الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
359

المبدأين، فيكون المقام أشبه بالشك في المحصّل، لأنّ المبدأ مردّد بين الزوال و بين مضي وقت للاغتسال و الصلاة، و الاشتغال اليقيني بالأمر البسيط يقتضي تحصيل البراءة اليقينية.

و الّذي يمكن أن يقال: إنّه لو جاز التأخير فإنّما يجوز إذا اشتغل بالعبادة بالاغتسال و إقامة الظهرين و غير ذلك من الدعاء و الابتهال، و أمّا التأخير عمدا دون أن يشتغل بذلك فهو على خلاف الاحتياط.

و مع ذلك الأحوط عدم مخالفة المشهور- لو كان القول الأوّل هو المشهور- بالوقوف في أوّل الزوال من يوم عرفة فيها و الإتيان بالاغتسال و الظهرين و غير ذلك في عرفات.

هذا كلّه حول المبتدأ، و أمّا المنتهى فإليك بيانه.

نهاية الوقوف في عرفات

قد تقدّم في نقل كلمات الفقهاء من أنّ المبدأ هو الزوال، و أمّا المنتهى فهو غروب الشمس أو الغروب الشرعي، و قد تضافرت الروايات عليه.

1. ففي صحيحة معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و أفاض بعد غروب الشمس». (1)

و لعلّه (عليه السلام) أراد بالمشركين قريشا حيث كانت قريش في العصر الجاهلي يفيضون من عرفات قبل مغيب الشمس تكبّرا و تبجّحا لكي لا يرافقوا العشائر العربية الأخرى الذين يرحلون بعد الغروب، و خالفهم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بالإفاضة بعد‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 1.

360

غروبها.

و العمل و إن كان لا يدلّ على الكيفية من الوجوب و الندب لكن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم لمّا كان بصدد بيان معالم الحج و أحكامه، فاللازم الأخذ بعمله إلّا إذا دلّ الدليل على خلافه.

قال اللّه تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (1)

و المراد من الإفاضة هو الإفاضة من عرفات، لقوله في الآية السابقة: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ. (2)

بل يظهر من المجمع انّ قريشا و حلفاءهم لا يقفون بعرفات بل كانوا يقفون بالمزدلفة قال فيه: المراد به الإفاضة من عرفات، و أنّه أمر لقريش و حلفائها و هم الحمس، لأنّهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة و لا يفيضون منها، و يقولون:

«نحن أهل حرم اللّه فلا نخرج منه» و كانوا يقفون بالمزدلفة و يفيضون منها، فأمرهم اللّه بالوقوف بعرفة و الإفاضة منها كما يفيض الناس، و المراد بالناس سائر العرب. (3)

2. موثّقة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): متى الإفاضة من عرفات؟ قال: «إذا ذهبت الحمرة- يعني من الجانب الشرقي-. (4)

و دلالة الروايات على وجوب كون الإفاضة بعد الغروب واضحة، فإنّ الراوي بصدد معرفة منتهى الوقوف و مبدأ الإفاضة، فأشار الإمام بأنّ المبدأ ذهاب الحمرة المشرقية و هو الغروب الشرعي.

____________

(1). البقرة: 199.

(2). البقرة: 198.

(3). مجمع البيان: 1/ 296.

(4). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 3. و هي متحدة مع رقم 2.

361

[المسألة 2: المراد بالوقوف مطلق الكون في ذلك المكان الشريف]

المسألة 2: المراد بالوقوف مطلق الكون في ذلك المكان الشريف، من غير فرق بين الركوب و غيره، و المشي و عدمه، نعم لو كان في تمام الوقت نائما أو مغمى عليه بطل وقوفه.* (1)

____________

و ليعلم أنّ الوقوف في تمام هذه المدة من الزوال إلى الغروب واجب تكليفي، و أمّا الركن الّذي تتوقف عليه صحّة الحج فهو مسمّى الوقوف. و سيوافيك تفصيله في محله.

الفرع الثالث: عدم جواز تأخير الوقوف إلى وقت صلاة العصر

وجهه أمّا على القول بأنّ المبدأ هو الزوال فهو واضح، و أمّا على القول الثاني من جواز التأخير إلى فترة يتمكّن فيها من الاغتسال و إقامة الظهرين، فإنّ الاشتغال بذلك لا يستغرق من الزمان إلّا شيئا قليلا، و أين هو من وقت صلاة العصر الّذي هو بلوغ الظل الحادث مثل الشاخص.

(1)* وجهه واضح، لأنّ الوقوف بعرفة أمر قربي، و لا يتقرب الإنسان إلّا بفعل صادر عنه عن قصد و اختيار، فلو كان في تمام الوقت نائما أو مغشيا عليه فلا يستند إليه الفعل، و لا يقال أنّه وقف في عرفات بين الحدين للّه تبارك و تعالى.

نعم لا يجب أن يكون الوقوف على حالة واحدة كلّها دعاء أو صلاة، بل يجوز أن يكون راكبا أو ماشيا و غير ذلك من الأفعال، حتّى أنّه لو نرى الإقامة العبادية بعد الزوال في عرفة ثمّ نام يكفي ذلك إذ لا يزيد الوقوف بعرفات من الصوم حيث إنّ النوم لا يزاحمه بل يكفي النية الإجمالية المخزونة في نفسه.

362

[المسألة 3: الوقوف المذكور واجب، لكن الركن منه مسمّى الوقوف]

المسألة 3: الوقوف المذكور واجب، لكن الركن منه مسمّى الوقوف و لو دقيقة أو دقيقتين، فلو ترك الوقوف حتى مسمّاه عمدا بطل حجّه، و لكن لو وقف بقدر المسمّى و ترك الباقي عمدا صحّ حجّه و إن أثم.* (1)

____________

(1)* فيه فرعان:

1. الركن هو مسمّى الوقوف و لكن الواجب أوسع من الركن.

2. بطلان الحج بترك الركن عمدا و عدم بطلانه بترك ما سواه و إن أثم.

و إليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: الركن هو المسمّى و الواجب أوسع

لا شكّ انّ الركن بالمعنى الّذي عرفته في باب الحجّ الذي يغاير معناه بمعنى الركن في الصلاة، هو مسمّى الوقوف و يدلّ عليه ما دلّ من الروايات على صحة حجّ من أفاض من عرفات قبل الغروب و ان عليه البدنة، كما سيوافيك بيانه في المسألة التالية.

إنّما الكلام هل الواجب هو مقدار الركن، أو انّ الواجب أوسع حيث يجب استيعاب الزمان من زوال يوم عرفة إلى غروب الشمس.

قال الشهيد الثاني: الركن منه مسمّى الوقوف، و من ثم صحّ حجّ المفيض قبل الغروب عمدا و من أخلّ به أوّل الوقت، و أمّا استيعاب الوقت و هو ما بين الزوال و الغروب فهو موصوف بالوجوب لا غير فيأثم بتركه و لا يختص الركن بجزء معين منه بل الأمر الكلي، و هذا معنى قولهم: إنّ الواجب فيه الكل و في الإجزاء الكلي. (1) هذا من غير فرق بين كون المبدأ للوقوف هو الزوال أو بعد مضي مقدار‌

____________

(1). المسالك: 2/ 275.

363

صلاة الظهرين، على ما مر في المسألة 1. و نسبه في الجواهر إلى الفاضل المقداد و الكركي و غيرهم. (1)

غير أنّ صاحب الرياض من المتأخّرين كان من المتحمّسين للقول الآخر، و انّ الواجب هو الجزء الركني، قال في كلام مفصّل: و هل يجب الاستيعاب حتى إن أخلّ به في جزء منه أثم و إن تمّ حجّه، كما هو ظاهر الشهيدين في الدروس و اللمعة و شرحها، بل صريح ثانيهما؟ أم يكفي المسمّى و لو قليلا كما عن السرائر؟

و عن التذكرة إنّما الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة و لو مجتازا مع النية. ثمّ استدلّ على فساد القول الأوّل بالوجوه التالية:

1. ما مرّ من الأخبار المستفيضة بأنّ الوقوف بعد الغسل و صلاة الظهرين.

2. الأصل النافي للزائد بعد الاتفاق على كفاية المسمّى في حصول الركن منه و عدم اشتراط شي‌ء زائد منه.

3. و ما استفاض من النصوص بأنّ الوقوف بعد الغسل و الظهرين، دلالته على الوجوب أوّلا ثمّ الفورية ثانيا غير واضحة.

4. ما تضمن منها (الروايات) فعل النبي كذلك، إذ غايته الوجوب الشرطي لا الشرعي. (2)

و يلاحظ عليه أوّلا: بأنّ غاية ما تدلّ عليه الروايات هو جواز التشاغل عند زوال الشمس بمقدار الوقوف من الغسل و الجمع بين الصلاتين و نحوهما، و يجب بعد ذاك الوقوف في عرفة، و أمّا انّه لا يجب إلّا المسمّى فلا يدلّ عليه.

و بعبارة أخرى أقصى ما يدلّ عليه استثناء مقدار الغسل و الظهرين في الوقوف، لا غيرهما.

____________

(1). الجواهر: 19/ 19.

(2). رياض المسائل: 6/ 362- 364 بتلخيص.

364

و ثانيا: أنّ إنكار ظهور الروايات في وجوب الذهاب إلى عرفة أو فوريته، لا يساعده الدليل، بعد ظهور الأمر في الوجوب على الوجه الّذي أوضحناه في الأصول.

و ثالثا: أنّ التمسّك بأصالة عدم وجوب الزائد، لا مورد له مع وجود الدليل الاجتهادي، فالقول بأنّ الواجب هو استيعاب الزمان إمّا من الزوال كما هو الأقوى، أو بعد الغسل و صلاة الظهرين فرادى أو جماعة.

الفرع الثاني: لو ترك الوقوف أصلا

إذا ترك الوقوف من عرفات أصلا و عمدا بطل حجّه، و يدلّ عليه العديد من الروايات:

1. صحيح الحلبي قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا وقفت بعرفات فادن من الهضبات و هي الجبال، فإنّ رسول اللّه قال: أصحاب الأراك لا حجّ لهم. (1)

و نفي الحجّ كناية عن عدم الصحة.

2. موثق سماعة عن أبي عبد اللّه في حديث: قال: و اتّق الأراك و نمرة و هي بطن عرنة و ثوبة و ذا المجاز، فإنّه ليس من عرفات فلا تقف فيه. (2)

قال المحقّق: فلو وقف بنمرة أو عرنة أو ثوبة أو ذا المجاز أو تحت الأراك لم يجزه.

و قال الشهيد الثاني في شرحه: هذه الأماكن الخمسة حدود عرنة و هي راجعة إلى أربعة كما هو المعروف من الحدود، لأنّ نمرة بطن عرنة. (3)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 11.

(2). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 6.

(3). المسالك: 2/ 273.

365

[المسألة 4: لو نفر عمدا من عرفات قبل الغروب الشرعي و خرج من حدودها و لم يرجع فعليه الكفّارة ببدنة]

المسألة 4: لو نفر عمدا من عرفات قبل الغروب الشرعي و خرج من حدودها و لم يرجع فعليه الكفّارة ببدنة يذبحها للّه في أيّ مكان شاء، و الأحوط الأولى أن يكون في مكة، و لو لم يتمكّن من البدنة صام ثمانية عشر يوما، و الأحوط الأولى أن يكون على ولاء، و لو نفر سهوا و تذكر بعده يجب الرجوع، و لو لم يرجع أثم و لا كفّارة عليه و إن كان أحوط، و الجاهل بالحكم كالناسي، و لو لم يتذكر حتى خرج الوقت فلا شي‌ء عليه.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع:

1. من خرج من عرفات قبل الغروب الشرعي و لم يرجع إليها فعليه البدنة.

2. يتخيّر في ذبح البدنة بين مكّة و غيرها. و الأحوط كونها في مكة.

3. إذا لم يتمكّن من البدنة يصوم ثمانية عشر يوما ولاء.

4. و لو خرج سهوا و تذكر قبل الغروب يجب الرجوع و لا كفّارة إذا لم يرجع.

5. الجاهل بالحكم كالناسي.

6. لو لم يتذكّر الجاهل حتى خرج الوقت لا شي‌ء عليه.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر:

الفرع الأوّل: تحرم الإفاضة من عرفات قبل الغروب إجماعا

، و لو خرج قبل الغروب الشرعي متعمّدا و لم يرجع إليها قبله، وجب عليه ذبح البدنة. و المسألة عندنا اتّفاقية، نعم فيها خلاف بين السنّة.

قال العلّامة: يجب أن يقف إلى غروب الشمس بعرفة، فإن أفاض الناس قبله عامدا، وجب عليه بدنة، فإن عجز عن البدنة صام ثمانية عشر يوما بمكّة أو‌

366

في الطريق أو في أهله، و صحّ حجّه عند علمائنا. و به قال: ابن جريج و الحسن البصري، و قال باقي العامّة- إلّا مالكا- يجب عليه دم، و للشافعي قول باستحباب الدم، و قال مالك: يبطل حجّه. (1)

و في «المدارك»: أجمع الأصحاب على أنّ من أفاض قبل الغروب عامدا فقد فعل حراما و لا يفسد حجّه لكن يجب عليه جبره بدم. (2)

و وصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه. (3)

و تدلّ عليه روايات:

1. معتبرة مسمع، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، قال: «إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان متعمّدا فعليه بدنة». (4)

أمّا فقه الحديث فنقول:

أ. قوله: «و إن كان متعمّدا» فلو أريد به من كان عالما بالحكم و الموضوع، و ملتفتا إليهما، و مع ذلك فقد خالف و خرج لداع من الدواعي، فيخرج منه الجاهل و الناسي للحكم و الموضوع فيدخل الناسي في الذيل، أعني قوله: «إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه». و إن أريد به مجرد العلم بالحكم و الموضوع من دون تقييد بالالتفات فيدخل فيه الناسي، و لكن الظاهر الأوّل لما سيوافيك.

خلافا لصاحب الحدائق حيث أخرج الجاهل دون الناسي قائلا: و أمّا حكم الناسي فهو غير مذكور فيها، و الأصحاب قد أدرجوه في حكم الجاهل، و جعلوا‌

____________

(1). التذكرة: 8/ 187؛ الخلاف: 4/ 338 برقم 157 لكنه عبر بقوله و الأفضل أن يقف إلى غروب الشمس في النهار.

(2). المدارك: 7/ 398.

(3). الجواهر: 19/ 28.

(4). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، الحديث 1.

367

حكمه حكم الجاهل- إلى أن قال:- و كأنّهم بنوا في ذلك على اشتراكهما في العذر و عدم توجّه الخطاب. و فيه منع ظاهر، فإنّ المفهوم من تتبع الأخبار أنّ الجاهل أعذر، و أنّ الناسي بسبب تذكّره أوّلا و علمه سابقا لا يساوي الجاهل الّذي لا علم له أصلا. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان أحكام من خرج من عرفات قبل غروب الشمس فلا بدّ أن يكون بيانه مستوعبا لعامة أقسام المكلّفين، و ليس الناسي أقل مصداقا من الجاهل فلا بدّ من إدخاله تحت أحد العنوانين: العامد و الجاهل، و النسيان أخو الجهل و قد رفعا معا في حديث الرفع، و الجهل أقرب من النسيان إلى العمد، و الإمعان في الحديث يعطي أنّ الرواية بصدد التفصيل بين المعذور، و غيره، و النسيان كالجهل عذر، بخلاف العالم العامد.

و على فرض قصور الدليل عن شموله للناسي، فيكفي في المقام حديث الرفع و المقصود رفع حكم المنسي (الإفاضة قبل الغروب من عرفات): و هو الحرمة أوّلا، و الكفّارة ثانيا.

و ربّما يأتي بعض الكلام في الفرع الخامس.

ب. ظاهر قوله: «في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس»، هو الإفاضة إلى المشعر و البيتوتة فيه دون أن يرجع، و أمّا لو بدا له العود، أو زال جهله، أو ارتفع نسيانه فعاد إلى عرفات فهو خارج عن مدلول الرواية.

2. مرسلة الحسن بن محبوب، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل أن تغرب الشمس، قال: «عليه بدنة، فإن لم يقدر على بدنة‌

____________

(1). الحدائق: 16/ 383.

368

صام ثمانية عشر يوما». (1)

3. صحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس، قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكّة، أو في الطريق، أو في أهله». (2) و الحديث من حيث الإطلاق و التقييد كالحديث الثاني، فلاحظ.

الواجب هو البدنة لا الشاة

قد عرفت تضافر النصوص على التكفير ببدنة، و مع ذلك قال يحيى بن سعيد: فإن أفاض عامدا عالما بالتحريم و لم يرجع فعليه بدنة، و روي شاة. (3)

و لكن ليس ما بأيدينا من الجوامع الحديثية، ما يدلّ عليها، نعم ذكر الشيخ عند نقل الأقوال قوله: لزمه دم، و علّله في ذيل كلامه بقوله: و أمّا لزوم الدم فطريقه إجماع الفرقة و طريقة الاحتياط. (4)

و الظاهر: انّ التعليل راجع إلى أصل التكفير في مقابل من قال بالاستحباب لا إلى خصوص كونه دما، و ذلك لأنّ الاحتياط في خلافه بعد تضافر الروايات على وجوب البدنة، و إلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله: و لعل إطلاقه في مقابلة من لم يوجب عليه شيئا من العامّة. (5)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، الحديث 3.

(3). الجامع للشرائع: 207.

(4). الخلاف: 2/ 339، المسألة 157.

(5). الجواهر: 19/ 29.

369

الفرع الثاني: مكان ذبح البدنة

ذهب المصنّف إلى أنّه يذبحها للّه في أي مكان شاء، و لكن الأحوط الأولى أن يكون في مكّة.

أقول: مقتضى إطلاق رواية مسمع، و مرسلة الحسن بن محبوب هو الأوّل، لكن في صحيح ضريس الكناسي: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر» و ظاهره انّه يذبحها في نفس السنة، و معلوم أنّ المحرم يوم النحر يكون في منى، و هي معدة للنحر، فالأحوط لو لا كونه أقوى، نحرها في منى، و لعلّ التعبير بمكّة في كلام المصنّف (أن يكون في مكة) للتحرّز من ذبحها في طريقه إلى وطنه أو في وطنه.

يقول المحقّق الخوئي: ثمّ إنّ البدنة تنحر يوم العيد في منى لقوله: ينحرها يوم النحر، فإنّ المراد به هو اليوم الّذي تنحر الناس فيه الإبل، و من المعلوم أنّ الناس ينحرون الإبل في منى يوم العيد. (1)

الفرع الثالث: صوم ثمانية عشر يوما بدل البدنة

قد تقدّم في كلمات الأصحاب أنّه إذا لم يتمكّن من البدنة يصوم ثمانية عشر يوما بدلا عنها. و عليه الروايات الماضية، أعني: صحيحتي مسمع و ضريس و مرسلة الحسن بن محبوب السراد، إنّما الكلام في موضعين:

1. جواز صوم هذه الأيّام في السفر.

2. عدم وجوب المتابعة فيها.

فإطلاق الروايات يقضي بالجواز في الأوّل و عدم وجوب التتابع في الثاني،

____________

(1). المعتمد: 5/ 151.

370

ففي صحيح ضريس: «فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكّة أو في الطريق أو في أهله»، فإنّ الصوم في الطريق لو لم يكن منصرفا إلى صورة عدم إنشاء قصد العشرة يعم كلتا الصورتين، كما أنّ عدم التقييد بالولاء دليل على عدم وجوب التتابع.

و ربّما يقال بأنّ إطلاق أدلّة المنع عن الصوم في السفر يقيد إطلاق هذه الروايات، فيقيد قوله: «أو في الطريق» بخصوص ما إذا قصد إقامة عشرة أيام في الطريق، فيبقى إطلاق أدلّة المنع على حاله.

يلاحظ عليه: مضافا إلى أنّ أدلّة المورد أخص بالنسبة إلى أدلّة المنع أنّه يلزم على القول بذلك حمل المطلق على الفرد النادر، إذ قلّما يتّفق لمسافر أن ينوي إقامة عشرة أيام في طريقه إلى الوطن، إلّا إذا كان معذورا أو عاجزا، نعم هنا كلام و هو أنّ المفهوم من الروايات أنّ الصوم في السفر مبغوض بذاته، و قد روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، فالخروج عن مثله بالإطلاق أمر على خلاف الاحتياط.

الفرع الرابع: لو خرج سهوا و تذكّر قبل مغيب الشمس

للفرع صورتان:

الأولى: أن يرجع إذا تذكّر و هذا ما ذكره العلّامة قال في «المنتهى»: لو أفاض قبل الغروب ساهيا لم يكن عليه شي‌ء ... إلى أن قال:- لو عاد نهارا حتى غربت الشمس فلا دم عليه، و به قال مالك و الشافعي. (1) و علّله بقوله: لأنّ الكفّارة تتعلّق بالذنب، و لم يثبت هنا.

و مرجعه إلى أنّ الكفّارة إمّا للإفاضة قبل الغروب، أو للبقاء بعد الالتفات.

و الأولى لم تكن محرمة للنسيان، و أمّا الثانية فلم تتحقّق لفرض أنّه قد رجع.

____________

(1). منتهى المطلب: 11/ 59.

371

الثانية: لو افترضنا أنّه بقي خارج عرفات بعد الالتفات و لم يرجع، فاختار المصنّف عدم الكفّارة و قال: و لو لم يرجع أثم و لا كفّارة عليه و إن كان أحوط.

و لكن الظاهر التفصيل بين كون الكفّارة للذنب فتجب عليه، لأنّه خالف التكليف، لأنّه لم يرجع كونها للإفاضة المحرمة فلا تجب، فالمفروض عدم حرمتها.

الفرع الخامس: الجاهل بالحكم كالناسي

لمّا قال (قدّس سرّه): «بأنّ من نفر سهوا و تذكّر بعده يجب عليه الرجوع، و لو لم يرجع أثم و لا كفّارة عليه»، رتّب على هذا قوله: إنّ الجاهل بالحكم كالناسي، أي إذا خرج و لكن ارتفع جهله قبل انقضاء الوقت يجب عليه الرجوع، و لو لم يرجع لا شي‌ء عليه.

و ما ذكره من إلحاق الجاهل بالناسي هو مقتضى سياق عبارته في الفرع الخامس: «إذا خرج ناسيا ثمّ تذكر بعد الخروج» حيث إنّه ذكر أوّلا حكم الناسي فعطف عليه الجاهل.

و أمّا بالنسبة إلى عامّة الفروع لا خصوص الفرع الخامس، فالوارد في الرواية هو العامد و الجاهل، و عليه فالأولى أن يقول: إنّ الناسي كالجاهل، كما أوضحناه في فقه الحديث؛ و لذلك قال صاحب المستند: و الناسي كالجاهل؛ بالإجماع، بل يمكن إدخاله في الجاهل المنصوص عليه أيضا، و لو علم أو ذكر قبل الغروب وجب عليه العود مع الإمكان؛ امتثالا للأمر الواجب عليه. (1)

الفرع السادس: لو لم يتذكّر حتى خرج الوقت فلا شي‌ء عليه

قد علم وجهه ممّا ذكرنا، إذ الكفّارة على من خرج عمدا عن علم، و أين هو من الناسي أو الجاهل؟!

____________

(1). مستند الشيعة: 12/ 224.

372

[المسألة 5: لو نفر قبل الغروب عمدا و ندم و رجع و وقف إلى الغروب]

المسألة 5: لو نفر قبل الغروب عمدا و ندم و رجع و وقف إلى الغروب، أو رجع لحاجة لكن بعد الرجوع وقف بقصد القربة فلا كفّارة عليه.* (1)

____________

(1)* قال المحقّق: و إن كان عامدا جبره ببدنة- إلى أن قال:- و لو عاد [العامد] قبل الغروب لم يلزمه شي‌ء. (1)

و قال العلّامة: لو أفاض قبل الغروب عامدا عالما ثمّ عاد إلى الموقف نهارا فوقف حتى غربت الشمس، فلا دم عليه. و به قال مالك و الشافعي تفريعا على الوجوب عنده، و أحمد.

و علّله بوجهين:

1. أنّه أتى بالواجب، و هو الجمع بين الوقوف في الليل و النهار، فلم يجب عليه دم، كمن تجاوز الميقات و هو محرم ثمّ رجع فأحرم منه.

2. انّه لو لم يقف أوّلا ثمّ أتى قبل غروب الشمس و وقف حتى تغرب الشمس لم يجب عليه شي‌ء، و كذا هنا. (2)

و إلى الدليل الثاني يشير صاحب الجواهر بقوله: و إنّه لو لم يقف إلّا هذا الزمان لم يكن عليه شي‌ء، فهو حينئذ كمن تجاوز الميقات غير محرم ثمّ عاد إليه فأحرم. (3)

و الأولى أن يستدلّ بما ذكرنا من أنّ مصبّ الروايات عمدا من أفاض من عرفات إلى المشعر و استمر في إفاضته إلى أن غربت الشمس، بمعنى أنّه عمل بما كان يعمل به المشركون قبل تعليم النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أمّا من خرج لداع من الدواعي‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 253.

(2). تذكرة الفقهاء: 8/ 188.

(3). الجواهر: 19/ 29.

373

[المسألة 6: لو ترك الوقوف بعرفات من الزوال إلى الغروب لعذر]

المسألة 6: لو ترك الوقوف بعرفات من الزوال إلى الغروب لعذر كالنسيان و ضيق الوقت و نحوهما كفى له إدراك مقدار من ليلة العيد و لو كان قليلا، و هو الوقت الاضطراري لعرفات، و لو ترك الاضطراري عمدا و بلا عذر فالظاهر بطلان حجّه و إن أدرك المشعر، و لو ترك الاختياري و الاضطراري لعذر كفى في صحّة حجّه إدراك الوقوف الاختياري بالمشعر الحرام كما يأتي.* (1)

____________

و لكن عاد قبل الوقت ليفيض من حيث أفاض الناس فلا يشمله الدليل.

(1)* في المسألة فروع:

قد تقدّم ذكر ترك الوقوف بعرفات عمدا في المسألة الثالثة و حان وقت بيان تركه عن عذر فذكر فروعا:

1. لو ترك الوقوف الاختياري من الزوال إلى الغروب لعذر بعرفات لكفى الوقوف الاضطراري، و هو إدراك مقدار من ليلة العيد.

2. لو ترك الوقوف الاختياري لعذر و الاضطراري بعرفات عمدا فحجّه باطل و إن أدرك المشعر.

3. لو ترك الوقوفين كليهما لعذر يكفي الوقوف الاختياري للمشعر.

و إليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: إجزاء الوقوف الاضطراري

للوقوف في عرفة وقتان:

1. اختياري، و هو من زوال شمس يوم عرفة أو بعد أداء الظهرين إلى‌

374

غروبها.

2. اضطراري و هو من غروبها إلى طلوع فجر يوم النحر.

و من لم يدرك الوقوف الاختياري يجزيه درك الوقت الاضطراري إذا ظنّ أنّه يتمكّن من الجمع بينه و بين إدراك المشعر و لو بوقت قليل قبل طلوع الشمس، و إلّا يقتصر على الثاني و لم يخالف فيه أحد.

قال المحقّق: من نسي الوقوف بعرفة رجع فوقف بها و لو إلى طلوع الفجر من يوم النحر إذا عرف أنّه يدرك المشعر قبل طلوع الشمس، فلو غلب على ظنه الفوات اقتصر على إدراك المشعر قبل طلوع الشمس و قد تمّ حجّه. (1)

و يظهر من العلّامة في كتابيه أنّ الإجزاء اتّفاقي بيننا و مشهور بين أهل السنّة قال بعد ما ذكر الوقتين لعرفة: و لو اقتصر على الوقوف ليلا كان مدركا للحجّ على المذهب المشهور عندهم، ثمّ ذكر بعض الوجوه لهم. (2)

و قال في «المنتهى»: لو لم يأت عرفات نهارا، أو جاء بعد غروب الشمس و وقف بها، صحّ حجّه و لا شي‌ء عليه، و هو قول علماء الإسلام كافّة، لقول النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحجّ». (3)

و قال النراقي: لو ترك جميع الوقوف الاختياري- اضطرارا- بأن نسيه و لم يصل إليه لضيق وقته أو لعذر آخر، لم يبطل حجّه و لا كفّارة عليه، بل يجب عليه تداركه ليلة العيد و لو إلى الفجر متّصلا به مع الإمكان إجماعا. (4)

إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن كون الإجزاء إجماعيا. فالواجب‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 254.

(2). التذكرة: 8/ 186.

(3). منتهى المطلب: 11/ 60.

(4). مستند الشيعة: 12/ 225.

375

و الركن في الاضطراريّ هو واحد و هو الوقوف في عرفات ليلة النحر مقدارا ما، من غير فرق بين القليل و الكثير، و يتّضح ذلك من الإمعان في الروايات الآتية. و إليك دراسة ما ورد في الروايات في المسألة:

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال في رجل أدرك الإمام و هو بجمع، فقال: «إنّه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثمّ يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظنّ أنّه لا يأتيها حتّى يفيضوا فلا يأتها، و ليقم بجمع فقد تمّ حجّه». (1)

فقه الحديث: إنّ السنّة هو الإحرام يوم التروية بمكّة ثمّ الخروج منها إلى منى و البيتوتة فيها، إلى طلوع الفجر من يوم عرفة و لا يتجاوز وادي محسّر الّذي هو حد منى إلّا بعد طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس، ينفر من منى عن طريق المشعر الّذي يطلق عليه المزدلفة تارة و الجمع أخرى، إلى عرفات و الوقوف بها من الزوال إلى الغروب، و بهذا يتمّ الدور، ثمّ يأتي الدور الثاني فيفاض من عرفات إلى المشعر. ثمّ إلى منى على النحو الّذي يوافيك. هذه هي السنّة و عليها تسير جماعة كثيرة من الحجازيّين و اليمنيين و المغاربة و الأفارقة، غير أنّ قسما من الحجاج و عامّة الإيرانيين، يخرجون من مكّة مباشرة إلى عرفات من طريق آخر صباح يوم التاسع.

و الخيام قائمة و كلّ شي‌ء يحتاجون إليه معدّ.

إذا وقفت على ذلك يسهل لك فهم الرواية، حيث إنّ الراوي سأل عمّن خرج من مكّة إلى منى، ثمّ إلى المزدلفة فأدرك اختياري المشعر، دون أن يدرك اختياري عرفة، فقال الإمام: إن تمكّن من الجمع بين اضطراري عرفة بالوقوف فيها ليلة العيد و لو قليلا ثمّ يدرك مسمّى الوقوف في المشعر قبل طلوع الشمس، فهو‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

376

و إلّا فليقتصر على الثاني، و الرواية منصرفة إلى المعذور بنحو من الأنحاء. و لا يعمّ العامد.

2. رواية معاوية بن عمّار الثانية، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم في سفر فإذا شيخ كبير فقال: يا رسول اللّه! ما تقول في رجل أدرك الإمام بجمع (1)؟ فقال له: إن ظنّ أنّه يأتي عرفات فيقف قليلا ثمّ يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظنّ أنّه لا يأتيها حتّى يفيض الناس من جمع فلا يأتها و قد تمّ حجّه». (2)

3. صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: «إن كان في مهل (3) حتّى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها، ثمّ يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتمّ حجّه حتّى يأتي عرفات، و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات [و لم يكن في مهل] فليقف بالمشعر الحرام فإنّ اللّه تعالى أعذر لعبده، فقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، و قبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحجّ فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحجّ من قابل». (4)

إنّ قوله: «فإنّ اللّه تعالى أعذر لعبده»، ظاهر في أنّ تركه للوقوف الاختياري كان عن عذر، فاللّه سبحانه أعذره، لا أنّه يعذّر العبد بكونه مطلقا و لو لم يكن العبد معذورا.

4. خبر إدريس بن عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أدرك‌

____________

(1). الجمع: هو المزدلفة لاجتماع الناس فيه.

(2). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.

(3). أي الفرصة و الوقت.

(4). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

377

الناس بجمع و خشي إن مضى إلى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها؟ فقال: «إن ظنّ أن يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات، فإن خشي أن لا يدرك جمعا فليقف بجمع ثمّ ليفض مع الناس فقد تمّ حجّه». (1)

ثمّ هل الموضوع للاقتصار بالوقوف في المشعر، هو الظن بعدم التمكّن من درك الوقت الاختياري للمشعر، كما هو المستفاد من روايتي ابن عمّار حيث جاء فيهما: «و إن ظن أنّه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع»؛ أو يكفي التردّد و خشية عدم الدرك، كما هو الظاهر من خبر إدريس حيث قال: «فإن خشي أن لا يدرك جمعا فليقف»؟ وجهان.

قال في «المسالك»: و لو تردّد في إدراك المشعر احتمل تقديم الوجوب الحاضر فيرجع إلى عرفة، و تقديم المشعر، لأنّه اختياري، و في تركه [الوقوف بالمشعر] تعرّض لفوات الاختياريّين الموجب هنا لفوات الحجّ. و لعلّه أقوى. (2)

و سيأتي حكم الأخير في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: ترك الوقوف الاضطراري عمدا

إذا لم يدرك الوقوف الاختياري لعرفة لعذر و مع ذلك ترك الوقوف الاضطراري عن عمد فيبطل حجّه حتى و لو أدرك المشعر، لما في صحيح الحلبي «و إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثمّ يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجّه حتى يأتي عرفات». أضف إلى ذلك: انّ‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2). المسالك: 2/ 276.

378

الوقوف في عرفات ركن، و معنى الركن في الحجّ هو أنّ تركه عن عمد مبطل، و إن تركه عن سهو أو غير عمد غير مبطل، و المفروض أنّه قد ترك هذا الركن بعدم الوقوف في الوقت الاضطراري لعرفة.

الفرع الثالث: ترك الوقوف الاختياري و الاضطراري لعذر

لو ترك كلا الوقوفين الاختياري و الاضطراري لعذر و لكنّه أدرك الوقوف الاختياري بالمشعر، يصحّ حجّه. و يدلّ عليه ما في صحيحة معاوية بن عمّار من أنّه: «إن ظن أنّه لا يأتيها (عرفات) حتى يفيضوا، فلا يأتها و ليقم بجمع فقد تمّ حجّه». (1)

إلى غير ذلك من الروايات و يأتي حكم المسألة في المستقبل أيضا.

هذا و يستفاد من صحيح الحلبي فرع رابع، و هو أنّه من لم يدرك الوقتين لعرفة و لا الاختياري للمشعر أن يجعل حجّه عمرة مفردة، و معنى ذلك عدم إجزاء درك الوقت الاضطراري للمشعر، أعني: الوقوف فيه في جزء من نهار يوم الأضحى، و سيوافيك الكلام فيه في المستقبل بإذن اللّه تعالى.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

379

[المسألة 7: لو ثبت هلال ذي الحجّة عند القاضي من العامّة و حكم به و لم يثبت عندنا]

المسألة 7: لو ثبت هلال ذي الحجّة عند القاضي من العامّة و حكم به و لم يثبت عندنا فإن أمكن العمل على طبق المذهب الحق بلا تقية و خوف وجب، و إلّا وجبت التبعية عنهم، و صحّ الحجّ لو لم تتبين المخالفة للواقع، بل لا يبعد الصحّة مع العلم بالمخالفة، و لا تجوز المخالفة، بل في صحّة الحجّ مع مخالفة التقية إشكال، و لمّا كان أفق الحجاز و نجد مخالفا لآفاقنا سيما أفق إيران فلا يحصل العلم بالمخالفة إلّا نادرا.* (1)

____________

(1)* في المسألة فروع: 1. لو ثبت هلال ذي الحجّة عند قاضي السنّة و لم يثبت عندنا و أمكن العمل على طبق المذهب الحق.

2. تلك الصورة و لكن لم يمكن العمل على وفقه مع عدم العلم بمخالفة حكم القاضي للواقع.

3. تلك الصورة مع العلم بمخالفة حكم القاضي للواقع.

و إليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر:

الفرع الأوّل: لو ثبت هلال ذي الحجّة عند قاضي السنة

لو ثبت هلال ذي الحجة عند قاضي السنة و لم يثبت عندنا فصار يوم التروية عندنا يوم عرفة عندهم، و كان العمل على وفق المذهب الحق ممكنا لا محذور فيه (كما كان الحال كذلك في عصر الشرفاء قبل استيلاء السعوديين على الحرمين الشريفين) وجب العمل على وفق المذهب الحقّ، إذ لا موضوع للتقيّة، و هذا واضح لا يحتاج إلى بيان.

380

الفرع الثاني: لو ثبت الهلال عند قاضي السنة و لم يمكن العمل على وفق المذهب الحقّ

تلك الصورة و لكن لا يمكن العمل على وفق المذهب الحق لوجود الخوف في المخالفة مع عدم العلم بمخالفة حكم القاضي للواقع كما هو الحال في أكثر الأعوام، لوجود الاختلاف في الأفق، فيقع الكلام تارة في الحكم التكليفي، أي وجوب المتابعة و عدم المخالفة؛ و أخرى في الحكم الوضعي، أي كون الحجّ صحيحا و مجزئا عن الواجب.

أمّا الأوّل و هو القول بوجوب المتابعة و عدم المخالفة، فالظاهر من الروايات وجوب التقية عندئذ، و قد عقد الحر العاملي بابين لوجوب التقية أعني الباب 24 و 25 من أبواب كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الإمعان في هذه الروايات يعطي وجوب التقية مع الخوف إلى حدّ يصف الإمام الصادق (عليه السلام) من ترك التقية بقوله: «لا دين لمن لا تقية له» (1)، و من أراد المزيد فليرجع إليهما.

إنّما الكلام في المقام الثاني و هو الحكم الوضعي، و كون المتابعة لهم في الوقوف مجزئا و مسقطا للتكليف، فيمكن الاستدلال عليه بوجهين:

1. الروايات الحاثّة على تطبيق العمل على وفق التقية، و استظهار الإجزاء منها. و هذا موكول إلى محله، و قد أوضحنا الحال في رسالة مستقلة أفردناها حول التقية و أحكامها و آثارها في توحيد الكلمة.

2. الاستدلال بالروايات الخاصة في موردي الفطر و الأضحى. و إليك ما روي في هذا الصدد.

أ. معتبرة أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلمّا دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و كان بعض أصحابنا‌

____________

(1). الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 3.

381

يضحي، فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، و الأضحى يوم يضحّي الناس، و الصوم يوم يصوم الناس». (1)

و في السند، العباس، و المراد به العباس بن معروف الثقة، عن عبد اللّه بن المغيرة و هو من أصحاب الإجماع، عن أبي الجارود و هو زياد بن المنذر الّذي اختلفت فيه الأقوال لكن الشيخ المفيد وثّقه و مدحه مدحا بليغا، و لعلّ تضعيفه لأجل فساد عقيدته فالرواية معتبرة، و تدلّ على أنّه تجب المتابعة للقوم في العيدين:

عيد الفطر و عيد الأضحى، بل في بدء الصوم، و القدر المتيقّن أن يكون صومهم و إفطارهم و نحرهم مستندا إلى الحجّة عندهم لا ما إذا حكموا بذلك من غير مبالاة، و الظاهر منهم عبر الزمان هو صدورهم عن الحجّة عندهم و هل الرواية ناظرة إلى صورة عدم العلم بالمخالفة، أو لها إطلاق يعمّ كلتا الحالتين؟ لا يبعد الثاني.

ب. ما رواه السيد المرتضى في رسالة «المحكم و المتشابه» نقلا عن تفسير النعماني عن علي (عليه السلام)- في حديث- قال: «و أمّا الرخصة الّتي صاحبها فيها بالخيار فإنّ اللّه نهى المؤمن أن يتّخذ الكافر وليّا، ثمّ منّ عليه بإطلاق الرخصة له- عند التقية في الظاهر- أن يصوم بصيامه، و يفطر بإفطاره، و يصلّ بصلاته، و يعمل بعمله، و يظهر له استعمال ذلك، موسّعا عليه فيه، و عليه أن يدين اللّه في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين». (2)

و الرواية تدلّ على أنّ المؤمن لا يتّخذ المخالف وليا، و لكنّه يتبعه في مقام العمل فيصوم بصيامه و يفطر بإفطاره. فهو يدين اللّه في الباطن بالعقائد الحقّة‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الحديث 7.

(2). الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الحديث 8.

382

و يوافق المخالف في الظاهر خوفا من سطوته.

ج. ما رواه الصدوق باسناده عن علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: «إذا لم يشك فليفطر و إلّا فليصم مع الناس». (1)

فقه الحديث

الظاهر أنّ المراد من قوله يرى الهلال في شهر رمضان، أي يرى الهلال في غروب اليوم الأخير من شهر رمضان، بشهادة أنّه قال: إذا لم يشك (في رؤيته) فليفطر.

فلو كان الحديث بهذا اللفظ لا مصير عمّا ذكرنا. و يدلّ على المقصود.

و لكن يرد على هذا النقل أنّه لو كان المراد ما ذكرنا من رؤية الهلال آخر شهر رمضان فالأظهر أن يقول: أله أن يفطر مع أنّه قال: أله أن يصوم.

و يمكن الذب عنه بأنّ وجه السؤال عن الصيام- مع أن طبع المقام يقتضي أن يقول: أله أن يفطر- هو احتمال وجوب تبعية الناس- عند انفراده بالرؤية- فأمر الإمام بالإفطار لا متابعة الناس. هذا كلّه على نسخة «الفقيه» الموجودة عند صاحب الوسائل.

نعم روى الشيخ الحديث باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) بشكل آخر و قال: «إذا لم يشك فليصم و إلّا فليصم مع الناس». (2)

فلو صحّت هذه النسخة فقد افترض السائل رؤية هلال أوّل شهر‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

(2). الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، ذيل الحديث 1.

383

رمضان، و لذلك أمره الإمام (عليه السلام) بالصيام إذا لم يكن شاكا.

و يؤيد نسخة الشيخ بأنّه قد روي الحديث في مسائل علي بن جعفر بما يوافق نقل الشيخ في «التهذيب» حيث قال: سألته عمّن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ فقال: «إذا لم يشك فيه فليصم وحده، و إلّا يصوم مع الناس إذا صاموا». (1)

و لما كانت نسخة «الفقيه» عند الشيخ تخالف ما في «التهذيب» زعم صاحب الوسائل أنّهما روايتين و قال: «و لا يخفى أنّ المفروض في رواية الصدوق الرؤية في آخر الشهر و في رواية الشيخ الرؤية في أوّله. و الظاهر تعدّد الروايتين». (2)

أقول: الظاهر وحدة الروايتين لتقاربهما في اللفظ، و لمّا كانت نسخة «الفقيه» عند صاحب الوسائل تخالف ما في «التهذيب» جعلهما روايتين، غير أنّ الوافي (3) نقل الرواية عن «الفقيه» موافقا لنسخة الشيخ، فيكون الجميع رواية واحدة منطبقة على نسخة الشيخ.

نعم إنّما يحتجّ به على المقام هو على نسخة «الفقيه» حسب ما رواه صاحب الوسائل حيث أمره الإمام- فيما إذا شكّ في رؤيته- بالصيام مع الناس، في نفس اليوم المشكوك فيدلّ على أنّ الضابطة هي الصوم بصومهم. و أمّا على نسخة الشيخ و نسخة «الوافي» من «الفقيه» فالاستدلال به غير مجد، لأنّ المفروض فيه أنّه قد رأى الهلال قبل أوّل رمضان بيوم، فأمر الإمام بالصوم فيه إذا لم يشك و أمّا إذا شك فظاهر قوله: «و إلّا فليصم مع الناس» أنّه يفطر في نفس اليوم و يصوم غده‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2.

(2). الوسائل: 7، الباب 4 من أبواب أحكام شهر رمضان، ذيل الحديث 2.

(3). الوافي: 11/ 138، الحديث رقم 1564.

384

مع الناس في اليوم الثاني، و من المعلوم أنّ الصوم في اليوم الثاني لأجل أنّه من رمضان قطعا و وجدانا لا تبعا للناس.

د. روى الصدوق باسناده عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم إذا كان شهدا قبل زوال الشمس، و إن شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم». (1)

الظاهر أنّ المراد من الإمام هو الحاكم المطلق الشامل للإمام المعصوم و الحاكم بالحق و الحاكم المخالف، فيدلّ على أنّ حكمه على الموازين المعتبرة عندهم حجّة على الآخرين، و لا يمكن أن يقال: أنّ المراد خصوص الإمام المعصوم (عليه السلام)، أو الحاكم بالحق و إن لم يكن معصوما، إذ لم يكن الإمام المعصوم أو الحاكم بالحقّ متصديا لهذا المقام غالبا عند صدور الرواية.

ه‍. خبر أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: «صم حين يصوم الناس، و افطر حين يفطر الناس، فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل الأهلّة مواقيت». (2)

و الحديث ظاهر في وجوب متابعة الناس في صومهم و إفطارهم و أنّ حكمهم نافذ، سواء أ كان هناك تقية أم لا، غير أنّ القدر المتيقّن هو عدم العلم بالمخالفة.

و هذه الروايات بين ما صحّ سنده و ما لم يصحّ، يدعم بعضها بعضا و يورث الاطمئنان بأنّ الحكم الشرعي في الصيام و الحجّ و الفطر و الأضحى هو متابعة حكم الناس.

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

(2). الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.

385

فقد خرجنا بالنتيجة المذكورة بواسطة هذه الروايات دون أن نتمسك بروايات التقية.

الاستدلال بالسيرة

و يمكن الاستدلال على الإجزاء بالسيرة المستمرة في عصر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) منذ أن قبض الوصي و ابنه (عليهما السلام) و استلم الحكم الأمويون و العباسيون إلى عصر الإمام العسكري (عليه السلام) و الّذي (توفّي عام 260 ه‍)، فقد كان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم يحجّون في أكثر السنوات. و من المقطوع به أنّه ربّما كان الحكم ثابتا عند القضاة و الحكام دون أن يثبت عند الأئمّة (عليهم السلام) و شيعتهم، و مع ذلك كانت السيرة السائدة هي المتابعة.

فإن قلت: إذا كانت المتابعة مجزية فلما ذا التزم الإمام الصادق (عليه السلام) بالقضاء عند ما أفطر بحكم السلطان؟ كما في الرواية التالية:

روى رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دخلت (أي الإمام) على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد اللّه، ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: «ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا و إن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام عليّ بالمائدة، فأكلت معه و أنا أعلم و اللّه أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّه». (1)

قلت:- مضافا إلى أنّ الكلام فيما إذا لم تثبت مخالفة حكم القاضي للواقع، و أمّا في مورد الرواية فالإمام (عليه السلام) يقول: «و أنا أعلم و اللّه أنّه يوم من شهر رمضان»- إنّ إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي يختص بما إذا قام المكلّف بعمل‌

____________

(1). الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الحديث 5.

386

عبادي، كما إذا توضّأ على وفق أهل السنّة، و أمّا في المقام فقد أفطر و لم يصم، فكيف يمكن أن يكون مجزيا عن الأمر الواقعي؟!

الفرع الثالث: فيما إذا علم بالمخالفة

إذا علمت مخالفة حكم القاضي للواقع بعلم قطعي أو بحجّة شرعية و لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الواقع و الظاهر، فهل يكفي اتّباع حكم القاضي أو لا؟

ذهب السيد المحقّق الخوئي إلى أنّه يبدل حجّه إلى العمرة المفردة قال: إذا فرض العلم بالخلاف و انّ اليوم الّذي حكم القاضي بأنّه يوم عرفة هو يوم التروية واقعا، ففي هذه الصورة لا يجزئ الوقوف معهم، فإن تمكّن المكلّف من العمل بالوظيفة و الحال هذه و لو بأن يأتي بالوقوف الاضطراري في المزدلفة دون أن يترتّب عليه أي محذور (و لو كان المحذور مخالفته للتقية) عمل بوظيفته، و إلّا بدّل حجّه بالعمرة المفردة و لا حجّ له، فإن كانت استطاعته من السنة الحاضرة و لم تبق بعدها سقط عنه الوجوب إلّا إذا طرأت عليه الاستطاعة من جديد. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ ما أفتى به من العدول إلى العمرة المفردة إذا لم يتمكّن من الوقوف الاضطراري في المزدلفة على خلاف الاحتياط، إذ من المحتمل أن تكون متابعة حكم القاضي واجبا و مجزئا في الواقع فمقتضى الاحتياط متابعة الحكم إلى نهاية الأمر ثمّ الإتيان بالعمرة المفردة.

و ثانيا: أنّه يظهر من الروايات الواردة في كتاب الصوم أنّه اتّفق في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) مخالفة حكم القاضي للواقع حيث إنّ الإمام أفطر يومه، و هو‌

____________

(1). المعتمد: 5/ 152- 153.

387

يعترف بأنّ هذا اليوم من شهر رمضان كما في الحديث السابق في مرسلة رفاعة حيث قال الإمام (عليه السلام): «و أنا أعلم و اللّه انّه يوم من شهر رمضان». (1)

فإذا اتّفق ذلك في عيد الفطر فليس من البعيد أنّه اتّفق مثله في يوم الأضحى، إذ من البعيد أن لا يتّفق ذلك طيلة مائتي و بضع سنين من عصر الإمام الحسن المجتبى إلى عصر الإمام العسكري (عليهم السلام).

على أنّه يمكن ادّعاء الإطلاق فيما نقلناه من الروايات و شمولها لكلتا الحالتين:

1. عدم العلم بالمخالفة.

2. العلم بها.

نعم العلم بالمخالفة كما أفاده المصنّف نادر.

و ممّا يؤيّد كون السيرة على المتابعة أنّ المسألة غير معنونة في كتب الأصحاب، و لذلك يقول صاحب الجواهر: نعم بقي شي‌ء مهم تشتد الحاجة إليه كأنّه أولى من ذلك كلّه بالذكر، و هو أنّه لو قامت البيّنة عند قاضي العامة و حكم بالهلال على وجه يكون يوم التروية عندنا، عرفة عندهم فهل يصحّ للإمامي الوقوف معهم أو لا؟- إلى أن قال:- لم أجد لهم كلاما في ذلك.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر حاول أن يثبت القول بالإجزاء عن طريق قاعدة لا‌

____________

(1). و هذه القضية مروية في الوسائل بثلاثة أسانيد، و الظاهر اتحاد الرواية و إن اختلفت الأسانيد فقد رواها كما عرفت:

1. رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

2. داود بن الحصين، عن رجل من أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

3. البزنطي، عن خلّاد بن عمارة. و لعلّ المراد بالرجل في الأوّلين هو خلّاد بن عمارة. لاحظ الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك، الحديث 4 و 5 و 6.

388

حرج و قال: و لا يبعد القول بالإجزاء إلحاقا له بالحكم للحرج، و احتمال مثله في القضاء، و قد عثرت على الحكم بذلك منسوبا للعلّامة الطباطبائي، و لكن مع ذلك الاحتياط لا ينبغي تركه. (1) و الظاهر عدم وصول النوبة إليها مع إمكان إثبات الاجزاء بالروايات الواردة حول الفطر و الأضحى على ما مرّ.

و اعلم أنّ هذه المسألة كما سبق في صدر البحث يمكن الاستدلال عليها بطريقين:

1. ما سلكناه من الاستدلال بالروايات الخاصة في المورد و السيرة المستمرة.

2. الاستدلال على الإجزاء بروايات التقية، و هو موكول إلى محلّه.

____________

(1). الجواهر: 19/ 32.

389

الفصل التاسع عشر القول في الوقوف بالمشعر الحرام

390

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

391

القول في الوقوف بالمشعر الحرام يجب الوقوف بالمشعر من طلوع الفجر من يوم العيد إلى طلوع الشمس، و هو عبادة يجب فيه النية بشرائطها، و الأحوط وجوب الوقوف فيه بالنية الخالصة ليلة العيد بعد الإفاضة من عرفات إلى طلوع الفجر، ثمّ ينوي الوقوف بين الطلوعين، و يستحبّ الإفاضة من المشعر قبل طلوع الشمس بنحو لا يتجاوز عن وادي محسّر، و لو جاوزه عصى و لا كفّارة عليه، و الأحوط الإفاضة بنحو لا يصل قبل طلوع الشمس إلى وادي محسّر، و الركن هو الوقوف بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بمقدار صدق مسمّى الوقوف و لو دقيقة أو دقيقتين، فلو ترك الوقوف بين الطلوعين مطلقا بطل حجّه بتفصيل يأتي.* (1)

____________

(1)*

هنا فروع:

1. وقت الوقوف بالمشعر من طلوع الفجر من يوم العيد إلى طلوع الشمس.

2. وقت الوقوف بالمشعر بين الطلوعين عبادة تعتبر فيها النية و القربة.

3. الأحوط وجوب الوقوف بالنية الخالصة بالمشعر بعد الإفاضة من عرفات إلى طلوع الفجر. ثمّ تجديد النية للوقوف بين الطلوعين.

4. استحباب الإفاضة من المشعر قبل طلوع الشمس بنحو لا يتجاوز وادي محسّر أو لا يدخله.

392

5. الواجب هو الوقوف بالمشعر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بنحو الاستيعاب.

6. الواجب الركني هو المقدار الّذي يصدق عليه مسمّى الوقوف.

7. لو ترك الوقوف بين الطلوعين لبطل الحجّ على نحو يأتي تفصيله.

و إليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر.

الفرع الأوّل: الوقوف بالمشعر بين الطلوعين

إذا غربت الشمس و زالت الحمرة من جانب الشرق في عرفات تجب الإفاضة منها إلى المشعر الحرام، قال سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ وَ اذْكُرُوهُ كَمٰا هَدٰاكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّٰالِّينَ. (1)

أمّا قوله سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ ... فهو إذن في التجارة في أثناء الحجّ، و قوله: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ بمعنى أنّه إذا اندفعتم من عرفات إلى المزدلفة عن اجتماع و كثرة.

يقال: أفاض الرجل إناءه: إذا صبّه، كما يقال: أفاض البعير بجرّته إذا رمى بها متفرقة كثيرة. فالإفاضة في اللغة لا تكون إلّا عن تفرق.

و معنى الآية: إذا اندفعتم (فكونوا) بالمشعر الحرام و اذكروا اللّه عنده.

و قوله: كَمٰا هَدٰاكُمْ يحتمل أن تكون الكاف بمعنى اللام أي (لما هداكم)، و يحتمل أن تكون للتشبيه أي بالنحو الّذي علّمكم.

فالآية تدلّ على وجوب الوقوف في المشعر، و ذلك لأنّ ذكر اللّه سبحانه‌

____________

(1). البقرة: 198.

393

الدالّ عليه قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللّٰهَ لا يكون إلّا بالكون فيه. سواء أ كان ساكنا أم متحركا.

فالآية دلّت على وجوب الوقوف بالمشعر.

أمّا حدّ المشعر مكانا ففي صحيحة معاوية بن عمّار: قال: حدّ المشعر الحرام من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر. (1)

و يظهر من صحيح زرارة انّ الحياض في وادي محسّر. روى عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال للحكم بن عتيبة: ما حد المزدلفة؟ فسكت فقال أبو جعفر (عليه السلام): «حدّها ما بين المأزمين إلى الجبل إلى حياض محسر». (2)

و على هذا فالمأزمان، و هما الطريقان الضيّقان، حد المزدلفة من جهة الشرق عند الإفاضة من عرفات، و «وادي محسّر» حدّها من جانب الغرب، و هو واد صغير يقع بين المزدلفة و منى، فليس من منى و لا من المزدلفة. و يربط مزدلفة بعرفات طريقان:

- طريق المأزمين.

- و طريق ضب. (3)

و أمّا حدّه زمانا من حيث المبدأ و المنتهى فإليك بيانه، فيجب الرجوع فيه إلى السنّة.

مبدأ الوقوف في المشعر

فالمشهور أنّه طلوع الفجر.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 8، من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(3). معجم معالم الحجاز، كما في مبادئ علم الفقه: 266.

394

قال المحقّق: و أن يكون الوقوف بعد طلوع الفجر، و ذكر صاحب المدارك بعد هذه الجملة: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب ثمّ استدلّ ببعض الروايات. (1)

قال العلّامة في «المنتهى»: و يجب الوقوف بعد طلوع الفجر الثاني الّذي تجب معه الصلاة. (2)

و قال في «الدروس»: رابعها: الوقوف بعد الفجر إلى طلوع الشمس. (3)

و قال في «الجواهر»: المعروف المصرّح به في كلام جماعة من الأصحاب أنّ الواجب الوقوف من حين تحقّق طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فتجب النية حينئذ مقارنة لطلوع الفجر، و لكن الواجب الركني منه مسمّاه و الباقي واجب غير ركن. (4)

إذا عرفت ذلك فنقول: يدلّ عليه من الروايات ما يلي:

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أصبح على طهر بعد ما تصلّي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل، و إن شئت حيث شئت». (5)

وجه الدلالة: أنّ قوله: «أصبح على طهر» يدلّ على وجوب الدخول في الصبح على طهر، أي أن يطلع الفجر عليك و أنت متطهّر، فيدلّ على أنّ المبدأ للوقوف مع الطهر هو طلوع الفجر، غاية الأمر دلّ الدليل على عدم وجوب الطهر عند طلوع الفجر فنرفع اليد عنه و نأخذ بوجوب الإصباح، أي الدخول في الصبح‌

____________

(1). المدارك: 7/ 423.

(2). المنتهى: 11/ 81.

(3). الدروس: 1/ 423.

(4). الجواهر: 19/ 75- 76.

(5). الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

395

- مستيقظا- حين طلوع الفجر. و الرواية كما تدلّ على مبدأ الوقوف تدلّ على وجوب النية عنده.

و أورد عليه صاحب الجواهر: بأنّه على خلاف المطلوب أدلّ، فهو ظاهر في عدم وجوب النية عند طلوع الفجر. (1) بل ينوي الوقوف بعد صلاة الفجر.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على تعلّق الظرف (بعد ما تصلّي الفجر) بالفعل أي «أصبح» فيكون المعنى، بعد ما صلّيت صلاة الفجر، أصبح على طهر و انو الوقوف بالمشعر على طهر من هذه الساعة.

و لكن الظاهر أنّ الظرف متعلّق ب‍ «طهر» و المراد به: ادخل في الصباح على طهر حافظا له إلى ما بعد صلاة الفجر، أي كن على طهر بين الطلوعين.

2. النصوص الواردة في الترخيص للنساء و الضعفاء و الخائفين و غيرهم من المعذورين في الإفاضة قبل الفجر، فإنّها ظاهرة في اختصاص الرخصة بهم لا غير.

ففي مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا بأس أن يفيض الرجل بليل إذا كان خائفا». (2)

و قد تضافر هذا المضمون في الروايات التي عقد لها صاحب الوسائل بابا، و وجه الدلالة انّ تجويز الإفاضة بالليل كناية عن خروجهنّ قبل طلوع الفجر، فيدلّ على وجوب الوقوف في المشعر من الفجر.

و هذا يدلّ على أنّ الإفاضة بالليل تختصّ بهم، و أمّا غيرهم فلا يجوز لهم الخروج ليلا، أي قبل الفجر.

____________

(1). الجواهر: 19/ 77.

(2). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

396

منتهى الوقوف بالمشعر

اختلفت كلمات الأصحاب في منتهى الوقوف، و لكن المشهور هو أنّ المنتهى هو طلوع الشمس، و إليك بعض الكلمات:

و قال الصدوقان: لا يجوز للرجل الإفاضة قبل طلوع الشمس و لا من عرفات قبل غروبها فيلزمه الدم. (1)

قال الشيخ: فإذا كان قبيل طلوع الشمس بقليل رجع إلى منى و لا يجوز وادي محسّر إلّا بعد طلوع الشمس. (2)

و دلالة العبارة على أنّ المنتهى هو طلوع الشمس واضحة، فمراده أنّه إذا قرب طلوع الشمس و لم يبق إلّا دقائق لطلوعها يتهيّأ للخروج على نحو لا يدخل وادي محسّر إلّا بعد طلوع الشمس. فالمراد بالتجاوز هو الدخول، لأنّ وادي محسّر هو من حدود المشعر و ليس منه، بل واد متوسط بين المشعر و منى.

و قال المفيد: و إذا طلعت الشمس فليفض منها إلى منى و لا يفيض قبل طلوع الشمس إلّا مضطرا. (3)

و إليه ذهب السيد المرتضى و سلّار و أبو الصلاح الحلبي.

نعم اختار العلّامة في «المختلف» جواز الإفاضة من المشعر قبل طلوع الشمس، و وافقه من القدماء ابن أبي عقيل. و هو خيرة ابن إدريس أيضا في «السرائر». (4)

____________

(1). مختلف الشيعة: 4/ 247.

(2). النهاية: 252.

(3). المقنعة: 417.

(4). السرائر: 1/ 589.

397

و يدلّ على قول المشهور أمور:

1. التأسّي بالنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم حسب ما رواه معاوية بن عمّار في حديث صفة حج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «ثم أقام حتى صلّى فيها الفجر و عجل ضعفاء بني هاشم بالليل، و أمرهم أن لا يرموا الجمرة (جمرة العقبة) حتى تطلع الشمس، فلمّا أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى». (1)

2. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيه: فإذا وقفت- بالمشعر- فأحمد اللّه عز و جل ...- و ممّا يدعو اللّه به قوله-: فاجعل جائزتي في موطني هذا أن تقيلني عثرتي، و تقبل معذرتي، و أن تجاوز عن خطيئتي، ثمّ اجعل التقوى من الدنيا زادي» ثمّ أفض حين يشرق لك ثبير و ترى الإبل مواضع أخفافها. (2)

أمّا فقه الحديث: انّ ثبير جبل بين مكّة و منى و يرى من منى على يمين الداخل منها إلى مكة.

قال في «لسان العرب»: و ثبير: جبل بمكّة، و يقال: أشرق ثبير كيما نغير؛ و هي أربعة أثبرة: ثبير غيناء، و ثبير الأعرج، و ثبير الأحدب، و ثبير حراء.

و في الحديث ذكر ثبير، قال ابن الأثير: و هو الجبل المعروف عند مكّة ... (3)

و الجملة كناية عن طلوع الشمس، يقال: أشرق ثبير، أي طلعت الشمس. فتدلّ الرواية على أنّ المنتهى هو طلوع الشمس.

2. ما رواه أيضا معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثم أفض حيث‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4. و القدر المتيقن من الإضاءة هو طلوع شمس النهار.

(2). الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1. و نقلنا الحديث من الكافي: 4/ 468، إذ في الوسائل يوجد تصحيف حيث جاء مكان يشرق: يشرف.

(3). لسان العرب: 4/ 100، مادة «ثبر».

398

يشرق لك ثبير و ترى الإبل مواضع أخفافها». قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كان أهل الجاهلية يقولون: أشرف ثبير (يعنون الشمس) كيما نغير». (1)

و الرواية صريحة في أنّ الجملة كناية عن طلوع الشمس، ثمّ سقط قوله:

(يعنون الشمس) من نسخة الوسائل، و لكنّها موجودة في «التهذيب». (2)

و بذلك يظهر ضعف ما احتمله صاحب الجواهر في تفسير الحديث حيث قال: إنّ الأمر بالإفاضة «حيث يشرق لك ثبير و حين ترى الإبل مواضع أخفافها» أعمّ من ذلك، و الظاهر إرادة الاسفار من الإشراق فيه، بقرينة قوله: و ترى الإبل إلى آخره الّذي لا يعبر به عن بعد طلوع الشمس. (3)

3. خبر هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تجاوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس». (4)

و تدلّ الرواية على أنّ المطلع هو المنتهى، سواء أقلنا بأنّ المراد من النهي عن تجاوز المحسّر، هو عدم دخوله بناء على أنّه حدّ المشعر و ليس منه، أو المراد دخول و عدم التجاوز عنه كما عليه جماعة. و سيأتي في الفرع الرابع ما له صلة بالمقام.

4. ما رواه عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «إنّ اللّه بعث جبريل إلى آدم- إلى أن قال:- فلما انتهى إلى جمع ثلث الليل، فجمع فيها المغرب و العشاء تلك الليلة ثلث الليل في ذلك الموضع، ثمّ أمره أن ينبطح في بطحاء‌

____________

(1). الوسائل: 11، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5. قوله كيما نغير: أي نسرع و ننحدر إلى منى يقال: «شنّ الغارة عليهم: فرق الخيل و صبّها عليهم من جهة، و السند صحيح و إبراهيم الأسدي هو إبراهيم بن صالح الأنماطي الاسدي الثقة. و الظاهر انّ هذه الرواية غير ما مضى في الرقم السابق لاختلافهما في المضمون.

(2). التهذيب: 5/ 192، رقم الحديث 941.

(3). الجواهر: 19/ 76.

(4). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

399

جمع، فانبطح في بطحاء جمع حتّى انفجر الصبح، فأمره أن يقعد على الجبل جبل جمع، و أمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه سبع مرّات». (1)

جواز النفر قبل الطلوع في بعض الروايات

ربّما يستدلّ (2) على جواز النفر قبل طلوع الشمس بحديثين:

1. مرسل علي بن مهزيار، عمّن حدّثه، عن حمّاد بن عثمان، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ينبغي للإمام أن يقف بجمع حتى تطلع الشمس، و سائر الناس إن شاءوا عجّلوا و إن شاءوا أخّروا». (3)

فلو عجّلوا خرجوا قبل طلوع الشمس، و هذا هو مراد صاحب الجواهر حيث يقول: المرسل ظاهر في خلاف ما هو المشهور. (4)

يلاحظ عليه: أنّ التعجيل، هو ضد التأخير، فمن يؤخّر، يبقى في مكانه إلى أن تطلع الشمس، و من يعجل يتهيّأ للخروج بترك مكانه و يسير إلى جانب الوادي، فيكون المقصود هو أنّ غير الإمام يتهيّأ للإفاضة و ربّما يفيض إلى شفير وادي محسّر، حتّى إذا طلعت الشمس، يدخل الوادي و يفيض، بخلاف الإمام فبما أنّه رائد و مشرف على إفاضة الحجاج في ظعنهم و ترحالهم، يبقى في مكانه (الجمع) حتّى يترك الجميع أرض الجمع.

2. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) أي ساعة أحبّ إليك أن أفيض من جمع؟ قال: «قبل أن تطلع الشمس بقليل فهو أحبّ‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 21.

(2). الجواهر: 19/ 77.

(3). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.

(4). الجواهر: 19/ 77.

400

الساعات إليّ» قلت: فإن مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال: «لا بأس». (1)

يلاحظ عليه: بمثل ما سبق، فإنّ الافاضة قبل طلوعها إنّما هو في مقابل مكثه في المشعر إلى أن تطلع، فلا ملازمة بين ترك المكث قبل أن تطلع الشمس بقليل و الخروج عن المشعر فيكون المراد من الإفاضة هو الأخذ بها قبل طلوعها، و هو عند الزحام يأخذ من الإنسان وقتا كثيرا، على نحو ربّما يدخل وادي محسّر بعد أن أشرقت الشمس و أضاءت الوادي كلّه.

فما نسب إلى المشهور، هو المنصور و عليه سيرة الشيعة عبر الزمان.

و أمّا المصنف فقد أفتى بجواز استحباب الإفاضة من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس بشرط أن لا يتجاوز وادي محسّر، ثمّ احتاط و قال: الأحوط الإفاضة بنحو لا يصل قبل طلوع الشمس إلى وادي محسّر، فالمنتهى عنده هو طلوع الشمس، غاية الأمر أفتى بجواز الدخول في وادي محسّر لا غير، و إن احتاط بعد هذا الكلام بعدم الدخول. و سيوافيك ما له صلة بالمقام في الفرع الرابع.

الفرع الثاني: الوقوف بالمشعر عبادة

قد تقدّم بيان الفرع من الوقوف بعرفات و قلنا: إنّ الوقوف جزء من أجزاء الحجّ، و الأمر به عبادي و قربي. و الأجزاء لا يؤتى بها إلّا بنية الأمر بالكلّ. فإذا كان الأمر به عباديا، يكون الجزء أيضا فعلا عباديا، تتوقّف صحّته على النية و التقرب.

و لذلك تجب النية عند مطلع الفجر، و لأجل المقدّمة العلمية ربّما ينوي شيئا قبله، نعم الداعي المخزون في الذهن كاف.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

401

الفرع الثالث: البيتوتة بالمشعر بعد نصف الليل

هل تجب البيتوتة بالمشعر بعد نصف الليل أو لا و هي على فرض وجوبها، واجب آخر غير الوجوب بين الطلوعين، و لذا لا يكون تركه عمدا موجبا للفساد، ظاهر كلّ من عبّر بأنّ الوقوف بعد طلوع الفجر، انحصار الوجوب بالوقوف بعد الفجر.

قال في «المدارك» عند قول المحقّق «و أن يكون الوقوف بعد طلوع الفجر»:

ليس في العبارة دلالة على وجوب المبيت بالمشعر. (1)

أقول: بل يمكن أن يقال: فيها إيماء إلى انحصار الوجوب فيه.

و على كلّ تقدير ذهب العلّامة في «التذكرة» إلى عدم وجوب المبيت قال:

إنّا لا نوجب المبيت و لا نجعله ركنا. (2)

و يظهر من الشهيد التفصيل قال في عداد واجبات المشعر: و ثانيها المبيت به تأسّيا بالنبي، و قيل: ليس ركنا، و في «التذكرة» ليس بواجب، و الأشبه أنّه ركن عند عدم البدل في الوقوف نهارا (يريد بين الطلوعين) فلو وقف ليلا لا غير و أفاض قبل طلوع الفجر صحّ و جبره بشاة. (3)

و يظهر من «الرياض» اختيار قول «الدروس». (4)

و استظهر في «الجواهر» (5) وجوبه بالأدلّة التالية:

1. التأسي بالنبي. (6)

____________

(1). المدارك: 7/ 423.

(2). التذكرة: 8/ 204.

(3). الدروس: 1/ 423.

(4). رياض المسائل: 6/ 388.

(5). الجواهر: 19/ 73.

(6). الوسائل: 9، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 4.

402

يلاحظ عليه: أنّ الفعل أعمّ من الوجوب.

2. صحيحة معاوية بن عمّار و حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- «و لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة». (1)

وجه الدلالة: أنّ النهي عن تجاوز الحياض فرع تواجده في المشعر.

يلاحظ عليه: أنّ الحديث ورد على وفق السيرة المستمرة للحجاج فإنّ الأغلبية لو لا الجميع يفيضون من عرفات إلى المشعر و يبيتون فيه للاستعداد للوقوف بين الطلوعين، ففي هذا الظرف ينهاه الإمام عن تجاوز الحياض التي هي بمعنى مجتمع الماء و خارجة عن المشعر. ففي صحيح معاوية بن عمار قال: حدّ المشعر الحرام من المأزمين إلى الحياض، إلى وادي محسر. (2) و على هذا فلا تدل على لزوم المبيت.

3. صحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أصبح على طهر بعد ما تصلّي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل». (3) حيث يظهر منه المفروغية من المبيت ليلة العيد.

يلاحظ عليه: أنّ الإصباح على طهر غير متوقف على المبيت، بل يكفي الوصول إليه قبل الفجر بقليل، فالتواجد في المشعر قبل الفجر من باب المقدمة العلمية ليصبح على طهر بعد الفجر، لا أنّه يكون واجبا مستقلا. فللزائر المبيت بعرفات إلى قبيل الفجر الصادق و دخول المشعر عنده.

4. ما نقلناه في الفرع الأوّل من أنّ آدم (عليه السلام) أمر أن ينبطح في بطحاء جمع،

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(3). الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

403

فانبطح حتى انفجر الصبح (1). فيدلّ على أنّه بات في المشعر إلى انفجار الصبح.

لكنّ السند ضعيف بابن سنان أوّلا، و أنّه نقل فعل لا يدلّ على الوجوب ثانيا و إنّما يصلح للتأييد، لو كان هناك دليل، كما سبق في الفرع الأوّل، و البطح قبل الفجر يتحقق و لو بالمكث قبل الفجر بقليل.

الفرع الرابع: الإفاضة قبل طلوع الشمس

يستحب لغير الإمام أن يفيض من المشعر قبل طلوع الشمس، بشرط أن لا يتجاوز حد المشعر. قال العلّامة: يستحب لغير الإمام أن يكون خروجه من المزدلفة قبل طلوع الشمس بقليل و للإمام بعد طلوعها- إلى أن قال:- و به قال الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي؛ لما رواه العامة من حديث جابر: انّ النبي لم يزل واقفا حتّى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس. (2)

و نقل في الجواهر عنها: إذا أفاض من المشعر قبل طلوع الشمس فلا يجوز وادي محسّر حتّى تطلع الشمس مستحبا. (3)

و قال الشهيد: و لو أفاض قبل طلوع الشمس و لمّا يتجاوز محسّرا فلا بأس، بل يستحب، و إن تجاوزه اختيارا أثم و لا كفّارة. و قال الصدوقان: عليه شاة. (4)

و هل الميزان عدم تجاوز وادي محسّر أو عدم دخوله؟

قال المصنّف بالأوّل بعدم التجاوز عن وادي محسّر، ثمّ احتاط بعدم الدخول: ففي صحيحة معاوية بن عمّار قال: «حد المشعر الحرام من المأزمين إلى‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 4 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6؛ علل الشرائع: 2/ 444، الحديث 1.

يقال: تبطح، و انبطح، و استبطح الوادي: انبسط، و انبطح الرجل: انطرح على وجهه، الباطح:

المستلقي على وجهه.

(2). التذكرة: 8/ 206.

(3). الجواهر: 19/ 76.

(4). الدروس: 1/ 423.

404

الحياض إلى وادي محسّر». (1)

و المأزم: الطريق الضيق بين جبلين، و يقال للموضع الّذي بين عرفة و المشعر: مأزمان، و على هذا فالحدود الثلاثة خارجة عن الموقف.

و مثلها رواية أبي بصير: حدّ المزدلفة من وادي محسّر إلى المأزمين. (2) و لعلّه لذلك احتاط المصنّف بعدم الدخول.

و المتيقن هو الثاني. نعم ورد النص كما في موثق سماعة جواز الوقوف بالمأزمين عند الزحام. (3)

الفرع الخامس: الواجب هو الوقوف الاستيعابي

قد عرفت في الفرع الأوّل أنّه يجب الوقوف في المشعر بين طلوعي الفجر و الشمس، فيقع الكلام فيما هو الواجب، و المستفاد من الروايات أنّ الواجب هو الوقوف الاستيعابي بين الطلوعين، بمعنى أنّه لا يشذ جزء من الزمان من بين الطلوعين إلّا و هو موجود في المشعر.

و هذا هو الظاهر من كلّ من منع عن تجاوز وادي محسّر قبل طلوع الشمس، لأنّ الوادي من حدود منى، فالمنع عن الدخول فيه قبل طلوع الشمس بمعنى لزوم الوقوف بين الطلوعين في المشعر. فلو لم يجب الوقوف بينهما إلى نهاية الحدّ لما منع من تجاوز وادي محسّر قبل طلوعها.

قال الشهيد في «الدروس»: لو أفاض قبل طلوع الشمس و لمّا يتجاوز محسّرا فلا بأس. (4)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.

(3). الوسائل: 10، الباب 9 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(4). الدروس: 1/ 423.

405

و لكن يظهر من ابن إدريس خلافه حيث قال: و ملازمة الموضع إلى طلوع الشمس مندوب غير واجب. (1)

و قال العلّامة في «التذكرة»: لو دفع قبل الإسفار بعد الفجر أو بعد طلوع الشمس لم يكن مأثوما إجماعا. (2)

و قال في «المنتهى» بمثل هذه العبارة. (3)

و صريح صاحب الجواهر عدم وجوب الاستيعاب. (4)

أقول: سواء أدلّت بعض هذه العبارات على جواز الإفاضة قبل طلوع الشمس، أو قلنا بأنّها ناظرة إلى التهيّؤ للخروج و الإفاضة قبل طلوع الشمس بقليل على نحو لا يدخل وادي محسّر إلّا و قد أشرقت الشمس، إنّ الواجب هو الوقوف الاستيعابي. و ذلك لأنّ قوله في صحيحة معاوية بن عمار: «ثم أفض حيث يشرق لك ثبير» (5) حاك عن وجوب الوقوف إلى مطلع الشمس، و هو عبارة أخرى عن وجوب الاستيعاب.

و نظيره خبر هشام بن الحكم الناهي عن تجاوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس. (6) و قد عرفت أنّ النهي عن التجاوز بمعنى المنع عن الدخول، مضافا إلى التأسّي بالنبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و سلم و إن كان الفعل أعمّ من الوجوب.

الفرع السادس: ما هو الواجب الركني؟

قد تقدّم معنى الركن و انّه يختلف عن الواجب، فترك الركن يوجب البطلان‌

____________

(1). السرائر: 1/ 589.

(2). التذكرة: 8/ 207.

(3). منتهى المطلب: 11/ 96.

(4). الجواهر: 19/ 76.

(5). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.

(6). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

406

عمدا لا سهوا، و أمّا الواجب فهو ما لا يوجب تركه عمدا و لا جهلا فساد الحجّ و إنّما يوجب التكفير.

إنّ الواجب الركني في المشعر هو مسمّى الوقوف و لو كان دقيقة أو دقيقتين، و بما أنّ المبيت غير واجب عندنا إلى طلوع الفجر فلا محال يكون الجزء الركني محددا بما بين الطلوعين، و يدلّ على ما ذكرنا روايات:

1. صحيحة محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحد الّذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج؟ فقال: «إذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج و لا عمرة له، و إن لم يأت جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حجّ له». (1)

و إطلاق الصحيحة يشمل ما إذا وقف زمانا أقلّ من بين الطلوعين حيث يصدق عليه قوله: «أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس».

2. صحيحة ابني علي الحلبيين- أعني: عبد اللّه و عمران- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحجّ». (2)

و عدم الفوت يصدق و لو بإدراك جزء قليل من بين الحدّين.

3. صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أدرك المشعر الحرام و عليه خمسة من الناس فقد أدرك الحجّ». (3)

«فإدراك المشعر مع ما فيه من جماعة قليلة» يصدق على من دخله أثناء الطلوعين و هم فيه.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(3). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 10.

407

4. خبر إسحاق بن عبد اللّه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكّة مفردا للحجّ فخشي أن يفوته الموقف، فقال: «له يومه (1) إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حجّ»، فقلت: كيف يصنع بإحرامه؟

قال: «يأتي مكّة فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة»، فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد؟ قال: «إن شاء أقام بمكّة، و إن شاء رجع إلى الناس بمنى، و ليس منهم في شي‌ء، و إن شاء رجع إلى أهله و عليه الحجّ من قابل». (2)

و الشاهد في قوله: «له يومه إلى طلوع الشمس من يوم النحر».

فمن أدرك شيئا من بين الطلوعين يصدق عليه قوله: «له يومه إلى طلوع الشمس».

فظهر ممّا ذكرنا أمران:

1. أنّ الواجب هو الوقوف الاستيعابي بين الطلوعين بحيث لا يخلو ذلك الزمان من وجوده بالمشعر.

2. أنّ الركن هو الوقوف في جزء من الوقت.

و بما أنّا قلنا: إنّ المبيت غير واجب فتجب النيّة قبل طلوع الفجر بجزء حتى يكون عند طلوعه على نية. و لكن الداعي المخزون في قلبه من حين الإفاضة من عرفات كاف عن تجديد النية.

الفرع السابع: حكم ترك الوقوف بين الطلوعين عمدا

يأتي هذا الفرع في المسألة الثانية، و يتّضح لك ما هو المقصود من التفصيل‌

____________

(1). يريد من اليوم مقدار ما بين الطلوعين.

(2). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.

408

[المسألة 1: يجوز الإفاضة من المشعر ليلة العيد بعد وقوف مقدار منها]

المسألة 1: يجوز الإفاضة من المشعر ليلة العيد بعد وقوف مقدار منها للضعفاء- كالنساء و الأطفال و الشيوخ- و من له عذر- كالخوف و المرض- و لمن ينفر بهم و يراقبهم و يمرضهم، و الأحوط الذي لا يترك أن لا ينفروا قبل نصف الليل، فلا يجب على هذه الطوائف الوقوف بين الطلوعين.* (1)

____________

في كلام المصنف في المقام.

(1)* تقدّم أنّه يجب الوقوف بين الطلوعين في المشعر واجبا و ركنا.

و لكن استثنى (قدّس سرّه) طوائف ثلاث:

1. الضعفاء كالنساء و الأطفال و الشيوخ.

2. من له عذر كالحائض و المريض.

3. و من ينفر بهم و يراقبهم و يمرّضهم.

ثمّ احتاط بعدم النفر قبل انتصاف الليل.

و المسألة محلّ اتّفاق.

قال المحقّق: و تجوز الإفاضة قبل الفجر للمرأة و من يخاف من غير جبران. (1)

و قال في «التذكرة»: يجوز للخائف و غيرهم من أصحاب الأعذار و الضرورات الإفاضة قبل طلوع الفجر من مزدلفة إجماعا لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «يقدّم ضعفة أهله في النصف الأخير من المزدلفة». (2)

و قال في «المنتهى» بعد بيان المسألة: و هو قول كلّ من يحفظ عنه العلم لما‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 256.

(2). التذكرة: 8/ 205.