الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
109

خبر الفقيه: و هو يعطي الجواز مع الحاجة كالزحام. (1)

و الأقوى جوازه عند العسر و الحرج و ذلك لأمرين:

1. مضافا إلى قاعدة الحرج، رواية الفقيه فقد عرفت أنّ الرواية غير معرض عنها، و قد جاء فيها الجواز عند الضرورة.

2. انّه سبحانه يأمر مجموع الحجيج الحاضرين في المسجد بالطواف بقوله: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. (2) هذا من جانب.

و من جانب آخر يقول سبحانه: وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. (3)

فمقتضى دعوة الحاضرين في المسجد إلى الطواف مع رعاية عدم تسبب الحرج، هو كون المطاف في هذه الظروف أوسع من الحدّ المذكور مع ملاحظة الأقرب فالأقرب.

و ربّما يقال بوجوب الاستنابة عند عدم الاستطاعة، أو إذا كان حرجيّا.

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الطواف حرجيا على أكثر الطائفين فكيف يمكن الاستنابة؟ نعم إذا كان الابتلاء مورديا صحّ ما احتمل، و إلّا فلو كان ممّا تبتلى به العامّة، فالطواف نيابة يصبح أيضا حرجيا.

هذا كلّه حول الفرع الأوّل.

الفرع الثاني: لو أدخله، أعاد ذلك البعض، دون الشوط كلّه لعدم الدليل على إعادة تمام الشوط، و إن كان الأولى إتمام الشوط بإعادة ذلك البعض ثمّ إعادة الطواف.

____________

(1). التذكرة: 4/ 183.

(2). الحج: 29.

(3). الحج: 78.

110

[المسألة 13: يضيق محل الطواف خلف حجر إسماعيل بمقداره]

المسألة 13: يضيق محل الطواف خلف حجر إسماعيل بمقداره.

و قالوا بقي هناك ستة أذرع و نصف تقريبا، فيجب أن لا يتجاوز هذا الحد، و لو تخلّف أعاد هذا الجزء في الحدّ.* (1)

____________

(1)* هذه هي المسألة الثانية التي اتّفقت أنظار الفقهاء عليها.

توضيحه:

إنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين الكعبة و مقام إبراهيم، و قد حدّد بستة و عشرين ذراعا و نصف ذراع و هو يقرب من 12 مترا، فعلى الطائف ألّا يخرج عن هذا الحد في الجوانب الأربعة من الكعبة إلّا عند الضرورة كما قلنا.

و اتّفقوا على أنّ مبدأ هذا الحد في الأضلاع الثلاثة هو جدار الكعبة.

و أمّا الضلع الذي يتّصل به حجر إسماعيل فهل يحسب الحدّ الفاصل من جدار الكعبة كما هو المشهور عند أكثر فقهائنا؛ أو يحسب من جدار الحجر إلى نهاية 12 مترا، كما عليه لفيف من المتقدّمين و المعاصرين؟

فلو قلنا بالاحتمال الأوّل يكون مقدار المسافة للطواف نحو ثلاثة أمتار، و هو يسبّب الحرج في أكثر الأوقات، و لازم ذلك أن يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة هو 12 مترا، و في الضلع المتّصل به حجر إسماعيل 3 أمتار.

و أمّا لو قلنا بالاحتمال الثاني، فبما أنّ مبدأ المسافة و هو خارج الحجر يكون المطاف نظير سائر الأضلاع، و بذلك يزول الحرج في غالب الأوقات.

ذهب المشهور إلى أنّ المبدأ هو البيت في ذلك الضلع أيضا، و لا حاجة لنقل كلماتهم و انّما نذكر كلمة من قال بخلافهم، و إليك مقتطفات من كلماتهم:

1. قال الشهيد الثاني في «الروضة»: و تحتسب المسافة من جهة الحجر من‌

111

خارجه و إن جعلناه خارجا من البيت. (1)

2. و قال أيضا في «المسالك»: و تجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات، فلو خرج عنها و لو قليلا بطل، و من جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت، و إن قلنا بخروجه عنه.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) تردّد فيما ذكر و قال: مع احتمال احتسابه (الحجر) منها على القول بخروجه و إن لم يجز سلوكه. (2)

3. و قال سبطه في «المدارك»: و قد قطع الأصحاب بأنّه يجب مراعاة قدر ما بين البيت و المقام من جميع الجهات، و في رواية محمد بن مسلم دلالة عليه، و تحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه و إن كان خارجا من البيت، لوجوب إدخاله في الطواف، فلا يكون محسوبا من المسافة. (3)

4. و قال المحقّق السبزواري في «الذخيرة»: و قد ذكر جماعة من المتأخّرين انّه يحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه، و منهم من قال: و إن كان خارجا من البيت، و منهم من علّله بوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوبا من المسافة. (4)

5. ما نقله المحقّق النراقي عن جماعة من المتأخّرين. (5)

6. و قال في «الجواهر»: نعم لا إشكال في احتساب المسافة من جهة الحجر من خارجه، بناء على أنّه من البيت، بل في «المدارك» و غيرها و إن قلنا بخروجه‌

____________

(1). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: 2/ 249.

(2). مسالك الأفهام: 2/ 333.

(3). مدارك الأحكام: 8/ 131.

(4). ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد: 628.

(5). مستند الشيعة: 12/ 76.

112

منه، لوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوبا من المسافة. (1) و إن استشكل في ما ذكره و زعم أنّه خلاف ظاهر الخبر و إليك نصه: قال سألته عن حدّ الطواف الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت؟ قال: «كان الناس على عهد رسول اللّه يطوفون بالبيت و المقام، و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحدّ موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف و الحدّ قبل اليوم، و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنّه طاف في غير حدّ و لا طواف له». (2)

استدل المشهور على أنّ المبدأ في جانب الحجر أيضا هو البيت لا جدار الحجر، بقوله «و الحدّ قبل اليوم و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها» فالمطاف عبارة عن ما بين المقام و البيت لا في نواح ثلاثة بل النواحي كلّها، و من تلك النواحي جانب الحجر.

هذا و يمكن أن يقال: إنّ في قوله: «قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها» احتمالين:

الأوّل: أن يكون الحديث في مقام بيان حدّ الابتعاد عن البيت و انّه لا يجوز أن يتباعد منه إلّا بمقدار ما بين البيت و المقام في الجوانب الأربع للبيت، و على هذا لا يجوز له أن يتباعد من البيت في جانب الحجر أيضا أزيد من اثني عشر مترا، و عندئذ يتضيّق المطاف من جانب الحجر و ينحصر بثلاثة أمتار، إذ لو تباعد أكثر منها، يكون الابتعاد من البيت أكثر من المقدار الملحوظ.

____________

(1). الجواهر: 19/ 298.

(2). الوسائل: 9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث 1.

113

الثاني: أن يكون بصدد بيان المسافة التي يصح للطائف أن يطوف من أي جزء منها من جوانب البيت و انّها عبارة عن قدر ما بين المقام و البيت من نواحي البيت كلّها، فالمسافة في عامة الجوانب واحدة، و على هذا يجب أن تكون المسافة في جهة الحجر بنفس المسافة من الجوانب الثلاثة، و هذا يلازم كون المطاف فيه أوسع من ثلاثة أمتار و ان يكون المبدأ هو حد الحجر، مع رعاية انحنائه، و ليس الاحتمال الأوّل أولى من الثاني.

و يؤيد الاحتمال الثاني أمران:

1. أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم طاف في عمرة القضاء مع أصحابه الذين صدّهم المشركون في العام الماضي، فهل يمكن أن يطوف هذا الجمّ الغفير في مسافة قليلة لا تتجاوز عن ثلاثة أمتار.

قال ابن هشام: ثمّ استلم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم الركن و خرج يهرول و يهرول أصحابه معه، حتّى إذا واراه البيت منهم و استلم الركن اليماني مشى حتّى يستلم الركن الأسود، ثمّ هرول كذلك ثلاثة أطواف و مشى سائرها. (1)

و قد شارك النبي في غزوة الحديبية حوالي 700 رجل، و لمّا صدّوا في ذلك العام، قضوا عمرتهم في السنة القادمة، و الظاهر أنّهم شاركوا في القضاء بلا استثناء.

قال ابن إسحاق: و خرج معه المسلمون ممّن كان صدّ معه في عمرته تلك، و هي سنة سبع، فلمّا سمع به أهل مكة خرجوا عنها. (2)

و من المعلوم أنّ طواف هؤلاء في زمان قليل من تلك المسافة الضيّقة، لا‌

____________

(1). السيرة النبوية: 2/ 371، عمرة القضاء.

(2). السيرة النبوية: 2/ 370، عمرة القضاء.

114

[السادس: الخروج عن حائط البيت و أساسه]

السادس: الخروج عن حائط البيت و أساسه، فلو مشى عليهما لم يجز و يجب جبرانه، كما لو مشى على جدران الحجر وجب الجبران و إعادة ذاك الجزء، و لا بأس بوضع اليد على الجدار عند الشاذروان، و الأولى تركه.* (1)

____________

يخلو من حرج، و لو كان واجبا لنصّ عليه النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المطاف من جانب الحجر أوسع و يساوي في السعة سائر الجوانب، فتدبّر.

2. انّ المسألة ممّا تبتلي بها العامّة، فلو كان المطاف في جانب الحجر ضيقا لورد في رواية و لسئل عنها، مع أنّه لم يرد في أي رواية.

فالأقوى كون المطاف في جانب الحجر أوسع، غاية الأمر لو أمكن الاحتياط لطاف في ثلاثة أمتار و لا يخرج منها، و إلّا يجزي الطواف في خارجها بلا إشكال.

(1)* وجوب الخروج عن حائط البيت في المسألة فروع:

1. خروج الطائف بعامة أجزاء بدنه عن البيت، و هو لا يتحقّق إلّا بالخروج عن حائط البيت و أساسه أيضا، فلو مشى عليهما لم يجز و يجب جبرانه.

2. لو مشى على جدران الحجر لم يجز و وجب إعادة ذلك الجزء.

3. حكم وضع اليد على الشاذروان.

و إليك دراستها واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: حكم الطواف على الحائط و أساس البيت

المراد من الحائط هو جدار البيت، كما أنّ المراد من أساسه هو الشاذروان،

115

و هو- على المشهور- ما نقّصته قريش من عرض أساس الكعبة حين ظهر على الأرض.

و في الموسوعة الكويتية: هو الجزء السفلي الخارج عن جدار البيت مرتفعا على وجه الأرض.

و أمّا ضبطه: ففي «مجمع البحرين»: الشاذروان- بفتح الذال- من جدار البيت الخ. (المجمع، مادة شذذ). و إليك بعض الكلمات:

قال المحقّق: و لو مشى على أساس البيت أو حائط الحجر لم يجزه، و المراد من أساس البيت هو الشاذروان. (1)

و قال العلّامة: و يجب أن يكون بجميع بدنه خارجا من البيت، فلا يجوز أن يمشي على شاذروان البيت، لأنّه من البيت، و الطواف المأمور به هو الطواف بالبيت، قال اللّه تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (2)، و إنّما يكون طائفا به لو كان خارجا عنه، و إلّا كان طائفا فيه. (3)

و الظاهر أنّ الأبنية المتأخّرة كان على ذلك الأساس، بمعنى أنّهم بنوا على ما نقصته قريش. و تقدم الكلام فيه في بناء الكعبة.

وجهه- على ما أشار إليه العلّامة- هو أنّ المشي على حائط البيت أو أساسه يوجب كون الطواف في البيت لا به، و قال سبحانه: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (4)، و على ذلك فلو مشى فيهما لم يجز و يجب إعادة ذلك الجزء، لا تمام الشوط لعدم الدليل عليه.

الفرع الثاني: لو مشى على حائط الحجر لم يجزئ

و تجب إعادة ذلك الجزء، لما عرفت من وجوب إدخاله في الطواف، سواء قلنا بكونه من البيت أو خارجا‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 267.

(2). الحج: 29.

(3). التذكرة: 8/ 90.

(4). الحج: 29.

116

[السابع: أن يكون طوافه سبعة أشواط]

السابع: أن يكون طوافه سبعة أشواط.* (1)

____________

عنه، و لا يتحقّق ذلك بالمشي على حائطه، فلو مشى عليه يجب جبرانه و إعادة ذلك الجزء، لعدم الدليل على إعادة تمام الشوط.

الفرع الثالث: وضع اليد على البيت حال الطواف، فهل يجوز للطائف مسّ جدار الكعبة بيده في موازاة الشاذروان؟ قال المصنّف: لا بأس بوضع اليد على الجدار عند الشاذروان و إن كان الأولى تركه. لكنّه يشكل، لأنّ مسّه على هذا الوجه يوجب وقوع بعض بدنه في البيت فلا يتحقّق الشرط، أعني: خروجه عن البيت، إلّا أن يقال إذا كان معظم بدنه خارجا عنه يصدق على أنّه طائف بالبيت، و لعلّ الثاني أقوى.

و بذلك يعلم أنّ وضع يده على جدار الحجر حكم وضعها على جدار البيت في موازاة الشاذروان.

(1)* الطواف سبعة أشواط اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الطواف سبعة أشواط، و المسألة من ضروريات مسائل الحجّ و عليها جرت السيرة بين عامة المسلمين، و لذلك لم يقع مورد السؤال، و إن وقع، فانّما سئل عمّا يتعلّق بالسبعة كالشك في عدد الأشواط، و القران بين الطوافين و غيرهما. كلّ ذلك يعرب عن كون الحكم أمرا مفروغا عنه.

نعم ورد الأمر بالسبعة في بعض الروايات كما سيوافيك. و لا بأس بذكر بعض الكلمات:

قال المحقّق: و أن يكمله سبعا. (1)

____________

(1). الشرائع: 1/ 267.

117

[المسألة 14. لو قصد الإتيان زائدا عليها أو ناقصا عنها بطل طوافه]

المسألة 14. لو قصد الإتيان زائدا عليها أو ناقصا عنها بطل طوافه و لو أتمّه سبعا، و الأحوط إلحاق الجاهل بالحكم، بل الساهي و الغافل بالعامد في وجوب الإعادة.* (1)

____________

و قال في «المدارك»: و أمّا وجوب إكمال السبع فموضع وفاق بين العلماء، و النصوص به مستفيضة، بل متواترة. (1)

و قال في «الجواهر» بعد قول المحقّق «و ان يكمله سبعا»: بلا خلاف أجده، و للإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص المستفيضة بل المتوافرة. (2)

روى الصدوق عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لعلي (عليه السلام): قال: «يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه عزّ و جلّ له في الإسلام- إلى أن قال صلى اللّه عليه و آله و سلم:- و لم يكن للطواف عدد عند قريش فسنّ لهم عبد المطلب سبعة أشواط، فأجرى اللّه عزّ و جلّ ذلك في الإسلام». (3)

و روى الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«طف بالبيت سبعة أشواط». (4)

(1)* من زاد أو نقص ملتفتا للموضوع الفرق بين المقام و ما سيوافيك في المسألة الثانية عشرة هو أنّ صورة العمل في المقام، محفوظة و هي مورد التفات للطائف فهو يعلم بأنّه يزيد أو ينقص‌

____________

(1). المدارك: 8/ 130.

(2). الجواهر: 19/ 295.

(3). الوسائل: 9، الباب 19 من أبواب الطواف، الحديث 1. و لاحظ بقية روايات الباب، و أيضا الباب 32 من أبواب الطواف.

(4). الوسائل: 9، الباب 20 من أبواب الطواف، الحديث 1.

118

بخلاف ما يأتي في تلك المسألة، فصورة العمل ليست محفوظة عند الطائف فهو يتصوّر أنّه لم يزد مع أنّه زاد.

ثمّ إنّ الداعي إلى الزيادة و النقيصة في المقام أحد الأمور التالية:

1. العمد و عدم المبالاة بالزيادة و النقيصة في إتيان الأوامر العبادية.

2. الجهل بالحكم الشرعي، و يحتمل جواز الزيادة و النقيصة.

3. نسيانه الحكم الشرعي و غفلته عنه مع الالتفات إلى الموضوع.

و على كلّ تقدير يزيد و ينقص مع العلم بكيفية عمله.

و هذا بخلاف ما يأتي، حيث إنّ صورة العمل غير معلومة للطائف، فهو يتصوّر أنّه يأتي بالمأمور، بلا زيادة على السبعة و لا نقيصة عنها، و لكن الصادر عنه على خلاف ما تصوّره.

إذا علمت ذلك فنقول: إنّ للمسألة صورا:

الأولى: إذا زاد أو نقص مع العلم و العمد

. لأجل عدم المبالاة في مقام الامتثال بالزيادة و النقيصة، و لا شك في بطلانه، لأنّ ما أتى به غير مأمور به، و ما أمر به لم يأت به.

و بذلك يعلم أنّه لا حاجة في الاستدلال على البطلان إلى الاستناد بالتشريع، كما عليه المحقّق النائيني حيث قال: فلو زاد أو نقص في ابتداء النيّة أو في أثنائها بطل على كلّ تقدير و كان آثما في تشريعه. (1)

و لعلّ ذكر «التشريع» للاستدلال على الإثم، لا لبطلان العمل. و على فرض كونه دليلا على البطلان، فقد أورد عليه السيد الحكيم بأنّ البطلان من جهة التشريع محل إشكال، لعدم ملازمته له ما لم يوجب إخلالا في قصد الأمر. (2)

____________

(1). دليل الناسك: 255.

(2). نفس المصدر.

119

و يمكن أن يقال: بأنّ العمل المحقّق للتشريع مبغوض، و المبغوض لا يكون مقرّبا، سواء أخلّ بقصد الأمر أم لا.

كما يمكن الاستدلال على البطلان بخبر عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة و كذلك السعي». (1)

و الاحتجاج بالحديث فرع صحّة سنده و اتّفاق دلالته.

أمّا السند فرواه الشيخ بسند صحيح عن موسى بن القاسم- الثقة- عن صفوان بن يحيى الثقة (المتوفّى سنة 210 ه‍)، عن عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن. المراد به، هو أبو الحسن الأوّل- أعني: موسى بن جعفر (عليهما السلام)- بقرينة رواية صفوان عنه بالواسطة، لأنّه يروي عن أبي الحسن الثاني- الرضا (عليه السلام)- بلا واسطة.

إنّما الكلام في عبد اللّه بن محمد فالظاهر أنّه عبد اللّه بن محمد الأهوازي الّذي ترجمه النجاشي و قال: ذكر بعض أصحابنا أنّه رأى له: مسائله لموسى بن جعفر (عليهما السلام). (2) و الرجل إماميّ و لكن لم يرد فيه توثيق، و الحديث بإطلاقه شامل للعامد.

ثمّ إنّ للزيادة العمديّة صورا ذكرها صاحب الجواهر سيوافيك بيانها في ضمن المسألة الثامنة عشرة، فانتظر.

هذا كلّه في الزيادة، و أمّا النقصان فمع فوات الموالاة- بناء على اعتبارها- فالبطلان ظاهر، إنّما الكلام مع عدم فواتها أو عدم اعتبارها فربّما يقال: إنّ البطلان غير ظاهر.

____________

(1). الوسائل: 19، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 11.

(2). رجال النجاشي: برقم 596.

120

يلاحظ عليه: أنّ العمل المحقّق للتشريع عمل مبغوض و هو لا يكون مقرّبا و إن أتمّه بعد.

الثانية: الزيادة و النقيصة مع الجهل بالحكم

هذا إذا كانت الزيادة و النقصان العمدية مع العلم بالحكم إنّما الكلام إذا كانتا عمدية مع الجهل بالحكم، فيمكن القول بالصحة، لأنّه من باب الخطأ في التطبيق.

توضيحه: أنّ الجاهل بالحكم بصدد امتثال الأمر الواقعي على نحو لو علم حدود المأمور به لا يزيد و لا ينقص قدر شعرة، و لكن لأجل الجهل به يتصوّر أنّه تجوز الزيادة، فهو يأتي بالطواف مع الشوط الزائد بقصد امتثال الأمر الواقعي، فيكون مقتضى القاعدة هو الصحّة، فالقربة متمشّية و هو يكفي في صحّة العمل و يلغي الزائد، و قد قصد امتثال الأمر الواقعي غير أنّه اشتبه عليه الأمر في تشخيصه.

نعم لو كان الإتيان بالزيادة على وجه التقييد على نحو لو لم يكن الشوط الثامن جزءا للواجب لما أتى بالطواف يبطل طوافه، لعدم كونه بصدد امتثال الأمر الواقعي.

و أمّا النقيصة لأجل الجهل فيتدارك إذا لم يخل بالموالاة.

و بذلك يعلم أنّ الاحتياط في المتن بوجوب الإعادة استحبابي إلّا في النقيصة إذا تخلّل الفعل الكثير، المفوّت للموالاة العرفية، هذا حسب الأدلّة الاجتهادية و معها لا حاجة إلى التمسّك بحديث الرفع. نعم مع فقدانها، يكون مقتضى حديث الرفع، صحّة ما آتاه.

121

[المسألة 15: لو تخيل استحباب شوط بعد السبعة الواجبة]

المسألة 15: لو تخيل استحباب شوط بعد السبعة الواجبة، فقصد أن يأتي بالسبعة الواجبة، و أتى بشوط آخر مستحب صحّ طوافه.* (1)

[المسألة 16: لو نقص من طوافه سهوا]

المسألة 16: لو نقص من طوافه سهوا، فإن جاوز النصف فالأقوى وجوب إتمامه إلّا أن يتخلّل الفعل الكثير، فحينئذ الأحوط الإتمام و الإعادة، و إن لم يجاوزه أعاد الطواف، لكن الأحوط الإتمام و الإعادة.** (2)

____________

الثالثة: إذا زاد أو نقص مع نسيان للحكم إذا زاد و نقص مع نسيان للحكم مع الالتفات إلى الموضوع و انّه زائد على السبعة أو ناقص عنها فيكون حكمه، حكم من زاد أو نقص جهلا، لأنّه من موارد الخطأ في التطبيق فتكون الصحّة هي مقتضى القاعدة، إلّا أنّ المصنّف ألحقه بالعامد احتياطا. و لكن الأقوى عدم الإلحاق و إن كان الإلحاق أحوط.

(1)* الإتيان بشوط استحبابا بعد السبعة إذا زاد شوطا بزعم الاستحباب يصحّ ما أتى منه، لأنّ المأتي به موافق للمأمور به، و ما تخيله مستحبا لم يأت به جزءا للواجب، بل بما أنّه فعل مستحب مستقل بعد الواجب، و الاعتقاد باستحباب شي‌ء بعد الإتيان بالواجب لا يضرّ بما أتى.

(2)** من نقص من طوافه سهوا الكلام في المقام في من نقص من طوافه سهوا، أي مع الغفلة عن الموضوع و أنّه زيادة على السبعة أو نقيصة، فقد فصل فيها المصنّف بين من تجاوز عن النصف و من لم يتجاوز، فيتم في الأوّل، إذا لم يتخلّل الفعل الكثير- و إلّا فيتم‌

122

و يعيد على الأحوط- و يعيد في الثاني و إن كان الأحوط الإتمام و الإعادة.

ثمّ إنّ الضابطة- التجاوز عن النصف و عدمه- لا تختص بالمقام، بل و تجري في موارد أخرى، و لأجل ذلك نرى أنّ المحقّق ذكر خمس مسائل متسلسلة، حكم فيها الضابطة فقال:

1. من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف، رجع فأتمّ، و لو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه، و إن كان دون ذلك استأنف.

2. و كذا من قطع طواف الفريضة لدخول البيت أو بالسعي في حاجة.

3. و كذا من مرض في أثناء طوافه.

4. كذا لو أحدث في طواف الفريضة.

5. و لو دخل في السعي فذكر أنّه لم يتم طوافه، رجع فأتمّ طوافه إن كان تجاوز النصف ثم تمّم السعي. (1)

ترى أنّه أخذ الضابطة ملاكا للإتمام أو إعادة الطواف و السعي.

و لذا أشار المحدّث البحراني إلى كون الضابطة أساسا في هذه المسائل، بقوله: المشهور بين الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- انّه لو نقص عدد طوافه أو قطعه لدخول البيت أو لحاجة أو لمرض أو لحدث، أو دخل في السعي فذكر انّه لم يتم طوافه فإن تجاوز النصف رجع فأتمّ، و لو عاد إلى أهله استناب و لو كان دون النصف استأنف. (2)

و قد تبعهم المصنّف، في هذه المسألة و فيمن قطع طوافه (المسألة العشرون) و من حدث له عذر أثناء طوافه من مرض أو أحدث بلا اختيار (المسألة الحادية و العشرون)، و تحقيق حكم الفرع يقتضي البحث في موضعين:

____________

(1). الشرائع: 1/ 268.

(2). الحدائق: 16/ 212.

123

1. الاستدلال بالروايات على حكم الفرع.

2. الاستدلال على ما في المتن من التفصيل بالضابطة الّتي تعد أساسا لهذه المسائل.

و قبل البحث في الموضوع الأوّل نذكر كلمات الفقهاء، و قد عرفت كلام المحقّق و تفصيله فيه بين تجاوز النصف و عدمه. و إليك كلمات الآخرين:

1. قال العلّامة في «التذكرة» لو طاف ستة أشواط ناسيا ثمّ ذكر فليضف إليها شوطا آخر و لا شي‌ء عليه، و إن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه. (1)

2. ذكره في «المنتهى» بنفس ذلك النص. (2)

و انّما اختار نسيان شوط واحد، لورود النص فيه.

3. قال في «المدارك»: هذا التفصيل- في من نقص من طوافه- مشهور بين الأصحاب و لم أقف على رواية تدلّ عليه، ثمّ نقل عن الشيخ في «التهذيب»: و من طاف بالبيت ستة أشواط و انصرف فليضف إليه شوطا آخر و لا شي‌ء عليه، و إن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه. (3)

و قال صاحب المدارك بعد هذا النقل: و ربما أشعر التخصيص بالذكر (نسيان شوط واحد) على أنّ حكم ما زاد على الشوط خلاف ذلك ... إلى أن قال:

المعتمد البناء إن كان المنقوص شوطا واحدا و كان النقص على وجه الجهل و النسيان، و الاستئناف مطلقا في غيره. (4)

و ما ذكره يكشف عن عدم ثبوت الضابطة عنده في هذا المورد، و أمّا الموارد‌

____________

(1). التذكرة: 8/ 113، المسألة 477.

(2). المنتهى: 2/ 697.

(3). التهذيب: 5/ 109 برقم 252.

(4). المدارك: 8/ 149.

124

الأخر فسيأتي الكلام فيها في موارده.

إذا عرفت ذلك فلنذكر ما يدلّ على حكم الفرع من الروايات:

أ. الاستدلال بالروايات على حكم الفرع

قد وردت في الفرع المذكور روايتان:

الأولى: ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن عطية قال: سأله سليمان بن خالد- و أنا معه- عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«و كيف طاف ستّة أشواط؟» قال: استقبل الحجر و قال: اللّه أكبر و عقد واحدا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يطوف شوطا». فقال سليمان: فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله؟ قال: «يأمر من يطوف عنه». (1)

أمّا فقه الحديث فإليك بيانه:

1. قوله: «قال: اللّه أكبر و عقد واحدا» كلام مجمل و ما وجه صلته بالطواف ستة أشواط؟ و لذلك فسّره المجلسي و قال: «استقبل الحجر و قال ... أي كان منشأ غلطه أنّه حين ابتدأ الشوط عقد واحدا فلما كملت الستة عقد السبعة فظن الإكمال». (2)

و مراده (قدّس سرّه): أنّه نوى كلّ شوط مستقلا، فلمّا وصل إلى الشوط السابع عقد السبعة، فظنّ أنّه أتى به و لم يأت به.

2. إنّ قوله في الشق الثاني: «فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله» قرينة على أنّ الطائف في الشق الأوّل كان موجودا في مكة، و يمكن له التدارك من غير فرق بين كون الموالاة محفوظة أو لا، أو تخلّل الفعل الكثير و عدمه، فالمتواجد في مكة يبني‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 32 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). مرآة العقول: 18/ 41.

125

على ما سبق، و أمّا اللاحق بأهله فهو يستنيب من يطوف عنه، إمّا شوطا واحدا كما هو مقتضى وحدة حكم الشقين، أو طوافا كاملا كما هو ظاهر العبارة.

و على كلّ تقدير فالرواية أجنبيّة عن التفصيل و إنّما تركز على ما إذا كان الناقص شوطا واحدا، و أمّا الزائد فساكتة عنه.

فإن قلت: إنّ القيد أي نسيان الشوط الواحد مأخوذ في كلام السائل دون الإمام.

قلت: إنّ أخذه في كلام الإمام و إن لم يورث مفهوما، لكنّه يوجب اختصاص الجواب له و سكوت الرواية عن غير هذه الصورة.

الثانية: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل طاف بالبيت ثمّ خرج إلى الصفا فطاف بين الصفا و المروة، فبينما هو يطوف إذ ذكر أنّه قد ترك بعض طوافه بالبيت، قال (عليه السلام): «يرجع إلى البيت فيتم طوافه ثمّ يرجع إلى الصفا و المروة فيتمّ ما بقي». (1)

و الظاهر أنّ المنسي كان شيئا يسيرا من الطواف لمكان التعبير عنه ب‍ «بعض طوافه» فينطبق على نسيان الشوط الواحد أو شوطين على تأمّل، و أمّا الزائد فلا.

و ربما يستدل بصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر، قال: «يعيد ذلك الشوط». (2)

و لكن الاستدلال في غير محله، لأنّ موردها الجهل بالحكم الشرعي. و الكلام في النسيان اللهم إلّا إذا كان الغرض الاستئناس بما ورد في الجهل بالحكم في مورد الناسي و على فرض الصحة لا تدل على التفصيل المذكور.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 32 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 31 من أبواب الطواف، الحديث 1.

126

و على ضوء ما ذكرنا فالروايتان الأوليان تدلّان على جواز الإعادة فيما إذا نسي شوطا أو شوطين، و ليس فيها من التفصيل المذكور في المتن أي دلالة، أي التفصيل بين التجاوز عن النصف و عدمه.

و بذلك يعلم أنّه ليس للتفصيل المذكور في عبارة «الشرائع» و المصنّف نص خاص، إلّا التمسك بالضابطة بشرط عدم اختصاصها بمورد دون مورد، و سيوافيك توضيحها في محلها (المسألة الحادية و العشرون).

و لذلك قال صاحب الجواهر: قلت يمكن أن يكون مستند التفصيل المزبور فحوى ما تسمعه من النصوص في مسألة عروض الحدث في الأثناء الخ. (1) مشيرا إلى الضابطة.

هذا كلّه حول الاستدلال على الفرع عن طريق الروايات، و قد عرفت أنّها غير ناهضة لإثبات ما في المتن و إنّما يدلّ على جواز الإعادة فيما إذا نسي شوطا أو شوطين، لا أكثر.

ب. الاستدلال على الفرع عن طريق الضابطة

و ربّما يستدلّ- كما مرّ عن الجواهر- على الحكم المذكور في الحكم عن طريق الضابطة المعروفة من صحّة الطواف إذا زاد على النصف و الاستئناف إذا لم يزد عليه، و ذلك بالتمسك بالتعليل الوارد في خبر إبراهيم بن إسحاق [الأحمري النهاوندي الضعيف] عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثم طمثت، قال: «تتم طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامّة. و لها أن تطوف بين الصفا و المروة لأنّها زادت على النصف و قد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 327. و سيأتي الكلام في أنّ الأولوية ظنيّة لا قطعية.

127

فلتستأنف (بعد خ ل) الحج، فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرّانة أو إلى التنعيم فلتعتمر». (1)

و إليك فقه الحديث سندا و دلالة. أمّا الأوّل فالراوي هو إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي الضعيف في حديثه، المتهم في دينه، و ذكره الشيخ في من لم يرو عنهم- كما في المقام- أضف إلى ذلك أنّه مرسل عن رجل.

و أمّا المضمون فهو يفصل بين من طافت و زادت على النصف ثمّ طمثت فطوافها صحيح، تخرج من المسجد و تسعى ثمّ تستأنف بعد الحج، بمعنى أنّه يتم الباقي. و أمّا إذا طمثت، قبل الزيادة، فهي تعدل إلى حجّ الإفراد، فإذا أتمت أعمال الحجّ، تعتمر عمرة مفردة إن أقام جمّالها.

يلاحظ على الاستدلال- بعد الغمض عن ضعف السند-: انّ الظاهر هو إعادة الطواف إذا طمثت بعد النصف، لا انّه تتم الباقي كما هو قضية الضابطة.

و ربّما يستدلّ على التفصيل في مورد النسيان بالأولوية كما مرّ عن صاحب الجواهر، فإذا صحّ التفصيل في مورد الطمث، و المرض، و الحدث، فليكن كذلك في مورد نسيان الجزء.

يلاحظ عليه: أنّ الأولوية إنّما تفيد إذا كانت قطعية- كما في قوله: لا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ دون المقام فإنّها ظنية و هي ليست بحجة.

إلى هنا ظهر عدم قيام دليل صحيح على الضابطة فيما إذا نسي الجزء، فالمرجع هو القاعدة و هي:

إنّه إذا تخلل الفعل الكثير يعيد الطواف، سواء تجاوز النصف أم لا، و إلّا فيتم. فما أفاده المصنف في المتن من التفصيل بين تخلل الفعل الكثيرة و عدمه في خصوص ما إذا تجاوز النصف جار في غير صورة التجاوز.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 4.

128

[المسألة 17: لو لم يتذكّر بالنقص إلّا بعد الرجوع إلى وطنه]

المسألة 17: لو لم يتذكّر بالنقص إلّا بعد الرجوع إلى وطنه- مثلا- يجب مع الإمكان الرجوع إلى مكّة لاستئنافه، و مع عدمه أو حرجيّته تجب الاستنابة، و الأحوط الإتمام ثمّ الإعادة.* (1)

____________

التفصيل بين تخلّل الفعل الكثير و عدمه ثمّ إنّ المصنّف فصّل فيما إذا جاوز النصف، بين عدم تخلّل الفعل الكثير فيبني على ما سبق، و ما إذا تخلّل فيتم و يستأنف على الأحوط.

وجهه: انّ القدر المتيقن من رواية ابن عطية، هو ما إذا لم يتخلل بينهما فعل كثير، و إلّا فيتم ثمّ يستأنف.

و أمّا إذا لم يجاوز فهو يستأنف مطلقا تخلّل الفعل الكثير أو لا، غاية الأمر يحتاط بالإتمام أوّلا و الاستئناف ثانيا.

يلاحظ عليه: بما مرّ أنّ تخلّل الفعل الكثير إنّما يضرّ لكونه منافيا للموالاة، و إلا فليس هو بما هو هو مانعا، و على ذلك فيجب التفريق حتّى فيما إذا لم يجاوز، بين فوت الموالاة و عدمه فيستأنف في الأوّل: و يتم في الثاني لكون الموالاة محفوظة كما تقدّم.

و على كلّ تقدير فهل الملاك هو مجاوزة النصف، أو إتمام الشوط الرابع؟

فسيوافيك الكلام فيه في المسألة الحادية و العشرين.

(1)* لو تذكر النقص بعد الرجوع إلى الأهل لو رجع الحاج إلى وطنه و تذكّر أنّه نقص في طوافه، فله صورتان:

1. يتذكر أنّه نقص من طوافه قبل التجاوز.

2. يتذكر أنّه نقص من طوافه بعد التجاوز.

129

و الظاهر أنّ محط البحث بين الأصحاب هو الصورة الثانية لا الأولى بشهادة أنّ المحقّق ذكر هذا الفرع بعد تجاوز النصف و قال: من نقص من طوافه فإن جاوز النصف رجع فأتمّ و لو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه، و إن كان دون ذلك استأنف. (1)

و ظاهر هذه العبارة أنّ من نسي بعد التجاوز عن النصف يبني عليه النائب، و أمّا الناسي قبله فهو يستأنف مطلقا مباشرة و نيابة. إذا تبين محط البحث‌

فنقول في هذه المسألة أقوال:

الأوّل: الإتمام في من رجع إلى أهله مطلقا

يظهر من المحقّق أنّه إذا أمكن له الرجوع رجع فيتم، و إن لم يمكن أمر من يطوف عنه فيما ترك.

و بذلك فسّر صاحب الجواهر عبارة الشرائع «و لو عاد إلى أهله أمر من يطوف عنه» بقوله: ما بقي عليه. (2) و هو خيرة ابن إدريس قال و من طاف بالبيت ستة أشواط ناسيا و انصرف فليضف إليه شوطا آخر و لا شي‌ء عليه، و إن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه الشوط الباقي. (3)

و العبارتان صريحتان في وظيفة النائب فإذا كان الإتمام وظيفة النائب فأولى أن يكون وظيفة المباشر أيضا.

و يدلّ على ذلك ما في معتبرة الحسن بن عطية قال: سأله سليمان بن خالد و أنا معه عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و كيف طاف‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 268.

(2). الجواهر: 19/ 376.

(3). السرائر: 1/ 572.

130

ستة أشواط؟» قال استقبل الحجر و قال: اللّه أكبر و عقد واحدا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يطوف شوطا»، فقال سليمان: فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله.

قال (عليه السلام): «يأمر من يطوف عنه». (1)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من قوله يطوف عنه، هو الاستئناف لا الإتمام.

الثاني: التفصيل في من رجع إلى أهله بين المباشر و النائب

يظهر من الشيخ في «النهاية» و العلّامة في «التحرير» انّ المباشر يتم الطواف و النائب يعيده.

قال الشيخ: و من طاف بالبيت ستة أشواط ناسيا و انصرف فليضف إليها شوطا آخر و لا شي‌ء عليه، فإن لم يذكر حتّى يرجع إلى أهله أمر من يطوف عنه. (2)

و تخصيص ستة أشواط بالذكر، لكونه مورد النص.

و قال العلّامة في «التحرير»: لو طاف ستة و انصرف، فليضف إليها شوطا آخر، و لا شي‌ء عليه، و إن لم يذكر حتّى رجع إلى أهله، أمر أن يطوف عنه و لا دم. (3)

و لعلّ الاكتفاء بإضافة شوط آخر لكونه متواجدا في مكة و إلّا فلو رجع إلى أهله فأراد أن يقضى الطواف بنفسه فوظيفة المباشر و النائب واحد.

الثالث: الاستئناف في من رجع إلى أهله مطلقا

يظهر من مناسك المحقّق النائيني أنّه يستأنف مطلقا حيث قال: و لو‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 32 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). النهاية: 237.

(3). تحرير الأحكام: 1/ 586.

131

[المسألة 18: لو زاد على سبعة سهوا]

المسألة 18: لو زاد على سبعة سهوا، فإن كان الزائد أقلّ من شوط قطع و صحّ طوافه، و لو كان شوطا أو أزيد فالأحوط إتمامه سبعة أشواط بقصد القربة؛ من غير تعيين الاستحباب أو الوجوب، و صلّى ركعتين قبل السعي، و جعلهما للفريضة من غير تعيين لطواف الأوّل أو الثاني، و صلّى ركعتين بعد السعي لغير الفريضة.* (1)

____________

تذكّر النقص بعد خروجه عن مكة كان كمن نسي الطواف رأسا، و قد تقدّم حكمه. (1) و قد قال في مورد ناسي الطواف: الناسي يقضيه متى تذكّر و إن كان بعد أداء المناسك و خروج ذي الحجة. (2) و إطلاق كلامه يعم المباشر و النائب.

و ظاهر المصنّف في المقام- كما تقدّم- اختيار هذا القول، لأنّه أفتى بأنّه إذا رجع إلى مكة يستأنف و لا يتم، فإذا وجب الاستئناف على المباشر فعلى النائب بطريق أولى، ثمّ الظاهر أنّ قوله: «و الأحوط الإتمام ثمّ الإعادة» يرجع إلى المباشر و الغائب و لا يختص بالأخير في النائب.

و هذا القول هو الأقوى لفوات الموالاة بين العمل الواحد، و لم يدل دليل على عدم إخلاله إلّا في موارد خاصة كما سيوافيك.

(1)* حكم الزيادة في الطواف خصّ المصنّف بحثه بالزيادة السهوية و لم يذكر شيئا من الزيادة العمدية لقلّة الابتلاء، و اكتفى بما أشار إليه في المسألة الرابعة عشرة، و لنذكر شيئا منها في المقام تبعا لصاحب الجواهر فنقول:

____________

(1). دليل الناسك: 260.

(2). نفس المصدر: 237.

132

المشهور أنّ الزيادة العمدية في الطواف توجب البطلان، و إلى ذلك يشير المحقّق بقوله: الزيادة على السبع في الطواف الواجب محظورة على الأظهر، و في النافلة مكروهة. (1)

و حملها صاحب الجواهر على الزيادة العمدية، ثمّ نقل الحظر عن الوسيلة و الاقتصاد و الجمل و العقود و المهذّب و قال: بل في المدارك أنّه المعروف من مذهب الأصحاب، و في كشف اللثام أنّه المشهور. (2)

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) ذكر صورا للزيادة العمدية نشير إليها على وجه الإجمال:

1. إذا نوى الزيادة في الابتداء على وجه الإدخال في الكيفية نظير من نوى صوم الوصال.

2. لو نواها في الأثناء.

3. إذا تعمّد فعلها من غير إدخال لذلك في النيّة في الابتداء أو في الأثناء؛ ثمّ ذكر أنّ له صورتين:

أ. تعمّد فعلها لا من هذا الطواف.

ب. تعمّدها من هذا الطواف.

و من المعلوم بطلان الصورة الأولى لأنّه لم ينو ما أمر به الشارع، و الصورة الثانية لأنّه لم يستدم النيّة الصحيحة، و أمّا الصورة الثالثة فالقسم الأوّل منها غير مضر، لأنّه يقع لغوا أو جزءا من طواف آخر، بخلاف القسم الآخر فالظاهر هو البطلان، لأنّه كزيادة ركعة في الصلاة لقوله: «الطواف بالبيت صلاة». (3) و قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر «عبد اللّه بن محمد»: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 267.

(2). الجواهر: 19/ 308.

(3). سنن البيهقي: 5/ 87.

133

الصلاة المفروضة إذا زدت عليها فعليك الإعادة و كذلك السعي». (1) لاحظ الجواهر. (2)

و بما أنّ بحث المصنّف في من زاد سهوا فلنقتصر على هذا المقدار في الزيادة العمدية.

و إليك الكلام في الزيادة السهوية.

فنقول: لو زاد على سبعة سهوا فلها صورتان:

الأولى: إذا زاد سهوا فتذكر قبل إتمام الشوط الثامن.

الثانية: إذا تذكر بعد إتمامه.

الصورة الأولى إذا سها و زاد، و تذكّر قبل إكمال الشوط

؟ فظاهر أكثر الفتاوى هو القطع.

و إليك نزرا منها:

1. قال الشيخ: و من طاف ثمانية أشواط متعمّدا كان عليه إعادة الطواف، فإن طافه ناسيا أضاف إليها ستة أشواط أخر و صلّى معها أربع ركعات. يصلّي ركعتين منها عند الفراغ من الطواف لطواف الفريضة، و يمضي إلى الصفا فيسعى، فإذا فرغ من سعيه عاد فصلى ركعتين أخراوين. «و من ذكر في الشوط الثامن قبل أن يبلغ الركن أنّه طاف سبعا قطع الطواف». (3)

2. قال ابن البراج: إذا سها و ذكر في الشوط الثامن أنّه طاف سبعا، فإن‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 11.

(2). الجواهر: 19/ 308.

(3). النهاية: 237- 238.

134

ذكر ذلك قبل بلوغه الحجر الأسود قطعه، و إن كان ذكر ذلك بعد تجاوزه تمّم أربعة عشر شوطا. (1)

3. قال ابن حمزة: و إن زاد في الفريضة ناسيا، و ذكر في الشوط الثامن قبل أن يصل إلى الركن طرح الزيادة، و إن ذكر بعد أن يصل الركن تمّم أسبوعين. (2)

4. قال المحقّق: و من زاد على السبع ناسيا و ذكر قبل بلوغه الركن قطع و لا شي‌ء عليه، و إلّا استحبّ إكماله في أسبوعين. (3)

5. و قال العلّامة: لو زاد على السبع شوطا ناسيا أضاف إليها ستة أشواط أخرى- إلى أن قال:- و به قال علي بن بابويه و ابن الجنيد. (4)

نعم في النافع: و لو زاد سهوا أكملها أسبوعين و صلّى ركعتي الواجب منهما قبل السعي و ركعتي الزيادة بعده. (5)

ترى أنّه لم يقيّد بالبلوغ إلى الركن و أطلق الإتمام. لكنّه يقيّد بما مرّ من الشرائع كما سيوافيك.

6. و قال النراقي في «المستند»: و إطلاق بعض العبارات يقتضي عدم الفرق بين بلوغه و عدم بلوغه في وجوب الإتمام أربعة عشر. (6)

نعم أطلق المحقّق في مورد و قيّد في مورد آخر.

أمّا الأوّل: فقال في باب مندوبات الإحرام «و من زاد على السبعة أكملها أسبوعين». (7)

____________

(1). المهذب: 1/ 238.

(2). الوسيلة: 173- 174.

(3). الشرائع: 1/ 270.

(4). مختلف الشيعة: 4/ 190.

(5). المختصر النافع: 93.

(6). مستند الشيعة: 12/ 93.

(7). الشرائع: 1/ 269.

135

و أمّا الثاني: فقال في المسألة الثانية من اثنتي عشرة مسألة في أحكام الطواف: من زاد على السبع ناسيا و ذكر قبل بلوغ الركن قطع و لا شي‌ء عليه، و إلّا استحب إكماله بأسبوعين. (1)

و قد تلقّاها صاحب المدارك و تبعه صاحب الجواهر، مقيّدة، و قال: هذه المسألة كالمقيّدة لقوله: و من زاد على السبعة سهوا أكملها أسبوعين. (2)

أمّا الروايات، فالموضوع للسؤال فيها «من طاف ثماني مرّات أو ثمانية أشواط». (3)

و لم يرد أي سؤال عمّن تذكر و هو في أثناء الشوط الثامن، نعم ورد التفصيل في خبر أبي كهمس- أعني: الهيثم بن عبد اللّه الكوفي، الذي له 25 رواية في الكتب الأربعة، و للصدوق إليه طريق، و حسّنه المجلسي في «الوجيزة»- قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط؟ قال: «إن ذكر قبل أن يبلغ الركن فليقطعه، و قد أجزأ عنه، و إن لم يذكر حتّى بلغه فليتم أربعة عشر شوطا و ليصل أربع ركعات». (4) و ضعفه منجبر بعمل الأصحاب.

نعم يعارضه صحيح عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «من طاف بالبيت فوهم حتّى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطا ثمّ ليصلّ ركعتين». (5) و المراد من عبد الرحمن هو ابن أبي نجران الثقة‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 270.

(2). المدارك: 8/ 181؛ الجواهر: 19/ 384.

(3). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 1، 6، 7، 8، 9، 10، 12، 13، 14، 15، 16، 17.

(4). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 3 و 4.

(5). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 5.

136

بقرينة نقل موسى بن القاسم عنه، و ليس المراد منه: عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري.

يلاحظ عليه: بأنّ المراد من الدخول في الثامن، هو الدخول في الركن- أعني: الحجر الأسود- أي وهم و استمرّ وهمه إلى أن أتمّ الشوط بالدخول في الركن.

و الدليل عليه هو أنّه لو كان المراد به الدخول بمعنى الشروع في الشوط الثامن،- كما هو ظاهره- يلزم أن يكون القيد (الثامن) لغوا، لأنّ إكماله بأربعة عشر شوطا، لا يختص بهذه الصورة، بل يعمّ فيما إذا أتمّ الشوط الثامن كما تضافرت عليه الروايات- التي ستوافيك- فيكون هذا قرينة لما ذكرنا من أنّ المراد هو إتمام الثامن، لا الشروع به فتقع الرواية في عداد روايات الصورة الثانية.

الصورة الثانية: إذا كمل الشوط الثامن و تذكر الزيادة فهنا جهات من البحث:

الأولى: صحة الطواف الأوّل.

الثانية: هل الصحّة مختصّة بالطواف المندوب، أو تعمّ الطواف الواجب؟

الثالثة: هل الإكمال واجب أو مستحب؟

الرابعة: إذا أكمل الزائد بطواف آخر فما هو الواجب من الطوافين؟

الخامسة: هل تجب صلاتان أو تكفي صلاة واحدة؟

هذه هي الجهات الّتي نبحث عنها في هذه المسألة، و إليك دراستها واحدة بعد أخرى.

1. صحّة الطواف الأوّل إذا زاد على سبعة سهوا

إذا زاد على سبعة سهوا، ففي المسألة قولان بعد اتفاقهم على صحّة الطواف الثاني:

1. الصحة و عدم البطلان و هو خيرة المشهور. و قد مرّت نصوصهم عند‌

137

البحث في الصورة الأولى.

2. البطلان. و هو خيرة الصدوق، قال في «المقنع»: «و إن طفت بالبيت الطواف المفروض ثمانية أشواط فأعد الطواف». (1) و معناه عدم الاعتداد لا بالسبعة و لا الشوط الثامن بل يعيده من رأس.

أقول: أمّا مقتضى القاعدة فهو فساد الطواف الأوّل، لما ورد من أنّ الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فإذا زدت عليها فعليك الإعادة و كذا السعي، و هكذا الشوط الثامن فهو أيضا مثل الطواف الأوّل لكن لأجل عدم النية (2) و تصوّر انّ حديث الرفع حاكم على الحديث في صورة النسيان فالبطلان مختص بصورة العمد، مدفوع بأنّ منصرف الحديث هو السهو، فلا يكون حديث الرفع حاكما عليه، لأنّه ورد في مورد السهو.

إذا علمت ذلك فلندرس القولين:

القول الأوّل: صحّة الطواف

فقد تواترت النصوص على الصحّة، لكنّها بين كونها مقيّدة بالنسيان أو منصرفة إليه. فلنذكر من كلتا الطائفتين.

الطائفة الأولى: ما يدلّ على الصحّة عند النسيان

1. خبر أبي كهمس المتقدم و فيه، و قد أجزأ عنه، و إن لم يذكر حتّى بلغه فليتم أربعة عشر شوطا و ليصل أربع ركعات. (3)

2. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول: «من طاف بالبيت فوهم حتّى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطا ثمّ ليصلّ‌

____________

(1). المقنع: 266.

(2). الجواهر: 9/ 366.

(3). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 3 و 4.

138

ركعتين». (1) و سيوافيك ما هو الوجه في الاقتصار بركعتين.

3. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إنّ في كتاب علي: إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستا». (2)

و الرواية و إن لم تكن مقيّدة بالسهو و النسيان لكن قوله: «فاستيقن» ظاهرة فيه.

4. ما رواه ابن إدريس عن جميل أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن طاف ثمانية أشواط و هو يرى أنّها سبعة؟ قال: فقال: «إنّ في كتاب عليّ (عليه السلام) أنّه إذا طاف ثمانية أشواط يضم إليها ستة أشواط، ثمّ يصلي الركعات بعد». (3)

قوله: «و هو يرى» قرينة على أنّه زاد سهوا.

5. ما رواه المفيد في «المقنعة» قال: قال (عليه السلام): «من طاف بالبيت ثمانية أشواط ناسيا، ثمّ علم بعد ذلك فليضف إليها ستة أشواط». (4)

و هذه الروايات و غيرها ممّا سيوافيك في الطائفة الثانية تدلّ على صحّة الطوافين، و انّه ليس للطائف إبطال الطواف الأوّل و لا ترك ما شرع به من الطواف الثاني، بل يكملهما أسبوعين، كما أنّها ظاهرة في الزيادة السهوية.

الطائفة الثانية، أعني: ما يستشم منها الصحّة في الزيادة العمدية

، لكنّها ظهور بدئي، بل هي منصرفة إلى صورة السهو و لا إطلاق فيها، و إليك ما يتوهّم منه الإطلاق.

6. ما رواه الصدوق باسناده عن أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 10. و هو متّحد مع الحديث رقم 12 في نفس الباب.

(3). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 16.

(4). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 17.

139

رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة، قال: «فليضم إليها ستا ثمّ يصلّي أربع ركعات». (1)

7. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل- و أنا حاضر- عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط؟ فقال: «نافلة أو فريضة» فقال: فريضة، فقال:

«يضيف إليها ستة، فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، ثمّ خرج إلى الصفا و المروة فطاف بينهما، فإذا فرغ صلّى ركعتين أخراوين، فكان طواف نافلة و طواف فريضة». (2)

و الروايتان محمولتان أو منصرفتان إلى من زاد سهوا، و لا تعمّان العامد لندرة الزيادة العمدية في هذا العمل العظيم، إذ قلّما يتّفق للطائف العارف بالعمل المحدّد بالسبعة، أن يترك الحدّ و يضيف إلى الطواف شوطا أو أشواطا لداع من الدواعي. كما أنّ حملها على الجاهل بالحكم يعيد لندرة الجهل بالحكم في مثل الطواف الذي يسعى الحاج بتعلم أحكامه منذ يلبس ثوبي الإحرام.

إلى هنا تمّ الكلام في أمرين:

1. صحّة الطواف الأوّل عند الزيادة و علاجها.

2. اختصاص الصحّة بالزيادة السهوية.

القول الثاني: بطلان الطواف

قد عرفت أنّ القول بالصحّة هو المشهور نصّا و فتوى، غير أنّ الصدوق اختار البطلان في نفس الموضوع، قال في «المقنع»: و إن طفت بالبيت المفروض‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 13.

(2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 15.

140

ثمانية فأعد الطواف. (1) و قد مرّت حكايته عن بعض من قارب عصر صاحب الجواهر.

و يدلّ على قوله أحاديث ثلاثة:

1. صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض؟ قال: «يعيد حتّى يثبته». (2) و الظاهر انّ «المفروض»، مفعول لقوله «طاف» أي طاف الطواف المفروض.

و في «الكافي» المطبوع: حتّى يثبته، و في الهامش نقلا عن بعض النسخ: حتّى يتبينه، و في «التهذيب»: حتّى يستتمه. (3)

فقوله: حتّى يثبته أي يأتي به من غير سهو، و بهذا المعنى أيضا قوله: حتّى يتبيّنه، فيدلّ على عدم الاعتداد بما أتى بخلاف ما إذا كانت النسخة: «حتى يستتمه» فإنّها ظاهرة في لزوم إتمام طواف آخر، دون بطلان الأوّل، و لعلّ المجموع ظاهر في من أتى ساهيا.

2. موثقة أبي بصير في حديث قال: قلت له بأنّه طاف و هو متطوع ثماني مرات و هو ناس، قال: «فليتمّه طوافين ثمّ يصلي أربع ركعات، و أمّا الفريضة فليعد حتّى يتم سبعة أشواط». (4)

3. ما رواه صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة و كذلك السعي». (5)

____________

(1). المقنع: 266.

(2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الكافي: 4/ 417.

(4). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(5). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 11.

141

و الرواية الأولى صحيحة، لأنّ أبا بصير على الإطلاق ثقة، و إن عبّر عنها في «الجواهر» بالخبر. و موثّقة أبي بصير صريحة في الناسي، و الباقي إمّا ظاهر في النسيان، أو منصرف إليه. و على كلّ تقدير فالمعارضة بظاهرها متحقّقة الروايات، ففي رفعها وجوه:

الأوّل: الجمع بين ما دلّ على الصحّة و ما يستظهر منه البطلان بحمل الأخير على العمد.

يلاحظ عليه: بأنّ حملها على العمد بل الجاهل الحكم، حمل للروايات على الفرد النادر من غير فرق بين ما دلّ على الصحّة، أو ما دلّ على البطلان، بل الجميع منصرف إلى الساهي و مختص بالطواف الواجب، و لو قلنا بمضمون الروايات الأخيرة، يلزم التفصيل بين المندوب فيصحّ، دون الواجب فيعاد.

الثاني: الجمع بين الروايات بتفسير الإعادة بالانقلاب، أي انقلاب الأوّل إلى المستحب و انتقال الواجب إلى الثاني و إليك تفصيله:

إنّ الصدوق الّذي استدلّ بالحديث الأوّل على البطلان، قال بعد نقله:

و روى: يضيف إليه ستة فيجعل واحدا فريضة و الآخر نافلة. (1) و ظاهره الترديد في القول بالبطلان و إن رجّحه على الثاني.

إنّ المراد من الأمر بالإعادة في هذه الروايات ليس بمعنى بطلان الطواف الأوّل و عدم الاعتداد بالشوط الواحد الزائد الّذي هو مختار الصدوق، بل المراد بها هو انقلاب الطواف الأوّل من الواجب إلى المندوب و صيرورة الفريضة هي الطواف الثاني الّذي يتم بإضافة ستة أشواط.

و على ما ذكر فلا تعارض بين الطائفتين، حتّى تترجح الأولى منهما على‌

____________

(1). المقنع: 266.

142

الثانية بعمل الأصحاب بها دون الثانية فلاحظ.

و يشهد على ذلك أمور:

1. خبر علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل- و أنا حاضر- عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط فقال: «نافلة أو فريضة» فقال: فريضة، فقال:

«يضيف إليها ستة فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثمّ خرج إلى الصفا و المروة فطاف بينهما فإذا فرغ صلّى ركعتين أخراوين فكان طواف نافلة و طواف فريضة». (1) فالأمر بالطوافين آية صحتهما، كما أنّ قوله فصار طواف نافلة و طواف فريضة دال على انقلاب الأوّل إلى العمل و الثاني إلى الوجوب.

2. ما رواه ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» نقلا من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطى، عن جميل انّه سأل أبا عبد اللّه عمّن طاف ثمانية أشواط و هو يرى أنّها سبعة قال: فقال: «في كتاب علي انّه إذا طاف ثمانية أشواط يضم إليها ستة أشواط ثمّ يصلى الركعات بعد، قال: و سئل عن الركعات كيف يصلّيهن أو يجمعهن أو ما ذا، قال: يصلي ركعتين للفريضة ثمّ يخرج إلى الصفا و المروة فإذا رجع من طوافه بينهما رجع يصلي ركعتين للأسبوع الآخر». (2)

ترى أنّه أوجب الصلاتين لكلّ من الطوافين مقدّما إحداهما على السعي و الآخر بعد السعي فهو آية صحّة الطوافين.

3. ما رواه الصدوق: و اعلم أنّ الفريضة هي الطواف الثاني و الركعتين الأولتين لطواف الفريضة و الركعتين الأخرتين، و الطواف الأوّل تطوّع. (3)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 15.

(2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 16.

(3). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 14.

143

أقول: ما ذكره هو نصّ فقه الرضا (عليه السلام). (1)

و الأسناد و إن كانت لا تخلو من ضعف إلّا أنّ الجميع يصلح لأن تكون قرينة على المراد من الإعادة.

الثالث: الرجوع إلى المرجّحات بالأخذ بما دلّ على الصحّة لعمل الأصحاب بها، دون الطائفة الأخرى لإعراض الأصحاب عنها.

يلاحظ عليه: بأنّه لا تصل النوبة إليه مع إمكان الجمع بين الطائفتين.

الرابع: التخيير بين العمل بالطائفتين: و هو خيرة المحقّق الخوئي قال: إنّ مقتضى الجمع بين الروايات هو التخيير بين أن يقطع الطواف و يعيده من رأس و بين أن يكمله بستة أشواط و يجعله طوافين. (2)

يلاحظ عليه: أنّه لا تصل النوبة إلى التخيير بعد إمكان الجمع أوّلا، و وجود المرجح في بعضها ثانيا، فالمرجع إمّا الجمع، أو العمل بذي المزية لا التخيير.

2. عدم اختصاص الصحّة بالمندوب

ربما يتصوّر أنّ الحكم بالصحّة مختص بالمندوب و لا يعمّ الطواف الواجب اغترارا بالروايات الثلاث التي استدلّ بها على البطلان، فإنّ موردها هو طواف الفريضة فقد جاء فيها: «قلت له: بأنّه طاف و هو متطوع ثماني مرّات و هو ناس، قال: «فليتمّه ثمّ يصلّي أربع ركعات، و أمّا الفريضة فليعد حتّى يتم سبعة أشواط» لكنّك عرفت أنّ مفادها هو انقلاب الطواف الأوّل إلى المندوب و كون الواجب هو‌

____________

(1). فقه الرضا: 220- 221؛ المستدرك: ج 9، الباب 24 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). المعتمد: 4/ 375.

144

الثاني و على هذا لا فرق بين المندوب و الواجب، مضافا إلى أنّ نصوص الصحّة تعمّ المندوب و الواجب بإطلاقه كما في رواية ابن مسلم (1)، أو بنصّه كما هو الحال في رواية زرارة 2 في طواف علي (عليه السلام)، و غيرهما.

و إليك الكلام في الجهة الثالثة للصورة الثانية.

3. هل الإكمال واجب أو مستحب؟

هل الإكمال واجب، أو أمر مستحب؟ ظاهر الفتاوى و النصوص هو الأوّل، غير أنّ ظاهر كلام المحقّق في «الشرائع»، و العلّامة في «القواعد»، و الشهيد في «الدروس» هو الاستحباب.

فقال الأوّل: و من زاد على السبع ناسيا و ذكر قبل بلوغه الركن قطعه و لا شي‌ء عليه، و إلّا استحب إكماله في أسبوعين. (3)

و قال الثاني: و لو كان سهوا قطع إن ذكر قبل بلوغه الركن، و لو كان بعده استحب إكماله أسبوعين. (4)

و قال الثالث: يستحب إكمال أسبوعين لمن زاد شوطا ناسيا، و لو لم يبلغ الحجر قطعه وجوبا. (5)

و يظهر من صاحب الجواهر اختياره حيث قال: مستدلا بأصالة البراءة بعد بقاء الأوّل على الصحّة المقتضية لذلك باعتبار نيّته، و للاتّفاق على عدم وجوب طوافين، بل قد سمعت التصريح في الصحيح السابق بأنّ أحدهما فريضة و الآخر ندب، فالأصل بقاء الأوّل على وجوبه. (6) و هو خيرة المحقّق الخوئي في‌

____________

(1) (1 و 2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 12 و 7.

(3). الشرائع: 1/ 270.

(4). القواعد: 1/ 426.

(5). الدروس: 1/ 420.

(6). الجواهر: 19/ 367.

145

«المعتمد». (1)

يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ الأصل دليل حيث لا دليل، و ظاهر الروايات هو الوجوب لقوله: «فليتم»، أو «أضاف» و نظائرهما.

و ثانيا: أنّ الاتفاق على عدم وجوب طوافين لا صلة له بالمقام فإنّه راجع إلى عمل العمرة و الحج و انّه سبحانه لم يفرض فيهما إلّا طوافا واحدا بالذات، و أمّا إيجاب طواف آخر، إمّا لانقلاب الأوّل إلى مندوب و كون الواجب هو الثاني، أو لكونه عقوبة كما هو الحال في المندوب فلا ينافي الاتفاق المذكور.

4. ما هو الواجب من الطوافين؟

إذا طاف طوافين، يقع الكلام في ما هو الواجب منهما؟ فمن قال باستحباب الإكمال كالمحقّق و العلّامة و الشهيد، فالظاهر أنّ الواجب عندهم هو الأوّل، و يحسب الثاني عقوبة.

إنّما الكلام في ما إذا قلنا بوجوب الإكمال كما هو ظاهر النصوص و الفتاوى فما هو الواجب؟

فالظاهر كما سبق أنّ الواجب هو الثاني، و يدلّ عليه الروايات الثلاث التي استندنا بها على تفسير الإعادة بانقلاب الواجب مستحبا و انتقال الوجوب إلى الثاني.

و لمّا لم تكن أدلّة الطرفين مقنعة عند المصنّف احتاط (قدّس سرّه) بأنّه يتم سبعة أشواط بقصد القربة من غير تعيين الاستحباب أو الوجوب؛ كما أنّه احتاط أيضا في الصلاتين من دون أن يعيّن إحداهما للطواف الأوّل و الأخرى للطواف الثاني.

____________

(1). المعتمد: 5/ 376.

146

و أمّا على حسب ما ذكرنا فالواجب هو الطواف الثاني فالصلاة المأتي بها بعده هي الواجبة، و المأتي بها بعد السعي هي المندوبة.

5. هل تجب صلاتان أو صلاة واحدة؟

لا شكّ أنّ لكلّ طواف صحيح ركعتين، مستحبا كان أو واجبا، و ظاهر الروايات هو صحّة الطوافين فمقتضى القاعدة تعدّد الصلاة.

نعم ورد في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه يصلّي صلاة واحدة، حيث قال: «ثم ليصل ركعتين». (1)

و الظاهر أنّ المراد حصر الصلاة الفريضة في الركعتين التي يأتي بهما الطائف بعد الطواف الثاني، و لا ينافي وجوب ركعتين أخراوين للطواف الأوّل، و على ذلك فما دلّ على إيجاب أربع ركعات لا ينافي إيجاب خصوص ركعتين.

ثمّ إنّه يقع الكلام في محلّهما.

فالروايات بين مطلقة و مقيّدة؛ فالمطلقة كخبر أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة، قال: «فليضم إليها ستّا ثمّ يصلي أربع ركعات». (2)

لكن مقتضى القاعدة، حملها على المقيّد، و هو انّه يفرق بين الصلاتين، فيصلي ركعتين بعد الطواف الثاني، و ركعتين أخراوين بعد السعي، و ذلك مقتضى بعض النصوص. ففي خبر جميل: قال: و سئل عن الركعات كيف يصلّيهن أو يجمعهن أو ما ذا؟ قال: «يصلي ركعتين للفريضة، ثمّ يخرج إلى الصفا و المروة، فإذا‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 13.

147

[المسألة 19: يجوز قطع الطواف المستحب بلا عذر]

المسألة 19: يجوز قطع الطواف المستحب بلا عذر، و كذا المفروض على الأقوى، و الأحوط عدم قطعه بمعنى قطعه بلا رجوع إلى فوت الموالاة العرفية.* (1)

____________

رجع من طوافه بينهما رجع يصلي ركعتين للأسبوع الآخر». (1) و بما انّ المقيد غير معتبر سندا فلا ينهض للتقييد فيكون الأحوط تأخير الثانية إلى بعد السعي.

(1)*

في قطع الطواف المندوب و الواجب

يقع الكلام في قطع الطواف، في المندوب تارة، و في الواجب أخرى.

أمّا الأوّل أي قطع الطواف المندوب فله صور:

1. قطعه للحرج و الأذى من ضعف طارئ على الطائف أو حرارة شديدة محرجة.

2. قطعه لأغراض خاصة راجحة في نفسها كحاجة المؤمن.

3. قطعه لا لغرض.

لا شكّ في جواز قطع الطواف في الصورة الأولى، و هكذا الثاني لورود روايات في هذا الشأن. (2)

إنّما الكلام في الصورة الثالثة، و الظاهر جواز قطعه حينئذ قال في الجواهر: أمّا قطع الطواف عمدا لا لغرض فقد يقوى جوازه في غير طواف الفريضة بناء على جواز قطع صلاة النافلة كذلك، لأنّ الطواف بالبيت صلاة و لكن الأحوط تركه. (3)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 16، و لاحظ الحديث 7 و 15.

(2). الوسائل: 9، الباب 42 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الجواهر: 19/ 340.

148

و يؤيده الارتكاز الدالّ على الملازمة بين النفل و قطعه إلّا ما خرج بالدليل كما في الاعتكاف إذا دخل في اليوم الثالث.

قطع الطواف الواجب

هل يجوز قطع الطواف الواجب بلا عذر أو لا؟ قد عرفت معنى العذر و المراد به الغرض الشرعي الراجح في نفسه، يظهر من المستند اختصاص الجواز بصورة العذر قال: و هل يجوز قطع الطواف قبل إتمامه أو لا؟ الظاهر نعم للأصل و الأخبار الآتية المجوزة للقطع لمطلق الحاجة و عيادة المريض و دخول وقت الفريضة و لو مع السعة و نحو ذلك. (1)

و إطلاق عبارته منصرف إلى الطواف الواجب، أو يعمه و غيره.

و يظهر من الجواهر حرمة القطع لا لغرض حيث إنّه جوزه في الطواف المندوب- كما نقلناه- فقال بعده: بخلاف طواف الفريضة بناء على حرمة القطع في الصلاة الواجبة. (2) و ما ذكره من التفصيل هو الأقوى، لأنّ الأصل في الواجبات حرمة القطع إلّا ما خرج بالدليل، و هو منحصر فيما إذا كان مسوغ.

روى الشيخ عن صفوان الجمال: الرجل يأتي أخاه و هو في الطواف، فقال:

«يخرج معه في حاجته ثمّ يرجع و يبني على طوافه». (3)

و الرواية إمّا مطلقة تعمّ المندوب و الفريضة، أو منصرفة إلى الثانية و الخروج عن المطاف كناية عن قطع الطواف لأمر راجح في نفسه، فيعمّ كلّ أمر راجح على أنّ في صحيح أبان بن تغلب تصريح بالجواز في الطواف الواجب و أمّا انّه بعد القطع (4) فهل يعيد أو يبني على ما أتى، أو التفصيل بين تجاوز النصف و عدمه؟

____________

(1). المستند: 12/ 99.

(2). الجواهر: 19/ 340.

(3). الوسائل: 9، الباب 42 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 7، و لاحظ الحديث الثاني من الباب 42.

149

[المسألة 20: لو قطع طوافه و لم يأت بالمنافي حتّى مثل الفصل الطويل أتمّه و صحّ طوافه]

المسألة 20: لو قطع طوافه و لم يأت بالمنافي حتّى مثل الفصل الطويل أتمّه و صحّ طوافه، و لو أتى بالمنافي فإن كان قطعه بعد تمام الشوط الرابع فالأحوط إتمامه و إعادته.* (1)

____________

فسيوافيك الكلام في المسائل الآتية، فانتظر.

و على ذلك جرى المحقّق النائيني و قال: و لو لم يكن القطع لضرورة و لا تفوته حاجة لم يجز قطع الطواف الواجب حتّى لدخول البيت على الأحوط. (1)

ثمّ إنّ المصنف بعد ما أفتى بجواز القطع في الطواف المفروض بلا عذر احتاط بعده و قال: و الأحوط عدم قطعه بمعنى قطعه بلا رجوع إلى فوت الموالاة العرفية.

و هذا الاحتياط احتياط في الحكم الوضعي، بمعنى أنّه لو حاول أن يبني على ما أتى من الأشواط فعليه أن يرجع إلى المطاف قبل فوت الموالاة، فإن تأخّر و فاتت الموالاة بطل ما أتى وضعا. و أمّا التكليفي فقد أفتى فيه بوضوح بالجواز دون أن يحتاط.

و يدلّ على أنّه احتياط في الوضعي لا التكليفي قوله في المسألة السابعة و العشرين قال فيها: و جاز قطع الطواف و تقبيل البيت و الرجوع لإتمامه، كما جاز الجلوس و الاستلقاء بينه بمقدار لا يضرّ بالموالاة العرفية، و إلّا فالأحوط الإتمام و الإعادة.

(1)*

في صور قطع الطواف

في المسألة فروع:

____________

(1). دليل الناسك: 261.

150

1. إذا قطع طوافه دون أن يأتي بالمنافي كما إذا جلس للاستراحة.

2. لو أتى بالمنافي بعد تمام الشوط الرابع.

3. لو أتى بالمنافي قبل الشوط الرابع. و هذا الفرع غير مذكور في المتن صريحا و لكنّه مفهوم منه. و قد ذكرنا حكمه في ضمن الفرع الأوّل.

و قبل دراسة الفروع الثلاثة نذكر أمورا:

1. انّ مصب الكلام هو الطواف الواجب لا المندوب لاتّفاقهم على صحّة ما أتى إذا قطع، سواء أتجاوز عن النصف أم لا؟ و سيوافيك في نهاية البحث ما ورد حول الطواف المندوب.

2. انّ المراد عن المنافي هو تخلّل الفعل الكثير أو الفصل الطويل، و أمّا طروء الحدث و الطمث و المرض و قد مرّ الكلام في الحدث في المسألة الأولى من مسائل واجبات الطواف و سيوافيك في الأخيرين الكلام في المسألة التالية.

3. انّ الاستدلال بالروايات الواردة في الموارد المنصوصة على المقام، أشبه بالقياس إلّا ما ورد فيها التنصيص بالملاك كما سيوافيك.

و لنذكر كلمات الأصحاب في المقام.

أقول: المشهور بين الأصحاب انّه إذا قطع طوافه لحاجة أو للصلاة أو لزعم أنّه أتمّه هو انّه يبني على ما سبق إذا تجاوز النصف و إلّا يبطل خصوصا إذا أخلّ بالموالاة.

قال الشيخ: و من قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره فإن كان قد جاوز النصف بنى عليه، و إن لم يكن جاوز النصف و كان طواف الفريضة أعاد الطواف، و إن كان طواف نافلة بنى عليه على كلّ حال. (1)

____________

(1). النهاية: 239.

151

فقد أقرّ بالتفصيل فيما إذا قطع للسعي في حاجة له أو لغيره، و لعلّ الجميع من باب المثال.

و قال في «الغنية»: و لا يجوز قطع الطواف إلّا لصلاة فريضة أو لضرورة، و إن قطعه للصلاة بنى على ما طاف و لو كان شوطا واحدا، و إن قطعه لضرورة أو سهو بنى على ما طاف إن كان أكثر من النصف، و إن كان أقل منه استأنفه، و يستأنفه إن قطعه مختارا على كلّ حال. (1)

فقد أفتى بالضابطة إلّا فيما إذا قطع للصلاة فبنى على ما أتى مطلقا تجاوز النصف أم لا؟

و قال المحقّق في «الشرائع»: من نقص من طوافه، فإن جاوز النصف، رجع فأتمّ؛ و لو عاد إلى أهله، أمر من يطوف عنه و إن كان دون ذلك استأنف. و كذا من قطع طواف الفريضة لدخول البيت أو بالسعي في حاجة، و كذا لو مرض في أثناء طوافه. (2) و موضع الاستشهاد آخر كلامه.

و قال العلّامة في «التذكرة»: لو قطع طوافه بدخول البيت أو بالسعي في حاجة له أو لغيره في الفريضة فإن كان قد جاز النصف بنى، و إن لم يكن جاز أعاد، و إن كان طواف نافلة بنى عليه مطلقا. (3)

و قال في «القواعد»: و لو شرع في السعي و ذكر نقصان الطواف رجع إليه و أتمّه مع تجاوز النصف ثمّ أتمّ السعي، و لو لم يتجاوز استأنف الطواف ثمّ استأنف السعي. (4)

إذا علمت هذا فلندرس الفروع.

____________

(1). غنية النزوع: 1/ 176.

(2). الشرائع: 1/ 268.

(3). التذكرة: 8/ 114، المسألة 478.

(4). القواعد: 1/ 427.

152

الفرع الأوّل: انّ صحّة الطواف و لزوم استمراره غني عن البيان، لأنّ المفروض أنّه لم يأت بالمنافي و لم يكن هناك فصل طويل ينافي الموالاة. و يصدق عليه انّه عمل واحد و يدلّ عليه- مضافا إلى ما ذكرنا- ما يلي:

1. صحيح علي بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يعيا في الطواف أله أن يستريح؟ قال: «نعم يستريح ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها و يفعل ذلك في سعيه و جميع مناسكه». (1)

2. ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن الرجل يستريح في طوافه؟ فقال: «نعم أنا قد كانت توضع لي مرفقة فاجلس عليها». (2) و المرفقة شي‌ء أشبه بالمخدّة.

و هذه الصورة لا إشكال فيها.

كما أنّ الصورة الثالثة أي الإتيان بالمنافي قبل تجاوز النصف لا إشكال في بطلانها، لأنّ تخلل الفعل الكثير يبطل ما سبق إذا كان الطواف واجبا. و سيوافيك الكلام في الروايات الدالّة على جواز الخروج أثناء الطواف و قطعه اختيارا و البناء على ما قطعه، و أنّها مع ضعف أسانيدها محمولة على ما إذا تجاوز النصف.

فانتظر.

الفرع الثاني: أي الإتيان بالمنافي بعد التجاوز عن النصف، (بعد تمام الشوط الرابع) و هذا هو الّذي يحتاج إلى دراسة و الكلام فيها- كما تقدم- في غير المنصوص- أعني: الحدث و الطمث و المرض- إذ لا إشكال في أنّ المنافي لا يضرّ في هذه الموارد إذا تجاوز عن النصف إنّما الكلام في غير الموارد المنصوصة كالخروج عن المطاف لقضاء حاجة المؤمن كالفصل الطويل بين الأشواط. التفصيل‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 46 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 46 من أبواب الطواف، الحديث 3.

153

المشهور بين الأصحاب لم يرد في الروايات و مع ذلك قال في الجواهر: التفصيل المذكور هو المشهور بل في «الرياض»: لا يكاد يظهر فيه الخلاف إلّا ممّن تأخّر حيث قالوا لم نظفر بمستند لهذا التفصيل. (1)

إذا عرفت هذا الكلمات فلندرس ما ورد في الروايات فإنّها على طائفتين:

[الروايات]

الأولى: ما يظهر منه صحة الطواف و البناء على ما سبق

من غير فرق بين تجاوز النصف و عدمه، و هي روايات أربع نذكر إحداها في المتن و نشير إلى ما لم نذكر في الهامش.

صحيحة صفوان الجمال قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يأتي أخاه و هو في الطواف فقال: «يخرج معه في حاجته ثمّ يرجع و يبني على طوافه». (2)

و يؤيّده ما روي من جواز القطع و البناء على ما قطع فيما إذا أدركته صلاة الفريضة. (3) أو قطع لأجل صلاة الوتر. (4)

و إطلاق الرواية يعم الواجب و المندوب و المتجاوز عن النصف و غيره.

الثانية: يظهر منه التفصيل بين الفريضة و النافلة نظير:

صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طاف شوطا أو شوطين ثمّ خرج مع رجل في حاجته؟ قال: إن كان طواف نافلة بنى عليه و إن كان طواف فريضة لم يبن، و في رواية الكليني لم يبن عليه. (5)

____________

(1). الجواهر: 19/ 326.

(2). الوسائل: 9، الباب 42 من أبواب الطواف، الحديث 1. و أمّا الحديث الثالث من هذا الباب فلا دلالة له على البناء و على ما سبق.

(3). الوسائل: 9، الباب 43 من أبواب الطواف، الحديث 1 و 2. و الحديث الثاني أصحّ سندا.

(4). الوسائل: 9، الباب 44 من أبواب الطواف، الحديث 1. فناهزت الروايات الدالة على جواز البناء على ما سبق، أربعا.

(5). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 5.

154

و هذه الصحيحة كالسابقة في عدم الفرق بين تجاوز النصف و عدمه إلّا أنّها تفصل بين الطواف المندوب (فيبني على ما أتى به) و الطواف الواجب (فيعيده).

يقول المحقّق الخوئي: إنّ الحديث دالّ على البطلان بالخروج عن المطاف و قد قطع الطواف و لا نحتمل دخل الشوط أو الشوطين في الحكم بالبطلان.

و ما أفاده واضح لا غبار عليه، لكنّه (قدّس سرّه) استشكل في وجود الإطلاق بما إذا خرج بعد النصف، و قال: بل المستفاد منه أنّ العبرة في الحكم بالبطلان قبل التجاوز عن النصف، فالحكم بالنسبة إلى ما قبل النصف واضح، و أمّا إذا تجاوز النصف فلا يمكن الجزم بشمول الدليل له. (1)

أقول: إطلاق الرواية لا غبار عليه، و القول بالتفصيل يحتاج إلى دليل غير ما ورد في الأعذار المنصوصة- أعني: الطمث و الحدث و العلّة- و الاستدلال بها على المقام أشبه بالقياس.

2. مرسل النخعي و جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) و فيها: «إن كان نافلة بنى على الشوط أو الشوطين و إن كان فريضة ثمّ خرج في حاجة مع رجل لم يبن و لا في حاجة نفسه». (2) و مقتضى الصناعة، تقييد الطائفة الأولى بالطائفة الثانية فتكون النتيجة البناء على ما أتى في المندوب و الإعادة في الواجب.

هذا و يمكن استفادة الضابطة- حتّى في غير مورد النص- من التعليل الوارد في روايتين، حيث يعلل البناء على ما سبق، بتجاوز النصف، و بما أنّ العلّة تعمّم و تخصّص فنأخذ بها و نعمّم الحكم لعامة الأعذار و نخصص بها ما دلّ على البناء مطلقا تجاوز النصف أو لا، كصحيحة صفوان الجمال، أو ما ورد في القطع لإدراك الفريضة أو القطع لصلاة الوتر.

____________

(1). المعتمد: 5/ 52.

(2). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 8.

155

و أمّا الروايتان الدالّتان على هذا الملاك فهما:

1. روى إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال: «تتم طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامة، و لها أن تطوف بين الصفا و المروة، لأنّها زادت على النصف، و قد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر». (1)

2. ما رواه سعيد الأعرج قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت، قال: «تتم طوافها، فليس عليها غيره، و متعتها تامة، فلها أن تطوف بين الصفا و المروة، و ذلك لأنّها زادت على النصف و قد مضت متعتها و لتستأنف بعد الحجّ». (2)

فقوله: «لأنّها زادت على النصف» في الروايتين دليل على أنّ الملاك في البناء و عدمه هو الزيادة على النصف و عدمها، و بذلك تقيّد صحيحة صفوان الدالة على البناء على ما أتى مطلقا، كما يقيد ما دلّ على البناء مطلقا في مورد القطع للصلاة الفريضة أو الوتر مما أومأنا إليه في الهامش. و صحيحة أبان الدالّة على عدم البناء في الفريضة مطلقا.

و كان الأولى تأخير هذه المسألة عمّا يأتي في ما بعدها، أعني: المسألة الحادية و العشرين الّتي يأتي فيها الموارد المنصوصة كالمرض و الحدث، إذ بعد دراستها ربّما يسهل التصديق بما عليه المشهور في مسألتنا هذه.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 4.

(2). الوسائل: 9، الباب 86 من أبواب الطواف، الحديث 1.

156

و لعلّ تضافر الإطلاقات على البناء و الإتمام كما في صحيحة صفوان أو في مورد القطع لصلاة الفريضة أو الوتر على ما أشرنا إليه في الهامش. صار سببا لاحتياط المصنّف في المقام حيث قال: «و لو أتى بالمنافي فإن كان قطعه بعد تمام الشوط الرابع فالأحوط إتمامه و إعادته». مضافا إلى ما سبق من وجود الضعف في هاتين الروايتين المشتملتين على التعليل، فما ذكره في المتن من الاحتياط هو الأوفق بالقواعد. هذا لمن أراد الاحتياط و أمّا على ما سبق من أنّ الميزان فوت الموالاة و عدمه من غير فرق بين التجاوز و عدمه. إلّا فيما ورد فيه النصّ، أعني: مورد الحدث و الطمث و المرض.

ثمّ إنّ المعارض الوحيد لهذا الجمع، خبر حبيب بن مظاهر قال: ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطا واحدا، فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه، فخرجت فغسلته، ثمّ جئت فابتدأت الطواف، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (الحسين (عليه السلام) فقال: بئس ما صنعت، كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت. (1)

و في تعليقة صاحب الوسائل انّه فسّر «أبي عبد اللّه» بالحسين، و على كلّ تقدير فلو كان المراد من حبيب هو المستشهد بين يدي الحسين (عليه السلام) فالرواية مرسلة، لأنّ حماد بن عثمان المتوفّى عام 190 ه‍، لا يمكن أن يروي عمّن استشهد عام 61 ه‍، و إن كان غيره فالرواية مجهولة فلا يعتدّ بالمعارض.

بقي الكلام في ما يدلّ على أنّ القطع لأجل دخول الكعبة مبطل.

روى الصدوق عن حفص البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فيدخلها قال: يستقبل طوافه. (2)

أقول: فالظاهر أنّ موردها الفريضة، فيحمل على ما إذا كان الدخول قبل‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 1. و لاحظ الحديث 3 و 4.

157

[المسألة 21: لو حدث عذر بين طوافه من مرض أو حدث بلا اختيار]

المسألة 21: لو حدث عذر بين طوافه من مرض أو حدث بلا اختيار فإن كان بعد تمام الشوط الرابع أتمّه بعد رفع الضرر و صحّ و إلّا أعاده.* (1)

____________

التجاوز مضافا إلى أنّ مورد بعضها ما إذا دخل البيت و لم يتجاوز النصف، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثمّ وجد من البيت خلوة فدخله كيف يصنع؟ قال: «يعيد طوافه و قد خالف السنّة». (1)

و في خبر ابن مسكان قال: حدّثني من سأله عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة ثلاثة أشواط، ثمّ وجد خلوة من البيت فدخله، قال: «نقض طوافه و خالف السنّة فليعد». (2)

و الظاهر أنّ المراد بمخالفة السنّة هو قطع الطواف، أو عدم رعاية الموالاة.

(1)*

لو حدث عذر في أثناء الطواف

نركّز البحث في المقام على أمرين:

1. طروء الطمث أثناء الطواف.

2. طروء المرض أثناء الطواف و أمّا طروء الحدث الأصغر أو الجنابة فقد استوفينا الكلام فيها في المسألة الأولى من فصل واجبات الطواف.

أمّا الطمث فقد ورد فيه التفصيل في روايات:

1. ما رواه أحمد بن عمر الحلّال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلّت قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 41 من أبواب الطواف، الحديث 4.

158

أو بالصفا و المروة و جاوزت النصف، علّمت ذاك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله». (1)

2. ما رواه إبراهيم بن إسحاق، عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال: «تتم طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامة، و لها أن تطوف بين الصفا و المروة لأنّها زادت على النصف و قد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمّالها بعد الحجّ فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر». (2)

و غيرهما. (3)

نعم هناك ما يدلّ على خلاف ما ذكر في خصوص الطمث؛ أعني: صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقلّ من ذلك ثمّ رأت دما؟ قال (عليه السلام): «تحفظ مكانها، فإذا طهرت، طافت و اعتدت بما مضى». (4)

و قد أفتى بمضمونها الصدوق، و قال: و بهذا الحديث أفتي، لأنّه رخصة و رحمة.

لكنّه بعيد لاستلزامه أن يكون الأمر في الطمث أخفّ من الحدث الأصغر، حيث إنّه لا يبني فيه إلّا بعد التجاوز، بخلاف الطمث فيبني فيه مطلقا، و لذلك حمله الشيخ على النفل من الطواف.

هذا كلّه حول الطمث بقي الكلام في طروء المرض.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 4.

(3). الوسائل: 9، الباب 86 من أبواب الطواف، الحديث 1 و 2.

(4). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 3.