منهاج الصالحين - ج1

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
447 /
353

محتسبة، لم يجز له الرجوع إلى المعطى له، مع تلف عينه بل مع بقائها على الأحوط استحبابا.

(مسألة 1256): الخمس بجميع أقسامه و إن كان يتعلق بالعين، إلا أن المالك يتخير بين دفع العين و دفع قيمتها، و لا يجوز له التصرف في العين بعد انتهاء السنة قبل أدائه بل الأحوط- وجوبا- عدم التصرف في بعضها أيضا، و إن كان مقدار الخمس باقيا في البقية و إذا ضمنه في ذمته بإذن الحاكم الشرعي صح، و يسقط الحق من العين، فيجوز التصرف فيها.

(مسألة 1257): لا بأس بالشركة مع من لا يخمس، إما لاعتقاده لتقصير أو قصور بعدم وجوبه، أو لعصيانه و عدم مبالاته بأمر الدين، و لا يلحقه و زر من قبل شريكه. و يجزيه أن يخرج خمسه من حصته في الربح.

(مسألة 1258): يحرم الاتجار بالعين بعد انتهاء السنة قبل دفع الخمس، لكنه إذا اتجر بها عصيانا أو لغير ذلك فالظاهر صحة المعاملة، إذا كان طرفها مؤمنا و ينتقل الخمس إلى البدل، كما أنه إذا وهبها لمؤمن صحت الهبة، و ينتقل الخمس إلى ذمة الواهب، و على الجملة كل ما ينتقل إلى المؤمن ممن لا يخمس أمواله لأحد الوجوه المتقدمة بمعاملة أو مجانا يملكه فيجوز له التصرف فيه، و قد أحل الائمة- (سلام اللّه عليهم)- ذلك لشيعتهم تفضلا منهم عليهم، و كذلك يجوز التصرف للمؤمن في أموال هؤلاء، فيما إذا أباحوها لهم، من دون تمليك، ففي جميع ذلك يكون المهنأ للمؤمن و الوزر على مانع الخمس، إذا كان مقصرا.

المبحث الثاني مستحق الخمس و مصرفه

(مسألة 1259): يقسم الخمس في زماننا- زمان الغيبة- نصفين‌

354

نصف لإمام العصر الحجة المنتظر- (عجل اللّه تعالى فرجه و جعل أرواحنا فداه)- و نصف لبني هاشم: أيتامهم، و مساكينهم، و أبناء سبيلهم، و يشترط في هذه الأصناف جميعا الإيمان، كما يعتبر الفقر في الأيتام، و يكفي في ابن السبيل الفقر في بلد التسليم، و لو كان غنيا في بلده إذا لم يتمكن من السفر بقرض و نحوه على ما عرفت في الزكاة. و الأحوط وجوبا اعتبار أن لا يكون سفره معصية، و لا يعطى أكثر من قدر ما يوصله إلى بلده، و الأظهر عدم اعتبار العدالة في جميعهم.

(مسألة 1260): الأحوط- إن لم يكن أقوى- أن لا يعطى الفقير أكثر من مئونة سنته، و يجوز البسط و الاقتصار على إعطاء صنف واحد، بل يجوز الاقتصار على إعطاء واحد من صنف.

(مسألة 1261): المراد من بني هاشم من انتسب إليه بالأب، أما إذا كان بالأم فلا يحل له الخمس و تحل له الزكاة، و لا فرق في الهاشمي بين العلوي و العقيلي و العباسي و إن كان الأولى تقديم العلوي بل الفاطمي.

(مسألة 1262): لا يصدق من ادعى النسب إلا بالبينة، و يكفي في الثبوت الشياع و الاشتهار في بلده كما يكفي كل ما يوجب الوثوق و الاطمئنان به.

(مسألة 1263): لا يجوز إعطاء الخمس لمن تجب نفقته على المعطي على الأحوط. نعم إذا كانت عليه نفقة غير لازمة للمعطي جاز ذلك.

(مسألة 1264): يجوز استقلال المالك في توزيع النصف المذكور و الأحوط استحبابا الدفع إلى الحاكم الشرعي أو استئذانه في الدفع إلى المستحق.

[النصف الراجع للإمام]

(مسألة 1265): النصف الراجع للإمام عليه و على آبائه أفضل الصلاة و السلام يرجع فيه في زمان الغيبة إلى الفقيه المأمون العارف بمصارفه‌

355

إما بالدفع إليه أو الاستئذان منه، و مصرفه ما يوثق برضاه (عليه السلام) بصرفه فيه، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم اللّه تعالى شرفا و غيرهم، و الأحوط استحبابا نية التصدق به عنه (عليه السلام) و اللازم مراعاة الأهم فالأهم، و من أهم مصارفه في هذا الزمان الذي قل فيه المرشدون و المسترشدون إقامة دعائم الدين و رفع أعلامه، و ترويج الشرع المقدس، و نشر قواعده و أحكامه و مئونة أهل العلم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية الباذلين أنفسهم في تعليم الجاهلين، و إرشاد الضالين، و نصح المؤمنين و وعظهم، و إصلاح ذات بينهم، و نحو ذلك مما يرجع إلى إصلاح دينهم و تكميل نفوسهم، و علو درجاتهم عند ربهم تعالى شأنه و تقدست أسماؤه، و الأحوط لزوما مراجعة المرجع الأعلم أو المحتمل الأعلمية المطلع على الجهات العامة.

(مسألة 1266): يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحق، بل مع وجوده إذا لم يكن النقل تساهلا و تسامحا في أداء الخمس و يجوز دفعه في البلد إلى وكيل الفقير و إن كان هو في البلد الآخر كما يجوز دفعه إلى وكيل الحاكم الشرعي، و كذا إذا وكل الحاكم الشرعي المالك فيقبضه بالوكالة عنه ثمّ ينقله إليه.

(مسألة 1267): إذا كان المال الذي فيه الخمس في غير بلد المالك فاللازم عدم التساهل و التسامح في أداء الخمس و الأحوط تحري أقرب الأزمنة في الدفع، سواء أ كان بلد المالك، أم المال أم غيرهما.

(مسألة 1268): في صحة عزل الخمس بحيث يتعين في مال مخصوص إشكال، و عليه فإذا نقله إلى بلد لعدم وجود المستحق فتلف بلا تفريط يشكل فراغ ذمة المالك، نعم إذا قبضه وكالة عن المستحق أو عن الحاكم فرغت ذمته، و لو نقله بإذن موكله فتلف من غير تفريط لم يضمن.

356

(مسألة 1269): إذا كان له دين في ذمة المستحق ففي جواز احتسابه عليه من الخمس إشكال، فالأحوط وجوبا الاستئذان من الحاكم الشرعي في الاحتساب المذكور، نعم إذا كان له دين من النقود في ذمّة المستحق لسهم السادة فلا يبعد جواز الاحتساب.

357

كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

358

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

359

من أعظم الواجبات الدينية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قال اللّه تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، و فسق شبابكم، و لم تأمروا بالمعروف و لم تنهوا عن المنكر فقيل له: و يكون ذلك يا رسول اللّه؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): نعم. فقال: «كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، و نهيتم عن المعروف، فقيل له: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يكون ذلك؟ فقال: نعم، و شر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا و المنكر معروفا؟».

و قد ورد عنهم (عليهم السلام) أن بالأمر بالمعروف تقام الفرائض و تأمن المذاهب، و تحل المكاسب، و تمنع المظالم، و تعمر الأرض و ينتصف للمظلوم من الظالم، و لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، و نهوا عن المنكر، و تعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات و سلط بعضهم على بعض، و لم يكن لهم ناصر في الأرض و لا في السماء.

(مسألة 1270): يجب الأمر بالمعروف الواجب، و النهي عن المنكر وجوبا كفائيا، إن قام به واحد سقط عن غيره، إلا إذا احتمل الغير أنه لا يأتمر و لا ينتهي بمن قام بهما و أنه لو أمر أو نهى احتمل تأثير أمره و نهيه في ائتماره و انتهائه، و إذا لم يقم به واحد أثم الجميع و استحقوا العقاب.

(مسألة 1271): إذا كان المعروف مستحبا كان الأمر به مستحبا، فإذا‌

360

أمر به كان مستحقا للثواب، و إن لم يأمر به لم يكن عليه إثم و لا عقاب.

[شروط الأمر بالمعروف]

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف الواجب، و النهي عن المنكر أمور:

الأول: معرفة المعروف و المنكر و لو إجمالا، فلا يجبان على الجاهل بالمعروف و المنكر.

الثاني: احتمال ائتمار المأمور بالمعروف بالأمر، و انتهاء المنهي عن المنكر بالنهي، فإذا لم يحتمل ذلك، و علم أن الشخص الفاعل لا يبالي بأمره أو نهيه، و لا يكترث بهما لا يجب عليه شي‌ء.

الثالث: أن يكون الفاعل مصرّا على ترك المعروف، و ارتكاب المنكر فإذا كانت امارة على الاقلاع، و ترك الاصرار لم يجب شي‌ء، بل لا يبعد عدم الوجوب بمجرد احتمال ذلك، فمن ترك واجبا، أو فعل حراما و لم يعلم أنه مصر على ترك الواجب، أو فعل الحرام ثانيا، أو أنه منصرف عن ذلك أو نادم عليه لم يجب عليه شي‌ء، هذا بالنسبة إلى من ترك المعروف، أو ارتكب المنكر خارجا. و أما من يريد ترك المعروف، أو ارتكاب المنكر فيجب أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر، و إن لم يكن قاصدا إلا المخالفة مرة واحدة.

الرابع: أن يكون المعروف و المنكر منجزا في حق الفاعل، فإن كان معذورا في فعله المنكر، أو تركه المعروف، لاعتقاد أن ما فعله مباح و ليس بحرام، أو أن ما تركه ليس بواجب، و كان معذورا في ذلك للاشتباه في الموضوع، أو الحكم اجتهادا، أو تقليدا لم يجب شي‌ء. نعم قد يجب إرشاد الجاهل بالموضوع في موارد يحرز اهتمام الشارع فيها بحيث لا ترخيص للجاهل في الارتكاب بل يجب عليه الاحتياط و إن كان الغافل فيها معذورا و هذا غير داخل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

الخامس: أن لا يلزم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ضرر في النفس، أو في العرض، أو في المال، على الآمر، أو على غيره من المسلمين،

361

فإذا لزم الضرر عليه، أو على غيره من المسلمين لم يجب شي‌ء و الظاهر أنه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر و الظن به و الاحتمال المعتد به عند العقلاء الموجب لصدق الخوف، هذا فيما إذا لم يحرز تأثير الأمر أو النهي و أما إذا أحرز ذلك فلا بد من رعاية الأهمية، فقد يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر أيضا، فضلا عن الظن به أو احتماله.

(مسألة 1272): لا يختص وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف، بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة على العلماء و غيرهم، و العدول و الفساق، و السلطان و الرعية، و الأغنياء و الفقراء، إن قام به واحد سقط الوجوب عن غيره إلا في بعض الموارد على ما تقدم، و إن لم يقم به أحد أثم الجميع، و استحقوا العقاب.

[مراتب الإنكار]

للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مراتب:

الأولى: الإنكار باللسان و القول بأن يعظه و ينصحه و يذكر له ما أعدّ اللّه سبحانه للعاصين من العقاب الأليم و العذاب في الجحيم أو يذكر له ما أعدّه اللّه تعالى للمطيعين من الثواب الجسيم و الفوز في جنات النعيم.

الثانية: الإنكار بالقلب بمعنى إظهار كراهة المنكر أو ترك المعروف إمّا بإظهار الانزعاج من الفاعل أو الاعراض و الصدّ عنه أو ترك الكلام معه أو نحو ذلك من فعل أو ترك يدل على كراهة ما وقع منه.

الثالثة: الانكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية، و لكل واحدة من هذه المراتب مراتب أخف و أشد، و المشهور الترتيب بين هذه المراتب مع تقديم المرتبة الثانية على الأولى، فإن كان إظهار الانكار القلبي كافيا في الزجر اقتصر عليه، و إلا أنكر باللسان، فإن لم يكف ذلك أنكره بيده، و لكن الظاهر تقديم الانكار باللسان على الانكار القلبي كما تقدم، و قد يلزم الجمع بينهما. و أما القسم الثالث فهو مترتب على عدم تأثير‌

362

الأولين، بل الأحوط في هذا القسم بجميع مراتبه الاستيذان من الحاكم الشرعي و إلا ففي كونه من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إشكال.

(مسألة 1273): إذا لم تكف المراتب المذكورة في ردع الفاعل ففي جواز الانتقال إلى الجرح و القتل وجهان، بل قولان أقواهما العدم، و كذا إذا توقف على كسر عضو من يد أو رجل أو غيرهما، أو إعابة عضو كشلل أو اعوجاج أو نحوهما، فإن الأقوى عدم جواز ذلك، و إذا أدى الضرب إلى ذلك- خطأ أو عمدا- فالأقوى الضمان.

فتجري عليه أحكام الجناية العمدية، إن كان عمدا، و الخطائية إن كان خطأ. نعم يجوز للإمام و الحاكم الشرعي ذلك إذا كان يترتب على معصية الفاعل مفسدة أهم من جرحه أو قتله، و حينئذ لا ضمان عليه.

(مسألة 1274): يتأكد وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في حق المكلف بالنسبة إلى أهله، فيجب عليه إذا رأى منهم التهاون في الواجبات، كالصلاة و أجزائها و شرائطها، بأن لا يأتوا بها على وجهها، لعدم صحة القراءة و الاذكار الواجبة، أو لا يتوضئوا وضوءا صحيحا أو لا يطهروا أبدانهم و لباسهم من النجاسة على الوجه الصحيح أمرهم بالمعروف على الترتيب المتقدم، حتى يأتوا بها على وجهها، و كذا الحال في بقية الواجبات، و كذا إذا رأى منهم التهاون في المحرمات كالغيبة و النميمة، و العدوان من بعضهم على بعض، أو على غيرهم، أو غير ذلك من المحرمات، فإنه يجب أن ينهاهم عن المنكر حتى ينتهوا عن المعصية و تجري المرتبة الثالثة هنا بلا حاجة إلى الاستيذان من الحاكم الشرعي.

(مسألة 1275): إذا صدرت المعصية من شخص من باب الاتفاق، و علم أنه غير مصر عليها فلا يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إن لم يتب، نعم إذا كان جاهلا بلزوم التوبة و كونها مكفّرة للذنب وجب الارشاد.

363

فائدة:

قال بعض الأكابر (قدس سره): إن من أعظم أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أعلاها و أتقنها و أشدها، خصوصا بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه و مندوبه، و ينزع رداء المنكر محرمه و مكروهه، و يستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة، و ينزهها عن الأخلاق الذميمة، فإن ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف، و نزعهم المنكر خصوصا إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغبة و المرهبة فإن لكل مقام مقالا، و لكل داء دواء، و طب النفوس و العقول أشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة، و حينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

ختام و فيه مطلبان:

المطلب الأول: في ذكر أمور هي من المعروف:

منها: الاعتصام باللّه تعالى، قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّٰهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أوحى اللّه عز و جل إلى داود ما اعتصم بي عبد من عبادي، دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته، ثمّ تكيده السماوات و الأرض و من فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن».

و منها: التوكل على اللّه سبحانه، الرءوف الرحيم بخلقه العالم بمصالحه و القادر على قضاء حوائجهم. و إذا لم يتوكل عليه تعالى فعلى من يتوكل أعلى نفسه، أم على غيره مع عجزه و جهله؟ قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الغنى و العز يجولان، فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطنا».

و منها: حسن الظن باللّه تعالى، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما قال:

364

«و الذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن باللّه إلا كان اللّه عند ظن عبده المؤمن، لأن اللّه كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن، ثمّ يخلف ظنه و رجاءه، فأحسنوا باللّه الظن و ارغبوا إليه».

و منها: الصبر عند البلاء، و الصبر عن محارم اللّه، قال اللّه تعالى:

إِنَّمٰا يُوَفَّى الصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث: «فاصبر فإنّ في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، و اعلم أن النصر مع الصبر، و أن الفرج مع الكرب، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا»، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يعدم الصبر الظفر و إن طال به الزمان»، و قال (عليه السلام): «الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، و أحسن من ذلك الصبر عمّا حرم اللّه تعالى عليك».

و منها: العفة، قال أبو جعفر (عليه السلام): «ما عبادة أفضل عند اللّه من عفة بطن و فرج»، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّما شيعة جعفر (عليه السلام) من عف بطنه و فرجه، و اشتد جهاده، و عمل لخالقه، و رجا ثوابه، و خاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر» (عليه السلام).

و منها: الحلم، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «ما أعزّ اللّه بجهل قط، و لا أذل بحلم قط»، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل»، و قال الرضا (عليه السلام): «لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما».

و منها: التواضع، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من تواضع للّه رفعه اللّه، و من تكبر خفضه اللّه، و من اقتصد في معيشته رزقه اللّه، و من بذّر حرمه اللّه، و من أكثر ذكر الموت أحبّه اللّه تعالى».

و منها: إنصاف الناس، و لو من النفس، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك، و مواساة الأخ في اللّه تعالى على كل حال».

365

و منها: اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«طوبى لمن شغله خوف اللّه عز و جل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين» و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «إن أسرع الخير ثوابا البر، و إن أسرع الشر عقابا البغي، و كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، و أن يعير الناس بما لا يستطيع تركه، و أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه».

و منها: إصلاح النفس عند ميلها إلى الشر، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«من أصلح سريرته أصلح اللّه تعالى علانيته، و من عمل لدينه كفاه اللّه دنياه، و من أحسن فيما بينه و بين اللّه أصلح اللّه ما بينه و بين الناس».

و منها: الزهد في الدنيا و ترك الرغبة فيها، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من زهد في الدنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه، و أطلق بها لسانه، و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها، و أخرجه منها سالما إلى دار السلام»، و قال رجل قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «إني لا ألقاك إلا في السنين فاوصني بشي‌ء حتى آخذ به؟ فقال (عليه السلام): أوصيك بتقوى اللّه، و الورع و الاجتهاد، و إياك أن تطمع إلى من فوقك، و كفى بما قال اللّه عز و جل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا و قال تعالى: فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإنما كان قوته من الشعير، و حلواه من التمر و وقوده من السعف إذا وجده، و إذا أصبت بمصيبة في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط».

المطلب الثاني: في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر:

منها: الغضب. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل»، و قال أبو عبد اللّه: «الغضب مفتاح كل شر» و قال‌

366

أبو جعفر (عليه السلام): «إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قومه و هو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان، و أيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت».

و منها: الحسد، قال أبو جعفر و أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب»، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم لأصحابه:

«إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم، و هو الحسد ليس بحالق الشعر، و لكنه حالق الدين، و ينجي فيه أن يكف الإنسان يده، و يخزن لسانه، و لا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن».

و منها: الظلم، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده»، و قال (عليه السلام): «ما ظفر بخير من ظفر بالظلم، أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم».

و منها: كون الإنسان ممن يتقى شره، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «شر الناس عند اللّه يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم»، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و من خاف الناس لسانه فهو في النار». و قال (عليه السلام): «إن أبغض خلق اللّه عبد اتقى الناس لسانه»، و لنكتف بهذا المقدار.

و الحمد للّه أولا و آخرا، و هو حسبنا و نعم الوكيل ...

367

كتاب الجهاد و فيه فصول

368

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

369

[تعريف الجهاد]

الجهاد مأخوذ من الجهد- بالفتح- بمعنى التعب و المشقّة أو من الجهد- بالضم- بمعنى الطاقة، و المراد به هنا القتال لإعلاء كلمة الإسلام و إقامة شعائر الإيمان.

الفصل الأول فيمن يجب قتاله، و هم طوائف ثلاث

الطائفة الأولى: الكفّار المشركون غير أهل الكتاب، فإنه يجب دعوتهم إلى كلمة التوحيد و الإسلام، فإن قبلوا و إلا وجب قتالهم و جهادهم إلى أن يسلموا أو يقتلوا و تطهّر الأرض من لوث وجودهم.

و لا خلاف في ذلك بين المسلمين قاطبة، و يدلّ على ذلك غير واحد من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: فَلْيُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ (1) و قوله تعالى: وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ (2) و قوله تعالى: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتٰالِ (3) و قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (4) و قوله تعالى:

____________

(1) سورة النساء: الآية 74.

(2) سورة الأنفال: الآية 39.

(3) سورة الأنفال: الآية 65.

(4) سورة التوبة، الآية 5.

370

وَ قٰاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (1) و غيرها من الآيات.

و الروايات المأثورة في الحثّ على الجهاد- و أنه ممّا بني (عليه السلام) و من أهم الواجبات الإلهية- كثيرة، و القدر المتيقّن من مواردها هو الجهاد مع المشركين (2).

الطائفة الثانية: أهل الكتاب من الكفّار، و هم اليهود و النصارى، و يلحق بهم المجوس و الصابئة، فإنه يجب مقاتلتهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون، و يدل عليه الكتاب و السنّة.

قال اللّه تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (3) و الروايات الواردة في اختصاص أهل الكتاب بجواز أخذ الجزية منهم كثيرة و سيجي‌ء البحث عنه.

الطائفة الثالثة: البغاة، و هم طائفتان:

إحداهما: الباغية على الإمام (عليه السلام)، فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر اللّه و إطاعة الإمام (عليه السلام)، و لا خلاف في ذلك بين المسلمين و سيجي‌ء البحث عن ذلك.

و الأخرى: الطائفة الباغية على الطائفة الأخرى من المسلمين، فإنه يجب على سائر المسلمين أن يقوموا بالإصلاح بينهما، فإن ظلّت الباغية على بغيها قاتلوها حتى تفي‌ء إلى أمر اللّه. قال اللّه تعالى: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِي‌ءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (4).

____________

(1) سورة التوبة، الآية 36.

(2) الوسائل: ج 11، باب 1 من أبواب جهاد العدو و غيره.

(3) سورة التوبة: الآية 29.

(4) سورة الحجرات: الآية 9.

371

الفصل الثاني في الشرائط

يشترط في وجوب الجهاد أمور:

الأول: التكليف، فلا يجب على المجنون و لا على الصبيّ.

الثاني: الذكورة، فلا يجب على المرأة اتفاقا، و تدلّ عليه- مضافا إلى سيرة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)- معتبرة الأصبغ، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«كتب اللّه الجهاد على الرجال و النساء، فجهاد الرجل أن يبذل ماله و نفسه حتى يقتل في سبيل اللّه، و جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها» (1).

الثالث: الحرّية على المشهور، و دليله غير ظاهر، و الإجماع المدّعى على ذلك غير ثابت.

نعم، إنّ هنا روايتين: إحداهما رواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ معنا مماليك لنا و قد تمتعوا، علينا أن نذبح عنهم؟

قال: فقال: «إنّ المملوك لا حجّ له و لا عمرة و لا شي‌ء» (2).

و الأخرى رواية آدم بن علي، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «ليس على المملوك حجّ و لا جهاد» الحديث (3) و لا يمكن الاستدلال بشي‌ء منهما على اعتبار الحرّية.

أما الرواية الأولى فهي ضعيفة سندا و دلالة.

أمّا سندا، فلأنّ الموجود في التهذيب و إن كان هو رواية الشيخ بسنده عن العباس عن سعد بن سعد، إلا أن الظاهر وقوع التحريف فيه،

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 4 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 8، باب 15 من وجوب الحج، الحديث 3 و 4.

(3) الوسائل: ج 8، باب 15 من وجوب الحج، الحديث 3 و 4.

372

و الصحيح: عبّاد، عن سعد بن سعد، و هو عباد بن سليمان، حيث إنه راو لكتاب سعد بن سعد و قد أكثر الرواية عنه، و طريق الشيخ إلى عبّاد مجهول، فالنتيجة أن الرواية ضعيفة سندا.

و أما دلالة، فلأنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقها لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن لدى العرف.

هذا مضافا إلى أنه لا يبعد أن يكون المراد من الشي‌ء في نفسه ما هو راجع إلى الحج.

و أما الرواية الثانية فهي و إن كانت تامّة دلالة، إلا أنها ضعيفة سندا، فإنّ آدم ابن علي لم يرد فيه توثيق و لا مدح.

الرابع: القدرة، فلا يجب على الأعمى و الأعرج و المقعد و الشيخ الهمّ و الزمن و المريض و الفقير الذي يعجز عن نفقة الطريق و العيال و السلاح و نحو ذلك، و يدلّ عليه قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ (1) و قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (2).

(مسألة 1): الجهاد واجب كفائي، فلا يتعين على أحد من المسلمين إلا أن يعينه الإمام (عليه السلام) لمصلحة تدعو إلى ذلك، أو فيما لم يكن من به الكفاية موجودا إلا بضمّه، كما أنه يتعين بالنذر و شبهه.

(مسألة 2): إن الجهاد مع الكفار من أحد أركان الدين الإسلامي و قد تقوّى الإسلام و انتشر أمره في العالم بالجهاد مع الدعوة إلى التوحيد في ظلّ راية النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و من هنا قد اهتم القرآن الكريم به في ضمن نصوصه التشريعية، حيث قد ورد في الآيات الكثيرة وجوب القتال و الجهاد‌

____________

(1) سورة الفتح: الآية 17.

(2) سورة التوبة: الآية 91.

373

على المسلمين مع الكفار المشركين حتى يسلموا أو يقتلوا، و مع أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون، و من الطبيعي أن تخصيص هذا الحكم بزمان موقّت و هو زمان الحضور لا ينسجم مع اهتمام القرآن و أمره به من دون توقيت في ضمن نصوصه الكثيرة، ثمّ إن الكلام يقع في مقامين:

المقام الأول: هل يعتبر إذن الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاص في مشروعية أصل الجهاد في الشريعة المقدسة؟ فيه وجهان:

المشهور بين الأصحاب هو الوجه الأول، و قد استدل عليه بوجهين:

- الوجه الأول: دعوى الإجماع على ذلك.

و فيه: إن الإجماع لم يثبت، إذ لم يتعرض جماعة من الأصحاب للمسألة، و لذا استشكل السبزواري في الكفاية في الحكم بقوله:

و يشترط في وجوب الجهاد وجود الإمام (عليه السلام) أو من نصبه على المشهور بين الأصحاب، و لعلّ مستنده أخبار لم تبلغ درجة الصحة مع معارضتها بعموم الآيات، ففي الحكم به إشكال (1).

ثمّ على تقدير ثبوته فهو لا يكون كاشفا عن قول المعصوم (عليه السلام)، لاحتمال أن يكون مدركه الروايات الآتية فلا يكون تعبديا.

نعم، الجهاد في عصر الحضور يعتبر فيه إذن ولي الأمر، النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) بعده.

- الوجه الثاني: الروايات التي استدلّ بها على اعتبار إذن الإمام (عليه السلام) في مشروعية الجهاد، و العمدة منها روايتان:

الأولى: رواية سويد القلاء، عن بشير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

____________

(1) كفاية الأحكام: ص 74.

374

قلت له: إنّي رأيت في المنام أني قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، فقلت لي: نعم هو كذلك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هو كذلك، هو كذلك» (1).

و فيه: إنّ هذه الرواية مضافا إلى إمكان المناقشة في سندها على أساس أنه لا يمكن لنا إثبات أن المراد من (بشير) الواقع في سندها هو بشير الدهّان، و رواية سويد القلاء عن بشير الدهان في مورد لا تدلّ على أن المراد من بشير هنا هو بشير الدهّان، مع أن المسمّى ب‍ (بشير) متعدد في هذه الطبقة و لا يكون منحصرا ب‍ (بشير) الدهّان.

نعم، روى في الكافي هذه الرواية مرسلا عن بشير الدهّان (2) و هي لا تكون حجة من جهة الإرسال و قابلة للمناقشة دلالة، فإن الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع هو حرمة القتال بأمر غير الإمام المفترض طاعته و بمتابعته فيه، و لا تدلّ على حرمة القتال على المسلمين مع الكفار إذا رأى المسلمون من ذوي الآراء و الخبرة فيه مصلحة عامة للإسلام و إعلاء كلمة التوحيد بدون إذن الإمام (عليه السلام) كزماننا هذا.

الثانية: رواية عبد اللّه بن مغيرة، قال محمد بن عبد اللّه للرضا (عليه السلام) و أنا أسمع: حدّثني أبي، عن أهل بيته، عن آبائه أنه قال له بعضهم: إن في بلادنا موضع رباط يقال له قزوين، و عدوا يقال له الديلم، فهل من جهاد؟ أو هل من رباط؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجوه. فأعاد عليه الحديث، فقال: عليكم بهذا البيت فحجوه، أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته و ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بدرا، و إن مات منتظرا لأمرنا كان كمن كان مع قائمنا (صلوات اللّه عليه)، الحديث (3).

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 12 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 11، باب 12 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

(3) الوسائل: ج 11، باب 12 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5.

375

و لكن الظاهر أنها في مقام بيان الحكم الموقّت لا الحكم الدائم بمعنى أنه لم يكن في الجهاد أو الرباط صلاح في ذلك الوقت الخاص، و يشهد على ذلك ذكر الرباط تلو الجهاد مع أنه لا شبهة في عدم توقّفه على إذن الإمام (عليه السلام) و ثبوته في زمان الغيبة، و مما يؤكد ذلك أنه يجوز أخذ الجزية في زمن الغيبة من أهل الكتاب إذا قبلوا ذلك، مع أن أخذ الجزية إنما هو في مقابل ترك القتال معهم، فلو لم يكن القتال معهم في هذا العصر مشروعا لم يجز أخذ الجزية منهم أيضا.

و قد تحصّل من ذلك أن الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة و ثبوته في كافة الأعصار لدى توفّر شرائطه، و هو في زمن الغيبة منوط بتشخيص المسلمين من ذوي الخبرة في الموضوع أن في الجهاد معهم مصلحة للإسلام على أساس أن لديهم قوة كافية من حيث العدد و العدة لدحرهم بشكل لا يحتمل عادة أن يخسروا في المعركة، فإذا توفرت هذه الشرائط عندهم وجب عليهم الجهاد و المقاتلة معهم.

و أما ما ورد في عدة من الروايات من حرمة الخروج بالسيف على الحكّام و خلفاء الجور قبل قيام قائمنا (صلوات اللّه عليه) فهو أجنبي عن مسألتنا هذه و هي الجهاد مع الكفار رأسا، و لا يرتبط بها نهائيا.

المقام الثاني: أنّا لو قلنا بمشروعية أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) اعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك في زمن الغيبة.

و هذا الكلام غير بعيد بالتقريب الآتي، و هو أن على الفقيه أن يشاور في هذا الأمر المهم أهل الخبرة و البصيرة من المسلمين حتى يطمئن بأنّ لدى المسلمين من العدّة و العدد ما يكفي للغلبة على الكفار الحربيين، و بما أن عملية هذا الأمر المهم في الخارج بحاجة إلى قائد و آمر يرى المسلمين نفوذ أمره عليهم، فلا محالة يتعين ذلك في الفقيه الجامع للشرائط، فإنه يتصدّى‌

376

لتنفيذ هذا الأمر المهم من باب الحسبة على أساس أنّ تصدي غيره لذلك يوجب الهرج و المرج و يؤدي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب و كامل.

(مسألة 3): إذا كان الجهاد واجبا على شخص عينا على أساس عدم وجود من به الكفاية، لم يكن الدين الثابت على ذمته مانعا عن وجوب الخروج إليه، بلا فرق بين كون الدّين حالّا أو مؤجلا، و بلا فرق بين إذن الغريم فيه و عدم إذنه، نعم لو تمكن- و الحالة هذه- من التحفظ على حق الغريم بإيصاء أو نحوه وجب ذلك.

و أما إذا كان من به الكفاية موجودا لم يجب عليه الخروج إلى الجهاد مطلقا و إن كان دينه مؤجّلا أو كان حالا و لكن لم يكن موسرا، بل لا يجوز إذا كان موجبا لتوفيت حق الغير.

(مسألة 4): إذا منع الأبوان ولدهما عن الخروج إلى الجهاد فإن كان عينيا وجب عليه الخروج و لا أثر لمنعهما، و إن لم يكن عينيا- لوجود من به الكفاية- لم يجز له الخروج إليه إذا كان موجبا لإيذائهما لا مطلقا.

و في اعتبار كون الأبوين حرّين إشكال بل منع لعدم الدليل عليه.

(مسألة 5): إذا طرأ العذر على المقاتل المسلم أثناء الحرب فإن كان مما يعتبر عدمه في وجوب الجهاد شرعا كالعمى و المرض و نحوهما سقط الوجوب عنه، و أما إذا كان العذر مما لا يعتبر عدمه فيه، و إنما كان اعتباره لأجل المزاحمة مع واجب آخر كمنع الأبوين أو مطالبة الغريم أو نحو ذلك فالظاهر عدم السقوط، و ذلك لأن الخروج إلى الجهاد و إن لم يكن واجبا عليه إلا أنه إذا خرج و دخل فيه لم يجز تركه و الفرار عنه، لأنه يدخل في الفرار من الزحف و الدبر عنه و هو محرّم.

(مسألة 6): إذا بذل للمعسر ما يحتاج إليه في الحرب، فإن كان من به الكفاية موجودا لم يجب عليه القبول مجانا فضلا عما إذا كان بنحو‌

377

الإجارة، و إن لم يكن موجودا وجب عليه القبول، بل الظاهر وجوب الإجارة عليه على أساس أن المعتبر في وجوب الجهاد على المكلف هو التمكن، و الفرض أنه متمكن و لو بالإجارة.

(مسألة 7): الأظهر أنه لا يجب، عينا و لا كفاية، على العاجز عن الجهاد بنفسه لمرض أو نحوه أن يجهّز غيره مكانه، حيث إن ذلك بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه، نعم لا شبهة في استحباب ذلك شرعا على أساس أن ذلك سبيل من سبل اللّه. هذا فيما إذا لم يكن الجهاد الواجب متوقفا على إقامة غيره مكانه، و إلا وجب عليه ذلك جزما.

(مسألة 8): الجهاد مع الكفار يقوم على أساس أمرين:

الأول: الجهاد بالنفس.

الثاني: الجهاد بالمال.

و يترتب على ذلك وجوب الجهاد بالنفس و المال معا على من تمكن من ذلك كفاية إن كان من به الكفاية موجودا، و عينا إن لم يكن موجودا، و بالنفس فقط على من تمكّن من الجهاد بها كفاية أو عينا، و بالمال فقط على من تمكن من الجهاد به كذلك. و تدلّ على ذلك عدة من الآيات:

منها قوله تعالى: انْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالًا وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).

و منها قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلٰافَ رَسُولِ اللّٰهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (2).

و منها قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلىٰ تِجٰارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِكُمْ

____________

(1) سورة التوبة: الآية 41.

(2) سورة التوبة: الآية 81.

378

وَ أَنْفُسِكُمْ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).

و تدل على ذلك ايضا معتبرة الأصبغ المتقدمة في الشرط الثاني من شرائط وجوب الجهاد.

ثمّ إنّ كثيرا من الأصحاب لم يتعرضوا لهذه المسألة، و لا يبعد أن يكون ذلك لوضوح الحكم، فلا يصغى إلى ما قيل من عدم وجدان قائل بوجوب الجهاد بالنفس و المال معا على شخص واحد.

حرمة الجهاد في الأشهر الحرم

(مسألة 9): يحرم القتال في الأشهر الحرم- و هي رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و محرّم- بالكتاب و السنة، نعم إذا بدأ الكفار في القتال في تلك الأشهر جاز قتالهم فيها على أساس أنه دفع في الحقيقة، و لا شبهة في جوازه فيها، و كذا يجوز قتالهم في تلك الأشهر قصاصا، و ذلك كما إذا كان الكفار بادئين في القتال في شهر من تلك الأشهر جاز للمسلمين أن يبدءوا فيه في شهر آخر من هذه الأشهر في هذه السنة أو في السنة القادمة، و يدل على ذلك قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (2).

(مسألة 10): المشهور أن من لا يرى للأشهر الحرم حرمة جاز قتالهم في تلك الأشهر ابتداء و لكن دليله غير ظاهر عندنا.

(مسألة 11): يجوز قتال الطائفة الباغية في الأشهر الحرم، و هم الذين قاتلوا الطائفة الأخرى و لم يقبلوا الإصلاح و ظلّوا على بغيهم على تلك الطائفة و قتالهم، فإن الآية الدالة على حرمة القتال في الأشهر الحرم‌

____________

(1) سورة الصف: الآيتان 10- 11.

(2) سورة البقرة: الآية 194.

379

تنصرف عن القتال المذكور حيث إنه لدفع البغي و ليس من القتال الابتدائي كي يكون مشمولا للآية.

(مسألة 12): يحرم قتال الكفار في الحرم إلا أن يبدأ الكفار بالقتال فيه فعندئذ يجوز قتالهم فيه، و يدل عليه قوله تعالى: وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (1).

(مسألة 13): لا يجوز البدء بقتال الكفار إلا بعد دعوتهم إلى الإسلام، فإذا قام المسلمون بدعوتهم إليه و لم يقبلوا وجب قتالهم.

و أما إذا بدءوا بالقتال قبل الدعوة و قتلوهم، فإنهم و إن كانوا آثمين إلا أنه لا ضمان عليهم، على أساس أنه لا حرمة لهم نفسا و لا مالا.

نعم، لو كانوا مسبوقين بالدعوة أو عارفين بها لم يجب عليهم دعوتهم مرة ثانية، بل يجوز البدء بالقتال معهم، حيث إن احتمال الموضوعية في وجوب الدعوة غير محتمل.

(مسألة 14): إذا كان الكفار المحاربون على ضعف من المسلمين، بأن يكون واحد منهم في مقابل اثنين من هؤلاء الكفار وجب عليهم أن يقاتلوهم، و ذلك لقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتٰالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ- إلى قوله سبحانه- الْآنَ خَفَّفَ اللّٰهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ مَعَ الصّٰابِرِينَ (2) فإنه يدل على أن كل فرد من المسلمين في مقابل اثنين منهم و يدل عليه موثقة مسعدة بن صدقة أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن اللّه عز و جل فرض على المؤمن- إلى أن قال- ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 191.

(2) سورة الأنفال: الآيتان 65- 66.

380

أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من اللّه عز و جل فنسخ الرجلان العشرة» (1).

نعم، إذا حصل العلم بالشهادة لفرد من المسلمين المقاتلين إذا ظلّ على القتال مع الاثنين منهم، جاز له الفرار إذا لم تترتّب فائدة عامة على شهادته، لانصراف الآية المزبورة عن هذا الفرض.

و أما إذا كان الكفار أكثر من الضعف فلا يجب عليهم الثبات في القتال معهم إلا إذا كانوا مطمئنين بالغلبة عليهم، و إذا ظنوا بالغلبة لم يجب عليهم الثبات أو البدء في القتال معهم، و لكن لا شبهة في مشروعية الجهاد في هذا الفرض في الشريعة المقدسة، و ذلك لإطلاق الآيات المتضمنة لترغيب المسلمين فيه.

و أما إذا ظنّوا بغلبة الكفار عليهم، فهل الجهاد مشروع في هذا الفرض؟ قيل بعدم المشروعية و وجوب الانصراف، و قيل بالمشروعية و مرغوبية الجهاد، و الظاهر هو الثاني لإطلاق الآيات.

(مسألة 15): لا يجوز الفرار من الزحف إلا لتحرّف في القتال أو تحيّز إلى فئة و إن ظنوا بالشهادة في ساحة المعركة و ذلك لإطلاق الآية الكريمة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلٰا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبٰارَ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (2).

(مسألة 16): يجوز قتال الكفار المحاربين بكلّ وسيلة ممكنة من الوسائل و الأدوات الحربية في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر، و لا يختص الجهاد معهم بالأدوات القتالية المخصوصة.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 27 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

(2) سورة الأنفال: الآيتان 15- 16.

381

(مسألة 17): قد استثني من الكفار الشيخ الفاني و المرأة و الصبيان، فإنه لا يجوز قتلهم، و كذا الأسارى من المسلمين الذين أسروا بيد الكفار، نعم لو تترّس الأعداء بهم جاز قتلهم إذا كانت المقاتلة معهم أو الغلبة عليهم متوقّفة عليه.

و هل تجب الدية على قتل المسلم من هؤلاء الأسارى و كذا الكفارة؟

الظاهر عدم الوجوب، أما الدية فمضافا إلى عدم الخلاف فيه تدل عليه معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من اقتصّ منه فهو قتيل القرآن» (1) و ذلك فإنّ المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع هو أن كلما كان القتل بأمر إلهي فلا شي‌ء فيه من القصاص و الدية، و القتيل بالقصاص من صغريات تلك الكبرى، و تؤيد ذلك رواية حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبد اللّه عن مدينة من مدائن الحرب، هل يجوز أن يرسل عليها الماء أو تحرق بالنار أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا و منهم النساء و الصبيان و الشيخ الكبير و الأسارى من المسلمين و التجار؟ فقال: «يفعل ذلك بهم، و لا يمسك عنهم لهؤلاء، و لا دية عليهم للمسلمين و لا كفارة» الحديث (2).

و أما الكفارة فهل تجب أو لا؟ فيه وجهان: المشهور بين الأصحاب وجوبها، و قد يستدل على الوجوب بقوله تعالى: فَإِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (3).

بدعوى أن الآية تدل على الوجوب في المقام: بالأولوية، و فيه أنه لا أولوية، فإن القتل في مورد الآية قتل خطئي و لا يكون بمأمور به، و القتل في المقام يكون مأمورا به، على أنه لو تم الاستدلال بالآية في المقام فظاهرها‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 24 من قصاص النفس، الحديث 2.

(2) الوسائل: ج 11، باب 16 من جهاد العدو، الحديث 2.

(3) سورة النساء: الآية 92.

382

هو وجوب الكفارة على القاتل كما نص على ذلك غير واحد من الأصحاب و هو على خلاف مصلحة الجهاد، فإنه يوجب التخاذل فيه كما صرح به الشهيد الثاني (قدس سره) فالصحيح هو عدم وجوب الكفارة في المقام المؤيد برواية حفص المتقدمة.

(مسألة 18): المشهور كراهة طلب المبارز في الحرب بغير إذن الإمام (عليه السلام)، و قيل: يحرم و فيه إشكال، و الأظهر جواز طلبه إذا كان أصل الجهاد مشروعا.

(مسألة 19): إذا طلب الكافر مبارزا من المسلمين و لم يشترط عدم الإعانة بغيره جاز إعانته، و المشهور على أنه لا يجوز ذلك إذا اشترط عدم الإعانة بغيره، حيث إنه نحو أمان من قبل غيره فلا يجوز نقضه، و لكنه محل إشكال بل منع.

(مسألة 20): لا يجوز القتال مع الكفار بعد الأمان و العهد، حيث إنه نقض لهما و هو غير جائز.

و يدل عليه غير واحدة من الروايات، منها صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم (صلّى اللّه عليه و آله) بين يديه ثمّ يقول- إلى أن قال- و أيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام اللّه، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، و إن أبى فأبلغوه مأمنه و استعينوا باللّه» (1).

و منها معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: ما معنى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (يسعى بذمتهم أدناهم)؟ قال: «لو أن جيشا من المسلمين حاصروا قوما من المشركين فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى‌

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 15 من جهاد العدو، ذيل الحديث 1.

383

صاحبكم و أناظره، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به» (1).

نعم، تجوز الخدعة في الحرب ليتمكّنوا بها من الغلبة عليهم، و تدل عليه معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أن عليا (عليه السلام) كان يقول:

«سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول يوم الخندق: (الحرب خدعة) و يقول: تكلّموا بما أردتم» (2).

(مسألة 21): لا يجوز الغلول من الكفار بعد الأمان، فإنه خيانة، و قد ورد في صحيحة جميل المتقدمة آنفا، و في معتبرة مسعدة بن صدقة نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الغلول (3) و كذا لا تجوز السرقة من الغنيمة على أساس أنها ملك عام لجميع المقاتلين.

(مسألة 22): لا يجوز التمثيل بالمقتولين من الكفار، لورود النهي عنه في صحيحة جميل و معتبرة مسعدة المتقدمتين آنفا، و كذا لا يجوز إلقاء السمّ في بلاد المشركين لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يلقى السم في بلاد المشركين» (4).

نعم، إذا كانت هناك مصلحة عامة تستدعي ذلك كما إذا توقف الجهاد أو الفتح عليه جاز و أما إلقاؤه في جبهة القتال فقط من جهة قتل المحاربين من الكفار فلا بأس به.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 20 من جهاد العدو، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 11، باب 53 من جهاد العدو، الحديث 1.

(3) الوسائل: ج 11، باب 15 من جهاد العدو، الحديث 3.

(4) الوسائل: ج 11، باب 16 من جهاد العدو، الحديث 1.

384

الفصل الثالث في أحكام الأسارى

(مسألة 23): إذا كان المسلمون قد أسروا من الكفار المحاربين في أثناء الحرب، فإن كانوا إناثا لم يجز قتلهنّ كما مرّ. نعم، يملكوهنّ بالسبي و الاستيلاء عليهنّ، و كذلك الحال في الذراري غير البالغين، و الشيوخ و غيرهم ممن لا يقتل، و تدل على ذلك- مضافا إلى السيرة القطعية الجارية في تقسيم غنائم الحرب بين المقاتلين المسلمين- الروايات المتعددة الدالة على جواز الاسترقاق حتى في حال غير الحرب، منها معتبرة رفاعة النخاس، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري و الغلمان، فيعمدون على الغلمان فيخصونهم ثمّ يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم و نحن نعلم أنهم قد سرقوا و إنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم؟ فقال: «لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوهم من الشرك إلى دار الإسلام» (1).

و أما إذا كانوا ذكورا بالغين فيتعين قتلهم إلا إذا أسلموا، فإنّ القتل حينئذ يسقط عنهم.

و هل عليهم بعد الإسلام منّ أو فداء أو الاسترقاق؟ الظاهر هو العدم، حيث إن كل ذلك بحاجة إلى دليل، و لا دليل عليه.

و أما إذا كان الأسر بعد الإثخان و الغلبة عليهم فلا يجوز قتل الأسير منهم و إن كانوا ذكورا، و حينئذ كان الحكم الثابت عليهم أحد أمور: إما المنّ أو الفداء أو الاسترقاق.

و هل تسقط عنهم هذه الأحكام الثالثة إذا اختاروا الإسلام؟ الظاهر‌

____________

(1) الوسائل: ج 13، باب 1 و 2 و 3 من أبواب بيع الحيوان.

385

عدم سقوطها بذلك، و يدلّ عليه قوله تعالى: فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا (1) بضميمة معتبرة طلحة بن زيد الآتية الواردة في هذا الموضوع.

و من الغريب أن الشيخ الطوسي (قدس سره) في تفسيره (التبيان) نسب إلى الأصحاب أنهم رووا تخيير الإمام (عليه السلام) في الأسير إذا انفضت الحرب بين القتل و بين المنّ و الفداء و الاسترقاق، و تبعه في ذلك الشيخ الطبرسي (قدس سره) في تفسيره، مع أن الشيخ (قدس سره) قد صرح هو في كتابه (المبسوط) بعدم جواز قتله في هذه الصورة.

وجه الغرابة- مضافا إلى دعوى الإجماع في كلمات غير واحد على عدم جواز القتل في هذا الفرض- أنه مخالف لظاهر الآية المشار إليها، و لنصّ معتبرة طلحة بن زيد، قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كان أبي يقول: إن للحرب حكمين:

إذا كانت الحرب قائمة و لم يثخن أهلها فكلّ أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام (عليه السلام) فيه بالخيار، إن شاء ضرب عنقه، و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف بغير حسم، ثمّ يتركه يتشحط في دمه حتى يموت و هو قوله اللّه عز و جل: إِنَّمٰا جَزٰاءُ الَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلٰافٍ- إلى أن قال-:

و الحكم الآخر إذا وضعت الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا و أثخن أهلها فكلّ أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار إن شاء منّ عليهم فأرسلهم، و إن شاء فاداهم أنفسهم و إن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا» (2).

____________

(1) سورة محمد (صلّى اللّه عليه و آله): الآية 4.

(2) الوسائل: ج 11، باب 23 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

386

(مسألة 24): من لم يتمكّن في دار الحرب أو في غيرها من أداء وظائفه الدينية وجبت المهاجرة عليه إلا من لا يتمكن منها كالمستضعفين من الرجال و النساء و الولدان لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً (1).

(المرابطة)

و هي الإرصاد لحفظ الحدود و ثغور بلاد المسلمين من هجمة الكفار.

(مسألة 25): تجب المرابطة لدى وقوع البلاد الإسلامية في معرض الخطر من قبل الكفار، و أما إذا لم تكن في معرض ذلك فلا تجب و إن كانت في نفسها أمرا مرغوبا فيه في الشريعة المقدسة.

(مسألة 26): إذا نذر شخص الخروج للمرابطة فإن كانت لحفظ بيضة الإسلام و حدود بلاده وجب عليه الوفاء به، و إن لم تكن لذلك و كانت غير مشروعة لم يجب الوفاء به.

و كذا الحال فيما إذا نذر أن يصرف مالا للمرابطين، و من ذلك يظهر حال الإجارة على المرابطة.

(الأمان)

(مسألة 27): يجوز جعل الأمان للكافر الحربي على نفسه أو ماله أو عرضه برجاء أن يقبل الإسلام، فإن قبل فهو، و إلا رد إلى مأمنه،

____________

(1) سورة النساء: الآيتان 97- 98.

387

و لا فرق في ذلك بين أن يكون من قبل وليّ الأمر أو من قبل آحاد سائر المسلمين، و يدل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلٰامَ اللّٰهِ (1) و كذا صحيحة جميل و معتبرة السكوني المتقدّمتين في المسألة 20.

و هل يعتبر أن يكون الأمان بعد المطالبة فلا يصح ابتداء؟ فيه وجهان:

لا يبعد دعوى عدم اعتبار المطالبة في نفوذه، و الآية الكريمة و إن كان لها ظهور في اعتبار المطالبة في نفوذه بقطع النظر عما في ذيلها و هو قوله تعالى: حَتّٰى يَسْمَعَ كَلٰامَ اللّٰهِ إلا أنه مع ملاحظته لا ظهور لها في ذلك، حيث إن الذيل قرينة على أن الغرض من إجارة الكافر المحارب هو أن يسمع كلام اللّه، فإن احتمل سماعه جازت اجارته و كانت نافذة و إن لم تكن مسبوقة بالطلب، ثمّ إنّ المعروف بين الأصحاب أن حق الأمان الثابت لآحاد من المسلمين محدود إلى عشرة رءوس من الكفار و ما دونهم، فلا يحق لهم أن يعطوا الأمان لأكثر من هذا العدد. و لكن لا دليل على هذا التحديد، فالظاهر أن لواحد من المسلمين أن يعطي الأمان لأكثر من العدد المزبور لأجل المناظرة في طلب الحق، و قد ورد في معتبرة مسعدة بن صدقة أنه يجوز لواحد من المسلمين إعطاء الأمان لحصن من حصونهم (2).

(مسألة 28): لو طلب الكفار الأمان من آحاد المسلمين، و هم لم يقبلوه، و لكنهم ظنوا أنهم قبلوا ذلك، فنزلوا عليهم، كانوا آمنين فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوهم أو يسترقّوهم، بل يردّونهم إلى مأمنهم، و قد دلت على ذلك معتبرة محمد بن الحكيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لو أن قوما حاصروا مدينة فسألوهم الأمان فقالوا: لا، فظنوا أنهم قالوا: نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمنين» (3).

____________

(1) سورة التوبة: الآية 6.

(2) الوسائل: ج 11، باب 20 من جهاد العدو، الحديث 2.

(3) الوسائل: ج 11، باب 20، من جهاد العدو، الحديث 4.

388

و كذا الحال إذا دخل المشرك دار الإسلام بتخيّل الأمان بجهة من الجهات.

(مسألة 29): لا يكون أمان المجنون و المكره و السكران و ما شاكلهم نافذا، و أما أمان الصبي المراهق فهل يكون نافذا، فيه وجهان: الظاهر عدم نفوذه، لا لأجل عدم صدق المؤمن و المسلم عليه، حيث لا شبهة في صدق ذلك، بل لأجل ما ورد في الصحيحة من عدم نفوذ أمر الغلام ما لم يحتلم (1).

(مسألة 30): لا يعتبر في صحة عقد الأمان من قبل آحاد المسلمين الحرية بل يصح من العبد أيضا إذ مضافا إلى ما في معتبرة مسعدة (2) من التصريح بصحة عقد الأمان من العبد أنه لا خصوصية للحر فيه على أساس أن الحق المزبور الثابت له إنما هو بعنوان أنه مسلم، و من هنا لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة أيضا.

(مسألة 31): لا يعتبر في صحة عقد الأمان صيغة خاصة، بل يتحقق بكل ما دل عليه من لفظ أو غيره.

(مسألة 32): وقت الأمان إنما هو قبل الاستيلاء على الكفار المحاربين و أسرهم، و أما بعد الأسر فلا موضوع له.

(مسألة 33): إذا كان أحد من المسلمين أقر بالأمان لمشرك، فإن كان الإقرار في وقت يكون أمانه في ذلك الوقت نافذا صح، لأن إقراره به في الوقت المزبور أمان له و إن لم يصدر أمان منه قبل ذلك، و عليه فلا حاجة فيه إلى التمسك بقاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به.

(مسألة 34): لو ادّعى الحربي الأمان من غير من جاء به لم تسمع،

____________

(1) الوسائل: ج 13، باب 2 من أحكام الحجر، الحديث 5.

(2) الوسائل: ج 11، باب 20 من جهاد العدو، الحديث 2.

389

و إن أقر ذلك الغير بالأمان له، على أساس أنّ الإقرار بالأمان إنما يسمع إذا كان في وقت كان الأمان منه في ذلك الوقت نافذا كما إذا كان قبل الاستيلاء و الأسر، و إمّا إذا كان في وقت لا يكون الأمان منه في ذلك الوقت نافذا فلا يكون مسموعا كما إذا كان بعد الأسر و الاستيلاء عليه، و في المقام بما أنّ إقرار ذلك الغير بالأمان له بعد الأسر فلا يكون مسموعا.

نعم، لو ادّعى الحربي على من جاء به أنه عالم بالحال فحينئذ إن اعترف الجائي بذلك ثبت الأمان له و إن أنكره قبل قوله، و لا يبعد توجّه اليمين عليه على أساس أنّ إنكاره يوجب تضييع حقّه.

و أما إذا ادعى الحربي الأمان على من جاء به فإن أقرّ بذلك فهو مسموع، حيث أنه تحت يده و استيلائه، و يترتب على إقراره به وجوب حفظه عليه، و إن أنكر ذلك قدّم قوله مع اليمين على الأظهر كما عرفت.

(مسألة 35): لو ادّعى الحربي على الذي جاء به الأمان له، و لكن حال مانع من الموانع كالموت أو الإغماء أو نحو ذلك بين دعوى الحربي ذلك و بين جوابا لمسلم، لم تسمع ما لم تثبت دعواه بالبينة أو نحوه، و حينئذ يكون حكمه حكم الأسير، و قال المحقق في الشرائع: إنه يرد إلى مأمنه ثمّ هو حرب، و وجهه غير ظاهر (1).

(الغنائم)

(مسألة 36): إن ما استولى عليه المسلمون المقاتلون من الكفار بالجهاد المسلّح يكون على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ما يكون منقولا كالذهب و الفضة و الفرش و الأواني و الحيوانات و ما شاكل ذلك.

____________

(1) شرائع الإسلام: ص 139.

390

النوع الثاني: ما يسبى كالأطفال و النساء.

النوع الثالث: ما لا يكون منقولا كالأراضي و العقارات.

أما النوع الأول: فيخرج منه الخمس و صفايا الأموال و قطائع الملوك إذا كانت، ثمّ يقسم الباقي بين المقاتلين على تفصيل يأتي في ضمن الأبحاث الآتية.

نعم، لولي الأمر حقّ التصرف فيه كيفما يشاء حسب ما يرى فيه من المصلحة قبل التقسيم فإنّ ذاك مقتضى ولايته المطلقة على تلك الأموال، و يؤكده قول زرارة في الصحيح: «الإمام يجري و ينقل و يعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، و قد قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقوم لم يجعل لهم في الفي‌ء نصيبا، و إن شاء قسّم ذلك بينهم» (1).

و يؤيد ذلك مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح في حديث قال: «و للإمام صفو المال- إلى أن قال- و له أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلّفة قلوبهم و غير ذلك» الحديث (2).

و أما رواية حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قلت: فهل يجوز للإمام أن ينفل؟ فقال له: «أن ينفل قبل القتال، و أما بعد القتال و الغنيمة فلا يجوز ذلك، لأنّ الغنيمة قد أحرزت» (3) فلا يمكن الأخذ بها لضعف الرواية سندا.

(مسألة 37): لا يجوز للمقاتلين الذين استولوا عليه أن يتصرفوا فيه قبل القسمة وضعا و لا تكليفا.

____________

(1) الوسائل: ج 1، باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2.

(2) الوسائل: ج 6، باب 1 من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام، الحديث 4.

(3) الوسائل: ج 11، باب 38 من جهاد العدو، الحديث 1.

391

نعم، يجوز التصرف فيما جرت السيرة بين المسلمين على التصرف فيه أثناء الحرب كالمأكولات و المشروبات و علف الدواب و ما شاكل ذلك بمقدار ما عليه السيرة عليه دون الزائد.

(مسألة 38): إذا كان المأخوذ من الكفار مما لا يصح تملكه شرعا كالخمر و الخنزير و كتب الضلال أو ما شابه ذلك لم يدخل في الغنيمة جزما، و لا يصح تقسيمه بين المقاتلين، بل لا بد من إعدامه و إفنائه. نعم، يجوز أخذ الخمر للتخليل و يكون للآخذ.

(مسألة 39): الأشياء التي كانت في بلاد الكفار و لم تكن مملوكة لأحد كالمباحات الأصلية مثل الصيود و الأحجار الكريمة و نحو ذلك لا تدخل في الغنيمة، بل تظلّ على إباحتها فيجوز لكل واحد من المسلمين تملّكها بالحيازة. نعم، إذا كان عليها أثر الملك دخلت في الغنيمة.

(مسألة 40): إذا وجد شي‌ء في دار الحرب كالخيمة و السلاح و نحوهما، و دار أمره بين أن يكون للمسلمين أو من الغنيمة، ففي مثل ذلك المرجع هو القرعة، حيث إنه ليس لنا طريق آخر لتعيين ذلك غيرها، فحينئذ إن أصابت القرعة على كونه من الغنيمة دخل في الغنائم و تجري عليه أحكامها، و إن أصابت على كونه للمسلمين فحكمه حكم المال المجهول مالكه.

و أما النوع الثاني و هو ما يسبى كالأطفال و النساء، فإنه بعد السبي و الاسترقاق يدخل في الغنائم المنقول، و يكون حكمه حكمها، و أما حكمه قبل السبي و الاسترقاق فقد تقدم.

(مسألة 41): إذا كان في الغنيمة من ينعتق على بعض الغانمين، فذهب جماعة إلى أنه ينعتق عليه بمقدار نصيبه منه، و هذا القول مبني على أساس أن الغانم يملك الغنيمة بمجرد الاغتنام و الاستيلاء، و هو لا يخلو عن‌

392

إشكال بل منع، فالأقوى عدم الانعتاق، لعدم الدليل على أنه يملك بمجرد الاغتنام، بل يظهر من قول زرارة في الصحيحة المتقدمة آنفا عدم الملك بمجرد ذلك.

و أما النوع الثالث و هو ما لا ينقل كالأراضي أو العقارات، فإن كانت الأرض مفتوحة عنوة و كانت محياة حال الفتح من قبل الناس، فهي ملك لعامة المسلمين بلا خلاف بين الأصحاب، و تدل عليه صحيحة الحلبي الآتية و غيرها، و إن كانت مواتا أو كانت محياة طبيعية و لا رب لها، فهي من الأنفال.

(الأرض المفتوحة عنوة و شرائطها و أحكامها)

(مسألة 42): المشهور بين الأصحاب في كون الأرض المفتوحة عنوة ملكا عاما للأمة باعتبار كون الفتح بإذن الإمام (عليه السلام)، و إلا فتدخل في نطاق ملكية الإمام (عليه السلام) لا ملكية المسلمين، و لكن اعتباره في ذلك لا يخلو عن إشكال بل منع، فإن ما دل على اعتبار إذن الإمام (عليه السلام) كصحيحة معاوية بن وهب و رواية العباس الوراق (1) مورده الغنائم المنقولة التي تقسّم على المقاتلين مع الإذن، و تكون للإمام (عليه السلام) بدونه، على أن رواية العباس ضعيفة.

(مسألة 43): الأرض المفتوحة عنوة التي هي ملك عام للمسلمين أمرها بيد ولي الأمر في تقبيلها بالذي يرى، و وضع الخراج عليها حسب ما يراه فيه من المصلحة كمّا و كيفا.

(مسألة 44): لا يجوز بيع رقبتها و لا شراؤها على أساس ما عرفت من أنها ملك عام للأمة. نعم، يجوز شراء الحق المتعلق بها من صاحبه،

____________

(1) الوسائل: ج 6، باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4 و 16.

393

و قد دلت على كلا الحكمين- مضافا إلى أنهما على القاعدة- عدّة من الروايات، منها صحيحة الحلبي، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق بعد» فقلت: الشراء من الدهاقين؟ قال: «لا يصلح إلا أن تشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها» قلت: فإن أخذها منه؟ قال: «يردّ عليه رأس ماله، و له ما أكل من غلّتها بما عمل» (1).

و لذلك لا يصح وقفها و لا هبتها و غير ذلك من التصرفات المتوقفة على الملك إلا إذا كان بإذن ولي الأمر.

(مسألة 45): يصرف ولي الأمر الخراج المأخوذ من الأراضي في مصالح المسلمين العامة كسدّ الثغور للوطن الإسلامي و بناء القناطر و ما شاكل ذلك.

(مسألة 46): يملك المحيي الأرض بعملية الإحياء سواء كانت الأرض مواتا بالأصالة أم كانت محياة ثمّ عرض عليها الموت لإطلاق النصوص الدالة على تملك المحيي الأرض بالإحياء، منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من أحيا أرضا مواتا فهي له» (2) فإذا ماتت الأرض المفتوحة عنوة و قام فرد بإحيائها ملكها على أساس أن ملكية الأرض المزبورة للأمة متقومة بالحياة فلا إطلاق لما دلّ على ملكيتها لهم لحال ما إذا ماتت و خربت.

و على تقدير الاطلاق فلا يمكن أن يعارض ما دل على أن كل أرض خربة للإمام (عليه السلام) (3) حيث إن دلالته عليها بالاطلاق و مقدمات الحكمة،

____________

(1) الوسائل: ج 12، باب 21 من أبواب عقد البيع، الحديث 4.

(2) الوسائل: ج 17، باب 1 من إحياء الموات، الحديث 1.

(3) الوسائل: ج 6، باب 1 من أبواب الأنفال.

394

و هو لا يمكن أن يعارض ما دل عليها بالعموم وضعا، عليه فتدخل الأرض التي عرض عليها الموت في عموم ما دل على أن من أحيا أرضا مواتا فهي له.

ثمّ إنه إذا افترض أن الأرض التي هي بيد شخص فعلا كانت محياة حال الفتح، و شك في بقائها على هذه الحالة، فاستصحاب بقائها حية و إن كان جاريا في نفسه إلا أنه لا يمكن أن يعارض قاعدة اليد التي تجري في المقام و تحكم بأنها ملك للمتصرف فيها فعلا، على أساس أن احتمال خروجها عن ملك المسلمين بالشراء أو نحوه أو عروض الموت عليها و قيام هذا الشخص بإحيائها موجود و هو يحقق موضوع قاعدة اليد فتكون محكمة في المقام، و مقتضاها كون الأرض المزبورة ملكا له فعلا.

ثمّ إن اقسام أرض الموات و أحكامها و شرائطها مذكورة في كتاب إحياء الموات من المنهاج.

(أرض الصلح)

(مسألة 47): أرض الصلح تابعة في كيفية الملكية لمقتضى عقد الصلح و بنوده، فإن كان مقتضاه صيرورتها ملكا عاما للمسلمين كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، و تجري عليها ما تجري على الأرض من الأحكام و الآثار.

و إن كان مقتضاه صيرورتها ملكا للإمام (عليه السلام) كان حكمها حكم الأرض التي لا رب لها من هذه الجهة.

و إن كان مقتضاه بقاؤها في ملك أصحابها ظلّت في ملكهم كما كانت، غاية الأمر أن وليّ الأمر يضع عليها الطسق و الخراج من النصف أو الثلث أو أكثر أو أقل.

395

(الأرض التي أسلم أهلها بالدعوة)

(مسألة 48): الأرض التي أسلم عليها أهلها تركت في أيديهم إذا كانت عامرة، و عليهم الزكاة من حاصلها، العشر أو نصف العشر، و أما إذا لم تكن عامرة فيأخذها الإمام (عليه السلام) و يقبلها لمن يعمرها و تكون للمسلمين، و تدل على ذلك صحيحة البزنطي، قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) و ما سار به أهل بيته، فقال: «العشر و نصف العشر على من أسلم طوعا، تركت أرض في يده، و أخذ منه العشر و نصف العشر فيما عمر منها، و ما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممن يعمر» الحديث (1).

(قسمة الغنائم المنقولة)

(مسألة 49): يخرج من هذه الغنائم قبل تقسيمها بين المقاتلين ما جعله الإمام (عليه السلام) جعلا لفرد على حسب ما يراه من المصلحة، و يستحق ذاك الفرد الجعل بنفس الفعل الذي كان الجعل بإزائه، و هو في الكمّ و الكيف يتبع العقد الواقع عليه، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الفرد المزبور (المجعول له) مسلما أو كافرا، و كذا لا فرق بين كونه من ذوي السهام أو لا، فإنّ الأمر بيد الإمام (عليه السلام) و هو يتصرف فيها حسب ما يرى فيه من المصلحة، يؤكد ذلك- مضافا إلى هذا- قول زرارة في الصحيحة المتقدمة في المسألة الحادية و الأربعين، و يدخل فيه السلب أيضا.

(مسألة 50): و يخرج منها أيضا قبل القسمة ما تكون الغنيمة بحاجة إليها في بقائها من المؤن كأجرة النقل و الحفظ و الرعي و ما شاكل ذلك.

(مسألة 51): المرأة التي حضرت ساحة القتال و المعركة لتداوي المجروحين أو ما شابه ذلك بإذن الإمام (عليه السلام) لا تشرك مع الرجال المقاتلين في‌

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 72 من جهاد العدو، الحديث 2.

396

السهام من الغنائم المأخوذة من الكفار بالقهر و الغلبة.

نعم، يعطي الإمام (عليه السلام) منها لها مقدار ما يرى فيه مصلحة، و تدل على ذلك معتبرة سماعة عن أحدهما (عليه السلام)، قال: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج بالنساء في الحرب يداوين الجرحى و لم يقسم لهنّ من الفي‌ء شيئا لكنه نفلهن» (1).

و أما العبيد و الكفار الذين يشتركون في القتال بإذن الإمام (عليه السلام) فالمشهور بين الأصحاب، بل ادّعي عليه الإجماع، أنه لا سهم لهم في الغنائم، و لكن دليله غير ظاهر.

(مسألة 52): يخرج من الغنائم قبل القسمة- كما مر- صفو المال أيضا و قطائع الملوك و الجارية الفارهة و السيف القاطع و ما شاكل ذلك على أساس أنها ملك طلق للإمام (عليه السلام) بمقتضى عدّة من الروايات، منها معتبرة داود بن فرقد، قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «قطائع الملوك كلها للإمام (عليه السلام)، و ليس للناس فيها شي‌ء».

و منها معتبرة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صفو المال؟ قال: «الإمام يأخذ الجارية الروقة و المركب الفارة و السيف القاطع و الدرع قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال» (2).

(مسألة 53): يخرج من الغنائم خمسها أيضا قبل تقسيمها بين المسلمين المقاتلين، و لا يجوز تقسيم الخمس بينهم، حيث إن اللّه تعالى قد جعل له موارد خاصة و مصارف مخصوصة، قال عز من قائل: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ (3) و الروايات الدالة على ذلك كثيرة.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 41 من جهاد العدو، الحديث 6.

(2) الوسائل: ج 6، باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 6 و 15.

(3) سورة الأنفال: الآية 41.

397

(مسألة 54): تقسم الغنائم بعد إخراج المذكورات على المقاتلين و من حضر ساحة القتال و لو لم يقاتل، فإنه لا يعتبر في تقسيم الغنيمة على جيش المسلمين دخول الجميع في القتال مع الكفار، فلو قاتل بعض منهم و غنم، و كان الآخر حاضرا في ساحة القتال و المعركة و متهيّئا للقتال معهم إذا اقتضى الأمر ذلك، كانت الغنيمة مشتركة بين الجميع، و لا اختصاص بها للمقاتلين فقط، و هذا بخلاف ما إذا أرسل فرقة إلى جهة و فرقة أخرى إلى جهة أخرى، فلا تشارك إحداهما الأخرى في الغنيمة.

و في حكم المقاتلين الطفل إذا ولد في أرض الحرب، و تدل عليه معتبرة مسعدة ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه أن عليا (عليه السلام) قال:

«إذا ولد المولود في أرض الحرب قسم له مما أفاء اللّه عليهم» (1).

و المشهور أنه تشترك مع المقاتلين في الغنائم فئة حضروا أرض الحرب للقتال و قد وضعت الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا بغلبة المسلمين على الكفار و أخذهم الغنائم منهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام، فإنّ الغنيمة حينئذ تقسّم بين الجميع رغم عدم اشتراك تلك الفئة معهم في القتال، و مدركهم في ذلك رواية حفص بن غياث، قال: كتب إليّ بعض إخواني أن أسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسائل من السيرة، فسألته و كتبت بها إليه، فكان فيما سألت: اخبرني عن الجيش إذا غزوا أرض الحرب فغنموا غنيمة ثمّ لحقهم جيش آخر قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام، و لم يلقوا عدوا حتى خرجوا إلى دار الإسلام، هل يشاركونهم فيها؟ قال: «نعم» (2).

و لكن بما أن الرواية ضعيفة باعتبار أن القاسم بن محمد الواقع في سندها مردد بين الثقة و غيرها فالحكم لا يخلو عن إشكال بل منع، و قد‌

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 8.

(2) الوسائل: ج 11، باب 37 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

398

يستدل على ذلك بمعتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام)، في الرجل يأتي القوم و قد غنموا و لم يكن ممن شهد القتال قال: فقال:

«هؤلاء المحرومون، فأمر أن يقسم لهم» (1).

بتقريب أن المراد المحرومون من ثواب القتال لا أنهم محرومون من الغنيمة، و فيه:

أولا: أنه لا يمكن أن تكون كلمة (هؤلاء) إشارة إلى الرجل الذي يأتي القوم بعد أخذهم الغنيمة من الكفار.

و ثانيا: أن تحريمهم من الثواب لا يدل على أنّ لهم نصيبا في الغنيمة، فإن ضمير (لهم) في قوله (عليه السلام) (فأمر أن يقسم لهم) ظاهر في رجوعه إلى القوم، و كيف كان فالرواية مجملة، فلا دلالة لها على المقصود أصلا.

ثمّ إنه بناء على الاشتراك إذا حضروا دار الحرب قبل القسمة، فهل هم مشتركون فيها معهم أيضا إذا حضروها بعدها؟ المشهور عدم الاشتراك، و هو الظاهر، لانصراف الرواية عن هذه الصورة و ظهورها بمناسبة الحكم و الموضوع في حضورهم دار الحرب قبل القسمة.

(مسألة 55): المشهور بين الأصحاب أنه يعطى من الغنيمة للراجل سهم، و للفارس سهمان، بل ادّعي عدم الخلاف في المسألة، و اعتمدوا في ذلك على رواية حفص بن غياث، و لكن قد عرفت آنفا أن الرواية ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها، فحينئذ إن ثبت الإجماع في المسألة فهو المدرك و إلا فما نسب إلى ابن جنيد من أنه يعطى للراجل سهم و للفارس ثلاثة أسهم هو القوي، و ذلك لإطلاق معتبرة إسحاق ابن عمّار، عن جعفر، عن أبيه أن عليا (عليه السلام) كان يجعل للفارس ثلاثة أسهم و للراجل سهما (2)

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 37 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

(2) الوسائل: ج 11، باب 42 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

399

و صحيحة مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يجعل للفارس ثلاثة أسهم و للراجل سهما» (1) و عدم المقيّد لهما.

و عليه فلا فرق في ذلك بين أن يكون المقاتل صاحب فرس واحد أو أكثر فما عن المشهور من أن لصاحب فرس واحد سهمين و للأكثر ثلاثة أسهم فلا يمكن إتمامه بدليل، و لا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون المقاتلة مع الكفار في البر أو البحر.

(مسألة 56): لا يملك الكافر الحربي أموال المسلمين بالاستغنام، فلو أخذها المسلم منه سرقة أو هبة أو شراء أو نحو ذلك فلا إشكال في لزوم عودها إلى أصحابها من دون غرامة شي‌ء، و إن كان الآخذ جاهلا بالحال حيث إن الحكم- مضافا إلى أنه على القاعدة- قد دلّ عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام: «المسلم أحقّ بماله أينما وجده» (2).

و أما إذا أخذ تلك الأموال منه بالجهاد و القوة، فإن كان الأخذ قبل القسمة رجعت إلى أربابها أيضا بلا إشكال و لا خلاف.

و أما إذا كان بعد القسمة، فنسب إلى العلّامة في النهاية أنها تدخل في الغنيمة و لكنّ المشهور بين الأصحاب أنها ترد إلى أربابها و هو الصحيح، إذ يكفي في ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام الآنفة الذكر المؤيدة بخبر طربال، و الدليل على الخلاف غير موجود في المسألة.

و أما صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل لقيه العدو و أصاب منه مالا أو متاعا، ثمّ إن المسلمين أصابوا ذلك، كيف يصنع بمتاع الرجل؟ فقال: «إذا كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل ردّ عليه،

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 38 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

(2) الوسائل: ج 11، باب 35 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3.

400

و إن كانوا أصابوه بعد ما حازوا فهو في‌ء للمسلمين، فهو أحق بالشفعة» (1) فهي يظاهرها، و هو التفصيل بين ما قبل الحيازة و ما بعدها، فعلى الأول ترد إلى أربابها، و على الثاني تدخل في الغنيمة مقطوعة البطلان، فإنه لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الرد قبل القسمة فلا تدخل في الغنيمة بالحيازة، و حمل الحيازة على القسمة بحاجة إلى قرينة و هي غير موجودة.

و عليه فالقسمة باطلة، فمع وجود الغانمين تقسّم ثانيا عليهم بعد إخراج أموال المسلمين، و مع تفرّقهم يرجع من وقعت تلك الأموال في حصته إلى الإمام (عليه السلام).

الدفاع

(مسألة 57): يجب على كل مسلم الدفاع عن الدين الإسلامي إذا كان في معرض الخطر، و لا يعتبر فيه إذن الإمام (عليه السلام) بلا إشكال و لا خلاف في المسألة.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون في زمن الحضور أو الغيبة، و إذا قتل فيه جرى عليه حكم الشهيد في ساحة الجهاد مع الكفار، على أساس أنه قتل في سبيل اللّه الذي قد جعل في صحيحة أبان موضوعا للحكم المزبور، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الذي يقتل في سبيل اللّه يدفن في ثيابه و لا يغسّل إلا أن يدركه المسلمون و به رمق ثمّ يموت» الحديث، و قريب منها صحيحته الثانية (2).

(مسألة 58): تجري على الأموال المأخوذة من الكفار في الدفاع عن بيضة الإسلام أحكام الغنيمة، فإن كانت منقولة تقسّم بين المقاتلين بعد‌

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 35 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

(2) الوسائل: ج 2، باب 14 من أبواب غسل الميت، الحديث 7 و 9.

401

إخراج الخمس، و إن كانت غير منقولة فهي ملك للأمّة على تفصيل تقدّم، و تدل على ذلك إطلاقات الأدلة من الآية و الرواية.

فما عليه المحقق القمي (قدس سره) من عدم جريان أحكام الغنيمة عليها و أنها لآخذها خاصة بدون حق الآخرين فيها لا يمكن المساعدة عليه.

قتال أهل البغي

و هم الخوارج على الإمام المعصوم (عليه السلام) الواجب إطاعته شرعا، فإنه لا إشكال في وجوب مقاتلتهم إذا أمر الإمام (عليه السلام) بها، و لا يجوز لأحد المخالفة، و لا يجوز الفرار لأنه كالفرار عن الزحف في حرب المشركين، و الحاصل أنه تجب مقاتلتهم حتى يفيئوا أو يقتلوا.

و تجري على من قتل فيها أحكام الشهيد لأنه قتل في سبيل اللّه.

(مسألة 59): المشهور- بل ادّعي عليه الإجماع- أنه لا يجوز قتل أسرائهم، و لا الإجهاز على جريحهم، و لا يتبع مدبرهم إذا لم تبق منهم فئة يرجعون إليها، و أما إذا كانت لهم فئة كذلك فيقتل أسراؤهم و يجهز على جريحهم، و يتبع مدبرهم، و لكن إتمام ذلك بالدليل مشكل، فإنّ رواية حفص بن غياث التي هي نص في هذا التفصيل ضعيفة سندا كما مر، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطائفتين من المؤمنين، إحداهما باغية و الأخرى عادلة، فهزمت العادلة الباغية، قال (عليه السلام): «ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا، و لا يقتلوا أسيرا، و لا يجهزوا على جريح، و هذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد و لم يكن فئة يرجعون إليها» الحديث (1).

و عليه فلا يمكن الاعتماد عليها.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 24 من جهاد العدو، الحديث 1.

402

و أما معتبرة أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أهل الشرك! قال: فغضب ثمّ جلس ثمّ قال: «سار و اللّه فيهم بسيرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الفتح، إن عليا كتب إلى مالك و هو على مقدّمته في يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل، و لا يقتل مدبرا، و لا يجهز على جريح، و من أغلق بابه فهو آمن» الحديث (1). فهي قضية في واقعة، فلا يستفاد منها الحكم الكلي كما يظهر من روايته الأخرى، قال: قلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): بما سار علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فقال: «إنّ أبا اليقظان كان رجلا حادا فقال:

يا أمير المؤمنين: بم تسير في هؤلاء غدا؟ فقال: بالمنّ كما سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أهل مكة» (2) فحينئذ إن تمّ الإجماع في المسألة فهو، و إلا فالأمر كما ذكرناه، فإذن القضية في كل واقعة راجعة إلى الإمام (عليه السلام) نفيا و إثباتا حسب ما يراه من المصلحة.

(مسألة 60): لا تسبى ذراري البغاة و إن كانوا متولدين بعد البغي، و لا تملك نساؤهم و كذا لا يجوز أخذ أموالهم التي لم يحوها العسكر كالسلاح و الدواب و نحوهما.

و هل يجوز أخذ ما حواه العسكر من الأموال المنقولة؟ فيه قولان: عن جماعة القول الأول، و عن جماعة أخرى القول الثاني، بل نسب ذلك إلى المشهور، و هذا القول هو الصحيح، و يدل على كلا الحكمين عدّة من الروايات، منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو لا أن عليا (عليه السلام) سار في أهل حربه بالكفّ عن السبي و الغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما» ثمّ قال: «و اللّه لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس» (3).

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 24 من جهاد العدو، الحديث 2.

(2) التهذيب: ج 6، ص 154، الحديث 272.

(3) الوسائل: ج 11، باب 25 من جهاد العدو، الحديث 8.