الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
159

طروء المرض أثناء الطواف

فقد أفتى المشهور فيه بمثل ما أفتوا به في الحدث و الطمث من التفصيل، و تدلّ عليه موثّقة إسحاق بن عمّار:

أمّا المرض فقد دلّ على التفصيل فيه موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل طاف طواف الفريضة ثمّ اعتلّ علّة لا يقدر معها على إتمام الطواف، فقال: «إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه، و إن كان طاف ثلاثة أشواط و لا يقدر على الطواف فإنّ هذا ممّا غلب اللّه عليه، فلا بأس بأن يؤخّر الطواف يوما و يومين، فإن خلّته العلة عاد فطاف أسبوعا، و إن طالت علّته أمر من يطوف عنه أسبوعا، و يصلي هو ركعتين، و يسعى عنه، و قد خرج من إحرامه و كذلك يفعل في السعي، و في رمي الجمار». (1)

و لا منافاة بين الذيل «فطاف أسبوعا» و ما ورد في الصدر: «يطوف عنه ثلاثة أشواط»، لاختلاف موردهما، فمورد الذيل من طاف ثلاثة أشواط و مورد الصدر من طاف أربعة أشواط.

مجاوزة النصف أو إتمام الشوط الرابع

اختلفت كلمات الفقهاء في المقام، فمنهم من عبر بمجاوزة النصف و عدمها كما عليه الشيخ في النهاية (2)، و ابن سعيد في الجامع. (3) و منهم من عبّر ببلوغ أربعة أشواط و عدمه كما عليه العلّامة في المنتهى (4)، قولان.

و أمّا المحقّق فقد جعل الملاك تجاوز النصف في عدّة من الموارد. (5)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 45 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). النهاية: 239.

(3). الجامع للشرائع: 198.

(4). المنتهى: 10/ 368.

(5). شرائع الإسلام: 1/ 268.

160

نعم فسّر صاحب الجواهر قول المحقّق «فإن جاوز النصف» بقوله: أي طاف أربعة أشواط و قال: كما فسّره به في «المسالك» و حاشية الكركي، بل جعلا المراد بالمجاوز ذلك، بل ربّما يشهد له ما تسمعه من خبر إسحاق بن عمار الذي به يقيد إطلاق غيره. (1) و مراده من رواية إسحاق هو قول الإمام (عليه السلام) في من قطع طوافه للاعتدال: «إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط، فقد تمّ طوافه، و إن كان طاف ثلاثة أشواط و لا يقدر على الطواف ...». (2)

و أمّا المصنّف فقد اختلفت كلمته فقد جعل المحور في المسألة الأولى من مسائل واجبات الطواف إتمام الشوط الرابع حيث قال: «فإن كان بعد تمام الشوط الرابع توضّأ و أتم طوافه و صحّ». و به قال أيضا في مسألتنا حيث قال: لو حدث عذر بين طوافه من مرض أو حدث بلا اختيار، فإن كان بعد تمام الشوط الرابع أتمّه بعد رفع العذر و صحّ، و إلّا أعاد.

لكنّه جعل الميزان في المسألة السادسة عشرة هو مجاوزة النصف فقال: لو نقص من طوافه سهوا فإن جاوز النصف فالأقوى وجوب إتمامه ... إلى أن قال:

و إن لم يجاوزه أعاد الطواف.

و تعيين أحد الملاكين يحتاج إلى دراسة الروايات الواردة في المقام في شتى الموارد.

أمّا عنوان بلوغ أربعة أشواط و عدمه فقد جاء في كلام الإمام في مورد واحد، أعني: اعتلال الرجل حين الطواف. روى إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل طاف طواف الفريضة ثمّ اعتل علّة لا يقدر معها على إتمام الطواف، فقال:

____________

(1). المسالك: 2/ 340.

(2). المدارك: 8/ 150. و نقله في الجواهر: 19/ 326 عن حاشية الكركي.

161

«إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه، و إن كان طاف ثلاثة أشواط و لا يقدر على الطواف، فإنّ هذا ممّا غلب اللّه عليه، فلا بأس بأن يؤخّر الطواف يوما و يومين، فإن خلّته العلّة عاد فطاف أسبوعا، و إن طالت علّته أمر من يطوف عنه أسبوعا». (1)

و أمّا عنوان التجاوز عن النصف فقد ورد في موارد أربع:

1. في مرسل جميل على ما عرفت. (2)

2. في المرأة إذا طمثت أثناء الطواف. روى الكليني عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت؟

قال: «تتمّ طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامة، و لها أن تطوف بين الصفا و المروة، لأنّها زادت على النصف و قد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحجّ، و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحجّ، فإن أقام بها جمّالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر». (3)

و قد ورد عنوان أربعة أشواط في كلام السائل دون الإمام و إنّما الوارد في كلامه (عليه السلام) هو الزيادة على النصف، و لعلّ المعيار هو الزيادة على النصف، سواء أبلغت أربعة أشواط أم لا.

3. روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه قال: إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت و بين الصفا و المروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع ... إلى أن قال:

فإن هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف. (4)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 45 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 40 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 4.

(4). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 1.

162

4. روى أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلّت. قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بالصفا و المروة و جاوزت النصف علّمت ذلك الموضع الّذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله». (1)

فعلى هذا فقد ورد عنوان التجاوز عن النصف في موارد أربعة، أحدها فيمن أحدث أثناء الطواف، و الثلاثة الباقية في المرأة إذا حاضت أثناء الطواف، كما ورد إكمال الشوط الرابع في مورد واحد، و هو اعتلال الرجل أثناء الطواف.

و على هذا يجب الإمعان في إرجاع أحدهما إلى الآخر.

و يمكن القول بأنّ الميزان هو التجاوز عن النصف، و ذلك:

أوّلا: تضافر التعبير بذلك في كلمات الفقهاء و قد مرّ قسم منها، حيث إنّ الأكثر عبر بتجاوز النصف. نعم أرجع صاحبا المسالك (2) و المدارك (3) مجاوزة النصف إلى أربعة أشواط كما مر، كما تقدّم أنّ صاحب الجواهر أيضا اعتبر النصف أربعة أشواط و نسب التفسير به إلى حاشية الكركي. (4)

و ثانيا: تضافر التعبير بمجاوزة النصف في روايات أربع، بخلاف العنوان الآخر، فإنّه ورد في رواية واحدة.

و لعلّ هذه الوجوه تقرب ما عليه كلمات المشهور من أنّ الميزان هو تجاوز النصف.

و ثالثا: انّ الإمام علل الاعتداد بما أتت من أربعة أشواط في رواية إبراهيم‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). المسالك: 2/ 240.

(3). المدارك: 8/ 150.

(4). الجواهر: 19/ 326.

163

بن إسحاق «بأنّها زادت على النصف» مع أنّ السائل صرح أنّها طافت أربعة أشواط، و لكن الإمام صححها لأجل كونها زادت على النصف دون أن يقول:

لأنّها طافت أربعة أشواط.

و بعبارة أخرى بأنّه لو كان الميزان هو إكمال أربعة أشواط كان الأنسب أن يقول في الشق الثاني: «و إن لم يطف أربعة أشواط» مع أنّ الإمام قال: «و إن كان طاف ثلاثة أشواط»، و الحال أنّ طواف ثلاثة أشواط و طواف ثلاثة أشواط و نصف أو ثلاثة أرباع أو أربعة أخماس مثل من طاف ثلاثة أشواط، فلما ذا خصّ الأخير بالذكر؟

فإن قلت: إنّ الإمام ركز في ذيل الرواية- عند عدم الاعتداد بثلاثة أشواط- و قال: «و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف» و عليه يكون المعيار، هو الشوط الكامل، لا الشوط الناقص، و إلّا كان عليه أن يقول: و إن لم تزد على النصف.

قلت: الإمام صرح بحكم صورة واحدة، و هي إذا طافت ثلاثة أشواط و ترك ذكر الصورة الأخرى، و هي ما إذا زادت على الثلاثة و لم تتجاوز النصف، لمعلومية حكمها، بالتعليل المذكور.

فإن قلت: إنّ الملاك في رواية إسحاق بن عمّار، هو الشوط الكامل حيث قال: إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه، و إن كان طاف ثلاثة أشواط و لا يقدر على الطواف قال: هذا ممّا غلب اللّه عليه، الخ. و لو كان الملاك هو النصف لكان الأنسب أن يقول: «و إن طاف ثلاثة أشواط أو زاد عليها و لم يتجاوز النصف».

قلت: الإشكال مبني على أنّ الإمام بصدد بيان أحكام تمام الصور، غاية‌

164

[المسألة 22: لو شكّ بعد الطواف و الانصراف في زيادة الأشواط لا يعتني به]

المسألة 22: لو شكّ بعد الطواف و الانصراف في زيادة الأشواط لا يعتني به و بنى على الصحّة، و لو شكّ في النقيصة فكذلك- على إشكال- فلا يترك الاحتياط.

و لو شكّ بعده في صحّته من جهة الشكّ في أنّه طاف مع فقد شرط أو وجود مانع بنى على الصحّة، حتّى إذا حدث قبل الانصراف بعد حفظ السبعة بلا نقيصة و لا زيادة.* (1)

____________

الأمر لم يذكر حكم الصورة المذكورة، أضف إلى ذلك: أنّ المفروض في كلام الإمام هو عدم قدرته على أزيد من ثلاثة أشواط، فكيف يناسب ذكر حكم من زاد على الثلاثة و لم يتجاوز النصف؟!

و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ غير المتجاوز عن النصف، يقطع و يتوضّأ أو يغتسل، و يعيد، و من أتمّ الشوط الرابع، يبني على ما سبق و يتمّ بلا إشكال؛ و أمّا المتجاوز عن النصف غير المتم للشوط الرابع، فهو يحتاط بالإتمام أوّلا، ثمّ بالإعادة ثانيا لتردده بين بقائه تحت المستثنى منه أو خروجه عنه.

(1)* في المسألة فروع:

1. الشكّ في الزيادة بعد الانصراف عن الطواف.

2. الشكّ في النقيصة بعد الانصراف. و كلاهما من قبيل الشكّ في الكميّة.

3. الشكّ في الكيفية، أي وجود الشرط قبل الانصراف مع حفظ السبعة.

و إليك دراسة هذه الفروع واحدا بعد الآخر:

الفرع الأوّل: الشكّ في الزيادة

و إن شئت قلت: الشكّ في كميّة الطواف بعد الانصراف.

165

يقول المحقّق في هذا الصدد: و من شكّ في عدده بعد انصرافه لم يلتفت. (1)

و العبارة المذكورة تعم الشك في الزيادة و الشك في النقيصة.

أقول: إنّ الصحّة مقتضى قاعدة الفراغ، لأنّ المفروض أنّه شكّ في الزيادة بعد الانصراف مضافا إلى صحيح الحلبيّ: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة، فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية، فقال: «أمّا السبعة فقد استيقن، و إنّما وقع وهمه على الثامن فليصلّ ركعتين». (2)

فلو قلنا بأنّ مورده، هو الطائف المنصرف عن عمل الطواف، و الداخل في عمل آخر، يكون حجّة في المورد، بمنطوقه.

و أمّا لو قلنا بأنّ مورده الفارغ عن العمل دون المنصرف عنه- كما سيأتي في المسألة 23- أعني: من شك بعد الوصول إلى الحجر الأسود في أنّه زاد على طوافه أو لا، فيكون حجّة في المورد، بالأولوية، فإذا وجب البناء على الصحّة في الفارغ غير المنصرف، وجب في الفارغ المنصرف بوجه أولى.

الفرع الثاني: الشكّ في النقيصة

إذا شكّ في النقيصة فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: مقتضى القاعدة الأولى:

فلو قلنا- بالمختار- من جواز الفصل بين الأشواط ما لم يخلّ بالموالاة من غير فرق بين إتمام الشوط الرابع و عدمه فيرجع و يتم إذا كانت الموالاة حين الشكّ، محفوظة بخلاف ما إذا كانت حينه غير محفوظة فلا يعتد بالشك لوجود التجاوز عن المحل.

و أمّا إذا قلنا بأنّ الملاك هو إتمام الشوط الرابع و عدمه، فلو شك في الإتيان‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 270.

(2). الوسائل: 9، الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث 1.

166

بالشوط الثالث أو الرابع و ما بعده، فقد تجاوز محله فلا يرجع، و أمّا لو تعلّق الشك، بالشوط الخامس أو أزيد، فيما أنّه لم يتجاوز عن محلّه حتى و ان انصرف لما ذكرنا من جواز الفصل، حتى و إن انتهى إلى فوت الموالاة، و عندئذ يرجع و يعتدّ بالشك، و لعله لأجل ذلك احتاط الإمام في الشك في النقيصة دون الزيادة، و كان عليه أن يفصّل بين الشك في الشوط الرابع و ما قبله فلا يعتد، و تعلّقه بما بعده فيعتد، هذا إذا كان مستند الاحتياط هو القاعدة، لا ما يأتي من الروايتين.

الثاني: مقتضى الروايات:

الظاهر من الروايتين التاليتين صحّة الطواف إذ انصرف منه:

1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أ ستّة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه»، قيل:

إنّه قد خرج وفاته ذلك؟ قال: «ليس عليه شي‌ء». (1)

2. صحيح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه».

قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئا و الإعادة أحبّ إليّ و أفضل». (2)

المناقشة في سند الرواية الأولى

أقول: إنّ الشيخ قد رواها في «التهذيب» باسناده عن موسى بن قاسم، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن حمّاد عن حريز، عن محمد بن مسلم.

و قال في «الوسائل» بعد نقل السند عن «التهذيب». أقول: عبد الرحمن الّذي يروي عنه موسى بن قاسم هو ابن أبي نجران و تفسيرها هنا بابن سيّابة:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 8.

167

غلط، كما حقّقه صاحب المنتقى و غيره.

أقول: لا شكّ في وثاقة عبد الرحمن بن أبي نجران، غير أنّ عبد الرحمن بن سيابة مختلف فيه، و استظهر شيخنا في «قاموس الرجال» كونه مذموما، و الدليل على صحّة ما ذكره صاحب الوسائل هو اختلاف الطبقة بين الراوي «موسى بن القاسم» و المروي عنه «عبد الرحمن بن سيابة»، فإنّ الثاني من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، روى الكشي أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) دفع إليه مالا ليقسمه في عيالات من أصيب مع عمّه زيد، و قد استشهد زيد في سنة 121 ه‍، و أمّا موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب فهو من رجال الإمام الرضا و الجواد (عليهما السلام)، و من أراد التفصيل فليرجع إلى «منتقى الجمان» لصاحب المعالم. (1)

فكيف يمكن أن ينقل من هو من أصحاب الرضا و الجواد عمّن يعدّ من الطبقة الأولى من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستدلال بالروايتين مبني على اختلاف ظرف عروض الشكّ على الطائف في الشقين.

أمّا الشقّ الأوّل فقد عرض له الشكّ بين الستة و السبعة، و هو بعد لم ينصرف عن الطواف فلا تجري فيه قاعدة الفراغ، و لذلك يجب عليه إعادة الطواف، لصريح قوله: فليعد طوافه لما سيوافيك في المسألة 23 من أنّ الشكّ في النقيصة في الأثناء يوجب الإعادة.

و أمّا الشق الثاني الذي هو الصالح للاستدلال به على الفرع، فلا بد أن يحمل على ما إذا عرض له الشكّ بين الستّة و السبعة لكن بعد انصرافه و خروجه عن المطاف فتجري في حقّه قاعدة الفراغ، و لذلك قال الإمام (عليه السلام): «لا شي‌ء‌

____________

(1). منتقى الجمان: 3/ 283.

168

عليه». و هذا هو الّذي اختاره في «الجواهر». (1)

و حصيلة الكلام: انّ الاستدلال بهما في المقام مبني على اختلاف زمان عروض الشكّ، ففي الأوّل عرض الشك و هو بعد في المطاف لم ينصرف، و لذلك قال يعيد طوافه، و في الثاني عرض بعد انصرافه و خروجه عن المطاف فيكون الشق الثاني دليلا على الصحة في المقام و لا يبقى مجال للاحتياط كما في المتن.

و لكن في الرواية احتمالا آخر و هو وحدة زمان عروض الشك في كلا الشقين، غير أنّ الفرق بين الشقّين بقاء الرجل في المطاف في الأوّل و خروجه عن مكّة و ربّما لحوقه بأهله في الثاني.

و الدليل على أنّ المفروض في الصدر و الذيل أمر واحد هو أنّ الضمير في قول السائل في الشق الثاني: «أنّه قد خرج وفاته ذلك» يرجع إلى نفس الشاك في الشق الأوّل و أنّه خرج وفاته. فتفسير الشق الثاني بالشكّ بعد الانصراف يستلزم التفكيك بين المرجع و الضمير الراجع إليه، فإنّ المتبادر أنّ هنا رجلا شك بين الستة و السبعة في حال الطواف، فأمر الإمام بإعادة طوافه، عند تواجده في المطاف.

ثمّ إنّ الراوي أعاد السؤال، و قال: ذلك الرجل الشاك قد خرج وفاته ذلك، فقال الإمام: «ليس عليه شي‌ء»، فالجواب في السؤالين يرجع إلى موضوع واحد.

و لكن الذي يضعف هذا الاحتمال، انّه لو كان ظرف الشك في الشقّين واحدا يلزم خرق الإجماع، قال في الجواهر: انّ الشكّ في الأثناء يوجب الاستئناف- أو إتيان شوط آخر أو هو إمّا عن عمل أو جهل أو نسيان، و لكلّ موجب، و لأنّه كترك الطواف كلا أو بعضا، و ليس فيها أنّه لا شي‌ء عليه أصلا، فالحكم به صريحا‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 382.

169

[المسألة 23: لو شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود في أنّه زاد على طوافه بنى على الصحّة]

المسألة 23: لو شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود في أنّه زاد على طوافه بنى على الصحّة، و لو شكّ قبل الوصول في أنّ ما بيده السابع أو الثامن مثلا بطل، و لو شكّ في آخر الدور أو في الأثناء أنّه السابع أو السادس أو غيره من صور النقصان بطل طوافه.* (1)

____________

في الروايات- بعد مراعاة الإجماع، أو صح دليل على إرادة صورة الشك بعد الانصراف. (1)

و قال في موضع آخر: و من هنا قلنا يجب حمل الصحيح و نحوه على إرادة كون الشكّ بعد الفراغ و إن أبيت فالطرح و إيكال علمه إليهم (عليه السلام) خير من ذلك. (2)

الفرع الثالث: لو حدث الشكّ في وجود الشرط أو وجود المانع بعد الفراغ عن العمل الذي يشير إليه المصنّف بقوله بعد حفظ السبعة، يبني على الصحة، و وجهه: انّه لا يشترط في جريان القاعدة الدخول في الغير، بل يكفي الفراغ كما ثبت في محلّه. و المقام أشبه بمن صلّى و شك- بعد الفراغ- في أنّه هل كان على وضوء أو لا.

(1)* الشكّ في الزيادة و النقيصة قبل الانصراف كان البحث في المسألة السابقة حول الشكّ في الزيادة و النقيصة بعد الانصراف.

و أمّا الكلام في المقام فالشكّ في الزيادة و النقيصة قبل الانصراف.

____________

(1). الجواهر: 19/ 378.

(2). الجواهر: 19/ 383.

170

إنّ الشكّ في الزيادة و النقيصة يطرأ تارة بعد الوصول إلى الركن و أخرى قبله، فتصير الأقسام أربعة.

ثمّ إنّه ربّما يكون الشكّ متمحّضا في الزيادة كما إذا شكّ بعد الوصول إلى الركن بين السبعة و الثمانية، و أخرى يكون غير متمحض فيها كما إذا شكّ قبل الوصول إلى الركن انّ ما بيده السابع أو الثامن. فلو قطع يحتمل النقص، و لو استمرّ في العمل يحتمل الزيادة.

و أمّا الفروع المذكورة في المتن بشكل صريح أو غير صريح فهي عبارة عن:

1. إذا شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود أنّه زاد في طوافه أو لا. فالشكّ متمحض في الزيادة.

2. إذا شكّ قبل الوصول إليه في أنّ ما بيده هو السابع أو الثامن، فالأمر يدور بين الزيادة و النقيصة.

3. إذا شكّ بعد الوصول إلى الحجر الأسود أنّه السابع أو السادس.

4. إذا شكّ قبل الوصول إلى الحجر الأسود أنّه السابع أو السادس.

و الشكّ في الأخيرين متمحض في النقيصة.

هذا ما ذكره المصنّف لكن أقسام الشكّ أكثر ممّا ذكره و ربّما أشار إلى ما لم يذكر بقوله: «أو غيره من صور النقصان» لأنّ ما ذكره يدور حول الشكّ بين الكامل و الزائد، أو بين الناقص و الكامل، و لكن ربما يكون غير ذلك نظير:

1. الشكّ بين الناقصين، كالشكّ بين الثلاثة و الأربعة.

2. الشكّ بين الناقص و الزائد كالشك بين الستة و الثمانية.

3. الشكّ بين الناقص و الكامل و الزائد كالشك بين الستة و السبعة و الثمانية.

171

و إليك دراسة الفروع الأربعة المذكورة في كلام المصنّف بشكل صريح أو غير صريح واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: لو شكّ عند الركن في أنّه طاف سبعة أو ثمانية

و مراده (قدّس سرّه) من هذا الفرع هو: الشكّ بعد الفراغ عن الطواف و قبل الانصراف، و أمّا إذا شكّ بعد الانصراف فيدخل في المسألة السابقة و لا شكّ في صحته، كما مرّ.

و بذلك يعلم ما هو المقصود من عبارة صاحب الشرائع فإنّه ذكر فرعين بالنحو التالي:

أ. و من شكّ في عدده بعد انصرافه لم يلتفت.

ب. و إن كان في أثنائه و كان شاكا في الزيادة قطع و لا شي‌ء عليه. (1)

فالجملة الأولى داخلة في المسألة السابقة الّتي فرغنا عنها، و أمّا الجملة الثانية، و الظاهر انّه أريد به الفرع الأوّل في المقام، فانّ الظاهر انّ مراده، بالأثناء هو عدم الانصراف بقرينة الجملة المتقدمة «و من شكّ في عدده بعد انصرافه» و على هذا يكون مراده من القطع، عدم الإتيان بشوط آخر، و كان على المحقّق أن يستخدم عبارة «قبل الانصراف» مكان الأثناء، و لذلك فسّر غير واحد من شرّاح الشرائع هذه العبارة كما يلي:

قال الشهيد في «المسالك» في ذيل العبارة الثانية: إنّما يقطع مع الشكّ في الزيادة إذا كان على منتهى الشوط (الفرع الأوّل) أمّا لو كان في أثنائه بطل طوافه لتردده بين محذورين؛ الإكمال المحتمل للزيادة عمدا و القطع للنقيصة. (2)

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 270.

(2). المسالك: 2/ 349.

172

و قال في «الجواهر» في ذيل عبارة المحقّق: نعم لا يكون ذلك إلّا إذا كان الشكّ عند الركن قبل نية الانصراف، لأنّه إذا كان قبله استلزم الشكّ في النقصان المقتضي تردّده بين محذورين ... الخ. (1)

إذا عرفت ذلك فلنذكر شيئا من كلمات الأصحاب حول الفرع.

قال الشيخ: و من شكّ فلم يعلم سبعة طاف أم ثمانية قطع الطواف، و صلّى ركعتين و ليس عليه شي‌ء. (2)

و كلام الشيخ إمّا مطلق يعم صورتي الانصراف و عدمه، أو ناظر إلى خصوص ما لو شكّ بعد الوصول إلى الركن، و لم يتجاوز و لم ينصرف.

و يمكن أن يستدل على هذا الفرع بصحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أو ثمانية؟

فقال (عليه السلام): «أمّا السبعة فقد استيقن، و إنّما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين». (3) و رواه الشيخ أيضا بسند آخر عن الحلبي. (4)

و الروايتان متحدتان، و مقتضى إطلاق السؤال و الجواب، هو صحّة الطواف سواء أشكّ و هو بعد في المطاف و لم ينصرف، أم شكّ و هو خرج عنه و انصرف (الصورة الثانية هي المسألة السابقة).

و لو قلنا باختصاصها بما إذا شكّ و هو بعد لم ينصرف دلّت على الصحة في صورة الانصراف بالأولوية.

نعم لو قلنا بالعكس و انّ مورد السؤال و الجواب هو ما إذا انصرف، فلا يدلّ على الصحّة في المقام، لكن الاحتمال الأخير ضعيف و الأقوى هو الأوّل، أي‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 379.

(2). النهاية: 238.

(3). الوسائل: 9، الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث 2.

173

إطلاق الحديث و شموله لكلتا الصورتين، ثمّ الثاني.

و بذلك يظهر وجه الاستدلال بالرواية التالية:

و روى محمد بن إدريس في آخر «السرائر» عن جميل أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف فلم يدر سبعا طاف أم ثمانيا؟ قال: «يصلّي ركعتين». (1)

فقوله: «يصلّي ركعتين» أي لا يعتني بالشكّ و يصلّي ركعتي الطواف. و على هذا فالصحّة في الفرع الأوّل لا غبار عليها.

الفرع الثاني: إذا شكّ في أثناء الشوط أ هو السابع أو الثامن

إذا شكّ في أنّ ما بيده بأنّه السابع أو الثامن و لا يتصوّر ذلك إلّا إذا طرأ الشكّ في أثناء الشوط، كما إذا شكّ فيه بين كونه ستة أشواط و نصف أو سبعة أشواط و نصف.

و يتميّز هذا الفرع عمّا سبق أنّ الشكّ في السابق كان متمحضا في الزيادة و لم يكن فيه حال الشك احتمال النقص بخلاف هذا الفرع، فإنّ الطائف في حال الشك يحتمل أنّ ما بيده جزء الطواف، فلو لم يأت به يلزم النقص، أو زائد عليه فلو أتى به يلزم الزيادة، فلذلك يدور أمره بين النقص لو قطع، و الزيادة لو استمر في العمل.

إذا علمت ذلك فلندرس هذا الفرع، فنقول: فقد أفتى المصنّف بالبطلان تبعا لما ادّعى من الشهرة عليه، فيقع الكلام في مقتضى القاعدة الأوّلية، ثمّ مقتضى القاعدة الثانوية.

أمّا الأولى فإنّ مقتضاها هو الصحة و لزوم الاستمرار في العمل أخذا‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث 3.

174

بالاستصحاب، فالحكم الظاهري في حقّه هو عدم الإتيان بالشوط السابع، فعليه أن لا ينقض يقينه بالشكّ، فيستمر في العمل، حتى و لو كان ما بيده زائدا في الواقع فهو مغتفر عملا بالحكم الظاهري.

و ما ربّما يقال من أنّ الأمر دائر بين الزيادة و النقيصة مدفوع بأنّ الأصل عدم الزيادة، و عدم الإتيان بالزائد، فالنقص هو المطابق للأصل.

و أمّا مقتضى الأدلّة الثانوية فربما يقال بأنّ مقتضاها هو البطلان بالوجوه التالية: (1)

الوجه الأوّل: ما تضافر من الروايات على أنّ الشاك بين الستّة و السبعة يعيد: و مصب هذه الروايات هو الفرع الثالث و الرابع، لكن يمكن الاستدلال على هذا الفرع كما سيوافيك:

1. و هي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل لم يدر ستّة طاف أو سبعة؟ قال: «يستقبل». (2)

2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل لم يدر أ ستة طاف أو سبعة؟ فقال: «يستقبل». (3) إلى غير ذلك من الروايات الّتي ستوافيك في الفرعين: الثالث و الرابع.

فإنّ إطلاقها يشمل بعد الفراغ من الشوط و وصوله إلى الحجر الأسود كما انّه يشمل الأثناء و قبل الوصول إليه، فلو تجاوز عنه بمقدار خطوات و شكّ انّ ما في يده سادس أو سابع يصدق عليه أنّه طاف و لم يدر ستة طاف أو طاف سبعة و إن لم يصل إلى الحجر و لم يتم الشوط، بل تخصيص حصول الشكّ بين الستة‌

____________

(1). لاحظ المعتمد: 5/ 78، طبعة منشورات دار العلم- 1410 ه‍.

(2). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 9.

(3). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 2.

175

و السبعة بحين الوصول إلى الحجر تخصيص بالفرد النادر، إذ الشكّ غالبا يحصل في الأثناء و قبل الوصول إلى الحجر. (1)

يلاحظ عليه: عدم الصلة بين الروايتين (2) و الفرع المذكور، و ذلك من وجهين:

الأوّل: الاختلاف في زمان الشك، فانّ ظرفه في الروايات حين الوصول إلى الحجر، فيشك في أنّ ما أتى به هل هو الشوط السادس أو السابع، بخلاف المقام، فإنّ ظرف الشكّ أثناء الطواف، لما عرفت من أنّ الشكّ بين الستة و السبعة يرجع إلى الشكّ في أنّ ما بيده ستة أشواط و نصف أو سبعة أشواط و نصف.

الثاني: الاختلاف في متعلّقه، فإنّ متعلّقه في الروايات هو الشوط الكامل و في المقام هو الشوط الناقص.

نعم يشتركان في دوران الأمر بين الزيادة و النقيصة.

اللهم إلّا أن يقال: إنّ الملاك في الإعادة هو دوران الأمر بين المحذورين:

النقيصة و الزيادة، من غير فرق بين الشوط الكامل و الشوط الناقص، أي من غير فرق بين طروء الشك عند الركن، كما في مورد الروايات أو في الأثناء كما هو المفروض في هذا الفرع.

الوجه الثاني: الاستدلال بالتعليل الوارد في صحيح الحلبي: انّ العبرة بالتيقّن بالسبع قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية؟ فقال: «أمّا السبعة فقد استيقن، و إنّما‌

____________

(1). المعتمد: 5/ 79.

(2). إنّ مورد الروايتين هو الفرع الثالث و الرابع اللّذين يكون الشك فيه ممحضا في النقيصة فقط، لكن السيد الخوئي استدلّ بهما على الفرع الثاني الذي يدور الشكّ بين النقيصة و الزيادة بالبيان الماضي في كلامه.

176

وقع وهمه على الثامن فليصلّ ركعتين». (1)

فظاهر الرواية أنّ السبب للحكم بعدم الإعادة هو إحراز السبعة حين الشكّ و بعد لا يضرّ الشكّ في الزيادة، و أمّا المقام فلم يحرز فيه السبعة، لما عرفت من أنّ الشكّ دائر بين ستة و نصف أو سبعة و نصف.

فإن قلت: إنّ الشاك إذا استمر في الطواف حتى ينهي ما في يده يدخل تحت الرواية، و تكون السبعة محرزة و الثمانية مشكوكة.

قلت: إنّ المتبادر من الرواية أن تكون السبعة محرزة حين الشك بنفسه لا أن يحرز بالعمل الزائد.

أضف إلى ذلك أنّ التمسك بالرواية لجواز إكمال الشوط يرجع إلى إثبات الحكم موضوعه، و هو أمر غير صحيح، و إلّا لزم تصحيح بعض الشكوك الباطلة، مثلا في صحيح زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام):

قال: قلت له: من لم يدر في اثنتين هو أم في أربع؟ قال: «يسلّم و يقوم فيصلّي ركعتين ثم يسلّم و لا شي‌ء عليه». (2)

فلو افترضنا أنّه شك قبل السجدة الثانية في أنّ ما بيده من الركعة، فهل له أن يسجد حتى يصدق عليه أنّه شكّ بين اثنتين و أربع؟

الوجه الثالث: التعليل الوارد في معتبرة أبي بصير قال: قلت له: رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية، قال: «يعيد طوافه حتّى يحفظ». (3)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث 1. انّ مورد الرواية هو الفرع الأوّل الذي يكون الشك متمحضا في الزيادة لكن استدلّ بالتعليل الوارد فيها على بطلان الفرع الثاني.

(2). الوسائل: 5، الباب 11 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 4.

(3). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 11. و مورد الحديث هو الشكّ في الزيادة و النقيصة، لكن استدلّ بالتعليل الوارد فيه على بطلان الفرع الثاني.

177

و التعليل في كلا الحديثين واحد، و إن كان المورد مختلفا كما هو واضح.

و في السند إسماعيل بن مرّار، و يظهر من كلام ابن الوليد، وثاقته، لأنّه روى أكثر من مائتي رواية عن يونس، قال ابن الوليد: كتب يونس الّتي هي بالروايات كلّها صحيحة معتمد عليها، إلّا ما ينفرد به محمد بن عيسى بن العبيد.

و مضمونه قريب من مضمون صحيح الحلبي، و ظاهره انّ الصحة رهن حفظ السبعة أشواط و إحرازه و هو بعد غير محرز في المقام، لأنّ الشوط الناقص دائر بين كونه متمّما للشوط السابع أو للشوط الثامن.

الوجه الرابع: إطلاق خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل شكّ في طواف الفريضة؟ قال: «يعيد كلّما شك» قلت: جعلت فداك: شكّ في طواف نافلة قال: «يبني على الأقل». (1)

و في السند علي بن حمزة لكن الراوي عنه هو عن علي بن الحكم، و من البعيد أن يروي مثله عنه حين وقفه. و هو صالح للتأييد، لشمول إطلاقه المقام.

و المجموع كاف لإثبات ما نسب إلى المشهور من البطلان.

الفرع الثالث و الرابع: فيما إذا تمحض الشكّ في النقيصة

إذا شكّ في آخر الدور أو في الأثناء بين السابع أو السادس على نحو يكون الشكّ متمحّضا في النقصان و تكون الزيادة قطعي العدم، فالظاهر كما عليه الماتن هو بطلان الطواف شهرة و رواية.

قال ابن زهرة: و يستأنفه إن شك و هو طائف فلم يدر كم طاف و لا يحصل له شي‌ء جملة أو شكّ بين ستة و سبعة بالإجماع المذكور و طريقة الاحتياط. (2)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 12.

(2). غنية النزوع: 1/ 176.

178

و قال ابن إدريس: و من شكّ في طوافه و كان شكّه في ما دون السبعة و هو في حال الطواف قبل انصرافه منه، فإن كان طواف فريضة وجب عليه الإعادة. (1)

و قال المحقّق: و إن كان في النقصان استأنف في الفريضة. (2)

و قال العلّامة: و إن كان في النقصان مثل أن يشكّ بين الستة و السبعة أو الستة و الأقل، فإن كان طواف الفريضة أعاده من أوّله. (3)

و قال في «المدارك» بعد قول المحقّق: هذا هو المشهور. (4)

و مع ذلك ففي المقام قول بالأخذ بالأقل نقله العلّامة في «المختلف» عن عدّة من القدماء- كما سيوافيك- و اختاره صاحب المدارك.

و الدليل على وجوب الاستئناف مضافا إلى الشهرة، بل الإجماع المدّعى في «الغنية» ما تضافر من الروايات من أنّ من شكّ بين الستة و السبعة يعيد طوافه.

و قد تقدّم قليل منها في الفرع الثاني (5)، و إليك ما لم نذكر:

1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أ ستة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه» قيل:

انّه قد خرج وفاته ذلك، قال: ليس عليه شي‌ء». (6) و قد مرّ الكلام في سنده. و قوله:

«فليعد طوافه» صريح في بطلان ما أتى.

2. صحيح منصور بن حازم قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّي طفت فلم أدر أ ستة طفت أم سبعة فطفت طوافا آخر؟ فقال: «هلّا استأنفت». فقلت: طفت‌

____________

(1). السرائر: 1/ 572.

(2). شرائع الإسلام: 1/ 270.

(3). تحرير الاحكام: 1/ 588.

(4). المدارك: 8/ 179.

(5). صحيح الحلبي و ابن عمار لاحظ الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 9 و 2.

(6). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 1.

179

و ذهبت قال: «ليس عليك شي‌ء». (1) فقوله: «هلا استأنفت» تحريض على الإعادة الكاشفة عن البطلان.

بل يستفاد من بعض الروايات انّ الشكّ في النقصان بصوره المختلفة سبب للبطلان و لزوم الإعادة، نظير:

3. موثّقة حنان بن سدير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل طاف فأوهم، قال: طفت أربعة أو طفت ثلاثة؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أي الطوافين كان طواف نافلة أم طواف فريضة؟ قال: إن كان طواف فريضة فليلق ما في يده و ليستأنف ...». (2)

و هذه الرواية مع ما نقلناه في الفرع السابق بأنّ الشكّ في النقصان بصوره المختلفة موضوع للإعادة.

4. ما روى الصدوق: و سئل (عليه السلام) عن رجل لا يدري ثلاثة طاف أو أربعة؟ قال: «طواف نافلة أو فريضة؟» قيل: أجبني فيهما جميعا. قال: «إن كان طواف نافلة فابن على ما شئت، و إن كان طواف فريضة فأعد الطواف». (3)

5. خبر أحمد بن عمر المرهبي عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) قال: قلت: رجل شكّ في طوافه فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «إن كان في فريضة أعاد كلّما شك، و إن كان نافلة بنى على ما هو أقلّ (4)». و قد مرّ صحيحا الحلبي و معاوية عند البحث في الفرع الثاني، و معهما عدد الروايات إلى سبعة.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 3. و لاحظ الحديث 8.

(2). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 7.

(3). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 6.

(4). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 4. و أحمد بن عمر المرهبي مجهول له رواية واحدة.

180

إنّ الفقيه بعد الإحاطة بالروايات الواردة حول الشكّ في نقصان الطواف ينتقل إلى أنّ الشكّ في النقصان بصوره المختلفة سبب للإعادة، و عند ذلك يكون حكم الفرعين الثالث و الرابع واحد. بل قد عرفت إمكان الاستدلال بها على البطلان في الفرع الثاني فيكون حكم الفروع الثلاثة واحدا.

هذا كلّه يثبت بأنّ الإعادة طريق الامتثال.

و مع ذلك كلّه فهنا قول آخر، و هو البناء على الأقل و الاستمرار في العمل حتى يكمل الأشواط. و قد نقله العلّامة في «المختلف» عن المفيد و علي بن بابويه في رسالته و أبي الصلاح و ابن الجنيد. (1)

قال المفيد: من طاف بالبيت فلم يدر ستة طاف أو سبعة فليطف طوافا آخر ليستيقن أنّه طاف سبعا. (2)

إنّما الكلام في مصدر هذا القول. فنقول:

يمكن الاستدلال عليه بوجهين:

1. انّ البناء على الأقل مقتضى القاعدة الأوّلية، لأنّ الأصل عدم الإتيان بالمشكوك، و مقتضى الاشتغال اليقيني هو البراءة اليقينة، غاية الأمر يأتي بالمشكوك رجاء و على وجه الاحتياط، بل على وجه الجزئية أخذا بمقتضى الاستصحاب. اللّهم إلّا إذا كان الموضوع هو الأشواط السبعة الموصوفة بعدم الزيادة، فلا يمكن إحراز الوصف بالأصل.

2. الروايات الدالّة على جواز الاكتفاء بالأقل:

____________

(1). المختلف: 4/ 187.

(2). المقنعة: 440.

181

1. صحيحة رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل لا يدري ستة طاف أو سبعة؟ قال: «يبني على يقينه». (1)

و الرواية و إن كانت صريحة في لزوم البناء على الأقل، لكن مقتضى الجمع بينها و بين ما دلّ على الإعادة، هو جواز البناء على اليقين و عدم تعيّنه فللطائف أن يمتثل بأحد الوجهين.

ثمّ إنّه ربّما يجمع بين هذه الرواية و ما سبق من الروايات بوجهين آخرين:

أ. حملها على النافلة و بالتالي التصرف في المادة.

ب. حملها على الشكّ بعد الفراغ و الانصراف.

يلاحظ عليهما: أنّ ما ذكرنا من الجمع جمع عرفي فيتصرف في الهيئة الدالّة على التعيّن بقرينة الروايات السابقة و تكون النتيجة هي التخيير بخلاف ما ذكر من الوجهين، فإنّ الكلّ تصرف بلا شاهد.

2. صحيح منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي طفت فلم أدر أ ستّة طفت أم سبعة فطفت طوافا آخر، فقال: «هلّا استأنفت؟» قلت: طفت و ذهبت، قال: «ليس عليك شي‌ء». (2)

فإنّ الظاهر أنّ المراد من قوله: «فطفت طوافا آخر»، هو الطواف شوطا إضافيا، بقرينة أنّ الإمام حثّه على الاستئناف، فلو كان المقصود الطواف الكامل، لما كان وجه للتخصيص بقوله: «هلّا استأنفت» لأنّه على هذا الفرض قد استأنف. و مع ذلك قال: «هلّا استأنفت»، و هذا يدلّ على جواز الاكتفاء بالأقل و الإتيان بالمشكوك رجاء، أو بعنوان الجزئية حسب مقتضى الحكم الظاهري.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(2). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 3.

182

و من الغريب ما احتمله صاحب الجواهر و قال: بل قد يحتمل قوله: «و قد طفت» الإعادة على معنى فعلت الأمرين: الإكمال و الإعادة. (1) لأنّ الظاهر أنّ قوله: «طفت و ذهبت» إشارة إلى قوله المتقدّم: «فطفت طوافا آخر» الذي عرفت أنّه بمعنى الشوط الواحد لا الطواف الكامل، و لذلك يقول: «و ذهبت» أي طفت شوطا واحدا و ذهبت إلى سائر أعمالي، و ما أعدت.

و هاتان الروايتان ظاهرتان في جواز البناء على الأقل و الإتيان بشوط.

ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على جواز البناء على الأقل بروايتين قد مرّ الكلام فيهما:

1. صحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل، طاف بالبيت فلم يدر أ ستة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه». قيل:

إنّه قد خرج وفاته ذلك، قال: «ليس عليه شي‌ء». (2)

فقوله: «فليعد طوافه» أمر بالإعادة، و لكن الذيل دليل على عدم تعيّنه. قال:

ليس عليه شي‌ء.

2. صحيح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه»، قلت: ففاته، قال: «ما أرى عليه شيئا و الإعادة أحبّ إليّ و أفضل». (3)

يلاحظ على الاستدلال بأنّه: إنّما يتمّ إذا كان في الرواية دليل شاهد على أنّه بنى على الأقل و طاف شوطا آخر، و الظاهر أنّه ترك المطاف مع الشكّ دون أن يتدارك، فالاستدلال بهما على القول الثاني غير تامّ أوّلا، و ذيل الرواية معرض عنه‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 382.

(2). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 8.

183

[المسألة 24: كثير الشك في أعداد الأشواط لا يعتني بشكّه]

المسألة 24: كثير الشك في أعداد الأشواط لا يعتني بشكّه. و الأحوط استنابة شخص وثيق لحفظ الأشواط، و الظن في عدد الأشواط بحكم الشكّ* (1)

____________

ثانيا، لأنّ الأمر يدور بين أحد أمرين: إمّا الإعادة كما هو المشهور، أو البناء على الأقل و الإتيان بشوط آخر، و أمّا ترك المطاف و عدم الإتيان بشي‌ء فهو خلاف المجمع عليه.

فتلخّص من هذا البحث الضافي انّ الشكّ قبل الانصراف إذا كان ممحّضا في الزيادة، فالطواف صحيح، و أمّا إذا كان دائرا بين الزيادة و الشكّ، فالبطلان أظهر، و أمّا إذا كان ممحّضا في النقيصة ففيه وجهان في طريق الامتثال: الإعادة أو إضافة شوط آخر.

(1)* في المسألة فرعان:

1. كثير الشكّ لا يعتني بشكّه.

2. الظن في الأشواط ليس بحجة.

و إليك دراسة الفرعين:

[الفرع] الأوّل: كثير الشكّ في أعداد الأشواط لا يعتني بشكّه

توضيحه: أنّ الشكّ موضوع للحكم في بابي الصلاة و الطواف.

الشكّ في الأولتين من الفريضة يوجب بطلان الصلاة.

الشكّ في عدد صلاة الفجر و الجمعة و المغرب يوجب الإعادة.

الشكّ بين الثنتين و الثلاث بعد إكمال السجدتين يبني على الثلاث، و هكذا، هذا في الصلاة، و أمّا في الطواف فقد عرفت أنّ للشكّ أحكاما.

184

فلو شكّ في الزيادة و النقيصة بعد الانصراف فلا يعتدّ به مطلقا.

و لو شكّ قبل الانصراف، فلو كان الشك في الزيادة فقط صح الطواف، و لو كان دائرا بين الزيادة و النقيصة يبطل، و لو كان في النقيصة فقط فعليه الإعادة.

متعيّنا أو مخيّرا على ما مرّ.

فهل هذه الأحكام ثابتة لمطلق الشاك و لو على من كثر سهوه، أو أنّها منصرفة إلى الشاك العادي، فمن كثر سهوه فهو يبني على إتيان ما شكّ فيه؟

فقد دلّت روايات عديدة على اختصاص أدلّة أحكام الشكوك في الصلاة بالشك العادي دون من كثر شكه فإنّه لا يعتد به فيها.

ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال (عليه السلام): «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنّه يوشك أن يدعك إنّما هو من الشيطان». (1)

و في رواية أخرى عن زرارة و أبي بصير قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه، قال: «يعيد».

قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شكّ، قال: «يمضي في شكّه- إلى أن قال (عليه السلام):- إنّما يريد الخبيث (الشيطان) أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم». (2)

فلسان هذه الروايات التي نقلها الشيخ الحرّ العاملي (رحمه اللّه) في وسائله يعرب عن أنّ أحكام الشكوك في أي باب من أبواب الفقه راجع إلى الشكّ العادي، و أمّا الشكّ الخارج عن العادة فالعناية به مورد رغبة الشيطان و الإعراض عنه عصيان له، و على ذلك يجب ألا يعتني بشكّه إذا كان كثير الشك، و من يكثر عليه السهو، من غير فرق بين ما في الصلاة و الطواف.

____________

(1). الوسائل: 5، الباب 16 من أبواب الخلل، الحديث 1.

(2). الوسائل: 5، الباب 16 من أبواب الخلل، الحديث 2.

185

ثمّ إنّ المصنّف احتاط باستنابة شخص وثيق لحفظ الأشواط، و هذا هو الذي أشار إليه المحقّق و غيره في كتبهم.

قال المحقّق: لا بأس أن يعوّل الرجل على غيره في تعداد الطواف، لأنّه كالأمارة. (1)

و قال العلّامة في «التذكرة»: و يجوز التعويل على غيره في عدد الطواف كالصلاة، لأنّ سعيد الأعرج سأل الصادق (عليه السلام) عن الطواف أ يكتفي الرجل بإحصاء صاحبه؟ قال (عليه السلام): «نعم». (2)

أقول: و يدلّ عليه:

1. ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطواف أ يكتفي الرجل بإحصاء صاحبه؟ قال (عليه السلام): «نعم». (3)

و في «الوسائل» (طبعة طهران): «صاحبه» مكان «صاحبته» و هو تصحيف.

2. روى الصدوق باسناده عن ابن مسكان، عن الهذيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتّكل على عدد صاحبته في الطواف أ يجزيه عنها و عن الصبيّ؟

فقال: «نعم، ألا ترى أنّك تأتمّ بالإمام إذا صلّيت خلفه، فهو مثله». (4)

و الكلام يأتي في سند الروايتين؛ فإنّ سعيد الأعرج لم يوثّق سوى أنّ صفوان روى عنه بسند صحيح في «الكافي». (5)

كما أنّ هذيل بن صدقة الأسدي الطحّان لم يوثّق، لكن نقل عبد اللّه بن‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 271.

(2). التذكرة: 8/ 118.

(3). الوسائل: 9، الباب 66 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 66 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(5). الكافي: 5/ 277، الحديث 1.

186

مسكان عنه يؤيّد الاعتماد عليه.

و بما أنّ الإمام شبّهه بالإمام الذي يصلّى خلفه فيعتد بعلمه، يلزم أن يكون الصاحب في الطواف ممّن يعتمد عليهم. و لذا قال في «المدارك»: يشترط فيه البلوغ و العقل، إذ لا اعتداد بخبر الصبي و المجنون- ثمّ قال:- و لا يبعد اعتبار عدالته للأمر بالتثبت عن خبر الفاسق. (1)

و الظاهر كفاية إفادة قوله الاطمئنان الذي هو علم عرفي.

كما أنّ الظاهر عدم الفرق بين الوسواسي و كثير الشكّ، و الميزان كما في النصوص من يكثر سهوه، فما في بعض المناسك من التفريق بين العنوانين. نابع عن الاحتياط، و إلّا فأدلّة الشكوك منصرفة عنهما، لكون الجميع داخلين في من يكثر سهوه غير أنّ أحدهما (الوسواسي) أكثر من الآخر.

الفرع الثاني: اعتبار الظن في عدد الأشواط و عدمه

إنّ الأصل الأوّلي هو عدم حجّية الظن في مقام الامتثال، و قد حقّق في محلّه أنّ الشكّ في حجّيته مساوق للقطع بعدم الحجّية، نعم خرجت موارد دلّ الدليل على حجّية الظن فيها التي منها عدد الركعات.

ففي رواية عبد الرحمن بن سيابة و أبي العباس جميعا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

قال: «إذا لم تدر ثلاثا صلّيت أو أربعا و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث». (2)

و قد كان سيدنا الأستاذ المحقّق البروجردي يقول- في درسه الشريف- بحجّية الظن- مضافا إلى الركعات- في الأفعال أيضا قائلا: بأنّ العرف ينتقل من‌

____________

(1). المدارك: 8/ 195.

(2). الوسائل: 5، الباب 7 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 1.

187

حجّيته في الركعات إلى حجّيته في أجزائها.

و حصيلة الكلام: أنّه لم يرد دليل على حجّيته في باب الطواف، و لذلك يكون حكمه حكم الشكّ في عامّة الموارد.

بل يمكن أن يقال: إنّه قد دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الواجب في باب الطواف هو حفظ أعداد الأشواط. (1) و التثبّت من أعدادها. (2) و أين التثبّت و التحفّظ من ترجيح أحد الطرفين بأدناه.

ممّا ذكرنا يظهر ضعف ما استقرب به صاحب الجواهر على حجّية الظن في المورد و قال: و لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه الّذي قد يؤدّيه أنّ النص و الفتوى قد جعلت الأحكام المذكورة للشكّ في الطواف على وجه يظهر منه عدم اندراج المظنون معه في الحكم المزبور، و لا ينافيه ما تقدّم في بعض النصوص من قوله (عليه السلام): «حتّى تثبته» أو «حتّى تحفظه» لإمكان القول بأنّ الظنّ إثبات له و حفظ له، خصوصا بعد الخبرين المزبورين اللّذين قد يقوى اعتبار حكم الصلاة هنا بملاحظة الثاني منهما المذكور فيه الائتمام المشعر باتحاد حال الصلاة مع الطواف زيادة على التشبيه، و لكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط لعدم تعرض كثير لتحرير المسألة. (3)

يلاحظ عليه: أنّ الظنّ المعتبر في عدد الركعات هو مطلق الرجحان الّذي عبّر عنه في الروايات «بالوهم» و هو يصدق على أدنى الترجيح، و أين هو من قوله: «حتّى تثبته» أو «حتّى تحفظه»؟!

و ما في ذيل الحديث من تشبيه قول المعوّل عليه، بقول الإمام في الصلاة في‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 11.

(2). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الجواهر: 19/ 404.

188

[المسألة 25: لو علم في حال السعي عدم الإتيان بالطواف قطع و أتى به ثمّ أعاد السعي]

المسألة 25: لو علم في حال السعي عدم الإتيان بالطواف قطع و أتى به ثمّ أعاد السعي. و لو علم نقصان طوافه قطع و أتم ما نقص و رجع و أتمّ ما بقي من السعي و صحّ. لكن الأحوط فيها الإتمام و الإعادة لو طاف أقل من أربعة أشواط، و كذا لو سعى أقلّ منها، فتذكر.* (1)

____________

حفظ عدد الركعات نوع تقريب لرفع الاستبعاد، و لا يهدف إلى أنّ الطواف و الصلاة في عامّة الأحكام متساويان، مع الاختلاف الشاسع بين أحكامهما.

حيث يجوز التكلّم في الطواف دون الصلاة، و تجوز الاستراحة بين الأشواط دون الصلاة، و يجوز الخروج عن الطواف لغرض إذا تجاوز النصف أو بلغ الشوط الرابع دون الأخرى، إلى غير ذلك من الأحكام، و مع هذا كيف يصحّ استنتاج حجّية الظن فيها من هذا التشبيه؟!

فإن قلت: قد دلّ غير واحد من الروايات على جواز الاعتماد على إحصاء الغير. (1) و هو لا يفيد إلّا الظن.

قلت: بما انّه يشترط فيه، الوثاقة و الضبط، كما هي منصرف الروايات، فيفيد قوله الاطمئنان و سكون النفس، و أين هو من العمل بأدنى رجحان؟!

(1)* العلم بنقصان الطواف حال السعي في المسألة فروع:

1. لو علم في حال السعي عدم الإتيان بالطواف.

2. لو علم في حال السعي نقصان طوافه و قد طاف أربعة أشواط.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 66 من أبواب الطواف، الحديث 1، 2، 3.

189

3. لو علم في حال السعي نقصان طوافه و قد طاف أقل من أربعة أشواط.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر.

[الفرع] الأوّل: العلم بعدم الإتيان بالطواف حين السعي

إذا علم حين السعي أنّه لم يأت بالطواف، قطعه و طاف ثمّ أعاد السعي و لم يعتد بما أتى منه.

و يدلّ عليه صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا و المروة؟ قال (عليه السلام): «يرجع فيطوف بالبيت، ثمّ يستأنف السعي»، قلت: إنّ ذلك قد فاته، قال: عليه دم، ألا ترى أنّك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك». (1)

و الحديث منصرف عن صورة العلم، لكي يعم صورتي الجهل و النسيان من غير فرق بين تذكره أثناء السعي أو بعد الفراغ منه.

و قد استدلّ في «الرياض» (2) بموثّق إسحاق بن عمّار الآتي، و لكن مورده الالتفات إلى نقصان الطواف لا عدم إتيانه، كما سيوافيك في الفرع الثاني إلّا أن يستدلّ به على المقام بالأولويّة.

و لعلّ نظره إلى الجواب عن السؤال الوارد في الفقرة الثانية حيث فرق الإمام بين من دخل في السعي قبل أن يدخل في الطواف فهو يستأنف السعي، و من دخله بعد ما دخل في شي‌ء من الطواف، فهو يتم الطواف و السعي معا كما سيوافيك.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث 1. و هو نفس ما رواه عن الكليني برقم 2.

(2). رياض المسائل: 6/ 572.

190

الفرع الثاني و الثالث: لو علم في حال السعي نقصان طوافه

إذا علم بنقصان طوافه في حال السعي ففي المسألة أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: الفرق بين تجاوز الطواف عن النصف و عدمه، ففي الأوّل يرجع و يتمّ، ثمّ يتمّ السعي، و في الثاني يستأنفهما. و عليه الشيخ و المحقّق و العلّامة في بعض كتبه.

قال في «المبسوط»: و من ذكر أنّه نقص شيئا من الطواف في حال السعي قطع السعي و رجع، فإن كان طاف أكثر من النصف تمّم و رجع فتمّم السعي، و إن كان أقل من النصف أعاد الطواف ثمّ استأنف السعي. (1)

و قال المحقّق: لو دخل في السعي فذكر أنّه لم يتمّ طوافه، رجع فأتمّ طوافه إن كان تجاوز النصف و تمّم السعي. (2)

و مفهومه أنّه إن التفت قبل أن يتجاوز النصف استأنفهما، و لذلك أضاف صاحب «الجواهر»- بعد قول المحقّق-: و إن لم يكن قد تجاوز النصف استأنف الطواف ثمّ استأنف السعي. (3)

و قال العلّامة في «القواعد»: و لو شرع في السعي فذكر نقصان الطواف رجع إليه فأتمّه مع تجاوز النصف ثمّ أتمّ السعي، و لو لم يتجاوز استأنف الطواف ثمّ استأنف السعي. (4)

القول الثاني: إتمام الطواف السعي مطلقا، سواء علم قبل تجاوز النصف أو بعده. و هذا هو خيرة الشيخ في «النهاية»، و العلّامة في «المنتهى». و هو خيرة المتن و إن احتاط بعد كما سيوافيك.

____________

(1). المبسوط: 1/ 358.

(2). الشرائع: 1/ 274.

(3). الجواهر: 19/ 335.

(4). القواعد: 1/ 427.

191

قال الشيخ: فإن ذكر أنّه لم يكن أتمّ طوافه و قد سعى بعض السعي، قطع السعي و عاد فتمّم طوافه ثمّ تمّم السعي. (1)

و قال العلّامة في «المنتهى»: و لو طاف بعض الطواف ثمّ مضى إلى السعي ناسيا فذكر في أثناء السعي نقيصة الطواف، رجع فأتمّ طوافه ثمّ عاد إلى السعي فأتمّ سعيه. (2)

القول الثالث: التفصيل في الطواف بين الأربعة فبنى عليها و الأقل فيستأنف، و أمّا السعي فيتمه في كلتا الصورتين، سواء طاف أربعة أو أقل. و هو خيرة ابن سعيد في «الجامع» قال:

و إن سعى بعض السعي ظنّا منه إتمام الطواف فذكر نقصه، و كان أربعة بنى عليه، و إن كان دونها يستأنف ثمّ يتم السعي بكلّ حال. (3)

ثمّ مدار التفصيل هو بين الأربعة و الأقل هو الطواف و أمّا السعي فلم يرد فيه التفصيل في الأقوال، غير أنّ المصنّف احتاط في موضعين بالاستئناف:

أحدهما: إذا كان طاف أقلّ من أربعة، ثانيهما: ما إذا سعى دون الأربعة و إن طاف أربعة أو ما زاد، فتدبّر.

و على كلّ تقدير فقد استدلّ بموثقة إسحاق بن عمار الّذي هو كالصحيح.

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل طاف بالكعبة ثمّ خرج فطاف بين الصفا و المروة، فبينما هو يطوف إذ ذكر أنّه قد ترك من طوافه بالبيت؟ قال: «يرجع إلى البيت فيتمّ طوافه، ثمّ يرجع إلى الصّفا و المروة فيتمّ ما بقي».

____________

(1). النهاية: 241.

(2). المنتهى: 10/ 426.

(3). الجامع للشرائع: 198.

192

قلت: فإنّه بدأ بالصفا و المروة قبل أن يبدأ بالبيت، فقال: «يأتي البيت فيطوف به ثمّ يستأنف طوافه بين الصفا و المروة»، قلت: فما فرق بين هذين؟ قال:

«لأنّ هذا قد دخل في شي‌ء من الطواف، و هذا لم يدخل في شي‌ء منه». (1)

و اعلم أنّ المشايخ الثلاثة نقلوا الحديث- مضافا إلى الاختلاف في بعض الألفاظ- مع الزيادة و النقيصة.

فرواه الكليني في «الكافي» إلى قوله: فيتم ما بقي. (2)

و رواه الشيخ في «التهذيب» تارة نحو ما في «الكافي». (3)

و رواه في موضع آخر كما مرّ (كاملا). (4)

نعم رواه الصدوق كاملا و أخذ الحديث عن كتاب صفوان عن إسحاق بن عمار. (5)

هذا كلّه راجع إلى مجموع الحديث، و أمّا الاختلاف في بعض الألفاظ.

روى الصدوق: إذا ذكر أنّه قد ترك من طوافه بالبيت.

و نقله الشيخ في «التهذيب»: «ثمّ ذكر أنّه قد بقي عليه من طوافه شي‌ء».

و نقله في الجواهر كما هو في «التهذيب».

و العجب أنّ صاحب الوسائل روى الحديث بصورة التمام عن الكافي، مع أنّ الموجود فيه، غير مشتمل على الذيل: السؤال و الجواب، و مع ذلك نقل عن الشيخ أنّه نقل الحديث عن الكافي، بلا ذيل؟

إذا علمت هذا. فلنذكر أدلة القولين الأوّلين.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الكافي: 4/ 418، باب السهو في الطواف، الحديث 8.

(3). التهذيب: 5/ 109 برقم 355.

(4). التهذيب: 5/ 130 برقم 428.

(5). من لا يحضره الفقيه: 2/ 252، باب ما يجب على من بدأ بالسعي، الحديث رقم 1217.

193

أما القول الأوّل: أعني التفصيل بين ما إذا طاف أربعة فيرجع و يتم، و بين ما إذا طاف أنقص فيستأنف الطواف و يتم السعي، فيمكن الاستدلال عليه بوجهين:

الأوّل: ما في نسخة التهذيب: «ثم ذكر انّه قد بقي عليه من طوافه شي‌ء» الظاهر في أنّ الباقي أقلّ ممّا أتى، فينطبق على ما إذا طاف أربعة أو أكثر.

يلاحظ عليه- مضافا إلى تفرّد التهذيب بهذا النقل و خلو الكافي و الفقيه عنه-: أنّ التعليل الوارد في السؤال الثاني- أعني: قوله لأنّ هذا قد دخل في شي‌ء من الطواف- ظاهر في كفاية مطلق الدخول من غير فرق بين القليل و الكثير فظهوره في كفاية مطلق الدخول في الطواف أقوى من ظهور الصدر من أنّ الباقي شي‌ء قليل من الطواف.

الثاني: الضابطة الماضية في إعادة الطواف و عدمها و قد ذكرنا سابقا ما يؤيد إطلاق الضابطة ففي موثّقة إبراهيم بن إسحاق، عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت؟ قال: «تتمّ طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامة، و لها أن تطوف بين الصفا و المروة، لأنّها زادت على النصف و قد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحجّ، و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحجّ، فإن أقام بها جمّالها بعد الحجّ فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر». (1)

يلاحظ عليه: أنّ التعليل ورد في روايتين ضعيفتين- أعني: حديث إبراهيم بن إسحاق و سعيد الأعرج 2- و قد تقدّم سابقا ضعف الروايتين، فالشك به، في مقابل التعليل الوارد في حديث إسحاق بن عمّار الظاهر في كفاية مطلق الدخول‌

____________

(1) (1 و 2). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 4؛ و الباب 86 منه، الحديث 1.

194

[المسألة 26: التكلّم و الضحك و إنشاد الشعر لا تضرّ بطوافه]

المسألة 26: التكلّم و الضحك و إنشاد الشعر لا تضرّ بطوافه، لكنّها مكروهة، و يستحب فيه: القراءة، و الدعاء، و ذكر اللّه تعالى.* (1)

____________

غير تام.

و أمّا القول الثاني: أعني الإتمام مطلقا، فيستدل عليه بوجهين:

الأوّل: ما في نسخة الفقيه إذ جاء فيها: «انّه ذكر أنّه قد ترك من طوافه بالبيت»، و هو يعمّ كون المتروك أقلّ ممّا أتى أو أكثر.

الثاني: ما في ذيل الحديث حيث علّل الإتمام بدخوله في الطواف و قال:

«لأنّ هذا قد دخل في شي‌ء من الطواف»، و هو يدلّ على أنّ مجرّد الدخول كاف في البناء على ما سبق و الإتمام.

و الظاهر قوة القول الثاني لقوة التعليل و صراحته أوّلا، و تردّد الصدر بين كونه: «قد بقي عليه من طوافه شي‌ء» كما في نسخة التهذيب، و كونه: «و قد ترك من طوافه بالبيت» ثانيا. فعلى الأوّل يشترط كون المتروك قليلا بخلاف الثاني.

و أمّا القول الثالث فلم نجد ما يصلح له دليلا بالنسبة إلى السعي إلّا سعة الضابطة و عمومها للسعي، فتدبّر.

(1)*

استحباب الدعاء حال الطواف

تشتمل المسألة على جواز أمور أوّلا، و في الوقت نفسه كراهتها ثانيا، و استحباب الدعاء ثالثا.

قال في «المبسوط»: و يكره الكلام في حال الطواف إلّا بذكر اللّه و قراءة القرآن، و يكره إنشاد الشعر في حال الطواف. (1)

____________

(1). المبسوط: 1/ 359.

195

و قال في «الشرائع»: و يكره الكلام في الطواف بغير الدعاء و القراءة. (1)

و قال في «المنتهى»: يستحب الدعاء في الطواف بما تقدّم، و يجوز الكلام فيه بالمباح، و هو قول كافّة العلماء، روى الجمهور عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: الطواف في البيت صلاة إلّا أنّكم تتكلّمون فيه.

و قال أيضا: قراءة القرآن في الطواف مستحبة غير مكروهة، قاله علماؤنا، و به قال عطاء و مجاهد و الثوري و ابن المبارك و الشافعي و أبو ثور و أصحاب الرأي، و روي عن عروة و الحسن و مالك أنّها مكروهة، و عن أحمد روايتان. (2)

و يدلّ على جواز الأمور الثلاثة ما رواه علي بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) عن الكلام في الطواف و إنشاد الشعر و الضحك في الفريضة أو غير الفريضة، أ يستقيم ذلك؟

قال: «لا بأس به، و الشعر ما كان لا بأس به منه (مثله خ ل)». (3)

و يدل على كراهتها ما رواه محمد بن فضيل، عن محمد بن علي الرضا (عليه السلام)- في حديث- قال (عليه السلام): «طواف الفريضة لا ينبغي أن تتكلم فيه إلّا بالدعاء و ذكر اللّه و تلاوة القرآن، قال: و النافلة، يلقى الرجل أخاه فيسلّم عليه و يحدّثه بالشي‌ء من أمر الآخرة و الدنيا لا بأس به». (4)

و يدلّ على استحباب الدعاء ما رواه معاوية بن عمّار من الدعاء. (5)

____________

(1). الشرائع: 1/ 269.

(2). المنتهى: 10/ 188.

(3). الوسائل: 9، الباب 54 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 54 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(5). الوسائل: 9، الباب 20 من أبواب الطواف، الحديث 1.

196

[المسألة 27: لا يجب في حال الطواف كون صفحة الوجه إلى القدام]

المسألة 27: لا يجب في حال الطواف كون صفحة الوجه إلى القدام، بل يجوز الميل إلى اليمين و اليسار و العقب بصفحة وجهه، و جاز قطع الطواف و تقبيل البيت و الرجوع لإتمامه، كما جاز الجلوس و الاستلقاء بينه بمقدار لا يضرّ بالموالاة العرفية، و إلّا فالأحوط الإتمام و الإعادة.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. جواز الميل في حال الطواف بوجهه إلى اليمين و اليسار و العقب.

2. جواز قطع الطواف لتقبيل البيت.

3. جواز الجلوس و الاستلقاء أثناء الطواف بشرط عدم فوت الموالاة.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر:

الأوّل: جواز الميل بالوجه إلى اليمين و اليسار و الخلف

إنّ الميل بالوجه إلى اليمين و اليسار و الخلف هو أحد الفروق بين الصلاة و الطواف، فإنّ الواجب في الصلاة استقبال القبلة بمقاديم بدنه، الّتي منها الوجه فلا يجوز الميل إلى اليمين و اليسار أو العقب بوجهه، بخلاف الطواف، لأنّ الواجب حسب التأسي و صحيح عبد اللّه بن سنان (1) هو الطواف على اليسار، و هذا يصدق مع الميل بصفحة الوجه إلى اليمين و اليسار.

نعم لو جعل الكعبة على يمينه أو استقبلها بوجهه، أو استدبرها جهلا أو سهوا أو عمدا لم يصحّ عندنا، لخروجه عن الطواف على اليسار.

نعم لا يقدح في جعل الكعبة على اليسار الانحراف إلى جهة اليمين يسيرا.

____________

(1). راجع الوسائل: 9، الباب 26 من أبواب الطواف، الحديث 1.

197

الثاني: جواز قطع الطواف لتقبيل البيت

يجوز قطع الطواف لأسباب مختلفة، منها قطعه لتقبيل البيت؛ ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوّذ، و هو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب فقل: «اللّهم البيت بيتك، و العبد عبدك، و هذا مقام العائذ بك من النار، اللّهم من قبلك الروح و الفرج» ثم استلم الركن اليماني، ثمّ ائت الحجر فاختم به». (1)

و هذا يدلّ على جواز قطع الطواف لقراءة الدعاء أمام المتعوّذ، كما يجوز قطعه لاستلام الركن اليماني.

الثالث: جواز الجلوس و الاستلقاء أثناء الطواف

يجوز قطع الطواف بالجلوس للاستراحة. و يدلّ عليه صحيح علي بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يعيا في الطواف أله أن يستريح؟ قال:

«نعم يستريح، ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها، و يفعل ذلك في سعيه و جميع مناسكه». (2)

و في صحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يستريح في طوافه؟ فقال: «نعم، أنا قد كانت توضع لي مرفقة فأجلس عليها». (3)

ثمّ لو طال الجلوس و الاستلقاء على وجه أضرّ بالموالاة العرفية، فعلى القول بوجوب الموالاة بين الأشواط يجب عليه إعادة ما أتى به، و إن كان الأحوط الإتمام ثمّ الإعادة، خروجا عن مخالفة من لا يشترط الموالاة في الطواف، كما هو المختار‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 26 من أبواب الطواف، الحديث 1، و لاحظ سائر روايات الباب.

(2). الوسائل: 9، الباب 46 من أبواب الطواف، الحديث 1. و لاحظ الحديث 2.

(3). الوسائل: 9، الباب 46 من أبواب الطواف، الحديث 3.

198

[القول في صلاة الطواف]

القول في صلاة الطواف

[المسألة 1: يجب بعد الطواف صلاة ركعتين له]

المسألة 1: يجب بعد الطواف صلاة ركعتين له، و تجب المبادرة إليها بعده على الأحوط، و كيفيتها كصلاة الصبح، و يجوز فيهما الإتيان بكلّ سورة إلّا العزائم، و يستحبّ في الأولى التوحيد و في الثانية الجحد، و جاز الإجهار بالقراءة و الإخفات.* (1)

____________

لدى صاحب الحدائق حيث ناقش في وجوب الموالاة في طواف الفريضة، لبعض النصوص الّتي مرّت. (1)

(1)* في صلاة الطواف و كيفيتها المسألة تشتمل على فروع:

1. وجوب صلاة الطواف.

2. المبادرة إليها بعد الطواف.

3. كيفيتها كصلاة الصبح.

4. استحباب قراءة التوحيد في الركعة الأولى و في الثانية الجحد.

5. و يجوز فيها الإجهار و المخافتة.

و إليك دراسة هذه الفروع:

[الفرع] الأوّل: وجوب ركعتين بعد الطواف

يجب الإتيان بركعتين بعد الطواف على المعروف من مذهب الأصحاب،

____________

(1). لاحظ الجواهر: 19/ 339.

199

كما صرح به جماعة (1)، بل قيل: كاد أن يكون إجماعا. (2)

قال الشيخ: ركعتا الطواف واجبتان عند أكثر أصحابنا. و به قال عامّة أهل العلم: أبو حنيفة و مالك و الأوزاعي و الثوري.

و للشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، و الآخر أنّهما غير واجبتين و هو أصحّ القولين عندهم، و به قال قوم من أصحابنا ... إلى أن قال: و لا خلاف أنّ النبيّ صلّاهما، و ظاهر ذلك يقتضي الوجوب. (3)

مع أنّ الشيخ ينسب عدم الوجوب إلى قوم من أصحابنا- كما عرفت- لكن العلّامة يصفه بكونه قولا شاذا من علمائنا.

قال في «التذكرة»: إذا فرغ من طواف سبعة أشواط تامّة صلّى ركعتي الطواف في مقام إبراهيم حيث هو الآن- و هو سنة ثمان عشرة و سبعمائة- إلى أن قال:- و قال مالك و الشافعي بالقول الثاني و أصرّا أنّهما مستحبتان،- و هو قول شاذ من علمائنا- لأنّها صلاة لم يشرع لها أذان و لا إقامة، فلا تكون واجبة. (4)

و قال في «السرائر»: و ركعتا طواف الفريضة فريضة مثل الطواف على الصحيح من أقوال أصحابنا، و قد ذهب شاذ منهم إلى أنّهما مسنونان، و الأظهر الأوّل، لقوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (5)، و الأمر في عرف الشارع يقتضي الوجوب عندنا بغير خلاف، و موضع المقام حيث هو الساعة و هي سنة سبع و ثمانين و خمسمائة. (6)

و يدلّ على الوجوب أمور نذكر منها وجهين:

____________

(1). المدارك: 8/ 133؛ الحدائق: 16/ 134.

(2). المفاتيح: 1/ 327؛ لاحظ المستند: 12/ 136.

(3). الخلاف: 2/ 327.

(4). التذكرة: 8/ 94.

(5). البقرة: 125.

(6). السرائر: 1/ 571.

200

1. الآية المباركة و الأمر حقيقة فيه.

2. الروايات يستفاد منها وجوب الركعتين. و إليك دراسة الوجهين:

الأوّل: قوله سبحانه: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. (1)

أي إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثٰابَةً: «مرجعا للناس».

وَ أَمْناً: «فلا يتعرض لمن التجأ إليه من الجناة خارجا عنه، و قال سبحانه في سورة أخرى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً. (2)

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى: و المراد الصلاة الخاصة به، فخرجت الصلوات اليومية لعدم اختصاصها بمقام خاص من المسجد الحرام، و المقام- بفتح الميم-: من قام يقوم، بمعنى محل القيام، بخلاف المقام بضمها، فإنّه من أقام يقيم، بمعنى الإقامة كما في قول بشير:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * * *قتل الحسين فأدمعي مدرار

أي لا إقامة لكم بها لما حلّ بكم من مصيبة عظمى و هي قتل الحسين (عليه السلام).

و مقام إبراهيم هو الحجر الّذي ارتفع عليه إبراهيم و فيه أثر قدميه، و بما أنّه لا يمكن الصلاة فيه، و المراد الصلاة في قربه، و يشهد عليه قوله لفظة «من» فإنّها للتبعيض، أي البعض المخصوص خلفه أو جانبيه على ما يأتي. و الأمر للوجوب ما لم يدلّ دليل على خلافه و مُصَلًّى: أي موضعا للصلاة لا للدعاء، فما نقل القرطبي عن مجاهد انّه بمعنى مدّعى يدعى فيه (3) مردود، لأنّ السورة مدنية، و قد‌

____________

(1). البقرة: 125.

(2). آل عمران: 97.

(3). تفسير القرطبي: 2/ 113.

201

صارت لفظ الصلاة و ما اشتق منها، حقيقة في المعنى المخصوص في ذلك العصر، بل يمكن أن يقال: إنّها كانت كذلك في صدر الرسالة، لقوله سبحانه في سورة العلق: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهىٰ* عَبْداً إِذٰا صَلّٰى (1)، مضافا إلى ذيل الآية أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. (2)

قال الجصاص: إنّ لفظ الصلاة إذا أطلق تعقل منه الصلاة المفعولة بركوع و سجود، ألا ترى أنّ مصلّى المصر هو الموضع الّذي يصلّى فيه صلاة العيد، و قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لأسامة بن زيد: «المصلّى أمامك» يعني: موضع الصلاة المفعولة (3) مضافا إلى أنّ الروايات الواردة عن الفريقين حول الآية.

أخرج السيوطي في «الدر المنثور» عن جابر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم رمل ثلاثة أشواط و مشى أربعا، حتّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، ثمّ قرأ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى.

روى الشيخ عن صفوان بن يحيى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلّا خلف المقام، لقول اللّه عزّ و جلّ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة». (4)

روي أيضا عن أبي عبد اللّه الأبزاري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحجر، قال: «يعيدهما خلف المقام، لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى عنى بذلك ركعتي طواف‌

____________

(1). العلق: 9- 10.

(2). البقرة: 125.

(3). أحكام القرآن: 1/ 75.

(4). الدر المنثور: 1/ 290.

202

الفريضة». (1)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المصلّى في الآية بمعنى المحلّ للصلاة المعروفة.

الثاني: الروايات و هي على قسمين:

1. ما ورد فيها الأمر بالصلاة في المقام ففي صحيح معاوية بن عمّار، قال:

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين و اجعله إماما، و اقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و في الثانية قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ. (2)

و في صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس قال: «وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب». (3)

و في صحيح معاوية بن عمار ... و هاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصليها في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس و عند غروبها و لا تؤخّرها ساعة تطوف و تفرغ فصلّهما». 4

و الأمر في الصدر و لفظ الفريضة في الذيل دليلا الوجوب.

2. الأمر بعود من نسي إلى مكة ليصليها ففي رواية عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن نسي ركعتي الطواف حتّى ارتحل من مكة، قال: «إن كان قد مضى قليلا فليرجع فليصلّهما، أو يأمر بعض الناس فليصلّهما عنه». (5)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث 2. و الآية 125 من سورة البقرة.

(2). الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(3) (3 و 4). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 1، 3.

(5). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 1. لاحظ بقية روايات الباب.

203

إلى غير ذلك من الأدلة و القرائن الدالّة على وجوبهما.

و هذا المقدار من البحث و دلالة الذكر الحكيم على الوجوب، يكفي في المقام، و لا حاجة لدراسة أدلّة القائل بالاستحباب لضعفها، و قد تعرّض صاحب الجواهر لها و فنّدها، فراجع. (1)

تمّ الكلام في الفرع الأوّل، و إليك الكلام في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطواف

المشهور هو وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطواف مبادرة عرفية وجوبا شرطيا لصحة الصلاة لا وجوبا تكليفيّا، حتّى تصحّ الصلاة مع التأخير، لكنّ الظاهر من «الدروس» هو الاستحباب حيث قال: و تنبغي المبادرة بهما، لقول الصادق (عليه السلام) لا تؤخّرها ساعة، إذا طفت فصلّ بها. (2)

و لكن الحديث ظاهر في عدم جواز التأخير إلّا أن يكون مراده من قوله: «لا ينبغي» هو عدم جوازه.

و يدلّ عليه- مضافا إلى أنّ الصلاة من متمّمات الطواف و مقتضى ذلك عدم الفصل بينهما- روايات:

1. ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس، قال: «وجبت عليه تلك الساعة، الركعتان فليصلّهما قبل المغرب». (3)

____________

(1). الجواهر: 19/ 301- 302؛ و التذكرة: 8/ 95.

(2). الدروس: 1/ 397.

(3). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 1.

204

2. و في صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن ركعتي طواف الفريضة؟ قال: «لا تؤخّرها ساعة إذا طفت فصل». (1)

3. و في صحيح معاوية بن عمار: قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين- إلى أن قال:- و هاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصلّيهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس و عند غروبها، و لا تؤخّرها ساعة تطوف و تفرغ فصلّهما». (2)

و الأوامر فيها أوامر إرشادية إلى شرطية المبادرة في صحة الصلاة، إذ هي المتبادر من أمثال هذه الأوامر.

نعم في مقابل ما ذكرناه ما يدلّ على جواز تأخيرها في أوقات خاصة.

1. صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ركعتي طواف الفريضة؟ فقال: «وقتهما إذا فرغت من طوافك، و أكرهه عند اصفرار الشمس و عند طلوعها». (3) و الظاهر انّ الضمير في «اكرهه» يرجع إلى الطواف فلا صلة له بتأخير صلاته عند اصفرار الشمس و طلوعها.

2. و في صحيحة أخرى لمحمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «يطوف و يصلّي الركعتين ما لم يكن عند طلوع الشمس أو عند احمرارها». (4)

و الظاهر انّ النهي يرجع إلى الطواف، لا إلى خصوص الصلاة عند الوقتين فالروايتان خارجتان عن مصب البحث.

3. خبر علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الّذي يطوف بعد‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(2). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(3). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 7.

(4). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 8.

205

الغداة و بعد العصر و هو في وقت الصلاة، أ يصلّي ركعات الطواف نافلة كانت أو فريضة؟ قال (عليه السلام): «لا». (1)

و هذه الرواية هي الرواية الوحيدة في مورد التعارض حيث تنهى عن خصوص الصلاة بعد الطواف إذا طاف بعد الغداة أو بعد العصر.

و يمكن الجمع بوجوه:

الأوّل: الحمل على التقية، فقد رووا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قوله: «لا صلاة بعد صلاة العصر و لا بعد صلاة الفجر»، غير أنّهم استثنوا ما إذا كان هناك سبب كما إذا لم يصلّ العصر و الغداة بالجماعة و أراد أن يصلي فرادى، أو طاف و أراد أن يصلّي ركعتيه و لكن الإمام (عليه السلام) نهاه لدفع التهمة، فربّما يتصور أنّه يريد الصلاة تطوعا، فيكون سمة التشيع. أو آية المخالفة للسنّة.

و يشهد على ذلك صحيح ابن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن صلاة الطواف التطوع بعد العصر؟ فقال: «لا»، فذكرت له قول بعض آبائه انّ الناس لم يأخذوا عن الحسن و الحسين إلّا الصلاة بعد العصر بمكة، فقال: «نعم، و لكن إذا رأيت الناس يقبلون على شي‌ء فاجتنبه» فقلت: إنّ هؤلاء ليفعلون، فقال: «لستم مثلهم». (2)

و مفاد الرواية: أنّ عمل أهل السنة بعد صلاة العصر، في المسجد الحرام لا يضرّهم، لأنّه يحمل عملهم على الجهل بالحكم فلا يؤخذون، و أمّا إذا صليتم أنتم فيما انّكم معروفون بالتشيع ستؤخذون.

و من لاحظ مسجد الحرام بعد صلاة العصر أو الفجر، يرى أنّ المسجد‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 11.

(2). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 10.

206

غاصّ بأهله، لكن لا يوجد فيه من يصلي، إلى أن تغرب الشمس أو تطلع.

كلّ ذلك دليل على أنّ النهي عن إقامة صلاة الطواف بعد الوقتين، نهي سياسي و ليس حكما شرعيا، و ذلك لحفظ شئون الشيعة لدى المخالفين. و إن كان الحكم الشرعي الواقعي هو الجواز.

و يشهد على ما ذكرنا من أنّ النهي كان حكما حكوميا أو سياسيا لحفظ شئون الشيعة ما تقدم من صحيح معاوية بن عمّار الماضي: «و هاتان الركعتان هما الفريضة ليس يكره لك أن تصلّيهما في أي الساعات شئت، عند طلوع الشمس و عند غروبها». (1)

و في رواية ميسر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صلّ ركعتي طواف الفريضة بعد الفجر كان أو بعد العصر». (2)

و في رواية رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «أ ما بلغك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: يا بني عبد المطلب لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر فتمنعوهم من الطواف». (3)

و من كان عارفا بأحاديثهم يميّز ما ورد لبيان الحكم الواقعي عمّا ورد لأجل التقية.

الثاني: حمل الروايات المانعة على النافلة كما نقله صاحب المستند. (4)

يلاحظ عليه: بأنّ في حديث ابن يقطين تصريح بكون المنع يعمّ النافلة و الفريضة. (5)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 6.

(3). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(4). المستند: 12/ 156.

(5). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 11.

207

الثالث: تخصيص الفورية بغير الأوقات الّتي تكره فيها الصلاة كمطالع الشمس و مغاربها، لأنّ فيه تشبّها بعبدتها.

يلاحظ عليه بوجهين:

1. انّ مورد رواية علي بن يقطين الناهية هو الصلاة بعد الغد و العصر، و هو أعمّ من الصلاة في مطلع الشمس و مغربها.

2. أنّ في حديث عن عباس عن حكيم بن أبي العلاء (1) تصريحا بجواز الإتيان بها عند غروب الشمس، فالوجه في الجمع هو الأوّل.

ثمّ إنّه نسب محقق كتاب «دليل الناسك» للسيد الحكيم جواز التأخير إلى العلّامة في «المنتهى» مع أنّ كلامه فيه شاهد على خلافه، نعم هو يجوّز التأخير في النافلة و هو خارج عن البحث. (2)

الفرع الثالث و الرابع: كيفيتها و السور الّتي يستحبّ قراءتها فيها

و أمّا الكيفية فهما ركعتان مثل فريضة الغداة، و قد اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب هو ركعتان لا غير، غير أنّه يستحب عندنا قراءة سورة التوحيد في الركعة الأولى و سورة الجحد في الركعة الثانية. كما نلاحظه في الروايات التالية:

1. روى جميل، عن بعض أصحابنا قال: قال أحدهما (عليهما السلام): «يصلّي الرجل ركعتي الطواف طواف الفريضة و النافلة ب‍ قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ. (3)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 76 من أبواب الطواف، الحديث 9.

(2). دليل الناسك: 272؛ المنتهى: 2/ 692.

(3). الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث 2.

208

2. صحيح معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين، و اجعله إماما، و اقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ، و في الثانية: قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ ثم تشهد .... (1)

و مع ذلك قال العلّامة في «التحرير»: يستحب أن يقرأ في الأوّل الحمد و التوحيد و في الثانية الحمد و الجحد، و روي العكس. (2)

و الرواية ليست من طرقنا، بل رواها النسائي في سننه (3)، و البيهقي في سننه (4)، كما ذكره محقّق «تحرير الأحكام» في الهامش. ثمّ إنّ ظاهر الروايتين لزوم إتيانها بالكيفية المذكورة، لكن الذي يصدّنا عن الأخذ به، ورودها في صحيح ابن عمار مع عدّة من المستحبات، مثل قوله: «و احمد اللّه و اثني عليه و صلّ على النبيّ الخ». مضافا إلى الإجماع على عدم تعيّن سورة خاصة، و إلى خلوّ سائر الروايات عن تعيّن سورة خاصة و لذلك اتّفقت كلمتهم على الاستحباب.

الفرع الخامس: جواز الجهر و المخافتة

إنّ الجهر و المخافتة من صفات الصلوات اليومية النهارية و الليلية كما هو الحال في الفرائض الخمسة، و أمّا الصلوات الّتي لا تختص بالنهار و لا بالليل فالإنسان مخيّر بين الإجهار و المخالفة، كما هو الحال في صلاة الآيات، و النوافل المطلقة، مضافا إلى عدم الأمر بالكيفية في الروايات.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). التحرير: 1/ 582.

(3). سنن النسائي: 5/ 236.

(4). سنن البيهقي: 5/ 91.