الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
309

الفرع الثالث: لو نقصه و علم بعد رجوعه إلى أهله

، و قد عرفت فيه التفصيل بين كون الرجوع شاقّا و عدمه.

و يمكن الاستدلال عليه بما مرّ في ترك السعي في المسألة الثامنة، فلاحظ.

الفرع الرابع: لو أتى ببعض الشوط الأوّل و سها و لم يأت بالسعي، فقد احتاط المصنّف بالاستئناف.

و لعلّ وجهه أنّ ما ورد من البناء على ما أتى إنّما ورد فيما لو أتمّ الشوط الأوّل، و ليس له إطلاق يعم ما لو سها في وسط الشوط الأوّل، إلّا ما يظهر من رواية ابن عمّار حيث يقول: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يدخل في السعي بين الصفا و المروة فيدخل وقت الصلاة، أ يخفف أو يقطع و يصلّي ثم يعود، أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ؟ قال: «لا بل يصلّي ثمّ يعود». (1) لو افترضنا أنّه في مقام البيان.

إكمال

قد تقدّم أنّه إذا شقّ عليه الرجوع يستنيب، فهل النائب يكمل ما ترك، أو يستأنف السعي؟

مقتضى القاعدة هو الأوّل، لأنّه ينوب عمّا في ذمّته، و ليس في ذمّته إلّا ما ترك من أشواط السعي لا السعي كلّه، إلّا أن يقال: إنّ النيابة في بعض أجزاء العمل على خلاف القاعدة، بخلاف النيابة في جميعه فعليه أن يأتي بالسعي كلّه، و مع ذلك فالأحوط الجمع بين الإكمال و الاستئناف.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 18 من أبواب السعي، الحديث 1.

310

[المسألة 10: لو أحلّ في عمرة التمتّع قبل تمام السعي سهوا بتخيّل الإتمام]

المسألة 10: لو أحلّ في عمرة التمتّع قبل تمام السعي سهوا بتخيّل الإتمام و جامع زوجته يجب عليه إتمام السعي، و الكفّارة بذبح بقرة على الأحوط، بل لو قصر قبل تمام السعي سهوا، (1) فالأحوط الإتمام و الكفّارة، و الأحوط إلحاق السعي في غير عمرة التمتع به فيها في الصورتين.* (1)

____________

كما أنّ الرجل إذا حاول إكمال ما ترك مباشرة فإنّما يجوز الإكمال إذا لم يخرج الشهر الحرام، و أمّا لو تذكّر النقص بعد مضي أشهر الحجّ فاللازم الإتيان بتمامه قضاء، و إلّا فلو أتمّ ما نقص يلزم تركب العمل الواحد من الأداء و القضاء، و هو كما ترى. كلّ ذلك لأجل أنّ الحجّ محدّد (بأشهر معلومات) (2) فإذا خرجت خرج وقت الأداء و حال وقت القضاء، و لو جاز الإكمال يلزم تركّب عمل مركب من أداء و قضاء، و هو أمر غريب.

(1)* في المسألة فرعان:

الّذي يتحصّل من الإمعان في كلمات الأصحاب خصوصا في كلام المحقّق في «الشرائع» أنّ في المقام فرعين فرضا في عمرة التمتّع.

الأوّل: إذا كان متمتّعا بالعمرة و ظن أنّه أتمّ (السعي) فأحلّ و خرج عن الإحرام (بالتقليم أو قصر الشعر) و واقع النساء ثم ذكر ما نقص.

الثاني: إذا كان في عمرة التمتّع و ظنّ أنّه أتمّ السعي، فقلّم أظفاره أو قصّ شعره فقط.

و الفرق بينهما، هو تجرّد التقصير في الثاني عن الوقاع دون الأوّل.

____________

(1). في بعض النسخ كالمطبوع في قم، مؤسسة النشر الإسلامي زيادة: «و فعل ذلك»، و سيوافيك أنّ الأولى عدمه.

(2). البقرة: 197.

311

نعم أضاف المصنّف فرعا ثالثا: و هو نفس الصورتين في العمرة المفردة، و سيوافيك الكلام فيها.

و بذلك يعلم أنّ ما أثبتناه من النصّ في المتن أكثر انطباقا على عبارات الأصحاب.

حيث جاء في بعض الطبعات قوله في الفرع الثاني: «و فعل ذلك» مشيرا بذلك إلى أنّه جامع زوجته في هذه الصورة أيضا، و من المعلوم أنّه يتّحد الفرعان عندئذ لبّا. غير أنّه ورد في الفرع الأوّل قوله: «أحلّ» و في الفرع الثاني: «قصّر». و لا مناص من تجريد الفرع الثاني عن الجماع.

و إليك بعض الكلمات:

1. قال المفيد: و إذا سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط و ظنّ أنّه طاف سبعة و قصر و جامع وجب عليه دم بقرة و يسعى شوطا آخر، فإن لم يجامع النساء سعى شوطا و لا شي‌ء عليه. (1)

فقوله: «فإن لم يجامع» يشير به إلى الفرع الثاني، فذهب المفيد فيه إلى عدم الكفّارة. و سيوافيك ورود الصحيحة في هذا الفرع.

2. قال الشيخ في «النهاية»: و إن كان قد واقع أهله قبل إتمامه السعي وجب عليه دم بقرة، و كذلك إن قصّر أو قلّم أظفاره كان عليه دم بقرة و إتمام ما نقص من السعي. (2)

و الفرق بين الفرعين هو اشتمال الأوّل على الجماع قبل تمام السعي (بعد الاحلال بالتقصير) و اشتمال الثاني على مجرد التقصير قبل تمام السعي. نعم ليس في الشقّ الأوّل الإحلال بالتقصير قبل الجماع، لكنّه معلوم بقرينة الشق الثاني؛

____________

(1). المقنعة: 434.

(2). النهاية: 345.

312

مضافا إلى أنّ «النهاية» فقه منصوص، و قد ورد فيه الإحلال بالتقصير قبل الجماع كما في رواية محمد بن سنان، فقد ورد فيها الإحلال بالتقليم ثمّ الوقاع، كما سيوافيك.

3. و قال في «المبسوط»: و إن واقع أهله قبل إتمام السعي فعليه دم بقرة، و كذلك إن قصّر أو قلّم أظفاره كان عليه دم بقرة. (1)

و عبارة المبسوط كالنهاية في اشتمال الفرع الأوّل على الوقاع قبل تمام السعي و الآخر على التقليم و التقصير قبل إتمامه، لكن الإحلال مقدّر.

4. و قال المحقّق: و لو كان متمتّعا بالعمرة و ظن أنّه أتمّ، فأحلّ و واقع النساء، ثمّ ذكر ما نقص كان عليه دم بقرة على رواية و يتمّ النقصان. و كذا قيل لو قلّم أظفاره أو قصّ شعره. (2) فقد أفتى في الفرع الأوّل و نسب وجوب الدم في الفرع الثاني- أعني: إذا تجرّد عن الوقاع- إلى القيل، و سيوافيك ما فيه من العجب.

5. و قال العلّامة في «التذكرة»: و لو لم يذكر حتى واقع أهله أو قصّر أو قلّم كان عليه دم بقرة و إتمام السعي. (3) و قد جاء الفرعان في كلام العلّامة في سياق واحد.

إلى غير ذلك من الكلمات.

و على كلّ تقدير فلا بدّ من دراسة مصدر الحكم و هما روايتان إحداهما صحيحة و الأخرى ضعيفة، و المهم الإمعان في مرماهما هل هو مختص بعمرة التمتّع أو هو أعمّ منها و يشمل العمرة المفردة؟ فنقول:

الأولى: صحيحة سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل متمتّع سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط، ثمّ رجع إلى منزله و هو يرى أنّه قد فرغ منه، و قلّم أظافيره و أحلّ، ثمّ ذكر أنّه سعى ستة أشواط، فقال لي: «يحفظ أنّه قد سعى‌

____________

(1). المبسوط: 1/ 362.

(2). الشرائع: 1/ 274.

(3). التذكرة: 8/ 138.

313

ستة أشواط، فإن كان يحفظ أنّه قد سعى ستة أشواط فليعد و ليتم شوطا و ليرق دما». فقلت: دم ما ذا؟ قال: «بقرة». قال: «و إن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة، فليعد فليبتدئ السعي حتّى يكمل سبعة أشواط ثمّ ليرق دم بقرة». (1) و الرواية ناظرة إلى الفرع الثاني.

و إليك فقه الحديث و نكاته:

1. انّ الرواية مختصّة بعمرة التمتّع و لا تعمّ العمرة المفردة، بشهادة أنّ السائل لا يرى بين السعي و الإحلال إلّا أمرا واحدا و هو تقليم الأظفار، و هو ينطبق على عمرة التمتع حيث بالتقليم تحل كلّ المحرمات في عمرة التمتع، و هذا بخلاف العمرة المفردة، فإنّ التقصير لا يكون سببا للإحلال التام إلّا بعد طواف النساء.

و لعل المحقّق فهم الاختصاص بعمرة التمتع فقال: و لو كان متمتعا بالعمرة و ظن انّه أتم فأحلّ، الخ كما مرّ.

فإن قلت: كيف يتصوّر أنّه أتمّ السعي مع أنّ مكانه عند سادس الأشواط، هو الصفا، و من الواضح لزوم الختم في المروة، و المفروض أنّه عالم بأنّه يجب عليه سبعة أشواط لكن اشتبه عليه الموضوع؟

قلت: ربّما تكون الظروف صعبة و لا يلتفت حتى الإنسان العالم بالحكم إلى اشتباهه و يتصوّر أنّه أكمل السعي و هو في الصفا.

2. انّ قيد التمتع وقع في السؤال دون كلام الإمام، و مثله يفقد المفهوم، لكن يوجب قصر الجواب عليه و عدم شموله لغيره.

3. و هل الحكم يختص بستة أشواط و لا يعم الخمسة و ما دونها؟ الظاهر أنّها من باب المثال و المقصود قبل إتمام السعي، و لذلك أمر في الجواب بالإتمام و قال:

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 14 من أبواب السعي، الحديث 1.

314

«فليعد و ليتمّ شوطا»، خلافا لصاحب الجواهر. (1)

4. هل لتقليم الأظافر مدخلية، فلا يعمّ تقليم الظفرين أو قصر الشعر أو هو كناية عن الإحلال بالمحلّ، قبل إكمال السعي؟

الظاهر هو الثاني، فالمقصود هو الإحلال، قبل إكمال السعي لا خصوص التقليم، و إلّا لكان ذكر الإحلال بعد التقليم لغوا حيث قال: و قلّم أظافيره و أحلّ.

5. هل الكفّارة لنقصان السعي، أو للتقصير المتحقّق في غير محلّه أو للجميع، وجوه.

6. اتّفقت كلمتهم على أنّه لا كفّارة للخاطئ إلّا في الصيد، و كيف يجب عليه التكفير للإحلال بالتقصير قبل إكمال السعي، مع أنّه خاطئ.

و الجواب: انّ الضابطة، قابلة للتخصيص و ليست من القواعد العقلية الّتي لا تخصّص.

7. إذا وجب ذبح البقرة مع عدم الجماع، فهو يدلّ على أنّه ليس للوقاع دور في وجوبه كما هو المفروض في الفرع الآخر.

8. لقد توقّف المحقّق في وجوب الكفّارة في هذا الفرع و نفاها المفيد مع وجود الصحيحة في مورده حيث نسبها إلى القيل.

الثانية: خبر محمد بن سنان، عن عبد اللّه بن مسكان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة ستة أشواط و هو يظن أنّها سبعة، فذكر بعد ما أحلّ و واقع النساء أنّه إنّما طاف ستة أشواط؟ قال: «عليه بقرة يذبحها، و يطوف شوطا آخر». (2) و الرواية ناظرة للفرع الأوّل الوارد في المتن.

____________

(1). الجواهر: 19/ 443.

(2). الوسائل: 9، الباب 14 من أبواب السعي، الحديث 2.

315

و إليك فقه الحديث:

1. لو كان الظن بمعنى ترجيح أحد الطرفين على الآخر، تكون الرواية أجنبية عن المقام، لأنّ الكفّارة عندئذ لأجل انّه أحل مع أنّه غير قاطع بإتمام السعي، و أين هذا من المقام الّذي أحل قاطعا بأنّه أتم، فتبيّن خلافه.

لكن المراد من الظن في هذه الرواية، هو نفس ما ورد من الرؤية في صحيحة سعيد بن يسار، و قد أريد بهما في الموضعين الاطمئنان الّذي تسكن إليه النفس لا الظن بمعنى مطلق الرجحان المعتبر عند الشك في عدد الركعات.

و استعمال الظن في المعنى الّذي ذكرنا أمر رائج. قال تعالى: قٰالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلٰاقُوا اللّٰهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ. (1)

2. ثم الظاهر أنّ الخبر أيضا راجع إلى عمرة التمتّع بنفس القرينة المذكورة في الصحيحة، فقد تقدّم أنّ السائل كان يرى أنّه ليس بين السعي و مسّ النساء إلّا الإحلال بالتقليم أو التقصير، و هذا لا يتصور إلّا في عمرة التمتّع، و أمّا غيرها كإحرام الحجّ أو العمرة المفردة، فيتوسط بين السعي و المسّ وراء الإحلال بالتقليم، طواف النساء و صلاته و لكن المتبادر من الرواية انّ المحقّق عنده عدم توسط شي‌ء آخر وراء الإحلال.

3. انّ الوقاع ورد في كلام السائل، دون الإمام فلا يدلّ على مدخليته في وجوب الكفّارة.

فإن قلت: إنّ مقتضى القاعدة تقييد إطلاق الصحيحة بما ورد في الرواية الثانية حتّى يكون الموضوع مركبا من أمرين: الإحلال قبل السعي و الوقاع بعد الإحلال.

____________

(1). البقرة: 249.

316

قلت: ما ذكرت انّما يتمّ لو كان القيد فيها واردا في كلام الإمام، و لكن قد عرفت انّه ورد في كلام السائل، و غاية ما يدلّ عليه، هو سكوت الإمام عن غير هذه الصورة لا نفي الحكم عنه، و لكن الصحيحة تدلّ على سعة الحكم و عدم اختصاصه بصورة الوقاع.

4. فإن قلت: كيف يجب عليه ذبح بقرة مع أنّ الواجب في الجماع عالما و عامدا بدنة، و لا شي‌ء عليه في الخاطئ؟

قلت: إنّ المقام من قبيل الخاطئ، فلأجل ذلك لا تجب عليه بدنة فإنّها للجماع عامدا، و لا مانع من أن يجب عليه أمر آخر و هو ذبح بقرة لأجل تقصيره حيث لم يمعن في عمله حتى يقف على أنّ ما بيده شوط سادس لا سابع بدليل أنّه وجد نفسه في الصفا. و قد عرفت أنّه ليس للوقاع دور في ثبوت الكفّارة، لثبوتها في المجرد عنه حسب صحيحة سعيد بن يسار. و على ذلك فلا يثبت بخبر ابن مسكان شي‌ء جديد سوى ما دلّ عليه صحيح سعيد بن يسار.

فتلخّص من ذلك: أنّ الحكم مختص بعمرة التمتّع و لا يعمّ العمرة المفردة، و الإفتاء بالفرعين الأوّلين لا مانع عنه، لوجود الصحيحة في الفرع الأوّل و عمل الأصحاب بالخبر في الفرع الثاني.

و الّذي يثير العجب، هو أنّ الأصحاب أفتوا بوجوب الكفّارة في موضوع الوقاع، مع أنّ الرواية الواردة فيه ضعيفة بمحمد بن سنان، و احتاطوا فيما ورد فيه رواية صحيحة، أعني: ما إذا تجرّد عنه.

و أمّا الفرع الثالث، أعني: إسراء الحكم إلى إحرام العمرة المفردة، فلا دليل عليه، سوى الاحتياط و احتمال الإطلاق في رواية ابن مسكان. و قد عرفت عدم صحته، لأنّ التحلل بالتقصير يختص بعمرة التمتع.

317

[المسألة 11: لو شك في عدد الأشواط بعد التقصير يمضي و يبني على الصحّة]

المسألة 11: لو شك في عدد الأشواط بعد التقصير يمضي و يبني على الصحّة.

و كذا لو شكّ في الزيادة بعد الفراغ من العمل، و لو شك في النقيصة بعد الفراغ و الانصراف ففي البناء على الصحّة إشكال، فالأحوط إتمام ما احتمل من النقص، و لو شك بعد الفراغ أو بعد كلّ شوط في صحّة ما فعل بنى على الصحّة، و كذا لو شكّ في صحّة جزء من الشوط بعد المضي.* (1)

____________

(1)* أنّ الشكّ تارة يطرأ بعد التقصير، و أخرى بعد الفراغ من السعي و الانصراف عن العمل، و ثالثة قبل الفراغ.

و على كلّ تقدير فتارة يتعلّق الشك بالنقيصة، و أخرى بالزيادة، و ثالثة بصحّة ما أتى به من الشوط أو الأشواط، فتكون الفروع تسعة و الصور ثلاثا.

و إليك دراسة الصور بفروعها.

الصورة الأولى: إذا شكّ بعد التقصير

إذا شكّ بعد التقصير سواء أ تعلّق الشك بعدد الأشواط من حيث النقيصة أو من حيث الزيادة، أو تعلّق بها من حيث الصحّة أي صحّة بعض الأشواط فلا يعتد في الجميع بهذا الشك، أخذا بقاعدة التجاوز المتّفق عليها في أبواب العبادات أو غيرها أيضا. ففي صحيح زرارة: إذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء. (1)

و في موثّقة ابن أبي يعفور: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «... إنّما الشكّ إذا كنت‌

____________

(1). الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 1.

318

في شي‌ء لم تجزه. (1) و لم يذكر المصنف من هذه الصورة إلّا الشكّ في الأعداد من حيث الزيادة و النقيصة و لم يذكر الشك في الصحّة مع أنّه يمضي في عامة الأقسام.

فإن قلت: ذكر المحقّق في «الشرائع»: «أنّ من لم يحصّل عدد سعيه أعاده». (2) و مقتضى إطلاقه هو الاعتداد بالشك على النحو الّذي ذكره حتى و لو كان بعد التقصير.

قلت: قد حمل كلام المحقّق على من شك و هو في الأثناء، نقله صاحب الجواهر عن «المهذّب» لابن فهد، و وافقه هو نفسه و قال في تفسير كلامه: «من لم يحصل عدد سعيه» بمعنى أنّه شك فيه و هو في الأثناء و لم يكن بين السبعة فما زاد. (3)

فإن قلت: إنّ المستفاد من صحيح سعيد بن يسار هو بطلان العمل في الشك في النقيصة حتّى بعد الشكّ في التقصير حيث إنّ الموضوع فيه هو الشكّ بعد ما قلّم أظافيره، فاشترط في الصحّة كونه حافظا للستة و إلّا فيستأنف حيث قال (عليه السلام): «فإن كان يحفظ انّه قد سعى ستة أشواط فليعد و ليتم شوطا و ليرق دما»، فقلت: دم ما ذا؟ قال: بقرة «و إن لم يكن حفظ انّه قد سعى ستة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل ستة أشواط». (4)

قلت: إنّ مورد قوله: «و إن لم يكن حفظ انّه قد سعى ستة» هو الجهل بمقدار ما نقص مع العلم بأصله، و الفرق بين الشقّين هو العلم بمقدار النقص في الأوّل و الجهل به في الثاني مع العلم بأصله.

____________

(1). الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(2). شرائع الإسلام: 1/ 274.

(3). الجواهر: 19/ 438.

(4). الوسائل: 9، الباب 14 من أبواب السعي، الحديث 1.

319

و أين ذلك ممّا نحن فيه من الشك في النقيصة؟! و لذلك يجب التفصيل بين ما لو شك في النقص بعد التقصير فلا يعتد بشكّه، و ما لو علم به و شكّ في مقداره.

الصورة الثانية: إذا شك بعد الفراغ عن العمل

فتارة يشك في الزيادة، و أخرى في النقيصة، و ثالثة في صحّة ما أتى به من الأشواط، أو شوط واحد، و قد ذكر في المتن الأقسام الثلاثة من الشك في الزيادة و النقيصة و الصحّة و فصّل و قال بعدم الاعتداد بالشكّ في موردين:

أ. إذا شكّ في الزيادة.

ب. إذا شكّ في صحّة الجزء المأتي به.

و استشكل فيما لو شكّ في النقيصة.

أمّا الزيادة فكما لو شكّ- بعد الفراغ- بين السبعة و التسعة، فلا يعتدّ بالشك و يبني على الصحّة لأمرين:

1. أصالة عدم الزيادة.

2. و عدم إفساد الزيادة السهوية، فإنّ الزيادة- على فرض ثبوتها- فإنّما تحقّقت سهوا، و هي غير مخلّة.

و أمّا الشكّ في صحّة ما فعل أو الشكّ في صحّة جزء من أحد الأشواط فتجري فيه قاعدة التجاوز، و ذلك للعلم بوجود الموضوع في محلّه و موضعه- أعني:

سبعة أشواط- غاية الأمر يشكّ في وصفه من الصحّة و الفساد، و بما أنّ الميزان في جريان القاعدة في حديث زرارة هو الخروج من الشي‌ء و في موثّق ابن أبي يعفور هو التجاوز يصدق كلّ من العنوانين على هذا الشك فقد خرج و تجاوز عنه بإتمام السعي.

هذا كلّه في شقّيّ الصورة الثانية، أي الشكّ في الزيادة أو الصحّة بعد‌

320

الفراغ عن العمل، إنّما الكلام في ما إذا شك في النقيصة و قد فرغ و انصرف، فقد استشكل المصنّف في جريان قاعدة التجاوز.

و ربما يقال في وجهه: إنّ الشرط في جريان القاعدة هو المضي إمّا حقيقة، و إمّا حكما.

أمّا الأوّل فكما إذا شكّ في عدد الركعات و قد خرج عن الصلاة و اشتغل بغيرها.

و أمّا الثاني فكما إذا شكّ في القراءة بعد الدخول في السورة فإنّ المضي الحقيقي غير حاصل، لأنّ التدارك ممكن لعدم الدخول في الركوع.

و أمّا المقام فلا يصدق عليه المضي، لا الحقيقي و لا الحكمي، لأنّه لو خرج من المسعى (بعد الفراغ) و لم يحرز الشوط السابع فهو بعد لم يتجاوز و لم يتحقّق الفراغ، بل هو في الأثناء (1) فلا بدّ من الاعتناء به. (2)

و بعبارة أخرى: انّ مصبّ القاعدة فيما إذا تعلّق الشكّ بأمر سابق لا بأمر بالفعل، فلذلك لا تجري القاعدة فيما إذا شكّ في طهارة اللباس و البدن و الستر و هو في الصلاة، أو شكّ في دخول الوقت و هو فيها، لأنّ الشكّ راجع إلى الأمر بالفعل لا إلى الأمر الماضي، و مثله المقام حيث لم يعلم تحقّق الفراغ لافتراض أنّه يصحّ إتمام السعي بالإتيان بالنقيصة لو كان ناقصا في الواقع.

يلاحظ عليه: أنّ الميزان في جريان القاعدة و عدمها ليس إمكان التدارك و عدمه، فلو أمكن التدارك فلا تجري و إلّا فتجري بشهادة انّه تجري القاعدة إذا شكّ في القراءة و هو في السورة، و لذلك التجأ في إدخاله تحت القاعدة، بتقسيم المضيّ إلى قسمين: حقيقي و حكمي، بل الميزان حسب ما فهمناه من صحيحة‌

____________

(1). الأولى أن يقول: بل من المحتمل أنّه في الأثناء.

(2). المعتمد: 5/ 97- 98.

321

[المسألة 12: لو شكّ و هو في المروة بين السبع و الزيادة]

المسألة 12: لو شكّ و هو في المروة بين السبع و الزيادة كالتسع مثلا بنى على الصحّة، و لو شكّ في أثناء الشوط أنّه السبع أو الست مثلا بطل سعيه، و كذا في أشباهه من احتمال النقيصة، و كذا لو شكّ في أنّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدور.* (1)

____________

زرارة أو موثّقة ابن أبي يعفور هو الخروج و التجاوز العرفيّان، و المفروض أنّه يصدق عليه أنّه خرج عن العمل و تجاوز عنه، و إمكان التدارك بإتيان ما يحتمل نقصه لا ينافي صدق هذين العنوانين: الخروج و التجاوز عنه، و إلّا لزم عدم جريانه فيما إذا شك في صحّة الشوط الأخير بعد الإذعان بوجوده لإمكان التدارك بإعادة الشوط.

الصورة الثالثة: إذا شكّ قبل الفراغ إذا شكّ في الزيادة و النقيصة و هو في المسعى و هذا ما ذكره المصنف في المسألة الثانية.

(1)* في المسألة فروع:

و حاصل الفروع أنّ الشكّ تارة يتلخّص في الزيادة، و أخرى في النقيصة، و ثالثة يدور بين النقيصة و الزيادة، و هذه الأمور متجلّية في الفروع الثلاثة التالية:

1. لو شكّ و هو في المروة بين السبع و التسع.

2. لو شك في أثناء الشوط بين السبع و الخمس.

3. لو شك أنّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدور.

الفرع الأوّل: لو شكّ و هو في المروة بين السبع و التسع

إذا كان الشكّ يتلخّص في الزيادة فقط و لا يكون هناك أي شكّ في النقيصة. مثلا إذا كان في المروة و شكّ بين السبع و التسع، أو السبع و الحادي عشر‌

322

و هكذا، يبني على الصحّة.

لما مرّ من أنّ السعي ركن، و معناه بطلان العمل بتركه أو نقصانه عمدا دون زيادته سهوا، فالزيادة المحتملة- على فرض تحقّقها- غير مخلّة.

و يمكن الاستئناس أيضا بما ورد في مورد الطواف بصحيح الحلبي الوارد فيمن شك في طواف البيت بين السبعة و الثمانية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة أم ثمانية؟ فقال: «أمّا السبعة فقد استيقن، و إنّما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين». (1)

و إنّما قلنا: «يستأنس»، لأنّ مورده الشكّ في زيادة الطواف لا السعي، لكنّ التعليل يصلح للاستدلال به في غيره و هو أنّه يأخذ بالمتيقّن و يطرح المشكوك.

و لو قصرت اليد عن الدليل الاجتهادي، فالمرجع هو الأصل الموضوع الّذي عرفت، و هو أصالة عدم الزيادة- كما مرّ-.

الفرع الثاني: لو شكّ في أثناء الشوط بين السبع و الخمس

إذا كان شكّه يتلخّص في النقيصة مع العلم بعدم الزيادة، كما إذا شكّ في أثناء الشوط و دار أمره بين السبع و الخمس. (2) فمقتضى القاعدة هو البناء على الأقل أخذا بأصالة عدم الإتيان، ثمّ العمل بما يتيقّن معه بالبراءة، و لو صار البناء‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 35 من أبواب الطواف، الحديث 1.

(2). و أمّا ما مثل به في المتن من تردد الشوط بين السبع و الست، فهو بعيد، لأنّه إن شك و هو في طريقه إلى المروة فهو محتمل السبع لا غير، و لو شكّ و هو في طريقه إلى الصفا، فهو محتمل الست دون السبع، لأنّ الشوط عند الذهاب إلى المروة مقطوع الفردية و عند الإياب إلى الصفا مقطوع الزوجية فكيف يتصور أن يكون الشوط الواحد مرددا بين السبع و الست. و بعبارة أخرى: لو كان ذاهبا إلى المروة فهو ليس بمحتمل الست و لو كان راجعا إلى الصفا فهو ليس بمحتمل السبع، فلاحظ.

323

على الأقل سببا للزيادة، في الواقع فيما انّها غير عمدية لا تخل بصحّة السعي، بل يمكن له أن يأتي بالمشكوك رجاء بأن يكون جزءا للسعي لو كان ناقصا، و لا كذلك إذا كان تاما.

هذا هو مقتضى القاعدة.

و لكن ربّما يقال: مقتضى القاعدة الثانوية هو البطلان بوجوه:

1. ما رواه عبد اللّه بن محمد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فإذا زدت عليها فعليك الإعادة و كذا السعي». (1)

مستدلا بأنّ المتبادر من تنزيل السعي منزلة الصلاة، أنّه يبطل السعي، بالشك، فيما تبطل الصلاة به، فلو شكّ في أنّه الشوط الأوّل أو الثاني، أو الثاني أو الثالث، قبل أن يتم يحكم عليه بالبطلان كما هو الحال في الركعتين الأوليين في الصلاة.

يلاحظ عليه: مضافا إلى أنّه يتم إذا شك في الشوطين الأوّل و الثاني حتّى يكون حكم الشكّ فيهما، حكم الشك في الركعتين الأولتين، انّ وجه الشبه، إبطال الزيادة العمدية فقط، لا الشكّ بين الأوّلين أو الثاني و الثالث. و يشهد على ذلك قوله: «إذا زدت عليه مثل الصلاة». فهو ظاهر في أنّ وجه التنزيل، هو إبطال الزيادة العمدية.

2. ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل لم يدر ستة طاف أو سبعة قال: «يستقبل». (2)

يلاحظ عليه: بأنّ مورد الشك في عدد الطواف بالبيت، فعطف السعي على الطواف، أشبه بالقياس. و الفرق بين هذه الرواية و ما سبق في الفرع الأوّل واضح، و هو وجود الضابطة في الأولى، أعني قوله: «أمّا السبعة فقد استيقن» دون هذه.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 12 من أبواب السعي، الحديث 2.

(2). الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 9.

324

3. ما دلّ عليه صحيح سعيد بن يسار من لزوم حفظ أعداد الأشواط حيث قال: «و إن لم يكن حفظ أنّه قد سعى ستة، فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط». (1)

و ذكر الستة لأجل وروده في كلام السائل حيث قال: رجل متمتع سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط الخ. و لا يحتمل أن يكون الحكم مختصا بها. و لعلّ المصنّف اعتمادا على هذه الصحيحة قال في المتن: و لو شك في أثناء الشوط أنّه السبع أو الست مثلا بطل سعيه، و كذا في أشباهه من احتمال النقيصة.

نعم لو شكّ بين السبعة و الخمسة و هو في نهاية الشوط كالمروة، فمقتضى القاعدة البناء على الأقلّ و الإتيان بالمشكوك رجاء و لا تشمله الصحيحة، لأنّ مورده فيما إذا علم بالنقيصة، كما إذا كان أثناء الشوط لا ما إذا احتمل و هو في نهاية الشوط حيث يحتمل انّه سعى سبعة أشواط، لا أنّه يعلم. و كان عليه (قدّس سرّه) التعرض لهذا الفرع أيضا.

الفرع الثالث: لو شكّ أنّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدور

إذا كان شكّه يدور بين الزيادة و النقيصة، كما إذا شكّ أنّ ما بيده سبع أو أكثر، فمقتضى القاعدة الأوّلية هو إكماله سبعا، أخذا بأصالة عدم الإتيان به، لكن مقتضى صحيح سعيد بن يسار هو البطلان إذا شك و هو في وسط الشوط بين السبع و الأكثر حيث إنّ النقص قطعي بخلاف ما إذا شكّ و هو في نهاية الشوط فالأقوى الصحة، و منه يظهر انّ المصنّف تعرض في الفرعين الثاني و الثالث لأحد الشقين، أعني: إذا شكّ و هو في أثناء الشوط دون الآخرين، أعني: إذا شكّ‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 14 من أبواب السعي، الحديث 1.

325

[المسألة 13: لو شكّ بعد التقصير في إتيان السعي بنى على الإتيان]

المسألة 13: لو شكّ بعد التقصير في إتيان السعي بنى على الإتيان، و لو شكّ بعد اليوم الّذي أتى بالطواف في إتيان السعي لا يبعد البناء عليه أيضا، لكن الأحوط الإتيان به إن شك قبل التقصير.* (1)

____________

و هو في نهاية الشوط، فلاحظ.

(1)* في المسألة فرعان:

1. لو شكّ بعد التقصير في إتيان السعي بنى على الإتيان.

2. لو شكّ- بعد اليوم الّذي أتى فيه بالطواف- في إتيان السعي.

أمّا الفرع الأوّل: فيبنى على الإتيان، لأنّه من قبيل الشكّ بعد التجاوز عنه، و قد عرفت أنّ الموضوع للقاعدة، الخروج عن الشي‌ء و التجاوز عنه، سواء أمكن التدارك أم لا.

أمّا الفرع الثاني: فالبناء على الصحة و عدمه، مبنيّ على جواز تأخير السعي، إلى ما بعد اليوم الّذي طاف فيه أولا.

فعلى الأوّل يكون الشكّ في شي‌ء لم يتجاوز عنه أو عن محلّه، و أمّا لو قلنا بخروجه بانقضاء الليل، و طلوع فجر الغد، فقد تجاوز المحرم عن محلّ السعي و خرج عنه فيبني على الصحّة، و هذا كما إذا شك في الإتيان بالصلاة بعد خروج الوقت. كلّ ذلك إذا لم يحتمل أن يكون التأخير لعذر، إذ معه يكون غير متجاوز عن محله يلزم عليه السعي.

تمّ الكلام في السعي و الحمد للّه ربّ العالمين‌

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

الفصل السابع عشر القول في التقصير

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

القول في التقصير

[المسألة 1: يجب بعد السعي التقصير]

المسألة 1: يجب بعد السعي التقصير، أي قصّ مقدار من الظفر أو شعر الرأس أو الشارب أو اللحية، و الأولى الأحوط عدم الاكتفاء بقصّ الظفر، و لا يكفي حلق الرأس فضلا عن اللحية.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. وجوب التقصير في العمرة.

2. كيفية التقصير.

3. عدم كفاية الحلق عن التقصير في العمرة.

الفرع الأوّل: التقصير من أعمال العمرة

و اعلم أنّ التقصير آخر أعمال العمرة المتمتّع بها، فإذا قصّر يحلّ له كلّ المحظورات حتى النساء، و على هذا فأعمال العمرة تتلخّص في الأمور الخمسة التالية: «الإحرام، الطواف، و ركعتاه، و السعي، و التقصير» و اتّفق الفقهاء- إلّا الشافعي في أحد قوليه- أنّ التقصير نسك في العمرة. ذهب إليه علماؤنا أجمع. (1)

و قال العلّامة في «التذكرة»: التقصير نسك في العمرة، فلا يقع الإحلال إلّا به أو بالحلق عند علمائنا أجمع. و به قال مالك و أبو حنيفة و أحمد و الشافعي في أحد القولين- إلى أن قال:- و قال الشافعي في الآخر: إنّه إطلاق محظور بأنّ كلّ ما كان‌

____________

(1). المنتهى: 10/ 434.

330

محرما في الإحرام فإذا جاز له، كان إطلاق محظور. (1)

و يدلّ عليه الروايات البيانية للحج.

روى السنّة عن ابن عمر قال: تمتّع الناس مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بالعمرة إلى الحجّ، فلمّا قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم مكة قال للناس: «من كان معه هدي فإنّه لا يحلّ من شي‌ء أحرم منه حتى يقضي حجّته، و من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت و بالصفا و المروة و ليقصر و ليحلل». (2)

و من طرقنا على ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل اللّه عليه وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ ... (3)-

إلى أن قال:- حتى فرغ من سعيه ثمّ أتى جبرئيل و هو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلّوا إلّا سائق هدي. (4)

و الروايات البيانية لحجّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم متوفّرة في هذا الباب.

و قد جاء عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) روايات نقتصر على ذكر التالي منها:

صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا فرغت من سعيك و أنت متمتّع فقصّر من شعرك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك، و قلّم من أظفارك و أبق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شي‌ء يحلّ منه المحرم و أحرمت منه، فطف بالبيت تطوّعا ما شئت». (5)

____________

(1). التذكرة: 8/ 146؛ الخلاف: 2/ 330، برقم 144. قوله: إطلاق محظور أي مبيح له. و إلّا فأعمال العمرة هي الأربعة الأولى.

(2). صحيح مسلم: 2/ 901 برقم 1227؛ سنن أبي داود: 2/ 160 برقم 1805؛ سنن النسائي:

5/ 151.

(3). الحج: 27.

(4). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 4.

(5). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 4. و في السند إبراهيم بن أبي سماك، قال المحقق التستري في قاموسه: (1/ 144): إنّه متّحد مع إبراهيم بن أبي بكر بن أبي سماك الثقة. و تردّد فيه في «معجم رجال الحديث» لاختلافهما في الراوي و المرويّ عنهما.

331

إلى غير ذلك من الروايات الّتي تتكفل لبيان كيفيته.

الفرع الثاني: كيفية التقصير

المشهور كفاية التقصير من الشعر أو الظفر، لكن نسب إلى الشيخ في «النهاية» و العلّامة في «التحرير» إلى لزوم كونه من الشعر و عدم كفاية قصّ الظفر، و لكن كلامهما فيهما على خلاف ما نسب.

قال الشيخ: و أدنى التقصير أن يقصّ أظفاره و يجزّ شيئا من شعر رأسه و إن كان يسيرا. (1)

و ظاهر هذا الكلام عدم كفاية كلّ من قص الأظفار و جزّ الشعر و لزوم الجمع بينهما؛ و لعلّه محمول على الاستحباب. و أين هو من عدم كفاية خصوص قصّ الظفر؟!

و قال العلّامة: لو قصّر الشعر بأيّ شي‌ء كان أجزأه، و كذا لو نتفه و أزاله بالنورة ... ثمّ قال: و كذا لو قصّر من أظفاره، أو أخذ من شاربه أو حاجبه أو لحيته. (2) و العبارة صريحة في كفاية قصّ الظفر.

و أمّا الروايات فعلى أصناف:

الأوّل: ما يدلّ على الجمع بين الأمور الأربعة

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث السعي قال: «ثمّ قصّر من رأسك من جوانبه، و لحيتك، و خذ من شاربك و قلّم أظفارك ...». (3)

____________

(1). النهاية: 246.

(2). تحرير الأحكام: 1/ 598.

(3). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 1.

332

الثاني: الجمع بين الأمرين

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن متمتع قرض أظفاره و أخذ من شعره بمشقص (1)؟ قال: «لا بأس، ليس كلّ أحد يجد جلما (2)». (3)

الثالث: تقصير الشعر

روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «طواف المتمتّع أن يطوف بالكعبة، و يسعى بين الصفا و المروة، و يقصّر من شعره ...». (4)

و روى الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك، إنّي لمّا قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي و لم أقصرّ، قال: «عليك بدنة»، قال: قلت: إنّي لمّا أردت ذلك منها و لم تكن قصّرت امتنعت، فلمّا غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها، فقال: «رحمها اللّه، كانت أفقه منك، عليك بدنة و ليس عليها شي‌ء». (5)

و مقتضى الجمع بين هذه الأصناف هو كفاية كلّ واحد منها، و الأفضل الجمع بين الأمور الأربعة ثمّ قص الشعر و الظفر، ثمّ قص الشعر وحده. نعم أفتى المصنّف بعدم كفاية قص الظفر وحده لعدم وروده في النصوص، فالأحوط أن لا يكتفي بقصّ الظفر حتى الأظافير، و قد عرفت تنصيص العلّامة بكفايته.

و أمّا من حيث الآلة فلا يشترط في التقصير أن يكون بالمقراض و لا بالحديد، بل يكفي القطع و لو بالسن و الظفر ففي رواية محمد الحلبي: فقرضت منها‌

____________

(1). المشقص: نصل عريض أو سهم فيه نصل عريض (المنجد: مادة شقص).

(2). الجلم: المقص.

(3). الوسائل: 9، الباب 2 من أبواب التقصير، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 2.

(5). الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب التقصير، الحديث 2.

333

بأسنانها و قرضت بأظافيرها، هل عليها شي‌ء؟ قال: لا، ليس كلّ أحد يجد المقاريض. و في كفاية النتف بمعنى النزع تأمل بعدم صدق التقصير عليه و ما في الجواهر (1) من كفايته غير ثابت. و لو قيل: إنّ المقصود هي الإزالة بأية كيفية تحقّقت و من جملتها النتف، فهو أوّل الكلام، إذ من أين علم أنّ الملاك هو الإزالة؟!

و أمّا من حيث العدد فهو موكول إلى العرف، فإذا صدق أنّه قصر شعره أو أظفاره يكفي.

قال العلّامة في «المنتهى»: و أدنى التقصير أن يقصّر شيئا من شعر رأسه و لو كان يسيرا، و أقلّه ثلاث شعرات؛ لأنّ الامتثال يحصل به، فيكون مجزئا. (2)

ففي مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تقصّر المرأة من شعرها لعمرتها مقدار الأنملة». (3)

الفرع الثالث: تعيّن التقصير

المشهور عند أصحابنا أنّه يتعيّن التقصير في إحلال عمرة التمتّع و لا يجزي عنه حلق الرأس، بل يحرم الحلق عليه، و إذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة.

نعم ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى التخيير بين الأمرين، قال: أفعال العمرة خمسة؛ ... إلى أن قال: و التقصير و إن حلق جاز، و التقصير أفضل، و بعد الحجّ الحلق أفضل. (4)

____________

(1). الجواهر: 20/ 451.

(2). منتهى المطلب: 11/ 443.

(3). الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب التقصير، الحديث 3.

(4). الخلاف: 2/ 330، المسألة 143.

334

و لكنّه منع في غير «الخلاف» من الحلق و أوجب به دم شاة مع العمد. (1)

و قال العلّامة في «التذكرة» و قال أحمد: التقصير أفضل، كما رواه العامّة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر لمّا وصف حج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و قال لأصحابه:

حلّوا من إحرامكم بطواف بين الصفا و المروة و قصّروا. (2)

و اختار العلّامة: أنّه لو حلق في إحرام العمرة أجزأه. (3)

و ذهب صاحب الحدائق إلى جواز الحلق و خصّ الجواز بصورة حلق بعض الرأس لا تمامه. (4)

يلاحظ عليه: أنّ عنوان التقصير غير عنوان الحلق، فكيف يكفي أحدهما عن الآخر. و الظاهر تعيّن التقصير لظهور الروايات في تعيّنه. و في صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «و ليس في المتعة إلّا التقصير». (5) و ليس على التخير دليل، كما أنّه ليس على اجتزائه على فرض كونه حراما عن التقصير دليل.

لأنّه إذا كان الحلق حراما- كما سيوافيك- فكيف يجزي الحرام عن الواجب القربي، إذ لا يتمكن من قصد القربة؟!

فإذا لا يكفي حلق الرأس فضلا عن حلق اللحية.

في حرمة الحلق

ثمّ الظاهر أنّ الحلق حرام، قال المحقّق: و لا يجوز حلق الرأس، و لو حلقه‌

____________

(1). النهاية: 246؛ المبسوط: 1/ 336.

(2). التذكرة: 8/ 149.

(3). تحرير الأحكام: 1/ 598.

(4). الحدائق: 16/ 301؛ الدروس: 1/ 415 قال: و لو حلق بعض جوانبه أجزأ عن التقصير.

(5). الوسائل: 10، الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث 8.

335

[المسألة 2: التقصير عبادة تجب فيه النيّة بشرائطها]

المسألة 2: التقصير عبادة تجب فيه النيّة بشرائطها، فلو أخلّ بها بطل إحرامه، إلّا مع الجبران.* (1)

____________

لزمه دم. (1)

و قال في «المدارك»: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و يدلّ عليه ما رواه في «التهذيب» (2) عن المتمتّع أراد أن يقصّر فحلق رأسه؟ قال: «عليه دم». (3)

نعم سند هذه الرواية ضعيف بمحمد بن سنان، و استشكل في المستند في حرمة الحلق حتى على فرض صحّة السند بأنّه لا يثبت الحرمة، لجواز ترتب الدم على فعل مباح أو ترك مستحب. (4)

يلاحظ عليه: بما مرّ مرارا بأنّ ترتّب الكفّارة دليل على حرمة العمل، إلّا إذا رخّص الشارع في العمل، كما في إفطار الشيخ و الشيخة.

بل يمكن أن يقال بوجوب الكفّارة لحرمة الحلق على المحرم، حيث مر أنّه من المحظورات الإحرامية، سواء أصحّ سند الحديث أو لا.

(1)* في المسألة فرعان:

1. يشترط في صحّة التقصير؛ النيّة مشتملة على التعيين و القربة.

2. لو أخلّ بالنيّة بطل إحرامه إلّا إذا اتّسع الوقت و أعاد التقصير مع النيّة.

و إليك دراسة الفرعين واحدا تلو الآخر:

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 302.

(2). التهذيب: 5/ 158 برقم 525؛ الوسائل: 9، الباب 4 من أبواب التقصير، الحديث 3.

(3). المدارك: 8/ 461.

(4). المستند: 12/ 194.

336

الفرع الأوّل: اشتراط النيّة في صحّة التقصير

يشترط في صحّة التقصير أمور:

1. صدور التقصير عن وعي و التفات، فلو قصّر غافلا فلا يكفي.

2. الإتيان به بما أنّه جزء عمرة التمتّع أو الحجّ أو العمرة المفردة، لا لغرض آخر و لا يكفي قصد عنوان التقصير، لأنّه أمر مشترك بين كونه جزءا من أعمال الحج أو غيره.

3. القربة و الإتيان به للّه أو لامتثال أمره الذي هو روح العبادة.

و هاهنا نكتة يجب الالتفات إليها، و هو أنّ وصف التقصير بالعبادة لا يخلو من تسامح، فإنّ الأعمال الّتي يتقرّب بها العبد إلى اللّه تعالى على قسمين:

عمل قربيّ، و عمل عباديّ.

فالزكاة و الخمس من الأعمال القربية، و الصلاة و قسم من أعمال الحج أعمال عبادية، و التقصير من القربيات، أي يتقرّب بها الإنسان إلى اللّه تبارك و تعالى، و هذه النكتة ممّا نبّه عليها سيدنا الأستاذ المصنّف في بحوثه الأصولية عند البحث في تعبدية الأوامر و توصليّتها، و عليه كان الأولى أن يقول: التقصير عمل قربي.

الفرع الثاني: إذا أخلّ بالنية بطل إحرامه

إذا أخلّ بالنية بطل إحرامه، و ذلك لأنّ التقصير عمل قربي لا توصّلي، فالإخلال بالنية بنحو من الأنحاء، كالإتيان به بلا عزم و إرادة، أو مع العزم و الإرادة بلا تعيين عنوانه، أو مع تعيينه لكن لا للّه تبارك و تعالى، بل للرياء و السمعة يوجب بطلان تقصيره، ثمّ إنّ المصنّف فرّع على من أخلّ بالنية بقوله: «بطل‌

337

إحرامه إلّا مع الجبران» و هو بظاهره غير واضح، لأنّ الإخلال بالنية بأحد الوجوه الثلاثة يوجب بطلان الجزء، و بقاؤه في الإحرام لا بطلان إحرامه، و لذلك قال بالصحّة مع الجبران، و مراده بالجبران إعادة التقصير بشرائطه، و لو قال مكانه:

«لو أخلّ بقي على إحرامه»، لكان واضحا. و الظاهر أنّ مراده هو بطلان إحرام العمرة إذا لم يجبر إلى أن ضاق الوقت فأهلّ بالحج، و عند ذلك يبطل إحرام عمرته. توضيحه:

1. انّه إذا كان الوقت متّسعا للتقصير فأخلّ بالنية لكن قصّر ثانيا مع النية بشرائطها، تصحّ عمرته و له الإهلال بالحجّ، و إليه أشار الماتن بقوله: إلّا مع الجبران، أي جبران ما فات من التقصير الصحيح.

2. إذا أخلّ بالنيّة و لم يجبر و ضاق الوقت صارت حاله حال من ضاق وقته لعمرة التمتّع أو من فاجأها الحيض، فعندئذ يتعيّن عليها الإحرام بالحج- كما سيوافيك في المسألة القادمة- و عندئذ فلو أحرم للحج يبطل إحرام عمرته السابقة، و إليه أشار المصنّف بقوله: فلو أخلّ بها بطل إحرامه، أي أخلّ بها [و أحرم للحج]. كما سيوافيك نظيره (ترك التقصير بتاتا) من المصنّف في المسألة التالية.

نعم لو بقيت على حالته السابقة دون أن يحرم للحج، حتى مضى وقت إحرام الحجّ فهو يتحلّل بعمرة مفردة، إذ يكون حكمه، حكم من أحرم لعمرة التمتّع، و عجز عن العمل.

قال المحقّق: من فاته الحج، تحلّل بعمرة مفردة. (1)

____________

(1). الشرائع: 1/ 257.

338

[المسألة 3: لو ترك التقصير عمدا و أحرم بالحج بطلت عمرته]

المسألة 3: لو ترك التقصير عمدا و أحرم بالحج بطلت عمرته، و الظاهر صيرورة حجّه إفرادا، و الأحوط بعد إتمام حجّه أن يأتي بعمرة مفردة و حجّ من قابل، و لو نسى التقصير إلى أن أحرم بالحجّ صحّت عمرته، و يستحب الفدية بشاة، بل هي أحوط.* (1)

____________

(1)* في المسألة فرعان:

1. لو ترك التقصير عمدا و أحرم بالحجّ.

2. لو نسي التقصير إلى أن أحرم بالحجّ.

و إليك دراسة الفرعين واحدا بعد الآخر.

الفرع الأوّل: لو ترك التقصير عمدا و أحرم بالحجّ

لو ترك التقصير عمدا و أحرم بالحج بينه و بين ما مرّ في الفرع السابق، هو ترك التقصير في المقام بتاتا، و إتيانه مع الإخلال بالنيّة سابقا، و بما أنّ الإخلال بها يجعل التقصير كلا شي‌ء يتّحد الفرعان في الحكم، ففي المسألة قولان:

الأوّل: بطلت عمرته، و انقلب حجّه إفرادا و يأتي بعده بعمرة مفردة، فمن قائل بوجوب الحجّ عليه من قابل كالمصنّف، و من قائل آخر بعدم القضاء عليه كما هو ظاهر الروايات، و إليك بعض الكلمات:

قال الشيخ في «المبسوط»: فإن تركه متعمّدا فقد بطلت متعته، و صارت حجّته مفردة. (1)

و قال ابن سعيد: فإن أهلّ المتمتع بالحجّ قبل أن يقصّر عمدا بطلت متعته و صارت حجّة مفردة و لم تجزئه، و إن فعله سهوا فلا شي‌ء عليه، و يمضي في حجّه‌

____________

(1). المبسوط: 1/ 363.

339

و لم تبطل متعته. (1)

و قال العلّامة في «منتهى المطلب»: و لو أخلّ بالتقصير عامدا حتى أهلّ بالحجّ بطلت عمرته و كانت حجّته مفردة. (2)

و قال الشهيد في «الدروس»: لا يجوز إدخال الحجّ على العمرة إلّا في حقّ من تعذّر عليه إتمام العمرة، فإنّه يعدل إلى الحجّ. و لو أحرم بالحجّ قبل التحلّل من العمرة فهو فاسد إن تعمّد ذلك، إلّا أن يكون بعد السعي [عن سهو] و قبل التقصير، فإنّه يصحّ في المشهور و تصير الحجّة مفردة و الأقرب أنّها لا تجزئ. (3)

و على هذا يجب عليه أمور ثلاثة وجوبا أو احتياطا:

1. العدول إلى حجّ الإفراد.

2. الإتيان بالعمرة المفردة بعد الحجّ.

3. القضاء من قابل.

الثاني: يبقى على إحرامه السابق، و هذا هو الّذي اختاره ابن إدريس في «السرائر» قال بعد نقل قول المشهور: «بطلت متعته و صارت حجّته مفردة» و الّذي تقتضيه الأدلّة و أصول المذهب انّه لا ينعقد إحرامه بحج، لأنّه بعد في عمرته لم يتحلّل منها، و قد أجمعنا على أنّه لا يجوز إدخال الحجّ على العمرة، و لا إدخال العمرة على الحجّ قبل فراغ مناسكهما. (4)

يدلّ على قول المشهور الروايتان التاليتان:

1. خبر محمد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، قال: سألته عن رجل متمتّع طاف ثمّ أهلّ بالحجّ قبل أن يقصّر؟ قال: «بطلت متعته هي حجّة‌

____________

(1). الجامع للشرائع: 179.

(2). منتهى المطلب: 10/ 435.

(3). الدروس: 1/ 333.

(4). السرائر: 1/ 581.

340

مبتولة». (1)

2. موثّقة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المتمتّع إذا طاف و سعى ثمّ لبّى بالحجّ قبل أن يقصّر، فليس له أن يقصّر، و ليس له متعة». (2) كذا في نسخة التهذيب. (3)

و إطلاق الروايتين و إن كان يعمّ من بنى بالحجّ سهوا و نسيانا لكن يقيّد بما دلّ على صحّة من أحرم به نسيانا. كما سيوافيك في الفرع الثاني.

و اعترض على الاستدلال بالمناقشة في السند تارة و المضمون أخرى.

أمّا الأوّل فلضعف الروايتين؛ الأولى بمحمد بن سنان، و الثانية بإسحاق بن عمّار في سندها.

يلاحظ عليه: أنّ الأولى ضعيفة كما أفاد دون الثانية، فإنّ إسحاق بن عمّار فطحي ثقة، و لذا وصفنا الرواية بالموثّقة، و قد عمل الأصحاب بروايته في عامّة الأبواب، و يبلغ عدد رواياته في الكتب الأربعة حدود 989 رواية، و لو افترضنا أنّ المراد به هو إسحاق بن عمّار بن حيان، فهو أيضا ثقة.

أمّا الثاني فلأنّ مفاد الروايتين هو بطلان المتعة لا انقلاب الإحرام إلى الإفراد. (4)

يلاحظ عليه: أنّ في الروايتين دلالتين واضحتين على صحّة الإحرام الثاني و انقلابه إلى الحجّ المفرد دون التمتع و دون القران:

الأولى: قوله: «هي حجّة مبتولة» أي حجّة مقطوعة عن العمرة السابقة، أي حجّة صحيحة لا صلة لها بما سبق لأجل أنّه أهلّ بالحجّ قبل إكمال العمرة‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 54 من أبواب الإحرام، الحديث 4.

(2). الوسائل: 9، الباب 54 من أبواب الإحرام، الحديث 5.

(3). التهذيب: 5/ 183 برقم 529، لكن في نسخة الوسائل المطبوع بطهران: «و ليس عليه متعة».

(4). المدارك: 7/ 281- 282.

341

و بذلك انقطعت عن سابقتها.

الثانية: قوله: «فليس له أن يقصر» أي ليس له بعد إحرامه بالحج أن يقصّر، لأنّ التقصير من محظورات الإحرام فلولا صحّة إحرامه الثاني لما كان لحرمة التقصير وجه.

و الحاصل: أنّ دلالة الروايتين على صحّة الإحرام الثاني و انقلابه عمّا سبق إلى أمر آخر واضح؛ و أمّا ما هو المنقلب إليه فليس المتعة لافتراض أنّه مبتولة عن العمرة، و لا القران، لعدم وجود الإشعار و التقليد في إحرامه، فيتعيّن أن يكون المنقلب إليه حجّ إفراد.

نعم أشكل عليه في «الدروس» بأمور عقلية لا يعتدّ بها في مقابل النص، و قال:

1. و يشكل بالنهي عن الإحرام.

2. و بوقوع خلاف ما نواه إن أدخل حجّ التمتع.

3. و عدم صلاحية الزمان إن أدخل غيره، فالبطلان أنسب. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره قواعد شرعية قابلة للتخصيص و ليست قواعد عقلية الّتي لا تخصّص.

نعم حمل الشهيد الروايتين على متمتّع عدل إلى الإفراد ثمّ لبّى بعد السعي، لأنّه روى التصريح بذلك في رواية أخرى. (2)

يلاحظ عليه: أنّ الحمل المذكور على خلاف الظاهر، و ورود الرواية بما حمل عليه لا يكون دليلا على حمل الروايتين عليه.

بقي الكلام في وجوب أمرين آخرين أشار إليهما المصنّف في المتن:

____________

(1). الدروس: 1/ 333.

(2). لاحظ: وسائل الشيعة: 8، الباب 5 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4.

342

الأوّل: وجوب العمرة المفردة بعد الحجّ.

الثاني: وجوب الحجّ من قابل.

أمّا الأوّل: فهو على وفق القاعدة، لأنّ حجّ الإفراد مؤلّف من حج و عمرة، فإذا أتى بالحجّ بقي عليه العمرة المفردة، و المفروض أنّ العمرة السابقة بطلت و هي مبتولة في الحجّ.

و أمّا الثاني: وجوب الحجّ من قابل فقد احتاط المصنّف به، وجهه: أنّ الروايتين دلّتا على انقلاب الإحرام إلى حجّ الإفراد. و أمّا إجزاؤه عمّا فرض عليه من حجّ التمتّع فلا يدلّان عليه.

نعم قام الدليل على الإجزاء في موارد كما إذا فاجأها الحيض أو ضاق الوقت على وجه خارج عن الاختيار، و لكنّه لا يمكن انتزاع ضابطة كلية منهما في إجزاء حج الإفراد عن حج التمتّع و إن كان الانقلاب ناشئا عن تقصيره فمقتضى الاستصحاب، اشتغال ذمته بما فرض عليه.

و مع ذلك يمكن أن يقال: إنّ سكوت الروايتين عن إعادة الحجّ شاهد على عدم وجوبها، و إلّا لما سكت، و لذلك تجب الإعادة احتياطا، لكون السكوت لا يخلو من إشعار لا دلالة، كما عليه المتن.

فإن قلت: هذا إنّما يتم لو كانت النسخة «و ليس له متعة» أي فات منه التمتع، عمرة و حجا، و أمّا لو كانت «و ليس عليه متعة» أي لا يجب عليه أن يتمتع، و عليه فهو ظاهر في نفي الإعادة.

قلت: نسخة التهذيب المصحّحة توافق الأولى و لم تثبت صحة النسخة الثانية، بل يمكن أن يراد بها: انّه ليس عليه في هذا الوقت متعة لانقلاب حجه إلى الإفراد. و أين هذا من نفي وجوبها بتاتا؟!

343

الفرع الثاني: لو نسي التقصير إلى أن أحرم بالحجّ

لو ترك التقصير حتى أهلّ بالحج سهوا صحّت متعته، و قد عرفت أنّ الصحّة هو المشهور عند الأصحاب عند نقل الكلمات في الفرع السابق، و وصفها صاحب الجواهر بقوله: بلا خلاف أجده.

و يدلّ عليه صحيح معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة و نسي أن يقصّر، حتى دخل في الحج؟ قال: «يستغفر اللّه و لا شي‌ء عليه، و تمّت عمرته». (1)

و موثّقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يتمتّع فينسى أن يقصر حتى يهلّ بالحج، فقال: «عليه دم يهريقه». و رواه الصدوق أيضا. (2)

روى المفيد في «المقنعة»: سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة و نسي أن يقصّر حتّى أحرم بالحج؟ قال: «يستغفر اللّه عز و جل». (3)

و مقتضى الروايتين: الأولى و الثالثة عدم وجوب التكفير، لكن مقتضى الرواية الثانية وجوبه، و هل يحمل التكفير بالدم على الندب لإطلاق الروايتين:

الأولى و الثالثة، أو تقيدان بالثانية؟ و الوجه الثاني أولى لو لم يكن متعيّنا.

و ربّما يقال: بأنّ المتعيّن هو الحمل على الندب، لأنّ قوله: «يستغفر اللّه و لا شي‌ء عليه، و تمّت عمرته»، في صحيحة معاوية بن عمّار صريح في نفي الكفّارة، إذ لا مصداق للشي‌ء المنفي في قوله: «لا شي‌ء» إلّا الدم، فيقع التعارض بينه و بين معتبرة إسحاق بن عمّار الدالّة على وجوب الدم، و يحمل على الاستحباب، جمعا‌

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب التقصير، الحديث 1. و لاحظ الجزء 9 الباب 54 من أبواب الإحرام الحديث 1، 2 و 3، و الكلّ يوافق مضمون الصحيحة، و ليس فيها ما يدلّ على وجوب إهراق الدم.

(2). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب التقصير، الحديث 2.

(3). الوسائل: 9، الباب 6 من أبواب التقصير، الحديث 4.

344

[المسألة 4: يحلّ بعد التقصير كلّ ما حرم عليه بالإحرام حتى النساء]

المسألة 4: يحلّ بعد التقصير كلّ ما حرم عليه بالإحرام حتى النساء.* (1)

____________

بينهما. (1)

أقول: كما يحتمل أن يكون المراد من الشي‌ء هو التكفير، يحتمل أن يكون المراد به أحد الأمرين التاليين:

الإعادة و الحجّ من قابل.

العقوبة الأخروية.

فيمكن أن يكون قوله: «فلا شي‌ء عليه» ناظرا إلى أحد هذين الأمرين، أو كليهما، فلا تكون العبارة صريحة في نفي التكفير حتى يكون معارضا لما دلّ على وجوب الدم، فوجوب الدم لو لم يكن أقوى، فهو أحوط كما هو المتبادر من ظاهر المتن. و مع ذلك ففي النفس من لزوم تقييد الإطلاقات المتضافرة الواردة في البابين- كما مرّ- بالموثّقة شي‌ء، إذ لو كان واجبا لما سكت الإمام فيها مع تضافرها.

(1)* اتّفقت كلمتهم على أنّ المتمتّع إذا قصّر بعد السعي حلّ له كلّ شي‌ء إلّا الاصطياد لكونه في الحرم.

قال العلّامة: إذا فرغ المتمتّع من السعي قصّر من شعره، و قد أحلّ من كلّ شي‌ء و أحرم منه إلّا الصيد. (2)

أقول: التقصير في كلّ من الحجّ و العمرة كالتسليم في الصلاة نسك بنفسه و يتحلّل به من عقد إحرامه، ففي صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث السعي- قال: «ثم قصّر من رأسك من جوانبه و لحيتك- إلى أن قال-:

فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شي‌ء يحلّ منه المحرم و أحرمت منه». (3)

____________

(1). المعتمد: 5/ 116.

(2). التذكرة: 8/ 145.

(3). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 1.

345

نعم يبقى الكلام في حلق جميع الرأس بعد التقصير، فهل هو محرم أو لا؟

يظهر من المحقّق النائيني (رحمه اللّه) التوقّف في حلّيته حيث قال: و يحلّ له بفعله كلّ ما حرم عليه بعقد إحرامه حتى النساء على إشكال في حلق جميع الرأس، و علّق عليه السيد الحكيم فمنعه بعض بناء على استفادته من بعض نصوص المنع المتقدّمة لكن عرفت إشكاله. (1)

و نقل صاحب الجواهر حرمته عن بعض المحدّثين فقال: «إنّه يحلّ له بالتقصير كلّما حرم عليه بالإحرام إلّا الحلق (2)، و قد استدلّ على الحرمة بروايتين:

الأولى: بما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا فرغت من سعيك و أنت متمتّع فقصّر من شعرك من جوانبه و لحيتك و خذ من شاربك، و قلّم من أظفارك، و أبق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شي‌ء يحلّ منه المحرم، و أحرمت منه فطف بالبيت تطوعا ما شئت». (3)

وجه الدلالة: أنّ الضمير في «وابق منها» يرجع إلى الجوانب من شعر الرأس لا إلى الأظفار و إن كانت الأظفار قريبة، و ذلك بملاحظة ما سيأتي في باب الحجّ أنّ الحلق إمّا متعيّن أو أفضل فرديّ التخيير، فيكون المراد من الإبقاء عدم حلق الرأس بتمامه ليتمكّن من الحلق يوم النحر.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالإبقاء إرشاد ليتمكّن من الحلق يومه فلا يدلّ على الحرمة، فلو افترضنا أنّه يوفّر شعره بين الفترتين على وجه يتمكّن من حلقه يوم النحر، فلا يدلّ على حرمته. نعم لو افترضنا خلافه و بالتالي عدم تمكّنه من الحلق‌

____________

(1). دليل الناسك: 305.

(2). الجواهر: 20/ 456.

(3). الوسائل: 9، الباب 1 من أبواب التقصير، الحديث 4.

346

[المسألة 5: ليس في عمرة التمتع طواف النساء]

المسألة 5: ليس في عمرة التمتع طواف النساء، و لو أتى به رجاء و احتياطا لا مانع منه.* (1)

____________

و قلنا بوجوب الحلق متعيّنا يجب عليه الإبقاء.

الثانية: صحيحة جميل بن دراج أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتّع حلق رأسه بمكة؟ قال: «إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء، و إن تعمّد ذلك في أوّل شهور الحجّ بثلاثين يوما فليس عليه شي‌ء، و إن تعمّد بعد الثلاثين يوما الّتي يوفّر فيها الشعر للحجّ فإن عليه دما يهريقه». (1)

يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر من الرواية بشهادة التفصيل بما قبل الثلاثين و بعده الإرشاد إلى إبقاء الشعر ليتمكّن من الحلق، فتختصّ الحرمة بما إذا لو حلق فلا يوفّر فيجب الإبقاء في خصوص هذا المورد.

نعم تشتمل الرواية على التكفير بالدم و هو معرض عنه.

(1)* تقدّم البحث في هذه المسألة في الجزء الثاني ص 352، فلاحظ.

____________

(1). الوسائل: 9، الباب 4 من أبواب التقصير، الحديث 5.

347

الفصل الثامن عشر القول في الوقوف بعرفات

348

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

349

القول في الوقوف بعرفات

[المسألة 1: يجب بعد العمرة، الإحرام بالحج و الوقوف بعرفات]

المسألة 1: يجب بعد العمرة، الإحرام بالحج و الوقوف بعرفات بقصد القربة كسائر العبادات، و الأحوط كونه من زوال يوم عرفة إلى الغروب الشرعي، و لا يبعد جواز التأخير بعد الزوال بمقدار صلاة الظهرين إذا جمع بينهما، و الأحوط عدم التأخير، و لا يجوز التأخير إلى العصر.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. الإحرام بالحج بعد عمرة التمتع.

2. الوقوف بعرفات بقصد القربة.

3. مبدأ الوقوف من الزوال إلى الغروب الشرعي.

4. حكم تأخير الوقوف بمقدار صلاة الظهرين.

5. عدم جواز تأخيره إلى العصر.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الإحرام بالحجّ بعد العمرة

اتّفق الفقهاء على أنّه إذا فرغ المتمتّع من عمرته و أحلّ من إحرامها، وجب عليه الإتيان بالحجّ مبتدئا بالإحرام للحج من مكة المكرمة و الأفضل من المسجد الحرام.

و يستحب أن يكون الإحرام في يوم التروية و هو ثامن ذي الحجة. ففي‌

350

صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان يوم التروية إن شاء اللّه فاغتسل ثم البس ثوبيك و ادخل المسجد- إلى أن قال:- ثمّ صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر ثمّ أحرم بالحجّ». (1)

و بما أنّا قد استوفينا الكلام في ميقات حج التمتع في الجزء الثاني (2)، اختصرنا الكلام في المقام.

الفرع الثاني: يجب الوقوف بعرفات بقصد القربة

أمّا وجوب الوقوف في عرفات فهو من ضروريات فقه الحجّ، و قد تضافرت الروايات البيانيّة لحجّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و غيرها على وجوبه، إنّما الكلام في أمرين:

أ. وجوب قصد القربة.

ب. وجوب قصد العنوان (الوقوف بعرفات).

أمّا الأوّل: فلأنّ الأمر بالحجّ أمر قربيّ تعتبر فيه صحّة امتثاله قصد القربة، هذا من جانب و من جانب آخر- كما حقّقناه في محلّه- تبعا للسيد الأستاذ (قدّس سرّه) أنّ الأجزاء واجبة بنفس وجوب الكلّ لا بوجوب مقدّمي و لا ضمني، فالإتيان بالجزء امتثال للأمر بالكلّ، فلو أمر المولى ببناء المسجد فحفر الأرض لبناء الأسس و الركائز إلى أن ينتهي الإنسان من كافة أعمال المسجد كلّها امتثالا للأمر ببناء المسجد، فعندئذ لا ينفك امتثال الاجزاء عن قصد القربة، لأنّ الحجّ واجب قربيّ.

و أمّا الثاني: أي قصد عنوان الوقوف بعرفات، فالظاهر أنّ الواجب هو قصد الوقوف في المكان الخاص الّذي يسمّى بعرفات، و أمّا قصد عنوان الوقوف بعرفات‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 21 من أبواب المواقيت، الحديث 1؛ و لاحظ الباب 52 من أبواب الإحرام، الحديثين 1 و 2.

(2). الحج في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 2/ 508- 511.

351

فغير لازم. فلو وقف في المكان الخاص بما انّه جزء فريضة الحجّ من دون أن يعلم اسمه حتّى يقصده فقد أتى بالواجب.

الفرع الثالث: مبدأ الوقوف و منتهاه

لا شكّ أنّ الوقوف بعرفات محدّد بحدّين: له مبدأ و منتهى، فوقع الكلام في المبدأ. و هنا أقوال ثلاثة:

1. ما هو المشهور، و هو وجوب الوقوف من الزوال إلى الغروب على وجه استيعاب الوقت.

2. استيعاب الوقت كذلك إلّا بمقدار الوضوء و الغسل و إقامة الظهرين في خارج عرفات، و هذا هو مختار أكثر المتأخّرين.

3. مسمّى الوقوف بين الزوال و المغرب.

و هنا نكتة هي أنّ الأصحاب اتّفقوا على وجوب الإفاضة من عرفات بعد الغروب الشرعي و أنّه لا يجوز قبله، فالقول بأنّ الواجب مسمّى الوقوف لا يلازم جواز الإفاضة من عرفات قبل المغرب، لأنّ هنا مسألتين:

الأولى: مقدار الوقوف.

الثانية: حرمة الإفاضة من عرفات قبل الغروب.

فالقول الثالث (مسمّى الوقوف) لا يلازم جواز الإفاضة قبله، لأنّه إذا أراد الوقوف بالمسمّى يجب عليه أن يختاره على نحو لا يفيض من عرفات قبل الغروب الشرعي.

ثمّ إنّ القول باستيعاب الوقت من الزوال إلى الغروب على أحد القولين يتصوّر على أحد وجهين:

352

الأوّل: أن يكون الوقوف بعرفات أشبه بالعام الاستغراقي، كما إذا قال: أكرم العلماء، حيث إنّ كلّ فرد من أفراد العام مصداق للموضوع و لكلّ إطاعة و عصيان، فلو عصى بترك إكرام فرد لا يسقط وجوب إكرام الفرد الآخر، و هكذا المقام فهناك وقوفات متعدّدة فكلّ لحظة من الوقوف مصداق للواجب و لكلّ حكمه و امتثاله، فلو خرج في بعض الأوقات عن عرفات يجب الرجوع إليها لأجل امتثال ما بقي من الأفراد الواجبة الأخرى.

الثاني: أن يكون على نحو العام المجموعي فيكون هناك موضوع واحد و حكم فارد، فلو عصى يسقط الحكم بالعصيان و لا يجب الرجوع. و المختار هو الوجه الأوّل.

المبدأ في كلمات الفقهاء

أمّا فقهاء أهل السنّة فالظاهر اتّفاقهم- إلّا الحنابلة- على أنّ المبدأ هو زوال الشمس، قال الشيخ في «الخلاف»: وقت الوقوف من حين تزول الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر. و به قال جميع الفقهاء، إلّا أحمد بن حنبل فإنّه خالف في الأوّل فقال: من عند طلوع الفجر من يوم عرفة و وافق في الآخر. (1)

و قال ابن رشد- و هو مالكي المذهب-: و أمّا صفته فهو أن يصل الإمام إلى عرفة يوم عرفة قبل الزوال، فإذا زالت الشمس خطب الناس ثمّ جمع بين الظهر و العصر في أوّل وقت الظهر، ثمّ وقف حتى تغيب الشمس، و إنّما اتّفقوا على هذا، لأنّ هذه الصفة هي مجمع عليها من فعله صلى اللّه عليه و آله و سلم. (2)

____________

(1). الخلاف: 2/ 337، المسألة 156.

(2). بداية المجتهد: 1/ 340.

353

نعم يظهر من الموسوعة الفقهية الكويتية أنّ مبدأ الوقوف عند مالك هو الليل (ليلة عرفة)، فمن لم يقف جزءا من الليل لم يجزئ وقوفه و عليه الحجّ من قابل، و أمّا الوقوف نهارا فواجب ينجبر بالدم بتركه عمدا بغير عذر.

و عند الحنابلة وقت الوقوف هو من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوعه من يوم النحر. (1)

ثمّ إنّ ظاهر كلام الشيخ في «الخلاف» أنّ منتهى الوقوف في عرفات هو طلوع الفجر من ليلة يوم النحر و هو بظاهره غير تام، و لذلك اعترض ابن إدريس على الشيخ من أنّ ما ذكره هو مذهب بعض المخالفين. (2)

و قد وجّهه العلّامة في «المختلف» بقوله: إنّ النزاع هنا لفظي، فإنّ الشيخ قصد الوقوف الشامل للاختياري و هو من زوال الشمس إلى غروبها، و الاضطراري من الزوال (3) إلى طلوع الفجر، فتوهم ابن إدريس أنّ الشيخ قصد بذلك الوقت الاختياري فأخطأ في اعتقاده و نسب الشيخ إلى تقليد بعض المخالفين. (4)

أمّا كلمات أصحابنا فهي مختلفة فيظهر من بعضهم أنّ المبدأ هو زوال الشمس، و منهم من يظهر أنّ الواجب هو الوقوف بعرفات بعد إقامة الظهرين في غيرها. و إليك نماذج من الكلمات:

فالظاهر من الشيخ في «النهاية» و «المبسوط»، و المفيد في «المقنعة» هو القول الثاني.

____________

(1). الموسوعة الكويتية الفقهية: 7/ 50، مادة حج.

(2). السرائر: 1/ 587.

(3). كذا في المصدر و الصحيح: من الغروب.

(4). مختلف الشيعة: 4/ 237.

354

قال في «النهاية»: فإذا زالت الشمس اغتسل و صلّى الظهر و العصر جميعا يجمع بينهما، ثمّ يقف بالموقف و يدعو لنفسه و لوالديه. (1)

و قال في «المبسوط»: فإذا زالت الشمس و صلّى الظهر و العصر جميعا يجمع بينهما، ثم يقف بالموقف .... (2)

و قال في «المقنعة»: فإذا زالت الشمس يوم عرفة فليغتسل و يقطع التلبية، و يكثر من التهليل و التحميد و التكبير، ثمّ يصلّي الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين- إلى أن قال:- ثمّ يأتي الموقف. (3)

و قال في «السرائر»: بل الواجب الوقوف بسفح الجبل و لو قليلا من الزوال. (4)

و قال المحدث البحراني: هذا القول مال إليه جماعة من متأخّري المتأخّرين. (5)

و لكن الظاهر من جماعة من أصحابنا: أنّ المبدأ، هو زوال الشمس. منهم:

1. ابن حمزة في «وسيلته» قال: و هو (أي المبدأ) زوال الشمس المعلوم ... (6)

2. الحلبي في «الغنية» قال: الوقوف ركن من أركان الحج بلا خلاف، و أوّل وقته من حين تزول الشمس في اليوم التاسع، بلا خلاف إلّا من أحمد، و آخره للمختار إلى غروبها. (7)

3. ابن سعيد في «جامعه» قال: ينوي الوقوف لوجوبه متعبدا به مخلصا للّه سبحانه، و وقت الوقوف من الزوال إلى غروب الشمس. (8)

____________

(1). النهاية: 250.

(2). المبسوط: 1/ 366.

(3). المقنعة: 409، باب الغدو إلى عرفات.

(4). السرائر: 1/ 785.

(5). الحدائق: 16/ 377.

(6). الوسيلة: 176.

(7). غنية النزوع: 1/ 180.

(8). الجامع للشرائع: 207.

355

4. و قال الشهيد- لا يدخل عرفات إلى الزوال، فإذا زالت الشمس اغتسل و تطهر و استتر. (1) و عبارته في المقام غير ظاهرة في أحد القولين، نعم صرح به في اللمعة و وافقه الشارح.

5. قال في «المدارك»: و اعتبر الأصحاب في النية وقوعها عند تحقّق الزوال، ليقع الوقوف الواجب- و هو ما بين الزوال و الغروب- بأسره بعد النية، و ما وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة لا يعطي ذلك، بل ربّما ظهر من بعضها خلافه. (2)

و وافقه السيد الخوئي و قال: بل لم نعثر على رواية تدلّ على الأمر بالوقوف من الزوال. (3)

و قد أتعب صاحب الجواهر نفسه في تطبيق كلمات القدماء الظاهرة في القول الثاني على القول الأوّل، كما أتعب نفسه في البرهنة عليه، حيث قال: المراد من مضيّه إلى الموقف، الرواح إلى المكان المخصوص المستحبّ فيه الوقوف فخرج إلى أنّ هنا قولا واحدا و هو الوقوف من أوّل الزوال. (4) و ربما يؤوّل قول المشهور الظاهر بأنّ مبدأه هو الزوال بأنّ الغاية من هذا التعبير هو الردّ على قول الحنابلة من أنّ مبدأه هو طلوع الفجر من يوم عرفة، و لكنّه يلائم كلام الغنية حيث صرّح بقول أحمد و قال: «إلّا من أحمد» فلا وجه لحمل كلامه على أنّه بصدد الردّ عليه.

نعم كلام ابن سعيد خال عن هذا التصريح، على أنّ الردّ يتم بكلام القولين و لا يختص بذكر الزوال خاصة.

و القول الحاسم رهن دراسة الروايات.

____________

(1). الدروس: 1/ 418.

(2). المدارك: 7/ 393.

(3). المعتمد: 5/ 141.

(4). الجواهر: 19/ 24.

356

الاستدلال على القول الأوّل

استدلّ على القول الأوّل ببعض الروايات نذكر منها ما يلي:

1. ما رواه عبد اللّه بن جذاعة الأزدي، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس، فبقي ينظر إلى الناس و لا يدعو حتّى أفاض الناس، قال: «يجزيه وقوفه، ثمّ قال: أ ليس قد صلّى بعرفات الظهر و العصر و قنت و دعا؟» قلت: بلى، قال: «فعرفات كلّها موقف، و ما قرب من الجبل فهو أفضل». (1)

وجه الدلالة: أنّ الحديث يحكي عن وجود السيرة على إقامة الظهرين في عرفات.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يدلّ عليه، هو جواز إقامة الظهرين في الموقف لا وجوبه و الكلام في وجوبه، خصوصا أنّ الرواية ليست بصدد البيان من هذه الجهة، بل بصدد أنّ دعاءه في القنوت هو ابتهال و دعاء و هذا المقدار من الدعاء يكفي.

2. ما رواه صاحب المستدرك عن «دعائم الإسلام»، عن علي (عليه السلام): «أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم غدا يوم عرفة من منى فصلّى الظهر بعرفة، لم يخرج من منى حتى طلعت الشمس». (2)

يلاحظ عليه: بمثل ما مرّ في السابق، أنّه مجرد حكاية عمل، غير كاشف عن وجه العمل هل انّه واجب أو مستحب؟ على أنّ الرواية معارضة بما سيوافيك من دليل القول الثاني، من أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم صلّى الظهر بنمرة، و هي غير الموقف.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 16 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 2.

(2). المستدرك: 10، الباب 7 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 1.

357

الاستدلال على القول الثاني

1. روى معاوية بن عمّار في بيان حج النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و معه أصحابه حتى انتهوا إلى نمرة و هي بطن عرنة بحيال الأراك فضربت قبته، و ضرب الناس أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و معه قريش و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثمّ صلّى الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: «أيّها الناس أنّه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف، و لكن هذا كلّه موقف» و أومأ بيده إلى الموقف. (1)

وجه الاستدلال: أنّ «نمرة» خارجة عن الموقف، و بها مسجد يسمّى بمسجد إبراهيم الّذي صلّى فيه النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و الرواية ظاهرة في أنّ النبيّ لم يكن عند الزوال بعرفات و إنّما كان في نمرة، و لمّا زالت الشمس خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و معه قريش و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثمّ صلّى الظهرين بأذان واحد و إقامتين، ثم مضى إلى الموقف.

و قد اعترف صاحب الجواهر- الّذي يدافع عن القول الأوّل بحماس- بظهوره في مضيّ زمان من الزوال في غير الموقف و مرجعه إلى عدم وجوب الكون في عرفات من الزوال إلى المغرب على نحو الاستيعاب.

لكن استشكل صاحب الجواهر بعدم ظهوره في عدم النية عند الزوال خصوصا بناء على أنّها الداعي المستمر خطوره مع التشاغل بهذه المقدّمات. (2)

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4.

(2). الجواهر: 19/ 16- 17.

358

و الحاصل: أنّ دلالة الرواية على القول الثاني لا غبار عليها.

2. صحيحة معاوية بن عمّار في حديث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة- و نمرة هي بطن عرنة- دون الموقف و دون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صلّ الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، فإنّما تعجل العصر و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنّه يوم دعاء و مسألة». (1)

وجه الاستدلال: أنّه دلّت الرواية على أنّ نمرة هي بطن «عرنة» دون الموقف و دون عرفة، هذا من جانب و من جانب آخر، دلّت على أنّ المحرم يكون عند زوال الشمس في نمرة، ثمّ يذهب إلى الموقف، فينتج عدم وجوب الاستيعاب من الزوال إلى الغروب.

3. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا ينبغي الوقوف تحت الأراك، فأمّا النزول تحته حتى تزول الشمس و ينهض إلى الموقف فلا بأس». (2) وجه الاستدلال كالحديث الثاني.

هذا كلّه حسب الأدلّة الاجتهادية، و الإمعان في كلمات الأصحاب و الروايات الواردة يورث اليقين بجواز التأخير إذا كان مشتغلا بالدعاء، و أمّا لو قصرت اليد عن الأدلّة الاجتهادية فالمرجع هو الأصل؛ فإن قلنا بأنّ المقام من قبيل العام الاستغراقي، تجري البراءة في المشكوك وجوبه كالزمان الّذي يشتغل فيه بالاغتسال و الوضوء و الصلاتين.

و أمّا لو قلنا بأنّ المقام من قبيل العام المجموعي، أي وجوب الوقوف بين‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 9 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 7.