كلمة التقوى - ج5

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
421 /
51

الفصل الثاني في بعض أحكام الجعالة

(المسألة 16):

يجوز للجاعل أن يفسخ جعالته التي أنشأها و ألزم نفسه بدفع العوض للعامل فيها سواء بدأ العامل بالعمل المقصود، أم لم يتلبّس بشي‌ء منه و لم يشرع بشي‌ء من مقدماته، فإذا فسخ الجاعل جعالته قبل أن يبدأ العامل بالعمل و قبل أن يشرع في مقدّماته، لم يستحق العامل على الجاعل شيئا من العوض المسمّى في الجعالة و لا من أجرة المثل.

و إذا فسخ الجاعل جعالته بعد ما بدأ العامل بمقدمات العمل المقصود للجاعل، فشرع في طلب الشي‌ء المفقود، أو العبد الآبق أو الدابة الضالة ليردّها الى صاحبها و لم يجدها بعد، فإذا فسخ الجاعل و نقض التزامه في هذا الحال لم يستحق العامل عليه شيئا من العوض المسمّى لبطلان الجعالة بفسخها، و لكنه يستحق منه أجرة المثل لما قام به من الطلب و أتى به من المقدمات.

و إذا فسخ الجاعل جعالته بعد ما بدأ العامل في العمل نفسه، فأخذ في خياطة الثوب الذي جعل عليه العوض أو في نسخ الكساء أو في كتابة الكتاب، لم يستحق العامل على الجاعل شيئا من العوض المسمّى كما تقدم في نظيره و استحق عليه اجرة المثل للمقدار الذي أتى به و أنجزه من العمل.

52

(المسألة 17):

يجوز للعامل في الجعالة أن يترك العمل فيها للجاعل قبل أن يبدأ به و بمقدماته، و بعد ما يتلبّس به و يشرع، فيرفع يده عما قام به من العمل و لا يتمه و إذا هو ترك العمل كذلك لم يستحق على الجاعل شيئا من العوض المسمّى في الجعالة و لا أجرة المثل، و ان كان الأحوط استحبابا للجاعل أن يصالحه بشي‌ء من المال إذا كان قد أو جد له بعض العمل المقصود، و أحوط من ذلك أن يتراضى الطرفان و يتصالحا في جميع الفروض المذكورة في هذه المسألة و المسألة السابقة عليها.

(المسألة 18):

إذا أوقع الجاعل جعالته و ألزم نفسه بمقتضاها، بأن يؤدي للعامل العوض المسمّى الذي ذكره في الجعالة إذا هو أتى له بالعمل المقصود، ثم أتى العامل بذلك العمل وفقا لما طلب، استحق العامل عليه أن يدفع اليه العوض، سواء علم العامل بالجعالة أم لم يعلم بها و لم يطلع عليها.

فإذا قال الجاعل: من تزوج فاطمة بنت زيد دفعت له نصف صداقها، ثم تزوجها خالد، استحق خالد بزواجها العوض المعين من الجاعل، و ان كان لا يعلم بجعالته قبل التزوج بها، و إذا قال الجاعل: من كتب لي هذا الكتاب فله على مائة دينار، فكتب خالد له الكتاب استحق عليه الجعل، و ان لم يدر بإيقاع الجاعل قبل أن يتم الكتاب، و إذا قال: من ردّ لي ضالتي فله عندي عشرون دينارا فردّها عليه العامل استحق العوض و ان لم يبلغه نبأ الجعالة، و هكذا، نعم يشترط في استحقاقه للجعل أن لا يكون متبرعا بعمله، فإذا قصد التبرع به لم يستحق عليه شيئا.

53

و قد اشترط بعض الأكابر من العلماء في استحقاق العامل للعوض المسمّى في الجعالة أن يكون إتيانه بالعمل لأجل تحصيل العوض، و من أجل اشتراطه لذلك اعتبر فيه أن يكون عالما بإيقاع الجعالة ليقصد تحصيل العوض بعمله و إطلاقات الأدلة و النصوص تدفع هذا القول و تنفي هذا الشرط، فإذا أتى العامل بالعمل و وافق غرض الجاعل استحق العوض المسمّى إذا لم يكن متبرعا بفعله.

(المسألة 19):

تختلف الجعالة باختلاف الملاحظات التي يلاحظها الجاعل للعمل المقصود الذي التزم بدفع العوض عنه، و هي تختلف كذلك باختلاف الأعمال التي يطلبها من العامل في وفائها بالغرض المطلوب، فبعض الأعمال يكون وفاؤها بالغرض بإتمام العمل نفسه، فإذا قال الجاعل للرجل: إذا تزوجت بفاطمة دفعت إليك نصف صداقها، أو قال للطبيب: إذا عالجت زيدا فأبرأته من مرضه دفعت إليك مبلغ كذا، يكون المدار على إتمام العمل نفسه، فإذا أتمه العامل فتزوج بفاطمة في المثال الأول و ابرأ المريض من مرضه في المثال الثاني استحق العوض.

و إذا قال للكاتب: ان كتبت لي هذا الكتاب فلك عندي عشرون دينارا، أو قال للخياط: إذا خطت لي هذا الثوب فلك على عشرة دنانير، اتبع ظهور كلمة الجعالة فإن علم أو ظهر من الصيغة و لو بسبب القرينة الحافة بالقول ان الأمر المجعول عليه هو أن يتم العامل العمل و يسلّمه كان المدار عليه، فإذا أتم العمل و سلّمه لصاحبه استحق العوض، و ان لم يعلم و لم يظهر منها اعتبار التسليم كان المدار على إتمام العمل وحده، فإذا أتم العمل استحق العوض و ان لم يسلّمه، و لعل الظاهر ان العمل حين يكون متعلقا بعين مملوكة يكون دالا على اعتبار التسليم للعين بعد إتمام‌

54

العمل فيها، كالجعالة على خياطة الثوب، و على كتابة الكتاب، و نسج الكساء، فيكون المدار على تسليم العين بعد إتمام العمل.

و كذلك إذا قال: من ردّ على سيارتي المفقودة أو عبدي الآبق فله علي كذا من المال، فالمتّبع فيها ظهور كلمة الجاعل، فان علم أو ظهر من الصيغة أنه يريد من الردّ إيصال المفقود الى البلد، أو الى موضع معين اكتفى بذلك، فإذا أوصل العامل المفقود الى الموضع استحق العوض، و ان فقد أو سرق بعد ذلك، و ان دلت القرينة على اعتبار تسليمه الى صاحبه كان المدار عليه، و لعل الظاهر في الأمثلة التي ذكرناها هو ذلك فلا بدّ فيها من التسليم.

و إذا قال من دلّني على المفقود أو المسروق أو الآبق، فالظاهر أن المراد مجرد الدلالة عليه و اخباره بموضعه، فيستحق العامل العوض بذلك.

(المسألة 20):

إذا أوقع الإنسان صيغة الجعالة، و قام العامل بالعمل المطلوب، و حصل به على الغرض المقصود للجاعل على الوجه الذي تقدم بيانه، استحق العامل العوض من الجاعل، و سقطت بذلك الجعالة فإذا قام عامل أخر بالعمل بعد ذلك لم يستحق على الجاعل عوضا لسقوط الجعالة.

و كذلك إذا عين الجاعل لجعالته وقتا محدودا، فإذا انتهى الوقت سقطت الجعالة، و لا يستحق العامل في عمله بعد ذلك عوضا.

و يستثنى من ذلك: ما إذ أنشأ الجاعل جعالات متعددة بإيقاع واحد، كما سبق بيانه في المسألة الرابعة عشرة، فإذا أتى بعض العمال بالعمل المقصود في بعض هذه الجعالات المتعددة، فسقط ذلك البعض لحصول الغرض المقصود فيه،

55

لم تسقط بذلك بقية الأفراد الأخرى من الجعالة، فيجوز لعامل أخر أن يعمل فيها إذا كان وقتها باقيا، فيحصّل الغرض و يستحق به العوض.

(المسألة 21):

إذا أوقع الرجل الجعالة لعامل خاص، فشاركه غيره في العمل حتى أتماه معا، استحق العامل الخاص الذي عيّنه الجاعل من العوض المسمّى بمقدار عمله و سقط منه ما يقابل عمل الآخر، فان كان الشخص الذي شاركه في العمل واحدا و كان عملهما متساويا، استحق العامل المعيّن نصف العوض، و ان كانا اثنين استحق هو الثلث، و هكذا و ان تفاوتوا في عملهم استحق العامل المعين من العوض بنسبة عمله و لم يستحق شركاؤه الآخرون على عملهم شيئا في جميع الصّور، لا من العوض المسمّى، و لا أجرة المثل، و هذا إذا كان الجاعل قد اشترط على العامل أن يتولى العمل بنفسه بنحو المباشرة.

و إذا كان قد اكتفى منه بأن يحصل العمل بواسطته- و لو بالتسبيب أو الاستنابة منه أو التبرع له- و كان العمّال الآخرون قد شاركوه بقصد المعونة له أو النيابة عنه، استحق العامل جميع العوض المسمّى له في الجعالة.

(المسألة 22):

إذا أنشئت الجعالة على أن يقوم العامل بجميع العمل و يتمه إلى أخره، و كان في رفع العامل يده عن العمل قبل إكماله ضرر على الجاعل، لم يجز للعامل أن يترك العمل في أثنائه، و يجب عليه أن يتمه إذا كان قد شرع فيه، و يجوز له تركه قبل أن يبدأ به.

و من أمثلة ذلك: أن ينشئ الجاعل الجعالة للطبيب أو الجراح على أن‌

56

يجري له عملية جراحية في عينه، أو في بعض أجهزته الأخرى، أو في أحد أعضائه، فلا يجوز للطبيب أن يترك العمل بعد أن يبتدئ به، لما في ذلك من الضرر الكبير على المريض، و إذا هو ترك العمل بعد أن ابتدأ به لم يستحق عوضا و لا أجرة مثل لما أتى به من أبعاض العمل و مقدّماته، فإن الجعالة- كما فرضنا- انما وقعت على أن يتم العمل الى نهايته، و إذا كان رجوع العامل أو الطبيب أو الجراح في الأثناء سببا لتلف شي‌ء، أو حدوث عيب، أو نقص في عضو من أعضاء المريض أو خلل أو تعطيل في جهاز من أجهزته، كان العامل ضامنا له.

(المسألة 23):

إذا قال الجاعل: من ردّ على مالي المفقود دفعت اليه كذا من المال، فرد شخص اليه عين ماله، فإنما يستحق هذا الرّاد على الجاعل العوض، إذا كان في ردّ ذلك المال الى صاحبه كلفة و مؤنة يعد الردّ بسببهما عملا في نظر أهل العرف، كما في ردّ الدابة الضالّة و العبد الآبق و السيارة المفقودة و نحوها، و إذا كان ردّ ذلك المال الى صاحبه لا يحتوي على كلفة، و لا يفتقر إلى مؤنة و جهد، و لم يعدّ في نظر أهل العرف عملا، فلا يستحق الرادّ عليه عوضا، كما إذا وجد في المكان أو في الطريق محفظة نقوده، فأخذها و ردّها الى صاحبها من غير طلب و لا تعب أو بذل جهد.

و إذا اتفق أن المال المذكور بيد غاصب و سمع بالجعالة على ردّه من مالك المال، فردّه الى الجاعل لم يستحق على ردّه اليه عوضا، و ان كان ردّه اليه يستوجب كلفة و مؤنة، و يعدّ من أجل ذلك عملا في نظر أهل العرف، لأن ردّ المال المغصوب الى مالكه واجب على الغاصب، و يجب عليه أن يتحمّل الكلفة و المؤنة‌

57

في ردّه اليه، مهما بلغت.

(المسألة 24):

إذا قال الرجل: من دلني على مالي الذي أضعته فله عندي كذا، و كان المال الضائع بيد شخص، فدلّه ذلك الشخص على ماله استحق عليه العوض المسمّى إذا كانت الدلالة عليه تحتوي على كلفة أو تحتاج إلى مؤنة، كما قلنا في المسألة السابقة، فيستحق العوض على الجاعل إذا لم تكن يده على المال يد غاصبة، و ان كانت دلالة صاحب المال على ماله واجبة على من بيده المال، و ذلك لأنها من الواجبات التي لم يعتبر الشارع فيها أن تقع من المكلف بها بغير عوض من أحد كالعبادات، و كردّ الغاصب المال المغصوب الى صاحبه.

(المسألة 25):

إذا قال الرجل: من خاط لي هذا الثوب دفعت له دينارا، ثم قال بعد ذلك: من خاط لي هذا الثوب دفعت له دينارين، و هو يعنى الثوب الأول نفسه، فان دلت القرينة على أن جعالته الثانية عدول عن الجعالة الأولى و فسخ لها، كان العمل على الثانية سواء كان العوض المجعول فيها أكثر من العوض الذي ذكره في الأولى كما في المثال المتقدم أم أقل منه.

و إذا لم تدل القرينة على شي‌ء أشكل الحكم في الفرض، فلعلّ الجاعل عدل من الأولى الى الثانية كما تقدم، و لعله نسي جعالته الأولى فأوقع الثانية، و لعله أضاف إلى الجعل الأول جعلا ثانيا، و لا يترك الاحتياط بالرجوع إلى المصالحة بين الجاعل و العامل، إذا أتى بالعمل بعد الجعالتين.

(المسألة 26):

58

إذا جعل الرجل ثلاث جعالات لثلاثة اشخاص مختلفين على عمل معين واحد، فقال: ان أرجع لي ضالتي زيد دفعت له دينارا واحدا، و ان أرجعها لي عمرو دفعت له دينارين، و ان أرجعها لي خالد دفعت له ثلاثة دنانير، ثم ردّ الضالة عليه أحد هؤلاء الأشخاص، استحق عليه الجعل الخاص الذي عيّنه له، و إذا اشترك الثلاثة جميعا في العمل فردّوا عليه ضالته استحق الأول منهم- و هو زيد- ثلث العوض الذي جعله له و هو الدينار، و استحق الثاني- و هو عمرو- ثلث عوضه المجعول له و هو الديناران، و استحق الثالث- و هو خالد- ثلث عوضه المجعول له و هو الثلاثة دنانير، و هكذا إذا زادوا في العدد فكانوا أربعة فلكل واحد منهم الربع من العوض الخاص المعيّن له، أو كانوا خمسة فللواحد منهم خمس جعله، و هذا إذا كانوا متساوين في عملهم.

و إذا تفاوتوا في العمل استحق كل واحد بنسبة عمله الى مجموع أعمالهم جميعا، و يأخذ تلك النسبة من جعله المعيّن له، و من أمثلة المسألة أن تحدث مخاصمة في أمر بين إخوة ثلاثة، و يريد الجاعل أن يوقع الصلح بينهم و رفع الشحناء فيقول: ان سبق زيد و هو الأخ الصغير منهم الى مصالحة أخويه فله علي خمسة دنانير، و ان سبق عبد اللّه- و هو الأوسط- فله على عشرة دنانير، و ان سبق أحمد- و هو الكبير- الى مصالحة أخويه فله على خمسة عشر دينارا، فيجري فيهم الحكم المتقدم، فأيهم سبق إلى المصالحة استحق العوض الخاص الذي قرره الجاعل له، و إذا سبقوا جميعا استحق كل واحد منهم ثلث الجعل المحدّد له من الجاعل.

59

(المسألة 27):

إذا قال الرجل: من رد لي سيارتي المفقودة من كربلاء فله عندي مائة دينار و اتفق للعامل أن وجد السيارة في موضع دون تلك المسافة، فردّها من ذلك الموضع، فقد يعلم أو يظهر من القرائن الموجودة: أن مراد الجاعل أن تردّ السيارة المسروقة إليه من اي مكان اتفق وجودها فيه، و قد جعل العوض لمن ردّها اليه من أي مكان أو مسافة كانت، و انما ذكر كربلاء أو بغداد- مثلا- لأنه يعتقد أو يظن أن السيارة توجد في ذلك البلد، و لا ينبغي الريب أن العامل في هذه الصورة يستحق على الجاعل جميع العوض الذي سمّاه، و لا ينقص منه شي‌ء بسبب نقص المسافة.

و قد يعلم أو يظهر من القرائن: ان الجاعل قد جعل العوض المعيّن لمن ردّ السيارة من المسافة المذكورة في الجعالة، و ان لأجزاء المسافة قسطا من العوض و إذا قصرت المسافة نقص العوض، فإذا ردّ العامل السيارة المسروقة من بعض المسافة فإنما يستحق من العوض المسمّى بمقدار عمله و سفره في الطلب و الردّ و لا يستحق الباقي، فإذا ردّها اليه من ربع المسافة دفع اليه ربع الجعل خاصة، و إذا ردّها من ثلث المسافة دفع اليه الثلث.

و قد يعلم أو يظهر من القرائن أن الجعالة مقيّدة لمن ردّ السيارة من كربلاء و لا تشمل من ردّها من غير البلد المذكور، فإذا ردّ العامل السيّارة من بعض المسافة لم يستحق من العوض المسمّى شيئا، و ثبتت له أجرة المثل لما أتى به من العمل و ان لم يعلم و لم يظهر من القرائن شي‌ء من ذلك، و دار الأمر في ان العامل استحق الأقل أو الأكثر دفع الجاعل إليه الأقل، و الأحوط الرجوع الى المصالحة بينهما‌

60

(المسألة 28):

إذا أتى العامل بالعمل و طالب المالك بالعوض عن عمله، و قال له: انك جعلت لي عوضا إذا أنا أتيت لك بهذا الفعل، و أنكر المالك الجعالة، فالقول قول المالك مع يمينه لأنه منكر.

و كذلك إذا قال العامل له: إنك أمرتني بأن أعمل لك و قد فعلت كما أمرتني فانا استحق عليك أجرة المثل لفعلي، و أنكر المالك انه أمره بشي‌ء، فإذا حلف المالك على نفي ما يقوله العامل لم يستحق العامل عليه شيئا في الصورتين.

(المسألة 29):

إذا ضلت من الرجل دابتان، فردّ العامل عليه إحداهما، و طالبه بالعوض و قال له: انك جعلت لي جعلا إذا أنا رددت إليك هذه الدابة، و أنكر المالك قوله، و قال: اني لم أجعل عوضا على ردّ هذه الدابة، و انما جعلت عوضا على ردّ الدابة الأخرى فالقول قول المالك مع يمينه، فإذا حلف على نفي ما يدعيه العامل لم يستحق منه شيئا.

و كذلك إذا أنكر دعوى العامل و قال: اني لم اجعل عوضا على ردّ هذه الدابة وحدها، و قد جعلت عوضا لمن ردّ الدابتين الضالتين معا، فيقدم قول المالك مع يمينه، فإذا حلف لم يستحق العامل عليه العوض الذي يدعيه، و الأحوط للمالك في هذه الصورة- بعد يمينه و ردّ دعوى العامل- أن يصالحه بقسط من العوض فإنه قد ردّ احدى الدابتين، و هو بعض المجموع و قد اعترف بالجعالة عليه.

(المسألة 30):

إذا اتفق المالك الذي أنشأ الجعالة و العامل الذي أتى بالعمل على وقوع‌

61

الجعالة على الإتيان بالعمل المعيّن، ثم اختلفا في مقدار العوض المجعول فيها فادعى أحدهما مقدارا معيّنا، و أنكر الآخر ذلك، فادعى أن المقدار الذي ذكره الأول يزيد على العوض المجعول، فالقول قول من ينكر الزيادة مع يمينه، و منكر الزيادة في الغالب هو المالك الجاعل، فإذا حلف المنكر على نفي الزيادة لم يستحقها العامل، و كان له المقدار الأقل لاتفاق الطرفين على صدور الجعالة، و على أن العامل قد استحق هذا المقدار بعمله.

و إذا وقع الاختلاف بينهما في مضمون أصل الجعالة فقال المالك: انها انما وقعت على المقدار الخاص الذي يدعيه هو، و لم تقع على المقدار الذي يدعيه العامل، و قال العامل: ان الجعالة صدرت على ما يدعيه هو و لم تصدر بينهما جعالة على المقدار الذي يزعمه الجاعل، كان ذلك من التداعي، فكل واحد منهما مدّع و منكر، و الحكم في مثل ذلك هو التحالف من الجانبين، فإذا حلف كل واحد منهما على نفي ما يقوله الآخر سقطت الدعويان معا و استحق العامل على عمله الذي أتى به أجرة المثل.

و إذا اتفق ان ما يدعيه العامل في أصل دعواه أقل من أجرة المثل التي حكم بها شرعا، لم يجز له ان يأخذ الزيادة من أجرة المثل على ما يدعيه، فإنه يعترف بأنه لا يستحقها، و إذا اتفق أن ما يدعيه الجاعل في أصل دعواه أكثر من أجرة المثل وجب عليه ان يوصل هذه الزيادة إلى العامل، فإنه قد اعترف بأن هذه الزيادة للعامل و قد استحقها بعمله.

(المسألة 31):

إذا رجعت الدابة الضالة مثلا إلى حظيرة المالك الجاعل أو اصطبله، فقال‌

62

العامل: اني قد طلبت الدابة و انا الذي رددتها إليك، فانا استحق الجعل المعيّن و أنكر المالك ذلك، و قال له: انك لم تسع، و لم تطلب الضالة، و قد رجعت الدابة بنفسها، أو قال له: ان الدابة قد وقعت في يدك من غير طلب و لا كلفة فلا تستحق على ردّها شيئا، فالقول قول المالك مع يمينه، فإذا حلف لم يستحق العامل شيئا.

(المسألة 32):

إذا أنشئت الجعالة على عوض معين و أتى العامل بالعمل، ثم اختلف المالك و العامل بينهما، فقال أحدهما: ان الجعالة قد وقعت فاسدة و ادّعى الآخر صحتها فالقول قول من يدّعي الصحة فيها، و مثال ذلك: أن يأتي العامل بالعمل، ثم يدّعي فساد الجعالة ليأخذ على عمله أجرة المثل، و هي أكثر من العوض المسمّى له في الجعالة، أو يدّعي المالك فساد الجعالة لتكون للعامل أجرة المثل على عمله و هي أقل من العوض المسمّى، فالقول قول من يدعي الصحة منهما.

63

الفصل الثالث في التأمين

(المسألة 33):

التأمين اتفاق خاص يقع بين شخص أو أشخاص معيّنين من جهة، و شركة أو مؤسّسة معيّنة كذلك من جهة أخرى، تلتزم الشركة أو المؤسّسة المذكورة بموجب هذا الاتفاق، و تتعهد بأن تعوّض ذلك الشخص، أو الأشخاص المعيّنين عن خسارة يحتمل وقوعها لذلك الشخص أو الأشخاص، الذين اتفقت معهم من تلف أو عطب، أو حدوث نقص أو عيب، أو غير ذلك مما يعدّ خسارة في نفس ذلك الشخص أو الأشخاص أو أبدانهم أو في نفوس آخرين من متعلقيهم، أو في بعض ما يملكه الشخص أو الأشخاص من منزل أو عقار أو أثاث أو معامل أو وسائل نقل حسب ما يتفق عليه الجانبان، و حسب ما تحدده بوليصة التأمين، و تعيّنه الوثيقة من أنواع الخسارة و أسبابها.

فإذا حدثت للجانب المتفق معه تلك الخسارة المحدّدة، فالشركة أو المؤسّسة ملتزمة و متعهدة بدفع العوض عن الخسارة للجانب المتفق معه إذا كان موجودا، و لورثته إذا كان مفقودا.

و في مقابل التزام الشركة أو المؤسّسة له بذلك أن يلتزم الجانب الآخر للمؤسّسة أو الشركة بمبلغ معلوم من المال يدفعه إليها مرة واحدة، أو أقساطا على مقادير و مواعيد يعينها الطرفان، و يوقعان عليها في الوثيقة التي تكتب بينهما.

64

و قد كان هذا الاتفاق في بداءة أمره معاملة قانونية خاصة، ثم شاعت و اعتيدت و تعارفت بين الناس و أهل المعرفة منهم، حتى أصبحت معاملة عرفية متعارفة بين الناس خاصتهم و عامتهم، ثم كانت معاملة شرعية فإذا جرى الطرفان في اتفاقهما و التزامها و القيود في المعاملة بينهما، على الموازين الصحيحة في الشريعة، تناولتها الأدلة و العمومات، من الكتاب و السنة و صحت و نفذت، و قد ذكرنا التأمين و بعض أحكامه في مبحث التأمين من رسالتنا في المسائل المستحدثة، فلتراجع.

(المسألة 34):

إذا حدّد طالب التأمين و الشركة أو المؤسّسة المتعهدة به موضوع التأمين الذي يقصدان إيقاعه بينهما، و عينا الشروط و الأقساط و المواعيد لدفعها، أمكن لهما أن يجريا المعاملة بينهما بصورة هبة معوضة، فيقول طالب التأمين للوكيل المفوّض من الشركة المتعهدة: و هبت الشركة مبلغ كذا من مالي أدفعه لها أقساطا محدودة في المواعيد المعيّنة ما بيننا، و اشترطت على الشركة أن تقوم بدفع العوض عن الخسارة أو الخسارات التي قد تحدث لي، و التي قد عيناها ما بيننا في وثيقة الاتفاق، فيقول وكيل الشركة: قبلت الهبة منك بالوكالة عن الشركة على الشرط المذكور.

(المسألة 35):

يصح للمتعاملين في التأمين أن يجريا المعاملة بينهما بصورة المصالحة بعوض، فيقول طالب التأمين لوكيل الشركة أو المؤسّسة المفوض منها، بعد ضبط الشروط و القيود في المعاملة و تعيين الأقساط و المواعيد في دفع المال: صالحتك‌

65

بحسب وكالتك عن الشركة بمبلغ كذا من مالي، أدفعه للشركة أقساطا في المواعيد التي اتفقنا عليها، على أن تعوّضني الشركة عن الخسارة التي قد تحدث لي حسب ما حدّدناه بيننا في الوثيقة، فيقول الوكيل: قبلت المصالحة عن الشركة على الشرط المذكور.

و يصح أن يبتدئ الوكيل في المعاملة فيقول لطالب التأمين: صالحتك بأن تتعهد لك الشركة بتعويضك عن الخسارة المعيّنة إذا حدثت لك، على أن تدفع أنت للشركة المبلغ المعلوم ما بيننا من مالك، في اقساطه و مواعيده المعيّنة في الوثيقة فيقول طالب التأمين: قبلت المصالحة منك على الشرط المذكور.

(المسألة 36):

يصح أن تجرى معاملة التأمين بين الجانبين بصورة عقد مستقلّ عن العقود و المعاملات الأخرى، و ليس تابعا لشي‌ء منها، و يشترط في صحة هذا العقد أن تجتمع فيه جميع الشروط العامة التي يشترطها الشارع في صحة العقود و المعاملات الشرعية الأخرى، فلا بدّ فيه من الإيجاب و القبول التأمين الدالّين على المعنى المراد، و يشترط فيه أن يكون كل من الموجب و القابل فيه بالغا عاقلا رشيدا، غير محجور عليه في تصرّفه لسفه أو غيره من موجبات الحجر، و أن يكون مختارا في فعله غير مكره عليه، و قاصدا لما يقوله و ينشئه، فلا يكون سكران، و لا هازلا، و لا غاضبا غضبا يخرجه عن القصد.

فيقول وكيل الشركة المفوض من قبلها في التصرف لطالب التأمين: أمنت نفسك مثلا أو أمنت دارك و تعهّدت لك بالوكالة عن الشركة بأن تعوّضك عن الإضرار أو الخسارات المعيّنة في الوثيقة إذا حدثت لك، على أن تؤدي أنت‌

66

للشركة مبلغا من مالك قدره كذا، تدفعه على الاقساط المعيّنة في أوقاتها المعلومة، وفقا للشروط و التحديدات في وثيقة التأمين، فيقول طالب التأمين: قبلت التأمين لنفسي أو لداري- مثلا- على الشروط المقرّرة و الحدود المبينة.

و يجوز أن يكون الإيجاب من طالب التأمين فيقول للوكيل: أمّنت عند الشركة نفسي أو أمّنت عندها داري مثلا بأن تعوضني الشركة عن الخسارة، أو الضرر الذي قد يحدث لي في ذلك على أن أدفع للشركة المبلغ المعلوم ما بيننا في أقساطه و مواعيده، فيقول الوكيل: قبلت ذلك بوكالتي عن الشركة على النهج المعلوم.

(المسألة 37):

لا يتعين في عقد التأمين أن يقع الإيجاب و القبول فيه بلفظ معيّن، فيكفي في صحة العقد أن ينشأ الإيجاب و القبول فيه بأي لفظ يكون دالا على المعنى المذكور، و ان كان بغير اللغة العربية إذا أدّى اللفظ المعنى المراد في عرف أهل تلك اللغة، و كان الموجب و القابل عارفين بتلك اللغة.

و يكفي أن يقع الإيجاب و القبول بالكتابة، إذا قصد بها إنشاء المعنى و قصد بها إيقاع العقد من كلّ من الموجب و القابل، و يصح أن يكون الإيجاب بالكتابة و القبول بالتلفظ و بالعكس.

(المسألة 38):

إذا تم عقد التأمين على الوجه المطلوب بين الموجب و القابل وجب على كل واحد منهما الوفاء بما يقتضيه العقد من لوازم و واجبات و أثار، فهو من العقود‌

67

اللازمة و لا يجوز لأحد المتعاقدين فسخه و الرجوع عنه، الا إذا تقايل الطرفان و اتفقا باختيارهما معا على فسخه كما في جميع العقود، و الا إذا كان أحد الجانبين قد اشترط على صاحبه الخيار لنفسه و قبل صاحبه الشرط منه، فيصح الفسخ للمشترط، و لا يصح للآخر، أو كان أحدهما قد شرط على الآخر في ضمن العقد شرطا سائغا، و تخلّف ذلك الشرط فلم يف له الجانب الآخر بشرطه، فيثبت له خيار تخلف الشرط، و من ذلك ما إذا خالف أحد الطرفين ما التزم به لصاحبه في العقد فيثبت لصاحبه خيار تخلف الشرط الضمني، و هو ما جرى عليه العقد بينهما، فان الشرط الضمني كالشرط الصريح في ذلك.

و من موجبات الخيار في هذا العقد ما إذا كان احد المتعاقدين مغبونا في المعاملة غبنا لا يتسامح العقلاء بمثله فيثبت حق الفسخ للمغبون.

و كذلك الحكم إذا أنشئت المعاملة بين المتعاقدين بصور الهبة المعوضة، أو بصورة الصلح بعوض، فيكون العقد لازما، و لا يجوز فسخه إلا في الصور المذكورة.

(المسألة 39):

يمكن أن تجري معاملة التأمين بين الطرفين بصورة الجعالة، إذا تحقّقت في المعاملة مقومات الجعالة، و منها: أن يقوم العامل للجاعل ببعض الأعمال التي تتعلق بالتأمين الواقع بينهما، ليكون العوض الذي يلتزم به الجاعل في مقابلة ذلك العمل الذي يأتي به العامل.

فإذا كان التأمين على الحياة أو على الصحة، اشترط الجاعل على الشركة المؤمنة أن تضع له مثلا منهاجا للأكل و الشرب، أو تصف له و صفات من العلاجات النافعة ضدّ الأمراض و العوارض التي يجدها.

68

و إذا كان التأمين على حفظ مال جعلت له حراسا و مراقبين ضدّ السرقة و الحوادث التي قد تعرض للمالك.

و إذا كان التأمين على أجهزة آلية أو معامل أو وسائل نقل عينت له عمّالا تكشف على الآلات المؤمنة في بعض الفترات من الزمان، و تصلح منها ما يحتاج إلى الإصلاح، و هكذا، فيكون قيام الشركة بمثل هذه الأعمال جزءا من منهاج التأمين، و يكون اشتراط ذلك بعضا مما تنشأ عليه المعاملة.

فإذا أراد الطرفان إجراء المعاملة على هذا الوجه قال طالب التأمين لوكيل الشركة: إذا تعهدت الشركة لي بالتعويض عما يصيبني من الإضرار و الخسارات في نفسي مثلا أو في صحتي أو في مالي و قامت بوضع المناهج و الأعمال التي اشترطتها عليها، فلها عندي كذا مبلغا من المال ادفعه لها أقساطا، في المواعيد الخاصة المقرّرة بيننا.

(المسألة 40):

إذا وقعت الجعالة بين طالب التأمين و الشركة المتعهدة له وفق ما أوضحناه من الشروط صحت الجعالة و ترتبت عليها أثارها و أحكامها، و قد سبق منّا أن الجعالة من الإيقاعات الجائزة، فيجوز لكل من الطرفين فسخها و ترك الالتزام بها.

69

كتاب العارية

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

كتاب العارية و البحث في هذا الكتاب يقع في ثلاثة فصول:

الفصل الأول في العارية و ما يشترط في صحتها

(المسألة الأولى):

العارية هي أن يسلط الإنسان أحدا غيره على عين يملكها، أو هو يملك منفعتها خاصة لينتفع ذلك الغير بتلك العين الذي سلطه عليها مجانا من غير عوض أو هي عقد بين الطرفين يثمر التسليط المذكور، و لا ريب في أن العارية من الأمور الواضحة في معناها عند أهل العرف المعلومة في مصاديقها، و وضوح أمرها في ذلك يغني الباحث عن اطالة القول فيها.

و على أى حال فليس من العارية أن يأذن الرجل لمن يدخل منزله مثلا من الضيوف و الأصدقاء و الأقارب، بان ينتفع هذا الداخل بالأعيان الموجودة في الدار فيجلس على الفرش أو على الأرائك و يستند الى الجدران أو المساند و ينام على الفرش أو يلتحف بالملاحف و نحو ذلك، بل و ليس من العارية عرفا أن يقدم صاحب الدار لبعض ضيوفة أو أصدقائه القادمين اليه بعض الفرش الخاصة و المتكئات و نحوها بقصد التكريم، أو لينام عليها في وقت حاجته الى النوم‌

72

و الراحة، و أكثر من ذلك وضوحا ما يقدمه الى الضيف أو الصديق أو القريب من المآكل و المشارب، فلا يعدّ ذلك من العارية للانتفاع به في أنظار أهل العرف. و انما هو اباحة له بغير عوض.

نعم، قد يحتاج الضيف أو الصديق في دار الرجل إلى ابدال بعض الملابس أو الأحذية و نحو ذلك، فإذا دفع صاحب الدار اليه ذلك لينتفع به كان من العارية عرفا و ان دفعه اليه بقصد التكريم.

(المسألة الثانية):

العارية عقد من العقود بين المعير صاحب المال و المستعير، فلا بدّ فيها من الإيجاب و القبول كسائر العقود، و يكفي في الإيجاب أن ينشأ بأي لفظ يدل على المعنى الذي بيّناه دلالة ظاهرة يفهمها أهل اللّسان، و من أمثلة ذلك: أن يقول المالك لصاحبه: أعرتك داري هذه لتسكنها أيام إقامتك في البلد، أو يقول له:

أحمل إلى بيتك هذه المبرّدة أو هذه الثلاجة لتنتفع بها في أيام الصّيف من هذا العام أو يقول له: خذ هذا الكتاب لتقرأه أو هذا الثوب لتلبسه، أو يقول له: انتفع بهذه الأمة لتقوم بخدمتك أيام إقامتك هنا.

و يكفي في القبول كذلك اي لفظ يكون دالا على الرضا بأخذ العين المعارة و الانتفاع بمنافعها، فيقول المستعير للموجب بعد إيجابه: قبلت أو رضيت، أو يقول له: أشكر لك هذا التفضّل، و يكفي فيه أن بأخذ العين المعارة بقصد إنشاء الرضا بالعارية، و يصح إنشاء الإيجاب و القبول كليهما بالمعاطاة من الجانبين فيدفع المالك الى صاحبه الثوب أو الكتاب أو المتاع بقصد إنشاء العارية، و يأخذه القابل منه، و يستعمله في حوائجه بقصد القبول و إنشاء الرضا بها.

73

(المسألة الثالثة):

يشترط في صحة العارية أن يكون المعير بالغا، فلا تصح اعارة الصبي غير البالغ و ان كان مميّزا و اذن له وليه على الأحوط، و ان كان الأقرب صحة إعارته في هذا الفرض، فإذا اذن له وليه بأن يعير صاحبه أو قريبه بعض أمواله المعيّنة، مع وجود المصلحة له بذلك، صحت إعارته إذا كان مميّزا، و أولى من ذلك بالصحة ان ينشئ عقد العارية لمال غيره إذا كان مميّزا، و أذن له مالك المال بإعارة ماله، و اذن له وليه الشرعي بأن ينشئ له صيغة العارية.

و يشترط في صحتها أن يكون المعير عاقلا، فلا تصح اعارة المجنون لما له و لا لمال غيره و ان كان مميّزا، و يشترط في صحتها أن يكون المعير مختارا، فلا تصح إعارته إذا كان مكرها، و أن يكون قاصدا، فلا تصح من الهازل و السكران و الغاضب إذا فقد القصد، و ان يكون غير محجور عليه، فلا تصح من السفيه و لا المفلّس، و تصح اعارة السفيه إذا أنشأها بإذن وليه، و اعارة المفلّس إذا أذن له الغرماء بإعارة بعض ما تتعلق به حقوقهم.

(المسألة الرابعة):

لا يشترط في صحة العارية أن يكون المعير مالكا للعين و المنفعة كليهما و يكفي في صحتها أن يكون مالكا للمنفعة وحدها، بحيث يكون نافذ التصرف فيها فيمكن له أن يتبرع بها لغيره، و أن يسلّط غيره على العين ليستوفي المنفعة، و مثال ذلك: أن يكون قد استأجر العين من مالكها ليستوفي منفعتها استيفاء مطلقا لنفسه أو لغيره إذا شاء و من أمثلة ذلك: أن يكون المالك قد أوصي له قبل موته بمنفعة العين، و أطلق له في الوصية أن يستوفي المنفعة الموصى بها كيفما يشاء و لو‌

74

بالتبرع بها لغيره، فيصح له في أمثال هذه الفروض ان يعير العين لغيره ليستوفي منفعتها المملوكة له و ان لم يملك العين ذات المنفعة.

و لا تصح العارية إذا كان المعير غاصبا للعين، أو كان غاصبا للمنفعة، و ان كان مالكا شرعيا للعين نفسها، و مثال ذلك: أن يؤجر المالك داره من غيره، ثم يغصب المنفعة من المستأجر، و يستولي عليها ظالما.

و لا يصح للمستأجر أن يعير العين المستأجرة لغيره، إذا كان المالك المؤجر قد اشترط عليه في ضمن العقد أن يستوفي منفعة العين بنفسه و لا يتبرع بها لغيره، و مثله الحكم في المنفعة الموصى بها للرجل إذا كان المالك الميت قد اشترط في الوصية على الموصى له بالمنفعة أن يستوفيها بنفسه و لا يتبرع بها لغيره فلا يجوز له أن يعيرها الى أحد سواه.

(المسألة الخامسة):

يصح لولي الصبي أن يستعير له عارية من أحد إذا كان الصبي قابلا للانتفاع بها، و قادرا على حفظ العين المعارة، و صونها من التلف و العيب، أو كان الولي نفسه أو وكيله هو الذي يقوم بذلك، فيستعير للصبي ثوبا ليلبسه و أدوات منزلية و أثاثا لينتفع به، و مبرّدة أو مدفّئة لتقية الحر أو البرد، بل و يستعير له كتابا للقراءة إذا كان ممن ينتفع بمثل ذلك.

و يجوز لولي المجنون أن يستعير له ما يمكنه الانتفاع به من الأشياء و المراد في الفرضين أن تكون العارية للصبي و للمجنون نفسهما لا للولي المستعير و يصرف المنفعة عليهما، و على أي حال فلا ينبغي الريب في صحة الجميع مع المحافظة على مال الغير.

75

و لا يصح للصبي أن يستعير لنفسه إلا إذا كان مميّزا و أذن له وليه بذلك، مع وجود المصلحة له بها، و لا تصح استعارة المجنون لنفسه و ان أذن له وليه بالاستعارة، لانه مسلوب العبارة فلا يترب على قوله أثر.

(المسألة السادسة):

يشترط في صحة العارية أن يكون الشخص المستعير أهلا للتسلّط على العين المستعارة و الانتفاع بها في نظر أهل العرف، و في حكم الإسلام، فلا تصح العارية إذا كان آخذها ليس أهلا لذلك، كالعامي القليل المعرفة يستعير بعض الكتب الدقيقة في العلوم و الفلسفات، أو يستعير بعض الأجهزة العلمية التي لا يمكنه استعمالها و الإفادة منها.

و من أمثلة هذه المسألة أن يستعير الكافر مصحفا أو عبدا مملوكا مسلما فلا تصح هذه العارية لأن الكافر ليس أهلا للتسلط على المصحف، و لا على المملوك المسلم و الانتفاع بهما في حكم الإسلام، و من أمثلتها أن يستعير المحرم بالحج أو بالعمرة صيدا بريا من أحد، فلا تصح استعارته فان المحرم لا يجوز له التصرف و لا الانتفاع بصيد البر في حكم الشريعة ما دام محرما، سواء كان من اعاره الصيد محرما أم محلا.

(المسألة السابعة):

يعتبر في صحة العارية أن يكون الشخص الذي يجري معه عقد العارية معيّنا، فلا تصح إذا أجريت لشخص مردّد بين اثنين أو أكثر، فيقول مالك العين لزيد و عمرو: أعرت داري لأحدكما، أو يقول: أعرت هذه العين لأحد هذين الشخصين، أو لأحد هؤلاء الرجال، فلا تصح عاريته، سواء قبلوا جميعا منه العقد‌

76

أم قبله بعضهم أم لم يقبله أحد منهم، و إذا قبل العقد أحدهم فدفع المالك له العين بعد قبوله جاز له أن ينتفع بها، و كان ذلك من الإباحة له بغير عوض، و لم يكن من العارية المصطلحة، لبطلان العقد الذي أنشأه.

(المسألة الثامنة):

تصح اعارة عين واحدة لأكثر من مستعير واحد، و مثال ذلك: أن يقول مالك العين لزيد و عمرو: أعرتكما هذا الكتاب شهرا، أو يقول: أعرت داري المعلومة لزيد و اخوانه يسكنون فيها سنة تامة، أو يقول، أعرت هذه العين لهؤلاء الطلاب العشرة لينتفعوا بها.

فإذا كانت العين المعارة مما يمكن أن يشترك المستعيرون في الانتفاع بها كالدار إذا كانت صالحة لسكنى الجميع، و كالمبرّدة و المدفئة إذا أمكن لهم أن ينتفعوا بها جميعا في وقت واحد، اشتركوا فيها إذا شاؤوا، و إذا لم يمكن الاشتراك في الانتفاع بالعين تناوبوا في الانتفاع بها، أو اقترعوا عليه، أو تراضوا في ما بينهم على الانتفاع كما يشاؤون.

(المسألة التاسعة):

يشترط في صحة العارية أن تكون العين التي يراد إعارتها مما يمكن للمستعير أن ينتفع بها مع بقاء عينها، كالأراضي و المساكن و العقارات و الأثاث و الأمتعة و الآلات و الأواني و الأدوات و الثياب و الأجهزة و الكتب و الحلي و وسائل النقل و الحيوان، و أمثال ذلك مما يندرج في الكبرى التي ذكرناها، و أن يكون الانتفاع الذي يمكن حصوله منها و الذي تقع المعاملة بين الطرفين بقصده انتفاعا محللا في الإسلام.

77

فلا تصح اعارة العين إذا كانت مما لا يمكن الانتفاع إلا بإتلاف عينها كالطعومات و المشروبات، و كالصّابون مثلا و كالحطب و النفط و الغاز مما لا ينتفع به الا بإشعاله و حرقه و وقده و لا تصح اعارة العين إذا كانت المنفعة التي يمكن استيفاؤها منها غير محللة في الإسلام، و من أمثلة ذلك: آلات اللهو و آلات الحرام و قد فصّلنا ذكر ذلك في المسألة الحادية عشرة من كتاب التجارة، و من أمثلته أيضا:

أواني الذهب و الفضة على ما هو الأحوط من المنع لزوما عن الانتفاع بها مطلقا و قد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة عشرة من الكتاب المذكور.

(المسألة العاشرة):

تجوز اعارة الفحول من الحيوان: الإبل و البقر و الغنم و غيرها من أنواع الحيوان و أصنافه للانتفاع بها في ضراب الإناث منه، و تجوز اعارة الكلاب للانتفاع بها في الصيد و الحراسة في المنزل أو في البستان أو مع الغنم، و تجوز إعارة الهرة لقتل الفار و نحوه.

و تجوز إعارة الشاة و المعزاة و البقرة و الناقة لينتفع المستعير بلبنها و صوفها و وبرها، و تجوز إعارة البئر للاستقاء من مائها، بل و تجوز إعارة النخلة و الشجرة للانتفاع بثمرها، و ان كانت هذه المنافع أعيانا، و كان الانتفاع بها بإذهاب عينها فان العين المستعارة باقية و ان ذهبت المنفعة.

(المسألة 11):

تصح اعارة العبد المملوك أو الجارية المملوكة لينتفع بها المستعير في خدمة و حراسة و نحوهما، و لا تصح إعارة الجارية للانتفاع بها في استمتاع فان الاستمتاع بالأمة لا يجوز للرجل في الإسلام إلا بالزواج بها أو بتملكها ملك يمين‌

78

بأحد الأسباب الشرعية المملكة لها، أو بتحليل المالك إياها، و ليس منه أن يعيرها المالك له، أو يؤجرها لهذه الغاية، و لا فرق في الاستمتاع بالأمة بين الوطي و غيره في الحكم المذكور.

و إذا أعار الأمة مالكها للخدمة جاز للمستعير استخدامها كما قلنا، و لم يجز له أن ينظر الى المواضع المحرمة عليه من جسدها، و لا أن يلمسها أو تلمس شيئا من جسده.

و كذلك الحكم في الأعيان المملوكة الأخرى، فإذا كانت للعين منفعة أو منافع محللة في الإسلام، و منفعة أو منافع أخرى محرمة فيه، فيجوز للمالك اعارة العين لينتفع بها المستعير بالمنفعة المحللة و تنفذ هذه العارية و تترتب عليها أثارها، و لا يجوز له أن يعيرها لأحد للانتفاعات المحرمة.

و إذا هو أعارها لينتفع بها المستعير بجميع منافعها، أو أعارها على نحو الإطلاق، صحت العارية للانتفاع بما يحل من المنافع، و بطلت في ما يحرم.

(المسألة 12):

لا يشترط في صحة العارية أن تكون العين معيّنة في وقت إنشاء صيغة العارية، فإذا طلب الرجل من المالك احدى دوابه ليسافر عليها الى مقصده، فقال له بقصد الإنشاء: أدخل الإصطبل و خذ منه أي دابة تختارها لسفرك، فأخذ واحدة منها بقصد الاستعارة، صحت العارية لتلك الدابة، و كذلك إذا قال المالك ابتداء للرجل: أعرتك إحدى السيارتين لتسافر فيها، فأخذ إحداهما بقصد القبول، أو قال له: أعرتك أحد هذه الثياب لتلبسه، أوخذ احد هذه الملاحف لتلتحف به في أيام‌

79

البرد، فقال المستعير: قبلت، صحت العارية، و يجوز للمالك أن يعين له بعد إنشاء الصيغة منها ما يشاء، بل يجوز للمستعير أن يختار منها ما يشاء إذا كان اذن المالك عاما لذلك.

(المسألة 13):

إذا كانت العين التي يريد مالكها ان يعيرها للرجل ذات منفعة واحدة بحسب العادة المتعارفة بين الناس، كالبساط و الطنفسة و السجادة، فإن منفعتها المتعارفة بين الناس واحدة و هي الافتراش لها، و كالثوب فان منفعته المعروفة هي اللبس وحده، و كالكساء و الملحف فمنفعتهما هي الالتحاف خاصة، فإذا كانت منفعة العين واحدة كذلك، كفى في صحة العارية أن يقول مالك العين للمستعير: أعرتك هذه العين لتنتفع بها، و لم يجب عليه أن يعيّن له جهة الانتفاع، فإن إطلاق العارية في هذه الموارد ينصرف الى تلك المنفعة الواحدة المتعارفة، و لذلك فيجب على المستعير أن يقتصر على تلك الجهة الواحدة المتعارفة و لا يتعدّاها، فلا يلتحف بالخيمة مثلا، أو يستظل بالبساط أو الطنفسة، أو يتقي بهما من المطر.

و إذا أراد استعارة العين لوجه من الانتفاع بها غير ما هو المتعارف بين الناس فلا بدّ من التعرض لذكر المنفعة التي يريدها، و مثال ذلك أن يعير المالك البساط أو الطنفسة أو السجادة أو الكساء للرجل لينتفع بالعين، و المستعير يريد من الانتفاع أن يرهنها عند أحد على دين لذلك الشخص عليه، أو ليرسله نموذجا الى نساج لينسج له على طرازه، أو الى خياط ليخيط له على شكله، فعليه أن يذكر المنفعة الخاصة التي يقصدها، فان الانتفاعات المذكورة نادرة لا يحمل اللفظ عليها الا مع القرينة الدالة على الاذن فيها.

80

(المسألة 14):

إذا كانت العين التي تراد إعارتها ذات منافع عديدة، كالدار مثلا فإنه يمكن لمن يستعيرها أن ينتفع بها مسكنا له و لعياله، و يمكن له أن يتخذها مقرا خاصا لنزول ضيوفه الوافدين اليه، و ان يجعلها مخزنا لبضائعه أو معرضا لها، و أن يصيرها معملا أو موضعا لاستراحة عمّال، و كالأرض الفارغة، فإن المستعير يستطيع أن ينتفع بها مزرعة لخضروات أو حبوب، أو مغرسا لنخيل أو شجره أو ينتفع بها في بناء، و كالدابة يمكن له أن يستخدمها في ركوب و في حمل أمتعة و في حراسة أرض و في السقاية من بئر أو نهر، فإذا كانت العين متعددة المنافع، فقد يريد المعير و المستعير اعارة العين لاستيفاء منفعة مخصوصة منها، أو لمنافع معيّنة من جملة منافعها، و في هذه الصورة لا بدّ لهما من تعيين المنفعة أو المنافع المقصودة و ذكرها في عقد العارية، فيقول المالك للمستعير: أعرتك الدار لتسكنها مثلا، أو أعرتك الأرض لتزرعها، أو أعرتك الدابة لتركبها في تنقلاتك، أو لتسقي الزرع عليها، و إذا عيّنت للعين منفعة أو منافع خاصة لم يجز للمستعير ان يتعدّى ما عيّن له، و ينتفع بسواها.

و قد يقصد المالك أن ينتفع المستعير بجميع الانتفاعات المتعارفة من العين، و في هذه الصورة يجوز للمالك أن يذكر الانتفاعات كلّها على وجه العموم و الشمول لها جميعا، فيقول للمستعير: أعرتك هذه العين لتنتفع بها بأي منفعة تحتاج إليها، أو تريدها من المنافع المحللة المتعارفة جميعا.

و يصح له أن ينشئ صيغة العارية مطلقة غير مقيدة: فيقول للمستعير‌

81

أعرتك هذه العين، أو يقول له: أعرتك العين لتنتفع بها، و في كلا الفرضين يباح للمستعير ان ينتفع بالعين في أي وجه يحصل له من وجوه المنافع المتعارفة لها.

(المسألة 15):

من المنافع التي قد تحصل من العين المستعارة ما يكون خفيا غير متعارف و لا معتاد بين الناس، و هو من أجل هذا الخفاء فيه لا يندرج في العموم الذي يذكره مالك العين عند اباحة جميع منافعها للمستعير، إلا إذا كان العام صريحا تام الصراحة في شموله لذلك الفرد، و لا يشمله إطلاق الصيغة حين يأتي بها مطلقة غير مقيدة، أو يشك في شمول العموم أو الإطلاق له من أجل خفائه، و لذلك فلا يجوز للمستعير أن ينتفع بمثل هذه المنفعة الخفية من العين، اعتمادا على العموم أو الإطلاق الذي يذكره مالك العين، و ان كانت من جملة منافع العين بلا ريب.

و من هذه المنافع الخفية: دفن الميت في الأرض المستعارة و مواراته فيها فإنه من بعض منافعها كالزرع فيها و الغرس و البناء، و لا يشمله الإطلاق و العموم كما ذكرناه و من المنافع الخفية: أن يرهن المستعير العين التي استعارها عند احد على دين له في ذمته، فإذا أراد المالك أن يبيح للمستعير مثل هذه الانتفاعات الخفية من العين فلا بدّ له من ذكره، و النص عليه بالخصوص، و لا يكتفي بالعموم أو الإطلاق.

82

الفصل الثاني في بعض أحكام العارية

(المسألة 16):

العارية عقد يتقوم بالاذن من مالك العين في أول حدوث العقد، و في استمراره و بقائه بين الطرفين، و لذلك فإذا زال اذن المالك للمستعير بالتصرف و الانتفاع بالعين زالت العارية و انفسخ عقدها، و ثمرة هذا العقد- كما ذكرنا في أول الكتاب- هي أن يتسلّط المستعير على العين المستعارة، و أن يباح له الانتفاع بمنافعها التي حدّدها له المالك.

و المعنى الواضح لذلك: أن العارية عقد جائز من جهة مالك العين، فيجوز له أن يرجع عن اذنه للمستعير في أي وقت يشاء، فيزول بذلك العقد ما بينهما، و أن العارية جائزة من جهة المستعير أيضا، فيباح له أن يدع العين المستعارة، و يترك الانتفاع بها في أي وقت يشاء فيرتفع العقد بذلك.

و هذا إذا لم يحدث في العين- و هي في يد المستعير- ما يمنع المالك من الرجوع عن اذنه، كما في بعض الفروض الآتي ذكرها، فإذا حدث مثل ذلك المانع لم يجز للمالك أن يرجع عن أذنه للمستعير، و يكون عقد العارية باقيا ما دام ذلك المانع موجودا، و ليس معنى ذلك ان العارية أصبحت لازمة بسبب عروض هذا‌

83

المانع بعد ان كانت جائزة قبل وجوده، بل هي لا تزال على حكمها من الجواز و عدم اللزوم، فإذا اتفق زوال المانع كان للمالك الرجوع فيها.

(المسألة 17):

يجوز لمالك الأرض أن يعير أرضه لأحد ليدفن فيها ميتا، و قد أشرنا الى هذا الفرض في المسألة الخامسة عشرة، فإذا هو أعار الأرض لهذه الغاية، و دفن المستعير فيها ميتا في الإسلام تعلق للميت حق شرعي بموضع دفنه من الأرض حرم نبشه و إخراجه من الأرض على الأحوط، ان لم يمكن تحريم ذلك هو الأقوى و لذلك فيكون الأحوط لزوما لمالك الأرض إذا أعارها لهذه الغاية أن لا يرجع في اذنه و إعارته للأرض بعد مواراة الميت المسلم فيها، نعم، يجوز له الرجوع عن اذنه قبل ان يدفن الميت، و ان حفر القبر في الأرض، و يجوز له الرجوع كذلك إذا نبش أحد قبر الميت بعد دفنه في الأرض، و أخرجه منه، فلا يجوز دفنه فيها ثانيا إلا بإذن من المالك.

و إذا أعار المالك الأرض لهذه الغاية و حفر القبر فيها و وضع الميت في القبر، فهل يجوز للمالك ان يرجع عن اذنه و يفسح العارية و يمنع الدفن قبل ان يوارى الميت في القبر؟. فيه إشكال.

(المسألة 18):

يصح للمالك أن يعير أرضه الفارغة لأحد ليغرس المستعير لنفسه في الأرض شجرا أو نخيلا ينتفع بها، أو ليبني له بناء يسكنه، و لا ريب في جواز رجوع المالك في عاريته للأرض قبل أن يغرس المستعير فيها غرسا أو يبني فيها شيئا و إذا رجع المالك بها قبل الغرس أو البناء يجوز للمستعير أن ينتفع بها بعد رجوعه.

84

و الظاهر جواز رجوع المالك في العارية أيضا بعد أن يغرس المستعير في الأرض غرسه، أو يبني فيها بناءه، و إذا رجع المالك بعارية الأرض في هذه الصورة و فسخها، فهل يجوز له أن يلزم المستعير بأن يقلع ما غرسه في الأرض و يزيل ما بناه فيها، من غير أرش يلزم المالك لذلك؟ أو يحق له أن يلزم المستعير بإزالة غرسه و بنائه من الأرض، و عليه أن يدفع المستعير أرش ما يزيله من ذلك؟ أو لا يحقّ له أن يلزمه بشي‌ء من ذلك، و خصوصا إذا بذل المستعير له أجرة المثل لأرضه، ليبقي الغرس و البناء فيها؟ يشكل الحكم بشي‌ء من ذلك، و لا يترك الاحتياط بالتراضي و المصالحة بينهما.

و كذلك الحال إذا أعار المالك أرضه للزراعة فزرع المستعير فيها، ثم رجع المالك بعاريته قبل أن يدرك الزرع و يبلغ أوانه، فيجري فيها الاشكال و الاحتياط الذي ذكرناه.

(المسألة 19):

إذا أعار مالك الأرض أرضه لينتفع بها المستعير بالغرس و البناء، فزرع فيها نخيلا أو شجرا أو بنى فيها بناء، فالشجر و النخيل و البناء الذي أحدثه في الأرض ملك له، فيجوز له أن يبيعه على صاحب الأرض فيكون الجميع ملكا له، و يجوز لمالك الأرض أن يبيع أرضه على المستعير، فيصبح الجميع ملكا له، و يجوز للمستعير أن يبيع ما غرسه و ما بناه في الأرض على شخص ثالث، إذا أذن له مالك الأرض بذلك، فإذا أذن له المالك فباع الغرس و البناء على غيره كان المشتري بمنزلة المستعير و قام مقامه، فإذا رجع المالك باذنه و فسخ العارية جرت الاحكام التي ذكرناها للمستعير على المشتري، و قد بيّناها في المسألة السابعة فلتلاحظ.

85

(المسألة 20):

قد يستعير الرجل عينا أو أعيانا متعدّدة من مالكها ليجعلها المستعير رهنا عند أحد على دين لذلك الشخص في ذمته، و قد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة عشرة و المسألة الخامسة عشرة، و لا ريب في صحة العارية لذلك، و في صحة الرهن بعد أن اذن له المالك بهذا الانتفاع.

و يجوز لمالك العين أن يطالب المستعير بأن يفك رهانة العين عند انتهاء مدة الدين الذي عليه و حلول وقت وفائه، و ذهب بعض الفقهاء الى جواز مطالبته بفكّ رهانة العين قبل حلول وقت الدين، و على أي حال فلا يبطل رهن العين المستعارة بانتهاء المدة، و لا بمطالبة مالك العين بفكّ رهانتها.

(المسألة 21):

إذا حلّ وقت دين الدائن الذي يملكه في ذمة المستعير، و لم يفكّ المستعير رهانة العين و لم يف بالدين، جاز بيع العين المرهونة و وفاء الدين بثمنها، و إذا بيعت العين كذلك كان المستعير ضامنا لمالك العين، فإذا اختلف ثمنها الذي بيعت به عن قيمة مثلها في السّوق كان المستعير ضامنا لمالك العين أكثر الأمرين منهما.

(المسألة 22):

يجوز لمالك العين المستعارة أن يوقع عاريته مطلقة غير محدودة الوقت فيقول للمستعير: أعرتك هذه الدار لتسكن فيها، أو أعترك هذا البستان لتأكل ثمره فإذا أنشأ الصيغة مطلقة كذلك جاز للمستعير أن ينتفع بالعين مطلقا، فيسكن الدار و يأكل ثمر البستان حتى يموت المالك أو يرجع عن اذنه في الانتفاع و يفسخ العارية، و يجوز للمالك أن يجعل عاريته مقيدة في مدة معيّنة، فيقول للمستعير‌

86

أعرتك هذه العين تنتفع بها شهرا أو سنة كاملة، و إذا قيد المالك عاريته كذلك فلا يباح للمستعير أن ينتفع بالعين بعد انقضاء المدة، لارتفاع الاذن و انفساخ العارية.

(المسألة 23):

العارية كما قلنا أكثر من مرة معاملة تتقوم في حدوثها و في بقائها بإذن المالك المستعير في التصرف في العين، و تسليطه عليها و على الانتفاع بمنفعتها و من النتائج الواضحة لذلك: أن تبطل العارية و ينفسخ عقدها بموت مالك العين فلا يحل للمستعير بعد موت المالك أن يتسلط على العين المستعارة و ينتفع بها و ان كان المالك قد أطلق العارية و لم يجعل لها أمدا و وقتا محددا أو جعل لها مدة طويلة بل و حتى إذا أجاز له بالقول الصريح في الصيغة أن ينتفع بالعين بعد موته فقال له: أعرتك هذه الدار لتسكن فيها حتى إذا متّ قلبك، الا ان يرجع ذلك الى الوصية له بسكنى الدار و الانتفاع بها بعد الموت، فإذا علم بذلك، أو دلّت القرائن الحافة على ارادته صحت الوصية و لزم العمل بها و كان ذلك من الوصية بالمنفعة له لا من العارية بعد الموت.

و تبطل العارية كذلك إذا زالت سلطنة المالك عن العين، و مثال ذلك: أن يبيع المالك العين التي أعارها أو ينقلها الى ملك مالك أخر بهبة أو صلح أو غيرهما من العقود أو الإيقاعات المملكة، أو يزول سلطانه على العين بعروض جنون و نحوه، فتبطل العارية بذلك.

و تبطل العارية بموت الشخص المستعير، فلا تنتقل الى وارثه من بعده، و لا يجوز للوارث الانتفاع بها إلا إذا اذن له مالك العين.

(المسألة 24):

87

إذا حدّد مالك العين للمستعير نوعا خاصا من أنواع المنفعة أو صنفا من أصنافها، أو وجها من وجوهها، أو قيد انتفاعه بقيد من الزمان أو المكان أو غيرهما وجب على المستعير أن يتقيّد بذلك الحدّ أو القيد و يلتزم به و لا يتعدّاه، فإذا قال له مثلا: أعرتك الدار لتسكن فيها أنت و زوجتك فاطمة، لم يجز له أن يسكن فيها زوجته الثانية، و إذا أعاره السيارة ليسافر بها الى كربلاء لم يجز له أن يسافر بها الى الحلة، أو الى بلد أخر، و ان كان ما انتفع به أدنى مسافة و أقل ضررا، و إذا أعاره السيارة ليسافر بها نهارا لم يجز له السفر بها ليلا، و بالعكس.

و يجب على المستعير أن يقتصر في انتفاعه بالعين المستعارة على ما جرت به العادة المتعارفة بين الناس لمثل تلك العين، فلا يحمل على الحيوان المستعار أكثر مما يعتاد حمله لمثله، و لا يحمل في السيارة غير ما يصلح لحمولته من الأشياء و لا أكثر منه، و لا يسكن في المنزل أكثر مما يعتاد للسكنى فيه و لا غير ما يصلح له.

(المسألة 25):

إذا تعدى المستعير ما حدّده له مالك العين من الانتفاع و ما ذكره في المعاملة من قيود كان غاصبا اثما في تصرفه، و ضامنا لما استوفى، فإذا هو استوفى منفعة أخرى غير ما عين له مالك العين ضمن له أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها، و إذا زاد في الحمل أو في المسافة أو في كيفية الاستيفاء للمنفعة عن المقدار المتعارف منها وجب عليه أن يدفع لمالك العين أجرة المثل لتلك الزيادة التي زادها.

(المسألة 26):

إذا أعار المالك أحدا أرضه للغرس أو للبناء أو للزرع فيها، جاز للمستعير‌

88

أن يدخل الأرض ليتصرف و يعمل و ينتفع بالأرض حسب ما أباح له المالك، و جاز ان يدخل الأرض معه من يحتاج المستعير الى مساعدته في عمله من الحرّاث و العملة و أشباههم، فانّ اذن المالك يشمل هؤلاء عرفا و يشمل الأجراء الذين يحتاج إليهم عادة في جمع حاصل الزرع و الغرس و نقله و أمثال هؤلاء، الا أن يكون مالك الأرض قد اشترط عليه غير ذلك فيتبع شرطه.

(المسألة 27):

إذا قبض المستعير العين المستعارة بإذن مالكها لينتفع بها أصبحت أمانة من المالك بيده، فإذا اتفق أن تلفت العين أو سرقت أو نقصت أو حدث فيها عيب، من غير تعد من المستعير في الاستيلاء عليها و لا في الانتفاع بها، و لا تفريط في المحافظة عليها و رعايتها، فلا ضمان عليه لشي‌ء مما حدث، إلا إذا كان المالك قد شرط عليه في عقد العارية أن يكون ضامنا عند التلف أو النقص أو التعيب في العين، أو كان المستعير قد اشترط ذلك على نفسه، فإذا شرط ذلك أحدهما في ضمن العقد و جرى عليه الإيجاب و القبول كان المستعير ضامنا لما يحدث في العين، و ان لم يحصل منه تعد و لا تفريط.

(المسألة 28):

إذا كانت العين التي استعارها الرجل من مالكها ذهبا أو فضة ثم تلفت أو سرقت أو نقصت أو حدث فيها عيب، فالمستعير لها ضامن لما حدث فيها من ذلك، سواء شرط عليه الضمان في عقد العارية أم لم يشترط عليه ذلك.

و يستثنى من هذا الحكم ما إذا شرط في العقد أن لا يكون المستعير ضامنا لما يحدث من ذلك فيتبع الشرط، و لا فرق في الأحكام المذكورة في هذه المسألة‌

89

بين أن تكون العين المستعارة من الذهب أو الفضة المسكوكين و غير المسكوكين.

(المسألة 29):

إذا أخذ المستعير العين من مالكها و انتفع بها حسب ما أباح له المالك، و كان استخدامه للعين و انتفاعه بها بالمقدار المتعارف المأذون فيه من غير تعد و لا تفريط، و اتفق أن حدث في العين نقص أو عيب بسبب هذا الانتفاع المأذون فيه، فلا ضمان على المستعير لما حدث في العين من النقص أو العيب، و مثال ذلك: أن يعير خالد عليا دابته أو سيارته ليحمل فيها بعض الأمتعة و الأثاث، فإذا حمل المستعير فيها ما يعتاد حمله و لم يزد على ذلك فأصاب الدابة أو السيارة بسبب ذلك نقص أو عيب فلا ضمان عليه بذلك، بل و لا ضمان عليه إذا تلفت بسبب ذلك من غير تعد منه و لا تفريط.

(المسألة 30):

إذا أصاب العين المستعارة نقص أو عيب غير مضمون على المستعير كما في الفرض المذكور في المسألة السابقة، ثم تلفت بعد ذلك في يد المستعير على وجه مضمون، كما إذا تعدّى المستعير على العين أو فرّط في حفظها بعد أن حدث فيها العيب في المثال المتقدم، و تلفت العين في يده بعد ذلك، كان ضامنا للمالك قيمة العين يوم تلفت و هي ناقصة أو معيبة، و لا يضمن التفاوت بين قيمتها تامة و ناقصة، أو التفاوت بين قيمتها صحيحة و معيبة.

(المسألة 31):

المستعير انما هو منتفع بالعين المستعارة و ليس مالكا لمنفعتها، و لذلك فلا يصح له أن يعير عين التي بيده لشخص أخر، أو يؤجرها عليه، الّا إذا اذن له مالك‌

90

العين بأن يعيرها لأحد أو يؤجرها عليه، و إذا اذن له المالك بإعارة العين أو بإجارتها على غيره أصبح وكيلا عن المالك في إجراء العارية أو الإجارة مع الشخص الآخر فإذا هو أوقع العقد معه صحت عاريته أو إجارته للشخص بالوكالة عن مالك العين و كانت المعاملة للمالك لا للمستعير نفسه، و كانت هذه المعاملة الثانية التي أجراها بالوكالة فاسخة لعارية المستعير نفسه من المالك، فلا يجوز له الانتفاع بالعين بعدها، و يستثنى من ذلك ما إذا أوقع العارية الثانية على نحو التشريك في الانتفاع بالعين بينه و بين المستعير الثاني، و كان إيقاعه لهذه العارية الثانية بإذن المالك و بالوكالة عنه، فيجوز لكل منهما الانتفاع بها.

(المسألة 32):

إذا كانت العارية موقتة بمدة معينة، و انقضت المدة المحدودة لها أو فسخ المالك عقد العارية أو فسخه المستعير، لم يجز للمستعير أن يتسلط بعد ذلك على العين، و لم يحل له أن ينتفع بشي‌ء من منافعها، و وجب عليه ان يرد العين الى مالكها، أو الى وكيله المفوض في قبضها، أو الى ولي أمره إذا كان المالك قاصرا أو محجورا عليه، و لا يبرأ المستعير من عهدة العين بغير ذلك، فلا يكفيه لبراءة ذمته أن يفرغ الدار المستعارة، و يخرج منها ما لم يتسلمها المالك أو من ينوب عنه، و لا يكفيه أن يدخل السيارة التي استعارها الى الموضع الذي أخذها منه، و الذي أعده مالكها لحفظها، أو يرد الدابة إلى الإصطبل و يربطها فيه، فإذا تلفت العين أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص قبل أن يسلمها الى مالكها أو الى نائبه كان المستعير ضامنا لها و لما حدث فيها.

91

الفصل الثالث في أحكام أخرى للعارية

(المسألة 33):

يجوز للرجلين أن يعير كل واحد منهما صاحبه بعض الأعيان التي يملكها لينتفع صاحبه بالعين مطلقا أو في مدة معلومة على أن تكون كلّ واحدة من المعاملتين بينهما عارية مستقلة بنفسها فلا تكون احدى العينين عوضا عن الأخرى، و لا شرطا في إعارتها، و مثال ذلك أن يعير زيد عمرا داره التي يملكها في النجف ليسكنها عمرو ثم يعير عمرو زيدا داره في الكوفة ليسكنها زيد، و تكون كل واحدة من العاريتين كما قلنا معاملة بانفرادها، و لا معاوضة بينهما و لا مشارطة.

و إذا أراد المالكان أن تكون احدى العينين عوضا عن العين الأخرى أو تكون احدى العاريتين شرطا في عارية الثانية، فلا يترك الاحتياط في أن تجرى المعاملة ما بينهما بصورة الصلح بعوض، فيصالح زيد عمرا عن سكنى داره في الكوفة بسكنى دار زيد في النجف، أو تكون المعاوضة و الاشتراط بين المصالحتين، لا أن يكون التعويض في العارية أو بين العاريتين، فان في صحة ذلك اشكالا، بل منعا على القول المشهور.

(المسألة 34):

إذا كانت في يد الرّجل عين قد غصبها من مالكها، فأعارها أحدا لينتفع بها‌

92

و كان المستعير يعلم بأنها مغصوبة و ليست مملوكة للمعير لم يجز له أخذ العين و لا الانتفاع بشي‌ء من منافعها، فإذا هو تسلط على العين، و وضع يده عليها كان غاصبا اثما و ضامنا للعين و لمنافعها.

و يجوز للمالك الحقيقي للعين أن يستردها إذا كانت موجودة، و أن يأخذ بدلها إذا كانت تالفة، فيأخذ مثلها إذا كانت مثلية، و قيمتها إذا كانت قيمية، و يتخير شرعا بين أن يرجع في ذلك على الغاصب الأول و هو المعير فيأخذه منه، و ان يرجع فيه على الغاصب الثاني و هو المستعير، و يجوز له أيضا ان يأخذ قيمة جميع المنافع التي استوفيت من العين في أيام غصبها منه، و جميع منافعها التي فاتت عليه، و ان لم يستوفها أحد، و يتخير في أن يغرم ذلك اي الغاصبين شاء.

فإذا أخذ المالك الشرعي هذه الغرامات من الغاصب الثاني المستعير، و كان تلف العين و هي في يده، لم يرجع المستعير على الغاصب الأول الذي أعاره بقيمة العين التالفة و لا بأجرة المنافع التي استوفاها المستعير بسبب العارية، و لا بأجرة المنافع التي فاتت على المالك في حال تسلّط المستعير على العين، و ان لم يستوف هذه المنافع.

نعم، يحق للمستعير أن يرجع الغاصب الذي اعاره بما غرمه المستعير للمالك من اجرة المنافع التي استوفاها الغاصب المعير من العين قبل العارية، و أجرة.

المنافع الأخرى التي فاتت على مالك العين في ذلك الوقت و ان لم يستوفها أحد فإذا كان المالك قد رجع بهذه الغرامات على المستعير و أخذها منه جاز للمستعير أن يأخذها من الغاصب المعير.

93

و إذا رجع المالك الشرعي بالغرامات كلها على الغاصب الأول المعير، جاز لهذا أن يرجع على المستعير بما غرمه للمالك من قيمة العين إذا كان تلفها في يد المستعير، و ان يرجع عليه أيضا بأجرة المنافع التي استوفاها المستعير من العين في أيام استعارته لها، بل و أجرة المنافع التي فاتت و لم يستوفها أحد في تلك الأيام، فإن هذه المنافع قد تلفت في يده فيكون ضمانها عليه.

و لا يرجع الغاصب المعير على المستعير بقيمة العين إذا كان تلفها في يد الغاصب المعير نفسه و لا بقيمة المنافع التي استوفاها هو قبل العارية أو بعدها، و لا بقيمة المنافع التي فاتت و لم يستوفها أحد في تلك الأيام.

(المسألة 35):

إذا أعار الغاصب العين المغصوبة أحدا، و كان المستعير لا يعلم بأن العين مغصوبة من مالكها الشرعي لم يأثم المستعير بتسلطه على العين و انتفاعه بمنافعها، و جاز لمالك العين ان يرجع بقيمة عينه المغصوبة إذا تلفت، و بمنافعها المستوفاة و الفائتة منه غير المستوفاة كما فصلناه في المسألة المتقدمة و في كتاب الغصب، و يتخير في ما يستحقه من ذلك، بين أن يرجع فيه على الغاصب الذي أعار العين، و ان يرجع فيه على المستعير، و ان لم يكن غاصبا بوضع يده على العين و لا اثما لجهله، فإذا أخذ ذلك من الغاصب المعير، لم يرجع الغاصب على المستعير بشي‌ء مما غرمه للمالك، و ان كان تلف العين في يده، و إذا رجع به على المستعير و أخذه منه، جاز له أن يرجع بما غرمه على الغاصب الذي إعارة العين، و يأخذه منه لأنه قد غره.

(المسألة 36):

94

إذا علم المستعير بأن العين التي أعارها له المعير مغصوبة من مالكها الحقيقي وجب عليه أن يرد العين الى مالكها المغصوبة منه، إذا كانت العين لا تزال باقية في يده، و ان كان جاهلا بالغصب في وقت العارية، و لم يعلم به الا بعد انقضاء المدة، و لا يجوز له ان يردها الى الغاصب الذي اعاره إياها، و لا تبرأ ذمته من عهدة العين إذا دفعها إليه.

(المسألة 37):

إذا أنشئت العارية بين مالك العين و المستعير على الوجه المطلوب، و قبض المستعير العين كانت العين أمانة بيده، و قد ذكرنا هذا من قبل، فإذا طلب المالك من المستعير أن يرد اليه عينه المستعارة فأنكرها المستعير، أو أنكر العارية كان خائنا و بطلت أمانته، فإذا تلفت العين بعد ذلك في يده، أو سرقت، أو طرأ عليها نقص أو عيب كان ضامنا لما حدث، و لم يترتب عليه حكم الأمين.

(المسألة 38):

إذا استعار الرجل دابة أو سيارة ليسافر بها الى موضع معين، فتجاوز ذلك الموضع في سفره بها كان متعديا، فيلزمه ضمان العين المستعارة إذا تلفت أو عابت بذلك و يلزمه دفع اجرة المثل لمالكها لما زاد من المسافة على الموضع المعين، و لا يزول عنه هذا الضمان إذا رجع بالدابة أو السيارة إلى الموضع المعين المأذون فيه و لا تلزمه أجرة المثل للسفر بها الى الموضع المعين المأذون فيه قبل التعدي.

(المسألة 39):

إذا طلب مالك العين من المستعير أن يرد اليه العين، فادعى المستعير أن العين قد تلفت أو سرقت صدّق قوله مع يمينه، و لم يثبت عليه ضمان، لأنه أمين‌

95

ما لم تثبت خيانته أو تعديه أو تفريطه في الأمانة ببينة شرعية، كذلك إذا تلفت العين في يده فادعى مالك العين أنه قد فرّط في حفظ أمانته، أو أنه تعدّى ما حدّد له في عقد العارية، و انه ضامن لتلف العين بسبب تعدّيه أو تفريطه و أنكر المستعير ما ادعاه المالك، فالقول قول المستعير مع اليمين.

(المسألة 40):

إذا انقضت مدة العارية أو فسخ مالك العين عقدها أو فسخها المستعير فطلب المالك منه أن يرد اليه العين، و ادعى المستعير انّه قد ردّها اليه، و أنكر المالك الرّد قدّم قول المالك مع يمينه لأنه منكر، فإذا حلف ألزم الحاكم المستعير بردها الى مالكها، فإذا تعذر وجودها ألزمه برد مثلها إذا كانت مثلية، و قيمتها إذا كانت قيمية.

(المسألة 41):

إذا شرط مالك العين على المستعير في ضمن العقد أن يكون ضامنا للعين، أو شرط المستعير ذلك على نفسه صحّ الشرط، قد ذكرنا هذا في المسألة السابعة و العشرين، و اتبع في الضمان عموم الشرط و خصوصه.

فقد يشترط عليه أن يكون ضامنا للعين متى تلفت أو سرقت أو حدث فيها نقص أو عيب، فيحكم بضمان المستعير إذا حدث على العين شي‌ء من ذلك و ان لم يتعد و لم يفرّط في الامانة. و قد يشترط عليه الضمان إذا تلفت العين كلّها، و لا يشترط الضمان عليه إذا نقصت أو حدث فيها عيب، فيثبت الضمان عليه عند تلف الجميع خاصة، حسب ما اشترط، و لا يضمن إذا طرأ عليها نقص أو عيب، و قد أشرنا الى هذا في بعض المسائل المتقدمة‌

96

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

97

كتاب الوديعة

98

كتاب الوديعة و تفصيل القول في هذا الكتاب يكون في أربعة فصول:

الفصل الأول في الوديعة و ما يعتبر فيها

(المسألة الأولى):

الوديعة هي أن يأتمن الإنسان أحدا على شي‌ء ليحفظه له، و الغالب المعروف بين الناس في استعمال هذه الكلمة: أن يراد بها عند إطلاقها الائتمان على الأموال لحفظها، و قد تستعمل في الائتمان على أمور أخرى تكون عزيزة على الإنسان ليطمئن على حفظها و سلامتها، فيستودع الرجل من يثق به و بقدرته و كفاءته عرضه و أولاده الصغار الذين يخشى عليهم عادية الدهر، و يستودعه كتبه و نفائسه و الأمور الأخرى التي تعز عليه، و يحذر من طروء الحوادث عليها و يأتمن ذلك الثقة عليها ليتولى له حفظها.

و كثيرا ما تطلق كلمة الوديعة على المال أو الشي‌ء المستودع عند الأمين فيقول له هذا المال وديعتي عندك، أو يقول له: طفلي أو كتابي هذا وديعة بيدك تحفظه لي حتى ارجع من غيبتي، و هذا كلّه في المجال اللغوي للكلمة.

و تختص الوديعة المبحوث عنها في هذا الكتاب عند الفقهاء بوديعة المال‌

99

و حتى إذا عمّ البحث في الكتاب لبعض الأشياء الخاصة، كما إذا ائتمن الرجل غيره على أثر يختص به من مؤلّف له أو مخترع يعتز به اعتزازا معنويا، أو على عقد نفيس له ميزة معنوية عند بعض الخاصة أو ما يشبه هذه الأمور، فالمقصود في البحث عنه عند الفقهاء هو الجهة المالية التي تكون للشي‌ء الذي استودعه إياه، من حيث وجوب الحفظ، و وجوب أدائه عند الطلب، و من حيث الضمان عند حدوث ما يوجب الضمان، و تكون المميزات المعنوية التي يتصف بها ذلك الأثر المستودع موجبة لزيادة قيمته المالية عند الراغبين فيه.

(المسألة الثانية):

الوديعة كما قلنا: هي أن يأتمن الإنسان شخصا غيره على مال ليحفظه له، أو هي عقد يقع بين صاحب المال و الأمين تكون فائدته الائتمان المذكور على المال و لذلك فلا بدّ فيه من الإيجاب و القبول، و يكفي في إيجاب عقد الوديعة كل لفظ يكون دالا على الائتمان أو الاستيداع، فيقول صاحب المال للشخص الذي يأتمنه:

أودعتك هذا المال أو هذا الشي‌ء لتحفظه عندك، أو يقول له: ائتمنتك عليه لتحفظه لي أو يقول: استودعتك المال أو استودعته عندك، أو استودعته لديك، أو يقول له:

هذا المال وديعة عندك أو: وديعة لديك أو يقول: احفظ لي هذا الشي‌ء، أو ما أدى هذا المعنى من الألفاظ، و كان ظاهر الدلالة عليه، و لو بمعونة القرينة الموجودة من حال أو مقال، و يكفي في القبول أيضا أي قول يدل على الرضا بالائتمان، فيقول المؤتمن: قبلت الوديعة أو الأمانة منك، أو رضيت بها.

و يصح أن يقع عقد الوديعة بغير اللغة العربية من اللغات الأخرى للعارفين بها، و يصح أن ينشأ عقدها بالأفعال الدالة على المقصود، فيدفع المالك ماله الى‌

100

الشخص بقصد إنشاء الوديعة عنده، و يتسلم المؤتمن المال المدفوع اليه بقصد إنشاء الرضا بها، و يجوز أن ينشأ الإيجاب بالقول و يقع القبول بالفعل، فيقول صاحب المال في إيجابه: أو دعتك هذا الشي‌ء لتحفظه، و يأخذ المؤتمن الشي‌ء منه و يضعه في صندوقه بقصد القبول، و يصح أن يقدم القبول على الإيجاب فيقول الأمين لصاحب المال: ادفع لي هذا المال احفظه لك و يقول المالك بعده: أودعتك المال.

و يكفي أيضا في صحة الوديعة و ترتب أحكامها أن يحصل الإيجاب و القبول في عقدها بالكتابة الدالة عليهما، و بالإشارة المفهمة للمعنى المراد عند أهل العرف.

(المسألة الثالثة):

الوديعة عقد من العقود كما قلنا فلا بد فيها من القبول من الشخص المؤتمن أو من وكيله، و لا تتحقق الوديعة بدونه، فإذا وضع المالك ماله قريبا من الرجل، أو على طاولته أو على بساطه مثلا بقصد استيداع المال عنده، أو قال له: هذا وديعة عندك، و لم يقبل الرجل منه الإيجاب، لم يتم عقد الوديعة فلا تلزم الرجل أحكامها، فلا يجب عليه حفظ المال، و لا ضمان عليه إذا تلف ما لم يضع يده عليه سواء مكث في مكانه عند المال، أم ذهب عنه و تركه في موضعه، و لم يقبل العقد و لم يقبض المال، و سواء بقي مالك المال في الموضع بعد أن وضع المال أم تركه و انصرف لحاله، و أولى من هذا الفرض بعدم تحقق الوديعة ما إذا ترك المالك ماله قريبا من الرجل أو على طاولته و لم يقصد بذلك استيداع المال عند الشخص.

و لا يكفى سكوت الشخص في تحقق قبول الوديعة من المالك، فإذا قال‌