كلمة التقوى - ج5

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
421 /
151

(المسألة الثالثة):

لا ريب في أن الأرض الموات بالأصل من الأنفال، و حكم الأنفال أنها تختصّ بالرسول (ص) في حياته، و تختص بالأئمة المعصومين (ع) أولياء الأمور من بعده، اماما بعد امام، و قد اذن المعصومون (ع) للشيعة بإحيائها و تملكها في زمان غيبة الإمام المهدي خاتمهم (ع) و قد ذكرنا هذا في مبحث الأنفال من كتاب الخمس في هذه الرسالة.

بل الظاهر حصول الاذن العام من ولي الأمر (ع) للناس جميعهم بإحياء الأرض الموات و تملكها كما ورد في النصوص الدالة على جواز شراء الأرض من اليهود و النصارى، و ان الرسول (ص) لمّا فتح خيبر خارج أهلها و أبقى الأرض في أيديهم يحيونها و يعمرونها و يؤدون إليه خراجها، و ان كل من أحياء أرضا مواتا ملكها، و هي شاملة للمسلم و الكافر.

و يلحق بالأرض الموات بالأصل في هذا الحكم: القسم الأول من الأرض الميتة بالعارض، و هي الأراضي و القرى التي اندرست و باد أهلها و ملّاكها القدامى، و لم يبق لهم الا الذكر، أو لم يبق منهم حتى الذكر، فيجوز للناس إحياؤها و من أحيا شيئا منها ملكه بالاحياء، و لا يتوقف جواز ذلك الى الاذن من الحاكم الشرعي.

(المسألة الرابعة):

إذا كانت الأرض من القسم الثاني من الأراضي الميتة بالعارض، فماتت بعد أن كانت عامرة محياة، و بعد أن تركها أصحابها و هي عامرة، أو هم تركوها بعد أن خربت و اندرست و لم يبدأ أهلها و لم ينقرضوا، بل جهل أمرهم فلم يعرفوا على‌

152

التعيين.

فان علم انهم قد أعرضوا عن أرضهم اعراضا تاما جاز للناس الآخرين إحياؤها و تملكها، و ان لم يعلم بإعراضهم عن الأرض أشكل الحكم فيها و الأحوط لمن يريد إحياء شي‌ء من هذه الأرض أن يفحص عن وجود مالكها، فإذا حصل له اليأس من معرفته رجع في أمر الأرض إلى الحاكم الشرعي ليجري معه في التصرف فيها معاملة مجهول المالك:

فيجوز للحاكم الشرعي بولايته عن المالك المجهول أن يبيع الأرض على الشخص المذكور بثمن معيّن، فإذا قبض الحاكم منه الثمن قسّمه هو أو وكيله على الفقراء، و يجوز له أن يؤجره الأرض مدة معلومة بأجرة معينة، أو يقدّر للأرض أجرة مثلها في المدة المعلومة بدلا عن انتفاع الرجل بالأرض، و يصرف الأجرة على الفقراء.

(المسألة الخامسة):

إذا كانت الأرض من القسم الثالث من الأراضي الميتة بالعارض، و هي التي أحييت أولا ثم ماتت بعد الحياة و العمران، و أهملها صاحبها قبل موتها أو بعده و كان مالك الأرض معلوما غير مجهول، فان علم بأن مالك الأرض قد أعرض عنها اعراضا تاما، جاز لغيره من الناس أن يتصرف في الأرض فيحييها بعد الموت و يتملكها، و ان لم يعرض المالك عن تملك أرضه و ان كانت ميتة، فهو يريدها مرعى أو مراحا لماشيته مثلا، أو يبتغى الانتفاع بما فيها من كلاء أو بردي أو قصب أو أسل أو شجر أو نخيل يابس، أو يطلب إجارتها أرضا فارغة لبعض الراغبين فيها، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيها أو يحييها، و كذلك إذا كان المالك يريد التفرّغ‌

153

من أعماله و مشاغله ليعمرها و يحييها أو هو ينتظر الفرصة المواتية لذلك، بل و كذلك الحكم مع الشك في ما يقصده المالك من إبقائها ميتة لا منفعة لها، فلا يجوز لأحد إحياؤها و التصرف فيها.

(المسألة السادسة):

إذا ماتت الأرض و خربت و هي في يد مالكها و كانت حية عامرة في يده كما فرضنا في المسألة المتقدمة، و أهملها صاحبها و علم عدم انتفاعه بها و انه لا يريد تعميرها، فان كانت من قبل وضع يده عليها أرضا ميتة و قد ملكها هو بالاحياء، عادت بعد موتها من الأنفال كما كانت من قبل، و جاز لغيره من الناس أن يحييها و يتملكها، و إذا أحياها غيره و ملكها فليس للمالك الأول أن يطالب المحيي بشي‌ء، و ان كان المالك الأول قد ملكها بالإرث أو الابتياع من أحد أو بمعاملة مملكة أخرى لم يجز لأحد من الناس أن يحييها أو يتصرف فيها إلا باذنه و قد ذكر هذا في مبحث الأنفال من كتاب الخمس في هذه الرسالة.

(المسألة السابعة):

يجوز للرجل أن يحيي موضعا واحدا أو أكثر من القرية أو البلدة الخربة التي درست عمارتها و انقرض سكانها الذين عمروها، و أصبحت من الأنفال، فيجوز له أن يعمر منها منزلا دارسا فيجده بناءه، و يتخذه دارا يسكنها أو عقارا ينتفع به، أو يجري له الماء فيجعله بستانا أو مزرعة، أو ما شاء من أقسام الأرضين المعمورة و يملكه بالاحياء.

و يجوز له أن يحوز ما في المنزل و ما في القرية من مواد و أنقاض للأبنية القديمة فيها كالحجارة و المدر و الآجر و الأخشاب و الحديد و غيرها، و إذا‌

154

حازها بقصد التملك ملكها و صح له التصرف فيها كما يشاء.

(المسألة الثامنة):

إذا ماتت أرض موقوفة و اندرست آثار العمارة و الحياة فيها، و علم من القرائن أو من الشياع و الاستفاضة بين أهل البلد ان الأرض موقوفة على قوم سابقين من الأجيال و قد بادوا و درس ذكرهم، أو أنها وقف على قبيلة من الماضين أو على جماعة لا يعرف منها في الوقت الحاضر سوى الاسم على ألسن بعض الناس أو في بعض السجلات القديمة و لا وجود لهم في الخارج، أصبحت الأرض المذكورة من الأنفال، فيجوز للناس إحياؤها و تملكها.

و كذلك حكم الأرض التي يعلم على وجه الإجمال أنها موقوفة و لم يعرف انها وقف عام أو خاص، و انها وقف على جهة أو على عنوان أو على أشخاص و على أي الجهات أو العناوين أو الأشخاص، فإذا ماتت الأرض المذكورة و خربت فهي من الأنفال و جاز للناس إحياؤها و تملكها.

(المسألة التاسعة):

إذا ماتت الأرض الموقوفة كما قلنا في الفرض المتقدم، و علم أن الأرض قد وقفت على بعض الجهات و لم تعرف الجهة الموقوف عليها على نحو التعيين، فهل وقفت الأرض على مسجد أو على مشهد أو على مدرسة أو على غير ذلك من جهات الخير، أشكل الحكم في أن يحيي هذه الأرض أحد من الناس و يتملكها و قد نقل جماعة من العلماء أن القول بجواز إحيائها هو المشهور بين الفقهاء.

و الأحوط لمن يريد أحياء هذه الأرض أن يستأذن من الحاكم الشرعي في إحيائها، و إذا عرف المتولي على الوقف استأذن الحاكم و المتولي معا، فإذا هو‌

155

أحيى الأرض المذكورة بإذنهما صرف جميع ما حصل من منافعها في وجوه البرّ و لم يتملك منه شيئا، و استأذن الحاكم الشرعي، و المتولي في الصرف كما استأذنهما في الإحياء.

و يجري نظير القول الذي ذكرناه أيضا في الأرض الميتة إذا علم بان واقف الأرض قد وقفها على أشخاص و لم تعرف أعيانهم و مشخصاتهم، و علم أنهم موجودون بالفعل غير معدومين، فمن أراد إحياء هذه الأرض فالأحوط له أن يستأذن الحاكم الشرعي بإحيائها و من المتولي على الأرض إذا كان موجودا أو معروفا فإذا أحياها صرف جميع منافعها التي تحصل منها بعد الأحياء في وجوه البر و لا يتملك الأرض بهذا الاحياء و لا من المنافع شيئا، و عليه أن يكون الصرف في وجوه البر باذن الحاكم و المتولي أيضا.

(المسألة العاشرة):

يجوز لمن يريد إحياء الأرض في كلتا الصورتين اللتين ذكرنا هما ان يراجع الحاكم الشرعي و يراجع متولي الوقف معه إذا كان موجودا، فيستأجر منهما الأرض مدة معيّنة بأجرة مثل الأرض في تلك المدة، ثم يحيي الأرض لنفسه إذا شاء، و لا يملك الأرض نفسها بهذا الأحياء، بل يأكل منافعها و نماءها في مدة الإجارة، و تصرف أجرة المثل التي تلزمه في وجوه البرّ، و عليه أن يستأذن من الحاكم الشرعي و من المتولي إذا كان موجودا في صرفها، بل و لا يترك الاحتياط في أن يكون صرف الأجرة في وجوه البر من المتولي نفسه.

(المسألة 11):

إذا شمل الأرض المذكورة في كلتا الصورتين اللتين ذكرناهما بعد موت‌

156

الأرض و خرابها أحد الموارد التي يصح فيها بيع الوقف، أمكن للشخص أن يشتري الأرض من الحاكم الشرعي ثم يحييها بعد الشراء لنفسه و يملكها بهذا الاحياء، و إذا قبض الحاكم الشرعي من المشتري ثمن الأرض اشترى به أرضا و جعلها وقفا عوضا عن الوقف المبيع، و صرف منافع الوقف الجديد في وجوه البرّ، و إذا لم يمكن ذلك صرف الثمن نفسه في وجوه البرّ، و قد عدّدنا المواضع التي يجوز فيها بيع الوقف في المسألة المائة و الثلاثين و ما بعدها من كتاب التجارة، و في المسألة المائة و الثلاثة و الثلاثين و ما بعدها من كتاب الوقف في هذه الرسالة.

(المسألة 12):

إذا اندثرت عمارة الأرض و خربت بعد عمارتها و كانت وقفا على جهة معلومة أو كانت وقفا على جماعة معيّنين معروفين، جاز لمن يريد إحياء الأرض أن يستأجرها مدة معلومة بأجرة مثل الأرض في تلك المدة، ثم يتولى إحياءها و تعميرها في مدة الإجارة، و يأكل منافعها و ما يحصل منها في المدة، و تصرف أجرة المثل التي دفعها بدلا عن استئجاره للأرض في الجهة الموقوف عليها أو الجماعة الموقوف عليهم، فإذا كان الوقف على جهة معيّنة وجب أن تكون إجارة الأرض و التصرف فيها من المتولي على الوقف إذا كان موجودا، و لزم أن يتولى بنفسه صرف أجرة المثل على الجهة الموقوف عليها، أو يكون الصرف فيها باذنه و إذا لم يكن للوقف متولّ يقوم بالأمر وجب أن يكون كلّ من إجارة الأرض و صرف أجرة المثل في الجهة الموقوف عليها باذن الحاكم الشرعي.

و إذا كان وقف الأرض على أشخاص معلومين و كان الوقف خاصا، وجب أن تكون إجارة الأرض و التصرف فيها و صرف أجرة المثل على الأشخاص‌

157

الموقوف عليهم بمراجعة متولي الوقف إذا كان موجودا، و بمراجعة كلّ من الحاكم الشرعي و الأشخاص الموقوف عليهم على الأحوط إذا كان متولي الوقف مفقودا.

و إذا كان وقف الأرض المذكورة على الأشخاص عاما، وجب أن تكون إجارة الأرض و التصرف فيها و صرف أجرة المثل على الموقوف عليهم بتولي الحاكم الشرعي أو وكيله.

و إذا انطبق على الأرض المذكورة بعد خرابها بعض ما يسوغ مع بيع الوقف أمكن للرجل أن يرجع الى الحاكم الشرعي فيشتريها منه ثم يحييها لنفسه بعد شرائها، و الأحوط أن يكون البيع من الحاكم الشرعي و المتولي للوقف إذا كان موجودا، و يتوليان معا على الأحوط كذلك شراء أرض أخرى بثمن الوقف المبيع، و وقفها عوضا عن المبيع، و إذا لم يمكن ذلك صرفا ثمن الوقف على الجهة أو الأشخاص الموقوف عليهم.

(المسألة 13):

لا فرق في الأحكام التي بيّناها أو التي يأتي بيانها للأرض الموات و أقسامها بين أن تكون الأرض في بلاد الإسلام أو في بلاد الكفر، فإذا كانت مواتا بالأصل فهي من الأنفال، و تختص بإمام المسلمين (ع) و ان كانت في بلاد المشركين أو الكفار غير المشركين، و تحت نفوذهم و في سيطرتهم، فإذا أحياها مسلم أو كافر ملكها بإحيائه إياها، و إذا كانت مواتا بالعارض جرت أقسامها و أحكامها أيضا حسب ما فصّلناه، و حتى إذا فتح المسلمون بلاد الكفر بالقتال فالأرض الموات منها في حال الفتح من الأنفال، فتجري فيها أحكام الأنفال، سواء كانت ميتة بالأصل أم ميتة بالعارض.

158

و أما الأرض العامرة من بلاد الكفر في حال فتح المسلمين لها فهي ملك للمسلمين عامة، و لا تختص بأحد منهم و لا من غيرهم، و إذا ماتت بالعارض بعد الفتح لم يتغير حكمها، و لم تصبح بموتها من الأنفال، فلا يملكها من يحييها و هي لا تزال ملكا لعموم المسلمين.

(المسألة 14):

يشترط في صحة إحياء موات الأرض و في تملكها بالإحياء أن لا تكون حريما لملك أحد مسلم أو غير مسلم إذا كان ممن تحترم حقوقه و ملكيته في الإسلام، فلا يصح لأحد إحياء الأرض الميتة إذا كانت مرفقا أو حريما لملك مالك محترم، و لا يحلّ لغير ذلك الشخص الذي استحق الأرض بتبع ملكه العامر، و إذا أحياها غيره لم يملكها، و إذا وضع يده عليها بغير اذن صاحب الحق كان غاصبا لحق غيره اثما بفعله، و سنوضح ان شاء اللّه تعالى معنى الحريم و حدود مقاديره في الفصل الثاني.

و الظاهر أن المراد بالمرفق هنا ما يتوقف عليه بعض الانتفاعات بالملك من الأرض الموات المتصلة به فهو بعض أفراد حريم الملك.

(المسألة 15):

يشترط في صحة إحياء الأرض الموات أن لا تكون محجرة لغير الإنسان الذي يريد إحياءها، إذا كان المحجر مسلما أو ممن يحترم الإسلام حقوقه من غير المسلمين، كالذمي و المعاهد، و التحجير كما سيأتي إيضاحه في الفصل الثالث لا يكون سببا لملك الأرض المحجرة، و لكنه يوجب ثبوت حقّ فيها لمن حجرها، و يكون اولي بها من الناس الآخرين، فإذا وضع غير المحجّر يده على الأرض بعد‌

159

تحجيرها من غير اذن المحجر كان غاصبا اثما، و إذا أحياها كذلك لم يصح إحياؤه، و لم تثبت ملكيته لها على الأحوط، بل لا يخلو ذلك من قوة، و إذا أراد إحياءها جاز لمن حجرها أن يمنعه.

(المسألة 16):

اشتهر بين جماعة من الفقهاء (قدّس اللّٰه أنفسهم) انه يشترط في صحة إحياء الأرض الميتة ان لا تكون الأرض المقصودة من الأراضي التي جعلت في دين الإسلام مشعرا من مشاعر العبادة للمسلمين مثل أرض عرفات و المزدلفة و منى فلا يصح إحياء الأرض من هذه الأودية إذا كانت ميتة.

هكذا أفادوا، و في صحة هذا الاشتراط اشكال، بل الظاهر منع ذلك، فانّ عظمة شأن هذه المواقع في دين الإسلام و جعلها فيه حقا مقدسا للّه سبحانه و حقا ثابتا معظما لعموم المسلمين، لأداء مناسكهم في ممرّ الازمان و العصور قد أبعد هذه الأمكنة أشدّ البعد و أعلى مقامها أعظم العلو و الارتفاع عن اعتبارها أرضا مواتا أو مباحة كسائر الأرضين فتحجر أو تحاز و يملكها الأفراد أو تجري عليها الاعتبارات المتعارفة في المعاملات بين الناس!!

(المسألة 17):

يشترط في صحة إحياء الأرض الميتة ان لا يكون امام المسلمين (ع) قد أقطع تلك الأرض من قبل لأحد من الناس، فإن الإمام إذا أقطع الأرض لأحد اختصت به و ان لم يحجرها و لم يحييها، و لا يحق لأحد من الناس غيره أن يحيي تلك الأرض أو يضع يده عليها، و لا ينبغي الريب في صحة هذا الشرط إذا تحقق‌

160

الإقطاع منه (ع)، و قد ذكرت في التاريخ و في كتب السيرة النبوية قطائع من الرسول (ص) لبعض الصحابة، و لكن هذا الشرط لا أثر له في عصر غيبة المعصوم (ع) لعدم وجود القطائع فيه.

(المسألة 18):

إذا أحيى الإنسان أرضا ميتة على الوجه التام من الأحياء، ملك الأرض بإحيائه إياها، و لا يشترط في حصول الملك له ان يكون المحيي قاصدا لتملك الأرض على الأقوى، و يكفي في حصوله أن يقصد إحياء الأرض للانتفاع بها.

فإذا مرّ الإنسان في الفلاة مثلا بأرض كثيرة الماء نقية الهواء، و رغب في البقاء في تلك الأرض شهرا أو أكثر، فأحيى بقعة من تلك الأرض لينتفع بها في مدة بقائه و زرع في البقعة بعض ما يعجل نموه و نتاجه من المخضرات و النبات، و غرس بعض الشجر و الأزهار، ملك البقعة التي أحياها، فإذا انقضت أيام اقامته في المكان و أعرض عن المزرعة و تركها و سافر عنها زال ملكه بالاعراض، و جاز للناس الآخرين حيازتها و تملكها من بعده، و كذلك إذا بنى له في الأرض منزلا ليسكنه مدة بقائه فيها، فإنه يملك المنزل بإحيائه، و إذا أعرض عنه و تركه و سافر زال ملكه، و مثله ما إذا حفر بئرا أو أجرى نهرا لينتفع به، فيملك ما أحياه، و إذا تركه و سافر و أعرض عنه أعراضا تاما أصبح مباحا.

و لا يبعد القول بعدم حصول الملك لما أحياه إذا قصد بإحيائه عدم التملك له، و مثال ذلك: أن يحيي المنزل في الموضع المذكور و يحفر البئر و هو يقصد عدم تملكها لنفسه، بل لينتفع بها العابرون و المسافرون من الحجاج و الزوار.

161

(المسألة 19):

إذا سبق أحد المسلمين إلى أرض موات مباحة فوضع يده و استولى عليها لينتفع بما فيها من كلاء و نبات أو ماء أو حطب أو قصب أو ما يشبه ذلك كان ذلك المسلم أولى بتلك الأرض من غيره ما دامت يده على الأرض و ان لم يحجرها، فلا يجوز لأحد أن يحييها و يتملكها، ما دامت في يد المسلم السابق إليها، و إذا أحياها الثاني بالقهر على صاحب اليد كان غاصبا لحقّه، و لم يملك الأرض بإحيائه لها و لذلك فيشترط في صحة إحياء الأرض الميتة و في حصول الملك بإحيائها: أن لا يكون احياء المحيي لها مسبوقا بيد المسلم قد استولى قبله على الأرض، أو مسبوقا بيد ذمي أو معاهد للمسلمين ممن تحترم يده و تصرّفه في الإسلام.

162

الفصل الثاني في حريم الأملاك المحياة

(المسألة 20):

إذا أحيى الإنسان أرضا مواتا فجعل الأرض بإحيائه لها دارا يملكها أو عقارا أو مزرعة أو بستانا أو شيئا أخر مما يتملك و ينتفع به، تبع ذلك الملك مقدار من الأرض الموات مما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام للمالك بالملك الذي أحياه من الأرض، و يسمّى هذا المقدار التابع للملك من الأرض الموات حريما له.

و الحريم الذي ذكرناه لا يكون بتبعيته له ملكا لمالك الأرض المحياة، و لكنه حق شرعي يثبت له في الأرض ليحصل به الانتفاع بما يملكه، و هو يختلف في مقداره باختلاف الملك المتبوع، حسب ما يحصل به الانتفاع بالملك في نظر أهل العرف، و ما أمضاه الشارع من ذلك، و سنذكره ان شاء اللّه تعالى في ما يأتي من الفروض.

(المسألة 21):

إذا بنى الرجل له دارا في الأرض الموات فأحيى موضع الدار منها و ملكها بالاحياء، تبع الدار من الأرض الموات المتصلة بها مقدار ما يسلك به في الدخول الى الدار و الخروج منها للرجل المالك و لعياله و أولاده الساكنين معه فيها و لدوابه و انعامه و زوّاره المترددين اليه و أضيافه، و لأحماله و أثقاله، و لسيارته و أموره المتعارفة له، و يكون المسلك المذكور في الجانب الذي يشرع منه باب‌

163

الدار، و يكون بمقدار يفي بحاجة كل أولئك في المرور دون عسر أو ضيق.

و إذا كان للدار بابان أحدهما لعياله و نسائه، و الثاني لضيوفه و زواره من الرجال، تبع الدار مسلكان يفيان بالحاجة، و لا يلزم أن يكون طريقه الى الدار مستقيما، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك أو العادة المتعارفة في البلد فيتبع ما تقتضي.

و يتبع الدار بعد إحيائها و تملكها موضع من الأرض الميتة تلقى فيه قمامتها و اوساخها و ترابها، و موضع أو أكثر يجري فيه ماؤها من المطر و غيره، و تلقى فيه ثلوجها إذا اقتضت ذلك عادة البلاد.

و هذه المواضع التي تتبع الدار بعد إحيائها من الأرض الميتة المتصلة بها هي حريمها الذي يتوقف على وجوده انتفاع المالك بداره، فتكون من مرافق الدار عرفا، و من حقوق مالك الدار شرعا، فلا يصح لأحد من الناس احياء هذا الحريم بدون اذن مالك الدار، و إذا استولى عليه بغير اذنه كان غاصبا، و لم يملك ما أحياه منه.

(المسألة 22):

إذا بنى الرجل في الأرض الموات حائطا ليجعله سورا لبستانه مثلا، أو لحظيرة مواشيه، أو لغرض أخر، تبع الحائط على الأحوط من الأرض مقدار ما يرمى فيه ترابه و مدرة و حجارته و طينه و حصة و أدواته، إذا استهدم أو نقضه مالكه و أراد ترميمه و اعادة بنائه، فلا يحيي غيره هذا المقدار من الأرض الا بإذن مالك الحائط على الأحوط كما قلنا.

(المسألة 23):

إذا حفر نهر في الأرض الموات ليسقي مزرعة أو نخيلا أو قرية أو غير ذلك‌

164

فحريم النهر من الأرض مقدار ما يلقى فيه طينه و ترابه على الحافتين إذا احتاج الى التنقية، و طريقان على حافتي النهر يسلكهما من يريد إصلاحه إذا احتاج الى الإصلاح، سواء كان النهر عاما أم خاصا، بمالك واحد أم بجماعة، و لا ريب في ان مقدار حريم النهر يختلف باختلاف النهر نفسه في كبره و صغره، و في سعة الأرض و الدور و النخيل و المزارع التي تستقي منه و قلتها، و في قلة العاملين فيه لا صلاحه و كثرتهم.

(المسألة 24):

إذا شق انسان له نهرا في الأرض الميتة ليسقي منه مزرعته أو أرضه أو داره أو حفرة جماعة مخصوصون لينتفعوا به في سقي مزارعهم و دورهم و ملكوه بالاحياء، فحريم النهر من الأرض الموات حق للرجل الذي حفر النهر و ملكه أو الجماعة الذين أخرجوه و ملكوه، فلا يجوز لأحد سواهم احياء حريم النهر إلا بإذنهم.

و إذا كان النهر عاما ينتفع به جماعة غير محصورين في العدد، و كان النهر غير مملوك لأحد منهم بعينه، أو لجماعة معيّنين، فالحريم حق عام للجماعة الذين ينتفعون به جميعا نظير ما يأتي بيانه في حريم القرية، إلا إذا كان الذي حفر النهر واحدا بعينه أو جماعة معينون، و بعد أن شقوا النهر لأنفسهم و ملكوه أباحوا الانتفاع و التصرف فيه للجميع، فيكون حريم النهر من الأرض الميتة حقا لمن استخرج النهر خاصة، دون غيره، الا إذا أسقط حقه من الحريم، أو جعل النهر نفسه مباحا للجميع.

165

(المسألة 25):

إذا استخرج الإنسان له بئرا في الأرض الميتة يستقي من مائها لمزرعته أو لماشيته أو لغيرهما، و ملك البئر بالاحياء، تبع البئر مما حولها من الأرض الميتة مقدار ما يقف فيه النازح لاستقاء الماء منها، واحدا أو أكثر، و ما يضع فيه عدته و حباله قبل الاستقاء و بعده، و الموضع الذي يصب النازح فيه الماء إذا أخرجه من البئر، و الموضع الذي يجتمع فيه الماء لتشرب منه الماشية أو ليجري منه الى المزرعة و الموضع الذي يلقي فيه طين البئر و رملها و حجارتها إذا احتاجت إلى التنقية أو الإصلاح.

و لا يبعد أن يتبع البئر أيضا الموضع الذي تكون فيه الماشية حول الحوض حين الشرب و قبله لانتظار النوبة إذا كانت الماشية كثيرة، و إذا كان الاستقاء من البئر بالدولاب تبع البئر موضع نصب الدولاب في البئر، و موضعه قبل ذلك و بعده، حين ما يحضر لينصب في موضعه أو حين ما يخرج منه للإصلاح أو الابدال، و موضع دور البهيمة حول الدولاب لتديره بحركتها، و موضع تردد البهيمة في ذهابها و رجوعها إذا كان الاستقاء بها لا بالدولاب، و موضع المكائن و الأجهزة التي تخرج الماء من البئر و تجريه في مجاريه إذا كان الاستقاء بها، و إذا حجر الإنسان هذه المواضع من الأرض الميتة و استعملها بقصد الاحياء ملكها مع البئر.

(المسألة 26):

للبئر السابقة في وجودها حريم أخر بالإضافة إلى البئر التي تحفر بعدها إذا كانتا متقاربتين في المكان، و حريم البئر الأولى أن تبعد البئر الثانية المتأخرة عنها في الوجود بمقدار لا تؤثر في ماء الأولى ضعفا في قوة الدفع أو قلة في كمية الماء‌

166

و قد حدّد ذلك في الحكم الشرعي بأن تبعد الثانية في مكانها الذي تحفر فيه عن الأولى أربعين ذراعا، إذا كانت الأولى بئر عطن و ان تبعد عنها ستين ذراعا إذا كانت بئر ناضح، و بئر العطن هي ما يستقي منها للإبل و الغنم، و بئر الناضح ما يستقى منها لمزرعة أو بستان أو نحوهما.

فيجب على صاحب البئر اللاحقة أن يبعدها عن مكان الأولى بالمقدار المذكور، و الظاهر ان التحديد بالمقدار المعيّن انما هو بحسب ما يقتضيه الغالب في مياه الآبار المتعارفة، و ان المدار فيه على التأثير و عدمه، فإذا علم أن البئر الثانية لا تؤثر على ماء الأولى قلة و لا ضعفا و ان استخرجت الثانية بالقرب من الأولى جاز الحفر بقربها و لم يجب ابعادها، و إذا علم بأن المقدار المذكور من البعد لا يكفي في إزالة الأثر وجب أن تبعد الثانية عن الأولى بأكثر من ذلك حتى لا تؤثر في مائها شيئا.

(المسألة 27):

لا يختص الحكم بوجوب بعد البئر اللاحقة عن البئر السابقة عليها في الوجود بالآبار التي يحييها الإنسان في الأرض الموات، بل يجرى حتى في الآبار التي يحدثها أصحابها في أراضيهم المملوكة لهم، فإذا كانت لأحد الرجلين بئر في أرضه المملوكة أو في داره، و أراد الرجل الآخر أن يحفر له بئرا في أرض يملكها بجوار الأول، أو في أرض موات تقع بجواره، لزمه أن يبعدها عن بئر الأول إذا كانت تضرّ بمائها، و كذلك البئر الموقوفة أو المسبلة في وجه من وجوه الخير، فإذا أراد شخص أخر أن يحدث له بئرا في ملكه أو في أرض موات و هي في جوار البئر الموقوفة أو المسبلة، فعلى الثاني أن يبعد بئره عنها إذا كانت توجب‌

167

تأثيرا على مائها.

(المسألة 28):

إذا فجّر انسان لنفسه عينا نابعة بالماء في الأرض الموات ملك العين بتفجيرها و إحيائها، و تبع العين من الأرض الموات من حولها مقدار ما يتوقف عليه حصول الانتفاع بالعين المحياة، فيكون ذلك المقدار حريما للعين، و حقا يختص به مالك العين على نهج ما سيق ذكره في نظائره، فإذا احتاج في انتفاعه بحسب العادة المتبعة عند أهل العرف الى حوض يجتمع فيه الماء و الى مجرى يجرى فيه كان موضع الحوض و موضع المجرى حريما للعين و تبعها أيضا موضع تلقي فيه رواسب العين و طينها و رملها إذا احتاجت إلى الإصلاح أو التنقية، و لا يجوز لغير مالك العين احياء هذه المواضع من الأرض الميتة بدون اذن مالك العين لأنها حق يختص به، و إذا أحياها صاحب العين ملكها.

و للعين المحياة أيضا حريم أخر كالحريم الثاني للبئر، فإذا أراد رجل أخر أن يستنبط له عينا في الأرض الموات بعد ذلك وجب عليه أن يبعدها عن العين السابقة خمسمائة ذراع إذا كانت الأرض صلبة و أن يبعدها عنها ألف ذراع إذا كانت الأرض رخوة.

و الظاهر هنا أيضا أن التحديد بالمقدار غالبي كما قلنا في حريم البئر و ان المدار على تأثير العين اللاحقة في العين السابقة و عدم تأثيرها، فإذا علم أن العين الثانية لن تؤثر على جريان ماء الأولى و لن تقلّله و ان قربت منها لم يجب ابعادها و إذا علم انها تحتاج الى بعد أكثر مما ذكر وجب ابعادها أكثر منه.

168

(المسألة 29):

إذا شق الإنسان له قناة في أرض موات و أجرى فيها الماء من عين، أو من آبار موجودة في الأرض، أو كان هو قد استنبطها و أحياها و أجرى الماء في القناة الى مزرعته أو الى ضيعته، تبع القناة من الأرض الموات في جانبيها نظير ما سبق تحديده في حريم النهر، و كان هذا المقدار حريما للقناة، فلا يجوز لغير مالك القناة إحياؤه إلا برضاه.

و للقناة أيضا حريم أخر من كلا جانبيها و هو كحريم العين الذي سبق ذكره في المسألة الماضية، فإذا أراد أحد أن يحفر له قناة في إحدى الناحيتين وجب عليه أن يبعد قناته عن قناة الأول خمسمائة ذراع إذا كانت الأرض صلبة، و ألف ذراع إذا كانت الأرض رخوة، و التحديد بذلك غالبي كما قلنا في حريم العين و حريم البئر فالواجب أن تبعد القناة الثانية عن الأولى بمقدار لا تضر معه فيها و لا تقلّل ماءها.

و كذلك الحكم في النهر، فإذا شق الإنسان نهرا و اجرى فيه الماء و أراد إنسان أخر يشق له نهرا في إحدى ناحيتي نهر الأول فعليه أن يبتعد عنه بمقدار لا يكون معه مضرا بالأول.

(المسألة 30):

لا يختص الحريم الذي بيّناه للعين أو القناة أو النهر بما يخرجه الإنسان منها في الأرض الموات، فيجري أيضا في ما يخرجه في ملكه، فإذا استنبط الرجل له عينا، أو شق له قناة، أو نهرا في أرض يملكها، و أراد غيره ان يخرج لنفسه مثل ذلك في ملكه، أو في أرض موات، وجب على الثاني أن يبتعد عن الأول بمقدار لا يضر معه به و بمائه، و كذلك في الموقوف و المسبل، و قد تقدم ذكر مثل ذلك في البئر‌

169

و تراجع المسألة السابعة و العشرون.

(المسألة 31):

الحريم الثاني الذي ذكرناه للبئر أو للعين أو للقناة أو للنهر انما هو حق شرعي، أثره أن تبتعد البئر أو العين أو النهر أو القناة اللاحقة عن نظائرها إذا سبقتها في الوجود، و كان وجود اللاحقة في ما دون المقدار المذكور يضر بالسابقة، فيقلل الماء فيها أو يضعف قوة دفعه و لا يمنع هذا الحريم غير المالك من أحياء الأرض الموات في هذه السافة المقدرة، فيجوز لغيره احياء الموات منها فيجعله مزرعة أو بستانا أو دارا أو عقارا له، بعد أن يترك للنهر أو للعين أو للبئر أو للقناة حريمها الأول التابع لها فقد ذكرنا أنه حق لمالكها.

(المسألة 32):

إذا أحيى الرجل له مزرعة في أرض موات على الوجه الذي يأتي بيانه في إحياء المزرعة من الفصل الرابع، ملك الموضع الذي أحياه، و تبع المزرعة من الأرض الموات التي تتصل بها مقدار ما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام للمالك بمزرعته، فان المزرعة حسب ما يعتاد بين الناس و الزراع منهم تحتاج الى موضع من الأرض تجمع فيه الأسمدة إذا كان الزرع مما يحتاج الى التسميد و الى موضع يجعله الزارع بيدرا يداس فيه الزرع بعد حصاده و تصفي فيه الحبوب، و الى موضع يجمع فيه الخضر و الحاصلات و الثمار من الزراعة حتى توضع في صناديقها أو في أكياسها أو تشدّ حزما و باقات و تصنف أنواعها و أصنافها و تعدّ للحمل و النقل، و الى موضع يكون حظيرة للحيوان و الدواب التي يحتاج إليها في المزرعة، و الى طريق للدخول إلى المزرعة و الخروج منها و التردّد في أطرافها‌

170

و الوصول الى مرافقها للزارع و لمساعديه و عملائه الذين يصلون الى مزرعته إذا كانت واسعة، و قد يحتاج بحسب العادة المتعارفة الى أكثر من مسلك واحد فيكون جميع ذلك و ما أشبهه حريما للمزرعة يتبعها من الأرض الموات و يصبح حقا خاصا لمالكها، فلا يجوز لغيره وضع اليد عليها أو على شي‌ء منها الا باذنه و إذا أحياها مالك المزرعة ملكها.

و قد يتخذ الإنسان في المزرعة أو في البستان الذي يحييه بركة من الماء لتربية الأسماك فيها، أو موضعا لإنتاج الدواجن و تربيتها فيملكه بالاحياء، و تتبعه من الأرض الموات المتصلة به مواضع يتوقف عليها الانتفاع بالملك فتكون حريما له على نهج ما سبق في نظائره.

و قد يتوسع أمرها فيحتاج الى طريق لدخول سيارته و أدوات نقله إلى المزرعة و خروجها منها، و دخول سيارات آخرين يتعاملون معه و خروجها و ترددها، فيكون ذلك حقا من حقوقه الخاصة به و إذا أحياه ملكه، و يجرى نظير ما ذكر في البستان و الضيعة إذا أحياهما من الأرض الموات فيتبعهما من الحريم ما يتوقف عليه حصول الانتفاع التام بهما.

(المسألة 33):

إذا أحييت قرية في أرض موات ملك كل واحد من أهل القرية منزله الذي أحياه منها، و تبع المنزل حريمه الخاص به، و الذي لا يتم الانتفاع بالمنزل الا به و قد ذكرنا حريم الدار في المسألة الحادية و العشرين، و يتبع القرية من الأرض الموات المتصلة بها طرق القرية للدخول إليها و الخروج منها، و الوصول الى منازلها و الى مرافقها العامة، و يتبعها كذلك موارد أهل القرية من الماء و مشارعهم‌

171

إذا كانت منفصلة عن البيوت، و مسيل مياه القرية من المطر و غيره إذا لم تكفها المجاري الخاصة بالبيوت، و الموضع الذي يجتمع فيه أهل القرية متى احتاجوا الى الاجتماع و لم تكف لذلك مجالسهم الخاصة.

و يتبع القرية موضع لدفن الموتى منهم إذا لم توجد مقبرة مسبلة أو موقوفة تكفي لأهل القرية، و موضع تجمع فيه كناسة القرية و قماماتها و تلقي فيه فضلاتها و أسمدتها، و مراع للماشية و أمكنة للاحتطاب، إذا احتاج سكان القرية إلى مواضع خاصة لذلك و لم تكفهم الحيازة من المباح، و ما شاكل ذلك مما يحتاج اليه سكان القرى و تتوقف عليهم مصالحهم.

و المدار في ذلك أن يحتاجوا إليه حاجة ماسة بحيث يقعون في عسر و ضيق إذا منعهم منه أحد أو زاحمهم فيه مزاحم، فيكون ذلك حريما للقرية و حقا عاما لأهلها و لا يختص بواحد منهم، و لا يجوز لغيرهم إحياؤه أو الاستيلاء عليه، بل و لا يجوز لبعض أهل القرية إحياء شي‌ء منه إلا برضى الجميع.

و لا ريب في أن حريم القرية و مرافقها تختلف باختلاف القرية في كبرها و صغرها و في كثرة سكانها و قلتهم، و في سعة اتصالاتهم بالقرى و البلاد الأخرى و ضيقها، و كثرة الواردين و المترددين إليها من أهل المصالح فيها و غيرهم، و كثرة المواشي و الأنعام و الدواب و قلتها.

(المسألة 34):

قد يتداخل حريم الدار الخاص مع حريم القرية، فيكون مسلك الدّخول الى الدار و الخروج منها هو بذاته طريقا من الطرق العامة في القرية، أو يكون موضع إلقاء القمامة و الأوساخ من الدار هو موضع إلقائها في القرية، و يكون الموضع الذي‌

172

تجري فيه مياه المطر و نحوه من الدار في طريق من طرق القرية و هكذا، فيدخل حريم الدار في حريم القرية و يكون حقا عاما لسكان القرية جميعا، و لا يختص به صاحب الدار، و انما يختص به إذا كان منفردا عن حريم القرية و ان كانت الدار متصلة بالقرية.

(المسألة 35):

لا ريب في ان حاجة الناس الى الطريق و الشارع قد اختلفت مع اختلاف الزمان و مع تنوع وسائل النقل و الحمل فيه، و اضطرار سكّان القرى و البلاد و سكّان الأرياف الى اتخاذ هذه الوسائل المتنوعة لحاجاتهم و تنقلهم و حمل أثقالهم في الذهاب و الرجوع، و لذلك فيكون من الحقوق اللازمة في القرية و البلد بل و في المزرعة و الضيعة أن يتسع الطريق و الشارع بمقدار ما يفي بالحاجة العامة و يرفع العسر و الضيق في المرور، و عن المارين و العابرين من الأفراد و الجماعات الراكبين و الراجلين و يكون ذلك حريما للقرية و حدا للطريق و حقا عاما للسكان.

(المسألة 36):

إذا غرس الرجل نخلة أو نخلتين مثلا في أرض ميتة ملك ما غرسه و ملك موضع غرسه من الأرض، و تبع النخلة من الأرض الميتة مدى جرائد النخلة من جميع جوانبها و يكون هذا المقدار حريما للنخلة المغروسة و حقا خاصا لمالكها فلا يجوز لغيره من الناس أن يحيي هذا الحريم أو يتصرف فيه إلا برضى صاحبه و إذا أحياه صاحب الحق ملكه، و كذلك الحكم إذا غرس شجرة في الأرض الميتة فيملك الشجرة، و يملك موضع غرسها من الأرض و يتبع الشجرة من الأرض مقدار ما تمتدّ إليه أغصانها، و يكون ذلك حقا له خاصة و إذا أحياه ملكه بالإحياء.

173

(المسألة 37):

إذا أحيى الإنسان أرضا ميتة فجعلها دارا أو بستانا أو مزرعة أو غير ذلك ملك ما أحياه من الأرض و تبعه من الحريم ما فصّلنا ذكره في المسائل المتقدمة فيكون ذلك حريما لملكه و حقا من حقوقه، و بقي ما زاد على ذلك من الأرض الميتة مباحا للجميع، و ليس لمالك الأرض المحياة حق اختصاص به سبب جواره و إحيائه لبعض الأرض، و لا يحق له أن يمنع أحدا عن إحيائه أو تحجيره، و كذلك الحكم في الأرض الميتة التي تكون في جوار قرية أو طائفة من الناس، فلا يكون لأهل القرية أو لتلك الطائفة حق في الأرض المذكورة بسبب مجاورتها لهم، و ليس لهم أن يمنعوا من سواهم عن السبق إلى إحيائها إلا إذا سبقوا إلى الأرض فحجروها أو كانت حريما خاصا لاملاكهم أو ثبت لهم غير ذلك من موجبات الاختصاص شرعا.

(المسألة 38):

الحريم الذي يتبع الملك الذي يحييه الإنسان من الأرض الموات كما قلنا أكثر من مرة انما هو حق شرعي يثبت لذلك الإنسان و ليس ملكا له، فحريم الدار و حريم الحائط و حريم المزرعة و الضيعة و القرية و النخلة المغروسة، و الحريم الأول للبئر و للعين و القناة و النهر، حقوق شرعية تثبت لصاحب الحق تتعلق بالمقدار المعيّن من الأرض الميتة فلا يجوز للناس الآخرين غصبها منه و وضع اليد عليها بإحياء أو تصرف أخر، و يجوز لصاحب الحق منعهم منه، من غير فرق بين الأفراد المذكورة من الحريم على الأظهر و الأحوط.

و لا يثبت هذا الحكم في الحريم الثاني للبئر و العين و القناة و النهر فان هذا‌

174

الحريم انما هو حدّ شرعي لابعاد البئر اللاحقة عن البئر السابقة عليها في الحفر إذا كانت تضرّ بمائها، و كذلك الحريم الثاني للعين و القناة و النهر، و قد سبق منا بيان هذا، فيجوز للآخرين احياء هذا الحريم و تحجيرة و التصرف فيه، و لا يجوز لمالك البئر و العين و القناة و النهر منعهم منه.

(المسألة 39):

لا يثبت الحريم بين الاملاك المتجاورة، فإذا بنى الرجل له دارا في أرضه المملوكة له، فليس له حق الاستطراق الى داره في الدخول و الخروج منها في أرض جاره، و لا حق له في إجراء مياه داره أو إلقاء كناستها و قمامتها في ملك جاره، أو أن يجعل في ملك جاره شيئا من مرافق داره، إلا إذا اذن له الجار بما يريد، و إذا اذن له بشي‌ء منه فإنما هي رخصته يجوز له الرجوع بها متى أراد، و كذلك إذا بنى الرجل حائطا أو شق له نهرا أو حفر بئرا في حدود أرضه المملوكة له، فلا يثبت لها حريم في ملك صاحبه كالحريم الذي يكون لها إذا أنشئت في الأرض الموات.

نعم، إذا سبق أحد المتجاورين فحفر له بئرا في أرضه أو استنبط عينا نابعة أو شق قناة أو نهرا، ثم أراد جاره أن يخرج مثل ذلك في ملكه و كانت بئره أو عينه أو قناته أو نهره الذي يريد إخراجه يضرّ بما فعله الأول وجب على الثاني ان يبتعد عنه بمقدار يرتفع به الضرر و ليس ذلك حريما أو حقا للجار في ملك الجار، بل لعدم جواز الإضرار به و قد ذكرنا هذا في المسألة السابعة و العشرين و المسألة الثلاثين.

(المسألة 40):

يجوز لكل واحد من الشخصين المتجاورين في الملك ان يتصرف في ملكه الخاص به كيف ما يريد، و لا يحقّ لأحد من الناس أن يمنعه من التصرف في ملكه‌

175

إلا إذا كان الشخص محجورا عن التصرف في ماله فيجوز للولي الشرعي عليه منعه بل و يجوز لغير الولي منعه أيضا من باب الحسبة مع وجود الشرائط.

و لا يجوز للمالك أن يتصرف في ملكه تصرفا يوجب الضرر على جاره و مثال ذلك: أن يقطع الرجل نخلة من بستانه و هو يعلم أن النخلة إذا قطعها فستقع على حائط جاره فتهدمه أو على بعض مملوكاته فتحطمها، و أن يفعل في بيته فعلا يسبّب تصدع منزل جاره و خلل بنائه، أو يبنى كنيفا بالقرب من بئر جاره يوجب تعفّن ماء البئر و فساده، أو يحتفر بالوعة تسري الرطوبة منها الى جدران جاره فتتلفها.

و من ذلك: أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فتسحب ماءها أو تنقصه، أو يستخرج عينا تضعف جريان عينه، أو يشق قناة تضرّ بماء قناته و قد ذكرنا هذا في مسائل تقدمت.

و الظاهر انه ليس من الضرر المانع من التصرف أن يرفع الرجل بناء بيته على بيت جاره فيمنعه بسبب ذلك من تسلّط الشمس و الهواء على منزله و الاستفادة الصحيحة من ذلك، و لا يبعدان يكون من الإضرار المانع إذا كان الجار قد أعد الموضع من ملكه لجمع التمر فيه و تشميسه فأعلى الجار الآخر بناءه على الموضع و منع تسلط الشمس عليه و أوجب ذلك تلف التمر و الضرر بالمال و خصوصا إذا كان الجار صاحب البناء يعلم بوقوع هذا الضرر من قبل ذلك.

(المسألة 41):

لا يجوز لكل واحد من المتجاورين في الملك أن يتصرف في ملكه تصرفا يوجب وقوع الضرر على جاره، و يراد به الضرر الذي يعتد به العقلاء، و الذي لا يتعارف حدوث مثله بين الجيران، فلا يمنع منه إذا كان مما يتعارف حصول مثله‌

176

بينهم، و مثال ذلك: أن يتخذ الجار في بيته مخبزا و ان استوجب أذية الجار بالدخان، أو يتخذ في ملكه محلا لدباغة الجلود و ان استلزم أذاه بالروائح، و نحو ذلك، و يأثم إذا هو فعل شيئا من ذلك بقصد إيذاء الجار.

(المسألة 42):

إذا تصرف المالك في ملكه تصرفا يستلزم ضرر جاره ضررا يمنع منه العقلاء و يحرمه الشارع، وجب عليه ان يترك ذلك التصرف و يرفع استمرار الضرر عن جاره، فإذا أوجب تصرفه في بيته تصدع حائط جاره أو خلل بنائه، ضمن له ذلك فيجب عليه أن يتدارك الخلل و التصدع بالإصلاح و إذا حفر بئرا بالقرب من بئر جاره فانقطع بذلك ماءها أو نقص لزمه ان يطم البئر التي حفرها و هكذا.

(المسألة 43):

إذا تردد أمر المالك بين أن يتصرف في ملكه فيقع الضرر على جاره بسبب هذا التصرف، و أن يترك التصرف فيقع الضرر على المالك نفسه بالترك، أشكل الحكم، و لا يترك الاحتياط اما بأن يتحمل المالك الضرر و يترك التصرف أو يرجع الطرفان الى المصالحة بينهما.

(المسألة 44):

إذا سبق أحد المالكين المتجاورين فحفر له بالوعة في ملكه أو بنى كنيفا، ثم حفر الثاني من بعده، بئرا في ملكه بالقرب من بالوعة جاره أو كنيفه فأوجب ذلك فساد ماء بئر الثاني و تغيره فلا اثم و لا ضمان على مالك البالوعة أو الكنيف، و لا يجب عليه رفعهما ليزيل الضرر عن صاحب البئر.

و كذلك إذا سبق أحدهما فاحتفر في أرضه بئرا ثم حفر الثاني في أرضه بئرا‌

177

من بعده فلم يخرج الماء في البئر الثانية بسبب قرب البئر السابقة منها أو خرج الماء فيها ضعيفا فلا شي‌ء على السابق و لا يجب عليه طم بئره ليزيل الضرر عن صاحبه فان الضرر على اللاحق قد حصل بسبب تصرفه بنفسه في ملكه لا بسبب تصرف الأول في كلتا الصورتين.

(المسألة 45):

تكاثرت الأحاديث الواردة عن الرسول (ص) و عن خلفائه الأئمة المعصومين (ع) الدالة على حرمة إيذاء الجار، و على وجوب كف الأذى عنه و تنوعت في الدلالة على ذلك، ففي بعضها (ان الرسول اللّه (ص) أمر عليا و سلمان و أبا ذر، يقول راوي الحديث و نسيت آخر و أظنه المقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم: انه لا ايمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بذلك ثلاثا)، و عن أبي حمزة قال: (سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: (المؤمن من أمن جاره بوائقه، قلت ما بوائقه قال (ع) ظلمه و غشمه)، و في حديث المناهي عن الرسول (ص): (من أذى جاره حرم اللّه عليه الجنة و مأواه جهنم و بئس المصير، و من ضيّع حق جاره فليس منا، و ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، و في الخبر عن الامام جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام)، قال: (قرأت في كتاب على (ع): ان رسول اللّه (ص) كتب بين المهاجرين و الأنصار و من لحق بهم من أهل يثرب ان الجار كالنفس غير مضار و لا اثم، و حرمة الجار على الجار كحرمة أمه)! و لهذه النصوص و غيرها فيحرم على الجار إيذاء جاره، و يجب عليه كف أذاه عنه، سواء حصل الأذى بتصرف الإنسان في ملكه تصرفا يضرّ بجاره و يؤذيه أم بسبب أخر، فيكون بايذائه إياه عاصيا اثما.

178

(المسألة 46):

و قد استفاضت الأخبار عنهم (صلوات اللّٰه عليهم) في الحث على حسن الجوار و التأكيد على حفظ حقوق الجيران، فعن الرسول (ص) انه قال (حسن الجوار يعمر الديار و ينسئ في الأعمار)، و عن الإمام أبي عبد اللّه (ع): (حسن الجوار يزيد في الرزق)، و في خبر أبي أسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد اللّه (ع): (اقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم و يأخذ بقولي السلام، و أوصيكم بتقوى اللّه (عز و جل) و الورع في دينكم و الاجتهاد للّه و صدق الحديث و أداء الأمانة و طول السجود و حسن الجوار، فبهذا جاء محمد (ص)، و عنه (ع) في حديث أخر: (أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه و لا يعرف حق جاره)، و عن العبد الصالح (ع): (ليس حسن الجوار كفّ الأذى، و لكن حسن الجوار صبرك على الأذى)، و قد تكرر في أحاديثهم (ع): (ان الصبر على أذى الجار و على أذى المؤذين من الناس مما يوجب الأجر الكريم عند اللّه، و انه سبحانه يمتحن العبد المؤمن بالجار المؤذي أو بالقرين المؤذي من أهل بيته أو أرحامه أو بالرفيق المؤذي في سفره أو حضره ليؤجره بذلك إذا صبر) و ورد عنهم (ع): (من كف أذاه عن جاره أقاله اللّه عثرته يوم القيامة).

و لعل المراد بذلك أن يكظم الرجل غيظه مع إيذاء جاره له، و يصبر نفسه على تحمل الأذى منه، و يكف نفسه عن مجازاته بالأذى مع قدرته على ذلك ابتغاء لمرضاة اللّه سبحانه فيستحق بذلك أن يقيله اللّه عثرته في يوم الجزاء.

و قد ذكرنا في أخر كتاب الصلح في الجزء الرابع من هذه الرسالة مسائل تتعلّق بأملاك المتجاورين فليرجع إليها.

179

الفصل الثالث في تحجير الأرض الميتة و الحمى منها

(المسألة 47):

إذا سبق إنسان إلى قطعة من أرض ميتة و لا يد لأحد من الناس فحجر تلك القطعة كما يأتي بيانه كان أولى من غيره في إحيائها و التصرف بها، فلا يحق لغيره أن يضع يده عليها أو يحييها إلا بإذن من حجرها، و إذا أحياها الغير بدون رضاه لم يملكها، و لذلك فقد اشترطنا في صحة إحياء الأرض الموات و في حصول الملك به: ان لا تكون الأرض قد حجرها أحد ممن تحترم حقوقه في الإسلام، إلا إذا كان المحجر قد أسقط حقه من الأولوية بالأرض، و أباحها لذلك المحيي أو أباحها لكل من يرغب في إحيائها، أو عرض له ما يوجب سقوط حقه.

(المسألة 48):

تحجير الأرض هو أن يحدث الشخص فيها ما يدل على اختصاصه بها و منع الآخرين منها لغرض يقصده العقلاء، و سيأتي توضيح المقصود من هذا القيد في بعض المسائل الآتية.

و من أمثلة التحجير: أن يبني الرجل حول الأرض المقصودة له سورا كبيرا أو صغيرا يحيط بها، أو يسدّ حولها سدا من الطين أو غيره، أو يحيطها بحجارة أو يبني من حولها مروزا، أو يحفر أساسا أو يغرز خشبا أو جريدا أو قصبا، أو يحيطها‌

180

بسرك أو قضبان من الحديد و نحو ذلك. و لا يكفى أن يخط من حول الأرض خطة.

و الظاهر انه يكفي في تحقق التحجير أن يبسط المحجر جميع الأرض و يقتلع الإشراك و الطفيليات منها، و إذا فجّر في الأرض عينا نابعة ملك العين، و اختص بحريمها من الأرض من جميع جوانب العين، و إذا شق للعين قناة أو أجرى منها نهرا ملك القناة و النهر، و استحق ما يتبعهما من الحريم، و كذلك إذا استخرج فيها بئرا فيملك البئر و يستحق حريمها من الأرض و قد سبق ذكر جميع هذا مفصلا.

و هل يعدّ إخراج العين أو البئر أو شق القناة أو النهر في الأرض تحجيرا لها و ان لم يسقها بعد بالماء كما يراه بعض الأعلام فيه اشكال، و إذا هو بسط الأرض من حول ما أخرجه فيها و سقاها من الماء كان ذلك تحجيرا للأرض و شروعا في إحيائها بلا ريب.

(المسألة 49):

إذا عمد الرجل إلى أرض قد غمرها الماء و أصبحت من الأهوار منبتا للبردي و القصب أو أجمة تلتف فيها الأشجار غير المثمرة، فجفف الماء و أظهر الأرض كان ذلك تحجيرا لها و كان ذلك الرجل أولى بها من سواه، و كذلك إذا قلع ما فيها من نبات و طفيليات كان ذلك تحجيرا و ان لم يجف الماء بعد، و إذا اقتلع الشجر و النبات من جذوره و جفف الماء فقد حجر الأرض و بدأ في عمارتها و إحيائها.

(المسألة 50):

لا يتقيد تحجير الأرض على الأقرب بأن يكون التحجير لإرادة إحياء الأرض و تعميرها كما يظهر من بعض الأكابر، فإن التحجير قد يحصل لغرض أخر‌

181

من الأغراض المطلوبة عند العقلاء المتعارفة في ما بينهم، كما أشرنا الى هذا في المسألة الثامنة و الأربعين، فقد يحجر الإنسان أرضا ميتة فيسورها لتكون مقبرة مسبلة لأهل البلد، و قد يحجرها ليبقيها أرضا خالية و يتخذها مراحا لماشيته و أنعامه، و قد يحجرها ليبقيها كذلك و يتخذها موضعا يجمع فيه حاصلاته من التمور أو الحبوب أو غيرها، و يعدها فيه للحمل و النقل، و قد يحجرها فيجعلها موضعا بارزا يجتمع فيه أهل بلده أو طائفته في مناسباتهم الدينية فيكون مصلى لهم في العيد مثلا، أو عند الاستسقاء، أو في مناسباتهم العرفية أو الوطنية التي لا بد لهم منها، أو لغير ذلك من الغايات و الأغراض المهمة، و لا مانع من ذلك على الظاهر خصوصا مع توفر الأراضي الموات لكل من يريد إحياء أرض و تملكها بحيث لا يزاحم حقوق الآخرين في ذلك.

و قد يريد الفقهاء القائلون بتقييد التحجير بإرادة إحياء الأرض ما يشمل مثل ذلك مما يحتاج اليه الناس عادة، و ان كانت الأرض لا تزال فارغة من غير التحجير.

(المسألة 51):

يعتبر في التحجير أن تكون العلامات التي يجعلها الرجل في الأرض دالة على اختصاصه بالأرض، و دالة على تحديد القطعة التي يريدها من جميع جهاتها فعليه أن يحجرها من جوانبها الأربعة إذا كانت القطعة في وسط الأرض الموات و يكفيه تحديدها من ثلاث جهات إذا كانت في الجهة الرابعة تنتهي إلى موضع مملوك أو محجر لأحد من الناس، أو تنتهي إلى شط أو بحر مثلا، و يكفيه التحديد من جهتين إذا كانت من الجهتين الباقيتين تنتهي الى بعض المذكورات فإذا أراد الرجل تحجير بعض الشاطئ و كان البعض الذي يريد تحجيره ينتهى من‌

182

جهة اليابسة إلى أرض مملوكة أو محجرة لأحد كفاه أن يحجره من جهتين، و اما من ناحية الشط أو البحر فإنما يفتقر الى تحجيره إذا أبقى من الشاطى فضلة لا يريد الاختصاص بها، أو افتقر الى السد ليمنع الماء عن أرضه و يبدأ بإحيائها أو الانتفاع بها.

(المسألة 52):

تحجير الإنسان للأرض الميتة يوجب كونه أحقّ بالقطعة المحجرة من غيره، و لا يكون مالكا لها إلا بالاحياء، و لذلك فلا يصح له بيع الأرض التي حجرها و لا وقفها الا بعد إحيائها و تملكها.

و الحق الذي يثبت للرجل بتحجير الأرض قابل للانتقال منه الى غيره، فإذا مات قبل أن يحيي الأرض انتقل حقه فيها الى وارثه من بعده، و هو أيضا قابل لأن ينقله المحجر في حياته باختياره الى الغير فيصح له أن ينقله إليه بالمصالحة بعوض و بغير عوض، و يصح له ان يجعل حق التحجير بعد أن يثبت له شرعا في الأرض ثمنا لشي‌ء يشتريه فيملك الشي‌ء الذي اشتراه و ينتقل حق التحجير إلى البائع و يصح أن يجعله عوضا في مصالحة تقع بينه و بين غيره، و أن يجعله عوضا عن شي‌ء يستأجره من مالكه، و أن يكون مهرا في عقد النكاح، و عوضا في الخلع و المبارأة، و يجوز له أن ينقله الى غيره بالهبة، و قد ذكرنا هذا في كتاب الهبة و ان كان ذلك خلاف القول المشهور، فإذا نقل الرجل حق التحجير الذي ثبت له في الأرض إلى غيره بأحد الأسباب التي ذكرناه أصبح الحق لذلك الغير، فيكون أولى بالأرض المحجرة من غيره، و لا يملك الأرض الا بإحيائها و تسقط بالنقل أولوية المحجر الأول.

183

(المسألة 53):

لا يشترط في صحة تحجير الأرض الميتة أن يتولى الشخص المحجر تحجير الأرض بنفسه فيصح له أن يوكّل فيه إنسانا غيره و أن يستأجره ليحجر له الأرض على الوجه الذي يحدده في عقد الوكالة أو الإجارة بينهما، فإذا حجرها الوكيل أو الأجير وفقا لما يريده الأصل صح عملهما و ثبت الحق للأصيل المنوب عنه فكان أولى بالأرض من غيره، و لا حق فيها للوكيل و الأجير.

(المسألة 54):

إذا تبرع أحد عن زيد مثلا فحجّر له أرضا مواتا متبرعا له بعلمه من غير استنابة و لا توكيل من زيد نفسه، و قبل زيد منه تبرعه على أشكل الحكم بصحة التحجير لزيد، و كذلك إذا حجر الأرض بالنيابة عنه على نحو الفضولية في النيابة و أجاز الأصيل نيابة و تحجيره ففي صحة ذلك اشكال، و لا يترك الاحتياط بالمصافحة و المراضاة بينهما في كلتا الصورتين.

(المسألة 55):

إذا حجر الإنسان أرضا مواتا بقصد أن يحييها و يتملكها بعد التحجير، ثم بدا له بعد ما حجرها بهذا القصد أن يستعمل الأرض في وجهة أخرى من الغايات المتعارفة، فيتخذها مراحا لما لماشيته أو يسبلها مقبرة لدفن الموتى من أهل قريته أو يجعلها لغير ذلك من وجوه الانتفاع بها جاز له ذلك، و نظيره في الحكم ما إذا حجر الأرض لبعض الغايات و الوجوه المذكورة ثم بدا له أن يعمر الأرض و يحييها فيجوز له ذلك و لا يتعين عليه أن ينتفع بالأرض في الجهة الأولى التي قصدها عند‌

184

التحجير، و لا يسقط حقه من الأولوية بالأرض بسبب عدوله عن الغاية الأولى الى الغاية الثانية.

(المسألة 56):

انما يثبت للإنسان حق الأولوية بالأرض الموات بتحجيرها، و يكون له منع غيره عن التسلط عليها إذا كان قادرا على اعمار الأرض، و توجيهها في الوجهة المقصودة له، المتعارفة بين العقلاء من تحجير الأرض فإذا حجر الأرض و هو عاجز عن إحيائها أصلا، فلا يستطيع أن يقوم بعمارتها بنفسه و لا بالتوكيل أو الاستئجار لغيره، و لا يجد الأسباب التي تمكنه من الإحياء، و لا يقدر أن يوجه الأرض وجهة أخرى من الغايات الصحيحة، فلا اثر لتحجيره، و لا تكون له أولوية على غيره في الأرض المحجرة.

و كذلك إذا حجّر أرضا مواتا تزيد على مقدار ما يمكنه تعميره و إحياؤه منها و ما يمكنه استعماله و الانتفاع به من الوجوه الصحيحة غير الاحياء، فيثبت له حق التحجير في المقدار الذي يستطيع استعماله منها، و ينتفي حقه في الزائد الذي يعجز عنه.

و يتفرع على ذلك انه لا يصح للرجل أن يحجر أرضا يعجز عن استعمالها كما ذكرنا، ثم ينقل حقه من الأرض إلى غيره بمصالحة أو هبة أو بإحدى المعاملات التي يصح نقل حق التحجير بها، فان حق التحجير لا يثبت له في الفرض المذكور حتى يصح له نقله الى غيره بعوض أو بغير عوض.

(المسألة 57):

يجوز لمن حجر أرضا مواتا و ثبت له حق التحجير فيها على الوجه الصحيح‌

185

أن يسقط حقه من الأرض باختياره، و يجوز له أن يعرض عنه كما يعرض عن سائر مملوكاته و أمواله، فإذا هو أسقط الحق باختياره أو أعرض عنه زال حقه بذلك و عادت الأرض مباحة لأي أحد يريد إحيائها من الناس، و ان كانت آثار التحجير لا تزال موجودة في الأرض، و كذلك إذا زالت آثار التحجير منها، و دل ذهابها على أن محجرها قد أعرض عن حقه فيها، و مثال ذلك: أن تنمحي آثار التحجير، و تبقى الأرض مهملة غير محجرة مدة من الزمان و صاحب الحق يراها و لا يلتفت إليها و هو قادر على إحيائها أو اعادة تحجيرها على أدنى التقادير.

(المسألة 58):

إذا تعمد أحد من الناس فأزال آثار التحجير من الأرض لم يزل حق التحجير ثابتا لصاحبه و هو المحجر الأول، و كذلك إذا زالت الآثار بعاصف من الريح أو مطر شديد أو شبه ذلك فلا يزول بذلك حق صاحب الحق و خصوصا مع قصر المدة، و إذا انمحت آثار التحجير من الأرض لطول المدة أشكل الحكم بزوال حق التحجير بذلك.

(المسألة 59):

إذا حجر الإنسان لنفسه أرضا ليحييها و يتملكها، لزمه بعد التحجير أن يشرع بعمارة الأرض أو يبدأ بمقدمات ذلك إذا كان تعميرها يتوقف على مقدمات و لا يجوز له أن يهمل الأرض و يترك إحيائها، و إذا أهمل المحجر الأرض التي حجرها و مضت على ذلك مدة فالأحوط لغيره إذا أراد وضع اليد عليها و إحياءها أن يرفع الأمر إلى الحاكم الشرعي إذا كان موجودا و مبسوط اليد، فيلزم من حجر الأرض اما أن يختار تعمير الأرض و إحياءها فلا تبقى معطلة، و اما ان يرفع يده عن‌

186

الأرض لمن شاء من الناس.

و إذا أظهر المحجر لنفسه عذرا مقبولا، فادعى أنه يريد التفرغ لتعمير الأرض من بعض أعماله و مشاغله مثلا، أو أنه ينتظر قدوم عمال يعتمد عليهم، أو يطلب الحصول على آلات صالحة يعمر بها الأرض، أمهله الحاكم مدة يزول فيها عذره، فإذا انقضت المدة و لم يبدأ بتعمير الأرض بطل حقه من تحجير الأرض جاز لغيره ان يقوم بعمارتها.

(المسألة 60):

إذا طالت مدة إهمال المحجر للأرض بعد تحجيرها فلم يعمرها و لم يوجد الحاكم الشرعي ليخيّره بين تعمير الأرض و رفع اليد عنها أو كان الحاكم غير قادر على ذلك، فالأحوط أن يراعي للمحجر حق تحجيره للأرض إلى مدة ثلاث سنين فإذا انقضت المدة سقط حقه و جاز لغيره إحياء الأرض، و كذلك الحكم إذا حجر الأرض لبعض الغايات الأخرى التي يصح التحجير لها، فإذا هو أهمل و لم يستعملها في الوجهة المقصودة جرت فيها الفروض التي ذكرناها في هذه المسألة و سابقتها و انطبقت عليها الاحكام التي بيناها.

(المسألة 61):

الحمى من الأرض حق مخصوص يتولى جعله و تعيينه ولي الأمر في الإسلام، و هو الرسول (ص) و الإمام المعصوم من أوصيائه (ع) لأنهما أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا حمى موضعا معينا من الأرض أو قطعة أو أكثر منها فجعلها لجهة من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة أو لما شاء من الأمور كما تقتضيه ولايته التامة العامة، لم يجز لأحد من الناس ان يتسلط على ذلك الحمى‌

187

و يتصرف فيه بتحجير أو أحياء أو انتفاع في غير الجهة التي عينها ولي الأمر (ع).

و قد ذكر في كتب التاريخ و في كتب السيرة النبوية ان الرسول (ص) قد حمى النقيع، و هو موضع في المدينة، فجعله مرعى لإبل الصدقة و الجزية، و لخيل المجاهدين، لم بذكر انه (ص) حمى لنفسه موضعا أو قطعة من الأرض، و لم يذكر كذلك أن الوصي المعصوم (ع) قد حمى من بعده أرضا لمثل ذلك، و قد تقدم ذكر اقطاع الرسول و الإمام (عليهما السلام) لبعض المسلمين و الإقطاع غير الحمى.

(المسألة 62):

لا يجوز لغير الرسول و الامام المعصوم (عليهما السلام) أن يحمي موضعا أو قطعة من الأرض، و إذا حماه غيرهما لم تترتب عليه أحكامه.

و إذا أحيى الرجل ضيعة فملكها بالإحياء أو ملكها بغير الاحياء من الأسباب الشرعية للتملك، و أراد أن يعين موضعا من ملكه فيجعله مرعى خاصا لماشيته و أنعامه، أو لمواشي أرحامه أو أهل قريته، جاز له ذلك، و اختص الموضع بالجهة الخاصة التي عيّنها مالك الأرض، و هو أمر أخر غير الحمى من الأرض الموات الذي يختص بجعله ولي المسلمين (ع).

188

الفصل الرابع في ما يحصل به إحياء الأرض الميتة

(المسألة 63):

تختلف كيفية إحياء الأرض الموات باختلاف الوجهة التي يبتغيها الإنسان من إحيائها و الغرض الذي يطلبه من عمارتها، فإن الإنسان قد يعمر الأرض ليجعلها دارا يسكنها أو يؤجرها، و قد يعمرها لتكون ضيعة له أو بستانا أو مزرعة ينتفع من ثمرها و حاصلها، و قد يحييها فيفجر فيها عينا جارية، أو يحفر فيها بئرا نابعة، أو يشق في الأرض قناة أو نهرا، و يجرى فيهما الماء من العين أو البئر و يسقى مزرعته أو ضيعته أو قريته، و لا ريب في ان عمارة كل واحد من هذه الأشياء و إحياءه يختلف عن غيره و المرجع في جميع ذلك الى العرف الموجود بين الناس في صدق تعمير الجهة التي يريدها الإنسان و إحيائها.

(المسألة 64):

يتوقف إحياء الأرض قبل الشروع فيه على رفع الموانع التي تكون في الأرض عن قبول الاحياء و التعمير، فقد تكون الأرض منبتا للأشواك و الحسك و السلم و ما يشبه ذلك من النباتات الخشنة، فلا يمكن إحياء الأرض حتى يزال منها جميع ذلك، و تصبح نقية منها و من جذورها و قد يكون وجه الأرض قد استولى عليه السبخ أو الرمل الناعم أو الحصى الخشق فلا تكون قابلة للتعمير الا بعد تنقيتها من ذلك، و قد تكون مما كثرت فيها التلول و الهضاب و الأودية، فلا‌

189

تمكن عمارتها الا بعد تسوية الأرض و بسطها و إزاحة ما فيها من العقبات المانعة و قد تكون الأرض قد استأجمت لغلبة الماء و الأشجار و النباتات الغريبة عليها و لا بدّ قبل الشروع في الاحياء من تجفيف الماء عنها، و قلع ما فيها من النبات و الشجر الذي يمنع من ذلك و تسوية الأرض، و طم الحفر و ازالة الجذور.

(المسألة 65):

إذا عمر الإنسان حجرة في الأرض الميتة فبنى جدرانها الأربعة و وضع عليها سقفها على الأحوط فيه و أصبحت بذلك صالحة للسكنى، فقد احيي موضع الحجرة من الأرض و ملكه بالاحياء و ان لم ينصب لها بابا، و كذلك إذا بنى في الأرض بيتا من قصب أو من خشب أو حديد أو غيره و سقف البيت، و أصبح البيت قابلا للسكنى فيه فقد أحيى الموضع و ملكه، و إذا أدار حول الحجرة التي بناها و الساحة حائطا يسورهما من جوانبهما فقد عمر الدار و عمر ساحتها و أحياها و ملك الأرض و الدار بذلك و ان لم ينصب للحجرة أو للدار بابا.

و إذا بنى جدارا حول القطعة التي يختارها من الأرض فسؤّر القطعة بالجدار من جميع جهاتها ثم بنى فيها قواطع تامة لحجرة واحدة أو أكثر و أتم ذلك بحيث عدت حجرا في نظر أهل العرف، فقد عمر بذلك الدار و ساحتها و ملك الجميع و ان لم يسقّف الحجر و لم ينصب أبوابها.

و مثل ذلك: ما إذا بنى الحائط و البيوت من القصب أو من الخشب شبهها فيتم بذلك تعمير المنزل و إحياؤه و يتملكه المحيي و ان لم تسقف البيوت و لم تنصب الأبواب.

190

(المسألة 66):

لا يكفي في تعمير الدار و إحيائها ان يبني الجدران المحيطة بها ما لم يبن معها القواطع التي تكون فيها و لو لحجرة واحدة كما ذكرنا في المسألة المتقدمة فلا تحيي الدار الا بذلك كله و لا تملك، و يكفى بناء الجدران المحيطة بالأرض إذا أراد تعمير حظيرة للحيوان، فيتم له بذلك إحياؤها و يتحقق له ملكها، و إذا هو أحياها بذلك حظيرة و ملكها، ثم بدا له أن يجعلها دارا أو مزرعة أو شيئا أخر، جاز له ان يفعل فيها ما يشاء، و لا يزول ملكه للأرض بعد الاحياء و التملك و ان تغير قصده الأول إلى القصد الثاني.

(المسألة 67):

الظاهر انه يكفي في تعمير القطعة من الأرض الميتة ليجعلها الرجل موضعا لجمع التمر و تشميسه و تنقيته و كبسه، أو موضعا لجمع الحبوب أو الثمار و المخضرات و اعدادها فيه للحمل و النقل، أن تزال الموانع التي تكون في الأرض من حشائش و اشواك و حجارة و تطم الحفر، و تبسط الأرض و يتم اعدادها و تهيئتها للمقصد الذي يريده المحيي، و لا يتوقف على بناء أو سقف إلّا إذا احتاج الى ذلك ليحفظ الثمار من مطر و شبهه أو يحفظها من سرّاق و غيرهم.

و إذا عمر الأرض كذلك بهذا القصد فقد أحياها و ملكها، و إذا بدا له بعد التملك أن يجعل الأرض دارا أو عقارا أو مزرعة جاز له ان يفعل فيها ما يشاء و لم يزل ملكه عنها بتغير قصده السابق كما قلنا في نظيره المتقدم.

(المسألة 68):

يكفي في تعمير القطعة من الأرض الموات لتكون إصطبلا للخيل و الدواب‌

191

أن يبني الرجل فيها جدارا يحيط بثلاث جهات منها، و يبني فيها بعض المعالف و الأحوط أن يسقف و لو بعضه، فإذا فعل ذلك فقد عمر ما في هذه الحدود من الأرض في نظر أهل العرف و إذا بنى الجدار في الجهة الرابعة فقد أحيى جميع ما بين الجدران من الأرض و ملكه من غير اشكال، و الظاهر عدم الحاجة الى السقف في تحقق الاحياء في هذه الصورة.

(المسألة 69):

إذا أراد الإنسان أن يحيي الأرض الموات و يتخذها دكاكين ينتفع بالتكسب و الاتجار فيها، أو بإجارتها على الناس، كفاه أن يبني في الأرض جدارا مستطيلا بقد حاجته منها و يبني على الجدار قواطع تامة للدكاكين تحدد مقاديرها و مواضع الأبواب منها، فإذا فعل ذلك فقد عمر الأرض و الدكاكين و أحياها و ملكها بذلك، و ان لم يضع على الدكاكين سقفا و لم ينصب لها أبوابا.

و تتبع الدكاكين من الأرض الموات مما يلي مواضع الأبواب مقدار الطريق الى الدكاكين في السلوك و الدخول و الخروج، و مرور الأثقال و البضائع و أدوات النقل و الحمل، و مرور العابرين و المترددين إليها بما يفي بالحاجة المتعارفة في البلد، فيكون ذلك حريما للدكاكين و الأرض المملوكة و حقا لمالكها، و لا يجوز لغيره من الناس أن يتسلط أو يتصرف في هذا الحق، و إذا عمره مالك الدكاكين طريقا إليها كان ملكا له.

(المسألة 70):

إذا احيي الرجل له دارا أو دكاكين من الأرض الميتة على الوجه الذي أوضحناه استحق من الأرض المميتة طريقا يسلكه الى داره أو دكاكينه مما يلي‌

192

الأبواب، و إذا عمر غيره من هذه الأرض الميتة دارا أو دكاكين تقابل عمارة الأول في البناء و الأبواب اشتركا في الطريق بينهما، و لا يجوز للثاني أن يزاحم الأول في مقدار حريم ملكه، فيبني فيه و قد تقدم ذكر هذا.

و إذا أسس الرجل عمارة داره أو دكاكينه متصلة في أرض مملوكة لغيره لم يجز له ان يتخذ له طريقا في ملك جاره إلا باذنه، و قد تقدم تفصيل هذا في الفصل الثاني.

(المسألة 71):

قد يحتاج الإنسان بحسب العادة الجارية و المتعارفة في العصور الحديثة الى حديقة خاصة تلحق بداره و لا يتم الانتفاع بالدار في هذه الأزمان إلا بها، فيكون مقدار الحديقة من الأرض الميتة المتصلة بالدار حريما يتبع الدار بعد تعميرها و تملكها، و يكون حقا من حقوق مالك الدار، و المرجع في تحديد مقدار ذلك الى العرف الموجود بين أهل البلد، و لا يجوز لأحد مزاحمته فيه، كما هو الحكم الثابت في نظائره، و إذا سوره مالك الدار كما تسور الحدائق الخاصة و وصله بعمارة داره فقد أحياه و ملكه و ان لم يغرس أو يزرع فيه شيئا.

(المسألة 72):

تتوقف عمارة الأرض الموات ليجعلها الإنسان مزرعة، على أن ينقى الأرض من الموانع و الطفيليات التي تميت الزرع، أو تضعف نموّه، أو تقلل نتاجه و تتوقف أيضا على تسوية الأرض و بسطها ليستقيم زرعها و يعمّ، و يسهل سقيها عند الحاجة، و هذا مما تشترك فيه أنواع المزارع و أصنافها.

و تستثنى من ذلك السهول و التلال القابلة بنفسها للزرع و التي تكتفي في‌

193

سقيها بماء المطر و الطل، فلا تحتاج إلى تسوية و بسط.

و الظاهر أن تعمير الأرض الميتة لتكون مزرعة من أي أنواع المزارع و أصنافها يحصل بأعداد الأرض أعدادا كاملا و تمهيدها للزراعة التي يقصدها ذلك الشخص، و تهيئة وسائل سقيها من تفجير عين أو حفر بئر أو شق نهر و مجاري و سواقي، و اعداد دلاء أو ناعور أو مكينة، بحيث يصدق على الأرض في نظر أهل العرف انها مزرعة.

و لا يعتبر في تعمير الأرض لذلك أن تحرث بالفعل أو تزرع أو تسقى بالماء، فان جميع ذلك مما يتوقف عليه حصول الانتفاع بالمزرعة بعد إحيائها و بعد صدق اسم المزرعة، فإذا أعد الإنسان الأرض كما ذكرنا و حفر لها سواقيها و هيأ الوسائل لسقيها فقد عمر المزرعة و أحياها و ملكها و ان لم ينتفع بها الا بعد الحرث و الزرع و السقي و النّمو بل و الاثمار و الإنتاج.

(المسألة 73):

إذا كانت الأرض الميتة بذاتها صالحة للزراعة بالفعل بحيث لا تحتاج الى عمل و اعداد و تهيئة لذلك، و كانت تكتفي في سقيها بماء السماء بحيث لا تحتاج الى شق سواقي و إحضار وسائل، احتاجت الى تحجير يفصل القطعة التي يريدها الرجل و يرغب في إحيائها عن بقية الأرض من جميع جوانبها بسور صغير أو كبير يفصل ما بينهما، أو بنصب مروز، أو جمع تراب في حدود القطعة المطلوبة، فتعيّن مزرعته عن سائر الأرض، لئلا تشتبه الحدود و تلتبس الحقوق، و يحصل التعمير بحرث الأرض و زرعها بالفعل، و يكثر وجود هذا الفرض في الأراضي المهيأة بنفسها لزراعة الحنطة و الشعير، و التي تكتفي في السقي و الارتواء بماء المطر‌

194

و نحوه أو بامتصاص المزروعات فيها من مياه الأرض لقرب منابع العيون و توفر الماء.

(المسألة 74):

تختص مزارع الأرز في بلاد العراق و ما أشبهها بأن المزرعة تكون قريبة من الأنهار الكبيرة التي تزيد في مواسم الزيادة و يختلط ماؤها برواسب الطين مثل دجلة و الفرات و روافدهما و فروعهما، و تكون أرض المزرعة منخفضة في العادة عن مستوي الماء في النهر أو أن الزارع نفسه يعد الأرض كذلك، و يفتح لها ساقية من النهر حتى يمتلئ قاع المزرعة بالماء المختلط بالطين، فإذا رسب الطين في أرض المزرعة و صفا فوقه الماء فتح له منافذ على مجاري قد أعدها لينحدر إليها الماء الصافي الفاضل عن الحاجة و تكون الزراعة في الطين الراسب في قاع المزرعة و الماء المختلط بالطين فوقه، و هذه أمور يعرفها الزارع من أهل هذا الصنف، و يد أبون في العمل عليها.

و تعمير مثل هذه المزرعة ان يعدها الزارع بعمله فيها لتكون صالحة لما يريد و مهيأة للانتفاع بها حين الزراعة و بذلك يكون قد أحياها و ملكها.

(المسألة 75):

إذا أراد الإنسان ان يعمر الأرض الميتة ليجعلها ضيعة له أو بستانا لزمه أن يعد الأرض لذلك و يمهدها و يهيئ، وسائل السقي على النحو الذي ذكرناه في المسألة الثانية و السبعين، و أن يغرسها بعد الاعداد و التمهيد نخيلا أو شجرا أو كليهما، و لا يتوقف صدق تعمير الضيعة أو البستان في نظر أهل العرف على أن يسوّر الأرض بجدار و شبهه، و لا على سقى الغرس إذا كان له من رطوبة الأرض أو‌

195

من ماء السماء ما يكفيه لاستعداده للنّمو.

(المسألة 76):

يتحقق اعمار العين في الأرض بأن يحفر الأرض حتى ينبع ماء العين سواء نبع قليلا أم كثيرا، و كذلك تعمير البئر، و إذا حفر الأرض و لم ينبع الماء في العين أو البئر لم يتحقق إحياؤهما و لم يملكهما، و يكون الحفر تحجيرا للأرض التي حفرها فيثبت للحافر حق الأولوية بها من غيره.

و يتحقق تعمير القناة بشقها في الأرض و إخراج العين أو البئر التي يجري ماء القناة منها، و كذلك الحكم إذا كانت القناة قديمة دارسة، فلا تعمر الا بإصلاح شق القناة و إخراج العين أو البئر حتى يجري الماء في القناة منهما، و يتحقق اعمار النهر بحفره في الأرض الى أن يصل الى الشط أو النهر الكبير الذي يجري فيه الماء المباح و تستقي منه الأنهر المتفرعة، و لا يعتبر في حصول تعميره أن يجري الماء فيه بالفعل، فإذا حفر الإنسان النهر الى ما يقرب من الشط و أبقى بينهما فاصلا صغيرا يزيله من احتاج الى إجراء الماء في النهر فقد احيى النهر و ملكه.

196

الفصل الخامس في المشتركات بين الناس

و يراد بالمشتركات الطرق العامة و المساجد و المدارس و الرباطات و المياه و المعادن، و لا تنحصر المشتركات بين الناس في حكم الشريعة بالأشياء المذكورة، و لكن هذه المعدودات أمور اعتاد الفقهاء (قدس اللّه أسرارهم) أن يبحثوا عنها في هذا الكتاب تبعا لإحياء الموات.

(المسألة 77):

الطريق النافذ من طرق البلد أو القرية حق عام يشترك فيه الناس كافة، و لا يختص به أصحاب الدور و المنازل التي تشرع أبوابها في ذلك الطريق دون غيرهم.

و الطريق النافذ هو الذي يتصل من أخره بطريق عام من طرق البلد أو بأكثر أو يتصل بساحة من ساحاته العامة، و لذلك فيكون من الممكن لعامة الناس أن يستطرقوا فيه، و يعبروا لحاجاتهم و مقاصدهم في الذهاب و الإياب، و في المرور من موضع الى موضع، و يسمى كذلك بالشارع العام و الطريق العام، و يقابله الطريق غير النافذ، و هو الذي تقطعه من أخره دار مملوكة أو ما يشبهها، و لذلك فلا يمكن العبور منه و النفوذ الى غيره من الطرق أو الساحات في البلد، و يسمى أيضا الطريق الخاص، و الدريبة، و السكة المقطوعة، و سنتعرض لبيان بعض أحكامها في ما يأتي من المسائل ان شاء اللّه تعالى.

197

(المسألة 78):

الشارع العام في البلد أو في القرية حق شرعي عام يشترك في إباحة الانتفاع به الناس كافة، و لا يختص جواز الانتفاع بالمرور و الاستطراق فيه، و ان كان هذا هو الفائدة المهمة الملحوظة عند جعل الطريق للناس، بل يجوز الانتفاع به في الجهات الكثيرة الأخرى التي تتعلق بالمرور، فيجوز للمارّ فيه ان يقف في الطريق و أن يجلس مع أصحابه و غيرهم للاستراحة أو للمكالمة في بعض الأمور، و يصح له الوقوف أو الجلوس فيه لانتظار أحد، أو لانتظار وسيلة نقل، و يجوز له وضع بعض الأمتعة أو بعض الأثقال و الأحمال في الطريق لينقلها الى داره، أو الى موضع أخر، و أمثال ذلك من الانتفاعات المتعارفة بالطريق، و ان زاحم بعض المارة فيها.

بل، و يجوز للرجل أن ينتفع بالطريق العام في جهات لا تتعلق بالاستطراق و المرور إذا هو لم يزاحم المارين و لم يضرّ بالمرور، فيجوز له أن يتخذ من بعض جوانبه مجلسا يجتمع فيه مع أصدقائه، و يجوز له النوم فيه و إحضار الطعام لبعض أصحابه، و أداء الصلاة، و ما يشبه ذلك من الانتفاعات، و يجوز له أن يجلس في الشارع أو يقف للبيع و الشراء و المعاملة، و ان يضع فيه بعض الأمتعة و الأثاث أو الفاكهة أو المأكولات الأخرى و المشروبات لبيعها، و يتخذه موضعا لكسبه و حرفته في التعيش، إذا هو لم يضايق المارة و لم يضر بالمرور، و لا يحق لغيره أن يمنعه أو يزعجه عن الموضع إذا سبق إليه.

(المسألة 79):

إذا جلس الرجل في الطريق العام للاستراحة فيه، أو للتنزه أو للتحدث مع بعض أصحابه أو للانتظار، ثم قام من موضعه بعد انتهاء غرضه من الجلوس، فلا‌

198

حق له في الموضع، فإذا جلس غيره في المكان لم يجز للأول منعه أو إزعاجه من الموضع.

و إذا جلس أو وقف في موضع من الشارع العام و وضع فيه متاعه و رحله للبيع و الشراء و التكسب، ثم قام من موضع و رفع منه رحله و متاعه زال بذلك حقه من المكان، فإذا جلس في المكان غيره لم يجز للأول أن يمنعه أو يزعجه عن الانتفاع بالمكان.

و إذا ترك الأول مكانه من الشارع و أبقى فيه بساطا أو فراشا أو نحو ذلك ليعود الى المكان بعد قيامه منه، أشكل الحكم بزوال حقه من الموضع و عدم زواله و الأحوط الرجوع الى المصالحة، و أشدّ من ذلك اشكالا ما إذا قام الرجل الأول من المكان و أبقى المتاع في موضعه ليعود الى بيعه، بل الحكم ببقاء حقه في المكان في هذه الصورة لا يخلو من وجه، و الاحتياط سبيل السلامة.

و إذا ذهب من موضعه في الشارع و أبقى متاعه في مكانه كما قلنا و استناب أحدا ليتولى البيع و الشراء في المتاع و المكان بالنيابة عنه ما دام غائبا عن متاعه لم يزل حقه، فلا تجوز لغيره من الناس مزاحمته أو مزاحمة نائبه أو ازعاجهما عن المكان، و ليس من الاستنابة التي ذكرنا حكمها أن يخلف الرجل الأول بعد قيامه من الموضع رجلا غيره ليبيع و يشتري لنفسه أو في غير متاع الأول، فلا يحق له ذلك.

(المسألة 80):

إذا جلس الرجل في الطريق العام للبيع و الشراء و المعاملة كان موضع جلوسه أو وقوفه حقا له، و يتبعه من المكان الموضع الذي يجعل فيه رحله و يضع‌

199

فيه متاعه، و الموضع الذي يقف أو يجلس فيه الأشخاص المتعاملون معه، بل و المقدار الذي يتمكن الآخرون من رؤية متاعه و الوصول اليه، فلا تجوز للغير مزاحمته في هذه المواضع أو منعه منها، و لا تثبت له هذه الحقوق، و لا تصح هذه الاحكام إذا زاحمت المارة أو أضرت بالمرور.

(المسألة 81):

يجوز لمن يجلس في الشارع ليبيع و يشتري أو ليعامل أن ينصب على موضعه ظلا يقيه و يقي متاعه من الشمس و البرد و المطر و نحوها إذا كان ذلك لا يضرّ بالمارة و لا يزاحم المرور.

(المسألة 82):

إذا جلس الشخص في الشارع فباع و اشترى و عامل في موضع معين منه لم يثبت له الحق في ذلك الموضع في الأيام الأخرى، إذا هو لم يسبق اليه، فإذا سبقه غيره الى ذلك الموضع في اليوم الثاني مثلا لم يجز للأول منعه و إزعاجه منه و كذلك إذا تكرر منه الجلوس في الموضع و البيع و الشراء فيه، فلا يثبت له الحق بسبب تكرره أو ملازمته له، و انما يثبت الحق لمن سبق الى المكان.

(المسألة 83):

الشارع حق تشترك في الانتفاع به عامة الناس، و لذلك فلا يجوز لأحد أن يختص به بتحجير و نحوه أو يتملكه بالإحياء، أو يبني فيه دكانا أو مخزنا لحوائجه أو حائطا لبعض أغراضه أو يستخرج فيه عينا أو بئرا، و لا يجوز له أن يبني فيه دكة يعرض عليها متاعه للبيع.

و لا يمنع من أن يزرع في الشارع شجرا و نحوه لينتفع الناس بالاستظلال‌

200

بفيئة، إذا كان الشارع متسعا و كان الغرس لا يمنع الاستطراق و لا يضر بالمارة، كما في الشوارع الحديثة، و يجوز كذلك ان يحفر الرجل في أرض الشارع بالوعة تجتمع فيها مياه الأمطار و شبهها إذا هو أحكم أسس البالوعة و بناءها و سقفها، و لم تضر بالاستطراق، بل ينبغي فعل ذلك و ما أشبهه فإنه من المصالح التي تقتضيها نزاهة الطريق و صيانته عن الأقذار و الأوساخ، و يجوز حفر مجرى في أرض الشارع لتجري فيه فضلات المياه و تخرج الى موضع أخر لصيانة الطريق كذلك.

(المسألة 84):

الظاهر أنه يجوز للرجل أن يحفر في أرض الشارع بالوعة خاصة لمنزله أو سردابا ينتفع به في أيام الحر في داره الى جنب الشارع، و هذا إذا هو احكم أسس البالوعة و السرداب و بناءهما و سقفهما فلم يضر وجودهما بالشارع و بمنافعه العامة.

و يجوز له أن يخرج لمنزله روشنا أو جناحا على الشارع العام، و أن يفتح لداره بابا فيه، و ينصب له ميزابا، أو يفتح له مجرى تجري منه مياه المطر و الغسالات فيه، إذا لم يضر ذلك بالمارّة و لا بالمرور.

(المسألة 85):

من الأسباب المعروفة التي بها يكون الموضع من الأرض شارعا عاما للناس، و تجرى عليه الاحكام المتقدم ذكرها: أن يكثر استطراق الناس في موضع من الأرض الميتة حتى يصبح الموضع جادة معروفة المعالم، مسلوكة للأفراد و الجماعات و القوافل، يترددون فيها من موضع الى موضع و من بلد الى بلد، و من هذا القسم الطرق و الجواد التي يسلكها الناس و قطارات الإبل و الدواب في‌