الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
468 /
409

رواه الجمهور: أنّ رسول اللّه أمر أمّ سلمة فأفاضت في النصف الأخير من المزدلفة، و أذن لسودة أيضا. (1)

و قال في «المدارك» بعد كلام المحقّق المتقدّم: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب. (2)

و وصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده. (3) و يدلّ عليه الروايات التالية:

1. صحيحة معاوية بن عمّار في وصف حج النبي: «ثم أفاض و أمر الناس بالدعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة و هي المشعر الحرام فصلّى المغرب و العشاء و الآخرة بأذان واحد و إقامتين، ثمّ أقام حتّى صلّى فيها الفجر و عجل ضعفاء بني هاشم بالليل، و أمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتّى تطلع الشمس». (4)

2. مرسلة جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا بأس أن يفيض الرجل بليل إذا كان خائفا». (5)

3. صحيحة سعيد الأعرج قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهنّ بليل؟ فقال: «نعم، تريد أن تصنع كما صنع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم؟» قلت: نعم، قال: «أفض بهن بليل، و لا تفض بهنّ حتى تقف بهنّ بجمع، ثمّ أفض بهنّ حتّى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهنّ و يقصّرن من أظفارهنّ، و يمضين إلى مكّة في وجوههنّ، و يطفن بالبيت و يسعين بين الصفا و المروة ثمّ يرجعن إلى البيت و يطفن أسبوعا،

____________

(1). المنتهى: 11/ 92.

(2). المدارك: 7/ 427.

(3). الجواهر: 19/ 77.

(4). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4.

(5). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

410

ثمّ يرجعن إلى منى و قد فرغن من حجّهنّ، و قال: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أرسل معهنّ أسامة». (1)

4. صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «رخّص رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم للنساء و الصبيان أن يفيضوا بليل، و أن يرموا الجمار بليل، و أن يصلّوا الغداة في منازلهم، فإن خفن الحيض مضين إلى مكّة و وكلن من يضحي عنهنّ». (2)

5. صحيحة أبي بصير الثانية، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «رخّص رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم للنساء و الضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل، و أن يرموا الجمرة بليل، فإذا أرادوا أن يزوروا البيت وكّلوا من يذبح عنهن». (3)

6. صحيحة أبي بصير الثالثة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا بأس بأن يقدّم النساء إذا زال الليل فيقفن عند المشعر ساعة، ثمّ ينطلق بهنّ إلى منى فيرمين الجمرة، ثمّ يصبرن ساعة، ثمّ يقصرن و ينطلقن إلى مكّة فيطفن، إلّا أن يكن يردن أن يذبح عنهنّ فإنّهنّ يوكّلن من يذبح عنهنّ». (4)

7. خبر علي بن عطية، قال: أفضنا من المزدلفة بليل أنا و هشام بن عبد الملك الكوفي، فكان هشام خائفا فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع الفجر، فقال لي هشام: أي شي‌ء أحدثنا في حجّنا؟ فنحن كذلك إذ لقينا أبو الحسن موسى (عليه السلام) قد رمى الجمار و انصرف، فطابت نفس هشام. (5)

أمّا النساء و الأطفال و الشيوخ في المتن فهم من مصاديق الضعفاء، و قد ورد استثناء الضعفاء في صحيحة معاوية بن عمّار حيث قال: «إنّه صلى اللّه عليه و آله و سلم عجّل ضعفاء‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(3). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6.

(4). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 7.

(5). الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب جمرة العقبة، الحديث 3.

411

بني هاشم»، كما ورد استثناؤهم في صحيحة أبي بصير الثانية، و جعلوا في مقابل النساء.

و كان عليه أن يعطف عليهم المرضى فالمستثنى في هذه الروايات إمّا قضية شخصية كأمّ سلمة و سودة؛ أو قضية حقيقية، كالضعفاء و النساء و الصبيان و الخائف و من يلي أمرهم، فإنّهم في ذاك الوقت من الضعفاء، غير أنّ ضعف الأخيرين طبيعي بخلاف المريض فإنّه عرضي.

و أمّا خصوص النساء فقد استثنيت في صحيحة سعيد الأعرج و صحاح أبي بصير الأولى و الثانية و الثالثة.

و أمّا الخائف فقد جاء استثناؤه في مرسلة جميل، و خبر علي بن عطية.

و ضعف السند منجبر بالعمل أوّلا، و إمكان انتزاع الضابطة الكلية من الروايات الواردة في المقام، و هي استثناء ذوي الأعذار كائنا من كان ثانيا. و أمّا استثناء من يلي أمرهن فقد جاء في صحيحة سعيد الأعرج حيث قال الإمام: «أفض بهن بليل».

نعم احتاط المصنّف بعدم النفر بهن قبل انتصاف الليل، و لعلّه استند إلى قوله في صحيحة أبي بصير الثالثة: «لا بأس بأن يقدّم النساء إذا زال الليل»، و هل هو كناية عن انتصاف الليل، أو كناية عن انتهاء الليل بطلوع الفجر؟ و قد فهم الأصحاب المعنى الأوّل.

ثمّ الظاهر عدم وجوب العود إلى المشعر بالنسبة إلى المتمكّن من العود، بعد قضاء وطره مثل من ينفر بهن، أو الخائف الّذي ارتفع خوفه، إذ لو وجب لأشير إليه في هذه الروايات المتوفرة، فالسكوت أفضل دليل على عدمه.

مضافا إلى أنّ العود- مع الزحام الشديد- حرج أشبه بالسباحة خلاف تيار الماء.

412

[المسألة 2: من خرج قبل طلوع الفجر بلا عذر و متعمدا و لم يرجع إلى طلوع الشمس]

المسألة 2: من خرج قبل طلوع الفجر بلا عذر و متعمدا و لم يرجع إلى طلوع الشمس، فإن لم يفته الوقوف بعرفات و وقف بالمشعر ليلة العيد، إلى طلوع الفجر صحّ حجّه على المشهور و عليه شاة، لكن الأحوط خلافه فوجب عليه بعد إتمامه، الحجّ من قابل على الأحوط.* (1)

____________

(1)* من لم يفته الوقوف بعرفات و وقف بالمشعر ليلا و لكن خرج قبل طلوع الفجر منه و لم يرجع إليه قبل طلوع الشمس فقد نسب إلى المشهور صحّة حجّه، و إليك بعض الكلمات:

قال في «الشرائع»: فلو أفاض قبله (طلوع الفجر) عامدا بعد أن كان به ليلا و لو قليلا لم يبطل حجّه إذا كان وقف بعرفات و جبره بشاة. (1)

قيّد (قدّس سرّه) عدم البطلان بشرطين:

1. إذا أدرك وقوف عرفات.

2. إذا كان قليلا من الليل في المشعر.

و بهذين القيدين يتميّز هذا الفرع ممّا يأتي في الشرائع من المسألة الثانية من المسائل الخمس حيث قال: من لم يقف بالمشعر ليلا و لا بعد الفجر عامدا يبطل حجّه. (2)

و قال في «المدارك»: صحّة الحجّ مع تعمّد الإفاضة قبل الفجر و جبره بشاة مذهب أكثر الأصحاب. (3)

قال صاحب الحدائق: و اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)-

____________

(1). الشرائع: 1/ 256.

(2). الشرائع: 1/ 257.

(3). المدارك: 7/ 424.

413

أنّه لو أفاض قبل الفجر عامدا بعد أن كان به ليلا و لو كان قليلا، لم يبطل حجّه و جبره بشاة. و ربّما زاد بعضهم كون ذلك بعد الوقوف بعرفات. و قال ابن الجنيد: يجب عليه دم. قال في المختلف: بعد نقل ذلك عنه: و هو موافق لما قلناه، فإن الدم إذا أطلق حمل على أقل مراتبه. (1)

و القول بالصحّة في كلام الشرائع و البعض الذي حكى عنه في الحدائق و المصنّف، مشروط بشرطين:

1. لم يفته وقوف عرفات.

2. تواجده بالمشعر ليلا، كما في عبارة «الشرائع».

و استدلّ على هذا القول بمعتبرة مسمع، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) في رجل وقف مع الناس بجمع ثم أفاض قبل أن يفيض الناس، قال: «إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة». (2)

الاستدلال على فتوى المشهور مبني على أمور:

1. حمل قوله: «وقف مع الناس» على الوقوف بالمشعر ليلا.

2. تفسير قوله: «ثم أفاض قبل أن يفيض الناس» بالإفاضة قبل طلوع الفجر.

3. أنّ الرواية تشتمل على الفقرتين التاليتين:

أ. إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه.

ب. و إن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة.

و لمّا كان الموضوع في الفقرة الأولى هو الجاهل، يكون الموضوع في الفقرة‌

____________

(1). الحدائق الناضرة: 16/ 437.

(2). الوسائل: 10، الباب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

414

الثانية بحكم التقابل هو العالم المتعمد، فيدلّ على أنّ ترك المشعر قبل طلوع الفجر متعمّدا لا يفسد الحجّ.

هذا و قد ناقش صاحب المدارك في صحّة الرواية بأنّ راويها مسمع، و هو غير موثّق، فيشكل التعويل على روايته، نعم روى ابن بابويه في «من لا يحضره الفقيه» هذه الرواية بطريق صحيح عن علي بن رئاب عن مسمع، فينتفي الطعن الأوّل و يبقى الثاني. (1)

يلاحظ عليه- مضافا إلى ما ذكره من أنّ الصدوق نقله بسند صحيح لم يرد فيه سهل-: بأنّ مسمع بن عبد الملك وصفه النجاشي بقوله: شيخ بكر بن وائل بالبصرة و وجهها و سيد المسامعة، و كان أوجه من أخيه عامر بن عبد الملك.

و روى الكشي عن العياشي عن علي بن فضّال أنّه كان ثقة. (2)

أمّا دلالة الرواية فقد ناقش صاحب المدارك في دلالة الرواية يرجع لبه إلى الأمور التالية:

1. حمل قوله: «في رجل وقف مع الناس» على الوقوف بعد طلوع الفجر.

2. حمل قوله: «ثم أفاض قبل أن يفيض الناس»، على الإفاضة قبل طلوع الشمس حيث هو المتبادر منه، لا الإفاضة قبل طلوع الفجر.

و الشاهد على ذلك هو أنّ لفظ الوقوف لا يستعمل إلّا في الوقوف الشرعي، و المبيت قبل الفجر ليس وقوفا شرعيا، بل وقوفا استحبابيا، أو اضطراريا كما سيأتي في المسألة التالية. و على هذا كان الرجل مع الناس بين الطلوعين، و لكنّه‌

____________

(1). مدارك الأحكام: 7/ 424. يريد من الطعن الثاني اشتمال السند على سهل بن زياد الآدميّ الّذي قيل في حقّه: «الأمر في سهل، سهل».

(2). وسائل الشيعة: 20/ 349 برقم 1158، الخاتمة؛ معجم رجال الحديث: 19/ 174 برقم 12384.

415

خالفهم في الخروج حيث تقدّم عليهم قبل شروق الشمس. فعند ذلك أجاب الإمام بأنّه إذا كان جاهلا صحّ حجّه و لا شي‌ء عليه.

إلى هنا تمت دراسة الفقرة الأولى.

ثمّ إنّ الإمام رجع في الفقرة الثانية إلى بيان حالة أخرى لنفس هذا الرجل الجاهل، و إن لم يطرحه السائل لكن ناسب ذكره في المقام ليعلم حكم الجاهل في كلتا الحالتين: 1. أفاض قبل طلوع الشمس، 2. أفاض قبل طلوع الفجر، فعندئذ عليه دم، و الفرق بين الصورتين مع كونه جاهلا في كلتا الحالتين هو انّ الرجل أدرك في الحالة الأولى شيئا من وقت المشعر دون الحالة الثانية فالرواية في كلتا الحالتين تركّز على الجاهل بالحكم و إنّما الاختلاف في زمان الخروج لا أنّ الفقرة الأولى تركّز على الجاهل و الثانية على العامد كما هو مبنى الاستدلال. (1)

و قد أيد المحقّق الخوئي (رحمه اللّه) مقالة صاحب الحدائق بصحيحة علي بن رئاب، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «من أفاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع و مضى إلى منى متعمّدا أو مستخفا فعليه بدنة». (2)

و وجهه: أنّ إيجاب البدنة على المعتمد في المقام يكشف عن أنّ إيجاب الشاة في رواية مسمع على الجاهل، و إلّا فلو كان إيجاب الشاة هناك على المتعمد يلزم إيجاب حكمين متناقضين في المتعمد.

فظهر ممّا ذكرنا عدم نهوض الرواية للدلالة على صحّة حجّ من ترك الوقوف بالمشعر فيما بين الطلوعين عمدا، و أنّ الرواية في كلا الشقّين ناظرة إلى الجاهل، لا العامد، فيرجع في الثاني إلى القواعد، و حيث إنّ الوقوف بالمشعر ركن، يبطل الحجّ‌

____________

(1). الحدائق الناضرة: 16/ 440 بتلخيص و إيضاح.

(2). الوسائل: 10، الباب 26 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

416

بتركه عمدا و إن لم يكن كذلك جهلا أو نسيانا، ففي رواية ابنا علي الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج». (1) و القدر المتيقّن هو العامد.

ثمّ إنّ المصنّف (قدّس سرّه) اختار البطلان لكن بتفصيل يأتي منه في المسألة الثانية و حاصله تخصيص البطلان بمن فاته وقوف عرفات و الوقوف بالمشعر ليلة يوم النحر إلى طلوع الفجر، و إلّا فلو أدرك وقوف عرفات و شيئا من ليلة النحر إلى طلوع الفجر، ثمّ ترك المشعر في طلوع الفجر فحجّه صحيح، و هو (قدّس سرّه) وافق المشهور لكن بقيدين:

1. لم يفته وقوف عرفات- كما عليه المحقّق في «الشرائع»- حيث قيّد الصحّة به.

2. لم يفته وقوف مقدار من الليل إلى طلوع الفجر.

و مع ذلك احتاط في آخر كلامه بأنّ الأحوط خلافه ما وجب عليه- بعد إتمام الحجّ- الحجّ من تأمّل، و سيأتي نفس هذا منه (قدّس سرّه) في أقسام الوقوف، القسم الخامس، فلاحظ.

و على فرض اعتبار الشرطين لا دليل على الصحّة، لأنّه ترك الركن عن عمد، و أمّا رواية مسمع فقد عرفت أنّها راجعة إلى الجاهل، و القول بالبطلان لو لم يكن أقوى فهو أحوط على أقلّ تقدير.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

417

[المسألة 3: من لم يدرك الوقوف بين الطلوعين، و الوقوف بالليل لعذر]

المسألة 3: من لم يدرك الوقوف بين الطلوعين، و الوقوف بالليل لعذر، و أدرك الوقوف بعرفات، فإن أدرك مقدارا من طلوع الفجر من يوم العيد إلى الزوال و وقف بالمشعر و لو قليلا صحّ حجّه.* (1)

____________

(1)*

من أدرك اختياري عرفة و اضطراري المشعر

الكلام في من أدرك الوقوف الاختياري لعرفة، و الوقوف الاضطراري للمشعر، أعني: الوقوف من طلوع الشمس في يوم النحر إلى زواله.

و بذلك يعلم وجود الإشكال في عبارة المصنّف حيث فرض أنّ الرجل لم يدرك الوقوف بين الطلوعين و الوقوف بالليل لعذر- لكنّه أدرك الوقوف بعرفات- ففي هذا الفرض يقول: «فإن أدرك مقدارا من طلوع الفجر من يوم العيد إلى الزوال» كيف يمكن أن يدرك مقدارا من طلوع الفجر مع أنّ المفروض أنّه لم يدرك الوقوف الاختيارى للمشعر أساسا، و الصحيح أن يقول: «فإن أدرك مقدارا من طلوع الشمس في يوم العيد إلى الزوال» و على أي حال، فالمسألة معنونة و منصوصة.

قال المحقّق: وقت الوقوف بالمشعر، ما بين طلوع الفجر إلى الشمس- إلى أن قال:- و لو وقف بعرفات جاز له تدارك المشعر إلى قبل الزوال. (1)

و قال: الرابعة: إذا وقف بعرفات قبل الغروب و لم يتّفق له إدراك المشعر إلّا قبل الزوال، صحّ حجّه. (2)

____________

(1). الشرائع: 1/ 257.

(2). الشرائع: 1/ 254، و النسخة مغلوطة، حيث جاءت لفظة «إلى» مكان «إلّا». فلاحظ، و هكذا نسخة المدارك: 7/ 404.

418

و قال العلّامة: أمّا لو وقف بعرفات اختيارا و لم يتمكّن من الوقوف بالمشعر إلّا بعد طلوع الشمس، فقد أدرك الحجّ أيضا. (1)

و قال في «المدارك» بعد نقل عبارة الشرائع: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب. (2) و يدلّ عليه الروايات التالية:

1. صحيح معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل أفاض من عرفات فأتى منى؟ قال: «فليرجع فيأتي جمعا فيقف بها، و إن كان الناس قد أفاضوا من جمع». (3)

2. موثّقة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل أفاض من عرفات فمرّ بالمشعر و لم يقف حتى انتهى إلى منى فرمى الجمرة و لم يعلم حتى ارتفع النهار، قال: «يرجع إلى المشعر فيقف به ثمّ يرجع و يرمي الجمرة». (4)

3. الصحيحة الثانية لابن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أفاض من عرفات إلى منى فليرجع و ليأت جمعا و ليقف بها، و إن كان قد وجد الناس قد أفاضوا من جمع». (5) و من المعلوم أنّ الناس يفيضون بعد مطلع الشمس أو شيئا قليلا قبله.

هذا و يدلّ على المقصود أيضا ما رواه في الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، لاحظ الأحاديث: 1، 6، 9 و 13.

و القدر المتيقّن من كلمات الأصحاب و الروايات هو المعذور، لا العامد.

____________

(1). المنتهى: 11/ 102.

(2). المدارك: 7/ 405.

(3). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(4). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(5). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

419

[المسألة 4: قد ظهر ممّا مرّ انّ لوقوف المشعر ثلاثة أوقات:]

المسألة 4: قد ظهر ممّا مرّ انّ لوقوف المشعر ثلاثة أوقات: وقتا اختياريا و هو بين الطلوعين، و وقتين اضطراريين: أحدهما ليلة العيد لمن له عذر، و الثاني من طلوع الشمس من يوم العيد إلى الزوال كذلك. و أنّ لوقوف عرفات وقتا اختياريا هو من زوال يوم عرفة إلى الغروب الشرعي، و اضطراريا هو ليلة العيد للمعذور. فحينئذ ملاحظة إدراك أحد الموقفين أو كليهما اختيارا أو اضطراريا، فردا و تركيبا، عمدا أو جهلا أو نسيانا أقسام كثيرة، نذكر ما هو مورد الابتلاء.* (1)

____________

(1)* مجموع ما ذكره (قدّس سرّه) من إدراك أحد الموقفين أو كليهما اختياريا أو اضطراريا، فردا و تركيبا (1)، عمدا أو جهلا أو نسيانا يرتقي إلى ثلاثين صورة، أو اثنتين و ثلاثين، و ذلك بالفروض التالية:

[فروض]

الأوّل: أن يدرك اختياري عرفة

إذا أدرك الوقوف الاختياري لعرفة، فإمّا أن يدرك اختياريّ الوقوف بالمشعر، أو أحد اضطرارييه بالمبيت بالمشعر إلى طلوع الفجر، أو بالوقوف فيه بعد طلوع الشمس إلى زوالها فهذه صور ثلاث، و بما أنّ إدراك الاختياريين خارج عن موضوع البحث و غير قابل للتقسيم الآتي من كونه عامدا أو جاهلا أو ناسيا، فتطرح هذه الصورة. و تبقى صورتان: اختياري عرفة، مع أحد الاضطراريين للمشعر الحرام.

____________

(1). المراد من التركيب كون الوقوف من أحد الجانبين اختياريا و من الآخر اضطراريّا.

420

الثاني: أن يدرك اضطراريّ عرفة

إذا أدرك اضطراري عرفة فإمّا أن يدرك اختياري المشعر أو أحد اضطراريه.

فهذه أيضا صور ثلاثة، و مع ملاحظة القسمين السابقين يكون الجميع خمسا. هذا إذا أدرك كلا الموقفين بنحو من الأنحاء و لو اضطرارا، و أمّا إذا أدرك أحد الموقفين من الأقسام الخمسة فهذا ما يأتي في التالي.

الثالث: أن يدرك أحد الموقفين

قد تقدّم أنّ لعرفة وقتين، و للمشعر أوقات ثلاثة، فالمجموع أوقات خمسة، فلو أدرك أحد الموقفين فقط يرتقي عدد الصور من الخمس إلى عشر، خمس للمركب، و خمس للمفرد.

الرابع: أن يكون عامدا أو جاهلا أو ناسيا

إنّ المبدأ للاختلال، أي بعدم درك الاختياري أحدهما أو كليهما، إمّا هو العمد، أو الجهل بالحكم، أو نسيانه فيضرب العشر في الثلاث، فيكون جميع الفروض ثلاثين صورة، و إذا أضيف إليها درك الموقفين الاختياريين أو عدم درك الوقوفين أساسا ترتقي الصور إلى اثنتين و ثلاثين صورة.

غير أنّ غالب هذه الفروض نادر الاتّفاق، و قد ذكر المصنّف منها اثنتا عشرة صورة و نحن نقتفيه. فنقول: و قبل الخوض في بيان أحكام الفروض نذكر عبارة الحدائق في المقام: اعلم أنّ أقسام الوقوفين بالنسبة إلى الاختياري و الاضطراري ثمانية: أربعة مفردة، و هي كلّ واحد من الاختياريّين و الاضطراريّين، و أربعة مركبة، و هي الاختياريان و الاضطراريان و اختياري عرفة مع اضطراري المشعر و بالعكس. قالا: و كلّها مجزئة إلّا اضطراري عرفة، قولا واحدا كما نقله في‌

421

الأوّل: إدراك اختياريهما، فلا إشكال في صحّة حجّه من هذه الناحية.

الثاني: عدم إدراك الاختياري و الاضطراري منهما، فلا إشكال في بطلانه عمدا كان أو جهلا أو نسيانا، فيجب عليه الإتيان بعمرة مفردة مع إحرامه الّذي للحج، و الأولى قصد العدول إليها، و الأحوط لمن كان معه الهدي أن يذبحه، و لو كان عدم الإدراك من غير تقصير لا يجب عليه الحجّ إلّا مع حصول شرائط الاستطاعة في القابل، و إن كان عن تقصير يستقر عليه الحجّ، و يجب من قابل و لو لم يحصل شرائطها.* (1)

____________

«الدروس» و قد وقع الخلاف في اختياري عرفة أيضا، و كذا الاضطراريين، و كذا في اضطراري المشعر وحده. (1)

إذا عرفت ذلك فلندرس الأقسام على ضوء المتن و هي اثنا عشر قسما.

(1)* أمّا الأوّل، فلا شكّ في صحّة حجه، لو لم يفسده من جهة أخرى، و لعلّه خارج عن مصب البحث.

[من لم يدرك الموقفين أصلا]

و أمّا الثاني، أعني: من لم يدرك الموقفين أصلا، فالمعروف أنّه يحلّ بعمرة مفردة مع نفس الإحرام الّذي أنشأه للحج. قال المحقّق: من فاته الحج تحلّل بعمرة مفردة، ثمّ يقضيه إن كان واجبا على الصفة الّتي وجب تمتعا أو قرانا أو إفرادا. (2)

و قال العلّامة: لو ترك الوقوف بالموقفين معا بطل حجّه، سواء كان عن‌

____________

(1). الحدائق: 16/ 407- 408.

(2). الشرائع: 1/ 257.

422

عمد أو نسيان. (1)

و قال في «المدارك» أجمع العلماء على أنّ من لم يقف بالموقفين في وقتهما، فاته الحج، و أجمع علماؤنا على أنّ من فاته الحج تسقط عنه بقية أفعاله و يتحلّل بعمرة مفردة. (2)

و قال في «الحدائق»: إنّه أجمع الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) على أنّ من فاته الوقوفان في وقتهما فقد فاته الحج و سقط عنه بقية أفعاله، و تحلّل بعمرة مفردة. (3)

و قال في «الجواهر» بعد كلام المحقّق: بلا خلاف أجده. (4)

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في فروع أربعة:

1. بطلان حج من لم يدرك الموقفين أصلا اختيارا أو اضطرارا.

2. التحلّل بالعمرة المفردة، و هل يجب فيه العدول؟

3. وجوب القضاء مطلقا أو فيما إذا بقيت استطاعته لحج التمتّع.

4. لو ساق الهدي يذبحه.

أمّا الفرع الأوّل:

فيدلّ عليه- مضافا إلى ما سيوافيك في الفرع الثاني من أنّ من لم يدرك الموقفين أصلا، يجعل ما بيده عمرة مفردة- صحيح الحلبي في حديث ... و ان قدم رجل و قال فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فانّ اللّه أعذر لعبده، فقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل أن يفيض الناس؛ فإن لم يدرك المشعر الحرام، فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحجّ من قابل. (5)

____________

(1). المنتهى: 11/ 106.

(2). المدارك: 7/ 435.

(3). الحدائق: 16/ 461.

(4). الجواهر: 19/ 86.

(5). الوسائل: 10، الباب 22، من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

423

فإن أريد من قوله: «فإن لم يدرك المشعر الحرام» عدم درك المشعر حتى الاضطراري النهاري- و إن كان بعيدا- يكون الحديث دليلا على المطلوب بالدلالة المطابقية؛ و إن أريد عدم درك الاختياري منه فقط، يكون دليلا على المقام بالأولوية، لأنّه إذا كان إدراك الاضطراري النهاري من المشعر غير مجز، كان عدم درك الموقفين أصلا غير مجز بطريق أولى.

الفرع الثاني: من فاته الحج بعدم دركه الوقوفين مطلقا، يتحلّل بعمرة مفردة

إنّما الكلام في انقلاب إحرام عمرة التمتع إلى العمرة المفردة بنفسه أو يجب عليه العدول بإحرامه إلى عمرة مفردة. و الأوّل خيرة المدارك (1)، و الثاني خيرة الحدائق (2) و الرأي الحاسم فرع دراسة الروايات في هذا المضمار.

إنّ الروايات الواردة في المقام على طائفتين:

1. ما يدلّ على أنّ من فاته الحج يجب عليه الإتيان بأعمال عمرة مفردة من دون إشارة إلى لزوم نية العدول إلى العمرة المفردة، كما ورد في من نوى العصر و لم يصل الظهر أنّه يجب عليه العدول من العصر إلى الظهر.

2. ما يدلّ على أنّه يجعل ما بيده عمرة و الجعل أمر قلبي لا ينفك عن النية كجعل ما بيده ظهرا.

ثمّ إنّ الأمر بالعمرة المفردة- على كلّ من الوجهين- إرشادي إلى كيفية الخروج عن المحظورات الإحرامية أوّلا، و عدم جدوى البقاء على الإحرام بالنسبة إلى السنة القادمة ثانيا، لأنّه يشترط أن يكون عمل الحجّ (عمرة التمتع و الحجّ) كلّها في سنة واحدة.

و إليك دراسة الطائفة الأولى من الروايات:

____________

(1). المدارك: 7/ 436.

(2). الحدائق: 16/ 465.

424

[الروايات]

الطائفة الأولى: ما يدلّ على وجوب الإتيان بأعمال العمرة

1. خبر ضريس بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتّعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكّة إلّا يوم النحر، فقال: «يقيم على إحرامه و يقطع التلبية حتى يدخل مكّة، فيطوف و يسعى بين الصفا و المروة، و يحلق رأسه و ينصرف إلى أهله، إن شاء، و قال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فإن لم يكن اشتراط فإنّ عليه الحجّ من قابل». (1)

ترى أنّ الرواية تأمر بالإتيان بنفس أعمال العمرة، و أمّا سائر ما في الرواية، فسيوافيك الكلام فيه.

2. صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل جاء حاجّا ففاته الحجّ و لم يكن طاف، قال: «يقيم مع الناس حراما أيّام التشريق و لا عمرة فيها، فإذا انقضت، طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و أحلّ، و عليه الحجّ من قابل يحرم من حيث أحرم». (2)

3. خبر إسحاق بن عبد اللّه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكّة مفردا للحج فخشي أن يفوته الموقف؟ فقال: «له يومه إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حجّ»، فقلت: كيف يصنع بإحرامه؟

قال: «يأتي مكّة فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة»، فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد؟ قال: إن شاء أقام بمكة، و إن شاء رجع إلى الناس بمنى، و ليس منهم في شي‌ء، و إن شاء رجع إلى أهله و عليه الحجّ من قابل». (3)

ترى أنّه يأمر بإتيان مكّة و الطواف بالبيت و السعي من دون إشارة إلى نية‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(3). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.

425

العدول نظير الروايتين التاليتين:

4. خبر محمد بن فضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحدّ الذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج؟ فقال: «إذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ و لا عمرة له، و إن لم يأت جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حجّ له، فإن شاء أقام، و إن شاء رجع و عليه الحجّ من قابل». (1)

5. خبر علي بن الفضل الواسطي، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «من أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد فاته الحج، و هي عمرة مفردة إن شاء أقام، و إن شاء رجع و عليه الحج من قابل». (2)

أمّا قوله: «فقد فاته الحجّ» فقد حمله في الوسائل على الفوت العمدي و قوله: «فهي عمرة مفردة» في كلتا الروايتين ظاهرتان في الانقلاب القهري.

و ربّما يقال في تأييد هذه الروايات بأنّ العدول فرع وجود التغاير بين المعدول عنه و المعدول إليه و لا ميز بين عمرتي التمتع و المفردة جوهرا، و الفرق إنّما هو في أنّ عمرة التمتع يقع بعدها الحج بخلاف العمرة المفردة.

يلاحظ عليه: يكفي في وجود الفرق في اشتمال العمرة المفردة على طواف النساء دون عمرة التمتع.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّه يجعل ما بيده عمرة

1. روى معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أدرك جمعا فقد أدرك الحجّ». قال: و قال (عليه السلام): «أيّما حاج سائق للهدي، أو مفرد للحج، أو متمتّع‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6.

426

بالعمرة إلى الحجّ، قدم و قد فاته الحجّ فليجعلها عمرة، و عليه الحجّ من قابل». (1)

2. ما رواه حريز قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن مفرد الحج فاته الموقفان جميعا، فقال له: «إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإن طلعت الشمس يوم النحر فليس له حجّ و يجعلها عمرة، و عليه الحجّ من قابل»، قلت: كيف يصنع؟

قال: «يطوف بالبيت و بالصفا و المروة، فإن شاء أقام بمكّة، و إن شاء أقام بمنى مع الناس، و إن شاء ذهب حيث شاء، ليس هو من الناس في شي‌ء». (2)

و الرواية ظاهرة في أنّ المحرم يجعل عمرة التمتع عمرة مفردة. و هو يساوق العدول. و أمّا عدم التصريح به في الفقرة الثانية، أي في سؤال الراوي «كيف يصنع» فلأجل أنّه بصدد بيان مفردات عمرة التمتع لا في مقام كيفية العدول.

و يقرب منه روايته الأخرى، حيث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعا؟ فقال: «له إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حجّ، و يجعلها عمرة، و عليه الحجّ من قابل». (3)

و إذا تعرفت على مفاد الطائفتين يقع الكلام في كيفية الجمع بينهما، فقد رجح صاحب المدارك ظهور الطائفة الأولى على الطائفة الثانية و أوّلها قائلا: بأنّ المراد من قوله: «فليجعلها عمرة» هو الإتيان بأعمال العمرة، و أضاف: و لا ريب أنّ العدول أولى و أحوط. (4)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.

(3). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1. و لاحظ صحيح الحلبي، في الباب 22 منه، الحديث 2.

(4). المدارك: 7/ 436.

427

أورد عليه صاحب الحدائق ما هذا خلاصته: إنّه لا معنى لكونها للعمرة و هو لم يقصد بها كونها للعمرة، لأنّ العبادات بل الأفعال مطلقا لا يمتاز بعضها عن بعض إلّا بالقصود و النيات، كلطمة اليتيم تأديبا و ظلما و نحوها، فكيف تصير عمرة بمجرّد فوت الحجّ من غير أن يقصد العدول بإحرامه إلى أفعال العمرة. (1)

و على كلّ تقدير فلو ظهر ترجيح أحد الظهورين على الآخر فهو، و إلّا فالمرجع هو الأصول، و مقتضى الاستصحاب كونه محرما و تحرم المحظورات عليه ما لم يقصد العمرة المفردة، حتى و لو أتى بأعمالها لاحتمال شرطية العدول فلا تحلّل بدونه. اللّهمّ إلّا أن يقال: انّ الشك في كونه باقيا في الإحرام و عدمه نابع عن الشك في شرطية العدول و عدمها و مع جريان أصل البراءة فيها، لا يبقى شك في المقام فتأمّل.

المقام الثاني‌

[الفرع الثالث] في وجوب القضاء و عدمه

و أمّا القضاء فالمراد به هنا هو الإتيان بالحج من قابل، لا إتيان الشي‌ء خارج وقته، لما عرفت من أنّ الحجّ و إن كان واجبا فوريا لكنّه ليس بموقّت كالصلاة، بل هو واجب فورا ففورا، نظير صلاة الآيات عند وقوع الزلزال.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مقتضى القاعدة ثمّ مفاد الروايات.

أمّا الأوّل: فلو كان الحجّ مستقرا عليه لكن أخّر بالتسويف، يجب عليه الإتيان به من قابل، سواء بقيت استطاعته إلى العام المقبل أم لا.

و أمّا لو صار مستطيعا في نفس العام الّذي فاته الحجّ من غير تقصير فلو بقيت استطاعته إلى العام المقبل يجب عليه الحجّ ثانيا، و إلّا فيسقط بذهاب‌

____________

(1). الحدائق الناضرة: 16/ 465.

428

استطاعته. و أولى بعدم القضاء إذا كان الحجّ ندبيّا.

قال في «الحدائق»: إنّ أكثر الروايات قد صرحت بأنّ عليه الحجّ من قابل و هو محمول عند الأصحاب على الحجّ الواجب المستقر، فإنّ المندوب و إن وجب بالشروع إلّا أنّه حتّى لم يكن فواته بتقصير المكلّف بأنّه لا يلحقه إثم بتركه، و لا دليل على وجوب قضائه فيسقط البتة و الواجب غير المستقر لو بادر به عام الوجوب وفاته من غير تفريط فلا قضاء عليه في ظاهر كلام الأصحاب. (1)

و نقل في المدارك عن الشيخ في «التهذيب» انّ من اشترط في حال الإحرام يسقط عنه القضاء و إن لم يشترط وجب و استدل بصحيح ضريس. (2)

و أمّا الثاني: فهو الإمعان في الروايات حتّى يتبيّن أنّ للشارع في حقّ من فاته الحج تعبّدا خاصّا أو لا؟ و إليك دراسة ما يستفاد منه ذلك.

1. صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أيّما حاج سائق للهدي، أو مفرد للحج، أو متمتّع بالعمرة إلى الحجّ، قدم و قد فاته الحجّ فليجعلها عمرة، و عليه الحجّ من قابل». (3)

فظاهر الرواية أنّ الإتيان بالحج ثانيا عقوبة عليه، مع بقاء الحجّ الّذي فاته على وصفه من الوجوب و الندب.

يلاحظ على ذلك: بأنّ لازمه وجوب حجّين في بعض الصور، أعني: إذا كان الحجّ مستقرا عليه: أحدهما للعقوبة الّذي ورد في الرواية، و الثاني للحج الّذي كان عليه، و هو كما ترى. و لا يقاس المقام بمن أفسد حجّه حيث يجب عليه الحج من‌

____________

(1). الحدائق: 16/ 470.

(2). المدارك: 7/ 437.

(3). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

429

قابل، لأنّه قصّر في حجّه و أفسده بخلاف المقام. فالأولى حمل العبارة على أنّها تأكيدا لقوله: «و قد فاته الحجّ» فلا يدلّ على جعل مستقل. فيحمل على الحجّ المستقر.

2. صحيحه الآخر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل جاء حاجّا ففاته الحج و لم يكن طاف، قال: يقيم مع الناس حراما أيّام التشريق و لا عمرة فيها فإذا انقضت طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و أحلّ، و عليه الحجّ من قابل يحرم من حيث أحرم الناس». (1)

و الظاهر وحدة الروايتين، و ان قوله: «و عليه الحجّ من قابل»، تأكيد لقوله ففاته الحجّ، و ليس بصدد جعل مستقل، فيحمل على الحجّ المستقر أو إذا بقيت استطاعته أو تجددت دون ما إذا زالت.

و على هذا الحمل الحديثان التاليان.

3. صحيح حريز قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن مفرد الحجّ فاته الموقفان جميعا؟ فقال: له إلى طلوع الشمس من يوم النحر فإن طلعت الشمس يوم النحر فليس له حج و يجعلها عمرة و عليه الحج من قابل». (2) فان قوله: «و عليه الحج من قابل» تأكيد لقوله: «فليس له حجّ» الّذي بمنزلة قوله: «فاته الحجّ».

4. ما رواه الحميري عن علي بن الفضل الواسطي عن أبي الحسن (عليه السلام): «من أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد فاته الحجّ، و هي عمرة مفردة إن شاء أقام و إن شاء رجع و عليه الحجّ من قابل». (3) فإنّ قوله: «و عليه الحجّ» تفسير أو تأكيد لقوله: «فقد فاته الحجّ».

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 4.

(3). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6.

430

نعم بقي ما يستفاد من رواية ضريس من التفريق بين الاشتراط حين الإحرام و عدمه. فلو اشترط عند الإحرام و قال: «حلّني حيث حبستني فإن حبستني فهي عمرة»، فلا يجب الحج من قابل، دون ما لو لم يشترط.

قال ضريس: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحجّ فلم يبلغ مكّة إلّا يوم النحر؟ ... إلى أن قال: «فيطوف و يسعى بين الصفا و المروة، و يحلق رأسه و ينصرف إلى أهله إن شاء، هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فإن لم يكن اشترط فإنّ عليه الحجّ من قابل». (1)

و استشكل عليه العلّامة في «المنتهى» بأنّ هذا الحجّ الفائت إن كان واجبا لم يسقط فرضه في العام المقبل بمجرد الاشتراط، و إن لم يكن واجبا لم يجب بترك الاشتراط، ثمّ قال: الوجه في هذه الرواية حمل إلزام الحجّ في القابل مع ترك الاشتراط على شدة الاستحباب. (2)

و أوضح صاحب المدارك كلام العلّامة فقال: و هو حسن، و على هذا فتكون محمولة على غير الواجب المستقر. (3)

و حاصل كلامهما: أنّ مورد السؤال في رواية ضريس هو الحجّ المندوب الّذي لا يجب قضاؤه إذا فات، غير أنّه إذا اشترط يستحب القضاء استحبابا خفيفا، و أمّا إذا لم يشترط يستحب استحبابا مؤكّدا.

و لا يخفى أنّ هذا الحمل أفضل ممّا جاء في الحدائق من الحمل على التقية، و ذلك لأنّ الأصل في الاختلاف في الروايات هو التقية عنده. (4)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(2). منتهى المطلب: 13/ 63.

(3). المدارك: 7/ 438.

(4). الحدائق: 16/ 407.

431

5. رواية داود بن كثير الرقّي حيث فصّل بين من يهريق دم شاة و انصرف إلى بلاده يجب الحجّ عليه من قابل، بخلاف من أقام حتى مضت أيّام التشريق بمكّة ثمّ خرج إلى ميقات فأحرم و اعتمر، فليس عليه الحجّ من قابل. (1) و الرواية ضعيفة بداود الرقّي، و المضمون معرض عنه.

و على أي تقدير العدول عن مقتضى القاعدة الأولى بهذه الروايات المتقاربة أمر مشكل، فالمتبع مقتضى القاعدة. و ادعاء الإطلاق في الروايات حتّى في غير من استقر عليه الحجّ كما ترى، مع ما عرفت من أنّ التعبير بالحجّ من قابل، تأكيد لقوله: «فاته الحجّ».

الفرع الثالث‌

[الفرع الرابع]: وجوب الهدي و عدمه

المشهور بين الأصحاب (رض) أنّه لا هدي على من فاته الحجّ تمتعا كان أو إفرادا، و هذا هو ظاهر أكثر الأخبار المتقدّمة لورودها في مقام البيان عارية عن التعرض له، و أمّا القارن فقد صرح الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بأنّه ينحر هديه بعد بطلان الحجّ بمكة لا بمنى لعدم سلامة الحجّ. (2)

و الّذي يهمّنا هو وجوب الهدي على المتمتع بالعمرة الّذي فاته الموقفان ففاته الحجّ.

قال الشيخ في «الخلاف»: من فاته الحجّ سقط عنه توابع الحجّ، الوقوف بعرفات، و المشعر، و منى، و الرمي، و عليه طواف و سعي، فيحصل له إحرام، و طواف، و سعي، ثمّ يحلق بعد ذلك، و عليه القضاء في القابل، و لا هدي عليه.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.

(2). الحدائق الناضرة: 16/ 467.

432

و في أصحابنا من قال: عليه هدي. و روي ذلك في بعض الروايات. (1)

و لعلّ مراده من بعض الأصحاب هما الصدوقان، إذ نقل الشهيد في «الدروس» فقال: و أوجب علي بن بابويه و ابنه على المتمتع بالعمرة يفوته الموقفان، العمرة و دم شاة، و لا شي‌ء على المفرد سوى العمرة. (2)

و المستند هو رواية داود بن كثير الرقّي المتقدّمة، أعني قوله: «أرى عليهم أن يهريق كلّ واحد منهم دم شاة و يحلق». (3)

و الظاهر منه أنّ الإحلال رهن إهراق الدم لا العمرة المفردة كما مرّ استظهاره عن قريب.

و الظاهر أنّ وجوب الهدي في كلامهما جاء على طريقة الاحتياط كما عليه الشيخ في «الخلاف». (4) أو اعتمادا على رواية داود الرقّي، كما مرّت.

قال العلّامة في «المنتهى»: و هل يجب على فائت الحجّ الهدي أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: انّه لا يجب. قاله الشيخ (رحمه اللّه) و هو قول أصحاب الرأي. و الثاني:

يجب عليه الهدي و به قال الشافعي و أكثر الفقهاء ...، و عن أحمد روايتان ...، ثمّ قال: إنّ الأصل براءة الذمة، و لأنّه لو كان الفوات سببا لوجوب الهدي لزم المحصر هديان: هدي بالفوات، و هدي بالإحصار.

أضف إلى ذلك ما تقدّم من الروايات السابقة حيث لا تتضمن ذكر الهدي و لو كان واجبا لبيّنوه (عليهم السلام)، خصوصا مع الحاجة إلى الجواب عقيب السؤال- إلى‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 374.

(2). الدروس: 1/ 427.

(3). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.

(4). الخلاف: 2/ 375.

433

الثالث: درك اختياريّ عرفة مع اضطراري المشعر النهاري، فإن ترك اختياري المشعر عمدا بطل و إلّا صحّ.* (1)

____________

أن قال:- و ما دلّ على وجوب الهدي محمول على الاستحباب. (1)

و أمّا المصنّف فقد احتاط في القارن دون المتمتع حيث قال: و الأحوط لمن كان معه الهدي أن يذبحه لتعينه لذلك بالإحرام.

(1)*

درك اختياري عرفة مع اضطراري المشعر

إذا أدرك اختياريّ عرفة ركنا أو واجبا، و لم يدرك المبيت بالمشعر، و لا الوقوف بين الطلوعين، بل أدرك الوقوف النهاري بالمشعر، صحّ حجّه إذا لم يترك الوقوف الاختياري بالمشعر عمدا.

و المسألة تنحل إلى فرعين:

الأوّل: ترك اختياري المشعر عمدا.

الثاني: ترك اختياريه عذرا مع درك اختياري عرفة.

أمّا الأوّل: فيبطل حجّه، لأنّ ذلك معنى الركنية من الحجّ كما مرّ.

و أمّا الثاني: فيصحّ إجماعا.

قال المحقّق: إذا وقف بعرفات قبل الغروب و لم يتفق له إدراك المشعر إلّا قبل الزوال صحّ حجّه. (2)

و قال في «المنتهى»: إذا أدرك أحد الموقفين اختيارا و الآخر اضطرارا، صحّ‌

____________

(1). منتهى المطلب: 13/ 58.

(2). الشرائع: 1/ 254.

434

حجّه إجماعا. (1)

و قال في «المسالك»: لا إشكال في الصحّة حينئذ لإدراك اختياري عرفة، بل لو فرض عدم إدراكه المشعر أصلا صحّ حجّه أيضا، فإنّ اختياري أحدهما كاف. (2)

و قال في «المدارك»: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب. (3)

و قال في «الجواهر» بعد كلام المحقّق: بلا خلاف أجده. (4)

و يدلّ عليه الروايات التالية:

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أفاض من عرفات إلى منى فليرجع و ليأت جمعا، و ليقف بها، و إن كان قد وجد الناس قد أفاضوا من جمع». (5) و بما أنّ الناس يفيضون من المشعر عند مطلع الشمس، فلو رجع فإنّما يدرك الوقوف الاضطراري له.

فإن قلت: إذا أفاض الرجل من عرفات إلى منى، فهو يدرك الوقوف بالمشعر، و لو كان في حال المشي، لأنّ المفيض من عرفات يمرّ على المشعر، و على ذلك فيحصل الوقوف بالمشعر و لو بمسمّاه حين الإفاضة إلى منى فإذن يكون الركن حاصلا، و الأمر بالرجوع إلى المشعر لأجل تتميم الواجب النفسي، زائدا على ما حصل من المسمّى الركني.

قلت: أوّلا: إنّ إطلاق الرواية يشمل ما إذا اجتاز قبل انتصاف الليل أو قبل‌

____________

(1). منتهى المطلب: 11/ 103.

(2). المسالك: 2/ 277.

(3). المدارك: 7/ 405.

(4). الجواهر: 19/ 38.

(5). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

435

طلوع الفجر فعندئذ لا يدرك الوقوف الاضطراريّ الليليّ، و لا الاختياري النهاري.

و ثانيا: أنّ إدراك المشعر و لو سائرا إنّما يحسب إذا كان مقرونا بالنيّة، و المفروض أنّه اتّخذ المشعر طريقه إلى منى، و اجتازه دون أن ينوي فكيف يحسب؟

2. صحيحته الأخرى قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل أفاض من عرفات فأتى منى؟ قال: «فليرجع فيأتي جمعا فيقف بها، و إن كان الناس قد أفاضوا من جمع». (1)

و الظاهر اتّحاد الروايتين غير أنّ الأولى رواها الشيخ، و الأخرى رواها الكليني بسندين ينتهيان إلى صفوان بن يحيى عن معاوية بن عمّار. و كيفية الاستدلال و المناقشة و تحليلها كما مرّ.

3. ما رواه يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل أفاض من عرفات فمرّ بالمشعر فلم يقف حتّى انتهى إلى منى فرمى الجمرة و لم يعلم حتّى ارتفع النهار، قال: «يرجع إلى المشعر فيقف به ثمّ يرجع و يرمي الجمرة». (2)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ من أدرك اختياري عرفة و اضطراري المشعر النهاريّ، فحجّه صحيح مجزئ مسقط للواجب. و منصرف الروايات هو الجاهل بالحكم و الناسي و لا تعم العامد.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

436

الرابع: درك اختياريّ المشعر، مع اضطراريّ عرفة، فإن ترك اختياريّ عرفة عمدا بطل و إلّا صحّ.* (1)

____________

(1)*

درك اختياريّ المشعر مع اضطراري عرفة

كان الفرض السابق أنّه أدرك اختياريّ عرفة مع اضطراريّ المشعر، و هذا على عكسه، فأدرك اضطراريّ عرفة مع اختياري المشعر.

و المسألة تنحلّ إلى فرعين:

الأوّل: بطلان الحجّ إذا ترك اختياري عرفة عن عمد، و وجهه واضح.

و قد عرفت من معنى الركن: ما يبطل تركه عمدا، لا سهوا.

الثاني: إذا ترك اختياري عرفة عن عذر كالمضطرّ و الناسي فيصحّ حجّه.

قال المحقّق: من نسي الوقوف بعرفة، رجع فوقف بها و لو إلى طلوع الفجر إذا عرف انّه يدرك المشعر قبل طلوع الشمس. (1) و الموضوع ترك الوقوف الاختياري لعرفة عن عذر و ذكر النسيان من باب المثال و قال في الجواهر بعد كلام المحقّق:

بلا خلاف أجده. (2)

وجه الصحّة:

1. انّ الصحّة موافق للقاعدة، لأنّ الواجب عند ترك القسم الاختياري هو الاضطراريّ و المفروض انّه أدركه.

2. ما أورده في الوسائل في باب «الناسي إذا فاته الوقوف بعرفات وجب عليه إتيانها و الوقوف بها ليلا». (3)

____________

(1). الشرائع: 1/ 254.

(2). الجواهر: 19/ 37.

(3). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر.

437

الخامس: درك اختياري عرفة مع اضطراريّ المشعر الليلي، فإن ترك اختياري المشعر بعذر صحّ، و إلّا بطل على الأحوط.* (1)

____________

و من الروايات نظير:

1. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال في رجل أدرك الإمام و هو بجمع فقال: «إن ظن أنّه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثمّ يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظنّ أنّه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها، و ليقم بجمع فقد تمّ حجّه». (1)

2. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات فقال: «إن كان في مهل حتّى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثمّ يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجّه حتّى يأتي عرفات». (2)

(1)* هذا القسم نفس القسم الثالث لكن بتفاوت أنّه أدرك في السابق الاضطراريّ النهاريّ من المشعر، و أمّا المقام فقد أدرك اختياريّ عرفة مع اضطراري المشعر الليليّ، كما إذا بات في المشعر ليلة النحر بعد انتصاف الليل و خرج إلى منى قبل طلوع الفجر تارة عن عمد، و أخرى عن عذر. أمّا الأوّل ففيه قولان:

1. الصحة مع الجبر بشاة و هو خيرة الشيخ في «النهاية» و غيره.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. و لاحظ الحديث 3 و 4. و المسألة مورد اتّفاق.

438

قال الشيخ: و لا يجوز الخروج من المشعر الحرام قبل طلوع الفجر، فإن خرج قبل طلوعه متعمدا كان عليه دم شاة، و إن كان خروجه ناسيا أو ساهيا لم يكن عليه شي‌ء. (1)

و هو خيرة ابن البراج في «المهذب» (2)، و حكاه العلّامة في «المختلف» عن الصدوقين، و اختاره في «المنتهى». (3)

2. البطلان في صورة العمد و هو خيرة ابن إدريس قال: لو أفاض عامدا قبل طلوع الفجر بطل حجّه. (4)

و قال العلّامة في «المختلف»: و قول الشيخ في «الخلاف» يوهم ذلك فإنّه قال: فإن دفع قبل طلوع الفجر مع الاختيار لم يجزئه. (5)

و استدل القائلون بالصحة بما رواه مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل وقف مع الناس بجمع ثمّ أفاض قبل أن يفيض الناس قال: «إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة». (6)

يلاحظ عليه: كما مرّ من أنّ الاستدلال على الصحّة مبني على حمل الفقرة الثانية على العمد. و لكن عرفت أنّه خلاف الظاهر، و انّ الفقرتين راجعتان إلى الجاهل فيرجع في العمد إلى مقتضى القاعدة و هو البطلان، لأنّه ترك الركن عن عمد. و لأجل ما ذكرنا من رجوعها إلى الجاهل احتاط في المتن بالبطلان. و قد مرّ قوله في المسألة الثانية من مسائل القول بالوقوف بالمشعر الحرام.

و أمّا إذا كان عن عذر فالصحة اتفاقية و يدلّ عليه موثقة مسمع.

____________

(1). النهاية: 3/ 525.

(2). المهذب: 1/ 254.

(3). المنتهى: 10/ 591.

(4). السرائر: 1/ 589.

(5). المختلف: 4/ 244؛ الخلاف: 1/ 344، المسألة 166.

(6). الوسائل: 10، الباب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

439

السادس: درك اضطراري عرفة و اضطراري المشعر الليلي، فإن كان صاحب عذر و ترك اختياري عرفة عن غير عمد صحّ على الأقوى. (1) و غير المعذور إن ترك اختياري عرفة عمدا بطل حجه (2)، و إن ترك اختياري المشعر عمدا فكذلك على الأحوط (3)، كما أنّ الأحوط ذلك في غير العمد أيضا (4).* (1)

____________

(1)*

درك الاضطراريين

في المسألة فروع:

1. إذا ترك الاختياريّين عن عذر و أدرك اضطراري عرفة مع اضطراري المشعر الليلي.

2. إذا ترك اختياريّ عرفة بلا عذر و أدرك اضطراريّها مع اضطراريّ المشعر الليلي.

3. إذا ترك اختياريّ عرفة عن عذر و ترك اختياريّ المشعر بلا عذر مع درك اضطراريّ المشعر الليلي.

و إليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: إذا ترك الوقوفين الاختياريين عن عذر و أدرك اضطراري عرفة و اضطراري المشعر الليلي، و هذا ما يعبر عنه بدرك الاضطراريين عن عذر.

و المعنون في كلمات القوم هو إدراك الوقوفين الاضطراريين، و له صورتان:

الأولى: ما ذكره المصنّف في هذا المقام و هي إدراك اضطراري عرفة و إدراك الاضطراري الليلي من المشعر.

____________

(1). هذا هو الفرع الأوّل.

(2). هذا هو الفرع الثاني.

(3). هذا هو الفرع الثالث.

(4). استدراك للفرع الأول.

440

الثانية: ما سيأتي من المصنف في القسم السابع و هو نفس الصورة السابقة لكن بإدراك الاضطراري النهاري من المشعر.

و القسم الثاني منصوص كما سيأتي دون القسم الأوّل الّذي نحن فيه. و قد نظر بعض الأصحاب إلى القسمين بنظر واحد دون أن يفرّقوا بينهما.

قال المحقّق: إذا لم يتفق له الوقوف بعرفات نهارا فوقف ليلا (اضطراريّ عرفة) ثمّ لم يدرك المشعر حتى تطلع الشمس فقد فاته الحجّ و قيل: يدركه و لو قبل الزوال. (1)

و قوله: «و لو قبل الزوال» إشارة إلى كلا القسمين من إدراك الاضطراريين.

و قال في «المدارك» بعد كلام المحقق: هذا حكم من أدرك الوقوفين الاضطراريين. (2)

و قال في «الحدائق»: الاضطراريان و الأظهر إدراك الحجّ بإدراكهما كما صرح به الشيخ في كتابي الأخبار، و استقربه في «المختلف»، و اختاره المحقّق في «الشرائع» و السيد السند في «المدارك». (3)

و لكن كلماتهم ناظرة إلى ما يأتي من القسم السابع و هو إدراك اضطراري المشعر النهاري دون إدراك الليلي منه، و لم نجد نصا في خصوص هذا الفرع فلا بدّ من الإمعان فيما ورد من الأخبار الّتي يمكن أن يستخرج حكم هذا الفرع منها.

أمّا إجزاء الاضطراري من عرفة عن اختياريها، فيكفي في ذلك ما تضافر من الروايات (4) من أن من لم يدرك الوقوف بعرفات نهارا يجب عليه الوقوف بالليل هناك. و معنى ذلك أنّ اضطراري عرفة يجزي عن اختياري عرفة عند العذر.

إنّما الكلام في إجزاء اضطراري المشعر الليلي عن الاختياري منه، و ليس‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 254.

(2). المدارك: 7/ 406.

(3). الحدائق: 16/ 411.

(4). الوسائل: 10، الباب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1، 2 و 3.

441

هناك دليل صالح إلّا ما سبق من أنّه يجوز خروج ذوي الأعذار بعد انتصاف الليل من المشعر، و المفروض أنّه من ذوي الأعذار.

ففي صحيحة معاوية بن عمّار في وصف حج النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: ... فصلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان و اقامتين ... إلى أن قال: و عجّل ضعفاء بني هاشم بالليل. (1)

و قد مرت روايات الباب في المسألة الأولى من مسائل هذا الفصل، فتكون النتيجة هي الصحة، و مع ذلك فقد احتاط المصنف في هذا الفرع في ذيل المسألة و قال: «كما أنّ الأحوط ذلك في غير العمد أيضا». وجهه: احتمال اختصاص ما دلّ على الصحة بما إذا أدرك اختياري عرفة و لم يدرك اختياري المشعر- كالضعفاء- يصحّ، دون المقام حيث إنّه لم يدرك الاختياريين، و لكن الاحتمال ضعيف لإطلاق الروايات.

الفرع الثاني: من ترك اختياري عرفة من غير عذر مع إدراك الاضطراريين من عرفات و الاضطراريّ الليلي من المشعر الحرام، فحجّه باطل كما في المتن، لأنّ الوقوف بعرفات ركن، و تركه عمدا موجب للبطلان و إن لم يكن كذلك إذا تركه عن عذر، لما عرفت من معنى الركن في الحجّ على خلاف باب الصلاة.

الفرع الثالث: من ترك اختياري عرفة عن عذر و ترك اختياري المشعر من غير عذر و أدرك الاضطراريين من عرفة و المشعر، فقال المصنف: باطل على الأحوط.

وجه التفريق بين الفرع الثاني حيث أفتى فيه بالبطلان و الثالث حيث احتاط في الحكم به، هو ما تقدّم من معتبرة «مسمع» من قوله (عليه السلام) في الشق الثاني:

«و إن أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم». (2) بناء على حمله على العامد، حيث إنّ‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 16 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

442

السابع: درك اضطراري عرفة و اضطراري المشعر النهاري، فإن ترك أحد الاختياريين متعمدا بطل، و إلّا فلا يبعد الصحة و إن كان الأحوط الحجّ من قابل لو استطاع فيه.* (1)

____________

مقتضاه هو الصحة، و لكنك عرفت انّ كلا الشقين في كلامه راجع إلى الجاهل و الصحيح بطلان حجّه لتركه الركن.

(1)* هذه المسألة تقرب من الفرع الأوّل من المسألة السابقة، و يجمعهما درك الاضطراريين و لكن باختلاف، و هو أنّ المراد من اضطراريّ المشعر هو القسم الليلي في الفرع السابق و هنا الاضطراري النهاري، و المسألة معنونة في كلمات القوم.

قال المحقّق: إذا لم يتّفق له الوقوف بعرفات نهارا فوقف ليلا ثمّ لم يدرك المشعر حتّى تطلع الشمس، فقد فاته الحج و قيل يدركه و لو قبل الزوال، و هو حسن. (1)

و قال في «المدارك»: هذا حكم من أدرك الوقوفين الاضطراريين و الأصحّ ما اختاره المصنّف من إدراك الحجّ بإدراكهما، و هو اختيار الشيخ في كتابي الاخبار و جمع من الأصحاب و ... ثم استدلّ بصحيحة حسن العطار الّتي ستوافيك. (2)

و نسب الصحة في «الجواهر» إلى الشيخ في التهذيب و الصدوق و الإسكافي و السيد و ابن زهرة و الحلبيين و الفاضل و غيرهم و أضاف: بل الأكثر، بل المشهور. (3)

و يدلّ على ذلك بالخصوص صحيحة حسن العطار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر، فأقبل من عرفات لم يدرك الناس‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 254.

(2). المدارك: 7/ 406.

(3). الجواهر: 19/ 43.

443

الثامن: درك اختياري عرفة فقط، فإن ترك المشعر متعمدا بطل حجّه، و إلّا فكذلك على الأحوط.* (1)

____________

بجمع و وجدهم قد أفاضوا، فليقف قليلا بالمشعر الحرام، و ليلحق الناس بمنى و لا شي‌ء عليه». (1)

أضف إلى ذلك انّه لو قلنا بإجزاء درك خصوص الاضطراري النهاري للمشعر، لزم القول بالإجزاء في المقام بطريق أولى، لأنّه أدرك الاضطراري النهاري للمشعر مع اضطراري عرفة. و يأتي تفصيل الكلام في المسألة في القسم الحادي عشر تبعا للمصنف.

ثمّ إنّ المصنف أفتى في المقام ببطلان حج من ترك عرفة أو المشعر عمدا، دون القسم الماضي حيث لم يجزم بالبطلان فيما إذا ترك المشعر عمدا بل جعله موافقا للاحتياط.

وجهه: خروج المقام عن رواية مسمع في كلا الموردين، فلا وجه للصحة مع احتمال دخول القسم السادس في رواية مسمع الدالة على الصحة حسب ما فهمه المشهور، و بما انّ للرواية تفسيرا آخر كما مرّ لم يجزم بالبطلان.

(1)*

درك اختياري عرفة فقط

كان البحث في الأقسام السابقة هو الجمع بين الوقوفين الاختياري و الاضطراري.

و أمّا الكلام هنا و فيما يلي من الأقسام فهو درك موقف واحد سواء أ كان‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 24 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

444

اختياريا أو لا، و في المقام افترض انّه أدرك اختياري عرفة فقط. فعندئذ تتصور له صورتين كالأقسام السابقة:

أ. إمّا أن يترك الوقوف بالمشعر عن عمد.

ب. أن يترك الوقوف به عن عذر.

أمّا الأولى: فحجّه باطل، لأنّ الوقوف بالمشعر ركن و ترك الركن عمدا مبطل للحجّ.

إنّما الكلام في الثانية و هو إذا ترك الوقوف الاختياري للمشعر عن عذر، فهل يصحّ حجّه أو لا؟

في المسألة قولان:

الأوّل: الاجتزاء به. قال المحقّق: الرابعة: إذا وقف بعرفات قبل الغروب و لم يتفق له إدراك المشعر إلى قبل الزوال صحّ حجّه. (1)

و ادعى الشهيد الثاني في «المسالك» عدم الخلاف، فيما إذا أدرك اختياري عرفة مع اضطراري المشعر قال: لا إشكال في الصحّة حينئذ لإدراك اختياري عرفة، بل لو فرض عدم إدراكه المشعر أصلا صحّ أيضا فإنّ اختياري أحدهما كاف. (2)

و قد حكى في «الجواهر» عدم الخلاف عن «التنقيح»، و عن المحدث المجلسي و السيد الجزائري و شارح المفاتيح نسبة عدم الخلاف إلى الشهرة. (3)

الثاني: عدم الاجتزاء به و هو الظاهر من العلّامة في «المنتهى» قال: و لو أدرك أحد الموقفين اختيارا وفاته الآخر مطلقا، فإن كان الفائت هو عرفات فقد صحّ‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 254.

(2). المسالك: 2/ 277.

(3). الجواهر: 19/ 39، و لكلامه صلة نقل فيها كلمات القائلين بالصحّة.

445

حجّه، لإدراك المشعر، و إن كان هو المشعر ففيه تردد أقربه الفوات. (1)

و به قال أيضا في «التذكرة»: و كذا لو أدرك اختياري أحدهما وفاته الآخر اضطراريا و اختياريا على إشكال لو كان الفائت هو المشعر. (2)

و هو خيرة صاحب المدارك مستشكلا على جدّه قال: [ما أفاده] مشكل جدّا لانتفاء ما يدلّ على الاجتزاء بإدراك اختياري عرفة خاصة مع أنّ الخلاف في المسألة متحقق ثمّ نقل عبارة العلّامة في «المنتهى»، و «التحرير» و لمّح إلى ما ذكره في «التذكرة» و خرج بالنتيجة التالية: فعلم من ذلك أنّ الاجتزاء بإدراك اختياري عرفة ليس إجماعيا كما ذكره الشارح، و أنّ المتجه فيه عدم الإجزاء، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، و انتفاء ما يدلّ على الصحة مع هذا الإخلال، و اللّه تعالى أعلم بحقيقة الحال. (3)

هذا ما وقفنا عليه من الكلمات.

دليل القول بالصحّة

إذا عرفت موقف المسألة عن الوفاق و الخلاف فلندرس ما استدلّ به على الصحة:

1. رواية محمد بن يحيى الخثعمي الثقة، الّتي رواها الكليني بسند صحيح، و الشيخ بسند ضعيف. و الاسنادان ينتهيان إلى محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في «الكافي» (4)، و إلى محمد بن يحيى الخثعمي عن بعض أصحابه‌

____________

(1). منتهى المطلب: 11/ 104.

(2). التذكرة: 8/ 208.

(3). مدارك الأحكام: 7/ 406.

(4). الكافي: 4/ 472، الحديث 1.

446

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في «التهذيب»، و الظاهر انّ الروايتين متحدتان، و «الكافي» أضبط، و إليك كلا المتنين.

أمّا الأوّل: فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل لم يقف بالمزدلفة و لم يبت بها حتّى أتى منى، قال: «أ لم ير الناس، أ لم يذكر منى حين دخلها؟» قلت: فإنّه جهل ذلك قال: «يرجع»، قلت: إنّ ذلك قد فاته، قال: «لا بأس». (1)

و المتبادر من الجهل فيها هو الجهل بالحكم، و لذا تعجب الإمام من جهله به مع أنّه يرى أنّ الناس واقفون بالمشعر و مع ذلك خرج إلى منى غافلا أو جاهلا.

أمّا الثاني: فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فيمن جهل و لم يقف بالمزدلفة و لم يبت بها حتّى أتى منى، قال: «يرجع»، قلت: إنّ ذلك قد فاته، فقال: «لا بأس به». 2

أقول: إنّ المتبادر من قوله في كلا الحديثين: «و لم يقف بالمزدلفة و لم يبت بها» أنّه أدرك اختياريّ عرفة و لم يدرك من المشعر شيئا، فنفى الإمام البأس عن حجّه.

و قد أورد عليهما و على كلّ ما يمرّ عليك من الروايات بهذا المضمون: بأنّ هذا الرجل بعد ما قضى الوقوف بعرفات غادرها مارّا بالمزدلفة و اجتازها إلى منى و إن لم يقف و لم يبت فيها، و على هذا فهو أدرك الوقوف الاضطراريّ الليلي للمشعر و إن لم يدرك اختياريّة، و يكفي في الوقوف الاضطراري الليليّ الركنيّ، مروره بالمزدلفة راجلا أو راكبا، و أمّا أمره (عليه السلام) بالرجوع فلتتميم الواجب من الوقوف لا لدرك الجزء الركني.

يلاحظ عليه: أنّ الوقوف الركني و لو لحظة واحدة انّما يجزي إذا وقف مع النيّة، و المفروض انّه اجتازها كطريق إلى منى، لا كواجب من الواجبات. فكيف‌

____________

(1) (1 و 2). الوسائل: 10، الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 6 و 5.

447

يجزي و هو غافل و جاهل؟

أضف إلى ذلك أنّه إذا كفى إدراك الجزء الركني الليلي، و إن لم يدرك الاختياري من المشعر فلما ذا أمر الإمام بالرجوع إلى المشعر ليدرك الاضطراريّ النهاري و تفسيره بتتميم الواجب كما مرّ إذ لا وجه له، فإنّ الواجب أمّا الوقوف الركني الليلي فقد أدركه، و أمّا الوقوف بين الطلوعين فقد انقضى وقته، فلم يبق واجب اختياري حتّى يكمله و الوقوف النهاري الاضطراري كالوقوف الليلي هل يجب الجمع بينهما؟!

نعم حمل الشيخ الرواية على من وقف بالمزدلفة شيئا يسيرا. (1) و ظاهره انّه لا يقول بكفاية إدراك اختياريّ عرفة فقط، و لذا حملها على من أدرك الركن الليليّ، لكنّه خلاف الظاهر.

ثمّ إنّ الاختلاف في المسألة من حيث النظرية لا يؤثر فيها من حيث العمل و الابتلاء، لأنّ الطريق الرئيسي من عرفات إلى منى يمرّ في عامة الأحوال على المزدلفة، و لم نسمع أحدا ذهب من عرفات إلى مكّة المكرمة و منها إلى منى إلّا إذا كان معرضا عن الحجّ. و على ضوء ذلك فالحجّ صحيح إمّا لكفاية درك اختياريّ عرفة، أو لكونه ملازما لدرك اضطراريّ المشعر الليلي.

نعم الاختلاف في الفتوى بعد باق لا يرتفع بما ذكرنا. و تظهر الثمرة إذا أتى منى من طريق مكة.

2. ما رواه محمد بن حكيم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أصلحك اللّه، الرجل الأعجمي و المرأة الضعيفة تكونان مع الجمّال الاعرابي، فإذا أفاض بهم من عرفات مرّ بهم كما هو إلى منى لم ينزل بهم جمعا، قال (عليه السلام): «أ ليس قد صلّوا بها‌

____________

(1). التهذيب: 5/ 292.

448

فقد أجزأهم»، قلت: فإن لم يصلّوا؟ فقال (عليه السلام): «فذكروا اللّه فيها؟ فإن كانوا ذكروا اللّه فيها فقد أجزأهم». (1)

و محمد بن حكيم ممن يروي عنه محمد بن أبي عمير في طريق الصدوق إليه كما يروي عنه البزنطي و صفوان و يونس و حمّاد بن عثمان و الحسن بن محبوب، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الرجل ممّن يعتمد عليه، و سائر المذكورين في السند كلّهم ثقات.

إنّ السؤال يحتمل أحد أمرين:

أ. عدم نزولهما في المزدلفة.

ب. عدم ذكر اللّه سبحانه فيها.

و جواب الإمام (عليه السلام) يؤيد الوجه الثاني. حيث إنّ الإمام (عليه السلام) وجّه عملهم بأنّهم إذا صلّوا كفى ذلك في ذكر اللّه تعالى، و بما أنّ الذكر في المزدلفة ليس واجبا نفسيا و لا شرطا لصحة الوقوف تحمل الرواية في مورد ذكر اللّه على الاستحباب المؤكد، و في الوقت نفسه تدلّ على صحّة الحجّ و إلّا فلو لم يكن درك اختياري عرفة مجزئا لزم على الإمام أن يأمره بالرجوع إلى المشعر حتى يدرك النهاري منه.

و قد أورد على الحديث بنفس ما أورد على الأوّلين، و قد عرفت الإشكال فيه.

3. خبر أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك، إن صاحبيّ هذين جهلا أن يقفا بالمزدلفة، فقال: «يرجعان مكانهما فيقفان بالمشعر ساعة»، قلت: فإنّه لم يخبرهما أحد حتّى كان اليوم و قد نفر الناس، قال: فنكس رأسه ساعة، ثمّ قال: «أ ليسا قد صليّا الغداة بالمزدلفة؟» قلت: بلى، قال: «أ ليس قد قنتا‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

449

في صلاتهما؟» قلت: بلى، قال: «تمّ حجّهما»، ثمّ قال: «و المشعر من المزدلفة، و المزدلفة من المشعر، و إنّما يكفيهما اليسير من الدعاء». (1)

إنّ قول الراوي: «جهلا أن يقفا بالمزدلفة» و جواب الإمام (عليه السلام): «يرجعان مكانهما فيقفان بالمشعر ساعة» يدلّان- في بدء النظر- على أنّ مصب السؤال و الجواب هو ترك الوقوف بالمشعر، غير أنّ ذيل الرواية أعني «أ ليسا قد صليا الغداة بالمزدلفة، قلت: بلى، قال: أ ليس قد قنتا في صلاتهما، قلت:

بلى ...» يدلّ على أنّ شبهة السائل ترجع إلى عدم صدور الذكر منهما مع أنّ اللّه سبحانه يقول: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ. (2)

و لذلك قال الإمام «إنّما يكفيهما اليسير من الدعاء» و مع ذلك تصلح الرواية للاستدلال في المقام، لأنّ وقوفهما لم يكن مقرونا بالنيّة.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الروايات ناهضة لإثبات صحّة الحجّ إمّا لكفاية وقوف عرفة الاختياري وحده، أو لكونه ملازما في الخارج للوقوف الليلي للمشعر باعتبار اجتيازه أرض المشعر. نعم لو تجرد عن الوقوف مطلقا و لو مجتازا إلى منى، كما إذا خرج من عرفات إلى مكة و منها إلى منى فحجّه باطل.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر (3) استدل على الصحة بالروايات التالية:

4. صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: و سألته عن قول اللّه عزّ و جل: الحج الأكبر [أي قوله تعالى: وَ أَذٰانٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النّٰاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (4)]، فقال: «الحج الأكبر الوقوف بعرفة و رمي الجمار». (5)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 7.

(2). البقرة: 198.

(3). الجواهر: 19/ 39- 40.

(4). التوبة: 3.

(5). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 9.

450

كيفية الاستدلال: أنّ الصحيحة دلّت على أنّ من أدرك وقوف عرفات و رمى الجمرة يوم النحر فقد أدرك الحج الأكبر، و هذا يدلّ على كفاية درك اختياري عرفة، إذا رمى جمرة العقبة.

يلاحظ عليه: أنّ الحديث لا صلة له بالمقام، و ذلك لأنّ للحديث ذيلا و هو «و الحجّ الأصغر العمرة». (1) فالرواية بصدد أنّ للحج فردين؛ أكبر و هو يشتمل على عرفة و رمي الجمار، و أصغر و هي العمرة و الّتي ليس فيها وقوف و لا رمي، و ليست الرواية بصدد حصر اعمال الحجّ الأكبر فيهما. و انّما تشير إلى نماذج من أعمال الحجّ الّتي ليست في العمرة.

5. عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: «الحج عرفة». (2)

كيفية الاستدلال بها واضحة، لأنّ حصر الحجّ في عرفة، كناية عن كونها المقومة له و الركن الركني، لا غيرها.

يلاحظ عليه: أنّ قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: الحجّ عرفة، فهو بصدد تجليل عرفة و الإشارة بمقامها، لا حصر حقيقة الحج بعرفة، و ذلك معلوم بالضرورة.

6. صحيح علي بن رئاب انّ الصادق (عليه السلام) قال: «من أفاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع و مضى إلى منى متعمدا أو مستخفا، فعليه بدنة». (3)

و قد نقله الحرّ العاملي في باب عنونه بقوله: «من ترك الوقوف بالمشعر عمدا بطل حجه و لزمه بدنة».

يلاحظ عليه: انّه لا يصلح للاستدلال على صحّة الفرع، لأجل أنّه نزل في‌

____________

(1). الوسائل: 8، الباب 1 من أبواب وجوب الحج، الحديث 2.

(2). المستدرك: 10، الباب 18 من أبواب إحرام الحج، الحديث 3.

(3). الوسائل: 10، الباب 26 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

451

مزدلفة و وقف بها و لكن لم يلبث فيها مع الناس، أي تعجّل في الخروج و هو ممّن أدرك اختياري عرفة و شيئا من الوقوف بالمشعر، إمّا الاضطراريّ الليلي أو الاختياريّ بين الطلوعين، و انّما تعجل لأجل الفرار عن الزحام حتّى يرمي جمرة العقبة بسهولة ثمّ يرجع إلى خيامه بمنى. فيفترق عمّا ورد في رواية الخثعمي أو محمد بن حكيم، و أبي بصير.

الروايات المعارضة

ثمّ إنّ صاحب الجواهر ذكر أنّه توجد روايات معارضة لما دلّ على الصحّة و هي:

1. عموم الصحيح: إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحجّ (1)، و القدر المتيقّن هو الوقوف بالمزدلفة بصورة الثلاث عن عذر، لا الفوت عن عمد، إذ قلّما يتفق لإنسان شدّ الرحال إلى الحجّ و في الوقت نفسه يترك الوقوف عمدا.

2. عموم المرسل: الوقوف بالمشعر فريضة و الوقوف بعرفة سنّة. (2)

3. مفهوم جملة من النصوص: من أدرك جمعا امّا مطلقا أو قبل زوال الشمس فقد أدرك الحجّ. (3)

ثمّ إنّ صاحب الجواهر جمع بين الطائفتين، فلاحظ. (4)

أقول: المهم هو الأوّل و الثالث، و أمّا الثاني فالمراد من السنّة وروده في كلام النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في مقابل وروده في الكتاب العزيز، فالأمر بالذكر في المشعر‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، الحديث 14.

(3). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، و الباب 25 من هذه الأبواب، الحديث 2.

(4). الجواهر: 19/ 41.

452

ورد في الكتاب، قال سبحانه: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ (1). و أمّا الوقوف بعرفات فقد دلّت عليه سنّة النبي و سيرته و ليست السنّة بمعنى المندوب.

نعم في مقام المعارضة هو قوله:

1. «إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج» في حديث الحلبيّين.

2. قوله: «من أدرك جمعا فقد أدرك الحجّ». (2)

و لكنّ للحديث الثاني ذيلا يصلح أن يكون قرينة للمراد من الصدر، و من المحتمل صدورهما من الإمام في وقت واحد، و إليك الذيل: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أيما حاج سائق للهدي أو مفرد للحج، أو متمتع بالعمرة إلى الحج، قدم و قد فاته الحج فليجعلها عمرة، و عليه الحج من قابل». (3)

فعند ضم الذيل إلى الصدر و المجموع إلى الصحيح: إذا فاتتك المزدلفة فاتك الحجّ يعلم أنّ مصب قوله: «إذا فاتتك المزدلفة»، أو مفهوم: «إذا أدرك جمعا فقد أدرك الحجّ» في مقابل من قدم مكة و لم يدرك شيئا منها. و من المعلوم أنّ من لم يدرك المزدلفة لم يدرك عرفة أيضا فلا يصلح الحديث للمعارضة. و أين هو من المقام، أعني: أدرك اختياريّ عرفة.

و إن شئت قلت: إنّ الروايات الكثيرة المفصلة بين من أدرك المزدلفة و من لم يدرك، للقادم من مكّة فيصح حجّه لو أدرك المزدلفة دون من لم يدرك. و لا صلة له بمن أدرك عرفة و لم يدرك المزدلفة.

و يدلّ على هذا الحمل ما رواه محمد بن فضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)

____________

(1). البقرة: 198.

(2). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(3). الوسائل: 10، الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

453

التاسع: درك اضطراري عرفة فقط فالحجّ باطل.* (1)

العاشر: درك اختياريّ المشعر فقط فصحّ حجّه إن لم يترك اختياري عرفة متعمدا و إلّا بطل.* (2)

____________

عن الحد الّذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج. فقال (عليه السلام): «إذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ و لا عمرة له، و إن لم يأت جمعا حتّى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حجّ له، فإن شاء أقام بمكة و إن شاء رجع و عليه الحج من قابل». (1)

فقوله (عليه السلام): «إذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس» ناظر إلى من قدم من مكّة، لا من عرفات. و لا شكّ انّه لو قدم من عرفات فهو يدرك المشعر غالبا إلّا النادر من الناس.

(1)* إنّ ادراك أحد الاضطراريين منقول في كلمات القوم، فاتفقوا على عدم صحة إدراك اضطراريّ عرفة فقط، دون الآخر كما سيوافيك في القسم الحادي عشر.

قال في «الدروس»: و لا يجزي اضطراريّ عرفات قولا واحدا. (2) و ادّعى الفاضل المقداد في «التنقيح» الإجماع على البطلان. (3) وجهه عدم الدليل على الصحة فما أمر لم يأت به و ما أتى ليس مأمورا به، و من قال بعدم إجزاء إدراك اختياريّ عرفة، يلزم عليه القول بعدم الإجزاء في المقام بوجه أولى.

(2)* هنا فرعان:

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2) الدروس: 1/ 426.

(3). التنقيح الرائع: 1/ 480.

454

1. من ترك اختياري عرفة متعمدا و أدرك اختياري المشعر فقط.

2. من لم يدرك اختياري عرفة عن عذر و أدرك اختياريّ المشعر فقط.

أمّا الأوّل فالحجّ باطل، لأنّه ترك الركن عن عمد. و قد مرّ مرارا أنّ ترك الركن عمدا مبطل للحج.

أمّا الثاني فقد تضافرت الفتاوى تبعا للنصوص على الصحّة و موردها من قدم مكّة و قد مضى وقت عرفة لكنه أدرك اختياريّ المشعر، قال المحقّق: من لم يقف بعرفات و أدرك المشعر قبل طلوع الشمس صحّ حجّه و لو فاته بطل. (1)

و يظهر موافقة الشهيد الثاني للشرائع حيث لم يعلق عليه شيئا. (2) بل هو دليل على أنّ المسألة غنية عن البحث.

كما يظهر ذلك عن سبطه في «المدارك» حيث قال: لو قلنا بالصحة في المسألة، فالأظهر القول بإجزاء درك اضطراريّ المشعر. (3) و يدلّ على المقصود روايات هي كثيرة نقتصر على الروايتين التاليتين:

1. ما رواه محمد بن فضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحدّ الّذي إذا أدركه الرجل أدرك الحجّ، فقال: «إذا أتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ و لا عمرة له، و إن لم يأت جمعا حتّى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حجّ له، فإن شاء أقام، و إن شاء رجع و عليه الحجّ من قابل». (4)

2. ما رواه إسحاق بن عبد اللّه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكة مفردا للحج فخشي أن يفوته الموقف؟ فقال: «له يومه إلى طلوع الشمس من‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 257.

(2). المسالك: 2/ 287.

(3). المدارك: 7/ 424. و سيأتي درك اضطراريّ المشعر في الفرعين الحادي عشر و الثاني عشر.

(4). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

455

الحادي عشر: درك اضطراريّ المشعر النهاري فقط، فبطل حجّه.* (1)

____________

يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حج». (1)

و على أي تقدير: فقد فصل المصنّف بين درك اختياري عرفة فقال: الأحوط البطلان، و بين درك اختياري المشعر فقال بالصحة قاطعا. و قد عرفت أنّ الحقّ عدم الفرق بين درك الاختياريين.

(1)*

درك اضطراري المشعر النهاري

قد ألمحنا إلى هذا القسم عند الكلام في القسم السابع: أعني: «درك اضطراريّ عرفة و اضطراريّ المشعر النهاريّ»، و قلنا هناك: إنّ من قال بالإجزاء في درك اضطراري المشعر النهاري فقط، كان عليه أن يقول بالإجزاء في المركب من الاضطراريين: اضطراري عرفة، و اضطراري المشعر النهاري.

و قد حان وقت البحث عن هذا فنقول: إذا أدرك من بين الوقوفات اضطراري المشعر وحده و هو على قسمين: تارة يدرك الاضطراري الليلي فقط، و هذا ما سيأتي من المصنّف في القسم التالي؛ و أخرى يدرك الاضطراري النهاري، و قد اختلفت فيه كلمة الأصحاب منذ العصور السابقة إلى يومنا هذا، فالمشهور بين قسم من القدماء و لفيف من المتأخّرين هو الإجزاء، لكن الشهرة بين المتأخّرين هو عدمه، و إليك كلمات القائلين بهما:

[الأقوال]

فمن القائلين بالإجزاء:

1. الصدوق، قال: الّذي أفتي به و اعتمده في هذا المعنى ما حدّثنا به‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 5.

456

شيخنا محمد بن الحسن ... إلى أن قال: عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أدرك المشعر يوم النحر قبل زوال الشمس فقد أدرك الحجّ، و من أدرك يوم عرفة قبل زوال الشمس فقد أدرك المتعة». (1)

2. ابن الجنيد، قال: و إن لحق الوقوف بالمشعر إلى زوال الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحجّ. (2)

3. السيد المرتضى على ما نقله في «المنتهى»، قال: لو أدرك أحد الاضطراريين خاصّة، فإن كان المشعر صحّ حجّه على قول السيّد و بطل على قول الشيخ. (3)

4. العلّامة الحلي في «المنتهى»، حيث إنّه نقل استدلال السيد على الإجزاء بروايتي عبد اللّه بن المغيرة و جميل بن درّاج، ثم قال: لكن الشيخ تأوّلهما بالتأويلين البعيدين. (4)

و هذا يعرب عن ميله إلى القول بالإجزاء.

5. الشهيد في «الدروس»، قال: و في اضطراري المشعر رواية صحيحة بالإجزاء، و عليها ابن الجنيد و الصدوق و المرتضى في ظاهر كلامهما. (5)

6. الشهيد الثاني في «الروضة» و «المسالك» قال في الأوّل: و الأقوى إجزاء اضطراري المشعر وحده، لصحيحة عبد اللّه بن مسكان عن الكاظم (عليه السلام). (6)

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 8.

(2). المختلف: 4/ 251.

(3). المنتهى: 11/ 103. و لاحظ: الانتصار: 90، و نقله في المدارك أيضا.

(4). المنتهى: 11/ 104.

(5). الدروس: 1/ 425.

(6). الروضة البهية: 2/ 278.

457

و قال في الثاني: إنّ صحيحة عبد اللّه بن مسكان و حسنة جميل تدلّان على الاجتزاء باضطراري المشعر وحده في صحّة الحج، و هو خيرة ابن الجنيد من المتقدّمين و الشهيد من المتأخّرين، و هو قويّ و لا عبرة بادّعاء صاحب التنقيح الإجماع على خلافه. (1)

7. سبط الشهيد الثاني صاحب المدارك، قال: بل الأظهر إدراك الحج بإدراك اضطراري المشعر خاصّة، لقوله في صحيحة جميل: من أدرك الموقف بجمع يوم النحر من قبل أن تزول الشمس فقد أدرك الحجّ. (2)

8. و ممّن عاصرناه السيد المحقّق الخوئي في تقريراته. (3) و سيوافيك كلامه في الجمع بين الروايات المتعارضة.

بعض من يقول بعدم الإجزاء

1. المفيد في مقنعته قال: فإن حضر المشعر الحرام قبل طلوع الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحج، و إن لم يحضره حتّى تطلع الشمس فقد فاته. (4)

2. ابن زهرة الحلبي، قال: فمن فاته حتّى طلعت الشمس فلا حجّ له، يدلّ على ذلك الإجماع المتكرر ذكره و طريقة الاحتياط. (5)

3. المحقّق، قال: الوقوف بالمشعر ركن، فمن لم يقف به ليلا و لا بعد الفجر عامدا بطل حجّه، و لا يبطل لو كان ناسيا، و لو فاته الموقفان بطل و لو‌

____________

(1). المسالك: 2/ 277.

(2). المدارك: 7/ 435.

(3). المعتمد: 5/ 182.

(4). المقنعة: 431.

(5). الغنية: 1/ 183.

458

كان ناسيا. (1)

4. الفاضل المقداد، قال: الإجماع منعقد اليوم على عدم إجزاء الواحد من الاضطراريين، لانقراض ابن الجنيد و من قال بمقالته. (2)

5. المحدث البحراني في «الحدائق الناضرة» قال: حيث إنّه بعد ما نقل ما يدلّ على الإجزاء اعترض على من اقتصر بذكرها من دون أن يشير إلى معارضها، فقال: إنّ هذه الأخبار، و إن دلّت على القول بالإجزاء إلّا أنّ بإزائها ما يدلّ على القول المشهور (عدم الإجزاء) فكان الواجب في مقام التحقيق ذكرها و الجواب عنها بوجه يحسم مادّة الإشكال و النزاع، و إلّا فإنّ المسألة تبقى في قالب التعويق الموجب لعدم الفائدة فيما ذكره. (3)

6. أكثر من عاصرناهم من الفقهاء إلّا السيد الجليل جمال الدين الگلپايگاني على ما حكي عنه و السيد المحقّق الخوئي قالوا بعدم الإجزاء، و تحقيق القول فرع نقل الروايات الواردة في المسألة، و هي كالأقوال على طائفتين:

[الروايات]

الطائفة الأولى: ما يدلّ على الصحّة

استدل على القول بالصحّة بروايات تسع نذكرها تباعا:

1. صحيحة عبد اللّه بن المغيرة، قال: جاءنا رجل بمنى فقال: إنّي لم أدرك الناس بالموقفين جميعا- إلى أن قال:- فدخل إسحاق بن عمّار على أبي الحسن (عليه السلام)

____________

(1). المختصر النافع: 88، فقد نسب القول بعدم الإجزاء إلى المحقّق، في «التنقيح الرائع» و لعلّ هذه العبارة سند النسبة.

(2). التنقيح الرائع: 1/ 481.

(3). الحدائق الناضرة: 16/ 414. و سيوافيك لفظه عند الجمع بين الروايات.