الإحاطة في أخبار غرناطة - ج3

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
456 /
353

حاله: قال ابن الصّيرفي: كان، (رحمه اللّه)، فذّا في وقته، غريب الجود، طرفا في الخير و الزهد و الورع، له في كل جو متنفّس، يضرب في كل علم بسهم، و له في الوعظ تواليف كبيرة، و أشعاره في الزهد مشهورة، جارية على ألسنة الناس، أكثرها كالأمثال جيّدة الرّصعة، صحيحة المباني و المعاني. و كان يحلّق في الفقه، و يجلس للوعظ. و قال الغافقي‏: كان فقيها جليلا، زاهدا، متفنّنا، فصيحا لسنا، الأغلب عليه حفظ الحديث و الآداب و النحو، حافظا، عارفا بالتفسير، شاعرا مطبوعا. كان له مجلس، يقرأ عليه فيه الحفظ و التفسير، و يتكلّم عليه، و يقصّ‏ من حفظه أحاديث.

و ألّف في أنواع من العلوم، و كان يعظ الناس بجامع غرناطة، غريبا في قوته، فذّا في دهره، عزيز الوجود.

مشيخته: روى‏ عن أبي محمد مكّي بن أبي طالب، و أبي عمرو المقرئ الدّاني، و أبي عمر بن عبد البرّ، و أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الزاهد، و عن أبيه فرج، و عن أبي زيد الحشاء القاضي، و عن القاضي أبي الوليد الباجي.

شعره: و شعره كثير، و من أمثل ما روي منه قوله: [مخلع البسيط]

لست وجيها لدى إلهي‏* * *في مبدإ الأمر و المعاد

* * *

لو كنت وجها لما براني‏* * *في عالم الكون و الفساد

* * *

وفاته: توفي، (رحمه اللّه)، يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان عام سبعة و ثمانين و أربعمائة، و ألحد ضحى يوم الثلاثاء بعده بمقبرة باب إلبيرة بين الجبانتين. و يعرف المكان إلى الآن بمقبرة العسّال. و كان له يوم مشهود، و قد نيّف على الثمانين، (رحمه اللّه)، و نفع به.

و من الملوك و الأمراء و الأعيان و الوزراء

عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه [بن محمد] ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ابن معاوية، أمير المؤمنين، الناصر لدين اللّه‏

الخليفة الممتّع، المجدود، المظفّر، البعيد الذكر، الشهير الصيت.

____________

(1) قارن بالصلة (ص 435).

(3) قارن بالصلة (ص 435).

(2) في الصلة «و ينصّ».

(4) في الأصل: «وجيها» و هكذا ينكسر الوزن.

(5) ما بين قوسين ساقط في الأصول، و قد أضفناه من المصادر التي ترجمت لعبد الرحمن الناصر.

(6) ترجمة عبد الرحمن الناصر في تاريخ علماء الأندلس (ص 31) و أعمال الأعلام (القسم الثاني-

354

حاله: كان أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين. أول من تسمّى أمير المؤمنين، ولي الخلافة فعلا جدّه، و بعد صيته، و توطّأ ملكه، و كأن خلافته كانت شمسا نافية للظلمات، فبايعه أجداده و أعمامه و أهل بيته، على حداثة السّن، و جدة العمر، فجدّد الخلافة، و أحيا الدعوة، و زيّن الملك، و وطّد الدولة، و أجرى اللّه له من السّعد ما يعظم عنه الوصف و يجلّ عن الذكر، و هيّأ له استنزال الثوار و المنافقين و اجتثاث جراثيمهم.

بنوه: أحد عشر، منهم الحكم الخليفة بعده، و المنذر، و عبد اللّه، و عبد الجبار.

حجّابه: بدر مولاه، و موسى بن حدير.

قضاته‏: جملة، منهم: أسلم بن عبد العزيز، و أحمد بن بقيّ، و منذر بن سعيد البلوطي.

نقش خاتمه: «عبد الرحمن بقضاء اللّه راض».

أمّه: أمّ ولد تسمى مزنة. و بويع له في ربيع الأول من سنة تسع و تسعين و مائتين‏.

دخوله إلبيرة: قال المؤرخ‏: أول غزوة غزاها بعد أن استحجب بدرا مولاه، و خرج إليها يوم الخميس رابع‏ عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثلاثمائة، مفوّضا إليه، و مستدعيا نصره، و استئلاف الشّاردين، و تأمين الخائفين، إلى ناحية كورة جيّان، و حصن المنتلون، فاستنزل منه سعيد بن هذيل، و أناب إليه من كان نافرا عن الطاعة، مثل ابن اللّبّانة، و ابن مسرّة، و دحون الأعمى. و انصرف إلى قرطبة، و قد تجوّل، و أنزل كلّ من بحصن من حصون كورة جيان، و بسطة، و ناجرة، و إلبيرة، و بجّانة،

____________

- ص 28) و الحلة السيراء (ج 1 ص 197) و أخبار مجموعة (ص 135) و جذوة المقتبس (ص 12) و بغية الملتمس (ص 17) و المعجب (ص 54) و وفيات الأعيان (ج 4 ص 479) و جمهرة أنساب العرب (ص 100) و كتاب العبر (م 4 ص 298) و المغرب (ج 1 ص 181) و البيان المغرب (ج 2 ص 156) و رسائل ابن حزم (ج 2 ص 193) و جمهرة أنساب العرب (ص 100) و أزهار الرياض (ج 2 ص 257) و صفحات متفرقة من نفح الطيب.

(1) أي أحد عشر ذكرا، كما جاء في الجمهرة.

(2) قارن بالبيان المغرب (ج 2 ص 156).

(3) الصواب مستهل ربيع الأول سنة ثلاثمائة، كما جاء في مصادر ترجمته.

(4) قارن بالبيان المغرب (ج 2 ص 160- 161).

(5) في البيان المغرب: «يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت ...».

355

و البشرّة، و غيرها، بعد أن عرض نفسه عليها. و على عهده توفي ابن حفصون‏.

و جرت عليه هزيمة الخندق في سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة، و طال عمره، فملك نيفا و خمسين سنة، و وجد بخطّه: أيام السّرور التي صفت لي دون كدر يوم كذا و يوم كذا، فعدّت، فوجدت أربعة عشر يوما.

وفاته: في أول رمضان من سنة خمسين و ثلاثمائة.

عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الناصر لدين اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية

يكنى أبا المطرّف، و يلقب بالمرتضى.

حاله و صفته: كان أبيض أشقر أقنى، مخفّف البدن، مدوّر اللحية، خيّرا، فاضلا، من أهل الصلاح و التّقى، قام بدولته خيران العامري، بعد أن كثر السؤال عن بني أمية، فلم يجد فيهم أسدى للخلافة منه، بورعه و عفافه و وقاره، و خاطب في شأنه ملوك الطوائف على عهده، فاستجاب الكلّ إلى الطاعة بعد أن أجمع الفقهاء و الشيوخ و جعلوها شورى، و انصرفوا يريدون قرطبة، و بدأوا بصنهاجة بالقتال، فكان نزوله بجبل شقشتر على محجة واط.

وفاته: يوم لثلاث خلون من جمادى الأولى سنة تسع و أربعمائة. و كانت الهزيمة على عساكر المرتضى، فتركوا المحلات و هربوا، و فشى فيهم القتل، و ظفرت صنهاجة من المتاع و الأموال بما يأخذه الوصف، و قتل المرتضى في تلك الهزيمة، فلم يوقع له على أثر، و قد بلغ سنّه نحو أربعين.

____________

(1) توفي عمر بن حفصون سنة 306 ه.

(2) جاء في أخبار مجموعة (ص 137) أن الناصر هزم عام 326 ه في غزاة اسمها القدرة، أقبح هزيمة، لم تكن له بعدها غزوة بنفسه.

(3) في الحلة السيراء: توفي في ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 350 ه.

(4) ترجمة المرتضى في جذوة المقتبس (ص 22) و بغية الملتمس (ص 27) و رسائل ابن حزم (ج 2 ص 58) و جمهرة أنساب العرب (ص 101) و المعجب (ص 98) و الكامل في التاريخ (ج 9 ص 271) و أعمال الأعلام- القسم الثاني (ص 130) و صبح الأعشى (ج 5 ص 237) و فيها اسم جدّه: «عبد الملك» بدلا من «عبد اللّه»، و المغرب (ج 2 ص 247) و البيان المغرب (ج 3 ص 121) و الذخيرة (ق 1 ص 453) و نفح الطيب (ج 2 ص 29).

(5) هنا نقص كلمة و هي تعيين اليوم الذي توفي فيه المرتضى، و عن ذلك قارن: بالبيان المغرب (ج 3 ص 126) و الذخيرة (ق 1 ص 454) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 131، 138، 229). و جاء في الكامل في التاريخ (ج 9 ص 271): توفي المرتضى سنة 407 ه.

356

عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس‏

يكنى أبا المطرّف، و قيل: أبا زيد، و قيل: أبا سليمان، و هو الداخل إلى الأندلس، و المجدّد الخلافة بها لذريته، و الملقّب بصقر بني أمية.

حاله: قال ابن مفرّج: كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية راجح العقل، راسخ العلم، ثابت الفهم، كثير الحزم، فذّ العزم، بريئا من العجز، مستخفّا للثّقل، سريع النهضة، متّصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، و لا يسكن إلى دعة، و لا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد بإبرامها برأيه. و على ذلك فكان شجاعا، مقداما، بعيد الغور، شديد الحذر، قليل الطّمأنينة، بليغا، مفوّها، شاعرا محسنا، سمحا، سخيا، طلق اللسان، فاضل البنان، يلبس البياض، و يعتمّ به و يؤثره. و كان أعطي هيبة من وليّه و عدوّه لم يعطها واحد من الملوك في زمانه. و قال غيره: و ألفى الأمير عبد الرحمن الأندلس ثغرا من أنأى الثغور القاصية، غفلا من سمة الملك، عاطلا من حلية الإمامة، فأرهب أهله بالطاعة السلطانية، و حرّكهم بالسّيرة الملوكية، و رفعهم بالآداب الوسطية، فألبسهم عمّا قريب المودّة، و أقامهم على الطريقة. و بدأ يدوّن الدواوين، و أقام القوانين، و رفع الأواوين، و فرض الأعطية، و أنفذ الأقضية، و عقد الألوية، و جنّد الأجناد، و رفع العماد، و أوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، و أخذ للسلطان عدّته.

نبذة من أوليّته: لمّا ظهر بنو العباس بالمشرق، و نجا فيمن نجا من بني أمية، معروفا بصفته عندهم، خرج يؤمّ المغرب لأمر كان في نفسه، من ملك الأندلس، اقتضاه حدثان، فسار حتى نزل القيروان، و معه بدر مولاه، ثم سار حتى لحق بأخواله من نفزة، ثم سار بساحل العدوة في كنف قوم من زناتة، و بعث إلى الأندلس بدرا، فداخل له بها من يوثق به، و أجاز البحر إلى المنكّب، و سأل عنها، فقال: نكبوا عنها، و نزل بشاط من أحوازها، و قدم إليه أولو دعوته، و عقد اللّوا،

____________

(1) ترجمة عبد الرحمن الداخل في أخبار مجموعة (ص 49) و تاريخ افتتاح الأندلس (ص 46) و جذوة المقتبس (ص 8) و بغية الملتمس (ص 12) و وفيات الأعيان (ج 4 ص 226) و صبح الأعشى (ج 5 ص 448) و فوات الوفيات (ج 2 ص 267) و البيان المغرب (ج 2 ص 47) و الحلة السيراء (ج 1 ص 35) و كتاب العبر (م 4 ص 262) و رسائل ابن حزم (ج 2 ص 191) و نفح الطيب (ج 4 ص 45) و صفحات أخرى متفرقة.

(2) لقبه في المصادر التي ترجمت له هو: «صقر قريش».

357

و قصد قرطبة في خبر يطول، و حروب مبيرة، و هزم يوسف الفهري، و استولى على قرطبة، فبويع له بها يوم عيد الأضحى من سنة ثمان و ثلاثين و مائة، و هو ابن خمس و عشرين سنة.

دخوله إلبيرة: قالوا: و لمّا انهزم الأمير يوسف بن عبد الرحمن الفهري، لحق بإلبيرة، فامتنع بحصن غرناطة، و حاصره الأمير عبد الرحمن بن معاوية، و أحاط به، فنزل على صلح، و انعقد بينهما عقد، و رهنه يوسف ابنيه؛ أبا زيد و أبا الأسود، و شهد في الأمان وجوه العسكر، منهم أمية بن حمزة الفهري، و حبيب بن عبد الملك المرواني، و مالك بن عبد اللّه القرشي، و يحيى بن يحيى اليحصبي، و رزق بن النّعمان الغسّالي، و جدار بن سلامة المذحجي، و عمر بن عبد الحميد العبدري، و ثعلبة بن عبيد الجذامي، و الحريش بن حوار السلمي، و عتّاب بن علقمة اللخمي، و طالوت بن عمر اليحصبي، و الجرّاح بن حبيب الأسدي، و موسى بن خالد، و الحصين بن العقيلي، و عبد الرحمن بن منعم الكلبي، إلى آخرين سواهم، بتاريخ يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع و ثلاثين و مائة. نقلت أسماء من شهد، لكونهم ممن دخل البلدة، و وجب ذكره، فاجتزأت بذلك، فرارا من الإطالة، إذ هذا الأمر بعيد الأمد، و الإحاطة للّه.

بلاغته و نثره و شعره: قال الرّازي: قام بين يديه رجل من جند قنّسرين، يستنجد به، و قال له: يا ابن الخلائف الراشدين و السّادات الأكرمين، إليك فررنا، و بك عذت من زمن ظلوم، و دهر غشوم قلّل المال، و ذهب الحال، و صيّر إليّ بذاك المنال، فأنت وليّ الحمد، و ربى المجد، و المرجو للرّفد. فقال له ابن معاوية مسرعا: قد سمعنا مقالتك، فلا تعودنّ و لا سواك لمثله، من إراقة وجهك، بتصريح المسألة، و الإلحاف في الطّلبة، و إذا ألمّ بك خطب أو دهاك أمر، أو أحرقتك حاجة فارفعه إلينا في رقعة لا تعدو ذكيا، تستر عليك خلّتك، و تكفّ شماتة العدوّ بك، بعد رفعها إلى مالكنا و مالكها عن وجهه، بإخلاص الدّعاء، و حسن النية. و أمر له بجائزة حسنة. و خرج الناس يعجبون من حسن منطقه، و براعة أدبه.

و من شعره: قوله، و قد نظر إلى نخلة بمنية الرّصافة، مفردة، هاجت شجنه إلى تذكر بلاد المشرق‏: [الطويل‏]

تبدّت لنا وسط الرّصافة نخلة* * *تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل‏

* * *

____________

(1) الأبيات في الحلة السيراء (ج 1 ص 37) و البيان المغرب (ج 2 ص 60) و نفح الطيب (ج 4 ص 46).

358

فقلت: شبيهي في التغرّب و النّوى‏* * *و طول التّنائي عن بنيّ و عن أهلي‏

* * *

نشأت بأرض أنت فيها غريبة* * *فمثلك في الإقصاء و المنتأى مثلي‏

* * *

سقتك‏ غوادي المزن من صوبها الذي‏* * *يسحّ و يستمري‏ السّماكين بالويل‏

* * *

وفاته: توفي بقرطبة يوم الثلاثاء الرابع و العشرين لربيع الآخر سنة اثنتين و سبعين و مائة، و هو ابن تسعة و خمسين عاما، و أربعة أشهر، و كانت مدّة ملكه ثلاثا و ثلاثين سنة و أربعة أشهر، و أخباره شهيرة.

و جرى ذكره في الرّجز المسمى بقطع السلوك، في ذكر هذين من بني أمية، قولي في ذكر الداخل: [الرجز]

و غمر الهول كقطع الليل‏* * *بفتنة الفهريّ و الصّميل‏

* * *

و جلّت الفتنة في أندلس‏* * *فأصبحت فريسة المفترس‏

* * *

فأسرع السّير إليها و ابتدر* * *و كلّ شي‏ء بقضاء و قدر

* * *

صقر قريش عابد الرحمن‏* * *باني المعالي لبني مروان‏

* * *

جدّد عهد الخلفاء فيها* * *و أسّس الملك لمترفيها

* * *

ثم أجاب داعي الحمام‏* * *و خلّف الأمر إلى هشام‏

* * *

و قام بالأمر الحفيد الناصر* * *و الناس محصور بها و حاصر

* * *

فأقبل السّعد و جاء النّصر* * *و أشرق الأمن و ضاء القصر

* * *

و عادت الأيام في شباب‏* * *و أصبح العدو في تباب‏

* * *

سطا و أعطى و تغاضى و وفا* * *و كلّما أقدره اللّه عفا

* * *

فعاد من خالف فيها و انتزى‏* * *و حارب الكفّار دأبا و غزا

* * *

و أوقع الرّوم به في الخندق‏* * *فانقلب الملك بسعي مخفق‏

* * *

و اتصلت من بعد ذا فتوح‏* * *تغدو على مثواه أو تروح‏

* * *

فاغتنموا السّلم لهذا الحين‏* * *و وصّلت إرسال قسطنطين‏

* * *

____________

(1) في البيان المغرب: «سقاك».

(2) في النفح: «في المنتأى» بدلا من: «من صوبها».

(3) في الأصل: «و يستمرئ» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(4) في فوات الوفيات (ج 2 ص 303): «توفي في جمادى الأولى سنة اثنتين و سبعين و مائة».

(5) جاء في كتاب العبر (م 4 ص 269) أن مدة حكمه ثلاث و ثلاثون سنة.

359

و ساعد السّعد فنال و اقتنى‏* * *ثم بنى الزّهرا فيما قد بنى‏

* * *

حتى إذا ما كملت أيامه‏* * *سبحان من لا ينقضي دوامه‏

* * *

عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن سعيد ابن محمد اللخمي‏

من أهل رندة و أعيانها، يكنى أبا القاسم، و يعرف بابن الحكيم، و جدّه يحيى، هو المعروف بابن الحكيم، و قد تقدم ذكر جملة من هذا البيت.

حاله: كان، (رحمه اللّه)، عين بلده المشار إليه، كثير الانقباض و العزلة، مجانبا لأهل الدنيا، نشأ على طهارة و عفّة، مرضي الحال، معدودا في أهل النّزاهة و العدالة، و أفرط في باب الصّدقة بما انقطع عنه أهل الإثراء من المتصدّقين، و وقفوا دون شأوه.

و من شهير ما يروى من مناقبه في هذا الباب، أنه أعتق بكل عضو من أعضائه رقبة، و في ذلك يقول بعض أدباء عصره:

أعتق بكل عضو منه رقبه‏* * *و اعتدّ ذلك ذخرا ليوم العقبه‏

* * *

لا أجد منقبة مثل هذه المنقبه‏

مشيخته: روى عن القاضي الجليل أبي الحسن بن قطرال، و عن أبي محمد بن عبد اللّه بن عبد العظيم الزهري، و أبي البركات بن مودود الفارسي، و أبي الحسن الدّباج، سمع من هؤلاء و أجازوا له. و أجاز له أبو أمية بن سعد السّعود بن عفير، و أبو العباس بن مكنون الزاهد. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: و كان شيخنا القاضي العالم الجليل أبو الخطّاب بن خليل، يطنب في الثناء عليه، و وقفت على ما خاطبه به معربا عن ذلك.

شعره: منقولا من «طرفة العصر» من قصيدة يردّدها المؤذنون منها:

[البسيط]

كم ذا أعلل بالتّسويف و الأمل‏* * *قلبا تغلّب بين الوجد و الوجل‏

* * *

و كم أجرّد أذيال الصّبا مرحا* * *في مسرح اللهو و في ملعب الغزل‏

* * *

و كم أماطل نفسي بالمتاب و لا* * *عزم فيوضح لي عن واضح السّبل‏

* * *

ضللت و الحقّ لا تخفى معالمه‏* * *شتّان بين طريق الجدّ و الهزل‏

* * *

وفاته: يوم الاثنين التاسع و العشرين لجمادى الأولى عام ثلاثة و سبعين و ستمائة.

360

عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي‏

يكنى أبا القاسم، و يعرف بابن الفرس، و يلقّب بالمهر، من أعيان غرناطة.

حاله: كان‏ فقيها جليل القدر، رفيع الذّكر، عارفا بالنحو و اللغة و الأدب، ماهر الكتابة، رائق الشعر، بديع التّوشيح، سريع البديهة، جاريا على أخلاق الملوك في مركبه و ملبسه و زيّه. قال ابن مسعدة: و طى‏ء من درجات العزّ و المجد أعلاها، و فرع من الأصالة منتماها. ثم علت همّته إلى طلب الرّئاسة و الملك، فارتحل إلى بلاد العدوة، و دعا إلى نفسه، فأجابه إلى ذلك الخلق الكثير، و الجمّ الغفير، و دعوه باسم الخليفة، و حيّوه بتحيّة الملك. ثم خانته الأقدار، و الدهر بالإنسان غدّار، فأحاطت به جيوش الناصر بن المنصور، و هو في جيش عظيم من البربر، فقطع رأسه، و هزم جيشه، و سيق إلى باب الخليفة، فعلّق على باب مرّاكش، في شبكة حديد، و بقي به مدة من عشرين سنة.

قال أبو جعفر بن الزبير: كان أحد نبهاء وقته لو لا حدّة كانت فيه أدّت به إلى ما حدّثني به بعض شيوخي من صحبه. قال: خرجنا معه يوما على باب من أبواب مراكش برسم الفرجة، فلمّا كان عند الرجوع نظرنا إلى رؤوس معلّقة، و تعوّذنا بالله من الشّرّ و أهله، و سألناه سبحانه العافية. قال: فأخذ يتعجب منّا، و قال: هذا خور طريقة و خساسة همّة، و اللّه ما الشرف و الهمّة إلّا في تلك، يعني في طلب الملك، و إن أدّى الاجتهاد فيه إلى الموت دونه على تلك الصّفة. قال: فما برحت الليالي و الأيام، حتى شرع في ذلك، و رام الثورة، و سيق رأسه إلى مراكش، فعلق في جملة تلك الرءوس، و كتب عليه، أو قيل‏

____________

(1) ترجمة عبد الرحيم الخزرجي في التكملة (ج 3 ص 60) و الحلة السيراء (ج 2 ص 270) و المغرب (ج 2 ص 111، 122) و كتاب العبر (م 6 ص 522) و بغية الوعاة (ص 305).

(2) قارن ببغية الوعاة (ص 305).

(3) في البغية: «باهر».

(4) ابن مسعدة: هو أحد شيوخ عبد الرحيم الخزرجي، و قد أخذ عنه النحو. بغية الوعاة (ص 305).

(5) هو الخليفة الموحدي محمد بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، و قد حكم المغرب و الأندلس من سنة 595 ه إلى سنة 610 ه. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 236).

(6) جاء في بغية الوعاة أن رأسه قطع و علّق على باب مراكش في سنة إحدى و ستمائة، و هو ابن ست و ثلاثين سنة. و جاء في التكملة و الحلة السيراء أنه قتل في نحو الستمائة.

361

فيه: [الطويل‏]

لقد طمّح المهر الجموح لغاية* * *فقطّع أعناق الجياد السّوابق‏

* * *

جرى و جرت رجلاه لكنّ رأسه‏* * *أتى سابقا و الجسم ليس بسابق‏

* * *

و كانت ثورته ببعض جهات درعة من بلاد السّوس.

مشيخته: أخذ عن صهره القاضي أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، و عن غيره من أهل بلده، و تفقّه بهم، و بهر في العقليّات و العلوم القديمة، و قرأ على القاضي المحدّث أبي بكر بن أبي زمنين، و تلا على الأستاذ الخطيب أبي عبد اللّه بن عروس، و الأدب و النحو على الأستاذ الوزير أبي يحيى بن مسعدة. و أجازه الأستاذ الخطيب أبو جعفر العطّار. و من شعره في الثورة: [البسيط]

قولوا لأولاد عبد المؤمن بن علي‏* * *تأهّبوا لوقوع الحادث الجلل‏

* * *

قد جاء فارس‏ قحطان و سيّدها* * *و وارث الملك‏ و الغلّاب للدول‏

* * *

و من شعره القصيدة الشهيرة و هي: [الكامل‏]

اللّه حسبي لا أريد سواه‏* * *هل في الوجود الحق إلّا اللّه؟

* * *

ذات الإله بها تقوم دولتنا* * *هل كان يوجد غيره لولاه؟

* * *

يا من يلوذ بذاته أنت الذي‏* * *لا تطمع الأبصار في مرآه‏

* * *

لا غرو أنّا قد رأيناه بها* * *فالحقّ يظهر ذاته و تراه‏

* * *

يا من له وجب الكمال بذاته‏* * *فالكل غاية فوزهم لقياه‏

* * *

أنت الذي لمّا تعالى جدّه‏* * *قصرت خطا الألباب دون حماه‏

* * *

أنت الذي امتلأ الوجود بحمده‏* * *لمّا غدا ملآن من نعماه‏

* * *

أنت الذي اخترع الوجود بأسره‏* * *ما بين أعلاه إلى أدناه‏

* * *

____________

(1) البيتان ضمن أربعة أبيات، في المغرب (ج 2 ص 111) و جاء فيه أنه يخاطب فيها بني عبد المؤمن. و هي كذلك في كتاب العبر (م 6 ص 523) و الحلة السيراء (ج 2 ص 271).

(2) في كتاب العبر و الحلة السيراء: «لأبناء».

(3) في الحلة السيراء: «أتاكم».

(4) في كتاب العبر و المغرب: «سيد». و في الحلة السيراء: «خير».

(5) في المغرب و الحلة السيراء «و عالمها»: و في كتاب العبر: «و عاملها».

(6) في كتاب العبر و المغرب: «و منتهى القول». و في الحلة السيراء: «و صاحب الوقت».

(7) كذا ينكسر الوزن، و لو قال: «دولة» لصحّ الوزن.

362

أنت الذي خصّصتنا بوجودنا* * *أنت الذي عرّفتنا معناه‏

* * *

أنت الذي لو لم تلخ أنواره‏* * *لم تعرف الأضداد و الأشباه‏

* * *

لم أفش ما أودعتنيه إنّه‏* * *ما صان سرّ الحقّ من أفشاه‏

* * *

عجز الأنام عن امتداحك إنه‏* * *تتضاءل الأفكار دون مداه‏

* * *

من كان يعلم أنك الحقّ الذي‏* * *بهر العقول فحسبه و كفاه‏

* * *

لم ينقطع أحد إليك محبّة* * *إلّا و أصبح حامدا عقباه‏

* * *

و هي طويلة ................ ................ .................

................ ................ ................ ................ ... من أهل غرناطة، يكنى أبا ورد، و يعرف بابن القصجة.

عديم رواء الحسّ، قريب العهد بالنجعة، فارق وطنه و عيصه، و استقبل المغرب ... الوفادة، و قدم على الأندلس في أخريات دولة الثاني‏ من الملوك النصريين، فمهد جانب البر له، و قرب مجلسه، و رعى وسيلته، و كان على عمل بر من صوم و اعتكاف و جهاد.

نباهته: و وقف بي ولده الشريف أبو زيد عبد الرحيم، على رسالة كتب بها أمير مكة على عهده إلى سلطان الأندلس ثاني الملوك النصريين، رحمهم اللّه، و عبّر فيها عن نفسه: من عبد اللّه، المؤيّد بالله، محمد بن سعد الحرسني، في غرض المواصلة و المودة و المراجعة عن بر صدر عن السلطان، (رحمه اللّه)، من فصولها: «ثم أنكم، رضي اللّه عنكم، بالغنم في الإحسان للسيد الشريف أبي القاسم الذي انتسب إلينا، و أويتموه من أجلنا، و أكرمتموه، و رفعتموه احتراما لبيته الشريف، جعل اللّه عملكم معه وسيلة بين يدي جدّنا (عليه السلام)». و هي طويلة و تحميدها ظريف، من شنشنة أحوال تلك البال بمكة المباركة.

وفاته: توفي شهيدا في الوقيعة بين المسلمين و النصارى بظاهر ألمرية عندما وقع الصريخ لإنجادها، و رفع العدو البرجلوني عنها في السادس و العشرين من شهر ربيع الأول عام عشرة و سبعمائة.

____________

(1) مكان البياض عنوان المترجم له، و اسمه، كما سيأتي، محمد بن سعد الحرسني.

(2) ثاني سلاطين بني نصر هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، و قد حكم غرناطة من سنة 671 ه إلى سنة 701 ه. اللمحة البدرية (ص 50).

363

و من ترجمة المقرئين و العلماء و الطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم‏

عبد الرحمن‏ بن عبد اللّه بن أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسن‏ بن سعدون بن رضوان بن فتّوح الخثعمي‏

مالقي، يكنى أبا زيد، و أبا القاسم، و أبا الحسين، و هي قليلة، شهر بالسّهيلي.

حاله: كان مقرئا مجوّدا، متحققا بمعرفة التفسير، غواصا على المعاني البديعة، ظريف التّهدّي إلى المقاصد الغريبة، محدّثا، واسع الرّواية، ضابطا لما يحدّث به، حافظا متقدما، ذاكرا للأدب و التواريخ و الأشعار و الأنساب، مبرّزا في الفهم، ذكيّا، أديبا، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، نحويا، عارفا، بارعا، يقظا، يغلب عليه علم العربية و الأدب. استدعي آخرا إلى التدريس بمرّاكش، فانتقل إليها من مالقة، محلّ إقرائه، و متبوّأ إفادته، فأخذ بها الناس عنه، إلى حين وفاته.

مشيخته: تلا بالحرمين على خال أبيه الخطيب أبي الحسن بن عباس، و بالسّبع على أبي داود بن يحيى، و على أبي علي منصور بن علاء، و أبي العباس بن خلف بن رضي، و روى عن أبي بكر بن طاهر، و ابن العربي، و ابن قندلة، و أبي الحسن شريح، و ابن عيسى، و يونس بن مغيث، و أبي الحسن بن الطّراوة، و أكثر عنه في علوم اللسان، و أبي عبد اللّه حفيد مكّي، و ابن أخت غانم، و ابن معمّر، و ابن نجاح، و أبي العباس بن يوسف بن يمن اللّه، و أبوي القاسم ابن الأبرش، و ابن الرّماك، و أبوي محمد بن رشد، و القاسم بن دحمان، و أبوي مروان بن بونة، و أبي عبد اللّه بن بحر. و ناظر في «المدوّنة» على ابن هشام. و أجاز له و لم يلقه أبو العباس عبّاد بن سرحان، و أبو القاسم بن ورد.

____________

(1) ترجمة عبد الرحمن الخثعمي في بغية الملتمس (ص 367) و التكملة (ج 3 ص 32) و المطرب (ص 230) و المغرب (ج 1 ص 448) و وفيات الأعيان (ج 3 ص 119) و زاد المسافر (ص 96) و الديباج المذهب (ص 150) و شذرات الذهب (ج 4 ص 271) و الفلاكة و المفلوكون (ص 115) و بغية الوعاة (ص 298) و النجوم الزاهرة (ج 6 ص 100) و نفح الطيب (ج 2 ص 316).

(2) في وفيات الأعيان: «حسين».

(3) قارن بالتكملة (ج 3 ص 32) و بغية الوعاة (ص 299).

364

من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق الزّوالي، و أبو إسحاق الجاني، و أبو أمية بن عفير، و أبو بكر بن دحمان، و ابن قنتوال، و المحمدون ابن طلحة، و ابن عبد العزيز، و ابن علي جو يحمات، و أبو جعفر بن عبد المجيد، و الحفّار و سهل بن مالك، و ابن العفّاص، و ابن أبي العافية، و أبو الحسن السّراج، و أبو سليمان بن حوط اللّه، و السمائي، و ابن عياش الأندرشي، و ابن عطية، و ابن يربوع، و ابن رشيد، و ابن ناجح، و ابن جمهور، و أبو عبد اللّه بن عيّاش الكاتب، و ابن الجذع، و أبو علي الشّلوبين، و سالم بن صالح، و أبو القاسم بن بقي، و أبو القاسم بن الطّيلسان، و عبد الرحيم بن الفرس، و ابن الملجوم، و أبو الكرم جودي، و أبو محمد بن حوط اللّه، إلى جملة لا يحصرها الحدّ.

دخل غرناطة، و كان كثير التأميل و المدح لأبي الحسن بن أضحى، قاضيها و ريّسها، و له في مدحه أشعار كثيرة، و ذكر لي من أرّخ في الغرناطيين، و أخبرني بذلك صاحبنا القاضي أبو الحسن بن الحسن كتابة عمّن يثق به.

تواليفه: منها كتاب «الشّريف‏ و الإعلام، بما أبهم في القرآن من أسماء الأعلام». و منها شرح آية الوصية، و منها «الرّوض الآنف‏ و المشرع الرّوا، فيما اشتمل عليه كتاب السيرة و احتوى». و ابتدأ إملاءه في محرم سنة تسع و ستين و خمسمائة، و فرغ منه في جمادى منها. و منها «حلية النّبيل، في معارضة ما في السّبيل». إلى غير ذلك.

شعره: قال أبو عبد اللّه بن عبد الملك: أنشدني أبو محمد القطّان، قال:

أنشدني أبو علي الرّندي، قال: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه‏: [الطويل‏]

أسائل عن جيرانه من لقيته‏* * *و أعرض عن ذكراه و الحال تنطق‏

* * *

____________

(1) هو الوزير أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى، من بيت عظيم بغرناطة، ثار بها و دعا لنفسه بعد مقتل تاشفين بن يوسف بن تاشفين المرابطي سنة 539 ه. توفي سنة 540 ه. و سيترجم له ابن الخطيب في الجزء الرابع من الإحاطة.

(2) في وفيات الأعيان (ج 3 ص 119): «التعريف ... من الأسماء الأعلام». و في التكملة (ج 3 ص 33): «التعريف ... القرآن العزيز من الأسماء الأعلام». و في بغية الوعاة (ص 299):

«التعريف ... من الأسماء و الأعلام».

(3) هكذا في التكملة، و في وفيات الأعيان و بغية الوعاة و المغرب: «الأنف».

(4) البيتان في بغية الملتمس (ص 367) و نفح الطيب (ج 2 ص 317).

365

و ما لي إلى جيرانه من صبابة* * *و لكنّ قلبي‏ عن صبوح يوفّق‏

* * *

و نقلت من خطّ الفقيه القاضي أبي الحسن بن الحسن، من شعر أبي القاسم السّهيلي، مذيّلا بيت أبي العافية في قطعة لزوميّة: [الطويل‏]

و لمّا رأيت الدّهر تسطو خطوبه‏* * *بكل جليد في الورى أو هداني‏

* * *

و لم أر من حرز ألوذ بظلّه‏* * *و لا من له بالحادثات يداني‏

* * *

فزعت إلى من ملّك‏ الدهر كفّه‏* * *و من ليس ذو ملك له بمران‏

* * *

و أعرضت عن ذكر الورى متبرّما* * *إلى الرّب من قاص هناك و دان‏

* * *

و ناديته سرّا ليرحم عبرتي‏* * *و قلت: رجائي قادني و هداني‏

* * *

و لم أدعه حتى تطاول مفضلا* * *عليّ بإلهام الدّعاء وعان‏

* * *

و قلت: أرجّي عطفه متمثّلا* * *ببيت لعبد صائل بردان‏

* * *

تغطّيت من دهري بظلّ جناحه‏* * *عسى أن ترى‏ دهري و ليس يراني‏

* * *

قلت: و ما ضرّه، غفر اللّه له، لو سلمت أبياته من «بردان»، و لكن أبت صناعة النحو إلّا أن تخرج أعناقها.

و من شعره قوله: [المتقارب‏]

تواضع إذا كنت تبغي العلا* * *و كن‏ راسيا عند صفو الغضب‏

* * *

فخفض الفتى نفسه رفعة* * *له و اعتبر برسوب الذّهب‏

* * *

و شعره كثير، و كتابته كذلك، و كلاهما من نمط يقصر عن الإجادة.

و قال ملغزا في محمل الكتب، و هو مما استحسن من مقاصده: [الخفيف‏]

حامل للعلوم غير فقيه‏* * *ليس يرجو أمرا و لا يتّقيه‏

* * *

يحمل العلم فاتحا قدميه‏* * *فإذا انضمّتا فلا علم فيه‏

* * *

____________

(1) في النفح: «نفسي».

(2) في بغية الملتمس: «يرقّق». و في النفح: «ترقّق».

(3) في الأصل: «و هدان» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «تملّك»، و كذا ينكسر الوزن.

(5) عجز هذا البيت منكسر الوزن.

(6) في الأصل: «فعسى ترى ...» و كذا ينكسر الوزن.

(7) في الأصل: «و كنت»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(8) في الأصل: «التقتا» و كذا ينكسر الوزن. و كلاهما بمعنى.

366

و من ذلك قوله في المجبنات‏: [الكامل‏]

شغف الفؤاد نواعم أبكار* * *بردت فؤاد الصّبّ و هي حرار

* * *

أذكى من المسك الفتيق‏ لناشق‏* * *و ألذّ من صهباء حين تدار

* * *

و كأنّ‏ من صافي اللّجين بطونها* * *و كأنّما ألوانهنّ نضار

* * *

صفت البواطن و الظواهر كلها* * *لكن حكت ألوانها الأزهار

* * *

عجبا لها و هي النعيم تصوغها* * *نار، و أين من النّعيم النار؟

* * *

و من شعره و ثبت في الصّلة: [المتقارب‏]

إذا قلت يوما: سلام عليك‏* * *ففيها شفاء و فيها سقام‏

* * *

شفا إذ قلتها مقبلا* * *و إن قلتها مدبرا فالحمام‏

* * *

فاعجب لحال اختلافيهما* * *و هذا سلام و هذا سلام‏

* * *

مولده: عام سبعة أو ثمانية و خمسمائة.

وفاته: و توفي في مرّاكش سحر ليلة الخامس و العشرين من شعبان أحد و ثمانين و خمسمائة، و دفن لظهره بجبّانة الشيوخ خارج مراكش، و كان قد عمي سبعة عشر عاما من عمره.

عبد الرحمن بن هانى‏ء اللخمي‏

يكنى أبا المطرف، من أهل فرقد من قرى إقليم غرناطة.

____________

(1) الأبيات في المطرب (ص 237). و المجبنات: نوع من القطائف يضاف إليه الجبن و يقلى بالزيت.

(2) في الأصل: «العتيق لنا نشقا و ألذّ من صبا ...»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المطرب.

(3) في المطرب: «فكأنما صافي اللجين قلوبها».

(4) في المطرب: «مثلها».

(5) في المطرب: «عجب».

(6) في التكملة (ج 3 ص 33): ولد سنة 509، و قيل: عام سبعة أو ثمانية و خمسمائة. و في وفيات الأعيان (ج 3 ص 120): «و مولده سنة ثمان و خمسمائة بمدينة مالقة». و مثله جاء في المطرب (ص 23).

(7) في بغية الملتمس: توفي سنة 583 ه.

(8) في الأصل: «عشرة» و هو خطأ نحوي. و في بغية الوعاة (ص 299): «و كف بصره و هو ابن سبع عشرة سنة».

367

حاله: كان فقيها فاضلا، و تجوّل في بلاد المشرق. قال: أنشدني إمام الجامع بالبصرة: [الوافر]

بلاء ليس يشبهه بلاء* * *عداوة غير ذي حسب و دين‏

* * *

ينيلك منه عرضا لم يصنه‏* * *و يرتع منك في عرض مصون‏

* * *

عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا جعفر، و يعرف بابن القصير.

حاله: كان‏ فقيها [مشاورا، رفيع القدر جليلا]، بارع الأدب، عارفا بالوثيقة، نقّادا لها، صاحب رواية و دراية، تقلّب ببلاد الأندلس، و أخذ الناس عنه بمرسية و غيرها. و رحل إلى مدينة فاس، و إفريقية، و أخذ بها، و ولّي القضاء بتقرش‏ من بلاد الجريد.

مشيخته: روى‏ عن أبيه القاضي أبي الحسن بن أحمد، و عن عمّه أبي مروان، و عن أبوي الحسن بن درّي، و ابن الباذش، و أبي الوليد بن رشد، و أبي إسحاق بن رشيق الطليطلي، نزيل وادي آش، و أبي بكر بن العربي، و أبي الحسن بن وهب‏، و أبي محمد عبد الحق بن عطيّة، و أبي عبد اللّه بن أبي الخصال، و أبي الحسن يونس بن مغيث، و أبي القاسم بن ورد، و أبي بكر بن مسعود الخشني، و أبي القاسم بن بقيّ، و أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، و غيرهم.

تواليفه‏: له تواليف و خطب و رسائل و مقامات، و جمع مناقب من أدركه من أهل عصره، و اختصر كتاب الجمل‏ لابن خاقان الأصبهاني، و غير ذلك، و ألّف برنامجا يضم رواياته.

من روى عنه: روى عنه ابن الملجوم‏، و استوفى خبره.

____________

(1) ترجمة عبد الرحمن بن أحمد الأزدي في التكملة (ج 3 ص 30) و الديباج المذهب (ص 152) و أزهار الرياض (ج 3 ص 14) و جذوة الاقتباس (ج 2 ص 394 رقم 398).

(2) في جذوة الاقتباس: «ابن النصير».

(3) قارن بأزهار الرياض (ج 3 ص 15).

(4) ما بين قوسين ساقط في الأصل، و قد أضفناه من أزهار الرياض.

(5) في الأزهار: «و ولّي قضاء تقيوس، ببلاد الجريد».

(6) قارن بالتكملة (ج 3 ص 30) و أزهار الرياض (ج 3 ص 15).

(7) في المصدرين: «موهب».

(8) قارن بأزهار الرياض (ج 3 ص 15).

(9) في أزهار الرياض: «الحيل».

(10) في أزهار الرياض: «أبو القاسم بن الملجوم».

368

وفاته: ركب‏ البحر قاصدا الحج، فتوفي شهيدا في البحر؛ قتله الرّوم بمرسى تونس مع جماعة من المسلمين، صبح يوم الأحد، في العشر الوسط من شهر ربيع الآخر سنة ست و سبعين و خمسمائة.

عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الأنصاري‏

يكنى أبا بكر، و يعرف بابن الفصّال.

حاله: هذا الرجل فاضل عريق في العدالة، ذكيّ، نبيل، مختصر الجرم، شعلة من شعل الإدراك، مليح المحاورة، عظيم الكفاية، طالب متقن. قرأ على مشيخة بلده، و اختصّ منهم بمولى النعمة على أبناء جنسه، أبي سعيد ابن لب، و استظهر من حفظه كتبا كثيرة، منها كتاب التفريع في الفروع، و ارتسم في العدول، و تعاطى لهذا العهد الأدب، فبرّز في فنّه.

أدبه: مما جمع فيه بين نظمه و نثره، قوله يخاطب الكتّاب، و يسحر ببراعته الألباب: [الطويل‏]

لعلّ نسيم الريح يسري عليله‏* * *فأهدي صحيح الودّ طيّ سقيم‏

* * *

لتحملها عنّي و أزكى تحية* * *لقيت‏ ككهف مانع و رقيم‏

* * *

و يذكر ما بين الجوانح من جوى‏* * *و شوق إليهم مقعد و مقيم‏

* * *

يا كتّاب المحلّ السامي، و الإمام المتسامي، و واكف الأدب البسّامي، أناشدكم بانتظامي، في محبّتكم و ارتسامي، و أقسم بحقّكم عليّ و حبّذا إقسامي، ألا ما أمددتم بأذهانكم الثاقبة، و أسعدتم بأفكاركم النّيرة الواقبة، على إخراج هذا المسمّى، و شرح ما أبهمه المعمّى، فلعمري لقد أحرق مزاجي، و فرّق امتزاجي، و أظلم به وهاجي، و غطّى على مرآة ابتهاجي، فأعينوني بقوة ما استطعتم، و أقطعوني من مددكم ما قطعتم، و آتوني بذلك كلّه إعانة و سدّا و إلّا فها هو بين يديكم ففكّوا غلقه، و اسردوا خلقه، و اجمعوا مضغه المتباينة و علقه، حتى يستقيم جسدا قائما بذاته، متّصفا بصفاته المذكورة و لذّاته، قائلا بتسلّيه أسلوبا، مصحفا كان أو مقلوبا. و إن تأبّى عليكم و تمنّع، و أدركه الحياء فتستّر و تقنّع، و ضرب على آذان الشّهدا، و ربط على قلوبهم من الإرشاد له و الاهتداء، فابعثوا أحدكم إلى‏

____________

(1) قارن بالتكملة (ج 3 ص 30).

(2) في التكملة: «فاستشهد بمرسى تونس في آخر سنة 576).

(3) في الأصل: «لقيته كهف» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

369

المدينة، ليسأل عنه خدينه: [المتقارب‏]

أحاجي ذوي العلم و الحلم ممن‏* * *ترى شعلة الفهم من زنده‏

* * *

عن اسم هو الموت مهما دنا* * *و إن بات يبكى على فقده‏

* * *

لذيذ و ليس بذي طعم‏* * *و يؤمر بالغسل من بعده‏

* * *

و أطيب ما يجتنيه الفتى‏* * *لدى ربّة الحسن أو عبده‏

* * *

مضجّعه عشر الثلث في‏* * *حساب المصحّف من خدّه‏

* * *

و إن شئت قل: مطعم ذمّه الر* * *رسول و حضّ على بعده‏

* * *

و قد جاء في الذّكر إخراجه‏* * *لقوم نبيّ على عهده‏

* * *

و تصحيف ضدّ له آخر* * *يبارك للنّحل في شهده‏

* * *

و تصحيف مقلوبه ربّه‏* * *تردّد من قبل في ردّه‏

* * *

فهاكم معانيه قد بدت‏* * *كنار الكريم على نجده‏

* * *

و كتب للولد، أسعده اللّه، يتوسّل إليه، و يروم قضاء حاجته: [الخفيف‏]

أيها السيد العزيز، تصدّق‏* * *في المقام العليّ لي بالوسيلة

* * *

عند ربّ الوزارتين أطال ال* * *له أيامه حسانا جميلة

* * *

علّه أن يجيرني من زمان‏* * *مسّني الضّرّ من خطاه الثّقيلة

* * *

و استطالت عليّ بالنّهب جورا* * *من يديه الخفيفة المستطيلة

* * *

لم تدع لي بضاعة غير مزجا* * *ة و نزر أهون به من قليله‏

* * *

و إذا ما وفّى لي الكيل يوما* * *حشفا ما يكيله سوء كيله‏

* * *

فشفى بي غليله لا شفى بي‏* * *دون أبنائه الجميع غليله‏

* * *

من لهذا الزمان مذ نال منّي‏* * *ليس لي بالزمان و اللّه حيله‏

* * *

غير أن يشفع الوزير و يدعو* * *عبده أو خديمه أو خليله‏

* * *

دمت يا ابن الوزير في عزّك السا* * *مي و دامت به الليالي كفيله‏

* * *

سيدي الذي بعزّة جاهه أصول، و بتوسّلي بعنايته أبلغ المأمول و السّول، و أروم لما أنا أحوم عليه الوصول، ببركة المشفوع إليه و الرسول، المرغوب من مجدك السّامي الصريح، و المؤمّل من ذلك الوجه السّنيّ الصبيح، أن تقوم بين يدي نجوى الشّفاعة، هذه الرّقاعة، و تعين بذاتك الفاضلة النفّاعة، من لسانك مصقاعة، حتى‏

____________

(1) في الأصل: «و يدعى».

370

ينجلي حالي عن بلج، و أتنسّم من مهبّات القبول طيب الأرج، و تتطلع مستبشرات فرحتي من ثنيّات الفرج، فإنّ سيّد الجماعة الأعلى، و ملاذ هذه البسيطة و فحلها الأجلى، فسح اللّه تعالى في ميدان هذا الوجود بوجوده، و أضفى على هذا القطر ملابس السّتر برأيه السديد و سعوده، و بلّغه في جميعكم غاية أمله و مقصوده، قلّما تضيع عنده شفاعة الأكبر من ولده، أو يخيب لديه من توسّل إليه بأزكى قطع كبده، و بحقك ألا ما أمرت هذه الرّقعة، بالمثول بين يدي ذلك الزّكي الذّات الطاهر البقعة، و قل لها قبل الحلول بين يدي هذا المولى الكريم، و الموئل الرحيم، بعظيم التوقير و التّبجيل، و اعلمي يا أيتها السائل، أن هذا الرجل هو المؤمّل، بعد اللّه تعالى في هذا الجيل، و الحجّة البالغة في تبليغ راجيه أقصى ما يؤملونه بالتعجيل، و خاتمة كلام البلاغة و تمام الفصاحة الموقف عليه ذلك كله بالتّسجيل، و غرّة صفح دين الإسلام المؤيدة بالتّحجيل. و هذا هو مدبّر فلك الخلافة العالية بإيالته، و حافظ بدر سمائها السامية بهالته، فقرّي بالمثول بين يديه عينا، و لقد قضيت على الأيام بذلك دينا، و إذا قيل ما وسيلة مؤمّلك، و حاجة متوسّلك، فوسيلته تشيّعه في أهل ذلك المعنى، و حاجته يتكفّل بها مجدكم الصميم و يعنى، و ليست تكون بحرمة جاهكم من العرض الأدنى، و تمنّ فإنّ للإنسان هنالك ما تمنّى، و تولّى تكليف مرسلي بحسب ما وسعكم، و أنتم الأعلون و اللّه معكم. ثم اثن العنان، و اللّه المستعان، و أعيدي السلام، ثم عودي بسلام.

و خاطب قاضي الحضرة، و قد أنكر عليه لباس ثوب أصفر:

أبقى اللّه المثابة العليّة و مثلها أعلى، و قدحها في المعلوّات المعلّى، ما لها أمرت لا زالت بركاتها تنثال، و لأمر ما يجب الامتثال، بتغيير ثوبي الفاقع اللون، و إحالته عن معتاده في الكون، و إلحاقه بالأسود الجون أصبغه حدادا و أيام سيدي أيام سرور، و بنو الزمان بعدله ضاحك و مسرور، ما هكذا شيمة البرور، بل لو استطعنا أن نزهو له كالميلاد، و نتزيّا في أيامه بزيّ الأعياد، و نرفل من المشروع في محبر و موروس، و نتجلّى في حلل العروس، حتى تقرّ عين سيدي بكتيبة دفاعه، و قيمة نوافله و إشفاعه، ففي علم سيدي الذي به الاهتداء، و بفضله الاقتداء، تفضيل الأصفر الفاقع، حيثما وقع من المواقع، فهو مهما حضر نزهة الحاضرين، و كفاه فاقع لونها تسرّ الناظرين.

و لقد اعتمّه جبريل (عليه السلام)، و به تطرّز المحبرات و الأعلام، و إنه لزيّ الظّرفاء، و شارة أهل الرّفاء، اللهمّ إلا إن كان سيدي دام له البقاء، و ساعده الارتقاء، ينهي أهل التّبريز، عن مقاربة لون الذهب الإبريز، خيفة أن تميل له منهم ضريبة، فيزنّوا بريبة، فنعم إذا و نعمى عين، و سمعا و طاعة لهذا الأمر الهيّن اللّين، أتبعك لا زيدا و عمرا،

371

و لا أعصى لك أمرا، ثم لا ألبس بعدها إلّا طمرا، و أتجرّد لطاعتك تجريدا، و أسلك إليك فقيرا و مزيدا، و لا أتعرّض للسّخط بلبس شفيف أستنشق هباه، و ألبس عباه، و أبرأ من لباس زي ينشئ عتابا، يلقى على لسان مثل هذا كتابا، و أتوب منه متابا، و لو لا أني الليلة صفر اليدين، و معتقل الدّين، لباكرت به من حانوت صبّاغ رأس خابية، وقاع مظلمة جابية، فأصيّره حالكا، و لا ألبسه حتى أستفتي فيه مالكا، و لعلي أجدّ فأرضي سيدي بالتّزييّ بشارته، و العمل بمقتضى إشارته، و اللّه تعالى يبقيه للحسنات ينبّه عليها، و يومي بعمله و حظّه إليها، و السلام.

و خاطبني و قد قدم في شهادة المواريث بحضرة غرناطة: [السريع‏]

يا منتهى الغايات دامت لنا* * *غايتك القصوى بلا فوت‏

* * *

طلبت إحيائي بكم فانتهى‏* * *من قبله حالي إلى الموت‏

* * *

و حقّ ذاك‏ الجاه جاه العلا* * *لا متّ إلّا أن أتى وقتي‏

* * *

مولاي الذي أتأذّى من جور الزمان بذمام جلاله، و أتعوّذ من نقص شهادة المواريث بتمام كماله، شهادة يأباها المعسر و الحيّ، و يودّ أن لا يوافيه أجله عليها الحيّ، مناقضة لما العبد بسبيله، غير مربح قطميرها من قليله، فإن ظهر لمولاي إعفاء عبده، فمن عنده، و اللّه تعالى يمتّع الجميع بدوام سعده، و السلام الكريم يختص بالطاهر من ذاته و مجده، و رحمة اللّه و بركاته. من عبد إنعامكم ابن الفصّال لطف اللّه به: [البسيط]

قد كنت أسترزق الأحياء ما رزقوا* * *شيئا و لا ما وفوني بعض أقوات‏

* * *

فكيف حالي لمّا أن شكوتهم‏* * *رجعت أطلب قوتي عند أمواتي‏

* * *

و السلام يعود على جناب مولاي، و رحمة اللّه و بركاته.

و خاطب أحد أصحابه، و قد استخفى لأمر قرف به، برسالة افتتحها بأبيات على حرف الصاد، أجابه المذكور عن ذلك بما نصّه، و فيه إشارة لغلط وقع في الإعراب:

[البسيط]

يا شعلة من ذكاء أرسلت شررا* * *إلى قريب من الأرجاء بعد قص‏

* * *

و شبهة حملت دعوى السّفاح على‏* * *فحل يليق به مضمونها و خص‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «ذلك»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «وقت» بدون ياء.

(3) كلمة «ما» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن.

(4) في الأصل: «أموات» بدون ياء.

372

رحماك بي فلقد جرّعتني غصصا* * *أثار تعريضها المكتوم من غصّ‏

* * *

بليتني بنكاة القرح في كبدي‏* * *كمثل مرتجف المجذوم بالبرص‏

* * *

أيها الأخ الذي رقى و مسح، ثم فصح، و غشّ و نصح، و مزّق ثم نصح، و تلاهب بأطراف الكلام المشقّق فما أفصح، ما لسحّاتك ذات الجيد المنصوص، توهم سمة الودّ المرصوص، ثم تعدل إلى التأويلات عن النّصوص، و تؤنس على العموم، و توحش على الخصوص، لا درّ درّه من باب برّ ضاع مفتاحه، و تأنيس حرّ سبق بالسجن استفتاحه، و من الذي أنهى إلى أخي خبر ثقافي، و وثيقة تحبيسي و إيقافي، و قد أبى ذلك سعد فرعه باسق، و عزّ عقده متناسق. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ، بل المثوى و الحمد للّه جنّات و غرف، و المنتهى مجد و شرف، فإن كان وليّي مكترثا فيحقّ له السّرور، أو شامتا فلي الظّل و له الحرور. أنا لا أزنّ و الحمد للّه بها من هناه، و لما أدين بها من عزّي و مناه، و لا تمرّ لي ببال فلست بذي سيف و لست بنكال نفسي أرقّ شيمة، و أكرم مشيمة، و عيني أغزر ديمة، لو كان يسأل لسان عن إنسان، أو مجاولته بملعبه خوان، أوقفني إخوان لا بمأزق عدوان، لارتسمت منه بديوان، لا يغني في حرب عوان. عين هذا الشكل و الحمد للّه فراره، و عنوان هذا الحدّ غراره. و أما كوني من جملة الصّفرة، و ممن أجهز سيدي الفقار على ذي الفقرة، فأقسم لو ضرب القتيل ببعض البقرة، لتعين مقدار تلك الغفرة.

اللهمّ لو كنت مثل سيدي ممن تتضاءل النخلة السّحوق لقامته، و يعترف عوج لديه بقماءته و دمامته، مقبل الظّعن كالبدور في سحاب الخدور، و خليفة السّيد الذي بلغت سراويله تندوة العدوّ الأيّد، لطلت بباع مديد، و ساعدني الخلق بساعد شديد، و أنا لي جسم شحت، يحف به بخت، و حسب مثلي أن يعلم في ميدان هوى تسلّ فيه سيوف اللّحاظ، على ذوي الحفاظ، و تشرع سيوف القدود، إلى شكاة الصّدود، و تسطو أولو الجفون السّود بالأسود، فكيف أخشى تبعة تزلّ عن صفاتي، و تنافي صفاتي، و لا تطمع أسبابها في التفاتي، و لا تستعمل في حربها قنا ألفاتي. و اللّه يشكر سيدي على اهتباله، و يحلّ كريم سباله، على ما ظهر لأجلي من شغف باله، إذ رفع ما ينصب، و غيّر ما لو غيّره الحجاج لكان مع الهيبة يحصب، و نكّت بأن نفقت بالحظ سوقي، و ظهر لأجله فسوقي، و يا حبّذا هو من شفيع رفيع و وسيلة لا يخالفها الرّعي، و لا

____________

(1) أصل القول: «بنكأة»، و كذا ينكسر الوزن، فاقتضى حذف الهمزة، و النّكأة: من نكأ القرحة إذا قشرها قبل أن تبرأ.

(2) سورة الحجرات 49، الآية 6.

373

يخيب لها السّعي. و للّه درّ القائل: [الكامل‏]

للّه بالإنسان في تعليمه‏* * *بوساطة القلم الكريم عنايه‏

* * *

فالخطّ خطّ و الكتابة لم تزل‏* * *في الدهر عن معنى الكمال كنايه‏

* * *

و ما أقرب، يا سيدي، هذه الدعوى لشهامتك، و كبر هامتك: [الكامل‏]

لو كنت حاضرهم بخندق بلج‏* * *و لحمل ما قد أبرموه فصال‏

* * *

لخصصت بالدعوى التي عمّوا بها* * *و لقيل: فصل جلاه الفصال‏

* * *

و تركت فرعون بن موسى عبرة* * *تتقدّ منه بسيفه الأوصال‏

* * *

فاحمد اللّه الذي نجّاك من حضور وليمتها، و لم تشهد يوم حليمتها. و أما اعتذارك عما يقلّ من تفقّد الكنز، و منتطح العنز، فورع في سيدي أتمّ من أن يتّهم بغيبة، و لسانه أعفّ من أن ينسب إلى ريبة، لما اتّصل به من فضل ضريبة، و مقاصد في الخير غريبة، إنما يستخفّ سيدي أفرط التّهم، رمي العوامل بالتّهم، فيجري أصحّ مجرى أختها، و يلبسها ثياب تحتها، بحيث لا إثم يترتّب، و لا هو ممن تعتب‏، و على الرجال فجنايته عذبة الجنا، و مقاصده مستطرفة لفصح أو كنى. أبقاه اللّه رب نفاضة و جرادة، و لا أخلى مبرده القاطع من برادة، و عوّده الخير عادة، و لا أعدمه بركة و سعادة، بفضل اللّه. و السلام عليه من وليّه المستزيد من ورش وليه، لا بل من قلائد حليه، محمد بن فركون القرشي، و رحمة اللّه و بركاته.

فراجعه المترجم بما نصه، و قد اتّهم أن ذلك من إملائي: [البسيط]

يا ملبس النّصح ثوب الغشّ متّهما* * *يلوي النّصيحة عنه غير منتكص‏

* * *

و جاهلا باتخاذ الهزل مأدبة* * *أشدّ ما يتوقّى محمل الرّخص‏

* * *

نصحته فقصاني فانقلبت إلى‏* * *حال يغصّ بها من جملة الغصص‏

* * *

بالأمس أنكرت آيات القصاص له‏* * *و اليوم يسمع فيه سورة القصص‏

* * *

ممّن استعرت يا بابليّ هذا السّحر، و لم تسكن بناصية السحر، و لا أعملت إلى بابل هاروت امتطاء ظهر، و من أين جئت بقلائد ذلك النّحر؟ أمن البحر، أو مما وراء النهر؟ ما لمثل هذه الأريحيّة الفاتقة، استنشقنا مهبّك و لا قبل هذه البارقة الفائقة، استكثرنا غيّك، يا أيها الساحر ادع لنا ربّك. أ أضغاث أحلام ما تريه الأقلام، أم في لحظة تلد الأيام فرائد الأعلام؟ لقد عهدت بربعك محسن دعابة، ما فرعت شعابه، أو

____________

(1) في الأصل: «تعتبه» و قد صوبناه لتستقيم السجعة.

374

مصيبا في صبابة، ما قرعت بابه، و لا استرجعت قبل أن أعبر عبابه. اللهمّ إلّا أن تكون تلك الآيات البيّنات من بنات يراعتك، لا براعتك، و مغترس تلك الزّهر، الطالعة كالكواكب الزّهر، مختلس يد استطاعتك، لا زراعتك، و إلّا فنطّرح مصائد التعليم و الإنشاء، و ننتظر معنى قوله عزّ و جلّ يؤتي الحكمة من يشاء، أو نتوسّل في مقام الإلحاح و الإلحاف، أن ننقل من غائلة الحسد إلى الإنصاف، و حسبي أن أطلعت بالحديقة الأنيقة، و وقفت من مثلى تلك الطّريقة على حقيقة، فألفيت بها بيانا، قد وضح تبيانا أو أطلق عنانا، و محاسن و جدت إحسانا، فتمثّلت إنسانا، سرّح لسانا، و أجهد بنانا، إلّا أنّ صادح أيكتها يتململ في قيظ، و يكاد يتميّز من الغيظ، فيفيض و يغيض، و يهيض و ينهض ثم يهيض، و يأخذ في طويل و عريض، بتسبيب و تعريض، و يتناهض في ذلك بغير مهيض، و فاتن كمائمها تسأل عن الصّادح، و يتلقّف عصا استعجاله ما يفكّه المادح، و يحرق بناره زند القادح، و يتعاطى من نفسه بالإعجاب، و يكاد ينادي من وراء حجاب، إن هذا لشي‏ء عجاب. إيه بغير تمويه رجع الحديث الأول، إلى ما عليه المعوّل، لا درّ درّها من نصيحة غير صحيحة، و وصيّة مودّة صريحة، تعلقت بغير ذي قريحة، فهي استعجلتني بداهية كاتب، و استطالة ظالم عاتب، قد سلّ مرهفه، و استنجد مترفه، و جهّزها نحو كتيبته تسفر عن تحجيل، بغير تبجيل، و سحابة سجلّ ترمي بسجّيل، ما كان إلّا أن استقلّت، و رمتني بدائها و انسلّت، و ألقت ما فيها و تخلّت، فحسبي اللّه تغلّب على فهمي، و رميت بسهمي، و قتلت بسلاحي، و أسكرت براحي، برئت برئت، مما به دهيت، أنت أبقاك اللّه لم تدن بها مني منالا و عزّا، فكيف بها تنسب إليّ بعدك و تعزى؟ نفسي التي هي أرقّ و أجدر بالمعالي و أحقّ، و شكلي أخفّ على القلوب و أدقّ، و شمائلي أملك فلا تسترق، و لساني هو الذي يسأل فلا يفلّ، و قدري يعزّ و يجلّ، عما فخرت أنت به من ملعب مائدة، و مجال رقاب متمايدة، فحاشى سيدي أن يقع منه بذلك مفخر، إلا أن يكون يلهو و يسخر، و موج بحره بالطّيّب و الخبيث تزخر، و عين شكلي هي بحمد اللّه عين الظّرف، المشار إليه بالبنان و الطّرف. و أما تعريض سيدي بصغر القامة، و تكبيره لغير إقامة، فمطّرد قول، و مدامة غول، و فريضة نشأ فيها عول، إذ لا مبالاة تجسم كائنا ما كان، أو ما سمعت أنّ السّر في السّكان، و إنما الجسد للرّوح مكان، و لم يبق إليه فقد يروح، و قد قال و يسألونك عن الرّوح، و المرء بقلبه و لسانه، لا بمستظهر عيانه، و للّه درّ القائل: [الكامل‏]

لم يرضني أني بجسم هائل‏* * *و الرّوح ما وفّت له أغراضه‏

* * *

و لقد رضيت بأنّ جسمي ناحل‏* * *و الروح سابغة به فضفاضه‏

* * *

375

و لما وقّع سيدي بمكتوبي على المرفوع و المنصوب، و ظفرت يده بالمغضوب، و الباحث المعصوب، لم يقلها زلّة عالم، و إني و قد وجدتها منية حالم، فعدّد و أعاد، و شدّد و أشاد. هلّا عقل ما قال، و علم أن المقيل سيكون مقال، و زلّة العالم لا تقال، و أن الحرب سجال، و قبضة غيره هو المتلاعب في الحجال؟ و بالجملة فلك الفضل يا سيدي ما اعتني بمعناك، و ارتفع بين مغاني الكرام مغناك، فمدة ركوبك الحمران لا تجارى، و لا يشقّ أحد لك غبارا. أبقاك اللّه تحفظ عرى هذا الوداد، و يشمل الجميع بركة ذلك النّاد، و السلام عليك من ابن الفصّال، و رحمة اللّه و بركاته.

و جعلا إليّ التّحكيم، و فوّضا لنظري التّفضيل فكتبت: [البسيط]

بارك عليها بذكر اللّه من قصص‏* * *و اذكر لها ما أتى في سورة القصص‏

* * *

حيث اغتدى السّحر يلهو بالعقول و قد* * *أحال بين حؤول‏ كيده و عصي‏

* * *

عقائل العقل و السحر الحلال قوت‏* * *من كافل الصّون بعد الكون جحر وصي‏

* * *

و أقبلت تتهادى كالبدور إذا* * *بسحر من فلك النّذور في حصص‏

* * *

من للبدور و ربّات الخدور بها* * *المثل غير مطيع و المثيل‏ عصي‏

* * *

ما قرصة البدر و الشّمس المنيرة أن‏* * *قيست بمن قاسها من جملة القرض‏

* * *

تاللّه ما حكمها يوما بمنتقض‏* * *كلّا و لا بدرها يوما بمنتقص‏

* * *

إن قال حكمي فيها بالسّواد فقد* * *أمنت ما يحذر القاضي من الغصص‏

* * *

____________

(1) كلمة «لها» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(2) في الأصل: «حال» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «و عص» بدون ياء.

(4) في الأصل: «و ص» بدون ياء.

(5) في الأصل: «و المثلان» و كذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «عص» بدون ياء.

(7) في الأصل: «سوى» و كذا ينكسر الوزن.

376

أو كنت أرخصت في التّرجيح مجتهدا* * *لم يقبل الورع الفتيا مع الرّخص‏

* * *

يا مدلج ليل التّرجيح، قف فقد خفيت الكواكب، و يا قاضي طرف التّحسين و التّقبيح، تسامت و الحمد للّه المناكب، و يا مستوكف خبر الوقيعة من وراء أقتام القيعة تصالحت المواكب. حصحص الحقّ فارتفع اللّجاج، و تعارضت الأدلّة فسقط الاحتجاج، و وضعت الحرب أوزارها فسكن العجاج، و طاب نحل الأقلام بأزهار الأحلام فطاب المجاج، و قلّ لفرعون البيان و إن تألّه، و بلّد العقول و بلّه، و ولّى بالغرور و دلّه. أوسع الكنائن نثلا، و دونك أيّدا شثلا، و شحرا حثلا، لا خطما و لا أثلا. إن هذان لساحران إلى قوله: و يذهبا بطريقتكم المثلى و إن أثرت أدب الحليم، مع قصّة الكليم، فقل لمجمل جياد التّعاليم، و واضع جغرافيا الأقاليم، أندلسا ما علمت بلد الأجم، لا سود العجم، و مداحض السّقوط، على شوك قتاد القوط، و لم يذر إن محل ذات العجائب و الأسرار التي تضرب إليها أباط النّجاب في غير الإقليم الأول، و هذا الوطن بشهادة القلب الحوّل، إنما هو رسم دارس ليس عليه من معوّل. فهنالك يتكلم الحق فيفصح و يعجم، و يرد المدد على النفوس الجريئة من مطالع الأضواء فيحدّث و يلهم، و يجود خازن الأمداد، على المتوسّل بوسيلة الاستعداد، فيقطع و يسهم. و أما إقليمنا الرابع و الخامس، بعد أن تكافأت المناظر و الملامس، و تناصف الليل الدّامس و اليوم الشّامس، باعتدال ربيعي، و مجرى طبيعي، و ذكيّ بليد، و معاش و توليد، و طريف في البداوة و تليد، ليس به برباه و لا هرم، يخدم بها درب محترم، و يشبّ لقرياته حرم، فيفيد روحانيا يتصرف، و رئيسا يتعرّض و يتعرّف، كلما استنزل صاب، و أعمل الانتصاب، و جلب المآرب و أذهب الأوصاب، و علم الجواب، و فهم الصواب. و لو فرضنا هذه المدارك ذوات أمثال، أو مسبوقة بمثال، لتلقينا منشور القضاء بامتثال، لكنّا نخاف أن نميل بعض الميل، فنجني بذلك أبخس الجري و إرضاء الذّميل، و نجرّ تنازع الفهري مع الصّميل. فمن خيّر ميّز، و من حكم أزري به و تهكّم، و ما سلّ سيوف الخوارج، في الزمن الدّارج، إلّا التّحكيم، حتى جهل الحكيم، و خلع الخطام و نزع الشّكيم، و أضرّ بالخلق نافع، و ذهب الطفل لجراه و اليافع، و ذم الذّمام و ردّ الشّافع، و قطر سيف قطري، بكل نجيع طري، و زار الشّيب الأسد الهصور، و صلّت الغزالة بمسجد الثّقفي و هو محصور، و انتهبت المقاصير و القصور، إلّا أن مستأهل الوظيفة الشّرعية عند الضرورة يجبر، و المنتدب للبرّ محيي عند اللّه و يجبر، و اجعلني على خزائن الأرض و هو الأوضح و الأشهر، فيها به يستظهر. و أنا فإن حكمت على التّعجيل،

377

فغير مشهد على نفسي بالتّسجيل، إنما هو تلفيق يرضى و تطفيل، يعتب عليه من تصدّع بالحق و يمضى، إلّا أن يغضى، و رأيي فيها المراضاة و الاستصلاح، و إلّا فالسّلاح و الرّكاب الطلّاح، و الصلح خير، و ما استدفع بمثل التّسامح ضير. و من وقف عليه، و اعتبر ما لديه، فليعلم أني صدعت و قطعت، و الحقّ أطعت، و إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، و السلام.

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي‏

من ذرّية عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس. و ينتسب‏ سلفهم إلى وائل بن حجر، و حاله عند القدوم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، معروف‏.

أوليته: قد ذكر بعض منها. و انتقل‏ سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة و تعيّن و شهرة عند الحادثة بها، أو قبل ذلك، و استقرّ بتونس منهم ثالث‏ المحمدين؛ محمد بن الحسن، و تناسلوا على سراوة و حشمة و رسوم حسنة، و تصرّف جدّ المترجم به لملوكها في القيادة.

حاله: هذا الرجل الفاضل حسن الخلق، جمّ الفضائل باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصّيّ الزّيّ، عالي الهمّة، عزوف عن الضّيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن‏ الرئاسة، خاطب للحظّ، متقدّم في فنون عقلية و نقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر، بارع الخطّ، مغرى بالتجلّة، جواد الكفّ‏، حسن العشرة، مبذول‏

____________

(1) ترجمة ابن خلدون في نفح الطيب (ج 8 ص 306 و ما بعدها)، و جاء فيه أنه «عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن ...» و الضوء اللامع (ج 4 ص 145) و الأعلام (ج 3 ص 330).

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 306).

(3) في النفح: «و ينسب».

(4) في النفح: «معروفة».

(5) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 306).

(6) كلمة «و شهرة» غير واردة في النفح.

(7) في النفح: «فاستقرّ».

(8) في النفح: «ثاني».

(9) في النفح: «على حشمة و سراوة».

(10) كلمة «لملوكها» غير واردة في النفح.

(11) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 306- 307).

(12) القنن: جمع قنّة و هي أعلى الجبل. لسان العرب (قنن).

(13) كلمة «الكف» غير واردة في النفح.

378

المشاركة، مقيم لرسوم التّعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخرة من مفاخر التّخوم المغربية.

مشيخته: قرأ القرآن ببلده على المكتّب ابن برال، و العربية على المقرئ الزواوي‏، و ابن العربي، و تأدّب بأبيه، و أخذ عن المحدّث أبي عبد اللّه بن جابر الوادي آشي. و حضر مجلس القاضي أبي عبد اللّه بن عبد السلام، و روى عن الحافظ عبد اللّه‏ السّطي، و الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، و لازم العالم الشهير أبا عبد اللّه الآبلي، و انتفع به.

توجّهه إلى المغرب: انصرف‏ عن‏ إفريقية منشئه، بعد أن تعلّق بالخدمة السلطانية على الحداثة و إقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة و خمسين و سبعمائة. و عرف فضله، و خطبه السلطان منفّق سوق العلم و الأدب أبو عنان فارس بن علي بن عثمان، و استقدمه‏، و استحضره بمجلس المذاكرة، فعرف حقّه، و أوجب فضله، و استعمله في‏ الكتابة أوائل عام ستة و خمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصّة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأنّي، و شفوفه بثقوب الفهم، و جودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراء عضّده ما جبل عليه عندئذ من إغفال التّحفّظ، ممّا يريب لديه، فأصابته شدّة تخلّصه منها أجله؛ كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، و هناة جواره، و إحدى العواذل لأولي الهوى في القول بفضله، [و استأثر به الاعتقال باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصّبر] و عدم الخشوع، و إهمال التوسّل، و إبادة المكسوب في سبيل النّفقة، و الإرضاخ على زمن المحنة، و جار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر إلى السّعيد ولده، فأعتبه قيّم الملك لحينه، و أعاده إلى رسمه. و دالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، و كان له به الاتصال، قبل تسوّغ المحنة، بما أكد حظوته، فقلّده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات، محرّر السّهام، نبيه الرّتبة، إلى آخر أيامه. و لمّا ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد اللّه، مدبّر الأمر، و له إليه قبل ذلك‏ وسيلة، و في حليه شركة، و عنده حقّ، رابه تقصيره عمّا ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما إلى أن آل إلى انفصاله عن الباب المريني.

____________

(1) في النفح: «مفخر».

(2) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 307).

(3) في النفح: «الزواوي و غيره».

(4) في النفح: «أبي عبد اللّه».

(5) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 307- 308).

(6) في النفح: «من».

(7) كلمة «و استقدمه» غير واردة في النفح.

(8) في النفح: «على».

(9) في النفح: «عهدئذ».

(10) ما بين قوسين غير وارد في النفح.

(11) قوله: «قبل ذلك» غير وارد في النفح.

379

دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في أوائل‏ شهر ربيع الأول من عام أربعة و ستين و سبعمائة، و اهتزّ له السلطان، و أركب خاصّته لتلقّيه، و أكرم وفادته، و خلع عليه، و أجلسه بمجلسه الخاص‏، و لم يدّخر عنه برّا و مؤاكلة و مطايبة و فكاهة.

و خاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي‏: [الطويل‏]

حللت حلول الغيث في البلد المحل‏* * *على الطائر الميمون و الرّحب و السّهل‏

* * *

يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه‏* * *من الشّيخ و الطفل المهدّإ و الكهل‏

* * *

لقد نشأت عندي للقياك غبطة* * *تنسّي اغتباطي بالشّبيبة و الأهل‏

* * *

أقسمت‏ بمن حجّت قريش لبيته، و قبر صرفت أزمّة الأحياء لميته، [و نور ضربت الأمثال بمشكاته‏ و زيته، لو خيّرت أيها الحبيب‏] الذي زيارته الأمنية السّنيّة، و العارفة الوارفة، و اللطيفة المطيفة، بين رجع الشّباب يقطر ماء، و يرفّ نماء، و يغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة و إيماء، بحيث لا الوخط يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذبالة في ظلمته، أو يقوم حواريّه في ملّته‏، من الأحابش و أمّته، و زمانه روح وراح، و مغدى في النّعيم و مراح، و قصف صراح‏، [و رقّى‏ و جراح،] و انتحاب‏ و اقتراح، و صدور ما بها إلّا انشراح، و مسرّات تردفها أفراح. و بين قدومك خليع الرّسن، ممتّعا و الحمد

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 308).

(2) في النفح: «أول ربيع الأول عام ...».

(3) كلمة «الخاص» غير واردة في النفح.

(4) الرسالة، بما فيها الأبيات، في التعريف بابن خلدون (ص 82) و ريحانة الكتاب (ج 2 ص 185- 186) و نفح الطيب (ج 8 ص 308- 309).

(5) في ريحانة الكتاب: «المعصّب».

(6) جاء في الريحانة بعد هذا البيت البيت التالي:

و ودّي لا يحتاج فيه لشاهد* * *و تقريري المعلوم ضرب من الجهل‏

* * *

(7) في الريحانة: «يمينا بربّ حجّت ...».

(8) المشكاة هنا: المصباح.

(9) ما بين قوسين ساقط في الأصل، و قد أضفناه من المصادر.

(10) الوخط: الشّيب. لسان العرب (و خط).

(11) الذّبالة: الفتيلة. لسان العرب (ذبل).

(12) في الريحانة: «لمتّه».

(13) في الريحانة: «و نصب و صراح».

(14) في الأصل: «و رفى»، و التصويب من النفح و التعريف.

(15) ما بين قوسين ساقط في الريحانة.

(16) في الأصل: «و انتخاب»، و كذلك في الريحانة، و التصويب من النفح.

380

للّه‏ باليقظة و الوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكفّ الصّيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف- لما اخترت الشّباب و إن شاقني‏ زمنه، و أعياني ثمنه، و أجرت سحاب‏ دمعي دمنه. فالحمد للّه الذي رقى‏ جنون اغترابي، و ملّكني أزمة آرابي، و غبّطني بمائي و ترابي، [و مألف أترابي،] و قد أغصّني بلذيذ شرابي، و وقّع على سطوره المعتبرة إضرابي، و عجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة، و منتهى الطّيّة، و ملتقى السّعود غير البطيّة، و تهنّي الآمال الوثيرة الوطيّة، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطى مهريّك، و مولى مكارمه نشيدة أمثالك، و مظانّ‏ مثالك، و سيصدق الخبر ما هنالك، و يسع‏ فضل مجدك في‏ التخلّف عن الإصحار، لا بل اللقاء من وراء البحار، و السّلام.

و لما استقرّ بالحضرة، جرت بيني و بينه مكاتبات أقطعها الظّرف جانبه، و أوضح الأدب فيها مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، و قد تسرّى جارية روميّة اسمها هند صبيحة الابتناء بها: [السريع‏]

أوصيك بالشيخ أبي بكره‏* * *لا تأمنن في حالة مكره‏

* * *

و اجتنب الشّكّ إذا جئته‏* * *جنّبك الرحمن ما تكره‏

* * *

سيدي، لا زلت تتّصف بالوالج، بين الخلاخل و الدّمالج‏، و تركض فوقها ركض الهمالج‏ أخبرني كيف كانت الحال، و هل حطّت بالقاع من خير البقاع الرّحال، و أحكم بمرود المراودة الاكتحال، و ارتفع بالسّقيا الإمحال، و صحّ‏

____________

(1) قوله: «و الحمد للّه» ساقط في الريحانة.

(2) في النفح: «راقني».

(3) في النفح: «سحائب».

(4) في الريحانة: «وقى».

(5) ما بين قوسين ساقط في الريحانة.

(6) في الريحانة: «الطّية».

(7) في الأصل: «للسعود» و التصويب من المصادر.

(8) في الريحانة: «و مطابق».

(9) في الريحانة: «و يسمعني».

(10) في الريحانة: «عن».

(11) الإصحار: الخروج إلى الصحراء. محيط المحيط (صحر).

(12) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 309- 315).

(13) كلمة «فيها» غير واردة في النفح.

(14) الخلاخل: جمع خلخال و هو حلية تلبسها المرأة في ساقها. و الدمالج: جمع دملج و هي حلية تلبسها المرأة في ساعدها. و أراد هنا: بين الأيدي و الأرجل. لسان العرب (خلخل) و (دملج).

(15) الهمالج: جمع هملاج و هو الدابّة الحسنة السّير و السريعة. لسان العرب (هملج).

(16) المرود: الميل يكتحل به. محيط المحيط (رود).

381

الانتحال، و حصحص الحقّ و ذهب المحال، و قد طولعت بكل بشرى و بشر، و زفّت هند منك إلى بشر، فللّه من عشيّة تمتّعت من الربيع بفرش موشيّة، و ابتذلت‏ منها أي و ساد وحشية، و قد أقبل ظبي الكناس، من الدّيماس، و مطوق الحمام، من الحمّام، و قد حسّنت الوجه الجميل التّطرية، و أزيلت عن الفرع الأثيث الإبرية، و صقلت الخدود فهي‏ كأنها الأمرية، و سلّط الدّلك على الجلود، و أغريت النّورة بالشّعر المولود، و عادت الأعضاء يزلق عنها اللّمس، و لا تنالها البنان الخمس، و السّحنة يجول في صفحتها الفضّيّة ماء النعيم، و المسواك يلبّي من ثنيّة التّنعيم و القلب يرمي من الكفّ الرّقيم‏ بالمقعد المقيم، و ينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. و قد تفتّح ورد الخفر، و حكم لزنجي الظّفيرة بالظّفر، و اتّصف أمير الحسن بالصّدود المغتفر، و رشّ بماء الطّيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرّطيب. و أقبلت الغادة، يهديها اليمن و تزقّها السعادة، فهي تمشي على استحياء و قد ذاع طيب الريّا، و راق حسن المحيّا، حتى إذا نزع الخفّ، و قبّلت الأكفّ، و صخب‏ المزمار و تجاوب الدّف، و ذاع الأرج، و ارتفع الحرج، و تجوّز اللّوا و المنعرج، و نزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزّت الأرض و ربت، و عوصيت الطّباع البشرية فأبت. و للّه درّ القائل‏: [المتقارب‏]

و مرّت فقالت‏: متى نلتقي؟* * *فهشّ اشتياقا إليها الخبيث‏

* * *

و كاد يمزّق سرباله‏* * *فقلت: إليك يساق الحديث‏

* * *

فلمّا انسدل جنح الظلام، و انتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام‏، و خاطت خيوط المنام، عيون الأنام، تأتّى دنوّ الجلسة، و مسارقة الخلسة، ثم عضّة النهد، و قبلة الفم و الخدّ، و إرسال اليد من النّجد إلى الوهد،

____________

(1) في النفح: «و أبدلت منها أي آساد وحشية».

(2) في الأصل: «النظريّة». و تطرية الوجه: تحسينه و تزيينه. لسان العرب (طرا).

(3) الفرع: الشّعر. الأثيث: الكثير، و المراد هنا شعر الرأس. الإبرية: قشر الرأس يسقط عند المشط. محيط المحيط (فرع) و (أثث) و (برى).

(4) كلمة «فهي» غير واردة في النفح.

(5) الأمرية: المرايا، جمع مرآة.

(6) الرقيم: المزيّن. لسان العرب (رقم).

(7) في الأصل: «و صحب» و التصويب من النفح.

(8) البيتان لبشار بن برد، و هما في ديوانه (ص 289).

(9) في الديوان: «فقلت».

(10) أخذ عجز البيت من المثل: «إليك يساق الحديث». مجمع الأمثال (ج 1 ص 48).

(11) في النفح: «السلام».

382

و كانت الإمالة القليلة قبل المدّ، ثم الإفاضة فيما يغبط و يرغب، ثم الإماطة لما يشوّش و يشغب، ثم إعمال المسير، إلى السّرير: [الطويل‏]

و صرنا إلى الحسنى و رقّ كلامنا* * *و رضت فذلّت صعبة أيّ إذلال‏

* * *

هذا بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في حلّ‏ التّكة، و نزع الشّكة، و تهيئة الأرض العزاز عمل السّكة، ثم كان الوحي و الاستعجال، و حمي الوطيس و المجال، و علا الجزء الخفيف، و تضافرت الخصور الهيف، و تشاطر الطّبع العفيف، و تواتر التقبيل، و كان الأخذ الوبيل، و امتاز الأنوك من النّبيل، و منها جائر و على اللّه قصد السّبيل، فيا لها من نعم متداركة، و نفوس في سبيل القحة متهالكة، و نفس يقطّع حروف الحلق، و سبحان الذي يزيد في الخلق، و عظمت الممانعة، و كثرت باليد المصانعة، و طال التّراوغ و التّزاور، و شكي التجاور، و هنالك تختلف الأحوال، و تعظم الأهوال، و تخسر أو تربح الأموال، فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا، و نونة تصير تنينا، و بطل لم يهله‏ المعترك الهائل، و الوهم الزائل، و لا حال بينه و بين قرّته‏ الحائل، فتعدّى فتكة السّليك إلى فتكة البرّاض، و تقلّد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض، ثم شقّ الصفّ، و قد خضّب الكفّ، بعد أن كاد يصيب البريّ‏ بطعنته، و يبوء بمقت اللّه و لعنته‏: [الطويل‏]

طعنت ابن عبد اللّه طعنة ثائر* * *لها نفذ لو لا الشعاع أضاءها

* * *

و هناك هدأ القتال، و سكن الخبال، و وقع المتوقّع فاستراح البال، و تشوّف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتّوحيد بمبال، و كثر السؤال عن البال، بما بال، و جعل الجريح يقول: و قد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه: [البسيط]

إنّي له عن دمي المسفوك معتذر* * *أقول: حمّلته في سفكه تعبا

* * *

____________

(1) البيت لامرى‏ء القيس و هو في ديوانه (ص 32).

(2) في النفح: «و هذا».

(3) كلمة «حلّ» ساقطة في النفح.

(4) في الأصل: «الغرار» و التصويب من النفح، و الأرض العزاز: الأرض الصلبة. لسان العرب (عزز).

(5) في النفح: «التحاور».

(6) النونة: السمكة. لسان العرب (نون). و في النص كنايات تنطوي على الغمز و السخرية.

(7) في النفح: «يهمله».

(8) في النفح: «قرنه».

(9) الأزارقة: فرقة من فرق الخوارج منسوبة إلى نافع بن الأزرق. الملل و النحل (ج 1 ص 118).

(10) في النفح: «البوسى بطعنته».

(11) البيت لقيس بن الخطيم، و هو في ديوانه (ص 7).

383

و من‏ سنان عاد عنانا، و شجاع صار هدانا جبانا، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحيّة، و ماتت الغريزة الحيّة، و هناك يزيغ البصر، و يخذل المنتصر، و يسلم الأسر، و يغلب الحصر، و يجفّ اللّباب‏، و يظهر العاب‏، و يخفق الفؤاد، و يكبو الجواد، و يسيل العرق، و يشتدّ الكرب و الأرق، و ينشأ في محلّ الأمن الفرق، و يدرك فرعون الغرق، و يقوى اللّجاج و يعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلا شدّة، و لا تعرف تلك الجارحة المؤمنة إلّا ردّة: [الطويل‏]

إذا لم يكن عون من اللّه للفتى‏* * *فأكثر ما يجني عليه اجتهاده‏

* * *

فكم مغرى بطول اللّبث، و هو من الخبث، يؤمل الكرّة، ليزيل المعرّة، و يستنصر الخيال، و يعمل باليد الاحتيال: [الرجز]

إنك لا تشكو إلى مصمّت‏* * *فاصبر على الحمل الثّقيل أو مت‏

* * *

و معتذر بمرض أصابه، جرّعه أوصابه‏، و وجع طرقه، جلب أرقه، و خطيب أرتج عليه أحيانا، فقال: سيحدث اللّه بعد عسر يسرا و بعد عيّ بيانا، اللهمّ إنّا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها، و لم تسم‏ بالنّجيع أغفالها، و من معرّات الأقذار، و النكول عن الأبكار، و من النّزول عن البطون و السّرر، و الجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدّرر، و لا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، و تعلم منه كلال الأداة، و هو مجال فضحت فيه رجال، و فراش شكيت فيه أوجال، و أعملت رويّة و ارتجال. فمن قائل: [السريع‏]

أرفعه طورا على إصبعي‏* * *و رأسه مضطرب‏ أسفله‏

* * *

كالحنش المقتول يلقى على‏* * *عود لكي يطرح في مزبله‏

* * *

____________

(1) معطوفة على قوله فيما سبق: «فمن عصا تنقلب ثعبانا ...».

(2) كلمة «هدانا» غير واردة في النفح.

(3) في النفح: «اللعاب».

(4) العاب: العيب. محيط المحيط (عيب).

(5) في النفح: «الجائحة».

(6) في النفح: «فأول».

(7) الأوصاب: جمع وصب و هو المرض. لسان العرب (وصب).

(8) في النفح: «و لم تتّسم».

(9) في الأصل: «أعفالها» و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «الأقدار» بالدال المهملة، و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «مضطربة» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

384

أو قائل‏: [السريع‏]

عدمت من أيري قوى حسّه‏* * *يا حسرة المرء على نفسه‏

* * *

تراه قد مال على أصله‏* * *كحائط خرّ على أسّه‏

* * *

و قائل: [الطويل‏]

أ يحسدني إبليس داءين أصبحا* * *برجلي و رأسي دمّلا و زكاما؟

* * *

فليتهما كانا به و أزيده‏* * *رخاوة أير لا يريد قياما

* * *

و قائل: [الطويل‏]

أقول لأيري و هو يرقب فتكة* * *به: خبت من أير و عالتك‏ داهيه‏

* * *

إذا لم يك للأير بخت تعذّرت‏* * *عليه وجوه النيك‏ من كلّ ناحيه‏

* * *

و قائل: [الطويل‏]

تعقّف‏ فوق الخصيتين كأنه‏* * *رشاء إلى جنب الركيّة ملتفّ‏

* * *

كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسه‏* * *إلى أبويه ثم يدركه الضّعف‏

* * *

و قائل: [الطويل‏]

تكرّش أيري بعدما كان أملسا* * *و كان غنيّا من قواه فأفلسا

* * *

و صار جوابي للمها أن مررن بي‏* * *«مضى الوصل إلّا منية تبعث الأسى»

* * *

و قائل: [الطويل‏]

بنفسي من حيّيته فاستخفّ بي‏* * *و لم يخطر الهجران منه‏ على بالي‏

* * *

و قابلني بالغور و النّجد بعدما* * *حططت به رحلي‏ و جرّدت سربالي‏

* * *

و ما أرتجي من موسر فوق دكّة* * *عرضت له شيئا من الحشف البالي‏

* * *

____________

(1) في النفح: «و قائل».

(2) في النفح: «لا يطيق».

(3) بعد هذا البيت جاء في النفح البيت التالي:

إذا نهضت للنيك أزباب معشر* * *توسّد إحدى خصيتيه و ناما

* * *

(4) في الأصل: «و غالتك» و التصويب من النفح.

(5) بياض في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(6) في الأصل: «تعفّف» و التصويب من النفح.

(7) في النفح: «يوما».

(8) في الأصل: «بال» و التصويب من النفح.

(9) في الأصل: «و قابلني بالهزء و النجة» و التصويب من النفح.

(10) في الأصل: «رجلي» و التصويب من النفح.

(11) في النفح: «تكّة»، و هما بمعنى واحد.

385

علل‏ لا تزال تبكى، و علل على الدهر تشكى، و أحاديث تقصّ و تحكى، فإن كنت أعزّك اللّه من النّمط الأول، و لم تقل: [الطويل‏]

و هل عند رسم دارس من معوّل‏

فقد جنيت الثّمر، و استطبت السّمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، و اخرج على قومك في ثياب الزّينة، و استبشر بالوفود، و عرّف المسمع عازفة الجود، و تبجّح بصلابة العود، و إنجاز الوعود، و اجن رمّان النّهود، من أغصان القدود، و اقطف ببنان اللّثم أقاح الثّغور و ورد الخدود، و إن كانت الأخرى، فأخف الكمد، و ارض الثمد، و انتظر الأمد، و أكذب التوسّم، و استعمل التّبسّم، و استكتم النّسوة، و أفض فيهنّ الرّشوة، و تقلّد المغالطة و ارتكب، و جى‏ء على قميصك‏ بدم كذب، و استنجد الرحمن، و استعن على أمورك‏ بالكتمان:

[الكامل‏]

لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر* * *حاليك في السّرّاء و الضّرّاء

* * *

فلرحمة المتفجّعين حرارة* * *في القلب مثل شماتة الأعداء

* * *

و انتشق الأرج، و ارتقب الفرج، فكم غمام طبّق و ما همى‏، وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏، و املك بعدها عنان نفسك حتى تمكّنك الفرصة، و ترفع إليك القصّة، و لا تشتره‏ إلى عمل لا تفي‏ء منه بتمام، و خذ عن إمام، و للّه درّ عروة بن حزام‏: [الكامل‏]

اللّه يعلم ما تركت قتالهم‏* * *حتى رموا مهري بأشقر مزبد

* * *

و علمت أني إن أقاتل دونهم‏* * *أقتل و لم يضرر عدوّي مشهدي‏

* * *

ففررت منهم و الأحبّة فيهم‏* * *طمعا لهم بعقاب يوم مفسد

* * *

____________

(1) في النفح: «هموم».

(2) هو عجز بيت لامرى‏ء القيس، و صدره:

و إنّ شفائي عبرة إن سفحتها

ديوان امرئ القيس (ص 9).

(3) يشير إلى زهوه فيشبهه بقارون.

(4) في الأصل: «عارفة» و التصويب من النفح.

(5) في النفح: «قميصه».

(6) في النفح: «أمرك».

(7) في النفح: «في الضرّاء و السرّاء».

(8) في النفح: «غمام طما».

(9) سورة الأنفال 8، الآية 17.

(10) في النفح: «و لا تسرع».

(11) في النفح: «درّ الحارث بن هشام».

386

و اللّبانات تلين و تجمح، و المآرب تدنو و تنزح، و تحرن ثم تسمح‏، و كم من شجاع خام‏، و يقظ نام، و دليل أخطأ الطريق، و أضلّ الفريق، و اللّه عزّ و جلّ يجعلها خلّة موصولة، و شملا أكنافه بالخير مشمولة، و بنية أركانها لركاب‏ اليمن مأمولة، حتى يكثر خدم سيدي و جواريه، و أسرته و سراريه، و تضفو عليه نعمة باريه، ما طورد قنيص، و اقتحم عيص‏، و أدرك مرام عويص‏، و أعطي زاهد و حرم حريص، و السّلام.

تواليفه: شرح‏ القصيدة المسماة بالبردة شرحا بديعا، دلّ فيه على انفساح ذرعه، و تفنّن إدراكه، و غزارة حفظه. و لخّص كثيرا من كتب ابن رشد.

و علّق للسلطان أيام نظره في العلوم‏ العقلية تقييدا مفيدا في المنطق، و لخّص محصّل الإمام فخر الدين ابن الخطيب‏ الرازي. و بذلك‏ داعبته أول لقية لقيته‏ [ببعض منازل الأشراف، في سبيل المبرّة بمدينة فاس،] فقلت له:

لي عليك مطالبة، فإنك لخّصت «محصّلي». و ألّف كتابا في الحساب. و شرع في هذه الأيام في شرح الرّجز الصادر عني في أصول الفقه، بشي‏ء لا غاية وراءه‏ في الكمال. و أمّا نثره و سلطانيّاته، مرسلها و مسجعها، فخلج بلاغة، و رياض فنون، و معادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجري‏ء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، و قرب العهد بجرية المداد، و نفوذ أمر القريحة، و استرسال الطبع.

و أما نظمه، فنهض لهذا العهد قدما في ميدان الشّعر، و أغري‏ نقده باعتبار أساليبه؛ فانثال عليه جوّه، و هان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة. من‏ ذلك قوله يخاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين و ستين و سبعمائة

____________

(1) تسمح: هنا بمعنى تلين.

(2) خام: جبن. محيط المحيط (خيم).

(3) في النفح: «لركائب».

(4) في النفح: «تكثر».

(5) في النفح: «نعم».

(6) العيص: الشجر الكثير الملتفّ. لسان العرب (عيص).

(7) العويص: الصعب. لسان العرب (عوص).

(8) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 315- 316).

(9) في النفح: «شرح البردة ...».

(10) في النفح: «في العقليات».

(11) في النفح: «فخر الدين الرازي».

(12) في النفح: «و به».

(13) في النفح: «أول لقيه».

(14) ما بين قوسين ساقط في النفح.

(15) في النفح: «فوقه».

(16) في النفح: «و سلطانياته السجعية».

(17) في النفح: «الشّعر، و نقده ...».

(18) في النفح: «غريبة. خاطب السلطان ...».

387

بقصيدة طويلة: [الكامل‏]

أسرفن في هجري و في تعذيبي‏* * *و أطلن موقف عبرتي و تحيبي‏

* * *

و أبين يوم البين موقف‏ ساعة* * *لوداع مشغوف الفؤاد كئيب‏

* * *

للّه عهد الظّاعنين و غادروا* * *قلبي رهين صبابة و وجيب‏

* * *

غربت ركائبهم و دمعي سافح‏* * *فشرقت بعدهم بماء غروبي‏

* * *

يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم‏* * *رحماك في عذلي و في تأنيبي‏

* * *

يستعذب الصّبّ الملام و إنني‏* * *ماء الملام لديّ غير شريب‏

* * *

ما هاجني طرب و لا اعتاد الجوى‏* * *لو لا تذكّر منزل و حبيب‏

* * *

أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا* * *للبدر منهم أو كناس ربيب‏

* * *

عبثت بها أيدي البلى و تردّدت‏* * *في عطفها للدهر آي خطوب‏

* * *

تبلى معاهدها و إنّ عهودها* * *ليجدّها وصفي و حسن نسيبي‏

* * *

و إذا الديار تعرّضت لمتيّم‏* * *هزّته ذكراها إلى التّشبيب‏

* * *

إيه على الصّبر الجميل فإنه‏* * *ألوى‏ بدين فؤادي المنهوب‏

* * *

لم أنسها و الدهر يثني صرفه‏* * *و يغضّ طرفي حاسد و رقيب‏

* * *

و الدار مونقة محاسنها بما* * *لبست من الأيام كلّ قشيب‏

* * *

يا سائق الأظعان تعتسف الفلا* * *و تواصل الإسآد بالتّأويب‏

* * *

متهافتا عن رحل كلّ مذلّل‏* * *نشوان من أين و مسّ لغوب‏

* * *

تتجاذب النّفحات فضل ردائه‏* * *في ملتقاها من صبا و جنوب‏

* * *

____________

(1) في النفح: «طويلة أولها» و القصيدة في التعريف بابن خلدون (ص 70- 72) و نفح الطيب (ج 8 ص 316- 317).

(2) في النفح: «وقفة».

(3) الظاعنون: الراحلون. الوجيب: خفقان القلب و اضطرابه. لسان العرب (ظعن) و (وجب).

(4) الغروب: جمع غرب و هو عرق في العين يسيل منه الدمع. لسان العرب (غرب).

(5) الشريب: الماء دون العذب. محيط المحيط (شرب).

(6) ألوى: أنكر؛ يقال: ألوى بحقّه إذا جحده إياه. محيط المحيط (لوى).

(7) القشيب: الجديد. لسان العرب (قشب).

(8) في الأصل: «الآساد»، و التصويب من النفح. و الإسآد: سير الليل كله بغير تعريس. لسان العرب (سأد).

(9) التأويب: سير النهار كله إلى الليل. لسان العرب (أوب).

388

إن هام من ظمإ الصّبابة صحبه‏* * *نهلوا بمورد دمعه المسكوب‏

* * *

في كلّ شعب منية من دونها* * *هجر الأماني أو لقاء شعوب‏

* * *

هلّا عطفت صدورهنّ إلى التي‏* * *فيها لبانة أعين و قلوب‏

* * *

فتؤمّ من أكناف يثرب مأمنا* * *يكفيك ما تخشاه من تثريب‏

* * *

حيث النبوّة آيها مجلوّة* * *تتلو من الآثار كلّ غريب‏

* * *

سرّ غريب لم تحجّبه‏ الثّرى‏* * *ما كان سرّ اللّه بالمحجوب‏

* * *

يا سيّد الرّسل الكرام ضراعة* * *تقضي منى‏ نفسي و تذهب حوبي‏

* * *

عاقت ذنوبي عن جنابك و المنى‏* * *فيها تعلّلني بكل كذوب‏

* * *

لا كالألى‏ صرفوا العزائم للتّقى‏* * *فاستأثروا منها بخير نصيب‏

* * *

لم يخلصوا للّه حتى فرّقوا* * *في اللّه بين مضاجع و جنوب‏

* * *

هب لي شفاعتك التي أرجو بها* * *صفحا جميلا عن قبيح ذنوبي‏

* * *

إنّ النجاة و إن أتيحت لامرى‏ء* * *فبفضل جاهك ليس بالتّسبيب‏

* * *

إني دعوتك واثقا بإجابتي‏* * *يا خير مدعوّ و خير مجيب‏

* * *

قصّرت في مدحي فإن يك طيّبا* * *فبما لذكرك من أريج الطّيب‏

* * *

ما ذا عسى يبغي المطيل و قد حوى‏* * *في مدحك القرآن كلّ مطيب‏

* * *

يا هل تبلّغني الليالي زورة* * *تدني إليّ الفوز بالمرغوب؟

* * *

أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها* * *و أحطّ أوزاري و إصر ذنوبي‏

* * *

في فتية هجروا المنى و تعوّدوا* * *إنضاء كلّ نجيبة و نجيب‏

* * *

يطوي صحائف ليلهم فوق الفلا* * *ما شئت من خبب و من تقريب‏

* * *

____________

(1) بعد هذا البيت جاء في نفح الطيب البيت التالي:

أو تعترض مسراهم سدف الدّجى‏* * *صدعوا الدّجى بغرامه المشبوب‏

* * *

(2) في النفح: «يحجّبه».

(3) في الأصل: «من» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) الحوب: الذنب و الإثم. محيط المحيط (حوب).

(5) في الأصل: «كاللآلى‏ء» و هكذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) الأوزار: جمع وزر و هو الذّنب. الإصر: ثقل الذنب. لسان العرب (وزر) و (أصر).

(7) أنضى ناقته: حملها على السير حتى أهزلها. النجيبة: الناقة الحسنة السير بسرعة. لسان العرب (نضا) و (نجب).

(8) الخبب و التقريب: ضربان من السير السريع. لسان العرب (خبب) و (قرب).

389

إن رنّم الحادي بذكرك ردّدوا* * *أنفاس مشتاق إليك طروب‏

* * *

أو غرّد الرّكب الخليّ بطيبة* * *حنّوا لمغناها حنين النّيب‏

* * *

ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم‏* * *إرث الخلافة في بني يعقوب‏

* * *

الطاعنون الخيل و هي عوابس‏* * *يغشى مثار النّقع كلّ سبيب‏

* * *

و الواهبون المقربات هواتنا* * *من كلّ خوّار العنان لعوب‏

* * *

و المانعون الجار حتى عرضهم‏* * *في منتدى الأعداء غير معيب‏

* * *

تخشى بوادرهم و يرجى حلمهم‏* * *و العزّ شيمة مرتجى و مهيب‏

* * *

و منها بعد كثير:

سائل به طامي العباب و قد سرى‏* * *تزجى بريح‏ العزم ذات هبوب‏

* * *

تهديه شهب أسنّة و عزائم‏* * *يصدعن ليل الحادث المرهوب‏

* * *

حتى انجلت ظلم الضّلال بسعيه‏* * *و سطا الهدى بفريقها المغلوب‏

* * *

يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقى‏* * *و استأثروك بتاجها المعصوب‏

* * *

جمعوا بحفظ الدين آي مناقب‏* * *كرموا بها في مشهد و مغيب‏

* * *

للّه مجدك طارفا أو تالدا* * *فلقد شهدنا منه كلّ عجيب‏

* * *

كم رهبة أو رغبة لك و العلا* * *تقتاد بالتّرغيب و التّرهيب‏

* * *

لا زلت مسرورا بأشرف دولة* * *يبدو الهدى من أفقها المرقوب‏

* * *

تحيي المعالي غاديا أو رائحا* * *و جديد سعدك ضامن المطلوب‏

* * *

و قال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هديّة ملك السودان‏، و فيها الحيوان الغريب المسمى بالزّرافة: [الكامل‏]

قدحت يد الأشواق من زندي‏* * *و هفت بقلبي زفرة الوجد

* * *

و نبذت سلواني على ثقة* * *بالقرب فاستبدلت بالبعد

* * *

و لربّ وصل كنت آمله‏* * *فاعتضت منه مؤلم الصّدّ

* * *

لا عهد عند الصبر أطلبه‏* * *إنّ الغرام أضاع من عهدي‏

* * *

____________

(1) السبيب: شعر ذنب الفرس أو عرفه. محيط المحيط (سبب).

(2) المقربات: الخيل. خوّار العنان: ليّن العطف. لسان العرب (قرب) و (خور).

(3) في النفح: «و منها».

(4) في التعريف بابن خلدون: «تزجيه ريح».

(5) في النفح: «السودان إليه، و فيها الزرافة».

(6) القصيدة في التعريف بابن خلدون (ص 74- 75) و نفح الطيب (ج 8 ص 319- 321).

390

يلحى العذول فما أعنّفه‏* * *و أقول: ضلّ فأبتغي رشدي‏

* * *

و أعارض النّفحات أسألها* * *برد الجوى فتزيد في الوقد

* * *

يهدي الغرام إلى مسالكها* * *لتعلّلي بضعيف ما تهدي‏

* * *

يا سائق الوجناء معتسفا* * *طيّ الفلاة لطيّة الوجد

* * *

أرح الرّكاب ففي الصّبا نبأ* * *يغني عن المستنّة الجرد

* * *

و سل الرّبوع برامة خبرا* * *عن ساكني نجد و عن نجد

* * *

ما لي تلام على الهوى خلقي‏* * *و هي التي تأبى سوى الحمد

* * *

لأبيت إلّا الرّشد مذ وضحت‏* * *بالمستعين معالم الرّشد

* * *

نعم الخليفة في هدى و تقى‏* * *و بناء عزّ شامخ الطّود

* * *

نجل السّراة الغرّ شأنهم‏* * *كسب العلا بمواهب الوجد

* * *

و منها في ذكر خلوصه إليه، و ما ارتكبه فيه‏:

للّه منّي إذ تأوّبني‏* * *ذكراه و هو بشاهق فرد

* * *

شهم يفلّ بواترا قضبا* * *و جموع أقيال أولي أيد

* * *

أوريت زند العزم في طلبي‏* * *و قضيت حقّ المجد من قصدي‏

* * *

و وردت عن ظمإ مناهلة* * *فرويت من عزّ و من رفد

* * *

هي جنّة المأوى لمن كلفت‏* * *آماله بمطالب المجد

* * *

لو لم أعلّ بورد كوثرها* * *ما قلت: هذي جنّة الخلد

* * *

من مبلغ قومي و دونهم‏* * *قذف النّوى و تنوفة البعد

* * *

أني أنفت على رجائهم‏* * *و ملكت عزّ جميعهم و حدي‏

* * *

____________

(1) في التعريف بابن خلدون: «الأضعان».

(2) المستنّة: الفرس الذي يقبل و يدبر في ركضه. الجرد: جمع أجرد و هو القصير الشعر. لسان العرب (سنن) و (جرد).

(3) في الأصل: «الخليقة» و التصويب من المصدرين.

(4) اكتفى في النفح بالقول: «و منها».

(5) في الأصل: «بواتر» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(6) الأيد: القوة. لسان العرب (أيد).

(7) الرّفد: العطاء. لسان العرب (رفد).

(8) التنوفة: الأرض البعيدة الواسعة التي لا ماء فيها. لسان العرب (تنف).

391

و منها:

و رقيمة الأعطاف حالية* * *موشيّة بوشائح‏ البرد

* * *

و حشيّة الأنساب ما أنست‏* * *في موحش البيداء بالقود

* * *

تسمو بجيد بالغ صعدا* * *شرف الصّروح بغير ما جهد

* * *

طالت رؤوس الشامخات به‏* * *و لربما قصرت عن الوهد

* * *

قطعت إليك تنائفا وصلت‏* * *آسادها بالنّصّ و الوخد

* * *

تخدي‏ على استصعابها ذللا* * *و تبيت طوع القنّ و القدّ

* * *

بسعودك اللائي ضمنّ لنا* * *طول الحياة بعيشة رغد

* * *

جاءتك في وفد الأحابش لا* * *يرجون غيرك مكرم الوفد

* * *

وافوك أنضاء تقلّبهم‏* * *أيدي السّرى بالغور و النّجد

* * *

كالطّيف يستقري مضاجعه‏* * *أو كالحسام يسلّ من غمد

* * *

يثنون بالحسنى التي سبقت‏* * *من غير إنكار و لا جحد

* * *

و يرون لحظك من وفادتهم‏* * *فخرا على الأتراك و الهند

* * *

يا مستعينا جلّ في شرف‏* * *عن رتبة المنصور و المهدي‏

* * *

جازاك ربّك عن خليقته‏* * *خير الجزاء فنعم ما يسدي‏

* * *

و بقيت للدنيا و ساكنها* * *في عزّة أبدا و في سعد

* * *

و قال يخاطب‏ صدر الدولة فيما يظهر من غرض المنظوم‏: [الكامل‏]

يا سيّد الفضلاء دعوة مشفق‏* * *نادى لشكوى البثّ خير سميع‏

* * *

ما لي و للإقصاء بعد تعلّة* * *بالقرب كنت لها أجلّ شفيع‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «بوشائج» و التصويب من النفح.

(2) هكذا في التعريف بابن خلدون. و في النفح: «بالقرد».

(3) في النفح: «إسآدها».

(4) النص و الوخد: ضربان من السير السريع. لسان العرب (نعص) و (خدد).

(5) في الأصل: «تحدى»، و التصويب من النفح.

(6) خدى الفرس و البعير يخدي: يسرع. الذّلل: جمع ذلول و هي التي ريضت حتى سهل قيادها.

و القنّ و القدّ: أراد بهما ما تربط به من حبل و نحوه. لسان العرب (خدى) و (ذلل) و (قنن) و (قدد).

(7) في النفح: «ما تسدي».

(8) في النفح: «و قال يخاطب عمر بن عبد اللّه ملك المغرب».

(9) القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 321- 322).

392

و أرى الليالي رنّقت لي صافيا* * *منها فأصبح في الأجاج شروعي‏

* * *

و لقد خلصت إليك بالقرب التي‏* * *ليس الزمان لشملها بصدوع‏

* * *

و وثقت منك بأيّ وعد صادق‏* * *إني المصون و أنت غير مضيع‏

* * *

و سما بنفسي للخليفة طاعة* * *دون الأنام هواك قبل نزوع‏

* * *

حتى انتحاني الكاشحون بسعيهم‏* * *فصددتهم عني و كنت منيعي‏

* * *

رغمت نفوسهم‏ بنجح وسائلي‏* * *و تقطّعت أنفاسهم بصنيعي‏

* * *

و بغوا بما نقموا عليّ خلائقي‏* * *حسدا فراموني بكلّ شنيع‏

* * *

لا تطمعنّهم ببذل في التي‏* * *قد صنتها عنهم بفضل قنوعي‏

* * *

أنّى أضام و في يدي القلم الذي‏* * *ما كان طيّعه لهم بمطيع‏

* * *

ولي الخصائص ليس تأبى رتبة* * *حسبي بعلمك‏ ذاك من تفريعي‏

* * *

قسما بمجدك و هو خير أليّة* * *أعتدّها لفؤادي المصدوع‏

* * *

إني لتصطحب الهموم بمضجعي‏* * *فتحول ما بيني و بين هجوعي‏

* * *

عطفا عليّ بوحدتي عن معشر* * *نفث الإباء صدودهم في روعي‏

* * *

أغدو إذا باكرتهم متجلّدا* * *و أروح أعثر في فضول دموعي‏

* * *

حيران أوجس عند نفسي خيفة* * *فتسرّ في الأوهام كلّ مروع‏

* * *

أطوي على الزّفرات قلبا إدّه‏* * *حمل الهموم تجول بين ضلوعي‏

* * *

و لقد أقول لصرف دهر رابني‏* * *بحوادث جاءت على تنويع‏

* * *

مهلا عليك فليس خطبك ضائري‏* * *فلقد لبست له أجنّ دروع‏

* * *

إني ظفرت بعصمة من أوحد* * *بذّ الجميع بفضله المجموع‏

* * *

و أنشد السلطان أمير المسلمين أبا عبد اللّه ابن أمير المسلمين أبا الحجاج، لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم، من عام أربعة و ستين و سبعمائة: [البسيط]

حيّ المعاهد كانت قبل تحييني‏* * *بواكف الدمع يرويها و يظميني‏

* * *

إنّ الألى نزحت داري و دارهم‏* * *تحمّلوا القلب في آثارهم دوني‏

* * *

____________

(1) رنّقت: كدّرت. الأجاج: الملح الأجاج و هو الشديد الملوحة. لسان العرب (رنق) و (أجج).

(2) في النفح: «أنوفهم».

(3) في النفح: «بعلمي».

(4) الأليّة: القسم. لسان العرب (ألا).

(5) في النفح: «آده».

(6) أجنّ دروع: أكثرها وقاية. لسان العرب (جنن).

(7) القصيدة في التعريف بابن خلدون (ص 85- 86) و نفح الطيب (ج 8 ص 324- 326).

393

وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم‏* * *فيهم و أسأل رسما لا يناجيني‏

* * *

أمثّل الرّبع من شوق و ألثمه‏* * *و كيف و الفكر يدنيه و يقصيني‏

* * *

و ينهب الوجد منّي كلّ لؤلؤة* * *ما زال جفني‏ عليها غير مأمون‏

* * *

سقت جفوني مغاني الرّبع بعدهم‏* * *فالدمع وقف على أطلاله الجون‏

* * *

قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل‏* * *لو أنّ قلبي إلى السّلوان يدعوني‏

* * *

أحبابنا، هل لعهد الوصل مدّكر* * *منكم و هل نسمة منكم تحيّيني؟

* * *

ما لي و للطّيف لا يعتاد زائره‏* * *و للنسيم عليلا لا يداويني‏

* * *

يا أهل نجد، و ما نجد و ساكنها* * *حسنا سوى جنّة الفردوس و العين‏

* * *

أعندكم أنّني ما مرّ ذكركم‏* * *إلّا انثنيت كأنّ الرّاح تثنيني‏

* * *

أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم‏* * *شوقا، و لولاكم ما كان يصبيني‏

* * *

يا نازحا و المنى تدنيه من خلدي‏* * *حتى لأحسبه قربا يناجيني‏

* * *

أسلى هواك فؤادي عن سواك و ما* * *سواك يوما بحال عنك يسليني‏

* * *

ترى الليالي أنستك ادّكاري يا* * *من لم يكن ذكره الأيام تنسيني‏

* * *

و منها في ذكر التفريط:

أبعد مرّ الثلاثين التي ذهبت‏* * *أولي الشّباب بإحساني و تحسيني‏

* * *

أضعت فيها نفيسا ما وردت به‏* * *إلّا سراب غرور ليس يروّيني‏

* * *

وا حسرتا من أمان‏ كلّها خدع‏* * *تريش غيّي و مرّ الدّهر يبريني‏

* * *

و منها في وصف المشور المبتنى‏ لهذا العهد:

يا مصنعا شيّدت منه السّعود حمى‏* * *لا يطرق الدهر مبناه بتوهين‏

* * *

صرح يحار لديه الطّرف مفتتنا* * *فما يروقك من شكل و تلوين‏

* * *

____________

(1) في التعريف بابن خلدون: «قلبي».

(2) العين: جمع عيناء و هي الواسعة العينين. لسان العرب (عين).

(3) يصبيني: يجعلني أصبو. لسان العرب (صبا).

(4) في النفح: «وا حسرتي».

(5) في الأصل: «أمانيّ» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) المشور: المكان الذي يجلس فيه السلطان للحكم.

(7) في النفح: «المبني».

(8) في النفح: «و تكوين».

394

بعدا لإيوان كسرى إنّ مشورك السّ‏* * *امي لأعظم من تلك الأواوين‏

* * *

و دع دمشق و مغناها فقصرك ذا* * *«أشهى إلى القلب من أبواب جيرون»

* * *

و منها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه من المغرب لأجله‏:

من مبلغ عنّي الصّحب الألى جهلوا* * *ودّي و ضاع حماهم إذ أضاعوني‏

* * *

أني أويت من العليا إلى حرم‏* * *كادت مغانيه بالبشرى تحيّيني‏

* * *

و إنني ظاعن لم ألق بعدهم‏* * *دهرا أشاكي و لا خصما يشاكيني‏

* * *

لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ* * *أقلّب الطّرف بين الخوف و الهون‏

* * *

سقيا و رعيا لأيامي التي ظفرت‏* * *يداي منها بحظّ غير مغبون‏

* * *

أرتاد منها مليّا لا يماطلني‏* * *وعدا و أرجو كريما لا يعنّيني‏

* * *

و هاك منها قواف طيّها حكم‏* * *مثل الأزاهر في طيّ الرياحين‏

* * *

تلوح إن جليت درّا، و إن تليت‏* * *تثني عليك بأنفاس البساتين‏

* * *

عانيت منها بجهدي كلّ شاردة* * *لو لا سعودك ما كانت تواتيني‏

* * *

يمانع الفكر عنها ما تقسّمه‏* * *من كلّ‏ حزن بطيّ الصّدر مكنون‏

* * *

لكن بسعدك ذلّت لي شواردها* * *فرضت منها بتحبير و تزيين‏

* * *

بقيت دهرك في أمن و في دعة* * *و دام ملكك في نصر و تمكين‏

* * *

و هو الآن قد بدا له في التّحول طوع أمل ثاب له في الأمير أبي عبد اللّه ابن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص، لما عاد إليه ملك بجاية، و طار إليه بجناح شراع تفيّأ ظلّه، و صكّ من لدنه رآه مستقرّا عنده، يدعّم ذلك بدعوى تقصير خفيّ أحسّ به، و جعله علّة منقلبة، و تجنّ سار منه في مذهبه و ذلك في ... من عام ثمانية و ستين و سبعمائة. و لما بلغ بجاية صدق رأيه، و نجحت مخيّلته، فاشتمل عليه أميرها، و ولّاه‏

____________

(1) في النفح: «انصرافه بسببه».

(2) لا يعنّيني: لا يتعبني. لسان العرب (عنى). و جاء في النفح بعد هذا البيت كلمة «و منها» و أورد الأبيات التالية.

(3) تواتيني: توافقني، تسعفني.

(4) كلمة «كل» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من المصدرين.

(5) الشوارد: جمع شاردة، و أصلها الدابّة التي تنفر من راكبها و تصعب عليه فلا يزال يروّضها و يذلّلها حتى يسلس له قيادها، و المراد هنا القوافي التي يصعب على الشعراء الإتيان بها.

و التحبير هنا: التحسين. لسان العرب (شرد) و (حبر).

(6) بياض في الأصل.

(7) بياض في الأصل.

395

الحجابة بها. و لم ينشب أن ظهر عليه ابن عمّه الأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، و تملّك البلدة بعد مهلكه، و أجرى المترجم به على رسمه بما طرق إليه الظّنّة بمداخلته في الواقع. ثم ساء ما بينه و بين الأمير أبي العباس، و انصرف عنه، و استوطن بسكرة، متحوّلا إلى جوار رئيسها أبي العباس بن مزنى، متعلّلا برفده إلى هذا العهد.

و خاطبته برسالة في هذه الأيام، تنظر في اسم المؤلّف في آخر الديوان.

مولده: بمدينة تونس بلده، حرسها اللّه، في شهر رمضان من عام اثنين و ثلاثين و سبعمائة.

عبد الرحمن بن الحاج بن القميي الإلبيري‏

حاله: كان شاعرا مجيدا، هجا القاضي أبا الحسن بن توبة، قاضي غرناطة، و من نصره من الفقهاء، فضربه القاضي ضربا و جيعا، و طيف به على الأسواق بغرناطة، فقال فيه الكاتب أبو إسحاق الإلبيري الزاهد، و كان يومئذ كاتبا للقاضي المذكور، الأبيات الشهيرة: [البسيط]

السّوط أبلغ من قول و من قيل‏* * *و من نباح سفيه بالأباطيل‏

* * *

من الدّار كحرّ النار أبراه‏* * *يعقل التقاضي أي تعقيل‏

* * *

عبد الرحمن بن يخلفتن بن أحمد بن تفليت الفازازي‏

يكنى أبا زيد.

حاله: كان حافظا، نظّارا، ذكيا، ذا حظّ وافر من معرفة أصول الفقه و علم الكلام، و عناية بشأن الرّواية، متبذّلا في هيئته و لباسه، قلّما يرى راكبا في حضر إلّا لضررة، فاضلا، سنيّا، شديد الإنكار و الإنحاء على أهل البدع، مبالغا في التحذير منهم، عامر الإتاء، يطلب العلم شغفا به و انطباعا إليه و حبّا فيه و حرصا عليه، آية من آيات اللّه في سرعة البديهة، و ارتجال النّظم و النّثر، و فور مادّة، و موالاة استعمال، لا يكاد يقيد، و لا يصرفه عنه إلّا نسخ أو مطالعة علم، أو مذاكرة فيه، حتى صار له‏

____________

(1) كذا جاء في نفح الطيب (ج 8 ص 326). و في الضوء اللامع للسخاوي (ج 4 ص 145) و الأعلام للزركلي (ج 3 ص 330) أن وفاته سنة 808 ه.

(2) ترجمة عبد الرحمن الفازازي في التكملة (ج 3 ص 47) و المقتضب من كتاب تحفة القادم (ص 163) و بغية الوعاة (ص 304) و نفح الطيب (ج 6 ص 225) و (ج 10 ص 340) و اختصار القدح المعلى (ص 203) و جاء فيه أنه «الفزاريّ».

396

ملكة. لا يتكلف معها الإنشاء، مع الإجادة و تمكّن البراعة. و كان متلبّسا بالكتابة عن الولاة و الأمراء، ملتزما بذلك، كارها له، حريصا على الانقطاع عنه، و اختصّ بالسيد أبي إسحاق بن المنصور، و بأخيه أبي العلاء، و بملازمتهما استحقّ الذّكر فيمن دخل غرناطة، إذ عدّ ممّن دخلها من الأمراء.

مشيخته: روى عن أبيه أبي سعيد، و أبي الحسن جابر بن أحمد، و ابن عتيق بن مون، و أبي الحسن بن الصائغ، و أبي زيد السّهيلي‏، و أبي عبد اللّه التّجيبي، و أبي عبد اللّه بن الفخّار، و أبي محمد بن عبيد اللّه، و أبي المعالي محمود الخراساني، و أبي الوليد بن يزيد بن بقي‏ و غيرهم. و روى عنه ابنه أبو عبد اللّه، و أبو بكر بن سيّد الناس، و ابن مهدي، و أبو جعفر بن علي بن غالب، و أبو العباس بن علي بن مروان، و أبو عمرو بن سالم، و أبو القاسم عبد الرحيم بن سالم، و ابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن سالم، و أبو القاسم عبد الكريم بن عمران، و أبو يحيى بن سليمان بن حوط اللّه، و أبو محمد بن قاسم الحرار، و أبو الحسن الرّعيني، و أبو علي الماقري.

تواليفه و منظوماته: له المعشّرات الزّهدية التي ترجمها بقوله: «المعشرات الزهدية، و المذكرات الحقيقية الجدّية، ناطقة بألسنة الوجلين المشفقين، شائقة إلى مناهج السّالكين المستبقين، نظمها متبرّكا بعبادتهم، متيمنا بأغراضهم و إشاراتهم، قابضا عنان الدّعوى عن مداناتهم و مجاراتهم، مهتديا إهداء السّنن الخمس بالأشعّة الواضحة من إشاراتهم، مخلّدا دون أفقهم العالي إلى حضيضه، جامعا لحسن أقواله و قبح أفعاله بين الشّي‏ء و نقيضيه عبد الرحمن». و له «المعشّرات الحبّية، و ترجمتها النّفحات القلبيّة، و اللّفحات الشّوقية، منظومة على ألسنة الذاهبين وجدا، الذّائبين كمدا و جهدا، الذين غربوا و بقيت أنوارهم، و احتجبوا و ظهرت آثارهم، و نطقوا و صمتت أخبارهم، و وفّوا العبودية حقّها، و محضوا المحبّة مستحقّها، نظم من نسج على منوالهم، و لم يشاركهم إلّا في أقوالهم فلان». و القصائد، في مدح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، التي كل قصيدة منها عشرون بيتا، و ترجمتها الوسائل المتقبّلة، و الآثار المسلمة المقبلة، مودعة في العشرنية النبوية، و الحقائق اللّفظية و المعنوية، نظم من اعتقدها من أزكى الأعمال، و أعدّها لما يستقبله من مدهش الأهوال، و فرع خاطره لها على توالي القواطع و تتابع الأشغال، و رجال بركة خاتم الرّسالة، و غاية السّؤدد و الجلالة، محو ما

____________

(1) في بغية الوعاة: «أبي القاسم السهيلي».

(2) في التكملة: «عن أبي الوليد بن يزيد بن عبد الرحمن بن بقي».

397

لسلفه من خطأ في الفعل، و زلل في المقال، و اللّه سبحانه وليّ القبول للتّوبة، و المنّان بتسويغ هذه المنّة المطلوبة، فذلك يسير في جنب قدرته، و معهود رحمته الواسعة و مغفرته.

شعره: و شعره كثير جدا، و نثره مشهور و موجود. فمن شعره في غرض الشكر للّه عزّ و جلّ، على غيث جاء بعد قحط: [الكامل‏]

نعم الإله بشكره تتقيّد* * *فاللّه يشكر في النّوال و يحمد

* * *

مدّت إليه أكفّنا محتاجة* * *فأنالها من جوده ما نعهد

* * *

و أغاثنا بغمائم و كّافة* * *بالبشر تشرق و البشائر ترعد

* * *

حملت إلى ظمإ البسيطة ريّة* * *فلها عليه منّة لا تجحد

* * *

فالجوّ برّاق و الشّعاع مفضّض‏* * *و الماء فيّاض الأثير معسجد

* * *

و الأرض في حلي الأتيّ كأنما* * *نطف الغمام و لؤلؤ و زبرجد

* * *

و الرّوض مطلول الخمائل باسم‏* * *و القضب ليّنة الحمائل ميّد

* * *

تاهت عقول الناس في حركاتها* * *أ لشكرها أم سكرها تتأوّد؟

* * *

فيقول أرباب البطالة تنثني‏* * *و يقول أرباب الحقيقة تسجد

* * *

و إذا اهتديت إلى الصواب فإنها* * *في شكر خالقها تقوم و تقعد

* * *

هذا هو الفضل الذي لا ينقضي‏* * *هذا هو الجود الذي لا ينفد

* * *

احضر فؤادك للقيام بشكره‏* * *إن كنت تعلم قدر ما تتقلّد

* * *

و انفض يديك من العباد فكلّهم‏* * *عجز الحلّ و أنت جهلا تعقد

* * *

و إذا افتقرت إلى سواه فإنما ال* * *لذي بخاطرك المجال الأبعد

* * *

نعم الإله كما تشاهد حجّة* * *و الغائبات أجلّ مما يشهد

* * *

فانظر إلى آثار رحمته التي‏* * *لا يمترى فيها و لا يتردّد

* * *

يا ليت شعري و الدليل مبلّغ‏* * *من أيّ وجه يستريب الملحد

* * *

من ذا الذي يرتاب أنّ إلهه‏* * *أحد و ألسنة الجماد توحّد

* * *

كلّ يصرّح حاله و مقاله‏* * *أن ليس إلّا اللّه ربّ يعبد

* * *

و من شعره أيضا قوله: [الكامل‏]

عجبا لمن ترك الحقيقة جانبا* * *و غدا لأرباب الصواب مجانبا

* * *

____________

(1) في الأصل: «لؤلؤ»، و كذا ينكسر الوزن.

398

و ابتاع بالحق المصحّح حاضرا* * *ما شاء للزّور المعلّل عائبا

* * *

من بعد ما قد صار أنفذ أسهما* * *و أشدّ عادية و أمضى قاضبا

* * *

لا تخدعنك سوابق من سابق‏* * *حتى ترى الإحضار منه عواقبا

* * *

فلربما اشتدّ الخيال وعاقه‏* * *دون الصّواب هوى و أصبح غالبا

* * *

و لكم إمام قد أضرّ بفهمه‏* * *كتب تعبّ من الضّلال كتائبا

* * *

فانحرف بأفلاطون و أرسطا* * *ليس و دونهما تسلك طريقا لاحبا

* * *

ودع الفلاسفة الذّميم جميعهم‏* * *و مقالهم تأتي الأحقّ الواجبا

* * *

يا طالب البرهان في أوضاعهم‏* * *أعزز عليّ بأن تعمّر جانبا

* * *

أعرضت عن شطّ النّجاة ملجّجا* * *في بحر هلك ليس ينجي عاطبا

* * *

و صفا الدّليل فما نفعت بصفوه‏* * *حتى جعلت له اللّجين‏ شائبا

* * *

فانظر بعقلك هل ترى متفلسفا* * *فيمن ترى إلّا دعيّا كاذبا؟

* * *

أعيته أعباء الشّريعة شدّة* * *فارتدّ مسلوبا و يحسب سالبا

* * *

و اللّه أسأل‏ عصمة و كفاية* * *من أن أكون عن المحجّة ناكبا

* * *

و من شعره: [الطويل‏]

إليك مددت الكفّ في كلّ شدّة* * *و منك وجدت اللّطف في كل نائب‏

* * *

و أنت ملاذ و الأنام بمعزل‏* * *و هل مستحيل في الرّجا كرّآيب؟

* * *

فحقّق رجائي فيك يا ربّ و اكفني‏* * *شمات‏ عدوّ أو إساءة صاحب‏

* * *

و من أين أخشى من عدوّ إساءة* * *و سترك ضاف من جميع الجوانب؟

* * *

و كم كربة نجّيتني من غمارها* * *و كانت شجا بين الحشا و التّرائب‏

* * *

فلا قوة عندي و لا لي حيلة* * *سوى حسن ظنّي بالجميل المواهب‏

* * *

فيا منجي المضطرّ عند دعائه‏* * *أغثني فقد سدّت عليّ مذاهبي‏

* * *

رجاؤك رأس المال عندي و ربحه‏* * *و زهده‏ في المخلوق أسنى المواهب‏

* * *

____________

(1) هذا البيت مختل الوزن و المعنى.

(2) في الأصل: «الحبر» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) في الأصل: «أسل» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(4) في الأصل: «الرجاء»، و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «شماتة» و كذا ينكسر الوزن.

(6) في الأصل: «مذاهب» بدون ياء.

(7) في الأصل: «و زهد» و كذا ينكسر الوزن.

399

إذا عجزوا عن نفعهم في نفوسهم‏* * *فتأميلهم بعض الظّنون الكواذب‏

* * *

فيا محسنا فيما مضى أنت قادر* * *على اللّطف في حالي و حسن العواقب‏

* * *

و إنّي لأرجو منك ما أنت أهله‏* * *و إن كنت حطّا في كثير المعايب‏

* * *

فصلّ على المختار من آل هاشم‏* * *إمام الورى عند اشتداد النوائب‏

* * *

و قال في مدّعي قراءة الخطّ دون نظر: [الطويل‏]

و أدور ميّاس العواطف أصبحت‏* * *محاسنه في الناس كالنّوع في الجنس‏

* * *

يدير على القرطاس أنمل كفّه‏* * *فيدرك أخفى الخطّ في أيسر اللّمس‏

* * *

فقال فريق: سحر بابل عنده‏* * *و قال فريق: ليس هذا من الإنس‏

* * *

فقلت لهم لم تفهموا سرّ دركه‏* * *على أنه للعقل أجلى من الشمس‏

* * *

ستكفه حبّ القلوب فأصبحت‏* * *مداركها أجفان أنمله الخمس‏

* * *

وفاته: استقدمه المأمون‏ على حال وحشة، كانت بينه و بينه، فورد ورود الرّضا على مرّاكش في شعبان سنة سبع و عشرين و ستمائة. و توفي في ذي قعدة بعده‏، و دفن بجبانة الشيوخ مع أخيه عبد اللّه و قرنائهما، رحم اللّه جميعهم.

انتهى السفر التاسع بحمد اللّه‏

*** و من السفر العاشر العمال الأثرا في هذا الحرف‏

عبد الرحمن بن أسباط

الكاتب المنجب، كاتب أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين.

حاله: لحق به بالعدوة، فاتّصل بخدمته، و أغراه بالأندلس، إذ ألقى إليه أمورها على صورتها، حتى كان ما فرغ اللّه، عزّ و جلّ، من استيلائه على ممالكها، و خلعه لرؤسائها. و كان عبد الرحمن، قبل اتصاله به، مقدورا عليه في رزقه، يتحرّف بالنّسخ، و لم يكن حسن الخطّ، و لا معرّب اللفظ، إلى أن تسيّر للكتابة في باب‏

____________

(1) هو أبو العلاء إدريس بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، و قد حكم المغرب و الأندلس من سنة 624 ه إلى سنة 629 ه. البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 274).

(2) في نفح الطيب (ج 6 ص 225): «و توفي بمراكش سنة 637». و جاء في بغية الوعاة (ص 304) و نفح الطيب (ج 6 ص 225) أنه ولد بعد الخمسين و خمسمائة.

400

الدّيوان بألمريّة، و رأى خلال ذلك، في نومه، شخصا يوقظه، و يقول له: قم يا صاحب ربع الدّنيا، و قصّ رؤياه على صاحب له بمثواه، فبشّره، فطلب من ذلك الحين السّموّ بنفسه، فأجاز البحر، و تعلّق بحاشية الحرّة العليا زينب‏، فاستكتبته، فلمّا توفّيت الحرّة، أقرّه أمير المسلمين كاتبا، فنال ما شاء مما ترتمي إليه الهمم جاها و مالا و شهرة. و كان رجلا حصيفا، سكونا، عاقلا، مجدي الجاه، حسن الوساطة، شهير المكانة.

وفاته: توفي فجأة بمدينة سبتة، في عام سبعة و ثمانين و أربعمائة. و تقلّد الكتابة بعده أبو بكر بن القصيرة. ذكره ابن الصّيرفي.

عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن مالك المعافري‏

و تكرر مالك في نسبه.

أوليته: قالوا: من ولد عقبة بن نعيم الداخل إلى الأندلس، من جند دمشق، نزيل قرية شكنب من إقليم تاجرة الجمل من عمل بلدنا لوشة، غرناطي، يكنى أبا محمد.

حاله: كان‏ أبو محمد هذا أحد وزراء الأندلس، كثير الصّنائع، جزل المواهب، عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك، و أخلاق السادة الكرام‏. لم ير بعده مثله في رجال‏ الأندلس، ذاكرا للفقه و الحديث، بارعا في الأدب‏، شاعرا مجيدا و كاتبا بليغا، حلو الكتابة و الشعر، هشّا مع وقار، ليّنا على مضاء، عالي الهمّة، كثير الخدم و الأهل‏.

من آثاره الماثلة إلى اليوم الحمّام، بجوفيّ الجامع الأعظم من غرناطة. بدأ بناءه‏ أول يوم من جمادى الأولى سنة تسع و خمسمائة. و شرع في الزّيادة في سقف‏

____________

(1) هي زينب النفزاوية التي كانت مضرب المثل في الجمال؛ تزوجت أبا بكر بن عمر، ابن عم يوسف بن تاشفين المرابطي، في سنة 460 ه، ثم طلقها فتزوجها يوسف بن تاشفين فأنجبت له ولده الفضل، و كانت أحب ما لديه امرأة غالبة عليه. البيان المغرب (ج 4 ص 18، 30).

(2) ترجمة عبد الرحمن بن محمد المعافري في التكملة (ج 3 ص 18) و قلائد العقيان (ص 169) و نفح الطيب (ج 4 ص 203).

(3) قارن بنفح الطيب (ج 4 ص 203- 205).

(4) كلمة «الكرام» ساقطة في النفح.

(5) في الأصل: «حال» و التصويب من النفح.

(6) في النفح: «الآداب».

(7) في الأصل: «الخادم و الأمل» و التصويب من النفح.

(8) في الأصل: «بناه».

401

الجامع من صحنه سنة ست عشرة، و عوّض أرجل قسيّه أعمدة الرخام، و جلب الرّءوس و الموائد من قرطبة، و فرش صحنه بكذّان الصّخيرة. و من مكارمه أنه لمّا ولّي مستخلص غرناطة و إشبيلية، وجّهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، و إصلاح خللها، فلمّا استوفى الغاية فيها قلّده، و استصحب جملة من ماله لمؤنته المختصّة به، فلما احتلّها سأل قاضيها، فكتب إليه جملة من أهلها ممن ضعف حاله و قلّ تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء في كل وجه جميل، و وسّع أرزاقهم، حتى كمل له ما أراد من عمله. و من عجز أن يستعمله وصله من ماله. و صدر عنها و قد أنعش خلقا كثيرا.

شعره: من قوله في مجلس أطربه سماعه، و بسطه احتشاد الأنس فيه و اجتماعه‏: [الخفيف‏]

لا تلمني إذا طربت لشجو* * *يبعث الأنس فالكريم طروب‏

* * *

ليس شقّ الجيوب حقّا علينا* * *إنما الحقّ‏ أن تشقّ القلوب‏

* * *

و قال، و قد قطف غلام من غلمانه نوّارة، و مدّ بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد اللّه‏، فقال أبو نصر: [الطويل‏]

و بدر بدا و الطّرف مطلع حسنه‏* * *و في كفّه من رائق النّور كوكب‏

* * *

يروح لتعذيب النفوس و يغتدي‏* * *و يطلع في أفق الجمال و يغرب‏

* * *

فقال أبو محمد بن مالك‏: [الطويل‏]

و يحسد منه الغصن أيّ مهفهف‏* * *يجي‏ء على مثل الكئيب و يذهب‏

* * *

____________

(1) في النفح: «الصخر». و الكذّان: حجارة رخوة.

(2) البيتان في قلائد العقيان (ص 169) و نفح الطيب (ج 2 ص 205) و (ج 4 ص 204).

(3) في القلائد: «لشدو».

(4) في النفح: (ج 2 ص 205): «الشأن».

(5) هو أبو نصر الفتح بن خاقان، صاحب «قلائد العقيان» و «مطمح الأنفس».

(6) البيتان في نفح الطيب (ج 4 ص 204). و ورد البيت الأول في نفح الطيب (ج 2 ص 205) منسوبا إلى ابن مالك. و ورد البيت الثاني في قلائد العقيان (ص 170) و نفح الطيب (ج 2 ص 205) منسوبا إلى محمد بن مالك.

(7) البيت في قلائد العقيان (ص 170) و نفح الطيب (ج 2 ص 204).

(8) في القلائد: «و يحسن».

402

نثره: قال أبو نصر: كتبت إليه مودّعا، فكتب‏ إليّ مستدعيا، و أخبرني رسوله‏ أنه لما قرأ الكتاب وضعه، و ما سوّى و لا فكّر و لا روى:

يا سيدي، جرت الأيام‏ بجمع افتراقك، و كان اللّه جارك في انطلاقك‏، فغيرك روّع بالظّعن، و أوقد للوداع جاحم‏ الشّجن، فأنت‏ من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقرّ على وطن، كأنّك و اللّه يختار لك ما تأتيه و ما تدعه، موكّل بفضاء الأرض تذرعه‏، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدّك‏ من العواري السّريعة الارتجاع‏، فلا يأسف على قلّة الثّوا، و ينشد:

[الطويل‏]

و فارقت حتى ما أبالي من النّوى‏

وفاته: اعتلّ‏ بإشبيلية فانتقل إلى غرناطة، فزادت علّته بها، و توفي، (رحمه اللّه)، بها في غرّة شعبان سنة ثماني‏ عشرة و خمسمائة، و دفن إثر صلاة الظهر من يوم الجمعة المذكورة بمقبرة باب إلبيرة، و حضر جنازته الخاصة و العامة.

من رثاه: رثاه ذو الوزارتين أبو عبد اللّه بن أبي الخصال، (رحمه اللّه)، فقال:

[الكامل‏]

إن كنت تشفق من نزوح نواه‏* * *فهناك مقبرة و ذا مثواه‏

* * *

قسّم زمانك عبرة أو عبرة* * *و أحل تشوّقه على ذكراه‏

* * *

____________

(1) قلائد العقيان (ص 170) و نفح الطيب (ج 4 ص 205).

(2) في القلائد: «فجاوبني جوابا مستبدعا».

(3) في القلائد: «رسولي».

(4) في القلائد: «الأقدار».

(5) هذا من قول البحتري و هو بحلب، قاله لأبي جعفر بن سهل المروزي و لم يودّعه: [مخلع البسيط]

اللّه جارك في انطلاقك‏* * *تلقاء شامك أو عراقك‏

* * *

ديوان البحتري (ج 2 ص 12).

(6) في الأصل: «جامح» و التصويب من المصدرين.

(7) في المصدرين: «فإنك».

(8) في القلائد: «لا تستقرّ».

(9) قوله: «موكّل بفضاء الأرض تذرعه» عجز بيت لابن زريق البغدادي، و صدره هو: [البسيط]

كأنما هو في حلّ و مرتحل‏

(10) في القلائد: «يعتدّك».

(11) في القلائد: «الاسترجاع».

(12) الثوا: أصل القول: الثواء، بالهمز. و الثواء: الإقامة.

(13) قارن بنفح الطيب (ج 4 ص 205).

(14) في الأصل: «ثمان» و هو خطأ نحوي.