الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
203

مشيخته: أخذ عن أبي مروان عبد الملك الشّريشي بفاس، و عن أبي بكر محمد بن محمد بن قسي المومياني، و لبس الخرقة الصّوفية من جماعة بالمشرق و بالمغرب، منهم الإمام أبو إبراهيم الماجري، عن أبي محمد صالح، عن أبي مدين.

تواليفه: أخذ عنه تأليفه في نحو اللغة الفارسية و شرح ألفاظها. قال شيخنا الوزير أبو بكر بن الحكيم: كتب إلى والدي ببابه، و قد أحسّ بغضّ من الشيخ الإمام أبي عبد اللّه بن خميس، عميد مجلس الوزارة الحكيمية: [المتقارب‏]

عبيد بباب العلى واقف‏* * * أ يقبله المجد أم ينصرف؟

فإن قبل المجد نلت المنى‏* * * و إلّا فقدري ما أعرف‏

ثم كتب على لفظه: ما من، و صحّحه، قال: فأذن له، و استظرف منزعه.

محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي المرّاكشي‏ (1)

يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن شاطر.

حاله: فقير متجرّد، يلبس أحسن أطوار الخرقة، و يؤثر الاصطلاح، مليح الشّيبة، جميل الصورة، مستظرف الشّكل، ملازم للمسجد، مساكن بالمدارس، محبّب إلى الخواص، كثير الذّكر، متردّد التأوّه، شارد اللّسان، كثير الفلتات، مطّرح في أكثر الأحايين للسّمت، ينزع إلى هدف تائه، تشم عليه القحة و المجانة، مقتحم حمى الحشمة في باب إيهام التّلبيس، يزلق سوء الاعتقاد عن صفاته، و إن قارب الانهماك، و غير مبال بناقد، و لا حافل بذام، و لا حامد. كلما اتّبع انفرد، و مهمى استقام شرد، تطيب النّفس به على غرّة، و يحسن الظّن بباطنه على سوء ظاهره، مليح الحديث، كثير الاعتبار، دائم الاسترجاع و الاستغفار، فعّال الموعظة، عجيب الانتزاع من الحديث و القرآن، مع عدم الحفظ، مستشهد بالأبيات الغريبة على الأحوال. قال شيخنا القاضي أبو عبد اللّه بن المقري: لقيت فيمن لقيت بتلمسان رجلين، أحدهما عالم الدّنيا، و الآخر نادرتها. أما العالم، فشيخنا أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري الآبلي، و أما النّادرة، فأبو عبد اللّه بن شاطر. ثم قال: صحب أبا زيد الهزميري كثيرا، و أبا عبد اللّه بن تجلّات، و أبا العباس بن البنّاء (2) و إخوانهم من‏

____________

(1) ترجمة محمد بن أحمد بن شاطر الجمحي في نيل الابتهاج (ص 248) و نفح الطيب (ج 7 ص 234).

(2) في نفح الطيب (ج 7 ص 234): «البناء و أضرابه من ...».

204

المرّاكشيين و من جاورهم، و اختصّ بأبي زيد الهزميري، و آثره و تبنّاه، و كان يقول له:

و ألقيت عليك محبّة منّي، فيظهر أثر ذلك عليه، من ستر الهنات، و وضع القبول، فلا تجد من يستثقله من راض عنه أو ساخط. دخل الأندلس، و قدم على غرناطة، و تلوّم بها أياما.

نبذ من أقواله: فمن ذلك أنه إذا سئل عن نفسه يقول: أنا وليّ مفسود، و في هذا من النّصفة، و خفّة الرّوح ما لا خفاء به. قال بعض شيوخنا (1): قلت له يوما:

كيف أنت؟ فقال‏ (2): كيف أنا محبوس في الدّم. و من حكمه: الليل و النهار حرسيّان‏ (3)، أحدهما أسود، و الآخر أبيض، و قد أخذ (4) بمجامع الخلق إلى‏ (5) يوم القيامة، و إنّ مردّنا (6) إلى اللّه. و مرّ يوما بأبي العباس‏ (7) بن شعيب الكاتب و هو جالس في جامع الجزيرة، و قد ذهبت به الفكرة، فصاح به، فلمّا رفع رأسه، قال، و له نعش‏ (8) خاطر: انظر إلى مركب عزرائيل، قد رفع شراعه، و النّدا (9) عليه، اركبوا يا عزا. قال شيخنا أبو عبد اللّه المقري: وجدته يوما في المسجد ذاكرا، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: مهيم في روضة يجبرون، فهممت بالانصراف، فقال:

أين تذهب من روضة من رياض الجنة، يقام فيها على رأسك بهذا التّاج؟ و أشار إلى المنار، مملوءا بالله أكبر. قال: و أنشدني أبو العباس بن البنّاء، و كتبهما عنه‏ (10):

[الوافر]

قصدت إلى الوجازة (11) في كلامي‏* * * لعلمي بالصّواب في الاختصار

و لم أحذر فهم‏ (12) ما دون فهمي‏* * * و لكن خفت إزراء الكبار

فشأن فحولة العلماء شأني‏* * * و شأن البسط تعليم الصّغار

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 235).

(2) في النفح: «فقال: محبوس في الروح، و قال: الليل ...».

(3) الحرسي: الحارس. لسان العرب (حرس).

(4) في النفح: «أخذا».

(5) في النفح: «يجرّانهم إلى القيامة».

(6) في الأصل: «مررنا» و التصويب من النفح.

(7) في نفح الطيب (ج 7 ص 235): «أبي العباس أحمد بن شعيب». و هو أحمد بن شعيب الجزنائي، تازي الدار، نزيل فاس. توفي بتونس عام 750 ه. ترجمته في نثير فرائد الجمان (ص 335) و نيل الابتهاج (ص 68) و التعريف بابن خلدون (ص 48) و جذوة الاقتباس (ص 47) و درة الحجال (ج 1 ص 21).

(8) قوله: «و له نعش خاطر» غير وارد في النفح.

(9) في النفح: «و نودي عليه الطلوع يا غزي».

(10) ورد في نفح الطيب (ج 7 ص 236) صدر البيت الأول فقط.

(11) الوجازة: الإيجار. لسان العرب (وجز).

(12) في الأصل: «فهو» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

205

قال: و أخبار ابن شاطر تحتمل كرّاسة، قلت: رأيته بفاس في أخريات عام خمسة و خمسين، و هو الآن بحاله الموصوفة، قد أربى على السّبعين.

محمد بن محمد بن عبد الرحمن التميمي ابن الحلفاوي‏

من أهل تونس، يكنى أبا عبد اللّه، نزيل غرناطة، و يعرف بالتّونسي و بابن المؤذن ببلده.

حاله: من «العائد»: قال: وليّ اللّه المجاب الدعوة، الظاهر الكرامة، المشهود له بالولاية. ورد الأندلس في جملة من تجّار بلده، و بيده مال كبير بذله في معاملة ربّه، إلى أن استأصله بالصّدقة، و أنفقه في سبيل اللّه ابتغاء مرضاته، و تجرّد عن الدنيا، و أخذ نفسه بالصّلاة و الصّوم و التّلاوة و كثرة السّجود و التّطارح على ذلك، محفوظا في ذلك كله حفظة الأولياء، مذكّرا بمن سلفه من الزّهاد، عازبا عن الدنيا، أخذ نفسه بسلوك الإيتاب عنها، رحمة للخلق، و تمالأ للمساكين، يقصده الناس بصدقاتهم، فيبثّها في ذوي الحاجات، فيتألّف في باب مسجده آلاف من رجالهم و نسائهم و صبيانهم، حتى يعمّهم الرّفد، و تسعهم الصّدقة. و كان غريب الأحوال؛ إذا وصل وقت الصلاة يظهر عليه البشر و السّرور، و يدخل مسجده الذي ابتناه و احتفل فيه، فيخلو بنفسه آخذا في تعبّدات كثيرة غريبة شاملة لجميع أركان المسجد، و يزدحم الناس حول المسجد، و أكثرهم أهل الفاقة، فإذا تمكّن الوقت أذّن أذانا مؤثّرا في القلوب، جدى و صدقا و وقارا، كان صدره ينصدع عند قول: لا إله إلّا اللّه. ثم يعبد التّعبّد و السّجود في الصّومعة و أدراجها، حتى يفتح باب المسجد، و ينتقل إلى صدر المحراب، فيصلي ركعات خفيفة، فإذا أقام الصلاة، و وقف عند المحراب، ظهر عليه من الخوف و الكآبة و الحزن و الانكسار و التّضرّع و التّملّق و الرّغبة، ما لا تفي العبارة بوصفه، كأن موقفه موقف أهل الجرائم بين أيدي الملوك الجبابرة. فإذا أتمّ الصلاة على أتمّ هيئاتها، ترى كأن الغبار على وجهه، أو كأنه حشر من قبر، فإذا شرع في الدّعاء بأثر الصلاة، يتلوه بترداد الصلاة على النّبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، في كل دعوة، و يتوسّل به، و تظهر عليه أحوال من الحضور و المراقبة، و ينجلي عن وجهه ما كان به. و كان يختم القرآن في شهر رمضان مائة ختمة، فما من ليلة إلّا و يحيي اللّيل كلّه فيها بمسجده. هذا ترتيبه، و لو تتبّعنا ما شوهد من كراماته و أحواله، لخرجنا عن الغرض.

ولادته: ولد بتونس في حدود الأربعين و ستمائة.

206

وفاته: توفي شهر ربيع الثاني عام خمسة عشر و سبعمائة. و كان الحفل في جنازته عظيما، استوعب الناس كافّة، و حضر السلطان فمن دونه، و كانت تنمّ، زعموا، على نعشه و قبره رائحة المسك. و تبرّك الناس بجنازته، و قصد قبره المرضى و أهل الحاجات، و بقي القرّاء يقرءون القرآن عليه مدة طويلة، و تصدّق على قبره بجملة من مال، ففدي به طائفة من الأسرى. و قبره بباب إلبيرة عن يمين الخارج إلى مقبرة العسّال، معروف هنالك.

محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن يوسف اللّواتي‏ (1)

من أهل طنجة، يكنى أبا عبد اللّه، و يعرف بابن بطّوطة (2).

حاله: من خطّ شيخنا أبي البركات، قال: هذا رجل لديه مشاركة يسيرة في الطّلب، رحل من بلاده إلى بلاد المشرق يوم الخميس الثاني من رجب عام خمسة و عشرين و سبعمائة، فدخل بلاد مصر و الشام و العراق، و عراق العجم، و بلاد الهند و السّند، و الصين، و صين الصّين، و بلاد اليمن. و حج عام ستة و عشرين و سبعمائة. و لقي من الملوك و المشايخ عالما، و جاور بمكّة. و استقرّ عند ملك الهند، فحظي لديه، و ولّاه القضاء، و أفاده مالا جسيما. و كانت رحلته على رسم الصّوفية زيّا و سجيّة، ثم قفل إلى بلاد المغرب، و دخل جزيرة الأندلس، فحكى بها أحوال المشرق، و ما استفاد من أهله، فكذّب. و قال: لقيته بغرناطة، و بتنا معه ببستان أبي القاسم ابن عاصم بقرية نبلة، و حدّثنا في تلك الليلة، و في اليوم قبلها عن البلاد المشرقيّة و غيرها، فأخبر أنّه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية العظمى، و هي على قدر مدينة مسقّفة كلها، و فيها اثنا (3) عشر ألف أسقف. قلت: و أحاديثه في الغرابة أبعد من هذا. و انتقل إلى العدوة، فدخل بلاد السّودان. ثم تعرّف أن ملك المغرب استدعاه، فلحق ببابه، و أمر بتدوين رحلته.

____________

(1) نسبة إلى لواته إحدى قبائل البربر.

(2) يلقب ابن بطوطة بشمس الدين؛ ولد بطنجة سنة 703 ه، و توفي بمراكش سنة 779 ه.

ترجمته في الدرر الكامنة (ج 3 ص 480) و هدية العارفين (ج 2 ص 169) و دائرة المعارف الإسلامية (ج 1 ص 99) و الأعلام (ج 6 ص 235). و راجع أيضا مقدمة كتابه المسمى ب «رحلة ابن بطوطة» بقلم كرم البستاني.

(3) في الأصل: «اثني» و هو خطأ نحوي.

207

سائر الأسماء في حرف الميم الملوك و الأمراء و ما منهم إلّا طارى‏ء علينا أو غريب‏

مزدلي بن تيولتكان بن حمنى بن محمد بن ترقوت بن وربابطن ابن منصور بن نصاله بن أمية بن واباتن الصّنهاجي اللّتموني‏

حاله: كان الأمير مزدلي عضد القائم بالدولة اللّمتونية يوسف بن تاشفين، و قريبه لالتقائهما في ترقوت، راش به و برى، و جزّ و فرى، فهو شيخ الدولة اللّمتونية، و كبير العصابة الصّنهاجية، بطلا ثبتا، بهمة من البهم، بعيد الصّيت، عظيم الجلد، شهير الذّكر، أصيل الرّأي، مستحكم الحنكة. طال عمره، و حمدت مواقعه، و بعدت غاراته، و عظمت في العدوّ وقائعه، و شكرت عن سلطانه نيابته.

من مناقبه: استرجاع مدينة بلنسية من أيدي الرّوم بسعيه، و ردّه إلى ملكة الإسلام بحميد غنائه في منتصف رجب عام خمس و خمسمائة.

دخوله غرناطة: ولّي قرطبة و غرناطة و ما إليهما من قبل يوسف بن تاشفين سنة خمس و خمسمائة.

قال ابن الصّيرفي: توفي ليلة الثلاثاء السابع عشر من شوال عام ثمانية و خمسمائة، غازيا على مقربة من حصن قسطانية، طرق به إلى قرطبة، فوصل يوم الأربعاء ثاني يوم وفاته، و صلّى عليه إثر صلاة العصر الفقيه القاضي بقرطبة أبو القاسم بن حمدين، و دفنه قرب أبيه، و بنيت عليه روضة حسنة. و كان، نضّر اللّه وجهه، البقيّة الصالحة على نهج أمير المسلمين يوسف.

موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الهنتاني‏

السيد أبو عمران.

حاله: بيته معروف. و كان أديبا شاعرا، جوادا، و اختصّ بالعادل، فجلّ قدره في دولته، و أمله الناس بإشبيلية في حوائجهم لمحلّه منهم. و لمّا انصرف عنها العادل إلى طلب الخلافة، قدّمه عليها، فبلغ الغاية.

و في شوال من عام اثنين و عشرين و ستمائة، كانت على جيشه الوقيعة، أوقعها به السيد أبو محمد البيّاسي، و أخباره شهيرة.

وفاته: و توفي تغريقا في البحر بعد أن ولّي بجاية، (رحمه اللّه) و عفا عنه.

208

شعره: قال: و كان أبو المطرّف بن عميرة، ينشد له، يخاطب الفقيه الأديب أبا الحسن بن حريق يستحثّه على نظم الشعر في عروض الخبب: [المتدارك‏]

خذ في الأشعار على الخبب‏* * * فقصورك عنه من العجب‏

هذا و بنو الآداب قضوا* * * بعلوّ مجدّك في الرّتب‏

فنظم له أبو الحسن القصيدة المشهورة، منها: [المتدارك أو الخبب‏]

أ بعيد الشّيب هوى و صبا؟* * * كلّا لا لهوا و لا لعبا

ذرّت الستّون برادتها* * * في مسك عذارك فاشتهبا

و منها:

يا نفس أحيى أحيى تصلي أملا* * * عيشي روحيا تروي عجبا

و خذي في شكر الكبرة ما* * * لاح الإصباح و ما ذهبا

فيها أحرزت معارف ما* * * أبليت بجدّته الحقبا

و الخمر إذا أعتقت وصفت‏* * * أعلى ثمنا منها عنبا

و بقيّة عمر المرء له‏* * * إن كان بها طبّا دربا

هبني فيها بإنابته‏* * * ما هدّمه أيام صبا

دخل غرناطة، فوجب ذكره مع مثله.

منديل بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو الأمير أبو زيّان‏

حاله: كان فاضلا عاقلا جوادا، عيّنه أبوه أمير المسلمين أبو يوسف بن عبد الحقّ، للضّرب على أحواز مالقة عند الفتنة، فاضطرب المحلة تجاه سهيل‏ (1)، و ضيّق على تلك الأحواز، و برز إليه الجيش لنظر موسى بن رحّو من قرابته النّازعين عن إيالة المغرب من بني رحّو. و كان اللقاء، فوقعت به الدّبرة، و انهزم جيشه، و قبض عليه، و سيق إلى السلطان، فتلقّاه بالبرّ، و رعى ما لبيته الكبير من الحقّ، و أسكنه مجاورا لقصره بحمرائه‏ (2)، مرفّها عليه، محجوزا عن التصرّف، إلى أن كان‏

____________

(1) سهيل: بالإسبانيةfuengirola ، و هي بلدة تقع على شاطى‏ء البحر المتوسط، على بعد نحو ثلاثين كيلومترا إلى الغرب من مالقة.

(2) أي قصر الحمراء، مقرّ سلاطين بني نصر بغرناطة.

209

ما تلاحق بهذه الحال من وفاة أبيه السلطان أبي يوسف بالجزيرة الخضراء، و تصيّر الأمر إلى ولده السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف. و تجدّدت الألفة و تأكّدت المودّة، و ارتفعت الإحنة، فكان ما هو معروف من التقائهما على تعبئة إجازة ملك المغرب أبي يعقوب البحر على ظاهر مربلّة (1)، و صرف الأمير أبو زيان محبوّا بما يليق به.

حدّثني شيخنا أبو زكريا بن هذيل، (رحمه اللّه)، قال: نصب للسلطان أبي يعقوب خباء احتفل في اتخاذه له أمير سبتة، فبلغ الغاية التي تستطيعها الملوك، سموّ عماد، و امتداد ظلّ، و انفساح ساحة، إلى إحكام الصّنعة، و الإعياء في الزّخرف. و قعد فيه السلطان ملك المغرب، و أجلس السلطان أمير المسلمين أبا عبد اللّه بن الغالب بالله، عن يمينه، و أخاه الأمير أبا زيّان عن يساره، و قرأ عشاره المعروف بالوقّاد، آية اللّه في حسن الصّوت، و بعد مدى السّمع، و طيب النّغمة، قوله عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92). فكان مقاما مبهتا. كان السلطان، (رحمه اللّه)، يقول: لشدّ ما جنى عليّ عدوّ اللّه بقحته، و اللّه لقد كان يشير بيده إلى السلطان و أخيه عند قوله: أنا يوسف و هذا أخي. ثم أجاز للعدوة، فطاح بها لعهد غير بعيد.

و كان الإيقاع بجيش الأمير أبي زيّان في أخريات ذي الحجة عام أربعة و ثمانين و ستمائة، فاتصل بذلك موت والد أمير المسلمين أبي يوسف بالخضراء في شهر محرم عام خمسة و ثمانين بعده، و كان لقاء السّلطانين بالخضراء في شهر محرم عام خمسة و ثمانين هذه، و كان اللّقاء، كما ذكر، في شهر ربيع الآخر من العام المذكور.

____________

(1) مربلّة: بالإسبانيةmarbella ، و هي مدينة صغيرة مسورة، تبعد ستين كيلومترا إلى الغرب من مالقة. الروض المعطار (ص 534).

(2) سورة يوسف 12، الآيات 88، 89، 90، 91، 92.

210

و من الطارئين‏

المطرّف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية

حاله: كان المطرّف، ولد الخليفة عبد اللّه أمير المسلمين بالأندلس، شجاعا مقداما، جريّا، صرفه والده الخليفة في الغزوات وقود العساكر، و هو الذي بنى حصن لوشة، و وقم كثيرا من الخوارج على والده.

دخوله غرناطة: قال ابن حيّان‏: غزا المطرّف ببشتر بسبب ابن حفصون، إذ كان صالح الأمير عبد اللّه، و دفع رهينة ابنه، فلما امتحن الطّفل وجد غير ابنه، فنهض إليه المطرّف، و كان القائد على العسكر قبله عبد الملك بن أمية، فنهض صحبته، و نازل المطرّف ابن حفصون، فهتك حوزته، و تقدّم إلى بنية كان ابتناها بموضع يعرف باللّويّات‏، فشرع في خرابها، و خرج ابن حفصون و من معه من النّصرانية يدافع عنها، و عن كنيسة كانت بقربها، فغلب ابن حفصون، و هدمت الكنيسة، و قتل في هذه الحرب حفص بن المرّة، قائده و وجوه رجاله، و عند الفراغ من ذلك انصرف المطرّف، فدخل كورة إلبيرة، و بنا لوشة، و تقدّم منها إلى إلبيرة و دخلها، ثم طاف بتلك الجهات و الحصون، ثم انصرف.

ذكر إيقاعه بعبد الملك بن أمية و سبب الإحنة بينه و بين أبيه.

قال‏: و في هذه الحركة أوقع بعبد الملك بن أمية؛ لما كان في نفسه لصرف والده عن عقد البيعة له و تمزيق العهد في خبر يطول. و كان والده قد أخذ عليه‏

____________

(1) ترجمة المطرف و أخباره في المقتبس بتحقيق الدكتور إسماعيل العربي (ص 102- 105، 131- 137) و المغرب (ج 1 ص 182) و أعمال الأعلام (القسم الثاني بتحقيق ليفي بروفنسال (ص 28- 29) و البيان المغرب (ج 2 ص 150).

(2) لم يكن عبد اللّه بن محمد خليفة، بل كان أميرا، و قد حكم الأندلس من سنة 275 ه إلى سنة 300 ه.

(3) قول ابن حيان في المقتبس بتحقيق الدكتور إسماعيل العربي (ص 130- 131) و لكن ابن الخطيب يورده هنا بتصرف.

(4) ببشتر: بالإسبانيةbobastro ، و هي حصن منيع بالأندلس، بينه و بين قرطبة ثمانون ميلا. الروض المعطار (ص 79).

(5) في المقتبس: «المعروف بالعرمات».

(6) قول ابن حيان في المقتبس بتحقيق العربي (ص 133- 137) و لكن ابن الخطيب يورده هنا بتصرف. و مقتل عبد الملك بن أمية كان في سنة 282 ه.

211

الميثاق عند خروجه إلى شذونة ألّا يعرض إليه بمكروه، و أقسم له بالأيمان، لئن نال منه شيئا ليعاقبنّه بمثله، فلمّا قتله، عقد الوثائق عليه، و أخذ الشّهادات فيها بالظّلم و الشّؤم خوفا من أبيه، و كتب إليه يعتذر له، و يحكّمه في نفسه.

مقتل المطرّف: قال‏: و ظهرت عليه فعال قبيحة، من أذى جيرانه بما أكّد غائلة أبيه عليه، و أعان عليه معاوية بن هشام، لما ذكروا أنّ المطرّف كان قد خلا به، فذكروا أنه نزل يوما عنده بمنزله، و أخذوا في حديث الأبناء، و كان المطرّف عقيما، فدعا معاوية بصبيّ يكلف به، فجات و برأسه ذؤابتان، فلمّا نظر إليه المطرّف حسده، و قال: يا معاوية، أ تتشبّه بأبناء الخلفاء في بنيهم؟ و تناول السّيف فحزّ به الذّؤابة، و كان معاوية حيّة قريش دهاء و مكرا، فأظهر الاستحسان لصنعه و انبسط معه في الأنس، و هو مضطغن، فلمّا خرج كتب إلى الخليفة يسأله اتّصاله إليه، فلما أوصله كاشفه في أمر المطرّف بما أزعجه، و أقام على ذلك ليلا أحكم أمره عند الخليفة بلطف حيلته، فأصاب مقتله سهم سعايته. قال ابن الفيّاض: بعث الأمير عبد اللّه إلى دار ولده المطرّف عسكرا للقبض عليه، مع ابن مضر، فقوتل في داره حتى أخذ، و جي‏ء به إليه، فتشاور الوزراء في قتله، فأشار عليه بعضهم أن لا يقتله، و قال بعضهم: إن لم تقتله قتلك، فأمر ابن مضر بصرفه إلى داره، و قتله فيها، و أن يدفنه تحت الرّيحانة التي كان يشرب الخمر تحتها، و هو ابن سبع و عشرين و سنة، و ذلك في يوم الأحد ضحى لعشر خلون من رمضان سنة اثنتين و ثمانين و مائتين.

منذر بن يحيى التّجيبي‏

أمير الثّغر، المنتزي بعد الجماعة بقاعدة سرقسطة، يكنى أبا الحكم، و يلقّب بالحاجب المنصور، و ذي الرّياستين.

حاله: قال أبو مروان‏: و كان أبو الحكم رجلا من عرض الجند، و ترقّى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، و تناهى أمره في الفتنة إلى‏

____________

(1) شذونة: بالإسبانيةsidona و هي كورة متصلة بكورة مورور، نزلها جند فلسطين من العرب بعيد الفتح. الروض المعطار (ص 339).

(2) القول لابن حيان، و النص في المقتبس بتحقيق إسماعيل العربي (ص 133- 137) و لكن ابن الخطيب يورده هنا بتصرف.

(3) ترجمة منذر بن يحيى التجيبي في المغرب (ج 2 ص 435) و أعمال الأعلام (القسم الثاني بتحقيق ليفي بروفنسال) (ص 196) و الذخيرة (ق 1 ص 180) و البيان المغرب (ج 3 ص 175).

(4) النص في الذخيرة (ق 1 ص 180- 181) و البيان المغرب (ج 3 ص 175- 176) و أعمال-

212

الإمارة. و كان أبوه من الفرسان غير النّبهاء. فأمّا ابنه منذر، فكان فارسا نقيّ الفروسة، خارجا عن مدى الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة السّاذجة. و كان على غدره، كريما، و هب قصّاده مالا عظيما، فوفدوا عليه، و عمرت لذلك حضرته سرقسطة، فحسنت أيامه، و هتف المدّاح بذكره.

و فيه يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي قصيدته المشهورة، حين صرف إليه وجهه، و قدم عليه في سنة ثمان و عشرين و أربعمائة: [الكامل‏]

بشراك من طول التّرحّل و السّرى‏* * *صبح بروح السّفر لاح فأسفرا

* * *

من حاجب الشمس الذي حجب الدّجى‏* * *فجرا بأنهار الذّرى‏ متفجّرا

* * *

نادى‏ بحيّ على الندى ثم اعتلى‏* * *سبل‏ العفاة مهلّلا و مكبّرا

* * *

لبّيك أسمعنا نداك و دوننا* * *نوء الكواكب مخويا أو ممطرا

* * *

من كلّ طارق ليل همّ‏ ينتحي‏* * *وجهي بوجه من لقائك أزهرا

* * *

سار ليعدل عن سمائك أنجمي‏* * *و قد ازدهاها عن سناك محيّرا

* * *

فكأنما أعدته‏ أسباب النّوى‏* * *قدرا لبعدي عن يديك مقدّرا

* * *

أو غار من هممي فأنحى شأوها* * *فلك البروج مغرّبا و مغوّرا

* * *

حتى علقت النّيّرين فأعلقا* * *مثنى يدي ملك الملوك النّيّرا

* * *

فسريت في حرم الأهلّة مظلما* * *و رفلت في خلع السّموم مهجّرا

* * *

و شعبت أفلاذ الفؤاد و لم أكد* * *فحذوت من حذو الثّريّا منظرا

* * *

ستّ تسرّاها الجلاء مغرّبا* * *و حدا بها حادي النّجاء مشمّرا

* * *

لا يستفيق الصّبح منها ما بدا* * *فلقا و لا جدي الفراقد ما سرى‏

* * *

____________

- الأعلام (ص 196).

(1) في الذخيرة: «إلى نيل الإمارة».

(2) في الذخيرة و أعمال الأعلام: «لبق الفروسيّة».

(3) القصيدة في ديوان ابن دراج القسطلي (ص 124- 131) و في أعمال الأعلام (ص 198- 200) 51 بيتا. و قد أورد منها ابن بسام في الذخيرة (ص 180- 181) 24 بيتا لم ترد هنا.

(4) في الديوان و أعمال الأعلام: «النّدى».

(5) في أعمال الأعلام: «ناديت حيّ».

(6) في أعمال الأعلام: «سيل».

(7) في الديوان: «همّي».

(8) في الديوان: «أغرته».

(9) رواية عجز البيت في الأصل هي:

نور الهدى عن يديك منوّرا

و كذا لا يستقيم الوزن، و التصويب من الديوان.

(10) في أعمال الأعلام: «تسدّاها».

(11) في المصدر نفسه: «النواء».

213

ظعن ألفن القفر في غول الدّجى‏* * *و تركن مألوف المعاهد مقفرا

* * *

يطلبن لجّ البحر حيث تقاذفت‏* * *أمواجه و البرّ حيث تنكّرا

* * *

هيم و ما يبغين دونك موردا* * *أبدا و لا عن بحر جودك مصدرا

* * *

من كلّ نضو الآل محبوك المنى‏* * *يزجيه نحوك كلّ محبوك القرا

* * *

بدن فدت منّا دماء نحورها* * *ببغائها في كلّ أفق منحرا

* * *

نحرت بنا صدر الدّبور فأنبطت‏* * *فلق المضاجع تحت جوّ أكدرا

* * *

و صبت إلى نحو الصّبا فاستخلصت‏* * *سكن الليالي و النّهار المبصرا

* * *

خوص نفخن بنا البرى حتى انثنت‏* * *أشلاؤهن كمثل أنصاف البرا

* * *

ندرت لنا أن لا تلاقي راحة* * *مما تلاقي أو تلاقي منذرا

* * *

و تقاسمت أن لا تسيغ حياتها* * *دون ابن يحيى‏ أو تموت فتعذرا

* * *

للّه أيّ أهلّة بلغت بنا* * *يمناك يا بدر السماء المقمرا

* * *

بل أيّ غصن في ذراك هصرته‏* * *فجرى‏ فأورق في يديك و أثمرا

* * *

فلئن صفا ماء الحياة لديك لي‏* * *فبما شرقت إليك بالماء الصّرى‏

* * *

و لئن خلعت عليّ بردا أخضرا* * *فلقد لبست إليك عيشا أغبرا

* * *

و لئن مددت عليّ ظلّا باردا* * *فلكم صليت إليك جوّا مسعرا

* * *

و كفى لمن‏ جعل الحياة بضاعة* * *و رأى رضاك بها رخيصا فاشترى‏

* * *

فمن المبلّغ عن غريب نازح‏* * *قلبا يكاد عليّ أن يتفطّرا

* * *

لهفان لا يرتدّ طرف جفونه‏* * *إلّا تذكّر عبرتي فاستعبرا

* * *

أ بنيّ، لا تذهب بنفسك حسرة* * *عن غول رحلي منجدا أو مغورا

* * *

فلئن تركت الليل فوقي داجيا* * *فلقد لقيت الصّبح بعدك أزهرا

* * *

و لقد وردت مياه مأرب حفّلا* * *و أسمت خيلي وسط جنّة عبقرا

* * *

و نظمت للغيد الحسان قلائدا* * *من تاج كسرى ذي البهاء و قيصرا

* * *

____________

(1) القرا: الظهر.

(2) في أعمال الأعلام: «ببقائها». و البغاء: الطلب.

(3) في المصدر نفسه: «نحر».

(4) هو منذر بن يحيى، ممدوح ابن دراج.

(5) ابن يحيى: هو منذر بن يحيى، المقدّم ذكره.

(6) في الديوان: (نخر).

(7) الماء الصّرى: الذي طال استنقاعه.

(8) في أعمال الأعلام: «حرّا».

(9) في الديوان: «و كفاك من».

(10) في أعمال الأعلام: «لا يرتد في أجفانه».

214

و حللت أرضا بدّلت حصباؤها* * *ذهبا يرفّ‏ لناظريّ و جوهرا

* * *

و ليعلم‏ الأملاك أنّي بعدهم‏* * *ألفيت كلّ الصّيد في جوف الفرا

* * *

و رمى عليّ رداءه من دونهم‏* * *ملك تخيّر للعلا فتخيّرا

* * *

ضربوا قداحهم عليّ ففاز بي‏* * *من كان بالقدح المعلّى أجدرا

* * *

من فكّ طرفي من تكاليف الفلا* * *و أجار طرفي من تباريح السّرى‏

* * *

و كفى عتابي من ألام معذّرا* * *و تذمّمي ممّن تجمّل‏ معذرا

* * *

و مسائل عنّي الرفاق و ودّه‏* * *لو تنبذ الساحات‏ رحلي بالعرا

* * *

و بقيت في لجج الأسى متضلّلا* * *و عدلت عن سبل الهدى متحيّرا

* * *

كلّا و قد آنست من هود هدى‏* * *و لقيت يعرب في القيول و حميرا

* * *

و أصبت في سبإ مورّث ملكه‏* * *يسبي الملوك و لا يدبّ لها الضّرا

* * *

فكأنما تابعت تبّع رافعا* * *أعلامه ملكا يدين له الورى‏

* * *

و الحارث الجفنيّ ممنوع الحمى‏* * *بالخيل و الآساد مبذول القرى‏

* * *

و حططت رحلي بين ناري حاتم‏* * *أيام يقري موسرا أو معسرا

* * *

و لقيت زيد الخيل تحت عجاجة* * *تكسو غلائلها الجياد الضّمّرا

* * *

و عقدت في يمن مواثق ذمّة* * *مشدودة الأسباب موثقة العرى‏

* * *

و أتيت بحدل‏ و هو يرفع منبرا* * *للدّين و الدّنيا و يخفض منبرا

* * *

و حططت‏ بين جفانها و جفونها* * *حرما أبت حرماته أن تخفرا

* * *

تلك البحور تتابعت و خلفتها* * *سعيا فكنت الجوهر المتخيّرا

* * *

و لقد نموك ولادة و سيادة* * *و كسوك عزّا و ابتنوا لك مفخرا

* * *

____________

(1) في أعمال الأعلام: «يروق».

(2) في أعمال الأعلام: «و لتعلم».

(3) أخذه من المثل: «كلّ الصّيد في جوف الفرا». يضرب لمن يفضّل على أقرانه. و الفرا: الحمار الوحشي و جمعه فراء. مجمع الأمثال (ج 2 ص 136).

(4) في الأصل: «تحمّل» بالحاء المهملة، و التصويب من المصدرين.

(5) في الأصل: «السانحات» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى، و التصويب من أعمال الأعلام. و في الديوان: «السادات».

(6) في الأصل: «يكسو»، و كذا في الديوان، و التصويب من أعمال الأعلام.

(7) هو بحدل بن أنيف الكلبي، الذي تزوج معاوية بن أبي سفيان من بنته ميسون والدة ابنه يزيد، و قد كان لقبيلة كلب اليمنية التي ينتسب إليها بحدل أعظم البلاء في نصرة الدعوة الأموية.

(8) في أعمال الأعلام: «و خططت» بالخاء المعجمة.

(9) في المصدر نفسه: «البدور».

215

فممرت بالآمال‏ أكرم أكرم‏* * *ملكا ورثت علاه أكبر أكبرا

* * *

و شمائل عبقت بها سبل الهدى‏* * *و ذرت على الآفاق مسكا أذفرا

* * *

أهدى إلى شغف القلوب من الهوى‏* * *و ألذّ في الأجفان من طعم الكرى‏

* * *

و مشاهد لك لم تكن أيّامها* * *ظنّا يريب و لا حديثا يفترى‏

* * *

لاقيت فيها الموت أسود أدهما* * *فذعرته بالسّيف أبيض أحمرا

* * *

و لو اجتلى في زيّ قرنك معلما* * *لتركته تحت العجاج معفّرا

* * *

يا من تكبّر بالتّكرّم‏ قدره‏* * *حتى تكرّم أن يرى متكبّرا

* * *

و المنذر الأعداء بالبشرى لنا* * *صدقت صفاتك منذرا و مبشّرا

* * *

ما صوّر الإيمان في قلب امرئ‏* * *حتى يراك اللّه فيه مصوّرا

* * *

فارفع لها علم الهدى فلمثلها* * *رفعتك أعلام السيادة في الذّرى‏

* * *

و انصر نصرت من السماء فإنما* * *ناسبت أنصار النبيّ لتنصرا

* * *

و اسلم و لا وجدوا لجوّك منفسا* * *في النائبات و لا لبحرك معبرا

* * *

سيرته: قال‏: و ساس لأول ولايته عظيم الفرنحة، فحفظت أطرافه، و بلغ من استمالته طوائف النّصرانية، أن جرى على يديه بحضرته عقد مصاهرة بعضهم‏، فقرفته الألسنة لسعيه في نظام سلك النصارى. و عمر به الثّغر إلى أن ألوت به المنيّة.

و قد اعترف له الناس بالرّأي و السّياسة.

كتّابه: و استكتب عدّة كتّاب كابن مدوّر، و ابن أزرق، و ابن واجب، و غيرهم.

وصوله إلى غرناطة: وصل غرناطة صحبة الأمير المرتضى الآتي ذكره، و كان ممن انهزم بانهزامه. و ذكروا أنه مرّ بسليمان بن هود، و هو مثبت للإفرنج الذين كانوا في المحلّة لا يريم موقفه‏، فصاح به النّجاة: يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك، فقال له سليمان: جئت و اللّه بها صلعا، و فضحت أهل الأندلس، ثم انقلع وراءه.

____________

(1) في الديوان: «فعمرت بالإقبال».

(2) في أعمال الأعلام: «يا من تكرّم بالتكبّر».

(3) النص في الذخيرة (ق 1 ص 181) و أعمال الأعلام (ص 197) و البيان المغرب (ج 3 ص 176- 177).

(4) في الذخيرة و البيان المغرب: «عظماء الإفرنج»، و في أعمال الأعلام: «عظماء الفرنجة».

(5) أجرى منذر مصاهرة بين ريموند الجليقي و شانجه القشتالي، حيث تزوج شانجه بابنة ريموند، حسبما جاء في الذخيرة.

(6) لا يريم موقفه: لا يبرحه.

216

وفاته: و كانت‏ على يدي رجل من أبناء عمّه يدعى عبد اللّه بن حكم، كان مقدّما في قوّاده، أضمر غدره، فدخل عليه، و هو غافل في غلالة، ليس عنده إلّا نفر من خواصّ خدمه الصّقلب، قد أكبّ على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكّين أجهز به عليه.

و أجفل الخدم إلّا شهم منهم أكبّ عليه فمات معه. و ملك سرقسطة، و تمسّك بها أياما، ثم فرّ عنها، و ملكها ابن هود. و كان الإيقاع به غرة ذي حجة سنة ثلاثين و أربعمائة، رحمة اللّه عليه.

موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيّان‏

الأمير بتلمسان، يكنى أبا حمّو.

أوليته: أوّليته معروفة تنظر فيما سلف من الأسماء.

حاله: هذا السلطان مجمع على حزمه، و ضمّه لأطراف ملكه، و اضطلاعه بأعباء ملك وطنه، و صبره لدولة قومه، و طلوعه بسعادة قبيله. عاقل، حازم، حصيف، ثابت الجأش، و قور مهيب، جمّاعة للمال، مباشر للأمور، هاجر للّذات، يقظ، متشمّر. قام بالأمر غرّة ربيع الأول في عام ستين‏، مرتاش الجناح بالأحلاف من عرب القبلة، معوّلا عليهم عند قصد عدوّه، و حلب ضرع الجباية، فأثرى بيت ماله، و نبهت دولته، و اتّقته جيرته، فهو اليوم ممن يشار إليه بالسّداد.

أدبه و شعره: و وجّه لهذا العهد في جملة هدايا ودّية، و مقاصد سنيّة، نسخة من كتابه المسمى ب «واسطة السّلوك، في سياسة الملوك»، افتتحه بقوله:

«الحمد للّه الذي جعل نعمته على الخلق، بما ألّفهم عليه من الحقّ، شاملة شائعة، و يسّر طوائف من عباده لليسرى فأتت إليها مساعدة مسارعة، و حضّهم على الأخذ بالحسنى و لا أحسن من نفوس أرشدت فأقبلت لإرثها طالبة و لربّها طائعة، و لا أسمى من همم نظرت بحسن السّياسة في تدبير الرّياسة التي هي لأشتات الملك‏

____________

(1) قارن بالذخيرة (ق 1 ص 185- 186) و البيان المغرب (ج 3 ص 178).

(2) ترجمة أبي حمّو موسى بن يوسف الزياني في التعريف بابن خلدون (ص 96) و أزهار الرياض (ج 1 ص 238، 244) و نفح الطيب (ج 9 ص 214، 342) و هدية العارفين (ج 2 ص 480) و دائرة المعارف الإسلامية (ج 1 ص 328) و الأعلام (ج 7 ص 331).

(3) أي سنة سبعمائة و ستين.

(4) هذا الكتاب مطبوع، و جاء في هدية العارفين (ج 2 ص 480) أن له كتابا اسمه. «قلائد الدرر في سياسة الملك».

217

جامعة، و لأسباب الملك مانعة، و أظهرت من معادنها درر الحكم و غرر الكلم لائحة لامعة، فاجتلت أقمارها طالعة، و اجتنت أزهارها يانعة. و صلى اللّه على سيدنا محمد الكريم المبعوث بالآيات البيّنات ساطية ساطعة، و المعجزات المعجمات قاصمة لظهور الجاحدين قاطعة، الذي زويت له الأرض فتدانت أفكارها و هي نابية شاسعة، و اشتاقت له المياه فبرزت بين أصابعه يانعة، و امتثل السّحاب أمره فسحّ باستسقائه دررا هامية هامعة، و حنّ الجذع له و كان حنينه لهذه الآيات الثّلاث آية رابعة، إلى ما لا يحصى مما أتت به متواترات الأخبار و صيحات الآثار ناصرة لنبوّته ساطعة، صلّى اللّه عليه و على آله و صحبه و عترته التي أجابت داعي اللّه خاشية خاشعة، و أذعنت لأوامر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فكانت من الاستبداد خالية و للأنداد خالعة، صلاة ديمتها دائمة متتابعة، و سلّم كثيرا».

جمع فيه الكثير من أخبار الملوك و سيرهم، و خصّ به ولده و وليّ عهده، فجاء مجموعا يستظرف من مثله، و يدلّ على مكانه من الأدب و محلّه.

و ثبت فيه الكثير من شعره، فمن ذلك قصيدة أجاب فيها أحد رؤوس القبائل، و قد طلب منه الرجوع إلى طاعته، و الانتظام في سلك جماعته، و هي:

[الطويل‏]

تذكّرت أطلال الرّبوع الطّواسم‏* * *و ما قد مضى من عهدها المتقادم‏

* * *

وقفت بها من بعد بعد أنيسها* * *بصبر مناف أو بشوق ملازم‏

* * *

تهيم بمغناهم و تندب ربعهم‏* * *و أيّ فؤاد بعدهم غير هائم؟

* * *

تحنّ إلى سلمى و من سكن الحمى‏* * *و ما حبّ سلمى للفتى بمسالم‏

* * *

فلا تندب الأطلال و اسل عن الهوى‏* * *و لا تقل في تذكار تلك المعالم‏

* * *

فإن الهوى لا يستفزّ ذوي النّهى‏* * *و لا يستبي إلّا الضّعيف العزائم‏

* * *

صبور على البلوى طهور من الهوى‏* * *قريب من التّقوى بعيد المآثم‏

* * *

و من يبغ درك المعلوات و نيلها* * *يساق بخلق الشّهد مرّ العلاقم‏

* * *

و لائمة لمّا ركبنا إلى العلا* * *بحار الردى في لجّها المتلاحم‏

* * *

تقول بإشفاق: أتنسى هوى الدّما* * *و تنثر درّا من دموع سواجم؟

* * *

إليك فإنّا لا يردّ اعتزامنا* * *مقالة باك أو ملامة لائم‏

* * *

أ لم تدر أنّ اللوم لوم و أننا* * *لنجتنب اللّوم اجتناب المحارم؟

* * *

____________

(1) في الأصل: «أنسها» و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «دررا»، و كذا ينكسر الوزن.

218

فما بسوى العلياء همنا جلالة* * *إذا هام قوم بالحسان النّواعم‏

* * *

بروق السّيوف المشرفيّات و القنا* * *أحبّ إلينا من بروق المباسم‏

* * *

و أمّا صميل السّابحات لذي الوغى‏* * *فأشجى لدينا من غناء الحمائم‏

* * *

و أحسن من قدّ الفتاة و خدّها* * *قدود العوالي أو خدود الصوارم‏

* * *

إذا نحن جرّدنا الصوارم لم تعد* * *إلى غمدها إلّا بجرّ الغلاصم‏

* * *

نواصل بين الهندواني الطّلاء* * *بتفريق ما بين الطّلى و الجماجم‏

* * *

فيرغب منّا السّلم كلّ محارب‏* * *و يرهب منّا الحرب كلّ مسالم‏

* * *

نقود إلى الهيجاء كلّ مضمّر* * *و نقدم إقدام الأسود الضّراغم‏

* * *

و ما كلّ من قاد الجيوش إلى العدا* * *يعود إلى أوطانه بالغنائم‏

* * *

و ننصر مظلوما و نمنع ظالما* * *إذا شيك مظلوم بشوكة ظالم‏

* * *

و يأوي إلينا المستجير و يلتجي‏* * *و يحميه منّا كلّ ليت ضبارم‏

* * *

أ لم تر إذ جاء السّبيعيّ قاصدا* * *إلى بابنا يبغي التماس المكارم؟

* * *

و ذلك لمّا أن جفاه صحابه‏* * *و كلّ خليل ودّه غير دائم‏

* * *

و أزمع إرسالا إلينا رسالة* * *بإخلاص ودّ واجب غير واجم‏

* * *

و كان رأى أنّ المهامه بيننا* * *فخلّى لذات الخفّ ذات المناسم‏

* * *

و قال ألا سل من عليم مجرّب‏* * *أبثّ له ما تحت طيّ الحيازم‏

* * *

فيبلغ عنه الآن خير رسالة* * *تؤدّي إلى خير الملوك الأعاظم‏

* * *

على ناقة و جناء كالحرف ضامر* * *تخيّرها بين القلاص الرّواسم‏

* * *

من اللائي يظلمن الظليم إذا عدى‏* * *و يشبهه في جيده و القوائم‏

* * *

إذا أتلعت فوق السّحاب جوابها* * *تخيّلتها بعض‏ السحاب الرّواكم‏

* * *

و إن هملجت بالسّير في وسط مهمه‏* * *نزلت كمثل البرق لاح لشائم‏

* * *

و لم يأمن الخلّان بعد اختلالهم‏* * *فأمسى و في أكبادها أيّ جاحم‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «العليا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «غنا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) رواية عجز البيت في الأصل هي:

إلّا غمادها الأبحر الغلاصم‏

و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى. و الغمد: جفن السيف. و الغلاصم: جمع غلصمة و هو اللحم ما بين الرأس و العنق، و المراد قطع الرقاب.

(4) في الأصل: «الطّلا»، و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «صيارم»، و كذا لا معنى له. و الأسد الضّبارم: المجتمع الخلق موثّقه.

(6) في الأصل: «تعضّ»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

219

فقالوا فحمّلها الحمائم قال لا* * *لبعد المدى أو خوف صيد الحمائم‏

* * *

و ما القصد إلّا في الوصول بسرعة* * *فقالوا: فحمّلها أكفّ النواسم‏

* * *

فقال: لنعم المرسلات و إنّما* * *لها ألسن مشهورة بالنّمائم‏

* * *

فلم يلف فيها للأمانة موضعا* * *و كلّ امرئ للسّرّ ليس بكاتم‏

* * *

فحينئذ وافى إلينا بنفسه‏* * *فكان لدينا خير واف و قادم‏

* * *

يجوب إلى‏ البيداء قصدا و بشرنا* * *يضي‏ء له الظّلماء في كلّ عاتم‏

* * *

طلاب العلا تسري مع الوحش في الفلا* * *و يصحب منها كلّ باغ و باغم‏

* * *

على سلهب‏ ذي صورتين مطعّم‏* * *من المغربات الصّافنات الصّلادم‏

* * *

إذا شاء أيّ الوحش أدركه به‏* * *فتحسبه في البيد بعض النّعائم‏

* * *

و يقدمه طوعا إلينا رجاؤه‏* * *حمايتنا إيّاه من كلّ ظالم‏

* * *

ألا أيها الآتي لظلّ حناننا* * *نزلت برحب في عراص المكارم‏

* * *

و قوبلت منّا بالذي أنت أهله‏* * *و فاض عليك الجود فيض الغمائم‏

* * *

كذا دأبنا للقادمين محلّنا* * *حمى و ندى ينسى به جود حاتم‏

* * *

و هذا جواب عن نظامك إنّنا* * *بعثنا به كاللؤلؤ المتناظم‏

* * *

و نحن ذوو التيجان من آل حمير* * *لعمرك من التّيجان غير العمائم‏

* * *

بهمّتنا العليا سمونا إلى العلا* * *و كم دون إدراك العلا من ملاحم‏

* * *

شددنا لها أزرا و شدنا بناءها* * *و كم مكثت دهرا بغير دعائم‏

* * *

نظمنا شتيت المجد بعد افتراقه‏* * *و كم بات نهبا شمله دون ناظم‏

* * *

و رضنا جياد الملك بعد جماحها* * *فذلّت و قد كانت صعاب الشّكائم‏

* * *

مناقب زيّانيّة موسويّة* * *يذلّ لها عزّ الملوك القماقم‏

* * *

يقصّر عن إدراكها كلّ مبتغ‏* * *و يعجز عن إحصائها كلّ ناظم‏

* * *

فللّه منّا الحمد و الشّكر دائما* * *و صلّى‏ على المختار من آل هاشم‏

* * *

و نختصّكم منّا السّلام الأثير ما* * *تضاحك روض عن بكاء الغمائم‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «إلينا»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) الفرس السّلهب: الطويل.

(3) في الأصل: «ذي صوتين مطعم» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) الصافنات: الخيل القائم على ثلاث. و الصلادم: جمع صلدم و هو الصّلب الشديد.

(5) نسبة إلى زيّان الذي ينتمي إليه الأمير أبو حمّو موسى بن يوسف بن زيّان.

(6) في الأصل: «و صلّى اللّه على ...»، و كذا ينكسر الوزن.

220

قلت: و لمّا تعرّفت كلفه بالأدب و الإلمام بمجاورته، عزمت على لقائه، و تشوّقت عند العزم على الرّحلة الحجازية، إلى زيارته، و لذلك كنت أخاطبه بكلمة منها: [الطويل‏]

على قدر قد جئت قومك يا موسى‏* * *فجلّت بك النّعمى و زالت بك البوسى‏

* * *

فحالت دون ذلك الأحوال، و هو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، وفّقه اللّه، و سائر من تولّى أمرا من أمور المسلمين.

و جرى ذكره في رجز الدول‏ من نظمي: [الرجز]

بادرها المفدي الهمام موسى‏* * *فأذهب الرحمن عنها البوسى‏

* * *

جدّد فيها الملك لمّا أخلقا* * *و بعث السّعد و قد كان لقا

* * *

و رتّب الرّتب و الرّسوما* * *و أطلع الشّموس و النّجوما

* * *

و احتجن المال بها و العدّه‏* * *و هو بها باق لهذي المدّة

* * *

ولادته: ولد بمدينة غرناطة حسبما وقعت عليه بخط الثّقة من ناسه، في أول عام ثلاثة و عشرين و سبعمائة.

مبارك و مظفّر الأميران موليا المنصور بن أبي عامر

حالهما: قال أبو مروان‏: ترقّيا إلى تملّك بلنسية من وكالة السّاقية، و ظهر من سياستهما و تعاوضهما صحّة الألفة طول حياتهما، ما فاتا به في معناهما أشقّاء الأخوّة و عشّاق الأحبّة، إذ نزلا معا بقصر الإمارة مختلطين، تجمعهما مائدة واحدة من غير تميّز في شي‏ء، إلّا الحرم خاصّة. و كان التّقدّم لمبارك في المخاطبة، و حفظ رسوم الإمارة، أفضل صرامة و ذكرا، قصر عنهما مظفّر، لدماثة خلقه، و انحطاطه‏

____________

(1) رجز الدول: هو نفسه كتاب «رقم الحلل في نظم الدول» لابن الخطيب.

(2) قتل أبو حمو في معركة دبّرها ابنه عبد الرحمن بالاتفاق مع بني مرين، و ذلك بموضع يقال له «الغيران» يبعد نصف يوم عن تلمسان، في 4 ذي الحجة سنة 791 ه.

(3) أخبار مبارك و مظفر في أعمال الأعمال القسم الثاني ص 222) و الذخيرة (ق 3 ص 14) و المغرب (ج 2 ص 299) و البيان المغرب (ج 3 ص 158).

(4) قارن بالذخيرة (ق 3 ص 14- 15، 18) و البيان المغرب (ج 3 ص 158- 159) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 222).

(5) في أعمال الأعلام: «و تقارضهما».

(6) في الأصل: «معناها» و التصويب من المصادر.

221

لصاحبه في سائر أمره، على نحلته‏ بكتابة ساذجة و فروسة، فبلغا الغاية من اقتناء الأسلحة و الآلات الملوكية، و الخيل المغربات، و نفيس الحلي و الحلل، و إشادة البناء للقصور. و اشتمل هذا الرأي على جميع أصحابهما، و من تعلّق بهما من وزرائهما و كتّابهما، و لم يعرض لهما عارض إنفاق‏ بتلك الآفاق، فانغمسا في النّعيم إلى قمم رؤوسهما حتى انقضى أمرهما.

قال‏: و كان موت مبارك أنه ركب يوما من قصر بلنسية، و قد تعرّض أهلها مستغيثين من مال افترضه عليهم، فقال لهم: إن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعمّ المسلمين نفعه فلا تؤخّر عقوبتي يومي هذا. و ركب إثر ذلك، فلما أتى القنطرة، و كانت من خشب، خرجت رجل فرسه من حدّها فرمى به أسفلها، و اعترضته خشبة ناتئة شرخت وجهه، و سقط الفرس عليه، ففاضت نفسه، و كفاهم اللّه أمره يومئذ.

و في مبارك و مظفّر يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي، (رحمه اللّه)‏: [الطويل‏]

أنورك أم أوقدت بالليل نارك‏* * *لباغ قراك أو لباغ جوارك؟

* * *

و ريّاك أم عرف المجامر أشعلت‏* * *بعود الكباء و الألوّة نارك؟

* * *

و مبسمك الوضّاح أم ضوء بارق‏* * *حداه دعائي أن يجود ديارك؟

* * *

و خلخالك استنضيت أم قمر بدا؟* * *و شمس تبدّت أم ألحت سوارك؟

* * *

____________

(1) في أعمال الأعلام: «على تحلّيه».

(2) في المصادر: «و فروسيّة».

(3) في أعمال الأعلام: «اتفاق».

(4) قارن بالذخيرة (ق 3 ص 20) و البيان المغرب (ج 3 ص 163) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 225).

(5) في الذخيرة: «نابية شدخت». و في أعمال الأعلام: «ثانية شدخت».

(6) ديوان ابن دراج القسطلي (ص 101- 108). و ورد منها في الذخيرة (ق 3 ص 11- 12) فقط خمسة أبيات. و في المغرب (ج 2 ص 299) بيت واحد. و ورد معظمها في أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 223- 225) و لكن بروي مختلف، فجاء بكاف مفتوحة تتبعها ألف، أي باستعمال ضمير المخاطب المذكر، هكذا: (جواركا).

(7) الكباء: ضرب من العود يتبخّر به. و كذلك الألوّة.

222

و طرّة صبح أم جبينك سافرا* * *أعرت الصباح نوره أم أعارك؟

* * *

و أنت هجرت‏ الليل إذ هزم الضّحى‏* * *كتائبه و الصّبح لمّا استجارك‏

* * *

فللصّبح فيما بين قرطيك مطلع‏* * *و قد سكن الليل البهيم خمارك‏

* * *

فيا لنهار لا يغيض‏ ظلامه‏* * *و يا لظلام لا يغيض‏ نهارك‏

* * *

و نجم الثّريّا أم لآل تقسّمت‏* * *يمينك إذ ضمّختها أم يسارك؟

* * *

لسلطان‏ حسن في بديع محاسن‏* * *يصيد القلوب النّافرات نفارك‏

* * *

و جند غرام في دروع‏ صبابة* * *تقلّدن أقدار الهوى و اقتدارك‏

* * *

هو الملك لا بلقيس أدرك شأوها* * *مداك و لا الزّبّاء شقّت غبارك‏

* * *

و قادحة الجوزاء راعيت موهنا* * *بحرّ هواك أم ترسّمت‏ دارك؟

* * *

و طيفك أسرى فاستثار تشوّقي‏* * *إلى العهد أم شوقي إليك استثارك؟

* * *

و موقد أنفاسي إليك استطارني‏* * *أم الرّوح لمّا ردّ فيّ استطارك؟

* * *

فكم جزت من بحر إليّ و مهمه‏* * *يكاد ينسّي المستهام ادّكارك‏

* * *

____________

(1) في الديوان و أعمال الأعلام: «أجرت».

(2) في أعمال الأعلام: «لا يغيظ».

(3) في أعمال الأعلام: «لا يغيظ».

(4) في أعمال الأعلام: «بسلطان».

(5) في أعمال الأعلام: «ضلوع».

(6) في الديوان و أعمال الأعلام: (و قادمة).

(7) في أعمال الأعلام: «توسّمت».

(8) في الديوان و أعمال الأعلام: «و مرتدّ».

223

أذو الحظّ من علم الكتاب حداك‏ لي؟* * *أم الفلك الدّوّار نحوي أدارك‏؟

* * *

و كيف كتمت الليل وجهك مظلما* * *أشعرك أعشيت‏ السّنا أم شعارك؟

* * *

و كيف اعتسفت‏ البيد لا في ظعائن‏* * *و لا شجر الخطّيّ حفّ شجارك‏؟

* * *

و لا أذّن الحيّ الجميع برحلة* * *أراح لها راعي المخاض عشارك‏

* * *

و لا أرزمت‏ خوص المهاري مجيبة* * *صهيل جياد يكتنفن قطارك‏

* * *

و لا أذكت الرّكبان عنك عيونها* * *حذار عيون لا ينمن حذارك‏

* * *

و كيف رضيت الليل ملبس طارق‏* * *و ما ذرّ قرن الشمس إلّا استنارك؟

* * *

و كم دون رحلي من بروج‏ مشيدة* * *تحرّم من قرب المزار مزارك‏

* * *

و قد زأرت حولي أسود تهامست‏* * *لها الأسد أن كفّي عن السّمع زارك‏

* * *

و أرضي سيول من خيول مظفّر* * *و ليلي‏ نجوم من سماء مبارك‏

* * *

____________

(1) في أعمال الأعلام: «إذا».

(2) في الذخيرة: «هداك».

(3) في أعمال الأعلام: «يحمي ادّكارك».

(4) في الديوان و أعمال الأعلام «أغشيت» بالغين المعجمة.

(5) في أعمال الأعلام: «عسفت».

(6) الشّجار، بفتح الشين و كسرها: هو خشب هوادج النساء.

(7) العشار من الإبل: الحوامل التي مضت عليها عشرة أشهر.

(8) في أعمال الأعلام: «أزحت».

(9) القطار: هو أن تشدّ الإبل على نسق واحدا خلف واحد.

(10) إذكاء العيون: هو إرسال الطلائع.

(11) في الديوان: «قصور».

(12) في أعمال الأعلام: «و ليل».

(13) في الذخيرة: «رماح». و في أعمال الأعلام: «سيوف».

224

بحيث وجدت الأمن يهتف بالمنى‏* * *هلمّي إلى عينين‏ جادا سرارك‏

* * *

هلمّي إلى بحرين قد مرج النّدى‏* * *عبابيهما لا يسأمان انتظارك‏

* * *

هلمّي إلى سيفين و الحدّ واحد* * *يجيران من صرف الحوادث جارك‏

* * *

هلمّي إلى طرفي رهان تقدّما* * *إلى الأمد الجالي عليك اختيارك‏

* * *

هلمّي إلى قطبي نجوم كتائب‏* * *تنادي نجوم التّعس غوري مغارك‏

* * *

و حيّي على دوحين جاد نداهما* * *ظلالك و استدنى إليك‏ ثمارك‏

* * *

و بشراك قد فازت قداحك بالعلا* * *و أعطيت من هذا الأنام خيارك‏

* * *

شريكان في صدق المنى و كلاهما* * *إذا قارن‏ الأقران غير مشارك‏

* * *

هما سمعا دعواك يا دعوة الهدى‏* * *و قد أوثق الدهر الخؤون إسارك‏

* * *

و سلّا سيوفا لم تزل تلتظي أسّى‏* * *بثأرك حتى أدركا لك ثارك‏

* * *

و يهنيك يا دار الخلافة منهما* * *هلالان لاحا يرفعان منارك‏

* * *

كلا القمرين بين عينيه غرّة* * *أنارت‏ كسوفيك و جلّت سرارك‏

* * *

____________

(1) في أعمال الأعلام: «غيثين».

(2) سرار الأرض: أوسطها و أكرمها.

(3) هذا البيت ساقط في الديوان.

(4) في أعمال الأعلام: «مدّ».

(5) في الديوان «إليّ».

(6) في الديوان و أعمال الأعلام: «بالمنى».

(7) في الديوان «بارز». و في أعمال الأعلام: «بارزا».

(8) في أعمال الأعلام: «أذى فثارك حتى أدركاك فثارك».

(9) في الأصل: «أثارت» و التصويب من الديوان.

225

فقاد إليك الخيل شعثا شوازيا* * *يلبّين بالنّصر العزيز انتصارك‏

* * *

سوابق هيجاء كأنّ صهيلها* * *يجاوب تحت الخافقات شعارك‏

* * *

بكلّ سريّ العتق سرّى عن الهدى‏* * *و كل حميّ الأنف أحمى ذمارك‏

* * *

تحلّوا من المنصور نصرا و عزّة* * *فأبلوك في يوم البلاء اختيارك‏

* * *

إذا انتسبوا يوم الطّعان لعامر* * *فعمرك يا هام العدى لا عمارك!

* * *

يقودهم منهم سراجا كتائب‏* * *يقولان للدّنيا: أجدّي افتخارك‏

* * *

إذا افترّت الرايات عن غرّتيهما* * *فيا للعدى أضللت منهم فرارك‏

* * *

و إن أشرق النّادي بنور سناهما* * *فبشرى الأماني: عينك‏ لا ضمارك‏

* * *

و كم كشفا من كربة بعد كربة* * *تقول لها النيران: كفّي أوارك‏

* * *

و كم لبّيا من دعوة و تداركا* * *شفى رمق ما كان بالمتدارك‏

* * *

و يا نفس غاو، كم أقرّا نفارك‏* * *و يا رجل هاو، كم أقالا عثارك‏

* * *

و لست ببدع حين قلت لهمّتي‏* * *أقلّي لإعتاب الزّمان انتظارك‏

* * *

____________

(1) كذا في الأصل و في الديوان، و لكي يستقيم الوزن ينبغي أن ننطق هذه الكلمة بإشباع كسرة الكاف هكذا: «عينيكي».

(2) الضمار: خلاف العيان.

(3) في الأصل: «كشفنا» و نعتقد أنه خطأ في الطبع.

226

فلله صدق العزم أيّة غرّة* * *إذا لم تطيعي في (لعلّ) اغترارك‏

* * *

فإن غالت البيد اصطبارك و السّرى‏* * *فما غال ضيم الكاشحين اصطبارك‏

* * *

و يا خلّة التّسويف، قومي فأغدفي‏* * *قناعك من دوني و شدّي إزارك‏

* * *

و حسبك بي يا خلّة النّاي خاطري‏* * *بنفسي إلى الحظّ النّفيس حطارك‏

* * *

فقد آن إعطاء النّوى صفقة الهوى‏* * *و قولك للأيّام: جوري مجارك‏

* * *

و يا ستر البيض النّواعم، أعلني‏* * *إلى اليغملات و الرّحال بدارك‏

* * *

نواجي و استودعتهنّ نواجيا* * *حفاظك يا هذي بذي و ازدهارك‏

* * *

و دونك أفلاذ الفؤاد فشمّري‏* * *و دونك يا عين اللّبيب اعتبارك‏

* * *

صرفت الكرى عنها بمغتبق السّرى‏* * *و قلت: أديري و النجوم عقارك‏

* * *

فإن وجبت للمغربين جنوبها* * *فداوي برقراق السّراب خمارك‏

* * *

فأوري‏ بزندي سدفة و دجنّة* * *إذا كانتا لي مرخك و عفارك‏

* * *

____________

(1) في أعمال الأعلام: «آية».

(2) في الأصل: «فأغدقي» و التصويب من المصدرين. و أغدف القناع: أرسله.

(3) في الديوان: «حوري محارك» بالحاء المهملة.

(4) في أعمال الأعلام: «اعملي».

(5) في الديوان: «سرارك».

(6) الازدهار بالشي‏ء: الاحتفاظ به.

(7) في أعمال الأعلام: «وجوبها».

(8) في الديوان: «و أوري».

(9) المرخ و العفار: ضربان من الشجر، ذكرهما الشاعر؛ لأن النار تقدح من أغصانهما، و لهذا فالعرب تضرب بهما المثل في الشرف العالي. و نلاحظ هنا أن «مرخك» ينبغي أن تنطق بإشباع كسرة الكاف حتى يستقيم الوزن.

227

و إن خلع الليل الأصائل فاخلعي‏* * *إلى الملكين الأكرمين عذارك‏

* * *

بلنسية مثوى الأمانيّ فاطلبي‏* * *كنوزك في أقطارها و ادّخارك‏

* * *

سينبيك زجري عن بلاء نسيته‏* * *إذا أصبحت تلك القصور قصارك‏

* * *

و أظفر سعي بالرّضا من مظفّر* * *و بورك لي في حسن رأي مبارك‏

* * *

قصيّ‏ المنى قد شام بارقة الحيا* * *و أنشقت يا ظئر الرّجاء حوارك‏

* * *

و حمدا يميني قد تملّأت بالمنى‏* * *و شكرا يساري قد حويت يسارك‏

* * *

و قل لسماء المزن: إن شئت أقلعي‏* * *و يا أرضها إن شئت غيضي بحارك‏

* * *

و لا توحشي يا دولة العزّ و المنى‏* * *مساءك من نوريهما و ابتكارك‏

* * *

وصولهما إلى غرناطة: و صلا مع أمثالهما من أمراء الشّرق صحبة المرتضى، و كان من انهزام الجميع بظاهرها، و إيقاع الصناهجة بهم ما هو معلوم حسبما مرّ و يأتي بحول اللّه.

____________

(1) في أعمال الأعلام: «أعطانها».

(2) هذا هو البيت الوحيد الذي ورد في المغرب (ج 2 ص 299) و جاءت فيه رواية صدر البيت هكذا:

و أظفرت آمالي بقصد مظفّر

(3) في الديوان: «فظم‏ء».

(4) الظئر: المرضعة، و الحوار: ولد الناقة من حين يوضع إلى أن يفطم. و أنشق الدابة ولدها: قرّبه إليها حتى تشمّه.

(5) في الديوان: «و يا أرضا».

(6) في الديوان و أعمال الأعلام: الندى.

(7) أي الإيقاع بجند صنهاجة.

228

و من ترجمة الأعيان و الوزراء بل و من ترجمة الطارئين و الغرباء منها

منصور بن عمر بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو

يكنى أبا علي.

أوليّته: معروفة، قد مرّت عند ذكر إخوته و قومه.

حاله: كان، (رحمه اللّه)، فتى القوم، لسنا، مفوّها، مدركا، متعاطيا للأدب و التاريخ، مخالطا للنّبلاء، متسوّرا خلق العلماء، غزلا، كلفا بالدّعابة، طرفة من طرف أهل بيته، قويّ الشّكيمة، جوادا بما في وسعه، متناهيا في البدانة. دخل غرناطة في الجملة من إخوانه و بني عمّه، مغرّبين عن مقرّ الملوك بالمغرب، و أقام بها إلى شهر ربيع الأول من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة. و ركب البحر في الخامس و العشرين منه، عندما لحق أخوه عبد الحكيم بالمغرب. و بايعه الناس، و لاحت له بارقة لم تكد تقد حتى خبت، فبادر إلى مظاهرته في جفن غزوي‏ من أسطول الأندلس، و صحبه قوم ممن يخطب الخطط، و يبتدر رمق الدول، و هال عليهم البحر، فطرح الجفن بأحواز غسّاسة، و قد عادتها ملكة عدوّهم، فتقبّض عليه، و أدخل مدينة فاس في الثاني لربيع الآخر من العام، مشهور المركب على الظّهر، يضرب بين يديه طبل للشّهرة، و ناقور المثلة، و أجلس بين يدي السلطان، فأبلى بما راق الحاضرين من بيانه من العذر للخروج بالاستمالة حتى لرجي خلاصه، و استقرّ مثقّفا تتعلّق به الأراجيف، و يحوم حول مطرحة الاختبار إلى حين وفاته.

شعره: أنشدني الفقيه الأديب أبو بكر بن أبي القاسم بن قطبة من شعره، و كان صاحبه في الرّحلة، و مزامله في أسطول المنحسة، و ذلك قوله: [مخلع البسيط]

سوف ننال المنى و نرقى‏* * *مراقي العزّ و المعالي‏

* * *

إذا حططنا بأرض فاس‏* * *و حكّمت في العدى العوالي‏

* * *

فأنت عندي بها حقيق‏* * *يا حائز الفضل و الكمال‏

* * *

____________

(1) الجفن و الجفنة: واحدة الأجفان، و هو سفينة حربية دائرية شبيهة بالقصعة، من سفن الغزو و الحرب، اهتمّ بها المغرب الإسلامي و كثر استعماله لها. و إذا أضيفت لفظة «جفن» هنا إلى صفة «غزوي» فإنها تضاف أيضا إلى «بحري» و «حربي»، فيقال: جفن بحري، و جفن حربي.

كذلك استعمل الجفن إلى جانب الحروب، في نقل المتاجر. راجع السفن الإسلامية على حروف المعجم (ص 23- 27) و تكملة المعاجم العربية (ج 2 ص 231).

229

وفاته: في وسط جمادى الأولى من العام‏، دخل عليه في بيت معتقله فقتل، و دفن ببعض مدافنهم، رحمة اللّه عليه.

مقاتل بن عطية البرزالي‏

يكنى أبا حرب، و قال فيه أبو القاسم الغافقي: من أهل غرناطة، و يلقّب بذي الوزارتين، و يعرف بالرّيّه‏ لحمرة كانت في وجهه.

حاله: كان من الفرسان الشجعان، لا يصطلى بناره، و كان معه من قومه نحو من ثلاث مائة فارس من بني برزال. و ولّاه الأمير عبد اللّه بن بلقّين بن باديس مدينة أليسّانة، و التقى به ابن عباد و أخذ بمخنّقها، و كان عبد اللّه يحذره. و عندما تحقّق حركة اللّمتونيين‏ إليه، صرفه عن جهته، فقلّ لذلك ناصره، و أسرع ذهاب أمره.

شجاعته: قال: و حضر مقاتل مع عبد اللّه بن بلقين، أمير غرناطة، وقيعة النّيبل في صدر سنة ثمان و سبعين و أربعمائة، فأبلى فيها بلاء عظيما، و جرح وجهه، و مزّق درعه بالطّعن و الضّرب. و ذكر من حضرها و نجا منها، قال: كنت قد سقط الرمح من يدي و لم أشعر، و حملت التّرس و لم أعلم به، و حملني اللّه إلى طريق منجاة فركبتها، مرّة أقع و مرّة أقوم، فأدركت فارسا على فرس أدهم و رمحه على عاتقه، و درقته على فخذه، و درعه مهتّكة بالطّعن، و به جرح في وجهه يثعب دما تحت مغفره، و هو مع ذلك ينهض على رسله، فرجعت إلى نفسي فوجدت ثقلا، فتذكرت التّرس، فأخرجت حمالته عن عاتقي، و ألقيته عني، فوجدت خفّة، و عدت إلى العدوّ، فصاح ذلك الفارس: خذ التّرس، قلت: لا حاجة لي به، فقال: خذه، فتركته و ولّيت مسرعا، فهمز فرسه و وضع سنان رمحه بين كتفيّ، و قال: خذ الترس، و إلّا أخرجته بين كتفيك في صدرك، فرأيت الموت الذي فررت منه، و رجعت إلى التّرس فأخذته، و أنا أدعو عليه، و أسرعت عدوا، فقال لي: «على ما كنت فليكن عدوّك»، فاستعذت‏

____________

(1) أي عام 763 ه.

(2) هذه الكلمة إسبانيةel rojo ، و معناها الأحمر.

(3) أليسّانة أو اللّسّانة: بالإسبانيةlucena ، و هي إحدى مدن غرناطة، و تسمى مدينة اليهود؛ لأن اليهود كانوا يسكنون بجوفها و لا يداخلهم فيها مسلم البتة، و كان لها ربض يسكنه المسلمون و بعض اليهود. راجع مملكة غرناطة (ص 63).

(4) اللمتونيّون: هم المرابطون، إذ تحرّكوا إلى غرناطة سنة 483 ه لمقاتلة أميرها عبد اللّه بن بلقين بن باديس بن حبوس الزيري. راجع مملكة غرناطة (ص 220- 221).

230

و قلت: ما بعثه اللّه إلّا لهلاكي، و إذا قطعة من خيل الروم قد بصرت به، فوقع في نفسه أنه يسرع الجري فيسلم و أقتل، فلمّا ضاق الطّلق ما بينه و بين أقربهم منه، عطف عليه كالعقاب، و طعنه ففطره، و تخلّص الرمح منه، ثم حمل على آخر فطعنه، و مال على الثالث فانهزم منه، فرجع إليّ، و قد بهتّ من فعله، و رشاش دم الجرح يتطاير من قناع المغفر لشدّة نفسه، و قال لي: يا فاعل، يا صانع، أ تلقي الرّمح و معك مقاتل الرّيّه؟

انتهى اختصار السفر الثامن و الحمد للّه رب العالمين يتلوه في اختصار التاسع بعده و من ترجمة القضاة مؤمل بن رجا بن عكرمة بن رجا العقيلي من إلبيرة*** و من السّفر التاسع من ترجمة القضاة

مومّل بن رجاء بن عكرمة بن رجاء العقيلي‏

من إلبيرة.

حاله: كان شيخا مضعوفا يغلب عليه البله، من أهل التّعيّن و الحسب و الأصالة، عريقا في القضاء، قاض ابن قاض ابن قاض. ولّي قضاء إلبيرة للأمير محمد.

من حكاياته: رفعت إليه امرأة كتاب صداقها، فقال: الصّداق مفسوخ، و أنتما على حرام، فافترقا، فرّق اللّه بينكما. ثم رمى بالصّداق إلى من حوله، و قال: عجبا لمن يدّعي فقها و لا يعلمه، أو يزعم أنه يوثّق و لا يتقنه، مثل أبي فلان و هو في المجلس يكتب هذا الصّداق، و هو مفسوخ، ما أحقّه أن يغرّم ما فيه. فدار الصّداق على يدي كل من حضر، و كل يقول: ما أرى موضع فسخ، فقال: أنتم أجهل من كاتبه، لكني أعذركم؛ لأن كل واحد منكم يستر على صاحبه خطأه، انظروا و أمنحكم اليوم، فنظروا فلم يجدوا شيئا يوجب فسخا. فدنا منه محمد بن فطيس الفقيه، فقال: أصلح اللّه القاضي، إن اللّه منحك من العلم و الفهم ما نحن مقرّون بالعجز عنه، فأفدنا هذه الفائدة، فقال: ادن، فدنا منه، فقال: أو ليس في الصداق:

«و لا يمنعها زيارة ذوي محارمها، و لا يمنعهم زيارتها بالمعروف»؟ و لو لا معرفتي بمحبّتك ما أعلمتك. فشكره الشيخ، و أخذ بطرف لحيته يجرّه إليه حتى قبّلها، و كان عظيم اللحية طويلها، شيمة أهل هذه الطّبقة. قال ابن فطيس: أنا المخصوص بالفائدة، و لا أعرّف بها إلّا من تأذن بتعريفه إياها، فتبسّم القاضي معجبا بما رأى،

231

و شفعوا إليه أن لا يفسخ الصّداق، و قيل للزوجين: لا تطلبا به عنده شيئا. و ولّي قضاء جيّان.

و من الطارئين و الغرباء

المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي‏

من أهل ألمريّة، يكنى أبا القاسم.

حاله: كان من أدهى الناس و أفصحهم، و من أهل التّعيّن و العناية التامة، و استقضي بألمريّة.

مشيخته: سمع من أبي محمد الأصبهاني، و رحل و روى عن أبي ذرّ الهروي.

تواليفه: ألّف كتابا في «شرح البخاري»، أخذه الناس عنه.

وفاته: توفي سنة ست و ثلاثين و أربعمائة، و قيل سنة ....

و من ترجمة الكتاب و الشعراء و هم الأصليّون‏

مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن الفرج ابن أزرق بن سعد بن سالم بن الفرج‏

المنزل بوادي الحجارة بمدينة الفرج المنسوبة إليه الآن.

قال ابن عبد الملك: كذا كتب لي بخطّه بسبتة، و هو مصمودي ثم شصّادي مولى بني مخزوم، مالقي، سكن سبتة طويلا ثم مدينة فاس، ثم عاد إلى سبتة مرة أخرى، و بآخرة فاس، يكنى أبا الحكم و أبا المجد، و الأولى أشهر، و يعرف بابن المرحّل، وصف جرى على جدّه علي بن عبد الرحمن لمّا رحل من شنتمريّة، حين إسلامها للروم عام خمسة و ستين و خمسمائة.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) ترجمة مالك بن عبد الرحمن بن الفرج، المعروف بابن المرحل، في الذيل و التكملة (السفر الثامن ص 527) و بغية الوعاة (ص 384) و جذوة الاقتباس (ص 223) و هدية العارفين (ج 1 ص 1).

(3) شنتمرية: بالإسبانيةsanta maria de algarve ، و تسمى أيضا: شنتمرية الشرق، و هي من مدن أكشونبة، و من حصون بنبلونة، على ضفة نهر أرغون. الروض المعطار (ص 347).

232

حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: شاعر رقيق مطبوع، متقدّم، سريع البديهة، رشيق الأغراض، ذاكر للأدب و اللغة. تحرّف مدّة بصناعة التّوثيق ببلده، و ولّي القضاء مرات بجهات غرناطة و غيرها. و كان حسن الكتابة إذا كتب، و الشّعر أغلب عليه. و ذكره ابن خلاد، و ابن عبد الملك، فأما ابن عبد الملك، فلم يستوف له ما استوفى لغيره، و أما ابن خلّاد، فقصر به، إذ قال: كانت نشأته بمالقة بلده، و قرارة مولده في ناسها و وسط أجناسها، لم يتميّز بحسب، و لم يتقدّم في ميدان نسب، و إنما أنهضه أدبه و شعره، و عوّضه بالظّهور من الخمول نظمه و نثره، فطلع في جبين زمانه غرّة منيرة، و نصع في سلك فصحاء أوانه درّة خطيرة، و حاز من جيله رتبة التقديم، و امتاز في رعيله بإدراك كلّ معنى و سيم. و الإنصاف فيه ما ثبت لي في بعض التقييدات، و هو الشيخ المسنّ المعمّر الفقيه، شاعر المغرب، و أديب صقعه، و حامل الرّاية، المعلّم بالشّهرة، المثل في الإكثار، الجامع بين سهولة اللفظ، و سلاسة المعنى، و إفادة التّوليد، و إحكام الاختراع، و انقياد القريحة، و استرسال الطّبع، و النّفاذ في الأغراض. استعان على ذلك بالعلم، بالمقاصد اللّسانية لغة و بيانا و عربيّة و عروضا، و حفظا و اضطلاعا، إلى نفوذ الذّهن، و شدّة الإدراك، و قوّة العارضة، و التّبريز في ميدان اللّوذعية، و القحة و المجانة، المؤيّد ذلك بخفّة الرّوح، و ذكاء الطّبع، و حرارة النّادرة، و حلاوة الدّعابة، يقوم على الأغربة و الأخبار، و يشارك في الفقه، و يتقدّم في حفظ اللغة، و يقوم على الفرائض. و تولّى القضاء.

و كتب عن الأمراء، و خدم و استرفد، و كان مقصودا من رواة العلم و الشّعر، و طلّاب الملح، و ملتمسي الفوائد، لسعة الذّرع و انفساح المعرفة، و علوّ السّن، و طيب المجالسة، مهيبا مخطوب السّلامة، مرهوبا على الأعراض، في شدقه شفرته و ناره، فلا يتعرّض إليه أحد بنقد، أو أشار إلى قناته بغمز، إلّا وناط به آبدة، تركته في المثلات، و لذلك بخس وزنه، و اقتحم حماه، و ساءت بمحاسنه القالة، (رحمه اللّه) و تجاوز عنه.

مشيخته: تلا بالسّبع على أبي جعفر بن علي الفخّار، و أخذ عنه بمالقة و عن غيره. و صحب و جالس من أهلها أبا بكر عبد الرحمن بن علي بن دحمان، و أبا عبد اللّه الإستجي، و ابن عسكر، و أبا عمرو بن سالم، و أبا النعيم رضوان بن خالد، و انتفع بهم في الطريقة، و بفاس أبا زيد اليرناسني الفقيه. و لقي بإشبيلية أبا

____________

(1) في الذيل و التكملة (السفر الثامن ص 527): المقرئ أبو جعفر الفحام.

(2) رضوان بن خالد المخزومي من مالقة، كان أديبا شاعرا مجيدا، توفي سنة 642 ه. ترجمته في التكملة (ج 1 ص 259) و اختصار القدح المعلى (ص 185).

233

الحسن بن الدّباغ، و أبا علي الشّلوبين، و أبا القاسم بن بقي، و أجازوا له. و روى عنه أبو جعفر بن الزبير، و القاضي أبو عبد اللّه بن عبد الملك، و جماعة.

دخوله غرناطة: قال ابن الزبير: تكرّر قدومه علينا بغرناطة، و آخر انفصالاته عنها آخر سنة أربع و سبعين و ستمائة. و قال لي حفيده أبو الحسين التّلمساني من شيوخنا: أنشد السلطان الغالب بالله، بمجلسه للنّاس من المقصورة بإزاء الحمراء، قبل بناء الحمراء. و قال غيره: أقام بغرناطة، و عقد بها الشروط مدة. و قال لي شيخنا أبو الحسن الجيّاب: ولي القضاء بجهات من البشارات‏، و شكى للسّلطان بضعف الولاية، فأضاف إليه حصن أشكر، يا متشو، و أمر أن يهمل هذا الاسم و لا يشكّل، فقال أبو الحكم، (رحمه اللّه)، عند وقوفه عليه: قال لي السلطان في تصحيف هذا الاسم، «أشكر يا تيس» و هي من المقاصد النبيلة.

تواليفه: و هي كثيرة متعدّدة، منها شعره، و الذي دوّن منه أنواع، فمنه مختاره، و سمّاه بالجولات، و منه الصدور و المطالع. و له العشريات و النّبويّات على حروف المعجم، و التزام افتتاح بيوتها بحرف الرّوي، و سمّاها، «الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدّنيا و الأخرى». و عشرياته الزّهديّة، و أرجوزته المسماة «سلك المنخّل، لمالك بن المرحّل» نظم فيها منخل أبي القاسم بن المغربي، و القصيدة الطويلة المسماة بالواضحة، و الأرجوزة المسماة «اللّؤلؤ و المرجان» و الموطّأة لمالك.

و الأرجوزة في العروض. و كتابه في كان ما ذا، المسمّى «بالرّمي بالحصا»، إلى ما يشقّ إحصاره، من الأغراض النّبيلة، و المقاصد الأدبية.

شعره: قال القاضي أبو عبد اللّه بن عبد الملك: كان مكثرا من النّظم، مجيدا، سريع البديهة، مستغرق الفكرة في قرضه، لا يفتر عنه حينا من ليل أو نهار. شاهدت ذلك، و أخبرني أنّه دأبه، و أنه لا يقدر على صرفه من خاطره، و إخلاء باله من الخوض فيه، حتى كان من كلامه في ذلك، أنه مرض من الأمراض المزمنة. و اشتهر نظمه، و ذاع شعره، فكلفت به ألسنة الخاصّة و العامّة، و صار رأس مال المستمعين‏

____________

(1) قارن بالذيل و التكملة (السفر الثامن ص 527).

(2) في الذيل و التكملة: «ولّي القضاء مرات بجهات غرناطة و غيرها». و البشارات أو البشارة أو البشرات،alpujarras : هي المنطقة الجبلية الواقعة جنوب سفوح جبل شلير، على مقربة من البحر المتوسط. نفح الطيب (ج 1 ص 150) و (ج 4 ص 524- 525) و مملكة غرناطة (ص 46).

(3) أشكر، بالإسبانيةhuescar ؛ و هو حصن يقع شمال شرقي غرناطة.

(4) في الأصل: «نتشر» و هو تحريف. و متشو: كلمة إسبانية:macho و تعني: التّيس.

234

و المغنّين، و هجير الصّادرين و الواردين، و وسيلة المكدّين، و طراز أوراد المؤذّنين و بطائقة البطالين، و نحن نجتزئ منه بنبذ من بعض الأغراض تدل على ما وراءها، إن شاء اللّه. فمن ذلك في غرض النّسيب: [الكامل‏]

دنف تستّر بالغرام طويلا* * *حتى تغيّر رقّة و نحولا

* * *

بسط الوصال فما تمكّن جالسا* * *حتى أقيم على البساط دليلا

* * *

يا سادتي، ما ذا الجزاء فديتكم‏* * *الفضل لو غير الفتى ما قيلا

* * *

قالوا تعاطى الصّبر عن أحبابه‏* * *لو كان يصبر للصّدود قليلا

* * *

ما ذاق إلّا شربة من هجرنا* * *و كأنّه شرب الفرات شمولا

* * *

أ يقول: عشت و قد تملّكه الهوى؟* * *لو قال متّ لكان أقوم قيلا

* * *

حلف الغرام بحبّنا و جمالنا* * *إن لم يدعه ميّتا فعليلا

* * *

إنّ الجفون هي السّيوف و إنما* * *قطعت فلم تسمع لهنّ صليلا

* * *

قل للحبيب و لا أصرّح باسمه‏* * *ما ذا الملال و ما عهدت ملولا

* * *

بيني و بينك ذمّة مرعيّة* * *أتراك تقطع حبلها الموصولا؟

* * *

و لكم شربت صفاء ودّك خالصا* * *و لبست ظلّا من رضاك ظليلا

* * *

يا غصن بان بان عنّي ظلّه‏* * *عند الهجير فما وجدت مقيلا

* * *

اعطف على المضنى الذي أحرقته‏* * *في نار هجرك لوعة و غليلا

* * *

فارقته فتقطّعت أفلاذه‏* * *شوقا و ما ألفى إليك سبيلا

* * *

لو لم يكن منك التّغيّر لم يسل‏* * *بالناس لو حشروا إليه قبيلا

* * *

يا راحلا عني بقلب مغضب‏* * *أ يطيق قلبي غضبة و رحيلا؟

* * *

قل للصّبا: هيّجت أشجان الصّبا* * *فوجدت يا ريح القبول قبولا

* * *

هل لي رسول في الرياح؟ فإذا من‏* * *فارقته بعث النسيم رسولا؟

* * *

يا ليت شعري، أين قرّ قراره؟* * *يا قلب، ويك أما وجدت دليلا؟

* * *

إن لم يعد ذاك الوصال كعهدنا* * *نكّلت عيني بالبكا تنكيلا

* * *

و قال نسيبا و مدحا: [الكامل‏]

أعدى عليّ هواه خصم جفونه‏* * *ما لي به قبل و لا بفنونه‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «الجزا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «صفا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «فيا»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «فاز» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

235

إن لم تجرني منه رحمة قلبه‏* * *من ذا يجير عليه ملك يمينه؟

* * *

صاب من الأتراك أصبى مهجتي‏* * *فعبدت نور الحسن فوق جبينه‏

* * *

متمكّن في الحسن نون صدغه‏* * *فتبيّن التّمكين في تنوينه‏

* * *

تنساب عقرب صدغه في جنّة* * *لم يجن منها الصّبّ غير منونه‏

* * *

و لوى ضفيرته فولّى مدبرا* * *فعل الكليم ارتاع من تبيينه‏

* * *

قد أطمعتني فيه رقّة خدّه‏* * *لو أمكنتني فيه رقّة دينه‏

* * *

و رجوت لين قوامه لو لم يكن‏* * *كالرّمح شدّة طعنه في لينه‏

* * *

شاكي السّلاح و ما الذي في جفنه‏* * *أعدى عليّ من الذي بجفونه‏

* * *

ناديته لمّا ندت لي سينه‏* * *و شعرت من لفظ السلام بسينه‏

* * *

رحماك في دنف غدا و حياته‏* * *مماته و حراكه كسكونه‏

* * *

إن لم تمنّ عليّ منّة راحم‏* * *فمناه أن يلقاه ريب منونه‏

* * *

و لذا أبيت سوى سمات عدوّه‏* * *فأمانه من ذاك ظهر أمونه‏

* * *

سننيخها في باب أروع ماجد* * *فيرى محلّ الفصل حقّ يقينه‏

* * *

حيث المعارف و العوارف و العلا* * *في حدّ مجد جامع لفنونه‏

* * *

بدر و في الحسن بن أحمد التقت‏* * *نجب مررن على العطا بركوبه‏

* * *

تبغي مناها في مناها عنده‏* * *و تطوف بالحاجات عند حجونه‏

* * *

فرع من الأصل اليماني طيّب‏* * *ورث البيان و زاد في تبيينه‏

* * *

يبدي البشاشة في أسرّة وجهه‏* * *طورا و يحمي العزّ في عرنينه‏

* * *

بسطت شمائله الزمان‏ كمثل ما* * *بسط الغناء نفوسنا بلحونه‏

* * *

يثني عليه كلّ فعل سائر* * *كالمسك إذ يثني على دارينه‏

* * *

و من النّسيب قوله: [البسيط]

هو الحبيب قضى بالجور أم عدلا* * *لبّى الخيار و أمّا في هواه فلا

* * *

تاللّه ما قصّر العذّال في عذلي‏* * *لكن أبت أذني أن تسمع العذلا

* * *

أمّا السّلوّ فشي‏ء لست أعرفه‏* * *كفى بخلّك غدرا أن يقال سلا

* * *

جفون غيري أصحت بعدما قطرت‏* * *و قلب غيري صحا من بعد ما ثملا

* * *

و غصن بان تثنّى من معاطفه‏* * *سقيته الدّمع حتى أثمر العذلا

* * *

____________

(1) في الأصل: «للزمان»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «الغنا».

236

آثرته‏ و نسيم الشّعر آونة* * *فكلّما مال من أعطافه اعتدلا

* * *

أملت و الهمّة العلياء طامحة* * *و ليس في الناس إلّا آمل أملا

* * *

و قال: إيها طفيليّ و مقترح‏* * *أ لست عبدي و مملوكي؟ فقلت: بلى‏

* * *

يا من تحدّث عن حسني و عن كلفي‏* * *بحسنه و بحبّي فاضرب المثلا

* * *

نيّطت خدّي خوف القبض من ملكه‏* * *إذا أشار بأدنى لحظه قتلا

* * *

تقبّل الأرض أعضائي و تخدمه‏* * *إذا تجلّى بظهر الغيب و اتّصلا

* * *

يا من له دولة في الحسن باهرة* * *مثلي و مثل فؤادي يخدم الدّولا

* * *

و من نظمه في عروض يخرج من دوبيتي مجزوّا، مقصرا قوله و ملحه في اختراع الأعاريض كثيرة:

الصّبّ إلى الجمال مائل‏* * *و الحبّ لصدقه دلائل‏

* * *

و الدّمع لسائلي جواب‏* * *إن روجع سائل بسائل‏

* * *

و الحسن على القلوب وال‏* * *و القلب إلى الحبيب وابل‏

* * *

لو ساعد من أحبّ سعد* * *ما حال من الحبيب حائل‏

* * *

يا عاذلي، إليك عنّي لا* * *تقرّب ساحتي العواذل‏

* * *

ما نازلني كمثل ظبي‏* * *يشفي بلحظة المنازل‏

* * *

ما بين دفونه حسام‏* * *مخارقه له حمائل‏

* * *

و السيف يبتّ ثم ينبو* * *و اللحظ يطبق المفاصل‏

* * *

و السهم يصيب ثم يخطي‏* * *و اللحظ يمرّ في المقاتل‏

* * *

مهلا فدمي له حلال‏* * *ما أقبل فيه قول قائل‏

* * *

إن صدّني فذاك قصدي‏* * *أو جدّلني فلا أجادل‏

* * *

يا حسن طلوعه علينا* * *و السّكر بمعطفيه مائل‏

* * *

ظمآن مخفّف الأعالي‏* * *ريّان مثقّل الأسافل‏

* * *

قد نمّ به شذا الغوالي‏* * *إذ هبّ و نمّت الغلائل‏

* * *

و الطّيب منبّه عليه‏* * *من كان عن العيان غافل‏

* * *

و الغنج محرّك إليه‏* * *من كان مسكّن البلابل‏

* * *

و السّحر رسول مقلتيه‏* * *ما أقرب عهده ببابل!

* * *

____________

(1) في الأصل: «آثره نسيم»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

237

و الروض يعير و جنتيه‏* * *وردا كهواي غير حائل‏

* * *

و اللين يهزّ معطفيه‏* * *كالغصن تهزّه الشّمائل‏

* * *

و الكأس تلوح في يديه‏* * *كالنّجم بأسعد المنازل‏

* * *

يسقيك بريقه مداما* * *ما أملح ساقيا مواصل‏

* * *

يسبيك برقّة الحواشي‏* * *عشقا و لكافّة الشمائل‏

* * *

ما أحسن ما وجدت خدّا* * *إذ نجم صباي غير آفل‏

* * *

و من مستحسن نزعاته: [البسيط]

يا راحلين و بي من قربهم أمل‏* * *لو أغنت الحليتان القول‏ و العمل‏

* * *

سرتم و سار اشتياقي بعدكم مثلا* * *من دونه السّامران الشّعر و المثل‏

* * *

و ظلّ يعذلني في حبّكم نفر* * *لا كانت المحنتان الحبّ و العذل‏

* * *

عطفا علينا و لا تبغوا بنا بدلا* * *فما استوى التّابعان العطف و العمل‏

* * *

قد ذقت فضلكم دهرا فلا و أبي‏* * *ما طاب لي الأحمران الخمر و العسل‏

* * *

و قد هرمت أسى من هجركم و جوى‏* * *و شبّ مني اثنتان الحرص و الأمل‏

* * *

غدرتم أو مللتم يا ذوي ثقتي‏* * *لبّتكم‏ الخصلتان الغدر و الملل‏

* * *

قالوا: كبرت و لم تبرح كذا غزلا* * *أزرى بك الفاضحان الشّيب و الغزل‏

* * *

لم أنس يوم تنادوا للرحيل ضحى‏* * *و قرب المركبان الطّرف و الجمل‏

* * *

و أشرقت بهواديهم هوادجهم‏* * *و لاحت الزّينتان الحلي و الحلل‏

* * *

و ودّعوني بأجفان ممرّضة* * *تغضّها الرّقبتان الخوف و الخجل‏

* * *

كم عفّروا بين أيدي العيس من بطل‏* * *أصابه المضنيان الغنج و الكحل‏

* * *

دارت عليهم كؤوس الحبّ مترعة* * *و ما أبى‏ المسكران الخمر و المقل‏

* * *

و آخرين اشتفوا منهم بضمّهم‏* * *يا حبّذا الشافيان الضّم و القبل‏

* * *

كأنما الرّوض منهم روضة أنف‏* * *يزهى بها المثبتان السّهل و الجبل‏

* * *

من مسترق‏ الرّوابي و الوهاد بهم‏* * *ما راقه المعجبان الخصر و الكفل‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «لي القول ...» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(2) في الأصل: «لبيست» و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى.

(3) في الأصل: «ما نادوا»، و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى معا.

(4) في الأصل: «و أبا» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(5) في الأصل: «لمسترق» و كذا ينكسر الوزن.

238

يا حادي العيس خذني مأخذا حسنا* * *لا يستوي الضاديان‏ الرّيث‏ و العجل‏

* * *

لم يبق لي غير ذكر أو بكا طلل‏* * *لو ينفع الباقيان الذّكر و الطّلل‏

* * *

يا ليت شعري و لا أنس و لا جذل‏* * *هل يرفع الطّيّبان الأنس و الجذل؟

* * *

و من قوله على لسان ألثغ ينطق بالسّين ثاء و يقرأ بالرّويّين: [مخلع البسيط]

عمرت ربع الهوى بقلب‏* * *لقوّة الحبّ غير ناكس ث‏

* * *

لبثت فيه أجر ذيل النّ‏* * *حول أحبب به للابس ث‏

* * *

إن متّ شوقا فلي غرام‏* * *نباته بالسّقام وادس ث‏

* * *

أمّا حديث الهوى فحقّ‏* * *يصرف بلواه كلّ حادس ث‏

* * *

تعبت بالشّوق في حبيب‏* * *أنا به ما حييت يائس ث‏

* * *

يختال كالغصن ماس فيه‏* * *طرف فأزرى بكلّ‏ مائس ث‏

* * *

دنيا تبدّت لكلّ و أي‏* * *فهو لدنياه أيّ حارس ث‏

* * *

يلعب بالعاشقين طرّا* * *و الكلّ راضون و هو عابس ث‏

* * *

و من شعره في الزهد يصف الدنيا بالغرور و الكذب‏ و الزّور: [الكامل‏]

يا خاطب الدنيا، طلبت غرورا* * *و قبلت من تلك المحاسن زورا

* * *

دنياك إمّا فتنة أو محنة* * *و أراك في كلتيهما مقهورا

* * *

و أرى السنين تمرّ عنك سريعة* * *حتى لأحسبهنّ صرن شهورا

* * *

بينا تريك أهلّة في أفقها* * *أبصرتها في إثر ذاك بدورا

* * *

كانت قسيّا ثم صرن دوائرا* * *لا بدّ أن ترمي الورى و تدورا

* * *

يأتي الظلام فما يسوّد رقعة* * *حتى ترى مسطورها منشورا

* * *

فإذا الصباح أتى و مدّ رداءه‏* * *نفض المساء رداءه المنشورا

* * *

يتعاقبان عليك، هذا ناشر* * *مسكا و هذا ناشر كافورا

* * *

ما المسك و الكافور إلّا أن ترى‏* * *من فعلك الإمساك و التّكبيرا

* * *

أمسى على فوديك من لونيهما* * *سمة تسوم كآبة و بسورا

* * *

____________

(1) في الأصل: «الضّدّان» و كذا لا يستقيم الوزن، و الضادي: اسم فاعل ضادى؛ يقال ضاداه أي ضادّه.

(2) الرّيث: الإبطاء، و هو ضد العجل.

(3) في الأصل: «كل» و كذا لا يستقيم الوزن.

(4) في الأصل: «و الحذايح» و هو ما لا معنى له.

239

حتى متى لا ترعوي و إلى متى؟* * *أو ما لقيت من المشيب نذيرا؟

* * *

أخشى عليك من الذّنوب فربما* * *تلفى الصّغير من الذنوب كبيرا

* * *

فانظر لنفسك إنني لك ناصح‏* * *و استغفر المولى تجده غفورا

* * *

من قبل ضجعتك التي تلقى لها* * *خدّ الصّغار على التّراب حقيرا

* * *

و الهول ثم الهول في اليوم الذي‏* * *تجد الذي قدّمته مسطورا

* * *

و قال في المعنى‏ المذكور: [الوافر]

و أشفي‏ الوجد ما أبكى العيونا* * *و أشفي الدّمع ما نكأ الجفونا

* * *

فيا ابن الأربعين اركب سفينا* * *من التّقوى فقد عمّرت حينا

* * *

و نح إن كنت من أصحاب نوح‏* * *لكي تنجو نجاة الأربعينا

* * *

بدا للشّيب‏ في فوديك رقم‏* * *فيا أهل الرّقيم، أ تسمعونا؟

* * *

لأنتم أهل كهف قد ضربنا* * *على آذانهم فيه سنينا

* * *

رأيت الشّيب يجري في سواد* * *بياضا لا كعقل الكاتبينا

* * *

و قد يجري السّواد على بياض‏* * *فكان‏ الحسن فيه مستبينا

* * *

فهذا العكس يؤذن بانعكاس‏* * *و قد أشعرتم لو تشعرونا

* * *

نبات هاج ثم يرى حطاما* * *و هذا اللّحظ قد شمل العيونا

* * *

نذير جاءكم عريان يعدو* * *و أنتم تضحكون و تلعبونا

* * *

أخي، فإلى‏ متى هذا التّصابي؟* * *جننت بهذه الدنيا جنونا

* * *

هي الدنيا و إن وصلت و برّت‏* * *فكم قطعت و كم تركت بنينا!

* * *

فلا تخدعك‏ أيام تليها* * *ليال و اخشها بيضا وجونا

* * *

فذاك إذا نظرت سلاح دنيا* * *تعيد حراك ساكنها سكونا

* * *

و بين يديك يوم أيّ يوم‏* * *يدينك فيه ربّ الناس دينا

* * *

فإمّا دار عزّ ليس يفنى‏* * *و إمّا دار هون لن يهونا

* * *

فطوبى في غد للمتّقينا* * *و ويل في غد للمجرمينا

* * *

____________

(1) في الأصل: «المنى» و كذا لا معنى له.

(2) في الأصل: «إشف» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «الشيب»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «فكأنّ»، و كذا لا يستقيم الوزن.

(5) في الأصل: «إلى»، و كذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «تخدعنك»، و كذا ينكسر الوزن.

240

و آه ثم آه ثم آه‏* * *على نفسي أكرّرها مئينا

* * *

أخيّ، سمعت هذا الوعظ أم لا؟* * *ألا يا ليتني في السامعينا

* * *

إذا ما الوعظ لم يورد بصدق‏* * *فلا خسر كخسر الواعظينا

* * *

و قال يتشوّق إلى بيت اللّه الحرام، و يمدح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): [البسيط]

شوق كما رفعت نار على علم‏* * *تشبّ بين فروع الضّال و السّلم‏

* * *

ألفّه بضلوعي و هو يحرقها* * *حتى يراني بريا ليس بالقلم‏

* * *

من يشتريني بالبشرى و يملكني‏* * *عبدا إذا نظرت عيني إلى الحرم؟

* * *

دع للحبيب ذمامي و احتمل رمقي‏* * *فليس ذا قدم من ليس ذا قدم‏

* * *

يا أهل طيبة، طاب العيش عندكم‏* * *جاورتم خير مبعوث إلى الأمم‏

* * *

عاينتم جنّة الفردوس من كثب‏* * *في مهبط الوحي و الآيات و الحكم‏

* * *

لنتركنّ بها الأوطان خالية* * *و نسلكنّ لها البيداء في الظّلم‏

* * *

ركابنا تحمل الأوزار مثقلة* * *إلى محطّ خطايا العرب و العجم‏

* * *

ذنوبنا، يا رسول اللّه، قد كثرت‏* * *و قد أتيناك فاستغفر لمجترم‏

* * *

ذنب يليه على تكراره ندم‏* * *فقد مضى العمر في ذنب و في ندم‏

* * *

نبكي فتشغلنا الدنيا فتضحكنا* * *و لو صدقنا البكا شبنا دما بدم‏

* * *

يا ركب مصر، رويدا يلتحق بكم‏* * *قوم مغاربة لحم على وضم‏

* * *

فيهم عبيد تسوق العيس زفرته‏* * *لم يلق مولاه قد ناداه في النّسم‏

* * *

يبغي إليه شفيعا لا نظير له‏* * *في الفضل و المجد و العلياء و الكرم‏

* * *

ذاك الحبيب الذي ترجى شفاعته‏* * *محمد خير خلق اللّه كلّهم‏

* * *

صلّى عليه إله الخلق ما طلعت‏* * *شمس و ما رفعت نار على علم‏

* * *

و من مقطوعاته العجيبة في شتى الأغراض، و هي نقطة من قطر، و بلالة من بحر، قوله مما يكتب على حمالة سيف، و قد كلف بذلك غيره من الشعراء بسبتة، فلمّا رآها أخفى كل منظومه، و زعم أنه لم يأت بشي‏ء، و هو المخترع المرقص:

[البسيط]

جماله كرياض جاورت نهرا* * *فأنبتت شجرا راقت أزاهرها

* * *

كحيّة الماء عامت فيه و انصرفت‏* * *فغاب أوّلها فيه و آخرها

* * *

____________

(1) كلمة: «يا» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

241

و قوله، و قد تناول الرئيس ابن خلاص‏ بيده مقصّا فأدمى يده فأنشده:

[الوافر]

عداوة لا لكفّك من قد نمّ‏* * *فلا تعجب لقرّاض لئيم‏

* * *

لئن أدماك فهو لها شبيه‏* * *و قد يسطو اللّئيم على الكريم‏

* * *

و قوله في الخضاب: [الطويل‏]

سترت مشيبي بالخضاب تعلّلا* * *فلم يحظ شيبي‏ و راب خضابي‏

* * *

كأنّي و قد زوّرت لونا على الصّبا* * *أعنون طرسا ليس فيه كتابي‏

* * *

غراب خضاب لم يقف من حذاره‏* * *و أغرب شي‏ء في الحذار غرابي‏

* * *

و قوله و هو من البديع المخترع: [الكامل‏]

لا بدّ من ميل إلى جهة فلا* * *تنكر على الرجل الكريم مميلا

* * *

إنّ الفؤاد و إن توسّط في الحشا* * *ليميل في جهة الشّمال قليلا

* * *

و قوله و هو معنى قد قيل فيه: [الكامل‏]

لا تعجبوا للمرء يجهل قدره‏* * *أبدا و يعرف غيره فيصبر

* * *

فالعين تبصر غيرها مع بعده‏* * *لكنّ بؤبو نفسها لا تبصر

* * *

و قوله: [الوافر]

أرى المتعلّمين عليك أعدا* * *إذا أعلمتهم من كلّ عاد

* * *

فما عند الصّغير سوى عقوق‏* * *و لا عند الكبير سوى عناد

* * *

و قوله في وصفه ذي الجاه: [الخفيف‏]

يضع الناس صاحب الجاه فيهم‏* * *كل يوم في كفّة الميزان‏

* * *

____________

(1) هو أبو علي الحسن بن أبي جعفر بن خلاص، تولّى سبتة سنة 637 ه، ثم ثار فيها في عهد السعيد أبي الحسن المعتضد بالله الموحدي سنة 641 ه، و بايع للأمير أبي زكريا الحفصي، صاحب تونس. توفي سنة 646 ه. البيان المغرب، قسم الموحدين (ص 347، 353، 360، 378).

(2) صدر هذا البيت مختل الوزن و المعنى.

(3) في الأصل: «فشيب» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) رواية عجز البيت في الأصل هي: «و لكن نفسها لا تبصر»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(5) أصل القول: «أعداء»، و كذا ينكسر الوزن.

242

إن رأوه يوما ترجّح وزنا* * *ضاعفوا البرّ فهو ذو رجحان‏

* * *

أو رأوا منه نقص حبّة وزن‏* * *ما كسوه في حبّة الجلجلان‏

* * *

و أنشدنا عنه غير واحد من شيوخنا و قد بلغ الثمانين: [السريع‏]

يا أيها الشيخ الذي عمره‏* * *قد زاد عشرا بعد سبعينا

* * *

سكرت من أكؤس خمر الصّبا* * *فحدّك الدّهر ثمانينا

* * *

و قال: هيهات! ما أظنّه يكملها، و قال في الكبرة: [الكامل‏]

يا من لشيخ قد أسنّ و قد عفا* * *مذ جاوز السّبعين أضحى مدنفا

* * *

خانته بعد وفائها أعضاؤه‏* * *فغدا قعيدا لا يطيق تصرّفا

* * *

هرما غريبا ما لديه مؤانس‏* * *إلّا حديث محمد و المصطفى‏

* * *

و كتب إلى القاضي أبي الحجاج الطّرسوني في مراجعة: [السريع‏]

يا سيدي، شاكركم مالك‏* * *قد صيّرت ميم اسمه هاء

* * *

و من يعش خمسا و تسعين‏* * *قد أنهت‏ التعمير إنهاء

* * *

و من نظمه في عرس صنعها بسبتة على طريقه في المجانة: [الكامل‏]

اللّه أكبر في منار الجامع‏* * *من سبتة تأذين عبد خاشع‏

* * *

اللّه أكبر للصّلاة أقيمها* * *بين الصّفوف من البلاط الواسع‏

* * *

اللّه أكبر محرما و موجّها* * *دبري‏ إلى ربّي بقلب خاضع‏

* * *

الحمد للّه السلام عليكم‏* * *آمين لا تفتح لكلّ مخادع‏

* * *

إن النّساء خدعنني و مكرن بي‏* * *و ملأن من ذكر النساء مسامعي‏

* * *

حتى وقعت و ما وقعت بجانب‏* * *لكن على رأس لأمر واقع‏

* * *

و اللّه ما كانت إليه ضرورة* * *لكنّ أمر اللّه دون مدافع‏

* * *

فخطبن لي في بيت حسن قلن لي‏* * *و كذبن لي في بنت قبح شانع‏

* * *

بكرا زعمن صغيرة في سنّها* * *حسناء تسفر عن جمال بارع‏

* * *

خودا لها شعر أثيث حالك‏* * *كالليل تجلى عن صباح ساطع‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «قد أنهى في التعمير» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الأصل: «و دبرة» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

243

حوراء يرتاع الغزال إذا رنت‏* * *بجفون خشف‏ في الخمائل رافع‏

* * *

تتلو الكتاب بغنّة و فصاحة* * *فيميل نحو الذّكر قلب السامع‏

* * *

بسّامة عن لؤلؤ متناسق‏* * *في ثغرها في نظمه متتابع‏

* * *

أنفاسها كالرّاح فضّ ختامها* * *من بعد ما ختمت بمسك رائع‏

* * *

شمّاء دون تفاوت عربيّة* * *ببسالة و شجاعة و منازع‏

* * *

غيداء كالغصن الرّطيب إذا مشت‏* * *ناءت بردف للتعجّل مانع‏

* * *

تخطو على رجلي حمامة أيكة* * *مخضوبة تسبي فؤاد السامع‏

* * *

و وصفن لي من حسنها و جمالها* * *ما البعض منه يقيم عذر الخالع‏

* * *

فدنوت و استأمنت بعد توحّشي‏* * *و أطاع قلب لم يكن بمطاوع‏

* * *

فحملنني نحو الوليّ و جئنني‏* * *بالشّاهدين و جلد كبش واسع‏

* * *

و بعرفه من نافع لتعادل‏* * *و اللّه عزّ و جلّ ليس بنافع‏

* * *

فشرطن أشراطا عليّ كثيرة* * *ما كنت في حملي لها بمطاوع‏

* * *

ثم انفصلت و قد علمت‏ بأنني‏* * *أوثقت في عنقي لها بجوامع‏

* * *

و تركنني يوما و عدن و قلن لي‏* * *خذ في البناء و لكن بمرافع‏

* * *

و اصنع لها عرسا و لا تحوج إلى‏* * *قاض عليك و لا وكيل رافع‏

* * *

و قرعت سنّي عند ذاك ندامة* * *ما كنت لو لا أن‏ خدعت بقارع‏

* * *

و لزمتني حتى انفصلت بموعد* * *بعد اليمين إلى النهار الرابع‏

* * *

فلو أنني طلّقت كنت موفّقا* * *و نفضت من ذاك النكاح أصابعي‏

* * *

لكن طمعت بأن أرى الحسن الذي‏* * *زوّرن لي فذممت سوء مطامعي‏

* * *

فنظرت في أمر البناء معجّلا* * *و صنعت عرسا يا لها من صانع!

* * *

و طمعت أن‏ تجلى و يبصر وجهها* * *و يقرّ عيني بالهلال الطّالع‏

* * *

و ظننت ذاك كما ذكرن و لم يكن‏* * *و حصلت أيضا في مقام الفازع‏

* * *

و حملنني ليلا إلى دار لها* * *في موضع عن كل خير سامع‏

* * *

دار خراب في مكان توحّش‏* * *ما بين آثار هناك بلاقع‏

* * *

فقعدت في بيت صغير مظلم‏* * *و لا شي‏ء فيه سوى حصير الجامع‏

* * *

____________

(1) الخشف: ولد الظّبي.

(2) في الأصل: «و علمت»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) كلمة «أن» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

(4) في الأصل: «بأن»، و كذا ينكسر الوزن.

244

فسمعت حسّا عن شمالي منكرا* * *و تنحنحا يحكي نقيق ضفادع‏

* * *

فأردت أن أنجو بنفسي هاربا* * *و وثبت عند الباب وثبة جازع‏

* * *

فلقيتهنّ و قد أتين بجذوة* * *فرددنني و حبسنني بمجامع‏

* * *

و دخلن بي في البيت و استجلسنني‏* * *فجلست كالمضرور يوم زعازع‏

* * *

و أشرن لي نحو السّماء و قلن لي‏* * *هذي زويبعة و بنت زوابع‏

* * *

هذي خليلتك التي زوّجتها* * *فاجلس هنا معها ليوم سابع‏

* * *

بتنا من‏ النّعمى التي خوّلتها* * *فلقد حصلت على رياض يانع‏

* * *

فنظرت نحو خليلتي متأمّلا* * *فوجدتها محجوبة ببراقع‏

* * *

و أتيتها و أردت نزع خمارها* * *فغدت تدافعني بجدّ وازع‏

* * *

فوجلتها في صدرها و حذوته‏* * *و كشفت هامتها بغيظ صارع‏

* * *

فوجدتها قرعاء تحسب أنّها* * *مقروعة في رأسها بمقارع‏

* * *

حولاء تنظر فوقها في ساقها* * *فتخالها مبهوتة في الشارع‏

* * *

فطساء تحسب أنّ روثة أنفها* * *قطعت فلا شلّت يمين القاطع‏

* * *

صمّاء تدعى بالبريح و تارة* * *بالطّبل أو يؤتى لها بمقامع‏

* * *

بكماء إن رامت كلاما صوّتت‏* * *تصويت معزى نحو جدي راضع‏

* * *

فقماء إن ما تلتقي أسنانها* * *تفسو إذا نطقت فساء الشابع‏

* * *

عرجاء إن قامت تعالج مشيها* * *أبصرت مشية ضالع أو خامع‏

* * *

فلقيتها و جعلت أبصق نحوها* * *و أفرّ نحو دجى و غيث هامع‏

* * *

حيران أغدو في الزّقاق كأنني‏* * *لصّ أحسّ بطالب أو تابع‏

* * *

حتى إذا لاح الصباح و فتّحوا* * *باب المدينة كنت أوّل كاسع‏

* * *

و اللّه ما لي بعد ذاك بأمرها* * *علم و لا بأمور بيتي الضّائع‏

* * *

نثره: و فضّل الناس نظمه على نثره، و نحن نسلّم ذلك من باب الكثرة، لا من باب الإجادة. و هذه الرسالة معلمة بالشهادة بحول اللّه.

كتب إلى الشيخين الفقيهين الأديبين البليغين أبي بكر بن يوسف بن الفخّار، و أبي القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري:

____________

(1) في الأصل: «السما».

(2) في الأصل: «و بتنا النعمى» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) كلمة «ما» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

245

«للّه درّكما حليفي صفاء، و أليفي وفاء، يتنازعان كأس المودّة تنازع الأكفاء، و يتهاديان ريحان التحية تهادي الظّرفاء. قسيمي نسب، و قريعي حسب، يتجاوزان بمطبوع من الأدب و مكتسب، و يتواردان على علم من الظّرف و نسب، رضيعي لبان، ذريعي لبان، يحرزان ميراث قسّ و سحبان، و يبرزان من الذّكاء ما بان على أبان، قسيمي مجال، فصيحي رويّة و ارتجال، يترعان في أشطان البلاغة سجالا بعد سجال، و يصرعان في ميدان الفصاحة رجالا على رجال. ما بالكما؟ لا حرمت حبالكما و لا قصمت نبالكما، لم تسمحا لي من عقودكما بدرّة، و لم ترشّحاني من نقودكما بدرة، و لم تفسحا لي بحلوة و لا مرّة. لقد ابتليت من أدبكما بنهر أقربه و لا أشربه، و ما أرده و لا أتبرّده. و لو كنت من أصحاب طالوت لا فسحت لي غرفة، و أتيحت لي ترفة. بل لو كنت من الإبل ذوات الأظماء، ما جليت بعد الظّمإ على الماء، و لا دخلت بالإشفاق مدخل العجماء. كيف و أنا و لا فخر في صورة إنسان، ناطق بلسان، أفرّق بين الإساءة و الإحسان. و إن قلت إنّ باعي في النّظم قصير، و ما لي على النّثر وليّ و لا نصير، و صنعة النحو عني بمعزل، و منزل الفقيه ليس لي بمنزل، و لم أقدم على العلم القديم، و لا استأثرت من أهله بنديم. فأنا و الحمد للّه غنيّ بصنعة الجفر، و أقتني اليراع كأنها شبابيك التّبر، و أبري البريّة التي‏ تنيف على الشّبر، و أزين خدود الأسطار المستوية، بعقارب اللّامات الملتوية، و لا أقول كأنها، فلا ينكر السيدان أعزّ هما اللّه أنها نعم بعود أزاعم، و بمثل شكسي تحضر الملاحم. فما هذا الازدراء و الاجتراء في هذا الأمر مرّ المواقير. تاللّه لقد ظلمتماني على علم، و استندتما إلى غير حلم، أما رهبتما شبابي، أما رغبتما في حسابي، أما رفعتما بين نفح صبابي، و لفح صبابي. لعمري لقد ركبتما خطرا، و هجتما الأسد بطرا، و أبحتما حمى محتضرا، و لم تمعنا في هذا الأمر نظرا: [الطويل‏]

أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما* * *أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا

* * *

و نفسي عين الحمار، في هذا المضمار، لا أعرف قبيلا من دبير، و لا أفرّق بحسّي بين صغير و كبير، و لا أعهد أنّ حصاة الرّمي أخفّ من ثبير، أليس في ذوي كبد رطبة أجر، و في معاملة أهل التّقوى و المغفرة تجر؟ و إذا خوّلتماني نعمة أو نفلتماني نفلا، فاليد العليا خير من اليد السّفلى، و ما نقص مال من صدقة، و لا جمال من لمح حدقة، و العلم يزيد بالإنفاق، و كتمه حرام باتفاق، فإن قلتما لي إنّ فهمك سقيم، و عوجك على الرّياضة لا يستقيم، فلعلّ الذي نصب قامتي، يمنّ‏

____________

(1) في الأصل: «المغا».

246

باستقامتي، و عسى الذي يشقّ سمعي و بصري، أن يزيل عييّ و حصري، فأعي ما تقصّان، و أجتلي ما تنصّان، و أجني ثمار تلك الأغصان، فقد شاهدتما كثيرا من الحيوان، يناغى فيتعلّم، و يلقّن فيتكلّم. هذا و الجنس غير الجنس، فكيف المشارك في نوعيّة الإنس؟ فإن قلنا إن ذلك يشقّ، فأين الحقّ الذي يحقّ، و المشقّة أخت المروّة، و ينعكس مساق هذه الأخوّة، فيقال المروّة أخت المشقّة، و الحجيج يصبر على بعد الشّقّة، و لو لا المشقّة كثر السّادة، و قلّت الحسادة، فما ضرّكما أيها السيّدان أن تحسبا تحويجي، و تكتسبا الأجر في تدريجي؟ فإنكما إن فعلتما ذلك نسبت إلى و لائكما، كما حسبت على علائكما، و أضفت إلى نديّكما، كما عرّفت بمنتداكما.

أ لم تعلما أنّ المرء يعرف بخليله، و يقاس به في كثيرة و قليله؟ و لعلّي أمتحن في مرام، و يعجم عودي رام، فيقول هذا العود من تلك الأعواد، و ما في الحلبة من جواد، فأكسوكما عارا، و أكون عليكما شعارا. على أني إذا دعيت باسمكما استريت من الادّعاء، فلا أستجيب لهذا الدّعاء، و لكن أقول كما قال ابن أبي سفيان حين عرف الإدارة، و أنكر الإمارة، نعم أخوّتي أصحّ، و أنّها بها أشحّ، إلا أنّ غيري نظم في السّلك، و أسهم في الملك، و أنا بينكما كالمحجوب بين طلّاب، يشاركهم في البكا لا في التّراب‏، إن حضرت فكنتم في الإقحام، أو لمقعد في زحام، و إن غبت فيقضى الأمر، و قد سطر زيد و عمرو. ناشدتكما اللّه في الإنصاف أن تريعا بواد من أودية الشّحر، في ناد من أندية الشّعر بل السّحر، حيث تندرج الأنهار، و تتأرّج الأزهار، و يتبرّج الليل و النهار، و يقرأ الطير صحفا منتثرة، و يجلو النور ثغورا مؤشّرة، و يغازل عيون النّرجس الوجل، خدود الورد الخجل، و تتمايل أعطاف البان، على أرداف الكثبان، فيرقد النسيم العليل، في حجر الرّوض و هو بليل، و تبرز هوادج الرّاح، على الرّاح، و قد هديت بأقمار، و حديت بأزهار و مزمار، و ركبتها الصّبا و الكميت في ذلك المضمار، و لم تزالا في طيب، و عيش رطيب، من قباب و خدور، و شموس و بدور، تصلان الليالي و الأيام أعجازا بصدور، و أنا الطّريد منبوذ بالعراء، موقوذ في جهة الوراء، لا يدني محلّي، و لا يعتنى بعقدي و لا حلّي، و لا أدرج من الحرور إلى الظّل، و لا أخرج من الحرام إلى الحلّ، و لا يبعث إليّ مع النّسيم هبّة، و لا يتاح لي من الآتي عبّة. قد هلكت لغوا، و لم تقيما لي صفوا، و متّ كمدا، و لم تبعثا لبعثي أمدا. أ تراه خلفتماني جرضا، و ألقيتماني حرضا؟ كم أستسقي فلا أسقى، و أسترقي فلا أرقى، لا ماء أشربه، و لا عمل في وصلكما

____________

(1) في الأصل: «التراث».

247

أدرّبه. لم يبق لي حيلة إلّا الدّعاء المجاب، فعسى الكرب أن ينجاب. اللهمّ كما أمددت هذين السّيّدين بالعلم الذي هو جمال، و سدّدتهما إلى العمل الذي هو كمال، و جمعت فيهما الفضائل و المكارم، و ختمت بهما الأفاضل و المكارم، و جعلت الأدب الصّريح أقلّ خصالهما، و النّظر الصحيح أقلّ نصالهما، فاجعل اللهمّ لي في قلوبهما رحمة و حنانا، و ابسط لي منهما وجها و اشرح لي جنانا، و اجعلني اللهمّ ممّن اقتدى بهما، و تعلّق بأهدابهما، و كان دأبه في الصّالحات كدأبهما، حتى أكون بهما ثالث القمرين في الآيات، و ثالث العمرين في عمل البرّ و طول الحياة، اللهمّ آمين، و صلّى اللّه على محمد خاتم النبيّين. و كأنّي أنظر إلى سيديّ عزّهما اللّه إذا وقفا على هذا الخطاب، و نظرا إلى هذا الاحتطاب، كيف يديران رمزا، و يسيران غمزا؟ و يقال: استتبّ الفصال، و تعاطى البيذق ما تفعل النّصال، و حنّ جذع ليس منها، و خذ عجفاءك و سمّنها، فأقول و طرفي غضيض، و محلّي الحضيض، مثلي كمثل الفروج أو ثاني البروج، و ما تقاس الأكفّ بالسّروج، فأضربا عني أيها الفاضلان، ما أنا ممّن تناضلان، و السلام».

مولده: قال شيخنا الفقيه أبو عبد اللّه ابن القاضي المتبحّر العالم أبي عبد اللّه بن عبد الملك: سألته عن مولده فأنشدني: [الرجز]

يا سائلي عن مولدي كي أذكره‏* * *ولدت يوم سبعة و عشره‏

* * *

من المحرّم افتتاح أربع‏* * *من بعد ستمائة مفسّرة

* * *

وفاته: في التاسع‏ عشر لرجب عام تسعة و تسعين و ستمائة، و دفن بمقبرة فاس، و أمر أن يكتب على قبره: [مجزوء الخفيف‏]

زر غريبا بمقره‏* * *نازحا ما له ولي‏

* * *

تركوه موسّدا* * *بين ترب و جندل‏

* * *

و لتقل عند قبره‏* * *بلسان التّدلّل‏

* * *

يرحم اللّه عبده‏* * *مالك بن المرحّل‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «منهما».

(2) في الذيل و التكملة (السفر الثامن ص 527): «كانت وفاته بمدينة فاس في الثامن عشر لرجب الفرد من سنة تسع و تسعين و ستمائة». و في هدية العارفين: توفي سنة 672 ه.

(3) في الأصل: «ول» بدون ياء.

248

و من طارئي المقرئين و العلماء

منصور بن علي بن عبد اللّه الزواوي‏

صاحبنا، يكنى أبا علي.

حاله: هذا الرجل طرف في الخير و السلامة، و حسن العهد، و الصّون و الطهارة و العفّة، قليل التصنّع، مؤثر للاقتصاد، منقبض عن الناس، مكفوف اللسان و اليد، مشتغل بشأنه، عاكف على ما يعنيه، مستقيم الظاهر، ساذج الباطن، منصف في المذاكرة، موجب لحقّ الخصم، حريص على الإفادة و الاستفادة، مثابر على تعلّم العلم و تعليمه، غير أنف عن حمله عمّن دونه، جملة من جمل السّذاجة و الرّجولة و حسن المعاملة، صدر من صدور الطّلبة، له مشاركة حسنة في كثير من العلوم العقلية و النّقلية، و اطّلاع و تقييد، و نظر في الأصول و المنطق و علم الكلام، و دعوى في الحساب و الهندسة و الآلات. يكتب الشّعر فلا يعدو الإجادة و السّداد.

قدم الأندلس في عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة، فلقي رحبا، و عرف قدره، فتقدم مقرئا بالمدرسة تحت جراية نبيهة، و حلّق للناس متكلّما على الفروع الفقهية و التفسير، و تصدّر للفتيا، و حضر بالدار السلطانية مع مثله. جرّبته و صحبته، فبلوت منه دينا و نصفة، و حسن عشرة.

محنته: امتحن في هذا العهد الأخير بمطالبة شرعيّة، لمتوقّف صدر عنه لما جمع الفقهاء للنّظر في ثبوت عقد على رجل نال من جانب اللّه و النّبوّة، و شكّ في القول بتكفيره، فقال القوم بإشراكه في التكفير و لطخه بالعاب الكبير، إذ كان كثير المشاحّة لجماعتهم، فأجلت الحال عن صرفه عن الأندلس في أواخر شعبان عام خمسة و ستين و سبعمائة.

مشيخته: طلبت منه تقييد مشيخته، فكتب مما يدل على جودة القريحة ما نصه:

«يتفضّل سيدي الأعلى الذي أهتدي بمصباحه، و أعشو إلى غرره و أوضاحه، جامع أشتات العلوم، و فاتق رتق الفهوم، حامل راية البديع، و صاحب آيات التّورية فيه‏

____________

(1) هي المدرسة العجيبة التي بنيت في عهد سلطان غرناطة أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل، الذي حكم من سنة 733 ه إلى سنة 755 ه، و قد عدّها ابن الخطيب بكر المدارس في حضرته غرناطة. اللمحة البدرية (ص 109).

249

و التّرصيع، نخبة البلغاء، و فخر الجهابذة العلماء، قائد جياد البلاغة من نواصيها، و سائق شوارد الحكم من أقاصيها، أبو عبد اللّه بن الخطيب أبقاه اللّه للقريض يقطف زهره، و يجتني غرره، و للبديع يطلع قمره، و ينظم درره، و للأدب يحوك حلله، و يجمع تفاصيله و جمله، و للمعاني يجوس بجيوش البراعة خلالها، و يفتتح بعوامل اليراعة أقفالها، و للأسجاع يقرّط الأسماع بفرائدها، و يحلّي النحور بقلائدها، و للنّظم يورد جياده أحلى الموارد، و يجيلها في مضمار البلاغة من غير معاند، و للنّثر يفترع أبكاره، و يودعها أسراره، و لسائر العلوم يصوغها في مفرق الآداب تاجا، و يضعها في أسطر الطّروس سراجا، و لا زال ذا القلم الأعلى، و بدر الوزارة الأوضح الأجلى، ببقاء هذه الدولة المولوية و الإمامة المحمدية كعبة لملوك الإسلام، و مقصدا للعلماء الأعلام، و رضى عنهم خلفا و سلفا، و بورك لنا فيهم وسطا و طرفا، و لا زالت آمالنا بعلائهم منوطة، و في جاههم العريض مبسوطة، بقبول ما نبّه عليه، من كتب شيوخي المشاهير إليه، فها أنا أذكر ما تيسّر لي من ذلك بالاختصار، إذ لا تفي بذكرهم و حلاهم المجلّدات الكبار.

فمنهم مولاي الوالد علي بن عبد اللّه لقاه اللّه الرّوح و الريحان، و أوسعه الرّضا و الغفران. قرأت عليه القرآن و بعض ما يتعلق به من الإعراب و الضبط. ثم بعثني إلى شيخنا المجتهد الإمام علم العلماء، و قطب الفقهاء، قدوة النّظار، و إمام الأمصار، منصور بن أحمد المشدالي، (رحمه اللّه) و قدّس روحه، فوجدته قد بلغ السّنّ به غاية أوجبت جلوسه في داره، إلّا أنه يفيد بفوائده بعض زوّاره، فقرأت من أوائل ابن الحاجب‏ عليه لإشارة والدي بذلك إليه، و ذلك أول محرم عام سبعة و عشرين و سبعمائة. و اشتدّ الحصار ببجاية لسماعنا أنّ السلطان العبد الوادي‏ ينزل علينا بنفسه، فأمرني بالخروج، (رحمه اللّه)، فعاقني عائق عن الرجوع إليه؛ لأتمم قراءة ابن الحاجب عليه. ثم مات، (رحمه اللّه)، عام أحد و ثلاثين و سبعمائة، فخصّ مصابه البلاد و عمّ، و لفّ سائر الطلبة و ضمّ، إلّا أنه ملأ بجاية و أنظارها بالعلوم النظرية و قساها، و أنظارها بالفهوم النقلية و العقلية فصار من طلبته شيخنا المعظم، و مفيدنا المقدّم، أبو عبد اللّه محمد بن يحيى الباهلي المعروف بالمفسّر، (رحمه اللّه)، بالطريقة الحاجبية، و الكتابة الشرعية و الأدبية، مع فضل السّنّ و تقرير حسن، إلى معارف تحلّاها،

____________

(1) هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن يونس المصري، المتوفّى سنة 646 ه. له مختصر في الفقه المالكي يسمّى المختصر الفقهي، و الفرعي، و الجامع بين الأمهات. حسن المحاضرة (ج 1 ص 215) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 199) و نفح الطيب (ج 7 ص 326).

(2) نسبة إلى بني عبد الواد، أصحاب تلمسان بالمغرب الأوسط.

250

و محاسن اشتمل حلاها. و استمرّ في ذكر شيوخه على هذه الوتيرة من التزام السّجع، و تقرير الحلي، فأجاد، و تجاوز المعتاد، فذكر منهم محمد بن يحيى الباهلي المذكور، و أنه أخذ عنه جملة من العلوم، فأفرده بقراءة الإرشاد؛ و الأستاذ أبا علي بن حسن البجلي، و قرأ عليه جملة من الحاصل، و جملة من المعالم الدينية و الفقهية، و الكتب المنطقية، كالخونجي، و الآيات البيّنات؛ و القاضي أبا عبد اللّه محمد بن أبي يوسف، قاضي الجماعة ببجاية؛ و أبا العباس أحمد بن عمران الساوي اليانيولي. قال:

ثم ثنيت العنان بتوجّهي إلى تلمسان، راغبا في علوم العربية، و الفهوم الهندسية و الحسابية، فأول من لقيت شيخنا الذي علمت في الدنيا جلالته و إمامته، و عرفت في أقاصي البلاد سيادته و زعامته، و ذكر رئيس الكتّاب العالم الفاضل أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، و المحدّث البقيّة أبا العباس بن يربوع، و القاضي أبا إسحاق بن أبي يحيى، و قرأ شيئا من مبادئ العربية على الأستاذ أبي عبد اللّه الرّندي. و لقي بالأندلس جلّة؛ فممّن قرأ عليه إمام الصنعة العربية شيخنا أبو عبد اللّه بن الفخّار الشهير بالبيري، و لازمه إلى حين وفاته، و كتب له بالإجازة و الإذن له في التّحليق بموضع قعوده من المدرسة بعده. و قاضي الجماعة الشريف أبو القاسم محمد بن أحمد الحسيني، نسيج وحده، و لازمه، و أخذ عنه تواليفه، و قرأ عليه تسهيل الفوائد لابن مالك، و قيّد عليه، و روى عن شيخنا إمام البقية أبي البركات ابن الحاج، و عن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، و هو الآن بالحال الموصوفة.

أعانه اللّه و أمتع به.

شعره: زرنا معا و الشيخ القاضي المتفنّن أبو عبد اللّه المقرئ، عند قدومه إلى الأندلس، رباط العقاب‏. و استنشدت القاضي، و كتب لي يومئذ بخطّه: استنشدني الفقيه الوجيه الكامل ذو الوزارتين أبو عبد اللّه بن الخطيب، أطال اللّه بقاه كما أطال ثناه، و حفظ مهجته، كما أحسن بهجته، فأنشدته لنفسي: [البسيط]

لمّا رأيناك بعد الشّيب يا رجل‏* * *لا تستقيم و أمر النفس تمتثل‏

* * *

زدنا يقينا بما كنّا نصدّقه‏* * *عند المشيب يشبّ الحرص و الأمل‏

* * *

و كان ذلك بمسجد رابطة العقاب، عقب صلاة الظهر من يوم الأحد التاسع و العشرين لشهر ربيع الآخر من عام سبعة و خمسين و سبعمائة. و كتب الشيخ الأستاذ أبو علي يقول: منصور بن علي الزّواوي، في رابطة العقاب في كذا، أجزت صاحبنا

____________

(1) رباط العقاب أو رابطة العقاب كانت تخصّص للعبادة، و كانت على مقربة من مدينة غرناطة.

الإحاطة (ج 3 ص 329) حاشية رقم 1، من تعليق المحقق محمد عبد اللّه عنان.

251

الفقيه المعظم، أبا عبد اللّه بن الخطيب و أولاده الثلاثة عبد اللّه، و محمدا، و عليّا، أسعدهم اللّه، جميع ما يجوز لي و عنّي روايته، و أنشدته قولي أخاطب بعض أصحابنا:

[الطويل‏]

يحيّيك عن بعض المنازل صاحب‏* * *صديق غدت تهدى إليك رسائله‏

* * *

مقدّمة حفظ الوداد وسيلة* * *و لا ودّ أن تصحّ وسائله‏

* * *

يسائل عنك الدارسين‏ و لم يكن‏* * *تغيب لبعد الدار عنك مسائله‏

* * *

و كتبت له قبل هذا مما أنشدته عند قدومي على غرناطة: [المجتث‏]

يا من وجدناه لفظا* * *حقيقة في المعالي‏

* * *

مقدّمات علاكم‏* * *أنتجن كلّ كمال‏

* * *

و كل نظم قياس‏* * *خلوت منه فخال‏

* * *

و هو من لدن أزعج عن الأندلس، كما تقدّم ذكره، مقيم بتلمسان، على ما كان عليه من الإقراء و التدريس.

مسلم بن سعيد التّنملّي‏

حاله: كان غير نبيه الأبوّة. ظهر في دولة السلطان أمير المسلمين، ثاني الملوك من بني نصر، بمزيد كفاية، فقلّده خطّة الحفازة، و هي تعميم النظر في المجابي، و ضمّ الأموال، و إيقاع النّكير في محلّ التّقصير، و مظانّ الريب، فنمت حاله، و عظم جاهه، و رهبت سطوته، و خيف إيقاعه، و قربت من السلطان وسيلته، فتقدّم الخدّام، و استوعب أطراف الحظوة، و اكتسب العقار، و صاهر في نبيه البيوتات، و أورث عنه أخبارا تشهد له بالجود و علوّ الهمة، و شرف النفس، إلى أن قضى على هذه الوتيرة.

ذكروا أن شخصا جلب سلعة نفيسة مما يطمع في إخفائها، حيدة عن وظيفة المغرم الباهظة في مثل جنسه، فبينما هو يروم المحاولة، إذ بصر بنبيه المركب و البزة،

____________

(1) في الأصل: «الدارين»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) نسبة إلى تين ملّل، سرير ملك بني عبد المؤمن الموحدي، بها كان أول خروج المهدي محمد بن تومرت، الذي أقام بالدولة، و مات فصارت لعبد المؤمن ثم لولده. معجم البلدان (ج 2 ص 69).

(3) هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، الذي حكم غرناطة من سنة 671 ه إلى سنة 701 ه. اللمحة البدرية (ص 50).

252

ينفضّ في زوايا الفحص عن مثل مضطبنه، فظنّه رئيسا من رؤساء الجند، فقصده و رغب منه إجازة خبيئته بباب المدينة، و قرّر لتخوّفه من ظلم الحافز الكذا مسلم، فأخذها منه و خبّأها تحت ثيابه، و وكّل به. و لم يذهب المسكين إلّا يسيرا، حتى سأل عن الرجل، فأخبر أنّه الذي فرّ عنه، فسقط في يده. ثم تحامل، فألفاه ينظره في داخل السور، فدفع إليه أمانته، و قال: سر في حفظ اللّه، فقد عصمها اللّه من ذلك الرجل الظالم. فخجل الرجل، و انصرف متعجّبا. و أخباره في السّراوة و نجح الوسيلة كثيرة.

وفاته: توفي في عام ثمانية و تسعين و ستمائة، و شهد أميره دفنه، و كان قد أسفّ ولي العهد بأمور صانعه فيها من باب خدمة والده، فكان يتلمّظ لنكبته، و نصب لثاته لأكله، فعاجله الحمام قبل إيقاع نقمته به. و لمّا تصيّر إليه الأمر، نبش قبره، و أخرج شلوه، فأحرق بالنار، إغراقا في شهوة التّشفي، (رحمه اللّه) عليه.

و من العمال الأثراء

مؤمّل، مولى باديس بن حبّوس‏

حاله و محنته: قال ابن الصّيرفي: و قد ذكر عبد اللّه بن بلقّين، حفيد باديس، و استشارته عن أمره، لمّا بلغه حركة يوسف بن تاشفين إلى خلعه. و كان في الجملة من أحبابه، رجل من عبيد جدّه اسمه مؤمّل، و له سنّ، و عنده دهاء و فطنة، و رأي و نظر. و قال في موضع آخر: و لم يكن في وزراء مملكته و أحبار دولته، أصيل الرأي، جزل الكلمة، إلّا ابن أبي خيثمة من كتبته، و مؤمّل من عبيد جدّه، و جعفر من فتيانه. رجع، قال: فألطف له مؤمّل في القول، و أعلمه برفق، و حسن أدب، أن ذلك غير صواب، و أشار إليه بالخروج إلى أمير المسلمين إذا قرب، و التّطارح عليه، فإنه لا تمكنه مدافعته، و لا تطاق حربه، و الاستجداء له أحمد عاقبة و أيمن مغبّة. و تابعه على ذلك نظراؤه من أهل السّن و الحنكة، و دافع في صدّ رأيه الغلمة و الأغمار، فاستشاظ غيظا على مؤمّل و من نحا نحوه، و همّ بهم، فخرجوا،

____________

(1) أغلب الظن أنه أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، المعروف بابن أبي خيثمة، الذي ذكره ابن خير مصنّفا لكتاب تاريخ هام. فهرسة ابن خير (ص 251- 252). راجع أيضا مذكرات الأمير عبد اللّه (ص 158) و مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 222).