الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
303

و من شعره في المقطوعات، قال في التورية العروضية: [الوافر]

لقد قطّعت قلبي يا خليلي‏* * *بهجر طال منك على العليل‏

* * *

و لكن ما عجيب منك هذا* * *إذ التّقطيع من شأن الخليل‏

* * *

و قال في التّورية النّحوية: [الطويل‏]

لقد كنت موصولا فأبدل وصلكم‏* * *بهجر و ما مثلي على الهجر يصبر

* * *

فما بالكم غيّرتم عبدكم‏* * *و عهدي بالمحبوب ليس يغيّر

* * *

و قال في التّورية مداعبا بعض المقرئين للعدد و هو بديع‏: [الكامل‏]

يا ناصبا علم الحساب حباله‏* * *لقناص ظبي ساحر الألباب‏

* * *

إن كنت ترجو بالحساب وصاله‏* * *فالبدر يرزقنا بغير حساب‏

* * *

و قال في التّورية العروضية: [المتقارب‏]

لقد كمل الودّ ما بيننا* * *و دمنا على فرح شامل‏

* * *

فإن دخل القطع في وصلنا* * *فقد يدخل القطع في الكامل‏

* * *

و قال في تضمين مثل‏: [الوافر]

ألا أكتم حبّ من أحببت و اصبر* * *فإنّ الهجر يحدثه الكلام‏

* * *

و إن أبداه دمع أو نحول‏* * *فمن بعد اجتهادي‏ لا تلام‏

* * *

و قال‏: [السريع‏]

و أشنب الثّغر له و جنة* * *تعدّت النّحل على وردها

* * *

ما ذاك إلّا حسد إذ رأت‏* * *رضابه أعذب من شهدها

* * *

____________

(1) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 96) و نفح الطيب (ج 8 ص 85).

(2) في الأصل: «إنه» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(3) أراد من التقطيع تقطيع قلبه، و ورّى بالتقطيع الذي يختص بالشعر و الذي وصفه الخليل بن أحمد الفراهيدي.

(4) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 97).

(6) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 97).

(10) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 97).

(12) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 97).

(14) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 97).

(5) في الكتيبة: «يتغيّر».

(7) في الكتيبة: «حبالة».

(8) في المصدر نفسه: «ترزق».

(9) في المصدر نفسه: «فاللّه».

(11) كلمة «ما» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الكتيبة.

(13) في الكتيبة: «اجتهادك».

(15) في الكتيبة: «حسدا».

304

و قال في التّورية بأسماء كتب فقهية جوابا غير معمّى‏: [الطويل‏]

لك اللّه من خلّ حباني برقعة* * *حبتني من أبياتها بالنوادر

* * *

رسالة رمز في الجمال نهاية* * *و خيرة نظم أتحفت بالجواهر

* * *

و قال في التّورية أيضا: [الطويل‏]

إلى اللّه أشكو غدر آل تودّدي‏* * *إليّ فلمّا لاح سرّي لهم حالوا

* * *

لقد خدعوني إذ أروني مودّة* * *و لكنّه لا غرو أن يخدع الآل‏

* * *

و قال يخاطب رجلا من أصحابه‏: [الطويل‏]

أبا حسن‏ إن شتّت الدّهر شملنا* * *فليس لودّ في الفؤاد شتات‏

* * *

و إن حلت عن عهد الإخاء فلم يزل‏* * *لقلبي على حفظ العهود ثبات‏

* * *

و هبني سرت مني إليك إساءة* * *أ لم تتقدّم قبلها حسنات؟

* * *

و قال في النّسيب‏: [الطويل‏]

لئن‏ كان باب القرب قد سدّ بيننا* * *و لم يبق لي في نيل وصلك مطمع‏

* * *

و أخفرت‏ عهدي دون ذنب جنيته‏* * *و أصبح ودّي فيك و هو مضيّع‏

* * *

و لم ترث لي عمّا ألاقي من الأسى‏* * *و صرت أنادي منك من ليس يسمع‏

* * *

و ضاقت بي الأحوال عن كلّ وجهة* * *فما أرتجي من رحمة اللّه أوسع‏

* * *

____________

(1) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 97).

(2) في الكتيبة: «أنبائها».

(3) في الكتيبة: «في الحجال مهابة ذخيرة نظم ...».

(4) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 99).

(5) في الأصل: «... أشكو عذرا تودّدا»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(6) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 98)، و وردت في أزهار الرياض (3 ص 195) منسوبة إلى محمد بن جزي.

(7) في الأصل: «أيا حسن» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة الكامنة و أزهار الرياض.

(8) في أزهار الرياض: «بالفؤاد».

(9) في أزهار الرياض: «أزل».

(10) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 98).

(11) في الأصل: «ران» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الكتيبة.

(12) في الكتيبة: «و أخفر».

(13) في الكتيبة: «ممّا».

(14) في الكتيبة: «لما».

305

و ممّا نظمه في التّضمين مخاطبا بعض المنتحلين للشّعر قوله‏: [الطويل‏]

لقد صرت في غصب القصائد ماهرا* * *فما أسم جميع الشعر عندك غير لي‏

* * *

و لم تبق شعرا لامرى‏ء متقدّم‏* * *و لم تبق شعرا يا ابن بشت‏ لأول‏

* * *

فشعر جرير قد غصبت و رؤبة* * *و شعر ابن مرج الكحل و ابن المرحّل‏

* * *

و إن دام هذا الأمر أصبحت تدّعي‏* * *(قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل)

* * *

و من المقرئين و العلماء

عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن مجاهد العبدري الكوّاب‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، الخطيب، المقرئ.

حاله: من «الصّلة»: كان، (رحمه اللّه)، أتقن أهل زمانه في تجويد كتاب اللّه العزيز، و أبرعهم في ذلك، و أنفعهم للمتعلم، نفع اللّه به كل من قرأ عليه، و ترك بعده جملة يرجع إليهم في ذلك، و يعمل على ما عندهم. و كان مع ذلك نبيه الأغراض، في جميع ما يحتاج إليه في علمه، ذاكرا للاختيارات التي تنسب للمقرئين، من يرجّح و يعلّل، و يختار و يردّ، موفقا في ذلك، صابرا على التعليم، دائبا عليه نهاره و ليله، ذاكرا لخلاف السّبعة. رحل الناس إليه من كل مكان، خاصّتهم و عامّهم، و ملأ بلده تجويدا و إتقانا، و كان مع هذا فاضلا ورعا جليلا. خطب بجامع غرناطة و أمّ به مدة طويلة إلى حين وفاته.

مشيخته: أخذ القراءات عن الحاج أبي الحسين‏ بن كوثر، و أبي خالد بن رفاعة، و أبي عبد اللّه بن عروس. و رحل إلى بيّاسة فأخذ بها القراءات عن أبي بكر بن حسّون، و أخذ مع هؤلاء عن جعفر بن حكم، و أبي جعفر بن عبد الرحيم،

____________

(1) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 98- 99).

(2) في الأصل: «غيزل» و التصويب من الكتيبة الكامنة.

(3) في الكتيبة: «متأخر».

(4) في الكتيبة: «فعل».

(5) في الأصل: «و رويّه» و التصويب من الكتيبة.

(6) هو صدر مطلع معلقة امرئ القيس، و عجزه:

بسقط اللّوى بين الدّخول و حومل‏

ديوان امرئ القيس (ص 8).

(7) ترجمة عبد اللّه بن محمد العبدري الكواب في التكملة (ج 4 ص 296) و غاية النهاية (ج 1 ص 447 رقم 1866).

(8) في التكملة: «أبي الحسن».

306

و أبي الحسن الصّدفي الفاسي، و سمع عليه كثيرا من كتاب سيبويه تفقّها، و أجاز له كتابة القاضي أبو بكر بن أبي جمرة مع آخرين ممن أخذوا عنه.

من أخذ عنه: روى عن الناس أهل بلده و غيرهم، منهم ابن أبي الأحوص، و أبو عبد اللّه بن إبراهيم المقرئ.

وفاته: توفي في سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و دفن بمقبرة باب إلبيرة.

عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن علي بن سلمون الكناني‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، و يعرف بابن سلمون.

حاله: كان، (رحمه اللّه)، نسيج وحده، دينا و فضلا، و تخلّقا و دماثة، و لين جانب، حسن اللّقاء، سليم الباطن، مغرقا في الخير، عظيم الهشّة و القبول، كريم الطّويّة، عظيم الانقياد، طيّب اللهجة، متهالكا في التماس الصّالحين، يتقلّب في ذلك بين الخطإ و الإصابة، صدرا في أهل الشّورى. قرأ ببلده و سمع و أسمع و أقرأ، و كتب الشروط مدة، مأثور العدالة، معروف النّزاهة، مثلا في ذلك، و يقوم على العربية و الفقه، خصوصا باب البيوع، و يتقدّم السّباق في معرفة القراءات، منقطع القرين في ذلك، أشدّ الناس خفوفا في الحوائج، و أسرعهم إلى المشاركة.

مشيخته: قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير بغرناطة، و لازمه، فانتفع به دراية و رواية. و قرأ على الخطيب أبي الحسن بن فضيلة، و المكتّب أبي الحسن البلّوطي، و أبي محمد النّفزي، و الخطيب أبي جعفر الكحيلي. و بمالقة على الأستاذ أبي محمد الباهلي. و بسبتة على الأستاذ المقرئ رحلة وقته أبي القاسم بن الطيب، و سمع عليه الكثير. و على الأستاذ أبي عبد اللّه الدّراج، و لازم مجلس إقرائه، و على الشيخ المعمّر أبي عبد اللّه بن الخطّار الكامي، و هو أعلى من لقيه من تلك الحلبة.

و أخذ بالإجازة عن العدل أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن النّولي، و روايته عالية.

لقي أبا الربيع بن سالم، و لقي بسبتة الشّريف الرّاوية أبا علي الحسن بن أبي الشرف ربيع، و الأديب الكاتب أبا علي الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق. و بفاس الفقيه أبا غالب محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغيلي. و قرأ على الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه بن رشيد. و سمع على ذي الوزارتين أبي عبد اللّه بن الحكيم. و لقي الأديب المعمّر مالك بن المرحّل. و أجازه أبو عمران موسى بن الخطيب أبي الحسن‏

____________

(1) في التكملة: «و توفي سنة 631 و هو ابن خمس و سبعين سنة».

307

الدّاري برندة. و أجازه من أهل المشرق كثير، منهم عز الدين أحمد بن محمد الحسني بقيّة الأشراف بالدّيار المصرية، و جمال الدين أحمد بن محمد بن عبد اللّه الظاهري، و نجم الدين أحمد بن حمدان الحرّاني، و جمال الدين أحمد بن أبي الفتح الشّيباني، و أحمد بن عبد المنعم الصّوفي، و مولده عام أحد و ستمائة، و أحمد بن سلمان بن أحمد المقدسي، و أحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي، و شمس الدين إبراهيم بن سرور المقدسي، و الخطيب بالمسجد الأعظم ببجاية أبو عبد اللّه بن صالح الكناني، و أبو عبد اللّه محمد بن أبي خمسة محمد بن البكري بن أبي بكر، و أبو عبد اللّه محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، و ابن دقيق العيد تقي الدين، و أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة، و الشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت أبي الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السّكوني. و أجازه نحو من المايتين من أهل المشرق و المغرب. و لقي بفاس الشّيخة الأديبة الطيبة الشاعرة سارة بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبيّة و أجازته، و ألبسته خرقة التصوّف.

قال: و أنشدتني قصيدة أجابت بها الخطيب المحدّث أبا عبد اللّه بن رشيد، أولها يعني قصيدة ابن رشيد: [السريع‏]

سرى نسيم من حمى سارة* * *عاد به كلّ نسيم عاطرا

* * *

و جال أفكار الدّنا ذكرها* * *فسار فيها مثلا سائرا

* * *

دائرة و المجد قطب لها* * *دارت عليه فلكا دائرا

* * *

فقالت:

وافى قريض منكم مذ غدا* * *لبعض أوصافكم ذاكرا

* * *

أطلع من أنفاسه حجوا* * *و من شذاه نفسا عاطرا

* * *

أعاد ميت الفكر من خاطري‏* * *من بعد دفن في الثّرى ناشرا

* * *

يبهر طرفي حسن منظره‏* * *أحبب به نظما غدا باهرا

* * *

فقلت لمّا هالني حسنه‏* * *أ شاعرا أصبح أم ساحرا؟

* * *

أم روضة هذي التي قد نوى؟* * *أم بدر تمّ قد بدا زاهرا؟

* * *

أم ضرب‏ من فمه سائل؟* * *أم جوهر أضحى لنا ناثرا؟

* * *

____________

(1) في الأصل: «الحجا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «لها» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) الضّرب، بفتح الضاد و الراء: العسل الأبيض.

308

للّه ما أعذب ألفاظه‏* * *و أنور الباطن و الظّاهرا!

* * *

يا ابن رشيد، بل أبا الرّشد،* * *من لم يزل طيّ العلا ناشرا

* * *

خذ ما فدتك النّفس يا سيدي‏* * *و كن لمن نظمها عاذرا

* * *

ما تصل الأنثى بتقصيرها* * *لأن تباري ذكرا ماهرا

* * *

لا زلت تحيى من رسوم العلا* * *ما كان منها دارسا داثرا

* * *

تصانيفه: الكتاب المسمى ب «الشافي في تجربة ما وقع من الخلاف بين التّيسير و التّبصرة و الكافي» لا نظير له.

مولده: ولد بغرناظة بلده في الثاني و العشرين لذي قعدة من عام تسعة و ستين و ستمائة.

وفاته: فقد في الوقيعة العظمى بطريف يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من عام أحد و أربعين و سبعمائة. حدّث بعض الجند أنه رآه يتحامل، و جرح بصدره يثغب دما، و هو رابط الجأش، فكان آخر العهد به، تقبّل اللّه شهادته.

عبد اللّه بن سهل الغرناطي‏

يكنى أبا محمد، و ينبز بوجه‏ نافخ.

حاله: من كتاب ابن حمامة، قال: عني بعلم القرآن و النحو و الحديث عناية تامة، و بهذا كنت أسمع الثّناء عليه من الأشياخ في حال طفولتي بغرناظة، ثم شهر بعد ذلك بعلم المنطق، و العلوم الرياضية، و سائر العلوم القديمة، و عظم بسببها، و امتدّ صيته من أجلها، و أجمع المسلمون و اليهود و النصارى أن ليس في زمانه مثله، و لا في كثير ممن تقدّمه، و بين هذه الملل الثلاثة من التّحاسد ما عرف. و كانت النصارى تقصده من طليطلة، تتعلّم منه أيام كان ببيّاسة، و له مع قسّيسهم مجالس في‏

____________

(1) في الأصل: «يا من لم يزل لطيّ العلى ناشرا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) ولد عبد اللّه بن سهل بغرناطة سنة 490 ه، و توفي بمرسية سنة 571 ه. ترجمته في التكملة (ج 2 ص 270) و المعجم في أصحاب القاضي الصدفي (ص 232).

(3) في التكملة: «و يعرف» و كلاهما بمعنى.

(4) في الأصل: «بالوجه» و التصويب من المصدرين.

(5) بياسة: بالإسبانيةbaeza ، و هي مدينة ذات أسواق و متاجر، و فيها الزعفران، تبعد عن جيان عشرين ميلا. الروض المعطار (ص 121).

309

التّناظر، حاز فيها قصب السّبق. قال: ثم خرج عن بيّاسة، و سار إلى نظر ابن همشك‏ عند خروج النصارى عن بيّاسة. و له تواليف. و هو الآن بحاله.

قلت: تاريخ هذا القول، عام ثلاثة و خمسين و خمسمائة.

عبد اللّه بن أيوب الأنصاري‏

يكنى أبا محمد، و يعرف بابن خدوج‏، من أهل قلعة أيوب‏.

حاله: فقيه حافظ لمذهب مالك. استوطن غرناطة و سكنها.

تواليفه: ألّف في الفقه كتابا مفيدا سماه «المنوطة على مذهب مالك»، في ثمانية أسفار، أتقن فيها كل الإتقان.

وفاته: توفي بها سنة اثنتين و ستين و خمسمائة، و قد قارب المائة.

عبد اللّه بن الحسن بن أحمد بن يحيى ابن عبد اللّه الأنصاري‏

مالقي، قرطبي الأصل، يكنى أبا محمد، و يعرف بالقرطبي، و قرأ بغرناظة.

حاله: كان‏ في وقته ببلده كامل المعارف، صدرا في المقرئين و المجوّدين‏، رئيس المحدّثين و إمامهم، واسع المعرفة، مكثرا، ثقة، عدلا، أمينا، مكين الرّواية، رائق الحطّ، نبيل التّقييد و الضّبط، ناقدا، ذاكرا أسماء رجال الحديث و طبقاتهم و تواريخهم، و ما حلوا به من جرح و تعديل، لا يدانيه أحد في ذلك، عزيز النّظر،

____________

(1) هو إبراهيم بن محمد بن مفرّج بن همشك، و قد ترجم له ابن الخطيب في المجلد الأول من الإحاطة.

(2) ترجمة عبد اللّه بن أيوب الأنصاري في الذيل و التكملة (ج 4 ص 184).

(3) في الأصل: «خرّوج» و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) قلعة أيوب: بالإسبانيةcalatyud ، و هي مدينة أندلسية بقرب مدينة سالم. الروض المعطار (ص 469).

(5) في الذيل و التكملة: «ثمانية مجلدات».

(6) ترجمة عبد اللّه بن الحسن الأنصاري في التكملة (ج 2 ص 286) و الذيل و التكملة (ج 4 ص 191) و بغية الوعاة (ص 280) و شذرات الذهب (ج 5 ص 48) و نفح الطيب (ج 2 ص 338) و (ج 4 ص 199).

(7) قارن بالذيل و التكملة (ج 4 ص 194- 195).

(8) في الذيل و التكملة: «المجودين» أي بدون واو العطف.

(9) في المصدر نفسه: «الدراية».

(10) في الذيل و التكملة: «النظير».

310

متيقّظا، متوقّد الذهن، كريم الخلال، حميد العشرة، دمثا، متواضعا، حسن الخلق، محبّبا إلى الناس، نزيه النفس، جميل الهيئة، و قورا، معظّما عند الخاصة و العامة، ديّنا، زاهدا، ورعا، فاضلا، نحويا ماهرا، ريّان من الأدب، قائلا الجيّد من الشعر، مقصدا و مقطعا. و كان له بجامع مالقة الأعظم مجلس عام، سوى مجلس تدريسه، يتكلم فيه على الحديث، إسنادا و متنا، بطريقة عجز عنها الكثير من أكابر أهل زمانه. و تصدّر للإقراء ابن عشرين سنة.

من أخباره في العلم و الذكاء: قالوا: قرى‏ء عليه يوما باب الابتداء بالكلم التي يلفظ بها في‏ إيضاح الفارسي، و كان أحسن الناس قياما عليه، فتكلّم على المسألة الواقعة في ذلك الباب، المتعلقة بعلم العروض، و كان في الحاضرين من أحسن‏ صناعته، فجاذبه الكلام‏، و ضايقه في‏ المباحثة، حتى أحسّ الأستاذ من نفسه التّقصير، إذ لم يكن له قبل كبير نظر في العروض، فكفّ عن الخوض في المسألة، و انصرف إلى منزله، و عكف سائر اليوم‏ على تصفّح علم العروض حتى فهم أغراضه، و حصّل تواليفه‏، و صنّف فيه مختصرا نبيلا لخّص في صدره ضروبه‏، و أبدع فيه بنظم مثله، و جاء به من الغد، معجزا من رآه أو سمع به، فبهت الحاضرون و قضوا العجب من اقتداره و ذكائه، و نفوذ فهمه، و سموّ همّته.

و من أخباره في الدّين: قال أبو أحمد جعفر بن زعرور العاملي المالقي، تلميذه الأخصّ به: بتّ معه ليلة في دويرته التي كانت له بجبل فاره‏ للإقراء و المطالعة، فقام ساعة كنت فيها يقظانا، و هو ضاحك مسرور، يشدّ يده كأنّه ظفر بشي‏ء نفيس، فسألته فقال: رأيت كأن الناس قد حشروا في العرض على اللّه، و أتي بالمحدّثين، و كنت أرى أبا عبد اللّه النّميري يؤتى به، فيوقف بين يدي اللّه تعالى،

____________

(1) في الذيل و التكملة: «أعجز».

(2) في الذيل و التكملة: «سنة أو نحوها».

(3) النص في الذيل و التكملة (ج 4 ص 196).

(4) في الذيل و التكملة: «من».

(5) في الذيل و التكملة: «أحكم صناعة العروض».

(6) في الذيل و التكملة: «الكلام في المسألة».

(7) كلمة «في» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الذيل و التكملة.

(8) في الذيل و التكملة: «يومه».

(9) في المصدر السابق: «قوانينه».

(10) في المصدر السابق: «فرشه».

(11) جبل فاره: بالإسبانيةgibralfaro ، يعلو مدينة مالقة. نزهة المشتاق (ص 570).

(12) الصواب نحويا: «يقظان»؛ لأنها ممنوعة من الصرف.

311

فيعطي براءته من النّار، ثم يؤتى بي، فأوقفت بين يدي ربيّ، فأعطاني براءتي من النّار، فاستيقظت، و أنا أشدّ عليها يدي اغتباطا بها و فرحا، و الحمد للّه.

مشيخته: تلا بمالقة على أبيه، و أبي زيد السّهيلي، و القاسم بن دحمان، و روى عنهم، و عن أبي الحجاج بن الشيخ، و أبوي عبد اللّه بن الفخّار، و ابن نوح، و ابن اليتيم، و ابن كامل، و ابن جابر، و ابن بونة. و بالمنكّب عن عبد الوهاب الصّدفي. و حضر بمالقة مجلس أبي إسحاق بن قرقول. و بإشبيلية عن أبي بكر بن الجد، و ابن صاف، و أبي جعفر بن مضاء، و أبوي الحسن عبد الرحمن بن مسلمة، و أبي عبد اللّه بن زرقون، و أبي القاسم بن عبد الرازق، و أبي محمد بن جمهور.

و بغرناطة عن أبوي جعفر بن حكم الحصّار، و ابن شراحيل، و أبي عبد اللّه بن عروس، و أبوي محمد عبد الحق النّوالشي، و عبد المنعم بن الفرس. و بمرسية عن أبي عبد اللّه بن حميد، و أبي القاسم بن حبيش. و بسبتة عن أبي محمد الحجري.

و أجاز له من الأندلس ابن محرز، و ابن حسّون، و ابن خيرة، و الأركشي، و ابن حفص، و ابن سعادة، و يحيى المجريطي، و ابن بشكوال، و ابن قزمان. و من أهل المشرق جماعة كبيرة.

شعره و تصانيفه: ألّف في العروض مجموعات نبيلة، و في قراءة نافع. و لخّص أسانيد الموطّأ. و له المبدي، لخطإ الرّندي. و دخل يوما بمجلس أقرأ به أبو الفضل عياض، و كان أفتى منه، غير أنّ الشّيب جار عليه، و تأخّر شيب الأستاذ، فقال: يا أستاذ، شبنا و ما شبتم، قال: فأنشده ارتجالا: [الطويل‏]

و هل نافع‏ أن أخطأ الشّيب مفرقي‏* * *و قد شاب أترابي و شاب لداتي؟

* * *

لئن كان خطب الشّيب يوجد حسّه‏* * *بتربي فمعناه يقوم بذاتي‏

* * *

و من شعره في التّجنيس‏: [الطويل‏]

لعمرك، ما الدّنيا و سرعة سيرها* * *بسكّانها إلّا طريق مجاز

* * *

حقيقتها أنّ المقام بغيرها* * *و لكنهم قد أولعوا بمجاز

* * *

____________

(1) قارن بالتكملة (ج 2 ص 286) و الذيل و التكملة (ج 4 ص 192).

(2) البيتان في الذيل و التكملة (ج 4 ص 210).

(3) في الذيل و التكملة: «نافعي».

(4) في المصدر نفسه: «عينه».

(5) البيتان في الذيل و التكملة (ج 4 ص 210) و نفح الطيب (ج 4 ص 200).

(6) في الأصل: «بسرعة» و التصويب من المصدرين.

312

و مما يؤثر أيضا من شعره قوله‏: [الخفيف‏]

سهرت أعين و نامت عيون‏* * *لأمور تكون أو لا تكون‏

* * *

فاطرد الهمّ ما استطعت عن النّف* * *س فحملانك الهموم جنون‏

* * *

إنّ ربّا كفاك بالأمس ما كان‏* * *سيكفيك‏ في غد ما يكون‏

* * *

مولده: ولد أبو محمد قريب ظهر يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة عام ستة و خمسين و خمسمائة.

وفاته: سحر ليلة السبت أو سحر يومها، و دفن إثر صلاة العصر من اليوم السابع لربيع الآخر سنة إحدى عشرة و ستمائة.

من رثاه: رثاه الأديب أبو محمد عبد اللّه بن حسّون البرجي من قصيدة حسنة طويلة: [الطويل‏]

خليليّ، هبّا ساعداني بعبرة* * *و قولا لمن بالريّ: و يحكم هبّوا

* * *

نبكّ‏ العلا و المجد و العلم و التّقى‏* * *فمأتم أحزاني نوائحه الصّحب‏

* * *

فقد سلب الدّين الحنيفيّ روحه‏* * *ففي كلّ سرّ من نباهته نهب‏

* * *

و قد طمست أنوار سنّة أحمد* * *و قد خلت الدنيا و قد ظعن الرّكب‏

* * *

مضى الكوكب الوقّاد و المرهف الذي‏* * *يصحّح‏ في نصّ الحديث فما ينبو

* * *

تمنّى علاه النّيران و نوره‏* * *و قالا بزعم: إنّه لهما ترب‏

* * *

أ أسلو و بحر العلم غيضت مياهه‏* * *و محيي رسوم العلم يحجبه التّرب؟

* * *

عزيز على الإسلام أن يودع الثرى‏* * *مسدّدة الأسرى‏ و عالمه النّدب‏

* * *

____________

(1) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 4 ص 214) و بغية الوعاة (ص 280).

(2) في الذيل و التكملة: «في أمور».

(3) في الأصل: «فسيكفيك»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من بغية الوعاة. و في الذيل و التكملة:

«سيفكّ».

(4) في الأصل: «سنة أحد عشر» و هو خطأ نحوي.

(5) القصيدة في الذيل و التكملة (ج 4 ص 216- 217).

(6) في الأصل: «نبكي» و التصويب من الذيل و التكملة.

(7) في الأصل: «سرب»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(8) في الذيل و التكملة: «يصمّم».

(9) في الأصل: «ينب» و التصويب من الذيل.

(10) في الذيل و التكملة: «الأهدى».

313

بكى العالم العلويّ و السّبع حسرة* * *أولئك‏ حزب اللّه ما فوقهم حزب‏

* * *

على القرطبيّ الحبر أستاذنا الذي‏* * *على أهل هذا العصر فضّله الرّبّ‏

* * *

فقد كان فيما قد مضى من زمانه‏* * *به تحسن الدّنيا و يلتئم الشّعب‏

* * *

و يجمع سرب الأنس روض جنابه‏* * *فقد جفّ ذاك الرّوض و افترق السّرب‏

* * *

فسحقا لدنيا خادعتنا بمكرها* * *إذا عاقدت سلما فمقصدها حرب‏

* * *

ركبنا بها السّهل الذّلول فقادنا* * *إلى كلّ ما في طيّه مركب صعب‏

* * *

و نغفل عنها و الرّدى يستفزّنا* * *كفى واعظا بالموت لو كان لي لبّ‏

* * *

عبد اللّه بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن أحمد ابن إسماعيل بن سماك العاملي‏

يكنى أبا محمد، مالقي الأصل.

حاله: كان فقيها أديبا، بارع الأدب، شاعرا مطبوعا، كثير النّادر، حلو الشّمايل، أدرك شيوخا جلّة، و ولّي قضاء غرناطة مدّة.

مشيخته: روى عن جدّه لأمه، و ابن عمّ أبيه أبي عمر أحمد بن إسماعيل، و أبي علي الغسّاني، و أبي الحسن علي بن عبيد الرحمن بن سمحون، و المرساني الأديب.

شعره: [الكامل‏]

الروض مخضرّ الرّبى متجمّل‏* * *للناظرين بأجمل الألوان‏

* * *

و كأنما بسطت هناك سوارها* * *خود زهت بقلائد العقيان‏

* * *

و كأنّما فتقت هناك نوافح‏* * *من مسكة عجنت بعرف البان‏

* * *

و الطّير يسجع في الغصون كأنما* * *تقرأ القيان فيه على العيدان‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «أولئكم» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) كلمة «قد» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الذيل و التكملة.

(3) في الأصل: «حياته» و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) كلمة «بها» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الذيل و التكملة.

(5) ترجمة عبد اللّه العاملي في بغية الملتمس (ص 339) و التكملة (ج 2 ص 258) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 142)، ضمن ترجمة ابنه محمد بن سماك العاملي، و جاء فيه أن عبد اللّه بن أحمد، المترجم له، ولي قضاء غرناطة سنة 537 ه. و نيل الابتهاج (ص 132) و نفح الطيب (ج 6 ص 81).

314

و الماء مطّرد يسيل عبابه‏* * *كسلاسل من فضّة و جمان‏

* * *

بهجات حسن أكملت فكأنها* * *حسن اليقين و بهجة الإيمان‏

* * *

و كتب إلى الكاتب أبي نصر الفتح بن عبيد اللّه‏ في أثناء رسالة:

[الوافر]

تفتّحت الكتابة عن نسيم‏* * *نسيم المسك في خلق الكريم‏

* * *

أبا نصر، رسمت لها رسوما* * *تخال رسومها وضح النّجوم‏

* * *

و قد كانت عفت فأنرت‏ منها* * *سراجا لاح في اللّيل البهيم‏

* * *

فتحت من الصّناعة كلّ باب‏* * *فصار في طريق مستقيم‏

* * *

فكتّاب الزمان و لست منهم‏* * *إذا راموا مرامك في هموم‏

* * *

فما قسّ بأبدع منك لفظا* * *و لا سحبان مثلك في العلوم‏

* * *

وفاته: في السابع و العشرين من رمضان المعظم سنة أربعين و خمسمائة، و هو ابن أربع و ثمانين سنة.

و من ترجمة القضاة

عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أيوب بن الحسن ابن منخل بن زيد الغافقي‏

من أهل غرناظة و أعيانها، يكنى أبا محمد، و ينسب إلى غافق بن الشّاهد بن عك بن عدنان، لا إلى حصن غافق.

حاله: من «العائد: كان رجلا صحيح المذهب، سليم الصّدر، قليل المصانعة، كثير الحركة و الهشّة و الجدة، ملازم الاجتهاد و العكوف، لا يفتر عن النّسخ و التّقييد و المطالعة، على حال الكبرة، قديم التّعيّن و الأصالة، ولّي القضاء عمره بمواضع كثيرة، منها بيرة و رندة ثم مالقة، مضافا إلى الخطابة بها.

____________

(1) هو الفتح بن خاقان، صاحب كتابي «مطمح الأنفس» و «قلائد العقيان».

(2) الأبيات في نفح الطيب (ج 6 ص 81- 82).

(3) في النفح: «كريم».

(4) في الأصل: «فأثرت» و التصويب من النفح.

(5) في الأصل: «فسارة» و التصويب من النفح.

(6) قسّ: هو قسّ بن ساعدة الإيادي. و سحبان: هو سحبان وائل، و قسّ و سحبان مضربا المثل في الفصاحة.

315

مشيخته: حجّ في حدود سبعة و ثمانين و ستمائة، و روى عن جلّة من أهل المشرق، كالإمام تقي الدين بن دقيق العيد، و الحافظ أبي محمد عبد المؤمن الدّمياطي، و شمس الدين المصنّف أبي عبد اللّه بن عبد السلام. و أجازه من أهل المغرب شيخ الجماعة بالأندلس أبو جعفر بن الزبير، و القاضي ابن أبي الأحوص، و الخطيب أبو الحسن بن فضيلة، و الأستاذ أبو الحسن ابن الصّائغ الإشبيلي، و أبو جعفر الطّباع، و غيرهم.

تواليفه: ألّف كتابا سماه ب «المنهاج، في ترتيب مسائل الفقيه المشاور أبي عبد اللّه ابن الحاج».

مولده: ولد بغرناطة في حدود ستين و ستمائة.

وفاته: توفي بغرناطة يوم عاشوراء من عام أحد و ثلاثين و سبعمائة.

عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه ابن أبي زمنين المرّي‏

يكنى أبا خالد.

حاله: كان فقيها جليلا، و ولّي القضاء ببعض جهات غرناطة.

مشيخته: أخذ الفقه عن أبي جعفر بن هلال، و أبي محمد بن سماك القاضي.

و العربية عن الخضر بن رضوان العبدري. و الحديث عن الحافظ أبي بكر بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية، و الإمام أبي الحسن علي بن أحمد، و القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض أيام قضائه بغرناطة.

مولده: ولد سنة سبع و تسعين و أربعمائة.

وفاته: توفي في ذي قعدة سنة أربع و أربعين و خمسمائة.

عبد اللّه بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكريا بن عيسى ابن محمد بن يحيى بن زكريا الأنصاري‏

يكنى أبا محمد، من أهل غرناطة، شرقي الأصل، مرسيّه، من بيوتاته النّبيهة، و قد مرّ ذكر أخيه.

____________

(1) ترجمة عبد اللّه بن يحيى بن زكريا الأنصاري في تاريخ قضاة الأندلس (ص 189).

316

حاله: كان‏ على طريقة حسنة من دمائة الأخلاق، و سلامة السّجيّة، و التزام الحشمة، و الاشتغال بما يعني. ولّي القضاء دون العشرين سنة، و تصرّف فيه عمره بالجهات الأندلسية، فأظهر فيه عدلا و نزاهة، و لم يختلف عليه اثنان مدة حياته من أهل المعرفة بالأحكام، و التّقدّم في عقد الشّروط، و صناعة الفرائض، علما و عملا، ثاقب الذهن، نافذا في صنعة العدد.

مشيخته: قرأ على أبيه القاضي أبي بكر بن زكريا، و له رواية عالية من أعلام من أهل المشرق و المغرب. و قرأ على أبي الحسن بن فضيلة الوليّ الصالح، و القاضي أبي عبد اللّه بن هشام الألشي، و الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، و الحاج أبي محمد بن جابر، و أبي بكر القللوسي. و قرأ العدد و ما أشبهه على الأستاذ التّعاليمي أبي عبد اللّه الرقّام، و لازمه، و أجازه طائفة كبيرة. أخبرني ولده الفاضل أبو بكر، قال: ورد سؤال من تونس مع تاجر وصل في مركب إلى مدينة المنكّب أيام قضائه بها، في رجل فرّط في إخراج زكاة ماله سنين متعدّدة، سمّيت في السؤال مع نسبة قدر المال، و طلب في السؤال أن يكون عملها بالأربعة الأعداد المتناسبة، إذ عملها بذلك أصعب من عملها بالجبر و المقابلة، فعملها و أخرجها بالعملين، و عبّر عنها بعبارة حسنة، و كتبها في بطاقة بخطّ جميل، فذكر التاجر أنه لم يبق بتونس فقيه إلّا و نسخ منها نسخة و استحسنها.

مولده: ولد يوم الخميس السابع عشر لجمادى الآخرة عام خمسة و سبعين و ستمائة.

وفاته: توفي قاضيا ببسطة في التاسع عشر من رمضان عام خمسة و أربعين و سبعمائة.

عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الملك ابن أبي جمرة الأزدي‏

من أهل مرسية، نزيل غرناطة، يكنى أبا محمد، و بيته بمرسية من أعلام بيوتاتها، شهير التّعيّن و الأصالة، ينكح‏ فيه الأمراء.

____________

(1) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 189).

(2) قارن بتاريخ قضاة الأندلس (ص 189).

(3) في تاريخ قضاة الأندلس (ص 190): «مولده منتصف شهر جمادى الآخرة عام 675».

(4) ينكح فيه الأمراء: يريد أن الأمراء كانوا يتزوجون من بناته.

317

حاله: كان من أعلام وقته فضلا و عدالة و صلاحا و وقارا، طاهر النشأة، عفّ الطّعمة، كثير الحياء، مليح التّخلّق. نشأ بمرسية، ثم انتقل إلى غرناطة فتولّى القضاء ببيرة و جهاتها، ثم جاز إلى سبتة، و انعقدت بينه و بين رؤسائها المصاهرة في بعض بناته. ثم آب إلى غرناطة عند رجوع إيالة سبتة إلى أميرها، فتقدّم خطيبا بها.

مشيخته: روى بالإجازة عن الخطيب الحافظ أبي الرّبيع بن سالم و أمثاله.

وفاته: الغريبة المستحسنة، قال بعض شيوخنا: كنت أسمعه عند سجوده و تبتّله و ضراعته إلى اللّه يقول: اللّهم، أمتني ميتة حسنة، و يكرّر ذلك. فأجاب اللّه دعاءه، و توفّاه على أتمّ وجوه التّأنيب طهارة و خشوعا و خضوعا و تأهّبا، و زمانا و مكانا، عندما صعد أوّل درج من أدراج المنبر، يوم الجمعة الثالث و العشرين لشوال من عام أحد عشر و سبعمائة، فكان يوما مشهودا لا عهد بمثله، ما رئي أكثر باكيا منه، و أكثر الناس من الثناء عليه.

عبد اللّه بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عمر بن حوط اللّه الأنصاري الحارثي الأزدي‏

يكنى أبا محمد.

حاله: من «الصّلة»: قال‏: القاضي المحدّث الجليل العالم، كان فقيها جليلا أصوليا، نحويا، كاتبا، أديبا، شاعرا، متفنّنا في العلوم، و رعا، ديّنا، حافظا، ثبتا، فاضلا. و كان يدرّس كتاب سيبويه، و مستصفى أبي حامد، و يميل إلى الاجتهاد في نظره، و يغلّب طريقة الظّاهرية، مشهورا بالعقل و الفضل، معظّما، عند الملوك، معلوم القدر لديهم، يخطب في مجالس الأمراء و المحافل الجمهورية، مقدّما في ذلك، بلاغة و فصاحة إلى أبعد مضمار. و لملوك الموحّدين به اعتناء كبير.

و هو كان أستاذ الناصر و إخوته، و كان له عند المنصور والدهم، بذلك أكرم أثرة، مع ما كان مشهورا به من العلم و الدّين و الفضل. ولّي القضاء بإشبيلية و قرطبة

____________

(1) ترجمة ابن حوط اللّه في التكملة (ج 2 ص 287) و تاريخ قضاة الأندلس (ص 145) و بغية الوعاة (ص 283) و شذرات الذهب (ج 5 ص 50) و الوافي بالوفيات (ج 17 ص 201) و الديباج المذهب (ج 1 ص 447) و نفح الطيب (ج 6 ص 104).

(2) النص في نفح الطيب (ج 6 ص 104).

(3) في النفح: «أبي حامد الغزالي».

(4) أي طريقة ابن حزم الظاهري المذهب.

(5) هو أبو عبد اللّه محمد بن يعقوب، رابع خلفاء الموحدين، حكم المغرب و الأندلس من سنة 595 ه إلى سنة 610 ه. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 236).

318

و مرسية و سبتة و سلا و ميورقة، فتظاهر بالعدل، و عرف بما أبطن من الدين و الفضل، و كان من العلماء العاملين، سنّيّا، مجانبا لأهل البدع و الأهواء، بارع الخطّ، حسن التّقييد.

مشيخته: تردّد في طلب العلم، فسمع ببلنسية و شاطبة و مرسية و ألمرية و قرطبة و إشبيلية و مالقة، و غيرها من البلاد الأندلسية، و تحصّل له سماع جمّ لم يشاركه فيه أحد من أهل المغرب‏. قرأ القرآن على أبيه، و على أبي محمد عبد الصمد الغسّاني، و أخذ عن ابن حميد كتاب سيبويه تفقّها، و عن غيره، و سمع عن ابن بشكوال، و قرأ أكثر من ستّين تأليفا بين كبار و صغار، و كمل له على أبي محمد بن عبد اللّه، بين قراءة و سماع، نحو من ستة و ثلاثين تأليفا، منها الصّحيحان، و أكثر عن ابن حبيش، و السّهيلي، و ابن الفخّار و غيرهم. و استيفاء مشيخته يشقّ.

شعره: قال الأستاذ: أنشدنيه ابنه أبو القاسم، و نقلت من خطه‏: [الوافر]

أ تدري أنّك الخطّاء حقّا* * *و أنّك بالذي تدري‏ رهين؟

* * *

و تغتاب‏ الألى‏ فعلوا و قالوا* * *و ذاك الظّنّ و الإفك‏ المبين‏

* * *

مولده: في محرم سنة ثمان و أربعين و خمسمائة.

وفاته: كان آخر عمره قد أعيد إلى مرسية، قصدها من الحضرة، فمات بغرناطة سحر يوم الخميس الثاني لربيع الأول اثنتي عشرة و ستمائة، و نقل منها في تابوته الذي ألحد فيه، يوم السبت التاسع عشر لشعبان من السنة إلى مالقة، فدفن بها.

عبد اللّه بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد ابن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري‏

من أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم، و يعرف بابن ربيع.

____________

(1) النص أيضا في نفح الطيب (ج 6 ص 104- 105).

(2) في النفح: «الغرب».

(3) البيتان في تاريخ قضاة الأندلس (ص 145) و نفح الطيب (ج 6 ص 104).

(4) في المصدرين: «تأتي».

(5) في الأصل: «و تعتب» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(6) في تاريخ قضاة الأندلس: «الورى».

(7) في المصدر نفسه: «و الإثم».

(8) في التكملة (ج 2 ص 289) و بغية الوعاة (ص 283)؛ ولد سنة 549 ه. و في النفح: «و مولده في محرم سنة 541».

319

حاله: كان، (رحمه اللّه)، أديبا، كاتبا، شاعرا، نحويا، فقيها أصوليّا، مشاركا في علوم، محبّا في القراءة، و طيّا عند المناطرة، متناصفا، سنيّا، أشعري المذهب و النّسب، مصمّما على طريقة الأشعريّة، ملتزما لمذهب أهل السّنّة المالكي، من بقايا الناس و عليتهم، و من آخر طلبة الأندلس المشاركين الجلّة، المصمّمين على مذهب أهل السّنة، المنافرين للمذاهب الفلسفية و المبتدعة، و الزّيغ. ولّي قضاء مواضع من الأندلس، منها مدينة شريش و رندة و مالقة، و أمّ و خطب بجامعها. ثم ولّي قضاء الجماعة بحضرة غرناطة، و عقد بها مجلسا للإقراء، فانتفع به طلبتها، و استمرّ على ذلك، و كانت ولايته غرناطة نحوا من سبعة أعوام.

مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عامر و تفقّه به، و عن الخطيب أبي جعفر بن يحيى الحميري، و تلا عليه، و تأدّب به، و عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، و روى مع هؤلاء عن القاضي أبي القاسم بن بقي، و أبي محمد بن حوط اللّه، و أبي عبد اللّه بن أصبغ، و غيرهم. و أجاز له الشيخ المسنّ أبو الحسن علي بن أحمد بن علي الغافقي الشّقوري، و له به علوّ، و بالأستاذ الخطيب المسنّ أبي جعفر بن يحيى المتقدم.

وفاته: توفي في السابع عشر لشوال سنة ست و ستين و ستمائة، و لم يخلف بعده مثله، و لا من يقاربه.

عبد اللّه بن إبراهيم بن الزبير بن الحسن ابن الحسين الثقفي العاصمي‏

من ولد عاصم بن مسلم، الداخل في طلعة بلج الملقّب بالعريان، أخو الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، شقيقه، يكنى أبا محمد.

حاله: كان طبيبا ماهرا، كاتبا شاعرا، ذاكرا للّغة، صنع‏ اليدين، متقدّما في أقرانه نباهة و فصاحة، معدوم النظير في الشجاعة و الإقدام، يحضر الغزوات، فارسا و راجلا، و لقي بفحص غرناطة ليلا نصرانيا يتجسّس، فأسره و جرّه، و أدخله البلد، و لم يلتفت إلى ثمنه استكتاما لتلك الفعلة.

____________

(1) قاضي الجماعة في الأندلس، هو منصب قاضي القضاة بالمشرق.

(2) صنع اليدين و صنع اليدين: حاذق في الصنعة. لسان العرب (صنع).

(3) فحص غرناطة: مرج غرناطة الشهير، و هو عبارة عن سهل أفيح و بسيط شاسع أخضر خصب و غوطة فيحاء مترامية الأطراف، يطلق عليه بالإسبانية اسم‏la vega de granada . يقع غربي غرناطة و يمتد غربا حتى مدينة لوشة. مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 41).

320

مشيخته: أخذ القرآن عن الأستاذ أبي عبد اللّه بن مستقور، و روى عن أبي يحيى بن عبد الرحيم، و أبي الوليد العطار، و أبي القاسم بن ربيع، و أبي الخطار بن خليل، و أخذ عن أبي عمر بن حوط اللّه بمالقة، و ابن أبي ريحانة. و بسبتة على أبي بكر بن مشليون. و أجاز له أبو بكر بن محرز، و أبو الحسن الشّاري. و أخذ عن الأستاذ الناقد أبي الحسن علي بن محمد الكناني.

مولده: ولد بغرناطة لسبع عشرة ليلة خلت من ذي قعدة سنة ثلاث و أربعين و ستمائة.

وفاته: توفي بها سحر أول يوم من ذي قعدة سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة.

عبد اللّه بن موسى بن عبد الرحمن بن حمّاد الصّنهاجي‏

يكنى أبا يحيى.

حاله: طالب نبيل فاضل، ورع زاهد، مؤثر في الدنيا بما تملّكه، تال لكتاب اللّه في جميع الأوقات.

أخباره في الإيثار: وجّه له السيد أبو إسحاق ابن الخليفة أبي يعقوب‏ خمسمائة دنير ليصلح بها من شأنه، فصرف جميعها على أهل السّتر في أقلّ من شهر. و مرّ بفتى في إشبيلية، و أعوان القاضي يحملونه إلى السّجن، و هو يبكي، فسأله، فقال: أنا غريب، و طولبت بخمسين دنيرا، و بيدي عقود، و طولبت بضامن فلم أجده، فقال: له اللّه، قال: نعم، قال: فدفع له خمسين دنيرا، قال: أشهد لك بها، فضجر و قال: إن اللّه إذا أعطى عبده شيئا لم يشهد به عليه، و تركه و انصرف لشأنه، و كانت عنده معرفة و أدب.

مولده: بغرناطة في سنة إحدى و عشرين و خمسمائة.

و من ترجمة الكتّاب و الشعراء بين أصلي و طارى‏ء

عبد اللّه بن إبراهيم بن عبد اللّه الأزدي‏

من أهل بلّش، يكنى أبا محمد، و يعرف بابن المرابع.

____________

(1) أبو يعقوب: هو يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، حكم المغرب و الأندلس من سنة 558 ه إلى سنة 580 ه. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 83).

(2) ترجمة عبد اللّه الأزدي في نفح الطيب (ج 7 ص 10) و (ج 8 ص 236، 392).

321

حاله: من نبهاء أدباء البادية، خشن الظاهر، منطو على لوذعيّة متوارية في مظهر جفوة، كثير الانطباع عند الخبرة، قادر على النظم و النثر، متوسّط الطّبقة فيهما، مسترفد بالشعر، سيّال القريحة، مرهوب الهجاء، مشهور المكان ببلده، يعيش من الخدم المخزنيّة، بين خارص و شاهد، و جدّ بذلك وقته، يوسّط رقاعته، فتنجح الوسيلة، و يتمشّى له بين الرّضا و السّخط الغرض.

و جرى ذكره في «التاج» بما نصّه‏: «طويل القوادم و الخوافي، كلف على كبر سنّه بعقائل القوافي، شاب في الأدب و شبّ، و نشق ريح البيان لمّا هبّ، فحاول رفيعه‏ و جزله، و أجاد جدّه، و أحكم هزله. فإن مدح صدح، و إن وصف أنصف، و إن عصف قصف، و إن أنشأ و دوّن، و تقلّب في أفانين البلاغة و تلوّن، أفسد ما شاء اللّه و كوّن، فهو شيخ الطريقة الأدبيّة و فتاها، و خطيب حفلها كلّما أتاها، لا يتوقّف عليه من أغراضها غرض، و لا يضيع لديه منها مفترض. و لم تزل بروقه تتألّق، و معانيه بأذيال الإحسان تتعلّق، حتى برّز في أبطال الكلام و فرسانه، و ذعرت القلوب لسطوة لسانه، و ألقت إليه الصّناعة زمامها، و وقفت عليه أحكامها. و عبر البحر منتجعا بسعره‏، و منفقا في سوق الكساد من شعره‏، فأبرق و أرعد، و حذّر و توعّد، و بلغ جهد إمكانه، في التّعريف بمكانه، فما حرّك و لا هزّ، و ذلّ في طلب الرّفد و قد عزّ، و ما برح أن رجع إلى وطنه الذي اعتاده، رجوع الحديث إلى قتاده.

شعره: قال في «التاج»: و قد أثبتّ من نزعاته، و بعض مخترعاته، ما يدلّ على سعة باعه، و نهضة ذراعه. فمن النسيب قوله‏: [البسيط]

ما للمحبّ دواء يذهب الألما* * *عنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى‏

* * *

و لا يردّ عليه نوم مقلته‏* * *إلّا الدّنوّ إلى من شفّه سقما

* * *

يا حاكما و الهوى فينا يؤيّده‏* * *هواك فيّ بما ترضاه قد حكما

* * *

أشغلتني بك شغلا شاغلا فلم‏* * *تناسى، فديتك، عنّي بعد ذاك لما؟

* * *

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 392- 393).

(2) في النفح: «رقيقه».

(3) في النفح: «بسطوة».

(4) في النفح: «بشعره».

(5) في النفح: «سعره».

(6) في النفح: «و أوعد».

(7) ورد في نفح الطيب (ج 8 ص 393) فقط الأبيات الأول و الثاني و الثالث.

(8) في الأصل: «فلما»، و كذا ينكسر الوزن.

322

ملكت روحي فأرفق قد علمت بما* * *يلقى و لا حجّة تبقى لمن علما

* * *

ما غبت عنّي إلّا غاب عن بصري‏* * *بدرا إذا لاح يجلي نوره الظّلما

* * *

ما لحت لي فدنا طرفي لغيرك يا* * *مولى لحا فيه جفني النوم قد حرما

* * *

طوعا لطيعك لا أعصيك فافض بما* * *ترضاه أرضى بما ترضى و لا جرما

* * *

إنّ الهوى يقتضي ذلّا لغيرك لو* * *أفادني فيك قربا يبرّد الألما

* * *

سلمت من كل عيب يا محمد لا* * *كن قلب صبّك من عينيك ما سلما

* * *

و من مخاطباته الأدبية، ما كتب به إلى شيخ الصّوفية ببلده مع طالع من ولده:

[الطويل‏]

مماليكم قد زاد فيكم مرابع‏* * *من الأفق الكوني باليمن طالع‏

* * *

بأنواركم يهدى إلى سبل الهدى‏* * *و يسمو لما تسمو إليه المطالع‏

* * *

فواسوه منكم بالدّعاء فإنه‏* * *مجاب بفضل اللّه للخلق نافع‏

* * *

أفاض عليه اللّه من بركاتكم‏* * *و أبقاكم ذو العرش ما جنّ ساجع‏

* * *

فوقّع له الشيخ المخاطب بها، أبو جعفر بن الزيات، (رحمه اللّه)، بما نصّه:

[الطويل‏]

عسى اللّه يؤتيه من العلم حصّة* * *تصوّب على الألباب منها ينابع‏

* * *

و يجعله طرفا لكلّ سجيّة* * *مطهّرة للناس فيها منافع‏

* * *

و يلحقه في الصالحات بجدّه‏* * *فيثني عليه الكلّ دان و شاسع‏

* * *

و ذو العرش جلّ أسما عميم نواله‏* * *و خير الورى في نصّ ما قلت شافع‏

* * *

فما أنت دوني يا أباه مهنّأ* * *به فالسرور الكلّ بابنك جامع‏

* * *

و له يستدعي إلى الباكور: [الوافر]

بدار بدار قد آن البدار* * *إلى أكواس باكور تدار

* * *

تبدّت رافلات في مسوح‏* * *له لون الدّياجي مستعار

* * *

و قد رقمت بياضا في سواد* * *كأنّ الليل خالطه النّهار

* * *

و قد نضجت و ما طبخت بنار* * *و هل يحتاج للباكور نار؟

* * *

و لا تحتاج مضغا لا و ليس‏* * *عجيب لا يشقّ له غبار

* * *

فقل للخلق قل للضّرس دعني‏* * *ففي البلع اكتفاء و اقتصار

* * *

323

و ممّا وقع له أثناء مقامات تشهد باقتداره، مقطوعة سهلة و هي‏: [المتقارب‏]

رعى اللّه عهدا حوى ما حوى‏* * *لأهل الوداد و أهل الهوى‏

* * *

أراهم أمورا حلا وردها* * *و أعطاهم السؤل كيف نوى‏

* * *

و لمّا حلا الوصل صالوا له‏* * *و راموه مأوى و ماء روى‏

* * *

و أوردهم سر أسرارهم‏* * *و ردّ إلى كلّ داء دوا

* * *

و ما أمل طال إلّا و هى‏* * *و لا آمل‏ صال إلّا هوى‏

* * *

و قال يرثي ديكا فقده، و يصف الوجد الذي وجده، و يبكي من عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستطرف شانه‏: [البسيط]

أودى به الحتف لمّا جاءه الأجل‏* * *ديكا فلا عوض منه و لا بدل‏

* * *

قد كان لي أمل في أن يعيش فلم‏* * *يثبت مع الحتف في بغيا لها أمل‏

* * *

فقدته فلعمري إنها عظة* * *و بالمواعظ تذري دمعها المقل‏

* * *

كأنّ مطرف وشي فوق ملبسه‏* * *عليه من كلّ حسن باهر حلل‏

* * *

كأنّ إكليل كسرى فوق مفرقه‏* * *و تاجه فهو عالي الشّكل محتفل‏

* * *

مؤقّت لم يكن يحزى‏ له خطأ* * *فيما يرتّب من ورد و لا خطل‏

* * *

كأنّ زرقيل‏ فيما مرّ علّمه‏* * *علم المواقيت فيما رتّب الأول‏

* * *

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 237- 238).

(2) في النفح: «... السؤل كلّا سوا».

(3) في الأصل: «ملوا و ما روا» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح. و الرّوى: الماء الكثير المروي. لسان العرب (روا).

(4) رواية البيت في الأصل هي:

و أوردهم سرّا سرارهم‏* * *و رودا إلى الكل ذا دوا

* * *

و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من النفح.

(5) في الأصل: «أمل» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 238- 239).

(7) في النفح: «في بقياه لي أمل».

(8) في الأصل: «بطريق» و هكذا ينكسر الوزن، و لا معنى له، و التصويب من النفح.

(9) في النفح: «خلل».

(10) في النفح: «زرقال». و هو إبراهيم بن يحيى النقاش الزرقالي القرطبي، و يعدّ من أعظم أهل الفلك، و قد وضع جداول فلكية و اخترع أجهزة دقيقة كالزرقالية و الصفيحة. تاريخ الفكر الأندلسي (ص 451).

(11) في النفح: «ممّا».

324

يرحّل الليل يحيى بالصراخ فما* * *يصدّه كلل عنه و لا ملل‏

* * *

رأيته قد وهت‏ منه القوى فهوى‏* * *للأرض فعلا يريه الشّارب الثّمل‏

* * *

لو يفتدى بديوك الأرض قلّ له‏* * *ذاك الفداء و لكن فاجأ الأجل‏

* * *

قالوا الدّواء فلم يغن الدّواء و لم‏* * *ينفعه من ذاك ما قالوا و ما فعلوا

* * *

أمّلت فيه ثوابا أجر محتسب‏* * *إن قلت‏ ذلك‏ صحّ القول و العمل‏

* * *

و أمره السلطان أبو عبد اللّه سادس الملوك النّصريين في بعض أسفاره، و قد نظر إلى شلير، و تردّى بالثلج و تعمّم، و كمل ما أراد من بزّته و تمّم، أن ينظم أبياتا في وصفه، فقال بديهة: [الطويل‏]

و شيخ جليل القدر قد طال عمره‏* * *و ما عنده علم بطول و لا قصر

* * *

عليه لباس أبيض باهر السّنا* * *و ليس بثوب أحكمته يد البشر

* * *

و طورا تراه كلّه كاسيا به‏* * *و كسوته فيها لأهل النّهى عبر

* * *

و طورا تراه عاريا ليس يشتكي‏* * *لحرّ و لا برد من الشمس و القمر

* * *

و كم مرّت الأيام و هو كما ترى‏* * *على حاله لم يشك ضعفا و لا كبر

* * *

فذاك‏ شلير شيخ غرناطة التي‏* * *لبهجتها في الأرض ذكر قد انتشر

* * *

بها ملك سامي المراقي أطاعه‏* * *كبار ملوك الأرض في حالة الصّغر

* * *

تولّاه ربّ العرش منه بعصمة* * *تقيه مدى الأيام من كلّ ما ضرر

* * *

نثره: و نثره كثير ما بين مخاطبات، و خطب، و مقطعات، و لعب، و زرديّات شأنها عجب. فمن ذلك ما خاطب به الرئيس أبا سعيد بن نصر يستجدي أضحية:

____________

(1) في الأصل: «و هنت» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) في الأصل: «الفدا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «الدوا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «نلت».

(5) في الأصل: «ذاك» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) جبل شلير، بالإسبانيةsierra nevada ، و هو أحد مشاهير جبال الأرض. راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 43) ففيه دراسة مفصلة عن هذا الجبل.

(7) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 239- 240).

(8) في النفح: «فطورا».

(9) في النفح: «يكتسي».

(10) في النفح: «بحرّ».

(11) في النفح: «و ذاك».

(12) في النفح: «اشتهر».

325

يقول شاكر الأيادي: و ذاكر فخر كل نادي، و ناشر غرر الغرر للعاكف و البادي، و الرائح و الغادي، اسمعوا مني حديثا تلذّة الأسماع، و يستطرفه الاستماع، و يشهد بحسنه الإجماع، و يجب عليه الاجتماع، و هو من الأحاديث التي لم تتفق إلّا لمثلي، و لا ذكرت عن أحد قبلي، و ذلك يا معشر الألبّاء، و الخلصاء الأحبّاء، أني دخلت في هذه الأيام داري، في بعض أدواري، لأقضي من أخذ الغذاء أوطاري، على حسب أطواري، فقالت لي ربّة البيت: لم جئت، و بما أتيت؟ قلت: جئت لكذا و كذا، فهات الغذا، فقالت: لا غذا لك عندي اليوم، و لو أودى بك الصّوم، حتى تسل الاستخارة، و تفعل كما فعل زوج الجارة، طيّب اللّه نجاره، و ملأ بالأرزاق و جاره.

قلت: و ما فعل قريني، و أرني من العلامة ما أحببت أن تريني. قالت: إنه فكّر في العيد، و نظر في أسباب التّعييد، و فعل في ذلك ما يستحسنه القريب و البعيد، و أنت قد نسيت ذكره و محوته من بالك، و لم تنظر إليه نظرة بعين اهتبالك، و عيد الأضحى في اليد، و النّظر في شراء الأضحية اليوم أوفق من الغد. قلت: صدقت، و بالحقّ نطقت، بارك اللّه فيك، و شكر جميل تحفّيك، فلقد نبّهت بعلك لإقامة السّنة، و رفعت عنه من الغفلة منّة. و الآن أسير لأبحث عمّا ذكرت، و أنظر في إحضار ما إليه أشرت، و يتأتّى ذلك إن شاء اللّه بسعدك، و تنالين فيه من بلوغ الأمر غاية قصدك، و الجدّ ليس من الهزل، و الأضحية للمرأة و للرجل الغزل. قالت: دعني من الخرافات، و أخبار الزّرافات، فإنّك حلو اللسان، قليل الإحسان، تخذت الغربة صحبتك إلى ساسان، فتهاونت بالنّساء، و أسأت فيمن أساء، و عوّدت أكل خبزك في غير منديل، و إيقاد الفتيل دون قنديل، و سكنى الخان، و عدم ارتفاع الدّخان، فما تقيم موسما، و لا تعرف له ميسما، و أخذت معي في ذلك بطويل و عريض، و كلانا في طرفي نقيض، إلى أن قلت لها: إزارك و ردائي، فقد تفاقم بك أمر دائي، و ما أظنّك إلّا بعض أعدائي، قالت: ما لك و الإزار، شطّ بك المزار؟ لعلك تريد إرهانه في الأضحية و الأبزار، اخرج عني يا مقيت، لا عمرت معك و لا بقيت، أو عدمت الدّين، و أخذ الورق بالعين. يلزمني صوم سنة، لا أغفيت معك سنة، إلّا إن رجعت بمثل ما رجع به زوج جارتي، و أرى لك الرّبح في تجارتي. فقمت عنها و قد لوت رأسها و ولولت، و ابتدرت و هرولت، و جالت في العتاب و صوّلت، و ضمّت بنتها و ولدها، و قامت باللّجج و الانتصار بالحجج أودها، فلم يسعني إلّا أن عدوت أطوف السّكك و الشوارع، و أبادر لما غدوت بسبيله و أسارع، و أجوب الآفاق، و أسأل الرّفاق، و أخترق الأسواق، و أقتحم زريبة بعد زريبة، و أختبر منها البعيدة و القريبة، فما استرخصته استنقصته، و ما استغليته استعليته، و ما وافق غرضي، اعترضني دونه عدم عرضي، حتى انقضى ثلثا يومي، و قد عييت بدوراني و هومي، و أنا لم أتحصل من‏

326

الابتياع على فائدة، و لا عادت عليّ فيه من قضاء الأرب عائدة، فأومأت الإياب، و أنا أجد من خوفها ما يجد صغار الغنم من الذّئاب، إلى أن مررت بقصّاب يقصب في مجزره، قد شدّ في وسطه مئزره، و قصّر أثوابه حتى كشف عن ساقيه، و شمّر عن ساعديه حتى أبدى مرفقيه، و بين يديه عنز قد شدّ يديه في رقبته و هو يجذبه فيبرك، و يجرّه فما يتحرّك، و يروم سيره فيرجع القهقرى، و يعود إلى ورا، و القصاب يشدّ على إزاره، خيفة من فراره، و هو يقول: اقتله من جان باغ، و شيطان طاغ، ما أشدّه، و ما ألذّه و ما أصدّه، و ما أجدّه، و ما أكثره بشحم، و ما أطيبه بلحم، الطّلاق يلزمه إن كان عاين تيسا مثله، أو أضحية تشبهه قبله، أضحية حفيلة، و منحة جليلة. هنّأ اللّه من رزقها، و أخلف عليها رزقها. فاقتحمت المزدحم أنظر مع من نظر، و أختبر فيمن اختبر. و أنا و اللّه لا أعرف في التقليب و التّخمين، و لا أفرّق بين العجف و السّمين، غير أني رأيت صورة دون البغل و فوق الحمار، و هيكلا يخبرك عن صورة العمّار، فقلت للقصّاب: كم طلبك فيه، على أن تمهل الثّمن حتى أوفيه؟ فقال: ابغني فيه أجيرا، و كن له الآن من الذّبح مجيرا، و خذه بما يرضي، لأول التقضّي. قلت:

استمع الصوت، و لا تخف الفوت. قال: ابتعه مني نسيّة، و خذه هديّة، قلت: نعم، فشقّ لي الضمير، و عاكسني فيه بالنّقير و القطمير، قال: تضمن لي فيه عشرين دينارا، أقبضها منك لانقضاء الحول دنيّرا دنيّرا، قلت: إنّ هذا لكثير، فاسمح منه بإحاطة اليسير. قال: و الذي فلق الحبّة، و برّأ النّسمة، لا أنقصك من هذا، و ما قلت لك سمسمة، اللهمّ إن شئت السّعة في الأجل، فأقضي لك ذلك دون أجل، فجلبني للابتياع منه الإنساء في الأمد، و غلبني بذلك فلم أفتقر منه لرأي والد و لا ولد، و لا أحوجت نفسي في ذلك لمشورة أحد، و قلت: قد اشتريته منك فضع البركة، ليصحّ النّجح في الحركة. فقال: فقيه بارك اللّه فيه قد بعته لك، فاقبض متاعك، و ثبّت ابتياعك، و ها هو في قبضك فاشدد وثاقه، و هلمّ لنعقد عليك الوثاقة. فانحدرت معه لدكان التّوثيق، و ابتدرت من السّعة إلى الضّيق، و أوثقني بالشادّة تحت عقد وثيق، و حملني من ركوب الدّين و لحاق الشّين في أوعر طريق. ثم قال لي: هذا تيسك فشأنك و إياه، و ما أظنّك إلّا تعصياه، و أت بحمّالين أربعة فإنك لا تقدر أن ترفعه، و لا يتأتى لك أن يتبعك و لا أن تتبعه، و لم يبق لك من الكلفة إلّا أن يحصل في محلّك، فيكمل سرور أهلك. و انطلقت للحمّال و قلت: هلم إليّ، و قم الآن بين يديّ، حتى انتهينا إلى مجزرة القصّاب، و العنز يطلب فلا يصاب، فقلت: أين التّيس، يا أبا أويس؟ قال: إنه قد فرّ، و لا أعلم حيث استقرّ. قلت: أ تضيع عليّ مالي، لتخيب آمالي، و اللّه لا يحزنك بالعصا، كمن عصا، و لا رفعتك إلى الحكّام، تجري عليك منهم الأحكام. قال: ما لي علم به، و لا بمنقلبه، لعلّه فرّ لأمّه و أبيه، و صاحبته‏

327

و بنيه، فعليك بالبريح. فاتجهت أنادي بالأسواق، و جيران الزّقاق، من ثقف لي تيسا فله البشارة، بعد ما أتى بالأمارة، و إذا برجل قد خرج من دهليز، و له هدير و هزيز، و هو يقول: من صاحب العنز المشوم؟ لا عدم به الشّوم، إن وقعت عليه عيني، يرتفع الكلام بينه و بيني. قلت: أنا صاحبه فما الذي دهاك منّي، أو بلغك عنّي. قال: إن عنزك حين شرد، خرج مثل الأسد، و أوقع الرّهج في البلد، و أضرّ بكل أحد، و دخل في دهليز الفخّارة فقام فيه و قعد، و كان العمل فيه مطبوخا و نيّا، فلم يترك منه شيا، و منه كانت معيشتي، و به استقامت عيشتي، و أنت ضامن مالي، فارتفع معي إلى الوالي، و العنز مع هذا يدور وسط الجمهور، و يكرّ كرّة العفريت المزجور، و يأتي بالكسر على ما بقي في الدّهليز من الطّواجن و القدور، و الخلق قد انحسروا للضجيج، و كثر العياط و العجيج، و أنت تعرف عفرطة الباعة، و ما يحوون من الوضاعة، و أنا أحاول من أخذه ما أستطيع، و أروم الإطاعة من غير مطيع، و الباعة قد أكسبته من الحماقة، ما لم يكن لي به طاقة. و رجل يقول: المحتسب، و اعرف ما تكتسب، و إلى من تنتسب، فقد كثر عنده بك التّشكّي، و صاحب الدهليز قبالته يبكي، و قد وجد عنده عليك وجد الشكوى، و أيقن أنك كسرت الدّعوى، و أمر بإحضارك، و هو في انتظارك، فشدّ وسطك، و احفظ إبطك، و إنك تقوم على من فتح باعه للحكم على الباعة و نصب لأرباب البراهين، على أرباب الشّواهين، و رفع على طبقة، ليملأ طبقة، ثم أمسكني باليمين، حتى أوصلني للأمين، فقال لي: أرسلت التّيس للفساد، كأنك في نعم اللّه من الحسّاد. قلت: إنه شرد، و لم أدر حيث ورد. قال: و لم لا أخذت ميثاقه، و لم تشدّد وثاقه، يا شرطي طرّده، و اطرح يدك فيه و جرّده. قلت: أ تجرّدني الساعة، و لست من الباعة؟ قال: لا بدّ من ذاك، أو تضمن ما أفسده هناك؟ قلت:

الضّمان الضّمان، الأمان الأمان. قال: قد أمّنت، إن ضمنت، و عليك الثّقاف، حتى يقع الإنصاف، أو ضامن كاف، فابتدر أحد إخواني، و بعض جيراني، فأدّى عني ما ظهر بالتّقدير، و آلت الحال للتّكدير. ثم أردت الانصراف بالتّيس، لا كان كيانه، و لا كوّن مكانه، و إذا بالشّرطي قد دار حولي، و قال لي: كلف فعلي بأداء جعلي، فقد عطّلت من أجلك شغلي، فلم يك عندي بما تكسر سورته، و لا بما تطفي جمرته، فاسترهن مئزري في بيته ليأخذ مايته. و توجّهت لداري، و قد تقدّمت أخباري، و قدمت بغباري، و تغيّر صغاري و كباري، و التّيس على كاهل الحمّال يرغو كالبعير، و يزأر كالأسد إذا فصلت العير، فلقت للحمال: أنزله على مهل، فهلال التّعييد قد استهلّ، فحين طرحه في الأسطوان، كرّ إلى العدوان، و صرخ كالشيطان، و همّ أن يقفز الحيطان، و علا فوق الجدار، و أقام الرّهجة في الدار، و لم تبق في الزقاق عجوز إلّا وصلت لتراه، و تسأل عمّا اعتراه، و تقول: بكم اشتراه، و الأولاد قد دارت به‏

328

و أرهقهم لهفه، و دخل قلوبهم خوفه، فابتدرت ربّة البيت، و قالت: كيت و كيت، لا خلّ و لا زيت، و لا حيّ و لا ميت، و لا موسم و لا عيد، و لا قريب و لا بعيد، سقت العفريت إلى المنزل، و رجعت بمعزل، و من قال لك اشتره، ما لم تره، و من قال لك سقه، حتى توثّقه، و متى تفرح زوجتك، و العنز أضحيتك، و متى تطبخ القدور، و ولدك منه معذور، و بأيّ قلب تأكل الشّويّة، و لم تخلص لك فيه النيّة، و لقلّة سعدها، و أخلف وعدها، و اللّه لو كان العنز، يخرج الكنز، ما عمر لي دارا، و لا قرب لي جوارا، اخرج عني يا لكع، فعل اللّه بك و صنع، و ما حبسك عن الكباش السّمان، و الضّأن الرّفيعة الأثمان، يا قليل التّحصيل، يا من لا يعرف الخياطة و لا التّفصيل، أدلّك على كبش سمين، واسع الصدر و الجبين، أكحل عجيب، أقرن مثل كبش الخطيب، يعبق من أوداكه كلّ طيب، يغلب شحمه على لحمه، و يسيل الودك من عظمه، قد علف بالشّعير، و دبّر عليه أحسن تدبير، لا بالصّغير و لا بالكبير، تصلح منه الألوان، و يستطرف شواه في كل أوان، و يستحسن ثريده و قديده في سائر الأحيان، قلت: بيّني لي قولك، لأتعرّف فعلك، و أين توجد هذه الصّفة، يا قليلة المعرفة. قالت: عند مولانا، و كهفنا و مأوانا، الرئيس الأعلى، الشّهاب الأجلى، القمر الزّاهر، الملك الظّاهر، الذي أعزّ المسلمين بنعمته، و أذلّ المشركين بنقمته. و استرسل في المدح فأطال و فيما ثبت كفاية.

وفاته: في كائنة الطاعون ببلده بلّش في أواخر عام خمسين و سبعمائة، و دفن بها.

عبد اللّه بن إبراهيم بن و زمّر الحجاري‏ الصّنهاجي‏

الأديب المصنّف، يكنى أبا محمد.

حاله و أوليته: أبوه أديب مدينة الفرج بوادي الحجارة، المصنّف للمأمون بن ذي النون‏ كتاب «مغنيطاس الأفكار، فيما تحتوي عليه مدينة الفرج من النظم و النثر

____________

(1) عبد اللّه بن إبراهيم الحجاري، ينسب إلى وادي الحجارة بالأندلس، توفي سنة 520 ه، و ترجمته في المغرب (ج 2 ص 35) و نفح الطيب (ج 3 ص 91) و (ج 4 ص 161) و (ج 4 ص 112، 265)، و كشف الظنون (ص 646، 1685) و هدية العارفين (ج 1 ص 457).

(2) وادي الحجارة: بالإسبانيةguadalajara ، و هي مدينة أندلسية تعرف بمدينة الفرج، بينها و بين طليطلة 65 ميلا. الروض المعطار (ص 606).

(3) المأمون بن ذي النون هو يحيى بن إسماعيل، أحد ملوك الطوائف بالأندلس، حكم طليطلة من سنة 435 ه إلى سنة 467 ه. ترجمته في البيان المغرب (ج 3 ص 165) و أزهار الرياض (ج 2 ص 207). و في مواطن متفرقة من الذخيرة.

329

و الأخبار». و كان أبو محمد هذا ماهرا، كاتبا، شاعرا، رحّالا. سكن مدينة شلب‏ بعد استيلاء العدو على بلاده بالثّغر. و له‏ في التّحوّل أشعار و أخبار. قدم غرناطة و قصد عبد الملك بن سعيد، صاحب القلعة من بنيّاتها، و استأذن عليه في زيّ موحش، و استخفّ به القاعدون ببابه، إلى أن لاطف بعضهم، و سأله أن يعرّف به القائد، فلما بلّغ عنه، أمر بإدخاله، فأنشده قصيدة مطلعها: [الوافر]

عليك أحالني الذّكر الجميل‏* * *فجئت و من ثنائك لي دليل‏

* * *

أتيت و لم أقدّم من رسول‏* * *لأنّ القلب كان هو الرّسول‏

* * *

منها في وصف زيّه البدوي المستقل و ما في طيّه:

و مثّلني بدنّ فيه خمر* * *يخفّ بها و منظره ثقيل‏

* * *

فأكرم نزله، و أحسن إليه، و أقام عنده سنة، حتى ألّف بالقلعة كتاب «المسهب، في غرائب‏ المغرب»، و فيه التّنبيه على الحلى البلادية و العبّادية. و انصرف إلى قصد ابن هود بروطة، بعد أن عذله عن التّحوّل عنه، فقال: النّفس توّاقة، و ما لي بالتّغرّب طاقة، ثم أفكر و قال: [الطويل‏]

يقولون لي: ما ذا الملال تقيم في‏* * *محلّ فعند الأنس تذهب راحلا

* * *

فقلت لهم: مثل الحمام إذا شدا* * *على غصن أمسى بآخر نازلا

* * *

نكبته: قال علي بن موسى بن سعيد: و لمّا قصد الحجاري روطة، و حلّ لدى أميرها المستنصر بن عماد الدولة بن هود، و تحرّك لغزو من قصده من‏

____________

(1) شلب: بالإسبانيةsilves ، و هي قاعدة كورة أكشونبة، بجنوب مدينة باجة. الروض المعطار (ص 342).

(2) قارن بالمغرب (ج 2 ص 35) و نفح الطيب (ج 4 ص 265- 266).

(3) هي قلعة بني سعيد. و تعرف أيضا بقلعة يحصب،alcala la real أي القلعة الملكية، نسبة إلى قبيلة يحصب، و تعرف أيضا بقلعة يعقوب، أو القلعة السعدية، و هي إحدى مدن غرناطة في عهد بني زيري البربر. مملكة غرناطة في عهد بني زيري (ص 62).

(4) الأبيات الثلاثة في المغرب (ج 2 ص 35). و ورد في نفح الطيب (ج 4 ص 266) أربعة أبيات، من ضمنها البيت الأول لا غير.

(5) رواية عجز البيت في الفتح هي:

فصحّ العزم و اقتضى الرحيل‏

(6) في المغرب: «سرّ».

(7) في المغرب: «به».

(8) في المغرب: «فضائل».

(9) علي بن موسى بن سعيد الأندلسي، هو صاحب كتاب «المغرب» و «رايات المبرزين»، و غيرهما.

(10) المستنصر بن هود: هو أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن هود، آخر ملوك بني هود بسرقسطة،-

330

البشكنس، فهزم جيشه، كان‏ الحجاري أحد من أسر في تلك الوقيعة، فاستقرّ ببسقاية، و بقي بها مدّة، يحرّك ابن هود بالأشعار و يحثّه على خلاصه من الإسار، فلم يجد عنده ذمامة، و لا تحرّك له اهتمامه، فخاطب عبد الملك بن سعيد بقوله:

[السريع‏]

أصبحت في بسقاية مسلما* * *إلى الأعادي لا أرى مسلما

* * *

مكلّفا ما ليس في طاقتي‏* * *مصفّدا منتهرا مرغما

* * *

أطلب بالخدمة، وا حسرتي!* * *و حالتي تقضي بأن أخدما

* * *

فهل كريم يرتجى للأسير* * *يفكّه، أكرم به منتمى‏

* * *

و قوله: [الخفيف‏]

أ رئيس الزمان أغفلت أمري‏* * *و تلذّذت تاركا لي بأسر؟

* * *

ما كذا يعمل الكرام و لكن‏* * *قد جرى على المعوّد دهري‏

* * *

فاجتهد في فدائه، و لم يمرّ شهر إلّا و قد تخلص من أسره، و استقرّ لديه، فكان طليق آل سعيد، و فيهم يقول‏:

وجدنا سعيدا منجبا خير عصبة* * *هم في بني أعصارهم‏ كالمواسم‏

* * *

مشنّفة أسماعهم بمدائح‏* * *مسوّرة أيمانهم بالصّوارم‏

* * *

فكم لهم في الحرب من فضل ناثر!* * *و كم لهم في السّلم من فضل ناظم‏

* * *

تواليفه: و تواليف الحجاري بديعة، منها «الحديقة» في البديع، و هو كتاب مشهور، و منها «المسهب في غرائب المغرب»، و افتتح خطبته بقوله: «الحمد للّه الذي جعل العباد، من البلاد بمنزلة الأرواح من الأجساد، و الأسياف من الأغماد». و هو في ستة مجلدات.

____________

- و قد حكمها سنة 513 ه، و مات سنة 536 ه. الأعلام (ج 1 ص 164) و فيه ثبت بأسماء المصادر التي ترجمت له.

(1) في الأصل: «و كان».

(2) بسقاية: بالإسبانيةVizcaya ، و هي إحدى ولايات مملكة نبرة.

(3) الأبيات في المغرب (ج 2 ص 36).

(4) في المغرب: «أزمانهم».

(5) في المغرب: «بفضائل».

331

عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن عبد اللّه ابن سعيد بن الخطيب السّلماني‏

يكنى أبا محمد.

أوّليّته: تنظر في اسم جدّه.

حاله: حسن‏ الشّكل، جيّد الفهم، يغطّي منه رماد السّكون جمرة حركة، منقبض عن الناس، قليل البشاشة، حسن الخطّ، وسط النّظم. كتب عن الأمراء بالمغرب، و أنشدهم، و اقتضى‏ خلعهم و صكوكهم بالإقطاع و الإحسان. ثم لما كانت الفتنة كتب عن سلطان وطنه، معزّز الخطّة بالقيادة، و أنشدهم.

مشيخته: قرأ على قاضي الجماعة، الشيخ‏ الأستاذ الخطيب أبي القاسم الحسني، و الأستاذ الخطيب أبي سعيد فرج بن لب التّغلبي، و استظهر بعض‏ المبادى‏ء في العربية، و استجيز له من أدركه ميلاده من أهل المشرق و المغرب.

شعره: و شعره‏ مترفّع عن الوسط إلى الإجادة، بما يكفله‏ عذر الحداثة.

و قد ثبت في اسم السلطان لهذا العهد، أبي عبد اللّه بن نصر، أيّده اللّه، ما يدلّ على جودة قريحته، و ذكاء طبعه. و ممّا دوّن الذي ثبت له حيث ذكر قوله‏:

لمن طلل بالرّقمتين محيل‏* * *عفت دمنتيه شمأل و قبول‏

* * *

يلوح كباقي الوشم غيّره البلى‏* * *و جادت عليه السّحب و هي همول‏

* * *

____________

(1) ترجمة عبد اللّه بن محمد بن الخطيب في الكتيبة الكامنة (ص 279) و نفح الطيب (ج 10 ص 143) و جاء فيه أنه: «عبد اللّه بن محمد بن علي بن سعيد بن الخطيب التلمساني».

(2) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 143).

(3) في النفح: «و أقبض صكوكهم بالإقطاعات و الإحسان، و اختال في خلعهم. ثم لمّا ...».

(4) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 143).

(5) قوله: «الشيخ الأستاذ» ساقط في النفح.

(6) في النفح: «و الخطيب».

(7) في النفح: «ببعض».

(8) النص في نفح الطيب (ج 10 ص 143).

(9) في النفح: «الإجادة، يكلّله ...».

(10) هو الغني بالله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل. ترجمته في اللمحة البدرية (ص 113، 129).

(11) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 280- 281) و قال إنه قالها في الأغراض السلطانية أيام كتابته عن السلطان ملك المغرب. و هي أيضا في نفح الطيب (ج 10 ص 146).

(12) المحيل: المتغيّر. الدّمنة: الموضع القريب من الدار. الشمال: ريح الشمال. القبول: الريح التي تقابل الشمال. لسان العرب (حيل) و (دمن) و (شمأل) و (قبل).

(13) همول: منهمرة. لسان العرب (همل).

332

فيا سعد، مهلا بالرّكاب لعلّنا* * *نسائل ربعا فالمحبّ سؤول‏

* * *

قف العيس ننظر نظرة تذهب الأسى‏* * *و يشفى بها بين الضّلوع غليل‏

* * *

و عرّج على الوادي المقدّس بالحمى‏* * *فطاب لديه مربع و مقيل‏

* * *

فيا حبّذا تلك الديار و حبّذا* * *حديث بها للعاشقين طويل‏

* * *

دعوت لها سقي الحمى عندما سرى‏* * *و ميض و عرف للنسيم عليل‏

* * *

و أرسلت دمعي للغمام مساجلا* * *فسال على الخدّين منه مسيل‏

* * *

فأصبح ذاك الرّبع من بعد محله‏* * *رياضا بها الغصن المروح يميل‏

* * *

لئن حال رسم الدار عمّا عهدته‏* * *فعهد الهوى في القلب ليس يحول‏

* * *

و ممّا شجاني بعد ما سكن الهوى‏* * *بكاء حمامات لهنّ هديل‏

* * *

توسّدن فرع البان و النّجم مائل‏* * *و قد آن من جيش الظلام رحيل‏

* * *

فيا صاحبي، دع عنك لومي فإنّه‏* * *كلام على سمع المحبّ ثقيل‏

* * *

تقول اصطبارا عن معاهدك الألى‏* * *و هيهات صبري ما إليه سبيل‏

* * *

فللّه عينا من رآني و للأسى‏* * *غداة استقلّت بالخليط حمول‏

* * *

يطاول ليل التّمّ مني مسهّد* * *و قد بان عنّي منزل و خليل‏

* * *

فياليت شعري هل يعودنّ ما مضى؟* * *و هل يسمحنّ الدهر و هو بخيل؟

* * *

نثره: أجابني لما خاطبت الجملة من الكتّاب، و السلطان، رضي اللّه عنه، بالمنكّب، في رحلة أعملها بما نصّه:

«للّه من فذّة المعاني، حيث مشوق الفؤاد عاني، لما أنارت بها المغاني، غنين عن مطّرب الأغاني، يا صاحب الإذعان، أجب بالله من دعاني، إذا صرت من كثرة الأماني، بالشوق و الوجد مثل ماني. وردت سحّات سيدي التي أنشأت لغمام الرحمة عند اشتداد الأزمة رياحا، و ملأت العيون محاسنا و الصّدور انشراحا، و أصبح رحيب قرطاسها و عميم فضلها و نوالها و أيناسها لفرسان البلاغة مغدى و مراحا. فلم أدر أ صحيفة نسخت مسطورة، أم روضة نفحت ممطورة، أطيب من المسك منتشقا، و أحسن من السلك متّسقا، فملّكتها مقادة خاطري، و أودعتها سواد قلبي و ناظري، و طلعت عليّ طلوع الصّبح على عقب السّري، و خلصت خلوص الخيال مع سنة الكرى. فلله ما جلبت من أنس، و أذهبت لطائفة الشيطان من مسّ، و هاجت من‏

____________

(1) في الكتيبة: «و الحمى».

(2) في النفح: «الحمى و ربوعه».

(3) يحول: يتغيّر. لسان العرب (حول).

333

الشوق، الذي شبّ عمره عن الطّوق، و الوجد الذي أصبح واري الزّند. فأقسم بباري النّسم، و واهب الحظوظ و القسم، لو أعطيت للنّفس مقادتها، و سوّغتها إرادتها، ما قنعت بنيابة القرطاس و المداد، عن مباشرة الأرواح و الأجساد، و إن أعرضت عقبة للشّعير و رأس المزاد، و شمخ بأنفه و زاد، و ما بين ذلك من علم باذخ، و طود شامخ، قد أذكرت العقاب عقابه، و صافحت النجوم هضابه، قد طمح بطرفه، و شمخ بأنفه، و سال الوقار على عطفه: [الكامل‏]

ملكت عنان الرّيح راحته‏* * *فجيادها من تحته تجري‏

* * *

و أما الحمل الهائج، و البحر المتمايج، و الطّلل المائل، و الذّنب الشّائل، فمساجلة مولاي في ذلك المجال، من المحال، إذ العبد قصاراه ألفاظ مركّبة، غير مرتّبة: [الخفيف‏]

هو جهد المقلّ و افاك منّي‏* * *إنّ جهد المقلّ غير قليل‏

* * *

و أقرأ على مولاي، أبقاه اللّه، سلاما عميما، تنسّم روضه نسيما، و رفّ نظره و عبق شميما، و الأوفر الأذكى منه عليه معادا، ما سحّ السّحاب إرعادا، و أبرق الغمام رعدا و الحسام أبعادا، و رحمة اللّه و بركاته. من عبده الشّبق لوجهه، عبد اللّه بن الخطيب، في الخامس عشر لجمادى الأولى عام تسعة و ستين و سبعمائة.

مولده: بحضرة غرناطة، يوم السبت سابع عشر صفر عام ثلاثة و أربعين و سبعمائة.

عبد اللّه بن محمد بن سارة البكري‏

شنتريني‏، سكن ألمرية و غرناطة، و تردّد مادحا و منتجعا شرقا و مغربا، و يضرب في كثير من البلاد.

____________

(1) ترجمة ابن سارة أو ابن صارة في وفيات الأعيان (ج 3 ص 76) و بغية الملتمس (ص 338) و زاد المسافر (ص 66) و قلائد العقيان (ص 258) و التكملة (ج 2 ص 251) و المطرب (ص 78، 138) و المغرب (ج 1 ص 419) و الذخيرة (ق 2 ص 834) و مسالك الأبصار (ج 11، الورقة 383) و شذرات الذهب (ج 4 ص 55) و معجم السفر للسلفي (ص 205) و خريدة القصر- قسم المغرب (ج 2 ص 256) و الفلاكة و المفلوكون (ص 90) و رايات المبرزين (ص 106) و بغية الوعاة (ص 288) و نفح الطيب (ج 2 ص 43) و (ج 4 ص 284) و صفحات أخرى متفرقة.

(2) نسبة إلى مدينة شنترين البرتغاليةsantaren ، و هي بلدة في غرب جزيرة الأندلس. و فيات الأعيان (ج 3 ص 79).

334

حاله: كان ذا حظّ صالح من النحو و اللغة، و حفظ الأشعار، أديبا ماهرا، شاعرا مجيدا، مطبوع الاختراع و التّوليد. تجوّل في شرق الأندلس و غربها معلّما للنحو، و مادحا ولاتها، و كتب عن بعضهم، و تعيّش بالوراقة زمانا، و كان حسن الخطّ، جيّد النقل و الضّبط.

مشيخته: روى عن أبي الحسن بن الأخضر.

من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن مسعود، و أبو جعفر بن الباذش، و أبو عثمان بن هارون، و أبو الطاهر التّميمي، و أبو العباس بن علي اللص، و أبو العلاء بن الجنّان، و أبو محمد بن يوسف القضاعي، و إبراهيم بن محمد السّبتي.

شعره: و شعره كثير جيد شهير. منه في حرفة الوراقة قوله‏: [الكامل‏]

أمّا الوراقة فهي أيكة حرفة* * *أغصانها و ثمارها الحرمان‏

* * *

شبّهت صاحبها بإبرة خائط* * *يكسو العراة و ظهره عريان‏

* * *

و قال في نجم الرّحيم، و هو من التّشبيه العقيم‏: [البسيط]

و كوكب أبصر العفريت مسترقا* * *فانقضّ‏ يذكي‏ سريعا خلفه لهبه‏

* * *

كفارس حلّ إحصار عمامته‏* * *فجرّها كلّها من خلفه عذبه‏

* * *

و قال منه في المواعظ: [البسيط]

يا من يصيخ إلى داعي السّفاه‏ و قد* * *نادى به النّاعيان: الشّيب و الكبر

* * *

إن كنت لا تسمع الذّكرى ففيم ثوى‏* * *في رأسك الواعيان: السّمع و البصر؟

* * *

____________

(1) البيتان في الذخيرة (ق 2 ص 835) و المطرب (ص 78) و الفلاكة و المفلوكون (ص 90).

(2) في الذخيرة و المطرب: «أنكد».

(3) في الذخيرة: «أوراقها».

(4) في الذخيرة: «بصاحب إبرة».

(5) في الذخيرة و المطرب: «تكسو العراة و جسمها ...».

(6) البيتان في قلائد العقيان (ص 268).

(7) في الأصل: «فانقضى» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من القلائد.

(8) في القلائد: «يذكي له في أثره لهبه».

(9) في الأصل: «إخصارا» و التصويب من القلائد.

(10) في الأصل: «تجرّها» و التصويب من القلائد.

(11) الأبيات في قلائد العقيان (ص 264) و وفيات الأعيان (ج 3 ص 78) و نفح الطيب (ج 6 ص 96).

(12) في القلائد: «السقاة». و السّفاه: الجهل.

(13) في الأصل: «... الذكر ففيم ترى» و التصويب من المصادر الثلاثة.

335

ليس الأصمّ و لا الأعمى سوى رجل‏* * *لم يهده الهاديان: العين و الأثر

* * *

لا الدهر يبقى على حال‏ و لا الفلك ال* * *أعلى و لا النّيّران: الشمس و القمر

* * *

لأرحلنّ‏ عن الدنيا و لو كرها* * *فراقها الثاويان: البدو و الحضر

* * *

و قال في موت ابنة له‏: [الوافر]

ألا يا موت، كنت بنا رؤوفا* * *فجدّدت السّرور لنا بزوره‏

* * *

حمدنا سعيك المشكور لمّا* * *كفيت‏ مؤنة و سترت عوره‏

* * *

فأنكحنا الضّريح بلا صداق‏* * *و جهّزنا العروس‏ بغير شوره‏

* * *

وفاته: توفي عبد اللّه بن سارة سنة تسع عشرة و خمسمائة.

عبد اللّه بن محمد الشرّاط

يكنى أبا محمد، من أهل مالقة.

حاله: طالب جليل، ذكي، مدرك، ظريف، كثير الصّلف و الختروانة و الإزراء بمن دونه، حادّ النّادرة، مرسل عنان الدّعابة، شاعر مكثر، يقوم على الأدب و العربية، و له تقدّم في الحساب، و البرهان على مسائله. استدعي إلى الكتابة بالباب السلطاني، و اختصّ بولي العهد، و نيط به من العمل، و ظيف نبيه، و كاد ينمو عشبه و يتأشّب‏ جاهه، لو أن الليالي أمهلته، فاعتبط لأمد قريب من ظهوره، و كانت بينه و بين الوزير أبي عبد اللّه بن الحكيم، إحنة، تخلّصه الحمام لأجلها، من كفّ انتقامه.

____________

(1) في المصادر الثلاثة: «... يبقى و لا الدنيا و لا ...».

(2) في المصادر الثلاثة: «ليرحلنّ».

(3) في المصادر الثلاثة: «إن كرها» و يقال لغويا: «و إن كره فراقها الثاويان».

(4) الأبيات في قلائد العقيان (ص 268) و نفح الطيب (ج 6 ص 96- 97).

(5) في المصدرين: «الحياة».

(6) في المصدرين: «حماد لفعلك المشكور ...».

(7) في القلائد: «كففت».

(8) في المصدرين: «الفتاة».

(9) في وفيات الأعيان (ج 3 ص 79): «و كانت وفاته سنة سبع عشرة و خمسمائة بمدينة ألمرية من جزيرة الأندلس». و هكذا جاء في التكملة (ج 2 ص 252).

(10) ترجمة ابن الشراط في نثير فرائد الجمان (ص 325).

(11) لم نقف على هذه الكلمة في كتب اللغة، و جاء فيها في مادة (ختر): الختر: أقبح الغدر و أشدّه.

(12) يتأشّب: يتجمّع.

336

شعره: و شعره كثير، لكني لم أظفر منه إلّا باليسير. نقلت من خطّ صاحبنا القاضي المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، من نظم أبي محمد الشراط، في معنى كان أدباء عصره قد كلفوا بالنظم فيه، يظهر من هذه الأبيات في شمعة:

[الوافر]

و كنت ألفت قبل اليوم إلفا* * *أنادي مرة فيجيب ألفا

* * *

و كنّا مثل وصل العهد وصلا* * *و كنّا مثل وصف الشّهد وصفا

* * *

ففرّق بيننا صرف الليالي‏* * *و سوّغنا كؤوس البين صرفا

* * *

فصرت غداة يوم البين شمعا* * *و سار فصار كالعسل المصفّا

* * *

فدمعي لا يتم أسى و جسمي‏* * *يغص بنار وجدي ليس يطفا

* * *

ثم في المعنى أيضا: [البسيط]

حالي و حالك أضحت آية عجبا* * *إن كنت مغتربا أو كنت مقتربا

* * *

إذا دنوت فإني مشعر طربا* * *و إن نأيت فإني مشعل لهبا

* * *

كذاك الشّمع لا تنفكّ‏ حالته‏* * *إلّا إلى الناس مهما فارق الضّربا

* * *

و من ذلك أيضا: [الطويل‏]

رحلتم و خلّفتم مشوفكم نسيا* * *رهين هيام لا يموت و لا يحيا

* * *

فضاقت عليّ الأرض و اعتاص مذهبي‏* * *و ما زلت في قومي و لا ضاقت الدنيا

* * *

و ما باختيار شتّت الدهر بيننا* * *و هل يملك الإنسان من أمره شيّا؟

* * *

فذا أضلعي لم تخب من أجلكم جوى‏* * *و ذا أدمعي لم تأل من بعدكم جريا

* * *

كأنّني شمع في فؤاد و أدمع‏* * *و قد فارقت من وصلكم ريّا

* * *

و ذكر لي أن هذا صدر عنه في مجلس أنس مع الوزير أبي عبد اللّه بن عيسى بمالقة، بحضرة طائفة من ظرفاء الأدباء.

وفاته: كان حيّا سنة سبعمائة، و توفي بغرناطة، و هو على حاله من الكتابة، (رحمه اللّه).

____________

(1) الأبيات في نثير فرائد الجمان (ص 326).

(2) في الأصل: «مغرّبا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من نثير فرائد الجمان.

(3) في الأصل: «مغتربا» و التصويب من النثير.

(4) في النثير: «لا ينفك».

337

عبد اللّه بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان النّجاري‏

يكنى أبا القاسم، و يعرف باسم جدّه، من أهل مالقة، و صاحب القلم الأعلى لهذا العهد بالمغرب.

حاله: هذا الفاضل نسيج وحده، فهما و انطباعا، و لوذعيّة، مع الدّين و الصّون، معمّ، مخول في الخير، مستول على خصال حميدة، من خطّ و أدب و حفظ، مشارك في معارف جملة. كتب ببلده عدلا رضى، و أنشد السلطان عند حلوله ببلده. و رحل عن بلده إلى المغرب، فارتسم في كتابة الإنشاء بالباب السلطاني، ثم بان فضله، و نبه قدره، و لطف محلّه، و عاد إلى الأندلس، لما جرت على سلطانه الهزيمة بالقيروان، و لم ينتشله الدهر بعدها مع جملة من خواصّه. فلمّا استأثر اللّه بالسلطان المذكور، موسوم التّمحيص، و صيّر أمره إلى ولده بعده، جنح إليه، و لحق ببابه، مقترن الوفادة، بيمن الطّائر، و سعادة النّصبة، مظنّة الاصطناع، فحصل على الحظوة، و أصبح في الأمد القريب، محلا للبثّ و جليسا في الخلوة، و مؤتمنا على خطّة العلامة، من رجل ناهض بالكلّ، جلد على العمل، حذر من الذّكر، متقلّص ذيل الجاه، متهيّب، غزير المشاركة، مطفّف في حقوق الدّول عند انخفاض الأسعار، جالب لسوق الملك ما ينفق فيها، حارّ النّادرة، مليح التّندير، حلو الفكاهة، غزل مع العفة، حافظ للعيون، مقدّم في باب التّحسين و التنقيح، لم ينشب الملك أن أنس منه بهذه الحال، فشدّ عليه يد الغبطة، و أنشب فيه براثن الأثرة، و رمى إليه بمقاليد الخدمة، فسما مكانه، و علا كعبه، و نما عشّه. و هو الآن بحاله الموصوفة، من مفاخر قطره، و مناقب وطنه، كثّر اللّه مثله.

مشيخته: قرأ ببلده على المقرئ أبي محمد بن أيوب، و المقرئ الصالح أبي عبد اللّه المهندس، و الأستاذ أبي عبد اللّه بن أبي الجيش، و القاضي أبي جعفر بن عبد الحق. و روى عن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، و القاضي أبي‏

____________

(1) ترجمة ابن رضوان النجاري في نيل الابتهاج (ص 123) و التعريف بابن خلدون (ص 20، 41) و جذوة الاقتباس (ص 247) و نفح الطيب (ج 8 ص 240) و الكتيبة الكامنة (ص 254) و فيه:

«البخاري» بدل «النجاري». و لم يشر ابن الخطيب هنا إلى سنة وفاته؛ لأنه توفي في سنة 783 ه، أي بعد وفاة ابن الخطيب بسبع سنوات.

(2) هي العلامة التي كانت توضع عن السلطان أسفل المراسيم و المخاطبات، و بعضها كان السلطان يضعه بخطه. التعريف بابن خلدون (ص 20).

338

بكر بن منظور. و بغرناطة عن جلّة؛ منهم شيخنا رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجيّاب، و قاضي الجماعة أبو القاسم بن أحمد الحسني، و لازم بالمغرب الرئيس أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، و القاضي أبا إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى، و أبا العباس بن يربوع السّبتي. و بتلمسان عن أبي عبد اللّه الآبلي، و أبي عبد اللّه بن النّجار، و غيرهما. و بتونس عن قاضي الجماعة أبي عبد اللّه بن عبد السلام، و عن جماعة غيرهم.

شعره: و نظمه و نثره متجاريان لهذا العهد في ميدان الإجادة. أما شعره، فمتناسب الوضع، سهل المأخذ، ظاهر الرّواء، محكم الإمرة للتّنقيح. و أما نثره، فطريف السّجع، كثير الدّالة، مطيع لدعوة البديهة، و ربما استعمل الكلام المرسل، فجرى يراعه في ميدانه مل‏ء عنانه.

و جرى ذكره في «التاج» أيام لم يفهق‏ حوضه، و لا أزهر روضه، و لا تباينت سماؤه و لا أرضه، بما نصه‏: أديب أحسن ما شاء، و فتح قليبه‏ فملأ الدّلو و بلّ الرّشاء، و عانى على حداثته الشعر و الإنشاء، و له ببلده بيت معمور بفضل و أمانة، و مجد و ديانة. و نشأ هذا الفاضل على أتمّ العفاف و الصّون، فما مال إلى فساد بعد الكون. و له خطّ بارع، و فهم إلى الغوامض مسارع. و قد أثبتّ من كلامه، و نفثات أقلامه، كلّ محكم العقود، زاريا بنت العنقود. فمن ذلك قصيدة أنشدها للسلطان أمير المسلمين‏، مهنّئا بهلاك الأسطول الحربي بالزّقاق الغربي‏، أجاد أغراضها، و سبك المعاني و راضها، و هي قوله‏: [الطويل‏]

لعلّكما أن ترعيا لي و سائلا* * *فباللّه عوجا بالرّكاب وسائلا

* * *

بأوطان أوطار قفا و مآربي‏* * *و بالحبّ خصّا بالسّلام المنازلا

* * *

ألا فانشدا بين القباب من الحمى‏* * *فؤاد شج أضحى عن الجسم راحلا

* * *

____________

(1) فهق حوضه: امتلأ. لسان العرب (فهق).

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 241).

(3) القليب: البئر. لسان العرب (قلب).

(4) الرّشاء: الحبل. لسان العرب (رشا).

(5) في النفح: «زار بابنة».

(6) في النفح: «فمن ذلك قوله» و أورد الشعر مباشرة.

(7) أمير المسلمين هنا هو السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري، و قد حكم غرناطة من سنة 733 ه إلى سنة 755 ه. راجع اللمحة البدرية (ص 102).

(8) المقصود بالزقاق الغربي جبل الفتح، أو جبل طارق، الذي نازله ألفونش بن هرانده، فهلك فيه حتف أنفه عام 751 ه. اللمحة البدرية (ص 108).

(9) ورد في نفح الطيب من هذه القصيدة خمسة أبيات فقط.

339

و بثّا صبّا بات هنالك و اشرحا* * *لهم من أحاديثي عريضا و طائلا

* * *

رعى اللّه مثواكم على القرب و النّوى‏* * *و لا زال هامي السّحب في الرّبع هاملا

* * *

و هل لزمان باللّوى قد سقى اللّوى‏* * *مآرب فما ألقى مدى الدّهر حائلا؟

* * *

فحظّي بعيد الدّار منه بقربه‏* * *و يورد فيه من مناه مناهلا

* * *

لقد جار دهري أن‏ نأى بمطالبي‏* * *و ظلّ بما أبقى‏ من القرب ماطلا

* * *

و حمّلني من صرفه ما يؤدني‏* * *و مكّن منّي الخطوب شواغلا

* * *

عتبت عليه فاغتدى لي عاتبا* * *و قال: أصخ لي لا تكن لي‏ عاذلا

* * *

أتعتبني إذ قد أفدتك موقفا* * *لدى أعظم الأملاك حلما و نائلا؟

* * *

مليك حباه اللّه بالخلق الرّضا* * *و أعلى له في المكرمات المنازلا

* * *

مليك علا فوق السّماك فطرفه‏* * *غدا كهلال الأفق يبصرنا علا

* * *

إذا ما دجا ليل الخطوب فبشره‏* * *صباح و بدر لا يرى الدهر آفلا

* * *

نماه من الأنصار غرّ أكابر* * *لهم شيم مل‏ء الفضاء فضائلا

* * *

تلوا سور النّعماء في حزبهم كما* * *جلوا صور الأيام غرّا جلائلا

* * *

تسامت لهم في المعلوات مراتب‏* * *يرى زحل دون المراتب زاحلا

* * *

عصابة نصر اللّه طابت أواخرا* * *كما قد زكت أصلا و طابت أوائلا

* * *

لقد كان ربع المجد من قبل خاليا* * *و من آل نصر عاد يبصر آهلا

* * *

إذا يوسف منهم تلوح يمينه‏* * *تقول سحاب الجود و البأس هاطلا

* * *

كتائبه في الفتح تكتب أسطرا* * *تبين من الأنفال فيها المسائلا

* * *

عوامله بالحذف تحكم في العدا* * *كما حكموا في حذف جزم عواملا

* * *

يبدّد جمع الكفر رعبا و هيبة* * *كما بدّدت منه اليمين النّوافلا

* * *

و منها في وصفه الأسطول و اللقاء:

و لمّا استقامت بالزّقاق أساطي* * *ل ثم‏ استقلّت للسّعود محافلا

* * *

رآها عدوّ اللّه فانفضّ جمعه‏* * *و أبصر أمواج البحار أساطلا

* * *

و من دهش ظنّ السّواحل أبحرا* * *و من رعب خال البحار سواحلا

* * *

____________

(1) كلمة «قد» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

(2) في النفح: «إذ».

(3) في النفح: «أبغي».

(4) في النفح: «قطّ».

(5) في النفح: «أن».

(6) في الأصل: «و استقلّت»، و كذا ينكسر الوزن.

340

و من جندكم هبّت عليه عواصف‏* * *تدمّر أدناها الصّلاب الجنادلا

* * *

تفرّقهم أيدي سبا و تبيدهم‏* * *فقد خلّفت فيهم حساما و ذابلا

* * *

و عهدي بمرّ الريح للنار موقدا* * *فقد أطفأت تلك الحروب المشاعلا

* * *

و كان لهم برد العذاب و لم يكن‏* * *سلاما و ما كادوه قد عاد باطلا

* * *

حداهم هواهم للإسار و للفنا* * *فما أفلتوا من ذا و ذاك حبائلا

* * *

فهم بين عان في القيود مصفّد* * *و فان عليه السّيف أصبح صائلا

* * *

ستهلك ما بالبرّ منهم جنودكم‏* * *كما أهلكت من كان بالبحر عاجلا

* * *

و قال أيضا يمدحه: [الطويل‏]

نشرت لواء النّصر و اليمن و السّعد* * *و أطلعت وجه اليسر و الأمن و الرّفد

* * *

أعدت لنا الدّنيا نعيما و لذّة* * *ألا للمعالي ما تعيد و ما تبدي‏

* * *

بنوركم و اللّه يكلأ نوركم‏* * *تبدّت لنا سبل السعادة و الرّشد

* * *

تحلّى لكم بالملك نحر و لبّة* * *فراق كذاك الجيد يزدان بالعقد

* * *

مآثركم قد سطّرتها يد العلا* * *على صفحات الفخر أو مفرق الحمد

* * *

بمدحكم القرآن‏ أثنى منزّلا* * *و قد حزتم مجدا بجدّكم سعد

* * *

كفاكم فخارا أنه لكم أب‏* * *و من فخره إن أنت تدعوه بالجدّ

* * *

ثناؤكم هذا أم المسك نافح؟* * *و ذكركم أم عاطر العنبر الورد؟

* * *

أجل ذكركم أزكى و أذكى لناشق‏* * *كما أنكم أجلى و أعلى لمشهد

* * *

طلعت على الآفاق نورا و بهجة* * *فما أنت إلّا البدر في طالع السّعد

* * *

و في جملة الأملاك عزّ و رفعة* * *و دم في خلود الملك و النصر و السعد

* * *

و لو أنني فقت سحبان وائل‏* * *و أربيت في شعري على الشاعر الكندي‏

* * *

لما قمت بالمعشار من بعض ما لكم‏* * *من الجود و الأفضال و البذل و الرّفد

* * *

و قال في شيخه أبي بكر بن منظور، (رحمه اللّه): [الطويل‏]

جلالك أولى بالعلا للمخلّد* * *و ذكرك أعلى الذّكر في كلّ مشهد

* * *

لمجدك كان العزّ يذخر و العلى‏* * *و أنّك للأولى بأرفع سؤدد

* * *

أبى اللّه إلّا أن تكون مشرّفا* * *بمقعد خير العالمين محمد

* * *

____________

(1) في الأصل: «للقرآن»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «المخلّد» و هكذا ينكسر الوزن.

341

فهنّئت بالفخر السّنيّ محلّه‏* * *و هنّئت بالمجد الرّفيع المجدّد

* * *

شهدت بما أوليتني من عوارف‏* * *و خوّلت من نعمى و أسديت من يد

* * *

و ما حزت من مجد كريم نجاره‏* * *و ما لك من مجد و رفعة محتد

* * *

لقد نبّأتني بالرّواح لعزّكم‏* * *مخايل إسعاد تروح و تغتدي‏

* * *

تحدّثني نفسي و إنّي لصادق‏* * *بأن سوف تلقى كاملا كلّ مقصد

* * *

دليلي بهذا أنّك الماجد الذي‏* * *تسامى علوّا فوق كلّ ممجّد

* * *

ليفخر أولو الفخر المنيف بأنّكم‏* * *لهم علم أعلى، به الكلّ مقتدي‏

* * *

إمام علوم معتلي القدر لم يزل‏* * *رداء المعالي و العوارف يرتدي‏

* * *

و قاض إذا الأحكام أشكل أمرها* * *جلا لي‏ برأي الحقيقة مرشدي‏

* * *

إذا الحقّ أبدى نوره عند حكمه‏* * *رأيت له حدّ الحسام المهنّد

* * *

و إنّ جميع الخلق في الحقّ عنده‏* * *سواسية ما بين دان و سيّد

* * *

هنيّا لنا بل للقضاء و فضله‏* * *بقاض حليم في القضاء مسدّد

* * *

أمات به الرحمن كلّ ضلالة* * *و أحيا بما أولاه شرعة أحمد

* * *

و كائن تراه لا يزال ملازما* * *لأمر بعرف أو لزام بمسجد

* * *

و ما زال قدما للحقيقة حاميا* * *و للشّرعة البيضاء يهدى و يهتدي‏

* * *

و يمنح أفضالا و يولي أياديا* * *و إحسانه للمعتفين بمرصد

* * *

يقيّد أحرارا بمنطق جوده‏* * *فما إن يني عن مطلق أو مقيّد

* * *

نعم إن يكن للفضل شخص فإنما* * *بشيمته الغرّاء في الفضل يبتدي‏

* * *

أيا ناثرا أسنى المعارف و الغنا* * *و يا طارقا يطوي السّرى كلّ فدفد

* * *

ألا الق عصا التّسيار و اعش لناره‏* * *تجد خير نار عندها خير موقد

* * *

و من مقطوعاته قوله‏: [الطويل‏]

تبرّأت من حولي إليك و أيقنت‏* * *برحماك آمالي فصحّ‏ يقيني‏

* * *

فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأي‏* * *و حسبي يقيني باليقين‏ يقيني‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «و تغتد» بدون ياء.

(2) في الأصل: «يرتد» بدون ياء.

(3) في الأصل: «لها» و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «مرشد» بدون ياء.

(5) البيتان في الكتيبة الكامنة (ص 259) و نفح الطيب (ج 8 ص 242).

(6) في المصدرين: «أصحّ».

(7) في النفح: «ملجأ».

(8) في الكتيبة: «فاليقين».

342

و من شعره لهذا العهد منقولا من خطّه، قال مما نظمه فلان، يعني نفسه في كتاب الشّفا، نفع اللّه به: [الكامل‏]

سل بالعلى و سنى المعارف يبهر* * *هل زانها إلّا الأئمّة معشر؟

* * *

و هل المفاخر غير ما شهدت به‏* * *آي الكتاب و خارتها الأعصر؟

* * *

هم ما هم شرفا و نيل مراتب‏* * *يوم القيام إذا يهول المحشر

* * *

ورثوا الهدى عن خير مبعوث به‏* * *فخرا هديّهم النعيم‏ الأكبر

* * *

و عياض‏ الأعلى قداحا في العلى‏* * *منهم و حوّله الفخار الأظهر

* * *

بشفائه‏ تشفى الصدور و إنه‏* * *لرشاد نار بالشّهاب‏ النّيّر

* * *

هو للتّوالف روح صورتها و قل‏* * *هو تاج مفرقها البهيّ الأنور

* * *

أفنت محاسنه المدائح مثل ما* * *لمعيده بعد الثناء الأعطر

* * *

و له اليد البيضاء في تأليفه‏* * *عند الجميع ففضلها لا ينكر

* * *

هو مورد الهيم العطاش هفت‏* * *بهم أشواقهم فاعتاض منه المصدر

* * *

فبه ننال من الرضى ما نبتغي‏* * *و بكونه فينا نغاث و نمطر

* * *

انظر إليه تميمة من كل ما* * *تخشى من الخطب المهول و تحذر

* * *

لكأنّني بك يا عياض مهنأ* * *بالفوز و الملأ العليّ مبشّر

* * *

لكأنّني بك يا عياض منعّما* * *بجوار أحمد يعتلي بك مظهر

* * *

لكأنّني بك يا عياض متوّجا* * *تاج الكرامة عند ربّك تخبر

* * *

لكأنّني بك راويا من حوضه‏* * *إذ لا صدى ترويه إلّا الكوثر

* * *

فعلى محبّته طويت ضمائرا* * *و ضحت شواهدها بكتبك تؤثر

* * *

ها إنّهن لشرعة الهادي الرّضا* * *صدف يصان بهن منها جوهر

* * *

فجزاك ربّ العالمين تحية* * *يهب النعيم سريرها و المنبر

* * *

و سقى هزيم الودق مضجعك الذي‏* * *ما زال بالرّحمى يؤمّ و يعمر

* * *

____________

(1) في الأصل: «للمفاخر» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «هديهم للنعيم» و هكذا ينكسر الوزن. و الهديّ: ما أهدي إلى الحرم من النّعم.

(3) هو الفقيه عياض بن موسى اليحصبي السبتي (476- 544 ه). و سوف يترجم له ابن الخطيب فيما بعد في الإحاطة. و يبدو أن القصيدة في مدح القاضي عياض و التنويه بكتابه «الشفا».

(4) يشير إلى كتاب القاضي عياض و هو «الشفا بتعريف حقوق المصطفى».

(5) في الأصل: «به الشهاب» و هكذا ينكسر الوزن.

343

و قال في محمل الكتب: [الطويل‏]

أنا الحبر في حمل العلوم و إن تقل‏* * *بأني حليّ عن حلاهنّ تعدل‏

* * *

أقيّد ضروب العلم ما دمت قائما* * *و إن لم أقم فالعلم عنّي بمعزل‏

* * *

خدمت بتقوى اللّه خير خليفة* * *فبوّأني من قربه خير منزل‏

* * *

أبا سالم لا زال في الدهر سالما* * *يسوّغ من شرب المنى كلّ منهل‏

* * *

و كان قد رأى ليلة الاثنين الثانية لجمادى الأولى عام ستين و سبعمائة في النوم، كأنّ الوزير أبا علي بن عمر بن يخلف بن عمران الفدودي، يأمره أن يجيب عن كلام من كتب إليه، فأجاب عنه بأبيات نظمها في النوم، و لم يحفظ منها غير هذين البيتين:

[المتقارب‏]

و إني لأجزي بما قد أتاه‏* * *صديقي احتمالا لفعل الحفاء

* * *

بتمكين ودّ و إثبات عهد* * *و إجزال حمد و بذل حياء

* * *

و من نظمه في التورية: [الخفيف‏]

و بخيل لمّا دعوه لسكنى‏* * *منزل بالجنان ضنّ بذلك‏

* * *

قال لي مخزن بداري فيه‏* * *جلّ‏ مالي فلست للدار تارك‏

* * *

لا تعرّج على الجنان بسكنى‏* * *و لتكن ساكنا بمخزن مالك‏

* * *

و من ذلك أيضا: [الكامل‏]

يا ربّ منشأة عجبت لشأنها* * *و قد احتوت في البحر أعجب شان‏

* * *

سكنت بجنبيها عصابة شدّة* * *حلّت محلّ الروح في الجثمان‏

* * *

فتحرّكت بإرادة مع أنها* * *في جنسها ليست من الحيوان‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «الحرفاء» و هو لا معنى لها، و كذلك ينكسر الوزن. و الحفاء: البرّ.

(2) الأبيات في نفح الطيب (ج 8 ص 245).

(3) في النفح: «كلّ».

(4) في الأصل: «شاك» و هكذا بدون معنى، و كذلك ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(5) تورية بجهنّم؛ لأن اسم خازنها من الملائكة مالك.

(6) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 258) و نفح الطيب (ج 8 ص 245). و قد قيلت في وصف مركب أو سفينة.

(7) في الأصل: «بجنبها» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(8) في الأصل: «حسنها» و التصويب من المصدرين.

344

و جرت كما قد شاءه‏ سكّانها* * *فعلمت أنّ السّر في السّكان‏

* * *

و من ذلك أيضا قوله‏: [الوافر]

و ذي خدع دعوه لاشتغال‏* * *و ما عرفوه غثّا من سمين‏

* * *

فأظهر زهده و غنى بمال‏* * *و جيش الحرص منه في كمين‏

* * *

و أقسم لا فعلت‏ يمين‏ خبّ‏* * *فيا عجبا لحلاف‏ مهين‏

* * *

يقدّ بسيره و يمين حلف‏* * *ليأكل باليسار و باليمين‏

* * *

شي‏ء من نثره‏ خاطبته من مدينة سلا بما نصه، حسبما يظهر من غرضه: [الطويل‏]

مرضت فأيّامي لذاك مريضة* * *و برؤك مقرون ببرئي اعتلالها

* * *

فما راع ذاك الذّات للضّرّ رائع‏* * *و لا وسمت بالسّقم غرّ خلالها

* * *

و ينظر باقي الرسالة في خبر التّعريف بمؤلّف الكتاب.

فراجعني عن ذلك بما نصّه: [الطويل‏]

متى شئت ألقى من علائك كل ما* * *ينيل من الآمال خير منالها

* * *

كبر اعتلال من دعائك زارني‏* * *و عادات برّ لم ترم عن وصالها

* * *

أبقى اللّه ذلك الجلال الأعلى متطوّلا بتأكيد البرّ، متفضّلا بموجبات الحمد و الشكر. و ردتني سمات سيدي المشتملة على معهود تشريفه، و فضله الغنيّ عن تعريفه، متحفّيا في السؤال عن شرح الحال، و معلنا ما تحلّى به من كرم الخلال، و الشّرف العال، و المعظّم على ما يسرّ ذلك الجلال، الوزاري، الرئاسي، أجراه اللّه على أفضل ما عوّده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، و حبّه‏

____________

(1) في الأصل: «شاء» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(2) أخذه من المثل: «الشأن في السكان لا في المكان». و هنا يورّي بكلمة «السكان» التي تعني أيضا الخشبة التي تدار بها السفينة، أي دفّة السفينة.

(3) الأبيات في الكتيبة الكامنة (ص 458) و نفح الطيب (ج 8 ص 246).

(4) في الكتيبة: «فيظهر».

(5) في الكتيبة: «قبلت».

(6) في الأصل: «بمن خبّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين. و الخبّ: الخدّاع.

(7) في الأصل: «لخلاف»، و التصويب من المصدرين.

(8) في المصدرين: «يغرّ بيسره و يمين حنث».

345

المخيّم بين الجوانح. و اللّه سبحانه المحمود على نعمه، و مواهب لطفه و كرمه، و هو سبحانه المسؤول أن يسنى لسيدي قرار الخاطر، على ما يسرّه في الباطن و الظاهر، بمنّ اللّه و فضله، و السلام على جلاله الأعلى و رحمة اللّه و بركاته. كتبه المعظّم الشاكر، الداعي المحبّ، ابن رضوان وفّقه اللّه.

و مما خاطبني به، و قد جرت بيني و بين المتغلب على دولتهم، رقاع، فيها سلم و إيقاع، ما نصه:

يا سيدي الذي علا مجده قدرا و خطرا، و سما ذكره في الأندية الحافلة ثناء و شكرا، و سما فخره في المراتب الدينيّة و الدنيوية حمدا و أجرا، أبقاك اللّه جميل السّعي، أصيل الرأي، سديد الرمي، رشيد الأمر و النّهي، ممدوحا من بلغاء زمانك، بما يقصر بالنّوابغ و العشي، مفتوحا لك باب القبول، عند الواحد الحقّ. و صلني كتابك الذي هو للإعجاز آية، و للإحسان غاية، و لشاهد الحسن تبريز، و لثوب الأدب تطريز، و في النّقد إبريز، وقفت منه على ما لا تفي العبارة بعجائبه، و لا يحيد الفضل كله عن مذاهبه، من كل أسلوب طار في الجو إعرابا و إغرابا، و ملك من سحر البيان خطابا، و حمد ثناه مطالا و حديثا مطابا، شأن من قصر عن شأو البلغاء، بعد الإغياء، و وقف دون سباق البديع بعد الإعياء، فلم يشقّ غباره، و لا اقتفيت إلّا بالوهم آثاره، فلله من سيدي إتحاف سرّ ما شاء، و أحكم الإنشاء، و برّ الأكابر و الإنشاء، فما شئت من إفصاح و كتابة، و برّ و رعاية، و فهم و إفهام، و تخصيص و إبهام، و كبح لطرف النّفس و قمع، و حفض في الجواب و رفع، و تحرّج و تورّع، و ترقّص و توسّع، و جماع و أصحاب، و عتب و إعتاب، و إدلال على أحباب، إلى غير ذلك من أنواع الأغراض، و المقاصد السّالمة جواهرها من الأعراض، جملة جمعت المحاسن، و أمتعت السامع و المعاين، و حلّت من امتناعها مع السهولة الحرم، إلّا من زاد اللّه تلك المعارف ظهورا، و جعلها في شرع المكارم هدى و نورا. و أما شكر الجناب الوزاري، أسماه اللّه، بحكم النّيابة عن جلالكم، فقد أبلغت فيه حمدي، و بذلت ما عندي، و ودّي لكم ودي، و وردي لكم من المخالصة لكم وردي، و كل حالات ذلك الكمال، مجمع على تفضيله، معتمد من الثناء العاطر بإجماله و تفصيله. و أما مؤدّيه إليكم أخي و سيدي الفقيه المعظم، قاضي الحضرة و خطيبها، أبو الحسن، أدام اللّه عزّته، و حفظ أخوّته، فقد قرّر من أوصاف كمالاتكم، ما لا تفي بتقريره الأمثلة من أولي العلم بتلك السّجايا الغرّ، و الشّيم الزّهر، و ما تحلّيتم به من التقوى و البرّ، و العدل و الفضل، و الصبر و الشكر، و لحمل المتاعب في أمور الجهاد، و ترك الملاذ و الدّعة في مرضاة

346

ربّ العباد، و الإعراض عن الفانية، و الإقبال على الباقية، فيا لها من صفات خلعت السعادة عليكم مطارفها، و أجزلت عوارفها، و جمعت لكم تالدها و طارفها، زكّى اللّه ثوابها و جدّد أثوابها، و وصل بالقبول أسبابها. و ذكر لي أيضا من حسناتكم، المنقبة الكبيرة، و القربة الأثيرة، في إقامة المارستان‏ بالحضرة، و التّسبّب في إنشاء تلك المكرمة المبتكرة، التي هي من مهمّات المسلمين بالمحلّ الأعلى، و من ضروريات الدين بالمزيّة الفضلى، و ما ذخره القدر لكم من الأجر في ذلك السعي المشكور، و العمل المبرور، فسرّني لتلك المجادة إحراز ذلك الفضل العظيم، و الفوز بثوابه الكريم، و فخره العميم. و معلوم، أبقاكم اللّه، ما تقدّم من ضياع الغرباء و الضعفاء من المضي فيما سلف هنالك، و قبل ما قدّر لهم من المرتفق العظيم و بذلك، حتى أن من حفظ قول عمر، رضي اللّه عنه، و اللّه لو ضاعت نخلة بشاطئ الفرات لخفت أن يسأل اللّه عنها عمر. لا شك في أن من تقدّم من أهل الأمر هنالكم، لا بدّ من سؤاله عمّن ضاع لعدم القيام بهذا الواجب المغفل. و الحمد للّه على ما خصّكم به من مزية قوله (صلى اللّه عليه و سلم): إذا أراد اللّه بخليفة خيرا، جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، و إن ذكر أعانه.

و أما «كتاب المحبة»، فقد وقف المعظّم على ما وجّهتهم منه، وقوفا ظهر بمزية التّأمل، و علم منه ما ترك للآخر الأول، و لم يشكّ في أنّ الفضل للحاكي، و شتّان بين الباكي و المتباكي. حقّا لقد فاق التأليف جمعا و ترتيبا، و ذهب في الطّرق الصوفية مذهبا عجيبا. و لقد بهرت معانيه كالعرائس المجلوّة حسنا و نضارة، و برعت بدائعه و روائعه سنى و إنارة، و ألفاظا مختارة، و كؤوسا مدارة، و غيوثا من البركات مدرارة، أحسن بما أدّته تلك الغرر السّافرة، و الأمثال السائرة، و الخمائل النّاظرة، و اللآلئ المفاخرة، و النجوم الزّاهرة. أما إنه لكتاب تضمّن زبدة العلوم، و ثمرة الفهوم، و إن موضوعه للباب اللّباب، و خلاصة الألباب، و فذلكة الحساب، و فتح الملك الوهّاب، سنى اللّه لكم و لنا كماله، و بلّغ الجميع منّا آماله، و جعل السّعي فيه‏

____________

(1) هو المارستان الكبير الذي أقامه ابن الخطيب بالحاضرة غرناطة في أثناء توليه الوزارة في عهد الغني بالله السلطان محمد بن يوسف بن إسماعيل النصري. و قد تحدّث عنه ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة عند ترجمة الغني بالله في عنوان: «بعض مناقب الدولة لهذا العهد».

(2) «كتاب المحبة» لابن الخطيب، و له اسم آخر هو «روضة التعريف بالحب الشريف».

347

خالصا لوجهه، و كفيلا بمعرفته بمنّه و كرمه، و هو سبحانه يبقي بركتكم، و يكلأ ذاتكم الكريمة و حوزتكم، بفضله و طوله و قوته، و السلام الكريم يخصّكم به كثيرا أثيرا، معظّم مقداركم، و ملتزم إجلالكم و إكباركم، ابن رضوان، وفّقه اللّه، و كتب في الثامن و العشرين لرجب من عام سبعة و ستين و سبعمائة.

و هو الآن بحاله الموصوفة، أعانه اللّه. و له تردّد إلى حضرة غرناطة، و اجتياز و إلمام.

عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد ابن خلف بن محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن الحسن ابن عثمان بن محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن عمار بن ياسر

غرناطي، قلعي‏ الأصل، سكن مالقة.

حاله: قال صاحب «الطالع»: هو المشهور باليربطول‏، زاد على أخيه بخفّة الروح، و طيب النوادر، و اختار سكنى مالقة، فما زال بها يمشي على كواهل ما تعاقب فيها من الدول، و يقلّب طرفه مما نال من ولاياتها بين الخيل و الخول، حتى أنّ ابن عسكر، قاضي مالقة و عالمها، كان من جملة من مدحه، و توسّل بها إلى بلوغ أغراضه عند القوم، و صنّف له شجرة الأنساب السّعيدية. و كان قبيح المنظر، مع كونه من رياحين الفضل و الأدب. فمن الحكايات المتعلقة بذلك، أنه دخل يوما على الوالي بغرناطة، السّيد أبي إبراهيم‏، و جعل يساره، و كان مختصّا به، و اقتضى ذلك أن ردّ ظهره للشيخ الفقيه الجليل، عميد البلدة، أبي الحسن سهل بن مالك، ثم التفت فردّ وجهه إليه، و قال: أعتذر لكم بأمر ضروري، فقال أبو الحسن: إنما تعتذر لسيّدنا، فانقلب المجلس ضحكا. و منها أنه خرج إلى سوق الدواب مع ابن يحيى الحضرمي‏

____________

(1) نسبة إلى قلعة يحصب‏alcala la real أي القلعة الملكية، و يحصب قبيلة، و تعرف أيضا بقلعة يعقوب، أو القلعة السعدية، أي قلعة بني سعيد. و هي إحدى مدن غرناطة. مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 62).

(2) هو كتاب «الطالع السعيد، في تاريخ بني سعيد» لابن سعيد الأندلسي، صاحب كتابي المغرب و رايات المبرزين.

(3) أغلب الظن أنها كلمة إسبانية.

(4) هو السيد أبو إبراهيم ابن الخليفة يوسف بن عبد المؤمن الموحدي. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 387).

348

المشهور أيضا بخفّة الروح، و كان مسلّطا على بني سعيد، فبينما هو واقف، إذ النخّاس ينادي على فرس: فم يشرب من القادوس، و عين تحصد بالمنجل، فقال له:

يا قائد، أبا محمد، سر بنا من هنا لئلّا تؤخذ من يدي، و لا أقدر لك بحيلة، فعلم مقصده، و لم يخف عليه أنّ تلك صورته، فقال: سل جارتك عنها، فمضى لأمّه، و أوقع بينها و بينه، فحلف أن لا يدخل عليها الدار. قال أبو عمران بن سعيد: و اتفق أن جزت بدار أمّ الحضرمي، فرأيته إلى ناحية، و هو كئيب منكسر، فقلت له: ما خبرك يا أبا يحيى؟ فقال لي عن أمّه و عن نفسه: النساء يرمين أبناء الزّنا صغارا، و هذه العجوز الفاعلة الصّانعة، ترميني ابن خمسين سنة، فقلت له: و ما سبب ذلك؟

فقال: ابن عمّك يوسف الجمال، لا أخذ اللّه له بيد، فما زلت حتى أصلحت بينها و بينه.

و من نوادر أجوبته المسكتة، أنّه كان كثير الخلطة بمرّاكش لأحد السّادة، لا يفارقه، إلى أن ولي ذلك السّيد، و تموّل، و اشتغل بدنياه عنه، فقيل له: نرى السيد فلانا أضرب عن صحبتك و منادمتك، فقال: كان يحتاج إليّ وقتا كان يتبخّر بي، و أمّا اليوم، فإنه يتبخّر بالعود و النّدّ و العنبر. و قال له شخص كان يلقّب ب «فسيوات» في مجلس خاص: أي فائدة في «اليربطول»؟ و فيم ذا يحتاج إليه؟ فقال له: لا تقل هذا، فإنه يقطع رائحة الفسا، فودّ أنه لم ينطق. و تكلّم شخص من المترفين فقال: أمس بعنا الباذنجان التي بدار خالتي، بعشرين مثقالا، فقال: لو بعتم الكريز التي فيها لساوى أكثر من مائة.

و أخباره شهيرة؛ قال أبو الحسن علي بن موسى: وقعت في رسائل الكاتب الجليل، شيخ الكتاب أبي زيد الفازازي، على رسائل في حق أبي محمد اليربطول، و منه إليه، فمنها في رسالة عن السّيد أبي العلاء، صاحب قرطبة، إلى أخيه أبي موسى صاحب مالقة، و يصلكم به إن شاء اللّه، القائد الأجلّ الأكرم، الحسيب الأمجد الأنجد، أبو محمد أدام اللّه كرامته، و كتب سلامته، و هو الأكيد الحرمة، القديم الخدمة، المرعي الماتّة و الذّمّة، المستحق البرّ في وجوه كثيرة، و لمعان أثيرة، منها أنه من عقب عمّار بن ياسر، (رضوان اللّه عليه)، و حسبكم هذا مجدا مؤثّلا، و شرفا موصلا، و منها تعيّن بيته و سلفه، و اختصاصهم من النّجابة و الظهور، بأنوه الاسم و أشرفه، و كونهم بين معتكف على مضجعه، أو مجاهد بمرهفه و مثقّفه، و منها سبقهم إلى هذا الأمر العزيز، و تميّزهم بأثرة الشّفوف و التّمييز، و منها الانقطاع إلى أخيكم، ممدّ مورده و مصدره، و كرم مغيبه و محضره، و هذه وسائل شتى، و أذمّة قلّ ما تتأتّى لغيره.

349

وفاته: كانت وفاته بمالقة بعد عشرين و ستمائة؛ قال الرئيس أبو عمر بن حكم:

شاهدته قد وصل إلى السيد أبي محمد البيّاسي‏ أيام ثورته، و هو بشنتلية مع وفد مالقة بالبيعة سنة ثنتين و عشرين و ستمائة.

و من الصوفية و الفقراء

عبد اللّه بن عبد البر بن سليمان بن محمد بن محمد ابن أشعث الرّعيني‏

من‏ أهل أرجدونة من كورة ريّه، يكنى أبا محمد، و يعرف بابن أبي المجد.

حاله: كان‏ من أعلام الكور سلفا، و ترتّبا، و صلاحا، و إنابة، و نيّة في الصالحين، متّسع الذّرع للوارد، كثير الإيثار بما تيسّر، مليح التخلّق، حسن السّمت، طيّب النفس، حسن الظنّ، له حظّ من الطّلب، من فقه و قراءات و فريضة، و خوض في طريقة الصوفية، و أدب لا بأس به، قطع عمره خطيبا و قاضيا ببلده، و وزيرا، و كتب بالدار السلطانية، في كل ذلك لم يفارق السّداد.

مشيخته: قرأ على الأستاذ الجليل أبي جعفر بن الزّبير؛ رحل إليه من وطنه عام اثنين و تسعين و ستمائة، و لازمه و انتفع به، أخذ عنه الكتاب العزيز و العربية، و سمع عليه الكثير من الحديث، و على الخطيب الصوفي المحقّق أبي الحسن فضل بن محمد بن فضيلة المعافري، و على الخطيب المحدّث أبي عبد اللّه محمد بن عمر بن رشيد، و سمع على الشيخ القاضي الرّاوية أبي محمد النّبعدي، و الوزير المعمر

____________

(1) هو أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، عرف بالبياسي نسبة إلى بياسة التي استولى عليها. ولّاه العادل الموحدي قرطبة، فخلع دعوة العادل في سنة 623 ه، و خرج عن طاعة الموحدين، و استعان بالنصارى عليهم، فقام أهل قرطبة عليه و قتلوه و بعثوا برأسه إلى العادل بمراكش. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 271- 273).

(2) شنتلية أو شنت ياله: حصن قريب من حصن بلاي، يبعد عن قرطبة 23 ميلا، و يقع غربي مدينة استجة و يبعد عنها 15 ميلا. نزهة المشتاق (ص 572).

(3) ترجمة الرعيني في الكتيبة الكامنة (ص 52) و نفح الطيب (ج 7 ص 432) و هو فيه:

«عبد اللّه بن عبد البرّ بن علي بن سليمان بن محمد بن أشعب الرعيني».

(4) قارن بنفح الطيب (ج 7 ص 432).

(5) أرجدونه أو أرشذونة: بالإسبانيةarchidona و هي قاعدة كورة ريّه، تقع قبليّ قرطبة. الروض المعطار (ص 25).

(6) قارن بنفح الطيب (ج 7 ص 432).

(8) قارن بنفح الطيب (ج 7 ص 432).

(7) في النفح: «الكورة».

350

المحدّث الحسيب أبي محمد عبد المنعم بن سماك العاملي، و العدل الرّاوية أبي الحسن بن مستقور. و قرأ بمالقة على الأستاذ أبي بكر بن الفخّار، و أجازه من أهل المشرق طائفة.

شعره: ممّا حدّثني ابن أخته صاحبنا أبو عثمان بن سعيد، قال: نظم الفقيه القاضي الكاتب أبو بكر بن شبرين ببيت الكتّاب مألف الجملة، رحمهم اللّه، هذين البيتين‏: [الطويل‏]

ألا يا محبّ المصطفى، زد صبابة* * *و ضمّخ لسان الذّكر منه بطيبه‏

* * *

و لا تعبأن بالمبطلين فإنما* * *علامة حبّ اللّه حبّ حبيبه‏

* * *

فأخذ الأصحاب في تذييل ذلك. فقال الشيخ أبو الحسن بن الجيّاب، (رحمه اللّه)‏: [الطويل‏]

فمن يعمر الأوقات طرّا بذكره‏* * *فليس نصيب في الهدى كنصيبه‏

* * *

و من كان عنه معرضا طول دهره‏* * *فكيف يرجّيه شفيع ذنوبه؟

* * *

و قال أبو القاسم بن أبي القاسم بن أبي العافية: [الطويل‏]

أليس الذي جلّى دجى الجهل هديه‏* * *بنور أقمنا بعده نهتدي به؟

* * *

و من لم يكن من دأبه‏ شكر منعم‏* * *فمشهده‏ في الناس مثل مغيبه‏

* * *

و قال أبو بكر بن أرقم‏: [الطويل‏]

نبيّ هدانا من ضلال و حيرة* * *إلى مرتقى سامي المحلّ خصيبه‏

* * *

فهل يذكر الملهوف فضل مجيره‏* * *و يغمط شاكي الداء شكر طبيبه؟

* * *

و انتهى القول إلى الخطيب أبي محمد بن أبي المجد، فقال، (رحمه اللّه)، مذيّلا كذلك‏: [الطويل‏]

و من قال مغرورا: حجابك ذكره‏* * *فذلك مغمور طريد عيوبه‏

* * *

و ذكر رسول اللّه فرض مؤكّد* * *و كلّ محقّ قائل بوجوبه‏

* * *

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 430).

(2) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 431).

(4) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 431).

(7) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 431).

(9) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 431).

(3) في النفح: «عمره».

(5) في النفح: «من ذاته».

(6) المراد ب «مشهده»: شهوده، أي حضوره.

(8) في النفح: «ينكر».

351

و قال يوما شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب هذين البيتين على عادة الأدباء في اختبار الأذهان‏: [الخفيف‏]

جاهد النّفس جاهدا فإذا ما* * *فنيت عنك فهي عين الوجود

* * *

و ليكن حكمك‏ المسدّد فيها* * *حكم سعد في قتله لليهود

* * *

قال: فأجابه أبو محمد بن أبي المجد: [الخفيف‏]

أيها العارف المعبّر ذوقا* * *عن معان غزيرة في الوجود

* * *

إنّ حال الفناء عن كلّ غير* * *كمقام‏ المراد غير المريد

* * *

كيف لي بالجهاد غير معان‏* * *و عدويّ‏ مظاهر بجنود؟

* * *

و لو أنّي حكمت فيمن ذكرتم‏* * *حكم سعد لكنت جدّ سعيد

* * *

فأراها صبابة بي فتونا* * *و أراني في حبّها كيزيد

* * *

سوف أسلو بحبكم‏ عن سواها* * *و لو أبدت فعل المحبّ الودود

* * *

ليس شي‏ء سوى إلهك يبقى‏* * *و اعتبر صدق ذا بقول لبيد

* * *

وفاته: توفي، (رحمه اللّه)، ليلة النصف من شعبان المكرم عام تسعة و ثلاثين و سبعمائة. و كان يجمع الفقراء و يحضر طائفتهم، و تظهر عليه حال لا يتمالك معها، و ربما أوحشت من لا يعرفه بها.

عبد اللّه بن فارس بن زيان‏

من بني عبد الوادي، تلمساني، يكنى أبا محمد، و ينتمي إلى بني زيّان من بيت أمرائهم.

____________

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 7 ص 431).

(2) في النفح: «حكمها».

(3) هو سعد بن معاذ، سيّد الأنصار، حكّمه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، في يهود بني قريظة.

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 431- 432).

(5) في الأصل: «الفنا» و كذا لا يستقيم الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في الأصل: «لمقام» و التصويب من النفح.

(7) في الأصل: «و عدوّه»، و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «حبابة».

(9) في النفح: «بنصحكم عن هواها».

(10) يشير إلى قول لبيد بن ربيعة العامري: [الطويل‏]

ألا كلّ شي‏ء ما خلا اللّه باطل‏* * *و كلّ نعيم، لا محالة، زائل‏

* * *

ديوان لبيد بن ربيعة العامري (ص 132).

352

كذا نقلت من خط صاحبنا الفقيه القاضي أبي الطاهر ... قاضي الجماعة أبي جعفر بن فركون، و له بأحواله عناية، و له إليه تردّد كثير و زيارة. قال: ورد الأندلس مع أبيه، و هو طفل صغير، و استقرّ بقتّورية في ديوان غزانها. و لما توفي أبوه سلك مسلكه برهة، و رفض ذلك، و جعل يتردّد بين الولد، و انقطع لشأنه.

حاله: هذا الرجل غريب النّزعة في الانقطاع عن الخلق، ينقطع ببعض جبال بني مشرف، و اتخذ فيها كهوفا و بيوتا من الشّعر أزيد من أربعين عاما، و هلمّ جرّا، منفردا، لا يداخل أحدا، و لا يلابسه من العرب، و يجعل الحلفاء في عنقه ... اختلف فيه، فمن ناسب ذلك إلى التّلبيس و إلى لوثة تأتيه، و ربما أثاب بشي‏ء، و يطلبون دعاءه و مكالمته، فربما أفهم، و ربما أبهم.

محنته: ذكروا أنه ورث عن أخ له مالا غنيّا، و قدم مالقة، و قد سرق تاجر بها ذهبا عينا، فاتّهم بها، فجرت عليه محنة كبيرة من الضّرب الوجيع، ثم ظهرت براءته، و طلب الحاكم الجائر منه العفو، فعفا عنه، و قال: للّه عندي حقوق و ذنوب، لعلّ بهذا أكفّرها، و صرف عليه المال فأباه، و قال: لا حاجة لي به فهو مال سوء، و تركه و انصرف، و كان من أمر انقطاعه ما ذكر.

شي‏ء من أخباره: استفاض عنه بالجهة المذكورة شفاء المرضى، و تفريج الكربات ...، إلى غير ذلك من أخبار لا تحصى كثيرة. و هو إلى هذا العهد بحاله الموصوفة، و هو عام سبعين و سبعمائة.

مولده: بتلمسان عام تسعين و ستمائة. و دخل غرناطة غير ما مرة.

عبد اللّه بن فرج بن غزلون اليحصبي‏

يعرف بابن العسّال، و يكنى أبا محمد، طليطلي الأصل. سكن غرناطة و استوطنها، الصالح المقصود التّربة، المبرور البقعة، المفزع لأهل المدينة عند الشّدة.

____________

(1) بياض في الأصول.

(2) بياض في الأصول.

(3) بياض في الأصول.

(4) ترجمة ابن العسال في الصلة (ص 435) و المغرب (ج 2 ص 21) و رايات المبرزين (ص 140) و فيهما: «أبو محمد عبد اللّه العسال». و معجم السفر (ص 223) و فيه أنه: «عبد اللّه بن محمد بن أحمد الطليطلي الواعظ، المعروف بابن العسال» و نفح الطيب (ج 4 ص 183، 200) و (ج 6 ص 121).