منهاج الصالحين - ج1

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
447 /
403

(مسألة 61): يجوز قتل سابّ النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أو أحد الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لكل من سمع ذلك، و كذا الحال في سابّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، على تفصيل ذكرناه في مباني تكلمة المنهاج.

أحكام أهل الذمة

(مسألة 62): تؤخذ الجزية من أهل الكتاب و بذلك يرتفع عنهم القتال و الاستعباد، و يقرّون على دينهم، و يسمح لهم بالسكنى في دار الإسلام آمنين على أنفسهم و أموالهم، و هم اليهود و النصارى و المجوس بلا إشكال و لا خلاف، بل الصابئة أيضا على الأظهر، لأنهم من أهل الكتاب على ما تدل عليه الآية الكريمة و هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هٰادُوا وَ النَّصٰارىٰ وَ الصّٰابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (1).

و الجزية توضع عليهم من قبل النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) حسب ما يراه فيه من المصلحة كمّا و كيفا، و لا تقبل من غيرهم كسائر الكفار بلا خلاف، فإنّ عليهم أن يقبلوا الدعوة الإسلامية أو يقتلوا، و تدلّ عليه غير واحدة من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ (2)، و منها قوله تعالى: قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ (3)، و غيرهما من الآيات، و بعموم هذه الآيات يرفع اليد عن إطلاق معتبرة مسعدة بن صدقة الدالة بإطلاقها على عدم اختصاص أخذ الجزية بأهل الكتاب، فقد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إذا بعث أميرا له على سريّة أمره بتقوى اللّه عز و جل في خاصة‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 62.

(2) سورة محمد (صلّى اللّه عليه و آله): الآية 4.

(3) سورة الأنفال: الآية 39.

404

نفسه ثمّ في أصحابه العامة- إلى أن قال:- و إذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منه و كفّوا عنه، و ادعوهم إلى الإسلام فإن دخلوا فيه فاقبلوا منهم و كفّوا عنهم، و ادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوا منهم و كفّوا عنهم- إلى أن قال- فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد و هم صاغرون» الحديث (1).

(مسألة 63): الظاهر أنه لا فرق في مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب بين أن يكون في زمن الحضور أو في زمن الغيبة لإطلاق الأدلة و عدم الدليل على التقييد، و وضعها عليهم في هذا الزمان إنما هو بيد الحاكم الشرعي كمّا و كيفا حسب ما تقتضيه المصلحة العامة للأمة الإسلامية.

(مسألة 64): إذا التزم أهل الكتاب بشرائط الذمة يعاملون معاملة المسلمين في ترتيب أحكامهم عليهم كحقن دمائهم و أموالهم و أعراضهم، و إذا أخلّوا بها خرجوا عن الذمة على تفصيل يأتي في المسائل القادمة.

(مسألة 65): إذا ادّعى الكفّار أنهم من أهل الكتاب و لم تكن قرينة على الخلاف سمعت في ترتيب أحكام أهل الذمة عليهم و عدم الحاجة فيه إلى إقامة البينة على ذلك. نعم، إذا علم بعد ذلك خلافها كشف عن بطلان عقد الذمة.

(مسألة 66): الأقوى أن الجزية لا تؤخذ من الصبيان و المجانين و النساء، و ذلك لمعتبرة حفص بن غياث التي تدل على كبرى كلّية، و هي أن أي فرد لم يكن قتله في الجهاد جائزا لم توضع عليه الجزية، فقد سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النساء كيف سقطت الجزية عنهنّ و رفعت عنهن؟ قال:

فقال: «لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الولدان في دار الحرب‌

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 15 من جهاد العدو، حديث 3.

405

- إلى أن قال- و لو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها- إلى أن قال- و كذلك المقعد من أهل الذمة و الأعمى و الشيخ الفاني و المرأة و الولدان في أرض الحرب، فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية» (1).

و تدل على ذلك في خصوص المجانين معتبرة طلحة بن زيد الآتية.

و أما المملوك سواء كان مملوكا لمسلم أم كان لذمي فالمشهور أنه لا تؤخذ الجزية منه، و قد علل ذلك في بعض الكلمات بأنه داخل في الكبرى المشار إليها آنفا، و هي أن من لم يجز قتله لم توضع عليه الجزية، و لكن الأظهر أنّ الجزية توضع عليه، و ذلك لمعتبرة أبي الورد، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده المعتبر عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مملوك نصراني لرجل مسلم عليه جزية؟

قال: «نعم، إنما هو مالكه يفتديه إذا أخذ يؤدّي عنه» (2)، و روى قريبا منه بإسناده عن أبي الورد نفسه (3) إلا أن في بعض النسخ في الرواية الثانية (أبا الدرداء) بدل (أبي الورد) و الظاهر أنه من غلط النسّاخ.

و نسب هذا القول إلى الصدوق في المقنع و إلى العلامة في التحرير.

و أما الشيخ الهمّ و المقعد و الأعمى فالمشهور بين الأصحاب أنه تؤخذ الجزية منهم لعموم أدلة الجزية و ضعف رواية حفص، و لكنّ الأقوى عدم جواز أخذها منهم، فإنّ رواية حفص و إن كانت ضعيفة في بعض طرقها إلا أنها معتبرة في بعض طرقها الأخر و هو طريق الشيخ الصدوق إليه، و عليه فلا مانع من الاعتماد عليها في الحكم المزبور.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 18 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.

(2) الفقيه: ج 3، باب نوادر العتق، الحديث 9.

(3) الوسائل: ج 11، باب 49 من جهاد العدو، الحديث 6.

406

(مسألة 67): إذا حاصر المسلمون حصنا من حصون أهل الكتاب فقتل الرجال منهم و بقيت النساء، فعندئذ إن تمكّن المسلمون من فتح الحصن فهو، و إن لم يتمكنوا منه فلهم أن يتوسلوا إلى فتحه بأية وسيلة ممكنة، و لو كانت تلك الوسيلة بالصلح معهن إذا رأى ولي الأمر مصلحة فيه، و بعد عقد الصلح لا يجوز سبيهنّ لعموم الوفاء بالعقد، فما قيل من جواز إظهار عقد الصلح معهنّ صورة و بعد العقد المزبور يجوز سبيهنّ فلا دليل عليه، بل هو غير جائز، لأنه داخل في الغدر.

و أما إذا فتحه المسلمون بأيديهم فيكون أمرهنّ بيد ولي الأمر، فإن رأى مصلحة في إعطاء الأمان لهنّ و أعطاه لم يجز حينئذ استرقاقهنّ، و إن رأى مصلحة في الاسترقاق و الاستعباد تعيّن ذلك.

(مسألة 68): إذا كان الذمي عبدا فاعتق و حينئذ إن قبل الجزية ظل في دار الإسلام، و إن لم يقبل منع من الإقامة فيها و أجبر على الخروج إلى مأمنه، و لا يجوز قتله و لا استعباده على أساس أنه دخل دار الإسلام آمنا.

(مسألة 69): تقدم عدم وجوب الجزية على المجنون مطبقا، و أما إذا كان أدواريا فهل تجب عليه أو لا؟ أو فيه تفصيل؟ وجوه، و عن شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (قدس سره) اختيار التفصيل بدعوى أنه يعمل في هذا الفرض بالأغلب، فإن كانت الافاقة أكثر و أغلب من عدمها وجبت الجزية عليه، و إن كان العكس فبالعكس.

و لكن هذا التفصيل بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه، فالعبرة حينئذ إنما هي بالصدق العرفي، فإن كان لدى العرف معتوها لم تجب الجزية عليه و إلا وجبت. ففي معتبرة طلحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «جرت السنّة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه، و لا من المغلوب عليه عقله» (1).

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 18 من جهاد العدو، الحديث 3.

407

نعم، لو أفاق حولا كاملا وجبت الجزية عليه في هذا الحول على كل حال.

(مسألة 70): إذا بلغ صبيان أهل الذمة عرض عليهم الإسلام، فإن قبلوا فهو، و إلا وضعت الجزية عليهم، و إن امتنعوا منها أيضا ردّوا إلى مأمنهم و لا يجوز قتلهم و لا استعبادهم باعتبار أنهم دخلوا في دار الإسلام آمنين.

(مسألة 71): المشهور بين الأصحاب قديما و حديثا هو أنه لا حدّ للجزية، بل أمرها إلى الإمام (عليه السلام) كمّا و كيفا حسب ما يراه فيه من المصلحة، و يدل على ذلك- مضافا إلى عدم تحديدها في الروايات- ما في صحيحة زرارة: أن أمر الجزية إلى الإمام (عليه السلام)، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ما يطيق (1).

(مسألة 72): إذا وضع ولي الأمر الجزية على رءوسهم لم يجز وضعها على أراضيهم، حيث إن المشروع في الشريعة المقدسة وضع جزية واحدة حسب إمكاناتهم و طاقاتهم المالية التي بها حقنت دماؤهم و أموالهم، فإذا وضعت على رءوسهم انتفى موضوع وضعها على الأراضي و بالعكس.

و صحيحتا محمد بن مسلم ناظرتان إلى هذه الصورة فقد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أ رأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس- إلى أن قال- و ليس للإمام أكثر من الجزية إن شاء الإمام وضع على رءوسهم و ليس على أموالهم شي‌ء، و إن شاء فعلى أموالهم و ليس على رءوسهم شي‌ء، الحديث.

و قال: سألته عن أهل الذمة ما ذا عليهم مما يحقنون به دماءهم و أموالهم؟ قال: «الخراج، و إن أخذ من رءوسهم الجزية فلا سبيل على أرضهم، و إن أخذ من أرضهم فلا سبيل على رءوسهم» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 68 من جهاد العدو، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 11، باب 68 من جهاد العدو، الحديث 2، 3.

408

و أما إذا وضع ولي الأمر قسطا من الجزية على الرءوس و قسطا منها على الأراضي فلا مانع منه، على أساس أن أمر وضع الجزية بيد ولي الأمر من حيث الكم و الكيف، و الصحيحتان المزبورتان لا تشملان هذه الصورة فإنهما ناظرتان إلى أن وضع الجزية كملا إذا كان على الرءوس انتفى موضوع وضعها على الأراضي و بالعكس، و أما تبعيض تلك الجزية ابتداء عليهما معا فلا مانع منه.

(مسألة 73): لولي الأمر أن يشترط عليهم- زائدا على الجزية- ضيافة المارة عليهم من العساكر أو غيرهم من المسلمين حسب ما يراه فيه مصلحة، من حيث الكم و الكيف، على قدر طاقاتهم و إمكاناتهم المالية، و ما قيل من أنه لا بد من تعيين نوع الضيافة كما و كيفا بحسب القوت و الادام و نوع علف الدواب و عدد الأيام فلا دليل عليه، بل هو راجع إلى ولي الأمر.

(مسألة 74): ظاهر فتوى الأصحاب في كلماتهم أن الجزية تؤخذ سنة بعد سنة و تتكرر بتكرر الحول و لكن إثبات ذلك بالنصوص مشكل جدا، فالصحيح أن أمرها بيد الإمام (عليه السلام)، و له أن يضع الجزية في كل سنة و له أن يضعها في أكثر من سنة مرة واحدة حسب ما فيه من المصلحة.

(مسألة 75): إذا أسلم الذمي قبل تمامية الحول أو بعد تماميته و قبل الأداء سقطت عنه بسقوط موضوعها، فإن موضوعها حسب ما في الآية الكريمة و غيرها هو الكافر، فإذا أصبح مسلما و لو بعدا لحول سقطت الجزية عنه و لا تجب عليه تأديتها، و لا فرق في ذلك بين أن يكون هو الداعي لقبوله الإسلام أو يكون الداعي له أمرا آخر.

(مسألة 76): المشهور بين الأصحاب أنه لو مات الذمي و هو ذمي بعد الحول لم تسقط الجزية عنه و أخذت من تركته كالدّين، و لكن ذلك مبني‌

409

على أن يكون جعل الجزية من قبيل الوضع كجعل الزكاة و الخمس على الأموال، و لازم ذلك هو أن الذمي لو مات في أثناء الحول مثلا لأخذت الجزية من تركته بالنسبة، و هذا و إن كان مذكورا في كلام بعضهم إلا أنه غير منصوص عليه في كلمات المشهور، و من هنا لا يبعد أن يقال إنها ليست كالدّين الثابت على ذمته حتى تخرج من تركته بعد موته مطلقا، بل المستفاد من الدليل هو أن الواجب عليه إنّما هو الإعطاء عن يد و هو صاغر، فإذا مات انتفى بانتفاء موضوعه، و بذلك يظهر حال ما إذا مات في أثناء الحول، بل هو أولى بالسقوط.

(مسألة 77): يجوز أخذ الجزية من ثمن الخمور و الخنازير و الميتة من الذمي حيث أنّ وزره عليه لا على غيره، و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صدقات أهل الذمة و ما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم و خنازيرهم و ميتتهم؟ قال: «عليهم الجزية في أموالهم، تؤخذ من ثمن لحم الخنزير أو خمر، فكل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم و ثمنه للمسلمين حلال، يأخذونه في جزيتهم» (1).

(مسألة 78): لا تتداخل جزية سنين متعددة إذا اجتمعت على الذمي بل عليه أن يعطي الجميع إلا إذا رأى ولي الأمر مصلحة في عدم الأخذ.

(شرائط الذمة)

(مسألة 79): من شرائط الذمة أن يقبل أهل الكتاب إعطاء الجزية لولي الأمر على الكيفية المذكورة، فإنه مضافا إلى التسالم بين الأصحاب يدل عليه الكتاب و السنة.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 70 من جهاد العدو، الحديث 1.

410

و منها: أن لا يرتكبوا ما ينافي الأمان، كالعزم على حرب المسلمين و إمداد المشركين في الحرب و ما شاكل ذلك، و هذا الشرط ليس من الشروط الخارجية بل هو داخل في مفهوم الذمة فلا يحتاج إثباته إلى دليل آخر.

(مسألة 80): المشهور بين الأصحاب أن التجاهر بالمنكرات كشرب الخمر و أكل لحم الخنزير و الربا و النكاح بالأخوات و بنات الأخ و بنات الأخت و غيرها من المحرمات كالزنا و اللواط و نحوهما يوجب نقض عقد الذمة.

و من هذا القبيل عدم إحداث الكنائس و البيع و ضرب الناقوس و ما شاكل ذلك إذا كان يوجب إعلان أديانهم و ترويجها بين المسلمين.

هذا فيما إذا اشترط عدم التجاهر بتلك المحرمات و المنكرات في ضمن عقد الذمة واضح.

و أما إذا لم يشترط عدم التجاهر بها في ضمن العقد المزبور فهل التجاهر بها يوجب النقض؟ فيه وجهان، فعن العلّامة في التذكرة و التحرير و المنتهى الوجه الثاني، و لكنّ الأظهر هو الوجه الأول، و ذلك لصحيحة زرارة، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا، و لا يأكلوا لحم الخنزير، و لا ينكحوا الأخوات و لا بنات الأخ و لا بنات الأخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة اللّه و ذمة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)» قال: «و ليست لهم اليوم ذمة» (1).

فإن مقتضى ذيل الصحيحة و هو قوله (عليه السلام): «ليست لهم اليوم ذمة» هو أن التجاهر بها يوجب نقض الذمة و انتهاءها و أنها لا تنسجم معه، و بما أن أهل الكتاب كانوا في زمان الخلفاء متجاهرين بالمنكرات المزبورة فلأجل ذلك نفى عنهم الذمة.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 48 من جهاد العدو، الحديث 1.

411

و أما غير ذلك كارتفاع جدرانهم على جدران المسلمين و عدم تميزهم في اللباس و الشعر و الركوب و الكنى و الألقاب و نحو ذلك مما لا ينافي مصلحة عامة للإسلام أو المسلمين فلا دليل على أنه يوجب نقض الذمة.

نعم لولي الأمر اشتراط ذلك في ضمن العقد إذا رأى فيه مصلحة.

(مسألة 81): يشترط على أهل الذمة أن لا يربّوا أولادهم على الاعتناق بأديانهم- كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو نحوها- بأن يمنعوا من الحضور في مجالس المسلمين و مراكز تبليغاتهم و الاختلاط مع أولادهم، بل عليهم تخلية سبيلهم في اختيار الطريقة، و بطبيعة الحال أنهم يختارون الطريقة الموافقة للفطرة و هي الطريقة الإسلامية، و قد دلت على ذلك صحيحة فضيل بن عثمان الأعور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه اللذان يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه، و إنما أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذمة و قبل الجزية عن رءوس أولئك بأعيانهم على أن لا يهوّدوا أولادهم و لا ينصّروا، و أما أولاد أهل الذمة اليوم فلا ذمة لهم» (1).

(مسألة 82): إذا أخلّ أهل الكتاب بشرائط الذمة بعد قبولها خرجوا منها، و عندئذ هل على ولي الأمر ردهم إلى مأمنهم أو له قتلهم أو استرقاقهم؟ فيه قولان: الأقوى هو الثاني حيث إنه لا أمان لهم بعد خروجهم عن الذمة، و يدل على ذلك قوله (عليه السلام) في ذيل صحيحة زرارة المتقدمة آنفا:

«فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة اللّه و ذمة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)» فإن ظاهر البراءة هو أنه لا أمان له، و من الظاهر أن لزوم الرد إلى مأمنه نوع أمان له.

فإذن، على ولي الأمر أن يدعوهم إلى الاعتناق بالإسلام فإن قبلوا فهو، و إلا فالوظيفة التخيير بين قتلهم و سبي نسائهم و ذراريهم، و بين استرقاقهم أيضا.

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 48 من جهاد العدو، الحديث 3.

412

(مسألة 83): إذا أسلم الذمي بعد إخلاله بشرط من شرائط الذمة سقط عنه القتل و الاسترقاق و نحوهما مما هو ثابت حال كفره، نعم لا يسقط عنه القود و الحد و نحوهما مما ثبت على ذمته، حيث لا يختص ثبوته بكونه كافرا، و كذا لا ترتفع رقّيته بالإسلام إذا أسلم بعد الاسترقاق.

(مسألة 84): يكره الابتداء بالسلام على الذمي، و هو مقتضى الجمع بين صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تبدءوا أهل الكتاب بالتسليم، و إذا سلّموا عليكم فقولوا:

و عليكم» (1)، و صحيحة ابن الحجّاج، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام):

أ رأيت إن احتجت إلى طبيب و هو نصراني أسلّم عليه و أدعو له؟ قال:

«نعم، إنه لا ينفعه دعاؤك» (2)، فإنّ مورد الصحيحة الثانية و إن كان فرض الحاجة إلا أن الحاجة إنما هي في المراجعة إلى الطبيب النصراني لا في السلام عليه، إذ يمكن التحية له بغير لفظ السلام مما هو متعارف عنده، على أن التعليل في ذيل الصحيحة شاهد على أنه لا مانع منه مطلقا حيث أن الدعاء لا يفيده.

و أما إذا ابتدأ الذمي بالسلام على المسلم فالأحوط وجوب الرد عليه بصيغة عليك أو عليكم أو بصيغة «سلام» فقط.

(مسألة 85): لا يجوز لأهل الذمة إحداث الكنائس و البيع و الصوامع و بيوت النيران في بلاد الإسلام، و إذا أحدثوها خرجوا عن الذمة فلا أمان لهم بعد ذلك.

هذا إذا اشترط عدم إحداثها في ضمن العقد، و أما إذا لم يشترط لم يخرجوا منها، و لكن لولي الأمر هدمها إذا رأى فيه مصلحة ملزمة.

____________

(1) الوسائل: ج 8، باب 49 من أحكام العشرة، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 8، باب 53 من أحكام العشرة، الحديث 1.

413

و أما إذا كانت هذه الأمور موجودة قبل الفتح فحينئذ إن كان إبقاؤها منافيا لمظاهر الإسلام و شوكته فعلى ولي الأمر هدمها و إزالتها، و إلا فلا مانع من إقرارهم عليها، كما أن عليهم هدمها إذا اشترط في ضمن العقد.

(مسألة 86): المشهور أنه لا يجوز للذمي أن يعلو بما استجدّه من المساكن على المسلمين، و عن المسالك أنه موضع وفاق بين المسلمين، و لكن دليله غير ظاهر فإن تم الإجماع فهو، و إلا فالأمر راجع إلى ولي الأمر.

نعم، إذا كان في ذلك مذلة للمسلمين و عزّة للذمي لم يجز.

(مسألة 87): المعروف بين الأصحاب عدم جواز دخول الكفار أجمع في المساجد كلها، و لكن إتمام ذلك بالدليل مشكل، إلا إذا أوجب دخولهم الهتك فيها أو تلوّثها بالنجاسة.

نعم، لا يجوز دخول المشركين خاصة في المسجد الحرام جزما.

(مسألة 88): المشهور بين الفقهاء أن على المسلمين أن يخرجوا الكفار من الحجاز و لا يسكنوهم فيه و لكنّ إتمامه بالدليل مشكل.

(المهادنة)

(مسألة 89): يجوز المهادنة مع الكفار المحاربين إذا اقتضتها المصلحة للإسلام أو المسلمين، و لا فرق في ذلك بين أن تكون مع العوض أو بدونه، بل لا بأس بها مع إعطاء ولي الأمر العوض لهم إذا كانت فيه مصلحة عامة.

نعم إذا كان المسلمون في مكان القوة و الكفار في مكان الضعف بحيث يعلم الغلبة عليهم لم تجز المهادنة.

(مسألة 90): عقد الهدنة بيد ولي الأمر حسب ما يراه فيه من المصلحة، و على هذا فبطبيعة الحال يكون مدّته من حيث القلة و الكثرة بيده‌

414

حسب ما تقتضيه المصلحة العامة.

و لا فرق في ذلك بين أن تكون مدته أربعة أشهر أو أقلّ أو أكثر، بل يجوز جعلها أكثر من سنة إذا كانت فيه مصلحة، و أما ما هو المشهور بين الفقهاء من أنه لا يجوز جعل المدة أكثر من سنة فلا يمكن إتمامه بدليل.

(مسألة 91): يجوز لولي الأمر أن يشترط مع الكفار في ضمن العقد أمرا سائغا و مشروعا كإرجاع أسارى المسلمين و ما شاكل ذلك، و لا يجوز اشتراط أمر غير سائغ كإرجاع النساء المسلمات إلى دار الكفر و ما شابه ذلك.

(مسألة 92): إذا هاجرت النساء إلى دار الإسلام في زمان الهدنة و تحقق إسلامهنّ لم يجز إرجاعهنّ إلى دار الكفر بلا فرق بين أن يكون إسلامهن قبل الهجرة أو بعدها.

نعم، يجب إعطاء أزواجهن ما أنفقوا من المهور عليهنّ.

(مسألة 93): لو ارتدّت المرأة المسلمة بعد الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لم ترجع إلى دار الكفر و يجري عليها حكم المسلمة المرتدة في دار الإسلام ابتداء من الحبس و الضرب في أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت.

(مسألة 94): إذا ماتت المرأة المسلمة المهاجرة بعد مطالبة زوجها المهر منها وجب ردّه إليه إن كان حيّا و إلى ورثته إن كان ميتا.

و أما إذا كانت المطالبة بعد موت الزوجة فالظاهر عدم وجوب رده إليه، لأن ظاهر الآية الكريمة هو أن ردّ المهر إنما هو عوض رد الزوجة بعد مطالبة الزوج إياها، و إذا ماتت انتفى الموضوع.

كما أنه لو طلّقها بائنا بعد الهجرة لم يستحق المطالبة، على أساس أن ظاهر الآية هو أنه لا يجوز إرجاع المرأة المزبورة بعد المطالبة و إنما يجب‌

415

إرجاع المهر إليه بدلا عن ردّها، فإذا طلقها بائنا فقد انقطعت علاقته عنها نهائيا فليس له حق المطالبة بإرجاعها حينئذ.

و هذا بخلاف ما إذا طلقها رجعيا حيث أن له حق المطالبة بإرجاعها في العدّة باعتبار أنها زوجة له، فإذا طالب فيها وجب ردّ مهرها إليه.

(مسألة 95): إذا أسلمت زوجة الكافر بانت منه، و وجبت عليها العدة إذا كانت مدخولا بها، فإذا أسلم الزوج و هي في العدة كان أحق بها، و تدل على ذلك عدة من الروايات، منها معتبرة السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) أن امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، قال عليّ (عليه السلام): «أ تسلم؟» قال: لا، ففرق بينهما، ثمّ قال: «إن أسلمت قبل انقضاء عدتها فهي امرأتك، و إن انقضت عدّتها قبل أن تسلم ثمّ أسلمت فأنت خاطب من الخطّاب» (1).

و في حكمها ما إذا أسلمت في عدتها من الطلاق الرجعي، فإذا أسلم الزوج بعد إسلام زوجته المهاجرة في عدتها من طلاقها طلاقا رجعيا كان أحق بها و وجب عليه رد مهرها إن كان قد أخذه.

و أما إذا أسلم بعد انقضاء العدة فليس له حق الرجوع بها فإنه- مضافا إلى أنه مقتضى القاعدة- تدل عليه ردّ معتبرة السكوني و غيرها.

(مسألة 96): إذا هاجر الرجال إلى دار الإسلام و أسلموا في زمان الهدنة لم يجز إرجاعهم إلى دار الكفر، لأن عقد الهدنة لا يقتضي أزيد من الأمان على أنفسهم و أعراضهم و أموالهم ما داموا على كفرهم في دار الإسلام ثمّ يرجعوهم إلى مأمنهم.

و أما إذا أسلموا فيصبحون محقوني الدم و المال بسبب اعتناقهم بالإسلام، و حينئذ خرجوا عن موضوع عقد الهدنة فلا يجوز إرجاعهم إلى‌

____________

(1) التهذيب: ج 7، ص 301، الحديث 1257.

416

موطنهم بمقتضى العقد المذكور.

هذا إذا لم يشترط في ضمن العقد إعادة الرجال، و أما إذا اشترط ذلك في ضمن العقد فحينئذ إن كانوا متمكّنين بعد إعادتهم إلى موطنهم من إقامة شعائر الإسلام و العمل بوظائفهم الدينية بدون خوف فيجب الوفاء بالشرط المذكور و إلا فالشرط باطل.

(مسألة 97): إذا هاجرت نساء الحربيّين من دار الكفر إلى دار الإسلام و أسلمت لم يجب إرجاع مهورهن إلى أزواجهن، لاختصاص الآية الكريمة الدالة على هذا الحكم بنساء الكفّار المعاهدين بقرينة قوله تعالى:

وَ سْئَلُوا مٰا أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا مٰا أَنْفَقُوا (1) باعتبار أن السؤال لا يمكن عادة إلا من هؤلاء الكفار على أن الحكم على القاعدة.

و الحمد للّه أولا و آخرا.

____________

(1) سورة الممتحنة: الآية 10.

417

مستحدثات المسائل

418

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

419

المصارف و البنوك

و هي ثلاثة أصناف:

(1) أهلي: و هو ما يتكوّن رأس ماله من شخص واحد أو أشخاص مشتركين.

(2) حكومي: و هو الذي تقوم الدولة بتمويله.

(3) مشترك: و تموّله الدولة و أفراد الشعب.

1- البنك الأهلي الإسلامي:

(مسألة 1): لا يجوز الاقتراض منه بشرط الفائض و الزيادة، لأنّه ربا محرّم و للتخلص من ذلك الطريق الآتي و هو:

أن يشتري المقترض من صاحب البنك أو من وكيله المفوض بضاعة بأكثر من قيمتها الواقعية 10% أو 20% مثلا على أن يقرضه مبلغا معينا من النقد، أو يبيعه متاعا بأقلّ من قيمته السوقية، و يشترط عليه في ضمن المعاملة أن يقرضه مبلغا معينا لمدة معلومة يتفقان عليها. و عندئذ يجوز الاقتراض و لا ربا فيه. و مثل البيع الهبة بشرط القرض.

و لا يمكن التخلص من الربا ببيع مبلغ معيّن مع الضميمة بمبلغ أكثر، كأن يبيع مائة دينار بضميمة كبريت بمائة و عشرة دنانير لمدة شهرين مثلا، فإنّه قرض ربوي حقيقة، و إن كان بيعا صورة.

(مسألة 2): لا يجوز إقراض البنك بشرط الحصول على الفائض‌

420

المسمّى في عرف اليوم بالإيداع، بلا فرق بين الإيداع الثابت الذي له أمد خاص بمعنى أنّ البنك غير ملزم بوضعه تحت الطلب، و بين الإيداع المتحرّك المسمّى بالحساب الجاري أي أن البنك ملزم بوضعه تحت الطلب. نعم إذا لم يكن الإيداع بهذا الشرط فلا بأس به.

2- البنك الحكومي:

(مسألة 3): لا يجوز التصرف في المال المقبوض منه بدون إذن من الحاكم الشرعي أو وكيله.

(مسألة 4): لا يجوز الاقتراض منه بشرط الزيادة؛ لأنه غير قابل للاذن و الاجازة من الحاكم الشرعي بلا فرق بين كون الإقراض مع الرهن أو بدونه. نعم يجوز قبض المال منه بعنوان مجهول المالك لا القرض بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله، و لا يضرّه العلم بأنّ البنك يستوفي الزيادة منه قهرا، فلو طالبه البنك جاز له دفعها حيث لا يسعه التخلّف.

(مسألة 5): لا يجوز إيداع المال فيه بعنوان التوفير بشرط الحصول على الربح و الفائدة لأنّه ربا، و يمكن التخلص منه بإيداع المال بدون شرط الزيادة، بمعنى أنّه يبني في نفسه على أنّ البنك لو لم يدفع له الفائدة لم يطالبها منه. فلو دفع البنك له فائدة جاز له أخذها بعنوان مجهول المالك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله.

و من هنا يظهر حال البنك المشترك، فإنّ الأموال الموجودة فيه داخلة في مجهول المالك، و حكمه حكم البنك الحكومي.

هذا في البنوك الإسلامية، و أمّا البنوك غير الإسلامية- أهلية كانت أم غيرها- فلا مانع من قبض المال منها لا بقصد الاقتراض بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي، و أمّا الإيداع فيها فحكمه حكم الإيداع في البنوك الإسلامية.

421

الاعتمادات

1- اعتماد الاستيراد:

و هو أن يريد استيراد بضاعة أجنبية لا بدّ له من فتح اعتماد لدى البنك و هو يتعهد له بتسديد الثمن إلى الجهة المصدرة بعد تمامية المعاملة بين المستورد و المصدّر مراسلة أو بمراجعة الوكيل الموجود في البلد و يسجل البضاعة باسمه و يرسل القوائم المحدّدة لنوعية البضاعة كمّا و كيفا حسب الشروط المتفق عليها، و عند ذلك يقوم المستورد بدفع قسم من ثمن البضاعة إلى البنك ليقوم بدوره بتسلم مستندات البضاعة من الجهة المصدّرة.

2- اعتماد التصدير:

و هو أنّ من يريد تصدير بضاعة إلى الخارج أيضا لا بدّ له من فتح اعتماد لدى البنك ليقوم بدوره- بموجب تعهده- بتسليم البضاعة إلى الجهة المستوردة و قبض ثمنها وفق الأصول المتبعة عندهم، فالنتيجة أن القسمين لا يختلفان في الواقع، فالاعتماد سواء أ كان للاستيراد أو التصدير يقوم على أساس تعهد البنك بأداء الثمن و قبض البضاعة.

نعم هنا قسم آخر من الاعتماد و هو أن المستورد أو المصدّر يقوم بإرسال قوائم البضاعة كمّا و كيفا إلى البنك أو فرعه في ذلك البلد دون معاملة مسبقة مع الجهة المقابلة، و البنك بدوره يعرض تلك القوائم على الجهة المقابلة، فإن قبلتها طلبت من البنك فتح اعتماد لها، ثمّ يقوم بدور الوسيط إلى أن يتم تسليم البضاعة و قبض الثمن.

(مسألة 6): لا بأس بفتح الاعتماد لدى البنك كما لا بأس بقيامه بذلك.

(مسألة 7): هل يجوز للبنك أخذ الفائدة من صاحب الاعتماد إزاء‌

422

قيامه بالعمل المذكور؟ الظاهر الجواز، و يمكن تفسيره من وجهة النظر الفقهية بأحد أمرين:

الأوّل: أنّ ذلك داخل في عقد الإجارة، نظرا إلى أنّ صاحب الاعتماد يستأجر البنك للقيام بهذا الدور لقاء أجرة معينة، مع إجازة الحاكم الشرعي أو وكيله فيما إذا كان البنك غير أهلي، و كذا الحال في المسائل الآتية.

الثاني: أنه داخل في عقد الجعالة، و يمكن تفسيره بالبيع، حيث أن البنك يدفع ثمن البضاعة بالعملة الأجنبية إلى المصدّر، فيمكن قيامه ببيع مقدار من العملة الأجنبية في ذمة المستورد بما يعادله من عملة بلد المستورد مع إضافة الفائدة إليه، و بما أن الثمن و المثمن يمتاز أحدهما عن الآخر فلا بأس به.

(مسألة 8): يأخذ البنك فائدة نسبية من فاتح الاعتماد إذا كان قيامه بتسديد الثمن من ماله الخاص لقاء عدم مطالبة فاتح الاعتماد به إلى مدة معلومة، فهل يجوز هذا؟ الظاهر جوازه. و ذلك لأنّ البنك في هذا الفرض لا يقوم بعملية إقراض لفاتح الاعتماد و لا يدخل الثمن في ملكه بعقد القرض ليكون ربا، بل يقوم بذلك بموجب طلب فاتح الاعتماد و أمره.

و عليه فيكون ضمان فاتح الاعتماد ضمان غرامة بقانون الاتلاف، لا ضمان قرض.

نعم لو قام البنك بعملية إقراض لفاتح الاعتماد بشرط الفائدة، و قد قبض المبلغ وكالة عنه، ثمّ دفعه إلى الجهة المقابلة لم يجز له أخذها. حتى إذا جعلها عوض عمل يعمله له، فإنّه من الشرط على المقترض. نعم إذا كان العمل قبل عملية القرض ليكون القرض شرطا في المعاملة على ذلك العمل فلا بأس بها. و كذلك الحال فيما إذا كان القائم بالعمل المذكور غير البنك كالتاجر إذا كان معتمدا لدى الجهة المقابلة.

423

خزن البضائع

قد يقوم البنك بخزن البضاعة على حساب المستورد كما إذا تم العقد بينه و بين المصدّر، و قام البنك بتسديد ثمنها له، فعند وصول البضاعة يقوم البنك بتسليم مستنداتها للمستورد و إخباره بوصولها، فإن تأخّر المستورد عن تسلمها في الموعد المقرّر، قام البنك بخزنها و حفظها على حساب المستورد إزاء أجر معين، و قد يقوم بحفظها على حساب المصدّر، كما إذا أرسل البضاعة إلى البنك دون عقد و اتفاق مسبق، فعندئذ يقوم البنك بعرض قوائم البضاعة على تجار البلد فإن لم يقبلوها حفظها على حساب المصدّر لقاء أجر معيّن.

(مسألة 9): في كلتا الحالتين يجوز للبنك أخذ الأجرة لقاء العمل المذكور إذا اشترط ذلك في ضمن عقد، و إن كان الشرط ضمنيا و ارتكازيا، أو ان قيامه بذلك بطلب منه، و إلا فلا يستحق شيئا.

و هنا حالة أخرى، و هي: أن البنك قد يقوم ببيع البضاعة عند تخلّف أصحابها عن تسلمها بعد إعلان البنك و إنذاره، و يقوم بذلك لاستيفاء حقه من ثمنها، فهل يجوز للبنك القيام ببيعها، و هل يجوز لآخر شراؤها؟

الظاهر الجواز، و ذلك لأنّ البنك- في هذه الحالة- يكون وكيلا من قبل أصحابها بمقتضى الشرط الضمني الموجود في أمثال هذه الموارد، فإذا جاز بيعها جاز شراؤها أيضا.

الكفالة عند البنوك

يقوم البنك بكفالة و تعهد مالي من قبل المتعهد للمتعهد له من جهة حكومية أو غيرها حينما يتولى المتعهد مشروعا كتأسيس مدرسة أو مستشفى‌

424

أو ما شاكل ذلك للمتعهد له و قد تم الاتفاق بينهما على ذلك، و حينئذ قد يشترط المتعهد له على المتعهد مبلغا معينا من المال في حالة عدم إنجاز المشروع و إتمامه عوضا عن الخسائر التي قد تصيبه، و لكي يطمئن المتعهد له بذلك يطالبه بكفيل على هذا، و في هذه الحالة يرجع المتعهد و المقاول إلى البنك ليصدر له مستند ضمان يتعهد البنك فيه للمتعهد له بالمبلغ المذكور عند تخلفه (المتعهد) عن القيام بإنجاز مشروع لقاء أجر معيّن.

مسائل

الأولى: تصح هذه الكفالة بإيجاب من الكفيل بكلّ ما يدلّ على تعهده و التزامه من قول أو كتابة أو فعل، و بقبول من المتعهد له بكلّ ما يدلّ على رضاه بذلك. و لا فرق في صحة الكفالة بين أن يتعهد الكفيل للدائن بوفاء المدين دينه، و أن يتعهد لصاحب الحق بوفاء المقاول و المتعهد بشرطه.

الثانية: يجب على المتعهد الوفاء بالشرط المذكور إذا كان في ضمن عقد عند تخلفه عن القيام بإنجاز المشروع، و إذا امتنع عن الوفاء به رجع المتعهد له (صاحب الحق) إلى البنك للوفاء به، و بما أن تعهد البنك و ضمانه كان بطلب من المتعهد و المقاول فهو ضامن لما يخسره البنك بمقتضى تعهده، فيحق للبنك أن يرجع إليه و يطالبه به.

الثالثة: هل يجوز للبنك أن يأخذ عمولة معينة من المقاول و المتعهد لإنجاز العمل لقاء كفالته و تعهده؟ الظاهر أنه لا بأس به، نظرا إلى أنّ كفالته عمل محترم فيجوز له ذلك.

ثمّ إن ذلك داخل- على الظاهر- في عقد الجعالة فتكون جعلا على القيام بالعمل المذكور و هو الكفالة و التعهد، و يمكن أن يكون على نحو الإجارة أيضا و لا يكون صلحا و لا عقدا مستقلا.

425

بيع السهام

قد تطالب الشركات المساهمة وساطة البنك في بيع الأسهم و السندات التي تمتلكها، و يقوم البنك بدور الوسيط في عملية بيعها و تصريفها لقاء عمولة معينة بعد الاتفاق بينه و بين الشركة.

(مسألة 10): تجوز هذه المعاملة مع البنك، فإنّها- في الحقيقة- لا تخلو من دخولها إما في الإجارة بمعنى أنّ الشركة تستأجر البنك للقيام بهذا الدور لقاء أجرة معينة، و إمّا في الجعالة على ذلك، و على كلا التقديرين فالمعاملة صحيحة و يستحق البنك الأجرة لقاء قيامه بالعمل المذكور.

(مسألة 11): يصح بيع هذه الأسهم و السندات و كذا شراؤها فيما كان المبيع- و لو بالبيع الخياري- نفس سهام المال المشترك مع معلوميته، لا سهام منافعه المترقبة، و إلا فتدخل بيع سهام المنافع في القرض الربوي كما لا يخفى على المتأمل. نعم إذا كانت معاملات الشركة المساهمة ربوية فلا يجوز شراؤها بغرض الدخول في تلك المعاملات، فإنّه غير جائز و إن كان بنحو الشركة.

التحويل الداخلي و الخارجي

و هنا مسائل:

(الأولى):

أن يصدر البنك صكا لعميله بتسلم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج على حسابه إذا كان له رصيد مالي في البنك. و عندئذ يأخذ البنك منه عمولة معينة لقاء قيامه بهذا الدور، فيقع الكلام- حينئذ- في جواز أخذه هذه العمولة و يمكن تصحيحه بأنه حيث أن للبنك حق‌

426

لامتناع عن قبول وفاء دينه في غير مكان القرض فيجوز له أخذ عمولة لقاء تنازله عن هذا الحق و قبول وفاء دينه في ذلك المكان.

(الثانية):

أن يصدر البنك صكا لعميله بتسلم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج بعنوان إقراضه، نظرا لعدم وجود رصيد مالي له عنده.

و مرد ذلك إلى توكيل هذا الشخص بتسلم المبلغ بعنوان القرض، و عند ذلك يأخذ البنك منه عمولة معينة لقاء قيامه بهذا العمل فيقع الكلام في جواز أخذه هذه العمولة لقاء ذلك.

و يمكن تصحيحه بأن للبنك المحيل أن يأخذ العمولة لقاء تمكين المقترض من أخذ المبلغ عن البنك المحال عليه حيث إن هذا خدمة له فيجوز أخذ شي‌ء لقاء هذه الخدمة.

ثمّ إنّ التحويل إن كان بعملة أجنبية فيحدث للبنك حق، و هو أنّ المدين حيث اشتغلت ذمته بالعملة المذكورة فله إلزامه بالوفاء بنفس العملة، فلو تنازل عن حقه هذا و قبل الوفاء بالعملة المحلية جاز له أخذ شي‌ء منه لقاء هذا التنازل كما أنّ له تبديلها بالعملة المحلية مع تلك الزيادة.

(الثالثة):

أن يدفع الشخص مبلغا معينا من المال إلى البنك في النجف الأشرف- مثلا- و يأخذ تحويلا بالمبلغ أو بما يعادله على البنك في الداخل- كبغداد مثلا- أو في الخارج كلبنان أو دمشق مثلا، و يأخذ البنك لقاء قيامه بعملية التحويل عمولة منه. و لا إشكال في صحة هذا التحويل و جوازه، و هل في أخذ العمولة عليه إشكال، الظاهر عدمه.

أوّلا: بتفسيره بالبيع بمعنى أن البنك يبيع مبلغا معينا من العملة الأجنبية بمبلغ من العملة المحلية و حينئذ فلا إشكال في أخذ العمولة.

ثانيا: أن الربا المحرّم في القرض إنما هو الزيادة التي يأخذها الدائن من المدين، و أمّا الزيادة التي يأخذها المدين من الدائن فهي غير محرّمة،

427

و لا يدخل مثل هذا القرض في القرض الربوي.

(الرابعة):

أن يقبض الشخص مبلغا معينا من البنك في النجف الأشرف مثلا، و يحوّله على بنك آخر في الداخل أو الخارج، و يأخذ البنك لقاء قبوله الحوالة عمولة معينة منه، فهل يجوز أخذه هذه العمولة؟ نعم يجوز بأحد طريقين:

الأول: أن ينزل هذا التحويل على البيع إذا كان بعملة أجنبية بمعنى أن البنك يشتري من المحول مبلغا من العملة الأجنبية و الزيادة بمبلغ من العملة المحلية، و عندئذ لا بأس بأخذ العمولة.

الثاني: أن يكون أخذها لقاء تنازل البنك عن حقه، حيث إنه يحق له الامتناع عن قبول ما ألزمه المدين من تعيين التسديد في بلد غير بلد القرض، فعندئذ لا بأس به.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أقسام الحوالة و تخريجها الفقهي يجري بعينه في الحوالة على الأشخاص كمن يدفع مبلغا من المال لشخص ليحوّله بنفس المبلغ أو بما يعادله على شخص آخر في بلده أو بلد آخر، و يأخذ بإزاء ذلك عمولة معينة. أو يأخذ من شخص و يحوله على شخص آخر و يأخذ المحول له لقاء ذلك عمولة معينة.

(مسألة 12): لا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون الحوالة على المدين أو على البري‌ء، و الأول كما إذا كان للمحول عند المحول عليه رصيد مالي، و الثاني ما لم يكن كذلك.

جوائز البنك

قد يقوم البنك بعملية القرعة بين عملائه بغرض الترغيب على وضع أموالهم لديه، و يدفع لمن أصابته القرعة مبلغا من المال بعنوان الجائزة.

428

(مسألة 13): هل يجوز للبنك القيام بهذه العملية؟ فيه تفصيل، فإن كان قيامه بها لا باشتراط عملائه، بل بقصد تشويقهم و ترغيبهم على تكثير رصيدهم لديه و ترغيب الآخرين على فتح الحساب عنده جاز ذلك، كما يجوز عندئذ لمن أصابته القرعة أن يقبض الجائزة بعنوان مجهول المالك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله إن كان البنك حكوميا أو مشتركا. و إلا جاز بلا حاجة إلى إذن الحاكم، و أمّا إن كان بعنوان الوفاء بشرطهم في ضمن عقد كعقد القرض أو نحوه فلا يجوز، كما لا يجوز لمن أصابته القرعة أخذها بعنوان الوفاء بذلك الشرط و يجوز بدونه. و إذا كان البنك أهليا و دفع الجائزة بعنوان الوفاء بالشرط لم يجز أخذها و إن لم يكن من ناحية المقرض في نفسه شرط.

تحصيل الكمبيالات

من الخدمات التي يقوم بها البنك تحصيل قيمة الكمبيالة لحساب عميله، بأنّه قبل تاريخ استحقاقها يخطر المدين (موقّع الكمبيالة) و يشرح في إخطاره قيمتها و رقمها و تاريخ استحقاقها ليكون على علم و يتهيأ للدفع، و بعد التحصيل يقيد القيمة في حساب العميل، أو يدفعها إليه نقدا، و يأخذ منه عمولة لقاء هذه الخدمة، و من هذا القبيل قيام البنك بتحصيل قيمة الصك لحامله من بلده أو من بلد آخر، كما إذا لم يرغب الحامل تسلم القيمة بنفسه من الجهة المحال عليها، فيأخذ البنك منه عمولة لقاء قيامه بهذا العمل.

(مسألة 14): تجوز هذه الخدمة و أخذ العمولة لقاءها شرعا بشرط أن يقتصر البنك على تحصيل قيمة الكمبيالة فقط. و أما إذا قام بتحصيل فوائدها الربوية، فإنّه غير جائز، و يمكن تفسير العمولة من الوجهة الفقهية بأنها جعالة من الدائن للبنك على تحصيل دينه.

429

(مسألة 15): إذا كان لموقّع الكمبيالة رصيد مالي لدى البنك فتارة يشير فيها بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق ليقوم البنك بخصم قيمتها من حسابه الجاري و قيدها في حساب المستفيد (الدائن) أو دفعها له نقدا، فمرد ذلك إلى أن الموقّع أحال دائنه على البنك، و بما أن البنك مدين له، فالحوالة نافذة من دون حاجة إلى قبوله، و عليه فلا يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بتسديد دينه بالدفع نقدا، و لا يبعد أخذ العمولة إذا طلب المستفيد قيده في حسابه.

و أخرى يقدم المستفيد كمبيالة إلى البنك غير محولة عليه، و يطلب من البنك تحصيل قيمتها، فعندئذ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بهذا العمل كما عرفت.

و هنا حالة ثالثة و هي ما إذا كانت الكمبيالة محولة على البنك و لكنه لم يكن مدينا لموقّعها، فحينئذ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قبوله هذه الحوالة.

بيع العملات الأجنبية و شراؤها

من خدمات البنك القيام بعملية شراء العملات الأجنبية و بيعها لغرضين:

الأول: توفير القدر الكافي منها حسب حاجات الناس و متطلبات الوقت اليومية.

الثاني: الحصول على الربح منه.

(مسألة 16): يصح بيع العملات الأجنبية و شراؤها مع الزيادة، كما إذا باعها بأكثر من سعر الشراء أو بالتساوي، بلا فرق في ذلك بين كون البيع أو الشراء حالا أو مؤجلا، فإنّ البنك كما يقوم بعملية العقود الحالة يقوم بعملية العقود المؤجلة.

430

الحساب الجاري

كل من له رصيد لدى البنك (العميل) يحق له سحب أي مبلغ لا يزيد عن رصيده، نعم قد يسمح البنك له بسحب مبلغ معين بدون رصيد نظرا لثقته به، و يسمى ذلك بالسحب (على المكشوف) و يحسب البنك لهذا المبلغ فائدة.

(مسألة 17): هل يجوز للبنك أخذ تلك الفائدة؟ الظاهر بل المقطوع به عدم الجواز، لأنها فائدة على القرض. نعم بناء على ما ذكرناه في أول مسائل البنوك من طريق تصحيح أخذ مثل هذه الفائدة شرعا لا بأس به بعد التنزيل على ذلك الطريق.

الكمبيالات

تتحقق مالية الشي‌ء بأحد أمرين:

(الأول): أن تكون للشي‌ء منافع و خواص توجب رغبة العقلاء فيه و ذلك كالمأكولات و المشروبات و الملبوسات و ما شاكلها.

(الثاني): اعتبارها من قبل من بيده الاعتبار. كالحكومات التي تعتبر المالية فيما تصدره من الأوراق النقدية و الطوابع و أمثالها.

(مسألة 18): يمتاز البيع عن القرض من جهات:

(الأولى): أن البيع تمليك عين بعوض لا مجانا، و القرض تمليك للمال بالضمان في الذمة بالمثل إذا كان مثليا و بالقيمة إذا كان قيميا.

(الثانية): اعتبار وجود فارق بين العوض و المعوض في البيع، و بدونه لا يتحقق البيع، و عدم اعتبار ذلك في القرض. مثلا لو باع مائة بيضة بمائة و عشرة فلا بد من وجود مائز بين العوض و المعوض كأن تكون المائة من‌

431

الحجم الكبير في الذمة و عوضها من المتوسط، و إلا فهو قرض بصورة البيع و يكون محرما لتحقق الربا فيه.

(الثالثة): ان البيع يختلف عن القرض في الربا فكل زيادة في القرض إذا اشترطت تكون ربا و محرمة، دون البيع، فإن المحرم فيه لا يكون إلا في المكيل أو الموزون من العوضين المتحدين جنسا، فلو اختلفا في الجنس أو لم يكونا من المكيل أو الموزون فالزيادة لا تكون ربا. مثلا لو أقرض مائة بيضة لمدة شهرين إزاء مائة و عشر كان ذلك ربا و محرما، دون ما إذا باعها بها إلى الأجل المذكور مع مراعاة وجود المائز بين العوضين.

(الرابعة): أن البيع الربوي باطل من أصله، إلّا إذا كانت الزيادة في أحد العوضين من شرط الفعل فيبطل الشرط دون البيع، بخلاف القرض الربوي فإنه باطل بحسب الزيادة فقط، و أما أصل القرض فهو صحيح.

(مسألة 19): الأوراق النقدية بما أنها ليست من المكيل أو الموزون.

فإنه يجوز للدائن أن يبيع دينه منها بأقل منه نقدا، كأن يبيع العشرة بتسعة أو المائة بتسعين مثلا و هكذا.

(مسألة 20): الكمبيالات المتداولة بين التجار في الأسواق لم تعتبر لها مالية كالأوراق النقدية، بل هى مجرد وثيقة سند لإثبات أن المبلغ الذي تتضمنه دين في ذمة موقعها لمن كتبت باسمه، فالمشتري عند ما يدفع كمبيالة للبائع لم يدفع ثمن البضاعة، و لذا اذا ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لم يتلف منه مال و لم تفرغ ذمة المشتري، بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقدية و تلفت عنده أو ضاعت.

(مسألة 21): الكمبيالات على نوعين:

(الأول): ما يعبر عن وجود قرض واقعي.

(الثاني): ما يعبر عن وجود قرض صوري لا واقع له.

432

(أما الأول): فيجوز للدائن أن يبيع دينه المؤجل الثابت في ذمة المدين بأقل منه حالا، كما لو كان دينه مائة دينار فباعه بثمانية و تسعين دينارا نقدا. نعم لا يجوز على الأحوط لزوما بيعه مؤجلا، لأنه من بيع الدين بالدين، و بعد ذلك يقوم البنك أو غيره بمطالبة المدين (موقّع الكمبيالة) بقيمتها عند الاستحقاق.

(و أما الثاني): فلا يجوز للدائن (الصوري) بيع ما تتضمنه الكمبيالة، لانتفاء الدين واقعا و عدم اشتغال ذمة الموقع للموقّع له (المستفيد) بل إنما كتبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب و لذا سميت (كمبيالة مجاملة) و واضح أن عملية خصم قيمتها في الواقع إقراض من البنك للمستفيد، و تحويل المستفيد البنك الدائن على موقعها. و هذا من الحوالة على البري‌ء و على هذا الأساس فاقتطاع البنك شيئا من قيمة الكمبيالة لقاء المدة الباقية محرم لأنه ربا.

و يمكن التخلص من هذا الربا إما بتنزيل الخصم على البيع دون القرض، بيانه: أن يوكل موقع الكمبيالة المستفيد في بيع قيمتها في ذمته بأقل منها مراعيا التمييز بين العوضين، كأن تكون قيمتها خمسين دينارا عراقيا و الثمن ألف تومان إيراني مثلا، و بعد هذه المعاملة تصبح ذمة موقع الكمبيالة مشغولا بخمسين دينارا عراقيا لقاء ألف تومان إيراني، و يوكل الموقع أيضا المستفيد في بيع الثمن و هو ألف تومان في ذمته بما يعادل المثمن و هو خمسون دينارا عراقيا، و بذلك تصبح ذمة المستفيد مدينة للموقع بمبلغ يساوي ما كانت ذمة الموقع مدينة به للبنك. و لكن هذا الطريق قليل الفائدة.

حيث انه إنما يفيد فيما إذا كان الخصم بعملة أجنبية. و أما إذا كان بعملة محلية فلا أثر له، إذ لا يمكن تنزيله على البيع عندئذ.

و إمّا بتنزيل ما يقتطعه البنك من قيمة الكمبيالة على أنه لقاء قيام البنك بالخدمة له كتسجيل الدين و تحصيله و نحوهما و عندئذ لا بأس به، و أما رجوع موقع الكمبيالة إلى المستفيد و أخذ قيمتها تماما فلا ربا فيه، و ذلك لأن‌

433

المستفيد حيث أحال البنك على الموقع بقيمتها أصبحت ذمته مدينة له بما يساوي ذلك المبلغ.

أعمال البنوك

تصنف أعمال البنوك صنفين:

(أحدهما): محرّم و هو عبارة عن المعاملات الربوية فلا يجوز الدخول فيها و لا الاشتراك، و العامل لا يستحق الاجرة لقاء تلك الأعمال.

(ثانيهما): سائغ، و هو عبارة عن الأمور التي لا صلة لها بالمعاملات الربوية، فيجوز الدخول فيها و أخذ الأجرة عليها.

(مسألة 22): لا فرق في حرمة المعاملات الربوية بين بنوك الدول الإسلامية و غيرها. نعم تفترقان في أن الأموال الموجودة في الأولى مجهولة المالك لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله. و أما أموال بنوك الدول غير الإسلامية فلا تترتب عليها أحكام الأموال مجهولة المالك، فيجوز أخذها استنقاذا بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي أو وكيله. كما عرفت.

الحوالات المصرفية

للشخص المدين أن يحيل دائنه على البنك بإصدار صك لأمره، أو يصدر أمرا تحريريا إلى البنك بتحويل مبلغ من المال إلى بلد الدائن، و ذلك كما إذا استورد التاجر العراقي بضاعة من الخارج و أصبح مدينا للمصدر، فعندئذ يراجع البنك ليقوم بعملية تحويل ما يعادل دينه لأمر المصدر على مراسله أو فرعه في بلد المصدر و يدفع قيمة التحويل للبنك بنقد بلده، أو‌

434

يخصم البنك من رصيده لدينه. و مرد ذلك قد يكون إلى حوالتين:

(إحداهما): حوالة المدين دائنه على البنك و بذلك يصبح البنك مدينا لدائنه.

(ثانيهما): حوالة البنك دائنه على مراسله أو فرعه في الخارج أو على بنك آخر و كلتا الحوالتين صحيحة شرعا.

(مسألة 23): هل يجوز للبنك أن يتقاضى لقاء قيامه بعملية التحويل عمولة معينة من المحيل؟ الظاهر أنه لا بأس به و ذلك لأن للبنك حق الامتناع عن القيام بهذه العملية، فيجوز له أخذ شي‌ء لقاء تنازله عن هذا الحق، نعم إذا لم يكن البنك مأمورا بالتحويل المذكور، و أراد أخذ عمولة لقاء قيامه بعملية الوفاء و التسديد لم يجز له ذلك إذ ليس للمدين أن يأخذ شيئا إزاء وفاء دينه في محله، نعم إذا لم يكن للمحيل رصيد لدى البنك و كانت حوالته عليه حوالة على البري‌ء، جاز للبنك أخذ عمولة لقاء قبول الحوالة، حيث أن القبول غير واجب على البري‌ء و له الامتناع عنه. و حينئذ لا بأس بأخذ شي‌ء مقابل التنازل عن حقه هذا.

(مسألة 24): لا فرق فيما ذكرناه من المسائل و الفروع التي هي ذات طابع خاص بين البنوك و المصارف الأهلية و الحكومية و المشتركة، فإنها تدور مدار ذلك الطابع الخاص في أي مورد كان و أي حالة تحققت.

عقد التأمين

و هو اتفاق بين المؤمّن (الشركة أو الدولة)، و بين المؤمّن له (شخص، أو أشخاص) على أن يدفع المؤمّن له للمؤمّن مبلغا معينا شهريا أو سنويا نصّ عليه في الوثيقة (المسمى قسط التأمين) لقاء قيام المؤمّن بتدارك الخسارة التي تحدث في المؤمّن عليه على تقدير حدوثها.

435

(مسألة 25): التأمين على أنواع: على الحياة، على المال، على الحريق، على الغرق، على السيارة، على الطائرة، على السفينة و ما شاكلها. و هناك أنواع أخر لا تختلف في الحكم الشرعي مع ما ذكر فلا داعي إلى إطالة الكلام بذكرها.

(مسألة 26): يشتمل عقد التأمين على أركان:

1- الإيجاب من المؤمن له.

2- القبول من المؤمن.

3- المؤمن عليه: الحياة، الأموال، الحوادث، و غيرها.

4- قسط التأمين الشهري و السنوي.

(مسألة 27): يعتبر في التأمين تعيين المؤمن عليه و ما يحدث له من خطر، كالغرق و الحرق و السرقة و المرض و الموت، و نحوها، و كذا يعتبر فيه تعيين قسط التأمين، و تعيين المدة بداية و نهاية.

(مسألة 28): يجوز تنزيل عقد التأمين- بشتى أنواعه- منزلة الهبة المعوّضة فإن المؤمن له يهب مبلغا معينا من المال في كل قسط إلى المؤمن، و يشترط عليه ضمن العقد تعهّده أنه على تقدير حدوث حادثة معينة نص عليها في الاتفاقية أن يقوم بتدارك الخسارة الناجمة له، و يجب على المؤمن الوفاء بهذا الشرط. و على هذا فالتأمين بجميع أقسامه عقد صحيح شرعا.

(مسألة 29): إذا تخلف المؤمن عن القيام بالشرط ثبت الخيار للمؤمن له و له- عندئذ- فسخ العقد و استرجاع قسط التأمين.

(مسألة 30): إذا لم يقم المؤمن له بتسديد (قسط التأمين) كما و كيفا فلا يجب على المؤمن القيام بتدارك الخسارات الناجمة له، كما لا يحق للمؤمن له استرجاع ما سدده من أقساط التأمين.

(مسألة 31): لا تعتبر في صحة عقد التأمين مدة خاصة، بل هي‌

436

تابعة لما اتفق عليه الطرفان (المؤمن و المؤمن له).

(مسألة 32): إذا اتفق جماعة على تأسيس شركة يتكون رأس مالها من أموالهم على نحو الاشتراك و اشترط كل منهم على الآخر في ضمن عقد الشركة أنه على تقدير حدوث حادثة (حدد نوعها) في ضمن الشرط على ماله أو حياته أو داره أو سيارته أو نحو ذلك أن تقوم الشركة بتدارك خسارته في تلك الحادثة من أرباحها وجب على الشركة القيام بذلك.

السرقفلية- الخلو

من المعاملات الشائعة بين التجار و الكسبة ما يسمى السرقفلية، و هي إنما تكون في محلات الكسب و التجارة، و الضابط في جواز أخذها و عدمه هو أنه في كل مورد كان للمؤجر حق الزيادة في بدل الإيجار أو تخلية المحل بعد انتهاء مدة الايجار، و لم يكن للمستأجر الامتناع عن دفع الزيادة أو التخلية لم يجز أخذها، و التصرف في المحل بدون رضا مالكه حرام. و أما إذا لم يكن للمالك حق زيادة بدل الايجار بغير الصورة المتعارفة في أمثاله و تخلية المحل و كان للمستأجر حق تخليته لغيره بدون إذن المالك جاز له- عندئذ- أخذ السرقفلية شرعا. و يتضح الحال في المسائل الآتية.

(مسألة 33): قبل صدور قانون منع المالك عن إجبار المستأجر على التخلية أو عن الزيادة في بدل الايجار، كان للمالك الحق في ذلك، فإن كانت الاجارة قد وقعت قبل صدور القانون المذكور، و لم يكن هناك شرط متفق عليه بين الطرفين بخصوص الزيادة أو التخلية إلا أن المستأجر استغل صدور القانون فامتنع عن دفع الزيادة أو التخلية، و قد زاد بدل إيجار أمثال المحل إلى حد كبير بحيث أن المحل تدفع السرقفلية على تخليته، فإنه لا يجوز للمستأجر- حينئذ- أخذ السرقفلية و يكون تصرفه في المحل بدون رضا المالك‌

437

غصبا و حراما.

(مسألة 34): المحلات المستأجرة بعد صدور القانون المذكور، قد يكون بدل إيجارها السنوي مائة دينار مثلا، إلا أن المالك- لغرض ما- يؤجرها برضى منه و رغبة بأقل من ذلك، و لكنه يقبض من المستأجر مبلغا كخمسمائة دينار مثلا و يشترط على نفسه في ضمن العقد- أن يجدد الإيجار لهذا المستأجر أو لمن يتنازل له المستأجر سنويا بدون زيادة و نقيصة، و إذا أراد المستأجر التنازل عن المحل لثالث أن يعامله نفس معاملة المستأجر، فحينئذ يجوز للمستأجر أن يأخذ لقاء تنازله عن حقه مبلغا يساوي ما دفعه إلى المالك نقدا أو أكثر أو أقل، و ليس للمالك مخالفته حسب الشرط المقرر.

(مسألة 35): المحلات التي تؤجر بلا سرقفلية، إلا أنه يشترط في عقد الايجار ما يأتي:

(1) ليس للمالك إجبار المستأجر على التخلية و للمستأجر حق البقاء في المحل.

(2) للمستأجر حق تجديد عقد الإجارة سنويا بالصورة التي وقع عليها في السنة الأولى أو بالصورة المتعارفة في أمثاله.

فإذا اتفق أن شخصا دفع مبلغا للمستأجر إزاء تنازله عن المحل و تخليته فقط حيث لم يكن له إلا حق البقاء، مع أن للمالك- بعد التخلية- الحرية في إيجار المحل، و الثالث يستأجر المحل من المالك، فعندئذ يجوز للمستأجر أخذ المبلغ المذكور و تكون السرقفلية لقاء التخلية فحسب لا بإزاء انتقال حق التصرف منه إلى ثالث.

فروع قاعدة الإلزام

(الأول): يعتبر الاشهاد في صحة النكاح عند العامة، و لا يعتبر عند‌

438

الإمامية و عليه فلو عقد رجل من العامة على امرأة بدون اشهاد بطل عقده، و عندئذ يجوز للشيعي أن يتزوجها بقاعدة الإلزام.

(الثاني): الجمع بين العمة أو الخالة و بين بنت أخيها أو اختها في النكاح باطل عند العامة، و صحيح على مذهب الشيعة، غاية الأمر تتوقف صحة العقد على بنت الأخ أو الاخت مع لحوق عقدها على اجازة العمة أو الخالة، و عليه فلو جمع سنّي بين العمة أو الخالة و بين بنت أخيها أو اختها في النكاح بطل، فيجوز للشيعي أن يعقد على كلّ منهما بقاعدة الإلزام.

(الثالث): تجب العدة على المطلقة اليائسة أو الصغيرة بعد الدخول بهما على مذهب العامة، و لا تجب على مذهب الخاصة، و على ذلك فهم ملزمون بترتيب أحكام العدة عليها بمقتضى القاعدة المذكورة. و عليه فلو تشيعت المطلقة اليائسة أو الصغيرة خرجت عن موضوع تلك القاعدة، فيجوز لها مطالبة نفقة أيام العدة إذا كانت مدخولا بها و كان الطلاق رجعيا و إن تزوجت من شخص آخر. و كذلك الحال لو تشيع زوجها فإنه يجوز له أن يتزوج باختها أو نحو ذلك، و لا يلزم بترتيب أحكام العدة عليها.

(الرابع): لو طلق السنّي زوجته من دون حضور شاهدين صح الطلاق على مذهبه كما أنه لو طلق جزء من زوجته كإصبع منها مثلا وقع الطلاق على الجميع على مذهبه، و أما عند الإمامية فالطلاق في كلا الموردين باطل و عليه فيجوز للشيعي أن يتزوج تلك المطلقة بقاعدة الإلزام بعد انقضاء عدتها.

(الخامس): لو طلق السنّي زوجته حال الحيض أو في طهر المواقعة صح الطلاق على مذهبه، و يجوز للشيعي أن يتزوجها بقاعدة الإلزام بعد انقضاء عدتها.

(السادس): يصح طلاق المكره عند أبي حنيفة دون غيره، و عليه فيجوز للشيعي أن يتزوج المرأة الحنفية المطلقة بإكراه بمقتضى قاعدة الإلزام.

439

(السابع): لو حلف السني على عدم فعل شي‌ء و إن فعله فامرأته طالق، و اتفق أنه فعل ذلك الشي‌ء، فعندئذ تصبح امرأته طالقا على مذهبه.

فيجوز للشيعي أن يتزوجها بمقتضى قاعدة الإلزام، و من هذا القبيل طلاق المرأة بالكتابة، فإنه صحيح عندهم و فاسد عندنا و بمقتضى تلك القاعدة يجوز للشيعي ترتيب آثار الطلاق عليه واقعا.

(الثامن): يثبت خيار الرؤية على مذهب الشافعي لمن اشترى شيئا بالوصف ثمّ رآه، و إن كان المبيع حاويا للوصف المذكور، و على هذا فلو اشترى شيعي من شافعي شيئا بالوصف ثمّ رآه ثبت له الخيار بقاعدة الإلزام و إن كان المبيع مشتملا على الوصف المذكور.

(التاسع): لا يثبت خيار الغبن للمغبون عند الشافعي، و عليه فلو اشترى شيعي من شافعي شيئا، ثمّ انكشف أن البائع الشافعي مغبون فللشيعي إلزامه بعدم حق الفسخ له.

(العاشر): يشترط عند الحنفية في صحة عقد السلم أن يكون المسلم فيه موجودا و لا يشترط ذلك عند الشيعة و عليه فلو اشترى شيعي من حنفي شيئا سلما و لم يكن المسلم فيه موجودا، جاز له إلزامه ببطلان العقد، و كذلك لو تشيع المشتري بعد ذلك.

(الحادي عشر): لو ترك الميت بنتا سنّية و أخا و افترضنا أن الأخ كان شيعيا أو تشيع بعد موته، جاز له أخذ ما فضل من التركة تعصيبا بقاعدة الإلزام، و إن كان التعصيب باطلا على المذهب الجعفري. و من هذا القبيل ما إذا مات و ترك أختا و عما أبويا، فإن العم إذا كان شيعيا أو تشيع بعد ذلك جاز له أخذ ما يصله بالتعصيب بقاعدة الإلزام، و هكذا الحال في غير ذلك من موارد التعصيب.

(الثاني عشر): ترث الزوجة على مذهب العامة من جميع تركة الميت‌

440

من المنقول و غيره و الأراضي و غيرها و لا ترث على المذهب الجعفري من الأرض لا عينا و لا قيمة، و ترث من الأبنية و الأشجار قيمة لا عينا، و على ذلك فلو كان الوارث سنيا و كانت الزوجة شيعية جاز لها أخذ ما يصل إليها ميراثا من الأراضي و أعيان الأبنية و الأشجار بقانون إلزامهم بما يدينون به.

هذه هي أم الفروع التي ترتكز على قاعدة الإلزام و بها يظهر الحال في غيرها من الفروع، و الضابط هو أن لكل شيعي أن يلزم غيره من أهل سائر المذاهب بما يدينون به و يلزمون به أنفسهم.

أحكام التشريح

(مسألة 36): لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم فلو فعل لزمته الدية على تفصيل ذكرناه في كتاب الديات.

(مسألة 37): يجوز تشريح بدن الميت الكافر بأقسامه. و كذا إذا كان إسلامه مشكوكا فيه بلا فرق في ذلك بين البلاد الإسلامية و غيرها.

(مسألة 38): لو توقف حفظ حياة مسلم على تشريح بدن ميت مسلم، و لم يمكن تشريح بدن غير المسلم و لا مشكوك الإسلام، و لم يكن هناك طريق آخر لحفظه ففي جوازه إشكال.

أحكام الترقيع

(مسألة 39): لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميت المسلم كعينه أو نحو ذلك لإلحاقه ببدن الحي، و في جوازه فيما لو توقف حفظ حياة مسلم عليه أو أوصى الميت بذلك إشكال، و كذا في جواز ترقيعه بعد القطع و ترتّب أحكام بدن الحي عليه و الأظهر ثبوت الدية على القاطع في جميع‌

441

الفروض، و لا بأس بقطع شي‌ء من عضو إنسان للترقيع بعضوه الآخر.

(مسألة 40): هل يجوز قطع عضو من أعضاء إنسان حي للترقيع إذا رضي به؟ فيه تفصيل: فإن كان من الأعضاء التي كالعين و اليد و الرجل و ما شاكلها مما يحسب قطعه ظلما و جناية على النفس لم يجز. و أما إذا كان من قبيل قطعة جلد أو لحم فلا بأس به. و هل يجوز له أخذ مال لقاء ذلك؟

الظاهر الجواز.

(مسألة 41): يجوز التبرع بالدم للمرضى المحتاجين إليه، كما يجوز أخذ العوض عليه.

(مسألة 42): يجوز قطع عضو من بدن ميت كافر للترقيع بباطن بدن المسلم، كما أنّه لا بأس بالترقيع كذلك بعضو من أعضاء بدن حيوان نجس العين كالكلب أو غيره.

التلقيح الصناعي

(مسألة 43): لا يجوز تلقيح المرأة بماء الرجل الأجنبي، سواء أ كان التلقيح بواسطة رجل أجنبي أو بواسطة زوجها، و لو فعل ذلك و حملت المرأة ثمّ ولدت فالولد ملحق بصاحب الماء و يثبت بينهما جميع أحكام النسب و يرث كل منهما الآخر، لأن المستثنى من الإرث هو الولد عن زنا، و هذا ليس كذلك، و إن كان العمل الموجب لانعقاد نطفته محرما كما أن المرأة أمّ له، و يثبت بينهما جميع أحكام النسب و نحوها. و لا فرق بينه و بين سائر أولادهما أصلا، و من هذا القبيل ما لو ألقت المرأة نطفة زوجها في فرج امرأة أخرى بالمساحقة أو نحوها، فحملت المرأة ثمّ ولدت، فإنه يلحق بصاحب النطفة.

(مسألة 44): يجوز أخذ نطفة رجل و وضعها في رحم صناعية‌

442

و تربيتها لغرض التوليد حتى يصبح ولدا، و بعد ذلك هل يلحق بصاحب النطفة؟ الظاهر أنه ملحق به و يثبت بينهما جميع أحكام الابوة و البنوة حتى الإرث، غاية الأمر أنه ولد بغير أم.

(مسألة 45): يجوز تلقيح الزوجة بنطفة زوجها نعم لا يجوز أن يكون المباشر غير الزوج إذا كان ذلك موجبا للنظر إلى العورة أو مسها.

و حكم الولد منه حكم سائر أولادهما بلا فرق أصلا.

أحكام الشوارع المفتوحة من قبل الدولة

(مسألة 46): ما حكم العبور من الشوارع المستحدثة الواقعة على الدور و الأملاك الشخصية للناس التي تستملكها الدولة جبرا و تجعلها طرقا و شوارع؟ الظاهر جوازه لأنها تصير من الأراضي الوسيعة، و أما الفضلات الباقية منها فهي لا تخرج عن ملك أصحابها، و عليه فلا يجوز التصرف فيها بدون إذنهم و لا شراؤها من الدولة إذا استملكتها غصبا إلا بإرضاء أصحابها.

(مسألة 47): المساجد الواقعة في الشوارع المستحدثة الظاهر أنها تخرج عن عنوان المسجدية. و على هذا فلا بد من التفصيل بين الأحكام المترتبة على عنوان المسجد الدائرة مداره وجودا و عدما، و بين الأحكام المترتبة على عنوان وقفيته. و من الأحكام الأولى حرمة تنجيس المسجد و وجوب إزالة النجاسة عنه و عدم جواز دخول الجنب و الحائض فيه و ما شاكل ذلك، فإنها أحكام مترتبة على عنوان المسجدية، فإذا زال انتفت هذه الأحكام و إن كان الأحوط ترتيب آثار المسجد عليه. و من الأحكام الثانية عدم جواز التصرف في موادها و فضلاتها كأحجارها و أخشابها و أرضها و نحو ذلك، و عدم جواز بيعها و شرائها، و يجوز في هذه الحالة صرف نفس‌

443

تلك المواد في تعمير مسجد آخر، و من ذلك يظهر حال المدارس الواقعة في تلك الشوارع و كذا الحسينيتات فإن أنقاضها كالأحجار و الأخشاب و الأراضي و غيرها لا تخرج عن الوقفية بالخراب و الغصب، فلا يجوز بيعها و شراؤها. نعم يجوز ذلك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله و صرف ثمنها في مدرسة أو حسينية أخرى مع مراعاة الأقرب فالأقرب، أو صرف نفس تلك الانقاض فيها.

(مسألة 48): يجوز العبور و المرور من أراضي المساجد الواقعة في الشوارع، و كذلك الحكم في أراضي المدارس و الحسينيات.

(مسألة 49): ما بقي من المساجد إن كان قابلا للانتفاع منه للصلاة و نحوه من العبادات ترتب عليه جميع أحكام المسجد، و إذا جعله الظالم دكانا أو محلا أو دارا بحيث لا يمكن الانتفاع به كمسجد، فهل يجوز الانتفاع به كما جعل أي دكانا أو نحوه فيه تفصيل، فإن كان الانتفاع غير مناف لجهة المسجد كالأكل و الشرب و النوم و نحو ذلك فلا شبهة في جوازه، و ذلك لأن المانع من الانتفاع بجهة المسجدية إنما هو عمل الغاصب. و بعد تحقق المانع و عدم إمكان الانتفاع بتلك الجهة لا مانع من الانتفاع به من جهات أخرى، نظير المسجد الواقع في طريق متروك التردد، فإنه لا بأس بجعله مكانا للزراعة أو دكانا. نعم لا يجوز جعله مكانا للأعمال المنافية لعنوان المسجد كجعله ملعبا أو ملهى و ما شاكل ذلك، فلو جعله الظالم مكانا لما ينافي العنوان لم يجز الانتفاع به بذلك العنوان.

(مسألة 50): مقابر المسلمين الواقعة في الشوارع إن كانت ملكا لأحد فحكمها حكم الأملاك المتقدمة، و إن كانت وقفا فحكمها حكم الأوقاف كما عرفت. هذا إذا لم يكن العبور و المرور عليها هتكا لموتى المسلمين و إلا فلا يجوز. و أما إذا لم تكن ملكا و لا وقفا، فلا بأس‌

444

بالتصرف فيها إذا لم يكن هتكا. و من ذلك يظهر حال الفضلات الباقية منها، فإنها على الفرض الأول لا يجوز التصرف فيها و شراؤها إلا بإذن مالكها، و على الفرض الثاني لا يجوز ذلك إلا بإذن المتولي و صرف ثمنها في مقابر أخرى للمسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب، و على الفرض الثالث يجوز ذلك من دون حاجة إلى إذن أحد.

مسائل الصلاة و الصيام

(مسألة 51): لو سافر الصائم جوا بعد الغروب و الافطار في بلده في شهر رمضان إلى جهة الغرب فوصل إلى مكان لم تغرب الشمس فيه بعد، فهل يجب عليه الإمساك إلى الغروب؟ الظاهر عدم الوجوب، حيث إنه قد أتم الصوم إلى الغروب في بلده، و معه لا مقتضي له كما هو مقتضى الآية الكريمة: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ ....

(مسألة 52): لو صلى المكلف صلاة الصبح في بلده، ثمّ سافر إلى جهة الغرب فوصل إلى بلد لم يطلع فيه الفجر بعد ثمّ طلع، أو صلى صلاة الظهر في بلده ثمّ سافر جوا فوصل إلى بلد لم تزل الشمس فيه بعد ثمّ زالت، أو صلى صلاة المغرب فيه ثمّ سافر فوصل إلى بلد لم تغرب الشمس فيه ثمّ غربت فهل تجب عليه إعادة الصلاة في جميع هذه الفروض؟

وجهان: الأحوط استحبابا الإتيان بها مرة ثانية.

(مسألة 53): لو خرج وقت الصلاة في بلده: كأن طلعت الشمس أو غربت و لم يصل الصبح أو الظهرين ثمّ سافر جوا فوصل إلى بلد لم تطلع الشمس فيه أو لم تغرب بعد فهل عليه الصلاة أداء أو قضاء أو بقصد ما في الذمة؟ فيه وجوه، الأحوط هو الاتيان بها بقصد ما في الذمة أي الأعم من الأداء و القضاء.

445

(مسألة 54): إذا سافر جوا و أراد الصلاة فيها، فإن تمكّن من الاتيان بها إلى القبلة واجدة لسائر الشرائط صحت، و إلا لم تصح إذا كان في سعة الوقت بحيث يتمكن من الاتيان بها إلى القبلة بعد النزول من الطائرة و أما إذا ضاق الوقت وجب عليه الإتيان بها فيها، و عندئذ إن علم بكون القبلة في جهة خاصة صلى نحوها، و إن لم يعلم صلى إلى الجهة المظنون كونها قبلة، و إلا صلى إلى أي جهة شاء، و إن كان الأحوط الإتيان بها إلى أربع جهات. هذا فيما إذا تمكن من الاستقبال، و إلّا سقط عنه.

(مسألة 55): لو ركب طائرة كانت سرعتها سرعة حركة الأرض و كانت متجهة من الشرق إلى الغرب و دارت حول الأرض مدة من الزمن، فالأحوط الاتيان بالصلوات الخمس في كل أربع و عشرين ساعة. و أما الصيام فالظاهر عدم وجوبه عليه. و ذلك لأن السفر المذكور إن كان في الليل فواضح و إن كان النهار فلعدم الدليل على الوجوب في مثل هذا الفرض.

و أما إذا كانت سرعتها ضعف سرعة الأرض، فعندئذ- بطبيعة الحال- تتم الدورة في كل اثنتي عشر ساعة و في هذه الحالة هل يجب عليه الاتيان بصلاة الصبح عند كل فجر و بالظهرين عند كل زوال و بالعشاءين عند كل غروب؟ فيه وجهان الأحوط بل الأظهر الوجوب. نعم لو دارت حول الأرض بسرعة فائقة بحيث تتم كل دورة في ثلاث ساعات مثلا أو أقل، فعندئذ إثبات وجوب الصلاة عليه عند كل فجر و زوال و غروب بدليل مشكل جدا، فالأحوط الاتيان بها في كل أربع و عشرين ساعة، و من هنا يظهر حال ما إذا كانت حركتها من الغرب إلى الشرق و كانت سرعتها مساوية لسرعة حركة الأرض. و في هذه الحالة الأظهر وجوب الاتيان بالصلوات في أوقاتها و كذا الحال فيما إذا كانت سرعتها أقل من سرعة الأرض. و أما إذا كانت سرعتها أكثر من سرعة الأرض بكثير بحيث تتم الدورة في ثلاث ساعات مثلا أو أقل، فيظهر حكمه مما تقدم.

446

(مسألة 56): من كانت وظيفته الصيام في السفر و طلع عليه الفجر في بلده، ثمّ سافر جوا ناويا للصوم و وصل إلى بلد آخر لم يطلع الفجر فيه بعد، فهل يجوز له الأكل و الشرب و نحوهما الظاهر جوازه بل لا شبهة فيه، لعدم مشروعية الصوم في الليل.

(مسألة 57): من سافر في شهر رمضان من بلده بعد الزوال، و وصل إلى بلد لم تزل فيه الشمس بعد، فهل يجب عليه الإمساك و إتمام الصوم؟ الظاهر وجوبه، حيث أنه مقتضى اطلاق ما دل على أن وظيفة من سافر من بلده بعد الزوال هو إتمام الصوم إلى الليل.

(مسألة 58): إذا فرض كون المكلف في مكان نهاره ستة أشهر و ليله ستة أشهر مثلا و تمكن من الهجرة إلى بلد يتمكن فيه من الصلاة و الصيام وجبت عليه. و إلا فالأحوط هو الاتيان بالصلوات الخمس في كل أربع و عشرين ساعة.

أوراق اليانصيب

و هي أوراق تبيعها شركة بمبلغ معين، و تتعهد بأن تقرع بين المشترين فمن أصابته القرعة تدفع له مبلغا بعنوان الجائزة، فما هو موقف الشريعة من هذه العملية و تخريجها الفقهي، و هو يختلف باختلاف وجوه هذه العملية.

(الأول): أن يكون شراء البطاقة بغرض احتمال إصابة القرعة باسمه و الحصول على الجائزة، فهذه المعاملة محرّمة و باطلة بلا إشكال. فلو ارتكب المحرّم و أصابت القرعة باسمه، فإن كانت الشركة حكومية، فالمبلغ المأخوذ منها مجهول المالك، و جواز التصرف فيه متوقف على إذن الحاكم الشرعي أو وكيله، و إن كانت أهلية لم يجز التصرف فيه، إذ الشركة قد دفعته إليه بما أنه صار ملكه بالقرعة.

447

(الثاني): أن يكون إعطاء المال مجانا و بقصد الاشتراك في مشروع خيري لا بقصد الحصول على الربح و الجائزة، فعندئذ لا بأس به، ثمّ إنه إذا أصابت القرعة باسمه، و دفعت الشركة له مبلغا فلا مانع من أخذه بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله إن كانت الشركة حكومية، و إلا فلا حاجة إلى الاذن.

(الثالث): أن يكون دفع المال بعنوان إقراض الشركة بحيث تكون ماليتها له محفوظة لديها، و له الرجوع إليها في قبضه بعد عملية الاقتراع، و لكن الدفع المذكور مشروط بأخذ بطاقة اليانصيب على أن تدفع الشركة له جائزة عند إصابة القرعة باسمه، فهذه المعاملة محرّمة لأنها من القرض الربوي.

و الحمد للّه أولا و آخرا.