تاريخ أهل عمان‏

- سعيد عبد الفتاح عاشور المزيد...
189 /
101

إثمه على الذين يبدلونه، إن اللّه سميع عليم" (1)

و كان هذا القضاء عشية الأربعاء، لسبع أو لتسع- ليال خلون من جمادى الآخر، من سنة سبع و ثمانين و ثماني مائة و كان هذا في عقده الثاني، لأنه لما نصب أولا (2) أقام سنة، و خرج عليه سليمان بن سليمان [بن مظفر النبهانى‏]، فانكسر، و عسكر بحممت من وادي سمائل، لعله وادي بني رواحة، ثم نصبه ثانية [الشيخ‏] (3) محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج القاضي، في سنة أربع و تسعين بعد ثماني مائة من الهجرة.

ثم نصب [من بعده‏] عمر الشريف، و أقام سنة، ثم خرج إلى بهلا فنصب أهل نزوى محمد بن سليمان ثانية، ثم عقدوا لأحمد بن عمر بن محمد الربخي‏ (4)، ثم عقد لأبى الحسن بن عبد السلام [النزوي‏] (5)، و أقام دون السنة ثم خرج عليه سليمان بن سليمان [بن مظفر النبهاني‏] (6) ثم نصب محمد بن سليمان أيضا، [م 316] و أقام أياما.

الإمام محمد بن إسماعيل الحاضرى:

ثم عقد لمحمد بن إسماعيل‏ (7)، الساكن حارة الوادي الغربية، من‏

____________

(1) سورة البقرة: آية 181

(2) يعني الإمام عمر بن الخطاب بن محمد و العبارة في الأصل بها تعريف في النسخ نصها (لم يصب أولا ...)

(3) في الأصل (ثم نصب ثانية من بعده محمد بن سليمان) و التصويب و الإضاف بين الحواصر من كتاب الفتح المبين، ص 258

(4) في الأصل (الزنجى) و هو تحريف و التصويب من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 376 و الشعاع الشائع لإبن رزيق (ص 82)

(5) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 376)

(6) ما بين حاصرتين إضافة

(7) في الأصل (محمد بن أسماعيل الإسماعيلي)

102

سكة [باب النزار من أزكى‏] (1) و سبب ذلك أن سليمان بن سليمان هجم على امرأة تغسل من فلج الغنتق، فخرجت من الفلج هاربة عريانه، فجعل يعدو في أثرها حتى وصل حارة الوادي، فرآهما محمد بن إسماعيل، فخرج إليه و قبضه عنها، و صرعه على الأرض، حتى مضت المرأة، و دخلت العقر (2)، و خلّى‏ (3) سبيله.

فعند ذلك فرح به المسلمون لما رأوا من قوته في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و نصبوه إماما، و ذلك في سنة ست و تسع مائة [و مات‏] (4) يوم الخميس لتسع ليال بقين من شوال سنة اثنين و أربعين و تسع مائة.

بركات بن محمد بن إسماعيل:

و نصب ولده بركات في اليوم الذي مات فيه أبوه.

ثم لما كان يوم السبت لعشر ليال بقين من المحرم سنة خمس و ستين بعد تسع مائة، خرج بركات بن محمد [من‏] (5) حصن بهلا [يريد نزوى‏] (6) و دخله محمد بن جفير بن على بن هلال الجبرى، و ذلك بعد أن دخل السلطان الأعظم [م 317]- سلطان بن المحسن بن سليمان بن نبهان- نزوى، و ملكها في سنة أربع و ستين بعد تسع مائة.

____________

(1) في الأصل (من سكة مراروة) و الصيغة المثبتة من الفتح المبين، ص 259

(2) في الأصل (المعقرا) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي، ج 1، ص 379 جاء في لسان العرب أن العقر و العقار المنزل و الضيعة.

(3) في الأصل (و خلا).

(4) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

(5) ما بين الحواصر إضافة لضبط المعنى.

(6) نفسه‏

103

ثم ثبت حصن بهلا في يد محمد بن جفير، إلى أن اشتراه منه آل عمير، بثلاث مائة لك، و دخل آل عمير حصن بهلا يوم الثلاثاء لتسع ليال بقين من جمادى الآخر سنة سبع و ستين و تسع مائة.

و لعل كان الإمام عمر بن قاسم الفضيلى في أيام عبد اللّه بن محمد القرن‏ (1) في منح، يوم الجمعة لخمسة عشر يوما من رجب سنة سبع و ستين و تسع مائة. و دخل حصن بهلا يوم الإثنين لليلتين بقين من هذا الشهر من هذه السنة.

ثم لما كانت‏ (2) ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من شهر رمضان سنة ثماني و ستين و تسع مائة، دخل بركات بن محمد بن إسماعيل حصن بهلا، و أخرجوا منه عبد اللّه بن محمد القرن، و كان الفقية أحمد بن مداد يبرأ من محمد بن إسماعيل، و ولده بركات بن محمد، و له في ذلك سيرة طويلة تركتها اختصارا.

____________

(1) في الأصل (بركات بن محمد القرن) و هذا خلط في النسخ و تتضح العبارة مما ذكره السالمي في تحفة الأعيان (ج 1، ص 386) و نصه" و قدم من لم يرض إمامة بركات غيره إماما، فنصبوا عمر بن القاسم الفضيلى في أيام بركات .... و لم يؤرخوا وقت بيعته و لا وقت وفاته. ثم نصب أيضا عبد اللّه بن محمد القرن إماما في منح يوم الجمعة لخمسة عشر يوما من رجب سنة سبع و ستين و تسعمائة. و دخل حصن بهلى يوم الاثنين"

(2) في الأصل (كان)

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

105

ملوك بني نبهان الأواخر

قيل إنه لما مات [م 318] سلطان بن المحسن- و كان موته يوم الإثنين لاثنتي عشرة لية بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و سبعين و تسع مائة (1)، ترك ثلاثة أولاد، و هم: طهماس بن سلطان، و سلطان بن سلطان، و مظفر بن سلطان‏ (2).

و كان المظفر هو المتقدم عليهم في الملك، إلى أن مات و ترك ولده سليمان صغيرا، لا يقوم برئاسة (3) الملك و كان عم أبيه- فلاح بن المحسن مالكا لحصن مقنيات فلما علم بموت مظفر، جاء إلى بهلا، و أقام مكانه، و عدل في ملكه و ملك سبع سنين، ثم مات.

فملك من بعده سليمان بن مظفر، و هو ابن اثنتي عشرة سنة (4) و استولى على الأمر في عمان و نواحيها، و أخذ خراجها من الطائع‏ (5) و العاصي، و الداني و القاصي و حاربه أهل نزوى، و كان معهم جبري يقال له محمد بن جفير، و عنده جيش عظيم فطلع إليه سليمان بن مظفر، و عرار بن فلاح، و عندهم ناصر بن قطن، و من معهم من العساكر.

____________

(1) في الأصل (و تسع مائة سنة)

(2) في الأصل (و مظفر بن سليمان)

(3) في الأصل (برياسة)

(4) في الأصل (اثنى عشر سنة)

(5) في الأصل (الطايع)

106

فلما [م 319] التقوا- هم و محمد بن جفير- استقام بينهم القتال، فقتل محمد بن جفير، و انكسر قومه. و كان قطن بن قطن ينتظر الأمر بينهم، فنادى بالكف بين القوم عن القتال.

و كان محمد بن جفير [له ولد صغير السن‏] (1)- و اسمه محمد بن محمد- و أمه بنت عمير بن عامر، فتزوجها سليمان بن مظفر، بعدما قتل زوجها [محمد بن جفير] (2) فركب [سليمان‏] (3) بها البادية، فكان بالشتاء ببادية الشمال، و يترك ابن‏ (4) عمه عرار بن فلاح ببهلا، و إذا جاء الصيف رجع إلى بهلا.

و كان مهنا بن محمد الهديفي مالكا بلد صحار، فعلم أن العجم متأهبون إليه، أرسل إلى سليمان مظفر لينصره عليهم، فلبّى‏ (5) دعوته، و أطاع كلمته فخرج بمن عنده من العسكر، و تكاملت القوم بصحار، و وصلت إليهم العجم، فاستقام بينهم القتال، و عظم النزال، و ارتفع العجاج، و أظلم الفجاج، فانكسر جيش العجم، و قتل منهم من‏ (6) شاء اللّه.

و رجع سليمان بن مظفر إلى داره بهلا، و عنده بنو عمه، و هم عشرة:

عرار، و نبهان، و مخزوم، و أولاد فلاح بن [م 320] المحسن، و كان المقدم عليهم عرار، و أما أخوه نبهان، فلا يملك رأيا دون أخيه، و كان لعرار (7) بن فلاح ملك الظاهرة، و أعطى‏ (8) سليمان بن مظفر مخزوما (9)

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 388).

(2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى‏

(3) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى‏

(4) في الأصل (بن)

(5) في الأصل (فلبا)

(6) في الأصل (ما شاء)

(7) في الأصل (عرار)

(8) في (و أعطا)

(9) في الأصل (محروما)

107

ملك ينقل، فبقي‏ (1) عندهم تسعة، أحدهم حمير بن حافظ و عنده أربعة:

حافظ و سلطان و كهلان و هود، كلهم أولاد حمير فمات حافظ بن حمير بعد رجوعهم إلى بهلا بسنة زمانا (2) و بقي معه من بني عمه إثنان من العشرة:

مهنا بن محمد بن حافظ، و علي بن ذهل بن محمد بن حافظ، و هم على يدي‏ (3) سليمان بن مظفر.

و كان لسليمان وزراء في القرية، و في النزاز من قرية أزكى، و في سمد الشان، و كانت سمد الشان لقبيلة الجهاضم. و كان جائرا (4) عليهم، ففروا منها من شدة جوره و بطشه، فتفرقوا في البلدان مدة ثلاثين سنة، و هم يحتالون في دخولها، و التوصل إليها.

و كان بنو هناة من أقرب الناس إلى سليمان بن مظفر، و كانوا أكثرهم عددا وعدة، و بأسا و شدة. و كان فيها رجلان [م 321] يليان أمرهم، و هما خلف بن أبي سعيد، و سيف بن محمد بن أبي سعيد، و كانا عنده قدوة أهل زمانهم، [فافترقوا] (5).

و كان سبب الفرقة بينهم، أن قبيلتين من أهل سيفم، إحداهما بنو معن و الأخرى بنو النير [اقتتلتا] (6)، و كانتا عصبة لبني هناة، و خصمهم واحد ثم وقعت الفرقة بين بني المعن و بني النير، و سبب ذلك أن امرأة من بني معن.

____________

(1) في الأصل (فلقوا) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان، ج 1، ص 389.

(2) في الأصل (زمان).

(3) في الأصل (على يد).

(4) في الأصل (جايرا).

(5) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى.

(6) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج 1، ص 390).

108

دخلت زرعا لبني النيّر تحش منه، فمرت عليها أمة رجل من بني النيّر، فقالت:" اخرجي من زرع سيدي". فأبت؛ فوقع بينهما الجدال.

فضربت الأمة المرأة، ففقأت عينها. فخرج ذات يوم حمار لبنى النّير و دخل زرعا لبني معن، فقطعت أذنه، فوقعت الفتنة بينهما، و كان‏" هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ" (1)

و أصل الفتنة كالنار اليسيرة، تحرق الأشياء الكثيرة، فافترق عند ذلك القوم فرقتين: فأما بنو معن و بنو شكيل فهم مع [سليمان بن‏] (2) مظفر؛ و بنو النيّر مع بني هناة.

فعند ذلك سار خلف بن أبي [م 322] سعيد إلى داره- دارسيت-، هو و بنو عمه، و كان سليمان بن المظفر بالبادية، فعلم بذلك، و أرسل إلى وزيره محمد بن خنجر أن قل لخلف يترك شأن القوم، فأرسل إليه بالكف عن ذلك فغلب القوم عن ذلك، [و أظهروا أنهم‏] (3) يريدون الإصلاح بين بني معن و بني النيّر فأرسل الوزير إلى مولاه سليمان‏ (4): إن خلفا غلب‏ (5) عن التكفية. فندب سليمان بن المظفر إلى الوزير: تراك افعل في أموال بني هناة من الغزية من كدم، فأمر الوزير بخراب أموال بني هناة من كدم.

و كانت تلك الأموال للشيخ‏ (6) خلف بن أبي سعيد فوقعت العداوة و البغضاء بينهما، و عند ذلك أمر الشيخ خلف بني عمه أن اغزوا بهلا؛

____________

(1) سورة القصص: آية 15

(2) ما بين حاصرتين إضافة لتحديد المعنى‏

(3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى‏

(4) في الأصل (فأرسل الوزير إلى مولاه أن سليمان أن خلفا ....)

(5) في الأصل (نكل)

(6) في الأصل (و كانت تلك أموال الشيخ)

109

فغزوها، فقتلوا من قتلوا منها، فكتب الوزير محمد بن خنجر إلى سليمان بن المظفر بما جرى في بهلا.

فلما علم سليمان ذلك قصد من الشمال إلى بهلا، و أراد الصلح بينه و بين [بني‏] هناة، فلم يقع صلح، و هيأ كل واحد منهما الحرب لصاحبه؛ فجمع السلطان سليمان‏ (1) [م 323] بن المظفر ما عنده من العسكر ليقاتل بني هناة. فعلم بذلك الشيخ [خلف‏] (2)؛ فأرسل إلى الأمير (3) عمير بن حمير ملك سمائل ينتصر به على السلطان [سليمان‏] (4) بن المظفر، فسار بعسكره إلى غبرة (5) بهلا، فالتقى هو و الأمير عمير بن حمير فاستقام الحرب بينهما ساعة من النهار؛ ثم رجع سليمان إلى بهلا.

و رجع الأمير عمير إلى سمائل، و ترك بعض قومه في دارسيت و كان الأمير عمير ذا خلق حسن واسع فلما وصل إلى سمائل، أرسل إلى بنى جهضم- و هم متفرقون في قرى شتى- فأقبلوا إليه، فوقعت‏ (6) بينهم الألفة و اثبات الصحبة، ثم أرسل إلى سلطان الرستاق- [و هو] مالك بن أبي العرب- ليصله‏ (7) إلى سمائل، فسار مالك بن أبي العرب، و صحبه ابو الحسن علي بن قطن، فلما وصلا إلى سمائل، ساروا مع بني جهضم إلى سمد الشان، و بنوا لهم بنيانا حول دارهم، و ترك عندهم الأمير البعض من قومه، و ترك لهم ما يحتاجون له من الطعام و الشراب و آلة الحرب؛ و رجع [م 324] إلى سمائل.

____________

(1) في الأصل (السلطان بن سليمان)

(2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى‏

(3) في الأصل (الوزير) و التصويب من تحفة الأعيان للسالمى ج 1 ص 390

(4) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى‏

(5) الغبراء: الأرض، لغبرة لونها

(6) في الأصل (فوقع)

(7) في الأصل (يصله)

110

و أما بنو هناة و سليمان بن المظفر، فإنهم لم تنقطع بينهم الغزوات.

ثم إن الأمير عمير بن حمير، و السلطان مالك بن أبي العرب سارا إلى نزوى، و هما ينتظران الأمر، و كان لمالك بن أبي العرب وزير في عيني من الرستاق، فدخل عليه أهل الدار، و أخرجوه منها و جاء رجل من أهل عيني إلى سليمان بن المظفر، يطلب منه النصر على الخصم، فأعانه ببعض قومه، و أرسل معه عرار بن فلاح‏ (1).

فجاء الخبر إلى السلطان مالك بن أبي العرب، لما جرى في داره، فأراد المسير إلى داره، فقال له الأمير عمير" قف معنا و لا تخف؛ فهذا من علامات السرور". فقال:" كيف ذلك و العدو في داري؟". فقال الأمير عمير (2): ذلك عندي! و إنا إن شاء اللّه من الغالبين، قال اللّه تعالى‏ (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (3). و كما قال الشاعر:

إذا الحادثات بلغن المدى* * * و كادت تذوب لهن المهج‏

و حل البلاء و قلّ العزى* * * فعند التناهي يكون الفرج‏

[م 325] ثم إن بني هناة أرسلوا إلى عمير بن حمير أن أقبل علينا بمن عندك من القوم لندخل بهم بهلا، فسار هو و من معه إلى بعض الطريق، فنظر إلى قومه، فاستقل عددهم فرجع إلى نزوى، و كان‏ (4) بنو هناة ينتظرونه في ليلة كانت بينهم للدخول‏ (5)، فلم يصل إليهم، فسار إليه الشيخ سيف بن محمد من دار سيت إلى نزوى، و جرى بينهما جدال كثير من باب العتاب.

فقال الأمير عمير بن حمير: خذ من القوم ما شئت، فأخذ من عنده قوما كثيرا، لا يعلم عددهم إلا اللّه، فسار بهم إلى دراسيت، و الأمير عمير ينتظر الأمر بنزوى.

____________

(1) في الأصل (عزان بن فلاح) و هو تحريف في النسخ‏

(2) في الأصل (حمير) و هو تحريف في النسخ‏

(3) في الأصل‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (سورة الشرح: الآيتان 5، 6)

(4) في الأصل (و كانوا)

(5) في الأصل (الدخول)

111

فجاء الخبر إلى سليمان بن المظفر أن القوم طلعوا من نزوى إلى دارسيت فمنهم من يقول قاصدون للقرية، و منهم من يقول سيفم، و منهم من يقول بهلا، فقسم سليمان قومه، فجعل قوما منهم في القرية، و بعضا في سيفم و بنى‏ (1) بنيانا في رأس [فلج الجزيين‏] (2)، مخافة أن تضربه القوم [و ترك فيه‏] (3) قوما، و قسم بقية القوم [م 326] في بهلا، و ترك في الخضراء جماعة (4) من قومه، [و كذلك‏] (5) في حارة الغاف، و ترك في الجامع من البلاد حمير بن حافظ و من عنده من القوم، و قسم بقية قومه في العقر، و كان ابن عمه عرار بن فلاح و من معه من القوم في عيني [من‏] الرستاق‏ (6).

فسار سيف بن محمد بقومه من دارسيت إلى بهلا و دخلها، و كان دخوله من الجانب الغربى‏ (7)، فتسوروا السور، و دخلوا البلاد. و كان ذلك منهم ضربة لا زب، و لم يشعر بهم أحد، و قسم سيف قومه ثلاث فرق: فرقة باليمين،، و فرقة بالشمال، و فرقة بالوجه و هى التي تلي‏ (8) الجامع من البلاد. و أحكم أمره في الأماكن المختارة للقتال، لمسجد (9) الجامع و مسجد بني عمر (10)، و جميع أبواب العقر، فما بقي لسليمان بن‏

____________

(1) في الأصل (و بنا)

(2) في الأصل (رأس الحريرة) و الصيغة المثبتة من كتاب تحفة الأعيان للسالمي، (ج 1، ص 329)

(3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(4) في الأصل (الخضرا)

(5) ما بين حاصرتين لضبط المعنى‏

(6) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(7) في الأصل (الغرب)

(8) في الأصل (مع الجامع) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 392)

(9) في الأصل (فمسجد)

(10) في الأصل (مسجد أبى عمرو) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان‏

112

المظفر شي‏ء غير الحصن و الخضراء، بعدما قتل من سادات قومه و فرسانه تلك الليلة.

و نادى سيف بن محمد بالأمان في البلاد، و كان بعض أهل البلد معه. و جاء الخبر إلى‏ (1) الأمير عمير بن حمير- و هو في [م 327] نزوى- أن قومك دخلوا بهلا، فركب عند ذلك هو و الأمير سليمان بن محمد و السلطان مالك بن أبي العرب، و المنصور علي بن قطن، و أهل نزوى و ركب خلف بن أبي سعيد الهنائى‏ (2) من دارسيت بمن عنده من القوم، لينصروا أصحابهم، و كان دخلوهم ليلا. و نزل الأمير عمير بحارة الغاف، و كانت الخضراء (3) في ملك السلطان سليمان بن المظفر، و فيها علي بن ذهل، و عنده قوم كثير، أرسل إليهم الأمير عمير ليخرجوا بما عندهم من الزانة، فورد علي بن ذهل على قومه يحرضهم على القتال، فلم يجبه أحد منهم، و عزموا على الخروج.

و وصل الخبر إلى عرار بن فلاح، و هو في عيني من الرستاق، أن القوم دخلوا بهلا، فنهض من عيني بمن معه، و دخل القرية و كانت القرية في ملكهم.

و كان عمير بن حمير و سيف بن محمد لم يشاكهما أحد في البلاد إلا الحصن و هم محدقون به، و صنعوا في شجرة الصبار التي في السوق برجا من [م 328] خشب، في أعلا رأسها- بالليل- و قعد فيه رجل من الجهاضم يقال له جمعة بن محمد المرهوب، فضرب رجلا من الحصن- و كان خارجا من القصبة إلى بيت الوزير- و مات و عمل قوم الأمير برجا في‏

____________

(1) في الأصل (و جاء الخبر أن الأمير)

(2) في الأصل (الهناوى)

(3) في الأصل (الخضرا)

113

الجامع، فضرب صاحب البرج رجلا من الحصن في مبرز الغرفة من عسكر سليمان.

ثم إن القوم قشعوا [سور] (1) الحصن بالليل، فلما انهدم بعض الجدار، علم بهم عسكر سليمان فمنعوهم من الدخول، ثم إن العسكر طلبوا من سليمان الخروج من الحصن مخافة القتل، فأقاموا ثلاث عشرة ليلة (2)، فأذن لهم، فطلبوا من الأمير عمير أن يسيرهم، [فسيرهم‏] (3) بما عندهم من الزانة، و سير معهم وزيره.

ثم طلع سليمان بن مظفر- هو و بنو عمه و عسكره- مسيّرين من بهلا إلى القرية، و خرج- هو و عرار بن فلاح- من القرية إلى الظاهرة، فأمر بعد ذلك الأمير عمير بن حمير بقشع الحصن، فقشع و لم يبق منه عمار و لا جدار، هذه قدرة اللّه،" يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وَ اللَّهُ‏ [م 329] واسِعٌ عَلِيمٌ" (4)

و جعل عمير، خلف بن أبى سعيد، مأمونه في بهلا، و رجع إلى سمائل، فأقام خلف بن أبي سعيد في بهلا أربعة أشهر، ثم خرج عليه سليمان بن المظفر و ابن عمه عرار بن فلاح، فدخلوا عليه الخضراء (5)، و هو في العقر.

و كانت هذه الدخلة ليلة رابع ربيع الأول سنة تسع عشرة بعد ألف سنة.

و كان سيف بن محمد- هو و بعض قومه- في السر، فأرسل سليمان بن المظفر لخلف بن أبي سعيد، ليسيره‏ (6) بما عنده من الزانة فخرج‏

____________

(1) وضعت كلمة (سور) بين كلمتى (قشعوا) و (الحصن) بقلم مغاير جاء في لسان العرب انقشع الغيم و قشعته الريح أي كشفته فانقشع.

(2) في الأصل (ثلاثة عشر ليلة)

(3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(4) سورة البقرة: آية 247

(5) في الأصل (الخضرا)

(6) في الأصل (يسيره)

114

خلف مسيّرا و أخذ الأمان على أهل البلد، فمنهم من قام، و منهم من خرج خوف السلطان.

فلما علم سيف بن محمد هذا الخبر، جاء من السر، و علم به الأمير عمير بن حمير، فأقبل من سمائل إلى نزوى، و مضى إلى القرية، فأخذها و وهبها لسيف بن محمد، فكان مأمونه فيها، ثم رجع إلى نزوى ينتظر الأمر مدة أيام.

فمات سليمان بن المظفر، و كان له ولد صغير السن فملك من بعده [م 330] عرار بن فلاح.

ثم طلع سيف بن محمد إلى نزوى، و أخذ من الأمير عمير قوما كثيرا، فسار بهم إلى القرية، فلبثوا سبعة أيام، و دخل بهم حارة من بهلا- اسمها حارة أبي مان- فأحدق بهم عرار بن فلاح مدة أيام.

ثم إنه سيرهم بما عندهم من الزانة، و ثبت له حصن [القرية] (1)، و تجديد الخدمة مدة سنة، و كانت هذه الدخلة ليلة سادس صفر، سنة أربع و عشرين سنة بعد الألف.

ثم مات بعد ذلك عرار بن فلاح، و كان موته لعشر ليال خلون من شهر الحج من هذه السنة. و ملك من بعده مظفر بن سليمان، و أقام في ملكه مدة شهرين، ثم مات. و ملك من بعده مخزوم بن فلاح مدة شهري زمان، فخرج عليه نبهان و سيف بن محمد، ليخرجاه من الحصن، فطلب التسيار (2)، فسيروه بلازانة و لا سلاح، و كان خروجه إلى ينقل، من الظاهرة، فتولى الأمر على [أصحابها مدة من الزمان، و أقام‏

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج 1، ص 394)

(2) السير: الذهاب، سار يسير سيرا و مسيرا و تسيارا مسيرة و سيرورة. و تسيار تشير إلى الكثيرة (لسان العرب)

115

ببهلا نبهان بن فلاح، و جعل‏] (1) ابن عمه- علي بن ذهل- مأمونه في دار بهلا، و على أثره سيف بن محمد، و سار نبهان بن فلاح إلى داره مقنيات، و ساعد ابن عمه سلطان بن حمير [م 331] من بهلا خوفا منه أن يحاول [الاستيلاء] (2) على الملك، فسار سلطان بن حمير من بهلا إلى صحار، فتولى مكانه ذلك الأمر سيف بن محمد مدة سنة.

ثم طلع بعد ذلك الأمير عمير بن حمير بما عنده من القوم إلى بهلا، فمنعه سيف بن محمد من الدخول، فرجع هو و قومه إلى نزوى ينتظر الأمر، ثم بعد أيام رجع عمير و قومه إلى بهلا و دخل العقر، و كان سيف بن محمد في بلاد سيت‏ (3)، فعلم بذلك الأمر، فنهض من بلاد سيت بمن عنده من القوم، و دخل الحصن فلم يمنعه أحد، ثم أرسل إلى نبهان بن فلاح أن القوم دخلوا الدار، فأقبل بمن عندك من العسكر، فأقام مدة أيام يجمع‏ (4) عساكره.

و كان الأمير عمير بن حمير قد أحكم مقابض البلد، من أولها إلى آخرها.

و أقام سيف بن محمد بالحصن مدة ينتظر نبهان و قومه، فلم يصل إليه. ثم طلب سيف تسيارا من الأمير عمير بن حمير، فسيره بما عنده من الزانة، فقصد القرية.

و أقام عمير [م 332] بن حمير في بهلا مدة أيام. ثم إنه أرسل إلى سيف بن محمد، فوقعت بينهما يمين على الصحبة. فأقام سيف على ولاية الرعية، و عدل فيها و كان متولي الأمر على بني عمه‏ (5)، و هم له ناصحون.

____________

(1) ما بين حاصرتين تكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 395)

(2) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى‏

(3) دارسيت‏

(4) في الأصل (تجتمع)

(5) في الأصل (ابن عمه)

116

و لما استحكم الأمر لسيف بن محمد (1)، كان سلطان بن حمير، و مهنا بن محمد بن حافظ، و علي بن ذهل بن محمد بن حافظ- [و] (2) مسكنهم يومئذ صحار- مع محمد بن مهنا الهديفي، و كان محمد بن مهنا أراد أن يدخل بهم على ابن عمهم نبهان بن فلاح في مقنيات ليصلح بينهم و كان مخزوم بني‏ (3) حصن ينقل، فلم يقع بينهما صلح، فطلع بعد ذلك سلطان بن حمير. و علي بن ذهل بما عندهما من العسكر.

فجاء الخبر إلى عمير بن حمير- و هو في سمائل- أن سلطان بن حمير سار بقومه من الظاهرة، ليدخل بهم بهلا، فطلع هو و قومه من سمائل إلى بهلا ينتظر الأمر، و دخل سلطان بن حمير النبهاني حارة بني صلت، فجاء الأمير عمير بن حمير بقومه، و على أثره سيف بن محمد، و وقع بينهم القتال، [م 333] و بنوا عليهم بنيانا على الحارة من أولها إلى آخرها.

و أرسل الأمير عمير بن حمير إلى أصحابه من جميع القرى، و طلع إليه الشيخ ماجد بن ربيعة بن سليمان الكندي، و عمر بن سليمان العفيف، و الشيخ سعيد بن أحمد بن أبي سعيد الناعبي، مع سادات أهل نزوى و منح.

و أقام سليمان بن حمير- هو و قومه- محصورين مدة، لم يخرج منهم أحد، و لا يدخل إليهم أحد، فطلب عند ذلك سليمان بن حمير من الأمير عمير بن حمير تسيارا، و الخروج. و سيره و من معه- بما عنده من الزانة- إلى الظاهرة.

____________

(1) في الأصل (و لما استولى الأمر سيف بن محمد)

(2) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(3) في الأصل (بنا)

117

و أقام سلطان في مقنيات مدة أيام، فأوجس نبهان منهم خيفة، أن يخرجوه من مقنيات، فأخرجهم منها فخرجوا و مضوا إلى صحار، عند الهديفى محمد بن مهنا، و أقاموا معه سنة زمانا (1).

ثم إن سلطان بن حمير أشار على محمد بن مهنا أن يغزوا ديّر (2) عمير بن حمير، و هى في باطنة السيب‏ (3). و كان الدير للأمير سنان بن سلطان، و الأميرين‏ (4) [م 334] علي بن حمير، و سعيد بن حمير (5) فركب محمد بن مهنا، و سلطان بن حمير و قومهما من صحار.

فجاء الخبر إلى الأمراء- و هم سنان بن سلطان، و علي و سعيد ابنا حمير- أن القوم طلعوا من صحار فما كان إلا قدر ما يخلع الرجل نعليه‏ (6)، أو يغسل رجليه، حتى أقبلت العساكر، و سلت البواتر من البر و البحر، و السهل و الوعر، و وقع القتال، و عظم النزال، حتى بلغت القلوب الحناجر.

و قتل عند ذلك الأمير على بن حمير، و انفصل [القتال‏] (7) و رجع محمد بن مهنا. فعلم ذلك الأمير عمير بن حمير بما جرى على إخوته و بنى عمه، و هو في بهلا، فاعتقد عقيدة الحزم، و تسربل بسربال العزم، أن لا يرجع عن صحار حتى يحصدهم بالسيف و يحرقهم بالنار، و يبيد شملهم بكل دار، فأخذ في جمع عساكره من البر و البحر، فاجتمع معه قوم لا يحصى عددهم إلا اللّه، و ركب إلى مسكد (8) ليحمل قوما من البحر.

____________

(1) في الأصل (سنة زمان)

(2) الدير هي الدارات في الرمل، و دارات جمع و هي الجوبة الواسعة تحفها الجبال. قال أبو حنيفة: و هي تعد من بطون الأرض المنبتة (لسان العرب)

(3) السيب اسم مكان، و هي في الأصل مجرى الماء و جمعه سيوب‏

(4) في الأصل (و الأميران)

(5) في تحفة الأعيان للسالمي، ج 1 ص 396: (و كان في الدير الأمير سنان ...)

(6) في الأصل (نعله)

(7) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمى (ج 1، ص 397)

(8) مسقط

118

و أرسل إلى ملك هرموز لينتصر به، فنصره بعدة من المراكب فملؤوها [م 335] من المال و الرجال و آلة الحرب.

و كان قد وصل مركب من الهند بعسكر كثير، و فيه آلة الحرب فردته‏ (1) الريح إلى مسكد، فأخذه الأمير عمير بن حمير، و سار هو و من معه من النصارى و غيرهم.

و أقام الأمير عمير بقومه في باطنة السيب سبع ليال، فعلم بذلك محمد بن جفير [فتوجه بقومه لينصر محمد بن مهنا، فدخل محمد بن جفير] (2) و قومه بصحار، و فرح به محمد بن مهنا، فأدخله الحصن، و كان بينهما بعض المقاصيد ساعة من النهار فأمر محمد بن جفير عبده [ليقبض على‏] (3) محمد بن مهنا، فرمى نفسه، من سور الحصن، و ندب قومه- و كان بعض قومه في برج داخل الحصن- فوقع القتال بينهم ساعة من نهار و طلع محمد بن جفير بقومه من صحار، فبلغ هذا الخبر إلى الأمير عمير بن حمير، فتوجه إلى صحار بمن معه بروبحر. و دخل صحار نهار تسعة عشر من ربيع الآخر (4)، فاستقام بينهم القتال من أول النهار إلى الليل، و انفصل القتال. ثم بعد ذلك بيوم أو يومين هبطت النصارى من المراكب [م 336]، بما عندهم من آلة الحرب، و كانوا يجرون قطع القطن قدامهم، ليتقوا (5) بها ضرب البنادق، و كان عندهم مدافع تسير على أعجال الخشب في البر؛ و عليها سور من الخشب.

و كان في جانب الدار برج لمحمد بن مهنا (6)، فيه عسكر كثير، فجرت‏

____________

(1) في الأصل (فنزلته)

(2) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل. و التكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 397)، حيث ورد الاسم محمد بن جيفر.

(3) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل. و التكملة من تحفة الأعيان (ج 1، ص 397).

(4) في الأصل (نهار تسع عشرة ليلة من ربيع الآخر).

(5) في الأصل (ليلتقوا).

(6) في الأصل (برج محمد بن مهنا).

119

عليه النصارى قطع القطن، و ضربوه بمدفع‏ (1)، حتى انهدم البعض منه.

و خرج منه القوم، فدخلته النصارى فعلم محمد بن مهنا بذلك، فندب قومه. فوقع بينهم القتال على البرج بالليل. فقتل عند ذلك علي بن ذهل، و قتل محمد بن مهنا الهديفي، و أقام بعد ذلك سلطان بن حمير بن محمد بن حافظ النبهاني، و أخوه كهلان بن حمير، و ابن‏ (2) عمه مهنا بن محمد بن حافظ، و عسكرهم، في الحصن، بعدما قتل محمد بن مهنا الهديفي.

فلما علم الأمير عمير بن حمير أن سيد القوم قتل، ندب قومه في القتال.

و كان القتال بينهم في النخل، ثم طلع عمير بن حمير بمن معه من تلقاء جامع البلد، فلم يمنعه أحد، فقتل [م 337] عند ذلك سلطان بن حمير. فانكسر القوم‏ (3)، فصاروا أشتاتا متفرقين، فمنهم من قتل، و منهم من أحرق، و منهم من أسر، و منهم من رجع، و منهم من خرج ذاهبا على وجهه لا يدري أين يتوجه، و لا أين يذهب، و على هذا جميع أهل البلد بأجمعها، من أولها إلى آخرها، و أقام النصارى‏ (4) في حصن صحار، و رجع الأمير إلى بلدة سمائل خذلانا، لا مسرورا.

و كان مخزوم بن فلاح متوليا حصن ينقل و قبض منهم [على‏] (5) رجلين فأمر عبدا له ليقتل واحدا منهما، فسل عليه السيف ليضربه فاستجار به، فلم يجره، فضربه ضربة واحدة ثم عاد ليضربه ثانية، فاستجار به فلم يجره، فلما أراد أن يضربه ثالثة، استجار به ثالثة فأهوى إليه ليمسك فمه، و العبد قد أهوى إليه بالسيف، فضرب يد (6) مخزوم،

____________

(1) في الأصل (بمدافع).

(2) في الأصل (بنو عمه).

(3) يعني جماعة عمير بن حمير.

(4) في الأصل (و أقام الناس) و الصيغة المثبتة تتفق و مستقبل الحوادث، و هي مأخوذة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1 ص 398).

(5) ما بين حاصرتين إضافة.

(6) في الأصل (فضرب ابن مخزوم).

120

و أقام سبعة أيام بجراحه، و مات منها (1). و أما الرجل، فإنه سحبه العبد- يظنه ميتا و به رمق الحياة- فمر به رجل من [م 338] أهل البلد، فقال" من يعيننى على مواراة هذا الرجل؟". فنطق الجريح فقال" إنني حي." فحمله على كتفه، و أدخله البيت، فعوفى من جراحه‏ (2)، و عاش بعد ذلك زمانا، و اللّه على كل شي‏ء قدير، و كان هذا بعد أن دخلت صحار بثلاثة أشهر.

فلما علم نبهان بموت أخيه، ركب من مقنيات إلى ينقل‏ (3)، و ترك بعض عسكره في حصن مقنيات، و كانوا قد أملوه من كثرة جوره و بغيه، فعزموا على إخراجه من مقنيات، فتوجه- رجل- إلى الأمير عمير بن حمير، و سيف بن محمد، لينتصر بهما (4) فسار الأمير [عمير] (5) و سيف بن محمد بمن معهما من القوم، و دخلوا حصن مقنيات بلا منع و لا قتال، و أقاموا مدة أيام، ثم ركبا ببعض‏ (6) قومهما إلى ينقل فعلم بذلك نبهان بن فلاح، فخاف منهما على نفسه، فركب [م 339]- هو و أربعة من عساكرة- بلازانة، و قصدوا إلى دار أخواله الريايسة، و ذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ست و عشرين بعد الألف.

و أقام الأمير عمير بن حمير و سيف بن محمد بينقل أياما ثم إن عميرا وهب البلاد لأهلها يأكلون هنيئا مريئا، و رجع إلى مقنيات. ثم أرسل إلى أهل‏

____________

(1) في الأصل (منه).

(2) في الأصل (من جراحته).

(3) العبارة في الأصل بها اضطراب و تكرار، و قد اعتمدنا في تصحيحها على ما جاء في كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 399).

(4) في الأصل (لينصرهما).

(5) ما بين حاصرتين إضافة لإيضاح المعنى.

(6) في الأصل (بعض).

121

البلد، فسألهم عما كان يأخذ عليهم نبهان، فقيل إنه كان يأخذ نصف غلة النخل و ربع الزرع، فاقتصر عليهم الأمير عمير بن حمير بعشر الزرع.

و أما أموال السلطان [فهي‏] (1) لمن أقام بالحصن، و جعل [في الحصن‏] (2) عمر بن محمد بن أبي سعيد، و رجع الأمير عمير بن حمير و سيف بن محمد إلى بهلا.

ثم إن نبهان بن فلاح أخذ جنودا من أخواله- آل الريس- و وصل بهم إلى الظاهرة، و دخل فدى، و أقام فيها مدة أيام، ثم جاء أحد ممن كان له مصاحبا من أهل ينقل من قبل، فقال له:" نحن ندخلك البلد، و نثبت قدمك، و نشد عضدك، و ننصرك [م 340] على القوم، و نستفتح لك الحصن": فسار بقومه، و أدخله ينقل ليله النصف من ربيع الآخر، سنة ست و عشرين بعد الألف، و حكم مقابض البلاد من أولها إلى آخرها، إلا الحصن، و كان فيه قبيلة من بنى علي، فتحصنوا، و أحدق بهم نبهان، و استقام بينهم القتال. فخرج رجل من أهل الحصن، و مضى [إلى‏] (3) الأمير قطن بن قطن.

و كان الأمير يومئذ ناصر بن ناصر، فركب معه محمد بن محمد بن محمد بن جفير، و علي بن قطن بن قطن، و قطن بن علي بن هلال، و ناصر بن ناصر بن قطن، بما عندهم من القوم، و كان مسكنهم ببادية الشمال، فساروا حتى دخلوا ينقل، فاستقام بينهم و بين نبهان بن الفلاح القتال، و اشتد الطعن و النزال، و ارتفع العجاج، و ارتجت الفجاج، فانكسر عسكر [السلطان‏] (4) نبهان بن فلاح، فمنهم من قتل، و منهم من طلب التسيار فسير، و منهم من مضى على وجهه.

____________

(1، 2) ما بين الحواصر إضافات لضبط المعنى‏

(3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(4) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح‏

122

و بلغ الخبر إلى سيف بن محمد الهنائى‏ (1) أن نبهان بن فلاح دخل [م 341] ينقل، فخرج بعساكره ليقاتل نبهان، فلما كان ببعض الطريق، بلغه ما وقع على السلطان نبهان بن فلاح من الأمر الكائن و القدرة الغالبة، فرجع‏ (2) بعسكره إلى بهلا.

و أما الأمير عمير بن حمير، فإنه كان يومئذ يجمع الجموع لينصر بهم السلطان مالك بن أبي العرب اليعربي على بني لمك، فأمده بعساكر جمة، و كانت الدائرة (3) على بني لمك.

____________

(1) في الأصل (الهناوى)

(2) في الأصل (خرج)

(3) في المتن (الدايرة)

123

أئمة القرن الحادي عشر

و لبث سيف بن محمد الهنائي‏ (1) في بهلا، و آل عمير في سمائل، و مالك بن أبي العرب اليعربي في الرستاق، و الجبور في الظاهرة، إلى أن ظهر الإمام ناصر بن مرشد اليعربي- (رحمه اللّه)- و استفتح جميع عمان، و دانت له كافة البلدان، و طهرها من البغي و العدوان، و الكفر و الطغيان، و أظهر فيها من العدل و الأمان، و سار في أهلها بالحق و الإحسان، إلى أن توفاه اللّه إلى دار الرضوان؛ و من عليه و علينا بالمغفرة و الرضوان، إنه كريم منان.

الإمام ناصر بن مرشد:

و سنشرح [م 342] ظهوره بعد أن بغى أهل عمان بعضهم على بعض بلاغتصاب و النهب، و صار بعضهم على بعض كالذئاب‏ (2)، و انهمكوا في الهوان و العذاب، لهم نفوس عالية، و قلوب ضارية؛ و همم متطاولة منزوعو الرحمة، و يطلبون لأنفسهم القمة، و سلب اللّه منهم النعمة حتى أيدهم اللّه بالإمام المسدد، و الهمام الممجد، ناصر بن مرشد.

و كان ظهوره [بعدما اشتدت الفتن‏] (3) بين أهل الرستاق، [و وقعت‏] (4) إحن بينهم و شقاق، و سلطانهم يومئذ مالك بن أبي العرب‏

____________

(1) في الأصل (الهناوى)

(2) في الأصل (كالذياب)

(3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى‏

(4) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى.

124

اليعربي، فاستشار أهل العلم، [و] (1) أهل الاستقامة في الدين، أن ينصبوا لهم إماما يأمرهم بالمعروف، و ينهاهم عن المنكر، فأمضوا نظرهم؛ و أجالوا فكرهم، من يكون أهلا لذلك، و القدوة يومئذ الشيخ العالم خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي.

فاجتمعت آراؤهم أن ينصبوا السيد الأجل [ناصر بن مرشد] (2)، فمضوا إليه، و طلبوا [م 343] منه ذلك، و رغبوه في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فأجابهم إلى ذلك، فعقدوا في عام أربع و ثلاثين بعد الألف، و كان مسكنه قصرى‏ (3) من بلد الرستاق، فأظهر العدل و دمر الجهل.

و عضده رجال اليحمد بأنفسهم، و أمدوه بأموالهم و ذخائرهم‏ (4) و أجمع رأيهم أن يهجموا على القلعة ليلا (5) و كان فيها بنو عمه، بعد موت جده مالك، فاستفتحها الإمام ثم توجه إلى قرية نخل، و كان فيها عمه سلطان بن أبي العرب، فحاصرها (6) أياما ثم افتتحها. و كانت فرقة من أهلها غير تابعة للإمام، فظاهرت عليه الأعداء، فحصروه [في الحصن‏] (7) ثم أتاه رجال اليحمد، فنصروه، فبدد اللّه شمل أعدائه، و رجع‏ (8) إلى الرستاق، بعد أن جعل فيها واليا.

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة المعنى‏

(2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح‏

(3) في الأصل (قصر)

(4) في الأصل (ذخايرهم)

(5) يعني قلعة الرستاق‏

(6) في الأصل (محاصره)

(7) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 4)

(8) في الأصل (و مضى). و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 1، ص 4)

125

ثم قدمت عليه رسل من نزوى يدعونه إلى ملكها، فأجابهم إلى ذلك فسار إليه بجنده حتى نزل بشرجة صفد، من سمد الكندي‏ (1)، و أقام بها ليلة، فلم يفوا له بما وعدوه فرجع إلى الرستاق [م 344]

فأتى إليه أحمد بن سليمان الرواحى‏ (2)- في جماعة من بني رواحة و رجال من قبل مانع بن سنان العميرى‏ (3)، و أقاموا عنده مدة يدعونه إلى ملك سمائل، و وادى بنى رواحة، فأجابهم. و سار في رجال اليحمد، حتى وصل سمائل، فترك بعض قومه عند مانع بن سنان، و مضى إلى وادى بنى رواحة.

و اتفق الرأي منه- و من مانع، [أن يتوجها] (4) إلى نزوى.

و سار [الإمام‏] (5) إليها، فصحبه القاضي خميس بن سعيد، و نصرته عصبة من أهل أزكى بالمال و الرجال، فاحتوى على أزكى فسار قاصدا إلى نزوى، فالتقاه أهلها بالكرامة، و دخلها في حال السلامة.

و كان محله العقر (6)، فأقام فيها العدل و الانصاف بعض الشهور.

ثم اجتمعت آراء بنى بو سعيد (7)- و هم رؤساء العقر- ان يخرجوا منها فلما كان يوم الجمعة، خرج الإمام للصلاة بالجامع، و خرجوا إلى الصلاة فأتى إلى الإمام من كان محبا، فأخبره بما أضمروا.

____________

(1) في تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 4)" من سمد نزوى".

(2) في الأصل (الرويحى).

(3) جاء في تحفه الأعيان للسالمي أن مانع بن سنان العميري كان (ملك سمائل عندئذ).

(4) ما بين حاصرتين إضافة.

(5) ما بين حاصرتين إضافة.

(6) أى أنه نزل العقر من نزوى‏

(7) كذا في الأصل. و في كتاب الفتح المبين لابن رزيق- ص 265- (بني أبي سعيد).

و في تحفة الأعيان للسالمي- ج 2، ص 4- (بنو أمبو سعيد).

126

فتحقق الإمام خبرهم و أمر بإجلائهم [م 345] من البلد، و نهى عن قتلهم و البطش بهم، فأخرجوا منها كرها، فتقرقوا في البلدان.

و التجأ جمهورهم إلى مانع بن سنان، و كان مانع قد عاهد الإمام، و حلف له على اتباع الحق، فنقض العهد، و فرقة التجأت‏ (1) إلى [سيف بن محمد] (2) الهنائي ببهلا، و وازرته على حرب الإمام فاستقام الحرب بين الإمام و الهنائي.

و أمر الإمام بتأسيس حصن في عقر نزوى و كان قديما قد بناه الصلت بن مالك فأتم‏ (3) الإمام بنيانه.

و جاء إليه أهل منح يدعونه إلى إقامة العدل فيهم، فتوجه إلى منح و افتتحها. فأظهر العدل فيها، و ظاهره أهلها بأموالهم و أنفسهم، ثم رجع إلى نزوى.

ثم أتاه أهل سمد الشان، و كان المالك لها (4) علي بن قطن الهلالي فوجه الإمام لها جيشا يقدمهم الشيخ الفقيه مسعود بن رمضان، فافتتحها.

ثم أتاه أهل ابرا (5)، و كان المالك لها محمد بن جيفر بن جبر، فجيش عليها الإمام فافتتحها.

____________

(1) في الأصل (التجت)

(2) ما بين حاصرتين إضافة لاستبكمال الإسم؛ و في الأصل الهناوى‏

(3) في الأصل (فأقام) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج 2، ص 5)

(4) في المتن (بها)

(5) في الأصل (ابرى (و الصيغة المثبتة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 266) و تحفة الأعيان للسالمى (ج 2، ص 5)

127

و دانت له [م 346] سائر (1) الشرقية ماخلا صور (2) و قريات، فإنهما كانتا في أيدي النصارى.

ثم إن الإمام جهز جيشا؛ و سار على الهنائي ببهلا، فوصل إلى قاع المرخ، فخان بعض جيشه فرأى الرجوع أصلح.

فرجع إلى نزوى، فجعل يجمع الجيوش و العساكر، فاجتمع له جمع كثير.

فسار بهم قاصدا إلى الظاهرة، و افتتح بهم وادي فدى؛ و أمر ببناء حصنها.

و نصره أهل العلاية من ضنك، و كان مقدمهم خميس بن رويشد العالم، و رجال الغياليين، و استقام أمره بها على رغم القالين.

ثم خرج الإمام يطوف على البلدان التي ملكها، حتى وصل إلى سمد الشان. و رجع إلى الرستاق، و معه بنو ريام إلى أن أقبل جند محمد بن جفير إلى قرية نخل‏ (3)، فدخلوها و احتووا عليها، ما خلا الحصن فنهض عليهم الإمام بجيش عرموم، و نصره رجال المعاول، فما لبث جند محمد بن جفير فيها ليلة أو ليلتين، حتى ولى الأدبار.

ثم رجع الإمام إلى الرستاق، فأقبل [م 347] إليه الشيخ خميس بن رويشد يستنصره على الظاهرة، فجهز الإمام جيشا، و سار عنده حتى نزل بالصخبري، و نصره أهل السر (4) و رجال الضحاحكة بالمال و الرجال.

____________

(1) في الأصل (ساير)

(2) صور بلد على ساحل عمان مقابل جعلان، و قرى جعلان لها أعمال، عمرت بعدما خربت قلهات، عمرها آخر ملوك بنى نبهان (الشعاع الشائع باللمعان، ص 96).

(3) يعني أن محمد بن جفير خرج على الإمام، و هجم بجنده على قرية نخل، فدخلوها (أنظر تحفة الأعيان للسالمي ج 2، ص 6؛ الفتح المبين لابن رزيق، ص 266)

(4) في اتلأصل (أهل السرور) و هو تحريف‏

128

و مضى قاصدا حصن الغبي؛ و فيه جمهور آل هلال، و معهم البدو و الحضر، فاستقام بينهم الحرب، و كانت وقعة عظيمة، قتل فيها أخو (1) الإمام جاعد بن مرشد.

ثم توجه [الإمام‏] (2) إلى عبري فافتتحها، و أقام الإمام بها ليلتين و رجع [إلى‏] (3) الصخبري و حصر حصن الغبي حتى فتحه اللّه له، فولى فيه خميس بن رويشد، و جعل بقرية بات واليا من أهل الرستاق، و جعل معه محمد بن سيف الحوقاني، و أمرهما بفتح ما بقي من قرى الظاهرة و رجع الإمام إلى نزوى.

[فأذعنت للإمام قرى الظاهرة، إلا بلدة ضنك فإنها ضنك فإنها قد استولى يومئذ عليها بنو هلال‏] (4)، و كانوا بناحية الأفلاج من ناحية ضنك.

فالتقاهم الواليان‏ (5) بالدير (6)، ففضّا جمعهم، و أخذوا إبل قطن بن قطن لينتصروا بها عليهم، و حاصروا حصن [م 348] قطن بن قطن، فركب قطن إلى الإمام، ففدى‏ (7) إبله بتسليم حصنه‏ (8) فأنعم له الإمام برد الإبل، و سلم الحصن، فأقام له الإمام واليا.

____________

(1) في الأصل (أخ الإمام).

(2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح.

(3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى.

(4) العبارة مضطربة في الأصل، نصها (و رجع الإمام إلى نزوى، فغزا بها آل هلال، و كانوا بناحية الأفلاج من ناحية ضنك) و ما بين حاصرتين من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 267).

(5) يقصد بالواليين هنا الوالي الذي عينه الإمام على حصن بات، و الشيخ محمد بن يوسف الحوقاني الذي جعله الإمام مع الوالي المذكور، كما سلف في النص.

(6) اسم موضع سبق ذكره.

(7) في الأصل (ففدا).

(8) يعني حصن ضنك.

129

ثم توجه الولاة (1) إلى حصن مقنيات، فحاصروه. و كان به وزير من قبل الجبور (2)، فجيش الجبور بني هلال- من بدو و حضر- و أولاد الريس، و نهضوا إلى مقنيات، فظنوا أن لا طاقة لهم بها (3) فقصدوا إلى بات، فخاف الولاة عليه الغلبة [لقلة الماء] (4) و لأنه عليه المعتمد

فسار المسلمون من مقنيات، و لم تشعر بهم الجبور، فوقع القتال بينهم ثم رجعت الجبور إلى مقنيات، فسار إليهم المسلمون، فوقع بينهم القتال من صلاة الفجر إلى نصف النهار، فشق ذلك على المسلمين و كثر القتل في البغاة حتى قيل إنهم عجزوا عن دفنهم. و كانوا السبعة و الثمانية في خبة واحدة (5) و ثبت اللّه المسلمين.

فلما بلغ الخبر إلى الإمام، جيش جيشا، و أم به [م 349] الهنائي‏ (6) ببهلا، و كان دخوله بهلا ليلة عيد الحج، فحاصرها شهرين إلا ثلاثة أيام ثم أقبلت الجبور لنصرة الهنائي‏ (7)، فالتقتهم جحافل الإمام، فاقتتلوا قتالا شديدا [و قتل‏] (8) من جيش [الجبور] (9) قاسم بن مذكور

____________

(1) كذا في الأصل، و فى كتاب الفتح المبين لابن رزيق (توجه الواليان) و هي الصيغة الأصوب.

(2) في الأصل (فكان به وزير من قبل الوزير من قبل الجبور) و هو تحريف و الجبور قبيلة.

(3) في الأصل (بهم).

(4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 21، ص 6).

(5) الخب و الخبيب: الخد في الأرض (لسان العرب).

(6) في الأصل (الهناوى).

(7) في الأصل (الهناوى).

(8، 9) ما بين حاصرتين تكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 7).

(م- 9 تاريخ عمان)

130

الدهمشي، و أناس كثير. فرجع الجبور و بقي الهنائي‏ (1) و من معه محصورين، حتى سلم الحصن، و خرج منه جميع رجاله، و آلة حربه و ماله، و بقي الحصن خاليا، فأقام الإمام به واليا، و رجع إلى نزوى.

ثم توجه الإمام قاصدا إلى سمائل، لمحاربة مانع بن سنان العميرى فلما سمع مانع بإقبال الإمام إليه، لم يمتنع منه. و صالح الإمام على أن لا يخرجه من حصنه، بل يكون تابعا للحق، فتركه الإمام، ثم عزم الإمام على بنيان حصن سمائل القديم، فأسس بنيانه، و شيد أركانه، و جعل فيه واليا، و رجع إلى نزوى.

ثم جهز [الإمام‏] (2) جيشا إلى مقنيات، و سار إليها فلما وصلها وقعت بينهم الحروب، فنصره اللّه [350] عليهم، [فما] (3) لبثوا في حصنهم [إلا] (4) دون ثلاثة أشهر، و افتتح الإمام الحصن، و جعل فيه محمد بن علي بن محمد واليا.

فلم يزل سعيد الخيالي و جماعته مسرين البغض للإمام، يكاتبون الجبور حتى أدخلوهم قرية الصخبري، و قتلوا رجلا من الضحاحكة و ناسا من شراة الإمام و غيرهم، و حصل فيها جيش الإمام في الحال، فوقعت فيها وقائع‏ (5) كثيرة: منها بالعجيفة و هي وقعة شديدة، و وقعة بالغابة، و وقعة بالمطهرة، و وقعة بالزيادة، و وقائع‏ (6) شديدة حتى كاد ركن الإسلام يتضعضع.

____________

(1) في الأصل (الهناوى)

(2) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح‏

(3) في الأصل (حتى)

(4) ما بين حاصرتين إضافة

(5) في الأصل (وقايع)

(6) في الأصل (وقايع)

131

و كثير من القوم أدبر عن الوالي، و ما بقي عنده إلا قليلا، و هو في حومة العدو، و الجموع مشتملة عليه، حتى كاد يوهى عزمه من الخوف فبقى في حصن الغبّي محصورا، و الوالي فيه محمد بن سيف، و تصحح الخبر عند الوالي محمد بن علي في مقنيات، فجيّش الجيوش، و قصد ناصرا لمحمد بن سيف بحصن الغبي، فدخل البلد من غير علم الأضداد [م 351] و فرق شملهم في سائر (1) البلاد، فمنهم من دخل الصخبري، و منهم من هرب في الفيافي، و منهم من قصد ينقل، و هي ملك ناصر بن قطن بن جبر، و نصر اللّه المسلمين.

ثم إن مانع بن سنان كاتب سيف بن محمد الهنائى‏ (2) بالكتمان، و نكث العهد و خان، و جيش الجيوش، و دخلا نزوى و لم يخل أهلها من الخديعة و العصيان، بل كان ذلك سرا بينهم، و ظاهرهم على ذلك بعض القبائل، فدخلوا نزوى، و احتووا على العقر، و ما بقي للإمام سوى الحصن، و داروا به أشد مدار، و كادوا لكثرتهم أن يهدموا عليه الجدار، حتى جاءتهم النصرة من أزكى و بهلا، و معهم بنو ريام فدخلوا على الإمام، فسر بقدومهم.

فتفرقت عنه جيوش أعدائه، و قتل منهم من قتل.

فحينئذ اشتد عزم الإمام، و قوى سلطانه. فأشاروا على الإمام ذوو الرأي بهدم حصن مانع بن سنان، فعلم مانع بتجهيز الجيش [م 352] إليه، فانهزم من حصنه إلى فنجا (3). و جاء الجيش، فهدم الحصن، و قصد مانع بن سنان إلى مسكد ثم سار إلى لوى [عند] (4) محمد بن جفير.

____________

(1) في الأصل (ساير)

(2) في الأصل (الهناوى)

(3) بلدة في وادي سمائل‏

(4) في الأصل (مع)

132

ثم وجه الإمام الجيش إلى بلاد سيت‏ (1) و ذلك أن سيف بن محمد الهنائي‏ (2)، لما خرج من بهلا، بنى‏ (3) حصنا ببلاد سيت، و كان قائد (4) الجيش عبد اللّه بن محمد بن غسان، مؤلف كتاب" خزانة الأخيار في بيع الخيار". فلما نزل الجيش إلى بلاد سيت، خرج الهنائي‏ (5) من الحصن هاربا، فأمر الوالى بهدم حصنه فهدم. ثم أتى الهنائي‏ (6) إلى الإمام يطلب منه العفو و الغفران و دانت للإمام جميع القبائل من عمان.

ثم جهز الإمام جيشا عظيما، و سار فيه بنفسه- و [قاضيه‏] (7) الشيخ خميس ابن سعيد الرستاقي- قاصدا ناصر بن قطن في‏ (8) ينقل، فحصرها أياما و افتتحها، و جعل فيها واليا، و رجع إلى الرستاق.

ثم جهز جيشا قويا، و أمر عليه الشيخ عبد اللّه بن محمد بن غسان النزوي. و أمره أن [م 353] يقصد الجو، و صحب الجيش الشيخ خميس بن رويشد الضنكى، و حافظ بن جمعه الهنوي، و محمد بن علي الرستاقي، و محمد بن سيف [الحوقاني‏] (9) واليا ثم قصد بالجنود متوجها إلى قرية لوى.

و ذلك أن الجبور اختلفوا فيما بينهم، و قتل محمد بن جفير، و وقعت بينهم العدواة فنزل عبد اللّه بالجامع منها، و دارت عساكره بالحصن.

____________

(1) دارسيت‏

(2) في الأصل (الهناوى)

(3) في الأصل (بنا)

(4) في الأصل (قايد) يعنى قائد جيش الإمام‏

(5) في الأصل (الهناوى)

(6) في الأصل (الهناوى)

(7) ما بين حاصرتين إضافة

(8) في الأصل (إلى)

(9) ما بين حاصرتين اضافة من تحفة الأعيان للسالمى ج 2 ص 9

133

و كان مالكه سيف بن محمد بن جفير الهلالى، و أما إخوته و وزراؤه، فالتجؤوا إلى النصارى بصحار و كان مانع بن سنان العميري يومئذ بها (1) و كانوا (2) يغزون جيش الإمام المحاصرين لحصن لوى بالليل، و يمدون جماعتهم بالطعام و آلة الحرب.

ثم كاتب أبناء محمد بن جفير يسعون في أنواع الصلح. فعلم الوالي أنها خديعة، فجهز لهم جيشا، فأمر عليه محمد بن علي، فسار محمد بمن معه، فهجم عليهم قبل الفجر: و هم بالموضع المسمى المنقل، مما يلى الجنوب من الحصن، على ساحل البحر. فدارت بينهم رحى الحرب [م 354]، و اشتد بينهم الطعن و الحرب.

ثم رجع محمد [بن علي‏] (3) بمن معه إلى حصن لوى، فلم يزالوا محاصرين الحصن، حتى أرسل إليهم سيف بن محمد يريد الأمان ليخرج من الحصن.

فأعطاه الوالي الأمان، فخرج بمن معه، و دخل الوالي الحصن، و قد ساعد الوالي على حصر الحصن ناصر بن قطن‏ (4)، و رجال العمور (5) و جعل عبد اللّه [بن محمد] (6) في الحصن [محمد بن علي‏] (7) واليا من جانبه‏ (8)، و رجع هو إلى الإمام.

____________

(1) يقصد بلوى- في حصنه- مع سيف بن محمد بن جفير

(2) الضمير عائد على إخوة سيف بن محمد بن جفير و وزرائه الذين التجؤوا إلى النصارى في صحار

(3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال الاسم‏

(4) انظر كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 271)، و تحفة الأعيان للسالمى 2 ص 9

(5) في الأصل (الجبور) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي ج 2، ص 9

(6) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 271)

(7) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 271)

(8) في الأصل (من جنابه)

134

ثم جهز الإمام جيشا، و أمر عليه الشيخ مسعود بن رمضان، و أمره أن يقصد بهم مسكد فسار حتى نزل طوي الرولة من المطرح‏ (1)، فدارت رحى المنون بين [المسلمين‏] (2) و المشركين؛ فنصر اللّه، المسلمين فهدوا من مسكد بروجا باذخة شامخة، و قتل من المشركين خلق كثير ثم إنهم طلبوا الصلح، فصالحهم الوالي على فك ما بأيديهم من الأموال التي للعمور و الشيعة من صحار فأذعنوا بالطاعة، فأمنهم على ذلك، و أخذ منهم العهود على الوفاء [م 355] و رجع إلى الإمام.

و لم يزل مانع بن سنان كامن العداوة الإمام، قادحا في ملكه [و] (3) في فساد الدولة، فاستأذن مداد بن هلوان الإمام في قتل مانع بالخديعة، فأذن له، فكاتبه مدام ليدخله حصن لوى، و طمعه فيه بلطف كلامه.

و كان في لوى حافظ بن سيف [واليا] (4) و لم يزل مداد يكاتب [مانع بن سنان‏] (5) العميري بالمودة و النصيحة، و يحلف له بالأيمان الصحيحة لئلا يدخل في قلبه الظنون القبيحة.

ففرح بذلك مانع، و استبد برأيه، و كان مسكنه قرية دبا (6) فركب منها إلى صحار، فأقام بها أياما ينتظر [العون‏] (7) من مداد فجدد له مداد العهود على ما وعده، فركب [مانع‏] (8) إلى لوى؛ و نزل بها بعدما ضمن له مداد بدخول الحصن و وعده على ليلة معلومة فلما كانت‏ (9).

____________

(1) طوى الرولة، مزرعة شجر الرولة، و المطرح مدينة غربي مسقط.

(2) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى و كانت مسقط (مسكد) عندئذ بيد النصارى من البرتغاليين.

(3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

(4) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح.

(5) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح.

(6) قرية على الساحل.

(7) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى.

(8) ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح.

(9) في الأصل (كان).

135

تلك الليلة فرق الوالى العسكر يدورون في البلاد- كأنهم يسيرون- و تعاهدوا أن يلتقوا على مانع من اليمين و الشمال، فلم يدر مانع إلا و قد [م 356] أحاطت به الرجال من يمين و شمال، فأخذ حينئذ قهرا، و قتل صبرا و تفرقت جنوده، و قتل من بقى معه.

ثم إن الإمام جهز جيشا و جعل عليه علي بن أحمد، و عضده ببنى عمه من آل يعرب و أمره بالمسير إلى قرية جلفار- و هى الصير- و كان المالك لها يومئذ ناصر الدين العجمي، و عنده عساكر من العجم فحصرهم علي بن أحمد بحصن الصير، فنصبوا له الحرب، و قوي بينهم الطعن و الضرب و ظاهرتهم فرقة من أهل الصير على جيش الإمام.

و كان بحصن الصير برج معتزل له جدار متصل بالحصن، و فيه قوم تقاتل بالليل و النهار، و كانت غربان‏ (1) النصارى في البحر تدفع بمدافعها المسلمين عن الحصن فعزم المسلمون على الهجوم على البرج، فهجموا عليه ليلا و أخذوه قهرا و مالوا على الحصن فافتتحوه، و جعل فيه قائد (2) الجيش واليا.

ثم أقبل بعض الجيش، و فيهم الدهامش و خميس بن مخزوم [فزحفوا بجلفار] (3). و كان فيها حصن على [م 357] الساحل للأفرنج، فدخل الجيش [تلك الجهة] (4) نهارا، و احتووا عليها، و حصروا من كان في الحصن، و بنوا فيها حصنا فذلت دولة المشركين، و طلبوا الصلح، فصالحهم الوالي، فهبطوا من الحصن فجعل الوالى فيه واليا، و ترك معه بعض العسكر.

____________

(1) الغربان و مفردها غراب، نوع من السفن الحربية تركب فيها المقاتلة و الرماة (ابن مماتى: قوانين الدواوين ص 339- 340)

(2) في الأصل (قايد)

(3) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح (الفتح المبين لابن رزيق، ص 247)

(4) في الأصل (فدخلها الجيش نهارا) و ما بين حاصرتين إضافة للتوضيح‏

136

و رجع علي بن أحمد بمن معه من العسكر إلى نزوى، فاستبشر الإمام بقدومه و بفتح الصير.

ثم إن الإمام [اتفق‏] (1) و والي لوى- و هو حافظ بن سيف-، و كان معه رجال من العمور شراة، أن يصير إلى صحار، و يبني فيها حصنا فأرسل الوالي إلى من بقربه من القرى من بني خالد و بني لام و العمور، فاجتمعت عنده عساكر كثيرة و كان رجال من صحار يدعونه إلى ملكها، فمضى بجيشه، و بات بقرية عمق، و صبح للبلد ضحى و لم يعلم به أحد من الأعداء و ذلك آخر يوم من المحرم سنة ثلاثة و أربعين بعد الألف. فأناخ بمكان يسمى البدعة من صحار.

و صار المشركون على المسلمين، و اشتد بينهم الطعن و الضرب [و زحف المسلمون على المشركين حتى وصلوا إلى حصن ابن الأحمر] (2) و كانت [م 358] النصارى تضرب بمدافعها من الحصن ثم انتقل الوالي من مكان إلى مكان آخر، و لم تزل الحرب بينهم و ضرب المدافع و جاءت ضربة مدفع فأخترقت القوم حتى وصلت مجلس الوالي، و أصابت راشد بن عباد، فمات شهيدا (3)، (رحمه اللّه) فعزم الوالي على بناء حصن، فأمر بتأسيسه في الحال، حتى تم بنيانه، فترل به الوالى و لم تزل الحرب بينهم قائمة الليل و النهار.

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(2) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى، من تحفة الأعيان للسالمى (ج 2، ص 12)

(3) لا يصح أن يقال فلان شهيد بعينه إلا من نزل الوحي بتعيينة شهيدا كعثمان بن عفان رضي اللّه عنه.

137

ثم إن القاضي خميس بن سعيد الرستاقي سار بمن معه قاصدا قرية بوشر، فأرسلت إليه النصارى بالصلح، فأعطاهم الصلح ثم بعث رسله إلى مسكد تم ركب حتى أناخ بالمطرح، و جاءت وجوه النصارى إليه، فاصطلحوا و أمر الشيخ خميس بفك المقابض عنهم، و رخص للناس في السفر إليهم، و كف الأيدي عن القتال.

ثم إن الإمام جهز جيشا إلى صور، فحاصرها الجيش حتى فتحوها و سار بعض الجيش إلى قريات، و كان بها حصن للنصارى، [م 359] فبنى المسلمون فيها حصنا، و فتحوا حصن النصارى، و احتوى [الإمام‏] (1) على جميع إقليم عمان، ما خلا صحار و مسكد [ففيهما النصارى على الصلح السابق تحت الطاعة] (2).

و لم يزل ناصر بن قطن يغزو [بادية] (3) عمان بمن معه من الأحساء [التى هرب إليها بعد خروجه من ينقل‏] (4)، و يأخذ من بواديها المواشي و يكسب و ينهب في كل سنة، و يرجع إلى الأحساء فكتب الإمام إلى واليه محمد بن سيف الحوقاني أن تجسس عن قدوم ناصر، فإذا علم به التقاه بالجيش دون عمان فجمع الوالي دونه العساكر من البدو و الحضر فلما علم بقدوم ناصر تلقاه.

فلما علم ناصر بجيش الإمام قصد الظفرة، و دخل حصنها و تعصب له بنو ياس‏ (5) و وجه ناصر رسله إلى الوالي يطلب الصلح و كان قد قلّ على الوالي الزاد، و تعذرت عليهم البلاد فصالحهم على رد ما نهبوه و غرم ما أتلفوه مما كسبوه و رجع الوالي بمن معه.

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة للإيضاح.

(2) ما بين حاصرتين إضافة لإيضاح المعنى.

(3) في الأصل (يغزوا عمان) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمي 2، ص 12.

(4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2 ص 12).

(5) قبيلة من عدنان.

138

و أما ناصر، فإنه جمع البدو من الظفرة، و عزم على الهجوم على حصن الجو، و كان فيه أحمد بن خلف في ذلك اليوم [م 360] واليا، و تابع ناصرا كافة أهل الجو، و أعانوه على الوالي و داروا بالحصن، فعلم به الولاة من الباطنة و الظاهرة فأتوا أحمد بن خلف فخرجت جيوش الأعداء منها.

ثم أقبل الوالي الأكبر [عبد اللّه بن محمد] (1) من نزوى بجيشه، فأمر بهدم حصون الجو كافة، ما خلا حصن الإمام و تفرقت الأعداء و أما عمير بن محمد، [فقد] (2) مضى مع النصارى بصحار و الباقون قصدوا العقبة من جلفار، فكانوا يقطعون الطرق، و يغزون البلدان فسارت عليهم الولاة، فقتل من قتل منهم، و انهزم من انهزم و أخذ الوالي إبلهم و رجع إلى عمان.

و أما ناصر بن قطن- و من معه- فمضى إلى الباطنة، فهجم على بلدان بني خالد و بني لام، فأخذوا و سلبوا ما على النساء من الحلى و الحلل و رجعوا بما أخذوا إلى الأحساء.

ثم إن ناصر بن قطن أتى إلى عمان ثانية، و قصد الباطنة للنهب و السلب فجهز له الإمام جيشا، و أمر عليه علي بن أحمد، و عضده بمحمد بن الصلت الريامي، و علي بن محمد العبري، و أحمد بن بلحسن البوشري.

فمضوا إلى قرية لوى.

فأقبل ناصر بن قطن بقومه، فوقع بينهم الحرب ثم ركب ناصر إلى مجيس، فاتبعه الوالي بمن معه ثم ركب ناصر قاصدا إلى أرض الشمال‏

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى، من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 13)

(2) ما بين حاصرتين إضافة لتوضيح المعنى‏

139

فركب الوالي في طلبه، فكان أول من لحقه أحمد بن بلحسن البوشري، و مراد، و راشد بن حسام، و بعض الشراة، بموضع يقال له الخروس فوقع القتل في المسلمين قبل أن يتكامل جيش الإمام فقتل المقدمون جميعا و للّه الدوام.

فلما وصل الجيش، رأوا أصحابهم صرعى، و لم يروا أحدا من جيش ناصر. ثم إن ابن حميد- و هو محمد بن عثمان [الخالدي، و كان من أصحاب ناصر بن قطن‏] (1) غزا بلاد السر و كان الوالي فيها محمد بن سيف‏ (2) الحوقانى، و كان بها يومئذ سعيد بن خلفان فطلب سعيد من ابن حميد المواجهة (3) [للمشافهة] (4)، فتواجها بمسجد الشريعة من الغبى فسأله أن يرد ما كسبه و نهبه، فأبى و ازداد عتوا و نفورا، فأمر سعيد [م 361] بأسره، و قيد في حصن الغبي.

و مضى سعيد إلى الرستاق، فأخبر الإمام أن محمدا بن عثمان في حصن الغبي فأمر الإمام بإتيانه إلى الرستاق فأتي به مقيدا، فأقام في الحبس سبعة أشهر و توفي.

ثم إن الإمام جهز جيشا، و أمر عليه سعيد بن خلفان، و عضده بعمير بن محمد بن جفير، فساروا قاصدين إلى أخذ إبل ناصر بن قطن الهلالي فالتقتهم بنو ياس دون الإبل، بموضع يقال له الشعب‏ (5)، قريبا من‏

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 14) جاء في الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان لابن رزيق (ص 223) أن محمد بن عثمان (يسمى حميد بن عثمان).

(2) في الأصل (محمد يوسف الحوقاني) و هو تحريف.

(3) في الأصل الواجهة.

(4) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 14).

(5) في الأصل (الشقب) و الصيغة المثبتة من كتاب الشعاع الشائع (ص 224).

و كتاب الفتح المبين لابن رزيق (278) و في كتاب تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 14) الشعيبة.

140

الظفرة. فوقع بينهم الحرب و كان مقدم بني ياس سقير (1) بن عيسى، فقتل هو و أخوه محمد و جماعة من قومه، فطلب القوم العفو من الوالي، فعفا (2) عنهم، و رجع الجيش، فأمرهم الإمام أن يمضوا إليه.

[و في أثناء سيرهم بحثوا عن إبل ناصر بن قطن‏] (3)، فوجدوها سائمة، فأخذوها، و جعلوها أمانة مع عمير بن محمد بن جفير، كان له أخ يسمى عليا، فأشار عليه بعض خدامه أن يدخل بها على ناصر بن قطن. فمضى بها إليه فلم يزالوا يغزون عمان حتى خافت منهم البدو [م 363] و الحضر، و التجأت‏ (4) البادية إلى البلدان.

ثم أقبل ناصر غازيا، و أناخ بجيشه ناحية الجنوب، و وجه أصحابه لقطع الدروب، فوجه إليه الإمام جيشا، و أمر عليه سيف بن مالك، و سيف بن أبي العرب و حزاما [بن عبد اللّه‏] (5). فبادرت أول زمرة من جيش ناصر بن قطن، فقتلوا [البغاة] (6) جميعا مع قلتهم و كثرة عدوهم‏ (7) و سار ناصر بن قطن إلى الأحساء، و رجع الجيش‏ (8).

____________

(1) كذا في الأصل و كذلك في كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 278) و في تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 14) صقر بن عيسى‏

(2) في الأصل (فعفى)

(3) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى‏

(4) في الأصل (و التجت)

(5) ما بين حاصرتين إضافة من كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 279) و جاء الاسم في صورة (حزام بن قمقام) في الشعاع الشائع (ص 226)

(6) ما بين حاصرتين إضافة من الفتح المبين لابن رزيق (ص 279)

(7) في الأصل (فقتلوا جميعا لقلتهم و كثرة عدوهم) و الصيغة المثبتة من كتاب الفتح المبين (ص 278)

(8) هذا المعنى الذى أكده ابن رزيق من انتصار جيش الإمام، يخالف الرواية التي جاءت في تحفة الأعيان للسالمى (ج 2، ص 15) و التي يفهم منها انكسار مقدمة جيش الإمام: (فبادرهم العدو قبل أن يتكاملوا، فقتلوا عن آخرهم ... و رجع الجيش و قد أصيبوا بإخوانهم ..)

141

و أظهر اللّه إمام المسلمين على جميع الباغين. فأخرجهم من ديارهم، و ابتزهم من قرارهم‏ (1)، و استوثق مردتهم، و أهان عزيزهم، و قمع ظالمهم، و منع غاشمهم و أمكنه اللّه منهم، و أعانه عليهم، و أيده بنصره، و أمده بتوفيقه، حتى استقام الإسلام و ظهر، و خفى الباطل و استتر. و أفشى‏ (2) العدل بعمان و انتشر، فعم البدو و الحضر.

و لم يبق إلا طائفة (3) من النصارى، متحصنين بسور مسكد، بعد أن نصب لهم الحرب [م 364]، حتى وهنوا و ضعفوا. و وهى سلطانهم و تفرقت أعوانهم، و كاد الموت و القتل يأتي على أكثرهم.

فتوفاه اللّه‏ (4) و جميع أهل الخير عنه راضون، و كانت وفاته يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شهر ربيع الآخر، من سنة تسع و خمسين سنة [بعد الألف‏] (5) من الهجرة. كما قال الشاعر في تاريخه:

فبالجمعة الزهراء مات ابن مرشد-- لعشر من الشهر الربيع المؤخر

و خمسون مع تسع و ألف تصرمت* * * لهجرة هادينا النبي المطهر

و كانت مدة ملكه ستا و عشرين سنة و قبره في نزوى مع مساجد العباد و قبره مشهور داخل القبة، و اللّه أعلم.

____________

(1) كذا في الأصل. و في كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 279) جاءت العبارة (من قراهم)

(2) في الأصل (و أفشا)

(3) في الأصل (طايفة)

(4) يعني الإمام ناصر بن مرشد

(5) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

142

فصل في فضائل الإمام ناصر بن مرشد (رحمه اللّه)

له فضائل مشهورة، فمنها أنه كان رجل نائما في مسجد قصرى‏ (1) من الرستاق، فرأى كأن في إحدى زوايا المسجد سراجا مضيئا. فلما انتبه رأى في تلك الزاوية الإمام مضطجعا، و ذلك قبل أن تعقد له الإمامة.

و قيل [م 365] إن أمه كان لها زوج بعد أبيه، فكان الإمام- (رحمه اللّه)- يأمرها أن تصنع طعامه قبل طعامهم، لئلا تبقى بقية من طعام زوجها من العجين، فيدخل في طعامه، فخالفت يوما أمره، فعجنت طحين زوجها ثم خبزته، و لم تغسل الوعاء، و صبت طحين الإمام في ذلك الوعاء، فقيل إن يدها لصقت بالطوبج‏ (2)، و لم تقدر بنزعها حتى رضي عنها.

و من فضائله- (رحمه اللّه)- بعدما عقد له، قيل كان أناس من أهل النفاق مجتمعون في بيت رجل منهم، يسبون الإمام بكلام قبيح، فنهتهم زوجة ذلك الرجل، فلم ينتهوا، فخرجت عنهم، فخر عليهم سقف البيت، فماتوا جميعا.

و من فضائله- (رحمه اللّه) و غفر له- قيل إن مطية أكلت من طعام بيت المال، فتحرشت، فلم تزل كذلك حتى رأت الإمام، فأتت إليه، فوضعت رأسها على منكبيه. فلم تزل كذلك حتى جاء ربها، فسأله الإمام عن حالها، فأخبره أنها أكلت [م 366] من طعام بيت المال فتحرشت فرضي له الإمام و أحله، و مسح بيده الكريمة على رأسها، فبرئت مما بها.

____________

(1) في الأصل (قصرا)

(2) إناء يعجن فيه الطحين.

143

و من فضائله- (رحمه اللّه)- قيل إن جراب تمر أشبع أربع مائة رجل [من قومه‏] (1).

و من فضائله- (رحمه اللّه) و غفر له و نور ضريحه- أنه كان ذات ليلة نائما فوق سطح في أيام الحر، إذ أتى إليه رجل يريد أن يقتله فوقف على رأس الإمام- و الإمام نائم- و في يده خنجر مشحوذة فلم يقدر أن يضرب الإمام و أمسك اللّه على يده، حتى انتبه الإمام، فرآه واقفا على رأسه، و بيده خنجر مشحوذة، فسأله ما يريد؟ فقال:" ما يسعني غير عفوك". فعفى عنه و لم يعاقبه.

و من فضائله- (رحمه اللّه)- أن بدويا ضلت له ناقة، فمضى في طلبها فبينما هو يمشى، إذ رأى أثر قدم إنسان، فاستعظم ذلك القدم، فجعل يقصها حتى انتهت به [إلى‏] (2) غابات شجر، فسمع صوتا من داخل الشجر:" فمطيتك في موضع كذا، فامض إليها. و قل للإمام ناصر بن مرشد يلزم هذه السيرة فإنها سيرة النبى صلى اللّه [م 367] عليه و سلم"، فمضى البدوي مرعوبا، و قصد الموضع الذى وصفت له فيه ناقته، فرى مطيته في الموضع الموصوف، ثم مضى إلى الامام و رأى الإمام في نومه أن بدويا أتاه يبشره [أنه‏] (3) على سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فلما وصل إليه البدوى، رآه في يقظته‏ (4)، كما رآه في نومه [فحدثه‏] (5)، بما جرى عليه و بما سمع. فحمد الإمام اللّه على ذلك، و أمر للبدوي بنصف جراب تمر، و بنصف جري حب‏ (6) و ثوب فمضى البدوي شاكرا، و لفضل الإمام ذاكرا.

____________

(1) ما بين حاصرتين تكملة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 17)

(2، 3) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(4) في الأصل (في يقضته)

(5) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(6) في الأصل (حرب)

144

و من فضائله- (رحمه اللّه)- أنه كان يعطى نفقة- له و لعياله- من بيت المال. و لم يكن لهم صفرية (1) يطبخون فيها طعامهم. فكانت زوجته تنقص من النفقة قليلا قليلا، حتى باعته، و اشترت منه صفرية.

فلما رآها الإمام سألها" من أين لك هذه الصفرية؟" فأخبرته بما صنعت. فقال لها:" استعمليها، و هي لبيت المال". و أمر وكيل الغالة (2) أن ينقص من نفقتهم قدر ما كانت هي تنقصه، و اللّه أعلم.

و قيل إن القاضى [م 368] محمد بن عمر دخل ذات يوم على الإمام، فرآه متغير الوجه، فسأله عن حاله فلم يخبره، فألح عليه، فأخبره أنه لم يكن معه شي‏ء ينفقه على عياله لسنة العيد فذكر محمد بن عمر للوالي أن يدفع له شيئا (3) من الدراهم من بيت المال فقيل إنه دفع له عشر محمديات و اللّه أعلم.

و فضائله لا تحصى، (رحمه اللّه).

____________

(1) الصفر: النحاس الجيد، و قيل ضرب من النحاس تصنع منه الأواني. و الصفار: صانع الصفر (لسان العرب) و من الواضح أن المقصود بالصفرية قدر من النحاس يطهى فيه الطعام‏

(2) المقصود الغلة، و هو الداخل الذي يحصل من الزرع و الثمر و غير ذلك قال ابن الأثير في تفسير الحديث (الغلة بالضمان) إن الغلة تعني الخراج (لسان العرب)

(3) في الأصل (يشاء من الدراهم).

145

ذكر الأئمة بعد ناصر بن مرشد

[الإمام سلطان بن سيف:]

ثم إن المسلمين، لما مات الإمام ناصر بن مرشد- (رحمه اللّه)- عقدوا للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، (رحمه اللّه)(1) فقام بالعدل، و شمر و جاهد في ذات اللّه، و ما قصر. و نصب الحرب لمن بغى من النصارى بمسكد و سار لهم بنفسه، حتى نصره اللّه عليهم و افتتحها. و لم يزل يجاهدهم في البر و البحر فاستفتح كثيرا من بلدانهم، و خرب كثيرا من مراكبهم، و غنم كثيرا من أموالهم.

فيقال إنما بنى‏ (2) القلعة التي بتروى من غنيمة الديو [من أرض الهند] (3) و قد لبث في بنائها اثنتى عشرة سنة، و أحدث [م 369] فلج البركة بين أزكى و نزوى، و هو أقرب إلى أزكى.

و ربما تكلم متكلم في إمامته من أسباب التجارات لأن له وكلاء معروفين بالبيع و الشراء، و جمع مالا. (4)

____________

(1) في الأصل ((رحمه اللّه) في ذلك)

(2) في الأصل (بنا)

(3) في الأصل (الديور) و ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 45)، لتوضيح المعنى.

(4) دأب بعض الخلفاء و السلاطين في الدولة الإسلامية على استثمار أموالهم في التجارة، حتى صار لهذه التجارة ديوان أطلق عليه اسم (المتجر) و قد انتقد ابن خلدون هذا التصرف من جانب الحكام و اعتبره منافسة غير مشروعة لرعاياهم، لأن (الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون، و مزاحمة بعضهم بعضا تنتهى إلى غاية موجودهم. فإذا رافقهم السلطان في ذلك- و ماله أعظم كثيرا منهم- فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شي‏ء من حاجاته)

(مقدمة ابن خلدون، الفصل الأربعون، ص 281)

(م 10- تاريخ عمان)

146

و اعتمرت عمان في دولته و زهرت، و استراحت الرعية في عصره و شكرت، و رخصت الأسعار، و صلحت الأسفار، و ربحت التجار، و سدت الأثمار (1).

و كان متواضعا للرعية، و لم يكن محتجبا عنهم. و كان يخرج في الطريق بغير عسكر، و يجلس مع الناس و يحدثهم، و يسلم على الكبير و الصغير، و الحر و العبد.

و لم يزل قائما مشمرا حتى مات، (رحمه اللّه)، و غفر له، و قبر حيث قبر الإمام ناصر بن مرشد، و كانت وفاته ضحى الجمعة، سادس عشر ذى القعدة، سنة [تسع و خمسين و ألف سنة] (2)، و اللّه أعلم.

عقد الإمامة لولده بلعرب بن سلطان‏

فقد عقد لبلعرب هذا، و لم تزل الرعية له شاكرة، و لفضله ذاكرة و كان جوادا كريما و عمر [م 370] يبرين‏ (3)، و بناها حصنا، و انتقل إليها من نزوى.

ثم وقعت بينه و بين أخيه سيف بن سلطان فتن، و أصاب كثيرا من أهل عمان- من فقهائهم‏ (4) و مشايخهم، أهل ورع و زهد و علم-

____________

(1) من التسديد بمعنى التوفيق للسداد (لسان العرب).

(2)" بياض" في الأصل، و ما بين حاصرتين تكملة من الفتح المبين لابن رزيق، ص 292.

(3) كذا في الأصل، و كذلك في الفتح المبين لابن رزيق (ص 293) أما في تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 76) فقد جاء الإسم (جبرين) و هى تقع إلى الجنوب الغربي من بهلا و قد وصف السالمي (ج 2، ص 90) الحصن الذى بناه الإمام بلعرب فيها بأنه (كان من أعاجيب الزمان، لا يستطيع أحد أن يصفه بجميع ما فيه).

(4) في الأصل (من فقهاءهم).

147

عقوبات كثيرة، إلى أن تلفت نفوسهم [من‏] (1) اتباع السفهاء، و اقتفاء آرائهم، و قبول كلمتهم.

ثم إنه خرج من نزوى، و قصد ناحية الشمال، ثم رجع إلى نزوى فمنعه أهل نزوى دخولها، فسار إلى يبرين، و اجتمع أكثر أهل عمان، و عقدوا الإمامة لأخيه سيف بن سلطان، و أحسب أن بعضا عوقب بتركه الدخول في العقد.

إمامة سيف بن سلطان.

و خرج سيف على أخيه، و أخذ كافة حصون عمان، و لم يبق إلا حصن يبرين، فسار إليه و حاصروه، فوقعت بينهما (2) الحرب، حتى مات بلعرب في الحصار، فطلب أصحابه ليخرجوا من الحصن فأمنهم سيف، فخرجوا من الحصن، و أحسب أن بعضا من أهل العلم لم يزالوا متمسكين بإمامته حتى مات. و يروون أن سيف بن سلطان باغ على أخيه [م 371].

و استولى سيف بن سلطان على كافة عمان، فلم يزل مقيما منصفا بينهم رادا قويهم عن ضعيفهم. وهابته القبائل من عمان، و غيرها من الأمصار.

و حارب النصارى في كل الأقطار، و أخرجهم من ديارهم، و ابتزهم من قرارهم و أخذ منهم بندر ممباسا، و الجزيرة الخضراء، و زنجبار، و بتّه‏ (3) و كلوه، و غيرهن. و هذه البلدان من ناحية الزنج بأرض السواحل‏ (4)

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة

(2) في الأصل (فوقع بينهم الحرب)

(3) كذا في الأصل، و في تحفه الأعيان (ج 2، ص 100) بت‏

(4) انظر كتاب (جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار) تأليف سعيد بن علي المغيري- تحقيق عبد المنعم عامر، ص 106 و ما بعدها.

148

و عمر عمان كثيرا، و أجرى فيها الأنهار و غرس فيها النخل و الأشجار و جمع مالا جما، قيل [إن‏] (1) الأصول التى صارت له بعمان [بلغت‏] (2) مقدار ثلث أصولها و الأفلاج التى أجراها سبعة عشر فلجا حدثا (3)، منهن أفلاج مسفاة الرستاق، و فلج الحزم، و فلج الصائغى‏ (4) و فلج الهوب، و أفلاج جمة في جعلان، و البزيلي الذي عند البدو؛ و غيرهن كثير.

و غرس في عمان- من ناحية بركة (5) [من‏] (6) الباطنة [من‏] (7) الميسلي‏ (8)- ثلاثين ألف نخلة، و من النارجيل ستة آلاف و له غير ذلك أموال [في‏] (9) المصنعة [م 372] من الباطنة، لا تحصى‏ (10) و ملك إماء و عبيدا، سمعت قيل عددهم ألف و سبع مائة

و كان شديد الحرص على المال، و غرس أشجارا مجلوبة من البحر، و أشجارا في الجبل، مثل الورس‏ (11) و الزعفران و البن و جلب له ذباب النحل.

____________

(1) ما بين حاصرتين إضافة لسياق المعنى.

(2) ما بين حاصرتين إضافة لسياق المعنى.

(3) أى استحدثها و لم تكن موجودة قبله.

(4) في المتن (الصايغى).

(5) في الأصل (بركا) و تكتب في المصادر المعاصرة بالرسمين. [و ما في الأصل أصح مما أثبته المحقق‏].

(6) ما بين حاصرتين إضافة من تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 100).

(7) المرجع السابق.

(8) صنفان من النخيل.

(9) في الأصل (و غير ذلك أموال و المصنعة) و الصيغة المثبتة من الفتح المبين لابن رزيق (ج 2، ص 100).

(10) في الأصل (و لا تحصى).

(11) الورس: نبت أصفر يكثر باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه قال أبو حنيفة؛ و الورس ليس ببرى يزرع سنة فيجلس عشرين سنة، أي يقيم في.

149

و قيل ملك من السفن أربعة و عشرين مركبا فالكبار خمسة، [أسماؤها] (1):

الملك، و الفلك‏ (2)، و الرحماني، و كعب رأس‏ (3)، و الناصري، و البواقى كبار، و لكن ليس مثل هؤلاء فوصف الملك، فيه ثمانون مدفعا، و بعض المدافع عزم أصله من ورائه ثلاثة أشبار، و عزم دفته قدر ثلاثة أذرع، أدر ضف بعدما كان، و علوه سبع قامات دون الدقالة (4)، و أوصافه لا تحصى [أما بقية تلك‏] (5) المراكب، [فإن‏] الفلك أعرض منه و ربما طوله مثله، إلا أنه أسخف‏ (6) و الأواخر دون ذلك بقليل.

و قيل [إن‏] (7) رأس المال الذى بيد وكيله بمسكد سبعة و خمسون لكا محمدية و لا تحصى أوصاف أشباه.

و توفي في الرستاق و قبره [م 373] في القبة التي فوق القرن، غربي قلعة الرستاق. [و كانت‏] وفاته ليلة ثالث من شهر رمضان، من سنة ثلاث و عشرين سنة و مائة و ألف سنة، و اللّه أعلم.

____________

الأرض و لا يتعطل. و نباته مثل نبات السمسم، فإذا جف عند إدراكه، تفتقت خرائطه فينفض، فينتفض منه الورس (لسان العرب)

(1) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى‏

(2) في الأصل (المفلك) ثم تكرر الاسم صحيحا بعد قليل‏

(3) في الأصل (كابراس) و الصيغة المثبتة من تحفة الأعيان للسالمى (ج 2، ص 100) و في كتاب الفتح المبين لابن رزيق (ص 295) كنبراس‏

(4) الدقل و الدوقل؛ خشبة طويلة تشد في وسط السفينة يمد عليها الشراع، و تسميه البحرية الصارى‏

(5) في الأصل (و أولئك المراكب) و ما بين حاصرتين إضافة

(6) كل مارق فقد سخف، و نصل سخيف طويل عريض (لسان العرب)

(7) ما بين حاصرتين إضافة لضبط المعنى.

150

الإمام سلطان بن سيف:

ثم عقد لولده سلطان بن سيف فقام و استقام و جاهد الأعداء في البر و البحر. و حارب العجم في مواضع شتى، و أخرجهم من بلدانهم، و دمرهم في أوطانهم من البحرين، و القشم، و لارك‏ (1)، و هرموز؛ و تلك البلدان التي بقرب ذلك.

و بنى‏ (2) حصن الحزم بالجص و الحجر، و انتقل من الرستاق إليه.

و أنفق ما ورث من أبيه من المال و اقترض كثيرا من أموال المساجد و الوقوفات، ألوفا و لكوكا، و لم تتحرك عليه حركة من أهل عمان و لا غيرها و ربما ذلك بقية بقيت له من هيبة أبيه.

و مات في حصن الحزم الذي بناه، و قبره في البرج الغربي، النعشى منه‏ (3) [و كانت‏] (4) وفاته يوم الأربعاء في شهر جمادى الآخر، لخمس ليال خلون منه، سنة [م 374] إحدى و ثلاثين و مائة سنة و ألف.

____________

(1) كذا في الأصل؛ و كذلك في الشعاع الشائع باللمعان (ص 285) و في تحفة الأعيان للسالمي (ج 2، ص 111) لاك‏

(2) في الأصل (بنا)

(3) النعش: الارتفاع- يقال نعشه اللّه أى رفعه (لسان العرب)

(4) ما بين حاصرتين إضافة لاستكمال المعنى‏