انقيادا لداعي النّزاهة، و هو الآن بحاله الموصوفة.

شعره: و شعره من نمط الإجادة، فمن ذلك قوله‏: [السريع‏]

بي شادن أهيف مهما انثنى‏* * *يحكي تثنّيه القضيب الرّطيب‏

* * *

ذو غرّة كالبدر قد أطلعت‏* * *فوق قضيب نابت في كثيب‏

* * *

خضت حشا الظّلماء من حبّه‏* * *أختلس الوصل حذار الرّقيب‏

* * *

فبتّ و الوصل‏ لنا ثالث‏* * *يضمّنا ثوب عفاف قشيب‏

* * *

حتى إذا ما الليل ولّى و قد* * *مالت نجوم الأفق نحو الغروب‏

* * *

ودّعته و القلب ذو لوعة* * *أسبل‏ من ماء جفوني غروب‏

* * *

فلست أدري حين ودّعته‏* * *قلب بأضلاعي غدا أم قليب؟

* * *

و من ذلك في النسيب‏: [السريع‏]

يا أجمل الناس و يا من غدت‏* * *غرّته تمحو سنا الشمس‏

* * *

أنعم على عبدك يا مالكي‏* * *دون اشتراء و منى نفسي‏

* * *

بأن ترى وسطى لعقدي و أن‏* * *تعيد ربعي كامل الأنس‏

* * *

فإن تفضّلت بما أرتجي‏* * *أبقيتني في عالم الإنس‏

* * *

و إن تكن ترجعني خائبا* * *فإنني أدرج في رمسي‏

* * *

____________

- و (ج 10 ص 24، 136).

(1) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 214- 215).

(2) في الأصل: «و للوصل»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(3) في الأصل: «أسيل» و التصويب من الكتيبة.

(4) في الأصل: «أودعته» و التصويب من الكتيبة.

(5) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 215).

(6) في الأصل: «رمس» بدون ياء، و التصويب من الكتيبة.

129

و قال في فضل العلم‏: [السريع‏]

يا طالب العلم اجتهد إنه‏* * *خير من التّالد و الطّارف‏

* * *

فالعلم يذكو قدر إنفاقه‏* * *و المال إن‏ أنفقته تالف‏

* * *

و ترقّى إلى هذا العهد بإشارتي إلى التي لا فوقها من تعليم ولد السلطان، و الرّئاسة القرآنية بباب الإمارة، و الإمامة بالمسجد الجامع من القلعة، حميد الطريقة في ذلك كله، معروف الحق، تولّاه اللّه.

مولده: عام ثمانية عشر و سبعمائة.

محمد بن محمد بن علي بن سودة المرّي‏

يكنى أبا القاسم.

أوليته: من نبهاء بيوتات الأندلس و أعيانها، سكن سلفه البشارّة، بشارّة بني حسّان، و ولي جدّه الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.

حاله: هذا الفتى من أهل الخصوصيّة و السكون و الحياء، المانع عن كثير من الأغراض. مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المماسّة في بعض أغراضها بالدؤوب و العكوف، المورّين تأثير حبل الرّكيّة في جحرها، فتصدّر للعلاج، و عانى الشّعر، و أرسم في الكتابة، و عدّ من الفضلاء، و ظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، و تشوّف إلى العهد للرّحلة الحجازية، و اللّه ييسّر قصده.

مشيخته: قرأ الطبّ و التّعديل على الحبر طبيب الدّار السّلطانية، فارس ذينك الفنّين، إبراهيم بن زرزار اليهودي، و رحل إلى العدوة، فقرأ على الشّريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب، أبي عبد اللّه العلوي، و بلقائه نجح.

شعره: أنشد السلطان قوله: [الكامل‏]

جاد الحمى صوب الغمام هتونه‏* * *تزجي البروق سحابه فتعينه‏

* * *

____________

(1) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 215).

(2) في الكتيبة: «يزكو».

(3) في الأصل: «إذا» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(4) المراد القلعة الحمراء الملاصقة لقصر الحمراء.

(5) البشارّة أو بشرّة أو البشرّات‏alpujarras : هي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب سفوح جبل شلير، على مقربة من البحر المتوسط. نفح الطيب (ج 1 ص 150) و (ج 4 ص 524- 525) و مملكة غرناطة (ص 46).

الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 3/ م 9.

130

و سقى ديار العامرية بعد ما* * *وافى بجرعاء الكثيب معينه‏

* * *

يندى بأفنان الأراك كأنه‏* * *عقد تناثر بالعقيق ثمينه‏

* * *

و محى الكثيب سكوبه فكأنه‏* * *خطّ تطلّس ميمه أو نونه‏

* * *

حتى إذا الأرواح هبّت بالضّحى‏* * *مسحت عليه بالجناح تبينه‏

* * *

و كأنّه و الرعد يحدو خلفه‏* * *صبّ يطول إلى اللقاء حنينه‏

* * *

أو سحّ دمعي فوق أكناف اللّوى‏* * *جادت بلؤلؤة النفيس عيونه‏

* * *

و البرق في حلل السّحاب كأنه‏* * *مكنون سرّ لم يذع‏ مضمونه‏

* * *

أو ثوب ضافية الملابس كاعب‏* * *عمدت بحاشية النّضار تزينه‏

* * *

هنّ الديار برامة لا دهرها* * *سلس القياد و لا العتاب يلينه‏

* * *

و لقد وقفت برسمها فكأنّني‏* * *من ناحل الأطلال فيه أكونه‏

* * *

قلبي بذاك اللّوى خلّفته‏* * *ألوى بمزدلف الرّفاق ظعينه‏

* * *

لا تسأل‏ العذّال عني فالهوى‏* * *هذا يخامر بالضّلوع دفينه‏

* * *

إن يخف عن شرحي حديث زميرتي‏* * *فعلى الفنون فريضة تبينه‏

* * *

عجبا لدمعي لا يكفّ كأنما* * *جدوى أبي عبد الإله هتونه‏

* * *

محيي المكارم بعد ما أودى بها* * *زمن تقلّب بالكرام خؤونه‏

* * *

مولى الملوك عميد كلّ فضيلة* * *علق الزمان ثمينه و مكينه‏

* * *

يضفي إلى داعي النّدى فيهزّه‏* * *و بملتقى الجمعين طال سكونه‏

* * *

من ذا يسابق فضله لوجوده‏* * *و يلجّ فيض البحر فاض يمينه‏

* * *

إن تلقه تلق الجمال و قاره‏* * *و الحلم طبع و السّماحة دينه‏

* * *

غمر الأنام نواله و محا الضلا* * *ل رشاده و جلا الظّلام جبينه‏

* * *

أحيا رسوم الدين و هي دوارس‏* * *و لطالما صدع الشكوك يقينه‏

* * *

شمس الهدى حتف العدا محيي النّدا* * *بحر الجدا طول المدى تمكينه‏

* * *

ليث الشّرى غوث الورى قمر السّرى‏* * *سنّ القرى عمّ القرى تأمينه‏

* * *

فلبأسه يوم الوغى و لعزمه‏* * *جاش الهزبر إذا الهزبر يخونه‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «الجرعا» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «قد أذيع» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) في الأصل: «تسل» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «ذا» و كذا ينكسر الوزن.

131

لا تسأل‏ الهيجاء عنه إنه‏* * *يصل المراد كما تحبّ ظنونه‏

* * *

لو كان يشغله المنام عن العلا* * *هجر المنام و باعدته جفونه‏

* * *

و إذا تطاولت الملوك بماجد* * *بمحمد دون الأنام يكونه‏

* * *

يا ابن الألى نصروا الرسول و من بهم‏* * *نطق الكتاب فصيحه و مبينه‏

* * *

خصّوا ببيعته و حاموا دونه‏* * *نهج الرّضا حتى تقاوم دينه‏

* * *

أ معاضد الإسلام أنت عميده‏* * *و خليفة الرحمن أنت أمينه‏

* * *

لم يبق إلّا من بسيفك طائع‏* * *ألفنش‏ في أقصى البلاد رهينه‏

* * *

و بجيشك المنصور لو لاقيته‏* * *أدرى بمشتجر الرّماح طعينه‏

* * *

و لو اصطنعت إلى العدوّ إدالة* * *طاعت إليك بلاده و حصونه‏

* * *

خذها إليك قصيدة من شاعر* * *حلو الكلام مهذّب تبيينه‏

* * *

جعل القوافي للمعالي سلّما* * *فجنى القريض كما اقتضته فنونه‏

* * *

غطّى هواه عقله و اقتاده‏* * *يحصي النجوم جهالة تزيينه‏

* * *

و لو أخذته أيدي التحرير و النّقد، لرجي أن يكون شاعرا، و بالجملة فالرجل معدود من السّراة بيتا و تخصّصا.

محمد بن عبد العزيز بن سالم بن خلف القيسي‏

منكّبي‏، الأصل، يكنى أبا عبد اللّه، طبيب الدّار السلطانية.

حاله: من «عائد الصلة»: كان، (رحمه اللّه)، فذّا في الانطباع و اللّوذعية، حسن المشاركة في الطّب، مليح المحاضرة، حفظة، طلعة، مستحضرا للأدب، ذاكرا لصناعة الطب، أخذها عن إمام وقته أبي جعفر الكزني، و انتصب للعلاج، ثم انتقل إلى الخدمة بصناعته بالباب السلطاني، و ولّي الحسبة، و من شعره يخاطب السلطان على ألسنة أصحابنا الأطباء الذين جمعتهم الخدمة ببابه يومئذ، و هم أبو الأصبغ بن سعادة، و أبو تمام غالب الشّقوري: [الخفيف‏]

قد جمعنا ببابكم سطر علم‏* * *لبلوغ المنى و نيل الإرادة

* * *

____________

(1) في الأصل: «تسل» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «و ألفنش»، و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا حرف الواو. و ألفنش: هوalfonso صاحب قشتالة.

(3) نسبة إلى المنكّب‏almunecar ، و هي مدينة صغيرة في مقاطعة غرناطة على البحر المتوسط.

الروض المعطار (ص 548).

132

و من أسمائنا لكم حسن فال‏* * *غالب ثم سالم و سعاده‏

* * *

وفاته: توفي في شهر رجب من عام سبعة عشر و سبعمائة.

محمد بن عبد اللّه بن أبي زمنين‏

من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من الملاحي‏، قال: ولّي الأحكام، و كان فقيها نبيها.

وفاته: توفي بغرناطة في عشر الستين و أربعمائة.

قلت: قد تقدم اعتذاري عن إثبات مثله في هذا المختصر، فلينظر هناك إن شاء اللّه.

محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المرّي‏

حاله: كان من كبار المحدّثين و العلماء الراسخين، و أجلّ وقته قدرا في العلم و الرّواية و الحفظ للرّأي و التمييز للحديث، و المعرفة باختلاف العلماء، متفنّنا في العلم، مضطلعا بالأدب، قارضا للشّعر، متصرفا في حفظ المعاني و الأخبار، مع النّسك و الزّهد، و الأخذ بسنن الصالحين، و التخلّق بأخلاقهم. لم يزل أمّة في الخير، قانتا للّه، منيبا له، عالما زاهدا صالحا خيّرا متقشّفا، كثير التّبتّل و التّزلّف بالخيرات، مسارعا إلى الصالحات، دائم الصلاة و البكاء، واعظا، مذكرا بالله، داعيا إليه، و رعا، ملبّي الصدقة، معينا على النّائبة، مواسيا بجاهه و ماله، ذا لسان و بيان، تصغي إليه الأفئدة فصيحا، بهيّا، عربيّا، شريفا، أبيّ النفس، عالي الهمّة، طيّب المجالسة، أنيس المشاهدة، ذكيّا، راسخا في كل جمّ من العلوم، صيرفيا جهبذا، ما رؤي، قبله و لا بعده، مثله.

مشيخته: سكن قرطبة، و سمع بها من أحمد بن مطرّف، و وهب بن مسرّة الحجاري، و عن أبان بن عيسى بن محمد بن دنيّر، و عن والده عبيد اللّه بن عيسى.

____________

(1) في الأصل: «و من أسمائنا» و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا همزة القطع همزة وصل.

(2) ترجمة ابن أبي زمنين في مطمح الأنفس (ص 266) و نفح الطيب (ج 4 ص 98).

(3) هو أبو القاسم محمد بن عبد الواحد الغافقي، المعروف بالملاحي، صاحب كتاب «تاريخ علماء إلبيرة»، و قد توفي سنة 619 ه. و سيترجم له ابن الخطيب بعد قليل.

133

من روى عنه: روى عنه الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري و غيره.

تواليفه: ألف كتاب المغرب في اختصار «المدوّنة» ثلاثين جزءا، ليس في المختصرات مثله بإجماع، و المهذّب في تفسير «الموطّإ»، و المشتمل في أصول الوثائق، و حياة القلوب، و أنس الفريد، و منتخب الأحكام، و النصائح المنظومة، و تفسير القرآن.

مولده: في المحرم سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة.

وفاته: توفي في شهر ربيع الثاني عام ثمانية و تسعين و ثلاثمائة بحاضرة إلبيرة، (رحمه اللّه) و نفع به.

محمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن قاسم بن مشرّف ابن قاسم بن محمد بن هاني اللخمي القائصي‏

يكنى أبا الحسن.

حاله: كان‏ وزيرا جليلا، فقيها رفيعا، جوادا، أديبا، جيّد الشعر، عارفا بصناعة النّحو و العروض، و اللغة و الأدب و الطب، من أهل الرّواية و الدّراية.

مشيخته: روى عن الحافظ أبي بكر بن عطيّة، و أبي محمد بن عتّاب، و أبي الوليد بن رشد القاضي الإمام، و القاضي أبي محمد عبد اللّه بن علي بن سمجون.

شعره: من شعره قوله‏: [السريع‏]

يا حرقة البين كويت الحشا* * *حتى أذبت القلب في أضلعه‏

* * *

أذكيت فيه النّار حتى غدا* * *ينساب ذاك الذّوب من مدمعه‏

* * *

يا سؤل هذا القلب حتى متى‏* * *يؤسى برشف الرّيق من منبعه؟

* * *

فإنّ في الشّهد شفاء الورى‏* * *لا سيما إن مصّ‏ من مكرعه‏

* * *

و اللّه يدني منكم عاجلا* * *و يبلغ القلب إلى مطمعه‏

* * *

____________

(1) ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن هاني اللخمي في التكملة (ج 2 ص 54) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 343).

(2) قارن بالذيل و التكملة (ج 6 ص 343).

(3) الأبيات في نفح الطيب (ج 5 ص 143).

(4) في الأصل: «شفا للورى» و التصويب من النفح.

(5) في الأصل: «يصر» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى، و التصويب من النفح.

134

مولده: ولد في الثلث الأخير من ليلة الجمعة لثلاث بقين لذي حجة سنة ثمان و تسعين و أربعمائة.

وفاته: توفي في آخر جمادى الأخرى سنة ست و تسعين و خمسمائة.

محمد بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن أحمد ابن يوسف بن أحمد الغساني‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: كان محدّثا نبيلا حاذقا ذكيّا، و له شرح جليل على كتاب «الشّهاب»، و اختصار حسن في «اقتباس الأنوار» للرّشاطي. و كان كاتبا وافر الحظّ من الأدب، يقرض شعرا لا بأس به.

من شعره في ذكر أنساب طبقات العرب‏: [الكامل‏]

الشّعب ثمّ قبيلة و عمارة* * *بطن و فخذ و الفصيلة تابعه‏

* * *

فالشّعب يجمع‏ للقبائل كلّها* * *ثم القبيلة للعمارة جامعه‏

* * *

و البطن تجمعه العمائر فاعلمن‏* * *و الفخذ تجمعه‏ البطون الواسعه‏

* * *

و الفخذ يجمع‏ للفصائل كلها* * *جاءت على نسق لها متتابعه‏

* * *

فخزيمة شعب و إنّ كنانة* * *لقبيلة عنها الفصائل شائعه‏

* * *

و قريشها تسمي العمارة يا فتى‏* * *و قصيّ بطن للأعادي‏ قامعه‏

* * *

____________

(1) في الذيل و التكملة (ج 6 ص 343): «توفي بغرناطة لسبع بقين من جمادى الآخرة ...».

(2) ترجمة محمد بن عبد الرحمن الغساني في التكملة (ج 2 ص 118) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 348) و نفح الطيب (ج 6 ص 82).

(3) ورد في التكملة أن هذا الكتاب سمّاه الغساني بمستفاد الرحلة و الاغتراب.

(4) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 6 ص 348) و نفح الطيب (ج 6 ص 82).

(5) في النفح: «مجتمع القبيلة».

(6) في الأصل: «يجمعه العمار» و التصويب من المصدرين.

(7) في الأصل: «بجمعه» و التصويب من المصدرين.

(8) في الذيل: «تجمع».

(9) في المصدرين: «هاكها».

(10) في الأصل: «شاسعة» و التصويب من المصدرين.

(11) في الأصل: «تسمو العبارة»، و التصويب من المصدرين.

(12) في الأصل: «بطن الأعادي» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

135

ذا هاشم‏ فخذ و ذا عبّاسها* * *إلّا الفصيلة لا تناط بسابعه‏

* * *

مولده: ولد بغرناطة سنة ثمان و ستين و خمسمائة.

وفاته: بمرسية في رمضان تسع عشرة و ستمائة.

محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم بن مفرّج بن أحمد ابن عبد الواحد بن حريث بن جعفر بن سعيد بن محمد ابن حقل الغافقي‏

من ولد مروان بن حقل النازل بقرية الملّاحة من قنب قيس من عمل إلبيرة، يكنى أبا القاسم و يعرف بالملّاحي. و قد نقلنا عنه الكثير، و هو من المفاخر الغرناطية.

حاله: كان محدّثا راوية معتنيا، أديبا، مؤرخا، فاضلا جليلا. قال الأستاذ في «الصلة»: كان من أفضل الناس، و أحسنهم عشرة، و ألينهم كلمة، و أكثرهم مروءة، و أحسنهم خلقا و خلقا، ما رأيت مثله، قدّس اللّه تربته. و ذكره صاحب «الذيل» الأستاذ أبو عبد اللّه بن عبد الملك، و أطنب فيه، و ذكره المحدّث أبو عبد اللّه الطنجالي، و ذكره ابن عساكر في تاريخه.

مشيخته: روى عن أبيه أبي محمد، و أبي القاسم بن بشكوال، و أبي العبّاس بن اليتيم، و عالم كثير من غير بلده، و من أهل بلده سوى أبيه، و عن أبي سليمان داود بن يزيد بن عبد اللّه السّعدي القلعي‏، لازمه مدة. و عن أبي خالد بن رفاعة اللخمي، و أبي محمد عبد الحق بن يزيد العبدري، و أبي جعفر عبد الرحمن بن‏

____________

(1) في الأصل: «ذا ما ثمّ» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الذيل: «و ما».

(3) في النفح: «أثر».

(4) في التكملة: «و توفي بمرسية في العشرة الأواخر من رمضان سنة تسع عشرة و ستمائة».

(5) ترجمة محمد بن عبد الواحد الغافقي الملاحي في التكملة (ج 2 ص 118) و الذيل و التكملة (ج 6 ص 413) و الوافي بالوفيات (ج 4 ص 68) و المغرب (ج 2 ص 126).

(6) الملّاحة: قرية على بريد من غرناظة. التكملة (ج 2 ص 119) و المغرب (ج 2 ص 126).

(7) هو ابن الزبير صاحب «صلة الصلة».

(8) هو ابن عبد الملك المراكشي، صاحب كتاب «الذيل و التكملة» و قد ذكره، كما قلنا، في الذيل و التكملة (ج 6 ص 413).

(9) ترجمة داود بن يزيد السعدي القلعي في التكملة (ج 1 ص 255) و الوافي بالوفيات (ج 13 ص 499) و بغية الوعاة (ص 246).

136

الحسن بن القصير، و أبي بكر بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، و أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، و أبي جعفر بن حكم الحصّار، و أبي عبد اللّه بن عروس، و أبي الحسن بن كوثر، و أبي بكر الكتندي، و أبي إسحاق بن الجلّا، و أبي بكر بن أبي زمنين، و أبي القاسم بن سمجون، و أبي محمد عبد الصمد بن محمد بن يعيش الغساني. و كان من المكثرين في باب الرّواية، أهل الضبط و التقييد و الإتقان، بارع الخطّ، حسن الوراقة، أديبا بارعا ذاكرا للتاريخ و الرجال، عارفا بالأنساب، نقّادا حافظا للأسانيد، ثقة عدلا، مشاركا في فنون، سياسيا. و روى عنه الأستاذ، و اعتنى بالرواية عنه. و قال الأستاذ: حدّثني عنه من شيوخي جماعة، منهم القاضي العدل أبو بكر بن المرابط.

تواليفه: ألّف كتابه في «تاريخ علماء إلبيرة»، و احتفل فيه. و ألّف كتاب «الشجرة في الأنساب»، و «كتاب الأربعين حديثا»، و «كتاب فضائل القرآن،» و «برنامج روايته» و غير ذلك.

مولده: سنة تسع و أربعين و خمسمائة.

وفاته: توفي في شعبان سنة تسع عشرة و ستمائة ببلده‏.

محمد بن علي بن عبد اللّه اللخمي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالشّقوري، منسوبا إلى مدينة شقورة و منها أهله، صاحبنا طبيب دار الإمارة، حفظه اللّه.

حاله: هذا الرجل طرف في الخير و الأمانة، فذّ في حسن المشاركة، نقيّ في حب الصّالحين، كثير الهوى إلى أهل التقوى، حذر من التفريط، حريص على التّعلّق بجناب اللّه، نشأ سابغ رداء العفّة، كثيف جلباب الصّيانة، متصدّرا للعلاج في زمن المراهقة، معمّا، مخوّلا في الصّناعة، بادي الوقار في سنّ الحشمة. ثم نظر و اجتهد، فأحرز الشهرة بدينه، و يمن نقيبته، و كثرة حيطته، و لطيف علاجه، و نجح تجربته. ثم كلف بصحبة الصالحين، و خاض في السلوك، و أخذ نفسه بالارتياض و المجاهدة، حتى ظهرت عليه آثار ذلك. و استدعاه السلطان لعلاج نفسه، فاغتبط به، و شدّ اليد

____________

(1) في التكملة (ج 2 ص 119- 120): «و توفي لخمس خلون من شعبان سنة تسع عشرة و ستمائة، و قال غيره: سنة عشرين». و مثله جاء في الذيل و التكملة (ج 6 ص 418).

(2) شقوره: بالإسبانيةsegura de la sierra ، و هي مدينة من أعمال جيان بالأندلس. الروض المعطار (ص 349).

137

عليه، و ظهر له فضله، و هو لهذا العهد ببابه، حميد السيرة، قويم الطريقة، صحيح العقد، حسن التدبير، عظيم المشاركة للناس، أشدّ الخلق حرصا على سعادة من صحبه، و أكثرهم ثناء عليه، و أصرحهم نصيحة له، نبيل الأغراض، فطن المقاصد، قائم على الصنعة، مبين العبارة، معتدل في البحث و المذاكرة، متكلّم في طريقة الصّوفية، عديم النظير في الفضل، و كرم النّفس.

شيوخه: قرأ على جدّه للأب، و على الحكيم الوزير خالد بن خالد من شيوخ غرناطة، و على شيخنا الحكيم الفاضل أبي زكريا بن هذيل، و لازمه، و انتفع به، و سلك بالشيخ الصّوفي أبي مهذّب عيسى الزيات ثم بأخيه الصالح الفاضل أبي جعفر الزيات، و التزم طريقته، و ظهرت عليه بركته.

تواليفه: ألّف كتبا نبيلة، منها «تحفة المتوصل في صنعة الطب» و كتابا أسماه «الجهاد الأكبر»، و آخر سمّاه «قمع اليهودي عن تعدّي الحدود» أحسن فيه ما شاء.

شعره: أنشدني بعد ممانعة و اعتذار، إذ هذا الغرض ليس من شأنه: [الطويل‏]

سألت ركاب العز أين ركابي‏* * *فأبدى عنادا ثم ردّ جوابي‏

* * *

ركابك مع سيري يسير بسيره‏* * *بغير حلول مذ حللت جنابي‏

* * *

فلا تلتفت سيرا لذاتك إنما* * *تسير بها سيرا لغير ذهاب‏

* * *

و هي متعددة.

مولده: ولد في عام سبعة و عشرين و سبعمائة.

محمد بن علي بن فرج القربلياني‏

يكنى أبا عبد اللّه و يعرف بالشفرة.

حاله: كان رجلا ساذجا، مشتغلا بصناعة الطب، عاكفا عليها عمره، محققا لكثير من أعيان النّبات، كلفا به، متعيّشا من عشبه أول أمره، و ارتاد المنابت، و سرح بالجبال، ثم تصدّر للعلاج، و رأس به، و حفظ الكثير من أقوال أهله، و نسخ جملة من كنانيشه على ركاكة خطّه، و عالج السلطان نصر المستقرّ بوادي آش، و قد طرق من بها مرض وافد حمل علاجه المشاقحة لأجله، و عظم الهلاك فيمن اختصّ بتدبيره، فطوّف‏

____________

(1) نسبة إلى قربليان‏grevillente ، و هي قرية صغيرة بمقاطعة لقنت، كثيرة الزيتون. الروض المعطار (ص 455).

138

القلب المبارك بمبراه. ثم رحل إلى العدوة، و أقام بمرّاكش سنين عدّة، ثم كرّ إلى غرناطة في عام أحد و ستين، و بها هلك على أثر وصوله.

مشيخته: زعم أنه قرأ على أبيه ببلده من قربليان بلد الدّجن‏، و أخذ الجراحة عن فوج من محسني صناعة عمل اليد من الرّوح. و قرأ على الطبيب عبد اللّه بن سراج و غيره.

تواليفه: ألّف كتابا في النّبات.

وفاته: في السابع عشر لربيع الأول عام أحد و ستين و سبعمائة.

محمد بن علي بن يوسف بن محمد السّكوني‏

يكنى أبا عبد اللّه و يعرف بابن اللؤلؤة، أصله من جهة قمارش‏.

حاله: رحل في فتائه، بعد أن شدا شيئا من الطلب، و كلف بالرواية و التقييد فلقي مشيخة، و أخذ عن جلّة، و قدم على بلده حسن الحالة، مستقيم الطريقة، ظاهر الانقباض و العفّة، و أدخل الأندلس فوائد و قصائد، و كان ممن ينتفع به لو أمهلته المنية.

شعره: مما نسبه إلى نفسه من الشعر قوله‏: [المجتث‏]

يا من عليه اعتمادي‏* * *في قلّ أمري و كثره‏

* * *

سهّل عليّ ارتحالي‏* * *إلى النّبيّ و قبره‏

* * *

فذاك أقصى مرادي‏* * *من الوجود بأسره‏

* * *

و ليس ذا بعزيز* * *عليك فامنن بيسره‏

* * *

و من ذلك‏: [الطويل‏]

أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي‏* * *أميل لزور بالغرور مصاغ‏

* * *

و أرتاح للّذّات و الشّيب منذر* * *بما ليس عنه للأنام مراغ‏

* * *

____________

(1) أي أن قربليان هذه كانت في أيام ابن الخطيب، أي في عهد بني نصر، سلاطين غرناطة، في أيدي النصاري، و الدجن أو المدجنون هم المسلمون الذين كانوا يرزخون تحت حكم الإسبان.

(2) ترجمة محمد بن علي السكوني في الكتيبة الكامنة (ص 61).

(3) قمارش: بالإسبانيةcomares ، و هي بلدة بالأندلس، تقع شمال شرقي مالقة في سفح جبل الثلج (سييرا نفادا).

(4) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 61).

(5) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 61).

(6) في الكتيبة: «يصاغ».

139

و من لم‏ يمت قبل المشيب فإنه‏* * *يراع بهول بعده و يراغ‏

* * *

فيا ربّ وفّقني إلى ما يكون لي‏* * *به للذي أرجوه منك بلاغ‏

* * *

وفاته: توفي معتبطا في وقيعة الطاعون عام خمسين و سبعمائة، خطيبا بحصن قمارش.

محمد بن سودة بن إبراهيم بن سودة المرّي‏

أصله من بشرّة عرناطة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من بعض التواريخ المتأخّرة: كان شيخا جليلا، كاتبا مجيدا، بارع الأدب، رائق الشعر، سيّال القريحة، سريع البديهة، عارفا بالنّحو و اللغة و التاريخ، ذاكرا لأيام السّلف، طيّب المحاضرة، مليح الشّيبة، حسن الهيئة، مع الدّين و الفضل، و الطّهارة و الوقار و الصّمت.

مشيخته: قرأ بغرناطة على الحافظ أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، و غيره من شيوخ غرناطة. و بمالقة على الأستاذ أبي القاسم السّهيلي، و بجيّان على ابن يربوع، و بإشبيلية على الحسن بن زرقون و غيره من نظرائه.

أدبه: قال الغافقي: كانت بينه و بين الشيخ الفقيه واحد عصره أبي الحسن سهل بن مالك، مكاتبات و مراجعات، ظهرت فيها براعته، و شهدت له بالتقدم يراعته.

محنته: أصابته في آخر عمره نكبة ثقيلة، أسر هو و أولاده، فكانت وفاته أسفا لما جرى عليهم، نفعه اللّه. توفي في حدود سبعة و ثلاثين و ستمائة.

محمد بن يزيد بن رفاعة الأموي البيري‏

أصله من قرية طرّش‏.

حاله: طلب العلم و عنى بسمعه، و نسخ أكثر كتبه بخطّه، و كان لغويّا شاعرا، من الفقهاء المشاورين الموثّقين، و ولّي الصلاة بالحاضرة، و عزل، و سرد الصّوم عن نذر لزمه عمره.

____________

(1) كلمة «لم» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الكتيبة الكامنة.

(2) طرّش: بالإسبانيةturro ، و هي قرية على ضفة البحر بين المنكب و بلش مالقة. راجع مملكة غرناطة (ص 70) ففيه دراسة عن هذه القرية مع ثبت بأسماء المصادر التي تحدثت عن تلك القرية.

140

مشيخته: سمع من شيوخ إلبيرة؛ محمد بن فطيس، و ابن عمريل، و هاشم بن خالد، و عثمان بن جهير، و حفص بن نجيح، و بقرطبة من عبيد اللّه بن يحيى بن يحيى و غيره.

من حكاياته: قال المؤرخ: من غريب ما جرى لأبي علي البغدادي، في مقدمه إلى قرطبة، أن الخليفة الحكم‏ أمر ابن الرّماحس عامله على كورتي إلبيرة و بجّانة، أن يجي‏ء مع أبي علي في وفد من وجوه رعيّته، و كانوا يتذاكرون الأدب في طريقهم، إلى أن تجاروا يوما، و هم سائرون، أدب عبد الملك بن مروان، و مساءلته جلساءه عن أفضل المناديل، و إنشاده بيت عبدة بن الطبيب‏: [البسيط]

ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة* * *أعرافهنّ‏ لأيدينا مناديل‏

* * *

و كان الذّاكر للحكاية أبو علي، فأنشد الكلمة في البيت: أعرافها، فلوى ابن رفاعة عنانه منصرفا، و قال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين، و تتجشّم الرّحلة العظيمة، و هو لا يقيم وزن بيت مشهور في النّاس، لا يغلط فيه الصّبيان، و اللّه لا تبعته خطوة، و انصرف عن الجماعة، و ندبه أميره ابن الرّماحس، و رامه بأن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، فكتب إلى الخليفة يعرّفه بابن رفاعة، و يصف ما جرى معه، فأجابه الحكم على ظهر كتابه: الحمد للّه الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطّئ وفد أهل العراق، و ابن رفاعة بالرّضا أولى منه بالسّخط، فدعه لشأنه، و أقدم بالرّجل غير منتقص من تكريمه، فسوف يعليه الاختبار أو يحطّه.

وفاته: توفي سنة ثلاث أو أربع و أربعمائة.

محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي ابن أبي بكر بن خميس الأنصاري‏

من أهل الجزيرة الخضراء.

____________

(1) هو الخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر، المعروف بالحكم المستنصر، حكم الأندلس من سنة 350 ه إلى سنة 366 ه.

(2) عبدة بن الطبيب شاعر مخضرم أدرك الإسلام فأسلم، و ترجمته في الأغاني (ج 21 ص 30) و الشعر و الشعراء (ص 613) و بيته هذا قاله في الصعلكة، و هو في الأغاني (ج 21 ص 32) و الشعر و الشعراء (ص 614).

(3) في الأصل: «أعراقهنّ» بالقاف، و التصويب من المصدرين. و الأعراف: جمع عرف و هو شعر عنق الفرس. محيط المحيط (عرف).

(4) في الأصل: «أعراقها» بالقاف.

141

حاله: كان فاضلا و قورا، مشاركا، خطيبا، فقيها، مجوّدا للقرآن، قديم الطّلب، شهير البيت، معروف التّعيّن، نبيه السّلف في القضاء، و الخطابة و الإقراء، مضى عمره خطيبا بمسجد بلده الجزيرة الخضراء، إلى أن تغلّب العدوّ عليها، و باشر الحصار بها عشرين شهرا، نفعه اللّه. ثم انتقل إلى مدينة سبتة، فاستقرّ خطيبا بها إلى حين وفاته.

مشيخته: قرأ على والده، (رحمه اللّه)، و على شيخه، و شيخ أبيه أبي عمر، و عباس بن الطّفيل، الشهير بابن عظيمة، و على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، و الخطيب أبي عبد اللّه بن رشيد بغرناطة عند قدومه عليها، و القاضي أبي المجد بن أبي الأحوص، قاضي بلده، و كتب له بالإجازة الوزير أبو عبد اللّه بن أبي عامر بن ربيع، و أجازه الخطباء الثلاثة أبو عبد اللّه الطّنجالي، و أبو محمد الباهلي، و أبو عثمان بن سعيد. و أخذ عن القاضي بسبتة أبي عبد اللّه الحضرمي، و الإمام الصالح أبي عبد اللّه بن حريث، و المحدّث أبي القاسم التّجيبي، و الأستاذ أبي عبد اللّه بن عبد المنعم، و الأخوين أبي عبد اللّه و أبي إبراهيم، ابني يربوع. قال: و كلّهم لقيته و سمعت منه. و أجاز لي إجازة عامة ما عدا الإمام ابن حريث فإنه أجاز لي، و لقيته و لم أسمع عليه شيئا، و أجاز لي غيرهم كناصر الدين المشدالي، و الخطيب ابن عزمون و غيرهما، ممن تضمنه برنامجه.

تواليفه: قال: و كان أحد بلغاء عصره، و له مصنّفات منها: «النّفحة الأرجيّة، في الغزوة المرجيّة»، و دخل غرناطة مع مثله من مشيخة بلده في البيعات، أظن ذلك.

وفاته: توفي في الطّاعون بسبتة آخر جمادى الآخرة من عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن أحمد بن عبد اللّه العطار

من أهل ألمريّة.

حاله: من بعض التّقييدات، كان فتى و سيما، و قورا، صيّبا، متعفّفا، نجيبا، ذكيّا. كتب عن شيخنا أبي البركات بن الحاج، و ناب عنه في القضاء، و انتقل بانتقاله إلى غرناطة، فكتب بها. و كان ينظم نظما مترفّعا عن الوسط. و جرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه: ممّن نبغ و نجب، و خلق له البرّ بذاته و وجب، تحلّى بوقار، و شعشع للأدب كأس عقار، إلّا أنه اخترم في اقتبال، و أصيب الأجل بنبال.

142

و من شعره قوله من قصيدة: [الطويل‏]

دعاني على طول البعاد هواها* * *و قد سدّ أبواب اللّقاء نواها

* * *

و قد شمت برقا للّقاء مبشّرا* * *و قد نفحت ريح الصّبا بشذاها

* * *

و جنّ دجى ليل بخيل بصبحه‏* * *كما بخلت ليلى بطيف سراها

* * *

و قاد زماني قائد الحبّ قاصدا* * *ربوعا ثوت ليلى بطول قناها

* * *

و ناديت و الأشواق بالوجد برّحت‏* * *و دمعي أجرى سابغا للقاها

* * *

أيا كعبة الحسن التي النفس‏ ترتجي‏* * *رضاها و حاشى أن يخيب رجاها

* * *

أحبك يا ليلى على البعد و النوى‏* * *و بي منك أشواق تشبّ لظاها

* * *

لئن حجبت ليلى عن العين إنني‏* * *بعين فؤادي لا أزال أراها

* * *

إلى أن بدا الصبح المشتّت شملنا* * *و ما بلغت نفس المشوق مناها

* * *

فمدّت يمينا للوداع و دمعها* * *يكفكفه خوف الرقيب سراها

* * *

و قالت: وداعا لا وداع تفرّق‏* * *لعلّ الليالي أن تديل نواها

* * *

تذكّرنا ليلى معاهد باللّوى‏* * *رعى اللّه ليلات اللّوى و رعاها

* * *

وفاته: توفي في الطاعون الأعظم عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن أحمد بن المراكشي‏

من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالمرّاكشي.

حاله: كان فتى جميل الرؤيا، سكوتا، مطبوعا على المغافصة و الغمز، مهتديا إلى خفيّ الحيلة، قادرا على المباحثة، ذكيّا، متسوّرا على الكلام في الصّنائع و الألقاب، من غير تدرّب و لا حنكة، دمث الأخلاق، ليّن العريكة، انتحل الطب، و تصدّر للعلاج و المداواة، و اضطبن أغلوطة صارت له بها شهرة، و هي رقّ يشتمل على أعداد و خطوط و زايرجة، و جداول غريبة الأشكال، تحتها علامات فيها اصطلاحات الصّنائع و العلوم، و يتصل بها قصيدة رويّها لام الألف أولها، و هي منسوبة لأبي العباس السبتي: [الطويل‏]

يقول لسبتيّ‏ و يحمد ربّه‏* * *مصلّ على هاد إلى الناس أرسلا

* * *

____________

(1) في الأصل: «اللقا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «للقا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «للنفس»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) المغافصة: المفاجأة. لسان العرب (غفص).

(5) في الأصل: «سبتيّ»، و كذا ينكسر الوزن.

143

و أنها مدخل للزّيرجة، ذكر أنه عثر عليها في مظنّة غريبة، و ظفر برسالة العمل بها، و تحرى بالإعلام بالكنايات، و الإخبار بالخفيّ و تقدمة المعرفة، و الإنذار بالوقائع، حتى استهوى بذلك جماعة من المشيخة، ممن كان يركن إلى رجحان نظره، و سلامة فطرته، و استغلّت الشهادة له بالإصابة سجيّة النفوس في حرصها على إثبات دعاوى المتحرّفين. أخبرني بعضهم أنه خبّأ له عظما صغيرا، يكون في أطراف أجنحة الطّير، أخذه من جناح ديك، و زعم أرباب الخواصّ أنه يزيل الإعياء إذا علّق، فتصرّف على عاداته من الدخول في تلك الجداول، و أخذ الأعداد الكثيرة، يضربها آونة، و يقسمها أخرى، و يستخرج من تلك الجداول جيوبا و سهاما، و يأخذ جذورا، و ينتج له العمل آخرا حروفا مقطعة، يبقيها الطرح، يؤلف منها كلاما تقتنص منه الفائدة، فكان في ذلك بيت شعر: [الطويل‏]

و في يدكم عظم صغير مدوّر* * *يزيل به الإعياء من كان في السّفر

* * *

و أخبرني آخرون أنه سئل في نازلة فقهية لم يلق فيها نص، فأخبر أن النص فيها موجود بمالقة، فكان كذلك. و عارض ذلك كله جلّة من أشياخنا، فذكّرني الشيخ نسيج وحده أبو الحسن بن الجياب أن سامره يخرج خبيئته سواد ليلة، فتأمّل ما يصنعه، فلم يأت بشي‏ء، و لا ذهب إلى عمل يتعقّل، و ظاهر الأمر أن تلك الحال كانت مبنيّة على تخيّل و تخمين، تختلف فيه الإصابة و ضدها، بحسب الحالة و القائل، لتصرّف الحيلة فيه، فاقتضى ذلك تأميل طائفة من أهل الدول إياه، و انتسخوا نظائر من تلك الزيرجة المموّهة، ممطولين منه بطريق التصرّف فيها إلى اليوم، و اتصل بالسلطان، فأرسم ببابه، و تعدّى الإنس إلى طبّ الجن، فافتضح أمره، و همّ به، فنجا مفلتا. و لم تزل حاله مضطربة، إلى أن دعي من العدوة و سلطانها، منازل مدينة تلمسان، و وصلت الكتب عنه، فتوجّه في جفن هيّئ له، و لم ينشب أن توفي بالمحلّة في أوائل عام سبعة و ثلاثين و سبعمائة.

محمد بن بكرون بن حزب اللّه‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: من أهل الخصوصيّة و الفضل، ظاهر الاقتصاد، كثير التخلّق، حسن اللقاء، دائم الطريقة، مختصر الملبس و المأكل، على سنن الفضلاء و أخلاق الجلّة.

____________

(1) في الأصل: «الإعيا» و كذا ينكسر الوزن.

144

انتظم لهذا العهد في نمط من يستجاز و يجيز. و كان غفلا فأقام رسما محمودا، و لم يقصّر عن غاية الاستعداد.

مشيخته: منهم الأستاذ، مولى النعمة على أهل بلده، أبو محمد عبد الواحد بن أبي السّداد الباهلي، قرأ عليه القرآن العظيم أربع عشرة ختمة قراءة تجويد و إتقان بالأحرف السّبعة، و سمع عليه كتبا كثيرة، و قال عند ذكره في بعض الاستدعاءات: و لازمته، رضي اللّه عنه و أرضاه، إلى حين وفاته، و نلت من عظيم بركاته و خالص دعواته ما هو عندي من أجلّ الوسائل، و أعظم الذخيرة، و أفضل ما أعددته لهذه الدّار و الدار الآخرة. و كان في صدر هذا الشيخ الفاضل كثير من علم اليقين. و هو علم يجعله اللّه في قلب العبد إذا أحبّه؛ لأنه يؤول بأهله إلى احتمال المكروه، و التزام الصّبر، و مجاهدة الهوى، و محاسبة النّفس، و مراعاة خواطر القلب، و المراقبة للّه، و الحياء من اللّه، و صحّة المعاملة له، و دوام الإقبال عليه، و صحّة النّيّة، و استشعار الخشية. قال اللّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فكفى بخشية اللّه علما، و بالإقبال عليه عزّا. قلت: و إنما نقلت هذا؛ لأنّ مثله لا يصدر إلّا عن ذي حركة، و مضطبن بركة، و منهم الشيخ الخطيب الفاضل ولي اللّه أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن يوسف الطّنجالي.

دخل غرناطة راويا، و في غير ذلك في شؤونه، و هو الآن ببلده مالقة يخطب ببعض المساجد الجامعة بها على الحال الموصوفة.

محمد بن الحسن بن أحمد بن يحيى الأنصاري الخزرجي‏

الميورقي‏ الأصل، سكن غرناطة.

حاله: كان محدّثا، عالي الرّواية، عارفا بالحديث و علله، و أسماء رجاله، مشهورا بالإتقان و الضبط، ثقة فيما نقل و روى، ديّنا، زكيا، متحاملا، فاضلا، خيّرا، متقلّلا من الدّنيا، ظاهريّ المذهب داوديّة، يغلب عليه الزهد و الفضل.

مشيخته: روى بالأندلس عن أبي بكر بن عبد الباقي بن محمد الحجاري، و أبي علي الصدفي الغساني، و أبي مروان الباجي، و رحل إلى المشرق و حجّ، و أخذ

____________

(1) في الأصل: «أربعة عشر» و هو خطأ نحوي.

(2) سورة فاطر 35، الآية 28.

(3) نسبة إلى ميورقةmallorca ، و هي إحدى الجزر الثلاث: منورقة و يابسة و ميورقة. الروض المعطار (ص 549).

(4) نسبة إلى خلف بن داود الأصفهاني، مؤسس المذهب الظاهري.

145

بمكة، كرّمها اللّه، عن أبي ثابت و أبي الفتح عبد اللّه بن محمد البيضاوي و أبي نصر عبد الملك بن أبي مسلم العمراني. قلت: و غيرهم اختصرتهم لطولهم، و قفل إلى الأندلس فحدّث بغير بلده منها؛ لتجواله فيها.

من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن رزق، و أبو جعفر بن الغاسل، و غيرهما.

محنته: امتحن من قبل علي بن يوسف بن تاشفين، فحمل إليه صحبة أبي الحكم بن يوجان، و أبي العباس بن العريف، و ضرب بالسّوط عن أمره، و سجنه وقتا، ثم سرّحه و عاد إلى الأندلس، و أقام بها يسيرا، ثم انصرف إلى المشرق، فتوقف بالجزائر، و توفي بها في شهر رمضان سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة.

محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف ببلده مالقة بالمعمّم.

حاله: كان طبقة من طبقات الكفاة، ظرفا و رواء و عارضة و ترتيبا، تجلّل بفضل شهرة أبيه، و جعل بعض المترفين من وزراء الدّول بالمغرب أيام وجّهته إليه صحبة الشيخ الصالح أبيه في غرض السفارة، مالا عريضا لينفقه في سبيل البرّ، فبنى المدرسة غربي المسجد الأعظم، و وقف عليها الرّباع، و ابتنى غيرها من المساجد، فحصلت الشهرة، و نبه الذّكر و تطوّر، و رام العروج في مدارج السّلوك، و انقطع إلى الخلوة، فنصلت الصّبغة، و غلبت الطّبيعة، و تأثّل له مال جمّ اختلف في سبب اقتنائه، و أظهر التجر المرهف الجوانب بالجاه العريض، و الحرص الشّديد، و المسامحة في باب الورع، فتبنّك به نعيما من ملبس و مطعم و طيب و ترفّه، طارد به اللّذة ما شاء في باب النّكاح استمتاعا و ذواقا يتبع رائد الطّرف، و يقلّد شاهد السّمع، حتى نعي عليه، و ولّي الخطابة بالمسجد الأعظم بعد أبيه، فأقام الرسم، و أوسع المنبر ما شاء من جهوريّة و عارضة، و تسوّر على أعراض، و ألفاظ في أسلوب ناب عن الخشوع، عريق في نسب القحة. ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية، و كرّ إلى بلده، مليح الشّيبة، بادي الوقار، نبيه الرّتبة، فتولّى الخطابة إلى حين وفاته.

____________

(1) في الأصل: «و غيرهم».

146

مشيخته: حسبما قيّدته من خطّ ولده أبي الحسن، وارثه في كثير من خلاله، و أغلبها الكفاية. فمنهم والده، (رحمه اللّه)، قرأ عليه و تأدّب به، و دوّن في طريقه، حسبما يتقرر ذلك، و منهم الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، و منهم الشيخ الرّاوية أبو عبد اللّه بن عيّاش، و الخطيب الصالح أبو عبد اللّه الطّنجالي، و الخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، و الأستاذ ابن الفخار الأركشي، و القاضي أبو عمرو بن منظور، و الأستاذ ابن الزبير و غيرهم، كابن رشيد، و ابن خميس، و ابن برطال، و ابن مسعدة، و ابن ربيع، و بالمشرق جماعة اختصرتهم لطولهم.

تواليفه: و تسوّر على التأليف، بفرط كفايته، فمما ينسب إليه كتاب: «التجر الرّبيح، في شرح الجامع الصحيح». قال: منه ما جرّده من المبيّضة، و منه ما لم يسمح الدهر بإتمامه، و كتاب «بهجة الأنوار»، و كتاب «الأسرار»، و كتاب «إرشاد السّائل، لنهج الوسائل»، و كتاب «بغية السّالك، في أشرف المسالك» في التّصوف، و كتاب «أشعة الأنوار، في الكشف عن ثمرات الأذكار». و كتاب «النّفحة القدسيّة»، و كتاب «غنية الخطيب، بالاختصار و التّقريب» في خطب الجمع و الأعياد، و كتاب «غرائب النّجب، في رغايب الشّعب»، شعب الإيمان، و كتاب «في مناسك الحج»، و كتاب «نظم سلك الجواهر، في جيّد معارف الصّدور و الأكابر»، فهرسة تحتوي على فوائد من العلم و ما يتعلق بالرواية، و تسمية الشيوخ و تحرير الأسانيد.

دخوله غرناطة: دخلها مرات تشذّ عن الإحصاء. ولد عام ثمانية و سبعين و ستمائة، و توفي بمالقة في صبيحة ليلة النصف من شعبان عام أربعة و خمسين و سبعمائة.

محمد بن محمد بن يوسف بن عمر الهاشمي‏

يكنى أبا بكر، و يعرف بالطّنجالي، ولد الشيخ الولي أبي عبد اللّه.

حاله: من ذيل تاريخ مالقة للقاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان هذا العالم الفاضل ممن جمع بين الدّراية و الرّواية و التراث و الاكتساب، و علو الانتساب، و هو من القوم الذين وصلوا الأصالة بالصّول، و طول الألسنة بالطّول، و هدوا إلى الطّيّب من القول، أثر الشّموخ يبرق من أنفه، و نسيم الرّسوخ يعبق من عرفه، و زاجر الصّلاح يومي بطرفه، فتخاله من خوف اللّه ذا لمم، و في خلقه دماثة و في عرنينه شمم. و وصفه بكثير من هذا النّمط.

و من «العائد»: كان من أهل العلم و التّفنّن في المعارف و التّهمّم بطلبها، جمع بين الرّواية و الدّراية و الصلاح. و كانت فيه خفّة، لفرط صحّة و سذاجة و فضل رجولة

147

به، بارع الخطّ، حسن التّقييد، مهيبا جزلا، مع ما كان عليه من التّواضع، يحبّه الناس و يعظمونه، خطب بالمسجد الأعظم من مالقة، و أقرأ به العلم.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي، و أبيه الولي الخطيب، (رحمه اللّه). و روى عن جدّه أبي جعفر، و عن الرّاوية الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، و الرّاوية أبي عبد اللّه بن عيّاش، و القاضي أبي القاسم بن السّكوت، و غيرهم ممن يطول ذكره، من أهل المشرق و المغرب.

وفاته: توفي بمالقة في أول صفر من عام ثلاثة و ثلاثين و سبعمائة، و كان عمره نحوا من تسع و خمسين سنة.

محمد بن محمد بن ميمون الخزرجي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بلا أسلم؛ لكثرة صدور هذه اللفظة عنه، مرسي الأصل، و سكن غرناطة و وادي آش و ألمريّة.

حاله: من كتاب «المؤتمن»: كان دمث الأخلاق قبل أن يحرجه شي‏ء من مضيّقات الصّدور، يشارك في العربية، و الشعر النازل عن الدرجة الوسطى لا يخلو بعضه عن لحن. و كان يتعيش من صناعة الطّب. و جرت له شهرة بالمعرفة نرفع به بتلك الصّناعة على حدّ شهرة ترك النّصيحة فيها، فكانت شهرته بالمعرفة ترفع به. و شهرته بترك النصيحة تنزله، فيمرّ بين الحالتين بشظف العيش، و مقت الكافّة إيّاه.

قلت: كان لا أسلم، طرفا في المعرفة بطرق العلاج، فسيح التّجربة، يشارك في فنون، على حال غريبة من قلّة الظّرف، و جفاء الآلات، و خشن الظاهر، و الإزراء بنفسه و بالناس، متقدّم في المعرفة بالخصوم، يقصد في ذلك. و له في الحرب و الحيل حكايات، قال صاحبنا أبو الحسن بن الحسن: كانت للحكيم لا أسلم خمر مخبّأة، في كرم كان له بألمريّة، عثر عليها بعض الدّعرة، فسرقها له. قال: فعمد إلى جرّة و ملأها بخمر أخرى، و دفنها بالجهة، و جعل فيها شيئا من العقاقير المسهّلات، و أشاع أن الخمر العتيقة التي كانت له لم تسرق، و إنما باقية بموضع كذا، فعمد إليها أولئك الدّعرة، و أخذوا في استعمالها، فعادت عليهم بالاستطلاق القبيح المهلك، فقصدوا الحكيم المذكور، و عرضوا عليه ما أصابهم، فقال لهم: إيه، أدّوا إليّ ثمن الشّريبة،

____________

(1) هو كتاب «المؤتمن، على أنباء أبناء الزمن» لأبي البركات ابن الحاج البلفيقي، أحد شيوخ لسان الدين ابن الخطيب.

148

و حينئذ أشرع لكم في الدواء، و يقع الشّفاء بحول اللّه، فجمعوا له أضعاف ما كان يساويه خمره، و عالجهم حتى شفوا بعد مشقّة. و أخباره كثيرة.

وفاته: توفي عقب إقلاع الطّاغية ملك برجلونة عن ألمريّة عام تسعة و سبعمائة. و خلفه ابن كان له يسمى إبراهيم، و يعرف بالحكيم، و جرى له من الشّهرة ما جرى لأبيه، مرّت عليه ببخت و قبول، و توفي بعد عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم الأنصاري‏

جيّاني الأصل مالقيه، يكنى أبا عبد اللّه و يعرف بالشّديد على بنية التصغير، و هو كثير التردّد و المقام بحضرة غرناطة.

حاله: من‏ أهل الطّلب و الذكاء و الظّرف و الخصوصيّة، مجموع‏ خلال من خطّ حسن و اضطلاع بحمل كتاب اللّه. بلبل دوح السّبع المثاني، و ماشطة عروس أبي الفرج الجوزي، و آية صقعه في‏ الصّوت، و طيب النّغمة، اقتحم لذلك دسوت الملوك، و توصّل إلى صحبة الأشراف، و جرّ أذيال الشهرة. قرأ القرآن و العشر بين يدي السلطان، أمير المسلمين بالعدوة، و دنا منه محلّه، لو لا إيثار مسقط رأسه. و تقرّب بمثل ذلك إلى ملوك وطنه، و صلّى التّراويح بمسجد قصر الحمراء، غريب المنزع، عذب الفكاهة، ظريف المجالسة، قادر على الحكايات، متسوّر حمى الوقار، ملبّ‏ داعي الانبساط، على استرجاع و استقامة، مبرور الوفادة، منوّه الإنزال، قلّد شهادة الدّيوان بمالقة، معوّلا عليه في ذلك، فكان مغار حبل‏ الأمانة، صليب العود، شامخا، صادق‏ النّزاهة، لوحا للألقاب، محرزا للعمل.

____________

(1) في غرّة ربيع أول من هذا العام نازل صاحب برجلونه (برشلونة) مدينة ألمرية و أخذ بمخنقها، و وقعت على جيش أمير المسلمين نصر بن محمد بن نصر، صاحب غرناطة، وقعة كبيرة، ثم رفع الحصار. اللمحة البدرية (ص 75).

(2) ترجمة محمد بن قاسم الأنصاري في نفح الطيب (ج 8 ص 302).

(3) النصّ في نفح الطيب (ج 8 ص 302- 304) بتصرف.

(4) في النفح: «جملة جمال».

(5) في النفح: «صقعه، و نسيج وحده، في حسن الصوت ...».

(6) في النفح: «قادرا».

(7) في الأصل: «مستور». و في النفح: «متسوّرا».

(8) في النفح: «ملبّيا».

(9) في الأصل: «جبل» و التصويب من النفخ.

(10) في النفح: «شامخ».

(11) في النفح: «مارن».

149

و ولّي الحسبة بمالقة، حرسها اللّه تعالى، فخاطبته في ذلك أداعبه، و أشير إلى قوم من أجداده، و أولي الحمل عليه بما نصّه: [السريع‏]

يا أيها المحتسب الجزل‏* * *و من لديه الجدّ و الهزل‏

* * *

تهنيك‏ و الشكر لمولى الورى‏* * *ولاية ليس لها عزل‏

* * *

كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة المنتسب، أهنّيك ببلوغ تمنّيك، و أحذّرك من طمع نفس بالغرور تمنّيك، فكأني‏ و قد طافت بركابك الباعة، و لزم لأمرك‏ السّمع و الطّاعة، و ارتفعت في مصانعتك الطّماعة، و أخذت أهل الرّيب بغتة كما تقوم الساعة، و نهضت تقعد و تقيم، و سكوتك‏ الريح العقيم، و بين يديك القسطاس‏ المستقيم، و لا بدّ من شرك ينصب، و جماعة على ذي جاه تعصب‏، و حالة كيت بها الجناب الأخصب، فإن غضضت طرفك، أمنت عن الولاية صرفك، و إن ملأت ظرفك‏، رحّلت عنها حرفك، و إن كففت فيها كفّك، حفّك العزّ فيمن حفّك. فكن لقالي المجبّنة قاليا، و لحوت السّلّة ساليا. و أبد لدقيق الحوّارى زهد حواريّ‏، و ازهد فيما بأيدي الناس من العواري، و سر في اجتناب الحلواء، على السبيل السّواء، و ارفض في الشّواء، دواعي الأهواء، و كن على الهرّاس‏، و صاحب ثريد الرّاس، شديد المراس، و ثب على بائع‏ طبيخ الأعراس، ليثا مرهوب الافتراس، و أدّب أطفال الفسوق‏، في السوق، سيّما من‏

____________

(1) في النفح: «يهنيك».

(2) في النفح: «فكأنني بك و قد ...».

(3) في الأصل: «الساعة» و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «أمرك».

(5) في النفح: «و سطوتك».

(6) القسطاس: الميزان المستقيم. محيط المحيط (قسطس).

(7) في الأصل: «تتعصّب» و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «و دالّة يمتّ بها ...».

(9) ملأت ظرفك: كناية عن قبول الهدية و الرشا.

(10) قاليا: مبغضا. لسان العرب (قلا).

(11) الحوّارى: لباب الدقيق و خالصه. و الحواريّ: من يكون من أنصار الأنبياء. لسان العرب (حور).

(12) في الأصل: «الحلو» و التصويب من النفح.

(13) الهرّاس: صانع الهريسة. لسان العرب (هرس).

(14) في الأصل: «فريد» و التصويب من النفح. و الثريد: كسرة الخبز المتلطخة بماء اللحم. محيط المحيط (ثرد).

(15) كلمة «بائع» غير واردة في النفح.

(16) في الأصل: «السوق» و التصويب من النفح.

150

كان قبل البلوغ و السّبوق‏، و صمّم في‏ استخراج الحقوق، و الناس أصناف، فمنهم خسيس يطمع منك في أكلة، و مستعد عليك بوكزة أو ركلة. و حاسد في مطيّة تركب، و عطيّة تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، و سدّد إلى حربه رماحك، و أشبع الخسيس منهم مرقة دسمة فإنه حنق، و دسّ له فيها عظما لعلّه يختنق، و احفر لشرّيرهم حفرة عميقة، فإنه العدوّ حقيقة، حتى إذا حصل، و علمت أنّ وقت الانتصار قد وصل‏، فأوقع و أوجع، و لا ترجع، و أولياء من‏ حزب الشيطان فأفجع، و الحقّ أقوى، و إن تعفو أقرب للتقوى. سدّدك اللّه تعالى‏ إلى غرض التّوفيق، و أعلقك‏ من الحقّ بالسّبب الوثيق، و جعل قدومك مقرونا برخص اللّحم و الزّيت و الدّقيق، بمنّه و فضله‏.

مشيخته: قرأ القرآن على والده المكتّب النّصوح، (رحمه اللّه)، و حفظ كتبا كرسالة أبي محمد بن أبي زيد، و شهاب القضاعي، و فصيح ثعلب، و عرض الرّسالة على ولي اللّه أبي عبد اللّه الطّنجالي، و أجازه. ثم على ولده الخطيب أبي بكر، و قرأ عليه من القرآن، و جوّد بحرف نافع على شيخنا أبي البركات. و تلا على شيخنا أبي القاسم بن جزي. ثم رحل إلى المغرب، فلقي الشيخ الأستاذ الأوحد في التّلاوة، أبا جعفر الدرّاج، و أخذ عن الشّريف المقرئ أبي العباس الحسنى بسبتة، و أدرك أبا القاسم التّجيبي، و تلا على الأستاذ أبي عبد اللّه بن عبد المنعم‏ و لازمه، و اختصّ بالأستاذ ابن هاني السّبتي، و لقي بفاس جماعة كالفقيه أبي زيد الجزولي، و خلف اللّه المجاصي، و الشيخ أبا العباس المكناسي، و الشيخ البقية أبا عبد اللّه بن عبد الرازق، و قرأ على المقرئ الفذّ الشهير في التّرنّم بألحان القرآن أبي العباس الزّواوي سبع ختمات، و جمع عليه السّبع، و المقرئ أبي العباس بن حزب اللّه، و اختصّ بالشيخ الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي.

شعره: من شعره ما كتب به إلى وزير الدولة المغربيّة في غرض الاستلطاف:

[الكامل‏]

يا من به أبدا عرفت و من أنا* * *لولاه لي دامت علاه و داما

* * *

____________

(1) في النفح: «و البسوق».

(2) في النفح: «على».

(3) كلمة «دسمة» غير واردة في النفح.

(4) في النفح: «قد اتّصل».

(5) في النفح: «من الشياطين فأفجع».

(6) كلمة «تعالى» غير واردة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(7) في الأصل: «و أعلقنا» و التصويب من النفح.

(8) قوله: «بمنّه و فضله» غير وارد في النفح.

(9) هو الكاتب محمد بن محمد بن عبد المنعم، و ترجمته في الكتيبة الكامنة (ص 277).

151

لا تأخذنّك في الشّديد لومة* * *فشخيص نشأته بفضلك قاما

* * *

ربّيته علّمته أدّبته‏* * *قدّمته للفرض منك إماما

* * *

فجزاك ربّ الخلق خير جزاية* * *عنّي و بوّأك الجنان مقاما

* * *

و هو الآن بالحالة الموصوفة، مستوطنا حضرة غرناطة، و تاليا الأعشار القرآنية، بين يدي السلطان، أعزّه اللّه، مرفّع الجانب، معزّز الجراية بولايته أحباس المدرسة، أطروفة عصره، لو لا طرش نقص الأنس به، نفعه اللّه.

مولده: ولد بمالقة في عاشر ربيع الأول من عام عشرة و سبعمائة.

و من الغرباء في هذا الاسم‏

محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد التّلمساني الأنصاري‏

السّبتي الدّار، الغرناطي الاستيطان، يكنى أبا الحسين، و يعرف بالتّلمساني.

حاله: طرف في الخير و السلامة، معرق في بيت الصّون و الفضيلة، معمّ‏ تخوّل في العدالة، قديم الطّلب و الاستعمال، معروف الحقّ، مليح البسط، حلو الفكاهة، خفيف إلى هيعة الدّعابة، على سمت و وقار، غزل، لوذعي، مع استرجاع و امتساك، مترف، عريق في الحضارة، مؤثر للراحة، قليل التّجلّد، نافر عن الكدّ، متّصل الاستعمال، عريض السعادة في باب الولاية، محمول على كتد المبرّة، جار على سنن شيوخ الطّلبة و المقتاتين من الأرزاق المقدّرة، أولى الخصوصيّة و الضّبط من التّظاهر بالجاه على الكفاية. قدم على الأندلس ثمانية عشر و سبعمائة، فمهد كنف القبول و الاستعمال، فولّي الحسبة بغرناظة، ثم قلّد تنفيذ الأرزاق و هي الخطّة الشرعية و الولاية المجدية، فاتّصلت بها ولايته. و ناب عنّي في العرض و الجواب بمجلس السلطان، حميد المنأى في ذلك كله، يقوم على كتاب اللّه حفظا و تجويدا، طيّب النّغمة، راويا محدّثا، أخباريا، مرتاحا للأدب، ضاربا فيه بسهم يقوم على كتب السّيرة النّبوية، فذّا في ذلك. قرأه بالمسجد الجامع للجمهور، عند لحاقه بغرناطة، معربا به عن نفسه، منبّها على مكانه، فزعموا أن رجلا فاضت نفسه و جدا لشجو نغمته، و حسن إلقائه. و قرأ التّراويح بمسجد قصر السلطان إماما به، و اتّسم بمجلسه بالسّلامة و الخير، فلم تؤثر عنه في أحد وقيعة، و لا بدرت له في الحمل على أحد بنت شفه.

____________

(1) المعمّ: الذي يعمّ القوم بالعطية، أي يشملهم. لسان العرب (عم).

152

مشيخته: منهم الشّريف أبو علي الحسن بن الشريف أبي التّقى طاهر بن أبي الشّرف ربيع بن علي بن أحمد بن علي بن أبي الطاهر بن حسن بن موهوب بن أحمد بن محمد بن طاهر بن أبي الشرف الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب. و منهم والده المترجم به، و منهم أبوه و جدّه، و منهم الأمير الصالح أبو حاتم أحمد بن الأمير أبي القاسم محمد بن أبي العباس أحمد بن محمد العزفي، و المقرئ أبو القاسم بن الطيب، و إمام الفريضة أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن حريث، و الأستاذ ملحق الأبناء بالآباء أبو إسحاق الغافقي، و الكاتب النّاسك أبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري، و الأستاذ المعمر أبو عبد اللّه بن الخضّار، و الخطيب المحدّث أبو عبد اللّه بن رشيد، و الخطيب الأديب أبو عبد اللّه الغماري، و الأستاذ أبو البركات الفضل بن أحمد القنطري، و الوزير العابد أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن مالك، و الولي الصالح أبو عبد اللّه الطّنجالي، و الخطيب الصالح أبو جعفر بن الزيات، و القاضي الأعدل أبو عبد اللّه بن برطال، و الشيخ الوزير المعمر أبو عبد اللّه بن ربيع، و الصّوفي الفاضل أبو عبد اللّه بن قطرال، و الأستاذ الحسابي أبو إسحاق البرغواطي، هؤلاء لقيهم و قرأ و سمع عليهم. و ممن كتب له بالإجازة، و هم خلق كثير، كخال أبيه، الشيخ الأديب أبي الحكم مالك بن المرحّل، و الخطيب أبي الحسن فضل ابن فضيلة، و الأستاذ الخاتمة أبي جعفر بن الزبير، و العدل أبي الحسن بن مستقور، و الوزير المعمر أبي محمد بن سماك، و الخطيب أبي محمد مولى الرئيس أبي عثمان بن حكم، و الشيخ الصالح أبي محمد الحلاسي، و القاضي أبي العباس بن الغمّاز، و الشيخ أبي القاسم الحضرمي اللّبيدي، و العدل المعمر الراوية أبي عبد اللّه بن هارون، و المحدث الراوية أبي الحسن القرافي، و أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن بن هبة اللّه بن أبي المنصور، و الإمام شرف الدين أبي محمد الدّمياطي، و بهاء الدين بن النّحاس، و قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، و ضياء الدين أبي مهدي عيسى بن يحيى بن أحمد، و كتب في الإجازة له: [الطويل‏]

ولدت لعام من ثلاث و عشرة* * *و ستّ مئين هجرة لمحمد

* * *

تطوّفت قدما بالحجاز و إنني‏* * *بمصر هو المربى‏ و سبتة مولدي‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «المريليّ» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الأصل: «مولد» بدون ياء.