الإحاطة في أخبار غرناطة - ج4

- ابن الخطيب محمد بن عبد الله المزيد...
710 /
353

و من الذي غدر العدوّ به دجى‏* * *فانفضّ كلّ و هو لا يتزعزع؟

* * *

تمضي الفوارس و الطعان يصدّها* * *عنه و يزجرها الوفاء فترجع‏

* * *

و الليل من وضح التّرائك و الظّبا* * *صبح على هام الكماة ممنّع‏

* * *

عن أربعين ثنت أعنّتها دجى‏* * *ألفان ألف حاسر و مقنّع‏

* * *

لولا رجال كالجبال تعرّضت‏* * *ما كان ذاك السيل مما يردع‏

* * *

يتقحّمون على الرماح كأنهم‏* * *إبل‏ عطاش و الأسنة تكرع‏

* * *

و من الدّجى لهم‏ على قمم الرّبى‏* * *و ذؤابة بين الظّبا تتقطّع‏

* * *

نصرت ظلام الكفر ظلمة ليلة* * *لم يدر فيها الفجر أين المطلع‏

* * *

لولا ثبوتك تاشفين لغادرت‏* * *أخرى الليالي و هيبة لا ترقع‏

* * *

فثبتّ و الأقدام تزلق و الرّدى‏* * *حول السّرادق و الأسنّة تقرع‏

* * *

لا تعظمنّ‏ على الأمير فإنها* * *خدع الحروب و كل حرب تخدع‏

* * *

و لكل يوم حنكة و تمرّس‏* * *و تجارب في مثل نفسك تنجع‏

* * *

يا أشجع الشجعان‏ ليلة أمسه‏* * *اليوم‏ أنت على التجارب أشجع‏

* * *

أهديك من أدب الوغا حكما بها* * *كانت ملوك الحرب مثلك تولع‏

* * *

لا أنّني أدرى بها لكنها* * *ذكرى تخصّ المؤمنين و تنفع‏

* * *

اختر من الخلق المضاعفة التي‏* * *وصّى بها صنع السّوابغ تبّع‏

* * *

____________

(1) في الحلل الموشية: «و يدمرها». و في جيش التوشيح: «و يدعوها».

(2) في الحلل: «و الليل مرضج الترايك بينهم». و في جيش التوشيح: «بينهم» بدل «و الظّبا».

(3) في المصدرين: «ملمّع».

(4) في الحلل: «يودّع».

(5) في الحلل: «أبطل».

(6) في المصدرين: «مكرع».

(7) في الجيش: «لمم».

(8) هذا البيت و البيت التالي ساقطان في المصدرين.

(9) في الجيش: «بالردى».

(10) في الحلل: «لا يعظمن». و في الجيش: «و لا يعظمن» و هكذا ينكسر الوزن.

(11) في الحلل: «يخدع».

(12) في المصدرين: «الأبطال».

(13) في الجيش: «و اليوم».

(14) هذا البيت و الأبيات الخمسة التالية ساقطة في المصدرين. و معنى هذا البيت أخذه من قول أبي ذويب الهذلي [الكامل‏]:

و عليهما مسرودتان قضاهما* * *داود، أو صنع السّوابغ تبّع‏

* * *

و تبّع: هو تبّع الحميري الذي اشتهر بصناعة الدروع. راجع ديوان ابن الحداد الأندلسي (ص 192).

354

و الهند و انى للرفيق‏ فإنه‏* * *أمضى على حلق الدلاص و أقطع‏

* * *

و من الرواجل ما إذا زعزعته‏* * *أعطاك هزّة معطفيه الأشجع‏

* * *

و من الجياد الجرد كلّ مضمّر* * *تشجى بأربعه الرياح الأربع‏

* * *

و الصّمّة البطل الذي لا يلتوي‏* * *منه الصّليب و لا يلين الأخدع‏

* * *

و كذاك قدر في العدو حزامة* * *فالنّبع بالنّبع المثقّف يقرع‏

* * *

خندق عليك إذا اضطربت‏ محلّة* * *سيّان تتبع ظافرا أو تتبع‏

* * *

و اجعل ببابك في الثّقات و من له‏* * *قلب على هول الحروب مشيّع‏

* * *

و توقّ من كذب الطلائع إنّه‏* * *لا رأي للمكذوب‏ فيما يصنع‏

* * *

فإذا احترست بذاك لم يك للعدا* * *في فرصة أو في انتهاز مطمع‏

* * *

حارب بمن يخشى‏ عقابك بالذي‏* * *يخشى‏ و من في جود كفّك يطمع‏

* * *

قبل التّناوش عبّ جيشك مفحصا* * *حيث التمكّن و المجال الأوسع‏

* * *

إياك تعبئة الجيوش مضيّقا* * *و الخيل تفحص بالرجال و تمرع‏

* * *

حصّن حواشيها و كن في قلبها* * *و اجعل أمامك منهم من يشجع‏

* * *

و البس لبوسا لا يكون مشهّرا* * *فيكون نحوك للعدوّ تطلّع‏

* * *

و احتل لتوقع في مضايقة الوغى‏* * *خدعا ترويها و أنت موسّع‏

* * *

و احذر كمين الرّوم عند لقائها* * *و اخفض‏ كمينك خلفها إذ تدفع‏

* * *

لا تبقين‏ النهر خلفك عندما* * *تلقى العدوّ فأمره‏ متوقّع‏

* * *

و اجعل‏ مناجزة العدوّ عشيّة* * *و وراءك‏ الصدف‏ الذي هو أمنع‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «الرفيق» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الجيش: «ضربت».

(3) في المصدرين: «ظاهرا».

(4) هذا البيت ساقط في المصدرين.

(5) في الحلل الموشية: «للكذاب».

(6) في الأصل: «فيها» و التصويب من المصدرين.

(7) في الحلل: «تخشى».

(8) في الحلل: «تخشى».

(9) في الحلل: «مفصحا». و في الجيش: «مفسحا».

(10) في الجيش: «و تمزع».

(11) في الجيش: «و اخل التوقع في مدافعة ... توقّ بها و أنت ...».

(12) في الأصل: «و اقض» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(13) في الحلل: «لا تلقين».

(14) في جيش التوشيح: «فشرّه».

(15) في الحلل: «اجعل».

(16) في الأصل: «و وراء»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(17) في جيش التوشيح: «الهدف».

355

و اصدمه أول وهلة لا ترتدع‏* * *بعد التقدم فالنّكول‏ يضعضع‏

* * *

و إذا تكاثفت‏ الرجال بمعرك‏* * *ضنك فأطراف الرّماح توسع‏

* * *

حتى إذا استعصت‏ عليك و لم يكن‏* * *إلّا شماس دائم و تمنّع‏

* * *

و رأيت نار الحرب تضرم بالظّبا* * *و دخانها فوق الأسنّة يسطع‏

* * *

و مضت تؤذّن بالصّميل جيادها* * *و الهام تسجد و الصّوارم تركع‏

* * *

و الرمح يثني معطفيه كأنه‏* * *في الرّاح لا علق الفوارس يكرع‏

* * *

و الريح تنشأ سجسجا هفّافة* * *و هي السّكينة عن يمينك توضع‏

* * *

أقص‏ الكمين على العدوّ فإنه‏* * *يعطيك من أكتافه ما يمنع‏

* * *

و إذا هزمت عداك فاحذر كرّها* * *و اضرب وجوه كماتها إذ ترجع‏

* * *

و هي الحروب قوى النّفوس و حزبها* * *من قوّة الأبدان فيها أنفع‏

* * *

ثم انتهض بجميع من‏ أحمدته‏* * *حتى يكون لك المحلّ الأرفع‏

* * *

و بذاك‏ تعتب إن تولّت عصبة* * *كانت ترفّه للوغى‏ و ترفّع‏

* * *

من معشر إعراض وجهك عنهم‏* * *فعل الجميل و سخطك المتوقّع‏

* * *

يكبو الجواد و كل حبر عالم‏* * *يهفو و تنبو المرهفات القطّع‏

* * *

أنّى قرعتم‏ يا بني صنهاجة* * *و إليكم في الرّوع كان المفزع؟

* * *

ما أنتم إلّا أسود خفيّة* * *كلّ بكلّ عظيمة تستطلع‏

* * *

____________

(1) في الحلل: «فالنكوس تضعضع». و في الجيش: «فالنكوص ...».

(2) في الحلل: «تكنّفت». و في الجيش: «تكنّفه».

(3) في الحلل: «صعبت».

(4) في المصدرين: «و دخانه».

(5) في الجيش: «... فوق الدجنّة يطلع».

(6) هذا البيت و الأبيات الخمسة التالية ساقطة في المصدرين.

(7) في الأصل: «أقصر» و هكذا ينكسر الوزن.

(8) في الحلل: «ما».

(9) في الجيش: «ثم اتّئد بجميع من أحملته ...».

(10) في الحلل: «إياك». و في الجيش: «و نراك».

(11) في الأصل: «الوغى»، و هكذا ينكسر الوزن. و في الحلل: «توفه للوعاد و تدفع». و في الجيش:

«ترفع للدعاء و ترفع».

(12) في المصدرين: «تكبو الجياد».

(13) في الجيش: «حرّ».

(14) في الحلل: «فزعتم». و في الجيش: «نزعتم».

(15) في الجيش: «حقيقة».

(16) في الحلل: «مستطلع». و في الجيش: «يتطلع».

356

ما بال سيدكم تورّط؟ لم يكن‏* * *لكم التفات نحوه و تجمّع‏

* * *

إنسان عين لم يصبه‏ منكم‏* * *جفن و قلب أسلمته الأضلع‏

* * *

تلك التي جرّت عليكم خطّة* * *شنعاء و هي على رجال أشنع‏

* * *

أو ما ليوسف جدّه منن‏ على‏* * *كلّ و فضل سابق لا يدفع‏؟

* * *

أو ما لوالده عليّ‏ نعمة* * *و بكل جيد ربقة لا تخلع؟

* * *

و لكم بمجلس تاشفين كرامة* * *و شفيعكم فيما يشاء مشفّع‏

* * *

ألا رعيتم ذاك و أحسابكم‏* * *و أنفتم من قالة تستشنع‏

* * *

أبطأتم عن تاشفين و لم يزل‏* * *إحسانه لجميعكم‏ يتسرّع‏

* * *

ردّت مكارمه لكم و توطّأت‏* * *أكنافه إنّ الكريم سميدع‏

* * *

خاف العدى لكن عليكم مشفقا* * *فهجعتم‏ و جفونه لا تهجع‏

* * *

و من العجائب أنه مع‏ سنّه‏* * *أدرى و أشهر في الخطوب‏ و أضلع‏

* * *

و لقد عفا و العفو منه سجيّة* * *و لسطوة لو شاء فيكم موضع‏

* * *

يا تاشفين، أقم‏ لجيشك عذره‏* * *فالليل‏ و القدر الذي لا يدفع‏

* * *

هجم العدوّ دجى فروّع مقبلا* * *و مضى يهينم‏ و هو منك مروّع‏

* * *

لا يزدهي إلّا سواك بها و لا* * *إلّا لغيرك بالسّنان يقنّع‏

* * *

لمّا سددت له الثّنيّة لم يكن‏* * *إلّا على ظهر المنيّة مهيع‏

* * *

و كذاك للعيرات‏ إقدام على‏* * *أسد العرين الورد ممّا يجزع‏

* * *

____________

(1) في الحلل: «تظلّم».

(2) في الحلل: «لم تصبه منكم جفر». و في الجيش: «لم يصنه ...».

(3) في المصدرين: «منّ».

(4) في الأصل: «يرفع» و التصويب من المصدرين.

(5) في الجيش: «عليكم».

(6) في الحلل: «بجميعكم».

(7) في الحلل: «مشفق».

(8) في الجيش: «بحقوقكم».

(9) في الجيش: «من».

(10) في المصدرين: «و أشهم».

(11) في الحلل: «في الحرب».

(12) في الحلل: «و عفا».

(13) في الجيش: «لهم بجيشك غدرة ...».

(14) في المصدرين: «بالليل».

(15) في الأصل: «يهيم» و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصدرين.

(16) في الأصل: «يقنقع»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(17) في الأصل: «للعير»، و هكذا ينكسر الوزن. و العيرات: جمع عير و هي القافلة أو الإبل تحمل الميرة. محيط المحيط (عير).

357

و لقد تقفّاها الزبير و قد نجت‏* * *إلّا فلولا إنّ‏ منه المصرع‏

* * *

و غدا يعاقب و النفوس حميّة* * *و السّمر هيم و الصّوارم جوّع‏

* * *

أعطش سلاحك ثم أوردها الوغا* * *كيما يلذّ لها و يصفو المشرع‏

* * *

كم وقعة لك في ديارهم انثنت‏* * *عنها أعزّتها تذلّ و تخضع‏

* * *

النّعمة العظمى سلامتك التي‏* * *فيها من الظّفر الرّضى و المقنع‏

* * *

لا ضيّع الرحمن سعيك إنه‏* * *سعي به الإسلام ليس يضيّع‏

* * *

نستحفظ الرحمن منك وديعة* * *فهو الحفيظ لكلّ ما يستودع‏

* * *

وفاته: بغرناطة في حدود السبعين و خمسمائة.

و من ترجمة الشعراء من السفر الأخير و هو الثاني عشر المفتتح بالترجمة بعد

يحيى بن محمد بن أحمد بن عبد السلام التطيلي الهذلي‏

أصله من تطيلة، و هو غرناطي، يكنى أبا بكر.

حاله: قال أبو القاسم الملّاحي: أديب‏ زمانه، و واحد أقرانه، سيال القريحة، بارع الأدب، رائق الشعر، علم في النحو و اللغة و التاريخ و العروض و أخبار الأمم، لحق بالفحول المتقدّمين، و أعجزت براعته براعة المتأخرين، و شعره مدوّن، جرى‏ في ذلك كلّه طلق الجموح. ثم انقبض و عكف على قراءة القرآن، و قيام الليل، و سرد الصوم، و صنع‏ المعشّرات في شرف النبيّ عليه الصلاة و السلام.

____________

(1) في الأصل: «و إنّ»، و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الحلل: «نستودع».

(3) في التكملة (ج 4 ص 173): توفي بأريولة من أعمال مرسية سنة 557 ه، و هو ابن تسعين سنة أو نحوها. و في بغية الوعاة (ص 416): «مات في حدود السبعين و خمسمائة، أو قبل ذلك عن سنّ عالية».

(4) ترجمة يحيى بن محمد الهذلي في التكملة (ج 4 ص 188) و بغية الوعاة (ص 412). و جاء في التكملة أنه «يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن عبد السلام الهذلي». و جاء في بغية الوعاة:

«يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن عبد السلام التطيلي الأصل الغرناطي».

(5) قارن ببغية الوعاة (ص 412- 413).

(6) كلمة «براعة» ساقطة في بغية الوعاة.

(7) في البغية: «جري‏ء».

(8) في البغية: «و النظم في مدح النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و الزهد و أمور الآخرة ...».

358

و أشعاره كثيرة، من الزهد و التذكير للآخرة، و التّجريد من الدنيا، حتى جمع له من ذلك ديوان كبير.

شعره: من ذلك قوله من قصيدة: [الطويل‏]

أذوب حياء إن تذكّرت زلّتي‏* * *و حلمك حتى ما أقلّ نواظري‏

* * *

و أسكت مغلوبا و أطرق خجلة* * *على مثل أطراف القنا و التّواتر

* * *

تعود بصفح إثر صفح تكرّما* * *على الذنب بعد الذنب يا خير غافر

* * *

و تلحظني بالعفو أثناء زلّتي‏* * *و تنظر مني في خلال جرائر

* * *

و حقّ هواك المستكنّ بأضلعي‏* * *و ما لك عندي من خفيّ ضمائر

* * *

لما قمت بالمعشار من عشر عشرة* * *و لو جئت فيه بالنجوم الزّواهر

* * *

فيا أيها المولى الصّفوح و من به‏* * *تنوء احتمالاتي بأعباء شاكر

* * *

أنلني من برد اليقين صبابة* * *ألفّ بها حدّ الهوى و الهواجر

* * *

و خلت الدّجى عذرا أهاب‏ سرى العدا* * *إليّ تغطّيني بسود الغدائر

* * *

و خافت على عيني من السّهد و البكا* * *فذرّت بقايا الكحل من جفن ساهر

* * *

و قال رادّا على ابن رشد حين ردّ على أبي حامد في كتابه المسمى «تهافت التهافت»: [الطويل‏]

كلام ابن رشد لا يبين رشاده‏* * *هو اللّيل يعشى الناظرين سواده‏

* * *

و لا سيما نقض التهافت إنه‏* * *تضمّن برساما يعزّ اعتقاده‏

* * *

كما اطّرد المحموم في هذيانه‏* * *يفوه بما يملي عليه احتداده‏

* * *

أتى فيه بالبهت الصّريح مغالطا* * *فما غيّر البحر الخضمّ ثماده‏

* * *

و حاول إخفاء الغزالة بالسّها* * *فأخفق مسعاه و ردّ اعتقاده‏

* * *

دلائل تعطيك النّقيضين بالسّوى‏* * *و أكثر ما لا يستحيل عناده‏

* * *

إذا أوضح المطلوب منها و ضدّه‏* * *يبين على قرب و بان انفراده‏

* * *

و أنت بعيد الفكر عن ترّهاته‏* * *فمعظمها رأي يقلّ سداده‏

* * *

____________

(1) في الأصل: «هابت»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(2) في الأصل: «لطرد»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

359

و من شعره‏:

إليك بسطت الكفّ في فحمة الدجى‏* * *نداء غريق في الذنوب عريق‏

* * *

رجاك ضميري كي تخلّص جملتي‏* * *فكم من فريق شافع لفريق‏

* * *

مشيخته: أخذ عن أبيه أبي عبد اللّه، و حدّث عن الأستاذ أبي الحسن جابر بن محمد التميمي، و عن الأستاذ المقرئ ببلنسية أبي محمد عبد اللّه بن سعدون التميمي الضرير، عن أبي داود المقرئ. و قرأ أيضا على الخطيب أبي عبد اللّه محمد بن عروس، و على القاضي العالم أبي الوليد بن رشد.

مولده: فجر يوم الثلاثاء الخامس و العشرين لمحرم تسعة و خمسين و خمسمائة.

وفاته: بغرناظة عام تسعة و عشرين و ستمائة.

يحيى بن بقي‏

من أهل وادي آش‏.

حاله: بارع الأدب، سيّال القريحة، كثير الشعر جيّده في جميع أنواعه. و كان مع ذلك موصوفا بغفلة.

شعره‏: [الكامل‏]

بأبي غزال غازلته مقلتي‏* * *بين العذيب و بين شطّي بارق‏

* * *

____________

(1) البيتان في بغية الوعاة (ص 413).

(2) في البغية: «فداء».

(3) يكنى أبا بكر، و قد اختلف في اسم أبيه، و ترجمته في الذخيرة (ق 2 ص 615) و قلائد العقيان (ص 278) و معجم الأدباء (ج 5 ص 626) و التكملة (ج 4 ص 171) و المغرب (ج 2 ص 19) و خريدة القصر- قسم شعراء المغرب (ج 2 ص 130) و المطرب (ص 198) و الفلاكة و المفلوكون (ص 134) و المقتضب من كتاب تحفة القادم (ص 137) و أخبار و تراجم أندلسية (ص 50) و جيش التوشيح (ص 2) و دار الطراز (ص 196) و أزهار الرياض (ج 2 ص 208) و نفح الطيب (ج 2 ص 17) و (ج 6 ص 14) و وفيات الأعيان (ج 5 ص 167) و معجم السفر (ص 151).

(4) كما اختلف في اسم أبيه، اختلف في البلد الذي هو منه؛ ففي الذخيرة و المغرب: طليطلي.

و في معجم الأدباء و وفيات الأعيان: قرطبي. و في التكملة: من أهل فرتش من أحواز شقورة.

و في المطرب: من شعراء الجزيرة. و في معجم السفر و أخبار و تراجم أندلسية: سرقسطي. و في المقتضب من كتاب تحفة القادم: إشبيلي.

(5) القصيدة في وفيات الأعيان (ج 5 ص 168) و معجم الأدباء (ج 5 ص 627) و المطرب (ص 198) و المغرب (ج 2 ص 21) و قلائد العقيان (ص 278) و المقتضب (ص 137) و الذخيرة (ق 2 ص 636) و الفلاكة (ص 135) و نفح الطيب (ج 4 ص 184) و (ج 6 ص 15).

360

و سألت منه قبلة تشفي الجوى‏* * *فأجابني‏ عنها بوعد صادق‏

* * *

و أتيت منزله و قد هجع العدا* * *أسري إليه كالخيال الطّارق‏

* * *

بتنا و نحن من الدّجى في لجّة* * *و من النجوم الزّهر تحت سرادق‏

* * *

عاطيته و الليل يسحب ذيله‏* * *صهباء كالمسك العتيق‏ لناشق‏

* * *

حتى إذا مالت‏ به سنة الكرى‏* * *باعدته‏ شيئا و كان معانقي‏

* * *

أبعدته‏ من أضلع تشتاقه‏* * *كي لا ينام على وساد خافق‏

* * *

و ضممته ضمّ الكميّ لسيفه‏* * *و ذؤابتاه حمائل في عاتقي‏

* * *

لمّا رأيت الليل ولّى‏ عمره‏* * *قد شاب في لمم له و مفارق‏

* * *

ودّعت من أهوى و قلت تأسّفا:* * *أعزز عليّ بأن أراك مفارقي‏

* * *

وفاته: توفي بمدينة وادي آش سنة أربعين و خمسمائة.

يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجبر الفهري‏

فرتشي‏، و قال صفوان: إنه بلّشي‏، يكنى أبا بكر.

____________

(1) في وفيات الأعيان: «زيارة».

(2) في الأصل: «فأجاب»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من وفيات الأعيان.

(3) في وفيات الأعيان: «منها».

(4) في المصدر نفسه: «خيمة».

(5) في الأصل: «صبا»، و التصويب من المصادر.

(6) في وفيات الأعيان و المطرب و النفح: «الفتيق». و في الذخيرة: «الذكيّ».

(7) في الأصل: «حتى إذا ما مالت ...»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من المصادر.

(8) في وفيات الأعيان و القلائد و الفلاكة و المطرب و النفح: «زحزحته».

(9) في وفيات الأعيان: «عين». و في المطرب: «رفقا».

(10) في المغرب و المطرب و الفلاكة: «باعدته عن ...». و في الذخيرة: «زحزحته عن ...».

(11) في وفيات الأعيان: «آخر».

(12) في معجم الأدباء: «مشيّعا».

(13) في التكملة: «توفي سنة خمس و أربعين و خمسمائة».

(14) في الأصل: «ابن مجير» بالياء المثناة، و قد صوّبناه كما جاء في المصادر التي ترجمت له و هي:

بغية الملتمس (ص 508) و التكملة (ج 4 ص 183) و وفيات الأعيان (ج 5 ص 380) و زاد المسافر (ص 9) و فوات الوفيات (ج 4 ص 275) و البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 192، 200، 203) و نفح الطيب (ج 4 ص 109) و (ج 5 ص 300) و (ج 6 ص 106، 148). و في الحلل الموشية (ص 109) و كشف الظنون (ص 868): «ابن مجير» بالياء المثناة.

(15) في الأصل: «فرنشي»، و التصويب من التكملة. و فرتشي: نسبة إلى فرتش و هي من أحواز شقورة.

(16) في الأصل: «بليي»، و التصويب من زاد المسافر و التكملة. و بلّشي: نسبة إلى بلّش.

361

حاله: قال ابن عبد الملك: كان‏ في وقته شاعر المغرب، لم يكن يجري أحد مجراه من فحول الشعراء. يعترف له بذلك أكابر الأدباء، و تشهد له بقوة عارضته و سلامة طبعه قصائده التي صارت مثالا، و بعدت على قربها منالا. و شعره كثير مدوّن، و يشتمل على أكثر من سبعة آلاف بيت و أربعمائة بيت. امتدح الأمراء و الرؤساء، و كتب عن بعضهم، و حظي عندهم حظوة تامة، و اتصل بالأمير أبي عبد اللّه بن سعد، و له فيه أمداح كثيرة. و بعد موته انتقل إلى إشبيلية، و بملازمته للأمير المذكور، و كونه في جملته، استحقّ الذكر فيمن حلّ بغرناطة. و من أثرته لدى ملوك مراكش، أنه أنشد يوسف بن عبد المؤمن‏ يهنّئه بفتح من قصيدة: [الخفيف‏]

إنّ خير الفتوح ما جاء عفوا* * *مثل ما يخطب البليغ‏ ارتجالا

* * *

قالوا: و كان أبو العباس الجراوي الأعمى الشاعر حاضرا، فقطع عليه؛ لحسادة وجدها، فقال: يا سيدنا، اهتدم فيه بيت ابن‏ وضّاح: [الرجز]

خير شراب ما جاء عفوا* * *كأنه خطبة ارتجالا

* * *

فبدر المنصور، و هو حينئذ وزير أبيه، و سنّه في حدود العشرين من عمره، فقال: إن كان قد اهتدمه، فقد استحقّه لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف، فسرّ أبوه لجوابه، و عجب منه الحاضرون.

و مرّ المنصور أيام إمرته بأونبة من أرض شلب، و وقف على قبر أبي محمد بن حزم، و قال: عجبا لهذا الموضع، يخرج منه مثل هذا العالم. ثم قال: كلّ‏

____________

(1) قارن بنفح الطيب (ج 4 ص 209).

(2) في النفح: «تسعة».

(3) هو محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش، أمير بلنسية و شرق الأندلس، توفي سنة 567 ه. و قد ترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة.

(4) حكم يوسف بن عبد المؤمن الموحدي المغرب و الأندلس، و توفي سنة 558 ه. و لم يكن، هو و من جاء بعده، ملوكا، بل خلفاء. ترجمته في البيان المغرب- قسم الموحدين (ص 83) و الحلل الموشية (ص 119).

(5) البيت في نفح الطيب (ج 4 ص 209).

(6) في الأصل: «جاءت»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(7) في النفح: «الخطيب».

(8) كلمة «ابن» ساقطة في النفح.

(9) في النفح: «كان».

(10) في الأصل: «ارتجال»، على أساس مضاف إلى «خطبة»، و كذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «بلوقية»، و التصويب من النفح. و أونبةHuelva : مدينة تبعد عن لبلة ستة فراسخ.

الروض المعطار (ص 63).

362

العلماء عيال على ابن حزم. ثم رفع رأسه، و قال: كما أنّ الشعراء عيال عليك يا أبا بكر، يخاطب ابن مجير.

شعره: من شعره يصف الخيل العتاق من قصيدة في مدح المنصور:

[الطويل‏]

له خطّت‏ الخيل العتاق كأنها* * *نشاوى تهادت‏ تطلب العزف‏ و القصفا

* * *

عرائس أغنتها الحجول عن الحلى‏* * *فلم تبغ خلخالا و لا التمست وقفا

* * *

فمن يقق‏ كالطّرس تحسب أنه‏* * *و إن جرّدوه في ملاءته التفّا

* * *

و أبلق أعطى الليل نصف إهابه‏* * *و غار عليه الصبح فاحتبس النّصفا

* * *

و ورد تغشّى جلده شفق الدّجى‏* * *فإذا حازه حلّى‏ له الذّيل و العرفا

* * *

و أشقر مجّ الراح صرفا أديمه‏* * *و أصفر لم يسمح بها جلده صرفا

* * *

و أشهب فضّيّ الأديم مدنّر* * *عليه خطوط غير مفهمة حرفا

* * *

كما خطر الزاهي بمهرق كاتب‏* * *يجرّ عليه ذيله و هو ما جفّا

* * *

تهبّ على الأعداء منها عواصف‏* * *ستنسف‏ أرض المشركين بها نسفا

* * *

ترى كلّ طرف‏ كالغزال فتمتري‏* * *أظبيا ترى تحت العجاجة أم طرفا؟

* * *

و قد كان في البيداء يألف سربه‏* * *فربّته مهرا و هي تحسبه خشفا

* * *

تناوله لفظ الجواد لأنه‏* * *متى‏ ما أردت الجري أعطاكه ضعفا

* * *

____________

(1) هو المنصور يعقوب بن يوسف الموحدي، الذي حكم المغرب و الأندلس من سنة 580 ه إلى سنة 595 ه. البيان المغرب. قسم الموحدين (ص 170). و القصيدة في نفح الطيب (ج 4 ص 209- 210).

(2) في النفح: «له حلبة الخيل ...».

(3) في النفح: «تهاوت».

(4) في الأصل: «العرف» و التصويب من النفح.

(5) في الأصل: «يفق»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى، و التصويب من النفح. و اليقق: الشديد البياض.

(6) في النفح: «دلّى».

(7) في النفح: «خطّط».

(8) في النفح: «فجرّ».

(9) في الأصل: «جرفا»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

(10) في الأصل: «تنسف»، و كذا لا يستقيم الوزن، و التصويب من النفح.

(11) الطّرف: الكريم من الخيل.

(12) في الأصل: «أطيبا» و التصويب من النفح.

(13) في النفح: «على».

363

و لمّا اتخذ المنصور ستارة المقصورة بجامعه‏، و كانت مدبرة على انتصابها إذا استقرّ المنصور و وزراؤه بمصلّاه، و اختفائها إذا انفصلوا عنها، أنشد في ذلك الشعراء، فقال ابن مجبر من قصيدة أولها: [الكامل‏]

أعلمتني ألقي عصا التّسيار* * *في بلدة ليست بدار قرار

* * *

و منها في وصف المقصورة:

طورا تكون بمن حوته محيطة* * *فكأنها سور من الأسوار

* * *

و تكون حينا عنهم مخبوّة* * *فكأنها سرّ من الأسرار

* * *

و كأنما علمت مقادير الورى‏* * *فتصرّفت لهم على مقدار

* * *

فإذا أحسّت بالإمام‏ يزورها* * *في قومه قامت إلى الزّوّار

* * *

و يكفي من شعر ابن مجبر هذا القدر العجيب، (رحمه اللّه).

من روى عنه: حدّث عنه أبو بكر محمد بن محمد بن جمهور، و أبو الحسن بن الفضل، و أبو عبد اللّه بن عيّاش، و أبو علي الشّلوبين، و أبو القاسم بن أحمد بن حسان، و أبو المتوكل الهيثم، و جماعة.

وفاته: توفي بمراكش سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و سنّه ثلاث و خمسون سنة.

يوسف بن محمد بن محمد اليحصبي اللوشي، أبو عمر

حاله: من كتاب ابن مسعدة: خطيب الإمامة السّعيدة النّصرية الغالبية، و صاحب قلمها الأعلى. كان شيخا جليلا، فقيها، بارع الكتابة، ماهر الخطّة، خطيبا

____________

(1) النص مع الشعر في نفح الطيب (ج 4 ص 210).

(2) في النفح: «المنصور مقصورة الجامع بمراكش».

(3) قوله: «ابن مجبر» ساقط في الأصل، و قد أضفناه من النفح.

(4) الأبيات أيضا في الحلل الموشية (ص 109).

(5) في الحلل الموشية: «طورا».

(6) في النفح: «محبوّة».

(7) في النفح: «و كأنها».

(8) في الحلل الموشية: «بالأمير».

(9) في وفيات الأعيان: توفي سنة 587 ه. و في التكملة: توفي سنة 588 ه، و قيل: 587 ه.

(10) كان يوسف بن محمد بن محمد اليحصبي كاتبا لسلطان الأندلس الغالب بالله أبي عبد اللّه محمد بن يوسف. اللمحة البدرية (ص 45).

(11) هو أحمد بن محمد بن سعيد بن مسعدة، المتوفى سنة 699 ه، و كتابه الذي يشير إليه ابن الخطيب ألّفه ابن مسعدة في تاريخ قومه و قرابته، كما في ترجمته في الجزء الأول من الإحاطة.

364

مصقعا، منقطع القرين في عصره، منفردا عن النّظير في مصره، عزيزا، أنوفا، فاضلا، صالحا، خيّرا، شريف النفس، منقبضا، و قورا، صموتا، حسن المعاشرة، طيب المحادثة.

مشيخته: حدّث عن والده الشيخ الراوية أبي عبد اللّه، و عن الأستاذ ابن يربوع. و لقي بإشبيلية الأستاذ أبا الحسن الدبّاج، و رئيس النحاة أبا علي الشّلوبين، و غيرهما.

شعره: و من شعره، و إن كان غير كثير، قوله: [الخفيف‏]

شرّد النوم عن جفونك و انظر* * *كلمة توقظ النفوس النّياما

* * *

فحرام على امرئ يشاهد* * *حكمة اللّه أن يلذّ المناما

* * *

و قوله: [الرمل‏]

ليس للمرء اختيار في الذي‏* * *يتمنّى من حراك و سكون‏

* * *

إنّما الأمر لربّ واحد* * *إن يشا قال له: كن فيكون‏

* * *

وفاته: توفي في المحرم من عام ستين و ستمائة، و دفن بمقبرة باب إلبيرة.

و حضر جنازته الخاصة و العامة، السلطان فمن دونه، و كلّ ترحّم عليه، و تفجّع له.

حدّثني حافده شيخنا، قال: أخرج الغالب بالله، يوم وفاته، جبّة له، لبسته مرفوعة، من ملفّ أبيض اللون، مخشوشنة، زعم أنها من قديم مكسبه من ثمن مغنم ناله، قبل تصيّر الملك إليه، أمر ببيعها، و تجهيزه من ثمنها، ففعل، و في هذا ما لا ما مزيد عليه من الصّحة و السلامة، و جميل العهد، رحم اللّه جميعهم.

يوسف بن علي الطرطوشي، يكنى أبا الحجاج‏

حاله: من «العائد»: كان، (رحمه اللّه)، من أهل الفضل و التواضع، و حسن العشرة، مليح الدّعابة، عذب الفكاهة، مدلّا على الأدب جدّه و هزله، حسن الخط، سلس الكتابة، جيّد الشعر، له مشاركة في الفقه و قيام على الفرائض. كتب بالدار السلطانية، و امتدح الملوك بها، ثم توجّه إلى العدوة، فصحب خطة القضاء عمره، مشكور السيرة، محفوفا بالمبرّة.

____________

(1) في الأصل: «يشاء» و هكذا ينكسر الوزن.

(2) ترجمة أبي الحجاج الطرطوشي في الدرر الكامنة (ج 5 ص 242) و نفح الطيب (ج 8 ص 399).

365

و جرى ذكره في «الإكليل» بما نصّه‏: روض أدب لا تعرف الذّواء أزهاره، و مجموع فضل لا تخفى آثاره، كان في فنون الأدب مطلق الأعنّة، و في معاركه ماضي الظّبا و الأسنّة. فإن هزل، و إلى تلك الطريقة اعتزل، أبرم من الغزل‏ ما غزل، و بذل من دنان راحته ما بذل‏. و إن صرف إلى المعرب‏ غرب‏ لسانه، و أعاره لمحة من إحسانه، أطاعه عاصيه، و استجمعت لديه أقاصيه. ورد على الحضرة الأندلسية و الدنيا شابّة، و ريح القبول هابّة، فاجتلى محاسن أوطانها، و كتب عن سلطانها. ثم كرّ إلى وطنه‏ و عطف، و أسرع اللحاق كالبارق إذا خطف. و توفي عن سنّ عالية، و برود من العمر بالية.

و من شعره أيام حلوله بهذه البلاد، قوله يمدح الوزير ابن الحكيم، و يلمّ بذكر السّلم في أيامه: [البسيط]

رضاكم إن مننتم خير مرهوب‏* * *و ما سوى هجركم عندي بموهوب‏

* * *

لكم كما شئتم العتبى و عتبكم‏* * *مقابل الرضى من غير تثريب‏

* * *

منوا بلحظ رضى لي ساعة فعسى‏* * *أنال منه لدهري طبّ مطبوب‏

* * *

فكم أثارت لي الأيام و ابتسمت‏* * *ثغور سعدي بتقريب فتقريب‏

* * *

قد كنّ بيضا رعابيبا بقربكم‏* * *و الآن يوصفن بالسّود الغرابيب‏

* * *

آها لدهر تقضّى لي بباكم‏* * *مرتّب للأماني أيّ ترتيب‏

* * *

ما كان إلّا كأحلام سررت بها* * *فواصلت حال تقويض بتطنيب‏

* * *

يا ليت شعري هل تقضى بعودته‏* * *فأقدر الحسن منه بعد تجريب؟

* * *

و منها:

يا أيها السيد الأعلى الذي يده‏* * *حازت ندى السّحب مسكوبا بمسكوب‏

* * *

فلو سألنا بلاد اللّه عن كرم‏* * *فيها لكفّيه و الأنواء منسوب‏

* * *

لقلن: إن كان جود لا يضاف لذي ال* * *وزارتين فجود غير محسوب‏

* * *

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 399).

(2) في الأصل: «الدواة» و التصويب من النفح. و الذّواء: الذبول. لسان العرب (ذوى).

(3) في الأصل: «في الغزال»، و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «و بزل من دنان راحه ما بزل».

(5) في النفح: «المغرب».

(6) غرب اللسان: صرامته، و غرب السيف: حدّه. لسان العرب (غرب).

(7) في النفح: «أوطانه».

(8) في النفح: «غالية».

366

فالعود جنس و لكن في إضافته‏* * *للهند يختصّ عود الهند بالطّيب‏

* * *

من سيّد لا يوفّي الحمد واجبه‏* * *و لو تواصل مكتوبا بمكتوب‏

* * *

له المحامد لا تحصى و لا عجب‏* * *فرمل عالج‏ شيّ غير محسوب‏

* * *

تناول الشّرف الأقصى بعزمة ذي‏* * *ظنّ نبيل الأماني غير مكذوب‏

* * *

و واصل المجد من آياته شرفا* * *بمجده وصل أنبوب بأنبوب‏

* * *

و جاء مكتسبا أعلى ذخائره‏* * *و المجد ما بين موروث و مكسوب‏

* * *

ردء الخليفة لا يرتاح من نصب‏* * *في بذل نصح لحفظ قائم‏ منصوب‏

* * *

موفّق الرأي مأمون النّقيبة في‏* * * تدبير ذي حنكة صحّت و تدريب‏

تهابه النفس إذ ترجوه من شرف‏* * * فشأنه بين مرهوب و مرغوب‏

و منها:

يا أوحد العصر في فضل و في كرم‏* * * خصال قاطع دهر (3) في

التّجاريب‏

أعد فديت لأمري منعما نظرا* * * ينل به همّ حالي بعض تشبيب‏

لولا ارتكاب حسود الأمر (4) في ضرري‏* * * ما كان ظهر النّوى

عندي بمركوب‏

هذا زماني و منك الأمن حاربني‏* * * حتى أراني في حالات محروب‏

فامنن بتفريج كربي بالرضا فإذا* * * رضيت لم أك من شي‏ء بمكروب‏

إن لم أذق من رضاكم ما ألذّ به‏* * * فلا حياة بمأكول و مشروب‏

و من شعره: [المتقارب‏]

بذكرك تشرح آي العلا* * * و تسند أخباره في الصحيح‏

بأفقك يشرق بدر السّنا* * * و باسمك يحسن نظم المديح‏

و ما يحسن العقد إلّا إذا* * * تحلّت به ذات وجه مليح‏

وفاته: كان حيّا عام أحد و أربعين و سبعمائة.

____________

(1) عالج: موضع سمّي بذلك تشبيها به بالبعير العالج، و هو رملة بالبادية مسمّاة بهذا الاسم. معجم البلدان (ج 4 ص 69).

(2) كلمة «قائم» ساقطة في الأصل، و قد أضفناها ليستقيم الوزن و المعنى معا.

(3) في الأصل: «دهره»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(4) في الأصل: «حسودي لأمر»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

367

و من ترجمة المحدّثين و الفقهاء و سائر الطلبة النجباء:

يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن علي الأنصاري‏

يكنى أبا بكر، و يعرف بالعشّاب، و يعرف بالبرشاني‏ (1).

حاله: كان هذا الشيخ من أهل الخير، كثير التؤدة و الصمت، معرضا عمّا لا يعنيه. رحل إلى الحج، و أقام هنالك سنين، و قفل منها فخطب بأرجبة (2). و أخذ ببلاد المشرق عن قطب الدين القسطلانيّ، و أبي الفضل ابن خطيب المري، و زين الدين أبي بكر محمد بن إسماعيل الأنماطي. و لقي أبا علي بن الأحوص بالأندلس و لم يأخذ عنه. أنشدني شيخنا أبو البركات، قال: أنشدني الشيخ أبو بكر البرشاني، و قد لقيته بأرجبة، قال: أنشدنا الإمام أبو عبد اللّه بن النعمان عن قطب الدين:

[الطويل‏]

إذا كان أنسي في لزومي وحدتي‏* * * و قلبي من كلّ البريّة خال‏

فما ضرّني من كان للدّهر (3) قاليا* * * و ما سرّني من كان فيّ موال‏

و من العمال‏

يوسف بن رضوان بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان بن يوسف بن رضوان بن محمد بن خير بن أسامة الأنصاري النّجاري‏

قال القاضي المؤرخ أبو الحسن بن الحسن ممليه: و الذي رفع إليّ هذا النسب للركانة هو صاحبنا الفقيه أبو القاسم ولده، و رفع هذا النسب بحاله من التكرار دليل على أصالته.

حاله: من أهل الخير و الخصوصية، و حسن الرّواء و الوقار و الحياء و المودّة.

نبيه القدر، معروف الأمانة، صدر في أهل العقد و الحل ببلده، بيته بيت صون و خير و استعمال، و لو لم يكن من بركات هذا الرجل و آثار فضله إلّا ابنه صدر الفضلاء و بقية

____________

(1) البرشاني: نسبة إلى برشانةPurchena ، و هي من مدن ألمرية.

(2) أرجبة: بالإسبانيةOrjiva ، و هي من مدن غرناطة. مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر (ص 53).

(3) في الأصل: «لي الدّهر»، و كذا لا يستقيم الوزن و لا المعنى.

368

الخواص أبو القاسم لكفاه. تولّى قيادة الديوان بمالقة بلده، أرفع الخطط الشرعية العملية، فحمدت سيرته.

وفاته: وفاته بمالقة في ... (1) و على قبره مكتوب من نظم ولده: [الطويل‏]

إلاهي، خدّي في التراب تذلّلا* * * بسطت، عسى رحماك يحيا بها الروح‏

و جاوزت أجداث الممالك خاضعا* * * و قلبي مصدوع و دمعي مسفوح‏

و وجّهت وجهي نحو جودك ضارعا* * * لعلّ الرضى من جنب حلمك ممنوح‏

أتيت فقيرا و الذنوب تؤدني‏* * * و في القلب من خوف الجرائم تبريح‏

و لم أعتمد إلّا الرّجاء (2) وسيلة* * * و إخلاص إيمان به الصّدر

مشروح‏

و أنت غنيّ عن عذابي و عالم‏* * * بفقري و باب العفو عندك مفتوح‏

فهب لي عفوا من لدنك و رحمة* * * يكون بها من ربقة الذنب تسريح‏

و صلّ على المختار ما همع الحيا* * * و ما طلعت شمس و ما هبّت الريح‏

و من ترجمة الزهاد و الصلحاء

يحيى بن إبراهيم بن يحيى البرغواطي‏ (3)

من أهل أنفا، من بيت عمال يعرفون ببني التّرجمان، أولي شهرة و شدّة على الناس و ضغط. و كان من الحظوة و ضدّها بباب سلطانهم ديدن الجباة. غرّب‏ (4) عنهم و انقطع إلى لقاء الصالحين و صحبة الفقراء المتجرّدين، و قدم على الأندلس عابدا، كثير العمل، على حداثة سنّه، و نزل برباط السّودان، من خارج مالقة، و اشتهر، و انثال عليه الناس. ثم راض طول ذلك الاجتهاد، و أنس بمداخلة الناس.

حاله: هذا (5) الرجل نسيج وحده في الكفاية، و طلاقة اللسان، مدل على أغراض الصوفية، حافظ لكل غريبة من غرائب طريقتهم، متكلّم‏ (6) في مشكلات أقوالهم، قائم على كثير من أخبارهم، يستظهر حفظ جزءي إسماعيل الهروي المسمى ب «منازل السائرين إلى الحق»، و القصيدة الكبيرة لابن الفارض. عديم النظير في ذلك‏

____________

(1) بياض في الأصول.

(2) في الأصل: «الرجا»، و كذا ينكسر الوزن.

(3) ترجمة يحيى البرغواطي في نفح الطيب (ج 8 ص 327).

(4) من هنا حتى كلمة «المتجرّدين» في نفح الطيب (ج 8 ص 327)، و جاء فيه: «عزف» بدل «غرّب».

(5) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 327- 328) و المقري ينقل بتصرف.

(6) في النفح: «يتكلّم في مشكلاتهم».

369

كله، مليح الملبس، مترفّع عن الكدية، عزيز النفس، قليل الإطراء، حسن الحديث، عذب التّجاوز فيه، على سنن من السّذاجة و السّلامة و الرجولة و الحمل، صاحب شهرة قرعت به أبواب الملوك بالعدوتين. و على ذلك فمغضوض منه، محمول عليه، لما جبل عليه من رفض الاضطلاع‏ (1)، و ترك السّمت، و اطّراح‏ (2) التغافل، و ولوعه بالنقد و المخالفة في كل ما يطرق سمعه، مرشّحا ذلك بالجدل‏ (3) المبرم، ذاهبا أقصى مذاهب القحة، كثير الفلتات. نالته بسبب هذه البليّة محن كثيرة، أفلت منها بجريعة الذقن، و وسم بالوهن‏ (4) في دينه، مع صحة العقل. و كان الآن عامرا للرّباط المنسوب إلى اللّجام، على رسوم الشياخة، و عدم التابع، مهجور الفناء.

مشيخته: زعم أنه حجّ، و لقي جلّة، منهم الشيخ أبو الطاهر بن صفوان المالقي، و لقاؤه إياه و صحبته معروف بالأندلس، و غير ذلك مما يدّعيه متعدّد الأسماء.

تواليفه: قيّد (5) الكثير من الأجزاء، منها في نسبة الذنب إلى الذاكر جزء نبيل غريب المأخذ، و فيما (6) أشكل من كتاب أبي محمد ابن الشيخ. و صنّف كتابا كبير الحجم في الاعتقاد (7)، جلب فيه كثيرا من الأقوال و الحكايات‏ (8)، رأيت عليه بخط شيخنا عبد اللّه‏ (9) بن المقري ما يدلّ على استحسانه. و طلب‏ (10) مني الكتب عليه بمثل ذلك، فكتبت له ببعض و رقاته‏ (11)، إثارة لضجره، و استدعاء لفكاهة انزعاجه، ما نصّه: وقفت من الكتاب المنسوب لأبي‏ (12) زكريا البرغواطي، على برسام‏ (13) محموم، و اختلاط مذموم، و انتساب زنج في روم، و كان حقّه أن يتهيّب طريقا لم يسلكها، و يتجنّب عقيلة (14) لم يملكها، إذ المذكور لم يتلقّ شيئا من علم الأصول، و لا نظر في الإعراب في فصل من الفصول. إنما

____________

(1) في النفح: «الاصطلاح».

(2) في الأصل: «و اضطراح»، و التصويب من النفح.

(3) في الأصل: «بالجد» و التصويب من النفح. و الجدل المبرم: المضجر. لسان العرب (برم).

(4) في النفح: «بالرهق».

(5) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 328).

(6) في النفح: «و منها فيما».

(7) في المصدر نفسه: «الاعتقادات».

(8) في المصدر نفسه: «كثيرا من الحكايات».

(9) في النفح: «أبي عبد اللّه المقري».

(10) النص مع الشعر في نفح الطيب (ج 8 ص 329- 330).

(11) في النفح: «أوراقه».

(12) في النفح: «لصاحبنا أبي زكريا ...».

(13) البرسام في الأصل التهاب يصيب غشاء الرئة و يسمّى ذات الجنب، و هو هنا بمعنى الهذيان؛ لأن من لوازم البرسام أن يهذي صاحبه نتيجة ارتفاع حرارته. لسان العرب (برسم).

(14) في الأصل: «غفلة»، و التصويب من النفح.

370

هي قحة (1) و خلاف، و تهاون بالمعارف و استخفاف، غير أنه يحفظ في طريق القوم كلّ نادرة، و فيه رجولة (2) ظاهرة، و عنده طلاقة لسان، و كفاية قلّما تتأتّى لإنسان.

فإلى اللّه نسأل‏ (3) أن يعرّفنا بمقادير (4) الأشياء، و يجعلنا بمعزل عن الأغبياء. و قد قلت مرتجلا عند (5) أول نظرة، و اجتزأت‏ (6) بقليل من كثرة: [الخفيف‏]

كلّ جار لغاية مرجوّة* * * فهو عندي لم يعد حدّ (7) الفتوّه‏

و أراك اقتحمت ليلا بهيما* * * مولجا منك ناقة في كوّه‏ (8)

لا اتّباعا و لا اختراعا أرتنا (9)* * * إذ نظرنا عروسك المجلوّه‏

كلّ ما قلته فقد قاله النا* * * س مقالا آياته متلوّه‏

لم تزد غير أن أبحت حمى الإع* * * راب في كلّ لفظة مقروّه‏

نسأل‏ (10) اللّه فكرة تلزم العق* * * ل إلى حشمة تحوط

(11) المروّه‏

و عزيز عليّ أن كنت‏ (12) يحيى‏* * * ثم لم تأخذ

(13) الكتاب بقوّه‏ (14)

و من البرسام الذي يجري على لسانه بين الجدّ و القحة، و الجهالة و المجانة، قوله لبعض خدّام باب السلطان، و قد ضويق في شي‏ء أضجره منقولا من خطّه، بعد ردّ كثير منه إلى الإعراب:

اللّه نور السماوات من غير نار و لا غيرها، و السلطان ظلاله و سراجه في الأرض، و لكل منهما فراش مما يليق به و يتهافت عليه، فهو تعالى محرق فراشه بذاته، مغرقهم بصفاته، و سراجه و ظلّه. و هو السلطان محرق فراشه بناره، مغرقهم بزيته و نواله. ففراش اللّه ينقسم إلى حامدين، و مسبّحين، و مستغفرين، و أمناء و شاخصين. و فراش السلطان ينقسمون إلى أقسام، لا ينفكّ أحدهم عنها. و هم وزغة ابن وزغة، و كلب ابن كلب، و كلب مطلقا، و عار ابن عار، و ملعون ابن ملعون، و قط

____________

(1) القحة: الجفاء. لسان العرب (وقح).

(2) في النفح: «رجولية».

(3) في النفح: «نضرع».

(4) في النفح: «مقادير».

(5) في النفح: «من».

(6) في النفح: «و اجتزاء».

(7) في النفح: «حقّ».

(8) في الأصل: «كوّبه»؛ و التصويب من النفح. و الكوّة: الخرق في الحائط.

(9) في النفح: «أتتنا».

(10) في الأصل: «نسل» و التصويب من النفح.

(11) في الأصل: «تحوطها»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(12) في الأصل: «كب»، و التصويب من النفح.

(13) في الأصل: «نأخذ»، و التصويب من النفح.

(14) يشير هنا إلى قوله تعالى في شأن يحيى بن زكريا: يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ. سورة مريم 19، الآية 12.

371

ابن قط، و محق. فأما الوزغة، فهو المحرق في زيت نواله، المشغول بذلك عما يليق بصاحب النّعمة من النصح و بذل الجهد. و الكلب ابن الكلب، هو الكيّس المتحرّز في تهافته من إحراق و إغراق، يعطي بعض الحق، و يأخذ بعضه. و أما الكلب مطلقا، فهو الواجد و المشرّد للسفهاء عن الباب المعظّم لقليل النّعمة. و أما العار ابن عار، فهو المتعاطي في تهافته ما فوق الطّوق، و لهذا امتاز هذا الاسم بالرئاسة عند العامة، إذا مرّ بهم جلف أو متعاط، يقولون: هذا العار بن عار، يحسب نفسه رئيسا، و ذلك بقرب المناسبة، فهو موضوع لبعض الرئاسة، كما أن الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة.

و أما الملعون ابن الملعون، فهو الغالط المعاند، المشارك لربّه، المنعم عليه في كبريائه و سلطانه. و أمّا القطّ، فهو الفقير مثلي، المستغنى عنه، بكونه لا تخصّ به رتبة، فتارة في حجر الملك، و تارة في السّنداس، و تارة في أعلى المراتب، و تارة محسن، و تارة مسي‏ء، تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة، إذ هو من الطوافين، متطير بقتله و إهانته، تيّاه في بعض الأحيان لعزّة يجدها في نفسه، من حرمة أبقاها الشارع له، و كل ذلك لا يخفى. و أما الفراش المحق، فهو عند الدّول نوعان، تارة يكون ظاهرا و حظّه مسح المصباح، و إصلاح فتيله، و تصفية زيته، و ستر دخانه، و مسايسة ما أعوز من المطلوب منه. و وجود هذا شديد الملازمة ظاهرا. و أما المحقّ الباطن، فهو المشار إليه في دولته بالصلاح و الزهد و الورع، فتستقبله الخلق لتعظيمه و تركه لما هو بسبيله، فيكون وسيلة بينهم و بين ربّهم، و خليفته الذي هو مصباحهم، فإذا أراد اللّه بهلاك الدولة، و إطفاء مصباحها تولّى ذلك أهل البطالة و الجهالة، فكان الأمر كما رأيتم، و الكلّ يعمل على شاكلته.

و أفضى به الهوى و تسور حمى السياسة، و الإغياء في ميدان القحة إلى مصرع السوء، فجلد جلدا عنيفا بين يدي السلطان، كان سبب وفاته في المطبق، و ذلك في شهر المحرم من عام ثمانية و ستين و سبعمائة، و قانا اللّه المعرّات، و جنّبنا سبل المضرّات، و في كثرة تبجّحه باصطلاح المنطق قيل: [الطويل‏]

لقد كان يحيى منطقيّا مجادلا* * * تجارى سيل‏ (1) الهوى و تهوّرا

غدا مطلق التقوى و راح مكمّما* * * و أصبح من فوق الجدار مسوّرا

فما نال من معنى اصطلاح أداره‏* * * سوى أن بدا في نفسه و تصوّرا

تجاوز اللّه عنّا و عنه.

____________

(1) في الأصل: «تجارى في سبل» و هكذا ينكسر الوزن، فاقتضى التصويب.

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

[ترجمة ابن الخطيب‏]

بقية السفر الثاني عشر من كتاب الإحاطة مشتملة على ترجمة ابن الخطيب مكتوبة بقلمه بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و صلّى اللّه على سيّدنا محمد، و على آله و صحبه و سلّم تسليما يقول‏ (1) مؤلف هذا الديوان، تغمّد اللّه خطله في ساعات أضاعها، و شهوة من شهوات اللسان أطاعها، و أوقات للاشتغال بما لا يعنيه، استبدل بها اللّهو لما باعها:

أمّا بعد حمد اللّه الذي يغفر الخطيّة، و يحثّ من النّفس اللّجوج المطيّة، فيحرّك‏ (2) ركابها البطيّة، و الصلاة (3) على سيدنا و مولانا محمد ميسّر سبل الخير القاصدة (4) الوطيّة، و الرضا عن آله و صحبه منتهى القصد (5) و مناخ الطّيّة (6)، فإني لمّا فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط، مع الالتزام لمراعاة السياسة السلطانية و الارتباط، و التفتّ إليه فراقني منه صوان درر، و مطلع غرر، قد تخلّدت مآثرهم بعد (7) ذهاب أعيانهم، و انتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، و لباس تلك الأثواب، و قنعت باجتماع الشّمل بهم و لو في الكتاب. و حرصت على أن أنال منهم قربا، و أخذت من‏ (8) أعقابهم أدبا و حبّا، و كما قال‏ (9): ساقي القوم آخرهم شربا، فأجريت نفسي مجراهم في التّعريف، و حذوت بها حذوهم في باب النّسب و التّصريف، بقصد التشريف، و اللّه لا يعدمني‏

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 6- 10).

(2) في النفح: «فتحرّك ركائبها البطيّة». و البطيّة: أصلها: البطيئة، فسهّل الهمزة بقلبها ياء، ثم أدغم الياء في الياء.

(3) في النفح: «و الصلاة و السلام على ...».

(4) كلمة «القاصدة» ساقطة في النفح. و الوطيّة: الممهّدة الميسّرة، و أصلها: «الوطيئة».

(5) في النفح: «الفضل».

(6) الطيّة: النيّة و القصد. محيط المحيط (طوى).

(7) في النفح: «مع».

(8) كلمة «من» ساقطة في النفح.

(9) في النفح: «و كما قيل».

374

و إيّاهم واقفا يترحّم، و ركاب الاستغفار بمنكبيه‏ (1) يزحم، عندما ارتفعت وظائف الأعمال، و انقطعت من التّكسّبات حبال الآمال، و لم يبق إلّا رحمة اللّه التي تنتاش‏ (2) النفوس و تخلّصها، و تعينها بميسم السّعادة و تخصصها، جعلنا اللّه ممّن حسن ذكره، و وقف على التماس ما لديه فكره، بمنّه.

المؤلف‏ (3): محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن عبد اللّه بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني. قرطبي الأصل، ثم طليطليّه، ثم لوشيّه، ثم غرناطيّه. يكنى أبا عبد اللّه، و يلقّب من الألقاب المشرقية بلسان الدين.

أوّليّتي: يعرف بيتنا في القديم ببني وزير (4)، ثم حديثا (5) بلوشة ببني الخطيب.

انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية، كيحيى بن يحيى الليثي و أمثاله، عند وقعة الرّبض الشهيرة (6) إلى طليطلة، ثم تسرّبوا محوّمين على وطنهم، قبل استيلاء الطاغية عليها (7)، فاستقرّ منهم بالموسطة الأندلسية جملة من النبهاء، تضمّن منهم ذكر خلف‏ (8)، كعبد الرحمن قاضي كورة باغة، و سعيد المستوطن بلوشة، الخطيب بها، المقرون اسمه بالتّسويد عند أهلها، جاريا مجرى التسمية بالمركّب‏ (9)، تضمن ذلك تاريخ الغافقي و غيره. و تناسل‏ (10) عقبهم بها، و سكن بعضهم بمنتفريو (11)، مملكين إياها، مختطين قبل‏ (12) التحصين و المنعة، فنسبوا إليها. و كان سعيد هذا، من أهل العلم، و الخير و الصلاح، و الدّين و الفضل، و زكاء الطعمة (13). وقفني الشيخ المسنّ‏

____________

(1) في المصدر نفسه: «بمنكبه».

(2) تنتاش: تنقذ. لسان العرب (ندش).

(3) كلمة «المؤلف» ساقطة في النفح.

(4) في النفح: «بوزير».

(5) في الأصل: «حديثنا»، و التصويب من النفح.

(6) وقعة الربض تطلق على الثورة التي قام بها أهل قرطبة بتحريض من الفقهاء ضد الحكم بن هشام، بقصد خلعه، و ذلك في رمضان سنة 202 ه، و قد بدأت في الربض الجنوبي لقرطبة في الناحية المسماة، «شقندة». و كان الربض متصلا بقصر الحكم، و قد استطاع الحكم سحق الثورة و مطاردة الثوار و صلب الكثير منهم على شاطى‏ء النهر و هدم ديارهم و مساجدهم. و فرّ الكثير من أعيان قرطبة و تفرّقوا في مختلف القواعد، و سارت طائفة كبيرة منهم إلى المشرق، و لذلك سمّي الحكم بالربضي. جذوة المقتبس (ص 10) و بغية الملتمس (ص 14). و قد تحدث ابن الخطيب عن هذه الوقعة في الجزء الثالث في ترجمة والده عبد اللّه بن سعيد السلماني.

(7) في النفح: «عليه».

(8) في النفح: «خلق».

(9) في النفح: «بالمركب في تاريخ ...».

(10) في النفح: «و سكن».

(11) في النفح: «منتقرير». و منتفريو، بالإسبانيّة:Monteferio ، و هو اسم موضع، و معناه: الجبل البارد.

(12) في النفح: «مختطين جبل التحصّن ...».

(13) في النفح: «و ذكاء الفطنة. أوقفني الوزير ...».

375

الوزير أبو الحكم بن محمد المنتفريدي‏ (1)، (رحمه اللّه)، و هو بقية هذا البيت و إخباريه، على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة، تطأه الطريق المارة من إغرناطة (2) إلى إشبيلية، و قال: كان جدّك يربع‏ (3) بهذا المكان فصولا من العام‏ (4)، و يجهر بقراءة (5) القرآن، فيستوقف الرّفق‏ (6) المدلجة، الحنين إلى نغمته، و الخشوع لصدقه‏ (7)، فتعرّس رحالها لصق جداره، و تريح ظهرها موهنا، إلى أن يأتي على ورده. و توفي، و قد أصيب بأهله و حرمته‏ (8)، عندما تغلب العدوّ على بلده عنوة في خبر طويل. وقفت على مكتوبات من المتوكل على اللّه، محمد بن يوسف بن هود، أمير المسلمين بالأندلس، [القائم بها بدعوة الأئمة من ولد العباس، رضي اللّه عنهم، و من ولده أبي بكر الواثق بالله ولي عهده،] (9) في غرض إعانته، و الشّفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة، بما يدلّ على نباهة قديم‏ (10) و يفيد إثارة عبرة، و استقالة عثرة.

و تخلّف ولده عبد اللّه، جاريا مجراه في التجلّة (11)، و التّمعش من حرّ النّشب، و التزيّي بالانقباض، و التحلّي بالنزاهة، إلى أن توفي، و تخلّف ولده سعيد (12) جدّنا الأقرب، و كان صدرا خيّرا، مستوليا على خلال حميدة، من خطّ و تلاوة وفقه، و حساب، و أدب، نافس جيرته من‏ (13) بني الطّنجالي الهاشميين، و تحوّل إلى غرناطة، عندما شعر بعملهم على الثورة، و استطلاعهم إلى النّزوة التي خضدت الشوكة، و استأصلت منهم الشّأفة، و صاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، أشراف جند حمص، الداخلين إلى الجزيرة في طليعة بلج بن بشر القشيري، و لحقه من جرّاء منافسيه، لما جاهروا السلطان بالخلعان، اعتقال أعتبه السلطان بعده و أحظاه على تفئته، و ولّاه الأعمال النّبيهة، و الخطط الرّفيعة. حدّثني من أثقه‏ (14)، قال: عزم السلطان أن يقعد جدّك أستاذا لولده، فأنفت من ذلك أمّ الولد، إشفاقا عليه من فظاظة كانت فيه. ثم صاهر القوّاد من بني الجعدالة على أمّ أبي، و تمتّ‏ (15) إلى زوج السلطان ببنوّة الخؤولة، فنبه القدر، و انفسحت الحظوة، و انتاب البيت‏ (16) الرؤساء و القرابة. و كان على قوّة شكيمته، و صلابة مكسرة، مؤثرا للخمول،

____________

(1) في النفح: «المنتقريري».

(2) في النفح: «غرناطة».

(3) في النفح: «يذيع».

(4) في النفح: «من العلم».

(5) في النفح: «بتلاوة».

(6) في النفح: «الرفاق».

(7) في النفح: «إلى صدقه».

(8) في النفح: «و حرمه».

(9) ما بين قوسين ساقط في النفح.

(10) في النفح: «على نباهته قديما».

(11) في النفح: «التجلّد».

(12) في النفح: «سعيدا».

(13) كلمة «من» ساقطة في النفح.

(14) في النفح: «أثق به».

(15) في النفح: «و متّت».

(16) في النفح: «و انثال على البيت».

376

محبّا في الخير. حدّثني أبي عن أمّه، قالت: قلّما تهنّأنا نحن و أبوك طعاما حافلا لإيثاره به من كان يكمن بمسجد جواره، من أهل الحاجة، و أحلاف الضرورة، يهجم علينا منهم بكل وارش‏ (1)، يجعل يده ثني يده‏ (2)، و يشركه في أكيلته، ملتذّا بموقعها من فؤاده. توفي‏ (3) في ربيع الآخر من عام ثلاثة (4) و ثمانين و ستمائة، صهرته الشمس مستسقيا في بعض المحول، و قد استغرق في ضراعته، فدلّت الحتف على نفسه.

و تخلّف والدي، نابتا في التّرف نبت العلّيق، يكنفه رعي أيّم‏ (5)، تجرّ ذيل النعمة (6)، و تحنو منه على واحد تحذر عليه الحولى من ولد الذر (7)، ففاته لترفه حظّ كبير من الاجتهاد. و على ذلك فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلّوطي، و المقرئ أبي عبد اللّه بن مستقور (8)، و أبي إسحاق بن زورال، و خاتمة الجلّة أبي جعفر بن الزّبير، و كان يفضّله. و شارك‏ (9) أهل عصره في الرّواية المستدعاة عن أعلام المشرق، كجار اللّه أبي اليمن و غيره. و انتقل إلى لوشة بلد سلفه، مقيما للرسم‏ (10)، مخصوصا بلقب الوزارة، مرتّبا بعادة التّرف‏ (11)، إلى أن قصدها السلطان أبو الوليد، متخطّيا إلى الحضرة، هاويا إلى ملك البيضة (12)، و أجزل نزله، و عضّد أمره، و أدخله بلده، لدواع يطول استقصاؤها. و لمّا تمّ له الأمر، صحبه‏ (13) إلى دار ملكه، مستأثرا بشقص‏ (14) عريض من دنياه. و كان من رجال الكمال، طلق الوجه، أنيق المجلس، حلو النادرة، مستوليا على كثير من الخصل، متجنّدا مع الظرف، تضمّن كتاب «التّاج المحلّى» و «الإحاطة» جزءا رائعا (15) من شعره، و فقد في الكائنة العظمى بطريف، يوم الاثنين السابع‏ (16) من جمادى الأولى عام‏ (17) أحد و أربعين و سبعمائة، ثابت الجأش، غير جزوع و لا هيّابة. حدّث‏ (18) الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة، الفقيه أبو

____________

(1) في النفح: «وارد».

(2) في المصدر نفسه: «و يجعل يده مع يده».

(3) في المصدر نفسه: «و توفي في ربيع الآخر سنة ثلاث ...».

(4) في الأصل: «ثلاث»، و هو خطأ نحوي.

(5) في النفح: «أمّ».

(6) في النفح: «نعمة».

(7) في النفح: «تحذر عليه النسيم إذا سرى، ففاته ...».

(8) في النفح: «بن سمغور، و أبي جعفر بن الزبير خاتمة الجلّة، و كان يفضّله ...».

(9) من هنا حتى قوله: «أبي اليمن و غيره» ساقط في النفح.

(10) قوله: «مقيما للرسم» ساقط في النفح.

(11) قوله: «مرتبا بعادة الترف» ساقط من النفح.

(12) في النفح: «البيضة، فعضّد أمره و أدخله بلده ...».

(13) في النفح: «صحب ركابه إلى ...».

(14) الشّقص، بكسر الشين و سكون القاف: النصيب. القاموس المحيط (شقص).

(15) في النفح: «رائقا».

(16) في النفح: «سابع».

(17) في النفح: «سنة إحدى ...».

(18) في النفح: «حدّثني».

377

عبد اللّه بن اللوشي، قال: كبا بأخيك الطّرف يومئذ (1)، و قد غشى العدو، و جنحت إلى إردافه، فانحدر إليه والدك و صرفني، و قال: أنا أولى به، فكان آخر العهد بهما (2).

و خلفني‏ (3) عالي الدرجة، شهير الخطّة، مشمولا بالقبول، مكنوفا بالعناية، «و إن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها». فقلّدني السلطان كتابة سرّه، و لمّا يجتمع الشباب، و يستكمل‏ (4) السّن، معزّزة بالقيادة، و رسوم الوزارة، و استعملني في السّفارة إلى الملوك، و استنابني بدار ملكه، و رمى إلى يدي بخاتمه و سيفه، و ائتمنني على صوان ذخيرته‏ (5) و بيت ماله، و سجوف حرمه، و معقل امتناعه. و من فصول منشوره:

«و أطلقنا يده على كل ما جعل اللّه لنا النّظر فيه». و لما هلك، (قدّس اللّه روحه)، ضاعف ولده، مولاي رضي اللّه عنه، حظوتي، و أعلى مجلسي، و قصر المشورة على نصحي، إلى أن كانت عليه الكائنة، فاقتدى فيّ، أخوه المتغلب على الأمر (6)، فسجل الاختصاص، و عقد القلادة، ثم قطع الإبقاء، و عكس الاختصاص، و حلّ القلادة، لمّا حمله أولو (7) الشحناء من أعوان ثورته على القبض عليّ، فكان ذلك، و قبض‏ (8) عليّ، و نكث ما أبرم من أمانيّ، و اعتقلت بحال ترفيه. و بعد أن كبست المنازل و الدّور، و استكثر من الحرس، و ختم على الأعلاق، و أبرد (9) إلى ما نأى‏ (10)، فاستؤصلت نعمة لم تكن بالأندلس من ذوات النظائر و لا ربّات الأمثال، في تبحّر الغلّة، و فراهة الحيوان، و غبطة العقار، و نظافة الآلات، و رفعة الثياب، و استجادة العدّة، و وفور الكتب، إلى الآنية و الخرثى‏ (11)، و الفرش، و الماعون، و الزجاج، و المحكم‏ (12) و الطّيب، و الذّخيرة، و المضارب، و الأقبية (13). و اكتسحت السّائمة، و ثيران الحرث، و ظهر الحمولة (14)، و قوام الفلاحة، و أذواد (15) الخيل، فأخذ الجميع‏ (16)

____________

(1) كلمة «يومئذ» ساقطة في النفح. و الطّرف، بكسر الطاء و سكون الراء: الكريم من الخيل. لسان العرب (طرف).

(2) لهنا ينتهي النص في نفح الطيب (ج 7 ص 6- 10).

(3) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 70- 73).

(4) في النفح: «و يجتمع».

(5) في النفح: «حضرته».

(6) في النفح: «الأمر به».

(7) في النفح: «أهل الشحناء من أهل أعوان ...».

(8) في النفح: «و تقبّض».

(9) أبرد: أرسل البريد.

(10) في النفح: «ناء».

(11) كلمة «و الخرثى» ساقطة من النفح.

(12) كلمة «و المحكم» ساقطة في النفح.

(13) في النفح: «و الأبنية».

(14) ظهر الحمولة: الدواب التي يحمل عليها.

(15) في النفح: «و الخيل».

(16) في النفح: «ذلك».

378

البيع، و تناهبتها الأسواق، و صاحبها البخس، و رزأتها الخونة، و شمل الخاصة و الأقارب الطّلب، و استخلصت‏ (1) القرى و الجنّات‏ (2)، و أعملت الحيل، و دسّت الإخافة، و طوّقت الذنوب، و أمدّ اللّه بالصبر (3)، و أنزل السكينة، و انصرف اللسان إلى ذكر اللّه تعالى، و تعلّقت الآمال به، و طبقت نكبة مصحفيّة (4)، مطلوبها الذّات، و سبب‏ (5) إفاتتها المال، حسبما قلت عند إقالة العثرة، و الخلاص من الهفوة:

[الطويل‏]

تخلّصت منها نكبة مصحفيّة* * * لفقداني المنصور من آل عامر

و وصلت الشّفاعة فيّ مكتتبة بخطّ ملك المغرب، و جعل خلاصي شرطا في العقدة، و مسالمة الدولة، فانتقلت صحبة سلطاني المكفور الحقّ إلى المغرب. و بالغ ملكه في برّي، واغيا في حلّة رعيي منزلا رحبا، و عيشا حفضا، و إقطاعا جمّا، و جراية ما وراءها مرمى، و جعلني بمجلسه صدرا. ثم أسعف قصدي في تهني‏ء (6) الخلوة بمدينة سلا، منوّه الصّكوك، مهنّأ القرار، متفقّدا باللّهى و الخلع، مخوّل العقار، موفور الحاشية، مخلّى بيني و بين إصلاح معادي، إلى أن ردّ اللّه تعالى على السلطان أمير المسلمين أبي عبد اللّه ابن أمير المسلمين أبي الحجاج ملكه، و صيّر إليه حقّه، و صرف إليه كرسيه، فطالبني بوعد ضربته، و عهد (7) في القدوم عليه بولده أحكمته، و لم يوسعني عذرا، و لا فسح في التّرك مجالا. فقدمت عليه بولده، في اليوم الأغرّ المحجّل، و قد ساءه بإمساكه رهينة ظنّه‏ (8)، و نغّص مسرّة الفتح بعده، على حال من التقشّف، و الرغبة (9) عمّا بيده، و عزف عن الطمع في الكسب‏ (10) و زهد في الرّفد (11)، حسبما قلت، في بعض المقطوعات في مخاطبته، شكر اللّه عني فضله:

[الكامل‏]

قالوا لخدمته دعاك محمد* * * فكرهتها (12) و زهدت في التّنويه‏

فأجبتهم أنا و المهيمن كاره‏* * * في خدمة المولى محبّ فيه‏

____________

(1) استخلصت: أضيفت إلى مستخلص السلطان أو الأملاك الملكية الخاصة.

(2) كلمة «و الجنّات» ساقطة في النفح.

(3) في النفح: «بالعون».

(4) نسبة إلى جعفر بن محمد المصحفي، حاجب الحكم المستنصر، و قد نكبه المنصور محمد بن أبي عامر.

(5) في النفح: «و سببها المال».

(6) في النفح: «تهيؤ».

(7) في النفح: «و عمل».

(8) في النفح: «ضدّه».

(9) في النفح: «و الزهد فيما بيده».

(10) في النفح: «في ملكه».

(11) في النفح: «رفده».

(12) في النفح: «فأنفتها».

379

عاهدت اللّه على ذلك، و شرحت صدري إلى‏ (1) الوفاء به، و جنحت إلى الانفصال لبيت اللّه الحرام نشيدة أملي، و مرمى نيّتي، فعلق بي علوق الكرمة، و صارفني بدار العبرة، و خرج لي عن الضرورة، و أراني أنّ مؤازرته أبرّ القربة (2)، و راكنني إلى عهد بخطه، فسح لعامين أمد الثّواء، و اقتدى بشعيب (صلوات اللّه عليه)، في خطب‏ (3) الزيادة، و على تلك النّسبة، و أشهد من حضر من العلية. ثم رمى إليّ بعد ذلك مقاليد رأيه، و حكم عذلي‏ (4) في اختبارات عقله، و غطّى على‏ (5) جفائي بحلمه، و حثا في وجوه شهواته بتراب زجري، و وقف القبول على وعظي، و استنزل‏ (6) هواي في التحوّل، نابيا (7) عن قصدي، و اعترف بقبول نصحي، فاستعنت اللّه عليه، و عاملت وجهه فيه، من غير تلبّس بخديعة (8)، و لا تشبّث بولاية، مقتصرا على الكفاية، حذرا من النّقد، خامل المركب، معتمدا على المنسأة (9)، مستمتعا بخلق النّعل، راضيا بغير النّبيه من الثّوب، مشفقا من موافقة الغرور، هاجرا للزخرف‏ (10)، صادعا بالحقّ في أسواق الباطل، كافّا عن السّخال‏ (11) براثن السباع، مفوّتا للأصول في سبيل الصّدقة. ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية و المدرسة و التربة، بكر الحسنات بهذه الخطّة، بل بالجزيرة فيما سلف من المدّة، فتأتى بمنّة اللّه من صلاح السلطان، و عفاف الحاشية، و نشر (12) الأمن، و روم الثغور، و تثمير الجباية، و إنصاف الحماة و المقاتلة، و مقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدّينية، و الصّدع فوق المنابر، ضمانا عن السلطان بترياق سمّ الثورة، و إصلاح بواطن الخاصّة و العامّة ما اللّه المجازي عليه، و المعوّض من سهر خلعته على أعطافه، و كدّ أعملته من جرّائه، و خطر اقتحمته من أجله، لا للثّريد الأعفر، و لا للجرد تمرح في الأرسان، و لا للبدر تثقل الأكتاد (13)، فهو الذي لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، سبحانه إليه الرّجعى، و الآخرة و الأولى. و مع ذلك فقد عادت هيف إلى أديانها من الاستهداف للشّرور، و الاستعراض للمحذور، و النّظر الشّزر المنبعث من خزر العيون، شيمة من ابتلاه اللّه بسياسة الدّهماء،

____________

(1) في النفح: «للوفاء».

(2) في النفح: «القرب».

(3) في النفح: «طلب».

(4) في النفح: «عقلي».

(5) في النفح: «من».

(6) في النفح: «و صرف».

(7) في النفح: «ثانيا و قصدي».

(8) في النفح: «بجراية».

(9) المنسأة: العصا. لسان العرب (نسأ).

(10) في النفح: «هاجر الزخرف».

(11) السّخال: جمع سخلة و هي ولد الشاة. محيط المحيط (سخل).

(12) في النفح: «و الأمن».

(13) في النفح: «للأكتاد». و الأكتاد: جمع كتد و هو مجتمع الكتفين. لسان العرب (كتد).

380

و رعاية سخطة أرزاق السماء، و قتلة الأنبياء، و عبدة الأهواء، ممّن لا يجعل للّه إرادة نافذة، و لا مشيئة سابغة، و لا يقبل معذرة، و لا يجمل في الطلب، و لا يتلبّس مع اللّه بأدب. ربّنا لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، و الحال إلى هذا العهد، و هو أول عام أحد و سبعين و سبعمائة (1)، على ما ذكرته، أداله اللّه بحال السّلامة، و بفيأة العافية، و التمتّع بالعبادة، و ربّك يخلق ما يشاء و يختار. و قال الشاعر (2): [مجزوء الكامل‏]

و عليّ أن أسعى و لي* * * س عليّ إدراك النجاح‏

و للّه فينا سرّ (3) غيب نحن صائرون إليه، ألحفنا اللّه بلباس التّقوى، و ختم لنا بالسّعادة، و جعلنا في الآخرة من الفائزين. نفثت عن بثّ، و تأوّهت عن حمّى، ليعلم‏ (4) بعد المنقلب قصدي، و يدلّ مكتتبي على عقدي.

ذكر بعض ما صدر لي من التشريعات الملوكية أيام تأبّشي بهذه الغرور

من ذلك ظهير من مولاي السلطان أبي عبد اللّه، عندما صار له أمر والده المقدّس أبي الحجاج، رحمة اللّه عليه، و قد ثبتّ في المحمدين، في اسم السلطان، أيّده اللّه، فلينظره هنالك من تشوّف لاحتفاله و احتفائه، و ظاهر برّه و اعتنائه.

و كتب إليّ مخبرا بما فتح اللّه عليه، قبل الوصول إليه:

«من أمير المسلمين أبي عبد اللّه محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أيّد اللّه أوامرهم، و نصر أجنادهم المظفّرة و عساكرهم، و خلّد مفاخرهم الكريمة و مآثرهم.

«إلى وليّنا في اللّه تعالى، الذي نعلم ما له في الإخلاص لجانبنا من حسن المذاهب، و نعتدّ به اعتدادا يتكفّل بنجاح المقاصد و المآرب، و خلاصتنا، الذي نثني على مجده البعيد الغايات، في الشّاهد و الغائب، الفقيه، الوزير الجليل، الصّدر الأوحد المثيل، العالم العلم الأوحد، الرّفيع الشهير، الحسيب الأصيل، الماجد الأثيل الخطير، الخطيب البليغ الكبير، الأوحد، الحافل الفاضل الكامل، إمام البلغاء، و صدر الخطباء، و علم العلماء، و كبير الرؤساء، الحبيب المخلص، الأودّ الأصفى،

____________

(1) في النفح: «و هو منتصف عام خمسة و سبعين و سبعمائة».

(2) قوله: «و قال الشاعر» ساقط من النفح.

(3) في النفح: «علم غيب».

(4) في النفح: «ليظهر».

381

أبي عبد اللّه ابن الوزير الفقيه الجليل، الأعزّ الأرفع، الماجد الأسمى، الصّدر الحافل، الفاضل الكامل، الأعلى الكبير، الخطير الأثير، الأرضى، المعظّم الموقّر، المبرور المقدّس، المرحوم الشهيد، أبي محمد بن الخطيب، و صل اللّه سعده، و حرس مجده، سلام عليكم، و رحمة اللّه و بركاته.

أما بعد حمد اللّه، وليّ الحمد و أهله، و ناصر الحقّ، و مطلع أنواره، من آفاق رحمته و فضله، و قاهر كل باغ، و خاذله و مذلّه. و الصلاة على سيّدنا و مولانا محمد، صفوة أنبيائه، و خاتم رسله، المبتعث بالهدى و دين الحق، ليظهره على الدّين كلّه، نبي الرحمة، الذي ببركة محبّته نلنا الأمنية، في جمع الدّين و نظم شمله، و بفضيلة جاهه عدنا إلى أرفع رتبة ملكنا، و أعلى محلّه. و الرضا على آله و صحبه، المقتدين بهديه في أمرهم كله. فكتبناه إليكم، كتب اللّه لكم، عزّا لا يبلى جديده، و سعدا لا ينقطع مزيده. من حمرائنا بغرناطة، حرسها اللّه و مهّدها، و لا متعرّف بفضل اللّه سبحانه إلّا ما عوّد من ألطافه الخفيّة، و أسدى من صنائعه السّنية، و عنايته التي كفلت ببلوغ الأمنية. و الحمد للّه كثيرا، كما ينبغي لجلاله، و يليق بصفات كماله، و عندنا من إجلالكم، ما يليق بكمالكم، و من المعرفة بمقداركم، ما يعرب عن حسن اعتقادنا في كريم نجاركم، و من قدر أحسابكم، ما يلزم بسببه تعظيم جنابكم. و إلى هذا وصل اللّه سعدكم، و حفظ مجدكم، فإننا بحسب الودّ الذي نصل لمعاليكم، و الحب الذي نضاعفه فيكم، خاطبناكم بهذا المكتوب بشرح ما منّ اللّه علينا من الفتح العظيم الذي أشرقت به أقطار هذه البلاد، و ما منّ به من العودة إلى ملكنا المتوارث عن كرام الآباء و الأجداد، و ما أنعم به من قهر ذوي الشّقاق و العناد. و ذلك أنّا، أعزّكم اللّه، طال علينا المقام برندة، و لم نزل نوجه إلى أهل الحصون التي بغربي مالقة و غيرهم، نقصّ عليهم ما ألزمهم اللّه من الوفاء ببيعتنا، و نحذّرهم عار النّكث لطاعتنا، إلى أن آن آوان الفرج، و نفذ قضاء اللّه و قدره، بالعودة إلى ما كنا تغلّبنا عليه. فاقتضى نظرنا أن خرجنا إلى مالقة في مائتي فارس، فما وصلنا واديها، و علم بنا أهلها، إلّا و خرج لنا جميعهم، ملبّين بالبيعة، فرحين بقدومنا. و في الحين بادرنا لقتال القصبة حتى استخلصت و أنزل من فيها بنواحيها. و ليوم آخر، و صلتنا بيعات أهل الجهات التي تواليها، من أنتقيرة، و لوشة، و بلّش، و صالحة، و قمارش، و الحمّة، و سائر الحصون الغربية، فلمّا وصل الخبر إلى الغادر الخاسر، خاف و ذعر، و رأى أن لا ملجأ له إلّا أن يفرّ، فجمع شرذمته، و ألّف حاشيته، و خرج عن الحمراء ليلا في ليلة الخميس الماضي، قريبا من التاريخ، هاربا إلى أرض الكفّار. و في صبيحة الليلة، وجّه إلينا أهل حضرتنا، و توجّهت الأجناد إلى بيعتنا، و انصرفنا إلى دار ملكنا، و حللناها يوم‏

382

السبت الماضي، من غير حرب و لا قتال، بل بفضل اللّه تعالى، ذي العظمة و الجلال. و عرّفناكم بذلك، لتأخذوا بحظّكم من هذه المسرّة الكبرى، إذ أنتم الحبيب الذي لا يشكّ فيه، و الخلاصة، الذي نعلم صدق خلوصه و تصافيه، و اللّه يصل سعودكم، و يحفظ وجودكم، و السلام الكريم عليكم، و رحمة اللّه و بركاته.

و كتب في يوم الأربعاء الرابع و العشرين لجمادى الثانية، من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة».

و عند استقراري لديه، و قدومي عليه، أصدر لي هذا الظّهير الكريم، بما يظهر من فصوله:

«هذا ظهير كريم، أقام مراسم الوفاء، و أحيا معالم الحقّ الفسيحة الأرجاء، و قلص ظلال الجود المتكاثفة الأفياء، و جلى بأنوار الحق ظلم الظّلم و الاعتداء، و أدّى الأمانة إلى أهلها إذ كانت متعيّنة الأداء. أمر بتسويغ إنعامه، و إبرام أحكامه، أمير المسلمين عبد اللّه محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، أعلى اللّه مقامه و شكر إنعامه، لوليّ مقامه، و محلّ إجلاله و إعظامه، كبير دولته، و فخر مملكته، و مشيّد سلطانه، و عين زمانه، ظهيره الذي ببركاته أنجحت مقاصده، و حامل لواء وزارته الذي بيمن رأيه عذبت مصادره و موارده، الفقيه الأجلّ الوزير المثيل، الماجد الأثيل، الحسيب الأصيل، العالم العلم، الطّاهر الظّاهر، العظيم المفاخر، الكريم المآثر، إمام البلاغة، و فارس البراعة و اليراعة، فخر الرئاسة، و مدبّر فلك السّياسة، الخطيب الحافل، الصّدر الفاضل الشّمائل، الحبيب الخالص، الأودّ الأصفى، أبي عبد اللّه محمد ابن الوزير الجليل الأوحد الأعلى، الصدر الكبير الخطير الشهير الأسنى، الحافل الفاضل، الظّاهر الطاهر، السّامي الأرقى، المعظّم الموقر، الشهيد المقدّس السعيد، أبي محمد بن الخطيب، وصل اللّه سعادته، و حرس مجادته، و حفظ رتبته الرّفيعة و مكانته، و بلّغه أمله الأرضى و إرادته. لما كان أبقاه اللّه مدبّر ملك المولى أبيه، و ظهيره الذي لم يزل يدنيه و يصطفيه، و عماده الذي ألقى إليه مقاليد الملك، حين علم أنه صدر الأولياء و واسطة السّلك، و وزيره الذي اعتمده بإدارة أمره، و ركن إلى مناصحته في سرّه و جهره، و قلّده نجاد الوزارتين، و حلّاه بحلى الرّئاستين، فاكتفى منه عن الأثر بالعين، و نشر له لواء الولايتين، فتلقّاه بيمينه، و قام مضطلعا بأمره قيام الأسد دون عرينه.

و حين انعقد هذا الأمر العلي، قام بسياسة ملكه أحسن قيام و أوفاه، و أداره فأصاب في إدارته مرمى السّداد الذي لم يوافقه إلّا إياه. و استولى في هذه الميادين على غاية الكمال، و اضطلع بالرّئاسة و السّياسة اضطلاع أفذاذ الرجال. و لم يزل يدفع عن حماه،

383

و يذبّ عن حوزته بما يحبّه اللّه و يرضاه، حتى انتظمت بالسّعود أفلاكه المنيفة و أملاكه، و دارت بالتّأييد أفلاكه.

و لما كان الشّقي الغادر الذي اغتصب الحقّ، و طهر منه الطرق، قد جار على جانب المعتمد به في ماله، و تعدّى بالبغي على حاله، ظلما و عدوانا، و جورا و طغيانا، لم يقدّم، أيّده اللّه، عملا، عند العودة إلى ملكه المؤيد، و سلطانه الأسعد، و فخره المجدّد المؤيد، و أخذ اللّه تعالى له، من الظّالم أعظم الثّار، و أمدّه بإعلامه و إظهاره بأعظم الأنصار، على أن صرف عليه جميع أملاكه التي خلصت له بالشّرع موجباتها، و وضعت في سبيل الاستحقاق بيّناتها، مما كان الغادر قد غصبه له و انتهبه، و قطع بالباطل عنه سببه، و مكّنه، أيّده اللّه، منها باحتيازها، و تولّى لنفسه إحرازها، و عاد بهذا التّسويغ الملكي يوم عودتها إليه خيرا من أمسه، هنّأه اللّه الانتفاع بها في العمر الطويل، و حفظها عليه و على عقبه، يتملّكها الجيل منهم بعد الجيل. و هي كذا و كذا، بداخل الحضرة و خارجها، و كذا و كذا من البلاد. سوّغ إليه، أيّده اللّه، ذلك تسويغا شرعيّا، و رفع به عنه فيه الأغراض، رفعا كلّيّا أبديّا، و تبرّأ من حق يتعلّق به، أو شبهة تتطرّق بسببه. فليتصرف، أعزّه اللّه، في ذلك بما شاء من أنواع التصرفات، على ما توجبه السّنّة الواضحة الآيات، من غير حجر عليه، و لا تعقّب لما لديه. و شمل حكم هذا التّسويغ الجسيم، و الإنعام العميم، جميع ما يستغلّ على الأرض و الجنّات و الكروم، و الثّمرات من العوائد المستقبلة عليها، و الغلّات، شمولا تاما، مطلقا عاما، و أن يكون هذا ثابتا صحيحا، و من الشّكّ مزيحا، و حكمه على الأيام، و اتصال الشهور و الأعوام، متصل الدوام. كتبنا خطّ يدنا شاهدا بإمضائه، و سجّلنا الحكم باستقلاله و اقتضائه. فليعلم ذلك من يقف عليه، و يعتبر ما لديه. و ذلك في اليوم الثاني لرمضان المعظم من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة. صح هذا».

و لمّا قضى اللّه بالانصراف إلى العدوة الغربية، صدرت عن سلطانها أمير المسلمين أبي سالم‏ (1) منشورات رفيعة منها، و قد تشوّفت إلى مطالعة بلاده الغربية، و جهاتها المرّاكشيّة، بقصد لقاء أهل الصلاح و العبادة، و زيارة ملاحد السّادة، ما نصّه:

«هذا ظهير كريم أشاد بالتّنويه الفسيح المجال، و الإكرام السّابغ الأذيال، و أعاد النعم بعد إبدائها عميمة النّوال، و وارفة الظّلال، و ألقى في يد المعتمد به صحيفة الاعتناء حميدة المقال، مقتضبة ديوان الآمال، و رفع له لواء الفخر العزيز المنال، على‏

____________

(1) هو سلطان المغرب المستعين بالله إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن المريني.

384

النّظراء و الأمثال. حكم بإعماله، و إمضاء أمره الكريم و امتثاله، عبد اللّه المستعين بالله إبراهيم ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل اللّه رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف بن عبد الحق. أيّد اللّه أمره، و أعزّ نصره، للشيخ الفقيه الأجلّ، الأعزّ الأسنى، الوزير الأمجد الأنوه المحترم، الملحوظ، الأثير الأكمل، السّري الحظيّ الذكي الأخلص، أبي عبد اللّه ابن الشيخ، الوزير، الفقيه الأجلّ، الأعز الأسنى الأمجد، الحسيب الأصيل، الأنوه الأنزه، الأثير الأكمل، المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، وصل اللّه حظوته، و والى عزّته.

جدّد له الحظوة التي يضفى لباسها، و صحح بنظر البرّ و الإكرام قيامها و شيّد بمباني الحفاية التي مهّد أساسها، لما وفد على بابه الكريم عائذا بجواره، و ملقيا في ساحة العزّ المشيد عصا تسيار و مجريا في ميدان الثّنا جياد أفكاره، و معتمدا على نظرنا الجميل في بلوغ آماله و حصول أوطاره، فسحنا له في ميدان البرّ و التّرحيب فبلغ مداه، و أنس في حضرتنا الكريمة أنوار العناية التي كانت هداه، و أحللناه من بساطنا المحلّ الذي اشتمل به العزّ و ارتداه، و كمل له الأمل و وفّاه. و أذنّا له تفنّنا في إسداء النّعم الثرة، و تلقّي وفادته بوجوه القبول و المبرّة، في زيارة التّربة المقدّسة بشالة (1) المعظمة، حيث ضريح مولانا المقدّس، و من معه من أسلافنا الكرام، نوّر اللّه مثواهم، و جعل في الجنة مأواهم. و هذا الغرض الجميل، و إن عدّ من أنواع التكريم، و الإحسان العميم، فهو السّعي الذي تصرف إليه وجوه القبول و الرضا و الاهتمام، و الرغبة التي يصفى لها موارد الإسعاف عذوبة الحمام، و التقرّب الذي تؤثره مهاد البرّ المستدام، و لفاعله مزيّة الاعتناء و التّقديم، و جزاء القيام بخدمة سلفنا الكريم، و قد أذنّا له في مشاهدة تلك الجهات من حضرتنا العليّة إلى مرّاكش المحروسة للقاء الأعلام، و اجتلاء المعاهد الكرام، و الآثار الباقية على الأيام، كيف أحبّ و على ما شاء من إراحة أو إلمام، مصحبا بمن ينوّه به في طريقه من الخدّام تنويها للكرامة و تعديدا، و تجديدا للعناية و تأكيدا. فليعلم بذلك، ما له في بابنا الكريم من الاعتناء، و ما اعتدنا لمحبي أسلافنا الكرام من الجزاء، و يجري في جميع مآربه و أحواله على النّهج السواء، مراعى حال إيابه إلى مقرّه من حضرتنا العليّة، و محلّه من بساطنا الأشرف، و عرضه أعمال القائمين ببرّه، و أكرمنا بين أيدينا، فيجني المبادرة إلى توفية آماله، و ثمرة أعماله، و يقابل القائم بمبرّته، و اللّه المستعان. و كتب بالمدينة البيضاء، مهّدها اللّه، في الحادي‏

____________

(1) شالة: ضاحية مدينة سلا. و قد ذكرها ابن الخطيب في مواضع متفرقة من كتابه «نفاضة الجراب».

385

و العشرين لربيع الثاني عام أحد و ستين و سبعمائة: و ليعتمد لوزيرنا الشيخ الأجلّ الحظي الأكمل أبو الحسن علي بن العباس، أكرمه اللّه، على أن يدخله إلى المساكن العلية بقصبة مراكش، حرسها اللّه، ليشاهد الآثار السلطانية التي انتظمت في سلكنا، و عفّى عليها جديد ملكنا، فليعلم ذلك، و ليعمل به، و اللّه المستعان، و كتب في التاريخ المؤرخ به».

و جرّ هذا الإنعام دنيا عريضة، تفتّقت فيها المواهب، و وضحت من اشتهارها المذاهب، شكر اللّه نعمته، و والى على تربته رحمته.

و صدر لي عن المتصيّر إليه أمره ما نصّه، و هو بعض من جملة، و نوع من أجناس مبرّة:

«هذا ظهير كريم، نظم العناية و وصلها، و أجمل الرعاية و فصّلها، و أحرز مواهب السعادة و حصّلها، أمر بإبرامه، و الوقوف عند أحكامه، عبد اللّه المتوكل على اللّه محمد، أمير المسلمين، المجاهد في سبيل ربّ العالمين، ابن مولانا الأمير عبد الرحمن ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف بن عبد الحق، أيّده اللّه و نصره، و سنى له الفتح المبين و يسّره، للشيخ الفقيه الأجلّ، الأسنى الأعزّ، الأحظى و الأرفع، الأمجد الأسنى، الأنوه الأرقى، العالم العلم، الرئيس الأعرف، المتفنّن الأبرع، المصنّف المفيد، الصّدر الأحفل، الأفضل الأكمل، أبي عبد اللّه، ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجلّ، الأسنى الأغرّ، الأرفع الأمجد، الوجيه الأنوه، الأحفل، الأفضل، الحسيب الأصيل الأكمل، المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، أيّده اللّه بوجه القبول و الإقبال، و أضفى عليه ملابس الإنعام و الإفضال، و رعى له خدمة السّلف الرفيع الجلال، و ما تقرّر من مقاصده الحسنة في خدمة أمرنا العال، و أمر في جملة ما سوّغ من الآلاء الوارفة الظّلال، الفسيحة المجال، بأن يجدّد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها، المتضمنة تمشية خمسمائة من الفضّة العشرية في كل شهر، عن مرتّب له و لولده الذي لنظره، من مجبى مدينة سلا، حرسها اللّه، في كل شهر، من حيث جرت العادة أن يتمشى له، و رفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم و الأقوات على اختلافها، من حيوان و سواه، و فيما يستفيده خدّامه بخارجها و أحوازها من عنب و قطن و كتّان، و فاكهة و خضر و غير ذلك، فلا يطلب في شي‏ء من ذلك بمغرم و لا وظيف، و لا يتوجّه فيه إليه بتكليف. يتّصل له حكم ما ذكر في كل عام، تجديدا تاما، و احتراما عاما، أعلن بتجديد الحظوة و اتصالها، و إتمام النّعمة

386

و إكمالها، من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن، و من الآن إلى ما يأتي على الدوام، و اتصال الأيام، و أن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرّعي، و المحاشاة من السّخرة متى عرضته، و الوظائف إذا افترضت، حتى يتّصل له تالد العناية بالطّارف، و تتضاعف أسباب المنن و العوارف، بفضل اللّه، و تحرّر له الأزواج التي يحرثها، تبالغت من كل وجيبة، و يحاش من كل مغرم أو ضريبة، بالتحرير التّام، بحول اللّه و عونه. و من وقف على هذا الظهير الكريم، فليعمل بمقتضاه، و ليمض ما أمضاه، إن شاء اللّه. و كتب في العاشر لشهر ربيع الآخر من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة. و كتب في التاريخ».

و هذا و مثله، لولا أنه أحظوظ ربما انتفع العقب بوضمها، و رمى غرض الإغفال بسهمها، لم يعن بها، من يرى أن لا جدوى إلّا في التقوى، و أنّ يد اللّه من هذه الأسباب الضّعيفة أقوى.

و أما (1) ما رفع إليّ من الموضوعات العلمية، و الوسائل الأدبية، و الرسائل الإخوانية، لمّا أقامني الملك صنما يعبد (2)، و جبلا (3) إليه يستند، صادرة عن الأعلام، و حملة الأقلام، و رؤساء النّثار و النّظام‏ (4)، فجمّ يضيق عنه الإحصاء، و يعجز عن ضمّ نشره الاستقصاء. فربما (5) تضمّن هذا الكتاب- كتاب الإحاطة- هذا (6) منه كثيرا، منظوما (7) و نثيرا، جرى في أثناء الأسماء، و انتمى إلى الإجادة أكبر الانتماء.

غفر اللّه لي و لقائله، فما كان أولاني و إيّاه بستر وزره‏ (8)، و إغراء الإضراب بغروره، فأهون بما لا ينفع، و إن ارتفع الكلم الطّيّب لا يدفع‏ (9)، اللهمّ تجاوز عنّا بكرمك و فضلك‏ (10).

المشيخة: قرأت‏ (11) كتاب اللّه، عزّ و جلّ، على المكتّب، نسيج وحده، في تحمّل المنزّل حقّ حمله، تقوى و صلاحا، و خصوصيّة و إتقانا، و نغمة، و عناية

____________

(1) النص في نفح الطيب (ج 8 ص 296- 297).

(2) في النفح: «يعتمد».

(3) في النفح: «و خيالا».

(4) النثار: النثر. و النظام: الشّعر. لسان العرب (نثر) و (نظم).

(5) في النفح: «و ربما».

(6) كلمة «هذا» غير واردة في النفح.

(7) في النفح: «و منظوما أثيرا، و درّا نثيرا، جرى ...».

(8) في النفح: «زوره».

(9) في النفح: «لا يرفع». و قد أخذ المعنى من قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏ سورة فاطر 35، الآية 10.

(10) في النفح: «بفضلك و كرمك».

(11) النص في نفح الطيب (ج 7 ص 358) و (ج 8 ص 142- 144).

387

و حفظا، و تبحّرا في هذا الفن، و اضطلاعا بضرائبه‏ (1)، و استيعابا لسقطات الأعلام، الأستاذ الصالح أبي عبد اللّه بن عبد الولي العوّاد، كتبا (2) ثم حفظا، ثم تجويدا، إلى‏ (3) مقرئ أبي عمرو، رحمة اللّه عليهما. ثم نقلني إلى أستاذ الجماعة، و مطيّة الفنون، و مفيد الطلبة، الشيخ الخطيب‏ (4) أبي الحسن‏ (5) القيجاطي، فقرأت عليه القرآن و العربيّة، و هو أول من انتفعت به‏ (6). و قرأت على الحسيب‏ (7) الصدر أبي القاسم بن جزي. و لازمت قراءة العربية و الفقه و التفسير، على الشيخ الأستاذ الخطيب أبي عبد اللّه بن الفخّار البيري، الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من اللّه فيه‏ (8)، حفظا، و اضطلاعا (9)، و نقلا و توجيها، بما لا مطمع فيه لسواه.

و قرأت على قاضي الجماعة الصدر المتفنّن أبي عبد اللّه بن بكر، (رحمه اللّه). و تأدّبت بالشيخ الرئيس صاحب القلم الأعلى، الصالح الفاضل، أبي الحسن بن الجيّاب.

و رويت عن كثير (10) ممن جمعهم الزمان بهذا القطر من أهل الرّواية، كالمحدّث أبي عبد اللّه بن جابر، و أخيه أبي جعفر، و القاضي الشهير (11) بقيّة السلف، شيخنا أبي البركات ابن الحاج، و الشيخ المحدّث الصالح أبي محمد بن سلمون، و أخيه القاضي أبي القاسم بن سلمون، و أبي عمرو ابن الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، و له رواية عالية. و الأستاذ اللغوي أبي عبد اللّه بن بيبش، و المحدّث الكاتب أبي الحسين‏ (12) التّلمساني، و الشيخ الحاج أبي القاسم بن البناء، و العدل أبي محمد الزرقون‏ (13)، يحمل‏ (14) عن الإمام ابن دقيق العيد، و القائد الكاتب ابن ذي الوزارتين أبي عبد (15) اللّه بن الحكيم، و القاضي المحدّث الأديب، جملة الظّرف، أبي بكر بن شبرين، و الشيخ أبي عبد اللّه بن عبد الملك، و الخطيب أبي جعفر الطّنجالي، و القاضي أبي بكر بن منظور، و الرّاوية أبي عبد اللّه بن حزب اللّه، كلّهم من مالقة، و القاضي أبي عبد اللّه المقري التّلمساني، و الشّريف أبي علي حسن بن يوسف،

____________

(1) في النفح الجزء السابع: «بغرائبه» و في الجزء الثامن: «لغرائبه».

(2) في النفح: «تكتيبا».

(3) في النفح الجزء السابع: «على» و في الجزء الثامن: «إلى مقرعات».

(4) في النفح: «الخطيب المتفنن».

(5) في النفح الجزء الثامن: «علي القيجاطي».

(6) هنا ينتهي النص في نفح الطيب الجزء السابع.

(7) في النفح: «على الخطيب الحسيب».

(8) كلمة «فيه» ساقطة في النفح.

(9) في النفح: «و اطلاعا».

(10) في النفح: «الكثير».

(11) في النفح: «الشهير الشيخ بقيّة ...».

(12) في النفح: «أبي الحسن التلمساني المسنّ و الحاج أبي القاسم بن المهني المالقي، و العدل ...».

(13) في النفح: «السعدي».

(14) في النفح: «تحمل».

(15) في النفح: «أبي بكر».

388

و الخطيب الرئيس أبي عبد اللّه بن مرزوق، كلّهم من تلمسان. و المحدّث الفاضل الحسيب أبي‏ (1) العباس بن يربوع السّبتي‏ (2)، و الرئيس أبي محمد الحضرمي السّبتي‏ (3)، و الشيخ المقرئ أبي محمد بن أيوب المالقي، آخر الرواة عن ابن أبي الأحوص، و أبي عثمان بن ليون من‏ (4) ألمرية، و القاضي أبي الحجاج المنتشاقري‏ (5) من أهل رندة، و طائفة كبيرة من المعاصرين، و من أهل العدوة الغربية و المشرق‏ (6)، الكثير بالإجازة. و أخذت الطبّ و التّعاليم‏ (7) و صناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا بن هذيل‏ (8)، و لازمته. هذا على سبيل الإلمام‏ (9). و لو تفرّغت لذكرهم‏ (10)، لخرج هذا التّقييد (11) عمّا وضع له.

التواليف: من ذلك‏ (12): «اللمحة البدرية، في الدولة النّصرية»، و الحلل المرقومة، و «مثلى الطّريقة»، و «السّحر و الشّعر»، و «ريحانة الكتّاب» في أسفار ثمانية، و كتاب «المحبّة» في سفرين، و «الصّيّب و الجهام» مجموع شعري، و «معيار الاختيار»، و «مفاضلة بين مالقة و سلا». و «رسالة الطّاعون»، و «المسائل الطبّية»، سفر. و «الرّجز في عمل التّرياق». و «اليوسفي في الطّب»، في سفرين. و «التّاج المحلّى»، في سفر. و «نفاضة الجراب»، في أربعة أسفار. و «البيزرة» في سفر.

«و البيطرة» في سفر، جامع لما يرجع إليها من محاسن الخيل، و غير ذلك. و رسالة «تكوين‏ (13) الجنين». و «الوصول، لحفظ الصحة في الفصول». و «رجز الطّب».

و «رجز الأغذية». و «رجز السّياسة». و كتاب «الوزارة»، و «مقامة السّياسة». و كتاب «الإحاطة» هذا في خمسة عشر سفرا. إلى ما صدر مني في هذا العهد القريب، و هي «الغيرة، على أهل الحيرة»، و «حمل الجمهور، على السّنن المشهور».

و «الزّبدة الممخوضة»، و «الرّميمة». و «الرّد على أهل الإباحة»، و «سدّ الذّريعة، في تفضيل الشّريعة». و «تقرير الشّبه، و تحرير المشبّه‏ (14)». و «استنزال اللطف الموجود، في سر الوجود».

____________

(1) في النفح: «أبو»، و هو خطأ نحوي.

(2) كلمة «السبتي» غير واردة في النفح.

(3) في النفح: «السبتين».

(4) في النفح: «من أهل ألمرية».

(5) في الأصل: «المنتشافري»، و التصويب من النفح، و المنتشافري: نسبة إلى منت شاقرMonte Sacro ، و هو حصن مطل على سهل غرناطة.

(6) في النفح: «و المشرق و إفريقية».

(7) في النفح: «و التعاليم و المنطق».

(8) في النفح: «مذيل».

(9) في النفح: «الإلماع».

(10) في النفح: «لذكر أفذاذهم».

(11) في النفح: «التأليف».

(12) نفح الطيب (ج 9 ص 323).

(13) في النفح: «تكوّن».

(14) في النفح: «الشبه».

389

و من التواليف الصادرة قديما (1): «بستان الدول»، و هو موضوع غريب، ما سمع بمثله، قلّ أن شذّ عنه فنّ من الفنون، يشتمل على شجرات عشر: أولها شجرة السلطان، ثم شجرة الوزارة، ثم شجرة الكتابة، ثم شجرة القضاء و الصلاة، ثم شجرة الشّرطة و الحسبة، ثم شجرة العمل، ثم شجرة الجهاد، و هو فرعان، أسطول و خيول.

ثم شجرة ما يضطر باب الملك إليه من الأطبّاء، و المنجمين، و البيازرة (2)، و البياطرة، و الفلاحين، و الندماء، و الشّطرنجيين، و الشعراء و المغنّين. ثم شجرة الرّعايا. و تقسيم هذا كله غريب، يرجع إلى شعب و أصول، و جراثيم و عمد، و قشر و لحاء، و غصون، و أوراق، و زهرات مثمرات‏ (3) و غير مثمرات، مكتوب على كل جزء من هذه الأجزاء (4) اسم الفن المراد به. و برنامجه صورة بستان، كمل منه نحو ثلاثين‏ (5) جزءا تقارب الأسفار، ثم قطع عنه الحادث على الدولة. و «أبيات الأبيات». و «فتات الخوان، و لقط الصّوان» في سفر، يتضمن المقطوعات. و «عائد الصلة» في سفرين، وصلت به «صلة» الأستاذ أبي جعفر بن الزبير. و «تخليص الذهب في اختيار عيون الكتب الأدبيات». و «جيش التّوشيح». و «طرفة العصر، في دولة بني نصر»، ثلاثة أسفار. إلى غير ذلك، حتى في الموسيقا و سواها. هذر كثّف به الحجاب، و لعب بالنفس الإعجاب، و ضاع الزمان و لا تسل بين الرّد و القبول و النفي و الإيجاب. و للّه درّ القائل‏ (6): [السريع‏]

و الكون أشراك نفوس الورى‏* * * طوبى لنفس حرّة فازت‏

إن لم تحز معرفة اللّه قد* * * أورطها الشي‏ء الذي حازت‏

و كلّ ميسّر لما خلق له، و لا حول و لا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

هذا (7)، و قد ذكرت مؤلفات ابن الخطيب، التي أوردها في ختام ترجمته لنفسه، بصور مختلفة، وفقا لتواريخ كتابتها، و قد أورد لنا المقري منها صورة رتّبت على نمط آخر، و بها زيادات لم ترد في نسخة الإسكوريال مما يدلّ على أن نسخة الإحاطة التي وردت بها، قد كتبت في وقت لاحق. و قد رأينا أن ننقلها فيما يلي:

____________

(1) نفح الطيب (ج 9 ص 320- 321).

(2) أراد بهم العلماء بالأدوية، كما يفهم من السياق.

(3) في النفح: «مثمرة و غير مثمرة».

(4) في النفح: «الأجزاء بالصبغ اسم ...».

(5) في النفح: «نحو من ثلاثين سفرا».

(6) القائل هو ابن الخطيب نفسه، و البيتان في نفح الطيب (ج 9 ص 322).

(7) من هنا حتى قوله: «و ديوان شعري في سفرين» ليس من أصل الإحاطة، و إنما هو، على الأرجح، من كلام الناسخ.

390

التواليف: (1) «التّاج المحلّى، في مساجلة القدح المعلّى». و «الكتيبة الكامنة، في أدباء المائة الثامنة». و «الإكليل الزاهر، فيما فضل عند نظم التّاج من الجواهر». ثم «النّفاية (2)، بعد الكفاية»، هذا في نحو «القلائد» و «المطمحين» لأبي نصر الفتح بن محمد. و «طرفة العصر، في دولة بني نصر»، في أسفار ثلاثة. و «بستان الدول» موضوع غريب ما سمع بمثله ... (الخ الأوصاف التي وردت في البيان السابق).

و ديوان شعري في سفرين، سمّيته الصّيّب و الجهام، و الماضي و الكهام». و النثر في غرض السّلطانيات كثير. و الكتاب المسمّى ب «اليوسفي في صناعة الطّب» في سفرين كبيرين، كتاب ممتع، و «عائد الصّلة»، وصلت به صلة الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، في سفرين. و كتاب «الإحاطة بما تيسّر من تاريخ غرناطة»، كتاب كبير في أسفار تسعة، هذا متّصل بآخرها. و «تخليص الذهب، في اختيار عيون الكتب الأدبيات الثلاثة». و «جيش التّوشيح» في سفرين. و من بعد الانتقال إلى الأندلس، و ما وقع من كياد الدولة: «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب»، موضوع جليل في أربعة أسفار.

و كتاب «عمل من طبّ، لمن حبّ»، و منزلته في الصناعة الطبية، بمنزلة كتاب أبي عمرو بن الحاجب المختصر في الطريقة الفقهية، لا نظير له. و من الأراجيز المسمّاة ب «رقم الحلل في نظم الدول». و الأرجوزة المسماة ب «الحلل المرقومة، في اللمع المنظومة»، ألفيّة من ألف بيت في أصول الفقه. و الأرجوزة المسمّاة ب «المعلومة»، معارضة للمقدمة المسمّاة ب «المجهولة»، في العلاج من الرأس إلى القدم، إذا أضيفت إلى رجز الرئيس أبي علي، كملت بها الصّناعة كمالا لا يشينه نقص. و الأرجوزة المسماة ب «المعتمدة، في الأغذية المفردة». و الأرجوزة في «السياسة المدنية». إلى ما يشذّ عن الوصف، كالرجز «في عمل الترياق الفاروقي»، و «الكلام على الطاعون المعاصر»، و «الإشارة»، و «قطع السلوك»، و «مثلى الطريقة، في ذمّ الوثيقة». حتى في الموسيقى‏ (3) و البيطرة و البيزرة. هذر (4) به كثف الحجاب، و لعب بالنفس الإعجاب‏ (5)، و للّه درّ القائل: الشعر السابق ذكره.

الشعر: من ذلك قولي في الجناب الكريم النّبوي، شرفه اللّه، و هو من أوليات نظمي في ذلك الغرض‏ (6): [الكامل‏]

هل كنت تعلم في هبوب الريح‏* * * نفسا يؤجّج لاعج التّبريح؟

____________

(1) نفح الطيب (ج 9 ص 320- 321).

(2) في النفح: «النقاية».

(3) في النفح: «المويسيقى».

(4) في النفح: «هذر كثف به الحجاب».

(5) في النفح: «الإيجاب».

(6) القصيدة في نفح الطيب (ج 9 ص 163- 165).

391

أهدتك من مشج‏ (1) الحجاز تحيّة* * * غاضت‏ (2) لها

عرض الفجاج الفيح‏

بالله قل لي كيف نيران الهوى‏* * * ما بين ريح بالفلاة (3) و شيح؟

و خضيبة المنقار تحسب أنها* * * نهلت بمورد دمعي المسفوح‏

باحت بما تخفي و ناحت في الدّجى‏* * * فرأيت في الآفاق دعوة نوح‏

نطقت، بما يخفيه قلبي، أدمعي‏* * * و لطالما صمتت عن التّصريح‏

عجبا لأجفاني حملن شهادة* * * عن خافت بين الضلوع جريح‏

و لقلّما كتبت رواة مدامعي‏* * * في طرّتيها (4) حلية التّجريح‏

جاد (5) الحمى بعدي و أجراع الحمى‏* * * جود تكلّ به متون الريح‏

هنّ المنازل ما فؤادي بعدها* * * سال، و لا وجدي بها بمريح‏

حسبي ولوعا أن أزور بفكرتي‏* * * زوّارها و الجسم رهن نزوح‏

فأبثّ فيها من حديث صبابتي‏* * * و أحثّ فيها من جناح جنوحي‏

و دجنّة كادت تضلّ بني‏ (6) الشّرى‏* * * لولا وميضا بارق و صفيح‏

رعشت‏ (7) كواكب جوّها فكأنها* * * ورق تقلّبها بنان شحيح‏

صابرت منها لجّة مهما ارتمت‏* * * و طمت رميت عبابها بسبوح‏

حتى إذا الكفّ الخضيب بأفقها* * * مسحت بوجه للصباح صبيح‏

شمت المنى و حمدت إدلاج السّرى‏* * * و زجرت للآمال كلّ سنيح‏

فكأنما ليلي نسيب قصيدتي‏* * * و الصّبح فيه تخلّص‏ (8) لمديح‏

لمّا حططت لخير من وطئ الثّرى‏* * * بعنان كلّ مولّد و صريح‏

رحمى إله العرش بين عباده‏* * * و أمينه الأرضى على ما يوحي‏

و الآية الكبرى التي أنوارها* * * ضاءت أشعّتها بصفحة يوح‏ (9)

ربّ المقام‏ (10) الصّدق و الآي التي‏* * * راقت بها أوراق كلّ صحيح‏

كهف‏ (11) الأنام إذا تفاقم معضل‏* * * مثلوا بساحة بابه المفتوح‏

يردون منه على مثابة راحم‏* * * جمّ الهبات عن الذنوب صفوح‏

____________

(1) في النفح: «شيح».

(2) في النفح: «فاحت».

(3) في النفح: «في الفلاة».

(4) في النفح: «في صفحتيها».

(5) في الأصل: «أجاد»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في النفح: «بها السّرى».

(7) في الأصل: «و عشت» و التصويب من النفح.

(8) في النفح: «تخلّصي».

(9) يوح: اسم الشمس. محيط المحيط (يوح).

(10) في النفح: «المقال».

(11) في الأصل: «كيف»، و التصويب من النفح.

392

لهفي على عمر مضى أنضيته‏* * * في ملعب للتّرّهات فسيح‏ (1)

يا زاجر الوجناء يعتسف الفلا* * * و الليل يعثر في فضول مسوح‏

يصل السّرى سبقا إلى خير الورى‏* * * و الرّكب بين موسّد و طريح‏

لي في حمى ذاك الضّريح لبانة* * * إن أصبحت لبنى‏ (2) أنا ابن ذريح‏

و بمهبط الرّوح الأمين أمانة* * * اليمن فيها و الأمان لروحي‏

يا صفوة اللّه المكين مكانه‏* * * يا خير مؤتمن و خير نصيح‏

أقرضت فيك اللّه صدق محبّتي‏* * * أ يكون تجري فيك غير ربيح؟

حاشا و كلّا أن‏ (3) تخيب وسائلي‏* * * أو أن أرى مسعاي غير نجيح‏

إن عاق عنك قبيح ما كسبت يدي‏* * * يوما فوجه العفو غير قبيح‏

و اخجلتا (4) من حلبة (5) الفكر التي‏* * * أغريتها

بغرامي المشروح‏

قصرت خطاها بعد ما ضمّرتها* * * من كلّ موفور الجمام جموح‏

مدحتك آيات الكتاب فما عسى‏* * * يثني على علياك نظم مديحي‏ (6)

و إذا كتاب اللّه أثنى مفصحا* * * كان القصور قصار كلّ فصيح‏

صلّى عليك اللّه‏ (7) ما هبّت صبا* * * فهفت بغصن في الرّياض مروح‏

و استأثر الرحمن جلّ جلاله‏* * * عن خلقه بخفيّ سرّ الروح‏

و أنشدت السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الأعظم من عام ثلاثة و ستين و سبعمائة هذه القصيدة (8): [الطويل‏]

تألّق نجديّا فأذكرني نجدا* * * و هاج بي الشّوق المبرّح و الوجدا

و ميض رأى برد الغمامة معقلا (9)* * * فمدّ يدا بالتّبر أعلمت البردا

تبسّم في مجريّة (10) قد تجهّمت‏* * * فما بذلت وصلا و لا ضربت

وعدا

و راود منها فاركا قد تنعّمت‏* * * فأهوى لها نصلا و هدّدها رعدا

____________

(1) أنضيته: اختبرته. التّرّهات: الأباطيل، واحدها ترّهة. محيط المحيط (نضا) و (تره).

(2) لبنى: معشوقة ابن ذريح.

(3) في الأصل: «أنت»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) في النفح: «و اخجلتي».

(5) في الأصل: «جلبة»، و التصويب من النفح.

(6) في الأصل: «مديح»، و التصويب من النفح.

(7) في الأصل: «صلى اللّه عليك»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(8) القصيدة في نفح الطيب (ج 9 ص 165- 169).

(9) في النفح: «مغفلا».

(10) في النفح: «بحريّة».

393

فحلّتها (1) الحمراء من شفق الضّحى‏* * * نضاها و حلّ المزن من

جيدها عقدا

لك اللّه من برق كأنّ وميضه‏* * * يد الساهر المقرور قد قدحت زندا

تعلّم من سكّانه شيم النّدى‏* * * فغادر أجراع الحمى روضة تندى‏

و توّج من نوّارها قنن‏ (2) الرّبا* * * و ختّم من أزهارها القضب الملدا

لسرعان ما كانت مناسف للصّبا* * * فقد ضحكت زهرا و قد خجلت وردا

بلاد عهدنا في قرارتها الصّبا* * * يقلّ لذاك العهد أن يألف العهدا

إذا ما النّسيم اعتلّ في عرصاتها* * * تناول فيها البان و الشّيح و الرّندا

فكم في مجاني وردها من علاقة* * * إذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا

إذا استشعرتها النّفس عاهدت الجوى‏* * * إذا ما التمحتها العين عاقدت السّهدا

و من عاشق حرّ إذا ما استماله‏* * * حديث الهوى العذريّ صيّره عبدا

و من ذابل يحكي المحبّين رقّة* * * فيثني إذا ما هبّ عرف الصّبا قدّا

سقى اللّه نجدا ما نضحت بذكرها* * * على كبدي إلّا وجدت لها بردا

و آنس قلبي فهو للعهد حافظ* * * و قلّ على الأيام من يحفظ العهدا

صبور و إن لم يبق إلّا ذبالة* * * إذا استقبلت مسرى الصّبا اشتعلت و قدا

صبور إذا الشّوق استجاد كتيبة* * * تجوس خلال الصّبر كان لها بندا

و قد كنت جلدا قبل أن يذهب النّوى‏* * * ذمائي و أن يستأصل العظم و الجلدا

أ أجحد حقّ الحبّ و الدمع شاهد* * * و قد وقع التّسجيل من بعد ما أدّى؟

تناثر في إثر الحمول‏ (3) فريده‏* * * فللّه عينا من رأى الجوهر الفردا

جرى يققا في ملعب الخدّ (4) أشهبا* * * و أجهده ركض الأسى فجرى

وردا

و مرتحل أجريت دمعي خلفه‏* * * ليرجعه فاستنّ في إثره قصدا

و قلت لقلبي: طر إليه برقعتي‏* * * فكان حماما في المسير بها هدّا

سرقت صواع العزم يوم فراقه‏* * * فلجّ و لم يرقب صواعا (5) و لا ودّا

و كحّلت عيني من غبار طريقه‏* * * فأعقبها دمعا و أورثها سهدا

إلى اللّه كم أهدى بنجد و حاجر* * * و أكنى بدعد في غرامي أو سعدى‏

____________

(1) في الأصل: «فخلتها»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) القنن: جمع قنة و هي أعلى مكان في الجبل، و أراد بها هنا: المرتفعات. لسان العرب (قنن).

(3) الحمول: الهوادج أو الإبل عليها الهوادج، الواحد حمل، و المراد هنا الأحباب الذين على الهوادج.

(4) في الأصل: «الجدّ»، و التصويب من النفح.

(5) في النفح: «سواعا».

394

و ما هو إلّا الشّوق ثار كمينه‏* * * فأذهل نفسا لم تبن عنده قصدا

و ما بي إلّا أن سرى الركب موهنا* * * و أعمل في رمل الحمى النّصّ و الوخدا

و جاشت جنود الصّبر و البين و الأسى‏* * * لديّ فكان الصّبر أضعفها جندا

و رمت نهوضا و اعتزمت مودّعا* * * فصدّني المقدور عن وجهتي صدّا

رقيق بدت للمشترين عيوبه‏* * * و لم تلتفت دعواه فاستوجب الرّدّا

تخلّف عنّي ركب طيبة عانيا* * * أما آن للعاني المعنّى بأن يفدى؟

مخلّف سربي‏ (1) قد أصيب جناحه‏* * * و طرن فلم يسطع مراحا و لا

مغدى‏

نشدتك يا ركب الحجاز، تضاءلت‏* * * لك الأرض مهما استعرض السّهب و امتدّا

و جمّ لك المرعى و أذعنت الصّوى‏* * * و لم تفتقد ظلّا ظليلا و لا وردا

إذا أنت شافهت الدّيار بطيبة* * * و جئت بها القبر المقدّس و اللّحدا

و آنست نورا من جناب محمد* * * يجلّي القلوب الغلف‏ (2) و الأعين

الرّمدا

فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمى‏* * * و أذر به دمعا و عفّر به خدّا

و قل يا رسول اللّه عبد تقاصرت‏* * * خطاه و أضحى من أحبّته فردا

و لم يستطع من بعد ما بعد المدى‏* * * سوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى‏

تداركه يا غوث العباد برحمة* * * فجودك ما أجدى و كفّك ما أندى‏

أجار بك اللّه العباد من الرّدى‏* * * و بوّأهم ظلّا من الأمن ممتدّا

حمى دينك الدّنيا و أقطعك الرّضا* * * و توّجك العليا و ألبسك الحمدا

و طهّر منك القلب لمّا استخصّه‏* * * فجلّله نورا و أوسعه رشدا

دعاه فما ولّى هداه فما غوى‏* * * سقاه فما يظما، جلاه فما يصدا

تقدّمت مختارا، تأخّرت مبعثا* * * فقد شملت علياؤك القبل و البعدا

و علّة هذا الكون أنت، و كلّ ما* * * أعاد و أنت‏ (3) القصد فيه و ما

أبدى‏

و هل هو إلّا مظهر أنت سرّه‏* * * ليمتاز في الخلق المكبّ من الأهدى‏

ففي عالم الأسرار ذاتك تجتلي‏* * * ملامح نور لاح للطّور فانهدّا

و في عالم الحسن‏ (4) اغتديت مبوّأ* * * لتشفي من استشفى و تهدي من

استهدى‏

فما كنت لو لا أن ثبتّ‏ (5) هداية* * * من اللّه مثل الخلق رسما و لا حدّا

____________

(1) في النفح: «سرب».

(2) في الأصل: «الغلق»، و التصويب من النفح.

(3) في النفح: «فأنت».

(4) في النفح: «الحسّ».

(5) في الأصل: «بثّت»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

395

فماذا (1) عسى يثني عليك مقصّر* * * و لم يأل فيك اللّه‏

(2) شكرا و لا حمدا

بماذا عسى يجزيك هاو على شفا* * * من النار قد أسكنته‏ (3) بعدها

الخلدا

عليك صلاة اللّه يا خير مرسل‏* * * و أكرم هاد أوضح الحقّ و الرّشدا

(4)

عليك صلاة اللّه يا كاشف العمى‏* * * و مذهب ليل الشّرك‏ (5) و هو قد

اربدّا

إلى كم أراني في البطالة كانعا* * * و عمري قد ولّى، و وزري قد عدّا

تقضّى زماني في لعلّ و في عسى‏* * * فلا عزمة تمضي و لا لوعة تهدا

حسام جبان كلّما شيم نصله‏* * * تراجع بعد العزم و التزم الغمدا

ألا ليت شعري هل أراني ناهدا* * * أقود القلاص البدن و الضّامر النّهدا

رضيع لبان الصدق فوق شملّة (6)* * * مضمّرة وسّدت من كورها

(7) مهدا

فتهدي بأشواقي السّراة إذا سرت‏* * * و تحدي بأشعاري‏ (8) الرّكاب إذا

تحدى‏

إلى أن أحطّ الرّحل في تربك الذي‏* * * تضوّع ندّا ما رأينا له ندّا

و أطفى‏ء في تلك الموارد غلّتي‏* * * و أحسب قربا مهجة شكت البعدا

بمولدك‏ (9) اهتزّ الوجود فأشرقت‏* * * قصور ببصرى ضاءت الهضب

و الوهدا

و من رعبه الأوثان خرّت مهابة* * * و من هوله إيوان كسرى قد انهدّا

و غاض له الوادي و صبّح عزّه‏* * * بيوتا لنار الفرس أعدمها الوقدا

رعى اللّه منها ليلة أطلع الهدى‏* * * على الأرض من آفاقها القمر السّعدا

و أقرض ملكا قام فينا بحقّها* * * لقد أحرز الفخر المؤثّل و المجدا

و حيّا على شطّ الخليج محلّة* * * يحالف من ينتابها العيشة الرّغدا

و جاد الغمام العدّ فيها خلائفا* * * مآثرهم لا تعرف الحصر و العدّا

عليّا و عثمان‏ (10) و يعقوب، لا عدا* * * رضى اللّه ذاك النّجل و الأب

و الجدّا

حموا و هم في حومة البأس و النّدى‏* * * فكانوا الغيوث المستهلّة و الأسدا

و للّه ما قد خلّفوا من خليفة* * * حوى الإرث عنهم و الوصيّة و العهدا

____________

(1) في الأصل: «فما»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(2) في النفح: «الذكر مدحا و لا حمدا».

(3) في النفح: «أوردته».

(4) هذا البيت ساقط في النفح.

(5) في النفح: «الرّوع».

(6) في الأصل: «شمله»، و التصويب من النفح. و الشّملّة: الناقة السريعة. لسان العرب (شمل).

(7) الكور: الرحل، يريد أنه جعل كورها مهدا ينام عليه. لسان العرب (كور).

(8) في الأصل: «بأشعار»، و التصويب من النفح.

(9) في النفح: «لمولدك».

(10) في النفح: «و عثمانا».

396

إذا ما أراد الصّعب أغرى بنيله‏* * * صدور العوالي و المطهّمة الجردا

فكم معتد أردى و كم تائه هدى‏* * * و كم حكمة أخفى و كم نعمة أبدى‏

أبا سالم، دين الإله بك اعتلى‏* * * أبا سالم، ظلّ الإله بك امتدّا

فدم من دفاع اللّه تحت وقاية* * * كفاك بها أن تسحب الحلق السّردا

و دونكها منّي نتيجة فكرة* * * إذا استرشحت للنظم كانت صفا صلدا

و لو تركت منّي الليالي صبابة* * * لأجهدتها ركضا و أرهقتها شدّا

و لكنه جهد المقلّ على الثّوى‏ (1)* * * و قد أوضح الأعذار من بلغ

الجهدا

و من ذلك قصيدة أنشدتها مولاي السلطان الغني بالله بمحضري بالمشور الحافل، المتّخذ بعد الرجوع إلى الأندلس، في بعض ليالي المولد الكريم، المنوّه بوليمتها، و هي خاتمة النّظم في هذا الغرض المقتضى الإلمام، بمدح السلطان، صرف اللّه وجوهنا إليه‏ (2): [الخفيف‏]

ما على القلب بعدكم‏ (3) من جناح‏* * * أن يرى طائرا بغير جناح‏

و على الشّوق أن يشبّ إذا هبّ‏* * * بأنفاسكم نسيم الصباح‏

جيرة الحيّ، و الحديث شجون‏ (4)* * * و الليالي تلين بعد الجماح‏

أ ترون السّلوّ خامر قلبي‏* * * بعدكم‏ (5) لا و فالق الإصباح‏

و لو اني أعطى اقتراحي على ال* * * أيام ما كان بعدكم باقتراحي‏ (6)

ضايقتني فيكم صروف الليالي‏* * * و استدارت عليّ دور الوشاح‏

و سقتني كأس الفراق دهاقا* * * في اغتباق مواصل باصطباح‏ (7)

و استباحت من جدّتي و فتائي‏ (8)* * * حرما لم أخله بالمستباح‏

قصفت صعدة انتصاري و فلّت‏* * * غرب عزمي المعدّ يوم كفاحي‏ (9)

____________

(1) في النفح: «المقلّ بلغته».

(2) بعض هذه القصيدة في نفح الطيب (ج 9 ص 223).

(3) في الأصل: «القلب من بعدكم»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) أخذه من المثل: «الحديث ذو شجون» أي ذو فنون و أغراض. مجمع الأمثال (ج 1 ص 197) و لسان العرب (شجن).

(5) في الأصل: «بعذلكم»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(6) في الأصل: «باقتراح»، و التصويب من النفح.

(7) في النفح: «و اصطباح». و الكأس الدهاق: الممتلئة. محيط المحيط (دهق).

(8) في الأصل: «و قبائي»، و التصويب من النفح.

(9) في الأصل: «كفاح».

397

لم تدع لي من السلاح سوى مغ* * * فر شيب أهوى به من سلاح‏

عاجلتني به و في الوقت فضل‏* * * لاهتزازي إلى الهوى و ارتياح‏

فكأنّ الشباب طيف خيال‏* * * أو وميض قما عقيب التماح‏

ليل أنس دجى و أقصره ليل‏* * * جاذبت برده يمين صباح‏

صاح و الوجد مشرب و الورى صف* * * فان من منتش‏ (1) و آخر

صاح‏

يا ترى و النفوس أسرى الأماني‏ (2)* * * ما لها عن وثاقها من سراح‏

هل يباح الورود بعد ذياد؟* * * أو يتاح اللقاء بعد انتزاح؟

و إذا أعوز الجسوم التّلاقي‏* * * ناب عنه تعارف الأرواح‏ (3)

جاء عهد الهوى من السّحب هام‏* * * مستهلّ الوميض ضافي المناح‏

كلّما أخضل الرّبوع بكاء* * * ضحكت فوقها ثغور الأقاحي‏ (4)

عادني من تذكّر العيد عيد* * * كان منّي للعين عيد الأضاحي‏ (5)

سفحت فيه للدموع دما* * * فهي فوق الخدود ذات انسياح‏

و ركاب سروا و قد شمل اللي* * * ل بمسح الدّجى جميع النّواحي‏ (6)

و كأنّ الظّلام عسكر زنج‏* * * و نجوم الدّجى نصول الرّماح‏

حملت منهم ظهور المطايا* * * أيّ جدّ بحت و عزم صراح‏

ستروا الوجد و هو نار و كان ال* * * ستر يجدي لولا هبوب الرّياح‏

خلّفوني من بعدهم يائس الطّر* * * ف ثقيل الخطا مهيض الجناح‏

و جدوها مثل القسيّ ضمورا* * * قد برت منهم سهام قداحي‏

و طووا طوع باعث الوجد و الشّو* * * ق إلى الأبطحيّ غير البطاح‏

مصطفى الكون من ظهور النّبيّي* * * ن هداة الأنام سبل الفلاح‏

حجّة اللّه حكمة اللّه سرّ ال* * * لّه في كل غاية و افتتاح‏

حاشر الخلق عاقب الرّسل المث* * * بت بالله بعدهم و الماحي‏ (7)

صاحب المعجزات لا يتمارى ال* * * عقل في آي للحسان صحاح‏

من جماد يقرا و قمر يشقّ‏* * * و من الماء من بنان الرّاح‏

____________

(1) في الأصل: «منتشر»، و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في النفح: «أمان».

(3) لهنا فقط ورد في نفح الطيب، و جاء فيه: «و هي طويلة لم يحضرني منها الآن سوى ما ذكرته».

(4) في الأصل: «الأقاح».

(5) في الأصل: «الأضاح».

(6) في الأصل: «النواح».

(7) في الأصل: «و الماح».

398

دعوة الأنبياء منتظر الكو* * * ن و دعوى البشير باستفتاح‏

مظهر الوحي مطلع الحقّ معنى ال* * * خلق فتح المهيمن الفتّاح‏

أيّ غيث من رحمة اللّه هام‏* * * و سراج بهديه وضّاح‏

ما الذي يشرح امرؤ في رسول‏* * * عاجل اللّه صدره بانشراح؟

شقّه الروح ثم طهّر منه ال* * * قلب من بعد بالبرود القراح‏

مدحتك الرّسل أيا (1) خاتم الرّس* * * ل فمن لي بعدّها بامتداح؟

و لعجز النفوس عن درك الحق‏* * * ق و إيقافها وقوف افتضاح‏

صلوات الإله يا نكتة الكو* * * ن على مجدك اللّباب القراح‏

عدد القطر و الرّمال و ما* * * عاقب دهر غدوه برواح‏

و جزاك الإله أفضل ما يج* * * زى كرام الأئمّة النّصّاح‏

أسفي كم أرى طريد ذنوب‏* * * أوبقتني فليس لي من براح‏

قد غزتني الخطوب غزو الأعادي‏* * * و برتني الهموم بري القداح‏

سبق الحكم و استقلّ و هل يم* * * حى قضاء (2) قد خطّ في الألواح؟

لا لدنيا جنحت ألهو (3) فيها* * * لا لدين خلصت لا لصلاح‏

قاطعا في الغرور برهة عمري‏* * * خسرت صفقتي و خاب قداحي‏ (4)

طمع الشّيب باللّجام المحلّى‏* * * حين أبديت أن يردّ جماحي‏ (5)

فأبت نفسي اللّجوج وجدّت‏* * * في سموّ إلى الهوى و طماح‏

يا طبيب الذنوب تدبيرك النا* * * جع في علّتي ضمين النّجاح‏

يا مجلّي العمى و كافي الدّواهي‏* * * و مداوي المرضى و آسي الجراح‏

سدّ باب القبول دوني و ما لي‏* * * يا غياثي سواك من مفتاح‏

خصّك اللّه بالكمال و زند ال* * * كون لم تقترن بكفّ اقتداح‏

قبل أن يوجد الوجود و أن يت* * * حف بالنّور ظلمة الأشباح‏

و أضاءت من بعد ميلادك الأر* * * ض و هزّت له اهتزاز ارتياح‏

فسرى الخصب في الجسوم الهزالى‏* * * و جرى الرّسل في الضّروع الشحاح‏

و لقد روعيت لديه حقوق‏* * * أقطعتها العدا جناب اطّراح‏

____________

(1) في الأصل: «يا»، و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «قضا»، و هكذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «ألغّ»، و كذا يختل الوزن و المعنى معا.

(4) في الأصل: «قداح».

(5) في الأصل: «جماح».

399

لمعالي محمد بن أبي الحج* * * جاج ليث العدا و غيث السّماح‏

ناصر الحقّ مرسل النّفع سحبا* * * بين سمر القنا و بيض الصّفاح‏

و مريد الجياد أرض الأعادي‏* * * و هي مختالة لفرط المراح‏

يتلاعبن بالظّلال عرابا* * * غذّيت في الفلا لبان اللّقاح‏

يا سراج النّادي و حتف الأعادي‏* * * و عماد الملك الكريم المنّاح‏

جمع اللّه من حلى آل عبّا* * * س لعلياك في سبيل امتداح‏

بين رأي موفّق و اعتزام‏* * * مستعين و صارم سفّاح‏

و خفضت الجناح في الأرض حتى‏* * * لم تدع فوق ظهرها من جناح‏

أنت مصباحها و نور دجاها* * * دافع اللّه عنك من مصباح‏

محّص اللّه منك ياقوتة المل* * * ك و ينبوع العدل و الإصلاح‏

بخطوب أرت حديث سليم* * * ن و جاءت بالحادث المجتاح‏

بيدي فاقد الحجا هلهل النّس* * * ج أخي جرأة و ربّ اجتراح‏

نال منها عقبى مسيلمة الكذ* * * ذاب إذ عاند الهوى و سجاح‏

ثم ردّ الأمور ردّا جميلا* * * لك‏ (1) من بعد فرقة و انتزاح‏

فاجره في الورى الجميل و عامل‏* * * منه كنز الغنى و مثوى الرّياح‏

و اشتر الحمد بالمواهب و اعقد* * * عقدها في مطنّة الأرياح‏

بركات السّماء تبتدر الأر* * * ض إذا استودعت بدور السّماح‏

و تهنّأ منه‏ (2) بدنيا سعيدا* * * جاء للمعلوات وفق اقتراح‏

و تمتّع منه بهالة ملك‏* * * أطلعت منك أيّ بدر لياح‏

مشور (3) الرّأي مجمع الحفل مثوى‏* * * كلّ ذمر (4)

و سيّد جحجاح‏

و مقام السّلام في مدة السّل* * * م و غاب الأسود يوم الكفاح‏

ملتقى حكمة و ملعب إلها* * * م و مغنى السّرور و الأفراح‏

أين كسرى و أين إيوان كسرى؟* * * لا يغلّ‏ (5) الخضمّ بالضّحضاح‏

(6)

____________

(1) في الأصل: «لكن»، و هكذا ينكسر الوزن.

(2) كلمة «منه» ساقطة في الأصل.

(3) في الأصل: «منشور»، و هكذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «كل ذي ذمر ...»، و هكذا ينكسر الوزن.

(5) في الأصل: «يغلّس»، و هكذا ينكسر الوزن، و لا معنى له.

(6) غلّ: جرى. و الخضمّ: البحر الكثير الماء. و الضّحضاح: الماء اليسير. يقول: إنّ البحر لا يجري بماء يسير. محيط المحيط (غلل) و (خضم) و (ضحضح).

400

أين نور الأبدان من عنصر النا* * * ر إذا ما اعتبرته يا صاح‏

بنية كان فضلها لك مذخو* * * را كزهر الرّياض في الأدواح‏

حين طاب الزّمان و اعتدل الفص* * * ل استجدّت و بادرت بافتتاح‏

هاكها قد تتوّجت بالمعاني‏* * * و اكتست حلّة اللّغات الفصاح‏

حين غاض الشّباب و ارتجع الفك* * * ر و ضاق الخطو العريض السّاح‏

جهد قلب لفقت‏ (1) بعد جهاد* * * نقطة من قليبه الممتاح‏

و معاني البيان منّ عذاري‏* * * لا يبح‏ (2) للشّيوخ عقد نكاح‏

مع شيخ‏ (3) سوى الرجوع إلى اللّ‏* * * ه و نجوى أهل التّقى و الصّلاح‏

و لزوم الباب الذي يجبر الكس* * * ر و وصل السؤال و الإلحاح‏

و على ذاك‏ (4) فهي ساحرة الأح* * * داق تري بكلّ خود رداح‏

تنفث السّحر في الجفون و تهدي‏* * * طرر الحسن في الوجوه الملاح‏

دمت في عزّة و رفعة قدر* * * بين مغدى موفّق و مراح‏

ما تولّت دهم الدّجنّة غدوا* * * و جرت خلفهن شهب الصّباح‏

و من غرض الأمداح قولي في امتداح سلطان المغرب أبي عنان، لما توجّهت إليه رسولا، محمّلا مصالح البلاد و العباد، و استدعى الشعر مني فقلت‏ (5):

[الكامل‏]

أبدى لداعي الفوز وجه منيب‏* * * و أفاق من عذل و من تأنيب‏

كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمى‏* * * و البان حنّ له حنين النّيب‏ (6)

و النّفس لا تنفكّ تكلف بالهوى‏* * * و الشّيب يلحظها بعين رقيب‏

رحل الصّبا فطرحت في أعقابه‏* * * ما كان من غزل و من تشبيب‏

أ ترى التّغزّل بعد أن ظعن الصّبا* * * شأني الغداة أو النّسيب نسيبي‏

(7)؟

أنّى لمثلي بالهوى من بعد ما* * * للوخط في الفودين أيّ دبيب‏

لبس البياض و حلّ ذروة منبر* * * منّي و والى الوعظ فعل خطيب‏

____________

(1) في الأصل: «لفّقته»، و هكذا ينكسر الوزن.

(2) في الأصل: «يبجن»، و هكذا ينكسر الوزن.

(3) في الأصل: «و الشيخ»، و هكذا ينكسر الوزن.

(4) في الأصل: «ذلك»، و هكذا ينكسر الوزن.

(5) القصيدة في نفح الطيب (ج 9 ص 169- 174).

(6) النّيب: جمع ناب و هو الناقة المسنّة، و هي مضرب المثل في الحنين.

(7) في الأصل: «نسيب»، و التصويب من النفح.

401

قد كان يسترني ظلام شبيبتي‏* * * و الآن يفضحني صباح مشيبي‏ (1)

و إذا الجديدان‏ (2) استجدّا أبليا* * * من لبسة (3)

الأعمار كلّ قشيب‏

سلني عن الدهر الخؤون و أهله‏* * * تسل المهلّب عن حروب شبيب‏ (4)

متقلّب الحالات فاخبر تقله‏* * * مهما أعدت يدا إلى تقليب‏

فكل الأمور إذا اعترتك لربّها* * * ما ضاق لطف الرّبّ عن مربوب‏

قد يخبأ المحبوب في مكروهها* * * من يخبأ المكروه في المحبوب‏

و اصبر على مضض الليالي إنها* * * لحوامل سيلدن كلّ عجيب‏

و اقنع بحظّ لم تنله بحيلة* * * ما كلّ رام سهمه بمصيب‏

يقع الحريص على الرّدى و لكم غدا* * * ترك التّسبّب أنفع التّسبيب‏

من رام نيل الشي‏ء قبل أوانه‏* * * رام انتقال يلملم‏ (5) و عسيب‏

فإذا جعلت الصبر مفزع معضل‏* * * عاجلت علّته بطبّ طبيب‏

و إذا استعنت على الزمان بفارس‏ (6)* * * لبّى نداءك منه خير مجيب‏

بخليفة اللّه الذي في كفّه‏* * * غيث يروّض ساح كلّ جديب‏

المنتقى من طينة المجد الذي‏* * * ما كان يوما صرفه بمشوب‏

يرمي الصّعاب بسعده‏ (7) فيقودها* * * ذللا على حسب الهوى المرغوب‏

و يرى الحقائق من وراء حجابها* * * لا فرق بين شهادة و مغيب‏

من آل عبد الحقّ حيث توشّحت‏* * * شعب العلى و ربت بأيّ كثيب‏

أسد الشّرى سرج الورى فمقامهم‏* * * للّه بين محارب و حروب‏

إمّا دعا الداعي و ثوّب صارخا* * * ثابوا و أمّوا حومة التّثويب‏

شهب ثواقب و السماء (8) عجاجة* * * مأثورها قد صحّ بالتّجريب‏

ما شئت في آفاقها من رامح‏* * * يبدو و كفّ بالنّجيع خضيب‏

عجبت سيوفهم لشدّة بأسهم‏* * * فتبسّمت و الجوّ في تقطيب‏

____________

(1) في الأصل: «مشيب»، و التصويب من النفح.

(2) الجديدان: الليل و النهار. القاموس المحيط (جدد).

(3) في الأصل: «لبسته»، و هكذا ينكسر الوزن، و التصويب من النفح.

(4) المهلب: هو المهلب بن أبي صفرة، الذي قاتل الخوارج في عهد عبد الملك. و شبيب: هو أحد زعماء الخوارج.

(5) في الأصل: «بلملم»، و التصويب من النفح.

(6) فارس: هو السلطان أبو عنان.

(7) في النفح: «بصعبه».

(8) في النفح: «في سماء».

402

نظموا بلبّات العلا و استوسقوا* * * كالرّمح أنبوبا على أنبوب‏

تروي العوالي في المعالي‏ (1) عنهم‏* * * أثر النّدى المولود و المكسوب‏

عن‏ (2) كلّ موثوق به إسناده‏* * * بالقطع أو بالوضع غير معيب‏

فأبو عنان عن عليّ نصّه‏* * * للنّقل عن عثمان عن يعقوب‏

جاءوا كما اتّسق الحساب أصالة* * * و غدوا فذالك‏ (3) ذلك المكتوب‏

متجسّدا من جوهر النور الذي‏* * * لم ترم يوما شمسه بغروب‏

متألّقا من مطلع الحقّ الذي‏* * * هو نور أبصار و سرّ قلوب‏

قل للزمان و قد تبسّم ضاحكا* * * من بعد طول تجهّم و قطوب‏

هي دعوة الحقّ التي أوضاعها* * * جمعت من الآثار كلّ غريب‏

هي دعوة العدل الذي شمل الورى‏* * * فالشّاة لا تخشى اعتداء الذّيب‏

لو أنّ كسرى الفرس أدرك فارسا* * * ألقى إليه بتاجه المعصوب‏

لمّا حللت بأرضه متملّيا (4)* * * ما شئت من برّ و من ترحيب‏

شمل الرّضا فكأنّ كلّ أقاحة* * * تومي بثغر للسلام شنيب‏

و أتيت في بحر القرى أمّ القرى‏* * * حتى حططت بمرفإ التقريب‏

فرأيت أمر (5) اللّه من ظلّ التّقى‏* * * و العدل تحت سرادق مضروب‏

و رأيت سيف اللّه مطرور الشّبا (6)* * * يمضي القضاء بحدّه المرهوب‏

و شهدت نور الحقّ ليس بآفل‏* * * و الدّين و الدّنيا على ترتيب‏

و وردت بحر العلم يقذف موجه‏* * * للناس من درر الهدى بضروب‏

للّه من شيم كأزهار الرّبى‏* * * غبّ انثيال العارض المسكوب‏

و جمال مرأى في رداء مهابة* * * كالسيف مصقول الفرند مهيب‏

يا جنّة، فارقت من غرفاتها* * * دار القرار بما اقتضته ذنوبي‏ (7)

____________

(1) في النفح: «و المعالي».

(2) في النفح: «من».

(3) في الأصل: «فذلك» و التصويب من النفح. و الفذالك: جمع فذلكة و هي محصّل الحساب.

محيط المحيط (فذلك).

(4) في النفح: «مستمليا».

(5) في النفح: «أمن اللّه في ظلّ ...».

(6) المطرور: المشحوذ؛ يقال: طرّ السكين إذا شحذها و حدّدها. و الشبا: جمع شباة و هي الرمح.

لسان العرب (طرر) و (شبا).

(7) في الأصل: «ذنوب»، و التصويب من النفح.