الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
153

إلى عالم كثير من أهل المشرق، يشقّ إحصاؤهم، قد ثبت معظمهم في اسم صاحبه أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، (رحمه اللّه).

محنته: نالته محنة بجري الأمور الاشتغالية و تبعاتها، قال اللّه فيها لعثرته لغا، فاستقلّ من النّكبة، و عاد إلى الرّتبة. ثم عفّت عليه بآخرة، فهلك تحت بركها بعد مناهزة التسعين سنة، نفعه اللّه.

مولده: ولد عام ستة و سبعين و ستمائة، و توفي في شهر محرم من أربعة و ستين و سبعمائة.

محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف ابن قطرال الأنصاري‏

من أهل مرّاكش، يكنى أبا عبد اللّه و يعرف بابن قطرال.

حاله: من «العائد»: كان، (رحمه اللّه)، فاضلا صوفيا، عارفا، متحدّثا، فقيها، زاهدا، تجرّد عن ثروة معروفة، و اقتصر على الزّهد و التّخلّي، و ملازمة العبادة، و الغروب عن الدنيا. و له نظم رائق، و خطّ بارع، و نثر بليغ، و كلام على طريقة القوم، رفيع الدّرجة، عالي القدر. شرح قصيدة الإسرائيلي بما يشهد برسوخ قدمه، و تجوّل في لقاء الأكابر على حال جميلة من إيثار الصّمت و الانقباض و الحشمة. ثم رحل إلى المشرق حاجا صدر سنة ثلاث و سبعمائة.

مشيخته: من شيوخه القاضي العالم أبو عبد اللّه محمد بن علي، و الحافظ أبو بكر بن محمد المرادي، و الفقيه أبو فارس الجروي، و العلّامة أبو الحسين بن أبي الربيع، و العدل أبو محمد بن عبيد اللّه، و الحاج أبو عبد اللّه بن الخضّار، و أبو إسحاق التّلمساني، و أبو عبد اللّه بن خميس، و أبو القاسم بن السّكوت، و أبو عبد اللّه بن عيّاش، و أبو الحسن بن فضيلة، و أبو جعفر بن الزبير، و أبو القاسم بن خير. هؤلاء كلهم لقيهم، و أخذ عنهم. و كتب له بالإجازة جملة، كالقاضي أبي علي بن الأحوص، و أبي القاسم العزفي، و أبي جعفر الطّنجالي، و صالح بن شريف، و أبي عمرو الدّاري، و أبي محمد بن الحجّام، و أبي بكر بن حبيش، و أبي يعقوب بن عقاب، و عز الدين الجداي، و فخر الدين بن البخاري، و ابن طرخان، و ابن البوّاب، و أمين الدين بن عساكر، و قطب الدين بن القسطلانيّ، و غيرهم.

154

شعره: و أما شعره فكثير بديع. قال شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين: كتبت إليه: [المنسرح‏]

يا معمل السّير أيّ إعمال‏* * *سلّم على الفاضل ابن قطرال‏

* * *

من أبيات راجعني عنها بأبيات منها: [المنسرح‏]

زارت فأزرت بمسك دارين‏* * *تفتنّ للحسن في أفانين‏

* * *

و مثلها في شتّى محاسنها* * *ليست ببدع من ابن شبرين‏

* * *

وفاته: توفي بحرم اللّه عاكفا على الخير و صالح الأعمال، معرضا عن زهرة الحياة الدنيا، إلى أن اتصل خبر وفاته، و فيه حكاية، عام تسعة و سبعمائة.

و دخل غرناطة برسم لقاء الخطيب الصالح أبي الحسن بن فضيلة. و غير ذلك.

العمال في هذا الاسم و أولا الأصليون‏

محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل‏

يكنى أبا يحيى.

حاله: شيخ‏ حسن الشّيبة، شامل البياض، بعيد مدى الذّقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد الهوى إلى الصّوفية، و الكلف بإطراء الخيريّة، سيما عند فقدان شكر الولاية، و جماح الحظوة، من بيت صون و حشمة، مبين عن نفسه في الأغراض، متقدّم في معرفة الأمور العملية، خائض مع الخائضين في غمار طريق‏ التصوّف، و انتحال كيمياء السّعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التّوحيد، تكذّبها أحواله الرّاهنة جملة، و لا تسلم له منها نبذة، لمعاصاة خلقه على الرياضة و استيلاء الشّره، و غلب‏ سلطان الشّهوة، فلم يجن من جعجاعه المبرم فيها إلّا استغراق الوقت في القواطع عن الحق، و الأسف على ما رزته الأيام من متاع الزّور، و قنية الغرور، و المشاحة أيام الولاية، و الشّباب‏ الشاهد بالشّره، و الحلف المتصل بياض اليوم، في ثمن الخردلة باليمين التي تجرّ فساد الأنكحة، و الغضب الذي يقلب‏

____________

(1) ترجمة ابن الأكحل في نفح الطيب (ج 8 ص 233).

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 233) بتصرف.

(3) في النفح: «بإطراء أهل الخير».

(4) كلمة «طريق» غير واردة في النفح.

(5) في النفح: «و غلبة».

(6) في النفح: «و السباب».

155

العين، و البذا الذي يصاحب الشّين، مغلوب عليه في ذلك، ناله بسببه ضيق و اعتقال، و تقويت جدة، و إطباق روع، و قيد للعذاب، فألقيت عليه ردائي، و نفّس اللّه عنه بسببي، محوا للسّيئة بالحسنة، و توسّلا إلى اللّه بترك الحظوظ، و المنّة للّه جلّ جلاله على ذلك.

شعره: خاطبني بين يدي نكبته أو خلفها بما نصّه، و لم أكن أظنّ الشّعر مما تلوكه جحفلته‏، و لكن الرجل من أهل الكفاية: [الطويل‏]

رجوتك‏ بعد اللّه يا خير منجد* * *و أكرم مأمول و أعظم مرفد

* * *

و أفضل من أملت للحادث الذي‏* * *فقدت به صبري و ما ملكت يدي‏

* * *

و حاشا و كلّا أن يخيب مؤمّلي‏* * *و قد علقت بابن الخطيب محمد

* * *

و ما أنا إلّا عبد أنعمه‏ التي‏* * *عهدت بها يمني و إنجاح مقصدي‏

* * *

و أشرف من حضّ الملوك على التّقى‏* * *و أبدى لهم نصحا وصيّة مرشد

* * *

و ساس الرّعايا الآن خير سياسة* * *مباركة في كل غيب و مشهد

* * *

و أعرض عن دنياه زهدا و إنها* * *لمظهرة طوعا له عن تودّد

* * *

و ما هو إلّا اللّيث و الغيث إن أتى‏* * *له خائف أو جاء مغناه مجتدي‏

* * *

و بحر علوم درّه كلماته‏* * *إذا ردّدت في الحفل أيّ تردّد

* * *

صقيل مرائي‏ الفكر ربّ لطائف‏* * *محاسنها تجلى بحسن تعبّد

* * *

بديع عروج النفس للملإ الذي‏* * *تجلّت به الأسرار في كلّ مصعد

* * *

شفيق رقيق دائم الحلم راحم‏* * *و أيّ جميل للجميل معوّد

* * *

صفوح عن الجاني على حين قدرة* * *يواصل‏ تقوى اللّه في اليوم و الغد

* * *

____________

(1) الجحفلة للدابة بمنزلة الشفة للإنسان. لسان العرب (جحفل).

(2) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 233- 235).

(3) في الأصل: «راجوتك» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) المرفد: المعطي. لسان العرب (رفد).

(5) في الأصل: «يد» و التصويب من النفح.

(6) في الأصل: «ماملي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(7) في النفح: «نعمته».

(8) في الأصل: «مقصد» و التصويب من النفح.

(9) في النفح: «نصيحة».

(10) المشهد: الحضور. لسان العرب (شهد).

(11) في الأصل: «مجتد» و التصويب من النفح. و المجتدي: طالب النوال و العطاء. لسان العرب (جدا).

(12) في الأصل: «مرأى» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(13) في النفح: «مواصل».

156

أيا سيدي يا عمدتي عند شدّتي‏* * *و يا مشربي‏ متى ظمئت و موردي‏

* * *

حنانيك و ألطف بي و كن لي راحما* * *و رفقا على شيخ ضعيف منكّد

* * *

رجاك رجاء للذي أنت أهله‏* * *و وافاك يهدي للثّناء المجدّد

* * *

و أمّك مضطرّا لرحماك شاكيا* * *بحال كحرّ الجمر حين توقّد

* * *

و عندي افتقار لا يزال‏ مواصلا* * *لأكرم مولى حاز أجرا و سيّد

* * *

ترفّق بأولاد صغار بكاؤهم‏* * *يزيد لوقع الحادث المتزيّد

* * *

و ليس لهم إلّا إليك تطلّع‏* * *إذا مسّهم ضرّ أليم التّعهّد

* * *

أنلهم أيا مولاي نظرة مشفق‏* * *وجد بالرّضا و انظر لشمل مبدّد

* * *

و قابل أخا الكره‏ الشّديد برحمة* * *و أسعف بغفران الذّنوب و أبعد

* * *

و لا تنظرن إلّا لفضلك، لا إلى‏* * *جريمة شيخ عن محلّك مبعد

* * *

و إن كنت قد أذنبت إني تائب‏* * *فعاود لي الفعل الجميل و جدّد

* * *

بقيت بخير لا يزال‏ و عزّة* * *و عيش هني‏ء كيف شئت و أسعد

* * *

و سخّرك الرحمن للعبد، إنّه‏* * *لمثن‏ وداع للمحل المجدّد

* * *

و قد ولّي خططا نبيهة، منها خطة الاشتغال على عهد الغادر المكايد للدّولة، إذ كان من أولياء شيطانه و ممدّيه في غيّه، و سماسير شعوذته، فلم يزل من مسيطري‏ ديوان الأعمال، على تهوّر و اقتحام كبرة، و خطّ لا غاية وراءه في الرّكاكة، كما قال المعرّي‏: [الوافر]

تمشّت‏ فوقه حمر المنايا* * *و لكن بعد ما مسخت نمالا

* * *

____________

(1) في الأصل: «شربي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «رجا الذي» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «الثنا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «كجرّ الشمس حال توقّد».

(5) في الأصل: «افتقار لأنوال» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في النفح: «الكرب».

(7) في النفح: «و أسعد».

(8) في النفح: «فعوّد».

(9) في الأصل: «لأنوال»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «لمتن» و التصويب من النفح.

(11) في النفح: «ج 8 ص 235): «مسطري».

(12) شروح سقط الزند (ص 104).

(13) في شروح السقط: «و دبّت». و هذا البيت في وصف السيف و يقول فيه: إنّ إفرنده كأنما دبّت فوقه النمل.

157

استحضرته يوما بين يدي السلطان، و هو غفل لفكّ ما أشكل من معمّياته في الأعمال عند المطالعة، فوصل بحال سيئة، و لما أعتب بسببه و نعيت عليه هجنته، أحسن الصّدر عن ذلك الورد، و نذر في نفسه و قال: حيّا اللّه رداءة الخطّ إذا كانت ذريعة إلى دخول هذا المجلس الكريم، فاستحسن ذلك، لطف اللّه بنا أجمعين.

وفاته: توفي عام سبعة و ستين و سبعمائة.

محمد بن الحسن بن زيد بن أيوب بن حامد الغافقي‏

يكنى أبا الوليد.

أوليته: أصله من طليطلة، انتقل منها جدّ أبيه، و سكنوا غرناطة، و عدّوا في أهلها.

حاله: كان أبو الوليد طالبا نبيلا، نبيها، سريّا، ذكيّا، ذا خطّ بارع، و معرفة بالأدب و الحساب، و نزع إلى العمل فكان محمود السّيرة، مشكور الفعل. و ولّي الإشراف في غير ما موضع. قلت: و آثاره في الأملاك المنسوبة إليه، التي من جملة المستخلص السلطاني بغرناطة و غيرها، مما يدل على قدم و تعمّة أصيلة.

وفاته: توفي بمدينة إشبيلية سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و سنّه دون الخمسين.

محمد بن محمد بن حسّان الغافقي‏

إشبيلي الأصل، غرناطي المنشأ، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن حسان.

حاله: من «العائد»: كان من أهل السّرو و الظّرف و المروءة، و حسن الخلق، تولّى الإشراف بغرناطة، و خطّة الأشغال، فحسن الثناء عليه. و له أدب و مشاركة.

حدّثني بعض أشياخنا، قال: كنت على مائدة الوزير ابن الحكيم، و قد تحدّث بصرف ابن حسّان عن عمل كان بيده، و إذا رقعة قد انتهت إليه أحفظ منها: [مخلع البسيط]

لكم أياد لكم أياد* * *كرّرتها إنها كثيرة

* * *

____________

(1) ترجم ابن الخطيب في الكتيبة الكامنة (ص 245) لرجل يحمل الاسم نفسه تحت عنوان: «الشيخ الكاتب أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن حسان الغافقي، (رحمه اللّه تعالى)»؛ و الذي ترجم له في الكتيبة الكامنة كان قد بعث إليه شعرا في بعض المناسبات، يعني أنه كان صديقه، بينما المترجم له هنا في الإحاطة توفي سنة 713 ه، و ابن الخطيب توفي سنة 776 ه. فاعلم.

158

فإن عزمتم على انتقالي‏* * *ريّة أبغي أو الجزيره‏

* * *

و إن أبيتم إلى‏ مقامي‏* * *فنعمة منكم كبيرة

* * *

و قال لي بعضهم: جرى بين ابن حسّان هذا، و بين أحد بني علّاق، و هم أعيان، كلام و ملاحة، فقال ابن حسان: إنما كان جدّكم مولى بني أضحى، و جدّ بني مشرف، فاستعدى عليه، و رفعه إلى الوزير ابن الحكيم فيما أظن، فلما استفهمه عن قوله، قال: أعزّك اللّه، كنت بالكتبيين، و عرض عليّ كتاب قديم في ظهره أبيات حفظتها و هي: [البسيط]

أضحى الزمان بأضحى و هو مبتسم‏* * *لنوره في سماء المجد إشراق‏

* * *

فلم يزل ينتمي للمجد كل فتى‏* * *تطيب منه مواليد و أعراق‏

* * *

فإن ترد شرفا يمّم مشرّفه‏* * *و إن ترد علق مجد فهو علّاق‏

* * *

فعلم الوزير أن ذلك من نظمه، و نتيجة بديهته، فعجب من كفايته، و ترضّى خصمه، و صرفهما بخير. و توفي في شهر رجب ثلاثة عشر و سبعمائة.

محمد بن عبد اللّه بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن موسى بن إبراهيم بن عبد العزيز بن إسحاق بن أحمد ابن أسد بن قاسم النّميري، المدعو بابن الحاج‏

يكنى أبا عمرو، و قد مرّ ذكر أخيه.

حاله: تولّى خطّة الإشراف بلوشة و أندرش و مالقة. و ولّي النظر في مختص ألمريّة، و الأعشار الرومية بغرناطة. و كان له خط حسن، و جودة كاملة، و حسن خلق، و وطأة أكناف تشهد له بجلالة قدره، و رفيع خطره. و ضاهر في أعيان كالوزير أبي عبد اللّه بن أبي الحسن، فاضل، سريّ، متخلّق، حسن الضريبة، متميّز بخصال متعددة، من خطّ بديع، و نظم، و مشاركة في فنون، من طبّ و تعديل، و ارتياض سماع، و ذكر التاريخ. حجّ و جال في البلاد، و لقي جلّة. و تولّي بالمغرب خططا نبيهة علية. ثم كرّ إلى الأندلس عام ستين و سبعمائة، فأجرى من الاستعمال على رسمه.

ثم اقتضت له العناية السلطانية بإشارتي، أن يوجه في غرض الرسالة إلى تونس و صاحب مصر، لما تقدّم من مرانه على تلك البلاد، و جولاته في أقطارها، و تعرّفه بملوكها و الجلّة من أهلها، فآب بعد أعوام، مشكور التصرّفات، جاريا على سنن‏

____________

(1) في الأصل: «إلّا» و كذا ينكسر الوزن.

159

الفضلاء، مضطلعا بالأحوال التي أسندت إليه من ذلك. فلم يزل معتنى به، مرشّحا إلى الخطط التي تطمح إليها نفس مثله، مسندا النّظر في زمام العسكر الغربي إلى ولده الذي يخلفه عند رحلته نائبا عنه، معزّزا ذلك بالمرتبات و الإحسان، تولّاه اللّه و أعانه.

شعره: مدح السلطان، و أنشد له في المواليد النبوية. و رفع إلى السلطان بحضرتي هذه الأبيات: [البسيط]

مولاي، يا خير أعلام السلاطين‏* * * و من له الفضل في الدنيا و في الدّين‏

و من له سير ناهيك من سير* * * وافت بأكرم تحسين و تحصين‏

شرّفت عبدك تشريفا له رتب‏* * * فوق النجوم التي للأفق‏ (1) تعليني‏

و كان لي موعد مولاي أنجزه‏* * * و زاد في العزّ بعد الرّتبة الدّون‏

و اللّه ما الشّكر مني قاضيا و طري‏* * * و لو أتيت به حينا على حين‏

و لا الثّناء موفّ حقّ أنعمه‏* * * و لو ملأت به كل الدّواوين‏

لكن دعائي و حبّي قد رضيتهما* * * كفاء (2) أفعاله الغرّ الميامين‏

و عند عبدك إخلاص يواصله‏* * * في خدمة لم يزل للخير تدنيني‏

و سوف أنصح كل النصح مغتنما* * * رضى إمام له فضل يرجّيني‏

جوزيت عني أمير المسلمين بما* * * ترضاه للملك من نصر و تمكين‏

و أنت أكرم من ساس الأنام و من‏* * * عمّ البلاد بتسكين و تهدين‏

و من كمثل أبي عبد الإله إذا* * * أضحى الفخار لنا رحب الميادين‏

محمد بن أبي الحجّاج خيرة من‏* * * أهدي له‏ (3) مدحا بالسّعد يحظيني‏

وجه جميل و أفعال تناسبه‏* * * و دولة دولة المأمون تنسيني‏

لا زال في السّعد و الإسعاد ما سجعت‏* * * ورق الحمام على قضب البساتين‏

محمد بن عبد الرحمن الكاتب‏

يكنى أبا عبد اللّه، من أهل غرناطة، أصله من وادي آش.

حاله: كان طالبا نبيها كاتبا جليلا، جيّد الكتابة. كتب عن بعض أبناء الخليفة أبي يعقوب، و اختصّ بالسيد أبي زيد بغرناطة، و بشرق الأندلس، و كان أثيرا عنده‏

____________

(1) في الأصل: «التي فوق الأفق ...» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «كفا» و كذا ينسكر الوزن.

(3) في الأصل: «إليه» و كذا ينكسر الوزن.

160

مكرّما. و كان، (رحمه اللّه)، شاعرا، مطبوعا، ذا معرفة جيدة بالعدد و المساحة، ثم نزع عن الكتابة، و اشتغل بالعمل، فراش فيه، و ولّي إشراف بنيات غرناطة. ثم ولّي إشراف غرناطة، فكفّ يده، و ظهرت نصيحته. ثم نقل إلى حضرة مرّاكش، فولي إشرافها مدة، ثم صرف عنها إلى غرناطة، و قدّم على النظر في المستخلص إلى أن توفي.

مناقبه: أشهد لما قربت وفاته، أنه كان قد أخرج في صحّته و جوازه، أربعة آلاف دنير من صميم ماله لتتميم القنطرة التي بنيت على وادي شنجيل‏ (1) بخارج غرناطة. و كان قبل ذلك قد بنى مسجد دار القضاء من ماله، و تأنّق في بنائه، و أصلح مساجد عدة، و فعل خيرا، نفعه اللّه.

شعره: و من شعره ما كتب به إلى الشيخ أبي يحيى بن أبي عمران، وزير الخلافة، و هو بحال شكاية أصابته: [الطويل‏]

شكوت فأضنى المجد برح شكاته‏* * * و فارق وجه الشمس حسن آياته‏

(2)

و عادت ببعديك‏ (3) الزّمان زمانة* * * تعدّت إلى عوّاده‏

(4) و أساته‏

و غيّض ما للبشر لمّا تبسّطت‏* * * يد السّقم‏ (5) في ساحات كافي كفاته‏

فكيف بمقصوص وصلت جناحه‏* * * و أدهم قد سربلته بشاته؟

و ممتحن لولاك أذعن خبرة* * * و هان على الأيام غمز قناته‏

أ معلق أمالي و مطمح همّتي‏* * * و واهب نفسي في عداد مباته‏

سأستقبل النّعمى ببرّك غضّة* * * و يصغر ذنب الدهر في حسناته‏

و تسطو عين الحقّ منك بمرهف‏* * * تراع الخطوب الجور من فتكاته‏

و تطلع في أفق الخلافة نيّرا* * * تطالعنا الأقمار من قسماته‏

حرام على الشكوى اعتياد مطهّر* * * حياة الدّنا و الدين طيّ حياته‏

فما عرضت في قصده بمساءة* * * و لكن ترجّت أن ترى في عفاته‏

____________

(1) سمي أيضا نهر شنيل، و شنجل، و سنجل، و اسمه بالإسبانية اليوم‏genil ، و هو نهر غرناطة الكبير، و ينبع من جبل شلير، ثم يخترق مرج غرناطة و يصل إلى إشبيلية فيصب في نهرها الشهير بالوادي الكبير. راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيري (ص 47- 48).

(2) في الأصل: «آياته» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «بعديك» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «عوّاد»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(5) في الأصل: «يدّ للسّقم» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

161

مشيخته: قال الغافقي: قرأ بمالقة على الأستاذ أبي زيد السّهيلي، (رحمه اللّه).

وفاته: و توفي بغرناطة سنة سبع و ستمائة، و دفن بداره بجهة قنطرة القاضي منها على ضفة الوادي.

محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد ابن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن سعيد ابن عمار بن ياسر (1)

أوليّته: قد وقع التّنبيه عليها و يقع بحول اللّه.

حاله: كان‏ (2) وزيرا جليلا بعيد الصّيت، عالي الذكر، رفيع الهمّة، كثير الأمل‏ (3).

نباهته: ذكره‏ (4) ابن صاحب الصلاة في تاريخه في الموحدين، فنبّه على مكانة محمد بن عبد الملك منهم في الرأي و الحظوة، و الأخذ عنه في أمور الأندلس‏ (5)، و أثنى عليه. و ذكره أبو زيد السّهيلي في «شرح السّيرة الكريمة» (6)، حتى انتهى إلى حديث كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، الموجه إلى هرقل، و أن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش، مكرّما، مفتخرا به. و القضية (7) مشهورة. و أما محلّه من أمداح الشعراء، فهو الذي مدحه الأديب أبو عبد اللّه الرّصافي بقوله‏ (8): [الكامل‏]

أيدا (9) تفيض و خاطرا متوقّدا؟* * * دعها تبت قبسا على علم الندى‏

و فيه يقول أبو عبد اللّه بن شرف من قصيدة: [البسيط]

يا رحمة اللّه للرّاجي و نقمته‏* * * لكل باغ طغى عن خيرة الرّسل‏

____________

(1) ترجمة محمد بن عبد الملك في المغرب (ج 2 ص 162) و فيه يكنى: أبا عبد اللّه، و نفح الطيب (ج 3 ص 96). و ذكره ابن صاحب الصلاة في تاريخ المن بالإمامة (ص 251- 252)، مع أخيه عبد الرحمن، و قال: كان لهما مشاركة في بناء المسجد الجامع بإشبيلية و صومعته الشهيرة.

(2) النص في نفح الطيب (ج 3 ص 96).

(3) في النفح: «كثير الأموال».

(4) قارن أيضا بنفح الطيب (ج 3 ص 96).

(5) في النفح: «أمور الناس».

(6) في النفح: «الشريفة». و «شرح السيرة الكريمة» هو كتاب «الروض الأنف».

(7) في النفح: «و القصة».

(8) البيت مطلع قصيدة من 32 بيتا، و هو في ديوان الرصافي البلنسي (ص 62).

(9) في الأصل: «أبدا». و في النفح: «ذهنا يفيض و خاطرا متوقدا ما ذا عسى يثنى على علم الندى».

162

لم تبق منهم كفورا دون مرقبة* * * مطالعا منك حتفا غير منفصل‏

كما بزاتك لم تترك بأرضهم‏* * * و حشا يفرّ و لا طيرا بلا وجل‏

و كان كثير الصّيد، و متردّد الغارات.

مناقبه في الدين: قالوا: لما أنشده أبو عبد اللّه الرّصافي في القصيدة التي مطلعها (1): [الكامل‏]

لمحلّك التّرفيع و التّعظيم‏* * * و لوجهك التّقديس و التّكريم‏

حلف ألّا يسمعها، و قال: عليّ جائزتك، لكنّ طباعي لا تحتمل مثل هذا، فقال الرّصافي: و من مثلك؟ و من يستحق ذلك في الوقت غيرك؟ فقال له: دعني من خداعك أنا و ما أعلمه عن نفسي.

شعره: أنشده صاحب «الطالع» (2)، و لا يذكر له غيره‏ (3): [الطويل‏]

فلا تظهرن ما كان في الصّدر كامنا* * * و لا تركبن بالغيظ في مركب و عر

و لا تبحثن في عذر من جاء تائبا* * * فليس كريما من يباحث في عذر

(4)

و ولي من الأعمال للموحدين كثيرا، كمختص حضرة مراكش، و دار السلاح، و سلا، و إشبيلية، و غرناطة، و اتصلت ولايته على أعمال غرناطة، و كان من شيوخها و أعيانها.

محنته: و عمل فيه عقد بأن بداره من أصناف الحلى، ما لا يكون إلا عند الملوك، و أنه إذا ركب في صلاة الصبح، من دار الرّخام التي يجري الماء فيها، في اثني عشر مكانا، شوّش الناس في الصلاة، دويّ الجلاجل بالبزاة، و مناداة الصيادين، و نباح الكلاب، فأمر المنصور بالقبض عليه، و على ابن عمّه، صاحب أعمال إفريقية، أبي الحسين، في سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة. ثم رضي عنهما، و أمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطه كلّ ما أخذ له، فصرفه عليه، و لم ينقصه منه شي‏ء، و غرم ما فات له.

____________

(1) البيت مطلع قصيدة من 32 بيتا في مدح أبي جعفر الوقشي، وزير ابن همشك، و هو في ديوان الرصافي البلنسي (ص 131) و المغرب (ج 2 ص 343) و نفح الطيب (ج 3 ص 97).

(2) هو كتاب «الطالع السعيد، في تاريخ بني سعيد»، لأبي الحسن علي بن سعيد الأندلسي، صاحب كتاب المغرب في حلى المغرب.

(3) البيتان في المغرب (ج 2 ص 162) و نفح الطيب (ج 3 ص 97).

(4) في المصدرين: «في العذر».

163

ولد سنة أربع عشرة (1) و خمسمائة، و توفي بغرناطة سنة تسع و ثمانين و خمسمائة.

محمد بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد اللّه ابن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن عمار ابن ياسر العنسي‏ (2)

يكنى أبا بكر، و قد تقدّم التّعريف بأوليته.

حاله: قال في «الطالع»: ساد في دولة الملثّمين‏ (3)، و ولّوه بغرناطة الأعمال، و كانت له دار الرّخام المشهورة بإزاء الجامع الأعظم بغرناطة. قال الغافقي فيه: شيخ جليل، فقيه نبيه من أهل قلعة يحصب‏ (4). كان في عداد الفقهاء، ثم نزع إلى العمل، و ولّي إشراف غرناطة في إمارة أبي سعيد الميمون بن بدر اللمتوني. و قال صاحب «المسهب» (5): و حسب القلعة كون هذا الفاضل الكامل‏ (6) منها، و قد رقم برد مجده بالأدب، و نال منه بالاجتهاد و السجيّة القابلة أعلى سبب، و له من المكارم ما يغيّر في وجه كعب و حاتم، لذلك ما قصدته الأدباء، و تهافتت في مدحه الشعراء، و فيه أقول:

[الطويل‏]

و كان أبو بكر من الكفر عصمة* * * و ردّ به اللّه الغواة إلى الحقّ‏

و قام بأمر اللّه حافظ أهله‏* * * بلين و سبط في المبرّة و الخلق‏

و هذا أبو بكر سليل ابن ياسر* * * بغرناطة ناغاه في الرّأي و الصّدق‏

فهذا لنا بالغرب يجني معالما* * * تباهي الذي أحيا الدّيانة بالشّرق‏

و قد جرى من ذكره عند ذكر أبي بكر بن قزمان، و يجري عند ذكر نزهون بنت القلاعي ما فيه كفاية، إذ كان مفتونا بها، و بحمدة و زينب، بنتي زياد المؤدّب من أهل وادي آش، و فيهما يقول: [المجتث‏]

ما بين زينب عمري‏* * * أحثّ كأسي و حمده‏

____________

(1) في الأصل: «عشر» و هو خطأ نحوي.

(2) ترجمة أبي بكر محمد بن سعيد في المغرب (ج 2 ص 163) و رايات المبرزين (ص 160) و نفح الطيب (ج 4 ص 52) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 160).

(3) الملثمون هم المرابطون، و قد حكموا الأندلس من سنة 483 إلى سنة 542 ه.

(4) قلعة يحصب: بالإسبانيةalcala la real ، أي القلعة الملكية، و تنسب إلى قبيلة يحصب، و تعرف أيضا بقلعة أيوب، و قلعة بني سعيد، و تبعد عن غرناطة ثلاثين ميلا. مملكة غرناطة (ص 62).

(5) النص في المغرب (ج 2 ص 163).

(6) كلمة «الكامل» غير واردة في المغرب.

164

و كل نظم و نثر* * * و حكمة مستجدّة

و ليس إلّا عفاف‏* * * يبلّغ المرء قصده‏

و لذلك ما سعى به المخزومي الأعمى، و قد سها عن رسم تفقّده، فكتب إلى عليّ بن يوسف‏ (1) في شأنه بما كان سبب عزله و نكبته: [الطويل‏]

إليك، أمير المؤمنين، نصيحة* * * يجوز بها البحر المجعجع شاعر

بغرناطة ولّيت في الناس عاملا* * * و لكن بما تحويه منه المآزر

و أنت أما (2) تخفى عليك خفيّة؟* * * فسل أهلها فالأمر للناس ظاهر

و ما لإلاه العرش تفنيه حمدة* * * و زينب و الكأس الذي هو دائر

شعره: من ذلك قوله‏ (3): [المجتث‏]

يا هذه، لا ترومي‏* * * خداع من ضاق ذرعه‏

تبكي و قد قتلتني‏* * * كالسّيف يقطر دمعه‏

و قال عفى اللّه عنه‏ (4): [الطويل‏]

لقد صدعت قلبي حمامة أيكة (5)* * * أثارت غراما ما أجلّ و أكرما

و رقّ نسيم الرّيح من نحو أرضكم‏* * * و لطّف حتى كاد أن يتكلّما

و قال في مذهب الفخر (6): [الخفيف‏]

فخرنا بالحديث بعد القديم‏* * * من معال توارثت‏ (7) كالنجوم‏

نحن في الحرب أجبل راسيات‏* * * و لنا في النّدي لطف النّسيم‏

ولادته: ولد في سنة ثلاث و ثمانين و أربعمائة، و توفي سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة.

و من الطارئين في هذا الاسم من العمال‏

محمد بن أحمد بن المتأهّل العبدري‏ (8)

من أهل وادي آش، يكنى أبا عبد اللّه.

____________

(1) هو علي بن يوسف بن تاشفين المرابطين، و قد حكم المغرب و الأندلس من سنة 500 ه إلى سنة 537 ه.

(2) في الأصل: «ما» و كذا ينكسر الوزن.

(3) البيتان في المغرب (ج 2 ص 163).

(4) البيتان في المغرب (ج 2 ص 163).

(6) البيتان في المغرب (ج 2 ص 163).

(5) في المغرب: «بانة».

(7) في المغرب: «تواترت».

(8) ترجمة العبدري في نفح الطيب (ج 8 ص 399) و جاء فيه «العذري» بدل «العبدري».

165

حاله: كان رجلا شديد الأدمة، أعين، كثّ اللحية، طرفا في الأمانة، شديد الاسترابة بجليسه، مخينا لرفيقه، سيى‏ء الظنّ بصديقه، قليل المداخلة، كثير الانقباض، مختصر الملبس و المطعم، عظيم المحافظة على النّفير و القطمير، مستوعب للحصر و التّقييد، أسير محيي و عابد زمام، و جنيب أمانة، و حلس سقيفة، و رقيب مشرف، لا يقبل هوادة، و لا يلابس رشوة، كثير الالتفات، متفقّدا للآلة، متمما للعمل.

جرى ذكره في بعض الموضوعات الأدبية بسبب شعر خامل نسب إليه بما نصه‏ (1): رجل غليظ (2) الحاشية، معدود في جنس السائمة و الماشية، تليت على العمال به سورة الغاشية، ولي‏ (3) الأشغال السلطانية، فذعرت الجباة لولايته، و أيقنوا (4) بقيام قيامتهم لطلوع آيته، و قنطوا كلّ القنوط، و قالوا: جاءت الدّابّة تكلّمنا و هي إحدى الشروط، من رجل صائم الحسوة (5)، بعيد عن‏ (6) المصانعة و الرّشوة، يتجنّب الناس، و يقول عند المخالطة (7) لهم: لا مساس، عهدي به في الأعمال يخبط و يتبر (8)، و هو (9) يهلّل و يكبّر، و يحسّن‏ (10) و يقبّح، و هو يسبّح، انتهى.

قلت: و ولّي الأشغال السلطانية، فضمّ النّشر، و أوصد باب الحيلة، و بثّ أسباب الضّياع، و ترصّد ليلا و أصيب بجراحة أخطأته، ثم عاجلته الوفاة، فنفّس عن أقتاله المخنّق.

شعره: قال يخاطب بعض أثراء الدّولة قبل نباهته‏ (11): [الطويل‏]

عمادي، ملاذي، موئلي، و مؤمّلي‏* * * ألا أنعم بما ترضاه للمتأهّل‏

و حقّق بنيل القصد منك رجاءه‏* * * على نحو ما يرضيك يا ذا التّفضّل‏

فأنت الذي في العلم يعرف قدره‏* * * بخير زمان فيه لا زلت تعتلي‏ (12)

فهنّيت يا مغنى‏ (13) الكمال برتبة* * * تقرّ لكم بالسّبق في كلّ محفل‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 354).

(2) في النفح: «كثيف».

(3) في النفح: «تولّى».

(4) في النفح: «و قامت قيامتهم لطلوع ...».

(5) في النفح: «الحشوة».

(6) في النفح: «من».

(7) في النفح: «عند المخاطبة: لا ...».

(8) في النفح: «في الأعمال يقدّر فيها و يدبّر، و يرجّح و يعبّر، و يحبط و يتبّر».

(9) في النفح: «و هو مع ذلك يكبّر».

(10) في النفح: «و يحسّن من الأزمنة و يقبّح».

(11) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 400).

(12) في الأصل: «منه لا زلت فيه تعتل» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(13) في النفح: «معنى».

166

وفاته: توفي عام ثلاثة و أربعين‏ (1) بغرناطة أو قبل ذلك بيسير، و له خط حسن، و ممارسة في الطب، و قد توسّط المعترك.

محمد بن محمد بن محمد بن عبد الواحد البلوي‏ (2)

من أهل ألمريّة، يكنى أبا بكر.

أوليته: من كتاب «المؤتمن» (3) قال: يشهر بنسبه و أصل سلفه من جهة بيرة، إما من بجّانة (4)، و إما من البريج‏ (5)، و استوعب سبب انتقالهم.

حاله: من «عائد الصلة»: كان أحد الشيوخ من طبقته، و صدر الوزراء من نمطه ببلده، سراوة و سماحة، و مبرّة و أدبا و لوذعيّة و دعابة، رافع راية الانطباع، و حائز قصب السبق في ميدان التّخلّق، مبذول البرّ، شائع المشاركة.

و قال في «المؤتمن»: كان رجلا عاقلا، عارفا بأقوال الناس، حافظا لمراتبهم، منزلا لهم منازلهم، ساعيا في حوائجهم، لا يصدرون عنه إلّا عن رضى بجميل مداراته. التفت إلى نفسه، فلم ينس نصيبه من الذّلّ، و لا أغفل من كان يألفه في المنزل الخشن، واصلا لرحمه، حاملا لوطأة من يجفوه منهم، في ماله حظّ للمساكين، و في جاهه رفد للمضطرّين، شيخا ذكيّ المجالسة، تستطيب معاملته، على يقين أنه يخفي خلاف ما يظهر، من الرجال الذين يصلحون الدّنيا، و لا يعلق بهم أهل الآخرة، لعروه عن النّخوة و البطر، (رحمه اللّه). تكرّرت له الولاية بالديوان غير ما مرّة، و ورد على غرناطة، وافدا و مادحا و معزّيا.

مشيخته و ما صدر عنه: قرأ على ابن عبد النّور، و تأدّب به، و تلا على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص أيام قضائه ببسطة، و نظم رجزا في الفرائض.

____________

(1) في النفح: (ج 8 ص 400): «توفي عام ثلاثة و أربعين و سبعمائة».

(2) نسبة إلى دار بليّ بقرطبة، و هو بليّ بن عمرو بن قضاعة، و قبيلة بلي عربية كانت تسكن بشمالي قرطبة، و لم تكن في أيام ابن حزم تحسن التحدث باللطينية. جمهرة أنساب العرب (ص 443).

(3) هو «المؤتمن على أنباء أبناء الزمن» لأبي البركات محمد بن محمد بن عياش البلفيقي. و قد تقدم اسم الكتاب كاملا في الجزء الثاني من الإحاطة في ترجمة ابن البركات.

(4) بجّانة: بالإسبانيةpechina ، و هي مدينة بالأندلس مشهورة بحمّتها العجيبة، و تبعد عن ألمرية خمسة أميال. الروض المعطار (ص 79).

(5) البريج: بلدة قريبة من بجاية، تابعة للمرية.

167

شعره: قال الشيخ‏ (1) في «المؤتمن»: كانت له مشاركة في نظم الشعر الوسط، و كان شعر تلك الحلبة الآخذة عن ابن عبد النور، كأنه مصوغ من شعر شيخهم المذكور، و محذوّ عليه، في ضعف المعاني، و مهنة الألفاظ. تنظر إلى شعره، و شعر عبد اللّه بن الصّائغ، و شعر ابن شعبة، و ابن رشيد، و ابن عبيد، فتقول: ذرّية بعضها من بعض.

فمن ذلك ما نظمه في ليلة سماع و اجتماع بسبب قدوم أخيه أبي الحسن من الحجاز: [الطويل‏]

إلهي، أجرني إنني لك تائب‏* * * و إنّي من ذنبي إليك لهارب‏

عصيتك جهلا ثم جئتك نادما* * * مقرّا و قد سدّت عليّ المذاهب‏

مضى زمن بي في البطالة لاهيا* * * شبابي قد ولّى و عمري ذاهب‏

فخذ بيدي و اقبل بفضلك توبتي‏* * * و حقّق رجائي في الذي أنا راغب‏

أخاف على نفسي ذنوبا جنيتها* * * و حاشاك أن أشقى و أنت المحاسب‏

و إني لأخشى في القيامة موقفا* * * و يوما عظيما أنت فيه المطالب‏

و قد وضع الميزان بالقسط حاكما* * * و جاء شهيد عند ذاك و كاتب‏

و طاشت عقول الخلق و اشتدّ خوفهم‏* * * و فرّ عن الإنسان خلّ و صاحب‏

فما ثمّ من يرجى سواك تفضّلا* * * و إن الذي يرجو سواك لخائب‏

و من ذا الذي يعطي إذا أنت لم تجد؟* * * و من هو ذو منع إذا أنت واهب؟

عبيدك، يا مولاي، يدعوك رغبة* * * و ما زلت غفّارا لمن هو تائب‏

دعوتك مضطرا و عفوك واسع‏* * * فأنت المجازي لي و أنت المعاقب‏

فهب لي من رحماك ما قد رجوته‏* * * و بالجود يا مولاي ترجى المواهب‏

توسّلت بالمختار من آل هاشم‏* * * و من نحوه قصدا تحثّ الرّكائب‏

شفيع الورى يوم القيامة جاهه‏* * * و منقذ من في النار و الحقّ واجب‏

و مما بلغ فيه أقصى مبالغ الإجادة، قوله من قصيدة هنّأ فيها سلطاننا أبا الحجاج بن نصر (2)، لما وفد هو و جملة أعيان البلاد أولها: [الكامل‏]

يهني الخلافة فتّحت لك بابها* * * فادخل على اسم اللّه يمنا غابها

____________

(1) هو أبو البركات محمد بن محمد بن عياش البلفيقي.

(2) هو أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل، سابع سلاطين بني نصر، و قد حكم من سنة 733 ه إلى سنة 755 ه. اللمحة البدرية (ص 102).

168

منها، و هو بديع، استظرف يومئذ:

يا يوسفيّا باسمه و بوجهه‏* * * اصعد لمنبرها و صن محرابها

في الأرض مكّنك الإله كيوسف‏* * * و لتملكنّ بربها أربابها

بلغت بكم آرابها من بعد ما* * * قالت لذلك نسوة ما رابها

كانت تراود كفوها حتى إذا* * * ظفرت بيوسف غلّقت أبوابها

قلت‏ (1): ما ذكره المؤلف ابن الخطيب، (رحمه اللّه)، في هذا المترجم به، من أنه ينظم الشعر الوسط، ظهر خلافه، لذا أثبت له هذه المقطوعة الأخيرة. و لقد أبدع فيها و أتى بأقصى مبالغ الإجادة كما قال، و حاز بها نمطا أعلى مما وصفه به. و أما القصيدة الأولى، فلا خفاء أنها سهل المأخذ، قريبة المنزع، بعيدة من الجزالة، و لعلّ ذلك كان مقصودا من ناظمها (رحمه اللّه).

وفاته: توفي ببلده عن سنّ عالية في شهر ربيع الآخر عام ثمانية و ثلاثين و سبعمائة.

و رثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين، (رحمه اللّه)، بقوله: [البسيط]

يا عين، سحّي بدمع و اكف سرب‏* * * لحامل الفضل و الأخلاق و الأدب‏

بكيت، إذ ذكر الموتى، على رجل‏* * * إلى بليّ‏ (2) من الأحياء منتسب‏

على الفقيه أبي بكر تضمّنه‏* * * رمس و أعمل سيرا ثم لم يؤب‏

قد كان بي منه ودّ طاب مشرعه‏* * * ما كان عن رغب كلّا و لا رهب‏

لكن ولاء (3) على الرحمن محتسبا* * * في طاعة اللّه لم يمذق و لم

يشب‏

فاليوم أصبح في الأجداث مرتهنا* * * ما ضرّت الريح أملودا من الغضب‏

إنّا إلى اللّه من فقد الأحبّة ما* * * أشدّ لذعا لقلب الثّاكل الوصب‏

من للفضائل يسديها و يلحمها؟* * * من للعلى بين موروث و مكتسب؟

قل فيه ما (4) تصف ركنا لمنتبذ* * * روض، لمنتجع أنس، لمغترب؟

باق على العهد لا تثنيه ثانية* * * عن المكارم في ورد و لا قرب‏

سهل الخليقة بادي البشر منبسط* * * يلقى الغريب بوجه الوالد الحدب‏

____________

(1) القول هنا للناسخ كما يتضح من السياق.

(2) هو بليّ بن عمرو بن قضاعة، و قد تقدم الحديث عنه قبل قليل.

(3) في الأصل: «ولا» و كذا لا يستقيم الوزن.

(4) في الأصل: «أما» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

169

كم غيّر الدهر من حال فقلّبها* * * و حال إخلاصه ممتدّة الطّنب‏

سامي المكانة معروف تقدّمه‏* * * و قدره في ذوي الأقدار و الرّتب‏

أكرم به من سجايا كان يحملها* * * و كلّها حسن تنبيك عن حسب‏

ما كان إلّا من الناس الألى درجوا* * * عقلا و حلما و جودا هامي السّحب‏

أمسى ضجيع الثّرى في جنب بلقعة* * * لكن محامده تبقى على الحقب‏

ليست صبابة نفسي بعده عجبا* * * و إنما صبرها من أعجب العجب‏

أجاب دمعي إذ نادى النعيّ به‏* * * لو غير منعاه نادى الدمع لم يجب‏

ما أغفل المرء عمّا قد أريد به‏* * * في كل يوم تناديه الرّدى اقترب‏

يا ويح نفسي أنفاس‏ (1) مضت هدرا* * * بين البطالة و التّسويف و

اللّعب‏

ظننت أنّي بالأيام ذو هزء* * * غلطت بل كانت الأيام تهزأ بي‏

أشكو إلى اللّه فقري من معاملة* * * للّه أنجو بها في موقف العطب‏

ما المال إلّا من اللّه فأفلح من‏ (2)* * * جاء القيامة ذا مال و ذا نشب‏

اسمع‏ (3) أبا بكر الأرضى نداء أخ‏* * * باك عليك مدى الأيام مكتئب‏

أهلا بقدمتك الميمون ظاهرها* * * على محل الرّضى و السّهل و الرّحب‏

نم في الكرامة فالأسباب وافرة* * * و ربما نيلت الحسنى بلا سبب‏

للّه للّه و الآجال قاطعة* * * ما بيننا من خطابات و من خطب‏

و من فرائد آداب يحبّرها* * * فيودع الشّهب أفلاكا من الكتب‏

أما الحياة فقد ملّيت مدّتها* * * فعوّض اللّه منها خير منقلب‏

لو لا قواطع لي أشراكها نصبت‏* * * لزرت قبرك لا أشكو من النّصب‏

و قلّ ما شفيت نفس بزورة من‏* * * حلّ البقيع و لكن جهد ذي أرب‏

يا نخبة ضمّها ترب و لا عجب‏* * * إن التراب قديما مدفن النّخب‏

كيف السبيل إلى اللّقيا و قد ضربوا* * * بيني و بينك ما بقي من الحجب؟

عليك مني سلام اللّه يتبعه‏* * * حسن الثّناء (4) و ما حيّيت من كثب‏

____________

(1) في الأصل: «الأنفاس» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الأصل: «ما المال إلّا من اللّه قوى فأفلح من»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) كلمة «اسمع» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(4) في الأصل: «الثنا» و كذا ينكسر الوزن.

170

محمد بن محمد بن شعبة الغسّاني‏ (1)

من أهل ألمريّة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: قال شيخنا أبو البركات في الكتاب «المؤتمن»: من أهل ألمريّة و وجوهها، لا حظّ له في الأدب، و بضاعته في الطلب مزجاة. قطع عمره في الأشغال المخزنيّة، و هو على ذلك حتى الآن. قلت: هذا الرجل أحد فرسان الطريقة العمليّة، ماض على لين، متحرك في سكون، كاسد سوق المروءة، ضان بما يملك من جدة، منحطّ في هوّة اللّذة، غير معرج على ربع الهمّة، لطيف التّأنّي، متنزّل في المعاملة، دمث الأخلاق، مليح العمل، صحيح الحساب، منجب الولد.

مشيخته: قرأ على ابن عبد النّور، و القدر الذي يحسّ به عنه أخذه.

شعره: من شعره يخاطب أبا الحسن بن كماشة: [البسيط]

وافى البشير فوافى الأنس و الجذل‏* * * و أقبل السّعد و التوفيق و الأمل‏

و راقت الأرض حسنا زاهرا و سنى‏* * * و اخضرّ (2) منها الرّبى و

السّهل و الجبل‏

و لاح وجه عليّ بعد ذا فغدا* * * له شعاع كضوء الشّمس متّصل‏

مذ غاب أظلمت الدنيا لنا وغدت‏* * * أحشاؤنا بلهيب الشّوق تشتعل‏

و حين أشرقت الدّنيا بغرّته‏* * * عاد الظّلام ضياء و انتفى الخبل‏

إيه أبا حسن أنت الرجاء لنا* * * مهما اعترت شدّة أو ضاقت الحيل‏

و أنت كهف منيع من نحاك فقد* * * نال المنى و بدا عيش له خضل‏

يا سيدا قد غدا في المجد ذا رتب‏* * * مشيدة قد بنتها السّادة الأول‏

بنو كماشة أهل الفضل قد شهروا* * * باهت بهم في قديم الأعصر الدّول‏

السّالكون هدى السابقون مدى‏* * * و الباذلون ندى و الناس قد بخلوا

أنت الأخير زمانا و القديم علا* * * و السّيّد المرتجى و الفارس البطل‏

إن كنت جئت أخيرا فارسا (3) فلقد* * * أضحى بجود يديك يضرب

المثل‏

حزت المآثر لا تحصى لكثرتها* * * من رام إحصاءها سدّت له السّبل‏

جزت البدور سنى و الفرقدين علا* * * و أنت تجر النّدى و الوابل الهطل‏

____________

(1) ترجمة محمد بن محمد بن شعبة في الكتيبة الكامنة (ص 116).

(2) في الأصل: «و اخضرّت» و كذا لا يستقيم الوزن.

(3) كلمة «فارسا» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

171

من جاء يطلب منك السّلم قابله‏* * * وجه طليق و لفظ كلّه عسل‏

و من يرد غير ذا تبّا له وردى‏* * * لقد ترفّع في برج له زحل‏

هنّاك ربّك ما أولاك من نعم‏* * * و عشت في عزّة تترى و تتّصل‏

و لا عدمت مدى الأيام منزلة* * * من دونها رفعة في الأبرج الحمل‏

و خذه بعد سلاما عاطرا أرجا* * * يدوم ما دامت الأسحار و الأصل‏

من خادم لعلاكم مخلص لكم‏* * * من حبّكم لا يرى ما عاش ينتقل‏

تقبيل كفّك أعلى ما يؤمّله‏* * * فجد به فشفا الهائم القبل‏

وفاته: في أول عام أربعة و ستين و سبعمائة.

محمد بن محمد بن العراقي‏ (1)

وادي آشي، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: فاضل‏ (2) الأبوة، معروف الصّون و العفّة، بادي الاستقامة، دمث‏ (3) الأخلاق، حسن الأدوات، ينظم و ينثر، و يجيد الخطّ، تولّى أعمالا نبيهة، ثم علقت به الحرفة، فلقي ضغطا و فقد نشبا، و اضطرّ إلى التحول عن وطنه إلى برّ العدوة عام ستة و خمسين و سبعمائة، و تعرّف لهذا العهد أنه تولّى الأشغال بقسنطينيّة (4) الهواء من عمل إفريقية.

شعره: كتب إليّ و قد أبي عملا عرض عليه‏ (5): [الطويل‏]

أ أصمت ألفا ثم أنطق بالخلف‏* * * و أفقد إلفا ثم آنس بالجلف؟

و أمسك دهري ثم أنطق‏ (6) علقما* * * و يمحق بدري ثم ألحق

بالخسف؟

و عزّكم لا كنت بالذّلّ عاملا* * * و لو أنّ ضعفي ينتمي بي‏ (7) إلى

حتف‏ (8)

____________

(1) ترجمة محمد بن محمد بن العراقي في نفح الطيب (ج 8 ص 235) و جاء فيه: «محمد بن محمد العراقي».

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 235) بتصرف.

(3) في النفح: «حسن».

(4) في الأصل: «قسنطينة»، و التصويب من معجم البلدان (ج 4 ص 349)؛ إذ جاء فيه: قسنطينية، بضم القاف و فتح السين: مدينة و قلعة يقال لها قسنطينية الهواء.

(5) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 236).

(6) في النفح: «أفطر».

(7) كلمة «بي» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(8) في النفح: «الحتف».

172

فإن تعملوني في تصرّف عزّة* * * و عدل و إلّا فاحسموا علّة الصّرف‏

بقيت و سحب العطف‏ (1) منكم تظلّني‏* * * و عطف‏

(2) ثنائي‏ (3) دائما ثاني العطف‏

محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه ابن محمد بن عبد اللّه بن فرتون الأنصاري‏

من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، و يعرف بالهنا.

أوليته: ينسب إلى القاضي ببطليوس، قاضي القضاة، (رحمه اللّه). و بمالقة دور تنسب إلى سلفه تدلّ على نباهة، و قد قيل غير ذلك. و النّص الجلي أولى من القياس.

حاله: من «عائد الصلة»: الشيخ الحاج المحدّث صاحب الأشغال بالدار السلطانية. صدر نمطه، و فريد فنّه رجولة و جزالة و اضطلاعا و إدراكا و تجلّدا و صبرا.

نشأ بمالقة معدودا في أهل الطّلب و الخصوصيّة، و رحل إلى الحجاز الشّريف في فتائه، فاستكثر من الرّواية، و أخذ عن أكابر من أهل المشرق و المغرب، حسبما يشهد بذلك برنامجه.

و كان على سنن من السّرو و الحشمة، فذّا في الكفاية، جريّا، مقداما، مهيبا، ظريف الشّارة، فاره المركب، مليح الشّيبة، حسن الحديث، وقّاد الذهن، صابرا على الوظائف، يخلط الخوض في الأمور الدّنيوية بعبادة باهظة، و أوراد ثقيلة، و يجمع ضحك الفاتك و بكاء النّاسك في حالة واحدة، هشّا، مفرط الحدّة، يشرد عليه مجل لسانه في المجالس السلطانية بما تعروه المندمة بسببه، قائما على حفظ القرآن و تجويده و تلاوته، ذا خصال حميدة، صنّاع اليد، مقتدرا على العمليات من نسخ و مقابلة و حساب، معدودا من صدور الوقت و أعلام القطر و رجال الكمال.

مشيخته: أخذ عن الجلّة من أهل بلده كالأستاذ أبي محمد بن أبي السّداد الباهلي؛ لازمه و انتفع به، و الخطيب أبي عثمان بن عيسى؛ أخذ عنه، و الولي أبي عبد اللّه الطّنجالي، و غيرهم مما يطول ذكرهم من العدوة و الأندلس و المشارقة.

____________

(1) في النفح: «العفو».

(2) في النفح: «و حظّ».

(3) في الأصل: «ثناتي» و التصويب من النفح.

173

محنته: لقي نصبا في الخدمة السلطانية، و غضّا من الدهر لبأوه، بتعنّته و عدم مبالاته مرّات، ضيّق لها سجنه، و عرض عليه النّكال، و نيل منه بالإهانة كلّ منال، و أغرم مالا أجحف بمحتجنه، و عرّض للأيدي نفائس كتبه، و على ذلك فلم يذعر سربه، و لا أضعفت النكبة جأشه.

ولادته: ولد عام ثلاثة و سبعين و ستمائة. و مات ميتة حسنة. صلّى الجمعة ظهرا، و قد لزم الفراش. و نفث دم الطاعون، و مات مستقبل القبلة، على أتمّ وجوه التأهب، سابع شوال من عام خمسين و سبعمائة.

محمد بن عبد اللّه بن محمد بن مقاتل‏

من أهل مالقة، يكنى أبا القاسم، أزدي النسب، إشبيلي الأصل، من بيت نزاهة و نباهة.

حاله: كان فاضلا وقورا سمحا، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، حلو النادرة، يكتب و يشعر، طرفا في الانطباع و اللّوذعيّة، آية في خلط الجدّ بالهزل. ولّي الإشراف بمدينة مالقة، و تقلّب في الشهادة المخزنية عمره.

شعره: من شعره يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد اللّه بن الحكيم، (رحمه اللّه):

[الطويل‏]

فؤادي من خطب الزمان سقيم‏* * * و فيه لسهم الحادثات كلوم‏

و لم أشك دائي في البريّة لامرى‏ء* * * أ أشكو به و ابن الحكيم حكيم؟

وفاته: توفي بمالقة يوم الخميس عاشر شهر رمضان من عام تسعة و ثلاثين و سبعمائة.

محمد بن علي بن عبد ربه التجيبي‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عمرو.

حاله: كان راوية ثقة، بارع الأدب، بليغ الكتابة، طيّب النفس، كامل المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، تلبّس بالأعمال السلطانية دهرا، و ولّي إشراف غرناطة و غيرها، إلى أن قعد لشكاية منعته من القيام و التّصرّف فعكف على النّظر، فانتفع به.

مشيخته: كانت له رحلة سمع فيها بالإسكندرية على أبي عبد اللّه بن منصور و غيره، و روى عنه الأخوان سالم و عبد الرحمن، ابنا صالح بن سالم.

174

تواليفه: له اختصار حسن في «أغاني الأصبهاني»، و ردّ جيّد على ابن غرسيّة في رسالته الشّعوبية (1)، لم يقصر فيها عن إجادة.

وفاته: و توفي لسبع خلون من محرم من عام اثنين و ستمائة.

الزّهاد و الصّلحاء و الصّوفية و الفقراء و أولا الأصليون‏

محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد الأنصاري‏ (2)

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالصّنّاع.

حاله: من «عائد الصلة»: الشيخ الصّوفي، الكثير الأتباع، الفذّ الطريقة، المحبّب إلى أهل الثغور من البادية. كان، (رحمه اللّه)، شيخا حسن السّمت، كثير الذّكر و المداومة، يقود من المخشوشنين عدد ربيعة و مضر، يعمل الرّحلة إلى حصونهم، فيتألّفون عليه تألّف النّحل على أمرائها و يعاسيبها، معلنين بالذّكر، مهرولين، يغشون مثواه بأقواتهم على حالها، و يتناغون في التماس القرب منه، و يباشرون العمل في فلاحة كانت له بما يعود عليه بوفر و إعانة. و كان من الصالحين، و على سنن الخيار الفضلاء من المسلمين، و له حظّ من الطّلب و مشاركة، يقوم على ما يحتاج إليه من وظائف دينه، و يتكلم في طريق المتصوّفة على مذهب أبي عبد اللّه السّاحلي شيخه، كلاما جهوريا، قريب الغمر. و كان له طمع في صناعة الكيمياء تهافت على دفاتيرها و أهل منتحليها؛ ليستعين بها بزعم على آماله الخيريّة، فلم يحل بطائل.

مشيخته: قرأ على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزبير، و كانت له في حاله فراسة. حدّثني بذلك شيخنا أبو عبد اللّه بن عبد الولي، (رحمه اللّه). و سلك على الشيخ الصالح أبي عبد اللّه السّاحلي.

وفاته: و توفي ليلة الاثنين السابع من شهر شوال عام تسعة و أربعين و سبعمائة، و كانت جنازته آخذة في الاحتفال، قدم لها العهد، و نفر لها الناس من كل أوب، و جي‏ء بسريره، تلوح عليه العناية، و تحفّه الأتباع المقتاتون من حلّ أموالهم و أيديهم من شيوخ البادية، فتولّوا مواراته، تعلو الأصوات حوله، ببعض أذكاره.

____________

(1) هو أبو عامر أحمد بن غرسية، من أبناء نصارى البشكنس، سبي صغيرا و أدّبه مولاه مجاهد العامري. المغرب (ج 2 ص 406). و قد ذكره ابن بسام و أورد له رسالته الشعوبية، و هي رسالة ذميمة ذمّ فيها العرب، و فخر بقومه العجم. الذخيرة (ق 3 ص 705- 714).

(2) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 160): «محمد بن إبراهيم بن محمد بن غالب الأنصاري ...».

175

محمد بن أحمد الأنصاري‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالموّاق.

حاله: كان معلما لكتاب اللّه تعالى، خطيبا بمسجد ربض الفخّارين، طرفا في الخير و لين العريكة و السذاجة المشفوعة بالاختصار و إيثار الخمول، مستقيما في طريقته، خافتا في خطبته، عاكفا على وظيفته، مقصودا بالتماس الدعاء، مظنّة الصلاح و البركة.

وفاته: توفي بغرناطة قبل سنة خمسين و سبعمائة بيسير، و كلف الناس بقبره بعد موته، فأولوا حجارته من التعظيم و جلب أواني المياه للمداواة، ما لم يولوه معشاره أيام حياته.

محمد بن حسنون الحميري‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه.

حاله: كان فاضلا صالحا، مشهور الولاية و الكرامة، يقصده الناس في الشّدائد، فيسألون بركة دعائه. و من إملاء الشيخ أبي بكر بن عتيق بن مقدّم، قال: أصله من بيّاسة (1)، و كان عمّه من المقرئين المحدّثين بها، و سكن هو مرسية، و نشأ بها، و قرأ على أشياخها، و حفظ «كتاب التحبير» في علم أسماء اللّه الحسنى للإمام أبي القاسم القشيري، ثم انتقل إلى غرناطة، فسكن فيها بالقصبة القديمة، و أمّ الناس في المسجد المنسوب إليه الآن. و كان يعمل بيده في الحلفا، و يتقوت من ذلك.

وفاته: توفي عام خمسة و سبعمائة بغرناطة، و هو من عدد الزّهّاد.

و من مناقبه: ذكروا أنه سمع يوما بعض الصّبيان يقول لصبي آخر: مرّ للحبس، فقال: أنا المخاطب بهذا، فانصرف إلى السّجن، فدخله، و قعد مع أهله، و بلغ ذلك السلطان، فوجّه وزيره، فأخرجه، و أخرج معه أهل السجن كلّهم، و كانت من كراماته.

محمد بن محمد البكري‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن الحاج.

____________

(1) بياسة: بالإسبانيةbaeza ، و هي مدينة تبعد عن جيان عشرين ميلا. الروض المعطار (ص 121).

176

كان، (رحمه اللّه)، شيخا صالحا، جهوريّا، بعيدا عن المصانعة، متساوي الظاهر و الباطن، مغلظا لأهل الدّنيا، شديدا عليهم، غير مبال في اللّه بغيره، يلبس خرقة الصّوفية من غير التزام لاصطلاح، و لا منقاد لرقو، و لا مؤثر لسماع، مشاركا للناس، ناصحا لهم، ساعيا في حوائجهم. خدم الصالح الكبير أبا العباس بن مكنون، و سلك به، و كان من بيت القيادة و التّجنّد، فرفض زيّه، و لبس المسوح و الأسمال. و كان ذا حظّ من المعرفة، يتكلم للناس. قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: سمعته ينشد في بعض مجالسه: [الرجز]

يا غاديا في غفلة و رائحا* * * إلى متى تستحسن القبائحا؟

و كم إلى كم لا تخاف موقفا* * * يستنطق اللّه به الجوارحا؟

يا عجبا منك و أنت مبصر* * * كيف تجنّب‏ (1) الطريق الواضحا؟

كيف تكون حين تقرا (2) في غد* * * صحيفة قد ملئت فضائحا؟

أم كيف ترضى أن تكون خاسرا* * * يوم يفوز من يكون رابحا؟

و لمّا حاصر الطّاغية مدينة ألمريّة (3) و أشرفت على التلف، تبرّع بالخروج منها و لحاقه بباب السلطان؛ لبثّ حالها، و استنفار المسلمين إلى نصرها، فيسّر له من ستر غرضه، و تسهيل قصده، ما يشهد بولايته.

وفاته: توفي بألمريّة محلّ سكناه، في حدود عام خمسة عشر و سبعمائة.

محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري‏

غرناطي، قيجاطي‏ (4) الأصل، يعرف بالسّواس.

قال في «المؤتمن» (5) في حاله: رجل متطبّب، سهل الخلق، حسن اللقاء، رحل من بلده، و حجّ، و فاوض بالمشرق الأطباء في طريقته، و عاد فتصدّر للطب، ثم عاد إلى بلاد المشرق. قلت: و عظم صيته، و شهر فضله، و قدّم أمينا على أحباس‏

____________

(1) في الأصل: «تجتنب» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «تقرأ» و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا الهمزة.

(3) المراد بالطاغية صاحب برجلونة، إذ حاصر في غرة ربيع الأول من عام 709 ه مدينة ألمرية و أخذ بمخنقها، و وقعت على جيش أمير المسلمين نصر بن محمد بن نصر، صاحب غرناطة، وقعة كبيرة، ثم رفع الحصار. اللمحة البدرية (ص 75).

(4) نسبة إلى قيجاطةquesada ، و هي مدينة بالأندلس من عمل جيان، تقع على ثلاثين كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي من أبدة. الروض المعطار (ص 488).

(5) هو كتاب «المؤتمن على أنباء أبناء الزمن» لأبي البركات محمد بن محمد بن عياش البلفيقي.

177

مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، بالمدينة الطّاهرة و صدقاته، و ذكر عنه أنه اضطرّه أمر إلى أن خصى نفسه، و سقطت لذلك لحيته.

قال شيخنا أبو البركات: أنشدنا بدكّانه برحبة المسجد الأعظم، من حضرة غرناطة، قال: أنشدنا أبو عبد اللّه المرّاكشي بالإسكندرية، قال: أنشدنا مالك بن المرحّل لنفسه:

أرى الكلاب بشتم الناس قد ظلمت‏* * * و الكلب أحفظ مخلوق لإحسان‏

فإن غضبت على شخص لتشتمه‏* * * فقل له: أنت إنسان ابن إنسان‏

وفاته: كان حيّا عام خمسين و سبعمائة فيما أظن.

و من الطّارئين عليها في هذا الاسم‏

محمد بن أحمد بن جعفر بن عبد الحق بن محمد بن جعفر ابن محمد بن أحمد بن مروان بن الحسن بن نصر بن نزار ابن عمرو بن زيد بن عامر بن نصر بن حقاف السلمي‏

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن جعفر، و يشهر في الأخير بالقونجي، منسوبا إلى قرية (1) بالإقليم، و كان من أهل غرناطة.

حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات بن الحاج: كان هذا الرجل رجلا صالحا فاضلا متخلّقا، سمحا، جميل اللقاء على قدم الإيثار على رقة حاله، ممّن وضع اللّه له القبول في قلوب عباده، فكانت الخاصّة تبرّه و لا تنتقده، و العامة تودّه و تعتقده، و تترادف على زيارته، فئة بعد فئة، فلا تنقلب عنه إلّا راضية، و كان جاريا على طريقة الشيخ أبي الحسن الشّاذلي، إذ كان قد لقي بالمشرق الشيخ الإمام تاج الدين بن عطاء اللّه، و لازمه و انتفع به، كما لقي و لازم تاج الدين أبا العباس المرسي، كما لازم أبو العباس أبا الحسن الشاذلي. قال: و لقيه بعد هذا الشيخ أبي عبد اللّه جماعات في أقطار شتّى، ينتسبون إليه، و يجرون من ملازمته الأذكار في أوقات معينة على طريقته، و له رسائل منه إليهم طوال و قصار، يوصيهم فيها بمكارم الأخلاق، و ملازمة الوظائف، و خرج عنه إليهم على طريقة التّدوين كتاب سمّاه ب «الأنوار في المخاطبات و الأسرار» مضمنه جملة من كلام شيخهم تاج الدين،

____________

(1) هي قرية قنجة، كما سيتبيّن بعد قليل.

178

و كلام أبي الحسن الشاذلي، و مخاطبات خوطب بها في سرّه، و كلام صاحبه أبي بكر الرّندي، و حقائق الطريق، و بعض كرامات غير من ذكر من الأولياء، و ذكر الموت، و بعض فضائل القرآن.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسن البلّوطي و أجازه، و على أبي الحسن بن فضيلة و أجازه كذلك، و على أبي جعفر بن الزبير و أجازه، ثم رحل فحجّ و دخل الشام، و عاش مدّة من حراسة البساتين، و اعتنى بلقاء المعروفين بالزّهد و العبادة، و كان مليّا بأخبار من لقي منهم، فمنهم الشيخ أبو الفضل تاج الدين بن عطاء اللّه، و صاحبه أبو بكر بن محمد الرندي.

مناقبه: قال: دخلت معه إلى من خفّ على قلبي الوصول إلى منزله لمّا قدم ألمريّة، و هو رجل يعرف بالحاج رحيب، كان من أهل العافية، و رقّت حاله، و لم يكن ذلك يظهر عليه؛ لمحافظته على ستر ذلك لعلوّ همّته، و لم يكن أيضا أثر ذلك يظهر على منزله، بل أثاث العافية باق فيه من فرش و ماعون. فساعة وصول هذا الشيخ، قال: اللّه يجبر حالك، فحسبتها فراسة من هذا الشيخ. قال: و خاطبته عند لقائي إياه بهذه الأبيات: [البسيط]

أشكو إليك بقلب لست أملكه‏* * * ما لم يرد من سبيل فهو يسلكه‏

له تعاقب أهواء فيقلقه‏* * * هذا و يأخذه هذا و يتركه‏

طورا يؤمّنه طورا يخوّفه‏* * * طورا ييقّنه طورا يشكّكه‏

حينا يوحّشه حينا يؤنّسه‏* * * حينا يسكّنه حينا يحرّكه‏

عسى الذي يمسك السّبع الطّباق على‏* * * يديك يا مطلع الأنوار يمسكه‏

فيه سقام من الدنيا و زخرفها* * * مهما أبيّضه بالذكر تشركه‏

عسى الذي شأنه السّتر الجميل كما* * * غطّى عليه زمانا ليس يهتكه‏

فلما قرأ منها: «فيه سقام من الدنيا و زخرفها»، قال: هذه علّتي.

مولده: سألته عنه، فقال لي: عام ثمانية و ستين بقرية الجيط من قرى الإقليم.

وفاته: بقرية قنجة خطيبا بها، يوم الاثنين عشرين من شهر شعبان المكرم عام خمسين و سبعمائة، في الوباء العام، و دفن بقرية قنجة، رحمة اللّه عليه و رضوانه.

179

محمد بن أحمد بن حسين بن يحيى بن الحسين ابن محمد بن أحمد بن صفوان القيسي‏ (1)

و بيته شهير بمالقة، يكنى أبا الطاهر، و يعرف بابن صفوان.

حاله: كان مفتوحا عليه في طريق القوم، ملهما لرموزهم، مصنوعا له في ذلك، مع المحافظة على السّنة و العمل بها آخر الرّعيل، و كوكب السّحر، و فذلكة الحساب ببلده، اقتداء و تخلّقا و خشوعا و صلاحا و عبادة و نصحا. رحل فحجّ، و قفل إلى بلده، مؤثرا الاقتصار على ما لديه، فإذا تكلّم في شي‏ء من تلك النّحلة، يأتي بالعجائب، و يفكّ كل غامض من الإشارات. و عني بالجزء المنسوب إلى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الروبي المسمّى ب «منازل السّاري إلى اللّه» فقام على تدريسه، و اضطلع بأعبائه، و قيّد عليه ما لا يدركه إلّا أولو العناية، و لازمه الجملة من أولي الفضل و الصلاح، فانتفعوا به، و كانوا في الناس قدوة. و ولي الخطابة بالمسجد الجامع من الرّبض الشّرقي، و به كان يقعد، فيقصده الناس، و يتبركون به، و كان له مشاركة في الفقه، و قيام على كتاب اللّه.

تواليفه: ألّف بإشارة السلطان على عهده، أمير المسلمين أبي الحجاج‏ (2)، (رحمه اللّه)، كتابا في التّصوّف و الكلام على اصطلاح القوم، كتب عليه شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب بظهره، لما وقع عليه، هذه الأبيات: [الكامل‏]

أيام مولاي الخليفة يوسف‏* * * جاءت بهذا العالم المتصوّف‏

فكفى بما أسدى من الحكم التي‏* * * أبدين من سرّ الطريقة ما خفي‏ (3)

و حقائق رفع الحجاب بهنّ عن‏* * * نور الجمال فلاح غير مكيّف‏

كالشمس لكن هذه أبدى سنا* * * للحسن و المعنى لعين المنصف‏

فيه حياة قلوبنا و دواؤها* * * فمن استغاث بجرعة منها شفي‏ (4)

إن ابن صفوان إمام هداية* * * صافي فصوفي فهو صوفيّ صفي‏ (5)

و إن اختبرت فإنه صفو ابن صف* * * و ظاهر في طيّه صفو خفي‏ (6)

____________

(1) ترجمة ابن صفوان القيسي في الكتيبة الكامنة (ص 54).

(2) هو يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل، سابع سلاطين بني نصر بغرناطة، و قد حكم من سنة 733 ه إلى سنة 755 ه. اللمحة البدرية (ص 102).

(3) في الأصل: «ما خف» بدون ياء.

(4) في الأصل: «شف» بدون ياء.

(5) في الأصل: «صف» بدون ياء.

(6) في الأصل: «خف» بدون ياء.

180

علم توارثه و حال قد خلت‏* * * ذوقا فنعم المقتدى و المقتفي‏ (1)

فليهنك المولى سعود إيالة* * * فيها سراج نوره لا ينطفي‏ (2)

جلّى وجوه شريعة و حقيقة* * * صبحا سناه باهر لا يختفي‏ (3)

لا زلت تسلك كل نهج واضح‏* * * منها و تحيي كل سعي مزلف‏

و من تواليفه: «جرّ الحرّ» في التوحيد، و علّق على الجزء المنسوب لأبي إسماعيل الهروي.

من أخذ عنه: أخذ عنه ببلده و تبرّك به جلّة، و كان يحضر مجلسه عالم، منهم شيخ الشيوخ الأعلام أبو القاسم الكسكلان، و أبو الحسين الكوّاب، و الأستاذ الصالح أبو عبد اللّه القطان، و صهره الأستاذ أبو عبد اللّه بن قرال، و العاقد الناسك أبو الحسين الأحمر و غيرهم.

شعره: رأيت من الشعر المنسوب إليه، و قد رواه عنه جماعة من أصحابنا، يذيّل قول أبي زيد (4)، رضي اللّه عنه‏ (5): [الطويل‏]

رأيتك يدنيني‏ (6) إليك تباعدي‏ (7)* * * فأبعدت نفسي

لابتغاء التقرّب‏ (8)

فقال: [الطويل‏]

هربت‏ (9) به مني إليه فلم يكن‏* * * بي البعد في بعدي فصحّ به قربي‏

(10)

فكان به سمعي كما بصري به‏* * * و كان به لا بي‏ (11) لساني مع

القلب‏

فقربي به قرب بغير تباعد* * * و قربي في بعدي فلا شي‏ء من قربي‏

(12)

____________

(1) في الأصل: «و المقتف» بدون ياء.

(2) في الأصل: «لا ينطف» بدون ياء.

(3) في الأصل: «لا يختف» بدون ياء.

(4) في الكتيبة الكامنة (ص 54): «أبي يزيد».

(5) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 54- 55).

(6) في الأصل: «تدنيني» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(7) في الأصل: «تباعدني» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(8) في الكتيبة: «و ابتغائي من القرب».

(9) في الأصل: «هويت بدمني ...» و كذا لا يستقيم المعنى و لا الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(10) في الأصل: «قرب» بدون ياء، و التصويب من الكتيبة.

(11) في الأصل: «و كان به لأي» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(12) في الأصل: «قرب» بدون ياء.

181

وفاته: سافر من بلده إلى غرناطة في بعض وجهاته إليها، و ذهب سحرا يرتاد ماء لوضوئه، فتردى في حفرة تردّيا أوهن قواه، و ذلك بخارج بلّش‏ (1)، فردّ إلى مالقة، فكانت بها وفاته قبل الفجر من ليلة يوم الجمعة الرابع عشر لشعبان عام تسعة و أربعين و سبعمائة.

محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري‏ (2)

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالسّاحلي.

حاله: من «عائد الصلة»: المثل السائر في عمران أوقاته كلها بالعبادة، و صبره على المجاهدة. قطع عمره في التّبتّل و التّهجّد، لا يفتر لسانه عن ذكر اللّه و الصلاة على نبيّه، (صلى اللّه عليه و سلم). خرج عن متروك والده، و اقتصر على التّعيّش من حرفة الخياطة. ثم تعدّاها إلى النّسخ و التّعليم، و سلك على الشيخ أبي القاسم المريد، نفع اللّه به، حتى ظهرت عليه سيما الصالحين، و أقام عمره مستوعبا ضروب الخير، و أنواع القرب من صوم و أذان و ذكر و نسخ و قراءة و ملازمة خلوة، ذا حظّ من الفصاحة، و جرأة على الوعظ في صوت جهير و عارضة صليبة. اقتدى به طوائف من أصناف الناس على تباعد الدّيار، و ألزمهم الأذكار، و حوّلهم للسلوك، فأصبح كثير الأتباع، بعيد الصّيت.

و ولّي الخطابة بالمسجد الجامع من بلده، و نقل إلى الخطابة بجامع غرناطة في نبوة عرضت له بسبب ذنابى ذرّية طرقوا الكدر إلى سربه، ثم عاد إلى بلده متين ظهر الحظوة، وثيق أساس المبرّة.

مشيخته: قرأ ببلده مالقة على الخطيب أبي محمد بن عبد العظيم بن الشيخ، و أبي عبد اللّه بن لب، و أبي جعفر الحرّار، و أبي عبد اللّه بن الحلو، و الخطيب أبي عبد اللّه بن الأعور.

محنته: ابتلي بعد السبعين من عمره بفقد بصره، فظهر منه من الصبر و الشكر و الرّضا بقضاء اللّه ما يظهر من مثله. و أخبرني بعض أصحابه أنه كان يقول: سألت اللّه أن يكفّ بصري خوفا من الفتنة. و في هذا الخبر نظر لمكان المعارضة في أمره، (صلى اللّه عليه و سلم)، بسؤال العافية و الإمتاع بالإسماع و الإبصار.

____________

(1) هي بلّش مالقةvelez malaga ، و قد ذكرها ياقوت مكتفيا بالقول: «بلّش، بالفتح و تشديد اللام و الشين معجمة: بلد بالأندلس ينسب إليه يوسف بن جبارة البلشي». معجم البلدان (ج 1 484).

(2) ترجمة محمد بن أحمد الأنصاري الساحلي في نيل الابتهاج (ص 230) و الكتيبة الكامنة (ص 45).

182

شهرته: و جعل اللّه له في قلوب كثير من الخلق، الملوك فمن دونهم، من تعظيمه ما لا شي‏ء فوقه، حتى أن الشيخ المعمر الحجّة الرّحلة أبا علي ناصر الدين المشدالي كتب إليه من بجاية بما نصه: يا أيها العزيز، مسّنا و أهلنا الضّر، و جئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل، و تصدّق علينا، إن اللّه يجزي المتصدّقين. و بعده:

من العبد الأصغر و المحبّ الأكبر فلان، إلى سيّد العارفين، و إمام المحققين، في ألفاظ تناسب هذا المعنى.

حدّثني شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، و كان من أعلام تلاميذه، و صدور السالكين على يديه، قال: قصدت منه خلوة، فقلت: يا سيدي، أصحابنا يزعمون أنك ترى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأخبرني و اشف صدري، هل هذه الرؤيا عينيّة أو قلبية؟

قال: فأفكر ساعة، ثم قال: عندي شك في رؤية ابن الجيّاب الساعة و محادثته، فقلت: لا، فقال: كذلك الحال، قلت: و هذا أمر غريب، و لا يصح إلّا رؤية القلب، و لكن غلبت عليه حتى تخيّل في الحسّ الصورة الكريمة، إذ وجود جوهر واحد في محلّين اثنين محال.

شعره: نظم الكثير من شعر منحطّ لا يصلح للكتب و لا للرّواية، ابتلي به، (رحمه اللّه)، فمن لبابه قوله، و هو من الوسط (1): [الكامل‏]

إن كنت تأمل‏ (2) أن تنال وصالهم‏* * * فامح الهوى في القيل و الأفعال‏

و اصبر على مرّ الدواء فإنه‏* * * يأتيك بعد بخالص السّلسال‏

تواليفه: ألّف كتابا سمّاه «إعلان الحجّة، في بيان رسوم المحجّة».

وفاته: توفي يوم الجمعة الرابع و العشرين لشوال عام خمسة و ثلاثين و سبعمائة، و كانت جنازته مشهودة، تزاحم الناس على نعشه، و تناولوه تمزيقا على عادتهم من ارتكاب القحة الباردة في مسلاخ حسن الظّن.

محمد بن أحمد بن قاسم الأمي‏

من أهل مالقة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بالقطّان، الفقيه الأوّاب المتكلم المجتهد.

حاله: من «العائد»: كان هذا الرجل غريب المنزع، عجيب التّصوّف. قرأ و عقد الشروط، و تصدّر للعدالة، ثم تجرّد، و صدق في معاملته للّه، و عوّل عليه،

____________

(1) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 45).

(2) في الكتيبة: «تطلب».

183

و اضطلع بشروط التّوبة، فتحلّل من أهل بلده، و استفاد و استرحم، و استغفر، و نفض يديه من الدّنيا، و التزم عبادة كبيرة، فأصبح يشار إليه في الزّهد و الورع، لا تراه إلّا متبسّما، ملازما لذكر اللّه، متواضعا لأصاغر عباده، محبّا في الضّعفاء و المساكين، جميل التّخلّق، مغضيا عن الهنات، صابرا على الإفادة. و جلس للجمهور بمجلس مالقة، يتكلم في فنون من العلم، يعظ الناس، و يرشدهم، و يزهّدهم، و يحملهم على الإيثار، في أسلوب من الاستنفار و الاسترسال و الدلالة و الفصاحة و الحفظ، كثير التأثير في القلوب، يخبر بإلهام و إعانة، فمال الخلق إليه، و تزاحموا على مجلسه، و أعلنوا بالتّوبة، و بادر مترفوهم إلى الإقلاع عن إجابة الشهوات، و الاستقالة من الزّلّات، و دهم الوباء، فبذلوا من الأموال في أبواب البرّ و الصّدقة، ما لا يأخذه الحصر و لا يدركه الإحصاء، و لو لا أن الأجل طرقه، لعظم صيته، و انتشر نفعه.

وفاته: توفي شهيد الطّاعون عصر يوم الأربعاء الرابع لصفر من عام خمسين و سبعمائة، و دفن بجبانة جبل فاره‏ (1)، ضحى يوم الخميس الثاني من يوم وفاته، و صلّى عليه خارج باب قنتنالة، و ألحده في قبره الخطيب القاضي الصالح أبو عبد اللّه الطّنجالي، رحم اللّه جميعهم.

و ممّن رثاه الشيخ الأديب أبو الحسن الورّاد فقال: [الطويل‏]

أبعد وليّ اللّه دمعي يسجم‏* * * و غمار قلبي من كلوم تترجم؟

فؤادي مكلوم بحزني لفقده‏* * * لذاك جفوني دمعها كلّه دم‏

و ما ذا عسى يغني التفجّع و البكا* * * و ما ذا عسى يجدي الأسى و التّبرّم؟

سأصبر للبلوى و إن جلّ خطبها* * * فصبر الفتى عند الشّدائد يعلم‏

كذا العلم بالسيف الصّقيل لدى الوغى‏* * * فويق الذي من حسنه لا يوسّم‏

(2)

على قدر صبر المرء تصغر عنده‏* * * خطوب من الدنيا على الناس تعظم‏

ألا إنها الدّنيا تعلّة باطل‏* * * و محمض‏ (3) أحلام لمن بات يحلم‏

تجنّبها أهل العقول فأقصروا* * * و أغرق فيها الجاهلون و أشأموا (4)

____________

(1) جبل فاره: بالإسبانيةgibralfaro ، يعلو مدينة مالقة. نزهة المشتاق (ص 570).

(2) كلمة «لا» ساقطة في الأصل.

(3) في الأصل: «و مخمضة» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «و أشأم».

184

أعد نظرا فيها تجبك براحة* * * و إنس‏ (1) بما تقضي عليك و تحكم‏

أعدّ لها درياق صبرك إنها* * * من البؤس و التّلوين و اللّه أرقم‏

تلفّت إلى تعذيبها لمحبّها* * * و ما ذا بها يلقى كئيب و مغرم‏

يظنّ بها ريحانة و هي سدرة* * * و لا منتهى إلّا الرّدى و التّندم‏

عجبت لها تخفى علينا عيوبها* * * و ذاك لأنّا في الحقيقة نوّم‏

أليس عجيبا أن يعوّل عاقل‏* * * على عاجل من وصلها يتصرّم؟

و ما وصلها معشار عشر صدورها* * * و لكنه صرف و للدّهر (2)

أدوم‏

إذا ابتسمت يوما ترقّب عبوسها* * * فما إن لنا منها يدوم التّبسّم‏

ضحى كان وجه الدّهر سبر بشرّه‏* * * فلم يمس حتى بان منه التّجهّم‏

ذرينا بعقد من وليّ مكانه‏* * * مكين لدى العلياء سام معظّم‏

هوى مثل ما هوى من الأفق كوكب‏* * * فجلّلنا ليل من الخطب مظلم‏

تساوى لديه صيدها و عبيدها* * * و عالمها النّحرير و المتعلّم‏

هو الموت لا ينفكّ للخلق طالبا* * * يروح و يغدو كلّ حين عليهم‏

و ما هو إلّا الدّاء عزّ دواؤه‏* * * فليس لشي‏ء في البسيطة يحسم‏

دها كل مخلوق فما منه سيّد* * * له الجاه عند اللّه ينجو و يسلم‏ (3)

و لو كان ذا كان النّبيّ محمد* * * تجنّبه، صلّوا عليه و سلّموا (4)

تعنّى به موسى و يوسف قبله‏* * * و نوح و إدريس و شيث و آدم‏

به باد بهرام و تبّر بهرم‏* * * و كسّر من كسرى سوار و معصم‏

و كم من عظيم الشّأن حلّ بربعه‏* * * فإن تختبره فهو ربّ و أعظم‏

و لكنّنا ننسى و نأبى حديثه‏* * * و ننجد في الإعراض عنه و نتهم‏

فحتّى إذا حلّ ساحة ماجد* * * نطلّ بها من حسرة نتكلّم‏

نسينا حديث الموت جهلا بغدره‏* * * فألهمنا إذ هزّنا منه ملهم‏

وفاة و رميّ في التّراب موسّد* * * و آثاره فوق السّماك تخيّم‏

خبا ضوء ناديّ فأقفر (5) ربعه‏* * * من العلم و التّعليم ربع و معلم‏

____________

(1) في الأصل: «و أنس»، و كذا ينكسر الوزن، لذا جعلنا همزة الوصل همزة قطع.

(2) في الأصل: «للدهر» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «فسلّم».

(4) في الأصل: «و سلّم».

(5) في الأصل: «أقفر» و كذا ينكسر الوزن.

185

تردّى فأردى فقده أهل ريّة (1)* * * فما منهم إلّا كئيب و مغرم‏

غدا أهلها من فجعة بمصابه‏* * * و عيشهم صاب قطيع و علقم‏

و هل كان إلّا والد مات عنهم؟* * * فيا من لقوم يتّموا حين أيّموا (2)

قضى نحبه الأستاذ واحد عصره‏* * * فكاد الأسى يقضي إلى الكلّ منهم‏

قضى نحبه القطّان فالحزن قاطن‏* * * مقيم بأحناء الضّلوع محكّم‏

و هل كان إلّا روضة رفّ ظلّها* * * أتيح له قيظ من الجون صيلم؟

و هل كان إلّا رحمة عاد فقدها* * * علامة فقد العلم و اللّه أعلم؟

سل التّائبين العاكفين على الهدى‏* * * لكم منّة أسدى و أهدى إليهم‏

أفادهم من كلّ علم لبابه‏* * * و فهّمهم أسراره فتفهّموا (3)

جزى اللّه ربّ الناس خير جزائه‏* * * دليلا بهم نحو الهدى حيث يمّموا

(4)

أبان لهم طرق الرّشاد فأقدموا* * * و حذّرهم عن كل غيّ فأحجموا (5)

و جاء من التّعليم للخير كله‏* * * بأبين من يأتي به من يعلّم‏

فصاحة ألفاظ و حسن عبارة* * * مضيّ كما يمضي الحسام المصمّم‏

يصيب فلا يخطي إذا مقصدا* * * و من‏ (6) يجيب فلا يبطي و لا يتلعثم‏

يحدّث في الآفاق شرقا و مغربا* * * فأخباره أضحت تخطّ و ترسم‏

سرى في الورى ذكر له و مدائح‏* * * يكاد بها طير العلى يترنّم‏

لعمرك ما يأتي الزمان بمثله‏* * * و ما ضرّني لو كنت بالله أقسم‏

فقيه نزيه زاهد متواضع‏* * * رؤوف عطوف مشفق مترحّم‏

يودّ لو أنّ الناس أثرى جميعهم‏* * * فلم يبق مسكين و لم يبق معدم‏

يودّ لو أنّ اللّه تاب على الورى‏* * * فتابوا فما يبقى من الكلّ مجرم‏

عليه من الرّحمن أوسع رحمة* * * فقد كان فينا الدّهر يحنو و يرحم‏

____________

(1) ريّه‏reyo : كورة من كور الأندلس في قبلي قرطبة. الروض المعطار (ص 279).

(2) في الأصل: «حين أو يتّم» و كذا لا يستقيم المعنى و لا الوزن. و أيّم الرجل أو المرأة: قتل زوجه أو جعله أيّما. محيط المحيط (أيم).

(3) في الأصل: «فتفهّم».

(4) في الأصل: «يمّم».

(5) في الأصل: «فأحجم».

(6) في الأصل: «و لمن» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

186

محمد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن عمر بن يوسف بن علي ابن خالد بن عبد الرحمن بن حميد الهاشمي الطّنجالي‏ (1)

لوشي‏ (2) الأصل، مالقي النشأة و الاستيطان.

أوليته: بيتهم نبيه إلى هاشميّة النّبه، و هم ببلدنا لوشة أشراف، و كانت لهم فيها ثروة و ثورة اجتثّها الدهر ببعض طوارقه في أبواب المغالبات. و يمتّ سلفنا إليهم بصحبة و مصاهرة في حديث يستدعي طولا، و انتقل خلفهم إلى مالقة.

حاله: من «عائد الصلة»: كان هذا الولي الفاضل، المجمع على ولايته و فضله، سهل اللقاء، رفيقا بالخلق، عطوفا على الضعفاء، سالكا سنن الصّالح من السّلف سمتا و هديا، بصره مغضوض، و لسانه صامت إلّا من ذكر اللّه، و علمه نافع، و ثوبه خشن، و طعمته قد نفدها الورع الشّديد حتى اصطفاها مختارة، إذا أبصرت بها العين، سبقتها العبرة. بلغ من الخلق الملوك فمن دونهم الغاية، فكان يلجأ إليه المضطرّ، و تمدّ إلى عنايته الأيدي، و تحطّ بفنائه الوسائل، فلا يرتفع عن كلف الناس و لا حوائجهم، و لا ينقبض عن الشّفاعة لهم، و إصلاح ذات بينهم؛ له في ذلك كلّه أخبار طريفة. و استعمل في السّفارة بين ملكي العدوة و الأندلس في أحوال المسلمين، فما فارق هيئته، و ركوب حماره و استصحاب زاده، و ليس الخشن من ثوبه. و كان له حظّ رغيب من فقه و حديث، و تفسير، و فريضة. ولّي الخطابة ببلده مالقة، و استسقى في المحول، فسقي الناس.

حدّثني بعض أشياخنا، قال: حضرت مقامه مستسقيا، و قد امتنع الغيث، و قحط الناس، فما زاد عند قيامنا أن قال: أستغفر اللّه، فضجّ الخلق بالبكاء و العجيج، و لم يبرحوا حتى سقوا. و كراماته كثيرة، ذائعة من غير خلاف و لا نزاع.

حدّث بعض أشياخنا عن الخطيب الصّالح أبي جعفر الزيات، قال: رأيت في النّوم قائلا يقول: فقد اللّيلة من يعمر بيت الإخلاص بالأندلس، فما انتصف النهار من تلك الليلة حتى ورد الخبر بموته.

____________

(1) له حفيد يحمل اسمه، ترجم له أبو الحسن النباهي و المقري؛ هو القاضي أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف الهاشمي الطنجالي، ولي قضاء بلده مالقة صدر عام 750 ه. تاريخ قضاة الأندلس (ص 193) و نفح الطيب (ج 7 ص 364).

(2) نسبة إلى لوشه‏Loja ، و هي مدينة من إقليم إلبيرة، بينها بين إلبيرة ثلاثون ميلا. الروض المعطار (ص 513).

187

مشيخته: من شيوخه الذين قرأ عليهم و أسند إليهم الرواية والده، (رحمه اللّه)، و أبو عمرو بن حوط اللّه، و الخطيب ابن أبي ريحانة المربلّي، و القاضي أبو علي بن أبي الأحوص، و الراوية أبو الوليد بن العطار، و الراوية المحدّث أبو بكر بن مشليون، و المقرئ أبو عبد اللّه بن مستقور الطائي، و الأستاذ أبو جعفر الطبّاع، و أبو الحسين بن أبي الربيع، و المحدّث أبو عبد اللّه بن عيّاش، و الأستاذ أبو الحسن السّفّاج الرّندي، و الخطيب بألمريّة أبو الحسن الغزّال. و قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير.

و أجازه من أهل المشرق جماعة منهم أبو عبد اللّه بن رزيق الشافعي، و العباس أحمد بن عبد اللّه بن محمد الطبري، و أبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن عبد الوهاب بن أبي البركات، المعروف بالنجام، و الحسن بن هبة اللّه بن عساكر، و إبراهيم بن محمد الطّبري، إمام الخليل، و محمد بن محمد بن أحمد بن عبد ربه الطّبري، و محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، و أبو الفتح تقيّ الدين بن أبي الحسن فخر الدين، و عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر الطبري المكيّ الشّافعي و غيرهم.

ميلاده: بمالقة في رجب سنة أربعين و ستمائة.

وفاته: بمالقة في يوم الخميس الثامن لجمادى الأولى من عام أربعة و عشرين و سبعمائة، و قد ناهز الثمانين سنة، لم ينتقص شي‏ء من أعماله المقرّبة إلى اللّه، من الصوم و الصلاة، و حضور الجماعات، و ملازمة الإقراء و الرّواية، و الصبر على الإفادة.

حدّث من يوثق به أنّ ولده الفقيه أبا بكر دخل عليه، و هو في حال النّزع، و المنيّة تحشرج في صدره، فقال: يا والدي، أوصني، فقال: و عيناه تدمعان: يا ولدي، اتّق اللّه حيث كنت و اتبع السّيئة بالحسنة تمحها، و خالق الناس بخلق حسن.

محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم البلفيقي‏ (1) ابن الحاج‏

والد شيخنا أبي البركات. و قد مرّ في ذكر النّسب المتّصل بعباس بن مرداس، و الأوّليّة النّبيهة ما يغني عن الإعادة.

____________

(1) نسبة إلى بلفيق‏vellefique ، و هي بلدة تابعة لمدينة ألمرية. الإحاطة (ج 3 ص 348) بتحقيق عنان.

188

حاله: من خطّ ولده شيخنا على الاختصار، قال يخاطبني في بعض ما كتب به إليّ: ذكر أبي، و هو ممن طلبتم ذكره إلي في أخباره جزءا من نحو سبعين ورقة في المقسوم، لخّصت لك من مبيّضته ما يذكر:

نشأ، (رحمه اللّه)، بسبتة على طهارة تامة، و عفّة بالغة و صون ظاهر، كان بذلك علما لشبّان مكتبه. قرأ القرآن بالقراءات السّبع، و حفظ ما يذكر من المبادى‏ء، و اتّسم بالطلب. ثم تاقت نفسه إلى الاعتلاق بالعروة الوثقى التي اعتلق بها سلفه، فنبذ الدّنيا، و أقبل على الآخرة، و جرى على سنن المتّقين، آخذا بالأشدّ من ذلك و الأقوى، طامحا بهمّته إلى أقصى ما يؤمّله السّالكون، فرفض زي الطّلبة، و لبس الخشنية، و ترك ملابسة الخلق بالجملة، و بالغ في الانقباض عنهم، و انقطع إلى اللّه برباطات سبتة و جبالها، و خصوصا بمينائها، و عكف على ذلك سنين، ثم سافر إلى المغرب، سائحا في الأرض، على زي الفقهاء للقاء العبّاد و أهل العلم، فأحرز من ذلك ما شاء. ثم أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس، و ورد ألمريّة، مستقرّ سلفه، و أخذ في إيثار بقايا أملاك بقيت لأسلافه بها، على ما كان عليه من التّبتّل و الإخبات. و كان على ما تلقينا من أصحابه و خدّانه، صوّاما، قوّاما، خاشعا، ذاكرا، تاليا، قوّالا للحق، و إن كان مرّا كبيرا في إسقاط التّصنّع و المباهاة، لا يضاهى في ذلك، و لا يشقّ غباره. و قدم على غرناطة، و دخل على أمير المسلمين، و قال له الوزير: يقول لك السلطان ما حاجتك؟ فقال: بهذا الرسم رحلت، ثم ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله، فعار على من انتسب إليه أن يقصد غيره. ثم أجاز البحر و قد اشتدّت أحوال أهل الأندلس بسبب عدوّهم، و قدم على ملكه، و وعظه موعظة أعنف عليه فيها، فانفعل لموعظته، و أجاز البحر بسببه إلى جزيرة الأندلس، و غزا بها، و أقام بها ما شاء اللّه، و تأدب الروم لو تمّ المراد، قال: و أخبره السلطان أبو يوسف ملك المغرب، قال: كل رجل صالح دخل عليّ كانت يده ترعد في يدي، إلّا هذا الرجل، فإن يدي كانت ترعد في يده عند مصافحته.

كراماته: و جلب له كرامات عدّة، فقال في بعضها: و من ذلك ما حدّثني الشيخ المعلم الثّقة أبو محمد قاسم الحصّار، و كان من الملازمين له، المنقطعين إلى خدمته، و السّفر معه إلى البادية، فقال: إني لأحفظ لأبيك أشياء من الأحوال العظيمة، منها ما أذكره، و منها ما لا أستطيع ذكره. ثم قال: حدّثني أهل وادي الزّرجون، و هو حشّ‏ (1) من أعمال سبتة، قالوا: انصرف السيد أبو عبد اللّه من هنا، هذا لفظه، فلما استقرّ في‏

____________

(1) الحش: البستان. محيط المحيط (حشش).

189

رأس العقبة المشرفة على الوادي، صاح عليه أهل القرى، إذ كانوا قد رأوا أسدا كبيرا جدا قد تعرّض في الطريق، ما نجا قط من صادفه مثله، فلما سمع الصياح قال: ما هذا؟ فقيل له: أهل القرى يصيحون عليه خيفة من السّبع، قال: فأعرض عنهم بيده، و رفع حاجبه كالمتكبّر على ذلك، و أسكتهم، و أخذ في الطّريق حتى وصل إلى الأسد، فأشار عليه بالقضيب، و قال له: من ههنا، من ههنا، اخرج عن الطريق، فخرج بإذن اللّه عن الطريق، و لم يوجد هنالك بعد. و أمثال ذلك كثيرة.

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع القرشي، و أجازه والده أبو إسحاق إجازة عامة. و من شيوخه القاضي المسنّ أبو عبد اللّه الأزدي، و المحدّث أبو بكر بن مشليون، و أبو عبد اللّه بن جوهر، و أبو الحسين بن السراج، و أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الخزرجي، و أبو عبد اللّه بن الأبار، و أبو الوليد بن العطار، و أبو العباس بن عبد الملك، و أبو إسحاق بن عياش، و أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن عطيّة، و أبو بكر القرطبي حميد، و أبو إبراهيم الطّرسي، و القاضي أبو عبد اللّه بن عياض، و الكاتب أبو الحسن الرّعيني، و أبو الحسن الشّاري، و أبو يحيى بن الفرس، و أبو إسحاق بن عبيد اللّه، و أبو الحسن الغزّال، و جماعة من الأندلس غير هؤلاء.

و من أهل العدوة كأبي يعقوب المحاسبي، و ابن فرتون، و غيرهما (1).

محنته: نمي عنه إلى السلطان بالأندلس، أنه أغرى به ملك المغرب، و تخلّص بعد لأي في خبر طويل، و انتهب السلطان ماله، و ألحق أملاكه بالمختص‏ (2)، و استمرّ، و ذلك إلى دولة والده، و امتحن السّاعون به، فعجّل اللّه عقوبتهم.

مولده: قال شيخنا: نقلت من خطّ أبيه ما نصّه: ولد ابني أبو بكر محمد، أسعده اللّه و وفّقه، في النصف الأول من ليلة يوم الاثنين الحادي و العشرين لذي قعدة من سنة ست و أربعين و ستمائة.

وفاته: قال: ألفيت بخط القاضي الأديب الكاتب أبي بكر بن شبرين، و كان ممن حضر جنازته بسبتة، و كانت وفاة الفقيه النّاسك السّالك الصالح أبي بكر محمد بن الشيخ الفقيه المحدّث أبي إسحاق السلمي البلفيقي في العشر الأواخر من رمضان أربعة و تسعين و ستمائة، بمحروسة سبتة، و دفن إثر صلاة العصر بجبّانة الخرّوبة من منارتها بمقربة من قبر ريحان الأسود العبد الصالح، نفع اللّه به. و صلّى عليه الإمام أبو عبد اللّه بن حريث.

____________

(1) في الأصل: «و غيرهم».

(2) المختص: المستخلص، و هو الأملاك السلطانية.

190

محمد بن يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن مالك ابن إبراهيم بن يحيى بن عبّاد النّفزي‏ (1)

من أهل رندة، يكنى أبا عمرو، و يعرف بابن عبّاد، الحاجّ الصّوفي.

حاله: نشأ ببلده رندة، و هو من ذوي البيوتات الأصيلة بها، ثم رحل إلى المشرق، و لقي العلماء و الصّوفية، و حضر عند المشيخة، ثم كرّ إلى الأندلس، فتصوف، و جال في النّواحي، و اطّرح السّموت، و فوّت ما كان بيده من متاع الدّنيا، و كان له مال له خطر، و ألقى التّصنّع لأهله رأسا. و كان فيه تولّه و حدّة، و له ذهن ثاقب، يتكلم في المعقولات و المنقولات، على طريقة الحكماء و الصّوفية، و يأتي بكل عبارة غريبة، و آثاره هائلة من غير تمكّن علم، و لا وثاقة إدراك، غير أنك لا تسمع منه إلّا حسنا، و هو مع ذلك طوّاف على البلاد، زوّار للرّبط، صبّار على المجاهدة طوعا و ضرورة، و لا يسأل ثيابا البتّة إلّا بذلة من ثوب أو غيره، صدقة واحد في وقته.

محنته و فضله و شعره: نمي عنه كلام بين يدي صاحب المغرب، أسف به مدبّر الدولة يومئذ، فأشخص عند إيابه إلى رندة و سجن بسجن أرباب الجرائم، فكتب إلى وليّ الأمر: [الطويل‏]

تركت لكم عزّ الغنى فأبيتم‏* * * و أن تتركوني للمذلّة و الفقر

و نازعتموني في الخمول و إنه‏* * * لذي مهجتي أحلى من البنى و الأمر

ثم قال: يا من رماني بسهمه الغرب، قد ردّ عليك مخضوبا بالدّم. قال: فو اللّه ما مرّت ثلاثة، حتى نفذ حكم اللّه فيمن عدا عليه.

و شعره حسن يدلّ على طبع معين، فمن ذلك: [الكامل‏]

سرى يسرّ إليّ أنك تاركي‏* * * نفسي الفداء للطفك المتدارك‏

يا مالكي ولي الفخار بأنني‏* * * لك في الهوى ملك و أنّك مالكي‏ (2)

التّرك هلك فاعفني منه وعد* * * بالوصل تحيي ذا (3) محبّ هالك‏

____________

(1) ولد ابن عباد النفزي برنده عام 733 ه و توفي عام 792 ه، و ترجمته في الكتيبة الكامنة (ص 40) و نيل الابتهاج (ص 287) و نفح الطيب (ج 7 ص 318).

(2) في الأصل: «مالك» بدون ياء.

(3) في الأصل: «ذما» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

191

و أعد جميلا في الهوى عوّدتني‏* * * إن لم تعده إليّ من للهالك؟

يا منية القلب الذي بجماله‏* * * فتن الورى من فاتك أو ناسك‏

آتيه‏ (1) دونك أو أحار و في سنى‏* * * ذاك الجمال جلا الظلام الحالك؟

و لكم سلكت إليك لكن حين لم‏* * * تكن الدّليل اختلّ قصد السّالك‏

و لقد عرفت بستر سرّي في الهوى‏* * * فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك‏

ما السّتر إلّا ما يحوك رضاك لا* * * ما حاكه للبتر كفّ الحائك‏

ما الفضل إلّا ما حكمت به فصن‏* * * و اهتك و صل إن شئت أو كن تاركي‏

(2)

ما لي سوى حبّيك يا حبّي فدع‏* * * تركي فهلك الملك ترك المالك‏

و قال أيضا (3): [الكامل‏]

هذا العقيق فسل معاطف بانه‏* * * هل نسمة عادته من نعمانه؟

و اسأله إن زارته ما ذا أخبرت‏* * * عن أجرع العلمين أو سكّانه‏

و أصخ لحسن حديثها و أعده لل* * * مضني ففيه البرء من أشجانه‏

يا حبّذا ذاك الحديث و حبّذا* * * من قد رواه‏ (4) و حبّذا ببيانه‏

و سقى الإله زمانه و مكانه‏* * * و يعزّ قدر زمانه و مكانه‏

يا سعد، ساعد مستهاما فيه لا* * * ذقت الهوى و نجوت من عدوانه‏

و أصخ لما يتلو (5) الوجود عليك من‏* * * أنبائهم بلسان حال كيانه‏

(6)

و أبنه لي و اقبل ذمامي بشارة* * * و يقلّ بذل ذماي في تبيانه‏

و سل النّسيم يهبّ من واديهم‏* * * بشذا (7) خزاماه و طيب ليانه‏

(8)

ارحم بروح منه روحي تحيه‏* * * و بسقمه‏ (9) سقمي فديتك عانه‏

و بنشره انشر نفس مشتاق قضت‏* * * شوقا لنفحة نسمة (10) من بانه‏

يا سعد، حدّثني فكلّ مخبّر* * * عن خسر من أهواه أو إحسانه‏ (11)

____________

(1) في الأصل: «أ أيته» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «تارك» بدون ياء.

(3) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 41- 42).

(4) في الأصل: «رفاه» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(5) في الكتيبة: «يجلو».

(6) في الكتيبة: «بيانه».

(7) في الأصل: «شذا» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(8) في الأصل: «لبانه» بالباء الموحدة، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(9) في الأصل: «و يسقمه» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(10) في الكتيبة الكامنة (هبّة).

(11) هذا البيت غير وارد في الكتيبة الكامنة.

192

يا سعد، حدّثني حديثا (1) عنهم‏* * * و يجلّ قدر الحبّ عن نسيانه‏

يا سعد، طارحنيه و املأ مسمعي‏* * * من سرّه إن شئت أو إعلانه‏

أنا في الغرام أخوك حقا و الفتى‏* * * لا يكتم الأسرار عن‏ (2) إخوانه‏

قل كيف وادي ودّ (3) سكّان الحمى‏* * * و منى أمانيه و روض لسانه؟

(4)

هل قلّصت أيدي النّوى من ظلّه؟* * * أو ما جرى هل عاث في جريانه؟

و هل الربوع أواهل بحمى لهم‏ (5)* * * فسقى‏ (6)

الربوع الودق‏ (7) من هتّانه؟

و هل التقى بان على عهد النّوى‏ (8)* * * و هل اللّوى يلوي بعود زمانه؟

فبروض أنسهم عهدت‏ (9) نضارة* * * نزّهت منها الطّرف‏

(10) في بستانه‏

و أرى هجير الهجر أذبل يانعا* * * منه و أذوى الغضّ من ريحانه‏

و أحال حال الأنس فيه وحشة* * * و طوى بساط الأنس في هجرانه‏

آها و والهفي و ويحي أن مضى‏* * * عهد عرفت الأنس في أزمانه‏

و بأجرع العلمين من شرقيّه‏* * * حبّ غذاني حبّه بلبانه‏

حاز المحاسن كلّها فجمعن لي‏* * * كلّ الهوى فحملت‏ (11) كلّ هوانه‏

و زها عليّ بعزّة (12) فبواجب‏* * * أزهو (13) بذلّي

في يدي سلطانه‏

و قضى بأن أقضي و ليت بما قضى‏* * * يرضى فطيب العيش في رضوانه‏

و اختار لي أن لا أميل لسلوة* * * عن حبّه فسلوت عن سلوانه‏

يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي‏* * * تبغي السّلوّ ولات حين أوانه‏

غلب الغرام و عزّ سلطان الهوى‏* * * فالكلّ فيه عليّ من أعوانه‏

____________

(1) في الأصل: «... حدّثني فكلّ حديث عنهم» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(2) في الأصل: «من» و التصويب من الكتيبة.

(3) في الكتيبة الكامنة: «واد».

(4) في المصدر نفسه: «أمانه».

(5) في الأصل: «بجمالهم» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(6) في الأصل: «فسقى للربوع ...» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(7) الودق: المطر.

(8) في الكتيبة «الهوى».

(9) في الأصل: «غمدت» و التصويب من الكتيبة.

(10) في الكتيبة «القلب».

(11) في الكتيبة الكامنة: «و حملت».

(12) في الكتيبة الكامنة: «بعزّه».

(13) في الكتيبة الكامنة: «أزهى».

193

فعلام تعتب مستهاما، كلّ ما (1)* * * في الكون عاذره على هيمانه‏

(2)

دع عنك لومي إنني لك ناصح‏* * * أبدى الجمال العذر عن هيمانه‏

و إذا الفتى قام الجمال بعذره‏* * * في الحبّ فاتركه وثني عنانه‏

من سام قلبي في هواه سلوة* * * قد سامه ما ليس في إمكانه‏

و قال في الغرض المذكور (3): [البسيط]

يا للرّجال، ألا حبّ يساعدني‏* * * في ذا الغرام فأبكيه و يبكيني؟ (4)

غلبت فيه و ما أجدت مغالبتي‏* * * و هنت و الصّبّ أولى الناس بالهون‏

ركبت لجّته وحدي فأدهشني‏* * * و متّ‏ (5) في يده فردا فدلّوني‏

(6)

واضيعة العمر و البلوى مضاعفة* * * ما بين يأس و آمال ترجّيني‏ (7)

و الهف نفسي إن أودت و ما ظفرت‏* * * في ذا الهوى بتمنّ أو بتأمين‏

فليت‏ (8) شعري و عمري ينقضي طمعا* * * في ذا الهوى‏

(9) بين مغلوب و مغبون‏

هل الألى‏ (10) ملكوا رقيّ و قد علموا* * * بذلّتي‏

(11) و افتقاري أن يواسوني؟

فكم أكفكف دمعي بعدهم و أرى‏* * * مجدّدا نار يأسي و هي تبليني‏

و كم أمرّ على الأطلال أندبها* * * و بالمنازل من خيف و دارين‏

و في الفؤاد لهم ما ليس يعلمه‏* * * هم، علمهم بالحال يكفيني‏

أهمي المدامع كي أروى فتعطشني‏* * * و ألزم الذّكر للسّلوى فيشجيني‏

و كلّ من لمحت عيني أسائله‏* * * عنهم فيغري بهم قلبي و يغريني‏

يا أهل نجد و فخري‏ (12) أن أحبّكم‏* * * لا أطلب الوصل عزّ الحبّ

يغنيني‏

هل للهوى‏ (13) من سبيل للمنى فلقد* * * عزّت أمانيه في الدّنيا و في

الدّين‏

____________

(1) في الأصل: «كلّما» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(2) في الأصل: «شيمانه» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(3) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 43).

(4) في الأصل: «و يبكين» بدون ياء، و التصويب من الكتيبة.

(5) في الكتيبة: «و تهت».

(6) في الأصل: «فدلّون» بدون ياء.

(7) في الأصل: «ترجين» بدون ياء.

(8) في الكتيبة الكامنة: «و ليت».

(9) في الكتيبة: «في الحبّ ما بين ...».

(10) في الأصل: «الأولى» و التصويب من الكتيبة.

(11) في الأصل: «بذلّي» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(12) في الكتيبة الكامنة: «و مجدي».

(13) في الكتيبة الكامنة: «في الهوى».

194

محمد بن يوسف بن خلصون‏

يكنى أبا القاسم، روطيّ‏ (1) الأصل، لوشيّه‏ (2)، سكن لوشة و غرناطة و مالقة.

حاله: كان من جلّة المشيخة و أعلام الحكمة، فاضلا، منقطع القرين في المعرفة بالعلوم العقلية، متبحرا في الإلهيات، إماما في طريقة الصّوفية، من أهل المقامات و الأحوال، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، كثير الحلاوة و الطّلاوة، قائما على القرآن، فقيها أصوليا، عظيم التخلّق، جميل العشرة. انتقل من حصن روطة إلى الخطابة و الإمامة بلوشة، كثير الدؤوب على النّظر و الخلوة، مقصودا من منتحلي ما لديه ضرورة. لم يتزوج، و تمالأت عليه طائفة ممن شانها الغضّ من مثله، فانزعج من لوشة إلى مالقة، فتحرّف بها بصناعة الطّب، إلى حين وفاته.

حدّثني والدي، و كان خبيرا بأحواله، و هو من أصحاب أبيه، قال: أصابت الناس شدّة قحط، و كانت طائفة من أضداده تقول كلاما مسجّعا، معناه: إنكم إن أخرجتم ابن خلصون من بينكم، مطرتم. قال: فانزعج عنها، و لما كان على أميال نزل الغيث الرغد، قال: فسجد بموضعه ذلك، و هو معروف، و قال: سيدي، و أساوي عندك هذا المقدار، و أوجب شكرانا. و قدم غرناطة، و بها الأستاذ أبو عبد اللّه الرّقوطي، و له استيلاء على الحظوة السلطانية، و شأنه اختبار من يرد على الحضرة ممن يحمل فنّا، و للسلطان على ابن خلصون موجدة، لمدحه في حداثته أحد الثوار عليه بقمارش‏ (3)، بقصيدة شهيرة. فلمّا حضر، سأله الأستاذ: ما صناعتك، فقال:

التصوّف، فالتفت إلى السلطان و قال: هذا رجل ضعيف لا شي‏ء لديه، بحيث لا يفرّق بين الصّناعة و غيرها، فصرفه (رحمه اللّه).

تواليفه: و تواليفه كثيرة، تدل على جلالته و أصالة معرفته، تنطق علما و حكمة، و تروق أدبا و ظرفا. فمن ذلك كتابه في «المحبة»، وقفت عليه بخط جدّي الأقرب سعيد، و هو نهاية. و كتاب «وصف السلوك، إلى ملك الملوك»، عارض به معراج‏

____________

(1) نسبة إلى روطة:rueda ، و هي حصن يقع شمال مدينة شريش. و هي غير روطة أحد حصون سرقسطة.

(2) نسبة إلى لوشةloja ، و هي مدينة بالأندلس، بينها و بين إلبيرة ثلاثون ميلا. الروض المعطار (ص 513).

(3) قمارش: بالإسبانيةcomares ، و هي بلدة بالأندلس تقع شمال شرقي مالقة في سفح جبل الثلج (سييرا نفادا).

195

الحاتمي، فبان له الفضل، و وجبت المزيّة، و رسالة «الفتق و الرّتق، في أسرار حكمة الشرق».

شعره: من ذلك قوله: [الكامل‏]

هل تعلمون مصارع العشّاق‏* * * عند الوداع بلوعة الأشواق؟

و البين يكتب من نجيع دمائهم‏* * * إن الشّهيد لمن يمت بفراق‏

لو كنت شاهد حالهم يوم النّوى‏* * * لرأيت ما يلقون غير مطاق‏

منهم كئيب لا يملّ بكاؤه‏* * * قد أغرقته مدامع الآماق‏

و محرّق الأحشاء أشعل ناره‏* * * طول الوجيب بقلبه الخفّاق‏

و مولّة لا يستطيع كلامه‏* * * مما يقاسي في الهوى و يلاقي‏ (1)

خرس اللسان فما يطيق عبارة* * * ألم المرور و ما له من راق؟

ما للمحبّ من المنون وقاية* * * إن لم يغثه حبيبه بتلاق‏

مولاي، عبدك ذاهب بغرامه‏* * * فادرك‏ (2) بوصلك من دماه الباقي‏

(3)

إني إليك بذلّتي متوسّل‏* * * فاعطف بلطف منك أو إشفاق‏

و من شعره أيضا: [الكامل‏]

أعد الحديث إذا وصفت جماله‏* * * فبه تهيّج للمحبّ خياله‏

يا واصف المحبوب كرّر ذكره‏* * * و أدر على عشّاقه جرياله‏

فبذكر من أهوى و شرح صفاته‏* * * لذّ الحديث لمسمعي و خلاله‏

طاب السّماع بوصفه لمسامعي‏* * * و قررت عينا مذ لمحت هلاله‏

قلبي يلذّ ملامة في حبّه‏* * * و يرى رشادا في هواه ضلاله‏

يا عاذلي أو ما ترقّ لسامر* * * سمع الظّلام أنينه فرثا له؟

و من شعره أيضا: [الكامل‏]

إن كنت تزعم حبّنا و هوانا* * * فلتحملنّ مذلّة و هوانا

فاسجر لنفسك إن أردت وصالنا* * * و اغضب عليها إن طلبت رضانا

____________

(1) في الأصل: «ويلاق» بدون ياء.

(2) أصل القول: «فأدرك»؛ لأن الفعل رباعي، و كذا ينكسر الوزن، لذا حذفنا همزة القطع و جعلناها همزة وصل.

(3) في الأصل: «الباق» بدون ياء.

196

و اخلع فؤادك في طلاب و دادنا* * * و اسمح بموتك إن هويت لقانا

فإذا فنيت عن الوجود حقيقة* * * و عن الفناء فعند ذاك ترانا

أو ما علمت الحبّ فيه عبرة* * * فاخلص لنا عن غيرنا و سوانا

و ابذل لبابك إن وقفت ببابنا* * * و اترك حماك إذا فقدت حمانا

ما لعلع ما حاجر ما رامة* * * ما ريم أنس يسحر الأذهانا

إنّ الجمال مخيّم بقبابنا* * * و ظباؤه محجوبة بظبانا

نحن الأحبّة من يلذ بفنائنا* * * نجمع له مع حسننا إحسانا

نحن الموالي فاخضعنّ لعزّنا (1)* * * إنّا لندفع في الهوى من هانا

إنّ التّذلّل للتّدلّل سحر* * * فاخلد إلينا عاشقا و مهانا

و اصبر على ذلّ المحبّة و الهوى‏* * * و اسمع مقالة هائم قد لانا

نون الهوان من الهوى مسروقة* * * فإذا هويت فقد لقيت هوانا

و من لطيف كلامه و رقيق شعره: [الرمل‏]

لو خيال من حبيبي طرقا* * * لم يدع دمعي بخدّي طرفا

و نسيم الريح منه لو سرى‏* * * بشذاه لأزال الحرقا

و متى هبّت عليلات الصّبا* * * صحّ جسمي فهي‏ (2) لي نفث رقا

عجبا يشكو فؤادي في الهوى‏* * * لهب النار و جفني الفرقا

يا أهيل‏ (3) الحيّ، لي فيكم رشا* * * لم يدع لي رمقا مذ رمقا

بدر تمّ طالع أثمره‏* * * غصن بان تحته دعص نقا

راق حسنا و جمالا مثلما* * * رقّ قلبي في هواه ورقا

أنّس‏ (4) الشمس ضياه ذهبا* * * و كسا البدر سناه ورقا

حلل الحسن عليه خلعت‏* * * فارتداها و لها قد خلقا

و من شعره: [البسيط]

دعوت من شفتي رفقا على كبدي‏* * * فقال لي: خلق الإنسان في كبد

قلت الخيال و لو في النّوم يقنعني‏* * * فقال: قد كحلت عيناك بالسّهد

____________

(1) في الأصل: «لعزّ نالنا» و كذا لا يستقيم الوزن.

(2) في الأصل: «فهنّ»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «يا أهل»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «أنسى» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

197

فقلت: حسبي بقلبي في تذكّره‏* * * فقال: لي القلب و الأفكار ملك يدي‏

قلت الوصال حياتي منك يا أملي‏* * * قال الوصال فراق الروح للجسد

فقلت: أهلا بما يرضى الحبيب به‏* * * فإنّ قلبي لا يلوى على أحد

و من أقواله الصّوفية، و كلها تشير إلى ذلك المعنى: [الطويل‏]

ركبنا مطايا شوقنا نبتغي السّرى‏* * * و للنّجم قنديل يضي‏ء لمن سرى‏

و عين الدّجى قد نام لم يدر ما بنا* * * و أجفاننا بالسّهد لم تطعم الكرى‏

إلى أن رأينا اللّيل شاب قذاله‏* * * و لاح عمود الفجر غصنا منوّرا

لمحنا برأس البعد نارا منيرة* * * فسرنا لها نبغي الكرامة و القرا

و أفضى بنا السير الحثيث بسحرة* * * لحانة دير بالنواقس دورا

فلمّا حللنا حبوة السير عنده‏* * * و أبصرنا القسّيس قام مكبّرا

و حرّك ناقوسا له أعجم الصّدا* * * فأفصح بالسّر الذي شاء مخبرا

و قال لنا: حطّوا حمدتم مسيركم‏* * * و عند الصّباح يحمد القوم السرى‏

(1)

نعمتم صباحا ما الذي قد أتى بكم‏* * * فقلنا له: إنا أتيناك زوّرا

و راحتنا في الرّاح إن كنت بائعا* * * فإنّ لدينا فيه أربح مشترى‏

فقال لكم: عندي مدام عتيقة* * * مخلّدة من قبل آدم أعصرا

مشعشعة كالشمس لكن تروحنت‏* * * و جلّت عن التجسيم قدما فلا ترى‏

و حلّ لنا في الحين ختم فدامها* * * فأسدى لنا مسكا فتيقا و عنبرا

و قلنا: من السّاقي فلاح بوجهه‏* * * فأدهش ألباب الأنام و حيّرا

و أشغلنا عن خمره بجماله‏* * * و غيّبنا سكرا فلم ندر ما جرى‏

و من شعره في المعنى: [البسيط]

يا نائما يطلب الأسرار إسرارا* * * فيك العيان و نبغي بعد آثارا

أرجع إليك ففيك الملك مجتمع‏* * * و الفلك و الفلك العلوي قد دارا

أنت المثال و كرسي الصّفات فته‏* * * على العوالم إعلانا و إسرارا

و الطّور و الدّرّ منثورا و قد كتبت‏* * * أقلام قدرته في اللّوح آثارا

____________

(1) عجز البيت مثل يضرب لمن يحتمل المشقّة رجاء الراحة، و يضرب أيضا في الحثّ على مزاولة الأمر و الصبر. مجمع الأمثال (ج 2 ص 3).

198

و البيت يعمره سرّ الملائك في‏* * * مشكاة قلبك قد أسرجن أنوارا

و رفع اللّه سقفا أنت تسكنه‏* * * سماؤه أطلعت شهبا و أقمارا

و بحر فكرك مسجور بجوهره‏* * * فغص به مخرجا للدّرّ أسرارا

فإن رأيت بوادي القدس نار هدى‏* * * فاثبت فنورك فيها مازج النّارا

و اخلع لسمع النّدا نعليك مفتقرا* * * إلى المنادي تنل عزّا و إكبارا

و غب عن الكون بالأسماء متّصفا* * * و اطلب من الكلّ ربّ الدار لا الدّارا

و من ذلك في هذا المعنى: [الطويل‏]

أطالب ما في الرّوح من غامض السّرّ* * * و قارع باب العلم من عالم الأمر

عرضت لعلم أبهم الشّرع بابه‏* * * لكلّ جهول للحقائق لا يدري‏

و لكنّ خبيرا قد سألت محقّقا* * * فدونك فانظم ما نثرت من الدّرّ

و بين يدي نجواك قدّم وسيلة* * * تقى اللّه و اكتم ما فهمت من السّرّ

و لا تلتفت جسما و لا ما يخصّه‏* * * من الحسّ و التخييل و الوهم و الفكر

و خذ صورة كلّية جوهريّة* * * تجلّ عن التمييز بالعكس و السّبر

و لكن بمرآة اليقين تولّدت‏* * * و ليست بذاتي إن سألت و لا غير

كذلك لم تحدث و ليست قديمة* * * و ما وصفت يوما بشفع و لا وتر

و لكن بذات الذّات كان ظهورها* * * إذا ما تبدّت في الدّجى غرّة الفجر

و من هذا الغرض قوله: [الطويل‏]

مشاهدتي مغناك، يا غايتي، وقت‏* * * فما أشتكي بعدا و حبّك لي نعت‏

مقامي بقائي عاكفا بجمالكم‏* * * فكلّ مقام في الحقيقة لي تحت‏

لئن حالت الأحوال دون لقائكم‏* * * فإنّي على حكم المحبّة ما حلت‏

و إن كان غيري في الهوى خان عهده‏* * * فإني و أيم اللّه عهدي ما خنت‏

و ما لي رجاء غير نيل وصالكم‏* * * و لا خوف إلّا أن يكون له فوت‏

نعم إن بدا من جانب الأنس بارق‏* * * يحرّكني بسط به نحوكم طرت‏

و مهما تذكّرت العتاب يهزّني‏* * * لهيبتكم قبض يغيب به النّعت‏

تواجدت حتى صار لي الوجد مشربا* * * و لاح وجود للحقيقة إذ غبت‏

فها أنا بين الصّحو و المحو دائر* * * أقول: فلا حرف هناك و لا صوت‏

199

قصودي إليكم و الورود عليكم‏* * * و منكم سهودي و الوجود إذا عدت‏

(1)

و في غيبتي عنّي حضوري لديكم‏* * * و عند امتحان الرّسم و المحو أثبتّ‏

و في فرقتي الباني بحقّ جمعتني‏* * * و في جمع جمعي في الحقيقة فرّقت‏

تجلّيت‏ (2) لي حتى دهشت مهابة* * * و لما رددت اللّحظ بالسّرّ لي

عشت‏

موارد حقّ بل مواهب غاية* * * إذا ما بدت تلك البداءة لي تهت‏

لوائح أنوار تلوح و تختفي‏* * * و لكن و ميض البرق ليس له ثبت‏

و مهما بدت تلك الطّوالع أدهشت‏* * * و إن غيّبت تلك اللّوامع أظلمت‏

و هيهات هيبات الجلال تردّني‏* * * و عند التجلّي لا محالة دكدكت‏

نسفن جبالي فهي قاع و صفصف‏ (3)* * * و ليس يرى فيهنّ زيغ و لا

أمت‏

ولي أدمع أجّجن نار جوانحي‏* * * ولي نفس لولاه من حبّكم ذبت‏

ألا فانظروا قلب العيان حقيقة* * * فنائي وجودي‏ (4) و الحياة إذا متّ‏

مراتب في التّلوين نلت جميعها* * * و في عالم التّمكين عن كلّها بنت‏

و عند قيامي عن فنائي وجدتكم‏* * * فلا رتبة علويّة فوق ما نلت‏

ورود و شرب ثم لا ريّ بعده‏* * * لئن كنت أروى من شرابك لا كنت‏

شربت كئاس‏ (5) الوجود مدامة* * * فلست أجلّي عن ورود متى شئت‏

و كيف و أقداح العوالم كلّها* * * و لكنني‏ (6) من صاحب الدّير أسكرت‏

تعلّق قوم بالأواني و إنّني‏* * * جمال المعاني لا المغاني علّمت‏

و أرضعت كأسا لم تدنّس بمزجها* * * و قد نلتها صرفا لعمري‏ (7) ما

ضعت‏

شراب بها الأبرار طاب مزاجهم‏* * * و أرضعتها صرفا لأنّي قرّبت‏

بها آدم نال الخلافة عندما* * * تبدّت له شمسا لها نحوه سمت‏

و نجت لنوح حين فرّ لفلكه‏* * * و من بان عن أسرارها لي‏ (8) عمد

الموت‏

____________

(1) في الأصل: «عدمت» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(2) في الأصل: «تجليته» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(3) في الأصل: «صفصف» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(4) في الأصل: «و وجودي» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(5) في الأصل: «أكواس»، و كذا ينكسر الوزن، ثم إن كأس تجمع على أكؤس و كؤوس و كئاس.

لسان العرب (كأس).

(6) في الأصل: «و لكنّي» و كذا ينكسر الوزن.

(7) في الأصل: «... صرفا فيا لعمري ...» و كذا لا يستقيم الوزن.

(8) كلمة «لي» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

200

و قد أخمدت نار الخليل بنورها* * * و كان لموسى عن أشعّتها بهت‏

و هبّت لروح اللّه روح نسيمها* * * فأبصره الأعمى و كلّمه الميت‏

و سار بها المختار سيري لربّه‏* * * إلى حيث لا فوق هناك و لا تحت‏

هنيئا لمن قد أسكرته بعرفها* * * لقد نال ما يبغي و ساعده البخت‏

و من نثر الأستاذ الجليل أبي القاسم بن خلصون المترجم به، قوله من رسالة:

وصلني أيها الابن النّجيب، المخلص الحبيب، كتابك الناطق بخلوص ودّك، و رسوخ عهدك، و تلك سجيّة لائقة بمجدك، و شنشنة تعرف من والدك و جدّك، وصل اللّه أسباب سعدك، و أنهض عزم جدّك، بتوفيق جدّك، و بلّغك من مأمولك أقصى قصدك. فلتعلم أيها الحبيب أن جناني، ينطوي لكم أكثر مما ينشره لساني، فإني مغرى بشكركم و إن أعجمت، و مفصح بجميل ذكركم و إن جمجمت، لا جرم أنّ الوقت حكم بما حكم، و استولى الهرج فاستحكم، حتى انقطعت المسالك، و عدم الوارد و السّالك، و ذلك تمحيص من اللّه جار على قضيّة قسطه، و تقليب لقلوب عباده بين إصبعي قبضه و بسطه، حين مدّ على الخليقة ظلّ التّلوين، و لو شاء لجعله ساكنا، ثم جعل شمس المعرفة لأهل التّمكين، عليه دليلا باطنا، ثم قبض كل الفرق عن خاصيته قبضا يسيرا، حتى أطلع عليهم من الأنس بدرا منيرا. و إلى ذلك يا بنيّ، فإني أحمد اللّه تعالى إليك على تشويقه إيّاك إلى مطالعة كتب المعارف، و تعطّشك للورود على بحر اللّطائف. و إنّ الإمام أبا حامد (1)، (رحمه اللّه)، لممن أحرز خصلها، و أحكم فرعها و أصلها، لا ينكر ذلك إلّا حاسد، و لا يأباه إلّا متعسّف جاحد. هذا وصفه، (رحمه اللّه)، فيما يخصّه في ذاته. و أما تعليمه في تواليفه، و طريقه التي سلكها في كافّة تصانيفه؛ فمن علمائنا، رضي اللّه عنهم، من قال: إنه خلط النّهاية بالبداية، فصارت كتبه أقرب إلى التّضليل منها إلى الهداية، و إن كان لم يقصد فيها إلّا النّفع فيما أمّه من الغرض، فوجد في كتبه الضّرر بالعرض، و ممن قال بهذا الفقيه الحكيم أبو بكر بن الطّفيل‏ (2)، قال: و أما أبو حامد، فإنه مضطرب التأليف، يربط في موضع، و يحلّ في آخر، و يتمذهب بأشياء، و يكفر بها، مثل أنه كفّر الفلاسفة باعتقادهم أن المعاد

____________

(1) هو حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، الفيلسوف الصوفي، ولد بطوس بخراسان سنة 450 ه و توفي بها سنة 505 ه. و فيات الأعيان (ج 4 ص 58) و الوافي بالوفيات (ج 1 ص 274).

(2) هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي، المتوفّى سنة 581 ه، و قد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة.

201

روحاني، و إنكار هم حشر الأجساد. و قد لوّح هو بأن ذلك مذهبه في آخر كتاب «الجواهر و الأربعين»، و خرّج بأنه معتقد كبار الصّوفية، في كتاب آخر، و قال: إن معتقده كمعتقدهم، و أنه وقع على ذلك بعد بحث طويل و عناء شديد. قال: و إنما كلامه في كتبه على نحو تعليم الجمهور. و قد اعتذر أبو حامد نفسه عن ذلك في آخر كتاب «ميزان العمل»، على أغلب ظنّي، فإن لي من مطالعة الكتب مدّة. قال: و لو لم يكن في هذه الألفاظ إلّا ما يشكّك في اعتقادك الموروث، يعني التّقليد، فإنه من لم يشكّ لم ينظر، و من لم ينظر لم يبصر، و من لم يبصر ففي العمى و الحيرة. ثم تمثّل بقول الشاعر: [البسيط]

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به‏* * * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل‏

و ذلك أنه قسّم آراءه إلى ثلاثة: رأي يجاب به كلّ مسترشد سائل بحسب سؤاله و على مقدار فهمه. و رأي يجاب به الخاصّة و لا يصرّح به للعامّة. و رأي بين الإنسان و بين نفسه، لا يطّلع عليه إلّا من شريكه في اعتقاده. و أما الفقيه الفاضل أبو الوليد بن رشد، (رحمه اللّه)، فإنّه بالغ في ذلك مبالغ عظيمة، و ذلك في كتابه الذي وصف فيه مناهج أدلّة المتكلّمين، فإنه لما تكلّم على طرق الأشعريّة و المعتزلة و الفلاسفة و الصّوفية و الحشويّة و ما أحدثه المتكلّمون من الضّرر في الشّريعة بتواليفهم، انعطف فقال: و أما أبو حامد، فإنه طمّ الوادي على القرى، و لم يلتزم طريقة في كتبه، فنراه مع الأشعرية أشعريّا، و مع المعتزلة معتزليّا، و مع الفلاسفة فيلسوفا، و مع الصّوفية صوفيّا، حتى كأني به: [البسيط]

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن‏* * * و إن لقيت معدّيا فعدنان‏

ثم قال: و الذي يجب على أهل العلم، أن ينهوا الجمهور عن كتبه، فإن الضّرر فيها بالذات، و المنفعة بالعرض. قال: و إنما ذلك لأنه صرّح في كتبه بنتائج الحكمة دون مقدّماتها، و أفصح بالتّأويلات التي لا يطلع عليها إلا العلماء الرّاسخون في العلم، و هي التي لا يجوز أن تؤوّل للجمهور، و لا أن تذكر في غير كتب البرهان. و أنا أقول: إن كتبه في الأصلين، أعني أصول الدين و أصول الفقه، في غاية النّبل و النّباهة، و بسط اللفظ، و حسن التّرتيب و التّقسيم، و قرب المسائل.

و كذلك كتبه الفقهية و الخلافية و المذهبيّة، التي ألّفها على مذهب الشّافعي، فإنه كان شافعيّ المذهب في الفروع. و أما كتبه التي ذهب فيها مذهب التصوّف، فهي التي يوجد فيها ما ذكر من الضّرر بالعرض. و ذلك أنه بنى الأكثر من الاعتقادات فيها على ما تأدّى إلى فهمه من مذاهب الفلاسفة، و نسبها إلى المتصوّفة. و قد نبّه على‏

202

ذلك الفقيه الجليل أبو بكر الطّرطوشي‏ (1) في كتابه الذي سماه ب «مراقي العارفين».

قال: و قد دخل على السّالكين ضرر عظيم من كتب هذا الرجل الطّوسي‏ (2)، فإنه تشبّه بالصّوفية و لم يلحق بمذاهبهم، و خلط مذاهب الفلاسفة بمذاهبهم، حتى غلط الناس فيها. على أنّني أقول: إنّ باعه في الفلسفة كان قصيرا، و إنه حذا حذو الشيخ أبي علي بن سينا في فلسفته التي نقلها في المقاصد، و منطقه الذي نقله في معيار العلم، لكن قصر عنه. و تلك الاعتقادات، منها حقّ و منها باطل، و تلخيصه لا يتأتّى إلّا لصنفين من الناس، أعني أهل البرهان و أهل المكاشفة، فبحسب ذلك تحتاج كتبه إلى تقدمة علوم البرهان، أو رياضة أهل المكاشفة. و لذلك صنّف هو معيار العلم؛ ليكون الناظر في كتبه يتقدّم، فيتعلّم منه أصناف البراهين، فيلحق بأهل البرهان. و قدّم أيضا تصنيف «ميزان العمل» ليكون المرتاض فيه، و به يلحق بأهل المكاشفة، و حينئذ ينظر في سائر كتبه. و هذه الرسالة طويلة، تكلم فيها على كتب أبي حامد الغزالي، (رحمه اللّه)، بما يدل على تفنّنه، و على اضطلاعه، (رحمه اللّه).

و من الغرباء في هذا الاسم‏

محمد بن أحمد بن أمين بن معاذ بن إبراهيم بن جميل ابن يوسف العراقي‏

ثم الخلاطي، ثم الأقشري الفارسي، و ينعت من النّعوت المشرقية بجلال الدين، من بلاد فارس.

حاله: كان من الصّوفية المتجرّدين من المال و العيال، ذا وقار و تؤدة، و سكون و محافظة على ظاهره. أكثر في بلاد المشرق من الأخذ عن الشّيوخ المحدّثين و المتصوّفين، ثم قدم المغرب، فاستوطن بعض بلاده، ثم أجاز البحر إلى الأندلس عام أربعة و سبعمائة، و أخذ عمّن بها من الشيوخ، و دخل غرناطة. و كان شافعيّ المذهب، يشارك في قرض الشّعر.

____________

(1) هو الزاهد محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الطرطوشي الأندلسي، المتوفّي سنة 520 ه، من أشهر مؤلفاته «سراج الملوك» و «برّ الوالدين». و فيات الأعيان (ج 4 ص 92) و المغرب (ج 2 ص 424) و الصلة (ص 838) و بغية الملتمس (ص 135) و خريدة القصر- قسم شعراء المغرب (ج 2 ص 211).

(2) المراد بالرجل الطوسي أبا حامد الغزالي الطوسي المتقدم ذكره قبل قليل.