الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
59

[المسألة 5: لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف أتمّه بعد التطهير و صحّ]

المسألة 5: لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف أتمّه بعد التطهير و صحّ، و كذا لو رأى نجاسة و احتمل عروضها في الحال، و لو علم أنّها كانت من أوّل الطواف فالأحوط الإتمام بعد التطهير ثمّ الإعادة، سيما إذا طال زمان التطهير، فالأحوط حينئذ الإتيان بصلاة الطواف بعد الإتمام ثمّ إعادة الطواف و الصلاة، و لا فرق في ذلك الاحتياط بين إتمام الشوط الرابع و عدمه.* (1)

____________

أشواط الطواف إذا رأى النجاسة في أثنائه و علم أنّها كانت في ثوبه من أوّل الطواف، فإذا لم يضرّ العلم بوجود النجاسة في الأثناء فأولى أن لا يضرّ إذا علم بها بعد الطواف لعدم الحاجة إلى قطع الطواف و غيره. و مع ذلك فالاعتماد على هذا الوجه مشكل للفرق بين المقيس و المقيس عليه، لأنّ الحكم بصحّة عمل فقد بعض أجزائه الشرط اللازم لا يلازم صحّة عمله إذا فقدت عامّة أجزائه ذلك الشرط.

و أمّا الثاني: فيفرّق بين مستصحب الطهارة و مستصحب النجاسة، فالأوّل يجوز له الدخول في الطواف و يصحّ حتّى و لو تبين الخلاف، لكونه محكوما بالطهارة، بخلاف الثاني فلا يجوز له الدخول لكونه محكوما بالنجاسة.

و لو كان الثوب أو البدن مشكوك الطهارة و النجاسة من دون علم بالحالة السابقة يحكم عليها بالطهارة أيضا فيجوز له الدخول في الطواف.

(1)* في المسألة فروع:

1. لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف.

2. لو رأى نجاسة و احتمل عروضها في الحال كما احتمل وجودها من حين الشروع فيه.

60

3. لو رأى نجاسة في الأثناء و علم أنّها كانت من أوّل الطواف.

4. لا فرق في رؤية النجاسة بين إتمام الشوط الرابع و عدمه.

و الجامع بين الفروع الأربعة رؤية النجاسة في الأثناء و إن اختلفت في زمان الطروء.

و إليك دراستها واحدا بعد الآخر.

الأوّل: لو عرضته نجاسة في أثناء الطواف فهل له إزالة النجاسة و إتمام الطواف، سواء أ توقفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف أم لا، أو كان طروء النجاسة قبل إكمال الشوط الرابع أم لا؟

و يدلّ عليه ما ورد في الصحيح عن حمّاد بن عثمان، عن حبيب بن مظاهر قال: ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطا واحدا فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه، فخرجت فغسلته، ثمّ جئت فابتدأت الطواف، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «بئس ما صنعت، كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت، ثمّ قال: أما إنّه ليس عليك شي‌ء». (1)

و إطلاق النصّ يقتضي عدم الفرق بين ما لو توقّفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف و عدمه، و لا بين أن تطرأ النجاسة بعد تجاوز النصف أو قبله.

لكن السند غير نقيّ، لأنّ حبيب بن مظاهر لم يوثّق.

و في هامش الوسائل عن المؤلف أنّ المراد منه، هو صحابي استشهد مع أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) في كربلاء، و هو غير صحيح لأنّه استشهد بين يدي الإمام يوم عاشوراء عام 61 ه‍، فكيف يروي عنه حماد بن عثمان المتوفّى عام 190 ه‍،

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 2.

61

و هو من أصحاب الرضا (عليه السلام).؟! و يمكن أن يستدلّ على الصحّة بإطلاق رواية يونس بن يعقوب كما يأتي في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: لو رأى نجاسة و احتمل وجودها من أوّل الطواف أو عروضها في الحال.

و يمكن إرجاع الفرع الثاني إلى الأوّل موضوعا حتى يتّحد حكما، و ذلك بأنّ البدن أو الثوب، محكوم بالطهارة في الأوّل وجدانا، و في الثاني استصحابا إلى الآن الذي رأى فيه النجاسة في ثوبه و بدنه، فإذا اتحدا موضوعا يتّحدان حكما، و عندئذ دلّ على صحّة ما أتى من الطواف في كلا الفرعين أمران:

1. حديث حبيب بن مظاهر انّ الملاك، كون الثوب و البدن محكوما بالطهارة إمّا وجدانا أو تعبّدا.

2. إطلاق صحيح يونس بن يعقوب على ما رواه الصدوق، و قد تقدّمت حال سنده قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رأيت في ثوبي شيئا من دم و أنا أطوف؟

قال: «فاعرف الموضع، ثمّ اخرج فاغسله، ثمّ عد فابن على طوافك». (1) فإنّ إطلاقه يعم الفرعين، أي سواء كان قاطعا بطروء الدم أثناء الطواف أو كان شاكا و احتمل وجوده من أوّله.

الفرع الثالث: لو رأى نجاسة في الأثناء و علم أنّها كانت من أوّل الطواف.

في المسألة آراء:

1. يغسل ثوبه ثمّ يعود فيتمم طوافه، ذهب إليه الشيخ الطوسي في «المبسوط» و المحقّق في «الشرائع»، قال الأوّل: و لا يجوز أن يطوف و في ثوبه شي‌ء من النجاسة، فإن لم يعلم و رأى خلال الطواف النجاسة، رجع فغسل ثوبه ثمّ عاد فتمم طوافه. (2)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 52 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). المبسوط: 1/ 358.

62

و قال المحقّق: فإن لم يعلم ثمّ علم في أثناء الطواف أزاله و تمم. (1)

فإنّ قوله: «فإن لم يعلم» دال على وجوده من أوّل الطواف.

2. نفس الحكم بشرط أن يبلغ الأربعة، و إلّا استأنفها، و هذا خيرة الشهيد في «الدروس»، قال: و لو علم في الأثناء أزالها و أتمّ إن بلغ الأربعة و إلّا استأنف. (2)

3. نفس الحكم بشرط أن لا يستدعي فعلا يوجب قطع الطواف،- كما إذا أمكن إبداله بثوب آخر- و هذا هو الظاهر من الشهيد الثاني في «المسالك» قال في ذيل كلام المحقّق: «أزاله و تمّم» و لم يحتج إلى فعل يستدعي قطع الطواف. (3)

فالشرط اللازم عند الشهيد هو إتمام الشوط الرابع و لكنّه عند الشهيد الثاني عدم توقّفه على قطع الطواف.

و لكن الظاهر من صاحب المدارك أنّ الشهيدين على رأي واحد قال: و جزم الشهيدان بوجوب الاستئناف إن توقفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف و لمّا يكمل أربعة أشواط، نظرا إلى ثبوت ذلك مع الحدث (طرؤه) في أثناء الطواف و الحكم في المسألتين واحد ... ثمّ أورد عليه بأنّه مع تسليم الحكم في الأصل لا يخرج عن القياس. (4)

4. التفريق بين الإخلال بالموالاة فيستأنف، و عدمه فيبني على السابق.

و هذا خيرة المدارك قال: و لو قيل بوجوب الاستئناف مطلقا مع الإخلال بالموالاة‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 268.

(2). الدروس: 1/ 405.

(3). المسالك: 2/ 340.

(4). المدارك: 8/ 146.

63

الواجبة بدليل التأسي و غيره أمكن، لقصور الروايتين المتضمنتين للبناء من حيث السند. و الاحتياط يقتضي البناء و الإكمال ثمّ الاستئناف مطلقا». (1)

يريد بالروايتين، صحيح يونس بن يعقوب الذي روي بطريقين، و تخيّل أنّهما روايتان.

5. الاحتياط و هو البناء على ما سبق و الإكمال ثمّ الاستئناف مطلقا و هو خيرة المصنف حيث قال: فالأحوط الإتمام بعد التطهير ثمّ الإعادة لا سيما إذا طال زمان التطهير.

6. الاحتياط الكامل هو إتمام الطواف مع صلاته ثمّ إعادة الطواف و الصلاة. و هذا هو الّذي ذكره المصنّف أيضا في المتن.

هذه هي الوجوه المذكورة في كتب الأصحاب فلنرجع إلى الروايتين.

و يدلّ على البناء على ما سبق مطلقا- أي سواء كان قبل الشوط الرابع أو بعده، استلزم قطع الطواف أو لا، أخلّ بالموالاة أو لا- صحيح يونس بن يعقوب.

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رأيت في ثوبي شيئا من دم و أنا أطوف؟ قال: «فاعرف الموضع، ثمّ اخرج فاغسله، ثمّ عدّ فابن على طوافك». (2)

فهل المراد بقوله: «رأيت في ثوبي» هو التذكر بعد ما كان عالما، فيكون السؤال راجعا إلى الناسي، أو المراد هو العلم بالدم بعد ما لم يكن عالما فيكون دليلا على المورد؟

و الظاهر هو الثاني فلا يعمّ الحديث صورة النسيان. فعلى ذلك لا فرق بين عامة الصور في حال الجهل سواء علم بأنّه طرأ أثناء الطواف، أو احتمله و احتمل‌

____________

(1). المدارك: 8/ 146.

(2). الوسائل: 9، الباب 52 من أبواب الطواف، الحديث 1.

64

[المسألة 6: لو نسي الطهارة و تذكر بعد الطواف أو في أثنائه]

المسألة 6: لو نسي الطهارة و تذكر بعد الطواف أو في أثنائه فالأحوط الإعادة.* (1)

____________

كونه موجودا من أوّله أو قطع بوجوده من حين الشروع. و سواء كان الثوب ممّا تتم فيه الصلاة أو لا تتم، كما لا فرق بين الأقل من الدرهم و الأكثر.

كلّ ذلك لإطلاق السؤال و ترك الاستفصال في الجواب، و الظاهر أنّ ذكر الدم من باب المثال، لأنّه الغالب من الابتلاء بالنجس عند الطواف.

و ربّما يحتمل أنّ الرواية بصدد بيان الحكم التكليفي لا الوضعي، فلو خالف و لم يغسل عصى و صحّ طوافه، و هو بعيد جدّا، لأنّ مساق هذه الروايات الواردة في السؤال عن الأجزاء و الشرائط و الموانع هو مساق بيان الشرطية و الجزئية و المانعية.

(1)*

حكم ناسي النجاسة

في الفرع وجهان:

1. وجوب الإعادة لاختصاص الروايات الثلاث: حبيب بن مظاهر و يونس بن يعقوب و البزنطي بالجاهل المتذكّر في الأثناء، و أمّا الناسي فما أتى به غير مأمور به و ما أمر به لم يأت به، فيكون المرجع هو مقتضى القاعدة و هو لزوم الإعادة.

2. عدم وجوب الإعادة لعدم دليل لفظي دالّ على شرطية الطهارة عن الخبث حتى يتمسّك بإطلاقه في مورد الناسي. لما عرفت من أنّ الدالّ على الشرطية، ظهور السؤال و الجواب فيها عن كونها مسلما عند السائل و الإمام، و عندئذ يكون المرجع، هو الأصل و أعني الرفع، و لعلّ هذا وجه احتياط السيد الأستاذ (قدّس سرّه). و عدم الإفتاء بلزوم الإعادة.

65

[الرابع: أن يكون مختونا]

الرابع: أن يكون مختونا، و هو شرط في الرجال لا النساء، و الأحوط مراعاته في الأطفال، فلو أحرم الطفل الأغلف بأمر وليه أو أحرمه وليه صحّ إحرامه و لم يصحّ طوافه على الأحوط، فلو أحرم بإحرام الحجّ حرم عليه النساء على الأحوط، و تحل بطواف النساء مختونا أو الاستنابة له للطواف، و لو تولد الطفل مختونا صحّ طوافه.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. الختان شرط في الرجال دون النساء.

2. حكم الطفل غير المختون إذا أحرم أو أحرمه وليّه.

3. لو تولّد الطفل مختونا صحّ طوافه.

الفرع الأوّل: أمّا شرطية الختان، سواء أ كان شرطا للطواف أم للحجّ فهو من خصائص الفقه الإمامي

و لم نجده في كتب أهل السنّة، كبداية المجتهد للقرطبي و المغني لابن قدامة و الشرح الكبير المطبوع معه و الموسوعة الفقهية الكويتية.

و لذلك ذكره العلّامة في «المنتهى» من دون إشارة إلى قولهم قال: و الختان شرط في الطواف للرجل دون المرأة. (1)

فلو كان لأهل السنّة رأي لأشار إليه العلّامة في كتبه.

و قال الشيخ: و لا يطوف الرجل بالبيت إلّا مختونا، و يجوز ذلك للنساء. (2)

و قال في «التذكرة»: و الختان شرط في الطواف للرجل مع القدرة دون المرأة، لقول الصادق (عليه السلام) في الصحيح: «الأغلف لا يطوف بالبيت، و لا بأس أن تطوف‌

____________

(1). المنتهى: 10/ 317.

(2). المبسوط: 1/ 358.

66

المرأة». (1)

و الظاهر أنّ المسألة متّفق عليها و إن تردد فيها الحلّي في «السرائر». (2) ثمّ تأمّل فيها صاحب الذخيرة و الكفاية. (3)

قال ابن إدريس: و لا يجوز للرجل أن يطوف بالبيت، و هو غير مختون، على ما روى أصحابنا في الأخبار، و لا بأس بذلك للنساء.

و الروايات الواردة بظاهرها على طائفتين:

الأولى: ما يظهر منها أنّه شرط لصحّة الطواف

1. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة، فأمّا الرجل فلا يطوف إلّا و هو مختتن». (4)

2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الأغلف لا يطوف بالبيت، و لا بأس أن تطوف المرأة». 5

الطائفة الثانية: و هي التي يظهر منها أنّ الختان شرط انعقاد الحجّ.

1. صحيح إبراهيم بن ميمون، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل يسلم فيريد أن يحجّ و قد حضر الحجّ أ يحج أم يختتن؟ قال: «لا يحج حتى يختتن». 6

2. صحيح حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن نصراني أسلم و حضر الحجّ و لم يكن اختتن أ يحج قبل أن يختتن؟ قال: «لا و لكن يبدأ بالسنّة». 7

____________

(1). التذكرة: 8/ 85.

(2). السرائر: 1/ 574.

(3). مستند الشيعة: 12/ 56.

(4) (4 و 5 و 6 و 7). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 3 و 1 و 2 و 4.

67

و تظهر الثمرة بين القولين في موردين:

1. أنّه لو كان الختان شرطا للحجّ يجوز طواف الأغلف و إن كان بالغا إذا كان مندوبا، لأنّه مندوب مستقل لا صلة له بالحجّ.

2. لو كان الختان شرطا لصحة الطواف يصحّ إحرامه مع كونه أغلف إذا اتّسع الوقت بعد الإحرام للختان، و يصحّ طوافه أيضا إذا صار مختونا عنده، و هذا بخلاف ما لو كان شرطا للحجّ فلا يصحّ إحرامه في هذه الصورة.

ثمّ إنّ الظاهر من الروايات أنّ الختان شرط وضعي لصحّة الطواف أو الحجّ، و إن كان في نفسه أيضا واجبا نفسيا و إن لم يكن مستطيعا لظهور قوله (عليه السلام): «الأغلف لا يطوف بالبيت» في الشرط الوضعي، كما إذا قال: المحدث لا يصلي.

ثمّ الظاهر أنّ الختان شرط للطواف دون الحجّ، و أنّ جعله شرطا للحجّ من باب الوصف بحال المتعلّق، و هذا هو الظاهر من كلام الشيخ: لا يطوف الرجل البيت إلّا مختونا. بل هو صريح كلام العلّامة: الختان شرط في الطواف. و هو أيضا خيرة الأستاذ في المتن.

الفرع الثاني: في إحرام الطفل الأغلف

قد عرفت أنّ الختان شرط لصحّة الطواف في الذكور، فهل هو شرط أيضا لصحّة طواف غير البالغ من الذكور أو لا؟ هناك وجوه:

1. عدم اعتباره في الصبي مطلقا مميزا كان أو غير مميز، أحرم بنفسه أو أحرمه وليّه، و هو خيرة الشهيد الثاني قائلا بأنّ الأخبار خالية عن غير الرجل‌

68

و المرأة. (1)

و على هذا لو أحرم و طاف و هو أغلف لم تحرم النساء عليه بعد البلوغ.

2. اعتبار الختان في الصبي مطلقا و هو خيرة صاحب المدارك قائلا بأنّ مقتضى إخراج المرأة (في صحيحي ابن عمار و حريز) من هذا الحكم بعد اعتباره في مطلق الطائف (الأغلف لا يطوف بالبيت و لا بأس أن تطوف المرأة) هو استواء الرجل و الصبي و الخنثى في ذلك. (2)

يلاحظ عليه: بأنّ مقابلة الأغلف مع المرأة ربما يكون دليلا على أنّ المراد به هو الرجل، فيكون استثناء المرأة كالقرينة الصالحة لعدم انعقاد الإطلاق في الأغلف، و يشهد على ذلك تقابل المرأة مع الرجل في صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة، فأمّا الرجل فلا يطوف إلّا هو مختتن». (3)

و سيوافيك ما يمكن الاستدلال به على هذا الوجه.

3. التفصيل بين الصبي المميز الّذي يطوف بنفسه و الصبي غير المميز الّذي يطاف به، فيعتبر الختان في الأوّل دون الثاني و هو خيرة المحقّق الخوئي قائلا بأنّ موضوع النهي في الروايات هو الشخص الّذي يطوف بنفسه و يكون مأمورا بالطواف بنفسه، و أمّا الّذي يطاف به و لا يطوف بنفسه فلا أمر له بالطواف، إذ المفروض أنّ التكليف متوجّه إلى الولي الّذي يطوف به، فمقتضى الأصل عدم الاعتبار بالنسبة إلى الصبي غير المميز. (4)

____________

(1). المسالك: 2/ 329.

(2). مدارك الأحكام: 8/ 118.

(3). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 3.

(4). المعتمد: 4/ 329.

69

يلاحظ عليه: بأنّ النهي عن طواف الأغلف لا يخلو إمّا أن يكون حكما تكليفيا، أو حكما وضعيا. فعلى الأوّل يلزم اختصاص الحكم بالبالغ و لا يعم غير البالغ و إن كان مميزا.

و على الثاني يكون النهي إرشادا إلى شرطية الختان أو مانعية الأغلفية فلازمه كونه شرطا لصحة العمل، و الحكم الوضعي يعمّ البالغ و غير البالغ من غير فرق بين المميز و غير المميز، لأنّه إرشاد إلى أنّ قوام العمل به، فإذا قال: «لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه»، كان الدليل إرشادا لمانعية ما لا يؤكل لحمه فمثل هذا يعم المكلّف و غير المكلّف و في الثاني المميز و غير المميز.

و الظاهر اعتبار الختان شرطا لعمل الطواف مطلقا، و ذلك لما ألمعنا إليه في بعض مسفوراتنا بأنّ الروايات المتكفّلة ببيان الأجزاء و الشرائط أو الموانع و القواطع ناظرة إلى بيان واقع العمل بشرائطه و جزئياته من دون نظر إلى كون العمل واجبا أو مندوبا، صادرا من البالغ أو من غيره، و لذلك نرى أنّ الفقهاء يعطفون النوافل في اعتبار الشروط و الأجزاء على الواجبات حتّى و إن كان الدليل واردا في مورد الواجب. و ذلك لأنّ الشارع لم يعقد فصلا لبيان أجزاء و شرائط العبادة الواجبة و فصلا آخر لبيان أجزاء و شرائط المندوبات، و إنّما يستفاد حكم الثانية من الأولى.

و على ضوء ذلك فالختان شرط لصحّة العمل، فإذا أحرم لا تحل عليه النساء لبطلان طوافه إلّا إذا طاف مختونا أو يستنيب أحدا له إذا لم يتمكن من المباشرة، بل و مع المباشرة كما قوينا فيما سبق.

ثمّ إنّ المصنف لم يفت بشرطية الختان لصحّة الطواف، بل قال: «الأحوط‌

70

مراعاته في الأطفال» و رتّب عليه بأنّه لو أحرم للعمرة لم يصحّ طوافه و لو أحرم للحج حرمت عليه النساء لكن تحل بطواف النساء مختونا أو الاستنابة له للطواف، لكن مقتضى عدم صحة طوافه في العمرة عدم صحّته هنا فلا تحلّ إلّا بطواف نفسه مختونا أو الاستنابة، و أمّا انّه لما ذا لم يفت بشرطيّته و احتاط؟ فلعلّه لاحتمال كون المراد من الأغلف هو الرجل، بقرينة ورود الرجل في صحيح ابن ميمون و حريز.

الفرع الثالث: لو تولد مختونا صحّ طوافه لعدم صدق الأغلف عليه

و بعبارة أخرى المعتبر هو اسم المصدر لا نفسه.

تكملة: إذا استطاع و هو غير مختون

و هذا الفرع تعرّض له صاحب الجواهر و المحقّق الخوئي في «المعتمد» و لم يذكره المصنّف. و الفرع عبارة: عما إذا استطاع المكلف و هو غير مختون فإن أمكنه الختان في سنة الاستطاعة وجب القيام بهما، و إنّما الكلام إذا لم يمكنه الختان في هذه السنة أو أمكنه و لكنه لم يندمل إلى وقت الخروج، فهل يحجّ في نفس السنة غير مختون، أو يؤخر الحج إلى السنة القادمة؟ وجهان:

الأوّل: أنّه يحجّ في نفس السنة

و هو خيرة صاحب القواعد و صاحب كشف اللثام.

قال في الأوّل: إنّ الختان شرط في الرجل المتمكن خاصة. (1)

____________

(1). قواعد الأحكام: 1/ 425.

71

و استفاد منه صاحب الجواهر انّه لو تعذر و لو لضيق الوقت سقط، و لعلّه لاشتراط التكليف بالتمكّن مع عموم أدلة الحجّ. (1)

و على هذا القول فهل هو يطوف بنفسه أو يستنيب؟ و الأوّل ظاهر القواعد، لأنّ الساقط لأجل عدم التمكن هو الشرط- أي الختان- دون المشروط. و الثاني خيرة الفاضل الاصفهاني حيث قال بوجوب الاستنابة عليه كالمبطون. (2)

و من هنا يعلم أنّ خيرة «كشف اللثام» ليس قولا مقابلا لقول «القواعد» بل القولان يشتركان في وجوب الحجّ في نفس السنة دون أن يؤخّر، غاية الأمر يختلفان في كيفية الطواف، فالقواعد على الطواف بنفسه و الكشف على الاستنابة.

الثاني: أنّه يؤخر إلى السنة القادمة

و هو خيرة صاحب الجواهر قال: و لعلّ المتجه فيه: سقوط وجوب الحجّ عنه في ذلك العام لفوات المشروط بفوات شرطه، بل لعلّ خبر إبراهيم بن ميمون لا يخلو من إشعار بذلك. (3)

و اختاره المحقّق الخوئي قائلا بأنّه إن أمكنه الختان و الحجّ في سنة الاستطاعة وجب ذلك، و إلّا أخّر الحجّ إلى السنة القادمة. (4)

و الظاهر قوة القول الثاني لإطلاق دليل شرطية الختان من غير فرق بين المتمكن و غيره خصوصا بالنسبة إلى ما عرفت من أنّ أمثال هذه الأدلة سيقت لبيان شرائط الطواف من غير نظر إلى الطوارئ و العوارض.

____________

(1). الجواهر: 19/ 275.

(2). كشف اللثام: 5/ 413.

(3). الجواهر: 19/ 275.

(4). المعتمد: 4/ 330.

72

ثمّ إنّه ربما يؤيد القول الأوّل- أعني: وجوب الحجّ في نفس سنة الاستطاعة بما إذا علمت المرأة موافاة أيام طوافها في الحجّ مع أيام عادتها فلا يكون علمها بذلك سببا لسقوط وجوب الحجّ، غاية الأمر تستنيب كالمبطون العالم بأنّه لا يتمكن من الطواف.

و لكن القياس مع الفارق فإنّ الحيض و عدم الاستمساك من الطوارئ الخارجة عن اختيار المكلف فيكون معذورا في أمثالهما. قال الإمام (عليه السلام): «فاللّه أولى بالعذر». (1) و هذا بخلاف البقاء على الأغلفية فلا يعدّ معذورا بل يعدّ تقصيرا منه.

ثمّ إذا لم يتمكن من الختان أصلا لضرورة أو حرج أو نحو ذلك، فقال المحقّق الخوئي: اللازم عليه الحج لكن الأحوط الجمع بين طوافه بنفسه و استنابة من يطوف عنه و يصلي هو صلاة الطواف بعد طواف النائب. (2)

و وجه تقديم دليل وجوب الحجّ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) على إطلاق دليل الشرطية لانصراف الثاني إلى من يتمكن منه عبر حياته، و أمّا إذا لم يتمكن طول عمره منه فدليل الشرطية منصرف عنه، و على ذلك فالأقوى كفاية طوافه بنفسه، و إن كان الأحوط استحبابا الاستنابة، و ما ذكرناه من الوجه لفتواه أوضح ممّا جاء في كلامه فراجع.

____________

(1). الكافي: 3/ 67، الحديث 1.

(2). المعتمد: 4/ 330.

(3). آل عمران: 97.

73

[الخامس: ستر العورة]

الخامس: ستر العورة، فلو طاف بلا ستر بطل طوافه، و تعتبر في الساتر الإباحة فلا يصحّ مع المغصوب، بل لا يصحّ على الأحوط مع غصبيّة غيره من سائر لباسه.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. ستر العورة شرط لصحّة الطواف.

2. اشتراط الإباحة في الساتر.

3. إذا كان الساتر مباحا دون غيره.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر:

الفرع الأوّل: ستر العورة شرط لصحّة الطواف

ذكر جماعة من الفقهاء أنّ ستر العورة من واجبات الطواف على نحو لو طاف بلا ستر- و إن لم يكن هناك ناظر محترم- بطل طوافه، منهم:

1. الشيخ في «الخلاف» قال: لا يجوز الطواف إلّا على طهارة من حدث و نجس و ستر العورة، فإن أخلّ بشي‌ء من ذلك لم يصحّ طوافه و لا يعتد به. و به قال مالك و الشافعي و الأوزاعي و عامّة أهل العلم. (1)

2. ابن زهرة في «الغنية» قال: و الواجب في الطواف النيّة و مقارنتها و استمرار حكمها، و الطهارة من الحدث و النجس، و ستر العورة. (2)

3. العلّامة في «القواعد» قال: و واجباته أحد عشر: طهارة الحدث و الخبث‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 323، المسألة 129.

(2). غنية النزوع: 1/ 172.

74

عن الثوب و البدن، و ستر العورة. (1)

4. الشهيد في «الدروس» قال: و يجب قبل الطواف أشياء ... و ستر العورة، و الختان في الرجل. (2)

نعم لم يذكره المحقّق في الشرائع و النافع، و على كلّ تقدير يمكن الاستدلال على وجوب الستر في الطواف بما يلي:

1. عموم التنزيل في النبوي: «الطواف بالبيت صلاة» فالظاهر أنّ حكمه حكمها في جميع الآثار، إلّا التكلّم. و الاستثناء دليل على عموم التنزيل نظير قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» و لذلك تمسك العلماء على خلافة الإمام علي (عليه السلام) و قيادته. و عدم وروده من طرقنا لا يضر لأنّه موثوق الصدور، و كفى في الحجّية الوثوق بالصدور و إن لم يكن السند صحيحا.

2. النصوص المتضافرة على النهي عن الطواف عاريا، و قد رواها الفريقان على نحو يحصل الاطمئنان بصدوره. (3)

و نقله صاحب الوسائل عن عدّة كتب. (4) و أكثرها و إن كان مرسلا لكن المجموع من حيث المجموع يفيد الوثوق بالصدور، و قد قلنا في محله أنّ ما هو الحجّة هو الخبر الموثوق الصدور لا خبر الثقة، و لو اشترطت وثاقة الراوي فلأجل أنّ الوثاقة من أسباب الوثوق بالصدور.

كما أنّ المراد من الطواف عريانا هو الطواف بلا ستر للعورة لا من طاف‌

____________

(1). القواعد: 1/ 425.

(2). الدروس: 1/ 293، الدرس 103.

(3). الجواهر: 19/ 278.

(4). الوسائل: 9، الباب 53 من أبواب الطواف (عامة أحاديث الباب).

75

بلا ثوب و إن كان ساترا للعورة، بنحو من الأنحاء، و ذلك لوجهين:

الأوّل: الإجماع- في الظاهر- على صحّة طواف الرجل عاريا مع ستر عورته.

الثاني: ما تضافر من الروايات في شأن النهي من الطواف عريانا، فإنّ المتبادر منها انّ سبب النهي هو انّ امرأة مشركة طافت بلا وجود ساتر للعورة إلّا يديها، و إليك البيان:

نقل أصحاب السير و التفسير في شأن نزول الآيات الّتي بعث بها النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم عليا (عليه السلام) ليقرأها على الحاضرين في الموسم. قالوا:

كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنّة، و كان سنّة عند العرب في الحج، أنّه من دخل مكة و طاف بالبيت في ثيابه، لم يحل له إمساكها، و كانوا يتصدّقون بها و لا يلبسونها بعد الطواف، و كان من وافى مكة يستعير ثوبا و يطوف فيه، ثمّ يردّه، و من لم يجد عارية اكترى ثيابا، و من لم يجد عارية و لا كراء و لم يكن له إلّا ثوب واحد، طاف بالبيت عريانا، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة، فطلبت ثوبا عارية أو كراء، فلم تجده، فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها، فقالت: و كيف أتصدق بها و ليس لي غيرها، فطافت بالبيت عريانة، و أشرف عليها الناس، فوضعت إحدى يديها على قبلها و الأخرى على دبرها، فقالت مرتجزة:

اليوم يبدو بعضه أو كلّه * * *فما بدا منه فلا أحلّه

فلمّا فرغت من الطواف خطبها جماعة، فقالت: إنّ لي زوجا. (1)

و مع ذلك يبقى هناك بحث و هو: هل ستر العورة واجب نفسي و انّ ستره‌

____________

(1). تفسير القمي: 1/ 281، سورة التوبة؛ نور الثقلين: 2/ 281، تفسير آية بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ من سورة التوبة، الحديث 20؛ بحار الأنوار: 35/ 291.

76

في الطواف لأجل عدم خلو المطاف من ناظر محترم؟ أو هو واجب شرطي لصحّة الطواف؟ و مقتضى تنزيل الطواف منزلة الصلاة هو الثاني.

و بعبارة أخرى: هل هذه الروايات بصدد ردع السنّة الجاهلية؟ أو لبيان شرطية الستر للطواف؟

الفرع الثاني: اشتراط الإباحة في الساتر

للمسألة صورتان:

الأولى: إذا قلنا بقيام الدليل على شرطية ستر العورة في صحّة الطواف، فلا إشكال في شرطية الإباحة في الساتر، لأنّ دليل الشرط لا يشمل المحرم، فلو افترضنا أنّ الشارع قال: «طف مع الساتر» و قال أيضا: «لا تغصب» فإنّ الدليل الأوّل يتضيق قهرا بغير المغصوب، لأنّ الحرام لا يكون مصداقا للواجب فيخرج من تحته.

و إلى هذه الصورة يشير في «الجواهر» فيقول: و منه يعلم عدم الجواز في المغصوب، و في جلد الميتة، و في المذهّب للرجال، بل لو قلنا بشرطية لبسهما في الإحرام اشترط إباحته (الملبوس) أيضا، و لو لأنّ دليل الشرطية لا يشمل المحرّم، فلا يجوز حينئذ في الحرير للرجال، و لا في جلد الميتة و المغصوب و المذهّب. (1)

و بذلك يعلم أنّ هذه الصورة خارجة عن مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإنّ مصبّ تلك المسألة هو الصورة الثانية.

الثانية: إذا لم يقم دليل على شرطية ستر العورة في صحّة الطواف أو مكان المصلّي مثلا و قلنا بأنّ النهي عن الطواف عريانا لأجل ردع السيرة الجاهلية‌

____________

(1). الجواهر: 18/ 241.

77

حيث كانوا يطوفون عراة، فعندئذ لو طاف مكشوف العورة و لم يكن هناك ناظر لصحّ طوافه، فعندئذ تدخل المسألة في باب اجتماع الأمر و النهي حيث يكون بين الدليلين عموم و خصوص من وجه، كما إذا قال: «طف بالبيت مطلقا» و قال: «لا تغصب» فطاف بالساتر المغصوب، فالقائل بالامتناع يقدم أقوى الدليلين ملاكا على الآخر، و أمّا القائل بالاجتماع فلو كان المجمع توصليا صحّ العمل، و إذا كان تعبديا فالعمل باطل كما سيوافيك بيانه.

و لكن المحقّق الخوئي فصّل بين اتحاد العنوانين وجودا فقال بالبطلان و بين عدم اتحادهما كذلك فقال بالصحّة و قال: بأنّه إذا طاف بالساتر المغصوب يصحّ طوافه، و ذلك لأنّ كلا من الثوب و البدن يتحرك بالحركة الدورية حول الكعبة، فإنّ جسم الإنسان يتحرك بدوران البدن حول البيت و كذلك الثوب يتحرك بحركة البدن، فالعلّة لحركة الثوب هي حركة البدن حول البيت، و المحرم هو المعلول، و لا تسري الحرمة من المعلول إلى العلة. (1)

و نقول: إنّ ما ذكره من تفكيك الحرام عن الواجب في مقام التحلّل لو كان صحيحا لما أفاد في صحة العمل، و ذلك لأنّ التحليل الموجود في ذهن ذلك المحقّق غير موجود في ذهن الطائف، و المفروض شرطية تمشّي القربة من الطائف لا من المحلّل، و الإنسان العامي يرى العملين شيئا واحدا، و هذا يصده عن أن يقصد القربة بعمله الّذي يراه معصية و نقضا للقانون.

و بهذا يظهر أنّ أكثر ما يحتال به الفقهاء في موارد من الفقه إنّما يفيد لو كانوا قائمين بالعمل بأنفسهم لا بالمقلدين الذين لا يدور في خلدهم شي‌ء من هذه الحيل.

____________

(1). المعتمد: 4/ 334.

78

[السادس: الموالاة بين الأشواط عرفا على الأحوط]

السادس: الموالاة بين الأشواط عرفا على الأحوط، بمعنى أن لا يفصل بين الأشواط بما يخرج عن صورة طواف واحد.* (1)

____________

الفرع الثالث: إذا كان الساتر مباحا دون غيره و الطواف في هذه الصورة محكوم بالبطلان أيضا لعدم تمشي القربة، لأنّ المبعّد لا يكون مقربا، و التفكيك العقلي دقة فلسفية يغفل عنها العامة.

(1)* يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في تفسير الموالاة

يظهر من الشهيد و صاحب الحدائق و الجواهر أنّ المراد بالموالاة ما يقابل الخروج عن المطاف.

قال الشهيد في «الدروس»: و حادي عشرها [الواجبات] الموالاة فيه، فلو قطعه في أثنائه و لم يطف أربعة أعاد، سواء أ كان لحدث أو خبث أو دخول البيت أو صلاة فريضة على الأصحّ، أو نافلة أو لحاجة له أو لغيره أم لا. (1)

فإنّ الإشارة إلى الموارد الممنوعة قبل إكمال الشوط الرابع و الجائزة بعده، أقوى دليل على أنّه يفسّر الموالاة بالخروج عن المطاف لغاية من الغايات؛ كما أنّ صاحب الحدائق يتفق مع الشهيد في تعريف الموالاة، إلّا أنّه يخص الجواز بين الصور المذكورة في كلام الشهيد بصورتين: القطع للمرض، و القطع للحدث. (2)

و ذلك لورود النص فيهما فقط.

____________

(1). الدروس: 1/ 395، مؤسسة النشر الإسلامي، قم و في طبعة أخرى: 1/ 338.

(2). الحدائق: 16/ 224.

79

و هذا هو الظاهر أيضا من صاحب الجواهر حيث يقول: فظاهر الأصحاب هنا و النصوص في وجوب الموالاة في الطواف الواجب في غير المواضع الّتي عرفت. (1)

و لكن الصحيح ما جاء في المتن: حيث فسرها بقوله: «أن لا يفصل بين الأشواط بما يخرج عن صورة طواف واحد». و على ذلك لا فرق بين الفصل الطويل بين الأشواط أو في نفس الشوط الواحد، و من المعلوم أنّ النسبة بين الموالاة بهذا المعنى و ما استظهرناه من الأعلام الثلاثة عموم و خصوص من وجه، فربّما يتحقّق الفصل الطويل بلا حاجة إلى الخروج، كما أنّه ربما يتحقّق الخروج دون أن تفوت الموالاة، كما إذا كان الفاصل الزماني قصيرا، و ربّما يجتمعان.

و يظهر من متن «الشرح الكبير» لشمس الدين ابن قدامة المقدسي أنّ الموالاة شرط، و فسّره أيضا بمثل ما في المتن قال: و الموالاة شرط في الطواف فمتى قطعه بفصل طويل ابتدأ سواء أ كان عمدا أو سهوا، مثل أن يترك شوطا من الطواف يظن أنّه قد أتمّه. (2)

المقام الثاني: الدليل على وجوب الموالاة

بالمعنى المذكور في المتن، و يمكن الاستدلال عليه بوجوه:

1. قوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» و قد عرفت عموم المنزلة.

2. التأسّي بالنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم حيث إنّه طاف بلا فصل بين الشوط الواحد أو الأشواط.

3. انّ الأمور العبادية توقيفية، فالشك في جوازها بغير الشكل المأثور عن طريق العمل يحتاج إلى دليل.

____________

(1). الجواهر: 19/ 339.

(2). الشرح الكبير: 3/ 399.

80

[القسم الثاني: ما عدّ جزءا لحقيقته]

القسم الثاني: ما عدّ جزءا لحقيقته، و لكن بعضها من قبيل الشرط، و الأمر سهل.

و هي أمور:

[الأوّل: الابتداء بالحجر الأسود]

الأوّل: الابتداء بالحجر الأسود، و هو يحصل بالشروع من الحجر الأسود من أوّله أو وسطه أو آخره.* (1)

____________

4. الشهرة الفتوائية بين الفقهاء.

5. أنّ الطواف عمل واحد، و طبيعة العمل الواحد تقتضي الإتيان به مجتمعا متواليا في نظر العرف، إلّا ما دلّ الدليل على عدم اعتبار الوحدة العرفية، كما في المندوب من الطواف أو في الواجب بعد إتمام الشوط الرابع لعذر كالقطع للمرض و الحدث المنصوصين.

و لعل المجموع يفيد الاطمئنان بشرطية الموالاة و لذلك احتاط المصنّف.

نعم الاستدلال على اعتبار الموالاة بالروايات الّتي تفصّل بين التجاوز عن الصنف و عدمه قاصر عن إثبات وجوب الموالاة بالمعنى المذكور في المتن، لما عرفت من أنّ النسبة بين الموالاة بهذا التفسير و مفاد الروايات عموم و خصوص من وجه.

(1)* الابتداء بالحجر الأسود ما ذكره المصنّف أمر اتّفقت عليه كلمة الفقهاء حيث عبروا عنه بقولهم ب‍:

البداءة بالحجر و الختم به.

قال المحقّق: فالواجب سبعة: النية و البداءة بالحجر، و الختم به. (1)

____________

(1). الشرائع: 1/ 267.

81

قال في «الحدائق» بعد هذه الجملة: و هو موضع اتّفاق بين العلماء. (1)

و قال في «الدروس»: ثالثها: البدء بالحجر، فمن ابتدأ بغيره فلغو حتّى يأتيه فيجدد عنده النية. و رابعها الختم، فلو نقص خطوة أو أقلّ من ذلك لم يجزئ، و لو زاد عليه متعمدا بطل و لو خطوة. (2)

و قال في «الرياض»: بعد قول المحقّق «البدأة بالحجر و الختم به»: بالإجماع كما في كلام جماعة. (3)

و يدلّ عليه- بعد إجماع الفقهاء- السيرة العملية بين المسلمين من قاطبة الطوائف، فلم ير أحد ابتدأ بالطواف من غير الحجر الأسود، و لأجل وضوح الأمر لم يقع موردا للسؤال و إنّما ورد الأمر به في أثناء الجواب عن موضوع آخر نظير:

1. صحيح معاوية بن عمّار: «من اختصر في الحجر في الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود». (4)

2. صحيح الحسن بن عطية (5) قال: سأله سليمان بن خالد- و أنا معه- عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و كيف طاف ستة أشواط؟» قال: استقبل الحجر و قال اللّه أكبر و عقد واحدا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يطوف شوطا» فقال سليمان: فإنّه فاته ذلك حتى أتى أهله، قال: «يأمر من يطوف عنه». (6)

و على كلّ تقدير فلو ابتدأ الطائف من غيره، لم يعتد بما قبله حتّى ينتهي إلى‌

____________

(1). الحدائق: 16/ 100.

(2). الدروس: 1/ 394.

(3). الرياض: 6/ 533.

(4). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(5). صحيح حسب ما رواه الشيخ، و حسن حسب ما رواه الكليني.

(6). الوسائل: 9، الباب 32 من أبواب الطواف، الحديث 1.

82

الحجر الأسود، فيبتدئ طوافه منه، و أمّا ما في صحيح ابن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كنّا نقول لا بدّ أن نستفتح بالحجر و نختم به، فأمّا اليوم فقد كثر الناس عليه». (1)

فليس المراد عسر الابتداء بالحجر و الختم به، بل المراد- كما في الجواهر (2)- انّ كثرة الحجاج تمنع من استلام الحجر في البدء و الختم. و يدلّ عليه ما في روايته الثانية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حجّ و لم يستلم الحجر؟ فقال: «هو من السنّة، فإن لم يقدر عليه فاللّه أولى بالعذر». (3)

ما هو المقصود من البدء بالحجر الأسود؟

إنّ الطواف بالبيت كالطواف بغيره أمر عرفي يتحقّق بما يصدق عليه الطواف به عرفا، و يكفي في ذلك محاذاة الحجر الأسود عرفا خصوصا بعد ما ورد أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم طاف على راحلته و استلم الحجر بمحجنه و سعى عليها بين الصفا و المروة (4) من دون حاجة إلى جعل أوّل جزء من الحجر محاذيا لأوّل جزء من مقاديم بدنه ثمّ يمرّ عليه بعد النية بجميع بدنه علما أو ظنا، و لذلك قال في المتن بكفاية الشروع من الحجر الأسود: أوّله أو وسطه أو آخره. فبما أنّ تشخيص أوّل الحجر أو وسطه أو آخره أمر مشكل لوجود الزحام فالأولى- إن تمكن- أن يقف بقليل من باب المقدّمة العلمية فينوي الطواف من الموضع الّذي تتحقّق فيه المحاذاة بصورة واضحة و يكون الزائد لغوا، و مثله الحال عند نهاية الأشواط.

ثمّ إنّ قوله (قدّس سرّه): «و هو يحصل بالشروع من الحجر الأسود بأوّله أو وسطه أو‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 16 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الجواهر: 19/ 290.

(3). الوسائل: 9، الباب 16 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(4). الوسائل: 9، الباب 81 من أبواب الطواف، الحديث 2.

83

آخره» ناظر للردّ لما اعتبره العلّامة في «التذكرة» و الشهيد الثاني في «المسالك» من جعل أوّل جزء من الحجر محاذيا لأوّل جزء من مقاديم قدمه حيث يمرّ عليه بعد النية بجميع بدنه علما أو ظنا. (1)

و لا يخفى عدم لزومه، لأنّ الطواف أمر عرفي يتبع في امتثاله صدق البدء من الحجر عرفا، خصوصا بعد ما عرفت من طواف رسول اللّه على راحلته. و على كلّ تقدير فما ذكر في المتن هو الصحيح.

و أعجب من ذلك أنّهم اختلفوا في ما هو الجزء الأوّل من البدن، فهل هو الأنف أو البطن أو إبهام القدمين؟ (2)

هل الواجب واقع الابتداء أو هو مع القصد؟

هل الواجب على الطائف أن يبتدئ بالحجر و يختم به، أو يجب عليه وراء ذلك، قصد البدأة بالحجر؟ الظاهر هو الأوّل، ضرورة انّ الواجب عليه الطواف بالبيت من الحجر إلى الحجر سبعة أشواط، امتثالا لقوله سبحانه: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (3)، و أمّا الزائد عليه فلا، و نظيره السعي بين الصفا و المروة، فقصد نفس البدء من الحجر إلى الحجر يغني عن قصد عنوانه، فما في «الجواهر» من نفي الريب من أنّه أحوط (4) أشبه بالالتزام بما يلزم، و لا يقول به أحد في نظائره، كالصوم من الفجر إلى الغروب، فإنّ اللازم هو نفس الإمساك بين الوقتين؛ و أمّا لزوم قصد الإمساك من الفجر إليه، فلم يقل به أحد.

____________

(1). التذكرة: 8/ 87، المسألة 454؛ المسالك: 2/ 331.

(2). الجواهر: 19/ 289.

(3). الحج: 29.

(4). الجواهر: 19/ 288.

84

[الثاني: الختم به]

الثاني: الختم به و يجب الختم في كل شوط بما ابتدأ منه، و يتم الشوط به، و هذان الشرطان يحصلان بالشروع من جزء منه- و الدور سبعة أشواط- و الختم بما بدأ منه و لا يجب، بل لا يجوز ما فعله بعض أهل الوسوسة و بعض الجهال ممّا يوجب الوهن على المذهب الحق، بل لو فعله ففي صحة طوافه إشكال.* (1)

____________

(1)* أشار في كلامه- مضافا إلى الدور سبعة أشواط- إلى أمور:

1. الختم بالحجر الأسود.

2. يتحقّق ختم كلّ شوط بالوصول إلى ما بدأ به.

3. عدم جواز ما يرتكبه أهل الوسوسة.

و إليك بيانها:

أمّا الأوّل: فيدلّ عليه ما دلّ على لزوم البدء بالحجر من السيرة العملية و التأسّي بالنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و انّ وضوح الحكم صار سببا لعدم وروده إلّا في ضمن أمور أخرى.

و أمّا الثاني: ففيه احتمالات ثلاث- كما سيوافيك في نهاية البحث- و قد اختار المصنف الاحتمال الثاني، أي حصول ختم الشوط بما بدأ به، فبيانه أنّه لو افترضنا انّه بدأ بالطواف بأوّل الحجر، فيتم الشوط بالوصول إليه من دون حاجة إلى وصوله إلى وسطه أو آخره، و لو ابتدأ بوسطه أو آخره، يتم الشوط بالوصول إلى الوسط أو الآخر، و ما هذا إلّا ليكمل الشوط من غير زيادة و لا نقيصة، و هذا هو الّذي وصفه صاحب الجواهر بأنّه أحوط إن لم يكن أقوى. (1)

____________

(1). الجواهر: 19/ 291.

85

أقول: لو كان الطواف بالبيت مبتدئا بالحجر و خاتما به أمرا عرفيا، فالأقوى عدم اعتبار رعاية موضع الابتداء، فلو ابتدأ بآخر الحجر كان له الختم بأوّله، لأنّه يصدق أنّه ابتدأ بالحجر و ختم به. و دعوى عدم صدق الختم حتّى يصل إلى محل الابتداء الذي هو الوسط أو الآخر، ممنوعة، لافتراض أنّ الطواف بالبيت و البدء و الختم بالحجر أمر عرفي، و أين العرف و دقائق الأمور؟! و على ضوء ما ذكرنا فما ذكره في المتن مبنيّ على الدقّة العقلية خلافا لما ذكره في بيان البدء.

و حصيلة الكلام: أنّه لو ابتدأ من أوّله، يكفي الوصول إليه دون أن تتوقّف تمامية الشوط إلى الوصول إلى آخره، كما أنّه لو بدأ بآخره يكفي الوصول إلى أوّل الحجر أو وسطه، فما في المتن من التدقيق بالختم بما بدأ به، خروج عن كون الموضوع أمرا عرفا و مثارا للوسوسة الّتي ندّد بها في الأمر الثالث. بل هو يورث الوسوسة التي ذكرها في الأمر الثالث.

فظهر أنّ في المقام احتمالات ثلاثة:

1. لزوم الوصول إلى آخر الحجر، فلو ابتدأ بأوّله أو وسطه فلا يكفي الوصول إليه بل لا بدّ من الوصول إلى آخره.

2. كفاية الوصول إلى ما بدأ به. و هو خيرة المصنف كما شرحناه.

3. كفاية الوصول إلى جزء من محاذاة الحجر و إن لم يصل إلى ما بدأ، فلو بدأ بآخره يكفي الوصول إلى أوّله. و هذا هو الأقوى.

الأمر الثالث: في ما يفعل أهل الوسوسة و بعض الجهّال، و لعلّه يشير إلى ما حكاه العلّامة من جعل أوّله جزء من مقاديم بدنه على أوّل جزء من الحجر مارا بجميع بدنه كلّه محافظا على الطواف على اليسار، و لا شكّ أنّ لحاظ هذه الأمور،

86

[المسألة 7: لا يجب الوقوف في كلّ شوط]

المسألة 7: لا يجب الوقوف في كلّ شوط، و لا يجوز ما فعله الجهال من الوقوف و التقدّم و التأخّر بما يوجب الوهن على المذهب.* (1)

____________

كما في «الجواهر» ربما يكون مثارا للوسواس. (1) و يأتي في المسألة السابعة إشارة إلى بعض أفعالهم أيضا.

(1)*

كفاية نيّة واحدة للأشواط السبعة

لأنّه عمل واحد مركب من أشواط سبعة تكفيه نيّة واحدة، و أمّا الوقوف في كلّ شوط فإن كان للاستراحة أو لعدّ الأشواط فله وجه، و إلّا فلا وجه له، و لو طال الوقوف لأضرّ بالموالاة.

و أمّا التقدّم و التأخّر و هو أنّ الطائف إذا أتمّ شوطا ربما يتقدّم عليه، ثمّ يرجع إلى الوراء لكي ينوي الشوط التالي من أوّل الحجر، و هذا يوجب تقدّما و تأخّرا، و لكنّه أمر غير لازم لما ذكرنا من أنّه عمل واحد تكفيه نية واحدة.

و الأشواط السبعة كلّ، تلو الآخر و إنّما يتقدّم عند نهاية الشوط الأوّل- مثلا- ثمّ يتأخّر لابتداء الشوط الآخر كلّ ذلك لتحصيل العلم بأنّه طاف من الحجر إلى الحجر.

و هذا النوع من العمل- لو لم يضرّ ربما يوجب زيادة في الطواف- ليس له وجه. و لو حاول الاحتياط فله أن يقف في خصوص الشوط الأوّل دون الحجر بقليل من باب المقدمة العلمية، فينوي الطواف من الموضع الّذي تتحقّق المحاذاة واقعا و يكون الزائد لغوا و يتجاوز عن الحجر بقليل في الشوط الأخير و ينوي الختم بالمحاذاة واقعا و كون الزائد لغوا.

____________

(1). الجواهر: 19/ 290.

87

[الثالث: الطواف على اليسار]

الثالث: الطواف على اليسار بأن تكون الكعبة المعظمة حال الطواف على يساره، و لا يجب أن يكون البيت في تمام الحالات محاذيا حقيقة للكتف، فلو انحرف قليلا حين الوصول إلى حجر إسماعيل (عليه السلام) صح و إن تمايل البيت إلى خلفه و لكن كان الدور على المتعارف، و كذا لو كان ذلك عند العبور عن زوايا البيت، فإنّه لا إشكال فيه بعد كون الدور على النحو المتعارف ممّا فعله سائر المسلمين.* (1)

____________

(1)* الطواف على يسار الكعبة هنا مسألتان:

1. الطواف على اليسار و كون الكعبة على يسار الطائف.

2. كون كتف الطائف محاذيا للبيت.

و إليك دراسة هذين الأمرين:

[هنا فرعان]

[الفرع] الأوّل: الطواف على اليسار

الطواف على اليسار ممّا أجمع عليه علماؤنا و أكثر أئمّة المذاهب الأربعة.

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا طاف منكوسا- و هو أن يجعل البيت على يمينه- فلا يجزيه، و عليه الإعادة، و به قال الشافعي. و قال أبو حنيفة: إن أقام بمكة أعاده، و إن عاد إلى بلده جبره بدم. إلى أن قال: لا خلاف في أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فعل ما قلناه و قد قال: «خذوا عني مناسككم» فمن خالفه لا يجزيه. (1)

و قال ابن رشد: و الجمهور مجمعون على أنّ صفة كلّ طواف واجبا كان أو‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 325، المسألة 134.

88

غير واجب يجب أن يبتدأ من الحجر الأسود، فإن استطاع أن يقبّله قبّله أو يلمسه بيده و يقبلها إن أمكنه، ثمّ يجعل البيت على يساره و يمضي على يمينه و يطوف سبعة أشواط يرمل في الثلاثة أشواط الأول ثمّ يمشي في الأربعة. (1)

و قال العلّامة في «المنتهى»: يجب أن يطوف على يساره بأن يجعل البيت عن يساره و يطوف عن يمين نفسه، فإن عكس الطواف بأن جعل البيت عن يمينه و طاف عن يساره لم يجزئه و وجب عليه الإعادة. و به قال الشافعي و مالك و أحمد بن حنبل، و قال أبو حنيفة: يصحّ طوافه و يعيد ما دام بمكة، فإن خرج إلى بلده لزمه الدم. ثمّ استدلّ العلّامة بالتأسّي. (2)

و المسألة غنية عن الدليل، و مع ذلك فقد استدلّ النراقي في المستند (3) و الجواهر (4) ببعض الروايات.

و لنتبرّك بذكر البعض:

1. صحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عمّن نسي أن يلتزم في آخر طوافه حتى جاز الركن اليماني أ يصلح أن يلتزم بين الركن اليماني و بين الحجر أو يدع ذلك؟

قال (عليه السلام): «يترك اللزوم و يمضي». (5)

فقه الحديث: إنّ المستجار هو الملتزم، و فيه يستجاب الدعاء و تغفر الذنوب، و هو قبل الركن اليماني فلمّا نسي الالتزام سأل الإمام (عليه السلام) عن جواز اللزوم‌

____________

(1). بداية المجتهد: 1/ 340.

(2). المنتهى: 10/ 320.

(3). المستند: 12/ 71.

(4). الجواهر: 19/ 291.

(5). الوسائل: 9، الباب 27 من أبواب الطواف، الحديث 1.

89

بين الركن اليماني و الحجر؟ فأمره الإمام بترك اللزوم و المشي إلى طرف الحجر، و هذا دليل على أنّ الطواف بحيث تكون الكعبة على يساره.

2. صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوّذ، و هو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب فقل: اللهم- إلى أن قال:- ثمّ استلم الركن اليماني، ثمّ ائت الحجر فاختم به». (1)

3. صحيح معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك، و بلغت مؤخّر الكعبة و هو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت- إلى أن قال:- ثمّ ائت الحجر الأسود». (2)

الفرع الثاني: كون كتف الطائف محاذيا للبيت

إنّ الطواف على اليسار يجعل كتف الطائف محاذيا للبيت غالبا، إلّا أنّه إذا وصل إلى حجر إسماعيل تختلف الحال.

فحينما يتجاوز الركن و يصل إلى الفتحة الأولى لحجر إسماعيل فالكعبة تكون خلفه، و حينما يدور على الحجر و يقرب من الفتحة الثانية يقع البيت أمامه، نعم في وسط الحجر فقط تكون الكعبة على يساره. و لكنّه غير مضر، لأنّ الطواف على اليسار يلازم هذين الأمرين، و لذلك قال المصنف: فلو انحرف قليلا حين الوصول إلى حجر إسماعيل صحّ و إن تمايل البيت إلى خلفه. و الأولى أن يضيف إليه و يقول: «أو وقع البيت أمامه» لأنّ البيت يقع خلفه عند العبور من الفتحة الأولى كما يقع أمامه عند الوصول إلى الفتحة الثانية.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 26 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 26 من أبواب الطواف، الحديث 4. و لاحظ صحيحه الآخر برقم 5.

90

[المسألة 8: الاحتياط بكون البيت في جميع الحالات على الكتف الآخر]

المسألة 8: الاحتياط بكون البيت في جميع الحالات على الكتف الآخر و إن كان ضعيفا جدا، و يجب على الجهال و العوام الاحتراز عنه لو كان موجبا للشهرة و وهن المذهب، لكن لا مانع منه لو فعله عالم عاقل بنحو لا يكون مخالفا للتقية أو موجبا للشهرة.* (1)

____________

(1)* عقد هذه المسألة لأجل ملاحظة أمرين، فمن جانب يجب أن يكون البيت في جميع الحالات على الكتف الأيسر. و من جانب آخر أنّه إذا تجاوز الركن و وصل إلى الفتحة الأولى من حجر إسماعيل يخرج البيت عن كتفه الأيسر و يقع البيت خلفه، فالجمع بينهما أمر مشكل.

و الجواب هو عدم وجوب كون البيت في جميع الحالات على الكتف الأيسر، إنّما الواجب الطواف على يسار البيت، و البيت في جميع الحالات على يسار الطائف.

ثمّ إنّ مراده من قوله: «و يجب على الجهال و العوام الاحتراز عنه» هو ما يفعله بعض الناس من التمايل إلى اليسار بعد التجاوز عن الركن و قبل الوصول إلى الفتحة الأولى للحجر و التمايل إلى اليمين قبل الفتحة الثانية.

قال المحقّق النائيني في مناسكه تبعا للشيخ الأنصاري فيها: و ينبغي التباعد في الطواف عن البيت، و التحفّظ على القياس المذكور عند فتحتي الحجر و عند الأركان؛ و إن كان الأقوى عدم لزوم المداقّة. (1) و علله السيد الحكيم بقوله:

للصدق و السيرة.

و من المعلوم أنّ التمايل إلى اليسار قبل الفتحة الأولى و إلى اليمين قبل‌

____________

(1). دليل الناسك: 251.

91

[المسألة 9: لو طاف على خلاف المتعارف في بعض أجزاء شوطه]

المسألة 9: لو طاف على خلاف المتعارف في بعض أجزاء شوطه مثلا- كما لو صار بواسطة المزاحمة وجهه إلى الكعبة أو خلفه إليها أو طاف على خلفه على عكس المتعارف- يجب جبرانه، و لا يجوز الاكتفاء به.* (1)

[المسألة 10: لو سلب بواسطة الازدحام الاختيار منه في طوافه]

المسألة 10: لو سلب بواسطة الازدحام الاختيار منه في طوافه، فطاف و لو على اليسار بلا اختيار وجب جبرانه باختيار، و لا يجوز الاكتفاء بما فعل.** (2)

____________

الفتحة الثانية، إذا قامت به الشيعة جماعيّا، يوجب الشهرة و التميّز دون أن يفهم المخالف وجهه و هو أمر غير ممدوح، نعم لو قام به فرد أو فردان، لا تترتب عليه تلك المفسدة.

(1)* وجهه مخالفة المأتي به للمأمور به فتجب إعادة خصوص ما صار مخالفا للمأمور به دون ما أتى به صحيحا، و ليس الطواف كالصلاة حيث إنّ وقوع بعض أجزائها على خلاف المأمور به يوجب بطلان ما وقع صحيحا، و الفارق وجود الدليل في الصلاة دون المقام.

نعم لو صار خصوص وجهه إلى الكعبة دون أن يخرج البيت عن يساره فالظاهر صحّة ما أتى في هذه الحالة، فما في المتن من الحكم بالبطلان فيما إذا صار خصوص وجهه نحو الكعبة ناظر فيما إذا خرج البيت عن يساره‌

(2)** لأنّ الطواف من الأمور التعبدية أو القربية المشروطة بالاختيار كلا و جزءا، فالصادر بلا اختيار غير مأمور به فلا يكون مجزيا.

إنّما الكلام في الجزء اليسير منه، فهل هو معفو عنه أو لا؟ و الظاهر هو الأوّل، لأنّ الزحام لا يخلو من ذلك، و كان الزحام موجودا في عصر أئمّة أهل‌

92

[المسألة 11: يصحّ الطواف بأي نحو من السرعة و البطء]

المسألة 11: يصحّ الطواف بأي نحو من السرعة و البطء ماشيا و راكبا، لكن الأولى المشي اقتصادا.* (1)

____________

البيت (عليهم السلام) فلو كان مضرا لوجب التنبيه عليه، و بذلك يعلم وجه ما ذكره صاحب المدارك في غير هذا المقام حيث قال: و لو استقبله بوجهه أو استدبره أو جعله على يمينه و لو في خطوة منه لم يجزئه و وجب عليه الإعادة. و لا يقدح في جعله على اليسار، الانحراف اليسير إلى جهة اليمين قطعا. (1)

و تبعه صاحب الجواهر فقال: نعم، لا يقدح في جعله على اليسار الانحراف على جهة اليمين قطعا. (2)

و الظاهر أنّ الأمر اليسير غير مضر في عامّة المراتب.

(1)* قال في «الشرائع»: و أن يكون في طوافه مقتصدا في مشيه. (3)

و قال في «المسالك»: الاقتصاد في المشي التوسّط فيه بين الإسراع و البطء. (4)

و يدلّ عليه أوّلا: أنّ الملاك هو استناد الحركة إليه، و هو موجود في الحركة السريعة و البطيئة و في الركوب بشرط أن تكون الحركة و الوقوف تابعين لإرادته، إلّا أن يكون من مقولة الإطافة.

و ثانيا: الروايات التالية:

1. مرسلة حماد بن عيسى، عمّن أخبره، عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: دخلت عليه يوما و أنا أريد أن أسأله عن مسائل كثيرة- إلى أن قال:- قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم:

«ما من طائف يطوف بهذا البيت حين تزول الشمس حاسرا عن رأسه، حافيا‌

____________

(1). مدارك الأحكام: 8/ 128.

(2). الجواهر: 19/ 292.

(3). الشرائع: 1/ 269.

(4). المسالك: 2/ 343.

93

[الرابع: إدخال حجر إسماعيل (عليه السلام) في الطواف]

الرابع: إدخال حجر إسماعيل (عليه السلام) في الطواف، فيطوف خارجه عند الطواف حول البيت، فلو طاف من داخله أو على جداره بطل طوافه و تجب الإعادة، و لو فعله عمدا فحكمه حكم من أبطل الطواف عمدا كما مرّ، و لو كان سهوا فحكمه حكم إبطال الطواف سهوا. و لو تخلّف في بعض الأشواط فالأحوط إعادة الشوط، و الظاهر عدم لزوم إعادة الطواف و إن كانت أحوط.* (1)

____________

يقارب بين خطاه و يغضّ بصره ...». (1)

2. رواية عبد الرحمن بن سيابة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطواف فقلت: أسرع و أكثر، أو أبطئ قال (عليه السلام): «مشي بين مشيين». (2)

و لا يتعيّن الاقتصاد، بل يجوز مسرعا و مبطئا، ففي صحيحة سعيد الأعرج، قال: إنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسرع و المبطئ في الطواف؟ فقال: «كلّ واسع ما لم يؤذ أحدا». (3)

و أمّا جوازه راكبا ففي رواية عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «طاف رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم على ناقته العضباء، و جعل يستلم الأركان بمحجنه و يقبّل المحجن». (4)

(1)* هنا فروع ثلاثة:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 5 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 29 من أبواب الطواف، الحديث 4.

(3). الوسائل: 9، الباب 29 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 81 من أبواب الطواف، الحديث 1. و المحجن عصا في رأسها اعوجاج.

94

1. إدخال حجر إسماعيل في الطواف.

2. حكم من لم يدخل الحجر في الطواف عمدا أو سهوا.

3. حكم من تخلّف في بعض الأشواط.

الفرع الأوّل: وجوب إدخال الحجر في الطواف

الحجر- بكسر الحاء و سكون الجيم- هو الموضع المحاط بجدار مقوس تحت ميزاب الكعبة في الجهة الشمالية من الكعبة، و دخول الحجر في الطواف أمر مشهور بين الفريقين.

قال في «الخلاف»: الطواف يجب أن يكون حول البيت و الحجر معا، فإن سلك الحجر لم يعتد به. و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: إذا سلك الحجر أجزأه. (1)

و في «الموسوعة الفقهية الكويتية»: دخول الحجر في الطواف واجب، لأنّ كونه جزءا من البيت ثبت بخبر الواحد، و خبر الواحد يثبت به الوجوب لا الفرض. (2)

و قال المحقّق: ... و أن يدخل الحجر في الطواف. (3)

و في «المدارك»: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب أيضا. (4)

قال في «الجواهر» بعد قول المحقّق «أن يدخل الحجر في الطواف»: بلا خلاف أجده. (5)

____________

(1). الخلاف: 2/ 324، المسألة 132.

(2). الموسوعة الفقهية الكويتية: 29/ 128.

(3). الشرائع: 1/ 267.

(4). المدارك: 8/ 128.

(5). الجواهر: 19/ 229.

95

و تدلّ عليه روايات المنع عن الاختصار في الشوط.

1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر، قال: «يعيد ذلك الشوط». و رواه الصدوق عن ابن مسكان مثله، إلّا أنّه قال: «يعيد الطواف الواحد». (1) و المراد به هو الشوط.

2. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من اختصر في الحجّ في الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود». (2)

إلى غير ذلك من الروايات.

و على ضوء ذلك فيجب الطواف خارج الحجر، فلو طاف من داخله أو على جداره بطل طوافه و تجب الإعادة، من غير فرق بين كونه من البيت أو لا.

قال في «المدارك»: و اعلم أنّ وجوب إدخال الحجر في الطواف لا يستلزم كونه من البيت. بل الأصح أنّه ليس منه، كما يدلّ عليه صحيح معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحجر أ من البيت هو، أو فيه شي‌ء من البيت؟

قال: «و لا قلامة ظفر، و لكن إسماعيل دفن أمّه فيه فكره أن يوطّأ فحجر عليه حجرا، و فيه قبور الأنبياء». (3)

و نقل العلّامة عن الشافعي: أنّ الّذي هو من البيت من الحجر قدر ستة أذرع تفصل بالبيت، لأنّ عائشة قالت: نذرت أن أصلّي ركعتين في البيت، فقال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «صل في الحجر، فإنّ ستة أذرع منه من البيت». (4)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). المصدر و الباب نفسه، الحديث 3.

(3). المدارك: 8/ 129.

(4). التذكرة: 8/ 91.

96

و حصيلة الكلام: انّ الإمامية اتّفقت على أمرين:

1. وجوب إدخال الحجر في الطواف.

2. عدم كون الحجر من البيت.

فوجوب إدخاله في الطواف لا يلازم كونه من البيت. نعم نقل العلّامة في «التذكرة» ما يخالف ذلك الاتفاق ننقل كلامه إذ فيه فوائد قال: وجب أن يبتدئ في الطواف من الحجر الأسود الّذي في الركن العراقي؛ فإنّ البيت له أربعة أركان:

ركنان يمانيّان، و ركنان شاميّان، و كان لاصقا بالأرض، و له بابان: شرقيّ و غربيّ، فهدمه السيل قبل مبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بعشر سنين، و أعادت قريش عمارته على الهيئة الّتي هو عليها اليوم، و قصرت الأموال الطيّبة و الهدايا و النذور عن عمارته، فتركوا من جانب الحجر بعض البيت.

روت عائشة: أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «ستّة أذرع من الحجر من البيت».

فتركوا بعض البيت من جانب الحجر خارجا؛ لأنّ النفقة كانت تضيق عن العمارة، و خلّفوا الركنين الشاميّين عن قواعد إبراهيم (عليه السلام)، و ضيّقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الّذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا، و هو الّذي يسمّي: الشاذروان.

و روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم قال لعائشة: «لو لا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت و بنيته على قواعد إبراهيم (عليه السلام)، فألصقته بالأرض، و جعلت له بابين شرقيّا و غربيّا».

ثمّ هدمه ابن الزبير أيّام ولايته، و بناه على قواعد إبراهيم (عليه السلام)، كما تمنّاه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم.

ثمّ لمّا استولى عليه الحجّاج، هدمه، و أعاده على الصورة الّتي عليه اليوم، و هي بناء قريش و الركن الأسود، و الباب في صوب الشرق و الأسود، و هو أحد‌

97

الركنين اليمانيّين، و الباب بينه و بين أحد الشاميّين، و هو الّذي يسمّى عراقيّا أيضا، و الباب إلى الأسود أقرب منه إليه، و يليه الركن الآخر الشامي، و الحجر بينهما، و الميزاب بينهما، و يلي هذا الركن اليماني الآخر الّذي عن يمين الأسود. (1)

الفرع الثاني: حكم من لم يدخل الحجر عمدا أو سهوا

إنّ من لم يدخل الحجر في طوافه، يبطل طوافه، و بما أنّه ركن يختلف حكم العامد و الناسي مع اشتراكهما في بطلان طوافهما، فالعامد تبطل عمرته إلى وقت فوته، إذا ضاق الوقت عن إتيانه، و إتيان سائر أعمال العمرة و إدراك الوقوف بعرفات، و إلّا فيعدل إلى حج الإفراد على النحو المذكور في المسألة الأولى.

و أمّا الناسي فيجب الإتيان به في أي وقت أمكنه، و إن رجع إلى محلّه و أمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، و إلّا استناب لإتيانه. حسب ما مرّ فيها.

الفرع الثالث: حكم من تخلّف في بعض الأشواط

من اختصر شوطا في الحجر هل يجب عليه إعادة ذلك الشوط وحده، أو تجب إعادة الطواف من رأس؟ وجهان، و الظاهر هو الأوّل للتصريح به في صحيح الحلبي و ظهور البعض الآخر فيه. نظير:

1. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر، قال: «يعيد ذلك الشوط». (2) و الرواية صريحة في إعادة الشوط الذي وقع فيه الاختصار، و بذلك يرتفع الإبهام في بعض الروايات‌

____________

(1). التذكرة: 8/ 86- 87.

(2). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 1.

98

التالية. و احتمال إعادة المقدار الذي تركه لأجل السلوك في الحجر فهو غير محتمل في هذه الرواية.

2. و في رواية الصدوق، عن ابن مسكان: يعيد الطواف الواحد. (1)

و الظاهر انّ المراد هو الشوط الواحد من باب تسمية الجزء باسم الكلّ. و الظاهر وحدة الروايتين و سقوط الحلبي في سند الصدوق.

3. حديث حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يطوف بالبيت فيختصر في الحجر قال (عليه السلام): «يقضي ما اختصر من طوافه». (2)

في الحديث احتمالان:

1. أن يكون المراد من الموصول «ما اختصر هو الشوط» و يكون «من» في «من طوافه» للتبعيض.

2. أن يكون المراد من الموصول، المقدار الذي اختصره و لم يسلكه لأجل الدخول في الحجر، و يكون «من» في قوله «من طوافه» بيانيّة.

و الظاهر هو الأوّل، بقرينة صحيحة الحلبي، مضافا إلى استبعاد الاكتفاء بقضاء المقدار الذي تركه لأجل الدخول في الحجر فانّ مآل ذلك إلى عدم رعاية الترتيب في أجزاء الشوط الواحد.

4. صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من اختصر في الحجر في الطواف، فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود». (3)

و ظاهره إعادة نفس الطواف لأجل وقوع الاختصار في عامة أشواطه و لكن الظاهر يحمل على ما في صحيح الحلبي.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، ذيل الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(3). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 3.

99

[الخامس: أن يكون الطواف بين البيت و مقام إبراهيم (عليه السلام)]

الخامس: أن يكون الطواف بين البيت و مقام إبراهيم (عليه السلام) و مقدار الفصل بينهما في سائر الجوانب، فلا يزيد عنه، و قالوا: إنّ الفصل بينهما ستة و عشرون ذراعا و نصف ذراع، فلا بدّ أن لا يكون الطواف في جميع الأطراف زائدا على هذا المقدار.* (1)

____________

5. ما رواه إبراهيم بن سفيان قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): امرأة طافت طواف الحجّ فلمّا كانت في الشوط السابع اختصرت و طافت في الحجر و صلّت ركعتي الفريضة وسعت و طافت طواف النساء ثمّ أتت منى، فكتب (عليه السلام):

«تعيد». (1) فهو مجمل مردد بين إعادة نفس الشوط أو الطواف فيحمل على الأوّل بقرينة صحيح الحلبي.

(1)* كون المطاف بين البيت و مقام إبراهيم (عليه السلام) هو المعروف بين الأصحاب.

أقول: هناك أمور ثلاثة أوجبت حرجا في الحجّ في زماننا هذا:

الأوّل: تحديد المطاف بما بين البيت و المقام.

الثاني: تحديد المطاف خلف حجر إسماعيل بستة أذرع و نصف، بناء على أنّ المبدأ لستة و عشرين ذراعا و نصف هو جدار البيت في حجر إسماعيل لا جدار الحجر.

الثالث: وجوب صلاة ركعتي الطواف خلف المقام.

و قد ذكر المصنّف الأمر الأوّل في هذا المقام و المسألة الثانية عشرة، كما ذكر الأمر الثاني في المسألة الثالثة عشرة. و سيأتي الثالث في مورده. و إليك التفصيل:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 4.

100

الأوّل: حدّ المطاف في كلمات الأصحاب

ذهب أكثر فقهاء الشيعة إلى أنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين البيت و المقام الموجود حاليا، و نص على ذلك جلّهم، و إليك بعض النصوص:

1. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا تباعد من البيت حتّى يطوف بالسقاية و زمزم لم يجزه. و قال الشافعي: يجزيه. (1)

2. قال الشيخ في «المبسوط»: و ينبغي أن يكون طوافه فيما بين المقام و البيت و لا يجوزه، فإن جاز المقام و تباعد عنه لم يصح طوافه. (2)

3. و قال في «النهاية»: و ينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين المقام و البيت و لا يجوزه، فإن جاز المقام أو تباعد عنه لم يكن طوافه شيئا. (3)

و ذيل العبارة في الكتابين يدلّ على أنّ مراده من قوله «ينبغي» هو الوجوب.

4. و قال ابن البراج: و يجب أن يكون طوافه بين المقام و البيت. (4)

5. و قال ابن زهرة: و الواجب في الطواف النية- إلى أن قال:- و أن يكون بين البيت و المقام، فمن ترك شيئا من ذلك لم يجزه الطواف. (5)

6. و قال ابن إدريس: ينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين مقام إبراهيم (عليه السلام) و البيت يخرج المقام في طوافه، و يدخل الحجر في طوافه و يجعل الكعبة في شماله، فمتى أخلّ بهذه الكيفية أو نسي منها بطل طوافه. (6)

____________

(1). الخلاف: 2/ 324، المسألة 133.

(2). المبسوط: 1/ 357.

(3). النهاية: 237.

(4). المهذب: 1/ 233.

(5). الغنية: 172.

(6). السرائر: 1/ 572.

101

7. قال العلّامة: يجب عندنا أن يكون الطواف بين البيت و المقام، و يدخل الحجر في طوافه، فلو طاف في المسجد خلف المقام لم يصحّ طوافه، لأنّه خرج بالتباعد عن القدر الواجب فلم يكن مجزئا.

و قال الشافعي: لا بأس بالحائل بين الطائف و البيت كالسقاية و السواري، و لا بكونه في آخر باب المسجد و تحت السقف، و على الأروقة و السطوح إذا كان البيت أرفع بناء على ما هو اليوم، فإن جعل سقف المسجد أعلاه لم يجز الطواف على سطحه ... إلى أن قال: و لو اتّسعت خطة المسجد اتّسع المطاف، و قد جعلته العباسية أوسع ممّا كان في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (1)

8. و قال في «المنتهى»: و يجب أن يكون [الطواف] بين البيت و المقام. (2)

9. و قال في «المدارك»: و أمّا أنّه يعتبر كون الطواف واقعا بين البيت و المقام بمعنى كونه في المحل الخارج عن جميع البيت و الداخل عن جميع المقام، فهو المعروف من مذهب الأصحاب. (3)

10. و قال في «الجواهر»: لا خلاف معتد به أجده في وجوب كون الطواف بينه و بين البيت، بل عن «الغنية» الإجماع عليه. (4)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يقف عليها المتتبع في الكتب، و مع ذلك فقد خالف المشهور قليل من الأصحاب كالصدوق و المحقّق الأردبيلي و سيوافيك كلامهما في المسألة الثانية عشرة.

____________

(1). التذكرة: 8/ 93- 94.

(2). المنتهى: 10/ 320.

(3). المدارك: 8/ 130.

(4). الجواهر: 19/ 295.

102

و أمّا السنّة فقد عرفت اتّفاقهم على جواز الطواف داخل المقام و خارجه من غير فرق بين مكان دون مكان ما دام في المسجد كما مرّ عن العلّامة، و في الموسوعة الفقهية الكويتية: مكان الطواف هو حول الكعبة المشرفة داخل المسجد الحرام قريبا من البيت أو بعيدا عنه، فلو طاف من وراء مقام إبراهيم (عليه السلام)، أو من وراء حائل كمنبر أو غيره كالأعمدة، أو على سطح المسجد الحرام أجزأه ذلك، لأنّه قد حصل حول البيت ما دام ضمن المسجد و إن وسّع المسجد، و مهما توسّع ما لم يبلغ الحل عند الجمهور، لكن خصّت المالكية الطواف بالسقائف بصورة الزحام. (1)

و أمّا كون الفصل بين البيت و المقام ستة و عشرين ذراعا و نصف ذراع، فهذا هو المعروف و المشهور، و أمّا حسب المتر فالحدّ الفاصل 12 مترا.

دليل التحديد

قد عرفت أنّ هذا هو القول المعروف، و الدليل الوحيد- سوى الشهرة- صحيحة محمد بن مسلم- حسب ما رواه الكليني- قال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الّذي من خرج منه لم يكن طائفا بالبيت؟ قال: «كان الناس على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يطوفون بالبيت و المقام، و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، و الحد قبل اليوم و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنّه طاف في غير حدّ، و لا طواف له». (2)

و الاستدلال بالرواية فرع صحّة السند و إتقان الدلالة.

____________

(1). الموسوعة الفقهية الكويتية: 29/ 127.

(2). الوسائل: 9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث 1.

103

و أمّا السند فرواه في «الوسائل»: عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى و غيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى؛ و لكن الموجود في «التهذيب»:

محمد بن يحيى، عن غير واحد، عن أحمد بن محمد بن عيسى. (1)

و السند على ما في «التهذيب» نقلا عن الكليني لا غبار عليه، و الجميع ثقات إلّا ياسين الضرير، فقد عرفه النجاشي و قال: «الزيات البصري، لقى أبا الحسن (عليه السلام) لمّا كان بالبصرة و روى عنه، و صنّف هذا الكتاب المنسوب إليه».

و قال الشيخ الطوسي: «له كتاب، و للصدوق إليه طريق».

و على هذا فلم يوثّقه العلمان لكن حسّنه في «الوجيزة» و قال المحقّق الداماد حديثه قويّ له أكثر من إحدى و ثلاثين رواية في الكتب الأربعة. (2)

على هذا فالرواية حسنة، و على فرض الضعف فعمل المشهور جابر لضعفها، فقد عرفت ذهاب المشهور إلى الإفتاء بمضمونها و ليس في المقام رواية سواها، فيظهر اعتمادهم عليها.

هذا كلّه حول السند، و أمّا الدلالة فالرواية تتحدّث عن أمرين:

الأوّل: حدّ المطاف و أنّه بين المقام و البيت، و انّ الحدّ قبل اليوم و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها. و لا يظهر من الرواية أي إبهام في ذلك، و لو كان فيها شي‌ء من إبهام فهو بالنسبة للأمر التالي.

الثاني: انّ المقام كان في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متصلا بالبيت، لكنّه الآن في مكان آخر، و هذا هو الذي لا يرضى به الإمام. و ليس بين الفقرتين صلة حتّى يكون الغمض على الثانية سببا للغمض على الأولى.

و بذلك يظهر النظر فيما ذكره صاحب الجواهر من الاختلاف بين الفقرتين‌

____________

(1). التهذيب: 5/ 108، رقم الحديث 351.

(2). الموسوعة الرجالية الميسرة: 497.

104

و يقول: و كأن لا وجه ما فيه من الاختلاف بين اليوم و عهده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع قوله (عليه السلام):

«و الحد قبل اليوم و اليوم واحد». (1)

يلاحظ عليه: أنّه لا اختلاف بين الفقرتين، و انّما الاعتراض يتوجّه إلى الأمر الثاني لا إلى الأمر الأوّل، فدلالة الرواية على لزوم الطواف بين البيت و المقام الموجود حاليا ممّا لا غبار عليه. و أمّا الأمر الثاني فسيأتي به في آخر البحث.

ثمّ إنّه يظهر من رواية محمد بن علي الحلبي جواز الطواف خارج المقام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطواف خلف المقام؟ قال: «ما أحب ذلك و ما أرى به بأسا، فلا تفعله إلّا أن لا تجد منه بدا». (2) و من كان عارفا بكلماتهم (عليه السلام) يرى أنّ الإمام ابتلى بالتقية حيث قد عرفت أنّ العامة قاطبة لا يرون المطاف حدّا سوى كونه في المسجد، و بما أنّ الطواف خارج المقام كان غير صحيح قال الإمام (عليه السلام):

«ما أحبّ ذلك»، و لمّا كان هذا مخالفا للتقية أردفه بقوله: «و ما أرى به بأسا»، ثمّ قال: «فلا تفعله إلّا أن لا تجد منه بدا». فالرواية ليست معرضا عنها و إنّما وردت في مورد التقية، و التنافي بين الفقرتين لأجل الجمع بين بيان الحكم الواقعي و حفظ التقية، فلم يكن بد للإمام إلّا أن يتكلم بشكل يجمع بين الأمرين. نعم الحديث يدلّ على الجواز عند الاضطرار و سيأتي الكلام فيه في المسألة التالية.

بحث تاريخي حول المقام

قد عرفت أنّ الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في دلالة الرواية على تحديد المطاف، و قد مرّ بيانه.

____________

(1). الجواهر: 19/ 296.

(2). الوسائل: 9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث 2.

105

الثاني: دراسة موضع المقام و ما جرى عليه من نقل و تبديل.

و هذا هو بحث تاريخي نذكره في المقام على وجه الإيجاز.

فقد دلّت الروايات من طرقنا على كونه ملتصقا بالبيت في عصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إليك ما ورد من طرقنا:

1. رواية محمد بن مسلم الماضية فقد جاء فيها كان الناس على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم «يطوفون بالبيت و المقام» و لم تشر الرواية إلى الوقت الذي نقل المقام من جانب البيت إلى الموضع الحالي.

2. ما رواه الصدوق عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قد أدركت الحسين (عليه السلام)؟ قال: «نعم أذكر و أنا معه في المسجد الحرام و قد دخل فيه السيل و الناس يقومون على المقام يخرج الخارج فيقول: قد ذهب به السيل، و يدخل الداخل فيقول: هو مكانه، قال: فقال: يا فلان ما يصنع هؤلاء؟ فقلت:

أصلحك اللّه تعالى يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام، فقال لهم: إنّ اللّه عزّ و جلّ جعله علما لم يكن يذهب به فاستقروا، و كان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم مكة ردّه إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم (عليه السلام) فلم يزل هناك إلى أن تولّى عمر فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟ فقال رجل: أنا كنت قد أخذت مقداره بتسع، فهو عندي، فقال: ائتني به، فأتاه به فقاسه فردّه إلى ذلك المكان». (1)

هاتان الروايتان متفقتان على أنّ المقام كان ملتصقا بالبيت في عصر الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم، غير أنّ الرواية الثانية تذكر بأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو الذي أزاله من مكانه‌

____________

(1). الفقيه: 2/ 158 الرقم: 681.

106

الحالي و ألصقه بالبيت في عام فتح مكة، غير أنّ الخليفة الثاني ردّه إلى مكانه الحالي.

و يؤيد هذا المضمون ما حكاه صاحب الجواهر عن الطبري أنّ قريشا في الجاهلية، كانت قد ألصقته بالبيت خوفا عليه من السيول، و استمر كذلك في عهد النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و عهد أبي بكر، فلمّا ولي عمر ردّه إلى موضعه الحالي، الذي هو مكانه في زمن الخليل (عليه السلام). (1) و هذه الروايات الثلاث مع الاختلاف في وجود المضامين متفقة على أنّ المقام كان ملتصقا بالبيت في عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أو هو الذي ألصقه بالبيت كما في رواية زرارة.

نعم يرد على ما رواه الطبري في ذيل كلامه «فلمّا ولي عمر ردّه إلى موضعه الحالي الذي هو مكانه في زمان الخليل (عليه السلام)». هو أنّه لو كان الأمر كما ذكره الطبري- و انّ موضعه في زمن الخليل (عليه السلام) كان موقعه الحالي- فالنبي أولى بردّه إلى مكانه اليوم.

فلما ذا لم ينقله حتّى قام عمر بذلك؟! و الظاهر أنّ الذيل غير صحيح.

و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الخليفة الثاني أزاله من مكانه و جعله في المقام لأجل رفع الزحام، إذ لو كان ملصقا بالبيت لضاق المطاف بالطائفين، لأنّ جماعة منهم يصلون وراء المقام، فلأجل إزالة الزحام من مكانه و جعله في نهاية المطاف، و هذا النوع من العمل كثير في حياة الخلفاء حيث كانوا يعملون بالمصالح أمام التشريع. و لكن تغيير مكان المقام الذي هو حجر فيه أثر قدمي إبراهيم، لا يؤثر في مقدار المطاف.

هذا و يظهر من الأزرقي (المتوفّى عام 222) في كتاب «أخبار مكة» غير ما ورد في هذه الروايات، إذ هو يعتقد بأنّ موضع المقام هو موضعه اليوم في الجاهلية و في عهد النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و أبي بكر و عمر، إلّا أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر إلى أسفل‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 296.

107

مكة ثمّ وجدوه و جعلوه ملصقا بالبيت، فلمّا جاء عمر في شهر رمضان ردّه إلى مكانه اليوم، و إليك نصّ كلامه في كتابه «أخبار مكة و ما فيها من الآثار»: قال:

حدثني جدّي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الّذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية و في عهد النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أبي بكر و عمر، إلّا أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتّى قدم عمر فردّه بمحضر الناس.

و قال أيضا: ... حتّى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب يقال له: سيل أم نهشل، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتّى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة في وجهها، و كتب في ذلك إلى عمر، فأقبل عمر فدخل بعمرة في شهر رمضان و قد غبي موضعه و عفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال:

أنشد اللّه عبدا عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن و من موضعه إلى باب الحجر، و من موضعه إلى زمزم بمقاط، و هو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلس عندي، و أرسل إليها فأتي بها فمدّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس و شاورهم فقالوا: نعم هذا موضعه، فلمّا استثبت ذلك عمر و حقّ عنده أمر به، فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثمّ حوله فهو في مكانه هذا إلى اليوم. (1) و اللّه العالم.

____________

(1). أخبار مكة: 2/ 33- 35.

108

[المسألة 12: لا يجوز جعل مقام إبراهيم داخلا في طوافه]

المسألة 12: لا يجوز جعل مقام إبراهيم داخلا في طوافه، فلو أدخله بطل، و لو أدخله في بعضه أعاد ذلك البعض، و الأحوط إعادة الطواف بعد إتمام دوره بإخراجه.* (1)

____________

(1)* في المسألة فرعان:

1. بطلان الطواف لو أدخل المقام في طوافه.

2. لزوم إعادة ما فات إذا أدخله.

أمّا الأوّل: فهو مقتضى صحيح محمد بن مسلم مع الشهرة المحقّقة بين الأصحاب، و قد صرّح الإمام فيه بأنّ من طاف في غير هذا الحد كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد»، و قد خالف فيه الصدوق في «الفقيه» و الأردبيلي في «مجمع الفائدة».

أمّا الأوّل فإنّه روى حديث الحلبي (1) الذي يتضمن عدم البأس بالطواف خارج الحدّ، بناء على أنّ نقل الرواية يلازم الإفتاء بمضمونها في كتاب «الفقيه» على ما يظهر من مقدّمته.

و أمّا الثاني: فإنّه بعد ما نقل رواية الحلبي قال: إنّها ظاهرة في الجواز خلف المقام على سبيل الكراهة و تزول مع الضرورة. (2)

و على ما ذكرنا فالمخالف ينحصر فيهما.

نعم نقل العلّامة الجواز عن ابن الجنيد عند الضرورة حيث قال: اضطرّ أن يطوف خارج المقام أجزأه. (3) و يظهر من «التذكرة» انّه اختاره حيث قال بعد نقل‌

____________

(1). الفقيه: 2/ 399، الباب 219 ما جاء في الطواف. و مضى نصّ الحديث.

(2). مجمع الفائدة و البرهان: 7/ 87.

(3). المختلف: 4/ 183.