الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
259

الجمهور كافة يسقط الأوّل و يبني على أنّه بدأ بالصفا، فيضيف إليه شوطا آخر. (1)

أقول: الروايات الواردة على قسمين:

الأوّل: ما يأمر بطرح ما أتاه و ذلك كما في رواية معاوية بن عمّار، بأسانيد مختلفة.

1. ما رواه الشيخ بسنده عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا قبل المروة». (2)

فإنّ ظاهر الحديث هو عدم الاعتداد بما أتى من الأشواط.

2. ما رواه أيضا عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «و إن بدأ بالمروة فليطرح ما سعى و ليبدأ بالصفا». 3

3. ما رواه الكليني عن معاوية بن عمّار- في حديث- قال: و إن بدأ بالمروة فليطرح و يبدأ بالصفا. 4

و إطلاق الروايات يعمّ جميع الصور، كما إذا كان في أثناء الشوط الرابع أو السادس فلا يعيد بما أتى به من السعي، و إن كان في مسيره من الصفا إلى المروة حسب الفرض فعليه أن يطرح الجميع.

الثاني: ما يظهر من بعض الروايات هو علاج السعي بما يحصل به الترتيب، مثلا لو بدأ بالمروة إلى الصفا ثمّ منه إلى المروة، تذكّر و هو في المروة فيحسب سعيه من الصفا إلى المروة شوطا أوّلا حتّى يتم الأشواط السبعة، و على ذلك لا يلزم إلّا إعادة شوط واحد. و إنّما يفهم ذلك بتشبيه المقام بالوضوء إذا بدأ بشماله قبل‌

____________

(1). المنتهى: 10/ 419.

(2) (2 و 3 و 4). الوسائل: 9، الباب 10 من أبواب السعي، الحديث 1 و 2 و 3. و الجميع حديث واحد لوحدة الراوي و الإمام المسئول عنه.

260

يمينه نظير:

1. ما رواه عليّ بن أبي حمزة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: «يعيد، ألا ترى أنّه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء». (1)

2. ما رواه علي الصائغ قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا حاضر- عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا؟ قال: «يعيد. ألا ترى أنّه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه، ثمّ يعيد على شماله». (2)

ظاهر الحديثين الأخيرين هو أنّ اللازم هو الإعادة على نحو يحصل الترتيب، لا الإعادة بمعنى عدم الاعتداد بما سبق كله، بشهادة أنّ الواجب في المشبّه به (الوضوء) هو ذلك، و قد صرّح الإمام (عليه السلام) في حديث علي الصائغ بهذا النوع من الإعادة، فقال: «كان عليه أن يبدأ بيمينه ثمّ يعيد على شماله».

قال في «الجواهر»: و مقتضى التشبيه الموجود، الاجتزاء بالاحتساب من الصفا إذا كان قد بدأ بالمروة ثم بالصفا، و لا يحتاج إلى إعادة السعي بالصفا جديدا كما صرّح به بعض الناس، و إن كان هو أحوط، بل ربّما أمكن دعوى ظهور النصوص السابقة فيه. (3)

و ربّما يجمع بينهما بحمل ما دلّ على عدم الاعتداد من رأسه على الفضل و الاستحباب، و إن كان العمل على وفق ما يتحقّق به الترتيب أيضا كافيا.

و لكن الظاهر خلافه، لأنّ دلالة الطائفة الأولى على إبطال ما سبق أظهر‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 10 من أبواب السعي، الحديث 4.

(2). الوسائل: 9، الباب 10 من أبواب السعي، الحديث 5.

(3). الجواهر: 19/ 419.

261

[المسألة 2: يجب على الأحوط أن يكون الابتداء بالسعي من أوّل جزء من الصفا]

المسألة 2: يجب على الأحوط أن يكون الابتداء بالسعي من أوّل جزء من الصفا، فلو صعد إلى بعض الدرج في الجبل و شرع كفى، و يجب الختم بأوّل جزء من المروة، و كفى الصعود إلى بعض الدرج، و يجوز السعي ماشيا و راكبا، و الأفضل المشي.* (1)

____________

من دلالة الطائفة الثانية على كفاية إعادة الترتيب، لأنّ دلالتها لأجل تشبيه السعي بالوضوء، حيث يكفي في الوضوء إعادة العمل الّذي يحصل به الترتيب لا إبطاله من رأس، و لكن يمكن أن يقال: إنّ وجه الشبه هو خصوص لزوم حفظ الترتيب بين الأشواط، لا في كيفية العلاج، فما أفاده السيد الأستاذ في المتن هو الأقوى.

بل يمكن أن يقال: «انّ ظهور قوله يعيد» في القسم الثاني قبل التشبيه ظاهر في إعادة الجميع، لا خصوص ما يحصل به الترتيب، خصوصا إذا ذكر في الشوط الرابع و السادس، و أما التشبيه الوارد بعده فلا يكون صارفا عنه إلّا إذا تبيّن أنّ وجه الشبه كون المقام مثل الوضوء في عامة الأحكام حتّى كيفية العلاج لا خصوص حفظ الترتيب بين الأشواط.

(1)* في المسألة فروع:

1. الابتداء و الختم بأوّل جزء من الصفا و المروة.

2. يكفي في إحراز ذلك الصعود إلى بعض الدرج.

3. يجوز السعي ماشيا و راكبا.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: يجب الابتداء بأوّل جزء من الصفا

كما يجب الختم بأوّل جزء‌

262

من المروة. و قد مرّ ذلك في المسألة السابقة، إنّما الكلام في كيفية تحقيق ذلك.

قالوا: طريقه أن يلصق عقب (1) إحدى رجليه أو كليهما بالصفا، فإذا عاد ألصق أصابع قدمه أو قدميه بالصفا أو بموضع عقبه أو عقبيه، هذا كلّه في الصفا.

و أمّا المروة فيلصق أصابع قدمه أو قدميه بالمروة كلّ ذلك لأجل إحراز استيعاب المسافة بين الصفا و المروة.

و هذا هو الظاهر من العلّامة (قدّس سرّه) حيث قال: يجب السعي بين الصفا و المروة في المسافة الّتي بينهما فلا يجوز الإخلال بشي‌ء منها، بل يلصق عقبه بالصفا في الابتداء و أصابع رجليه به في العود و بالعكس في المروة. (2)

و قد استحسنه صاحب الرياض و ادّعى اتّفاق الأصحاب عليه و قال: و هو حسن، بل لو لا اتفاق الأصحاب في الظاهر على وجوب إلصاق العقب بالصفا و الأصابع بالمروة، لكان القول بعدم لزوم هذه الدقة و الاكتفاء بأقل من ذلك ممّا يصدق معه السعي بين الصفا و المروة عرفا و عادة- كما اختاره بعض المعاصرين- لا يخلو عن قوّة. (3)

و أورد عليه في الجواهر قائلا: بأنّك قد عرفت أنّ مقتضى إطلاق الأدلّة، السعي بينهما و يمكن فهم الاستيعاب منها خصوصا مع ملاحظة صدق البدأة و الختم. نعم هو في الراكب و الراجل كلّ بحسب ما عرفنا. (4)

و الظاهر انّ الحقّ مع صاحب الرياض و أنّ الأمر أوسع من ذلك كما ادّعاه غير واحد من الأصحاب، كيف و أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم سعى راكبا، و لا يتحقّق ما ذكروه‌

____________

(1). العقب و العقب: مؤخّر القدم.

(2). التذكرة: 8/ 134.

(3). رياض المسائل: 7/ 94.

(4). الجواهر: 19/ 420.

263

من الدقة معه، و التفريق بين الراكب و الراجل بالتوسيع في الأوّل و التضييق في الثاني يلزم أن يختلف المسعى لديهما، و هو كما ترى.

قال صاحب الحدائق: المفهوم من الأخبار أنّ الأمر أوسع من ذلك، فإنّ السعي على الإبل الّذي دلّت عليه الأخبار، و انّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم كان يسعى على ناقته، لا يتّفق فيه هذا التضييق من جعل عقبه ملصقة بالصفا في الابتداء و أصابعه يلصقها بالصفا موضع العقب بعد العود فضلا عن ركوب الدرج، بل يكفي فيه الأمر العرفي، فإنّه يصدق بالقرب من الصفا و المروة و إن كان بدون هذا الوجه الّذي ذكروه. (1)

الفرع الثاني: الصعود إلى بعض الدرج

قال في الرياض: و يحسن البدأة بالصفا و الختم بالمروة إمّا بالصعود عليها، أو يجعل عقبه و كعبه ملاصقا للصفا. (2)

و يظهر من الصدوق في «المقنع» و المفيد في «مقنعته» و سلّار في «مراسمه» وجوبه.

فقال الصدوق: ثمّ اخرج إلى الصفا و قم عليه حتى تستقبل. (3)

و مراده من الصفا نفس الجبل و الصعود عليه لا يمكن إلّا بالصعود على الدرج المنتهي إلى الجبل.

و قال المفيد: ثمّ ليصعد عليه و ليستقبل البيت بوجهه. (4)

____________

(1). الحدائق: 16/ 266.

(2). الرياض: 7/ 93.

(3). المقنع: 258.

(4). المقنعة: 404.

264

و قال سلّار: ثمّ ليخرج إلى الصفا من الباب المقابل للحجر الأسود ندبا، حتى يقطع الوادي خاشعا. و ليصعد على الصفا، و ليستقبل البيت ثمّ يكبّر. (1)

و مع ذلك لا يجب الصعود، لما عرفت من أنّ الواجب السعي بين الجبلين، و هو حاصل بدون الصعود عليه.

قال العلّامة: و لا يجب الصعود على الصفا و المروة، خلافا لبعض الشافعية (2). و قد تقدّم لقوله سبحانه: فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا. (3)

و قد نسب في موضع آخر الوجوب إلى القول الشاذ، و قال في ذكر مندوبات السعي: الخامس: الصعود على الصفا إجماعا، إلّا من شذّ ذهب إلى وجوبه. (4)

إلفات نظر

البحث في صعود الدرج استحبابا أو وجوبا أو إلصاق العقب بالجبل عند الصفا، و إلصاق أصابع القدم أو القدمين به عند المروة أصبح اليوم كحديث أمس الدابر، و ذلك لأنّه قد طرأ تغير على سفحي الجبلين في السنوات المتأخّرة، و لم يبق من الدرج أثر، و قد كان الدرج في العصور السالفة في كلا الطرفين واقعا على سفح الجبل و كان المحرم يصعد به إلى قمة الجبل، و قد أزيل اليوم من أساسه و حلّ مكانه طريق مرتفع ينتهي إلى وسط الجبل، فإذا سعى المحرم في هذا الطريق فقد سعى في المسعى كلّه و شي‌ء من الجبل لما مرّ من أنّ شيئا من الجبلين- أعني: ما كان يغطّيه الدرج- قد أزيل و حلّ مكانه الطريق المرتفع عند الصعود أو المنحدر عند الهبوط. كما يصبح إلصاق العقب أو العقبين بما بقي من الجبل أمرا لغوا لا‌

____________

(1). المراسم: 110.

(2). التذكرة: 8/ 134.

(3). البقرة: 158.

(4). التذكرة: 8/ 130.

265

طائل تحته، و إن كان المرشدون في الحج يصرّون على ذلك غافلين عمّا طرأ على مكان الدرج من التغيّر و التبدّل، ثمّ لو قلنا بالإلصاق فلا يكفي إلصاق القدمين أو القدم، بل يلزم إلصاق البدن كلّه على الجبل و هو كما ترى.

الفرع الثالث: جواز السعي راكبا

يظهر من غير واحد من الأصحاب استحباب السعي ماشيا، قال المحقّق:

و المستحب أربعة أن يكون ماشيا، و لو كان راكبا جاز. (1)

و علّله في «الجواهر» في قوله: لأنّه أحمز و أدخل في الخضوع، و قد ورد أنّ المسعى أحب الأراضي إلى اللّه، لأنّه تذل فيه الجبابرة. (2)

و مع ذلك اتّفق الأصحاب إلّا العمّاني على جواز السعي راكبا. قال العلّامة: المشهور انّه يكره الطواف راكبا، بل الأفضل المشي. (3)

و نقل العلّامة عن ابن زهرة انّه قال: لا يجوز الركوب إلّا لضرورة. و لكن الموجود في الطبعة المحقّقة في مؤسستنا من الغنية غير ذلك حيث قال: و يجوز السعي راكبا و المشي أفضل. (4)

____________

(1). الشرائع: 1/ 273.

(2). الجواهر: 19/ 423؛ و لاحظ الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب السعي، الحديث 14. و قد نقله (قدّس سرّه) بالمعنى.

(3). مختلف الشيعة: 4/ 210.

(4). الغنية: 1/ 179. و قد أحال محقّق كتاب (مختلف الشيعة) إلى الجوامع الفقهية الّتي طبع فيها عدّة كتب فقهية منها غنية النزوع و عين رقم الصفحة: (517)، و عند مراجعتنا إلى الجوامع الفقهية وجدنا أنّ هذه الصفحة تتعلق بكتاب جواهر الفقه للقاضي لا للغنية لابن زهرة، و أمّا الموجود في الغنية المطبوع هناك ص 579 فهو مطابق لما نقلناه من الطبعة المحقّقة، فعلى مراكز التحقيق استخدام رجال دقيقين في تحقيق تراث الشيعة العلمي.

266

[المسألة 3: لا تعتبر الطهارة من الحدث و الخبث و لا ستر العورة في السعي]

المسألة 3: لا تعتبر الطهارة من الحدث و الخبث و لا ستر العورة في السعي و إن كان الأحوط الطهارة من الحدث.* (1)

____________

و يدلّ على الجواز لفيف من الروايات:

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن السعي بين الصفا و المروة على الدابة؟ قال: «نعم، و على المحمل». (1)

2. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يسعى بين الصفا و المروة راكبا؟ قال: «لا بأس، و المشي أفضل». (2)

3. روى الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «حدّثني أبي أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم طاف على راحلته و استلم الحجر بمحجنه و سعى عليها بين الصفا و المروة». (3)

(1)* في المسألة فرعان:

1. عدم اعتبار الطهارة من الحدث الأصغر و الأكبر و الخبث.

2. عدم اعتبار ستر العورة في السعي.

و إليك دراسة كلا الفرعين:

الفرع الأوّل: في عدم اشتراط الطهارة

قد اتّفقت كلمة الأصحاب على عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر و الأكبر و الخبث في صحّة السعي، و لم ينقل الخلاف إلّا عن ابن أبي عقيل.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 16 من أبواب السعي، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 16 من أبواب السعي، الحديث 2.

(3). الوسائل: 9، الباب 16 من أبواب السعي، الحديث 6.

267

قال العلّامة: المشهور أنّ الطهارة ليست شرطا في السعي، بل هي مستحبة؛ ذهب إليه الشيخان و غيرهما. و قال ابن أبي عقيل: لا يجوز الطواف و السعي بين الصفا و المروة إلّا بطهارة. (1)

و يظهر من كلامه أنّ السعي كالطواف عبادة نفسية فيشترط فيه الطهارة كالطواف.

و على كلّ تقدير فالمشهور هو عدم الاشتراط، قال العلّامة في «التذكرة»:

الطهارة و هي مستحبة في السعي غير واجبة عند علمائنا، و هو قول عامة العلماء للأصل. (2)

و قال النراقي: و ليست بواجبة على الحق المشهور، بل المجمع عليه حيث لا تقدح فيه مخالفة الشاذ، للأصل السالم عن المزيل و للمستفيضة بل المتواترة معنى، كالأخبار الواردة في حدوث الحيض بعد الطواف قبل السعي و انّها تسعى و هي كثيرة. (3)

و الظاهر أنّ فتوى المشهور لأجل الروايات الواردة في المقام و الّذي يظهر منها بعد الإمعان عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر و الحيض، و أمّا عدم اشتراط الطهارة من الجنابة فلم يرد فيه نص.

و اعلم أنّ الروايات الواردة في المقام على قسمين:

أ. ما يدلّ على عدم شرطية الطهارة من الحدث الأصغر. نظير:

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تقضي‌

____________

(1). مختلف الشيعة: 4/ 211.

(2). التذكرة: 8/ 129.

(3). مستند الشيعة: 12/ 157- 158.

268

المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف، فإنّ فيه صلاة و الوضوء أفضل». (1)

2. صحيح رفاعة بن موسى (الّذي كان واقفيا ثمّ رجع و هو ثقة) قال:

قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أشهد شيئا من المناسك و أنا على غير وضوء؟ قال: «نعم، إلّا الطواف بالبيت فإنّ فيه صلاة». (2)

و التعليل فيهما يدلّ على أنّ اعتبار الطهارة في الطواف ليس لأجله، بل لأجل ارتباطه بالصلاة الّتي لا تصحّ إلّا بالطهور.

3. خبر زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يسعى بين الصفا و المروة على غير وضوء؟ فقال: «لا بأس». (3)

4. خبر يحيى الأزرق قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) رجل سعى بين الصفا و المروة فسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثمّ بال ثمّ أتمّ سعيه بغير وضوء؟ فقال: «لا بأس و لو أتمّ مناسكه بوضوء لكان أحبّ إليّ». (4)

و هذه الروايات الأربع لو تمّ إسناد جميعها لدلّت على عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر.

ب. ما يدلّ على عدم شرطية الطهارة من الحيض. نظير:

صحيحة معاوية بن عمّار أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت بين الصفا و المروة و حاضت بينهما، قال: «تتمّ سعيها».

و سأله عن امرأة طافت بالبيت ثمّ حاضت قبل أن تسعى؟

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 2.

(3). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 4.

(4). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 6.

269

قال: «تسعى». (1)

بقي الكلام في شرطية الطهارة عن الجنابة فسيوافيك الكلام فيها بعد دراسة دليل القائل بشرطية الطهارة.

ما يصلح دليلا للعماني

و توجد روايات تمنع عن السعي بلا وضوء، و هي:

1. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة تطوف بين الصفا و المروة و هي حائض؟ قال: «لا إنّ اللّه يقول: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ» (2). فكأنّه قال: و لا يجوز مسّ الشعائر إلّا مع الطهارة.

و يمكن الجمع بينها و بين ما مرّ بوجهين:

أ. حمل هذه الرواية على الاستحباب. كما فعل الشيخ و يؤيده انّ البدن أيضا من شعائر اللّه، قال سبحانه: وَ الْبُدْنَ جَعَلْنٰاهٰا لَكُمْ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ (3)، و لم يقل أحد بشرطية الطهارة فيها.

ب. حملها على السعي الواجب، و ما تقدّم على السعي المندوب، و الظاهر هو الأوّل، إذ لم يثبت أنّ السعي مجردا عبادة مستقلة.

2. موثقة ابن فضال قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): «لا تطوف و لا تسعى إلّا بوضوء». (4) و حمله الشيخ- على ما في الوسائل- على النهي عن مجموع الأمرين لا عن كلّ واحد بانفراده، و الأولى حملها على الاستحباب.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 5.

(2). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 3.

(3). الحج: 36.

(4). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 7.

270

3. ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن الرجل يصلح أن يقضي شيئا من المناسك، و هو على غير وضوء؟ قال: «لا يصلح إلّا على وضوء». (1) و لا يخفى أنّ مفاده اعتبار الطهارة في جميع المناسك من الوقوفين و الرمي و الذبح، و لم يقل به أحد.

و تحمل هذه الرواية على ما حملت الأوليان عليه و هو القول بالاستحباب.

فتحصل من ذلك: أنّ ما ورد من الروايات إنّما يشير إلى عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر. إنّما الكلام في شرطية الطهارة عن الجنابة و إليك الكلام فيه.

ما يدلّ على شرطية الطهارة من الجنابة

روى الصدوق بسند فيه محمد بن موسى بن المتوكل- الّذي ادّعى ابن طاوس الإجماع على وثاقته و وثّقه ابن داود و العلّامة- عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي- الّذي قال النجاشي في حقّه: إنّه ضعيف- عن عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت أسبوعا طواف الفريضة ثمّ سعى بين الصفا و المروة أربعة أشواط، ثمّ غمزه بطنه فخرج فقضى حاجته ثمّ غشى أهله؟ قال: «يغتسل ثمّ يعود و يطوف ثلاثة أشواط، و يستغفر ربّه و لا شي‌ء عليه». (2)

فالرواية تدلّ على اشتراط الطهارة من الجنابة بشهادة أنّه قد أمره بالاغتسال. و خلوّ «التهذيب» (3) عن الأمر بالاغتسال لا يضرّ مع وجوده في‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 8.

(2). الوسائل: 9، الباب 11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث 2.

(3). التهذيب: 5/ 321 برقم 1107.

271

«الكافي». (1)

و لو لا اشتمال السند على عبد العزيز العبدي لصحّ الإفتاء باشتراطها. و لو لا ما في قوله: «و لا شي‌ء عليه» إذ عليه الكفّارة للغشيان قبل طواف النساء، و لذلك حملها الشيخ على أنّه قطع السعي على أنّه قام فطاف طواف النساء ثمّ ذكر حينئذ فلا تلزمه الكفّارة، و هو كما ترى حمل بلا دليل.

و بما أنّ الراوي عنه هو الحسن بن محبوب ذلك الفقيه الكبير يمكن أن يكون ذلك آية على صحّة الحديث.

نعم ينافيه خبر أبي غسان حميد بن مسعود قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهور؟ قال: «الجمار عندنا مثل الصفا و المروة حيطان، إن طفت بينهما على غير طهور لم يضرك، و الطهر أحبّ إليّ، فلا تدعه و أنت قادر عليه». (2)

و دلالته على عدم اعتبار الطهارة مطلقا واضحة، و لكن السند ضعيف فالأحوط رعاية الطهارة من الجنابة.

ج. عدم اشتراط الطهارة من الخبث

و أمّا عدم اشتراط الطهارة عن الخبث، فلعدم الدليل عليه.

نعم حكى في «الجواهر» القول باستحبابها عن جماعة، و في مناسك المحقق النائيني: بل الأولى رعاية الطهارة عن الخبث أيضا. (3)

و في «الجواهر»: لم يحضرني الآن ما يشهد له سوى مناسبة التعظيم. و كون‌

____________

(1). الكافي: 4/ 379 برقم 6.

(2). الوسائل: 10، الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 5.

(3). دليل الناسك: 299.

272

[المسألة 4: يجب أن يكون السعي بعد الطواف و صلاته]

المسألة 4: يجب أن يكون السعي بعد الطواف و صلاته، فلو قدّمه على الطواف أعاده بعده و لو لم يكن عن عمد و علم.* (1)

____________

الحكم ندبا يكتفى في مثله بنحو ذلك. (1)

أمّا التعظيم، فالاستدلال به أشبه بالاستحسان، و لو صحّ لاقتضى استحبابها في عامّة المناسك.

و أمّا كون الحكم ندبا كما أفاد فقد أشار به إلى مسألة التسامح في أدلّة السنن، و هو أيضا ضعيف، لأنّ مداليلها، هو ترتّب الثواب على العمل الّذي ورد فيه الخبر على استحبابه و إن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم لم يقله، لا انقلاب الفعل المجهول استحبابه فعلا مندوبا. و لعلّ في تجويز السعي مع الحيض دلالة على عدم شرطية الطهارة من الخبث، لأنّ الحائض لا تنفك عن قذف الدم النجس.

الفرع الثاني: عدم اشتراط ستر العورة

لا شكّ أنّه يجب ستر العورة عن الناظر وجوبا نفسيا من غير فرق بين المحرم و غيره، إنّما الكلام في وجوبه الوضعي للمحرم، على أن يكون شرطا للصحّة و ليس ما بأيدينا دليل عليه، و النهي عن كشف العورة أو الأمر بسترها، عند وجود الناظر، لا يستلزم كونه شرطا لصحة السعي خصوصا إذا لم يكن ناظرا، و المسألة نادرة الاتّفاق.

(1)* السعي بعد الطواف تأخّر السعي عن الطواف شرط لصحّته، في حال كونه شرطا واقعيا، لا‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 411.

273

علميا، فلو قدّمه عليه و لو جهلا بالحكم أو الموضوع أعاده بعد الطواف، و هذا ممّا اتّفقت عليه كلمة الأصحاب.

قال المحقّق: لا يجوز تقديم السعي على الطواف، كما لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي فإن قدّمه طاف ثمّ أعاد السعي. (1)

و قال الشهيد: فإن قدّم السعي لم يجزئ و إن كان سهوا. (2)

و قال في «المدارك»: أمّا أنّه لا يجوز تقديم السعي على الطواف فلا خلاف فيه بين الأصحاب. (3)

و في «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل الإجماع بقسميه، بل يمكن دعوى القطع بملاحظة النصوص. (4)

أمّا الدليل على اعتبار التأخر عن الطواف في حال العلم فتكفي في ذلك الروايات المتضافرة البيانية لأعمال الحجّ و العمرة حيث يذكر الطواف أوّلا ثمّ السعي. (5)

إنّما الكلام في سعة شرطية التأخير حتّى في صورة الجهل بالحكم أو نسيانه فيكفي في ذلك صحيح منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة قبل أن يطوف بالبيت؟ قال: «يطوف بالبيت، ثمّ يعود إلى الصفا و المروة فيطوف بينهما». (6)

حيث إنّ الرواية ظاهرة في تقديمه على الطواف نسيانا أو جهلا بالحكم،

____________

(1). الشرائع: 1/ 274.

(2). الدروس: 408، الدروس 105.

(3). المدارك: 8/ 219.

(4). الجواهر: 19/ 446.

(5). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب كيفية أقسام الحج، الحديث 4، 8، 13، 14، 15، 16 و 19 إلى غير ذلك.

(6). الوسائل: 9، الباب 63 من أبواب الطواف، الحديث 2.

274

[المسألة 5: يجب أن يكون السعي من الطريق المتعارف]

المسألة 5: يجب أن يكون السعي من الطريق المتعارف، فلا يجوز الانحراف الفاحش. نعم يجوز من الطبقة الفوقانيّة أو التحتانية، لو فرض حدوثها بشرط أن تكون بين الجبلين، لا فوقهما و لا تحتهما، و الأحوط اختيار الطريق المتعارف قبل إحداث الطبقتين.* (1)

____________

فإنّ السؤال عن صورة التقدّم، يكشف عن أنّه كان عارفا بحكم الموضوع و انّه لا يقدّم السعي على الطواف، عمدا فسئل عمّا إذا قدم بلا وعي؟ فأجاب الإمام بالبطلان و الإعادة، فإذا كان هذا حال العذر، فصورة العمد و العلم، أولى أن يكون كذلك.

(1)* في المسألة فرعان:

1. أن يكون الذهاب و الإياب بين الصفا و المروة من الطريق المتعارف.

2. حكم السعي في الطبقة الفوقانية أو التحتانيّة.

و إليك دراسة الفرعين واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: السعي بين الجبلين من الطريق المتعارف.

يجب على المحرم استيعاب السعي بين الصفا و المروة امتثالا، لقوله تعالى: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا. (1)

و المتبادر من السعي بين الجبلين هو المشي بينهما بالنحو المتعارف، و أمّا لو مشى بينهما بالخط المنكسر، كما إذا نزل من الصفا و مشى مقدارا منه ثمّ دخل المسجد الحرام ثمّ رجع إليه ثانيا و وصل إلى المروة، فلا يقال: إنّه سعى بين الجبلين، و هكذا لو نزل من الصفا و مشى مقدارا منه ثمّ خرج عن الطريق‌

____________

(1). البقرة: 158.

275

المتعارف إلى الساحة الكبيرة الّتي أنشئوها أخيرا ثمّ رجع إلى المروة. و مثله النزول من المروة و الخروج إلى اليمين و اليسار كلّ ذلك خارج عن مفاد الآية.

قال في «الدروس»: الذهاب بالطريق المعهود، فلو اقتحم المسجد الحرام ثمّ خرج من باب آخر لم يجزئ، و كذا لو سلك سوق الليل، و قد روي أنّ المسعى اختصر. (1)

هذا هو المعروف بين الأصحاب.

نعم لا يعتبر المشي على نحو الخط الهندسي المستقيم فلا يضرّ الميل إلى اليمين و اليسار ما لم يخرج من الجادّة المعهودة المظللة. لصدق السعي بين الجبلين.

ثمّ إنّ ما ذكرنا مبني على أنّ الجبلين: الصفا و المروة، يمتدان بمقدار عرض الطريق المتعارف للسعي، و أمّا لو امتدّا بأكثر من عرضه، فلا مانع من السعي في خارج الطريق المألوف و إن كان يظهر من عبارة «معجم البلدان» الآتية أنّ عرض جبل الصفا و المسجد الحرام عرض الوادي، و هو ظاهر في انقطاع امتداده من جانب المسجد و هو يقع في يسار المحرم عند استقبال المروة، و جانب يمينه عند استقبال الصفا فلو امتد و كان أوسع من عرض الطريق فلا مانع من السعي فيه و إن استلزم الخروج عن الطريق المألوف.

و لعلّه إلى ما ذكرناه يشير ما في رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «و كان المسعى أوسع ممّا هو اليوم، و لكن الناس ضيّقوه». (2) و لعلّه كان أوسع من جانب يمين الساعي من الصفا و يساره من المروة أيضا حيث إنّ جدار المسعى حدّد في عصرنا بما بين الجدارين، و اللّه العالم.

____________

(1). الدروس: 1/ 410، درس 106.

(2). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب السعي، الحديث 1.

276

ففي «معجم البلدان»: الصفا و المروة جبلان بين بطحاء مكّة و المسجد، أمّا الصفا فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس، بينه و بين المسجد عرض الوادي الّذي هو طريق و سوق، و من وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود. (1)

و قال في المروة: جبل بمكّة يعطف على الصفا، و انّها أكمة لطيفة في وسط مكّة و عليها دور أهل مكّة و منازلهم، و هي في جانب مكّة الّذي يلي قعيقعان. (2)

الفرع الثاني: حكم السعي في الطبقة الفوقانية أو التحتانية

قد عرفت أنّ الواجب استيعاب السعي بين الصفا و المروة فالسعي فوق الجبلين أو تحت الجبلين لا يوصف بأنّه سعى بينهما إلّا تسامحا.

و الحكم بأنّ الطبقة الفوقانية فوق الجبلين أو بينهما مبني على تحديد ارتفاع الجبلين. و أكثر المعاصرين كالماتن يعلّقون الجواز على كون الطابق الثاني بين الجبلين، من دون أن يحقّقوا الموضوع فإذا لم يتيسر لهم التحقيق فكيف للمقلّد؟!

يظهر من بعض أهل الخبرة انّ الطابق الثاني أعلى من الجبلين، و ذلك بالبيان التالي:

إنّ ارتفاع الطابق السفلي اثنا عشر مترا، فإذا أضيف إليه سمك السقف يصبح أكثر من اثني عشر مترا.

و أمّا ارتفاع جبل الصفا فمع ملاحظة الدرجات التي كانت قبل التوسعة و الآن صارت بصورة أرض مرتفعة عند الصعود أو منحدرة عند الهبوط، ثمانية أمتار، ستة أمتار لنفس الجبل و متران لمقدار الدرجات.

و أمّا جبل المروة فارتفاعه أربعة أمتار و مع ملاحظة الدرجات التي هي متران يكون ستة أمتار.

____________

(1). معجم البلدان: 3/ 411، مادة «صفا».

(2). معجم البلدان: 5/ 116، مادة «مروة».

277

[المسألة 6: يعتبر عند السعي إلى المروة أو إلى الصفا الاستقبال إليهما]

المسألة 6: يعتبر عند السعي إلى المروة أو إلى الصفا الاستقبال إليهما، فلا يجوز المشي على الخلف أو أحد الجانبين، لكن يجوز الميل بصفحة وجهه إلى أحد الجانبين أو إلى الخلف، كما يجوز الجلوس و النوم على الصفا أو المروة أو بينهما قبل تمام السعي و لو بلا عذر.* (1)

____________

و على هذا فالطابق الثاني أعلى من الجبل بأكثر من أربعة أمتار في جانب الصفا و ستة أمتار في جانب المروة. (1) فتكون النتيجة عدم جواز السعي فيه، لأنّه سعي فوق الجبلين لا بينهما.

(1)* في المسألة فرعان:

1. وجوب الاستقبال إلى الصفا و المروة.

2. جواز الجلوس و النوم على الصفا أو المروة أو بينهما قبل تمام السعي.

و إليك دراسة الفرعين واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الاستقبال

قال الشهيد: و من الشروط استقبال المطلوب بوجهه، فلو اعترض أو مشى القهقرى فالأشبه عدم الإجزاء. (2) و المراد من المطلوب هو المروة عند الذهاب من الصفا إليه، و الصفا عند الإياب من المروة إليه.

و وجهه أنّه خلاف المعهود فلا يتحقّق به الامتثال. نعم لا يضر فيه الالتفات إلى اليمين و اليسار في الوجه لصدق السعي بين الصفا و المروة مع الالتفات أو لا، و قلّما يتّفق لإنسان أن يمشي هذه المسافة الطويلة (380 مترا)

____________

(1). مبادئ علم الفقه: 225- 226. لاحظ مرآة الحرمين: 1/ 320- 321.

(2). الدروس: 1/ 411.

278

نسبيا دون أن يلتفت إلى اليمين و الشمال ثانيا.

الفرع الثاني: جواز الجلوس

جواز الجلوس خلال السعي للراحة هو المعروف بين الأصحاب، و يظهر من صاحب الجواهر (1) أنّ الجلوس على الصفا و المروة إجماعي: و يدلّ عليه صحيح معاوية بن عمار: أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يجلس على الصفا و المروة؟

قال: نعم. (2) و ترك الاستفصال دليل على جوازه عليهما مطلقا على الأنحاء الثلاثة الآتية.

إنّما الكلام في الجلوس أثناء السعي و هو يتصوّر على أنحاء ثلاثة:

1. إذا عجز عن الاستمرار في السعي كما هو الحال في الشيخ و الشيخة.

2. إذا أصابه التعب و حاول أن يجلس للاستراحة مع التمكن من الاستمرار.

3. إذا حاول أن يجلس لغاية المذاكرة في أمر من الأمور.

يظهر من ابن زهرة اختصاص الجواز بالصورة الأولى قال: و لا يجوز الجلوس بين الصفا و المروة، و يجوز الوقوف عند الإعياء و الجلوس على الصفا و المروة. (3)

و مع ذلك يمكن أن يكون المراد من الإعياء هو التعب المطلق الّذي يتطلّب الاستراحة مع تمكّنه من الاستمرار في العمل، و لو أراد خصوص العجز المانع عن الاستمرار في العمل دون غيره فهو محجوج بما ورد من جواز الجلوس للاستراحة.

ففي صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يطوف بين‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 428.

(2). الوسائل: 9، الباب 20 من أبواب السعي، الحديث 3.

(3). الغنية: 1/ 179.

279

الصفا و المروة أ يستريح؟ قال: «نعم إن شاء جلس على الصفا و المروة و بينهما فليجلس». (1)

و في صحيح علي بن رئاب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يعيا في الطواف أله أن يستريح؟ قال: «نعم يستريح ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها، و يفعل ذلك في سعيه و جميع مناسكه». (2) و لعلّ المراد من العيّ هو العجز العرفي الصادق على التعب لا العقلي الملازم مع العجز عن الاستمرار.

فإن قلت: لعلّ صاحب الغنية اعتمد على صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يجلس بين الصفا و المروة إلّا من جهد. (3)

قلت: لعلّ المراد من الجهد هو مطلق التعب لا العيّ و العجز، بشهادة تعليق جواز الجلوس في صحيحة الحلبي على المشيّة و قال: «إن شاء جلس».

و معنى المشيّة أنّ له أن لا يجلس و يستمرّ في العمل، فلو اختص الجلوس بصورة العجز لمّا كان للمشيّة معنى صحيح، إذ لا محيص له عندئذ من الجلوس شاء أم لم يشأ.

إنّما الكلام في الجلوس اختيارا لا لغاية الاستراحة بل لغاية أخرى فقد استدلّ عليه في الجواهر بصحيح معاوية بن عمّار- في حديث- قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا و المروة يجلس عليهما؟ قال: «أو ليس هو ذا يسعى على الدواب». (4) قائلا بأنّ مورده و إن كان الجلوس عليهما و لا خلاف فيه، إلّا أنّ قوله (عليه السلام): «أو ليس ...» في قوة الجواب له ب‍ «نعم» مع تعليله‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 20 من أبواب السعي، الحديث 1.

(2). الوسائل: 9، الباب 46 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(3). الوسائل: 9، الباب 20 من أبواب السعي، الحديث 4.

(4). الوسائل: 9، الباب 20 من أبواب السعي، الحديث 2.

280

بما يعمّ الجلوس بينهما، بل التعليل أنسب بهذا، بل لعلّه حينئذ ظاهر في جوازه بينهما و لو لغير الاستراحة، كما في السعي راكبا. (1)

وجه كونه أنسب بالجلوس بينهما هو انّه إذا جاز السعي راكبا فهو دليل على جواز الجلوس في السعي بينهما، لأنّ السعي مع الدابة يلازم الجلوس عليها بين الجبلين، غاية الأمر انّه جالس متحرك و غيره جالس ساكن. و أمّا وجه ظهوره في جوازه مطلقا فهو مقتض ترك الاستفصال. فقد استفاد صاحب الجواهر من الرواية أمرين:

1. جواز الجلوس بينهما.

2. جواز الجلوس مطلقا و لو لغاية غير الاستراحة.

و على كلّ تقدير فجواز الجلوس مشروط بعدم الإخلال في الموالاة- كما سيوافيك-.

حفظ الموالاة في أشواط السعي

هل تشترط في صحّة السعي الموالاة في أشواط السعي كالطواف، أو لا؟

ذهب العلّامة في «التذكرة» إلى عدمه و نقل الاشتراط عن أحمد، و استدلّ العلّامة تارة برواية سودة امرأة عروة بن الزبير من أنّها سعت بين الصفا و المروة فقضت طوافها في ثلاثة أيام و كانت ضخمة، و أخرى برواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدّمة. (2) و ليس في كلامه ما يشير إلى أنّه إجماعي و إن نسبه إليه النراقي في كلامه. (3)

أقول: إنّ السعي عمل واحد، كالطواف و الرمي و غيرهما، و طبع العمل‌

____________

(1). الجواهر: 19/ 429.

(2). التذكرة: 8/ 140.

(3). المستند: 13/ 185.

281

[المسألة 7: يجوز تأخير السعي عن الطواف و صلاته للاستراحة]

المسألة 7: يجوز تأخير السعي عن الطواف و صلاته للاستراحة و تخفيف الحرّ بلا عذر حتى إلى الليل، و الأحوط عدم التأخير إلى الليل، و لا يجوز التأخير إلى الغد بلا عذر.* (1)

____________

الواحد، يقتضي اتّصال أجزائه اتّصالا عرفيا إلّا إذا قام الدليل على خلافه، و ليس هنا ما يدلّ على الخلاف.

أمّا فعل سودة، فليس بحجّة، و لعلّها كانت مضطرة كما يشهد عليها قوله: «و كانت ضخمة»، و أمّا ما تقدّم من الروايات فالقدر المتيقّن هو الجلوس للاستراحة على نحو لا تفوت الموالاة، فإنّ جلوسه عند الجبلين أو في الطريق، لتجديد النشاط لأجل الاستمرار في العمل يضفي على العمل وحدة و موالاة.

فإن قلت: قد ورد الأمر بقطع السعي عند إقامة الصلاة ثمّ العود إليه. (1)

كما ورد جواز قطع السعي لإجابة دعوة صديقه أو رفع حاجته، و إن طاف ثلاثة أشواط أو أربعة. (2) و قد مرّ في المسائل السابقة ما يؤيد جواز القطع لغاية أخرى. (3)

قلت: الأصل هو الموالاة خرجنا عنه في هذه الموارد، و أمّا في غيرها فهو محكوم بالقاعدة التي اشترطنا إليها، و لو لم نقل بوجوب الموالاة فلا أقلّ من الاحتياط بمراعاته.

(1)* في المسألة فروع:

1. تأخير السعي عن الطواف للاستراحة و تخفيف الحرّ.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 18 من أبواب السعي، الحديث 1 و 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 19 من أبواب السعي، الحديث 1 و 2.

(3). الوسائل: 9، الباب 11 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث 2.

282

2. تأخير السعي إلى الليل.

3. تأخيره إلى الغد.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر:

الفرع الأوّل: تأخير السعي في الطواف للاستراحة و تخفيف الحرّ

قد اتّفقت عليه كلمات الأصحاب تبعا للنص.

قال العلّامة: إذا طاف جاز له أن يؤخّر السعي إلى بعد ساعة، و لا يجوز إلى غد يومه، و به قال أحمد و عطاء و الحسن و سعيد بن جبير، لأنّ الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي ففيما بينه و بين الطواف أولى. (1)

و الأولى الاستدلال بالصحيحة؛ أعني: ما رواه الكليني بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقدم مكة حاجا، و قد اشتد عليه الحرّ، فيطوف بالكعبة و يؤخر السعي إلى أن يبرد؟ فقال: «لا بأس به، و ربّما فعلت».

و رواه الشيخ بسند صحيح و أضاف: و ربما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل.

و رواه الصدوق باسناده عن عبد اللّه بن سنان مثل رواية الكليني و زاد: و في حديث آخر: يؤخّره إلى الليل. (2)

إنّ الحديث حسب نقل الكليني يشتمل على نقل قول فقط و هو: «لا بأس به» (التأخير للحرارة) و ربّما فعلت، و ليست الحرارة عذرا حتّى تحمل الرواية عليه، و إنّما يترك السعي معها للاستراحة و الرواية دليل الفرع بوجه واضح.

و أمّا حسب نقل الشيخ فهو يشمل قول و فعل، أمّا القول فقد تقدّم في نقل الكليني و أمّا الفعل فهو قوله: «و ربما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل» و هو راجع إلى الفرع الثاني، كما أنّ ما نقله الصدوق زيادة على نقل الكليني، أعني: «يؤخّره‌

____________

(1). التذكرة: 8/ 141.

(2). الوسائل: 9، الباب 60 من أبواب الطواف، الحديث 1.

283

إلى الليل» فهو نقل قول لا فعل.

و على كلّ تقدير فما نقله الشيخ من الفعل و الصدوق من القول راجع إلى الفرع الثاني، و الكلام في الفرع الأوّل. و يمكن الاستدلال على هذا الفرع بإطلاق صحيحة ابن مسلم الآتية في الفرع التالي، أعني قوله: «نعم» كما سيوافيك حيث يدلّ على جواز تأخيره في نفس اليوم و إلى الليل.

الفرع الثاني: تأخير السعي إلى الليل

يظهر من غير واحد من الأصحاب أنّ التأخير إلى الليل جائز بالاتّفاق، سواء كان لعذر كالمرض و غيره، أو لأجل الاستراحة و ترفيه الحال.

قال النراقي: و يجوز التأخير في يوم الطواف إلى آخره و إلى الليل قولا واحدا للأصل. (1)

قال في «الجواهر»: و أمّا التأخير و لو إلى آخر الليل كما أشرنا إليه سابقا فلا بأس به للأصل إن لم يكن ظاهر الإطلاق السابق هذا كلّه مع القدرة، و أمّا مع عدمها فلا إشكال في الجواز. (2)

و يدلّ عليه أمور:

1. نقل القول في مرسلة الصدوق حيث قال بعد نقل صحيح ابن سنان:

و في حديث آخر يؤخّره إلى الليل.

2. نقل الفعل الذي ورد في نفس الصحيحة قال: «و ربّما رأيته يؤخّر السعي إلى الليل»، و هو و إن كان حكاية للفعل لكن الظاهر أنّ تأخيره لنفس العذر السابق، أعني: الحرارة و نظيرتها، بشهادة انّه ذكر فعله عقيبها فيصحّ الاستدلال بفعله أيضا.

3. إطلاق صحيحة محمد بن مسلم حسب ما رواه الشيخ بالسند التالي:

____________

(1). مستند الشيعة: 12/ 198.

(2). الجواهر: 19/ 391.

284

عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف بالبيت فأعيا، أ يؤخّر الطواف بين الصفا و المروة؟

قال (عليه السلام): «نعم». (1) و إطلاقه يعمّ ما لو طاف في النهار و سعى في الجزء الآخر من الليل.

و لعلّ هذه الوجوه الثلاثة كافية في إثبات جواز التأخير إلى الليل.

الفرع الثالث: التأخير إلى الغد

التأخير إلى الغد ممنوع عند الأصحاب، و قد مرّ المنع في كلام العلّامة الّذي ذكرناه في الفرع الأوّل، و مع ذلك أنّ للمحقّق في «الشرائع» كلاما مجملا ربّما يستظهر منه جواز التأخير إلى الغد، و إليك نص عبارته.

قال: الخامسة من طاف كان بالخيار في تأخير السعي إلى الغد، ثمّ لا يجوز مع القدرة. (2) بناء على دخول الغاية في حكم المغيّا.

و قال الشهيد في «الدروس»: و لا يجوز تأخير السعي عن يوم الطواف إلى الغد في المشهور إلّا لضرورة، فلو أخّره أثم و أجزأ، و قال المحقّق: يجوز تأخيره إلى الغد و لا يجوز عن الغد، و الأوّل مرويّ. (3)

يريد من الأوّل: تأخيره إلى الغد، بلا عذر؛ و ذلك حسب ما رواه الكليني بسنده الصحيح عن صفوان، عن العلاء بن رزين قال: سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيا أ يؤخّر الطواف بين الصفا و المروة إلى غد؟ قال: «لا». (4)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 60 من أبواب الطواف، الحديث 2.

(2). الشرائع: 1/ 270. أي لا يجوز تأخيره عن الغد مع القدرة.

(3). الدروس: 1/ 412، الدرس 106.

(4). الوسائل: 9، الباب 60 من أبواب الطواف، الحديث 3.

285

أقول: الظاهر سقوط الواسطة بين العلاء و الإمام و هو محمد بن مسلم، لأنّ العلاء بن رزين راويته، و الشاهد على ذلك الحديث السابق الّذي رواه العلاء عن محمد بن مسلم عن الإمام (عليه السلام)، مضافا إلى وجود الواسطة في نقل الصدوق، هذا أوّلا.

و ثانيا: الظاهر أنّ محمد بن مسلم سأل الإمام (عليه السلام) عن صورتين:

الأولى: ما تقدّم في الفرع السابق و هو عن رجل طاف بالبيت فأعيا أ يؤخّر الطواف بين الصفا و المروة؟ قال: نعم. و هذا هو الذي رواه الشيخ كما مر.

ثمّ عاد يسأله عن صورة ثانية و هي تأخيره إلى الغد فأجاب بالنفي. و هذا هو الذي رواه الكليني.

و على ضوء ذلك فلا يمكن القول بوحدة الروايتين، لأنّ السؤال و الجواب مختلفان، و لو قيل بالوحدة فانّما هي بمعنى أنّ سند الروايتين ينتهي إلى محمد بن مسلم فقط لا بمعنى وحدة المضمون، كيف فانّ الاختلاف في السؤال دليل على تعددهما، و قد نقل الشيخ ما يرجع إلى الفرعين الأوّلين، و نقل الكليني ما يرجع إلى الفرع الثالث.

فصارت النتيجة على ضوء الروايتين، جواز التأخير إلى مطلع الفجر لا بعده.

و ليعلم لمّا كان تعبير الشرائع تعبيرا شاذا مخالفا لما اتّفق عليه الأصحاب، حاول القوم تفسيره بشكل لا يخالف الإجماع، مثلا كما قال في «الجواهر» بعد نقل كلام الشرائع و هو (الخامسة: من طاف كان بالخيار في تأخير السعي) ساعة و نحوها بل (إلى) زمان سابق على صدق اسم (الغد): بلا خلاف أجده فيه. (1)

____________

(1). الجواهر: 19/ 390.

286

[المسألة 8: السعي عبادة يجب فيه ما يعتبر فيها من القصد و خلوصه]

المسألة 8: السعي عبادة يجب فيه ما يعتبر فيها من القصد و خلوصه، و هو ركن و حكم تركه عمدا أو سهوا حكم ترك الطواف كما مرّ.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. تعتبر النية و القربة في صحّة السعي.

2. ترك السعي عمدا.

3. ترك السعي سهوا.

و إليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: تعتبر النية و القربة في صحّة السعي

قال المحقّق في «الشرائع»: و الواجب فيه أربعة: النية ... (1) و أراد بها، صدور السعي عن الزائر عن وعي و شعور أوّلا، و كونه لغاية امتثال أمره سبحانه و التقرب إليه.

و قال الشهيد في «الدروس»: و واجبها عشرة: النية و يذكر فيها مميزاته عن غيره على وجه تقربا إلى اللّه و يستديم حكمها إلى الفراغ. (2)

أقول: وجهه واضح، لأنّ الحج بعامّة أجزائه عبادة، و روح العبادة هو قصد القربة و الخلوص من شوائب الرياء. و من البعيد أن يكون غير العبادي جزءا للعبادة.

الفرع الثاني: ترك السعي عمدا

اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّ السعي كالطواف ركن. معنى الركنية هو‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 273.

(2). الدروس: 1/ 410.

287

بطلان العمل بتركه عمدا، لا سهوا، كما سيوافيك.

1. قال الشيخ: السعي بين الصفا و المروة ركن لا يتم الحجّ إلّا به، فإن تركه أو ترك بعضه و لو خطوة لم تحل له النساء حتى يأتي به- إلى أن قال:- و قال أبو حنيفة: واجب و ليس بركن، و هو بمنزلة المبيت بالمزدلفة، فإن تركه فعليه دم. (1)

2. و قال في «النهاية»: السعي بين الصفا و المروة فريضة لا يجوز تركه، فمن تركه معتمدا فلا حجّ له، و من تركه ناسيا كان عليه إعادة السعي لا غير. (2)

3. و قال ابن زهرة في «الغنية»: السعي ركن من أركان الحجّ و هو على ضربين: سعي المتعة، و سعي الحجّ. (3)

4. و قال ابن إدريس: السعي بين الصفا و المروة ركن من أركان الحجّ، من تركه فلا حجّ له. (4) و منصرف كلامه هو تركه عمدا.

5. و قال المحقّق: السعي ركن من تركه عامدا بطل حجّه، و لو كان ناسيا وجب عليه الإتيان به، فإن خرج عاد ليأتي به فإن تعذّر عليه استناب فيه. (5)

6. و قال العلّامة في «المنتهى»: السعي واجب و ركن من أركان الحجّ و العمرة، يبطل الحج بالإخلال به عمدا، ذهب إليه علماؤنا أجمع، و به قالت عائشة و عروة و مالك و الشافعي- إلى أن قال:- و قال أبو حنيفة: و هو واجب و ليس بركن إذا تركه وجب عليه دم. (6)

إلى غير ذلك من الكلمات.

معنى كون السعي ركنا

قد تقدّم في الطواف أنّ معنى الركن في الحجّ يخالف معناه في الصلاة، فإنّ‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 328، المسألة 140.

(2). النهاية: 244.

(3). الغنية: 1/ 177.

(4). السرائر: 1/ 578.

(5). الشرائع: 1/ 273.

(6). منتهى المطلب: 10/ 414.

288

الركن فيها ما تبطل الصلاة بتركه، سواء كان عن عمد أو نسيان، و أمّا الركن في الحجّ فهو بمعنى ما يبطل الحجّ بتركه عامدا فقط دون ما إذا تركه نسيانا. غاية الأمر انّه لو تمكن يأت به و إلّا استناب.

فلذلك لو ترك الطواف و السعي عن عمد تبطل العمرة و الحجّ إذا انقضى وقته، و أمّا سائر الأجزاء غير الركنية، فمعنى وجوبه كون الإتيان به واجبا شرعا، فلو تركه عمدا لا يبطل به الحجّ و ربّما تتعلّق به الكفّارة.

نعم قد مضى في الطواف أنّ تاركه مع الجهل البسيط عامد، و ذلك لأنّه يحتمل الوجوب و مع ذلك يتركه، و هو تارك لكلّ واحد من الطواف و السعي تركا عمديا.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى دراسة دليل كون السعي ركنا بالمعنى الّذي عرفت. و إليك ما يدلّ عليه:

1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل ترك السعي متعمدا؟ قال: «عليه الحجّ من قابل». (1)

و معنى الأمر بالحجّ من قابل هو فساد ما أتى به من الحجّ و إلّا لما احتاج إلى القضاء.

و أمّا اختصاص البطلان بصورة العمد، لا النسيان فهو غير واضح، لأنّ العمد جاء في سؤال السائل لا في جواب الإمام (عليه السلام)، فالرواية بالنسبة إلى صورة النسيان ساكتة؛ كما أنّها ساكتة عن ترك السعي في العمرة إلّا أن تدعى وحدة حكم العمرة و الحجّ، و انّ الحكم لطبيعة ترك السعي سواء أ كان السعي للعمرة أم للحجّ.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 7 من أبواب السعي، الحديث 1.

289

2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمّار، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من ترك السعي متعمدا فعليه الحجّ من قابل». (1)

و هذه الرواية على خلاف الرواية السابقة حيث جاء التعمّد في كلام الإمام لا الراوي، فيدلّ بمفهومها على الصحة في صورة النسيان.

و مع ذلك يحتمل وحدة الروايتين، و قد نقل بصورتين، لأنّ الراوي للحديثين هو ابن أبي عمير عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و عند ذلك لا يصحّ الاحتجاج بالرواية على صحّة الحجّ عند النسيان لاحتمال كون العمد كان مأخوذا في لسان السائل، و قد نقل بالمعنى في الرواية الثانية.

3. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- أنّه قال في رجل ترك السعي متعمّدا، قال: «لا حجّ له». (2)

و يتوجه على هذه الرواية ما ذكرناه في الأولى حيث إنّ القيد مأخوذ في كلام الراوي فلا تدلّان على الصحة في صورة النسيان. نعم يمكن استنباط حكم السهو من الروايات الواردة فيه. كما سيأتي في الفرع الثالث.

الفرع الثالث: حكم ترك السعي نسيانا

إنّ معنى كون حكم السعي كحكم الطواف- كما في المتن- أنّه يبطل الحجّ بتركه عمدا و جهلا بالجهل البسيط دون ما إذا تركه نسيانا.

أمّا العمد فقد تبيّن وجهه، و أمّا إذا نسي فيجب عليه الرجوع و الإتيان به‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 7 من أبواب السعي، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 7 من أبواب السعي، الحديث 3.

290

و إلّا استناب، و هذه هي الفتوى المشهورة بين الأصحاب، و قد عرفت عبارة المحقّق حيث قال: و لو كان ناسيا وجب عليه الإتيان به فإن خرج عاد ليأتي به و إن تعذّر عليه استناب فيه.

و الكلام في المقام هو ترك السعي بتاتا، لا ما إذا نقصه، إذ يأتي حكمه في المسألة التاسعة فانتظر.

و المهم استفادة هذا الحكم من الروايات و هي على قسمين:

[الروايات]

الأوّل: ما يدلّ على وجوب الإتيان عليه بالمباشرة

نظير ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا و المروة؟ قال: «يعيد السعي»، قلت: فإنّه خرج. (1) قال: «يرجع فيعيد السعي، إنّ هذا ليس كرمي الجمار إنّ الرمي سنّة، و السعي بين الصفا و المروة فريضة». (2)

و ظاهر الرواية أنّه نسي السعي و استمر نسيانه حتّى ترك البلد الأمين و هو في الطريق، و أمّا إذا استمر النسيان حتّى وصل إلى أهله فهو خارج عن مضمون الرواية. فلا تدلّ على وجوب العود.

اللّهم إلّا أن يقال: إنّ التعليل في ذيل الرواية، أعني قوله: السعي بين الصفا و المروة فريضة يعمّ كلتا الحالتين و انّه يجب العود حتّى بعد الوصول إلى بيته.

و أمّا استخدام لفظ الإعادة مع أنّه لم يأت بالسعي فمن باب المجاز، و كأنّه كان من شأنه أن يأت، فلم يأت به فقال: «يعيد».

____________

(1). و في المصدر: فاته ذلك حتى خرج؛ الكافي: 4/ 484.

(2). الوسائل: 9، الباب 8 من أبواب السعي، الحديث 1.

291

و على كلّ تقدير فالظاهر أنّ المراد من «الفريضة» وروده في القرآن الكريم، و أمّا «السنّة» فهي ما ورد على لسان النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أو علم من فعله أو تقريره.

الثاني: ما يدلّ على الاستنابة

و تدلّ عليه روايتان:

1. خبر زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة حتّى يرجع إلى أهله؟ فقال: «يطاف عنه». (1)

فالرواية ظاهرة في جواز الاستنابة فيعارض ما ورد في القسم الأوّل من تعيّن المباشرة.

و لكن الرواية تختص بمن رجع إلى أهله، و لا تشمل من كان في أثناء الطريق.

2. ما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما قال: سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة؟ قال: «يطاف عنه». (2)

و الرواية حسب نقل الفقيه ضعيفة، لأنّ في طريقه إلى محمد بن مسلم ضعف بخلاف ما نقله الشيخ في «التهذيب». و الرواية صريحة في جواز الاستنابة مطلقا، سواء كان في أثناء الطريق أو وصل إلى أهله، نعم هي منصرفة لمن كان في مكّة المكرمة.

كيفية الجمع بين القسمين؟

و يمكن الجمع بين القسمين بالنحوين التاليين:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 8 من أبواب السعي، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 8 من أبواب السعي، الحديث 3.

292

الأوّل: الحمل على التخيير بين المباشرة و الاستنابة، و ذلك لأنّ الطائفة الثانية صريحة في التخيير، بخلاف الأولى فهي ظاهرة في المباشرة فيقدّم النص على الظاهر.

الثاني: حمل المباشرة على ما إذا لم تكن هناك مشقة، كما إذا كان في جدّة و أمكن له الرجوع إلى مكّة المكرمة في السعي، بخلاف ما إذا كان الرجوع مقرونا بالمشقّة فيستنيب. (1)

و المراد من المشقّة هو العمل المحتاج إلى بذل الجهد دون ما إذا كان رافعا للتكليف، و أمّا معه فالاستنابة متعيّنة. 2

و الظاهر من الأصحاب هو تقديم الوجه الثاني من وجهي الجمع كما هو صريح كلام المحقّق في «الشرائع»، و عليه يحمل كلام المصنّف حيث قال: حكمه حكم الطواف، حيث قال في باب الطواف: لو ترك الطواف سهوا يجب الإتيان به في أي وقت أمكنه، و إن رجع إلى محلّه و أمكنه الرجوع بلا مشقّة وجب و إلّا استناب لإتيانه.

و ربّما يؤيد هذا الجمع روايتان في باب الطواف:

الأولى: ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل نسي طواف النساء حتّى أتى الكوفة، قال: «لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت». قلت: فإن لم يقدر؟ قال: «يأمر من يطوف عنه». (3) الظاهر أنّ المراد من عدم القدرة، هو القسم العرفي المقرون بالحرج، لا القسم العقلي المسقط للتكليف.

الثانية: ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي طواف النساء حتّى يرجع إلى أهله؟ قال: «لا تحلّ له النساء حتّى يزور‌

____________

(1) (1 و 2). مستند الشيعة: 12/ 176.

(3). الوسائل: 9، الباب 58 من أبواب الطواف، الحديث 4.

293

[المسألة 9: لو زاد فيه سهوا شوطا أو أزيد صحّ سعيه]

المسألة 9: لو زاد فيه سهوا شوطا أو أزيد صحّ سعيه، و الأولى قطعه من حيث تذكر و إن لا يبعد جواز تتميمه سبعا، و لو نقصه وجب الإتمام أينما تذكّر، و لو رجع إلى بلده و أمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، و لو لم يمكنه أو كان شاقّا استناب، و لو أتى ببعض الشوط الأوّل و سها و لم يأت بالسعي فالأحوط الاستئناف.* (1)

____________

البيت، فإن هو مات فليقض عنه وليّه أو غيره، فأمّا ما دام حيّا فلا يصلح أن يقضى عنه، و إن نسي الجمار فليسا بسواء إن الرمي سنّة، و الطواف فريضة». (1)

وجه الدلالة: أنّ قوله: «فلا يصلح» ظاهر في كراهة الاستنابة، حتّى و لو رجع إلى أهله.

و أمّا ما ورد في الباب 33 من أبواب الطواف فهو يرجع إلى ما إذا ترك بعض الطواف لا كلّه، و هذا ما يأتي في المسألة التاسعة.

(1)* في المسألة فروع:

1. لو زاد فيه شوطا أو أزيد يقطع حيث تذكر، و يحتمل جواز إكماله سبعا.

2. لو نقصه سهوا وجب الإتمام أينما تذكّر.

3. لو نقصه و علم بعد ما رجع إلى أهله ففيه التفصيل بين كون الرجوع شاقّا و عدمه.

4. لو أتى ببعض الشوط الأوّل و نسي و لم يأت بالسعي فالأحوط الاستئناف.

[أمور]

و قبل الخوض في شرح الفروع و البرهنة عليها نذكر أمورا:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 58 من أبواب الطواف، الحديث 2.

294

1. الزيادة العمديّة و ترك ذكرها

ذكر الماتن في المسألة السابقة حكم ترك السعي بتاتا عمدا كان أو سهوا، كما أنّه ذكر في هذه المسألة حكم زيادة السعي و النقيصة سهوا و لم يشر إلى حكم زيادة السعي عمدا، مع أنّ صاحب الوسائل عقد بابا للزيادة العمديّة، و بابا آخر للزيادة السهوية. (1) و نقل حول الزيادة العمدية روايتين: أولاهما منصرفة عن الزيادة العمديّة، و الثانية لها إطلاق يعمّ الزيادة العمديّة أيضا. نعم لا ينحصر الاستدلال على حكم الزيادة العمديّة بهما كما سيوافيك.

و لمّا كان حكم الزيادة العمديّة واضحا (لأنّ الساعي عندئذ مشرع بعقيدته، مبدع بعمله، لا يتمشّى منه القربة فيكون محكوما بالبطلان، إذ لا يكون مقرّبا) تركه المصنّف، و سيوافيك تفصيله.

2. أقسام الزيادة و مقتضى القاعدة الأوّلية

تتحقّق الزيادة تارة بأقلّ من شوط، و أخرى بالشوط الواحد، و ثالثة بأكثر و لا تبلغ إلى أربعة عشر، و رابعة تبلغ إلى أربعة عشر، و خامسة إلى خمسة عشر. و على كلّ تقدير، فالزيادة تارة تكون عمدية و أخرى سهوية، و على جميع التقادير تكون الزيادة تارة مقصودة من بدء السعي، و أخرى تبدو له في الأثناء، و ثالثة عند إتمامه و إكماله.

مقتضى القاعدة الأوّلية هو البطلان حتى في صورة السهو، إذا كان تحديد السعي بالسبعة دليلا على أخذها «بشرط لا» لرجوع الزيادة عندئذ إلى نقصان الوصف إذا أخذ وصفا للأشواط السبعة أو الجزء، إذا كان مأخوذا فيها بنحو‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 12 و 13 من أبواب السعي.

295

الجزئية فهذا هو المتبع إلّا أن يدلّ دليل حاكم على الصحّة.

3. كلمات الأصحاب في الزيادة العمدية و السهوية

المشهور بطلان السعي بالزيادة عمدا و صحّته بالزيادة سهوا:

أ. قال المحقّق: لا يجوز الزيادة على سبع، و لو زاد عامدا تبطل، و لا تبطل بالزيادة سهوا. (1)

ب. و قال في «المدارك» بعد قول المحقّق «و لا تبطل بالزيادة سهوا»: لا ريب في عدم البطلان بذلك، و يتخيّر من زاد ساهيا بين طرح الزيادة و الاعتداد بالسبعة و بين إكمال أسبوعين، و يكون الثاني مستحبا. (2)

و لا يخفى أنّ ما ذكره لا يعمّ بعض الصور، كما إذا أكمله أربعة عشر شوطا أو خمسة عشر شوطا.

فما ذكره صاحب المدارك من الوجهين هما اللّذان ذكرهما المصنّف في المتن، لكنّه خصّهما بما إذا كان الزائد شوطا أو أزيد، قال: و الأولى قطعه من حيث تذكّر، و أن لا يبعد جواز تتميمه سبعا.

ج. و قال في «الرياض»: «و لا يبطل بالزيادة السهوية» إجماعا للأصل و الصحاح المستفيضة، و إن اختلفت في الدلالة على اطراح الزائد و الاجتزاء بالسبعة كما في أكثرها. (3)

د. و قال في «المستند»: و إن كانت الزيادة سهوا فلا خلاف في عدم البطلان نصا و فتوى و عليه الإجماع في كلام بعضهم. (4)

____________

(1). الشرائع: 1/ 273.

(2). المدارك: 8/ 213.

(3). الرياض: 7/ 100.

(4). المستند: 12/ 178.

296

و. و في «الجواهر»: بعد قول المحقّق «و لا تبطل بالزيادة سهوا»: بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه. (1)

إذا عرفت ذلك فلنذكر حكم القسمين: الزيادة العمدية و الزيادة السهوية.

[الفرع الأول لو زاد فيه شوطا أو أزيد يقطع حيث يذكر]

حكم الزيادة العمدية

قد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب هو بطلان السعي بالزيادة العمدية، و ذلك لوجهين:

1. انّ الزيادة تعدّ بدعة و العمل مبغوضا و الساعي مشرّعا، و عندئذ لا يصحّ التقرب به، و قصد القربة هو روح العبادة. هذا كلّه يصحّ في العامد العالم بالحكم، و أمّا الجاهل البسيط المتردّد بين كون الواجب هو السبعة أو أكثر، فيمكن أن يقال بصحّة عمله و جعل الموضوع من قبيل الخطأ في التطبيق، و ذلك لأنّه قصد امتثال الأمر الواقعي، و لكنّه احتمل أن يكون الواجب هو الزائد على السبعة فأتى به احتمالا، فعندئذ لا يكون عمله مبعّدا أو مبغوضا.

هذا كلّه حسب القاعدة الأوّلية، و أمّا الروايات فيمكن الاستدلال على البطلان بالروايتين التاليتين:

1. ما رواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم (بن معاوية بن عمّار)، عن صفوان بن يحيى (الذي صنف ثلاثين كتابا و توفّي سنة 210 ه‍)، عن عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «الطواف المفروض إذا زدت عليه، مثل الصلاة،

____________

(1). الجواهر: 12/ 432.

297

فإذا زدت عليها فعليك الإعادة و كذا السعي». (1) فإنّ تنزيل السعي منزلة الطواف أو الصلاة يوجب التفريق بين الزيادة العمدية فتبطل دون السهوية فلا.

و في «المدارك» أنّ هذه الرواية ضعيفة السند باشتراك الراوي بين الثقة و الضعيف. (2)

و وافقه البحراني في الحدائق و أجاب بجبر الضعف بعمل الأصحاب. (3)

لو كان المراد من «أبي الحسن» هو الإمام الرضا (عليه السلام) فهو مردد بين عبد اللّه بن محمد الحصيني الأهوازي الثقة و عبد اللّه بن محمد الحجال الثقة فانّهما من أصحاب الإمام الرضا المشهورين، و أمّا الباقون فليسوا بمشهورين فلا ينصرف المطلق إلّا إليهما، بل ليس لغيرهما رواية في الكتب الأربعة. (4)

2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) في رجل سعى بين الصفا و المروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: «إن كان خطأ أطرح واحدا و اعتدّ بسبعة». (5)

و المراد من الخطأ هو السهو و النسيان فيعتدّ بما أتى و يطرح الزائد، و بحكم المفهوم لو كانت الزيادة عن علم فلا يعتدّ به و هو آية البطلان.

و استدلّ المحقّق الخوئي برواية ثالثة و هي صحيحة معاوية بن عمّار قال:

من طاف بين الصفا و المروة خمسة عشر شوطا طرح ثمانية و اعتدّ بسبعة (6)، قائلا بأنّ طرح الثمانية السابقة يدلّ على بطلان السعي بالزيادة. (7)

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 12 من أبواب السعي، الحديث 2.

(2). المدارك: 8/ 213.

(3). الحدائق: 16/ 187.

(4). المعتمد: 5/ 64.

(5). الوسائل: 9، الباب 13 من أبواب السعي، الحديث 3.

(6). الوسائل: 9، الباب 13 من أبواب السعي، الحديث 4.

(7). المعتمد: 5/ 83.

298

يلاحظ عليه- مضافا إلى انصراف الرواية إلى صورة السهو دون العمد-: أنّ الرواية قاصرة الدلالة على بطلان السبعة الأولى، إذ يحتمل أن تكون الثمانية المطروحة من الأشواط الأخيرة أي بعد السبعة إلى الخمسة عشر فيعتد بالسبعة الأولى، لا الثمانية الأولى حتى يكون دليلا على البطلان.

و الحقّ كما قلناه: إنّ الروايات منصرفة إلى صورة الزيادة السهوية.

حكم الزيادة السهوية

قد عرفت كلمات الأصحاب و أنّ الزيادة السهوية لا توجب البطلان إنّما الاختلاف في كيفية العلاج عند الالتفات بالزيادة، فهناك وجوه، و كلّها مأخوذة من الروايات، فإنّ ما ورد في المقام على طوائف:

[الروايات على طوائف]

الأولى: الاستئناف

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن طاف الرجل بين الصفا و المروة تسعة أشواط فليسع على واحد و ليطرح ثمانية، و إن طاف بين الصفا و المروة ثمانية أشواط فليطرحها و ليستأنف السعي». (1)

و الرواية تتضمن بطلان السبعة الأولى مطلقا، و ذلك لأنّه إذا زاد شوطا كما في الشق الثاني في الرواية فلا يمكن أن يحسب من السعي الصحيح، إذ عندئذ يلزم الابتداء من المروة، و هذا بخلاف ما إذا زاد شوطين، إذ يلزم عليه الابتداء بالصفا، فلذلك تلغى الثمانية و لا تلغى التسعة بتمامها، بل يؤخذ بشوط واحد.

و هو ذهابه من الصفا إلى المروة دون إيابه منها إليه. و على الصورتين فالزيادة مبطلة. و منصرف الرواية هو السهو، إذ من البعيد أن يزيد من تحمل جهود السفر‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 12 من أبواب السعي، الحديث 1.

299

و وعثاءه أن يزيد شيئا في العبادة مع العلم بعدم تشريعه.

الثانية: الصحّة مطلقا

و يدلّ عليه ما سبق من رواية عبد اللّه بن محمد حيث نزّل السعي منزلة الصلاة، و من المعلوم أنّ الزيادة السهوية غير مبطلة في الصلاة (نعم خرجت الأركان بدليل خاص). و على هذا فقوله فيه: فعليك الإعادة، يرجع إلى صورة العمد لا السهو. نعم ليس في هذا القسم ما يدلّ على كيفية العلاج و لعلّه يتحقق بالوجهين الأخيرين.

الثالثة: الاعتداد بالسبعة الأولى و طرح الزائد

هناك ثلاث روايات يجمعها أنّ الزائد سواء أ كان واحدا أم سبعة أم تسعة يعتد بالسبعة الأولى و يطرح الباقي، و إليك ما يدلّ عليه:

1. روى عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) في رجل سعى بين الصفا و المروة ثمانية أشواط ما عليه؟ فقال: «إن كان خطأ أطرح واحدا و اعتدّ بالسبعة». (1)

2. روى جميل بن درّاج قال: حججنا و نحن صرورة فسعينا بين الصفا و المروة أربعة عشر شوطا، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال: «لا بأس سبعة لك و سبعة تطرح». (2)

و الرواية تدلّ على صحّة إحدى السبعتين و طرح الآخر، و لعلّه ظاهر في‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 13 من أبواب السعي، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 13 من أبواب السعي، الحديث 5.

300

الأخذ بالسبعة الأولى و طرح السبعة الآخرة. و قوله: «و نحن صرورة» يدل على أنّ الزيادة كانت عن جهل.

هذا في الأربعة عشر و أمّا في الخمسة عشر فقد روى معاوية بن عمّار قال:

من طاف بين الصفا و المروة خمسة عشر شوطا طرح ثمانية و اعتدّ بسبعة. (1)

و الظاهر أنّ المراد من السبعة هو السبعة الأولى.

الرابعة: إضافة ستة

هناك ما يدلّ على أنّه إذا سعى ثمانية أشواط أضاف إليها ستة أشواط:

1. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)- في حديث الطواف- قال:

و كذا إذا استيقن أنّه سعى ثمانية أضاف إليها ستة.

2. و ما رواه أيضا محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «و كذلك إذا استيقن أنّه طاف بين الصفا و المروة ثمانية فليضف إليها ستة». (2)

و يحتمل وحدة الروايتين لوحدة الراوي و المروي عنه.

هذه هي أصناف الروايات و المهم الجمع بينها.

الجمع بين الطوائف

لا شكّ في وجود التعارض بين هذه الطوائف، و ذلك:

1. انّ الطائفة الأولى تدلّ على الاستئناف و عدم الاعتداد بما أتى من الأشواط الثمانية.

2. الطائفة الثانية الّتي تعطف السعي على الصلاة في الحكم، تدلّ على‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 13 من أبواب السعي، الحديث 4.

(2). الوسائل: 9، الباب 13 من أبواب السعي، الحديث 1 و 2.

301

عدم إخلال الزيادة السهوية و إمكان علاجها و أمّا العلاج، فيمكن بأحد الوجهين المذكورين في الطائفتين: الثالثة و الرابعة.

3. الطائفة الثالثة تدلّ على الاعتداد بالسبعة و اطراح الزائد.

4. الطائفة الرابعة تدلّ على الاعتداد بالسبعة و إكمالها.

و أمّا الجمع بينهما فيمكن بالنحو التالي:

رفع اليد عن ظهور الأمر بالاستئناف في التعيّن بحمله على الرجحان و كونه أفضل، و بما أنّ الطائفتين الأخيرتين تشتركان في أنّ الزيادة السهوية ليست مخلّة، و تعالجان الموضوع بأحد الوجهين، تكون النتيجة عندئذ هو التخيير بين الأمور الثلاثة:

1. الاستئناف.

2. الإكمال.

3. الاعتداد بالسبعة و طرح الزائد.

و قد أشار المصنّف إلى الوجهين الأوّلين بقوله: «و الأولى قطعه حيث تذكّر، و أن لا يبعد جواز تتميمه سبعا». و كان الأولى أن يشير إلى الوجه الثالث أيضا.

نعم ذكر صاحب المدارك أنّ الإكمال يختص بما إذا تذكّر بعد إكمال الثامن و إلّا تعيّن القطع، لاختصاص الرواية المتضمّنة للإكمال لما إذا لم يحصل التذكر حتّى أتم الثمانية. (1)

فإن قلت: كيف تصحّ إضافة ستة أشواط على الثمانية، إذ عندئذ يلزم أن يبدأ السعي بالمروة، ضرورة انّ لازم احتساب الشوط الثامن، هو البدء بالمروة مع أنّه ورد: ابدءوا بما بدأ اللّه. (2)

____________

(1). المدارك: 8/ 214.

(2). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب السعي، الحديث 7.

302

قلت: لازم القول بإضافة الستة، هو جواز البدء من المروة في السعي المندوب، و ما ورد من البدء بما بدأ اللّه به من أحكام السعي الواجب، و لأجل ذلك قلنا: إنّ الواجب هو السبعة الأولى لا الثمانية.

و إلى ما ذكرنا أشار صاحب المدارك بقوله: و متى أكمل الزائد أسبوعين كان الثامن مستحبا لجواز الطرح، و لا يشرع استحباب السعي إلّا هنا، و لا يشرع ابتداء مطلقا. (1)

و بما ذكرنا يعلم ضعف ما في «الحدائق» في رد جعل السبعة الأخيرة سعيا مستحبا قال: إنّ صحيحة محمد بن مسلم- الدالّة على إضافة الستة- لا تخلو عن إشكال.

أمّا أوّلا: فلأنّ السعي ليس مثل الطواف و الصلاة، حتّى تكون عبادة برأسها تقع مستحبة و واجبة ليكون الثاني نافلة، فإنّا لم نقف في غير هذا الخبر على ما يدلّ على وقوعه مستحبا.

و أمّا الثاني: فمع تسليم وقوعه مستحبا، فإنّ اللازم من الطواف ثمانية، كون الابتداء بالثامن من المروة، فكيف يجوز أن يعتدّ به و يبني عليه سعيا مستأنفا، مع اتّفاق الأخبار و كلمة الأصحاب على وجوب الابتداء في السعي من الصفا، و انّه لو بدأ من المروة وجب عليه الإعادة عامدا كان أو ساهيا كما تقدّم. (2)

وجه الضعف: انّه لا مانع من الالتزام بالأمرين إذا دلّ الخبر الصحيح عليه:

1. استحباب السعي في مورد خاص.

____________

(1). المدارك: 8/ 214.

(2). الحدائق: 16/ 281- 282.

303

2. جواز البدء من المروة في السعي المستحب.

يقول صاحب الجواهر: قلت:- ما ذكره صاحب الحدائق- كما ترى كالاجتهاد في مقابلة النص بعد تسليم ظهور الفتاوى في ذلك و لا استبعاد في مشروعية هذا السعي من المروة و تخصيص تلك الأدلة به بعد جمعه لشرائط الحجّية و العمل به، كما لا استبعاد في استحباب السعي هنا و إن كان لم يشرع استحبابه ابتداء.

و بذلك يعلم انّ ما هو المشهور من التخيير بين اهدار الشوط الزائد مما زاد، و البناء على السبعة و بين الإكمال أسبوعين هو الأقوى.

نعم رجّح صاحب الرياض الوجه الأوّل و قال: الأولى و الأحوط الاقتصار على الأوّل. و ذكر نفس الإشكال المنقول عن الحدائق، (1) و قد مرّ دفعه.

الفرع الثاني: فيما إذا نقص السعي سهوا

قد عرفت حكم الزيادة السهوية، و قد حان البحث عن النقيصة السهوية ففيها قولان:

الأوّل: البناء على ما سبق مطلقا من غير فرق بين تجاوز النصف و عدمه و الإتيان بالنقيصة متى تذكر، سواء فاتت الموالاة أم لا، و سواء أ كان النقص أقل من النصف أم أكثر.

نعم كلّ هذا إذا لم يرجع إلى أهله، و إلّا فإن أمكنه الرجوع يرجع و يأتي بالنقيصة و إلّا استناب فيه.

و هذا هو القول المشهور بين الفقهاء.

____________

(1). الرياض: 7/ 101.

304

يقول المحقّق: متى تيقّن النقيصة أتى بها. (1)

و قال العلّامة في «التذكرة»: لو سعى أقل من سبعة أشواط و لو خطوة وجب عليه الإتيان بها و لا يحلّ له ما يحرم على المحرم قبل الإتيان به، فإن رجع إلى بلده وجب عليه العود مع المكنة و إتمام السعي، لأنّ الموالاة لا تجب إجماعا. (2)

و قال في «المنتهى»: و لو نقص و لو خطوة واحدة وجب عليه الإتيان بها، إلى آخر عبارة «التذكرة» و أضاف: و لا نعلم فيه خلافا. (3)

و قد حكي هذا القول في «الجواهر» عن الشيخ في كتبه و ابن حمزة و ابن إدريس و ابن سعيد. (4)

الثاني: التفصيل بين تجاوز النصف و عدمه فيبني على ما أتى في الأوّل و يستأنف عند الثاني، قيل و عليه جماعة من المتقدّمين، كالمفيد في مقنعته و سلّار في مراسمه و ابن زهرة في غنيته، و لكن نصوص بعضهم ليست صريحة في المورد.

قال الشيخ المفيد: و حكم السعي في النصف و أقلّ منه و أكثر حكم الطواف سواء. (5)

أقول: إطلاق عبارته و إن كان يعمّ النقص السهوي، لكنّها ليست صريحة فيه و يحتمل رجوعه إلى ما إذا قطعه للصلاة أو للحاجة أو لغيرها، و أين هما من النقص السهوي؟!

و قال سلّار في فصل ذكر النسيان من أفعال الحجّ: و من وجد نفسه عند ظنه بنقصان السعي- إلى أن قال:- و حكم من قطع السعي حكم قطع الطواف‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 274.

(2). تذكرة الفقهاء: 8/ 138.

(3). المنتهى: 10/ 420.

(4). الجواهر: 19/ 440.

(5). المقنعة: 441.

305

في اعتبار مجاوزة النصف في البناء و إن لم يجاوزه استأنف. (1)

أقول: الظاهر أنّ كلامه ككلام الشيخ المفيد ناظر إلى من قطع السعي لأجل إقامة الصلاة و غيرها و الكلام فيمن نسي، اللّهم إلّا أن يكون حكم الموضوعين عنده واحدا.

و قال في «الغنية»: و حكم قطع السعي و السهو فيه و الشك حكم ذلك في الطواف. (2)

و الفرق بينه و بين المراسم أنّه عطف على حكم قطع السعي قوله «و السهو فيه و الشك»، فيكون صريحا في المسألة.

استدلّ على القول المشهور بما دلّ على القطع للصلاة بعد شوط و للحاجة بعد ثلاثة أشواط، أو ستة أشواط.

أمّا الأوّل ففي موثّقة الحسن بن علي بن فضال قال: سأل محمد بن علي أبا الحسن (عليه السلام) فقال له: سعيت شوطا واحدا ثمّ طلع الفجر، فقال: «صل ثمّ عد فأتمّ سعيك». (3)

و أمّا الثاني ففي خبر يحيى بن عبد الرحمن الأزرق قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا و المروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثمّ يلقاه الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام؟ قال: «إن أجابه فلا بأس». (4)

يلاحظ على الاستدلال بهما: بأنّ الكلام فيما إذا نقص سهوا، و أمّا مورد الحديثين فيرجع إلى من نقص عمدا للصلاة أو لقضاء الحاجة، و أين هو من‌

____________

(1). المراسم: 124.

(2). غنية النزوع: 1/ 179.

(3). الوسائل: 9، الباب 18 من أبواب السعي، الحديث 2.

(4). الوسائل: 9، الباب 19 من أبواب السعي، الحديث 1.

306

النقص السهوي على أنّ قوله في رواية الأزرق: «إن أجابه فلا بأس» ظاهر في جواز القطع لا في جواز البناء على ما أتى. و لعلّه يرجع ثانيا و يستأنف.

و أمّا الثالث ففي صحيحة سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

رجل متمتع سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط ثمّ رجع إلى منزله و هو يرى قد فرغ منه و قلم أظفاره و أحلّ ثمّ ذكر أنّه سعى ستة أشواط؟ فقال لي: «يحفظ انّه قد سعى ستّة أشواط، فإن كان يحفظ انّه قد سعى ستة أشواط فليعد و ليتم شوطا و ليرق دما». فقلت: دم ما ذا؟ قال: «بقرة». قال: «و إن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة (أشواط) فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثمّ يرق دم بقرة». (1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال به- على القول المشهور من عدم اعتبار تجاوز النصف- فرع إمكان إلغاء الخصوصية، فإنّ مورده هو تجاوز النصف حيث أتى بستة أشواط و نسي الأخير و إلغاؤها مشكل، لما تقدّم انّ لتجاوز النصف و عدمه في روايات الطواف و كلمات الأصحاب في مورد السعي دورا و خصوصية.

و سيوافيك الكلام فيهما في المسألة العاشرة، فانتظر.

و أمّا الذيل، أعني قوله: «و إن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة أشواط» فالمتبادر منه أنّه لا يدري كم عدد الأشواط، فهو يستأنف.

انّ صاحب المستند عنون المسألة و قال: «و إن نقص سهوا أتى بالنقيصة متى تذكر، سواء كانت النقيصة أقلّ من النصف أو لا وفاقا للمشهور» ثمّ استدلّ عليه بالإجماع و الأخبار المستفيضة، و قال:

كصحيحة ابن عمار: «فإن سعى الرجل أقل من سبعة أشواط ثمّ رجع إلى‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 14 من أبواب السعي، الحديث 1. و يقرب منه خبر ابن مسكان في نفس الباب و في سنده محمد بن سنان.

307

أهله، فعليه أن يرجع ليسعى تمامه و ليس عليه شي‌ء، و إن كان لم يعلم ما نقص فعليه أن يسعى سبعا». (1) فقوله: «أقل من سبعة أشواط» يشمل ما لا يتجاوز النصف.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ليست رواية ابن عمّار، بل هي عبارة الشيخ ذكرها عنوانا للمسألة حتّى يدرسها، ثمّ استدل عليه برواية سعيد بن يسار المتقدّمة. (2)

و لعل الّذي أوقع صاحب المستند في الاشتباه هو أنّه جاء ما ذكره في «الوافي» بصورة الرواية و قال: التهذيب: الحسين، عن فضالة و صفوان، عن ابن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فإن سعى الرجل ...- إلى قوله:- فعليه أن يسعى سبعا». (3) و لكنّك لا تجد أثرا منها في الوسائل.

و حصيلة البحث أنّ الأليين وردتا في غير مورد السهو، و الثالثة و الرابعة التي أشرنا إليها في الهامش وردتا في ما إذا سعى ستة أشواط و في السابع. و الإفتاء بها يتوقّف على إلغاء خصوصيتين: إلغاء خصوصية القطع لغير السهو، و إلغاء خصوصية السهو بعد التجاوز عن النصف.

و استدلّ على القول بالتفصيل بما يلي:

1. روى الشيخ في «التهذيب» عن أحمد بن محمد، عمّن ذكره، عن أحمد بن عمر الحلّال، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلّت، قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بالصفا و المروة و جاوزت النصف، علّمت ذلك الموضع الّذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في‌

____________

(1). المستند: 12/ 181.

(2). التهذيب: 5/ 175.

(3). الوافي: 8/ 948- 949، و ما ذكره من السند، راجع إلى رواية أخرى لمعاوية بن عمّار، أعني: إن طاف الرجل بين الصفا و المروة فجعله الفيض سندا أيضا، لعبارة الشيخ بتوهم انّه حديث ابن عمّار.

308

أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله». (1)

2. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت و بين الصفا و المروة فجاوزت النصف فعلّمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمّت بقية طوافها من الموضع الّذي علّمته، فإن هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله». (2)

يلاحظ على الاستدلال بالروايتين:

أوّلا: بضعف سندهما، فإنّ الأولى مرسلة، و الثانية ضعيفة لوقوع سلمة بن الخطاب المحكوم بالضعف في طريقه، و أمّا اشتمال السند على علي بن أبي حمزة البطائني فليس بمهم، لأنّ الراوي- أي علي بن الحسن بن فضّال- يروي عنه و عن محمد بن زياد- أي ابن أبي عمير- في عرض واحد.

و ثانيا: وجود الشذوذ في مضمونها حيث إنّ الظاهر أنّ الحيض مانع عن السعي، و المعلوم خلافه.

هذا و قد عرفت ضعف دليل كلّ من القولين، فهل المرجع- بعد ثبوت الرجوع و البناء على ما أتى بالإجماع إجمالا، و غيره- هو الأصل، أي عدم اشتراط تجاوز النصف، كما عليه صاحب الجواهر؛ أو المرجع هو الاشتغال و الشك في سقوط الأمر؟

الأقوى هو الأوّل، لأنّ المورد من قبيل الأقل و الأكثر الارتباطيين، و الثاني هو الأحوط، وجه كونه أحوط ما مرّ في باب الطواف أنّ لتجاوز النصف دورا و موضوعية للأحكام، و أحوط منه، أن يكمله أوّلا ثمّ يستأنف.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 2. و الحلّال لأنّه كان يبيع الحلّ، و هو بمعنى الشيرج، وصفه الشيخ بكونه «ثقة ردي‌ء الأصل»، و توقّف العلّامة في قبول روايته، له 12 رواية.

(2). الوسائل: 9، الباب 85 من أبواب الطواف، الحديث 1.