الإحاطة في أخبار غرناطة - ج4

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
710 /
203

حكاية. و قدم على بلده، فنبه به قدره، و استدعي إلى باب السلطان فخدم به، ثم تحول إلى العدوة، فاتصل بخدمة ملكها السلطان أمير المسلمين أبي سعيد، مسوّغا ما شاء من قبول، و لطف محلّه عنده؛ لانطباعه و لين عريكته و تأنيه لما يوافق غرضه من سبيل الفكاهة، و ولّي الحسبة بمدينة فاس، و أثرى و حسنت حاله. و كان مثالا لأهل بلده، موصوفا بالجود و بذل المشاركة لمتغرّبيهم.

و له تواليف طيّبة، كان لا يفتر عن الاشتغال بها، بحسب ما فتح له من الإدراك، فمنها نبيل و وبيل. و لمّا انتقل الأمر إلى أمير المسلمين أبي الحسن، وصل حبل رعيه، طاويا بساط الهزل في شأنه، و اتصلت خدمته إياه إلى حين وفاته.

وفاته: توفي في أوائل عام أحد و أربعين و سبعمائة بسبتة، عند حركة أميره المذكور إلى الجواز للأندلس برسم الجهاد، الذي محصه اللّه فيه بالهزيمة الكبرى.

مولده: ... (1).

حرف الفاء الأعيان و الكبراء

فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر (2)

الرئيس الجليل، أبو سعيد، و كان حقّه أن يفرد له باب في الأمراء، لكنه الأبواب المتعددة الأسماء، نؤثر فيها الجمع و الاختصار كما شرطنا.

أوليته: معروفة؛ و كان والده، (رحمه اللّه)، صنو أمير المسلمين الغالب بالله‏ (3) أبي عبد اللّه، و آثره بمدينة مالقة و ما يرجع إليها، عند تصير الملك إليه أو بعده. و كان دونه في السّنّ، فاستمرّت أيامه بها إلى أن توفي، (رحمه اللّه)، و تصيّر أمره إلى الرئيس أبي محمد بن إشقيلولة، و تخللت ذلك الفتن، حسبما وقع الإلماع به، و تصيّر أمرها إلى ملوك المغرب. ثم لما انجلت الحال عن عودتها إلى الملك النّصري، ولّى عليها الرئيس أبا سعيد، و مكّنه من ميراث سلفه بها، و هو كما استجمع شبابه، و عقد له‏

____________

(1) بياض في الأصول.

(2) ترجمة أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر في اللمحة البدرية (ص 35- 36، 75، 88، 111).

(3) هو أول سلاطين بني نصر بغرناطة، و هو محمد بن يوسف بن نصر، و قد حكم غرناطة من عام 635 ه إلى عام 671 ه. اللمحة البدرية (ص 42).

204

على ابنته الحرة لباب الملك، فقام بأمرها خير قيام، و ثبت لزلزال الفتنة، حسبما هو مذكور في موضعه.

حاله: كان هذا الرئيس نسيج وحده في الحزم و الجزالة و فخامة الأحوال، مما يرجع إلى الفتية. ناغى السلطان ابن عمّه في اقتناء العقار، و تخليد الآثار، فيما يرجع إلى الفلاحة و الاعتمار و الازدياد و الاستكثار، و أربى عليه بإنشاء المراكب الكبار، فعظمت غلّاته، و ضاقت المسارح عن سائمته، و غصّت الأهراء بحبوبه، و سالم الخرج دخل ماله، فبذّ الملوك جدة و يسارا، تقتحم العين منه ظاهرا ساذجا، غفلا من الزينة و التصنّع، في طيّه ظرف و ذكاء و حنكة و حلاوة، جهوريا، مرسل عنان النّادرة، باذلا النصفة، مهيب السّطا، خصيب المائدة، شهير الجلالة، بعيد الصيت. ولّي مالقة عام سبعة و سبعين و ستمائة، فعانى بها الشّدة و اللّيان، حتى رسخت بها قدمه، و طالت لأهلها صحبته، و عظم بها قراره و عساكره، و أينعت غرسانه، و نمت متاجره، و تبنّكت النّعيم حاشيته، و أضيفت إليه الجزيرة الخضراء، فاتسعت العمالة، و انفسحت الخطّة، إلى أن كان من تغلّبه على مدينة سبتة، و استيلائه عليها، مما وقع الإلماع به في موضعه من هذا الكتاب، في شهر شوال عام خمسة و سبعمائة، فساس رعيتها، و تملّك جبالها، و شنّ الغارة على ما وراءها، و تملّك القصر المضاف لها، و لم يزل نظره عليها، إلى أواخر ذي قعدة من عام ثمانية و سبعمائة، فصرف عنها، و جهل قدره، و أوغر صدره، و أوعز للولاة بالتضييق على حاشيته، فدعا بمالقة إلى نفسه في شهر شعبان من عام أحد عشر و سبعمائة، و قدّم لطلب الملك ولده إسماعيل، و سمّاه السلطان، و رتّب له الألقاب، و دوّن الدواوين، فنزع إليه الجند، و انضافت إلى عمالته الحصون. ثم وقعت المهادنة، و أعقبتها المفاتنة، و كان من أمره ما وقع التّنبيه على عيون منه في ذكر ولده.

نكبته: و لمّا استأصلت القطيعة محتجنه الراكد في مغابن الخزائن من لدن عام سبعة و سبعين و ستمائة، و استنفدت عتاده المطاولة، نظر لنفسه فوجّه كاتبه الوزير أبا عبد اللّه بن عيسى، و عاقده على الخروج له عن مالقة، متعوّضا عنها بمدينة سلا من عمل ملك المغرب، و تمّ ذلك في شهر رمضان من عام ثلاثة عشر و سبعمائة، و ذاع خبره، و ضاقت بأولياء انتزائه السّبل، إذ تحققوا بإخفاق المسعى، و سقوط العشيّ بهم على سرحان من سلطانهم الراغبين عنه، فداخلوا ولده المقدّم الأمر، أبا الوليد، و اتفق أمرهم على خلعه، و معاجلة الأمر قبل تمامه، في ... (1) من شهر رمضان، ركب‏

____________

(1) بياض في الأصول.

205

الرئيس، (رحمه اللّه)، في نفر من مماليكه المروقة إلى بعض بساتينه، فلمّا قضى وطره، و همّ بالخروج عنه، اعترضه القوم عند بابه، فالتفّوا به، و أشعروه غرضهم فيه، و جاءوا به إلى بعض القصور بظاهر البلد، فجعلوه به تحت رقبة، و قد بادر ولده القصبة، فاستولى عليها من غير ممانعة؛ لعدم استرابة ثقاته به، إلّا ما كان من خائن يتولّى القيام ببعض أبوابها همّ بسدّه، فطاح لحينه، و تمّ لولده الاستبداد بالأمر، و استولى على النّصب و الذخيرة و باقي المال، و نقل الرئيس إلى معقل قرطبة، فلمّا خلص الأمر لولده، انتقل إلى معقل شلوبانية، فلم يزل به لا يبرح عن باب قصره، مرفّها عليه إلى أن قضى نحبه.

وفاته: في الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين و سبعمائة، توفي، (رحمه اللّه)، بشلوبانية، و جي‏ء بجنازته محمولا على رؤوس صدور الدولة و وجوه رجالها، متناغين في لباس شعار الحزن بما لم يتقدّم به عهد، و دفن بمقبرة السّبيكة، و ولده أمير المسلمين واقف بإزاء لحده، مظهر الاكتراث لفقده، و على قبره الآن مكتوب نقشا في الرخام البديع ما نصّه:

«هذا قبر علم الأعلام، و عماد دين الإسلام، جواد الأجواد، أسد الآساد، حامي الثغور و ممهّد البلاد، المجاهد في ذات اللّه حقّ الجهاد، شمس الملك و بدره، و عين الزمان و صدره، الكريم الأخلاق، الطاهر الذات و الأعراق، الذي سار ذكره في الآفاق، و خلّد من فضائله ما تتحلّى به ظهور المنابر و بطون الأوراق، كبير الإمامة النّصرية، و عظيم الدولة الغالبية، فرع الملك و أصله، و من وسع الأنام عدله و فضله، مخلّد الفخر الباقي على الأعصار، و العمل الصالح الذي ينال به الحسنى و عقبى الدار، بسلالته الطاهرة الكريمة المآثر و الآثار، الإمام الرضي ناصر دين المختار، المنتخب من آل نصر و نعم النسب الكريم في الأنصار، الهمام، الأكبر، الأشهر، المقدم، المرحوم، الأطهر، أبو سعيد بن الإمام الأعلى، ناصر دين الإيمان، و قاهر عبدة الصلبان، صنو الإمام الغالب بالله، و مجهز الجيوش في سبيل اللّه، سهام العدا، و غمام النّدى، و ضرغام الحروب، ذي البأس المرهوب، و الجود المسكوب، بطل الأبطال، و مناخ الآمال، المجاهد، الظاهر، المقدّس، المرحوم، أبي الوليد بن نصر، قدّس اللّه مضجعه، و رقاه إلى الرفيق الأعلى و رفعه. كان، رضي اللّه عنه، وحيد عصره، و فريد دهره، علت في سماء المعالي رتبه، و كرم من أمير المسلمين صهره و نسبه، فلا يزاحم مكانه، و لا يدانى منصبه، نفذت أحكامه في الشرق و الغرب، و مضت أوامره في العجم و العرب، إلى أن استأثر اللّه به، فكانت وفاته ليلة الخميس الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين و سبعمائة، و كان مولده يوم الجمعة

206

الثامن لشهر رمضان المعظم من عام ستة (1) و أربعين و ستمائة، فسبحان اللّه الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق: [الطويل‏]

سلام على قبر المكارم و المجد* * * مقام الرضى و الفوز و البشر و السّعد

مثابة إحسان و معهد رحمة* * * و مستودع العلياء (2) و السّرّ و العدّ

فيا أيها القبر الذي هو روضة* * * تفوح شذى أذكى من المسك و النّدّ

لك الفضل إذ حملت أرضى أمانة* * * تؤدّى بإكرام إلى جنة الخلد

ففيك من الأنصار من آل نصرهم‏* * * همام كريم الذات و الأب و الجدّ

و قسم‏ (3) أمير المسلمين ابن عمّه‏* * * و نخبة بيت الملك واسطة العقد

و حامي ذمار الدين ناصره أبو* * * سعيد عماد الملك في الحلّ و العقد

ليبكي‏ (4) أمير العدوتين بواجب‏* * * من الحق أبناء الوغى و بنو الرّفد

و تبكي بلاد كان مالك أمرها* * * أفاض بها النّعماء سابغة الورد

أقام بها العدل و الفضل سنّة* * * بإنصاف مستعد و إسعاف مستجد

و تبكي أسى مل‏ء العيون لفقده‏* * * و بالحق لو فاضت نفوس من الوجد

فيا أيها المولى الذي لمصابه‏* * * بدا الحزن حتى في المطهّمة الجرد

لك اللّه ما أعلى مكارمك التي‏* * * تسير بها الركبان في الغور و النّجد

و حسبك أن أورثت خير خليفة* * * و أبديت منه للورى علم الرّشد

إمام هدى أعماله لهي‏ (5) رحمة* * * تنال بها الزّلفى من الصّمد الفرد

عليك من الرحمن أزكى تحية* * * توفّيك من إحسانه غاية القصد

فرج بن محمد بن محمد بن يوسف بن نصر (6)

الأمير أبو سعيد، ولد أمير المسلمين ثاني‏ (7) الملوك النصريين، ابن الغالب بالله.

____________

(1) في الأصل: «ست»، و هو خطأ نحوي.

(2) في الأصل: «العليا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «قسم»، و كذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «لبّيك»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(5) في الأصل: «للّه»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(6) أخبار فرج بن محمد في اللمحة البدرية (ص 52).

(7) ثاني ملوك النصريين هو أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن يوسف بن نصر، حكم غرناطة بعد والده الغالب بالله، من سنة 671 ه إلى سنة 701 ه. اللمحة البدرية (ص 50).

207

حاله: كان أميرا جليلا جميلا، بلغ الغاية في حسن الصورة، و فضل الفروسية على صغر سنّه، و كان زناتي الشكل و الركض و الآلة، عروس الميدان، و حلس الخيل، يؤثر من شجاعته و ثبات موقفه على الغرارة، و عدم الحنكة، أنه أنشب في اتباع خنزير ضخم الكراديس، عظيم الناب، عريض الغبطة، طرح نفسه عليه في ضحضاح؛ لفضل شجاعته، فكبا به الطرف، و استقبله ذلك الخنزير الفحل صامدا، فاستقلّ، زعموا، من السّقطة، و قد اخترط سيفا عضبا كان يتقلّده، و سبقه بضربة تحت عينيه، أبانت فكّيه، و أطارت محل سلاحه، و خالطه مع ذلك أعزل، فلم يغن، و تلاحق به فرسانه، و قد يئسوا من خلاصه، فرأوا ما بهتوا له، و بشّر بذلك أبوه، فملأ عينه قرّة، و كان يولع منه بفرع ملك، و صقر بيت، و سيف دولة. أسف بذلك وليّ العهد كبيره، فاعتبط لأيام من تصيّر الأمر إليه.

وفاته: توفي مغتالا في الأول من عام اثنين و سبعمائة.

مولده: عام ستة و ثمانين و ستمائة.

فرج بن محمد بن يوسف بن محمد بن نصر (1)

الأمير أبو سعيد، ولي عهد السلطان الغالب بالله.

حاله: كان هذا الأمير فاضلا ذكيا، من أهل الأدب و النّبل، قام الأدب في مدته على ساق، ولّاه أبوه الغالب بالله عنده، و أمّله لمكانه لو أنّ الليالي أمهلته.

شعره: و أدبه مما ينسب إليه بالأندلس، و هو عندي ما يبعد قوله: [الطويل‏]

أيا ربة الحسن التي سلبت منك‏* * * على أي حال كنت لا بدّ لي منك‏

فإمّا بذلّ و هو أليق بالهوى‏* * * و إمّا بغرّ و هو أليق بالملك‏

و كان ذو الوزارتين أبو عبد اللّه بن الحكيم، (رحمه اللّه)، يقول: أخبرني كاتب هذا الأمير، و هو الوزير أبو عبد اللّه بن القصيرة الإشبيلي بتونس قال: نظم الأمير بيتا و طلبني بإجازته، و أن يكون المنظوم مشوب النسيب بالفخر. و البيت: [الطويل‏]

أرقت لبرق بالسّبيكة لا الخيف‏* * * و إن كان فيه ما أحاذر من حتف‏

فقلت مجيزا: [الطويل‏]

تجور على قلبي لواحظ غادة* * * بأنفذ من عزمي و أقطع من سيف‏

____________

(1) أخبار فرج بن محمد في اللمحة البدرية (ص 44).

208

ولي هزّة نحو الوصال أو اللّقا* * * كهزة آبائي الكرام إلى الضيف‏

أفيض و فيض في الجفون و بالحشا* * * فأشكو بحالي في الشتاء و في الصيف‏

لعمري لقد وفّى العلا حقّ مفخري‏* * * لو اني في الدنيا مرادي أستوفي‏

قال: و استحسن ذلك و وقع عليه كاتبه، يعني بذلك نفسه.

وفاته: عصر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و خمسين و ستمائة، ابن خمس و عشرين سنة.

و من الكتاب و الشعراء

الفتح بن علي بن أحمد بن عبيد اللّه الكاتب المشهور (1)

من قرية تعرف بصخرة (2) الواد من قرى قلعة يحصب، يكنى أبا نصر، و يعرف بابن خاقان.

حاله: كان‏ (3) آية من آيات البلاغة، لا يشقّ غباره، و لا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوبا بأطراف الكلام، معجزا في باب الحلى و الصفات، إلّا أنه كان مجازفا، مقدورا عليه، لا يملّ من المعاقرة و القصف‏ (4)، حتى هان قدره، و ابتذلت نفسه، و ساء ذكره، و لم يدع بلدا من بلاد الأندلس إلّا دخله، مسترفدا أميره، و واغلا على عليته‏ (5). قال الأستاذ في «الصلة» (6): و كان معاصرا للكاتب أبي عبد اللّه بن أبي الخصال، إلا أنّ بطالته أخلدت‏ (7) به عن‏

____________

(1) ترجمة الفتح ابن خاقان في المعجم في أصحاب القاضي الصدفي (ص 308) و الذيل و التكملة (ج 5 ص 529) و المغرب (ج 1 ص 259) و شذرات الذهب (ج 4 ص 107) و الخريدة- قسم شعراء المغرب (ج 2 ص 610) و مرآة الجنان (ج 3 ص 264) و معجم الأدباء (ج 4 ص 546) و نفح الطيب (ج 9 ص 255) و أزهار الرياض (ج 5 ص 97) و جاء فيهما:

«الفتح بن محمد بن عبيد اللّه».

(2) في النفح: «بقلعة الواد».

(3) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 255- 257).

(4) المعاقرة: شرب الخمر. و القصف: إقامة الرجل في أكل و شرب و لهو. لسان العرب (عقر) و (قصق).

(5) في النفح: «واغلا في عليته».

(6) لم ترد ترجمة ابن خاقان في الصلة المطبوع.

(7) يقال: أخلدت به إلى الأرض: أي نزلت به. لسان العرب (خلد).

209

مرتبته. و قال ابن عبد الملك‏ (1): دخل‏ (2) يوما إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض‏ (3) مخمرا، فتنسّم بعض حاضري‏ (4) المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت‏ (5)، و حدّه حدّا تاما، و بعث إليه بعد أن أقام عليه الحدّ، بثمانية دنانير و عمامة. فقال الفتح حينئذ لبعض أصحابه: عزمت على إسقاط اسم القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم‏ (6) ب «قلائد العقيان» قال: فقلت: لا تفعل، و هي نصيحة، فقال‏ (7): و كيف ذلك؟ فقلت‏ (8) له: قصّتك معه من الجائز أن تنسى، و أنت تريد أن تتركها (9) مؤرخة، إذ كلّ من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت فيه من هو مثله و دونه في العلم و الصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، [اتّفق معك كيت و كيت‏] (10) فيتوارث العلم‏ (11) عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين له ذلك، و علم صحته و أقرّ اسمه‏ (12).

و حدّثني بعض الشيوخ أنّ سبب حقده على ابن باجة أبي بكر (13)، آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس، ما كان من إزرائه به، و تكذيبه إياه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، [و يذكر الفخر بذلك‏] (14)، و وصف حليا، و كانت‏ (15) تبدو من أنفه فضلة خضراء اللون. زعموا (16)، فقال له: فمن تلك‏

____________

(1) الذيل و التكملة (ج 5 ص 530) و نفح الطيب (ج 9 ص 255- 257).

(2) كذا في الذيل و التكملة. و في النفح: «قصد».

(3) كلمة «عياض» غير واردة في الذيل و التكملة.

(4) في الذيل و التكملة: «حضور».

(5) في المصدر نفسه: «بذلك، فأمر به فاستثبت في استنكاهه و حدّه».

(6) في الذيل و التكملة: «الموسم».

(7) في الذيل و التكملة: «فقال لي».

(8) في المصدر نفسه: «قال: فقلت له».

(9) في المصدر نفسه: «أن تخلّدها مؤرخة، فقال لي: و كيف؟ قال: فقلت له: كلّ من نظر ...».

(10) ما بين قوسين ساقط في المصدرين.

(14) ما بين قوسين ساقط في المصدرين.

(11) في الذيل و التكملة: «العلم بذلك الأصاغر عن الأكابر ...».

(12) في الذيل و التكملة: «فأقرّ اسمه في الكتاب قلائد العقيان».

(13) هو محمد بن يحيى بن باجة التجيبي الأندلسي السرقسطي، المعروف بابن الصائغ. و ترجمته في وفيات الأعيان (ج 4 ص 222) و خريدة القصر- قسم شعراء المغرب (ج 2 ص 283) و عيون الأبناء في طبقات الأطباء (ص 515) و المغرب (ج 2 ص 119) و اسمه فيه: محمد بن الحسين بن باجة، و الوافي بالوفيات (ج 2 ص 140) و مطمح الأنفس (ص 397) و معجم الأدباء (ج 4 ص 547) و قلائد العقيان (ص 298).

(15) في المصدرين: «و كان يبدو».

(16) كلمة «زعموا» ساقطة من النفح.

210

الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك؟ فثلبه في كتابه بما هو معروف في الكتاب‏ (1).

و على ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر اللّه تعالى‏ (2) له.

مشيخته: روى‏ (3) عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة، و ابن عيسى ابن اللبّانة، و أبي جعفر بن سعدون الكاتب، و أبي الحسن بن سراج، و أبي خالد بن مستقور (4)، و أبي الطيّب بن زرقون، و أبي عبد اللّه بن خلصة الكاتب، و أبي عبد الرحمن بن طاهر، و أبي عامر بن سرور، و أبي محمد بن عبدون، و أبي الوليد بن حجاج، و ابن دريد الكاتب.

تواليفه: و مصنفاته‏ (5) شهيرة: منها «قلائد العقيان»، و «مطمح الأنفس»، و «المطمح» أيضا (6). و ترسيله مدوّن، و شعره وسط، و كتابته فائقة.

شعره: من شعره قوله، و ثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحجاج‏ (7):

[الطويل‏]

أكعبة علياء و هضبة سؤدد* * * و روضة مجد بالمفاخر تمطر

هنيئا لملك‏ (8) زان نورك أفقه‏* * * و في صفحتيه من مضائك أسطر

و إني لخفّاق الجناحين كلّما* * * سرى لك ذكر أو نسيم معطّر

و قد كان واش هاجنا لتهاجر (9)* * * فبتّ و أحشائي جوى تتفطّر

فهل لك في ودّ ذوى لك ظاهرا* * * و باطنه يندى صفاء و يقطر

و لست بعلق بيع بخسا و إنني‏* * * لأرفع أعلاق الزمان و أخطر (10)

فروجع عنه بما ثبت أيضا في قلائده ممّا أوله‏ (11): [الطويل‏]

ثنيت، أبا نصر، عناني، و ربّما* * * ثنت عزمة السّهم المصمّم أسطر

____________

(1) قوله: «في الكتاب» ساقط في النفح.

(2) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(3) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 257).

(5) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 257).

(4) في النفح: «بشتغير».

(6) يريد أن كتاب المطمح جزآن، و يقال: ثلاثة أجزاء.

(7) في النفح: «ابن الحاج». و الأبيات أيضا في قلائد العقيان (ص 178- 179) و المطرب (ص 189).

(8) في الأصل: «هنيئا لمن زار ...» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من القلائد و المطرب. و في النفح: «هنيئا لملك زار أفقك نوره».

(9) في المطرب: «لتنافر».

(10) في المطرب: «و أنضر». و الأعلاق: جمع علق و هو الشي‏ء النفيس. لسان العرب (علق).

(11) قلائد العقيان (ص 179) و المطرب (ص 189).

211

نثره: و نثره‏ (1) شهير، و ثبتّ‏ (2) له من غير المتعارف من السّلطانيات ظهيرا كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشرطة، و لا خفاء بإدلاله و براعته: كتاب تأكيد اعتناء، و تقليد ذي منّة و غناء، أمر بإنفاذه فلان، أيّده اللّه تعالى‏ (3)، لفلان ابن فلان صانه اللّه تعالى‏ (4)، ليتقدّم لولاية المدينة بفلانة (5) و جهاتها، و يصرخ‏ (6) ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويها أحظاه بعلائه، و كساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، و توسّمه من غنائه، و رجاه من حسن منابه، و تحققّه من طهارة ساحته و جنابه، و تيقّن- أيّده اللّه تعالى‏ (7)! أنه مستحق لما ولّاه، مستقل‏ (8) بما تولّاه، لا يعتريه الكسل، و لا يثنيه‏ (9) عن إمضاء الصوارم و الأسل، و لم يكل الأمر منه إلى و كل‏ (10)، و لا ناطه مناط (11) عجز و لا فشل، و أمره أن يراقب اللّه تعالى في أوامره و نواهيه، و ليعلم أنه زاجره عن الجور و ناهيه، وسائله عمّا حكم به و قضاه، و أنفذه و أمضاه، يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) (12) فليتقدم لذلك‏ (13) بحزم لا يحمد توقدّه، و عزم لا ينفد تفقّده، و نفس مع الخير ذاهبة، و على سنن‏ (14) البرّ و التقوى راكبة، و يقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده، و علم أرقه في البحث و سهاده، و حمدت أعماله، و أمن تفريطه و إهماله، و يضمّ إليهم من يحذو حذوهم، و يقفو شأوهم، ممّن لا يستراب بمناحيه، و لا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، و أن يذكي العيون على الجناة، و ينفي عنها لذيذ السّنات‏ (15)، و يفحص عن مكامنهم، حتى يغصّ بالروع‏ (16) نفس آمنهم، فلا يستقرّ بهم موضع، و لا يقرّ (17) منهم مخبّ و لا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه، و بثّ السؤال في مواضع تصرفه و مواطنه، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف و الاستبراء، و تعدّاها البغي‏ (18) و الافتراء، نكّله بالعقوبة أشدّ نكال، و أوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ أناه، و يقف على طرف‏ (19) مداه، و حدّ له ألّا يكشف بشرة إلّا في حدّ يتعيّن، و إن جاءه فاسق أن يتبيّن، و أن لا يطمع في صاحب‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 9 ص 258- 260).

(2) في النفح: «و نثبت».

(3) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(4) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(7) كلمة «تعالى» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من النفح.

(5) في النفح: «المدينة الفلانية».

(6) في النفح: «و يصوّح».

(8) مستقلّ: حامل للعب‏ء. لسان العرب (قلل).

(9) في النفح: «تثنيه عن المضاء».

(10) الوكل: الذي يعتمد على غيره في قضاء أموره و يتّكل عليه. لسان العرب (و كل).

(11) في النفح: «بمناط».

(12) سورة الانفطار 82، الآية 19.

(13) في النفح: «إلى ذلك».

(14) في النفح: «متن».

(15) السّنات: جمع سنة و هي أول النوم. لسان العرب (وسن).

(16) في النفح: «بالرّيق».

(17) في النفح: «و لا يفرّ منهم خبّ ...».

(18) في الأصل: «للبغي».

(19) في النفح: «في طرفه».

212

مال موفور، و أن لا يسمع من مكشوف في مستور، و أن يسلك السّنن المحمود، و ينزّه عقوبته من الإفراط و عفوه من تعطيل الحدود. و إذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على ردّه، فقد يتبيّن في وقت ما لا يتبيّن في وقت، و المعاجلة بالعقوبة من المقت، و أن يتغمّد هفوات ذوي الهيئات، و أن يستشعر الإشفاق، و يخلغ التّكبّر فإنه من ملابس أهل النفاق، و ليحسن لعباد اللّه اعتقاده، و لا يرفض زمام العدل و لا مقاده، و أن يعاقب المجرم قدر زلّته، و لا يعتزّ عند ذلّته، و ليعلم أنّ الشيطان أغواه، و زيّن له مثواه، فيشفق من عثاره، و سوء آثاره، و ليشكر اللّه على ما وهبه من العافية، و أكسبه من ملابسها الضّافية، و يذكره جلّ و تعالى‏ (1) في جميع أحواله، و يفكّر في الحشر و أهواله، و يتذكّر و عدا ينجز فيه و وعيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (2). و الأمير أيّده اللّه، وليّ له ما عدل و أقسط، و برى‏ء منه إن جار و قسط. فمن قرأه فليقف عند حدّه و رسمه، و ليعرف له حقّ قطع الشّرّ و حسمه، و من وافقه من شريف أو مشروف، و خالفه في شي‏ء (3) منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرّض من العقاب لما يذيقه و بال خبله، وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏ (4). و كتب في كذا.

وفاته: بمرّاكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة (5) و عشرين و خمسمائة، ألفي قتيلا ببيت من بيوت فندق لبيب‏ (6) أحد فنادقها، و قد ذبح و عبث به، و ما شعر به إلّا بعد ثلاث‏ (7) ليال من مقتله.

و من المقرئين و العلماء

فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي‏ (8)

من أهل غرناطة، يكنى أبا سعيد.

____________

(1) في النفح: «و علا».

(2) سورة آل عمران 3، الآية 30.

(3) في النفح: «في نهي عن منكر».

(4) سورة فاطر 35، الآية 43.

(5) في الأصل: «تسع» و هو خطأ نحوي. و في معجم الصدفي: توفي ذبيحا بفندق لبيت من حضرة مراكش سنة 528 ه. و في وفيات الأعيان: توفي قتيلا سنة 535 ه بمدينة مراكش في الفندق.

(6) كلمة «لبيب» غير واردة في النفح.

(7) في الأصل: «ثلاثة» و هو خطأ نحوي.

(8) ترجمة فرج بن لب في الكتيبة الكامنة (ص 67) و بغية الوعاة (ص 372) و نفح الطيب (ج 8 ص 54).

213

حاله: هذا (1) الرجل من أهل الخير و الطهارة، و الزّكا (2) و الديانة، و حسن الخلق. رأس بنفسه، و حلّي بفضل ذاته، و برّز بمزية إدراكه و حفظه، فأصبح حامل لواء التحصيل عليه‏ (3) بدار الشّورى، و إليه مرجع الفتوى ببلده، لغزارة حفظه، و قيامه على الفقه، و اضطلاعه بالمسائل، إلى المعرفة بالعربية و اللغة، و المران‏ (4) في التوثيق، و القيام على القراءات، و التّبريز في التفسير، و المشاركة في الأصلين و الفرائض و الأدب. جيد الخط، ينظم و ينثر. قعد ببلده للتدريس على وفور المسجد. ثم استقلّ بعد، و ولّي الخطابة بالمسجد الأعظم، و أقرأ بالمدرسة النّصرية، في ثامن و عشرين من رجب عام أربعة و خمسين و سبعمائة، معظّما عند الخاصة و العامة، مقرونا اسمه بالتسويد. و هو الآن بالحالة الموصوفة.

مشيخته: قرأ على الخطيب المقرئ‏ (5)، شيخنا أبي الحسن القيجاطي، و الخطيب الصالح الفاضل أبي إسحاق بن أبي العاصي، و القاضي العدل المحدث العالم أبي عبد اللّه بن بكر، و لازم الشيخ الفقيه أبا عبد اللّه البيّاني، و أخذ العربية عن شيخ العصر أبي عبد اللّه بن الفخار، و روى عن الشيخ الرحال الراوية أبي عبد اللّه محمد بن جابر بن محمد القيسي الوادي آشي، و غيرهم.

شعره: من شعره في غرض النسيب قوله‏ (6): [الطويل‏]

خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى‏* * * فما زال قلبي‏ (7) للهوى كلّه رقّا

(8)

دعوا القلب يصلى في لظى الوجد ناره‏* * * فنار الهوى الكبرى و قلبي هو الأشقى‏

(9)

سلوا اليوم أهل الوجد ما ذا به لقوا* * * فكلّ الذي يلقون بعض الذي ألقى‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 55- 56).

(2) في النفح: «و الذكاء».

(3) في النفح: «و عليه مدار الشورى».

(4) في النفح: «و معرفة التوثيق».

(5) في الأصل: «للقرى».

(6) القصيدة في الكتيبة الكامنة (ص 68- 69) و نفح الطيب (ج 8 ص 56- 57).

(7) في النفح: «قلبي كله للهوى».

(8) الرّقّ: العبد. لسان العرب (رقق).

(9) يشير إلى قوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (15) سورة الليل 92، الآية 15.

214

فإن كان عبد يسأل‏ (1) العتق مالكا (2)* * * فلا أبتغي

من مالكي في الهوى عتقا

بدعوى الهوى يدعو أناس و كلهم‏* * * إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطّرقا

فطرق الهوى شتى و لكنّ أهله‏* * * يحوزون‏ (3) في يوم الرّهان بها

سبقا (4)

فكم‏ (5) جمعت طرق الهوى بين أهله‏ (6)* * * و كم

أظهرت عند السّرى‏ (7) بينهم فرقا

بسيما (8) الهوى تسمو معارف أهله‏* * * فحيث ترى سيما الهوى

فاعرف الصدقا

فمن زفرة تزجي سحائب زفرة (9)* * * إذا زفرة ترقى فلا عبرة ترقا

(10)

إذا سكتوا عن وجدهم أعربت‏ بهم‏* * *بواطن أحوال و ما عرفت نطقا

* * *

و من منظومه في وداع شهر رمضان المعظم قوله‏: [الطويل‏]

أ أزمعت يا شهر الصيام رحيلا* * *و قاربت يا بدر التمام‏ أفولا؟

* * *

أجدّك قد جدّت بك الآن رحلة* * *رويدك أمسك للوداع قليلا

* * *

نزلت فأزمعت الرحيل كلما* * *نويت رحيلا إذ نويت نزولا

* * *

____________

(1) في الأصل: «يسل»، و التصويب من المصدرين.

(2) في النفح: «سيدا».

(3) في الأصل: «يجوزون» و التصويب من المصدرين.

(4) في النفح: «يوم السّباق بها السّبقا».

(5) في النفح: «و كم».

(6) في النفح: «أهلها».

(7) في المصدر نفسه: «السّوى».

(8) السيما: العلامة، و في القرآن الكريم: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ‏. سورة الفتح 48، الآية 29.

(9) في الكتيبة و النفح: «عبرة».

(10) في الكتيبة: «تبقى». و ترقى: تصعد. و ترقا: أصلها: ترقأ، أي تسكن. لسان العرب (رقأ).

(11) في الأصل: «أغرت» و هكذا ينكسر الوزن. و التصويب من النفح. و في الكتيبة: «أعرفت».

(12) في النفح: «به».

(13) بعض أبيات هذه القصيدة في نفح الطيب (ج 8 ص 56- 57).

(14) في النفح: «الزمان».

(15) في النفح: «كأنما».

215

و ما ذاك إلّا أنّ أهلك قد مضوا* * *تفانوا فأبصرت الديار طلولا

* * *

وقفت بها من بعدهم فعل ناد* * *لربع خلا يبكي عليه خليلا

* * *

لقد كنت‏ في الأوقات ناشئة التّقى‏* * *أشدّ به وطأ و أقوم قيلا

* * *

و لما انجلى وجه الهدى فيك مسفرا* * *سدلت على وجه الضّلال سدولا

* * *

متى ارتاد مرتاد مقيلا لعثرة* * *أتاك فألفى للعثار مقيلا

* * *

و ناديت فينا صحبة الخير أقبلوا* * *بإقبالكم حزتم لديّ قبولا

* * *

لقد كنت لما واصلوك ببرّهم‏* * *حفيّا بهم برّا لهم و وصولا

* * *

أقاموا لدين اللّه فيك شعائرا* * *هدتهم إلى دار السلام سبيلا

* * *

فكم أطلقوا فيها أعنّة جدّهم‏* * *و كم أرسلوا فيها الدموع همولا

* * *

دموعا أثارت سحّها ريح زفرة* * *فسالت و خدّت في الخدود مسيلا

* * *

لديك أيا شهر الهدى قصّروا المدى‏* * *فكم لك في شأو الفضائل طولا

* * *

دلائل تشريف لديك كثيرة* * *كفى بكتاب اللّه فيك دليلا

* * *

و من الصوفية و الصلحاء

فضل بن محمد بن علي بن فضيلة المعافري‏

يكنى أبا الحسن، من أهل الشرق الأندلسي، أبو الحسن الولي الصالح الصوفي.

حاله: كان وليّا فاضلا، زاهدا، على سنن الفضلاء، و أخلاق الأولياء، غزير العلم، كثير العمل، دائم الاعتبار، مشهور الكرامة، مستجاب الدعوة، صوفيّا محققا، انتهت إليه الرئاسة في ذلك على عهده. يدلّ على ذلك كلامه على أغراض القوم، و كشفه عن رموزهم و إشاراتهم، أديبا بليغا، كاتبا مرسلا، لا يشقّ غباره في ذلك.

قائما على تجويد كتاب اللّه، عالي الرواية، أسنّ و تناهى و ازدلف إلى التّسعين، ممتّعا بجوارحه، و ولّي الخطابة و الإمامة بالمسجد الأعظم، أقرأ به مدة كبيرة.

قال ابن الزبير في «صلته»: كان جليلا في ذاته و خلقه و دينه، معدوم النظير في ذلك، مشاركا في فنون من العلم، أديبا بارعا، كاتبا بليغا، فصيح القلم، متقدما في ذلك، متصوّفا، سنيّا، و رعا، معدوم القرين في ذلك، متواضعا، مقتصدا في شؤونه‏

____________

(1) في الأصل: «نادى».

(2) في النفح: «تفكرت في».

(3) في الأصل: «التّعني» و التصويب من النفح.

(4) في الأصل: «وطسا»، و التصويب من النفح.

216

كلها، جاريا في خلقه و أفعاله و أحواله على سنن السلف، أحفظ الناس للسانه و جوارحه و أصدقائه، و أسلمهم عينا و مشهدا، و أشدّهم تمسكا بهدي السلف الصالح، مؤثرا للخمول، سريع العبرة، شديد الخوف للّه سبحانه، تاليا لكتاب اللّه، كثير الصوم، خفيف القدم في حوائج أصحابه، مشاركا لهم بأقصى ما يمكنه. له تقاييد جوابية عما كان يسأل عنه في الفن الذي كان يؤثره، محررا ما يلزم التقييد به من كتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّه (صلى اللّه عليه و سلم)، غير منافر لمذهب الأشعرية، مالكي المذهب، له اختيارات يسيرة لا يفتى بها، و لا تتعدّى علمه.

مشيخته: روى عن أبي تمام غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة، و عن أبي العباس أحمد بن محمد بن شهيد، و أخذ أيضا عن أبي بكر بن محرم، و أجاز له أبو بكر بن المرابط، و قرأ على القاضي أبي القاسم بن يحيى بن ربيع، و القاضي أبي عيسى بن أبي السّداد المرسي، و غيرهم.

من أخباره: و كراماته شهيرة، فمنها أن رجلا استفتاه، فأفتاه بجواب لم يحصل له به الإقناع، فرأى في عالم النوم و إثر سؤاله إياه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، يقول له: الحق ما قال لك فلان في المسألة. قال الحاكي: فبكّر إليه الرجل من الغد، فلمّا أقبل عليه بموضع إقرائه، قال له: أ لم ترد أن تستفتي يا أبا فلان إلّا من رأس العين؟ فبهت الرجل. و أحواله شهيرة.

مولده: ولد عام سبعة و ستمائة.

وفاته: في الثامن عشر من محرم عام تسعة و تسعين و ستمائة. و دفن بمقبرة ربض البيّازين مع قومه من صلحاء الشّرق، و كانت جنازته مشهودة.

و من العمال الأثرا

فلّوج العلج‏

مولى يحيى بن غانية.

حاله: كان فلّوج شهما شجاعا، مهيبا حازما، نال من مولاه حظوة، و استعان به على أموره المهمة. و جرى على يده إغرام أهل قرطبة، و انطلقت على أموالهم يده، و أثرى و جمع مالا دبرا من الصامت و الذخيرة عظيما.

____________

(1) ترجمة غالب بن حسن ابن سيد بونة في تاريخ قضاة الأندلس (ص 162).

(2) سيترجم ابن الخطيب ليحيى بن غانية بعد قليل في هذا الجزء من الإحاطة.

217

نكبته: و كان يحيى بن غانية قد ولّاه حصن بني بشير، فثقّفه و حصّنه، و نقل إليه أمواله و متاعه و ذخيرته. و لمّا توفي مولاه لحق به و ملك أمره و استعان بجماعة من النصارى، ثم بدا له لضعف رأيه و سوء تدبيره، أن ألقى بيده إلى ابن أخي مولاه إسحاق بن محمد بن غانية، فأناب و لحق به، معتذرا عن توقفه، فقبض عليه و صفّده، و عرض عليه العذاب، و أسكنه في تابوت، باطنه مسامير، لا يمكنه معها التصرف، و أجاعه بمرأى من الطعام بمطبخه، إلى أن مات جوعا و ألما. و هو مع ذلك لا يطمعه في شي‏ء من المال. و تخلّف بالحصن رجلا من جهة سرقسطة، يعرف بابن مالك، و يكنى أبا مروان، فلمّا ذاع خبر القبض عليه، بادر الموحدون الذين بلوشة، فتغلّبوا عليه، و استولوا على ما كان به من مال و ذخيرة، و وجدوا فيه من أنواع الثياب و الحلي و الذّخيرة، كل خطير عظيم، و شدّوا على ابن مالك في طلب المال، فلم يجدوا عنده شيئا، إلى أن فدى نفسه منهم، بمال كبير، فمضى فلّوج على هذا السبيل.

و من المقرئين و العلماء

قاسم بن عبد اللّه بن محمد الشّاط الأنصاري‏

نزيل سبتة، و أصله من بلنسية، يكنى أبا القاسم. قال: و الشّاط اسم لجدّي، و كان طوالا فجرى عليه الاسم.

حاله: نسيج وحده في إدراك النظر، و نفوذ الفكر، و جودة القريحة، و تسديد الفهم، إلى حسن الشمائل، و علو الهمة، و فضل الخلق، و العكوف على العلم، و الاقتصار على الآداب السّنية، و التحلي بالوقار و السكينة. أقرأ عمره بمدرسة سبتة الأصول و الفرائض، متقدما، موصوفا بالأمانة. و كان موفور الحظ من الفقه، حسن المشاركة في العربية، كاتبا، مرسّلا، ريّان من الأدب، ذا مماسّة في الفنون، و نظر في العقليات، ضرورة لم يتزوج، ممن يتحلى بطهارة و عفاف.

و قال في «المؤتمن»: كان مع معارفه، عالي الهمة، نزيه النفس، ذا وقار و تؤدة في مشيه و مجلسه، يشاب وقاره بفكاهة نظيفة، لا تنهض إلى التأثير في وقاره، ظريف الملبس، يخضب رأسه بالحنّاء على كبره.

مشيخته: قرأ بسبتة على الأستاذ الكبير أبي الحسن بن أبي الربيع و به تأدب، و على أبي بكر بن مشليون، و على الحافظ أبي يعقوب المحاسبي، و على الطبيب أبي‏

____________

(1) ترجمة ابن الشاط في نفح الطيب (ج 7 ص 234).

218

عبد اللّه محمد بن علي بن أبي خالد العبدري الأبّدي، و على أبي الحسن البصري، و على خاليه أبي عبد اللّه محمد و أبي الحسن ابني الطرطاني. و أجازه أبو القاسم بن البرّاء، و أبو محمد بن أبي الدنيا، و أبو العباس بن علي الغماز، و أبو جعفر الطباع، و أبو بكر بن فارس، و أبو محمد الأنباري، و غيرهم. و أخذ عنه الجملة من أهل الأندلس من شيوخنا كالحكيم الأستاذ أبي زكريا بن هذيل، و شيخنا أبي الحسن بن الجياب، و شيخنا أبي البركات، و القاضي أبي بكر بن شبرين، و قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني الشريف، و الوزير أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد اللّه بن الحكيم، و القاضي أبي القاسم بن سلمون، و غيرهم.

شعره: و كان يقرض أبياتا حسنة من الشعر، فمن ذلك قوله يذيّل أبياتا لأبي المطرّف بن عميرة و هي‏: [الكامل‏]

فضل الجمال على الكمال بخدّه‏* * *و الحقّ‏ لا يخفى على من وسّطه‏

* * *

عجبا له برهانه بشروطه‏* * *معه فما مطلوبه‏ بالسّفسطه‏

* * *

علم التّباين في النفوس و إنها* * *منها مفرّطة و غير مفرّطه‏

* * *

فئة رأت وجه الدّليل و فرقة* * *أصغت إلى الشّبهات فهي مورّطه‏

* * *

فأراد جمعها معا في حكمة* * *هذي بمنتجة و ذي بمغلّطه‏

* * *

و من شعره قوله: [الكامل‏]

إني‏ سلكت من انقباضي مسلكا* * *و جريت من صمتي على منهاج‏

* * *

و تركت أقوال البريّة جانبا* * *كي لا أميّز مادحا من هاج‏

* * *

دخوله غرناطة: ورد على غرناطة عند تصيّر سبتة إلى الإيالة النّصرية مع الوفد من أهلها ببيعة بلدهم، فأخذ عنه بها الجملة، ثم انصرف إلى بلده. قال شيخنا أبو

____________

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 7 ص 234) و جاء فيه أن البيتين الأول و الثاني هما لابن عميرة، و أن الأبيات الثلاثة الأخرى لابن شاط.

(2) في النفح: «بوجهه».

(3) في النفح: «فالحقّ».

(4) في النفح: «مقصوده».

(5) رواية عجز البيت في النفح هي:

منها مغلّطة و غير مغلّطه‏

(6) في الأصل: «فيه» و كذا لا يستقيم المعنى.

(7) في النفح: «ملكه».

(8) في الأصل: «و إني» و كذا ينكسر الوزن.

219

البركات: و أنشدنا لنفسه: [الخفيف‏]

قلت يوما لمن تخذت هواه‏* * *ملّة قد تبعتها و شريعه‏

* * *

لم تأبى‏ الوصال و هو مباح‏* * *و تسوم المحبّ سوء القطيعه؟

* * *

قال: إني خشيت منك ملالا* * *فتركت الوصال مدّ ذريعه‏

* * *

و أنشدنا: [الكامل‏]

و غزال أنس سلّ من ألحاظه‏* * *سيفا أراق دم الفؤاد بسلّه‏

* * *

و بخدّه من ذاك‏ أعدل شاهد* * *يقضي بأنّ الفتك بي‏ من فعله‏

* * *

ما لي أطالبه فيدحض حجّتي‏* * *و دمي يطلّ و شاهدي من أهله؟

* * *

و أنشدنا الفقيه أبو القاسم الزقّاق، قال: أنشدنا الأستاذ أبو القاسم الشاط، و قد خرجنا معه مشيعين إياه في انصرافه عن غرناطة آئبا إلى بلده: [البسيط]

يا أهل غرناطة، إنّي أودّعكم‏* * *و دمع عيني من جراكم جار

* * *

تركت قلبي غريبا في دياركم‏* * *عساه يلقى لديكم حرمة الجار

* * *

تواليفه: منها «أنوار البروق، في تعقب مسائل القواعد و الفروق». و «غنية الرابض، في علم الفرائض». و «تحرير الجواب، في توفير الثّواب». و «فهرسة حافلة». و كان مجلسه مألفا للصّدور من الطلبة، و النبلاء من العامة؛ حدّثني شيخنا القاضي الشريف أبو القاسم، قال: كان يجلس عند رجل خياط من أهل سبتة، يعرف بالأجعد من العامة، فأخذ يوما يتكلم عن مسألة، فقال متمثلا: كما تقول: الأجعد الخياط فعل كذا، ثم التفت معتذرا يتبسم و قال: أتمثل بك، فقال الأجعد بديهة: إذا يا سيدي، أعتق عليكم، إشارة إلى قول الفقهاء: العبد يعتق على سيّده إذا مثّل به، فاستظرف قوله.

مولده: في ذي قعدة من عام ثلاثة و أربعين و ستمائة بمدينة سبتة.

وفاته: توفي بها في آخر عام ثلاثة و عشرين و سبعمائة، و قد استكمل الثمانين.

____________

(1) في الأصل: «تأب» على أساس أنه مجزوم بلم، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «ذلك» و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «به» و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

220

قاسم بن عبد الكريم بن جابر الأنصاري‏

من أهل غرناطة، يكنى أبا محمد، و يعرف بابن جابر.

حاله: كان، (رحمه اللّه)، من جلّة أهل العلم و الفضل، حسن الأخلاق، مليح الحديث، عذب الفكاهة، لطيف الحاشية، على دين و التزام سنّة. رحل إلى المشرق، فلقي العلماء، و أخذ عنهم، و كلف بعلم الجدل، فقرأه كثيرا، و بهر فيه. و ورد على غرناطة من رحلته، فأقرأ بها الأصول و غيرها من جدل و منطق و فقه.

مشيخته: قرأ بغرناطة على الخطيب وليّ اللّه أبي الحسن بن فضيلة، و الأستاذ خاتمة المقرئين أبي جعفر بن الزّبير، و ولّي القضاء ببسطة، ثم كلف بالإقراء و عكف عليه، فلم ينتقل عنه.

من أخذ عنه: أخذ عنه كراسة الفخر المسماة ب «الآيات البينات»، و كان قائما عليها جملة من شيوخنا، كالأستاذ التعاليمي أبي زكريا بن هذيل، و الأستاذ المقرئ أبي عبد اللّه بن البيّاني.

شعره: و له شعر؛ أنشدنا الشيخ أبو القاسم بن سلمون، قال: أنشدنا في شيخنا ابن جميل قوله: [مخلع البسيط]

إن أطلع الشّرق شمس دنيا* * *قد أطلع الغرب شمس دين‏

* * *

و بين شمس و بين شمس‏* * *ما بين دنيا و بين دين‏

* * *

مولده: ولد بغرناطة عام تسعة و ستين و ستمائة.

وفاته: توفي بها في جمادى الآخرة أو رجب من عام أربعة عشر و سبعمائة.

قاسم بن يحيى بن محمد الزّروالي‏

يكنى أبا القاسم، و يعرف بابن درهم، مالقي، أصله من جبال تاغسى، و دخل غرناطة و قرأ بها.

حاله: من تذييل صاحبنا القاضي أبي الحسن، قال فيه: كان، (رحمه اللّه)، واحد زمانه، ينبوع الحكمة يتفجر من لسانه، و عنوان الولاية على طيلسانه. و من «عائد الصلة»: كان، (رحمه اللّه)، علما من أعلام الزهد و الورع و الديانة، و التقلّل من الدنيا،

____________

(1) ترجمة قاسم بن يحيى بن درهم في تاريخ قضاة الأندلس (ص 185).

221

و العكوف على تجويد كتاب اللّه و إقرائه، منقطع القرين فيه، كثير المناقشة و التحقيق، يرى أن ليس في الأرض من يحكم ذلك حق إحكامه، ما لم يأخذه.

مشيخته: قرأ على جملة من حملة كتاب اللّه بالمشرق و المغرب و الأندلس، و عني بذلك. ثم لم يعتمد منهم إلّا على الأستاذ أبي إسحاق الغافقي بسبتة، و الخطيب أبي جعفر بن الزيات ببلّش من الأندلس، و استمرت حاله على سبيلها من الزهد و الانقباض و التنطّع، و الإغراق في الصلاح، و الشّذوذ في بعض السجايا إلى أن توفي.

بعض من نوادره مع اخشيشانه: حدّثني القاضي أبو الحسن بن الحسن أن بعض الطلبة المتنسّكين قال له: أتيتك أقرأ عليك، فأستخير اللّه، ثم أتاه فقال: قد استخرت، و همّ بالقراءة، فقال له الشيخ: أمسك حتى أستخير أنا اللّه في قراءتك عليّ، فقال الطالب: و هذا عمل برّ، فقال له: الحجة عليك، فانفصل عنه. ثم عاد إليه يسأل منه القراءة، فقال: يا بني، ظهر لي أن لا تقرأ عليّ، فانصرف.

و من أخباره في الكرامة، قال لي المذكور: و قد أزمعت السفر إلى ظاهر طريف مع جمع المسلمين، أنك إن سافرت يا ولدي، تقاسي مشقّة عظمي إن سبق القدر بحياتك، و اللّه يرشدك، و قد كنت شرعت في ذلك مع رفقائي. و في سحر ليلة اليوم الذي انهزم فيه المسلمون، رأيته في النوم يقول لي منكرا عليّ: قلت لك لا تسافر، يكرّرها، فاستيقظت، و أوقع اللّه بقلبي الرجوع إلى الجزيرة، لآراب أقضيها، فما بلغ زوال الشمس من اليوم إلّا و مقدّمة الفلّ على أطواق البلد في أسوإ حال.

وفاته: توفي ببلدة مالقة خامس صفر، من عام خمسين و سبعمائة في وقيعة الطّاعون، توفي و آخر كلامه: رزقنا اللّه عملا صالحا يقربنا إليه زلفى، و جعلنا ممن يمرّ عقبتي الدنيا و الآخرة مرور أهل التقوى.

و من الكتّاب و الشعراء

قرشي بن حارث بن أسد بن بشر بن هندي بن المهلب ابن القاسم بن معاوية بن عبد الرحمن الهمداني‏

حاله: هو أعرق الناس في الشعر؛ لأنّ جدّه المهلّب كان شاعرا، و ولده هندي كذلك، و أسد و حارث و قرشي، فهم شعراء سنة على نسق، و يدلّ شعرهم على شرف نفوسهم و بعد هممهم.

222

شعره: قال أبو القاسم الغافقي: من شعره قوله في هاشم بن كعب التميمي، من أنجد الفرسان، قتل في يوم خمسة من أنجاد المولّدين: [الطويل‏]

هجرت القوافي و الظّباء الأوانسا* * *و ودّعت لذّاتي نعم و اللواعسا

* * *

و رعت فؤادي بالمشيب عن الصّبا* * *و أصبحت عن عهد الغواية يائسا

* * *

أبا خالد، ما زلت مذ كنت يافعا* * *لكل سنات للمكارم‏ لابسا

* * *

فما حملت أنثى كمثلك سيّدا* * *و لا حملت خيل كمثلك فارسا

* * *

قاسم بن محمد بن الجد العمري‏

يكنى أبا القاسم، و يعرف بالورسيدي، من أهل ألمريّة، و تكرر وروده على غرناطة.

حاله: قال شيخنا أبو البركات: كان حسن الأخلاق، سليم الصدر، بعيدا عن إذاية الناس بيده أو لسانه بالجملة، له خطّ لا بأس به، و معرفة بالعدد، و سلك الطريقة الزّمامية، و له حظ من قرض الشعر. و جرى ذكره في الإكليل بما نصه: من أئمة أهل الزمان، خليق برعي الذّمام، ذو حظ كما تفتّح زهر الكمام، و أخلاق أعذب من ماء الغمام. كان ببلده محاسبا، في لجة الأعمال راسبا، صحيح العمل، يلبس الطّروس من براعته أسنى الحلل.

شعره: قال يمدح المقام السلطاني‏: [الطويل‏]

أرى أوجه الأيام قد أشرقت بشرا* * *فقل لي، رعاك اللّه، ما هذه البشرى؟

* * *

و ما بال أنفاس الخزامى تعطّرت‏* * *فأرّجت الأرجاء من نفحها عطرا؟

* * *

و نقّبت الشمس المنيرة وجهها* * *قصورا عن الوجه الذي أخجل البدرا

* * *

و ما زالت الأغصان‏ في أريحيّة* * *كما عطفت أعطافها تنثني شكرا

* * *

فما ذاك إلّا أن بدا وجه يوسف‏* * *فأربت على الآيات آياته الكبرى‏

* * *

خليفة ربّ العالمين الذي به‏* * *تمهّدت الأرجاء و امتلأت بشرا

* * *

و جرّت على أعلى المجرّة ساحبا* * *ذيول العلى فاستكمل النّهي و الأمرا

* * *

____________

(1) في الأصل: «و الظبا»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «المكارم»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) المقام السلطاني: هو أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري، سلطان غرناطة، و قد حكم غرناطة من سنة 733 ه إلى سنة 755 ه. اللمحة البدرية (ص 102).

(4) في الأصل: «بأغصان الرجال أريحية»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى».

(5) هو أبو الحجاج يوسف النصري، سلطان غرناطة.

223

و قام بأمر اللّه يقضي و يقتضي ال* * *فتوح التي تبقي له في العلى ذكرا

* * *

و أربى على كل الملوك وفاتهم‏* * *بسيرته الحسنى التي قد علت قدرا

* * *

و هي طويلة. و من شعره أيضا قوله: [مخلع البسيط]

من أين أقبلت يا نسيم‏* * *جادت بساحاتك الغيوم‏

* * *

و لا عدمناه سروا* * *حلّ به عندنا النعيم‏

* * *

بلّغ سلامي أهيل ودّي‏* * *بلّغك اللّه ما تروم‏

* * *

قل لهم صبّكم مشوق‏* * *أنحله وجده القديم‏

* * *

لطالما يسهر الليالي‏* * *و طيّ أضلاعه جحيم‏

* * *

هبوا رضاكم لذي غرام‏* * *ما زال قدما بكم يهيم‏

* * *

إن غبتم عن سواد عيني‏* * *فحبّكم في الحشا مقيم‏

* * *

لو ساعد السّعد أن أراكم‏* * *لما اشتكى قلبي السّقيم‏

* * *

يا حادي العيس نحو أرض‏* * *بنيقة قدرها عظيم‏

* * *

إذا أتيت اللّوى و سلفا* * *و بان للناظر الحطيم‏

* * *

و لاح بالأبرقين بدر* * *بسيره تهتدي النجوم‏

* * *

فقل: غريب ثوى بقرب‏* * *في بحر أوزاره يعوم‏

* * *

قد أثقلت ظهره الخطايا* * *و شجبت ذكره الرسوم‏

* * *

إن أعمل الحزم لارتحال‏* * *أقعده ذنبه العظيم‏

* * *

لهفي هذا الشباب ولّى‏* * *و القلب في غيّه مقيم‏

* * *

يا ربّ، عفوا لذي اجترام‏* * *لا تهتك السّتر يا حليم‏

* * *

ما لي شفيع سوى رجائي‏* * *و حسن ظني أيا كريم‏

* * *

فلا تكلني إلى ذنوبي‏* * *و ارحمني اللّه‏ يا رحيم‏

* * *

وفاته: توفي في وقيعة الطاعون عام خمسين و سبعمائة.

____________

(1) في الأصل: «سرى»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا. و السّرو: الفضل.

(2) في الأصل: «لو ثرّ ساعد ...»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(3) في الأصل: «يا اللّه»، و كذا ينكسر الوزن.

224

و من المحدّثين و الفقهاء و الطلبة النجباء

قاسم بن أحمد بن محمد بن عمران الحضرمي‏

من أهل سبتة.

حاله: من خطّ صاحبنا القاضي أبي الحسن بن الحسن، قال: كان شيخنا يتّقد ذكاء، رحل عن سبتة إلى الحجاز فقضى الفريضة، و تطور في البلاد المشرقية نحوا من أربعة عشر عاما، و أخذ بها عن جلّة من العلماء. و ورد على غرناطة في حدود عام ثمانية عشر و سبعمائة، فأخذ عن بعض أشياخها، و عاد إلى بلده، و كان على خزانة الكتب به، و كان يقرئ القرآن به. قال: و أنشدني، لما لقيته، بيتا واحدا يحتوي على حروف المعجم، و هو: [السريع‏]

قد ضمّ نصر و شكا بثّه‏* * *مذ سخطت عضّ على الإبط

* * *

مشيخته: أخذ بالمشرق عن جماعة، منهم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الدمشقي الحجار، و الشيخ المحدّث أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن محمد الشيرازي ابن جميل، قرأ عليه كتاب ابن الحاجب و حدّثه به عن مؤلفه، و قرأ على الشيخين المقرئين الجليلين؛ أبي عبد اللّه محمد بن عبد الخالق، المعروف بابن الضائع، و أبي عبد اللّه بن يعقوب الجراش المقدسي، جملة من الكتب الحديثية و غيرها، و سمع عليهما كتاب «الشاطبية» و حدّثاه بها معا عن المقرئ أبي الحسن على كمال الدين بن شجاع العباسي الضرير، عن صهره، مؤلفها.

تواليفه: قال: له في القراءات تقييد حسن سماه «الشافي، في اختصار التيسير الكافي».

وفاته: توفي أيام الطاعون‏ العام ببلده.

قاسم بن خضر بن محمد العامري‏

يكنى أبا القاسم، و يعرف بابن خضر، هكذا دون تعريف. يعرف سلفه ببني عمرون، من أهل ألمرية.

حاله: من خط شيخنا أبي البركات: كان هذا الشيخ من وجوه ألمرية، و ممن تصرف سلفه في خطّة القضاء بها. و هو أقدم خطيب أدركته بسنّي بجامعها الأعظم.

____________

(1) عام الطاعون هو: 750 ه، و قد أشرنا إلى ذلك في هذا الكتاب غير ما مرة.

225

و كان شيخا عفيفا من رجال الجد، ضيق العطن، سريع الغضب، غيورا على تلك الخطة، لا يحلى بعينه أحد. لما مات رفيقه في الصلاة و الخطبة، الشيخ الشهير عند العامة، ثالث اثنين، الخراسي و النطية، أبو عبد اللّه بن الضايع، فكلّ من عرض عليه أن يكون معه أباه، فقال أهل البلد: فما العمل؟ فقال: يكتب إلى أبي القاسم ابن الحاج إلى سبتة، ليأتي إلى أرض سلفه، و يكون رفيقي في الصلاة و الخطبة، يعني عمّي، فكتب إليه بذلك، فكانت المسألة عند الآخر أهون من أن يجيب عن‏ الكتاب، و لو بالإباية، فبقي الأمر إلى أن قدّم معه الشيخ الصالح الخطيب المصقع أبو الحسن بن فرحون البلفيقي، فلم يجد فيه قادحا إلّا كونه ليس من أهل البلد، فبقي مرافقا له إلى حين وفاته.

غريبة: قال الشيخ: أخبرتني جدّتي عائشة بنت يحيى بن خليل، قالت: كان الرجل الصالح أبو جعفر بن مكنون، خال قاسم بن خضر هذا، فرآه يلعب مع الصبيان في أزقة ألمرية، فقال له: من يكون خطيب ألمرية يلعب، فبقيت في حفظه إلى أن ولّي الخطابة.

وفاته: توفي في صفر من عام ثلاثة و سبعمائة، و كانت جنازته مشهودة.

حرف السين‏

سوّار بن حمدون بن عبدة بن زهير بن ديسم بن قديدة ابن هنيدة

و كان علما من أعلام العرب، و صاحب لواء قيس بالأندلس، و نزل جدّه بقرية قربسانة من إقليم البلاط من قرى غرناطة، و بها أنسل ولده، و لم يزالوا أعلاما، إلى أن ظهر سوّار هذا منهم في الفتنة.

حاله و بعض آثاره و حروبه:

قال أبو القاسم: كان سوّار هذا بعيد الصيت، رفيع الذكر، شجاعا، محبّا في الظهور، حامي العرب و ناصرهم. و كان له أربعة من الإخوة، مثله في الشجاعة، حضروا معه في الحروب في الفتنة، و هو الذي بنى المدينة الحمراء بالليل، و الشّمع‏

____________

(1) في الأصل: «على» و قد صوبناه.

(2) ترجمة سوار بن حمدون في المقتبس في تاريخ الأندلس بتحقيق الدكتور إسماعيل العربي (ص 78) و الحلة السيراء (ج 1 ص 147) و جمهرة أنساب العرب (ص 260).

226

تزهر لعرب الفحص، و بنى مدينة وادي آش لبني سامي، و بنى مدينة منتيشة لبني عطاف، و بنى مدينة بسطة لبني قحطبة و بني مسيرة، و بنى كورة جيّان للعرب. و لو لا أن اللّه منّ على العرب بسوّار و نصره لما أبقى العجم و المولدون منهم أحدا. و أنسل سوّار عبد العزيز المقتول بمنتشافر، و عبد الرؤوف و عبد الملك.

مبدأ أمره و حروبه و شعره:

قال أحمد بن عيسى، بعد اختصار، في صدر هذه السنة، يعني سنة خمس و سبعين و مائتين: ثار سوّار بن حمدون بناحية البراجلة من كورة إلبيرة، و انضوت إليه العرب، قام على تفئة مهلك يحيى بن صقالة أميرهم، قتيل المسالمة و المولّدين، فطلب بثأره، و كثرت أتباعه، و اعتزت العرب به، و قصد بجمعه إلى منت شاقر، و به من عدوّه المذكورين نحو من ستة آلاف رجل‏ نازلهم حتى قهرهم، و طاف على حصونهم فافتتحها، و قتل و غنم، و تنادوا لقتاله في جموع عظيمة، عليها جعد بن عبد الغافر، عامل الأمير عبد اللّه، و برز إليهم فيمن برز، و ناشبهم الحرب، فانهزموا فقتل منهم خلق حرزوا بسبعة آلاف، و أسر جعد، و منّ عليه و أطلقه. و كانت وقيعته الأولى هذه تعرف بوقيعة جعد. و غلظ، و استند إلى حصن غرناطة، بالقرب من مدينة إلبيرة. و كانت العرب يتألبون على المولّدين، إلى أن عزل الأمير جعدا عن الكورة إرضاء لسوّار، فأظهر عند ذلك الطاعة، و غزا الحصون الراجعة إلى ابن حفصون فأوقع بهم، فهاجمهم، و اجتمعت عليه كلمتهم، فقصدوه و حصروه بغرناطة في نحو عشرين ألفا، و برز إليهم في عدده القليل من عبيده، و رجال بيوتات العرب من أهل إلبيرة، و رجعوا من جبل الفخّار على تعبئة، يريدون الباب الشرقي من غرناطة، و كادهم لما التحمت الحرب و شبّ ضرامها، بما دبّره من انسلاله في لخمة من فرسانه، حتى استدبرهم، فحمل بشعاره، فانذعروا و انفضّوا، فتوهّم حماتهم أن مددا جاءهم من ورائهم، فولّوا منهزمين، و أعمل سوّار و أصحابه السيوف فيهم إلى باب إلبيرة، فيقال: إن قتلاهم في هذه الوقيعة الثانية كانوا اثني عشر ألفا، و هي الوقيعة المعروفة بوقعة المدينة، و لاذ المولّدون بعد هذا بعمر بن حفصون و استدعوه،

____________

(1) في الحلة السيراء (ج 1 ص 147): ثار في سنة 246 ه.

(2) في الحلة السيراء (ج 1 ص 148) أن سوّارا كان صاحبا ليحيى بن صقالة، أول الخارجين بالبراجلة بالعصبية العربية ضد المولّدين و العجم.

(3) في الأصل: «شافر»، و التصويب من الحلة السيراء (ج 1 ص 148). و منت شاقر:Monte Sacro ، حصن مطل على سهل غرناطة.

(4) في الحلة السيراء (ج 1 ص 148): نحو من ستة آلاف رجل من المولدين و النصارى.

227

فوافاهم في جيش عظيم، و دخل إلبيرة، و ناهض سوّارا، و عنده رجالات عرب الكور الثلاث؛ إلبيرة و جيّان، و ريّه، و اشتدّ القتال، و جال جيش ابن حفصون جولة جرح فيها جراحات صعبة، و كاد سوّار يأتي عليه لولا رجال صدقوه الكرّ و استنقذوه، و تمّت عليه الهزيمة، فانقلب على عقبه، و نالت الحضرة معرّته، فأغرم أهلها الذين استجلبوه ما تشعّث من عسكره، و استعمل عليهم قائده حفص بن المرّة، و انصرف، و نجح سوّار بما تهيّأ له على أعدائه، فاعتلت همّته، و أجلّته العرب، و علا في الناس ذكره، و قال الأشعار الجزلة فيما تهيّأ له على المولدين، و أكثر الافتخار بنفسه، فشهر، من قوله في ذلك‏: [الكامل‏]

صرم الغواني، يا هنيد، مودّتي‏* * *إذ شاب مفرق لمّتي و قذالي‏

* * *

و صددن عنّي، يا هنيد، و طالما* * *علقت حبال و صالهنّ حبالي‏

* * *

و هي طويلة، أكثر فيها الفخر، و ألمّ بالمعنى.

وفاته: و لما انصرف عمر بن حفصون و ترك قائده بإلبيرة، جهّز معه طائفة من خيله، و أقرّه لمغاورة سوّار و درك النيل لديه، و أعمل حفص جهده و طلب غرّته، فأمكنه اللّه منه، و أنه دنا إليه يوما، و قد أكمن أكثر خيله، و ظهر له مستغيرا بجانب من حصنه، فخرج سوّار مبادرا من غرناطة لأول الصّيحة في نفر قليل، لم يحترس من الحيلة التي يحذرها أهل الحزم، فأصحر لعدوه، و خرجت الكمائن من حوله، فقتل و جي‏ء بجثّته إلى إلبيرة، فذكر أن الثّكالى من نسائهم قطّعن لحمه مرقا، و أكلنه حنقا لما نالهنّ من الثّكل. و كان قتل سوّار في سنة سبع و سبعين و مائتين، و قتلت العرب بقتل سوّار، و كلّ حدّها بما نزل بها.

سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين اللّه الخليفة بقرطبة

المكنى بأبي أيوب، الملقب من الألقاب الملوكية بالمستعين بالله.

____________

(1) البيتان في الحلة السيراء (ج 1 ص 154) و المقتبس، بتحقيق العربي (ص 80).

(2) في الأصل: «وصالها بحبالي»، و قد فضّلنا رواية الحلة و المقتبس.

(3) ترجمة سليمان بن الحكم في البيان المغرب (ج 3 ص 91) و الذخيرة (ق 2 ص 35) و فوات الوفيات (ج 2 ص 62) و أعمال الأعلام (ج 2 ص 114) و كتاب العبر (م 4 ص 324) و المعجب (ص 90) و جذوة المقتبس (ص 17) و بغية الملتمس (ص 22) و المختصر في أخبار البشر (ج 2 ص 139، 145) و تتمة المختصر في أخبار البشر (ج 1 ص 484) و الأعلام (ج 3 ص 123).

228

أوّليّته: معروفة.

حاله: كان أديبا شاعرا، مجموع خلال فاضلة، أصيل الرأي، راجح العقل، ثبتا. ولي الخلافة غلابا، و قعصا، و منازعة، و أوقع بأهل قرطبة وقائع أبادتهم.

و خلع ثم عادت دولته، و جرت له و عليه الهزائم، على قصر أمد خلافته، لقيام البربر بدعوته، و تدويخ البلاد باسمه، في أخبار فيها عبرة، دخل في بعض حركاتها و هو لاتها المبيرة، إلى أن طحنته رحى الفتنة، و شيكا عن دنيا غير هنيّة، و صبابة ليست بسنيّة.

شعره: من شعره يعارض المقطوعة الشهيرة المنسوبة للرشيد: [الكامل‏]

عجبا يهاب اللّيث حدّ سناني‏* * *و أهاب لحظ فواتر الأجفان‏

* * *

فأقارع‏ الأهوال لا متهيّبا* * *منها سوى الإعراض و الهجران‏

* * *

و تملّكت نفسي ثلاث كالدّمى‏* * *زهر الوجوه نواعم الأبدان‏

* * *

ككواكب الظّلماء لحن لناظري‏* * *من فوق أغصان على كثبان‏

* * *

هذي الهلال و تلك أخت‏ المشتري‏* * *حسنا، و هذي أخت غصن البان‏

* * *

حاكمت فيهنّ السّلوّ إلى الهوى‏* * *فقضى بسلطان على سلطاني‏

* * *

فأبحن من قلبي الحمى و تركنني‏* * *في عزّ ملكي كالأسير العاني‏

* * *

لا تعذلوا ملكا تذلّل للهوى‏* * *ذلّ الهوى عزّ و ملك ثان‏

* * *

مقتله: قتله علي بن حمّود، المتقدم الذكر، متولّي الأمر بعده، صبرا بيده، بدم هشام المؤيد، و قال لما زحف إليه: لا يقتل الزّلطان إلّا الزّلطان، يعني السّلطان، إذ كان بربري اللسان، و ذلك في أخريات المحرم من سنة سبع و أربعمائة.

____________

(1) الرشيد: هو الخليفة هارون الرشيد، و مقطوعته التي يشير إليها ابن الخطيب مطلعها هو:

[الكامل‏]

ملك الثلاث الآنسات عناني‏* * *حللن من قلبي بكلّ مكان‏

* * *

الذخيرة (ق 1 ص 47) و الحلة السيراء (ج 2 ص 9) و جذوة المقتبس (ص 22) و بغية الملتمس (ص 26) و البيان المغرب (ج 3 ص 118). و أبيات الخليفة سليمان المستعين الواردة أعلاه في الذخيرة (ق 1 ص 47) و البيان المغرب (ج 3 ص 119) و الحلة السيراء (ج 2 ص 9) و جذوة المقتبس (ص 21) و بغية الملتمس (ص 25- 26) و نفح الطيب (ج 1 ص 412).

(2) في معظم المصادر: «و أقارع».

(3) في معظم المصادر: «بنت».

(4) في الأصل: «سلطان» بدون ياء، و التصويب من المصادر.

(5) في الأصل: «العان»، و التصويب من المصادر.

(6) في نفح الطيب: «في الهوى».

229

سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان‏

يكنى أبا أيوب.

حاله: كان شهما جريئا، أنوفا شجاعا، ديّنا فاضلا. و لما توفي أبوه بقصر قرطبة، و هشام و أبو أيوب هذا غائبان، وكّل ابنه عبد اللّه المعروف بالبلنسي، و قال:

من سبق إليك من أخويك، فارم إليه بالخاتم، فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه و عفافه و اجتماع الكلمة عليه، فإن سبق إليك سليمان، فله فضل دينه و نجدته، و حبّ الشاميين له. فقدم هشام من ماردة، و تولّى الخلافة قبل سليمان. و اتصل ذلك بسليمان، فأخذ لنفسه البيعة بطليطلة، و ما اتصل بها، و دعا إلى نفسه، و واضع أخاه الحرب غير ما مرة، تجري عليه في كلها الهزائم، إلى أن تبرّم بنفسه، و أجاز البحر عن عهد إلى ستين ألفا بذلت له، و استقرّ بأهله و ولده ببلاد البربر. و لما صار الأمر للحكم بن هشام، عاد إلى الأندلس سنة اثنتين و ثمانين و مائة، و كان اللقاء في شوال منها، فانهزم سليمان، ثم عاد للّقاء فانهزم. و في سنة أربع و ثمانين‏ حشد و احتلّ بجيّان ثم بإلبيرة، و التقى بها معه الحكم، و دام القتال أياما حتى همّ الحكم بالهزيمة، ثم انهزم سليمان و قتل في المعركة بشر كثير، و أفلت سليمان إلى جهة ماردة. و بالتقاء الحكم و عمّه سليمان بإلبيرة و أحوازها استحقّا الذكر هنا على الشرط المعروف.

وفاته: و بعث الحكم أصبغ بن عبد اللّه في طلب سليمان، فأسره و أتاه به، فأمر بقتله، و بعث برأسه إلى قرطبة. قتل في سنة خمس و ثمانين بعدها.

سعيد بن سليمان بن جودي السّعدي‏

حاله: كان سعيد بن سليمان صديق سوّار، فغصبت العرب الإمارة به بعده، و علقت به، فقام بأمرها و ضمّ نشرها، و كان شجاعا بطلا، فارسا مجرّبا، قد تصرف‏

____________

(1) ترجمة سليمان بن الحكم في البيان المغرب (ج 2 ص 61، 70) و الكامل في التاريخ (ج 6 ص 168) و المغرب (ج 1 ص 39، 70) و (ج 2 ص 124، 246) و نفح الطيب (ج 1 ص 323) و (ج 4 ص 22).

(2) أي: في سنة أربع و ثمانين و مائة.

(3) كذا جاء في الكامل في التاريخ (ج 6 ص 168). و في البيان المغرب (ج 2 ص 70): قتل سليمان سنة 184 ه.

(4) ترجمة سعيد بن سليمان بن جودي في الحلة السيراء (ج 1 ص 154) و نفح الطيب (ج 5 ص 83) و أعمال الأعلام (القسم الثاني ص 27، 31) و جذوة المقتبس (ص 229) و بغية الملتمس (ص 307).

230

مع فروسيته في فنون من العلم، و تحقق بضروب من الآداب، فاغتدى أديبا نحريرا، و شاعرا محسنا، و اتصل قيامه بأمر العرب إلى أن قتل.

شعره: و من شعره في وقيعة سوّار بالمولدين قوله من قصيدة طويلة:

[الخفيف‏]

قد طلبنا بثأرنا فقتلنا* * *منكم كلّ مارق و عنيد

* * *

قد قتلناكم بيحيى و ما أن‏* * *كان حكم الإله‏ بالمردود

* * *

هجتم يا بني العبيد ليوثا* * *لم يكونوا لجارهم بقعود

* * *

فاصطلوا حرّها و حدّ سيوف‏* * *تتلظّى‏ عليكم بالوقود

* * *

حاكم ماجد يقود إليكم‏* * *فئة سادة كمثل الأسود

* * *

و رئيس‏ مهذّب من نزار* * *و عميد ما مثله من عميد

* * *

يطلب الثأر بابن قوم كرام‏* * *أخذوا بالعهود قبل المهود

* * *

فاستباح الحمى فلم‏ يبق منها* * *غير عان و فقده‏ المصفود

* * *

قد قتلنا منكم ألوفا فما يع* * *دل قتل الكريم قتل العبيد

* * *

مثّلوه لمّا أضاف إليهم‏* * *لم يكن قتله برأي سديد

* * *

قتلته عبيد سوء لئام‏* * *و فعال العبيد غير حميد

* * *

لم يصيبوا الرشاد فيما أتوه‏* * *لا و لا كان جدّهم لسعود

* * *

قد غدرتم به بني اللؤم من بع* * *د يمين قد أكّدت و عهود

* * *

فلئن كان قتله غدرة ما* * *كان بالنّكس لا و لا الرّعديد

* * *

كان ليثا يحمي الحروب و حصنا* * *و ملاذا و عصمة المقصود

* * *

كان فيه التّقى مع الحلم و البأ* * *س وجود ما مثله من‏ جود

* * *

عال مجد الأمجاد بعدكم‏* * *و قديما، و فتّ كل مجيد

* * *

فجزاك الإله جنة عدن‏* * *حيث يجزي الثواب كلّ شهيد

* * *

____________

(1) في الأصل: «اللّه»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «تلظّى»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) كلمة «و رئيس» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(4) في الأصل: «لم»، و كذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «فقده مصفود»، و كذا ينكسر الوزن.

(6) كلمة «من» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(7) في الأصل: «بعدك قديما ...»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

231

مقتله: قال الملّاحي: كان من الأعلام، و عدّ في الشعراء و الفرسان و الخطباء و البلغاء، خطب بين يدي الخليفة المنذر، و هو حدث، أول ما أفضت الخلافة إليه، و عليه قباء خزّ، و قد تنكّب قوسا عربية، و الكنانة بين يديه. خطب خطبة بليغة، وصلها بشعر حسن، و لم يزل اللّواء يتردد عليه في العزّ و المقام، و يخطب في أعلى المنبر في المسجد الجامع بإلبيرة. و سجل له الخليفة عبد اللّه على الكورة، إلى أن همّ بالقيام على بني أمية عندما اشتدّت شكيمته، و ظهر على عمر بن حفصون إلى أن قتل بسبب امرأة، تمت عليه الحيلة لأجلها بدار يهودية، إذ كان منحطّا في هوى نفسه، فطاح في ذي قعدة سنة أربع و ثمانين و مائتين‏، و صار أمر العرب بعده إلى محمد بن أضحى، حسبما يتقرّر في مكانه.

و من ترجمة الأعيان و الوزراء و الأماثل و الكبراء

سهل بن محمد بن سهل بن مالك بن أحمد بن إبراهيم ابن مالك الأزدي‏

صدر هذا البيت، و ياقوتة هذا العقد، يكنى أبا الحسن. قال أبو جعفر بن مسعدة: كان رأس الفقهاء و خطيب الخطباء البلغاء، و خاتمة رجال الأندلس.

تفنّن في ضروب من العلم، و بالجملة فحاله و وصفه في أقطار الدنيا، لا يجمله أحد، فحدّث عن البحر و لا حرج، ضنّ الزمان أن يسمح برجل حاز الكمال مثله.

____________

(1) هو المنذر بن محمد، و كان أميرا و ليس خليفة، و قد حكم الأندلس من سنة 273 ه إلى سنة 275 ه.

(2) هو الأمير عبد اللّه بن محمد، الذي حكم الأندلس من سنة 275 ه إلى سنة 300 ه.

و استعمال ابن الخطيب تعبير «الخليفة» ليس في محلّه؛ لأن الخلافة في الأندلس أول من تلقّب بها هو عبد الرحمن الناصر، و ذلك في عام 316 ه.

(3) جاء في جذوة المقتبس (ص 229) و بغية الملتمس (ص 307) أن سعيد بن جودي كان في عهد عبد الرحمن الناصر. و المعروف أن الناصر حكم الأندلس من سنة 300 ه إلى سنة 350 ه.

(4) ترجمة سهل بن مالك في رايات المبرزين (ص 149) و التكملة (ج 4 ص 125) و المغرب (ج 2 ص 105) و اختصار القدح المعلّى (ص 60) و الذيل و التكملة (ج 4 ص 101) و الوافي بالوفيات (ج 16 ص 23) و بغية الوعاة (ص 264) و زاد المسافر (ص 96) و برنامج شيوخ الرعيني (ص 59) و نفح الطيب (ج 2 ص 327) و (ج 5 ص 139، 157).

232

حاله: قال ابن عبد الملك‏: كان من أعيان مصره، و أفضل أهل‏ عصره، تفنّنّا في العلوم، و براعة في المنثور و المنظوم، محدّثا ضابطا، عدلا ثقة ثبتا، حافظا للقرآن العظيم، مجوّدا له، متقنا في العربية، وافر النصيب من الفقه و أصوله، كاتبا، مجيدا للنظم في معرب الكلام و هزله‏، ظريف الدعابة، مليح التّندير. له في ذلك أخبار مستظرفة متناقلة، ذا جدة و يسار، متين الدين، تام الفضل، واسع المعروف، عميم الإحسان، تصدق عند القرب من وفاته بجملة كبيرة من ماله و رباعه، و له وفادة على مراكش.

مشيخته: روى ببلده عن خاله أبي عبد اللّه بن عروس، و خال أمّه أبي بكر يحيى بن محمد بن عروس‏، و أبي جعفر بن حكم، و أبي الحسن بن كوثر، و أبي خالد بن رفاعة، و أبي محمد عبد المنعم بن الفرس. و بمالقة عن أبي زيد السّهيلي، و أبي عبد اللّه بن الفخار. و بمرسية عن أبي عبد اللّه بن حميد، و أبي القاسم بن حبيش. و بإشبيلية عن أبي بكر بن الجدّ، و أبي عبد اللّه بن زرقون، و أبوي عبد اللّه العباس بن مضاء، و الجراوي الشاعر، و أبي الوليد بن رشد. قرأ عليهم و سمع، و أجازوا له. و أجاز له من أهل الأندلس أبو محمد عبد اللّه نزيل سبتة، و عبد الحق بن الخراط، نزيل بجاية. و من أهل المشرق جماعة، منهم إسماعيل بن علي بن إبراهيم الجراوي، و بركات بن إبراهيم الخشوعي أبو الطاهر، و عبد الرحمن بن سلامة بن علي القضاعي، و غيرهم ممن يطول ذكرهم.

من روى عنه: روى عنه أبو جعفر بن خلف، و الطّوسي، و ابن سعيد القزاز، و أبو الحسن العنسي، و أبو عبد اللّه بن أبي بكر البري، و ابن الجنّان، و أبو محمد عبد الرحمن بن طلحية، و أبو محمد بن هارون، و أبو القاسم بن نبيل، و أبو يعقوب بن إبراهيم بن عقاب، و أبو جعفر الطّباع، و أبو الحجاج بن حكم، و أبو الحسن الرّعيني، و أبو علي بن النّاظر، و غيرهم.

ثناء الأعلام عليه: و المجال في هذا فسيح، و يكفي منه قول أبي زيد الفزاري:

[مجزوء الرمل‏]

عجبا للناس تاهوا* * *بثنيّات المسالك‏

* * *

____________

(1) الذيل و التكملة (ج 4 ص 102- 103). و انظر أيضا: بغية الوعاة (ص 264- 265).

(2) في الذيل و التكملة: «و أفاضل عصره».

(3) في المصدر نفسه: «متقدّما».

(4) في المصدر نفسه: «النظم».

(5) في المصدر نفسه: «و هزليّه».

(6) في المصدر نفسه: «مستطرفة».

(7) ترجمة أبي بكر يحيى بن محمد، المعروف بابن عروس، في التكملة (ج 4 ص 181).

233

وصفوا بالفضل قوما* * *و هم ليسوا هنالك‏

* * *

كثر النّقل و لكن‏* * *صحّ عن سهل بن مالك‏

* * *

شعره: و شعره كثير مما ينخرط في سلك الجيد، فمن ذلك قوله: [الطويل‏]

نهارك في بحر السّفاهة يسبح‏* * *و ليلك عن نوم الرّفاهة يصبح‏

* * *

و في لفظك الدّعوى و ليس إزاءها* * *من العمل الزّاكي دليل مصحّح‏

* * *

إذا لم توافق قولة منك فعلة* * *ففي كل جزء من حديثك تفصح‏

* * *

تنحّ عن الغايات لست من اهلها* * *طريق الهوينا في سلوكك أوضح‏

* * *

إذا كنت في سنّ البنا غير صالح‏* * *ففي أيّ سنّ بعد ذلك تصلح؟

* * *

إلى كم أماشيها على الرّغم غاية* * *يصيب المزكّى عندها و المجرّح‏

* * *

عليها ألا تني و تنوي فتحسن‏* * *في عين الشّباب‏ و تقبح‏

* * *

عسى وطر موقى‏ فألتمس الرّضا* * *و أقرع أبواب الرّشاد فتفتح‏

* * *

فقد ساء ظنّي بالذي أنا أهله‏* * *و فضلك يا مولاي يعفو و يصفح‏

* * *

و قال في تشييع بعض الفقهاء من غرض الأمداح: [البسيط]

يلقاك من كل من يلقاك ترحيب‏* * *و من خليفتها عزّ و تقريب‏

* * *

و تصطفيك إلى أحوازها رتب‏* * *لها على مفرق الجوزاء ترتيب‏

* * *

تأتي إليك بلا سعي بلا سبب‏* * *كأنّ تركك للأسباب تسبيب‏

* * *

من كلّ مشغوفة بالحسن دام لها* * *إلى غنائك تصعيد و تصويب‏

* * *

يلقاك بالبشر و الإقبال خاطبها* * *و حظّها منك إعراض و تقطيب‏

* * *

ما زلت ترغب عنها و هي راغبة* * *كأنّ زهدك فيها عنك ترغيب‏

* * *

فانهض إليها فلو تسطيع‏ كان لها* * *إلى لقائك إرجاء و تقريب‏

* * *

يحيى و تحيى فللباغي مواهبها* * *عذب الزّلال و للباغين تعذيب‏

* * *

سارت على العدل و الإحسان سيرتها* * *حتى تلاقى عليها الشّاة و الذّيب‏

* * *

لم تصبها لذّة الدنيا و زخرفها* * *و لا سبتها المطايا و الجلابيب‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «و عليها ألّا تنو و لا تني ...»، و كذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «الشيبان»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «مونق» و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(4) في الأصل: «تستطيع»، و كذا ينكسر الوزن.

234

إذا أهمّ بني الدنيا نعيمهم‏* * *فهمّها البيض و الجرد السّلاهيب‏

* * *

فوق الكواكب مضروب سرادقها* * *منها على أفق الأفلاك تطنيب‏

* * *

كرعت في ظلّها الصافي بسلسلها* * *كأنها لك في المشروب شرّيب‏

* * *

في قبية من بني الآمال قد قرعت‏* * *سهم إلى طلب العليا طبابيب‏

* * *

إذا حضرنا طعاما فهو مأدبة* * *و إن سمعنا كلاما فهو تأديب‏

* * *

و من يلذ بأبي إسحاق كان له‏* * *أعلاق مال و أغلاق و تهذيب‏

* * *

يا مالك‏ السّرّ من قلبي و يا ملكا* * *إن ناب خطب فمن جدواه تأنيب‏

* * *

هب القرار لآمال مسافرة* * *و قد أضرّ بها بعد و تغريب‏

* * *

ففي يمينك وهّابا و منتظما* * *بسط و قبض و ترغيب و ترهيب‏

* * *

و ما يصرّ كتابا راق منظره‏* * *إن ناله من تراب الأرض تتريب‏

* * *

لك السّيادة لا يلقى لسؤددها* * *مثل و إن طال تنقير و تنقيب‏

* * *

عزم كحدّ سنان الرّمح يصحبه‏* * *عدل كما اعتدلت فيه الأنابيب‏

* * *

كمال نفسك للأرواح تكملة* * *و ذكر فضلك للأرواح تشبيب‏

* * *

و عرف ذاتك كاف في تعرّفنا* * *بنفحة الطّيب يدري أنّه طيب‏

* * *

إذا ذكرت فللأشعار مضطرب‏* * *رحب المجال و للألحان تطريب‏

* * *

سر حيث شئت موفّى من مكارمها* * *يهابك الدهر و الشّبان و الشّيب‏

* * *

في غرّة تخلق الأيام جدّتها* * *لها على أفق الأملاك تطنيب‏

* * *

و من نمط النّسيب و الأوصاف قوله و هو بسبتة بعد وصوله من مراكش، و هو مما طار من شعره‏: [الكامل‏]

لمّا حططت‏ بسبتة قتب‏ النوى‏* * *و القلب يرجو أن تحوّل‏ حاله‏

* * *

و الجوّ مصقول الأديم كأنما* * *يبدي الخفيّ من الأمور صقاله‏

* * *

____________

(1) كلمة «منها» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(2) في الأصل: «فهي»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(3) في الأصل: «يا ملدّ»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(4) الأبيات عدا البيت الثاني، في رايات المبرزين (ص 149) و اختصار القدح المعلى (ص 62).

و وردت كلها في نفح الطيب (ج 5 ص 158) و الذيل و التكملة (ج 4 ص 106).

(5) في رايات المبرزين و اختصار القدح: «لمّا أنخت».

(6) القتب: إكاف البعير، و قد استعاره الشاعر للنوى تخييلا.

(7) في النفح: «أن يحوّل».

235

عاينت‏ من بلد الجزيرة مكنسا* * *و البحر يمنع أن يصاد غزاله‏

* * *

كالشّكل في المرآة تبصره و قد* * *قربت مسافته و عزّ مناله‏

* * *

و من شعره قوله، (رحمه اللّه): [الطويل‏]

تبسّم و استأثرت منه بقبلة* * *فشمت أقاحا و ارتشفت عقارا

* * *

و مرّ فأيدي الريح ترسل شعره‏* * *كما ستر الليل البهيم نهارا

* * *

فيا لك ليلا بالكثيب قطعته‏* * *كما رعت بالزّجر الغراب فطارا

* * *

تغصّ بنا زهر الكواكب غيرة* * *فتقدح في فحم الظلام شرارا

* * *

و من ذلك قوله‏: [الطويل‏]

و لمّا رأيت الصّبح هبّ نسيمه‏* * *دعاني داعيه إلى البين و الشّتّ‏

* * *

و قلت‏: أخاف الشمس تفضح سرّنا* * *فقالت: معاذ اللّه تفضحني أختي‏

* * *

و من الحكم و أبيات الأمثال قوله، رحمة اللّه عليه‏: [البسيط]

منغّص العيش لا يأوي إلى دعة* * *من كان ذا بلد أو كان ذا ولد

* * *

و السّاكن النّفس من لم ترض همّته‏* * *سكنى مكان و لم تسكن‏ إلى أحد

* * *

و من شعره‏:

و لا مثل يوم قد نعمنا بحسنه‏* * *مذهّب أثناء المروج صقيل‏

* * *

إلى أن بدت شمس النهار تروعنا* * *بسير صحيح و اصفرار عليل‏

* * *

و لا توارت شمسه بحجابها* * *و أذّن باقي نورها برحيل‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «عانيت» و التصويب من المصادر الأربعة.

(2) في الأصل: «مسكنا» و التصويب من المصادر الثلاثة. و المكنس: مسكن الظبي.

(3) البيتان في اختصار القدح المعلى (ص 62) و رايات المبرزين (ص 150).

(4) ورد في رايات المبرزين مكان هذا البيت البيت التالي:

و لمّا بدا ضوء الصباح رأيتها* * *تنفّض رشح الطّلّ عن ناعم صلت‏

* * *

(5) في المصدرين: «فقلت».

(6) في الأصل: «أخت» و التصويب من اختصار القدح.

(7) البيتان في بغية الوعاة (ص 265) و نفح الطيب (ج 2 ص 327) و الذيل و التكملة (ج 4 ص 104).

(8) في الذيل و التكملة: «في بلد».

(9) في النفح: «لم يسكن».

(10) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 4 ص 107).

236

و غابت فكان الأفق عند مغيبها* * *كقلبي مسودّا لفقد خليلي‏

* * *

أتانا بها صفراء يسطع نورها* * *فمزّق سربال الدّجى بفتيل‏

* * *

فردّت علينا شمسنا و أصيلنا* * *بمشبّه شمس في شبيه أصيل‏

* * *

و من نثره قوله يخاطب بني أبي الوليد بن رشد، تعزية في أبيهم، و استفتحه بهذه الأبيات‏: [الطويل‏]

ألا ليت شعري، هل لطالب غاية* * *وصول و أحداث الزمان تعوقه؟

* * *

مضى علم العلم الذي ببيانه‏* * *تبيّن خافيه و بان طريقه‏

* * *

أخلّاي‏، إني من دموعي بزاخر* * *بعيد عن الشّطّين منه غريقه‏

* * *

و ما كان ظنّي قبل‏ فقد أبيكم‏* * *بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه‏

* * *

و لم أدر من أشقى الثلاثة بعده‏* * *أ أبناؤه‏ أم دهره أم صديقه؟

* * *

و من شاهد الأحوال بعد مماته‏* * *تيقّن‏ أنّ الموت نحن نذوقه‏

* * *

رجوعا إلى الصّبر الجميل فحقّه‏* * *علينا قضى أن لا توفّى‏ حقوقه‏

* * *

أعزّيكم في البعد عنه‏ فإنني‏* * *أهنّيه قربا من جوار يروقه‏

* * *

فما كان فينا منه إلّا مكانه‏* * *و في العالم العلويّ كان رفيقه‏

* * *

إيه‏ عن المدامع، هلّا تلا انحدار الدّمعة انحدارها؟ و المطامع هل ثبت‏ على قطب مدارها؟ و الفجائع أغير دار بني رشد دارها؟ فإنه حديث أتعاطاه مسكرا، و أستريح اللّه مفكرا، و أبثّه باعثا على الأشجان مذكرا، و لا أقول كفى، و قد ذهب الواخذ الذي كنت تتلافى، و لا أستشعر صبرا، و قد حلّ نور العلم قبرا، بل أغرق‏

____________

(1) في الأصل: «مسودّ»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الأصل: «خليل»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(3) في الأصل: «صفرا» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في اختصار القدح (ص 63) أن الأبيات قيلت في رثاء القاضي أبي الوليد بن رشد. و قد ورد في المصدر المذكور فقط ستة أبيات. و وردت كلها في الذيل و التكملة (ج 4 ص 121).

(5) في الأصل: «أخلائي» و هكذا ينكسر الوزن.

(6) في الذيل و التكملة: «بعد».

(7) في اختصار القدح: «فقد جلاله».

(8) في الأصل: «أبناؤه» و هكذا ينكسر الوزن.

(9) في اختصار القدح: «عند».

(10) في المصدر نفسه: «تبيّن».

(11) في اختصار القدح: «ألّا تؤدّى».

(12) في الذيل و التكملة: «منه».

(13) النص في الذيل و التكملة (ج 4 ص 121- 124).

(14) في الذيل و التكملة: «و المطامع أثبت».

(15) في المصدر نفسه: «الواحد أرى به ألفا، و لا صبرا، و قد أسكن العالم قبرا، بل أعري الأجفان‏

237

الأجفان بمائها، و أستدعي الأحزان بالشّهير من أسمائها، و أستوهب الأشجان غمرة غمائها. ثم أتهالك تهالك المجنون، و أستجير من الحياة بريب المنون، و أنافر السّلوة منافرة وسواس الظّنون، و لا عتب، فإذا خامر الواله جزعه، فإلى نصرة المدامع مفزعه‏، و إذا ضعف احتماله، فإلى غمرة الإغماء مآله، و من قال: إنّ‏ الصبر أولى، ولّيته من ذلك ما تولّى. أما أنا فأستعيد من هذا المقام و أستعفيه، و أنزّه نفس الوفاء عن الحلول فيه، فإنه متى بقي للصّبر مكان، ففي محلّ الحزن لقبول ما يقاومه إمكان، و قد خان الإخاء و جهل الوفاء، من رام قلبه السّلوّ، و ألفت‏ عينه الإغفاء. هو الخطب الذي نقى‏ الهجود، و ألزم أعين الثّقلين أن تجود، و به أعظم الدهر المصاب، و فيه أخطأ سهم المنيّة حين أصاب. فحقّنا أن نتجاوز الجيوب إلى القلوب‏، و ننقلب‏ إذا غالبنا الحزن بصفقة المغلوب، و إذا كان الدهر السّالب فلا غضاضة على المستريح لأنه‏ المسلوب. أستغفر اللّه، فقد أتذكّر من مفقودنا، رضي اللّه عنه حكمه، و أشاهد بعين البصيرة شيمه‏، فأجدهما يكفّان من واكف الدمع ديمه، و يقولان: الوله عند مماسة المصاب‏، و مزاحمة الأوصاب، أمر إن وقع، فقد ضرّ فوق ما نفع، فإنه لا ألم الحزن شفاه، و لا حقّ المصيبة وفّاه، و لا الذّاهب الفائت استرجعه و تلافاه، فربما جنحت إلى الصّبر لا رغبة فيه، بل إيثارا لمقصده و تشيّعا لتصافيه، فأستروح رائحة السّلو، و أنحطّ قاب قوسين‏ أو أدنى عن سدرة ذلك العلو، و أقف بمقام الدّهش بين معنى الحزن‏

____________

من مائها ...».

(1) في الذيل و التكملة: «السلوّ منافرة اليقين لوساوس الظنون».

(2) في المصدر نفسه: «فزعه».

(3) كلمة «إن» ساقطة في الذيل و التكملة.

(4) في الذيل و التكملة: «أو ألفت».

(5) في الأصل: «يقي» و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) قوله: «أن تجود» ساقط في الأصل، و قد أضفناه من الذيل و التكملة ليكتمل المعنى و تكتمل السجعة.

(7) في الذيل و التكملة: «القلوب إلى الجيوب».

(8) في الأصل: «و نتغلّب» و التصويب من الذيل و التكملة.

(9) في الأصل: «بصفة» و التصويب من الذيل و التكملة.

(10) قوله: «المستريح لأنه» ساقط في الأصل، و قد أضفناه من الذيل و التكملة.

(11) في الأصل: «قفا نتذكر» و التصويب من الذيل و التكملة.

(12) في الأصل: «و نشاهد»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(13) في الأصل: «سيمه» و التصويب من الذيل و التكملة.

(14) في الأصل: و يقولون: «عندي آسّه المصاب»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(15) في الذيل و التكملة: «قوس».

238

المستحكم و لفظ العزاء المتلوّ. فأبكي بكاء النساء، و أصبر صبر الرؤساء، و أحرز رزايا الفضلاء، بفضل‏ رزايا الأخسّاء، موازنة بين‏ هذا الوجود، و بخل يتعاقب على محل الجود. فالدهر يسترجع ما وهب، كان الصّفر أو الذّهب. و إذا تحقّق عدم ثباته، و عدم‏ استرجاعه لجميع هباته، كان‏ المتعرّض لكثيره، محلا لتأثيره.

فلا غرو أن دهمكم الرّزء، مورد الفلك الدّابر منه الجزء، فطالما بتّم ترضعكم الحكمة أخلافها، و تهبكم الخلافة آلافها، و تؤملكم‏ الأيام خلافها. و إذا صحيت‏ العقول، و ضنّ بما لديه المعقول، و صارت الأذهان إلى حيث لا تتصوّر و الألسنة بحيث لا تقول، وردتم معينا، و وجدتم معينا، و افتضضتموها كمثل‏ اللؤلؤ المكنون صورا عينا. أظننتم أن عين اللّه‏ تنام، أم رمتم أن يكون صرحا إلى إله موسى ذلك السّنام؟ لشدّ ما شيّدتم‏ البناء، و ألزمتم اتّباع الأب الأبناء، حتى غرق الأول في الآخر، و صار السّلف على ضخامته أقلّ المفاخر. و من علت في علاها قدم ترقّيه، و لم يصب‏ بكماله عينا يحفظ من عين العلن و يقيه، فكثيرا ما يأتيه محذوره من جهة توقّيه. هذا أبوكم، رضي اللّه عنه، حين استكمل، فعرف‏ الضّارّ و الشّافي، و تعذّرت صفات كماله على الحرف النّافي، فيا للّه لفظة أواليها، و أتبعها زفرة تليها، لقد بحثت الأيام عن حتفها بظلفها، و سعت على قدمها إلى رغم أنفها، [حين أتلفت الواحد يزن مائة ألفها]، فمن لبثّ الوصل‏

____________

(1) في الأصل: «القرا» و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الذيل و التكملة: «و أجد».

(3) في المصدر نفسه: «تفضل».

(4) في المصدر نفسه: «في».

(5) في الأصل: «و نحل تتعاقب على نحل الجود»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) في الأصل: «الصفراء» و التصويب من الذيل و التكملة.

(7) في الذيل و التكملة: «و علم».

(8) في المصدر نفسه: «صار».

(9) في الذيل و التكملة: «يؤود».

(10) في المصدر نفسه: «الدائر».

(11) في المصدر نفسه: «و تؤمنكم».

(12) في المصدر نفسه: «ظمئت».

(13) في الأصل: «الألسنة» و التصويب من الذيل و التكملة.

(14) في الذيل و التكملة: «كأمثال».

(15) في المصدر نفسه: «حورا».

(16) في المصدر نفسه: «الدّهر».

(17) في المصدر نفسه: «شدتم».

(18) في المصدر نفسه: «اتباع الأبناء الكرام الآباء».

(19) في المصدر نفسه: «علوها».

(20) في المصدر نفسه: «و لم يطف».

(21) في المصدر نفسه: «عيبا يحفظه من عين العائن و يقيه».

(22) في المصدر نفسه: «تعرّف».

(23) في المصدر نفسه: «فإنّا».

(24) ما بين قوسين ساقط في الأصل، و قد أضفناه من الذيل و التكملة.

239

و لرعي‏ الوسائل، و إلى من يلجأ في مشكلات المسائل؟ و من المجيب إذا لم يكن المسؤول بأعلم من السّائل؟ اللّهم صبّرنا على فقد الأنس بالعلم، و أدلنا من حفوف الوله بوقار الحلم، و أخلفه في بنيه و عامة أهليه، بشبيه ما أوليته في جوارك المقدس و تولّيه. و إليكم أيها الإخوة الأولياء، و العلية الذين عليهم قصرت العلياء، أعتذر من اتخاذ الشي‏ء من الكلام بنقصه‏ الأشياء. فقد خان في هذا الزمان‏، حتى اللسان، و فقد منه حتى الحسان‏، و ليس لتأبين محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، إلّا حسّان، فالعذر منفسح المجال، و إلى التقصير في حقّ رزئكم الكبير نصير في الرّوية و الارتجال.

و لذلك عدلت إلى الإيجاز، و اعتقدت في‏ إرسال القول في هذا الموضع ضربا من المجاز، و مبلغ النفس عذرها مع العجز كالصّائر للإعجاز. و أما حسن العزاء، على تعاقب هذه الأرزاء، فأمر لا أهبه بل أستجديه، و لا أذكركم به و نفس صبركم متوغلة فيه، فسواكم يلهم للإرشاد، و يذكّر بطرق الرشاد، جعل اللّه منكم لآبائكم خلفا، و أبقى منكم لأبنائكم سلفا، و لا أراكم‏ الوجود بعده تلفا. و السلام‏.

محنته: امتحن، (رحمه اللّه)، بالتّغريب عن وطنه، لبغي بعض حسدته عليه، فأسكن بمرسية مدّة طويلة، إلى أن هلك بألمرية الأمير أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن هود، آخر جمادى الأولى سنة خمس و ثلاثين و ستمائة. فسرّح أبو الحسن بن سهل إلى بلده في رمضان من هذه السنة.

و من شعره في ذلك الحال مما يدلّ على بعد شأوه و رفعة همته، قوله‏:

[الطويل‏]

أدافع همّي‏ عن جوانب همّتي‏* * *و تأبى هموم العافين عن‏ الدّفع‏

* * *

____________

(1) في الذيل و التكملة: «و رعي».

(2) في المصدر نفسه: «إيجاد».

(3) في المصدر نفسه: «تنقصه».

(4) في المصدر نفسه: «الزمن».

(5) في المصدر نفسه: «و فقد حتى منه الإحسان».

(6) في المصدر نفسه: «مصير ذي الروية ...».

(7) كلمة «في» ساقطة في الذيل و التكملة.

(8) في الأصل: «كالصابر»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(9) في الذيل و التكملة: «إلى الإرشاد».

(10) في الأصل: «و لا لد لكم» و التصويب من الذيل و التكملة.

(11) في الذيل و التكملة: «تلفا، بمنّ اللّه و كرمه، و السلام».

(12) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 4 ص 103- 104) و برنامج شيوخ الرعيني (ص 61).

(13) في الأصل: «الدمع همى»، و كذا ينكسر الوزن، و المعنى لا يتلاءم مع السياق.

(14) في الذيل و التكملة: «على».

240

و ألتمس العتبى وحيدا و عاتبي‏* * *و صرف الليالي و الحوادث في جمع‏

* * *

و إنّي من حزمي و عزمي‏ و همتي‏* * *و ما رزقته النّفس من كرم الطّبع‏

* * *

لفي منصب تعلو السماء سماته‏* * *فتثبت‏ نورا في كواكبها السّبع‏

* * *

غلا صرف دهري إذ علا فإذا به‏* * *تراب لنعلي أو غبار على شسعي‏

* * *

تدرّعت بالصبر الجميل و أجلبت‏* * *صروف الليالي كي تمزّق لي درعي‏

* * *

فما ملأت قلبي و لا قبضت يدي‏* * *و لا نحتت أصلي و لا هصرت فرعي‏

* * *

فإن عرضت لي لا يفوه بها فمي‏* * *و إن زحفت لي لا يضيق بها ذرعي‏

* * *

و في هذه الأبيات تأنيث السّبعة الكواكب، و حكمها التّذكير، و ذلك إما لتأويل بعد أو غفلة، فلينظره. قال أبو الحسن الرعيني: و دخلت عليه بمرسية، و بين يديه شمّامة زهر، فأنشدني لنفسه‏: [الطويل‏]

و حامل طيب لم يطيّب بطيبه‏* * *و لكنه عند الحقيقة طيب‏

* * *

تألّف من أغصان آس و زهرة* * *فمن صفتيه زاهر و رطيب‏

* * *

تعانقت الأغصان فيه كما التقى‏* * *حبيب على طول النّوى و حبيب‏

* * *

و إن الذي أدناه دون‏ فراقه‏* * *إليّ كبير في الوجود عجيب‏

* * *

مناسبة للبين كان انتسابها* * *و كلّ غريب للغريب نسيب‏

* * *

فبالأمس في إسحاره‏ و بداره‏* * *و باليوم في دار الغريب غريب‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «و غايتي» و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الذيل و التكملة: «من عزمي و حزمي».

(3) في الأصل: «فيثبت» و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في الأصل: «سبع»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(5) في الأصل: «درع» و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) في الأصل: «فما مللت ... و لا لحمت ... و لا حضرت فرع»، و هكذا ينكسر الوزن، و المعنى مضطرب، و التصويب من الذيل و التكملة.

(7) في الأصل: «ذرع» و التصويب من الذيل و التكملة.

(8) الأبيات في الذيل و التكملة (ج 4 ص 104) و برنامج شيوخ الرعيني (ص 62).

(9) في الأصل: «تألف من أغصان زهره»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(10) في المصدرين: «بعد».

(11) في المصدرين: «كرّ».

(12) في المصدرين: «أشجاره».

241

تواليفه: صنّف في العربية كتابا مفيدا، رتّب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه. و له تعاليق جليلة على كتاب المستصفى في أصول الفقه، و ديوان شعر كبير.

و كلامه الهزلي ظريف شهير.

مولده: عام تسعة و خمسين و خمسمائة.

وفاته: توفي بغرناطة منتصف ذي قعدة سنة تسع و ثلاثين و ستمائة. و زعم ابن الأبّار أن وفاته كانت سنة أربعين و ستمائة، و ليس بصحيح‏. و دفن بمقبرة شقستر. قال ابن عبد الملك‏: و كان كريم النفس، [فاضل الطبع، نزيه الهمّة]، حصيف الرأي، شريف الطباع، وجيها، مبرورا، معظّما عند الخاصة و العامة.

من رثاه: ممن كتب إلى بنيه يعزّيهم في مصابهم بفقده، و يحضّهم على الصبر من بعده، تلميذه الكاتب الرئيس أبو عبد اللّه بن الجنّان‏: [الطويل‏]

دعوني و تسكاب الدموع السّوافك‏* * *فدعوى‏ جميل الصّبر دعوة آفك‏

* * *

أصبر جميل في قبيح حوادث‏* * *خلعن على الأنوار ثوب الحوالك‏

* * *

تنكّرت الدنيا على الدّين ضلّة* * *و من شيمة الدنيا تنكّر فارك‏

* * *

فصبّحنا حكم الردى بردائه‏* * *فتلك و هذا هالك في المهالك‏

* * *

____________

(1) التكملة (ج 4 ص 126).

(2) أظنّ أن ابن الخطيب يردّد هنا ما قاله ابن عبد الملك في الذيل و التكملة (ج 4 ص 108):

و هو: «و ليس بشي‏ء».

(3) الذيل و التكملة (ج 4 ص 105).

(4) ما بين قوسين ساقط في الذيل و التكملة.

(5) القصيدة في الذيل و التكملة (ج 4 ص 108- 114).

(6) في الأصل: «السوابك» و التصويب من الذيل و التكملة.

(7) في الأصل: «فدعوني» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(8) في الذيل و التكملة: «فضمّهما».

(9) في الأصل: «و هذي»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(10) في الذيل و التكملة: «الهوالك».

242

عفا طلل منها و منه فأصبحا* * *شريكي عنان في بلا متدارك‏

* * *

فلا بهجة تبدي‏ مسرّة ناظر* * *و لا حجّة تهدي محجّة سالك‏

* * *

و ما انتظم الأمران إلّا ليؤذنا* * *بأمر دها سير النجوم السّوابك‏

* * *

و إنّ لمنشور الوجود انتظاره‏* * *بكفّي فناء للفناء مواشك‏

* * *

أما قد علمنا و العقول شواهد* * *بأنّ انقراض العلم أصل المهالك‏

* * *

إذا أهلك‏ اللّه العلوم و أهلها* * *فما اللّه للدهر الجهول ببارك‏

* * *

هل العلم إلّا الرّوح و الخلق جثّة* * *و ما الجسم بعد الروح بالمتماسك‏

* * *

و ما راعني في عالم الكون حادث‏* * *سوى حادث في عالم ذي مدارك‏

* * *

لذلك ما أبكي كأني متمّم‏* * *أتمّم ما أبقى الأسى‏ بعد مالك‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «فأصبحنا»، و كذا يختل الوزن و المعنى، و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الأصل: «غماز في تلا متدارك»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(3) في الذيل و التكملة: «تهدي».

(4) في الأصل: «بحجة» و التصويب من الذيل و التكملة.

(5) في الذيل و التكملة: «بأن قد دنا نثر النجوم الشوابك».

(6) في الذيل و التكملة: «و آن لمنثور الوجود انطواؤه».

(7) في الأصل: «يكفى فنا للفنا بواشك»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا، و التصويب من الذيل و التكملة.

(8) في الذيل و التكملة: «أذهب».

(9) في المصدر نفسه: «بتارك».

(10) في الأصل: «متيّم» و التصويب من الذيل و التكملة. و هنا إشارة إلى الشاعر متمم بن نويرة و بكائه لأخيه مالك حين قتل في حروب الردّة.

(11) في الأصل: «لا سمى» و كذا يختل الوزن و المعنى، و التصويب من الذيل و التكملة.

243

و سهّل عندي أن أرى الحزن مالكي‏* * *مصابي بالفيّاض سهل بن مالك‏

* * *

إمام هدى كنّا نقلّد رأيه‏* * *كتقليد رأي الشّافعي و مالك‏

* * *

غمام ندى‏ كنّا عهدنا سماحه‏* * *بساحل دارات العماد الحوائك‏

* * *

أ حقّا قضى ذاك‏ الجلال و قوّضت‏* * *مباني معال في السماء سوامك؟

* * *

و أقفر في نجد من المجد ربعه‏* * *و عمّر قبر مفرد بالدّكادك؟

* * *

و غيّب‏ طود في صعيد بملحد* * *و غيّض بحر في ثرى متلاحك‏

* * *

و وارى شمس المعارف غيهب‏* * *من الخطب يردي‏ بالشّموس الدّوالك‏

* * *

ألا أيها النّاعي لك الثّكل لا تفه‏* * *بها إنها أمّ الدّواهي الدّواهك‏

* * *

لعلّك في نعي العلا متكذّب‏* * *فكم ماحل من قبل فيه و ماحك‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «سدى» و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الذيل و التكملة: «يساجل درّات العهاد الحواشك».

(3) كلمة «ذاك» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها من الذيل و التكملة.

(4) في الأصل: «و غبّ» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(5) في الذيل و التكملة: «ملحّد».

(6) في الأصل: «و غيض فجر في يدي متلاحك»، و التصويب من الذيل و التكملة: و المتلاحك:

المتلاحم.

(7) في الذيل و التكملة: «يودي».

(8) الدوالك: المائلة للغروب.

(9) في الأصل: «بهلك الدواهي الدواهك»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا، و التصويب من الذيل و التكملة. و الدواهك: التي تدق و تطحن.

244

فكذّبهم‏ يا ليت أنك مثلهم‏* * *تواتر أخبار و صدق مآلك‏

* * *

فيا حسن ذاك القول إذ بان كذبه‏* * *و يا قبحه و الصّدق بادي المسالك‏

* * *

لقد أرجفوا فيه و قلبي راجف‏* * *مخافة تصديق الظّنون الأوافك‏

* * *

كأنّ كمال الفضل كان يسوءهم‏* * *فأبدوا على نقص‏ هوى متهالك‏

* * *

كأنهم مستبطئون ليومه‏* * *كما استبطأ المصبور هبّة باتك‏

* * *

كأنهم مستمطرون لعارض‏* * *كعارض عاد للتجلّد عارك‏

* * *

بلى إنهم قد أرهصوا لرزيّة* * *تضعضع ركن الصّابر المتمالك‏

* * *

فقد كان ما قد أنذروا بوقوعه‏* * *فهل بعده للصبر صولة فاتك؟

* * *

مصاب مصيب للقلوب بسهمه‏* * *رمى عن قسيّ لليالي عواتك‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «يكذبهم» و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الأصل: «لمقدار جفوا»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا، و التصويب من الذيل و التكملة.

(3) في الأصل: «يسومهم»، و التصويب من المصدر السابق.

(4) في الأصل: «نغص هو متمالك»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا، و التصويب من المصدر السابق.

(5) في الأصل: «يستبطون أيومة»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) قوله: «المصبور هبة» غير وارد في الأصل، و جاء مكانه بياض، و قد أضفناه من الذيل و التكملة.

(7) في الأصل: «فاتك»، و التصويب من المصدر السابق.

(8) في الذيل و التكملة: «للدهر».

(9) في الأصل: «بسيّد»، و التصويب من الذيل و التكملة.

245

بكت حسنها الغبراء فيه فأسعدت‏* * *بأدمعها الخضراء ذات الحبائك‏

* * *

على علم الإسلام قامت نوادب‏* * *بهتن مباك أو بهتم مضاحك‏

* * *

فمن سنّة سنّت على الرأس تربها* * *و مكرمة ناحت لأكرم هالك‏

* * *

و من آية تبكي منوّر صبحها* * *إذا قام في جنح من الليل حالك‏

* * *

و من حكمة تبكي‏ لفقد مفجّر* * *لينبوعها السّلسال في الأرض سالك‏

* * *

فيا أسفي من للهوى و رسومه‏* * *و من لمنيخ عند تلك المبارك؟

* * *

و من للواء الشّرع يرفع خفضه‏* * *و يمنع من تمزيقه كفّ هاتك؟

* * *

و من لكتاب اللّه يدرس وحيه‏* * *و يقبس منه النور غير متارك؟

* * *

و من لحديث المصطفى و مآخذ* * *يبيّنها في فهمه و متارك؟

* * *

و من ذا يزيل اللّبس في متشابه‏* * *و من ذا يزيح الشّكّ عن متشابك؟

* * *

____________

(1) في الذيل و التكملة: «حزنها».

(2) في الأصل: «الجمايك»، و التصويب من الذيل و التكملة. و الخضراء: السماء. و الحبائك:

الطرق، أي طرق النجوم.

(3) في الأصل: «بنور»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في الذيل و التكملة: «ترثي».

(5) في الأصل: «و ماجد»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) في الأصل: «يبيّن بها»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدر السابق.

246

و من لليراع الصّفر طالت‏ بكفّه‏* * *فصارت طوال السمر مثل النيازك؟

* * *

و من للرّقاع البيض طابت بطيبه‏* * *فجابت إلى الأملاك سبل المسالك؟

* * *

و من لمقام الحفل يصدع بالتي‏* * *تقصّ‏ لقسّ من جناح المدارك؟

* * *

و من لمقال كالنّضار يخلّص‏* * *لإبريزه التبريز لا للسّبائك؟

* * *

و من لفعال إن ذكرت بناءه‏* * *فعال و إن تنشر فمسكة فارك؟

* * *

و من لخلال كرّمت و ضرائر* * *ضربن بقدح في عتاب‏ الضّرائك‏؟

* * *

و من لشعار الزهد أخفي بالغنى‏* * *ففي طيّه فضل الفضيل و مالك‏؟

* * *

و من لشعاب المجد أو لشعوبه‏* * *إذا اختلطت ساداته بالصّعالك؟

* * *

ألا ليس من: فاكفف عويلك أو فرد* * *فما بعد سهل في العلى من مشارك‏

* * *

أصبنا فياللّه فيه و إنما* * *أصبنا لعمري في الذّرى و الحوارك‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «المصفرّ»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدر السابق.

(2) في الأصل: «طابت»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(3) في الأصل: «الشمس»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في الذيل و التكملة: «طارت بذكره».

(5) في الأصل: «تغصّ»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(6) في الذيل و التكملة: «مخلّص».

(7) في الذيل و التكملة: «و ضرائب».

(8) في المصدر نفسه: «غياث».

(9) الضرائك: الفقيرات الجائعات.

(10) في الأصل: «بالفنا» و التصويب من الذيل و التكملة.

(11) الفضيل: هو الفضيل بن عياض. و مالك: هو مالك بن دينار.

247

فناد بأفلاك المحامد: أقصري‏* * *فلا دوران، زال‏ قطب المدارك‏

* * *

و صح بالسناء اليوم أقويت منزلا* * *بوطء المنايا لا بوطء السّنابك‏

* * *

على هذه حام الحمام محلّقا* * *ثمانين حولا كالعدوّ المضاحك‏

* * *

فسالمه في معرك الموت خادعا* * *و حاربه إذ جاز ضنك المعارك‏

* * *

طواك الرّدى مهما يساكن فإنّه‏* * *محرّك جيش ناهب العيش ناهك‏

* * *

سبى سبأ قدما وحيّ‏ السّكاسك‏* * *و لم يأل عن خون لخان‏ و مالك‏

* * *

و أفنى من ابناء البرايا جموعها* * *و ألقى البرى‏ بالرغم فوق البرامك‏

* * *

سواء لديه أن يصول بفاتك‏* * *من الناس‏ ناس للتقى أو بناسك‏

* * *

و لو أنه أرعى على ذي كرامة* * *لأرعى‏ على المختار نجل العواتك‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «بل»، و كذا لا يستقيم الوزن و المعنى معا، و التصويب من الذيل و التكملة.

(2) في الأصل: «بالبناء» و التصويب من المصدر السابق.

(3) في الأصل: «نبا سبا قدما و هي ...»، و كذا يختل الوزن و المعنى، و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في الأصل: «لحائز»، و كذا يختل الوزن، و التصويب من الذيل و التكملة.

(5) في الذيل و التكملة: «من افناء».

(6) في الأصل: «البرايا»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدر السابق.

(7) في الأصل: «بقلبك»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من المصدر السابق.

(8) في الأصل: «للناس» و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدر السابق.

(9) في الأصل: «لأعيى»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(10) المختار: هو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و العواتك: ثلاث، يعني جدّاته (صلى اللّه عليه و سلم).

248

و لو راعه عمر تكامل ألفه‏* * *لما راع نوحا في السّنين الدّكادك‏

* * *

و ما من سبيل للدوام و إنما* * *خلقنا لأرحاء المنون الدواهك‏

* * *

فيا آل سهل أو بنيه مخصصا* * *نداء عموم في غموم موالك‏

* * *

أعندكم أني لما قد عراكم‏* * *أمانع صبري لن يلين عرائكي‏؟

* * *

فكيف أعزّي و التعزّي محرّم‏* * *عليّ و لكن عادة آل مالك‏

* * *

فإن فرح‏ يبدو فذاك‏ تكرّه‏* * *لتجريع صاب من مصاب مواعك‏

* * *

و إن كان صبر إنها لحلومكم‏* * *ثوابت‏ في مرّ الرياح السواهك‏

* * *

ورثتم سنا ذاك المقدّس‏ فارتقوا* * *بأعلى سنام من ذرى العزّ تامك‏

* * *

فلم يمض من أبقى من المجد إرثه‏* * *و لم يلق ملكا تارك مثل مالك‏

* * *

____________

(1) في الذيل و التكملة: «الدكائك».

(2) في الأصل: «الرامك»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من المصدر السابق.

(3) في الأصل: «عزائك»، و التصويب من المصدر السابق.

(4) في الأصل: «الرمالك»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من المصدر السابق.

(5) في المصدر السابق: «جزع».

(6) في الأصل: «فذلك»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدر السابق.

(7) في الأصل: «صبرا» و التصويب من المصدر السابق.

(8) في الأصل: «توابة»، و كذا يختل المعنى و الوزن معا.

(9) في الذيل و التكملة: «المقدّم».

(10) في الأصل: «نامك»، و التصويب من الذيل و التكملة. و التامك: المرتفع.

(11) في الذيل و التكملة: «هلكا».

249

أ تدرون لم جدّت ركاب أبيكم‏* * *كما جدّ سير بالقلاص الرواتك‏؟

* * *

تذكّر في أفق السماء قديمه‏* * *فحنّ إلى عيص‏ هنالك شابك‏

* * *

و كان‏ سما في حضرة القدس حظّه‏* * *فلم يله‏ عنه بالحظوظ الركائك‏

* * *

فيا عجبا منّا نبكّي مهنّأ* * *تبوّأ دارا في جوار الملائك‏

* * *

يلاقيه في تلك المغاني رفيقه‏* * *بوجه منير بالتّباشير ضاحك‏

* * *

فلا تحسبوا أنّ النّوى غال روحه‏* * *لجسم ثوى تحت الدّكادك سادك‏

* * *

فلو أنكم كوشفتم‏ بمكانه‏* * *رأيتم مقيما في أعالي الأرائك‏

* * *

ينعّم في روض الرّضا و تجوده‏* * *سحائب في كثبان مسك عوانك‏

* * *

كذلك وعد اللّه في ذي مناسب‏* * *من البرّ صحّت بالتّقى‏ و مناسك‏

* * *

فيا رحمة الرحمن وافي جنابه‏* * *و يا روحه سلّم عليه و بارك‏

* * *

____________

(1) الرواتك: التي تمشي و كأنّ برجليها قيدا.

(2) في الأصل: «غيض» و التصويب من الذيل و التكملة. و العيص: الأصل. و العيص الشابك:

متصل القرابة.

(3) في الأصل: «و كلّ»، و التصويب من الذيل و التكملة.

(4) في الأصل: «يلب»، و التصويب من المصدر السابق.

(5) السادك: اللازم.

(6) في الأصل: «توشفتم» و التصويب من المصدر السابق.

(7) العوانك: جمع عانك، و العانك من الرمل: ما في لونه حمرة، أو ما هو تعقّد.

(8) في الأصل: «بالتغنّي»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدر السابق.

250

و يا لوعتي سيري إليه برقعتي‏* * *و قصّي شجونا من حديثي هنالك‏

* * *

حديث‏ الأشجان شجون، و وجوه القراطيس به كوجوه الأيام جون، فارعني‏ سمعك أبثّك بثّي و اكتئابي، و أعرني‏ نظرة في كتابي؛ لتعلم ما بي، فعندي ضرب الأسى جناية، و على وردي أطال باغي الأسى حماية، و عبرتي أبكت من القطر سجامه، و زفرتي أذكت من الجمر ضرامه، و مني تعلّمت ذات الهديل كيف تنوح، و عنّي أخذت ذات الحسن‏ كيف تغدو والهة و تروح، فما مذعورة راعها القنّاص، و علق بواحدها حبل الجهالة فأعوزه الخلاص، فهي تتلفّت إليه و المخافة خلفها و أمامها، و تتلهف عليه فتكاد تواقع فيه حمامها، بأخفق ضلوعا، و أشفق روعا، و أضيق مجالا، و أوسع أوجالا، و أشغل بالا، و أشعل بلبالا، بل ما طلاها، و قد رآها، ترمي‏ طلاها، فوقف‏ حتى كاد يشركها في الحين، و يحصل من الشّرك تحت جناحين. ثم أفلت و هو يشكّ في الإفلات، و يشكو وحدته في الفلوات‏، بأرهب نفسا، و أجنب أنسا، و ألهب حشا، و أغلب توحّشا، و أضيع بالمومات، و أضرع لغير الأمّات، منّي و قد وافى النبأ العظيم، و نثر الهدى بكفّ الرّدى شمله‏ النظيم، و أصبح يعقوب الأحزان و هو كظيم. و قيل: أصيبت الدنيا بحبشتها و حسنها، و الدّيانة بمحسّنها و أبي حسنها، فحقّ على القلوب انفطارها، و على العيون أن تهمي قطارها، و على الصّبر أن يمزّق جلبابه، و على الصّدر أن يغلق في وجه السّلوّ بابه.

أنعي‏ الجليل السّعي، و رزيّة الجميل السّجية، و وفاة الكريم الصفات، و فقد الصّميم المجد، و ذهاب السّمح الوهّاب، و قبض روحاني الأرض، و انعدام معنى الناس، و انهدام مغشى‏ الإيناس، و انكساف‏ شمس العلم، و انتساف قدس الحلم. يا له حادثا، جمع قديما من الكروب و حادثا، و مصابا جرّع أوصابا، و أضحى‏

____________

(1) من هنا حتى آخر الترجمة في الذيل و التكملة (ج 4 ص 114- 120).

(2) في الذيل و التكملة: «فأصخ لي أبثّك ...».

(3) في المصدر السابق: «أو أعرني».

(4) في المصدر السابق: «خيامه».

(5) في المصدر السابق: «حيامه».

(6) في المصدر السابق: «الحنين».

(7) في المصدر السابق: «الحبالة».

(8) في الذيل و التكملة: «تدمى». و الطّلا: ابن الظبية أو البقرة.

(9) كلمة «فوقف» ساقطة في الذيل و التكملة.

(10) في الذيل و التكملة: «بالفلاة».

(11) في المصدر السابق: «سلكه»، و هو أحسن للسياق.

(12) في المصدر السابق: «بحسنتها».

(13) في المصدر السابق: «لنعي».

(14) في المصدر السابق: «مغنى».

(15) في الأصل: «و انكشاف» و التصويب من المصدر السابق.

251

كلّ به مصابا. لا جرم أني شربت من كأسه مستفظعها، و شرقت بها و بماء دمعي الذي ارفضّ معها، فغالت خلدي، و غالبت جلدي، حتى غبت عنّي، و لم أدر بآلامي التي تعنّي. ثم أفقت من سكري، و نفقت‏ مبدّد فكري، فراجعني التّذكار و التّهمام، و طاوعني شجونا يتعاطاه الحمام، فبكيت حتى خشيت أن يعشيني، و غشيت إذ غشيني من ذلك أليم‏ ما غشيني، و ظلت ألقى‏ انبجاسا للتّرح يلقيني، فتارة يعنيني، و تارة يبقيني، فلو أن احتدامي، و التّدامي، و جفني الدّامي، اطّلعت على بعضه الخنساء، لقالت: هذه عزمة حزن لا يستطيعها النّساء. ذلك بأن قسمة المراثي كقسمة الميراث، و للذّكران المزيّة، كان للسّرور أو للرّزيّة، على الإناث، هذا لو وازن مبكيّ مبكيا، و وارى ترابيّ فلكيّا، إنا لنبكي نور علم و هي تبكي ظلمة جهل، و ندبتي بجبل يدعى بسهل، كان‏ يتفجّر منه الأنهار، و ينهال جانبه من خشية اللّه أو ينهار، في مثله و لا أريد بالمثل سواه، فما كان في أبناء الجنس من ساواه. يحسن الجزع من كل مؤمن تقي، و يقال للمتجلد: لا تنزع الرّحمة إلّا من شقي، فكل جفن بعده جاف، فصاحبه جلف أوصاف‏، و كل فؤاد لم تصدع‏ له صفاته، و لم تتغيّر لفقده صفاته، فمتحقّق عند العلماء معلوم، أنه معدود في الحجارة أو معدوم. فيا ليت شعري يوم ودّع للتّرحال، و دعا حاديه بشدّ الرّحال، كيف كان حاضروه في تلك الحال، هل استطاعوا معه صبرا، و أطاعوا لتلبيته‏ أمرا؟ أو ضعف احتمالهم، و قوي في مفارقة النفوس اعتمالهم؟ و يا ليت شعري إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله! هل حنّطوه في غير ثنائه أو كفّنوه في غير خلاله؟ و يا ليت شعري إذا استقلّ به نعشه لأشرف، ترفرف عليه الملائكة و يظلّله الرّفرف! هل رأوا قبله حمل‏ الأطواد، على الأعواد؟ و سير الكواكب، في مثل تلك المواكب؟ فيأنسوا بالإلف، و يرفعوا منكم الطّرف، و يدعوا لفيض من أثر ذلك الظّرف؟ و يا ليت شعري إذ ودّعوا درّة الوجود، صدفة اللّحد المجود، لم آثروا الثّرى على نفوسهم، و رضوا الأرض مغربا

____________

(1) في الأصل: «مستفضها» و التصويب من المصدر السابق.

(2) في المصدر السابق: «و بدمعي».

(3) في المصدر السابق: «و لفقت».

(4) في المصدر السابق: «شجو لا تتعاطاه».

(5) في المصدر السابق: «اليمّ».

(6) في المصدر السابق: «لقى أينما شاء الترح».

(7) في الذيل و التكملة: «أنا أبكي».

(8) في المصدر السابق: «كانت تتفجّر».

(9) في المصدر السابق: «أو جاف».

(10) في المصدر السابق: «تنصدع».

(11) في المصدر السابق: «العقلاء».

(12) في المصدر السابق: «لشدّ».

(13) في المصدر السابق: «لتثبيته».

(14) في الأصل: «حملة الأطوار»، و التصويب من المصدر السابق.

(15) في المصدر السابق: «أودعوا».

252

لأنوار شموسهم؟ فهلا حفروا له بين أحناء الضلوع، و جعلوا الصفيح صريح الحبّ و الولوع، فيكونوا قد فازوا بقربه، و جازوا فخرا خيّر لتربه؟ و يا ليت شعري إذا لم يفعلوا ذلك، و لم يهتدوا هذه المسالك! هل قضوا حقّ الحزن، و سقوا جوانب الضّريح من عبراتهم بأمثال المزن؟ و هل اتصفوا بصفة الأسف، أو قنعوا منها بأن وصفوها؟ و هل تلافوا بقايا الأنفس، بعد المفقود الأنفس، و أتلفوها؟: [الطويل‏]

فكلّ أسى لا تذهب النفس عنده‏* * *فما هو إلّا من قبيل التصنّع‏

* * *

يا قدّس اللّه مثوى ذلك المتوفّى، و ما أظنّ الجزع تمّم‏ حقّه و وفّى. و لو درى الزمن‏ و بنوه، قدر من فقدوه، لوجدوا المفاجئ‏ الفاجع أضعاف ما وجدوه، فقد فقدوا واحدا جامعا للعوالم، و ماجدا رافعا لأعلام المعالي و المعالم، و مفدّى ثقل له في الفدا، و نفوس الأودّاء و الأعدا، و مبكى ما قامت على مثله النّوائح، و لا حسنت إلّا فيه المراثي كما حسنت من قبل فيه المدائح. رحمة اللّه عليه و رضوانه، و ريحان الجنان يحيّيه به رضوانه. من لي بلسان يقضي حقّ ندبته، و جنان يقضي بما فيه إلى جثّته‏ و تربته، و قد نبّهني‏ حزني عليه و بلّدني، و تملّكني حصر الحسرة عليه و تعبّدني. و أين يقع مهلهل البديه، مما يخفيه مهلهل الثّكل و يبديه؟ يمينا لو لبثت في كهف الرويّة ثلاثمائة سنين، و استمددت سواد ألسنة الفصحاء اللسنين، ما كنت في تأبين ذلك الفصل المبين من المحسنين، إلّا أني أتيت بالطريف‏ من بيانه [المعلم المطارف‏] و التّليد، و رثيت رشد كماله برثائه كمال ابن رشد أبي الوليد، فأنشدت بنيه قوله فيه‏: [الطويل‏]

أخلّاي، إني من دموعي بزاخر* * *بعيد عن الشّطين منه غريقه‏

* * *

و ما كان ظنّي قبل فقد أبيكم‏* * *بأنّ مصابا مثل هذا أطيقه‏

* * *

و لم أدر من أشقى الثلاثة بعده‏* * *أ أبناؤه أم دهره أم صديقه؟

* * *

ثم استوفيت تلك الأبيات و الرسالة، و أجريت بترجيعها من دم الكبد و نجيعها عبراتي المسالة، فحينئذ كنت أوفّي المصاب واجبه، و أشفي صدورا صديّة شجيّة

____________

(1) في الأصل: «و أتلفوه»، و التصويب من المصدر السابق.

(2) في الذيل و التكملة: «عمّ».

(3) في المصدر نفسه: «الزمان».

(4) في المصدر نفسه: «للفاجي».

(5) في المصدر نفسه: «جننه».

(6) في المصدر نفسه: «بلّهني».

(7) في المصدر نفسه: «بالطارف».

(8) ما بين قوسين ساقط في الأصل، و قد أضفناه من المصدر السابق.

(9) تقدمت هذه الأبيات.