الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
209

[المسألة 2: الشك في عدد الركعات موجب للبطلان]

المسألة 2: الشك في عدد الركعات موجب للبطلان، و لا يبعد اعتبار الظن فيه، و هذه الصلاة كسائر الفرائض في الأحكام.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. بطلان الصلاة بالشكّ في عدد ركعاتها.

2. اعتبار الظن في عدد ركعاتها.

3. هذه الصلاة كسائر الفرائض في الأحكام.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر.

الأوّل: بطلان الصلاة بالشكّ في ركعاتها

اتّفقت كلمتهم على أنّ الشكّ في صلاة الفجر و الجمعة و المغرب و الركعتين الأوليين من الرباعية موجب لبطلان الصلاة. و هل الشكّ في أعداد ركعات صلاة الطواف، مثل ما سبق أو لا؟ لم يرد فيها نصّ خاص، و لكن الإمعان في الروايات الواردة، بأنّ البطلان من خصائص الركعتين، دون أن يختص بالفرائض اليومية:

و الشاهد على ذلك أنّ الإمام علّل البطلان في صلاة الغداة و الجمعة بكونهما ركعتين.

ففي موثّق سماعة قال: سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال: «إذا لم تدر واحدة صلّيت أو اثنتين فأعد الصلاة من أوّلها، و الجمعة أيضا إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة لأنّها ركعتان». (1)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب الخلل، الحديث 18.

210

و روى زرارة: «إنّما فرض اللّه كلّ صلاة ركعتين، و زاد رسول اللّه سبعا و فيهن الوهم». (1) و لاحظ سائر الروايات في البابين، تجد أنّ الأولتين- اللتين لا يدخل فيهما الشكّ- في الروايات كناية عن الركعتين، سواء إذا كانت معهما ركعة أو ركعات أخرى، أو لا.

الثاني: اعتبار الظن في ركعاتها

هل يعتبر الظن في عدد ركعاتها، لأنّ الظنّ في عدد الركعات مطلقا حتّى فيما تعلّق بالركعتين الأوليين من الرباعية أو بالثنائية أو الثلاثية كاليقين، و من البعيد أن تختص صلاة الطواف بحكم ماض و عليه استقرت نظرية فقهاء العصر حتّى المصنّف في مبحث الخلل (2): القول في حكم الظن بالأفعال، فيكون الظن حجّة في المقام أيضا.

الثالث: صلاة الطواف كسائر الفرائض في الأحكام

حكم صلاة الطواف حكم سائر الفرائض في الشروط و الموانع إلّا ما خرج بالدليل كعدم الأذان و الإقامة فيها، لأنّ ما عدّ شرطا أو مانعا، فإنّما هو شرط و مانع لطبيعة الصلاة فقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا صلاة إلّا بطهور»، و قوله: «لا تصلّ في وبر ما لا تؤكل لحمه» راجع إلى طبيعة الصلاة.

____________

(1). الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب الخلل، الحديث 2.

(2). تحرير الوسيلة: 1/ 189.

211

[المسألة 3: يجب أن تكون الصلاة عند مقام إبراهيم (عليه السلام)]

المسألة 3: يجب أن تكون الصلاة عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، و الأحوط وجوبا كونها خلفه، و كلّما قرب إليه أفضل، لكن لا بحيث يزاحم الناس، و لو تعذّر الخلف للازدحام أتى عنده من اليمين أو اليسار، و لو لم يمكنه أن يصلّي عنده يختار الأقرب من الجانبين و الخلف، و مع التساوي يختار الخلف، و لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن خرج الجميع عن صدق كونها عنده لا يبعد الاكتفاء بالخلف، لكن الأحوط إتيان صلاة أخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية، و الأحوط إعادة الصلاة مع الإمكان خلف المقام لو تمكّن بعدها إلى أن يضيق وقت السعي.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. لزوم إتيان صلاة الطواف خلف المقام.

2. إذا تعذّر الخلف أتى عند المقام من اليمين أو اليسار.

3. لو لم يتمكّن من الصلاة عنده يختار الأقرب من الجانبين أو الخلف و مع التساوي يختار الخلف.

4. لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن لا يصدق على الجميع كون الصلاة عند المقام، لا يبعد الاكتفاء بالخلف.

5. يحتاط في الصورة الرابعة بوجهين:

أ. الإتيان بصلاة أخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية.

ب. إعادة الصلاة لو تمكّن بعدها من الصلاة خلف المقام إلى أن يضيق وقت السعي.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر.

212

الأوّل: وجوب إتيان صلاة الطواف خلف المقام

إنّ إضافة الصلاة إلى الطواف كإضافتها إلى الميّت و الخسوف و يقال:

صلاة الميت و صلاة الخسوف، فكأنّ موت الإنسان أو خسوف القمر سبب لوجوب الصلاة، و هكذا في المقام فإنّ الإتيان بالطواف سبب لوجوبها. و بما أنّ الصلاة متأخّرة عن الطواف لا تعدّ جزءا له و لا شرطا لصحّته، لأنّ المألوف عند العرف تقارن الجزء، و تقدّم الشرط أو تقارنه. و المفروض خلافه، أي تأخّرها عن الطواف اللّهم إلّا أن يكون شرطا متأخرا، و هو رهن وجود الدليل.

و أمّا بالنسبة إلى السعي فلا تعدّ جزءا له، لاستقلال العملين لظهور قوله (عليه السلام) في ذلك: «فإذا فرغ صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثمّ خرج إلى الصفا و المروة فطاف بينهما». (1)

نعم تقدّمه شرط ذكريّ لصحّة السعي، لما سيأتي في المسألة الرابعة من أنّ من نسي الصلاة و تذكّر أثناء السعي يقطع سعيه و يصلّي ثمّ يرجع و يتمّ سعيه.

و ذلك لأنّ المتبادر من الوجوب في هذه المقامات (وجوب قطع السعي) ان تقدم الصلاة شرط لصحة السعي.

صلاة الطواف و مكانها

اتّفق الفقهاء على وجوب ركعتين بعد الطواف في العمرة و الحجّ إلّا ما يحكي عن الشافعي في أحد قوليه (2)، و الكلام في المقام في مكانها عند الزحام‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 34 من أبواب الطواف، الحديث 15.

(2). الخلاف: 2/ 327.

213

و غيره. و الأصل في ذلك قوله سبحانه: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى أي اتّخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلّون فيه. و المعروف حسب النصوص و الروايات و كلمات العلماء أنّ المقام- الّذي هو موضع وقوف إبراهيم (عليه السلام) عند بنائه للبيت- هو صخرة على شكل مكعب متساوي الأضلاع، و طول الضلع ذراع واحد بذراع اليد، أي ما يساوي 50 سانتمترا تقريبا، و هذا المقدار لا يتسع لأداء الصلاة، لأنّ ما يشغله المصلّي المستوي الخلقة- عادة- من المساحة الكافية لوقوفه و ركوعه و سجوده و جلوسه هو 50 سم عرضا في 100 سم طولا، و أين هذا من مساحة الحجر؟ (1) فيقع الكلام في تفسير الآية و سوف يوافيك معناه.

إنّ تعبير المحقّق: «يجب أن يصلّي في المقام» أثار بحثا بين الشّراح قال في «المدارك»: إنّه غير جيّد، أمّا لو قلنا بأنّ المقام نفس العمود الصخري فواضح، و أمّا إن أريد به مجموع البناء الّذي حوله فلأنّه لا يتعيّن وقوع الصلاة فيه قطعا. (2)

و قريب منه في «المستند». (3)

يرد على الاحتمال الثاني: أنّ البناء كان أمرا مستحدثا و لم يكن في عصر الرسول حين نزول الآية حتّى تفسر به. و قد أزيل في السنين الأخيرة و كان موجودا إلى أوائل العقد الثامن من القرن الرابع عشر، أعني: سنة 1381 ه‍.

و قد وافقه صاحب الجواهر فقال: إنّ تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، إذا القطع بأنّ الصخرة الّتي فيها أثر قدمي إبراهيم لا يصلّى عليها. (4)

ثمّ إنّ بعض المفسرين من السنّة حاول حفظ ظهور الآية و هو انّ كون‌

____________

(1). مبادئ علم الفقه: 3/ 210.

(2). المدارك: 8/ 181.

(3). المستند: 12/ 139.

(4). الجواهر: 5/ 318.

214

الصلاة في المقام حقيقة فقال: المراد من مقام إبراهيم هو عرفة و المزدلفة و الجمار، لأنّه قام في هذه المواضع و سعى فيها، و عن النخعي الحرم كلّه مقام إبراهيم. (1)

و احتمل بعضهم أنّ المراد من المقام هو المسجد الحرام، و لكنّه محجوج بفعل النبي حيث إنّه بعد ما طاف سبعة أشواط أتى إلى المقام فصلّاهما، و تلا قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى، فأفهم الناس أنّ هذه الآية أمر بهذه الصلاة و هنا مكانها. (2)

و في صحيح مسلم بسنده عن جابر في بيان حج النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا و مشى أربعا، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى. (3)

توضيح مفاد الآية

المهم هو توضيح مفاد الآية فهناك فرق بين قولنا: «فاتّخذوا مقام إبراهيم مصلّى» و قوله: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى. و إنّما يلزم المحال عند الجمود على ظاهر الأوّل، لعدم التمكّن من الصلاة في المقام الّذي هو الصخرة.

و أمّا الثاني فقد ذكروا في الجار «من» احتمالات من كونها للتبعيض، أو بمعنى في، أو للابتداء، أو بمعنى عند. و الأولى الرجوع إلى الآيات الّتي ورد فيها هذا النوع من التركيب حتّى يتعيّن أحد الاحتمالات.

قال سبحانه: وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً. (4)

____________

(1). الكشاف: 1/ 287.

(2). سنن الترمذي: 3/ 211 رقم الحديث 856؛ سنن النسائي: 5/ 235.

(3). صحيح مسلم: 4/ 40- 41، باب حجة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم.

(4). النحل: 68.

215

و قال سبحانه: تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهٰا قُصُوراً. (1)

هذا كلّه في مورد المكان، و أمّا في غيره فمثل قوله سبحانه:

لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً. (2)

وَ لٰا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا. (3)

تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً. (4)

و مثّل في «الجواهر» و قال: «اتّخذت من فلان صديقا ناصحا، و وهب إليه لي من فلان أخا مشفقا». (5)

ترى في هذه الموارد أنّ شيئا عامّا يؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءا بصفة البيت، أو أنّهم كانوا يتّخذون من سهول الأرض قصورا، أو أنّ الشيطان يتّخذ من عباد اللّه نصيبا، إلى غير ذلك.

فإذا كان هذا ظاهر هذه التراكيب، فالآية منزّلة على هذا النمط من الكلام، فيراد من المقام ما يجاوره و يقاربه تسمية لما حول المقام باسمه، ضرورة أنّ المقام لا يتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن يأخذ جزءا من هذا المقام المجازيّ مصلّى يصلّي فيه، و إطلاق الآية يعمّ الخلف و ما حوله من اليمين و اليسار، و لا يختصّ مفاده بالخلف. لأنّ المقام حسب ما استظهرناه هو المكان المتّسع قرب المقام الحقيقي، المسوّغ لتسمية ذلك المكان مقاما أيضا، فالموضوع هو الصلاة قربه.

فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ المقام أطلق و أريد منه ما يجاوره و يليه، و أنّ‌

____________

(1). الأعراف: 74.

(2). النساء: 118.

(3). النساء: 89.

(4). النحل: 67.

(5). الجواهر: 19/ 319.

216

«من» تبعيضية لا غير، و سائر الاحتمالات الأخرى غير تامّة.

و على ضوء ما ذكرنا فاللازم هو التصرف في لفظ «المقام» على ما عرفت، و أمّا التصرف في الجار، أعني: «من»، و جعله تارة بمعنى «في»، و أخرى بمعنى «عند»، فغير وجيه.

و ذلك لأنّ مجرد جواز استعمال «من» مكان» في» أو «عند»- على فرض صحّته- لا يسوّغ تفسير الآية بهما، لأنّ مادة الفعل «الأخذ» لا يتعدى لا ب‍ «في» و لا ب‍ «عند»، و لو فرض صحة استعماله فهو استعمال شاذ، لا يحمل عليه الذكر الحكيم.

هذا هو مفاد الآية فإن دلّت الروايات على أوسع من الآية أو أضيق منه، نأخذه، و إلّا فمفاد الآية هو المتّبع.

و سيوافيك أنّ المستفاد من الروايات كفاية إتيان الصلاة قريبا من المقام.

من غير فرق بين الخلف و أحد الجانبين، فما دام يصدق على العمل كونه «عنده» فهو مسقط للفريضة، و أمّا التركيز على كونها خلف المقام كما في طائفة من الروايات، فالظاهر أنّه بصدد الرد على تقديم الصلاة على المقام، و لزوم تأخّرها عنه. لا بلزوم كونها خلفه لا جنبه، و هو يصدق مع إتيانها يمينا و يسارا و خلفا.

العناوين الواردة في كلمات الفقهاء

إذا عرفت ذلك فلنذكر العناوين الواردة في كلمات فقهائنا ثمّ ما هو الوارد في لسان الروايات.

أمّا الأولى: فقد اختلفت كلمة الفقهاء في التعبير عن موضع الصلاة على الشكل التالي:

1. الصلاة في المقام.

217

2. الصلاة خلف المقام.

3. الصلاة عند المقام.

أمّا الأوّل: فقد عبّر عنه كثير من الفقهاء.

قال المحقّق في «الشرائع»: يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام. (1)

و قال العلّامة: و تجبان- الركعتان- في الواجب بعده في مقام إبراهيم (عليه السلام) حيث هو الآن و لا يجوز في غيره. (2)

و أمّا الثاني: أي خلف المقام، فقال ابن الجنيد: ركعتا طواف الفريضة فريضة عقيبه خلف مقام إبراهيم، و كذا قال ابن أبي عقيل. (3)

و بذلك عبّر الشهيد في «الروضة» (4)، و الأردبيلي في «مجمع الفائدة» (5)، و البحراني في «الحدائق». (6)

أمّا الثالث: أي عند المقام فقال ابن البراج: و الصلاة- ركعتا الطواف- عند مقام إبراهيم. (7)

و الظاهر أنّ الجميع يرشد إلى معنى واحد و هو الصلاة قرب مقام إبراهيم، و لذلك نرى أنّ الصدوق بعد ما قال: ثمّ ائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين قال:

و اجعله أمامك. (8)

هذا كلّه ناظر إلى كلمات الفقهاء.

و أمّا النصوص الواردة في تحديد موضع صلاة الطواف فهي على طوائف،

____________

(1). الشرائع: 1/ 268.

(2). قواعد الأحكام: 1/ 427.

(3). المختلف: 4/ 201.

(4). الروضة البهية: 2/ 250.

(5). مجمع الفائدة: 7/ 87.

(6). الحدائق: 16/ 135.

(7). المهذب: 1/ 231.

(8). الهداية: 58.

218

و تتلخّص في العناوين التالية:

1. خلف المقام.

2. جعل المقام إماما.

3. في المقام.

4. عند المقام.

و الظاهر رجوع العنوان الثاني إلى الأوّل فإنّ من جعل المقام إماما، يقع خلف المقام فليس هذا عنوانا جديدا. ففي صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين و اجعله إماما». (1) و معنى ذلك لا تتقدّم عليه و كن خلفه.

و لنقتصر بنقل ما يدلّ على لزوم الإتيان بها في موقع خاص من هذه المواقع، على نحو ينفي في بدء النظر جواز إتيانها في موقع آخر، فتكون النتيجة وجود المنافاة بين الروايات. و أمّا ما يدلّ على الجواز في بعض هذه المواقع، كفعل النبي أو الإمام الّذي لا يستفاد منها التعيّن، أو ما لا يدلّ على المطلوب، لكون الرواية في مقام بيان أمر آخر فنتركه للقارئ الكريم.

[الروايات]

الطائفة الأولى: تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام

1. صحيحة معاوية بن عمار الماضية قال: «فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين، و اجعله إماما، و اقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و في الثانية قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ، ثمّ تشهد و احمد اللّه واثن عليه، و صلّ على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث 3.

219

و اسأله أن يتقبّل منك». (1)

و قد مرّ أنّ مفاد الحديث هو إتيان الصلاة خلف المقام، و الأمر ظاهر في التعيّن، و اشتمال الرواية على قسم من المندوبات لا يضرّ بظهورها فيه، إذ المتبع هو الظهور ما لم يدلّ دليل على الخلاف.

2. مرسلة صفوان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلّا خلف المقام، لقول اللّه عزّ و جلّ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة». (2)

و دلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، و إن كانت دلالة الآية عليه (خلف المقام)، غير واضحة لنا.

3. خبر أبي عبد اللّه الأبزاري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحجر، قال: «يعيدهما خلف المقام، لأنّ اللّه تعالى يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى عنى بذلك ركعتي طواف الفريضة». (3)

و دلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، و إن كانت دلالة الآية عليه غير واضحة لنا.

4. معتبرة سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه (عليه السلام) قال: «إذا حجّ الرجل فدخل مكّة متمتّعا فطاف بالبيت و صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بن الصفا و المروة و قصّر، فقد حلّ له كلّ شي‌ء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الوسائل: 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث 2.

220

النساء طوافا و صلاة». (1) و دلالته بظاهره على لزوم إتيانها خلف المقام لا غبار عليها.

5. مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه قال: «يصلّي الرجل ركعتي طواف الفريضة خلف المقام». (2)

6. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّما نسك الّذي يقرن بين الصفا و المروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلّا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت، و صلاة ركعتين خلف المقام، و سعي واحد بين الصفا و المروة، و طواف بالبيت بعد الحجّ». (3)

و دلالته على لزوم الإتيان بها خلفه في التمتع، لأجل اشتراك الأقسام:

التمتع، و القران و الإفراد في الحكم إلّا ما خرج.

7. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في تعريف المتعة؟ فقال: «يهلّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصّر و أحل ...». (4)

فالحديث في مقام بيان مقدّمات حجّ التمتع، و أنّ منها الصلاة خلف المقام.

و لعلّ هذا المقدار من النصوص كاف و الروايات أكثر ممّا نقلت، و إنّما تركت بعضها لعدم وضوح دلالتها على التعيين. و سيوافيك أنّ التأكيد على‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث 7.

(2). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب الطواف، الحديث 9.

(3). الوسائل: 9، الباب 2 من أبواب الطواف، الحديث 6.

(4) الوسائل: 8، الباب 5 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3.

221

الصلاة خلف المقام لأجل ردّ جواز الصلاة بين البيت و المقام. فانتظر.

الطائفة الثانية: وجوب إتيان الصلاة عند المقام

هناك روايات تدلّ على لزوم الإتيان بها «عند المقام» نذكر منها ما يلي:

1. حديث جميل بن دراج، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّ الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي. (1)

2. صحيح أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثمّ حاضت قبل أن تصلّي الركعتين؟ قال: «إذا طهرت فلتصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم و قد قضت طوافها». (2)

3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «القارن لا يكون إلّا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم، و سعي بين الصفا و المروة، و طواف بعد الحج، و هو طواف النساء». (3)

4. صحيحه الأخر في بيان ما يعتبر في حجّ التمتع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف- إلى أن قال:- و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام)». (4)

5. صحيحه الثالث قال: «المفرد للحج عليه طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام)». (5)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(3). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 12.

(4). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 8.

(5). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 13.

222

و الأحاديث الثلاثة لابن عمار، بصدد بيان أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة:

القران، و التمتع و الإفراد و من أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة، هي الصلاة عند المقام.

6. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج- إلى أن قال:- فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثمّ يأتي مكّة و لا يقطع التلبية حتّى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت و يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ...». (1)

إلى غير ذلك من الأحاديث المبثوثة في أبواب أقسام الحج و الطواف.

الطائفة الثالثة: الصلاة في المقام

و هناك ما يدلّ على أنّ المعتبر هو الصلاة في المقام.

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل طاف طواف الفريضة و لم يصل الركعتين- إلى أن قال:- و يرجع إلى المقام فيصلّي ركعتين». (2) أي فيه.

2. خبر أحمد بن عمر الحلّال قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصلّيهما». (3) أي فيه.

3. و في صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين». (4) أي فيه.

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 8 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(3). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 12.

(4). الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب الطواف، الحديث 1.

223

الجمع الدلالي بين الروايات

هذه عمدة الروايات الواردة، و قد مرّ أنّ ما ذكر لفظ «الأمام» يريد به كون المصلّى خلف المقام، و أمّا الصنف الأخير، الدال على الإتيان بها في المقام، فقد مرّ أنّ الصلاة فيه غير ممكنة فلا بدّ أن يراد به حول المقام، فلم يبق من العناوين إلّا العنوانان التاليان:

1. خلف المقام.

2. عند المقام.

و أمّا الجمع بينهما فهو: أنّ التأكيد على الإتيان بها خلف المقام، لغاية نفي التقدّم على المقام، كما إذا صلّى بين البيت و المقام على نحو يكون المقام خلفه، و لعلّ الإصرار على ذلك هو اشتهار أنّ المقام كان ملصقا بالبيت ثمّ أتى به إلى المكان المعهود، فكان ذلك سببا لإتيان الصلاة قبل المقام، فتأكيد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على الإتيان بالصلاة وراء المقام، كان ردا لتلك الفكرة، و يشهد على هذا صحيح إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت: للرضا (عليه السلام): أصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة، أو حيث كان على عهد رسول اللّه، قال:

«حيث هو الساعة». (1)

و في صحيح محمد بن مسلم: «كان الناس على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم يطوفون بالبيت و المقام و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم». (2)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 28 من أبواب الطواف، الحديث 1.

224

و حاصل الكلام: كان المعروف في عصر صدور الروايات، انّ المقام كان ملصقا بالبيت، و كان ذلك سببا، لتوهم جواز الإتيان بالصلاة بين البيت و المقام اليوم، فعمد أئمّة أهل البيت برد الوهم و التأكيد على إتيانها خلف المقام، و جعله أمامه لا خلفه، و عند ذلك يكون الموضوع «كون الصلاة عند المقام» أي حوله.

و هو يصدق على الصلاة خلفه أو أحد جانبيه.

و الحاصل: كما أنّ للآيات شأن نزول، كذلك للروايات أيضا سبب صدور و بالرجوع إليه يرتفع الإبهام عن وجوبها.

و على ضوء ذلك، فيمكن أن يقال: أنّ سبب التركيز على وقوع الصلاة خلف المقام لا لأجل اعتبار الخلفيّة في مقابل اليمين و اليسار، بل التركيز لأجل نفي التقدّم، و لذلك أمر الإمام أن يجعل المقام إماما، أي لا يتقدّم عليه.

فيكون الموضوع حسب الآية و الروايات «الصلاة عند المقام ولديه» سواء كان خلف المقام أو اليمين و اليسار، لكن بشرط عدم التقدّم عليه.

و أمّا على مختار الأصحاب من التركيز على شرطية الخلف و عدم كفاية الصلاة في أحد الجانبين فالموضوع عندهم مركب من أمرين:

1. كون الصلاة خلف المقام.

2. كون الصلاة عند المقام.

و على ذلك لو صدق كون الصلاة خلف المقام و لم يصدق كونها عنده، فلا يكفي ذلك، كما إذا صلّى خلف المقام لكن بعيدا عنه.

كما أنّه لو صلّى عند المقام دون خلفه، فلا يكفي، كما إذا صلّى في أحد الجانبين: اليمين و اليسار.

225

نعم ورد في خبر أبي بلال المكّي، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) طاف بالبيت ثمّ صلّى فيما بين الباب و الحجر الأسود ركعتين، فقلت له: ما رأيت أحدا منكم صلّى في هذا الموضع، فقال: «هذا المكان الّذي تيب على آدم فيه». (1)

فلو كان المراد من الباب باب الكعبة كما هو الظاهر، لزم أن يكون الإمام صلّى الركعتين و المقام خلفه لا أمامه.

و احتمال أنّ الإمام صلّى عند المقام محاذيا بين الباب و الحجر الأسود غير صحيح، لأنّ هذا لا يثير تعجّب الراوي، إذ يكون عملا عاديّا.

كما أنّ حمل الصلاة على التطوّع غير صحيح، لأنّ الظاهر أنّ الإمام صلّى في الموضع الّذي صلّى فيه لأجل طوافه بالبيت حيث قال: طاف بالبيت ثمّ صلّى فيه.

فالرواية لا يحتج بها، لأنّها معرض عنها.

اللّهمّ إلّا أن يحمل على الطواف المجرّد عن سائر الأعمال فيجوز إتيان صلاته من حيث شاء و يدل عليه خبر زرارة. (2)

و من ذلك يعرف النظر في بعض الكلمات على ما عرفت، و أنّه ليس للخليفة موضوعية و انّما الموضوعية لعند المقام ولديه.

حكم الصلاة عند الزحام

ما ذكرنا من الحفاظ على عنوان «العنديّة» فقط أو «الخلفيّة» و «العنديّة» راجع إلى حال الاختيار و عدم الزحام، و أمّا عند كثرة الطائفين فكثيرا ما يكون‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 73 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 73 من أبواب الطواف، الحديث 1.

226

«خلف المقام» مطافا للطائفين فيأتون زرافات و وحدانا، و المصلّون من الشيعة خلف المقام بين قائم و راكع و ساجد، و عند ذلك يقع التدافع و تثور ثورة الطائفين من جانب و منع المصلّين من جانب آخر، و ينتهي الأمر إلى الجدال الممنوع في الحجّ فما هو الواجب في هذه الحالة؟

و بما أنّ المسألة ليست حديثة الابتلاء، بل لها جذور في تاريخ الحجّ، تعرض لها الفقهاء في كتبهم، و قد اختلفت كلمتهم في هذا الموضع بالنحو التالي:

1. مخيّر بين وراء المقام أو أحد جانبيه

قال المحقّق: فإن منعه زحام صلّى وراءه أو إلى أحد جانبيه. (1)

2. تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان

قال صاحب الرياض: الأحوط تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان. (2)

3. تحرّي الأقرب فالأقرب

و اختار الفاضل الاصبهاني تحرّي القرب منه ما أمكن، و إذا تعذّر لزحام جاز البعد بقدر الضرورة. (3)

و على كلّ تقدير يقع الكلام تارة في حكمها من حيث القواعد، و أخرى من حيث النصوص.

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 268.

(2). رياض المسائل: 6/ 540.

(3). كشف اللثام: 5/ 449.

227

أمّا مقتضى القواعد فهناك احتمالان:

أ. سقوط وجوب الصلاة عند تعذّر الشرط.

ب. سقوط وصف «العندية» أو «الخلفية» لا نفس الصلاة.

أمّا الأوّل: فهو ضعيف جدّا بشهادة أنّه لو نسي صلاة الطواف يقضيها أينما تذكر إذا شق عليه الرجوع، و إلّا يرجع فيصلّي في المقام كما سيوافيك.

بقي الثاني: و لكن سقوط «العنديّة» على وجه الإطلاق بمجرّد الزحام غير صحيح، بل يتربّص إلى الحدّ الّذي لا يفوت معه الموالاة بين الصلاة و السعي.

فإذا لم يسقط الواجب و لم يتمكّن من الصلاة عند المقام حتّى بعد الصبر و التربّص يلزم- على المختار عندنا- عليه الصلاة في كلّ نقطة أقرب إلى المقام بشرط أن لا يتقدّم عليه، من غير فرق بين الخلف و الجانبين، بل الموضوع هو حفظ «العنديّة» مهما أمكن، أي الأقرب فالأقرب، و على ذلك ينزل ما روي عن حسين بن عثمان بسندين: أحدهما نقيّ و الآخر غير نقيّ.

أمّا الأوّل، فقد رواه الكليني في «الكافي» و قال: رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريبا من ظلال المسجد.

و أمّا الثاني فقد رواه الشيخ و قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريبا من الظلال لكثرة الناس. (1)

و التعبير في كليهما واحد غير وجود التصريح بالسبب في رواية «التهذيب» دون «الكافي»، و ما ذكر فيه السبب، و إن كان ضعيف السند، لكن وحدة المتن يكشف عن صدق الراوي في الحديث، و من البعيد أن يزيد من جانبه شيئا.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 75 من أبواب الطواف، الحديث 1 و 2.

228

و بذلك يعلم أنّ ابتعاد الإمام (عليه السلام) عن نفس المقام لأجل كثرة الناس، و أمّا انتخابه قريبا من ظلال المسجد و في الوقت نفسه حيال المقام لأجل أنّه كان في ذلك الوقت أقرب من سائر الأمكنة.

هذا على المختار، و أمّا على مختار الأصحاب فبما أنّ المعتبر عندهم رعاية أمرين: الخلفية و العنديّة، فقد فصلّوا في ذلك كالتالي:

ففي نجاة العباد: يختار عند الزحام الأقرب إلى المقام من الخلف، و إلّا فيختار أحد الجانبين، و إلّا فحيث يشاء مع رعاية الأقرب إلى الخلف. (1)

و أمّا المصنّف فقد أخذ «خلف المقام» محورا- مثل الأصحاب- لكن فصّل بوجه أدق، قال:

1. تقدّم الصلاة في الخلف على الصلاة في الجانبين، ما دام يصدق عليه كونها عنده.

2. لو كان الابتعاد عن المقام كثيرا على نحو لا يصدق عليها الصلاة خلف المقام بخلاف الصلاة في أحد الجانبين يقدّم الثاني على الخلف.

3. لو لم يتمكن من الصلاة عند المقام مطلقا، سواء صلّى خلف المقام أو أحدهما، يختار الأقرب إلى المقام من الخلف و أحد الجانبين.

4. و لو تساويا في القرب و اشتركا في عدم صدق الصلاة عند المقام، يقدّم الخلف على أحدهما.

5. لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن يفقد الجميع: الصلاة خلف المقام و الجانبين وصف كون الصلاة عند المقام، لا يبعد الاكتفاء بالخلف.

____________

(1). نجاة العباد: 33.

229

[المسألة 4: لو نسي الصلاة أتى بها أينما تذكر عند المقام]

المسألة 4: لو نسي الصلاة أتى بها أينما تذكر عند المقام، و لو تذكر بين السعي رجع و صلّى ثمّ أتم السعي من حيث قطعه و صحّ و لو تذكر بعد الأعمال المترتبة عليها لا تجب إعادتها بعدها، و لو تذكر في محل يشق عليه الرجوع إلى المسجد الحرام صلّى في مكانه و لو كان بلدا آخر، و لا يجب الرجوع إلى الحرم و لو كان سهلا، و الجاهل بالحكم بحكم الناسي في جميع الأحكام.* (1)

____________

و لكن الأحوط بعد الإتيان بالصلاة في الخلف، الاحتياط بإتيان صلاة أخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية.

و أخيرا احتاط بإتيان صلاة خلف المقام إذا تمكّن من الفرد الاختياري، أعني: الصلاة خلف المقام إلى أن يضيق وقت السعي.

أرى أنّ هذا التفصيل في «نجاة العباد» و المتن، مبني على إعطاء الأصالة للصلاة خلف المقام، و أمّا على ما قلناه فالميزان هو الصلاة عند المقام مهما أمكن و إلّا فالأقرب و الأقرب إليه.

(1)* في المسألة فروع:

1. لو نسي الصلاة [قبل السعي] و تذكّر بعده.

2. لو نسي صلاة الطواف و تذكّر في أثناء السعي.

3. لو نسي صلاة الطواف و تذكر بعد السعي أو بعد الفراغ من الأعمال.

4. الجاهل بالحكم، كحكم الناسي في جميع الأحكام.

و إليك دراسة الفروع واحد بعد الآخر:

الفرع الأوّل: لو نسي الصلاة و تذكر قبل السعي، يأتي بالصلاة عند المقام،

230

و هو مقتضى عامّة الروايات الواردة في المسألة على اختلاف صنوفها و يكفي إطلاق صحيح الكناني، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل نسي أن يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم في طواف الحج و العمرة؟ فقال: إن كان بالبلد صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (1)، و إن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع. (2) و إطلاق الحديث يعم المورد.

الفرع الثاني: التذكّر أثناء السعي

لو تذكّر أثناء السعي أنّه لم يصلّ ركعتي الطواف، ففي المسألة قولان:

الأوّل: يرجع إلى المقام و يصلّي ثم يتمّم سعيه، و بذلك قال العلّامة و صاحب الحدائق و غيرهما.

الثاني: أنّه مخيّر بين الرجوع إلى المقام و بين إتمام السعي ثمّ إتيان الصلاة، و هو خيرة الصدوق.

و إليك بعض الكلمات:

قال العلّامة: و لو نسيها حتّى شرع في السعي قطع السعي و عاد إلى المقام فصلّى الركعتين ثمّ عاد فتمم السعي، ثمّ استدلّ برواية محمد بن مسلم. (3)

و قد عنونه في «الحدائق» و نقل روايات الباب و لم يذكر فيه خلافا. (4)

و قد عقد صاحب الوسائل بابا خاصا نقل فيه روايات الفرع، و يظهر منها‌

____________

(1). البقرة: 125.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 16.

(3). التذكرة: 8/ 100، و ستوافيك روايته برقم 2.

(4). الحدائق الناضرة: 16/ 291.

231

عدم الفرق بين كون التذكّر قبل التجاوز عن النصف أو بعده، إلّا في حديث ذكر السائل في سؤاله أنّه أتى بخمسة أشواط أو أقل، و من المعلوم أنّ القيد في كلام السائل لا يخصص الحكم، و ربما يوجب عدم انعقاد الإطلاق.

و إليك هذه الروايات:

1. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل طاف طواف الفريضة و نسي الركعتين حتّى طاف بين الصفا و المروة ثمّ ذكر، قال (عليه السلام): «يعلّم ذلك المكان ثم يعود فيصلي الركعتين، ثم يعود إلى مكانه». (1)

2. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل يطوف بالبيت ثمّ ينسى أن يصلّي الركعتين حتّى يسعى بين الصفا و المروة خمسة أشواط أو أقلّ من ذلك؟ قال (عليه السلام): «ينصرف حتّى يصلّي الركعتين، ثمّ يأتي مكانه الّذي كان فيه فيتمّ سعيه». (2)

3. مرسل حمّاد بن عيسى، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل طاف طواف الفريضة و نسي الركعتين حتّى طاف بين الصفا و المروة، قال: «يعلم ذلك الموضع ثم يعود فيصلّي ثم يعود إلى مكانه». (3)

4. و لكن روى الصدوق عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه رخّص له أن يتمّ طوافه (المراد السعي) ثمّ يرجع فيركع خلف المقام. قال الصدوق بعد نقل هذه الرواية و رواية معاوية بن عمّار: «بأيّ الخبرين أخذ جاز». (4)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 77 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 77 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(3). الوسائل: 9، الباب 77 من أبواب الطواف، الحديث 4.

(4). الوسائل: 9، الباب 77 من أبواب الطواف، الحديث 2.

232

و لكن الأقوى ما هو المشهور لأجل كثرة رواياته، و جريان العمل بها.

نعم في طريق الصدوق إلى محمد بن مسلم الثقفي علي بن أحمد بن عبد اللّه البرقي و الولد و الوالد مهملان، و لكنّه لا يضر؛ لما ذكرنا في بحوثنا الرجالية من أنّ الكتب الّتي اعتمد عليها الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» كانت كتبا مشهورة مسلّمة الثبوت إلى مؤلّفيها، و إنّما ذكر الأسانيد لأجل إخراجها عن صورة الإرسال إلى صورة الإسناد، كما صرّح به في مقدّمة كتابه، فلاحظ.

الفرع الثالث: إذا تذكّر بعد الفراغ من العمل

كالتقصير في العمرة، فلا شكّ في وجوب إتيانها و تدلّ عليه عامّة روايات الباب، إنّما الكلام في محلها، فهل يأتي بها أينما تذكر، أو يأتي بها في المقام؟ ففي المسألة قولان مشهوران و إن كان الأوّل أشهر.

[الأقوال]

[القول] الأوّل: وجوب الرجوع و لو شقّ قضاهما حيث ذكر

المشهور انّه يجب الرجوع إلى المقام حيث ذكر، إذا لم يكن شاقا، و إلّا قضاهما حيث ذكر من غير فرق بين كونه في مكّة أو خارجها، كان في الحرم أو خارجه، و هذا هو المشهور.

قال الشيخ في «النهاية»: فمن نسي هاتين الركعتين، أو صلّاهما في غير المقام ثم ذكرهما، فليعد إلى المقام، فليصل فيه، و لا يجوز له أن يصلّي في غيره، فإن خرج من مكّة و كان قد نسي ركعتي الطواف و أمكنه الرجوع إليها رجع و صلّى عند المقام؛ و إن لم يمكنه الرجوع، صلّى حيث ذكر، و ليس عليه شي‌ء. (1) و قد عبر بمثل‌

____________

(1). النهاية: 242.

233

هذه العبارة في «المبسوط». (1)

و قال المحقّق: و لو نسيهما- الركعتين- وجب عليه الرجوع، و لو شقّ، قضاهما حيث ذكر، و لو مات قضاهما الولي. (2)

و قال العلّامة: لو نسي ركعتي الطواف، رجع إلى المقام، و صلّاهما فيه مع القدرة، و إن شقّ عليه الرجوع صلّى حيث ذكر. (3)

و يقرب من هذا التفصيل ما اختاره الشهيد في «الدروس»، حيث قال: و لو نسي الركعتين رجع إلى المقام، فإن تعذر فحيث شاء من الحرم، و إن تعذّر فحيث أمكن من البقاع. (4)

وجه الرجوع إلى المقام مطلقا إذا كان بمكة هو أنّ الغالب على المتواجد فيها هو سهولة إتيان الصلاة في المقام و لذلك لم يفصّل في المتواجد، و أمّا غير المتواجد فيها فإذا تعذر الرجوع إلى المقام فلو أمكن الرجوع إلى الحرم فالصلاة فيه مقدّمة على الصلاة في سائر البقاع، فتقديم الحرم على غيره مختص بالشهيد.

الثاني: جواز الإيقاع أينما تذكّر

لا يجب الرجوع مطلقا و يجوز الإيقاع حيث تذكّر، مع أفضلية الرجوع مع الإمكان. و هو خيرة المحقّق النراقي في «المستند»، (5) و مال إليه صاحب الذخيرة، (6) و صاحب الحدائق. (7)

و اعلم أنّ روايات الباب مختلفة جدّا، و إرجاع الجميع إلى أمر واحد‌

____________

(1). المبسوط: 1/ 360.

(2). الشرائع: 1/ 267.

(3). التذكرة: 8/ 98؛ و المنتهى: 10/ 327.

(4). الدروس: 1/ 396.

(5). المستند: 12/ 146.

(6). الذخيرة: 630.

(7). الحدائق الناضرة: 16/ 145.

234

مشكل، فلنقدّم المحكمات على المتشابهات حتّى نفسر الثانية بالأولى و يرتفع التعارض بينها، خضوعا للقاعدة المعروفة: «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»؛ و من المعلوم أنّ المراد من الجمع هو الجمع العرفي لا الجمع التبرعي، أي الجمع بلا شاهد، و إليك الطوائف الواردة في الروايات:

[الروايات]

الأولى: ما يفصّل بين المرتحل و غيره

فيرجع الثاني إلى المقام و يصلّي فيه دون الأوّل فيقضي حيث ذكر، نظير:

1. معتبر أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) في طواف الحجّ و العمرة، فقال: «إن كان بالبلد صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (1)، و إن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع». (2)

2. صحيح معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل نسي الركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فلم يذكر حتّى ارتحل من مكّة، قال: «فليصلّهما حيث ذكر، و إن ذكرهما و هو في البلد فلا يبرح حتّى يقضيهما». (3)

3. خبر حنان بن سدير قال: زرت فنسيت ركعتي الطواف فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و هو بقرن الثعالب فسألته فقال: «صل في مكانك». (4)

«و قرن الثعالب» هو «قرن المنازل» ميقات أهل الطائف. و الحديث يدلّ على أنّه تذكر بعد ما ارتحل من مكة و لقي الإمام (عليه السلام) فيه.

____________

(1). البقرة: 125.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 16.

(3). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 18.

(4). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 11.

235

الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّ الميزان في الرجوع و عدمه كون الرجوع شاقّا

نظير:

صحيح أبي بصير- يعني المرادي- قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، و قد قال اللّه تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى حتّى ارتحل، قال: «إن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه، و لا آمره أن يرجع و لكن يصلي حيث يذكر». (1)

و هذه الرواية كالحاكمة على الطائفة الأولى و ان عدم رجوع المرتحل ليس لأجل ارتحاله على نحو لو لم يشقّ عليه لا يرجع إلى المقام بل لأجل كونه مقرونا بالمشقة غالبا أو دائما، و على ذلك يكون الميزان هو كون الرجوع حرجيّا و عدمه، ففي الأوّل يصلّي حيث ذكر، و في الثاني يرجع.

و يشهد على ذلك صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن نسي ركعتي الطواف حتّى ارتحل من مكة قال: «إن كان مضى قليلا فليرجع فليصلّهما أو يأمر بعض الناس فليصلّهما عنه» (2) ترى أنّه يأمر برجوع المرتحل إذا تجاوز مكّة قليلا، و إلّا فلو كان الموضوع هو الارتحال لما أمره بالرجوع. أمّا الذيل فسيوافيك توضيحه.

فإن قلت: قد مضى في صحيح معاوية بن عمّار قوله: «و ان ذكرهما و هو في البلد، فلا يبرح حتّى يقضيهما» (3) و هذا دليل على أنّ المراد هو التواجد في مكّة و عدمه لا الحرج و خلافه.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 10.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 18.

236

قلت: إن أمره بالرجوع لغير المرتحل لأجل أنّه يرافق عدم الحرج و المشقة دائما إلّا ما شذّ و ندر مثل ما إذا كان مريضا لا يرجى برؤه قبل خروج القافلة، و لأجل ذلك يجب أن يركّز البحث في عامّة الروايات لغير المتواجد في مكّة، كما إذا كان في الأبطح أو منى، أو قبل الميقات أو بعده.

إلى هنا تبين أنّ الطائفتين تصبّان مصبا واحدا فيكون المرجع ما هو المشهور، و اعترف بالشهرة صاحب الحدائق و قال: قد صرّح جملة من الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بأنّه لو نسي ركعتي الطواف وجب عليه الرجوع إلّا أن يشق عليه فيقضيهما حيث ذكر. (1)

فإن قلت: لو كان الميزان في الرجوع و عدمه هو المشقة فلما ذا أمر الإمام في خبر ابن مسكان بالرجوع مع تجاوزه ميقات أهل أرضه؟ و قال و في حديث آخر:

«إن كان جاوز ميقات أهل أرضه فليرجع و ليصلهما، فإنّ اللّه تعالى يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى. (2)

قلت: محمول على ما إذا كان ميقات أهل أرضه قريبا لا يشق الرجوع كما هو الحال في قرن المنازل أو الجعرّانة.

و يشهد على ما ذكرنا من الحمل ما مرّ صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث قال: «إن كان قد مضى قليلا فليرجع فليصلّهما، أو يأمر بعض الناس فليصلهما عنه». (3) فإنّ الظاهر أنّ كلا الشقّين راجعان إلى من قد مضى قليلا، فالمتمكن من الرجوع، يرجع و غيره يستنيب.

____________

(1). الحدائق الناضرة: 16/ 141.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 15.

(3). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 1.

237

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّه يرجع إذا ذكر و هو بالأبطح أو بمنى

نظير:

1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): قال سئل عن رجل طاف طواف الفريضة و لم يصل الركعتين حتّى طاف بين الصفا و المروة، ثمّ طاف طواف النساء و لم يصل لذلك الطواف حتّى ذكر و هو بالأبطح؟ قال: «يرجع إلى المقام فيصلي ركعتين» (1) و المراد يصلي لكلّ طواف ركعتين، كما سيأتي التصريح في موثق عبيد.

2. موثّق عبيد بن زرارة و قد جاء فيه نفس السؤال الوارد في صحيح محمد بن مسلم فأجاب الإمام قائلا: «يرجع فيصلي عند المقام أربعا». (2)

3. صحيح أحمد بن عمر الحلال: قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصليهما». (3)

4. خبر ابن مسكان: إن كان جاوز ميقات أهل أرضه فليرجع و ليصلّيهما فإنّ اللّه يقول: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى. (4) فإذا وجب الرجوع عند تجاوزه ميقات أهله، يكون الرجوع أوجب إذا كان في منى أو سائر ضواحي مكّة.

و هذه الطائفة، بحكم الطائفة الثانية راجعة إلى ما إذا كان الرجوع غير شاق، كما هو الحال في غير خبر ابن مسكان. و امّا خبره فهو قضية في واقعة. و لعلّ‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 5.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 7.

(3). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 12.

(4). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 15.

238

ميقات أهله كان قريبا كالجعرّانة أو قرن المنازل و لم يكن الرجوع عليه شاقّا.

هذه الطوائف الثلاث هي الروايات المحكمة يشدّ بعضها بعضا، و تدلّ على ما هو المشهور من أنّ الملاك في وجوب الرجوع و عدمه كونه حرجيا أو لا.

بقي في المقام طائفتان أخريان يجب إمعان النظر فيهما.

الطائفة الرابعة: يصلّي أينما تذكّر

هناك روايات تدلّ على أنّه يصلّي حيث تذكّر، و هذه الروايات دليل القول الثاني، و قد تقدّم أنّه خيرة لفيف من الفقهاء، و هذه الروايات هي:

1. خبر هشام بن المثنى قال: نسيت أن أصلي الركعتين للطواف خلف المقام حتّى انتهيت إلى منى فرجعت إلى مكة فصليتهما ثم عدت إلى منى فذكرنا ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «أ فلا صلّاهما حيث ذكر». (1)

2. و في خبر آخر عن هشام بن المثنى و حنان بن سدير قالا: طفنا بالبيت طواف النساء و نسينا الركعتين فلمّا صرنا بمنى ذكرناهما، فأتينا أبا عبد اللّه فسألناه فقال (عليه السلام): «صلياهما بمنى». (2)

3. خبر عمر بن البراء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن نسي ركعتي طواف الفريضة حتّى أتى منى أنّه رخص له أن يصلّيهما بمنى. (3)

و التعارض بين هذه الطائفة، و ما سبق من الطائفة الثالثة واضح، فلا بدّ من العلاج بأحد وجهين:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 9. و سيوافيك الكلام في سنده و انّ الراوي هل هو هشام بن المثنى أو هاشم بن المثنى؟

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 17.

(3). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 2.

239

أمّا أوّلا: ترجيح الطائفة الثالثة لصحة اسنادها و ضعف أسانيد الرابعة.

أمّا الرواية الأولى، فلكون الراوي عن الإمام مرددا بين هشام بن المثنى الّذي لم يوثق كما عليه نسخة الكافي (1)، أو هاشم بن المثنى كما في التهذيب (2) الموثّق، و الظاهر هو الأوّل لتفرد التهذيب ب‍ «هاشم». اللّهم إلّا أن يقال: إنّ الراوي عنهما هو ابن أبي عمير و هو لا يروي إلّا عن ثقة، فيدلّ على كونه ثقة إذا كان هشاما أيضا.

و أمّا الثانية، فلأنّ محمد بن الحسين بن زعلان مجهول لم يرد في كتب الرجال؛ و الموجود محمد بن الحسن بن زعلان أو محمد بن الحسن بن علان، و كلاهما مهمل. (3)

و أمّا الثالثة، فلأنّ عمرو بن البراء له أربع روايات و لم يوثّق.

و ثانيا: بالجمع بحملها على ما إذا كان العود حرجيّا، و ذلك لأنّ الراوي ذكر فعله للإمام، و لعلّه كان حرجيا مقرونا بالمشقّة، كما أنّ لفظة رخّص في الثالثة آية كون العود شاقا.

الطائفة الخامسة: ما يدلّ على الاستنابة

و يدلّ بعض الروايات على أنّه يستنيب، و هذا نظير:

1. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يصلي الركعتين؟ قال: «يصلّى عنه». (4) يحمل على من خرج من مكة و كان الرجوع‌

____________

(1). الكافي: 4/ 426، رقم 4.

(2). التهذيب: 5/ 137.

(3). لاحظ الموسوعة الرجالية الميسرة: 406 برقم 5199، و ص 407 و 410.

(4). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 4.

240

شاقا عليه بقرينة الرواية الآتية.

2. مرسلة ابن مسكان قال: حدثني من سأله عن الرجل ينسى ركعتي طواف الفريضة حتّى يخرج؟ قال: «يوكّل». (1)

و الرواية الثانية قرينة على أنّ مورد السؤال في الأولى هو ما إذا كان الناسي خارجا عن مكّة، و من المعلوم أنّه يلازم الحرج نوعا، فتدلّان على جواز الاستنابة إذا كان الرجوع شاقا، و الجمع بين هذه الطائفة و الطائفتين الأولتين بعد تقييدها بما إذا كان الرجوع حرجيّا هو التخيير عند الحرج بين إقامة الصلاة مباشرة أينما تذكر، و الاستنابة ليصلّى عنه في المطاف. غير أنّ المشهور ذكروا أحد شقي التخيير، و هو الصلاة في مكان التذكّر و تركوا ذكر الاستنابة، و إن كانت الاستنابة أيضا كافية.

إلى هنا خرجنا بالنتائج التالية:

1. إذا كان الناسي في البلد، يجب عليه الرجوع إلى المقام و الصلاة فيه لصحيح ابن عمّار: «و ان ذكرهما و هو في البلد فلا يبرح حتّى يقضيهما». و قلّما يتفق أن يكون الرجوع للمقيم شاقّا.

2. انّ الملاك في الطائفة الأولى يرجع إلى الثانية، و هو انّ الملاك كون الرجوع شاقا و عدمه.

3. انّ الطائفة الثالثة الدالة على الرجوع إذا كان بالأبطح أو منى ناظرة إلى ما إذا لم يكن الرجوع شاقا، كما هو الغالب لمن خرج عن مكّة لا خروجا ارتحاليا، بل خرج لغاية من الغايات أو للعود إلى منى.

4. انّ الطائفة الرابعة المسوغة لإتيان الصلاة حيث تذكّر (منى) إمّا مرجوحة و مطروحة، أو راجعة إلى ما إذا كان الرجوع شاقا.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 14.

241

5. انّ الطائفة الخامسة ناظرة إلى بيان أحد فروض التخيير فلا مانع من الأخذ به، أي أن الناسي مخيّر بين الإتيان بها مباشرة أو تسبيبا.

حكم الأعمال المترتّبة على الصلاة

أنّه إذا نسي الصلاة حتّى فرغ من العمل، و قد قلنا بأنّه يقضيها على التفصيل الماضي، فهناك سؤال يطرح نفسه، و هو ما هو حكم الأعمال المترتّبة على الصلاة المنسيّة، فهل يجب قضاؤها أو أنّها صحيحة؟

فقد استشكل صاحب «المدارك» في صحّة الأعمال المتأخّرة عنها و قال:

و كذا الإشكال في صحّة الأفعال المتأخّرة عنهما من حيث صدق الإتيان بها و من عدم وقوعها على الوجه المأمور به. (1)

و تبعه المحقّق السبزواري في الذخيرة (2)، و كفاية الأحكام. (3)

و ذكروا للإشكال وجهين:

1. عدم وقوعها على الوجه المأمور به و قد تقدّم عن «المدارك».

2. انّ الأمر بالشي‌ء يستلزم النهي عن ضدّه الخاص المستلزم للفساد في العبادة.

يلاحظ على الوجه الأوّل بأنّا نستكشف من الروايات المذكورة بأنّ الترتيب شرط ذكري لا شرط واقعي. و قد مرّ أنّه لو تذكّر أثناء السعي أنّه لم يصلّ يعلّم مكانه فيرجع و يصلّي ثم يأتي ببقية السعي من المكان الذي علّمه، و هذا دليل على صحّة الأعمال المترتّبة.

____________

(1). المدارك: 8/ 136.

(2). الذخيرة: 630.

(3). كفاية الأحكام: 67.

242

و عن الثاني بأنّ كون الأمر بالشي‌ء نهيا عن ضدّه، غير ثابت، و قد فرغنا عن عدم صحّته في الأصول فإنّها مبنية على مقدّمات غير صحيحة.

و العجب أنّهم غفلوا عن وجه الاستدلال بالروايات المتضافرة حيث إنّها بكلمة واحدة سكتت في إعادة الأعمال المترتّبة، فلو كانت الإعادة واجبة لما سكتت الروايات الهائلة عن ذكرها، فالسكوت فيها أفضل دليل على عدم وجوبها.

ثمّ إنّ صاحب المستند يذكر هنا قضية طريفة في بابها و يقول: و العجب كلّ العجب من بعض مشايخي بالإجازة- يعني صاحب الرياض- أنّه استجود ما ذكره صاحبا المدارك و الذخيرة من قرب بطلان الأفعال المتأخّرة عن الركعتين جميعا، الّتي منها: السعي و الوقوفان في طواف العمرة.

و مع ذلك لمّا شاهد ما ذكره والدي العلّامة المحقّق في «التحفة الرضوية»:

أنّ من قصّر في تصحيح وضوئه و قراءته و ركوعه و سجوده- و لأجله بطلت صلاته- يحصل الإشكال في صحّة حجّة من جهة بطلان ركعتي طوافه.

اعترض عليه: بأنّه لا وجه لبطلان العمرة و الحجّ ببطلان الركعتين؛ مع أنّهما ليستا من أركان الحجّ.

و لمّا وصلت إلى خدمته في الحائر الحسيني (عليه السلام) عند مسافرتي إلى بيت اللّه- بعد انتقال والدي إلى جوار اللّه- قال لي: إنّه قد ذكر الوالد المعظّم كذا في التحفة، و يلزم عليك إخراج ذلك منه؛ لئلّا يتوهّم بعد ذلك وقوع الخلاف في بطلان الحجّ ببطلان الركعتين مع أنّه لم يقل به أحد.

و لم يتيسّر لي- بعد ملاحظة المسألة- بيان الحال له و العرض عليه. (1)

____________

(1). المستند: 12/ 150- 151.

243

الفرع الرابع: انّ الجاهل كالناسي

إذا ترك ركعتي الطواف عن جهل بحكمها ثم تعلّم بعد ما أتى بالأعمال فهو كالناسي كما هو المشهور.

قال الشهيد: و الجاهل كالناسي لو تركهما للنص. (1)

و قال في «المدارك»: و لم يذكر المصنّف حكم غير الناسي، و الظاهر إلحاق الجاهل به. (2)

و قال في «المستند»: الجاهل كالناسي وفاقا لصريح جماعة. (3)

و الدليل على وحدة الحكم، صحيح جميل، عن أحدهما (عليهما السلام): أنّ الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي. (4)

هذا كلّه حول الناسي و الجاهل، و أمّا العامد فمقتضى القاعدة الأوّلية وجوب الرجوع إلى المقام و الصلاة فيه، أخذا بإطلاق الأدلّة الأوّلية.

قال في «المسالك»: أمّا العامد فلم يتعرّضوا لذكره، و الّذي يقتضيه الأصل أن يجب عليه العود مع الإمكان، و مع التعذّر يصلّيها حيث أمكن، و أوجب العلّامة الاستنابة في فعلها فيه عند تعذّر العود و جعلها ممّا يستثنى من الصلاة الواجبة من عدم جواز النيابة فيها حال الحياة، و في بعض الأخبار دلالة عليه، و إن كان فعلها مباشرة حيث أمكن أقوى و أصحّ سندا. (5)

____________

(1). الدروس: 1/ 397.

(2). المدارك: 8/ 136.

(3). المستند: 12/ 149.

(4). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 3.

(5). المسالك: 2/ 335.

244

[المسألة 5: لو مات و عليه صلاة الطواف يجب على ولده الأكبر القضاء]

المسألة 5: لو مات و عليه صلاة الطواف يجب على ولده الأكبر القضاء.* (1)

____________

و بذلك يعلم أنّه كما يجب عليه الرجوع إلى المقام و الصلاة فيه يجب عليه إعادة الأفعال المتأخّرة عن الركعتين.

و ربما يقال: إنّ القدر المتيقّن من الأدلّة وجوب الركعتين بين الطواف و السعي، و أمّا توقّف صحّة الأعمال المترتّبة عليهما فلم يدلّ عليه دليل.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّت الأعمال المترتّبة في صورة العمد أيضا، يلزم انتفاء الشرطية لا واقعا- كما هو المفروض حيث تصحّ أعمال الناسي و الجاهل، و لا ذكرا- لو قلنا بعدم الحاجة إلى الإعادة في العامد.

(1)* إذا مات الرجل و عليه صلاة طواف فهل على وليه القضاء عنه كسائر الصلوات الّتي على ذمة الميت؟

الظاهر من عدة من الأصحاب وجوب القضاء على الولد الأكبر.

يقول الشيخ في هذا الصدد: فإن أدركه الموت قضى عنه وليه. (1)

و قال ابن إدريس: و من نسي ركعتي الطواف فأدركه الموت قبل أن يقضيهما كان على وليه القضاء عنه. (2)

و قال ابن حمزة: فإن لم يمكنه صلّى مكانه، فإن مات قضى عنه وليّه. (3)

و قال ابن سعيد: فإن مات قضى عنه وليّه أو غيره. (4)

____________

(1). النهاية: 240.

(2). السرائر: 1/ 577.

(3). الوسيلة: 174.

(4). الجامع للشرائع: 198.

245

و موضع بعض هذه الكلمات طواف النساء.

و قال المحقّق: و لو مات قضاهما الولي. (1)

و المهم وجود الدليل عليه.

1. صحيح عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة حتّى خرج من مكّة فعليه أن يقضي، أو يقضي عنه وليّه، أو رجل من المسلمين». (2)

و ربما يقال بأنّه لا يستفاد من الحديث سوى المشروعية و الاجتزاء بأحد تلك الأمور، و أمّا كونها واجبة على الولي بعد الموت فلا.

يلاحظ عليه: بأنّ قوله: «أو يقضي عنه وليّه» عطف على قوله: «أن يقضي».

فمقتضى وحدة السياق هو وجوب الإتيان بهما عليه ما دام حيا و على الولي بعد ما فات.

أضف إلى ذلك أنّ الجملة الخبرية أوقع في إفادة الوجوب من الجملة الإنشائية فقوله: ولدي يصلّي أبلغ في الإيجاب من قوله: صل يا ولدي.

هذا كلّه مع قطع النظر عن الأدلّة العامّة في وجوب قضاء الفوائت عن الميت، من غير فرق بين فائتة دون فائتة و صلاة دون صلاة. ففي صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه». (3)

____________

(1). الشرائع: 1/ 264.

(2). الوسائل: 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث 13.

(3). الوسائل: 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.

246

[المسألة 6: لو لم يتمكّن من القراءة الصحيحة و لم يتمكّن من التعلّم صلّى بما أمكنه و صحّت]

المسألة 6: لو لم يتمكّن من القراءة الصحيحة و لم يتمكّن من التعلّم صلّى بما أمكنه و صحّت، و لو أمكن تلقينه فالأحوط ذلك، و الأحوط الاقتداء بشخص عادل، لكن لا يكتفي به كما لا يكتفي بالنائب.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. إذا لم يتمكّن من التعليم صلّى بما أمكنه.

2. لو أمكن التلقين أو الاقتداء بشخص عادل، أو الاستنابة.

المسألة معنونة في باب القراءة في الصلاة، و قد اتّفقوا فيها على أمرين:

أ. وجوب التعلّم إذا اتّسع الوقت.

ب. الاقتصار بما تيسّر منها إذا ضاق الوقت.

قال المحقّق: و من لا يحسنها (الفاتحة) يجب عليه التعلّم، فإن ضاق الوقت قرأ ما تيسّر منها. (1)

أمّا وجوب التعلّم فهو وجوب مقدّمي واجب شرعا أو عقلا.

أقول: للمسألة صور قال:

الأولى: إذا لم يتمكّن من التعلّم لضعف استعداده فلا شكّ انّه يقتصر بما تيسّر أخذا بقوله سبحانه: لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (2) بلا حاجة إلى التلقين أو الاقتداء بشخص عادل- مضافا إلى قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا به ما استطعتم» و قوله: الميسور لا يسقط بالمعسور، إلى غير ذلك من الدلائل المذكورة في باب القراءة. (3)

____________

(1). الشرائع: 1/ 81.

(2). البقرة: 286.

(3). الجواهر: 9/ 303- 304.

247

الثانية: إذا كان متمكّنا منه و لم يتعلم و ضاق الوقت، فقد احتاط في المتن بوجوب التلقين و الاكتفاء به، كما هو ظاهر كلامه لكن الأحوط الجمع بينه و بين الإتيان بما تيسّر فالأحوط التلقين، بعد الإتيان بما تيسّر.

و أمّا الاقتداء بشخص عادل فهو فرع مشروعية الجماعة في صلاة الطواف و لم يرد فيه شي‌ء على أنّ الاقتداء يجدي في القراءة التي تسقط من المأموم دون ما لا يسقط كأذكار الركوع و السجود و التشهد، فلو اقتدى به رجاء فلا بدّ من الإتيان بما تيسّر أيضا لقاعدة الاشتغال.

و أمّا النيابة فقد وردت في المريض و الكبير، لكن النائب عنهما ينوب في الطواف و الصلاة لا في مجردها.

و الأحوط الإتيان بما تيسر ثمّ الجمع بالأمور الثلاثة مهما أمكن.

*** بلغ الكلام إلى هنا يوم الاثنين، الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل من شهور عام ألف و أربعمائة و سبعة و عشرين و ذلك في قم المشرفة، و الرجاء من اللّه سبحانه أن يوفق المؤلف لإتمام سائر المباحث، إنّه بذلك قدير و بالإجابة جدير.

248

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

249

الفصل السادس عشر القول في السعي

250

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

251

القول في السعي

[المسألة 1: يجب بعد ركعتي الطواف، السعي بين الصفا و المروة]

المسألة 1: يجب بعد ركعتي الطواف، السعي بين الصفا و المروة، و يجب أن يكون سبعة أشواط من الصفا إلى المروة شوط، و منها إليه شوط آخر، فيجب البدأة بالصفا و الختم بالمروة، و لو عكس بطل، و تجب الإعادة أينما تذكر و لو بين السعي.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. وجوب السعي بين الصفا و المروة بعد صلاة الطواف.

2. عدد الأشواط سبعة، و كلّ من الذهاب أو الإياب شوط.

3. الابتداء من الصفا و الختم بالمروة.

4. و لو عكس بطل و يجب الإعادة إذا خالف.

و قبل الخوض في دراسة الفروع نذكر أمورا لها صلة بالموضوع:

1. قد ذكر أصحاب المعاجم للسعي معان مختلفة، و لعلّ الجميع صور متنوعة لأصل واحد، و المقصود في المقام هو المشي بين الجبلين امتثالا لأمره سبحانه أو تقرّبا منه.

2. إنّ الصفا جزء من جبل أبي قبيس، و كان متّصلا به كما أنّ المروة جزء من جبل قيقعان على ما في تهذيب النووي (1)، و كان متّصلا به غير أنّ التوسعة الأخيرة للحرم المكّي فصلتهما عن الأصل، فأحدث ممرّ و معبر وراء الجبلين.

____________

(1). الجواهر: 19/ 421.

252

3. المسعى عبارة عن الوادي بين الجبلين المعروف بوادي إبراهيم (عليه السلام)، و قد ورد في غير واحد من الروايات من الأمر بالصعود على الصفا.

ففي صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «فاصعد على الصفا حتّى تنظر إلى البيت». (1)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المسعى كان أخفض من الجبل، و قد صنعوا في الخلافة العباسية للصعود على كلا الجبلين درجا، و نقل الأزرقي أنّ في جانب الصفا اثنتا عشرة درجة من حجارة و على المروة خمس عشرة درجة. (2) و ذرع ما بين الصفا و المروة سبعمائة ذراع و ستة و ستون ذراعا و نصف. (3)

4. هذا ما يرجع إلى العصور السالفة و الآن لا ترى من الدرج أثرا، حيث إنّ المسعى مفروش بالرخام و قد أزيل الدرج منذ قرون و جعل مكانهما الطريق المنحدر من كلا الجانبين ليسهل الصعود عليهما، و على أيّ حال إنّ الصفا حد المسعى من الجنوب، و المروة حدّه من الشمال، و الوادي هو الأرض الطبيعية بين الجبلين، و قد مرّت مساحة المسعى بالذراع، و أمّا مساحته بالمتر: فالمسعى بكامله 400 متر، و طول الوادي منه 375 مترا، و عرضه عشرين مترا و ارتفاع طابقه الأوّل اثنا عشر مترا، و الثاني تسعة أمتار، و عدد أبوابه 18 بابا موزعة على جانبيه الشرقي و الغربي و شبابيكه 148 شباكا. (4)

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 4 من أبواب السعي، الحديث 1.

(2). أخبار مكة: 2/ 120، كان في خلافة أبي جعفر المنصور.

(3). أخبار مكة: 2/ 119.

(4). مبادى علم الفقه: 123.

253

[الفرع] الأوّل: وجوب السعي بعد صلاة الطواف

اختلفت كلمة الفقهاء في حكم السعي:

1. السعي واجب و ركن من أركان الحج و العمرة و يبطل الحج بالإخلال به عمدا. و هو مذهب الإمامية قاطبة، كما هو مذهب مالك و الشافعي و أحمد في إحدى الروايتين.

2. انّه واجب و ليس بركن إذا تركه وجب عليه دم. و به قال الحسن البصري و الثوري، و هو مذهب أبي حنيفة.

3. قال: ابن مسعود و ابن عباس و أبي بن كعب السعي سنّة و ليس بواجب. (1)

حجّة القائلين بأنّها سنّة و ليس بواجب ظاهر الآية، أعني قوله تعالى: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّٰهَ شٰاكِرٌ عَلِيمٌ. (2)

فإنّ الآية بصدد نفي الحرج عن الطواف بينهما و أين هو من الوجوب، لأنّ رفع الحرج دليل على عدم الوجوب.

لكن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فسروا الآية ببيان سبب نزولها، و قد روي عنهم في ذلك وجهان:

الوجه الأوّل: ما روي عن الإمام الصادق: كان على الصفا صنم يقال له:

(اساف)، و على المروة صنم يقال له: (نائلة)، و كان المشركون إذا طافوا بهما مسحوهما فتحرّج المسلمون عن الطواف بهما (في عمرة القضاء) لأجل الصنمين،

____________

(1). الخلاف: 2/ 338، المسألة 328؛ و لاحظ المنتهى: 10/ 414- 415.

(2). البقرة: 158.

254

فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، فرجع رفع الجناح عن الطواف بهما إلى تحرّجهم عن الطواف بهما لأجل الصنمين لا إلى عين الطواف.

الوجه الثاني: أيضا عنه (عليه السلام): انّه كان ذلك في عمرة القضاء، و ذلك أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام فتشاغل رجل من أصحابه حتّى أعيدت الأصنام، فجاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقيل له: إنّ فلانا لم يطف و قد أعيدت الأصنام فنزلت هذه الآية: فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا أي و الأصنام عليهما، قال: فكان الناس يسعون و الأصنام على حالها. (1)

فالآية ناظرة إلى ردّ تلك الفكرة أي أنّ وجود الأصنام مانع عن صحّة السعي، و أمّا ما هو حكم الطواف فالآية ساكتة عنه.

قال العلّامة: إنّ رفع الحرج لا ينافي الوجوب و لا عدمه، لا أنّه دليل على عدم الوجوب، بل ليس له إشعار بأحدهما، إذ هو جنس لهما، و الجنس لا دلالة له على النوع. (2) فلو دلّ دليل على الوجوب لما كان منافيا للآية.

و يدلّ على وجوبه، سيرة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كما رواه مسلم عن الإمام الصادق عن الإمام الباقر (عليهما السلام) عن جابر في صفة حج النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا و مشى أربعا ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم (عليه السلام) فقرأ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى فجعل المقام بينه و بين البيت فكان أبي يقول: و لا أعلمه ذكره إلّا عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يقرأ في الركعتين قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ ثمّ رجع إلى الركن فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصّفا قرأ: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ أبدأ بما بدأ اللّه به، فبدأ بالصفا‌

____________

(1). مجمع البيان: 1/ 240.

(2). المنتهى: 10/ 417.

255

فرقى عليه حتّى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد اللّه و كبّره ... إلى أن قال: ثمّ نزل إلى المروة، حتّى إذا انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى حتّى إذا صعدتا مشى حتّى أتى المروة ففعل في المروة كما فعل على الصفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة ...». (1)

نعم انّ السيرة أعمّ من الوجوب و الاستحباب، لكن لما كان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في سفره هذا قاصدا لتعليم مناسك الحجّ، و كان يقول: «خذوا عني مناسككم» فالعمل يكون ظاهرا في جزئية السعي.

أمّا أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام): فقد تضافرت الروايات على وجوبه و نقتصر بالقليل منها.

1. روى معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث، قال: «السعي بين الصفا و المروة فريضة». (2)

2. روى الشيخ عن الحسن بن علي الصيرفي، عن بعض أصحابنا قال:

سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السعي بين الصفا و المروة فريضة أم سنّة؟ فقال:

«فريضة». (3)

و أمّا كون السعي بعد صلاة الطواف فقد مضى التصريح به في رواية مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أضف إليه ما دلّ من الروايات على أنّ من شرع في السعي و قد نسي ركعتي الطواف الواجب فعليه أن يقطعه و يصلّي الركعتين ثمّ يرجع إلى المسعى. (4)

____________

(1). صحيح مسلم: 4/ 39- 43، باب حجة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم؛ سنن أبي داود: 2/ 182، الحديث رقم 1905.

(2). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب السعي، الحديث 1.

(3). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب السعي، الحديث 6.

(4). لاحظ الوسائل: 9، الباب 77 من أبواب الطواف.

256

الفرع الثاني: أشواطه سبعة و كلّ من الذهاب أو الإياب شوط

اتّفقت كلمة المسلمين على أنّ عدد أشواط السعي سبعة. و لو كان هنا اختلاف فإنّما هو كيفية العدّ.

قال العلّامة في «التذكرة»: يجب أن يسعى بين الصفا و المروة سبعة أشواط يحتسب ذهابه من الصفا إلى المروة شوطا و عوده من المروة إلى الصفا آخر، هكذا سبع مرات عند علمائنا أجمع و هو قول عامة العلماء ... إلى أن قال: و قال أبو بكر الصيرفي من الشافعية، يحتسب سعيه من الصفا إلى المروة و منها إلى الصفا شوطا واحدا. (1) و كأنّه شبّه السعي بالطواف، فكما أنّ الطواف حول البيت شوط و هكذا السعي بين الصفا و المروة شوط.

و قال الشيخ في «الخلاف»: السعي بين الصفا و المروة سبع، يبتدئ بالصفا، و يختم بالمروة، بلا خلاف بين أهل العلم، و صفته أن يعدّ ذهابه إلى المروة دفعة، و رجوعه إلى الصفا أخرى، يبدأ بالصفا و يختم بالمروة و هكذا. و عليه جميع الفقهاء و أهل العلم إلّا أهل الظاهر، و ابن جرير، و أبا بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي فانّهم اعتبروا الذهاب إلى المروة و الرجوع إلى الصفا دفعة واحدة.

و حكي عن ابن جرير انّه استفتي فأفتى بذلك، فحمل الفتيا إلى أبي بكر الصيرفي فأفتى بمثله، فحمل إلى أبي إسحاق المروزي فخط على فتيا الصيرفي ظنّا منه أنّه تبع ابن جرير، فأقام الصيرفي على فتياه.

إنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بدأ بالصفا و ختم بالمروة، فلو كان ما قالوه صحيحا لكان خاتما بالصفا، و ذلك باطل بالاتّفاق. (2)

____________

(1). التذكرة: 8/ 133- 134.

(2). الخلاف: 2/ 328- 329، المسألة 141، كتاب الحجّ.

257

أقول: إنّ السعي لمّا كان عملا واحدا مركّبا من أشواط و كلّ شوط من الذهاب و الإياب جزء من ذلك العمل، يكون البدء بالصفا و الختم بالمروة و صفا للواجب الموحّد، فيبدأ به بالصفا و يختم بالشوط السابع بالوصول إلى المروة.

و هذا بخلاف ما إذا جعلناه وصفا لكلّ شوط، إذ يلزم عند ذلك أن يكون ختم كلّ شوط بالصفا.

و يشهد لما ذكرنا من المعنى روايتان:

1. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ إبراهيم لمّا خلف إسماعيل بمكّة عطش الصبيّ، و كان فيما بين الصفا و المروة شجر، فخرجت أمّه حتّى قامت على الصفا، فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد، فمضت حتّى انتهت إلى المروة فقالت: هل بالوادي من أنيس؟ فلم تجب، ثمّ رجعت إلى الصفا.

فقالت كذلك حتّى صنعت ذلك سبعا، فأجرى اللّه ذلك سنّة». (1)

2. صحيح هشام بن سالم قال: سعيت بين الصفا و المروة أنا و عبيد اللّه بن راشد فقلت له: تحفظ عليّ، فجعل يعد ذاهبا و جائيا شوطا واحدا، فبلغ مثل ذلك، فقلت له: كيف تعدّ؟ قال: ذاهبا و جائيا شوطا واحدا، فأتممنا أربعة عشر شوطا، فذكرنا لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «قد زادوا على ما عليهم، ليس عليهم شي‌ء». (2)

الفرع الثالث: البدء بالصفا و الختم بالمروة

يجب البدء بالصفا و الختم بالمروة و تدلّ عليه روايات:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب السعي، الحديث 10.

(2). الوسائل: 9، الباب 11 من أبواب السعي، الحديث 1.

258

1. معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم حين فرغ من طوافه و ركعتيه قال: ابدءوا بما بدأ اللّه به من إتيان الصفا، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ». (1)

و السيرة أو العمل و إن كان أعمّ من الوجوب لكن لمّا كان النبي بصدد تعليم المناسك فيجب الأخذ به إلّا ما خرج بالدليل.

2. ما رواه معاوية بن عمّار أيضا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال:

«فاصنع عليها كما صنعت على الصفا، ثمّ طف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا، و تختم بالمروة». (2)

الفرع الرابع: لو عكس لبطل

لو عكس فبدأ من المروة إلى الصفا بطل ما أتاه هذا، كما إذا بدأ من المروة و تذكر أثناء الشوط الأوّل أو في نهايته، فلا شكّ انّه يبطل، لعدم مطابقة المأتي به للمأمور به.

إنّما الكلام إذا تذكر و هو في وسط الشوط الثاني الّذي هو من الصفا إلى المروة أو نهايته، فهل يعيده أيضا، أو يجعله شوطا أوّلا؟

ظاهر كلام الشيخ و العلّامة الإعادة من أوّله، قال الشيخ في «الخلاف»: إذا طاف بين الصفا و المروة سبعة أشواط و هو عند الصفا أعاد السعي من أوّله لأنّه لا بدء بالمروة. (3)

و نقل العلّامة كلام الشيخ عن الخلاف مشعرا باختياره ثمّ قال: و قال‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب السعي، الحديث 7.

(2). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب السعي، الحديث 1.

(3). الخلاف: 2/ 330، المسألة 143.