كلمة التقوى - ج5

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
421 /
101

المالك للرجل: أودعتك هذا المال، أو دفع اليه بقصد استيداعه عنده فسكت الرجل و لم يقل شيئا، و لم يصدر منه قبض أو فعل يدل على القبول، فلا يكون سكوته قبولا للعقد، الا أن يقترن ذلك بقرينة تدل على الرضا بالوديعة.

(المسألة الرابعة):

إذا كان الرجل عاجزا عن حفظ الوديعة و غير قادر على القيام بأمرها فالأحوط لزوما له أن لا يقبل الوديعة من صاحبها، و ان كان واثقا من نفسه بأنه لا يتعدّى على الامانة و لا يرتكب خيانة، و إذا كان مالك الوديعة يعلم بحال الرجل من الضعف و العجز عن حفظها و أصرّ مع علمه بذلك على إيداع الوديعة عنده، و أن يحفظها له بمقدار ما يمكنه من الحفظ، جاز له أن يقبلها منه على هذا الشرط فيجب عليه القيام بحفظ الوديعة و رعايتها بمقدار ما يستطيعه من ذلك.

(المسألة الخامسة):

يشترط في صحة الوديعة أن يكون صاحب المال المودع له بالغا، فلا تصح وديعة الطفل لماله عند غيره، و ان كان الطفل مميزا، و هذا إذا تولى إيداع ماله بنفسه بغير اذن وليه، فلا يجوز لذلك الغير أن يقبض منه وديعته، و إذا هو قبضها و وضع يده عليها كان ضامنا لها و لما يحدث فيها من نقص أو عيب أو تلف، و لا تبرأ ذمته من ذلك إذا هو ردّ الوديعة إلى الطفل نفسه، فيلزمه أن يردّها الى وليه الشرعي.

و لا يبعد القول بصحة الوديعة من الصبي إذا كان مميزا عارفا بكيفية إنشاء المعاملة و المعنى المراد من الصيغة، و تولّى إيداع بعض أمواله عند أحد و كان فعله لذلك باذن وليه الشرعي المطّلع على ذلك كلّه، فأنشأ الوديعة و دفع المال للشخص الذي ائتمنه على وفق ما يرام، فيصح لهذا المستودع قبض الوديعة منه‌

102

و لا يكون بقبضه لها ضامنا، و تترتب عليه أحكام الودعي شرعا، و يصح منه إذا كان مميزا عارفا، على الوصف الذي ذكرناه أن يتولى إنشاء الوديعة لمال غيره أيضا، إذا اذن له مالك المال و وكله في ذلك، و أذن له وليه الشرعي بإجراء المعاملة على النهج الصحيح، فيصح للمؤتمن أن يقبض الوديعة، و ان كان الصبي هو الذي دفعها إليه بالوكالة أيضا، و تجرى عليها أحكام الوديعة.

(المسألة السادسة):

يشترط في صحة الوديعة أن يكون الشخص الذي يستأمن على الوديعة بالغا، فلا يصح الاستيداع عند طفل لم يبلغ الحلم، و لا يثبت على الطفل ضمان بقبضه مال الوديعة إذا كان غير مميز، و لا بإتلافه إذا أتلفه، فإن صاحب المال هو الذي عرض ماله لذلك باختياره، و لا ضمان على الصبي بقبض المال إذا كان مميزا و كان قبضه للوديعة بإذن وليه، فإنه في هذه الصورة و دعي أمين، فإذا تلف المال في يده من غير تعد و لا تفريط منه في الأمانة، فلا ضمان عليه، و سيأتي في بعض المسائل المقبلة ان شاء اللّه تعالى ان هذا هو الحكم الثابت في كلّ مستودع أمين.

و يشكل الحكم عليه بالضمان أو بعدمه في هذه الصورة إذا تعدّى أو فرّط في الوديعة، أو أهملها و تلفت المال في يده بعد التعدّي أو التفريط، و يشكل الحكم عليه أيضا بالضمان أو بعدمه إذا كان مميزا و قبض مال الوديعة بغير اذن من وليه ثم تلف المال في يده.

و إذا قبض الصبي مال الوديعة و كان مميزا فأتلف المال بفعله عامدا، فلا ينبغي الريب في الحكم عليه بضمان المال، سواء كان قبضه لمال الوديعة بإذن من وليه الشرعي أم كان بغير اذن منه.

103

(المسألة السابعة):

يشترط في صحة الوديعة أن يكون المودع و المستودع عاقلين، فلا تصح إذا كان أحد الطرفين مجنونا، أو كان معا مجنونين غير عاقلين، و يجرى فيهما من حيث الضمان و عدمه نظير ما قدمنا بيانه في الصبي المميّز و غير المميّز في المسألتين المتقدمتين.

(المسألة الثامنة):

لا تصح وديعة الطفل و لا المجنون، و لا يجوز للشخص الذي يودع أحدهما عنده المال أن يأخذه منه، و إذا أخذ المال من يد الطفل أو المجنون كان له ضامنا و قد ذكرنا هذا الحكم قريبا.

و تستثنى من ذلك صورة واحدة، و هي أن يخاف هذا الشخص على مال الطفل أو المجنون إذا بقي في يده و لم يأخذه منه، ان يتلف فيجوز له أن يأخذ المال من يده و يحفظه له و يكون أخذه له من باب الحسبة لا من باب الوديعة.

و كذلك الحكم إذا وجد الإنسان مالا للطفل أو للمجنون في يده أو في غير يده و خاف على المال ان هو تركه و لم يأخذه أن يتلف أو يسرق، فيجوز له أن يأخذ المال و يحفظه له من باب الحسبة و يكون المال أمانة شرعية بيده، و يجب عليه أن يبادر بما يستطيع فيوصل المال إلى الولي الشرعي للطفل أو المجنون صاحب المال، فان لم يمكنه إيصال المال أعلم الولي بأن المال عنده، فإذا فعل ذلك فلا ضمان عليه إذا تلف المال في يده، و إذا فرّط أو تعدّى أو أهمل كان ضامنا.

(المسألة التاسعة):

يمكن لصاحب المال أن يبعث مبلغا من ماله أو شيئا أخر من مملوكاته بيد‌

104

صبي غير بالغ، أو بيد مجنون إلى ثقة يستأمنه ليبقى المبلغ أو الشي‌ء الأخر وديعة عنده يحفظه له، و هذا إذا كان المالك يثق بأن الصبي و المجنون اللذين أرسلهما يوصلان المال و يبلغان القول، فإذا أخذ المؤتمن منهما المال و اطمأن بصدقهما في الرسالة صحت الوديعة بين المودع و المستودع، و لم يضرّ بصحتها أن الرسول الواسطة طفل أو مجنون.

(المسألة العاشرة):

يشترط في صحة عقد الوديعة أن يكون المودع الموجب و المستودع القابل قاصدين لإنشاء العقد بينهما، فلا يصح إذا كان المودع هازلا أو هازئا في إيجابه للعقد أو سكرانا أو غاضبا يخرج به عن قصد المعنى، أو كان المستودع غير قاصد للقبول كذلك.

و يشترط في صحته أن يكونا مختارين في فعلهما، فلا تصح وديعة المودع إذا كان مكرها في إيجابه للعقد غير مختار فيه، أو كان المستودع غير مختار في قبوله، فإذا قبض الوديعة مكرها على قبولها لم يضمنها، و لم تترتب على الوديعة أثارها.

(المسألة 11):

إذا أكره المستودع فقبل الوديعة و قبضها مكرها على قبولها و قبضها، ثم زال الإكراه عنه، و أجاز الوديعة الأولى باختياره بعد زوال الإكراه، صحت الوديعة بإجازته و ترتب عليها أثرها و لم يفتقر الى تجديدها.

و إذا جدّد المودع صيغة الوديعة بعد أن أرتفع الإكراه عن المستودع فقبل الوديعة الثانية مختارا، صحت الثانية بتمامية العقد، و لم يقدح بصحتها كون‌

105

المؤتمن مكرها غير مختار في أول الأمر.

(المسألة 12):

الوديعة أحد العقود التي تتقوم بالإذن في حدوثها و في بقائها و استمرارها و من أجل ذلك فهي من العقود الجائزة غير اللازمة، فيصح لمالك المال أن يسترد وديعته من الودعي الذي استأمنه في أي وقت يشاء و يفسخ عقد الوديعة بذلك و يجوز للمستودع المؤتمن أن يرد الوديعة إلى صاحبها متى أراد كذلك و يفسخ العقد، و إذا استرجع صاحب المال وديعته فليس للمستودع أن يمتنع من ردّها اليه و إذا ردّ المستودع الوديعة فليس للمودع صاحب المال أن يمتنع من قبولها.

و إذا فسخ المستودع المؤتمن عقد الوديعة انفسخت بينهما و ان كان صاحب المال لا يعلم بفسخ المؤتمن لها، و تزول بذلك الأمانة المالكية التي كانت للمستودع على المال بسبب العقد، و يبقى المال أمانة شرعية في يده.

و يجب على المستودع بعد أن يفسخ العقد كما ذكرنا أن يردّ المال الى مالكه، أو الى وكيله المفوض في القبض عنه، فان هو لم يقدر على الردّ وجب عليه أن يعلم المالك أو وكيله بأنه قد فسخ العقد، و أن المال باق عنده، فان هو لم يفعل ذلك من غير عذر مقبول كان مفرّطا في أمانته الشرعية و ضامنا لها إذا تلفت في يده أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص.

(المسألة 13):

إذا قبل المستودع الوديعة من مالكها أو من وكيله المفوض، و قبضها منه وجب عليه أن يقوم بحفظها بما جرت به العادة المتعارفة بين الناس في حفظ مثل تلك الوديعة، فإذا كانت من النقود المسكوكة أو العملة الورقية أو من الحلي‌

106

و نحوها، خزنها في ما تحفظ فيه النقود و الحلي عادة من خزانة أو صندوق مضمون أو شبه ذلك، و إذا كانت من الثياب و شبهها حفظها في الصندوق أو المخزن الذي يعدّ بين الناس لحفظ مثلها، و إذا كانت من الدواب أو الحيوان جعلها في الموضع الذي يعدّ لأمثالها من إصطبل أو حظيرة أو مراح مأمون، و هكذا فيحفظ كل نوع أو صنف من الودائع في الموضع الحصين الذي يناسبه، و لا ريب في أن ذلك يختلف باختلاف الأقطار و البلاد و الأزمنة و المواضع، بل و باختلاف منازل الرجال المستودعين في مجتمعاتهم، و في الجهات الطارئة أو الثابتة التي تتصف بها الأماكن و البلاد من حيث الأمن و الخوف و غير ذلك.

و على وجه الإجمال فيجب على المستودع حفظ الوديعة في موضع يكون به حافظا لأمانته و غير مضيّع لها أو متسامح فيها.

(المسألة 14):

إذا عين المالك الوديعة للمستودع موضعا خاصا و اشترط عليه في العقد أن يحفظ فيه وديعته، فقال له مثلا: أو دعتك هذا المال على أن تحفظه لي في حجرة زوجتك عالية و في خزانتها الخاصة، أو على أن تجعله في الصندوق الحديدي في منزلك، تعين على المستودع إذا قبل بالشرط أن يقتصر في حفظ الوديعة على ذلك الموضع و لا يتعدّاه الى غيره، و ان كان الموضع الأخر الذي ينقله إليه أشدّ حرزا منه، و إذا نقل وديعته الى غيره كان متعديا و ضامنا لها.

و إذا علم من قول المالك أو من القرائن الموجودة أو ظهر منها ان مالك الوديعة انما يريد حفظ ماله و انما ذكر الموضع المعيّن من باب المثال و لا يريد التقييد و الخصوصية في ذلك الموضع جاز له أن ينقل الوديعة إلى مكان أخر‌

107

يساوي الموضع الذي ذكره أو يكون أشدّ منه حرزا.

(المسألة 15):

إذا عين صاحب المال موضعا خاصا لحفظ وديعته فيه كما فرضنا في المسألة المتقدمة و خاف المستودع على الوديعة أن تتلف أو تسرق أو تحرق أو تعيب إن هي بقيت في الموضع الذي عينه مالك الوديعة، لبعض الجهات التي تخفى على المالك أو التي تجددت بعد الاستيداع جاز له نقل الوديعة من الموضع المعيّن، و لا يكون بنقلها ضامنا لها، بل الظاهر جواز نقلها من ذلك الموضع في هذه الصورة و ان نهاه المالك عن نقلها منه، فقال له: لا تنقل الوديعة من هذا الموضع و ان تلفت.

(المسألة 16):

يجب على المستودع أن يتعاهد الوديعة ما دامت عنده بما يصونها عن التلف و العيب، أو تتوقف عليه صيانتها و سلامتها من ذلك، فإذا كانت الوديعة ثوبا أو شبهه من الصوف أو من الإبريسم فعليه أن ينشره كما هو معروف عند أهل الخبرة في بعض أيام الصيف في الشمس و الهواء الطلق ليسلم من التاكل أو من تولّد بعض الدود فيه، و عليه أن يقي الدابة من الحر و البرد الشديدين و من المطر و الثلج و نحو ذلك، و أن يتعاهد الدابة و الحيوان بمقدار ما يحتاج اليه من العلف و السقي، و أن يصون الكتاب من الرطوبة المفسدة و من الحشرات المتلفة كالأرضة و شبهها، و أن يحفظ الحبوب الكتاب عن الرطوبات و المياه التي توجب تعفّنها و فسادها و هكذا، فإذا هو ترك الملاحظة و الرعاية بمثل هذا الأشياء فتلفت الوديعة أو عابت كان ضامنا لما حدث فيها.

108

(المسألة 17):

لا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة تصرفا لم يأذن له فيه مالك الوديعة، و لا يتوقف عليه حفظها، فيكون بتصرفه فيها خائنا و متعديا، و مثال ذلك:

أن يأكل بعض الوديعة أو يلبس الثوب أو يسافر في السيارة أو يركب على الدابة أو يفترش الفراش أو يشترى بالنقود، أو يقترضها و ان كان عازما على أن يدفع العوض للمالك، فلا يحل له شي‌ء من ذلك إذا لم يأذن له به صاحب المال أو يتوقف عليه حفظه، و إذا فعله كان خائنا لأمانته و إثما في تصرفه و ضامنا للوديعة، و سيأتي لذلك مزيد بيان و إيضاح في الفصل الثاني ان شاء اللّه تعالى.

(المسألة 18):

من التصرف المحرّم على المستودع الموجب للحكم عليه بالضمان أن يدفع المالك إليه الوديعة و هي في كيس مختوم، فيفتح المستودع الكيس من دون ضرورة تدعوه إلى فتحه، و من التصرف المحرم كذلك ان يدفع المالك اليه المبلغ عملة و رقية ذات خمسة دنانير مثلا فيبدلها بعملة ذات عشرة دنانير أو خمسة و عشرين دينارا أو بالعكس، إلّا إذا اذن له المالك بذلك، أو كان المستودع لا يتمكن من حفظ المال الا بذلك، و تلاحظ المسألة الرابعة و السبعون، و من التصرف المحرم أن يدفع المستودع المبلغ الذي أودعه صاحبه عنده الى المصرف، و يأخذ بدله حوالة من المصرف بالمبلغ باسم المستودع، أو باسم مالك المال نفسه يدفعها له المصرف عند المطالبة، أو يفتح له حسابا خاصا يسدّده له مرة واحدة أو اقساطا كما يريد، فلا يحل للمستودع هذا التصرف، و يكون به متعديا و ضامنا، إلا إذا أجاز المالك له ذلك، أو استدعته ضرورة لا بدّ منها.

109

(المسألة 19):

الوديعة أمانة من مالك المال بيد المستودع، و لذلك فلا يثبت عليه حكم شرعي بالضمان إذا تلفت الوديعة عنده أو سرقت أو حدث فيها عيب أو نقص، إذا هو لم يتعد و لم يفرط في الوديعة و في حفظها، و قام بأمرها و برعايتها على الوجه المطلوب منه شرعا، و يأتي تفصيل هذا المجمل في الفصل الثاني ان شاء اللّه تعالى.

(المسألة 20):

لا يثبت على المستودع ضمان إذا قهره ظالم فأخذ الوديعة من يده مقسورا بغير اختيار منه، أو توعده الظالم بضرر يخشى من وقوعه عليه إذا امتنع، فدفعها اليه مكرها، و يثبت ضمان العين و ضمان منافعها في كلتا الصورتين على الظالم الذي قهره أو أكرهه.

و إذا كان المستودع هو السبب في تسلط الظالم على الوديعة، و وضع يده عليها فالضمان على المستودع، و مثال ذلك: أن ينبّئ المستودع الظالم بأمر الوديعة، و يصفها له و يحرضه على قبضها، بل و كذلك إذا عرّف الظالم بخبرها و بأن مالكها قد استودعها عنده ليحفظها له، فكان بذلك موجها، لنظر الغاصب إليها، و من أمثلة ذلك: أن يكون المستودع قد جعل الوديعة في موضع يلفت نظر الغاصب إليها، أو هو مظنّة لذلك، فالتفت إليها و غصبها، فيكون الضمان في هذه الفروض على المستودع نفسه، لأنه سبب الإتلاف.

و إذا اتفق في الصورة الأخيرة أن الظالم لم يلتفت الى الوديعة و لم يغصبها و لكنها تلفت بسبب أخر فالضمان على المستودع أيضا، لأنه قد فرّط في أمانته فوضعها في ذلك الموضع غير المأمون.

110

(المسألة 21):

إذا علم الظالم بوجود الوديعة و عزم على غصبها، و استطاع المستودع أن يدفعه عنها ببعض الوسائل المباحة المقدورة له، كالاستعانة على ذلك ببعض الوجهاء و ذوي السلطة وجب عليه الدفع عنها مهما أمكن.

و إذا سأله الظالم عن وجودها عنده جاز له إنكارها، و ان كان كاذبا في إنكاره، و جاز له أن يحلف على ما يقول إذا توقف الدفع عنها على الإنكار و الحلف، بل يكون واجبا عليه.

و إذا كان المستودع ممن يعرف التورية و يمكنه استعمالها وجب عليه استعمال التورية للتخلص من الكذب و القسم عليه على الأحوط لزوما.

و إذا اعترف المستودع للظالم بوجود الوديعة عنده فغصبها منه، كان المستودع ضامنا لها لأنه سبب إتلافها، و إذا اتفق أن الظالم لم يغصبها كان المستودع مفرّطا خائنا لأمانته بسبب إقراره بها للظالم، فيكون ضامنا لها إذا تلفت عنده بسبب أخر، و كذلك الحكم إذا أمكن له الدفع عنها بالإنكار و الحلف عليه فلم ينكر أو أنكر و لم يحلف، فإذا غصبها الظالم فهو السبب في الغصب، و إذا لم يغصبها فهو مفرط فيها لعدم دفعه عنها، و يكون ضامنا لها إذا تلفت في كلتا الحالتين.

(المسألة 22):

ليس من الوسائل الصحيحة التي يمكن أن تتخذ في هذا السبيل أن يخلص المستودع هذه الوديعة من يد الظالم بدلالته على مال لمؤمن أخر، أو بالسعاية عليه في ما يضرّه، و ان كان ذلك الرجل الذي سعى به أو دل الظالم على ماله عدوا مباينا للمستودع.

111

و ليس من الوسائل الصحيحة أن يجامل الظالم فيدفع اليه بعض الهدايا المحرمة في الإسلام، أو يعينه في بعض المحرمات التي تنكرها شريعة الإسلام أو يسايره و يمالئه في ارتكاب بعض المناهي و المنكرات فيها، و يتخذ ذلك ذريعة لتخليص ودائع بعض المؤمنين، أو المدافعة عن بعض حقوقهم، و تحريم جميع ذلك من الأمور بيّنة الوضوح، و انما تذكر للتحذير و التّنبيه، و تراجع المسألة الثالثة و الأربعون من كتاب التجارة من هذه الرسالة.

(المسألة 23):

إذا لم يمكن للمستودع أن يدفع الغاصب عن الوديعة الموجودة لديه الا بنزاع و خصام و ضرب، و استلزم ذلك أن يضرب المستودع أو يجرحه أو يناله بسبب ذلك هتك أو شتم أو كلام بذي، لا يناسب شرفه و مقامه و منزلته الاجتماعية بين الناس، لم يجب عليه أن يتحمل ذلك في سبيل دفاعه عن الوديعة.

و على وجه الاجمال لا يجب عليه الدفاع عنها، إذا استلزم ذلك وقوع ضرر عليه لا يتحمّل عادة لمثله، أو خسارة مالية تضرّ بحاله، أو استلزم له الوقوع في عسر أو حرج.

(المسألة 24):

إذا توقف دفع الظالم عن غصب الوديعة على أن يتبرع المستودع فيدفع له مبلغا من ماله لم يجب ذلك على المستودع، فإذا هو لم يدفع للظالم شيئا من ماله و غصب الظالم الوديعة فلا ضمان على المستودع بسبب ذلك.

و إذا أمكن له أن يخبر مالك الوديعة فيأخذ منه المبلغ لمصانعة الظالم و دفعه عن الوديعة، أو يستأذنه أو يستأذن وكيله المفوض في أن يدفع المبلغ من ماله‌

112

للظالم بالنيابة عن المالك، ثم يرجع عليه بما دفع، وجب عليه أن يفعل ذلك، و إذا لم يتمكن من استئذان المالك أو وكيله استأذن من الحاكم الشرعي، و إذا فرّط في الأمر مع إمكانه و لم يفعل شيئا من ذلك كان ضامنا.

و إذا لم تتيسّر له مراجعة المالك و لا وكيله و لا الحاكم الشرعي في أن يفعل ذلك باذن من أحدهم دفع المستودع المبلغ من ماله عن مالك الوديعة من باب الحسبة، و إذا دفع المبلغ من ماله كما بيّنا و قصد الرجوع به على المالك، و لم يقصد التبرع بالمال، جاز له الرجوع عليه، و إذا لم يفعل ما فصّلنا ذكره كان ضامنا للوديعة.

(المسألة 25):

إذا استطاع المستودع أن يفتدي الوديعة من الظالم ببعضها فيدفع له نصفها مثلا أو ثلثها أو ربعها، و يصرف بذلك نظره عن البقية منها فلا يغصبها وجب عليه أن يفعل ذلك فيحفظ الباقي منها، و كذلك إذا أمكن له أن يدفع بعض الوديعة لغير الظالم، فيصرف هذا الرجل الذي صانعه نظر الظالم عن غصبها، فيجب عليه أن يدفع البعض الى ذلك الشخص، فإذا فرّط المستودع في الأمر و لم يدفع شيئا منها ضمن الباقي إذا غصبه الظالم في الصورتين، لأنه هو السبب في غصبه و إتلافه و يضمنه كذلك إذا اتفق ان الظالم لم يغصب الباقي ثم تلف في يد المستودع لأنه قد فرّط في حفظه، فكان بتفريطه خائنا يلزمه الضمان.

و نظير هذا الفرض في الحكم أن تكون عند الرجل وديعتان لمالك واحد و أراد الظالم غصب الوديعتين كلتيهما، و أمكن للمستودع أن يدفع له احدى الوديعتين فلا يغصب الثانية، فإذا فرط المستودع و لم يدفعها اليه كان ضامنا على‌

113

النحو الذي تقدم بيانه.

(المسألة 26):

إذا استودع المالك عند الرجل دابة أو حيوانا وجب على المستودع أن يتعاهد الدابة أو الحيوان بالماء و العلف عند حاجتهما الى القوت و الشرب، و لا يلزمه أن يتولى ذلك بنفسه، فيكفيه أن يعهد بذلك الى بعض أولاده أو عياله أو غلمانه، إذا كان هذا البعض الذي يعهد اليه بذلك مأمونا على الحيوان، لا يفرّط و لا يتعدّى في حفظه، فلا يركب الدابة أو يعنتها أو يحملها، أو كان لا يسقيها أو لا يعلفها ما يكفي، و يجوز له أن يخرجها من الإصطبل و المراح المعدّ لها للسقي و العلف في خارجه، إذا كان من المعتاد ذلك، و كان الطريق مأمونا و لا يخرج به عن المعتاد.

(المسألة 27):

إذا أنفق المستودع على الحيوان حسب ما يتعارف له في قوته من العلف و الماء أو في غير ذلك مما قد يحتاج إليه عادة، جاز له أن يرجع على مالك الحيوان بما أنفقه عليه إذا هو لم يقصد التبرع به، و عليه أن يستأذن في الإنفاق عليه من مالك الحيوان، أو من وكيله المفوض أو من ولي أمره إذا كان قاصرا أو محجورا عليه، فإذا تعذر عليه الاستئذان كذلك أنفق هو على الحيوان من ماله من باب الحسبة و رجع بالنفقة على المالك إذا لم يقصد التبرع، و قد ذكرنا هذا في أول المسألة.

(المسألة 28):

الوديعة عقد يتقوم بالإذن في ابتداء حدوثه و في بقائه، و نتيجة لتقومه بالاذن فيبطل العقد إذا مات المالك المودع أو مات الأمين المستودع، و إذا جنّ أحدهما‌

114

فخرج بذلك عن ان يكون أهلا للإذن و القصد، فإذا مات المالك المودع بطلت الوديعة كما قلنا و أصبح المال أمانة شرعية بيد المستودع، بعد ان كان عنده أمانة مالكية، و سيأتي بيان الفرق بينهما في الفصل الأخير من هذا الكتاب، فيجب على المستودع أن يبادر برد المال الى وارث المالك الذي أودع المال، أو الى وكيل الوارث و الى وليه إذا كان قاصرا، و إذا لم يقدر على ردّ المال اليه بالفعل لبعض الجهات المانعة من الردّ، وجب عليه ان يعلمه بأن الوديعة موجودة عنده، و انه مستعدّ لردّها متى أمكن له الردّ، و ان هو لم يفعل كذلك مع تمكنه من فعله و عدم العذر كان مفرطا ضامنا.

و إذا لم يعلم المستودع بعد موت مالك الوديعة بوجود وارث له، أو كان الوارث غير منحصر في علمه بشخص معين أو أشخاص معيّنين، جاز له التأخير حتى يفحص عن ذلك و يعلم به، و يجب عليه أن لا يتسامح في أمر الأمانة فيتأخر من غير فحص أو يطيل المدة من غير ضرورة تقتضي ذلك.

و إذا جن مالك الوديعة و علم المستودع بجنونه، وجب عليه أن يبادر في ردّ الأمانة الشرعية إلى وليه الشرعي، فإذا لم يستطع الردّ اليه أن يعلم الولي بالوديعة و أنه مستعد لردّها، و ان هو لم يعلم بالولي الشرعي له على التعيين جاز له أن يتأخر بمقدار ما يفحص عنه، و يعلم به كما سبق في نظيره.

(المسألة 29):

إذا مات المستودع و بطلت الوديعة بموته كما سبق ذكره أصبحت الوديعة أمانة شرعية بيد الوصي من بعده، إذا كان قد أوصى الى أحد بالوديعة قبل موته و كانت أمانة شرعية بيد وارث المستودع إذا لم يكن قد أوصى بها، و إذا لم يكن قد‌

115

أوصى و كان وارثه قاصرا كانت الوديعة أمانة شرعية بيد الولي الشرعي على الوارث القاصر.

و يجب على من يصبح أمينا على الوديعة من أحد هؤلاء بعد موت المستودع أن يردّ الأمانة إلى مالكها الذي أودعها، أو الى وكيله المفوّض منه، و ان لم يتمكن من المبادرة إلى الردّ وجب عليه أن يعلم المالك أو وكيله بأن الوديعة قد انتقلت أمانة في يده، و انه يقوم بردها اليه متى أمكنه الردّ.

و إذا جنّ المستودع وجب على وليه الشرعي أن يقوم بالفعل، فيرد الأمانة إلى صاحبها أو يعلمه بها على الوجه الذي سبق ذكره.

(المسألة 30):

إذا مات مالك الوديعة و خلّف بعد موته ورثة متعددين، فان كان الميت المودع قد أوصى الى أحد قبل موته و عهد اليه أن يقبض الوديعة و يصرفها حسب وصية معينة له فيها، أو يقسّمها على الورثة بحسب ما يستحقونه من السهام في الميراث، تعين على المستودع أن يدفع الوديعة إلى الوصي ليعمل بها كما أوصى مالكها، و ان لم يوص الميت بأمرها الى أحد، وجب على المستودع ان يسلّم الوديعة إلى ورثة الميت جميعا أو الى أحد يتولى القبض عنهم جميعا من وكيل مفوض منهم إذا كانوا راشدين، أو ولي شرعي إذا كانوا قاصرين، أو الى فرد من الورثة أو من غيرهم يرتضون على اختياره فيفوضون إليه الأمر في قبض الوديعة و تقسيمها بينهم على المنهاج الشرعي في المواريث.

و يجوز للمستودع أن يوكل أحدا يعتمد عليه في دفع المال إليهم على الوجه المطلوب، و لا يجوز له أن يسلّم الوديعة الى بعض ورثة مالكها بغير اذن من الباقين‌

116

و إذا دفعها الى بعضهم كما ذكرناه كان ضامنا لحصص من لم يدفع اليه سهامه منهم.

(المسألة 31):

إذا طلب صاحب المال وديعته من المستودع وجب على المستودع أن يبادر الى ردّها إليه في أول وقت يمكن له فيه الردّ، و المراد أن يبادر الى ردّها مبادرة عرفية، فلا يجب عليه أن يقطع الصلاة الواجبة و لا المستحبة ليردّ الوديعة إذا كان قد شرع في الصلاة، و لا يجب عليه الإسراع في المشي أكثر مما يتعارف لمثله.

و لا ينافي المبادرة العرفية أن يتم أكله للطعام إذا طلب المالك منه وديعته و هو على المائدة مثلا، و لا ينافي المبادرة أن يقدّم الصلاة إذا طلبها منه و هو في أول وقتها، أو يبدأ بأكل الطعام إذا كان في وقت حضوره، و لا ينافيها كذلك ان يؤخر دفع الوديعة إليه حتى يشهد على الدفع و القبض، أو حتى يكتب له ورقة يعترف المالك فيها بقبض المال، أو حتى يسجل القبض في سجلّه الخاص، إذا لم يستلزم ذلك التأخير الكثير، و خصوصا إذا كان المالك المودع قد أشهد عليه في وقت الإيداع، أو كتب عليه ورقة اعترف فيها بالوديعة و وقع عليها، أو سجلها في سجلّ يثبتها، و خصوصا إذا كان في الأمر مظنة للنزاع و الإنكار و لو من الورثة بعد الموت، فلا يجوز للمستودع تأخير الرد أكثر من ذلك، و لا يجب عليه الإسراع أزيد منه.

(المسألة 32):

يتحقق رد الوديعة إلى صاحبها بأن يرفع المستودع يده عن الوديعة و يخلّي ما بين المالك و بينها و يرفع جميع الموانع من قبله عن استيلاء المالك عليها، و لا يجب على المستودع نقل الوديعة إلى المالك، فإذا كانت محفوظة في محل، أو مخزونة في حرز و رفع المستودع الحواجز و الموانع عنها و عن استلام المالك‌

117

إياها، و قال له مثلا: استلم وديعتك، فقد ردّ الأمانة إلى أهلها، و برئت ذمته من التكليف الشرعي بوجوب ردّها، و لا شي‌ء عليه بعد ذلك إذا أهمل المالك، أو تأخر في قبضها و وضع يده عليها.

(المسألة 33):

يجب على المستودع رد الوديعة إلى مالكها إذا طلبها منه، أو انفسخ عقد الوديعة بينهما بسبب أخر، سواء كان مالك الوديعة مسلما أم كافرا محترم المال و برا أم فاجرا، و لا فرق في المالك المسلم بين أن يكون من الشيعة و غيرهم من أي فرق المسلمين كان، و لا فرق في الكافر بين أصناف الكفار، إذا كان ممن يحترم ماله في الإسلام.

و الأحوط لزوما رد الوديعة إلى صاحبها، و ان كان كافرا غير محترم المال فإذا أودع عند المؤمن وديعة وجب عليه حفظها و ردّها إليه إذا طلبها منه، و في الحديث عن أمير المؤمنين (ع) قال: أدوا الأمانة و لو الى قاتل ولد الأنبياء)، و عن الإمام أبي عبد اللّه (ع): (أدوا الأمانة إلى أهلها و ان كانوا مجوسا)، و عنه (ع) انه قال: (أدوا الأمانة الى من ائتمنك و أراد منك النصيحة و لو الى قاتل الحسين (ع) و عن الامام زين العابدين (ع): (عليكم بأداء الأمانة، فو الذي بعث محمدا بالحق نبيا لو ان قاتل أبي الحسين بن على (ع) ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه).

(المسألة 34):

إذا استودع الغاصب أو السارق المال الذي غصبه أو سرقة من صاحبه عند أحد، و علم الودعي بأن الوديعة مغصوبة من مالكها الشرعي أو مسروقة منه، لم يجز له بردّها الى الغاصب أو السّارق مع التمكن من الامتناع عليه، و كان المال بيده‌

118

أمانة شرعية يجب عليه حفظها لمالكها الحقيقي، فإن هو عرفه ردّ المال اليه و إذا لم يتمكن من المبادرة إلى ردّ المال الى مالكة أعلمه بأن المال قد وقع في يده و انه سيرده اليه متى قدر على ردّه، و ان لم يعرف مالك المال وجب عليه التعريف به الى سنة، فإذا انقضت المدة و لم يعرف مالك المال تصدّق بالمال عنه و إذا وجد المالك بعد الصدقة بالمال أخبره بأنه أخذ المال و عرّف به سنة ثم تصدّق به كما أمره اللّه، و خيّره بين أن يقبل الصدقة لنفسه، فيكون له أجرها عند اللّه، و ان لا يقبل الصدقة فيغرم له المال و يكون أجر الصدقة للودعي المتصدق، و قد ذكرنا هذا الحكم في المسألة التاسعة و الأربعين من كتاب اللقطة.

(المسألة 35):

إذا جرى عقد الوديعة بين مالك المال و صاحبه، و استلم المستودع المال منه، ثم خاف المستودع على الوديعة أن تتلف بيده أو تسرق أو تعطب، بحيث كان الخوف عليها موجبا للشك منه في قدرته على حفظ الوديعة، أو للاعتقاد بعدم قدرته على ذلك، فالأحوط له لزوما وجوب ردّ الوديعة إلى المالك أو الى وكيله، فإذا تعذر عليه الرّد عليهما دفعها الى الحاكم الشرعي، و عرّفه بالأمر، و إذا لم يقدر على إيصالها اليه أو كان الحاكم الشرعي غير قادر على حفظها بنفسه أو بالتوكيل، دفعها المستودع إلى ثقة مأمون يقدر على حفظها و إيصالها إلى مالكها.

(المسألة 36):

إذا كانت للوديعة مدة محددة بين مالك الوديعة و المستودع، و انقضت مدة الاستيداع وجب على المستودع ان يرد الوديعة إلى مالكها، أو الى وكيله المفوض عنه في قبضها أو الى وليه إذا كان قاصرا أو محجورا عليه، فإذا تعذر عليه إيصالها‌

119

وجب عليه أن يعلمه بها، و بانتهاء المدة المعينة في العقد، و انه مستعد لردها متى أمكن له الرّد، و ان لم يقدر على شي‌ء من ذلك أوصل الوديعة إلى الحاكم الشرعي و عرّفه بأمرها، فإذا امتنع عليه ذلك، وضعها أمانة شرعية عند ثقة أمين ليحفظها لصاحبها من باب الحسبة، و إذا وجدت الثقة و الأمانة في المستودع نفسه بقيت في يده من باب الحسبة كذلك حتى يؤدّيها إلى أهلها.

(المسألة 37):

إذا خاف المستودع على نفسه من الموت لظهور اماراته عليه، من كبر سنّ أو ترادف أمراض و ما أشبه ذلك، و خشي على الوديعة التي أودعها صاحبه عنده أن تتلف بعد موته، أو تؤكل، أو تغصب من وارث أو من غيرة، و لم يأمن عليها إذا بقيت، وجب عليه ان يؤدّها في حياته الى مالكها، و ان يبادر الى ردّها على النهج الذي ذكرناه في ما تقدم.

و إذا كان الوارث أو القيّم على شؤون المستودع من بعده إذا مات يعلم بالوديعة و بصاحبها، و بموضعها، و كان ثقة أمينا يعتمد عليه و لا تضيع عنده الوديعة، لم يجب على المستودع ردّ الوديعة في حياته على صاحبها اعتمادا على ذلك، و إذا هو احتاط للوديعة فذكرها في وصيته و أشهد عليها فهو اولى و أفضل.

و إذا كان الوارث الذي يتركه من بعده لا يعلم بالوديعة، أو لا يعرف صاحبها أو كانت بيد المستودع عدة من الودائع فيلتبس على الوارث من بعده أمرها، وجب على المستودع أن يذكرها مفصلة في وصيته و ان يظهر له أمر كلّ وديعة من الودائع الموجودة عنده، و يذكر له وصفها، و العلامات المميزة لها، و اسم صاحبها و أوصافه المشخصة له و موضع حفظ الوديعة و إذا علم المستودع بأن الوصية‌

120

بها لا تتم إلا بالإشهاد عليها، و لو للحذر من وقوع تنازع و تخاصم الورثة من بين من يثبت منهم، و من ينفي وجب عليه الاشهاد و الاحتياط.

(المسألة 38):

لا يمنع المستودع من أن يخرج في سفر مباح غير واجب و غير ضروري له و يترك الوديعة في بلده إذا كانت محفوظة في حرزها الذي وضعها فيه، أو في متجره أو في موضع أخر عند أهله أو غيرهم، و هو يعلم أو يطمئن بأنها ستبقى محفوظة مأمونة في موضعها، دون تعدّ او تفريط فيها من أحد، و اولى من ذلك بالجواز و عدم المنع إذا كان السفر الذي يعزم عليه واجبا شرعيا، كالسفر للحج أو للعمرة الواجبين عليه، أو كان ضروريا لا بدله منه كالسفر لعلاج نفسه، أو من يضطر الى علاجه، أو لبعض الضرورات الأخرى، و كانت الوديعة على حالها من الحفظ و الا من في موقعها.

(المسألة 39):

إذا أراد المستودع سفرا، و كان لا يقدر على حفظ الوديعة الموجودة عنده إذا هو غاب في سفر عنها و تركها في بلده، أو كان لا يطمئن على ان الوديعة ستبقى في حال غيبته عنها محفوظة في موضعها، وجب عليه ان يرد الوديعة إلى مالكها، أو الى وكيله أو الى ولي أمره إذا كان المالك قاصرا أو محجورا عليه، و لا يجوز له أن يصحبها معه في سفره، و ان علم بأنه قادر على حفظها في أثناء سفره بها إلّا إذا أذن له المالك بأن يصحبها معه إذا سافر، و ليس له أن يودعها في حال غيبته عند مستودع أخر، إلا إذا أذن له المالك بايداعها، و سنتعرض لذكر هذا في الفصل الثاني ان شاء اللّه تعالى، و إذا هو لم يقدر على رد الوديعة إلى مالكها أو الى‌

121

من يقوم مقامه، و توقف حفظها على حضوره في البلد تعين عليه البقاء و ترك السفر مع الإمكان.

(المسألة 40):

إذا وجب على المستودع أن يسافر لحج أو عمرة أو غيرهما، أو اضطر الى السفر لعلاج نفسه أو غيره من بعض الأمراض أو لضرورة أخرى لا بدله منها، و لم يقدر على حفظ الوديعة في حال غيبته في السفر عنها، و تعذر عليه أن يردها قبل سفره الى مالكها، أو الى من يقوم مقامه في قبضها، فإن أمكن له أن يوصل الوديعة إلى الحاكم الشرعي ليحفظها لصاحبها وجب عليه إيصالها اليه، و ان تعذر عليه ذلك وجب عليه أن يودعها عند أمين عادل، و يعرفه أمرها و يعرفه باسم مالكها و نسبه، و يذكر له أوصافه و مشخصاته ليردها اليه متى وجده، و إذا لم يجد عادلا يودعها عنده في بلده أودعها عند عادل في بلد أخر.

(المسألة 41):

إذا أراد المستودع السفر و ترك الوديعة في البلد و في موضعها عند أهله، كما فرضنا في المسألة الثامنة و الثلاثين، و كان سفره الذي عزم عليه من الأسفار الكثيرة الخطر، وجب عليه ان يجرى أحكام من ظهرت له أمارات الموت، و قد ذكرنا هذه الأحكام في المسألة السابعة و الثلاثين، فعليه أن يلاحظ هذه المسألة لتطبيق أحكامها.

(المسألة 42):

إذا وجب السفر شرعا على المستودع، أو قضت به ضرورة لا بدّ له منها و وجد نفسه غير قادر على حفظ الوديعة في موضعها في حال غيبته في السفر عنها‌

122

و لم يقدر على ردّ الوديعة إلى مالكها أو الى من ينوب عنه في قبضها، و لم يتمكن من إيصالها إلى حاكم شرعي و لا إيداعها عند أحد العدول من المؤمنين في البلد أو في غيره، جاز له أن يصحبها معه في سفره، و وجب عليه أن يحافظ عليها مهما أمكنته المحافظة.

و كذلك الحكم إذا اضطرته الحوادث الى السفر من أجل الوديعة نفسها و مثال هذا أن تحدث في بلد المستودع عاديات من السلب و النهب أو الحريق أو غير ذلك، و يصبح البلد غير أمن، و لا مستقر الأوضاع، فلا يستطيع إبقاء الوديعة فيه، و لم يقدر على ردّها إلى أهلها، و لا إيصالها إلى مأمن مما ذكرناه في ما تقدم فيجوز له في هذا الحال ان يسافر بها و يصحبها معه، و يجب عليه الحفاظ عليها ما أمكن.

(المسألة 43):

إذا سافر المستودع و أخرج الوديعة معه مضطرا في الصورتين اللتين تقدم ذكرهما فاتفق له في السفر عروض أمر غير محتسب، فتلفت الوديعة بسبب ذلك الأمر أو سرقت أو حدث فيها نقص فلا ضمان عليه بذلك.

123

الفصل الثاني في ما يوجب ضمان الوديعة

(المسألة 44):

الوديعة كما قلنا في المسألة التاسعة عشرة أمانة من المالك في يد المستودع، و من أجل أمانته عليها فلا يكون ضامنا إذا تلفت في يده أو سرقت أو غصبت بالقهر عليه أو عطب شي‌ء منها، إذا كان قائما بما تقتضيه واجبات الامانة و لم يتعد و لم يفرط فيها، و ان هو تعدّى بعض الحدود على ما سيأتي بيانه من معنى التعدّي أو فرّط كذلك حكم عليه بالضمان، و ينحصر السبب الموجب لضمان المستودع للوديعة بالتعدّي و التفريط.

(المسألة 45):

إذا تعدّى المستودع الحدود التي تلزم مراعاتها للوديعة، و التي يعدّ خائنا لها في أنظار أهل العرف إذا تعداها، و خالف الأحكام الشرعية المبينة للوديعة، أو فرط في حفظها كما أمر اللّه بالحفظ، خرج بذلك عن كونه أمينا، و أصبحت يده عليها يدا خائنة، و لذلك فيصبح محكوما عليه بضمان أي تلف أو عطب أو سرقة أو نقص أو عيب يحدث على الوديعة، سواء كان حدوث ذلك الأمر عليها بسبب تعدّيه أو تفريطه أم بسبب أخر حصل بعدهما.

124

و لا تبرأ ذمته من هذا الحكم الا برد الوديعة إذا كانت موجودة، أورد مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة، أو دفع أرش النقصان و العيب إذا كانت ناقصة أو معيبة لا تبرأ ذمته الا برد ذلك الى مالك الوديعة، أو الى من يقوم مقامه، أو بإبراء المالك ذمته من الضمان بعد ان تشتغل ذمته بالمال، و هذا هو المراد من قولنا في المسألة السابقة:

إذا تعدّى المستودع أو فرّط ضمن.

(المسألة 46):

يتعدّد الحكم إذا تعدد الأمر الحادث الذي يتعلق به الضمان، و مثال ذلك أن يحدث في الوديعة عيب بعد أن يفرّط المستودع في أمرها أو يتعدّى، فيلزمه أن يدفع لمالك الوديعة أرش ذلك العيب الذي حدث فيها، ثم يحدث فيها بعد ذلك عيب أخر فيلزمه أن يدفع للمالك أرش العيب الجديد مضافا الى أرش العيب الأول و إذا تلفت الوديعة كلّها بعد ذلك لزم المستودع ان يدفع للمالك قيمة الوديعة و هي معيبة بالعيب الأول و الثاني، و لا يسقط أحد الأحكام بالآخر، و لا يتداخل بعضها في بعض.

(المسألة 47):

التفريط في الوديعة هو أن يهمل المستودع المحافظة عليها و لو من بعض الجهات اللازمة عليه للحفظ، أو يفعل ما يعد إضاعة لها، أو استهلاكا في نظر أهل العرف، و مثال ذلك: أن يجعل الوديعة في موضع بارز دون حرز يقيها و لا مراقبة و لا حفيظ، أو يحافظ عليها بأقلّ مما جرت به العادة المتعارفة بين العقلاء في حفظ تلك الوديعة، و وقايتها من التلف أو السرقة أو العيب.

و قد ذكرنا في مسألة سابقه وجوب سقي الدابة أو الحيوان المستودع و علفه‌

125

بمقدار ما تحتمه حاجة الحيوان الى ذلك في سلامته و بقائه صحيحا دون مرض فإذا ترك الودعي ذلك أو قصّر فيه من غير عذر أو سبب موجب فقد فرّط و ضيع و ذكرنا في ما تقدم أيضا وجوب إخفاء الوديعة عن الظالم الذي يخشى منه غصب الوديعة و نهبها أو سرقتها، فلا يجوز للمستودع أن يعرف الظالم بأمر الوديعة، أو يلفت نظره إليها، أو يجعلها في موضع يجلب نظره إليها أو نظر بعض السعاة الذين يتزلفون الى الظالمين، و تكون في ذلك الموضع مظنة للغصب أو السرقة، فإذا فعل كذلك فقد فرط و ضيع، و تراجع المسألة العشرون و ما بعدها.

(المسألة 48):

من التفريط بالوديعة إذا كانت من الثياب أو إلا قمشة أو المنسوجات الأخرى أو الحبوب أو الفرش أو الكتب و نحوها أن يجعلها في موضع تسري إليها فيه الرّطوبات من الأرض، أو من المطر، أو من بعض المجاري أو من الندا فتعفّنها أو تتلفها أو تعيبها أو تلونها أو تصل إليها الحشرات أو الدّواب المبيدة أو الآكلة أو المفسدة فتأكلها أو تفسدها، و إذا فعل كذلك فقد فرط و ضمن، و قد ذكرنا في المسائل السابقة أحكام السفر عن الوديعة و أحكام السفر بها، و بيّنا فيها ما يجوز منه و ما لا يجوز، و ما يعد تفريطا في الوديعة و ما لا يعد، فليلاحظ ذلك فذكره هنالك يغني عن الإعادة هنا.

(المسألة 49):

التعدّي على الوديعة هو أن يتصرّف الودعي فيها تصرفا لم يأذن به مالكها و لم يبحه له الشارع. مثال ذلك ان يلبس الثوب الذي استودعه المالك إيّاه، أو يفترش الفراش، أو يركب السيارة أو الدابة، أو يستعمل جهاز التبريد أو التدفئة من‌

126

غير اذن من المالك و لا اباحة من الشارع.

(المسألة 50):

قد تدل القرينة على اذن المالك ببعض التصرفات في الوديعة، فلا يكون مثل هذا التصرف تعديا من الودعي عليها، و مثال ذلك أن يأتي المالك بمبلغ من المال فيودعه عند الرجل، فإذا أخذ الرجل المبلغ من يده و عدّه ليضبط حسابه، ثم وضعه في كيس خاص. و أدخله في الخزانة أو نقله الى الموضع الذي أعده لحفظه في البيت أو في المتجر لم يكن هذا التصرف منه تعديا، و إذا أتاه بالسيارة و أودعه إياها فركب الودعي فيها و أدخلها المكان الذي هيّأه لحفظها لم يكن من التعدي و هكذا.

و قد يتوقف حفظ الثوب المستودع عند الإنسان من تأكله أو من تولد بعض الحشرات فيه على لبسه في بعض الأيام أو على إخراجه و نشره في الشمس أو الهواء الطلق، و يتوقف حفظ الفراش على استعماله كذلك فيجب على الودعي أن يفعل ذلك لحفظ الوديعة و لا يكون هذا الاستعمال و التصرف من التعدي على الوديعة.

(المسألة 51):

من التعدّي على الوديعة الموجب لضمانها أن يخلط المستودع مال الوديعة بماله، بحيث لا يتميز أحد المالين عن الآخر سواء خلطها بما هو أجود منها أم بمساو لها في الجودة و الرداءة أم بما هو أردأ، و كذلك إذا خلطها بجنس أخر من ماله، كما إذا خلط الحنطة بالشعير أو الأرز أو خلط الماش بالعدس أو بغيره من الحبوب، فإنه قد تصرف في الوديعة تصرفا لا اذن فيه فيكون اثما، و ضامنا‌

127

و هذا إذا لم يقصد بالخلط تملّك الوديعة و إنكارها، و انما قصد خلط ماله بها و هي في ملك صاحبها، و أوضح من ذلك في صدق التعدي المحرم ان يقصد بالمزج غصب الوديعة و الاستيلاء عليها، و كذلك إذا خلطها بمال لشخص أخر فيضمن المالين معا لمالكيهما إذا كانا وديعتين عنده.

(المسألة 52):

إذا استودع صاحب المال عند الرجل مبلغين من المال، و علم أو دلت القرينة على انهما وديعتان تستقل إحداهما عن الأخرى، فلا يجوز للمستودع أن يخلط احدى الوديعتين بالثانية و إذا خلطهما بغير اذن مالكهما كان متعديا و ضامنا لكلتا الوديعتين، بل و كذلك إذا احتمل انهما وديعتان مستقلتان، احتمالا يعتد به ما بين العقلاء، فيكون متعديا و ضامنا إذا خلطهما.

و إذا علم أو دلت القرينة على ان المالين الذين دفعهما له المالك وديعة واحدة، و خلطهما المستودع ليحفظهما أمانة واحدة في موضع، أو لأنه أيسر له في الحفظ و أمكن، فلا ضمان عليه بما فعل.

و إذا كان المبلغان في كيسين مختومين أو معقودين، ففك الختم أو العقدة بغير اذن المالك و خلط المالين معا كان متعديا و لزمه ضمانهما و ان قصد بذلك حفظهما، و أولى من ذلك بالحكم عليه بالضمان ما إذا خلط الوديعة بمال أخر للمودع ليس بوديعة.

(المسألة 53):

من التفريط بالوديعة أن يوكل المستودع أمر حفظ الوديعة و القيام عليها الى‌

128

غيره، أو يستودعها عند شخص أخر و ان كان الشخص ثقة مأمونا إلا إذا أذن المالك له بايداعها عند غيره، أو دعت الى ذلك ضرورة تحتمه عليه، و قد سبق في المسألة الأربعين وجوب إيداع الوديعة عند بعض العدول من باب الحسبة في الفرض المذكور في تلك المسألة و يراجع ما بيّناه في المسألة السادسة و الثلاثين.

و إذا أذن له المالك بإيداع الوديعة و عين له شخصا خاصا لم يجز له إيداعها عند غيره الّا إذا اتفق له مثل الضرورة المتقدم ذكرها.

(المسألة 54):

إذا أنكر الودعي أن المالك قد استودعه المال، فان كان إنكاره للوديعة بقصد غصبها و الاستيلاء، عليها كان خائنا فإذا أثبتها المالك عليه بالبيّنة الشرعية أو اعترف هو بها بعد إنكاره لها، ثم اتفق أن عطبت الوديعة في يده أو سرقت أو عابت كان ضامنا لما حدث فيها، و ان كان إنكاره لها لنسيان و شبه من الاعذار لم تزل الوديعة أمانة بيده، فإذا تذكرها بعد نسيانه لها و اعتراف بها، ثم تلفت أو عابت و هي في يده فلا ضمان عليه.

و كذلك إذا كان جحوده لها لإخفاء أمرها و الحفاظ عليها من أن يغصبها غاصب أو يسرقها سارق فلا يكون جحودها تعديا أو تفريطا، و لا يثبت عليه بسبب ذلك ضمان بتلف أو غيره، و قد ذكرنا هذا في بعض المسائل السابقة.

(المسألة 55):

إذا جحد المستودع الوديعة من غير عذر مقبول، أو طلبها منه مالكها أو وكيله فامتنع عن ردّها اليه مع التمكن من الردّ كان خائنا و ضامنا، و لا يرتفع الضمان‌

129

عنه بالإقرار بها بعد جحوده لها، أو امتناعه من ردّها، و لا بالتوبة عن ذلك و الاستغفار إذا تاب عن خيانته و استغفر، فإذا تلف المال أو سرق أو غصب أو حدث فيه عيب أو نقص كان عليه ضمان بدل ما تلف أو أخذ و أرش ما طرأ‌

(المسألة 56):

من التعدي الصريح أن يستودع المالك عند الرجل طعاما فيأكل بعضه أو يطعمه غيره، و أن يستودعه مالا فيستقرض شيئا منه أو يقرضه أحدا غيره، أو يبيعه على احد، أو يهبه إياه أو يدخله في مضاربة و نحوها من المعاملات، سواء قصد المعاملة بالمال لنفسه أم لمالك المال.

و من التعدي أن يستودعه حبوبا و شبهها فيطبخها أو يطبخ بعضها، و ان لم يأكل المطبوخ و لم يطعمه غيره، و من التعدي أن يؤجر العين التي أودعها المالك عنده أو يعيرها لأحد لينتفع بها، أو ينتفع المستودع بها بما يعدّ تصرفا في مال الغير بغير إذنه.

(المسألة 57):

إذا دفع المالك الى الرجل مالا ليكون عنده وديعة، فأخذ الرجل المال منه بقصد التغلّب و الاستيلاء عليه كان بذلك غاصبا عاديا على مال الغير، و حكم عليه بالإثم و الضمان بمجرّد قصده و نيّته لذلك و لم يتوقف على ان يتصرف في الوديعة تصرفا عدوانيا، و ليس الحكم في ذلك كالتصرفات الأخرى و كذلك إذا قبض المال من مالكه بنية الوديعة في أول الأمر، ثم تحولت نيته بعد القبض فقصد الغصب و التغلب عليها فيكون غاصبا بمجرد نيته، و لا يتوقف تحققه على ان يتصرف في المال تصرفا عدوانيا، و لا يرتفع الحكم بالضمان عنه إذا رجع عن قصده و تاب منه‌

130

و استغفر.

(المسألة 58):

إذا قصد المستودع في نفسه أن يتصرف في الوديعة التي دفعها له مالكها فيركب السيارة مثلا في سفرة معينة، أو يسكن الدار أو يقترض المال، ثم عدل عن نيّته الاولى و لم يتصرف في الوديعة، لم يخرج بمجرد نيّته الاولى عن الامانة و لم تثبت له الخيانة يكون ضامنا للوديعة إذا حدث فيها أمر، و ليس الحكم في هذه التصرفات كنية الغصب، و قد ذكرنا هذا في المسألة السابقة.

(المسألة 59):

إذا وضع المالك ماله في محفظة مختومة أو صندوق مغلق أو نحوهما من الغلافات التي تدل عادة على وحدة المال، و سلمه كذلك الى المستودع وديعة عنده، فلا ريب في دلالة ذلك على كون المال وديعة واحدة، فإذا فتح المستودع الغلاف أو الصندوق من غير ضرورة و لا اذن من المالك في فتحه كان ضامنا لجميع ما في الغلاف أو الصندوق بسبب تعديه أو تفريطه، سواء أخذ بعض المال أم لم يأخذ منه شيئا.

و إذا دفع له مبلغين من المال على انهما وديعتان مستقلتان، فهما وديعتان كذلك، فإذا فرّط المستودع في إحداهما أو تعدّى عليها كان ضامنا لها بالخصوص و لم يضمن الأخرى التي لم يتعد عليها و لم يفرط، سواء جعل المالك كل واحدة من وديعتيه في حرز مستقل أم لا.

و إذا دفع له كيسين مختومين أو محفظتين مختومتين على انهما وديعة واحدة، ففرّط المستودع في أحدهما أو تعدّى عليه، فأخذ بعضه مثلا فلا ريب في‌

131

ضمان جميع ما في ذلك الكيس أو المحفظة التي فرّط فيها، و هل يكون ضامنا لما في الكيس الأخر أو المحفظة الثانية من حيث ان المالك قد جعلهما عنده وديعة واحدة، أو لا يضمنه كما يرى ذلك جماعة من الأصحاب؟ و الأحوط لهما الرجوع الى المصالحة.

و كذلك إذا دفع المالك للرجل مبلغا من المال على انه وديعة، واحدة و لم يجعله في كيس أو حرز، فإذا تصرف المستودع في بعض ذلك المال نصفه أو ربعه مثلا، فهل يختص الضمان بالبعض الخاص الذي تصرف فيه أو يعم الجميع؟

فيجري فيه القولان المذكوران و الاحتياط بالمصالحة بين الطرفين كما في الفرض السابق.

(المسألة 60):

يجوز للمستودع ان يعتمد على بعض أهله أو على خادمه أو عامله في إدخال الوديعة إلى الموضع الذي يعيّنه هو لحفظها و وقايتها، إذا كان ذلك بنظره و ملاحظته و كان الاعتماد على مثلهم في هذه الأمور من العادات المتعارفة بين الناس في البلد، و بين الامناء الذين لا يتسامحون في شئون ودائعهم و الحفاظ عليها.

(المسألة 61):

إذا فرط المستودع في الوديعة أو تعدّى الحد المأذون به من المالك أو من الشارع في تصرفه بها على ما فصلناه في المسائل المتقدمة خرجت يده بذلك عن كونها يد أمانة و حكم عليه بالضمان، و قد تكرّر منا ذكر هذا، و يسقط الحكم بالضمان عنه بامتثال الحكم فيردّ الوديعة نفسها إلى أهلها إذا كانت موجودة، و يرد مثلها أو قيمتها إذا كانت تالفة، و يردها و يرد معها أرش النقصان أو العيب إذا كان‌

132

ناقصة أو معيبة، و يسقط الحكم عنه أيضا إذا اشتغلت ذمته ببدل الوديعة و هو المثل أو القيمة، أو بالأرش و هو التفاوت ما بين قيمتها صحيحة و معيبة، ثم أبرأ المالك ذمته من ذلك بعد اشتغالها بالمال.

(المسألة 62):

إذا فرّط المستودع في الوديعة أو تعدّى الحد المأذون فيه من التصرف فيها حكم عليه بالضمان إذا هي تلفت أو عابت في يده كما تكرر ذكره، فإذا فسخ مالك المال عقد الوديعة بينه و بين المستودع قبل أن تتلف الوديعة أو تعيب، بطلت الوديعة و زال الحكم المذكور بزوالها، فإذا اتفقا على الاستئمان مرة ثانية و دفع المالك الى المستودع تلك الوديعة، و جدد معه العقد صحت الوديعة، و ترتبت أحكامها، فلا يكون المستودع ضامنا الا بتعدّ أو تفريط جديد.

(المسألة 63):

يشكل القول بسقوط الحكم بالضمان عن المستودع إذا أبرأ المالك ذمته من الضمان بعد أن فرط أو تعدى على الوديعة، و قبل أن تتلف الوديعة بيده أو تعيب و تشتغل ذمته فعلا بالبدل أو بالأرش.

133

الفصل الثالث في بعض أحكام الوديعة

(المسألة 64):

إذا ادعى المالك على الرجل انه قد استودعه وديعة من ماله، و أنكر الرجل ان المالك استودعه شيئا، فالقول قول منكر الوديعة مع يمينه، الا أن يقيم المالك بينة لإثبات ما يدعيه.

و إذا اعترف المستودع بأن صاحب المال قد دفع إليه وديعة، و ادعى أن الوديعة قد تلفت في يده بعد ان قبضها منه، صدق في قوله لأنه أمين و عليه اليمين للمالك الا أن يقيم المالك بيّنة على وجود الوديعة و عدم تلفها، و إذا اعترف بالوديعة من صاحب المال كما في الفرض السابق، و ادعى انه قد ردّ الوديعة إليه صدّق في قوله أيضا مع اليمين.

و كذلك الحكم إذا اتفق المالك و المستودع على أن المالك قد أودعه المال و اتفقا أيضا على ان الوديعة قد تلفت عند المستودع، ثم ادعى المالك أن المستودع قد تعدّى أو قد فرّط، و تلفت الوديعة بعد تعديه أو تفريطه فيكون ضامنا لها، و أنكر المستودع ما يدعيه المالك عليه، فالقول قول المستودع مع يمينه، الا أن يقيم المالك بيّنة شرعية مطلقة تثبت صحة ما يدعيه من ان التلف بعد التفريط.

(المسألة 65):

134

إذا انقضت المدة المعينة للوديعة، أو فسخ عقد الوديعة من المالك أو المستودع، فدفع المستودع الوديعة إلى شخص ثالث، و ادعى ان مالك الوديعة قد اذن له في دفعها الى ذلك الشخص، و أنكر المالك انه أذن له في الدفع اليه، قدم قول المالك المنكر، و عليه اليمين للمستودع على عدم الاذن له، الا ان يقيم المستودع بيّنه على حصول الاذن من المالك.

و إذا اعترف المالك للمستودع بأنه أذن له في الوديعة الى ذلك الرجل و أنكر أن المستودع سلّم الوديعة الى ذلك الوكيل الذي أذن بالدفع اليه، فالقول قول المستودع في الردّ اليه مع اليمين، و قد ذكرنا هذا الحكم في المسألة المتقدمة، إذ لا فرق بين الردّ الى المالك و الردّ الى وكيله.

(المسألة 66):

إذا اختلف مالك المال و المستودع أولا في أصل الوديعة، فادعى المالك انه قد استودعه المال، و أنكر المستودع وقوع وديعة بينهما، و أقام المالك بيّنة تثبت ما يدعيه على المستودع و أنه قد دفع إليه الوديعة، و بعد أن أقام المالك البيّنة المذكورة صدّقها المستودع في أن المالك قد استودعه المال، و ادعى أن الوديعة التي دفعها المالك اليه قد تلفت قبل الدعوى بينهما و قبل إنكاره إياها، فلا تسمع منه دعواه في هذا الفرض للتناقض بين قوله السابق و قوله الأخير، و إذا هو اقام بيّنة على تلف الوديعة، لم تقبل بيّنته لانه قد كذّبها بإنكاره السابق، و لذلك فيلزمه الحاكم الشرعي برد الوديعة نفسها الى مالكها.

و إذا هو صدّق بيّنة المالك في وقوع الوديعة بينهما و ادّعى ان الوديعة المدفوعة إليه قد تلفت بعد اقامة الدّعوى و إنكاره الأول سمعت منه دعوى التلف‌

135

إذا أقام عليها بيّنة تثبت التلف، فلا يلزمه الحاكم الشرعي برد الوديعة نفسها، و عليه أن يدفع للمالك مثل الوديعة إذا كانت مثلية، و قيمتها إذا كانت قيمية، و يثبت عليه هذا الضمان لانه قد فرّط في الوديعة بإنكاره للسابق، و لا يسقط عنه الضمان باعترافه أخيرا.

و إذا لم تكن له بيّنة على تلف الوديعة لم يسمع الحاكم منه دعوى التلف و ألزمه برد الوديعة نفسها.

و إذا أبدى له عذرا عن إنكاره الأول للوديعة و كان عذره عن ذلك مما يقبله العقلاء سمعت دعواه في كلا الفرضين المذكورين.

(المسألة 67):

إذا فرّط المستودع في الوديعة أو تعدّى عليها ثم تلفت في يده فكان بذلك ضامنا لمثلها أو لقيمتها، ثم اختلف المالك و المستودع في مقدار المثل الواجب عليه أو مقدار القيمة، قدّم قول من ينكر الزيادة منهما و هو المستودع في الحالات المتعارفة بين غالب الناس و عليه اليمين لنفي الزيادة التي يدعيها الآخر.

(المسألة 68):

إذا حلف المستودع في الصورة المتقدمة وادي اليمين الشرعية لنفي الزيادة في المثل أو القيمة التي يدعيها المالك، حكم ظاهرا بنفي الزيادة، و لم يجز للمالك أن يأخذها منه بعد اليمين، و إذا علم المستودع أن قيمة الوديعة أو مثلها بمقدار ما يدعيه المالك و ليست أقل من ذلك، لم تبرأ ذمته من الزائد و لم يسقط عنه وجوب أدائه للمالك باليمين الذي أداه أمام الحاكم، فيجب عليه أن يوصله اليه مهما أمكن.

(المسألة 69):

136

يجوز للأب و الجدّ أبى الأب أن يستودعا مال الصبي أو الصبية عند ثقة أمين ليحفظه له إذا لم تكن في إيداع ماله مفسدة تعود على الطفل أو على ماله، و يجوز لولي اليتيم غير الأب و الجد للأب ان يستودع ماله كذلك إذا كانت في إيداع المال مصلحة تعود لليتيم أو لماله، و كذلك الحكم في الولي على المجنون و السفيه.

(المسألة 70):

إذا أذن مالك الوديعة للمستودع بأن يودعها عند ثقة أمين متى شاء، أو أذن له بذلك عند طروء بعض الحالات من سفر و نحوه، جاز له ان يستودعها حسب ما أذن له صاحب المال، و لا يجوز له ان يتجاوز ما عيّن له من الحالات، و إذا عيّن له أشخاصا فلا يحق له أن يتعدى عنهم الى غيرهم، و ان كانوا أوثق في نفسه و أمن.

و نتيجة لما ذكرناه، فيجوز ان تترامى الوديعة بين عدة أشخاص من الامناء مع اذن المالك لهم على الوجه الذي ذكرناه، و لا يجوز الإيداع إذا لم يأذن به مالك المال.

(المسألة 71):

تصح الوديعة و تجرى عليها أحكامها في الأعيان غير المنقولة كالدور و العقارات و الا راضي، كما تصح في الأعيان المنقولة، و لا ريب في ان حفظ كل شي‌ء بحسبه و بما جرت به العادة المتعارفة في الحفاظ عليه و وقايته و الإبقاء عليه صحيحا سليما من العيوب، و بعيدا عن المتلفات و المهلكات، و عن استيلاء الظالمين و اعتداء المعتدين، فإذا أودعه المالك دارا أو عقارا، فلا بد للمستودع من المرور به و الدخول اليه و تفقد شؤونه و عمارته للمحافظة عليه، و على بقائه من الطواري و العوارض التي قد تجدّ لأمثاله، و هكذا، فإذا تركه و لم يتعهده بما تجري‌

137

به العادة من الرعاية و المراقبة كان مفرطا ضامنا، و إذا استأمن المالك الرجل على الدار أو العقار أو الأرض أو البستان، و خوّله أن يوجر الدار أو العقار، و أن يستثمر البستان و يقبض المنافع و الثمار و يحفظها له، كانت المعاملة وكالة في الإيجار و الاستثمار، و كان إبقاء المال الحاصل من ذلك عنده وديعة، و إذا استأمنه عليها و أباح له أن ينتفع بمنافعها جميعا أو ببعضها، و يحفظ له الباقي كانت المعاملة عارية و الباقي من المال في يده وديعة، فلا بدّ من الفحص و التأكد من المقصد عند اجراء المعاملة لكي لا تشتبه الأمور و تلتبس الأحكام بين أقسام الاستئمان.

(المسألة 72):

إذا نمت الوديعة نماء أو أنتجت نتاجا و هي عند المستودع فالنماء و النّتاج الحاصل منها مملوك لمالك الوديعة، و مثال ذلك، أن تلد الدابة و أنثى الحيوان المودعة عند الرجل أو تثمر الشجرة أو تنتج لبنا أو سمنا أو بيضا، فإن أمكن رد النماء و النتاج الحاصل من الوديعة إلى المالك أو الى وكيله وجب على المستودع ذلك، و ان لم يمكن بقي النماء و النتاج أمانة شرعية في يده ليوصله الى المالك أو الى من يقوم مقامه، و إذا كان المالك قد أذن له في ان يبقى النتاج و النماء وديعة عنده أبقاه كذالك، و سيأتي بيان الفرق بين الأمانة المالكية و الأمانة الشرعية في الفصل الرابع إن شاء اللّه تعالى.

(المسألة 73):

إذا أباح المالك للمستودع أن يتصرف في لبن الحيوان المستودع عنده و في السمن الناتج منه جاز له ذلك و لم يجب عليه إبقاؤه امانة في يده، و كذلك إذا أباح له أخذ الصوف و الوبر من الحيوان، فيجوز له أن يجزّه و يأخذه، و لا يكون ذلك بعد‌

138

الاذن فيه من التعدي على الوديعة.

فيجوز للمالك و المستودع أن يصطلحا بينهما فيجعل النماء الحاصل من الحيوان عوضا عما ينفقه المستودع على الحيوان من علف و سقي و نفقة غيرهما.

(المسألة 74):

الغالب المتعارف عليه بين الناس في عامة الودائع من الأموال، كالأثاث و المتاع و الثياب و الفرش و الأدوات و الكتب و الحيوان، أن يكون الملحوظ لمالك الوديعة هو حفظ هذه الودائع بذواتها و أعيانها، بل و كذلك في الأموال الأخرى كالحبوب و الغلات و المخضرات و سائر الأموال غير النقود و العملات و لذلك فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في عين الوديعة أو يبدلها بغيرها بوجه من الوجوه و ان حفظ ماليتها، حتى في المنتوجات التي تخرجها المعامل و الشركات الحديثة متشابهة في جميع الصفات و المقادير و الخصائص و الإحجام، فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة منها و يبدلها بفرد أخر يماثلها تمام المماثلة و إذا تصرف في العين كذلك من غير اذن من المالك كان متعديا ضامنا و قد ذكرنا لذلك أمثلة موضحة في التعدي و التفريط.

و كذلك الحكم في الوديعة من العملات و النقود على الظاهر، فلا يجوز للمستودع أن يتصرف في الوديعة منها و يبدلها بغيرها و ان حافظ على ماليتها بنقد أخر يعادلها من الأوراق أو المسكوكات، الا أن يعلم أو تدل القرائن على ان المقصود للمالك من استيداعها هو حفظ ماليتها و أن تغيرت أعيانها، و هذا هو المعلوم من الودائع الدارجة في المصارف و البنوك، فان القرينة العامة دالة على أن المراد فيها ذلك.

139

و لهذا فيجوز للمستودع عنده مع وجود هذه القرينة أن يتصرف في العين المودعة و يحتفظ للمالك بما يعادلها في المالية من العملة نفسها عند الحاجة و الطلب.

(المسألة 75):

إذا دفع صاحب المال الى المصرف أو الى البنك أو الى أي مؤسّسة صحيحة أخرى: مبلغا من ماله ليبقى المبلغ المذكور وديعة له عند المؤسّسة تحفظ له ماليتها، كما قلنا في المسألة المتقدّمة، و تدفعها له عند الطلب، أو بعد مضي مدّة معينة، حسب الشرط المتفق عليه بين المالك و المؤسّسة، جاز للمؤسّسة أن تتصرف في عين الوديعة كيف ما شاءت، على أن تفي له بدفع مقدار ذلك المبلغ المودع عندها من ماله في الوقت المتفق عليه بينهما.

(المسألة 76):

إذا دفع المصرف أو البنك أو المؤسّسة لصاحب الوديعة فائدة معيّنة شهرية أو سنوية للمبلغ الذي أو دعه عندها جاز للمالك أن يأخذ تلك الفائدة من المؤسّسة، و لا يكون ذلك من الربا المحرّم أخذه في الإسلام، فإن المفروض ان المالك انما دفع المبلغ وديعة تحفظ له المؤسّسة ماليتها و لم يدفعه قرضا للمؤسّسة فتكون الفائدة من ربا القرض و ليست هي من الربا في المعاملة فلا يحرم على صاحب الوديعة أخذها، نعم إذا دفع صاحب المال المبلغ للمؤسّسة على أن يكون قرضا لها لم يجز له أن يأخذ الفائدة عليه لأنه من ربا القرض و لا ريب في أن العقود تتبع القصود.

(المسألة 77):

140

إذا أتلف المستودع عين الوديعة بفعله، أو تعدّى أو فرّط فيها ثم تلفت بعد ذلك في يده و ان لم يكن التلف بفعله وجب عليه أن يدفع للمالك مثلها إذا كانت مثلية و قيمتها إذا كانت قيمية بدلا عنها.

و إذا كانت الوديعة القيمية التالفة مما توجد له أمثال تتّحد معه في المقدار و الصّفات و المالية و النفع كالمنتوجات التي تخرجها المعامل و الشركات الحديثة، فالظاهر وجوب دفع هذا المثل للمالك بدلا عن العين التّالفة، على ان يكون البدل و الوديعة من إنتاج شركة واحدة و معمل واحد.

و إذا اختلف المثل الموجود عن الوديعة التالفة في القيمة من حيث الجدّة و القدم و الاستعمال و عدمه، و لم يوجد ما يماثلها في هذه الجهة لم يجب على المستودع دفع ذلك المثل إذا كان أكثر قيمة منها، و لم يكفه إذا كان أقل قيمة منها و دفع القيمة بدلا عن العين التالفة.

141

الفصل الرابع في الأمانة الشرعية

(المسألة 78):

إذا وضع الإنسان يده على مال لغيره و هو يعلم أن ذلك المال لغيره فقد يكون وضع يده عليه باذن من صاحب المال، فيسمّى ذلك في عرف المتشرعة و الفقهاء أمانة مالكية، و قد يكون وضع يده على المال باذن من الشارع، و حكمه فيه بجواز ذلك أو بوجوبه عليه، و يسمّى ذلك عندهم أمانة شرعية، و قد يضع يده على المال بغير اذن من المالك و لا من الشارع فتكون يده على المال يدا عادية غير أمينة، و قد فصلنا أحكام اليد العادية في كتاب الغصب من الجزء السادس من هذه الرسالة و قد يضع الإنسان يده على مال غيره و هو يجهل أن المال مملوك لغيره، أو هو يعتقد مخطئا أنه المالك الشرعي لذلك المال، و من أمثلة هذا الفرض: الشي‌ء المبيع الذي يقبضه من بائعه عليه بالبيع الفاسد، و العين التي يقبضها من صاحبها بإجارة فاسدة، و نحو ذلك من الأشياء التي يأخذها من مالكها بإحدى المعاملات ثم يظهر له ان المعاملة التي جرت بينهما معاملة فاسدة.

و لكلا الفرضين المذكورين أنحاء متعددة تختلف أحكامها، و لا ريب في أنها جميعا ليست من أقسام الأمانة، و قد يلحق بعضها بالغصب في الأحكام، و ان لم‌

142

يكن الإنسان واضع اليد فيه غاصبا و لا اثما بسبب جهله، و قد ذكرنا أحكام المال المقبوض بالعقد الفاسد في كتاب الغصب فلتلاحظ.

(المسألة 79):

الأمانة المالكية هي ما يكون الاستئمان على المال و الاذن بوضع اليد عليه من المالك نفسه، أو من وكيله المفوض، أو من ولي أمره إذا كان قاصرا أو محجورا عليه بسبب يوجب الحجر، فإذا أذن للإنسان في قبض المال و وضع المؤتمن يده على المال باذنه أصبح المال أمانة من المالك بيده، و هو على أقسام كثيرة يشترك جميعها في ترتب أحكام الامانة عليه، ما لم يفرط الأمين في أمانته، أو يتعدّ في تصرفه بها كما سبق تفصيله.

فالوديعة المقبوضة من المالك أو من يقوم مقامه أمانة مالكية بيد المستودع و المال الذي يدفعه المالك الى الوكيل ليبيعه له أو يؤجره أو يجري إحدى المعاملات فيه، أو ليتصرف فيه تصرفا خارجيا من تعمير و ترميم و شبه ذلك أمانة مالكية بيد الوكيل، لأن المالك قد أذن له في ذلك، و العين التي أعارها الشخص لغيره لينتفع بها، أمانة مالكية بيد المستعير لأن المالك أذن له في القبض و استأمنه على العين و العين التي سلمها مالكها للمستأجر منه ليستوفي منها منفعتها في مدة الإجارة أمانة مالكية بيد المستأجر لأنه قبضها باذن المالك، و استأمنه عليها في المدة المذكورة، و العين التي دفعها صاحبها للأجير ليؤدي فيها العمل الذي أجر نفسه للقيام به لمستأجره، و المال الذي دفعه المالك لعامل المضاربة ليتجر به، و الأشياء التي يشتريها عامل المضاربة للمالك و يقبضها بالنيابة به للاتجار، و العين التي يدفعها الراهن للمرتهن لتكون وثيقة له على دينه حتى يؤديه، و هكذا في‌

143

الموارد الكثيرة من المعاملات المختلفة و التي يستأمن مالك العين فيها عامله أو شريكه أو وكيله على المال، فالمال في جميع هذه الموارد أمانة مالكية، و لا خلاف في جميع ذلك.

(المسألة 80):

الأمانة الشرعية كما قلنا في أول هذا الفصل هي ما يقع من أموال الناس الآخرين في يد الإنسان، و هو يعلم أنها من أموال الآخرين، و يكون وقوعها في يده بسبب غير عدواني، و يكون من غير اذن من مالك المال، و لا من يقوم مقامه في صحة التصرف في ماله. و الأمانة الشرعية تكون على عدة أنحاء.

فقد يكون السبب في وقوع المال في يد الإنسان رخصة شرعية له في أن يستولي على العين، و قد يحدث ذلك بسبب قهري لا خيرة لأحد من الناس فيه و قد يحدث بسبب مالك المال نفسه، أو وكيله من غير علم لهما و لا اختيار و قد يكون بسبب فاعل مختار لا يعلم به على وجه التحديد، و هكذا.

فاللقطة التي يجدها الإنسان في موضع يصح الالتقاط فيه، أمانة شرعية في يد الملتقط، لأن الشارع أباح له أن يأخذ اللقطة في مثل هذا الموضع ليعرّف بها و يجري أحكامها، و الحيوان الضال الذي يراه الرجل أمانة شرعية في يد من وجده، للرخصة الشرعية له في وضع اليد عليه و تطبيق أحكامه، و مال الغير الذي يأخذه الشخص من غاصبه أو سارقه أمانة شرعية في يد ذلك الشخص الآخذ، لان الشارع قد أوجب عليه مع القدرة أن يأخذه من الظالم و يحفظه لصاحبه من باب الحسبة الشرعية، و المال الذي يأخذه الرجل من الصبي أو المجنون إذا خاف على مالهما التلف إذا بقي في يدهما أمانة شرعية في يد ذلك الرجل، لان الشارع قد أذن‌

144

له ان يأخذ المال منهما من باب الحسبة و يحفظه لمالكه أو يرده للولي الشرعي و المال أو الحيوان الذي يعرف الإنسان مالكه و يجده في معرض الهلاك و التلف يجب عليه أخذه مع القدرة من باب الحسبة ليقيه من التلف فيكون امانة في يده حتى يرده الى الى مالكه، و المال الذي يلقيه الطير في ملكه أو يأتي به ماء المدّ أو السيل اليه، أو يلقيه الريح العاصف في منزله أو في أرضه فيكون تحت يده و سلطنته و هو لا يعلم يكون أمانة شرعية بيده، لأن الشارع قد أذن له في قبض ذلك المال ليردّه الى مالكه، و المال الذي قبضه من البائع أو من المشتري أو من المستأجر غلطا منه زائدا على حقه، أمانة شرعية في يده كذلك ليرده الى صاحبه، و المال الذي يجده في الثوب الذي اشتراه أو في الصندوق الذي ابتاعه و المالك الذي باعه لا يعلم بوجود المال فيه، أمانة شرعية في يده حتى يردها الى المالك. و هكذا في الموارد الكثيرة المختلفة التي تشبه ما تقدم ذكره و تشاركه في الحكم.

(المسألة 81):

الحسبيات هي أمور الخير و الإحسان التي تكثرت الأدلة الشرعية من الكتاب الكريم و السنة المطهرة في الحث عليها و الترغيب فيها و تضافرت على الأمر بها و الاستباق لها و المسارعة إلى فعلها، كحفظ مال اليتيم، و اغاثة الملهوف و اعانة الضعيف، و نصر المظلوم، و دفع الظلم عنه، و كشف كربة المضطر، و حفظ مال الغائب، و سائر موارد الإحسان إلى الناس الذين يستحقون الإحسان، و الى المؤمنين منهم على الخصوص و تسديد خلتهم، مما يكون امتثالا لقوله سبحانه:

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ، و لقوله تعالى سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ، و قول الرسول (ص) (اللّه في عون العبد ما كان العبد في‌

145

عون أخيه)، و لا ريب في ان موارد التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة تنطبق عليها و تكون امتثالا لها.

(المسألة 82):

الظاهر ان التصدّي لما تقدّم بيانه من الأمور الحسبية لا يختص بالحاكم الشرعي، و لا يتوقف على اذنه، فيجوز للعدل من المؤمنين أن يتصدّى له إذا كان عارفا في تطبيقه على موارده تطبيقا صحيحا، و لا يجوز له ان يتصدى له إذا كان جاهلا بذلك، أو كان شاكا في معرفته، و لا بدّ له من الرجوع الى فتوى من يقلّده من الفقهاء.

نعم، لا بدّ من مراجعة الفقيه العادل في الولاية على اليتيم و نحوه، و في أشباه ذلك من الولايات و من الأمور التي تتوقف على المعرفة التامة بالأحكام و النظر الصحيح فيها على الأحوط ان لم يكن ذلك هو الأقوى فيها.

(المسألة 83):

إذا كانت العين أمانة من المالك بيد الشخص، و قد قبضها بأذنه و كانت أمانته منه مؤقتة بمدّة معيّنة، ثم انقضت المدة المحدودة لها، أو كانت الأمانة قد وقعت في ضمن عقد من العقود كالإجارة و الصلح و الوكالة و الرهن و العارية و نحوها، ثم فسخ العقد أو بطل بعروض أحد المبطلات، و لم ترد الأمانة إلى أهلها لعذر من الأعذار الصحيحة، بقيت العين أمانة بيد الأمين.

فالوديعة بعد أن تنقضي مدتها أو ينفسخ عقدها أو يبطل بأحد المبطلات إذا لم ترد الى مالكها لعذر مقبول، تبقى أمانة بيد المستودع حتى يردّها إلى أهلها و العين المستأجرة إذا انقضت مدة الإجارة أو بطلت بسبب من الأسباب، تبقى‌

146

أمانة بيد المستأجر حتى يردّها الى صاحبها، و العين المرهونة بعد أن تفك رهانتها تبقى أمانة بيد المرتهن كذلك، و المال الذي بيد الوكيل بعد أن تنقضي مدة الوكالة أو يبطل عقدها أو يعزل الوكيل، يبقى أمانة بيد الوكيل حتى يردّه، و مال المضاربة بعد أن ينفسخ عقدها أو تنقضي مدتها أمانة بيد العامل حتى يرده الى المالك و هكذا. فان كان بقاء المال في يد الأمين في الفروض التي ذكرناها برضا المالك و اذنه، أو كان فسخ العقد أو بطلانه في أثناء المدة، فالامانة مالكية، و ان كان بقاء المال عند الأمين لعجزه عن إيصال المال الى مالكه أو الى من يقوم مقامه أو ينوب عنه فالامانة شرعية.

(المسألة 84):

الأمانة الشرعية كالأمانة المالكية في الآثار و الأحكام، فيجب على الأمين حفظها و صيانتها بما جرت به العادة في حفظ الامانة بين الناس، و يجب عليه ردّها الى مالكها أو الى من يقوم مقامه في أول وقت يقدر على ردّها فيه.

و يتحقق ردّ الأمانة بأن يرفع الأمين يده عنها، و يخلّي بين مالكها و بينها و يرفع الموانع له عن قبضها إذا شاء و متى شاء، كما فصلناه في ردّ الوديعة في المسألة الثانية و الثلاثين.

و لا ضمان على الأمين إذا تلفت الأمانة الشرعية في يده أو سرقت أو عابت إلا إذا تعدّى عليها أو فرّط في حفظها كما في الأمانة المالكية سواء بسواء.

147

كتاب احياء الموات و ما يتبع ذلك من المشتركات العامة

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

كتاب احياء الموات و ما يتبعه و تفصيل القول في هذا الكتاب يقع في تسعة فصول:

الفصل الأول في الأرضين الميتة و أحكامها

(المسألة الأولى):

الموات من الأرض هي ما قابل الأرض المحياة، و يراد بها الأرض البائرة التي لا تنتج بالفعل منفعة يقصدها الناس العقلاء من أمثالها، كالمفاوز المقفرة من السكّان الذين يتولّون عمارتها و إحياءها، و كالبراري التي انقطع عنها الماء أو رسب في أغوارها، فلا تنبت شيئا، أو هي تنبت الأشواك و الحشائش التي لا تنفع الإنسان لحياته الخاصة، و ان كانت قد تنفع دوابّه و مواشيه، و كالجزر و المستنقعات التي استولى عليها الماء الملح أو الماء العذب فأصبحت بسبب غلبته عليها غير صالحة للتعمير، و كالأراضي التي غلبت عليها الرمال أو الاملاح و الاسباخ أو الحجارة الخشنة فتركت و أهملت، و كالاهوار التي أصبحت آجاما و منبتا للقصب و البردي و النبات غير المجدي، و كالغابات التي التفت بها الأشجار و الادواح الضخمة و عادت مأوى للحيوانات المتوحشة و السباع و الضاريات، و كالجبال التي لم يملك الإنسان عمارتها لارتفاعها، و الأودية التي لم يستطع إحياءها لأنها بطون و مجاري للسيول، و كالأراضي التي ترك الإنسان عمارتها لصعوبة العيش فيها أو‌

150

لبعدها عن مواضع ألفه أو موارد رزقه، و هكذا مما يعسر عدّه من موانع التعمير و الاحياء.

(المسألة الثانية):

تنقسم الأرض الموات الى قسمين، فهي إمّا ميته بالأصل و إمّا ميته بالعارض و يراد بالميتة بالأصل الأراضي التي لم تجر عليها يد انسان من قبل، و لم تنلها بالتملك و العمارة من قديم العصور و الأزمان، و تلحق بها في الحكم الأراضي التي لم يعلم حالها في ما سبق: هل أحياها الإنسان في تاريخه الماضي أو لم يحيها؟

و يدخل في هذا القسم أكثر الأراضي الخربة الموجودة على سطح هذه الكرة من مفاوز و صحارى و بوادي و وديان و جبال و جزر و شواطى خالية من التعمير.

و يراد بالأراضي الميتة بالعارض: ما علم بأنها كانت عامرة و قد أحياها الإنسان في بعض عصوره، ثم أهملها فآلت الى الاندثار و الخراب بعد الحياة و العمران، و تدخل في هذا القسم: الأراضي الدارسة و القرى الطامسة التي بقيت منها الآثار و الرسوم و الاطلال، أو التي لم يبق منها رسم و لا طلل، و تنقسم الأرض الميتة بالعارض إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أراضي تركها أهلها الذين عمروها ثم بادوا و انقرضوا، و بقي ذكرهم للعبرة و التاريخ أو لم يبق منهم حتى الذكر.

القسم الثاني: أراضي تركها أهلها و ملّاكها و لم يبيدوا و لم ينقرضوا و لكن جهل أمرهم و لم تعرف أشخاصهم و لا أسماؤهم، فهي مجهولة المالكين.

القسم الثالث: أراضي تركها مالكها فخربت و اندرست آثار الحياة فيها بعد أن تركها المالك أو قبل أن يتركها، و مالكها أو وارثه معلوم غير مجهول.